الأم للشافعي

الشافعي

كتاب الطهارة

[كِتَاب الطَّهَارَة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ " أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ بَيِّنًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ غَسْلَهُمْ إنَّمَا كَانَ بِالْمَاءِ ثُمَّ أَبَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ وَكَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَاءَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ وَذِكْرُ الْمَاءِ عَامًّا فَكَانَ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْقُلَّاتِ وَالْبِحَارِ الْعَذْبُ مِنْ جَمِيعِهِ وَالْأُجَاجُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ يُطَهِّرُ مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ مِنْهُ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَاءٍ طَاهِرٌ مَاءُ بَحْرٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ رَجُلٌ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَبَّرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هِنْدٍ الْفِرَاسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْبَحْرُ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ الْمَاءِ طَهُورٌ مَا لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ وَلَا طَهُورَ إلَّا فِيهِ أَوْ فِي الصَّعِيدِ، وَسَوَاءٌ كُلُّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ أُذِيبَ وَمَاءٍ مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ طَهَارَةُ النَّارِ وَالنَّارُ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ الْمَاءُ فَيَغْتَسِلُ بِهِ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ الْمَاءَ الْمُشَمَّسَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَا يُنَجَّسُ إلَّا بِنَجَسٍ خَالَطَهُ وَالشَّمْسُ وَالنَّارُ لَيْسَا بِنَجَسٍ إنَّمَا النَّجِسُ الْمُحَرَّمُ، فَأَمَّا مَا اعْتَصَرَهُ

الماء الذي ينجس والذي لا ينجس

الْآدَمِيُّونَ مِنْ مَاءِ شَجَرِ أَوْ وَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ طَهُورًا وَكَذَلِكَ مَاءُ أَجْسَادِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ لَا يَكُونُ طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَا اسْمُ مَاءٍ إنَّمَا يُقَالُ لَهُ: مَاءٌ بِمَعْنَى مَاءِ وَرْدٍ وَمَاءِ شَجَرِ كَذَا وَمَاءِ مَفْصِلِ كَذَا وَجَسَدِ كَذَا وَكَذَلِكَ لَوْ نَحَرَ جَزُورًا وَأَخَذَ كِرْشَهَا فَاعْتَصَرَ مِنْهُ مَاءً لَمْ يَكُنْ طَهُورًا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ إلَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ يُقَالُ مَاءُ كِرْشٍ وَمَاءُ مَفْصِلٍ كَمَا يُقَالُ مَاءُ وَرْدٍ وَمَاءُ شَجَرِ كَذَا وَكَذَا فَلَا يَجْزِي أَنْ يَتَوَضَّأَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. [الْمَاءُ الَّذِي يَنْجُسُ وَاَلَّذِي لَا يَنْجُسُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) : الْمَاءُ مَاءَانِ: مَاءٌ جَارٍ وَمَاءٌ رَاكِدٌ، فَأَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ مُحَرَّمٌ مِنْ مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَاحِيَةٌ يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ فَتِلْكَ النَّاحِيَةُ مِنْهُ خَاصَّةً مَاءٌ رَاكِدٌ يَنْجُسُ إنْ كَانَ مَوْضِعُهُ الَّذِي فِيهِ الْمَيْتَةُ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ نَجُسَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَا يَقِفُ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِذَا مَرَّتْ الْجِيفَةُ أَوْ مَا خَالَطَهُ فِي الْجَارِي تَوَضَّأَ بِمَا يَتْبَعُ مَوْضِعَ الْجِيفَةِ مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا يَتْبَعُ مَوْضِعَهَا مِنْ الْمَاءِ غَيْرُ مَوْضِعِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْجَارِي قَلِيلًا فِيهِ جِيفَةٌ فَتَوَضَّأَ رَجُلٌ مِمَّا حَوْلَ الْجِيفَةِ لَمْ يُجْزِهِ إذَا مَا كَانَ حَوْلَهَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ كَالْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَيَتَوَضَّأُ بِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا فِي الْمَاءِ الْجَارِي أَنَّ كُلَّ مَا مَضَى مِنْهُ غَيْرُ مَا حَدَثَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدًا يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَإِذَا كَانَ الْمُحَرَّمُ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ يَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ نَجُسَ، وَلَوْلَا مَا وَصَفْت وَكَانَ الْمَاءُ الْجَارِي قَلِيلًا فَخَالَطَتْ النَّجَاسَةُ مِنْهُ مَوْضِعًا فَجَرَى، نَجُسَ الْبَاقِي مِنْهُ إذَا كَانَا إذَا اجْتَمَعَا مَعًا يَحْمِلَانِ النَّجَاسَةَ، وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفْت كُلُّ شَيْءٍ جَاءَ مِنْهُ غَيْرُ مَا مَضَى، وَغَيْرُ مُخْتَلَطٍ بِمَا مَضَى وَالْمَاءُ الرَّاكِدُ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ كُلُّهُ فَيَقِفُ فَيَصِيرُ مَا حَدَثَ فِيهِ مُخْتَلِطًا بِمَا كَانَ قَبْلَهُ لَا يَنْفَصِلُ فَيَجْرِي بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ كَمَا يَنْفَصِلُ الْجَارِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ الْجَارِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ كَانَ نَجِسًا، وَإِنْ مَرَّتْ جَرْيَتُهُ بِشَيْءٍ مُتَغَيِّرٍ بِحَرَامٍ خَالَطَهُ فَتَغَيَّرَتْ ثُمَّ مَرَّتْ بِهِ جَرْيَةٌ أُخْرَى غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ فَالْجَرْيَةُ الَّتِي غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ طَاهِرَةٌ، وَالْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي مَوْضِعٌ مُنْخَفِضٌ فَرَكَدَ فِيهِ الْمَاءُ، وَكَانَ زَائِلًا عَنْ سَنَنِ جَرْيَتِهِ بِالْمَاءِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ فَكَانَ يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ فَخَالَطَهُ حَرَامٌ نَجُسَ؛ لِأَنَّهُ رَاكِدٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْجَارِي يَدْخُلُهُ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُ مِنْهُ مَا لَا يُكْثِرُهُ حَتَّى يَصِيرَ كُلُّهُ خَمْسَ قِرَبٍ، وَلَا يَجْرِي بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي سَنَنِ الْمَاءِ الْجَارِي مَوْضِعٌ مُنْخَفِضٌ فَوَقَعَ فِيهِ مُحَرَّمٌ، وَكَانَ الْمَاءُ يَجْرِي بِهِ فَهُوَ جَارٍ كُلُّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِمَا يَنْجُسُ بِهِ الْجَارِي وَإِذَا صَارَ الْمَاءُ الْجَارِي إلَى مَوْضِعٍ يَرْكُدُ فِيهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَاءٌ رَاكِدٌ يُنَجِّسُهُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ الرَّاكِدَ. [الْمَاءُ الرَّاكِدُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَاءُ الرَّاكِدُ مَاءَانِ مَاءٌ لَا يَنْجُسُ بِشَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ الْمُحَرَّمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَوْنُهُ فِيهِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ قَاتِمًا وَإِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْمُحَرَّمِ فِيهِ مَوْجُودًا بِأَحَدِ مَا وَصَفْنَا تَنَجَّسَ كُلُّهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ إذَا وُجِدَ الْمُحَرَّمُ فِي الْمَاءِ جَارِيًا كَانَ أَوْ رَاكِدًا (قَالَ) : وَمَاءٌ يَنْجُسُ بِكُلِّ شَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ

لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحُجَّةُ فِي فَرْقٍ بَيْنَ مَا يَنْجُسُ وَمَا لَا يَنْجُسُ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قِيلَ: السُّنَّةُ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا أَوْ خَبَثَا» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا» ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: بِقِلَالِ هَجَرَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَانَ مُسْلِمٌ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْقِرْبَةِ أَوْ نِصْفِ الْقِرْبَةِ فَيَقُولُ: خَمْسُ قِرَبٍ هُوَ أَكْثَرُ مَا يَسَعُ قُلَّتَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ الْقُلَّتَانِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا» دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ يَحْمِلُ النَّجَسَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّةُ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا، فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا فِي جَرَيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ إلَّا بِقِرَبٍ كِبَارٍ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ فَخَالَطَتْهُ مَيْتَةٌ نَجُسَ، وَنَجُسَ كُلُّ وِعَاءٍ كَانَ فِيهِ فَأُهْرِيقَ، وَلَمْ يَطْهُرْ الْوِعَاءُ إلَّا بِأَنْ يُغْسَلَ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ فَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَيْسَتْ بِقَائِمَةٍ فِيهِ نَجَّسَتْهُ، فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ حَتَّى يَصِيرَ هُوَ بِاَلَّذِي صُبَّ عَلَيْهِ خَمْسَ قِرَبٍ فَأَكْثَرَ طَهُرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَبَّ هُوَ عَلَى الْمَاءِ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى يَصِيرَ الْمَاءَانِ مَعًا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ لَمْ يُنَجِّسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِذَا صَارَا خَمْسَ قِرَبٍ فَطَهُرَا ثُمَّ فُرِّقَا لَمْ يَنْجُسَا بَعْدَ مَا طَهُرَا إلَّا بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِمَا. وَإِذَا وَقَعَتْ الْمَيْتَةُ فِي بِئْرٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأُخْرِجَتْ فِي دَلْوٍ أَوْ غَيْرِهِ طُرِحَتْ وَأُرِيقَ الْمَاءُ الَّذِي مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ مُنْفَرِدًا مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ غُسِلَ الدَّلْوُ فَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ وَرُدَّ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، طَهَّرَهُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَلَمْ يُنَجِّسْ هُوَ الْمَاءَ الْكَثِيرَ (قَالَ) : وَالْمُحَرَّمُ كُلُّهُ سَوَاءٌ إذَا وَقَعَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ نَجَّسَهُ. وَلَوْ وَقَعَ حُوتٌ مَيِّتٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ جَرَادَةٌ مَيِّتَةٌ لَمْ يَنْجُسْ؛ لِأَنَّهُمَا حَلَالٌ مَيِّتَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، وَمِمَّا لَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَنْجُسُ مَيِّتًا نَجَّسَهُ إذَا كَانَ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، مِثْلُ الذُّبَابِ، وَالْخَنَافِسِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا مَاتَ مِنْ هَذَا فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذِهِ مَيْتَةٌ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهَا لَا تَنْجُسُ؟ قِيلَ لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ بِحَالٍ، وَلَا نَفْسَ لَهَا فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: نَعَمْ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالذُّبَابِ يَقَعُ فِي الْمَاءِ أَنْ يُغْمَسَ فِيهِ» ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِهِ فِي الطَّعَامِ وَقَدْ يَمُوتُ بِالْغَمْسِ، وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِغَمْسِهِ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَهُوَ يُنَجِّسُهُ لَوْ مَاتَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمْدُ إفْسَادِهِمَا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِيمَا يَنْجُسُ نَجُسَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ يَأْمُرُ بِغَمْسِهِ لِلدَّاءِ الَّذِي فِيهِ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَرَامًا أَنْ يُؤْكَلَ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى أُخْرِجَ مِنْهُ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ نَجَّسَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْخُنْفُسَاءِ وَالْجُعَلِ وَالذُّبَابِ وَالْبُرْغُوثِ، وَالْقَمْلَةِ وَمَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. (قَالَ) : وَذُرَقُ الطَّيْرِ كُلِّهِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا خَالَطَ الْمَاءَ نَجَّسَهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْطُبُ بِرُطُوبَةِ الْمَاءِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) وَعَرَقُ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيِّ وَعَرَقُ كُلِّ دَابَّةٍ طَاهِرٌ وَسُؤْرُ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ كُلِّهَا طَاهِرٌ إلَّا الْكَلْبَ، وَالْخِنْزِيرَ. (قَالَ الرَّبِيعُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِذَا وَضَعَ الْمَرْءُ مَاءً فَاسْتَنَّ بِسِوَاكٍ وَغَمَسَ السِّوَاكَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي السِّوَاكِ رِيقُهُ، وَهُوَ لَوْ بَصَقَ أَوْ تَنَخَّمَ أَوْ امْتَخَطَ فِي مَاءٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَالدَّابَّةُ نَفْسُهَا تَشْرَبُ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ يَخْتَلِطُ بِهِ لُعَابُهَا فَلَا يُنَجِّسُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا. . (قَالَ) :

وَكَذَلِكَ لَوْ عَرِقَ فَقَطَرَ عَرَقُهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَنْجُسْ؛ لِأَنَّ عَرَقَ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَسَوَاءٌ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ الْعَرَقُ مِنْ تَحْتِ مَنْكِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ الْحَرَامُ مَوْجُودًا فِي الْمَاءِ وَإِنْ كَثُرَ الْمَاءُ لَمْ يَطْهُرْ أَبَدًا بِشَيْءٍ يُنْزَحُ مِنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ حَتَّى يَصِيرَ الْحَرَامُ مِنْهُ عَدَمًا لَا يُوجَدُ مِنْهُ فِيهِ شَيْءٌ قَائِمٌ فَإِذَا صَارَ الْحَرَامُ فِيهِ عَدَمًا طَهُرَ الْمَاءُ وَذَلِكَ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءً غَيْرَهُ أَوْ يَكُونَ مَعِينًا فَتَنْبُعُ الْعَيْنُ فِيهِ فَيَكْثُرُ، وَلَا يُوجَدُ الْمُحَرَّمُ فِيهِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا طَهُرَ وَإِنْ لَمْ يُنْزَحْ مِنْهُ شَيْءٌ. (قَالَ) : وَإِذَا نَجُسَ الْإِنَاءُ فِيهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ أَوْ الْأَرْضُ أَوْ الْبِئْرُ ذَاتُ الْبِنَاءِ فِيهَا الْمَاءُ الْكَثِيرُ بِحَرَامٍ يُخَالِطُهُ فَكَانَ مَوْجُودًا فِيهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ مَاءً غَيْرَهُ حَتَّى يَصِيرَ الْحَرَامُ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِيهِ وَكَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا فَنَجُسَ فَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً غَيْرَهُ حَتَّى صَارَ مَاءً لَا يَنْجُسُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَامٌ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَالْإِنَاءُ، وَالْأَرْضُ الَّتِي الْمَاءُ فِيهِمَا طَاهِرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا نَجُسَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، فَإِذَا صَارَ حُكْمُ الْمَاءِ إلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَا مَسَّهُ الْمَاءُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَوَّلَ حُكْمُ الْمَاءِ، وَلَا يُحَوَّلُ حُكْمُهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَبَعٌ لِلْمَاءِ يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ، وَيَنْجُسُ بِنَجَاسَتِهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا فِي إنَاءٍ فَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ أُرِيقَ وَغُسِلَ الْإِنَاءُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ غُسِلَ ثَلَاثًا، فَإِنْ غُسِلَ وَاحِدَةً تَأْتِي عَلَيْهِ طَهُرَ، وَهَذَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَالَطَهُ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ خِنْزِيرٌ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِأَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا غَسَلَهُنَّ سَبْعًا جَعَلَ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ تُرَابًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَحْرٍ لَا يَجِدُ فِيهِ تُرَابًا فَغَسَلَهُ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ تُرَابٍ فِي التَّنْظِيفِ مِنْ أُشْنَانٍ أَوْ نُخَالَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِأَنْ يُمَاسَّهُ التُّرَابَ وَالْآخَرُ يَطْهُرُ بِمَا يَكُونُ خَلَفًا مِنْ التُّرَابِ وَأَنْظَفَ مِنْهُ مِمَّا وَصَفْت كَمَا تَقُولُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَإِذَا نَجَّسَ الْكَلْبُ أَوْ الْخِنْزِيرُ بِشُرْبِهِمَا نَجَّسَا مَا مَاسَّا بِهِ الْمَاءَ مِنْ أَبْدَانِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا نَجَاسَةٌ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْجُسْ بِشُرْبِهِ فَإِذَا أَدْخَلَ فِي الْمَاءِ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَذَرٌ فَيُنَجِّسُ الْقَذَرُ الْمَاءَ لَا جَسَدُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ جَعَلْت الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ إذَا شَرِبَا فِي إنَاءٍ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا سَبْعُ مَرَّاتٍ وَجَعَلْت الْمَيْتَةَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ أَوْ الدَّمَ طَهَّرَتْهُ مَرَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَثَرٌ فِي الْإِنَاءِ؟ قِيلَ لَهُ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِتُرَابٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْنَا فِي الْكَلْبِ بِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْخِنْزِيرُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرٍّ مِنْ حَالِهِ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْرٍ مِنْهَا فَقُلْنَا بِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَقُلْنَا فِي النَّجَاسَةِ سِوَاهُمَا بِمَا أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ تَقُولُ سَمِعْت جَدَّتِي أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَقُولُ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إحْدَانَا إذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا: «إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضَةِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِيهِ شَيْئًا وَكَانَ اسْمُ الْغُسْلِ يَقَعُ عَلَى غَسْلِهِ مَرَّةً وَأَكْثَرَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] فَأَجْزَأَتْ مَرَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يَقَعُ

عَلَيْهِ اسْمُ الْغُسْلِ (قَالَ) : فَكَانَتْ الْأَنْجَاسُ كُلُّهَا قِيَاسًا عَلَى دَمِ الْحَيْضَةِ لِمُوَافَقَتِهِ مَعَانِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ وَلَمْ نَقِسْهُ عَلَى الْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْغُسْلِ يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، وَأَنَّ الْإِنَاءَ يُنَقَّى بِوَاحِدَةٍ وَبِمَا دُونَ السَّبْعِ، وَيَكُونُ بَعْدَ السَّبْعِ فِي مُمَاسَّةِ الْمَاءِ مِثْلَ قَبْلِ السَّبْعِ. . (قَالَ) : وَلَا نَجَاسَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْيَاءِ مَاسَّتْ مَاءً قَلِيلًا بِأَنْ شَرِبَتْ مِنْهُ أَوْ أَدْخَلَتْ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهَا إلَّا الْكَلْبُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ فِي الْمَوْتَى أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَعْرَقُ الْحِمَارُ وَهُوَ عَلَيْهِ، وَيَحِلُّ مَسُّهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَيُتَوَضَّأُ بِمَا أَفَضَلَتْ الْحُمُرُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَبِمَا أَفَضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ أَوْ أَبِي حَبِيبَةَ " شَكَّ الرَّبِيعُ " عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَمِيدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ «عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وُضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ قَالَتْ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِسْنَا عَلَى مَا عَقَلْنَا مِمَّا وَصَفْنَا وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَبَيْنَ مَا سِوَاهُمَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ حُرِّمَ أَنْ يُتَّخَذَ إلَّا لِمَعْنًى، وَالْكَلْبُ حُرِّمَ أَنْ يُتَّخَذَ لَا لِمَعْنَى وَجَعَلَ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِ مَنْ اتَّخَذَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى كُلَّ يَوْمٍ - قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ مَعَ مَا يَتَفَرَّقُ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا هُوَ فِيهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَفَضْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ حَلَالٌ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ. . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ أَوْ الْكَثِيرُ فَأَنْتَنَ أَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ بِلَا حَرَامٍ خَالَطَهُ فَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَالَ فِيهِ إنْسَانٌ فَلَمْ يَدْرِ أَخَالَطَهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا وَهُوَ مُتَغَيِّرُ الرِّيحِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الطَّعْمِ فَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُعْلَمَ نَجَاسَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتْرَكُ لَا يُسْتَقَى مِنْهُ فَيَتَغَيَّرُ، وَيُخَالِطُهُ الشَّجَرُ وَالطُّحْلُبُ فَيُغَيِّرُهُ. (قَالَ) : وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ حَلَالٌ فَغَيَّرَ لَهُ رِيحًا أَوْ طَعْمًا، وَلَمْ يَكُنْ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الْبَانُ أَوْ الْقَطْرَانُ فَيَظْهَرُ رِيحُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ. وَإِنْ أَخَذَ مَاءً فَشِيبَ بِهِ لَبَنٌ أَوْ سَوِيقٌ أَوْ عَسَلٌ فَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ إنَّمَا يُقَالُ لِهَذَا مَاءُ سَوِيقٍ وَلَبَنٍ وَعَسَلٍ مَشُوبٌ وَإِنْ طُرِحَ مِنْهُ فِيهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ يَكُونُ مَا طُرِحَ فِيهِ مِنْ سَوِيقٍ وَلَبَنٍ وَعَسَلٍ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، وَيَكُونُ لَوْنُ الْمَاءِ الظَّاهِرُ وَلَا طَعْمَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فِيهِ تَوَضَّأَ بِهِ، وَهَذَا مَاءٌ بِحَالِهِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا خَالَطَ الْمَاءَ مِنْ طَعَامٍ، وَشَرَابٍ وَغَيْرِهِ إلَّا مَا كَانَ الْمَاءُ قَارًّا فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قَارًّا فِي الْأَرْضِ فَأَنْتَنَ أَوْ تَغَيَّرَ تَوَضَّأَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا اسْمَ لَهُ دُونَ الْمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا خُلِطَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ. وَلَوْ صَبَّ عَلَى الْمَاءِ مَاءَ وَرْدٍ فَظَهَرَ رِيحُ مَاءِ الْوَرْدِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ وَالْمَاءُ الظَّاهِرُ لَا مَاءُ الْوَرْدِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ قَطْرَانٌ فَظَهَرَ رِيحُ الْقَطْرَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَوَضَّأَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَانَ وَمَاءَ الْوَرْدِ يَخْتَلِطَانِ بِالْمَاءِ فَلَا يَتَمَيَّزَانِ مِنْهُ. وَلَوْ صُبَّ فِيهِ دُهْنٌ طَيِّبٌ أَوْ أُلْقِيَ فِيهِ عَنْبَرٌ أَوْ عُودٌ أَوْ شَيْءٌ ذُو رِيحٍ لَا يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ فَظَهَرَ رِيحُهُ فِي الْمَاءِ تَوَضَّأَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ مِنْهُ يُسَمَّى الْمَاءُ مَخُوضًا بِهِ، وَلَوْ

فصل الجنب وغيره

كَانَ صُبَّ فِيهِ مِسْكٌ أَوْ ذَرِيرَةٌ أَوْ شَيْءٌ يَنْمَاعُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَاءُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ فَظَهَرَ فِيهِ رِيحٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَاءٌ مَخُوضٌ بِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ مَاءُ مِسْكٍ مَخُوضَةٍ، وَذَرِيرَةٍ مَخُوضَةٍ وَهَكَذَا كُلُّ مَا أُلْقِيَ فِيهِ مِنْ الْمَأْكُولِ مِنْ سَوِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ وَمَرَقٍ وَغَيْرِهِ إذَا ظَهَرَ فِيهِ الطَّعْمُ وَالرِّيحُ مِمَّا يَخْتَلِطُ فِيهِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ حِينَئِذٍ مَنْسُوبٌ إلَى مَا خَالَطَهُ مِنْهُ. [فَصْلٌ الْجُنُبُ وَغَيْرُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْقَدَحِ، وَهُوَ الْفَرْقُ وَكُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمِيعًا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَرُبَّمَا قُلْت لَهُ أَبْقِ لِي أَبْقِ لِي» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ الْقَاسِمِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَابَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِفَضْلِ الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ وَعَائِشَةَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَابَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَتْ الْحَيْضَةُ فِي الْيَدِ وَلَيْسَ يَنْجُسُ الْمُؤْمِنُ إنَّمَا هُوَ تَعَبُّدٌ بِأَنْ يُمَاسَّ الْمَاءَ فِي بَعْضِ حَالَتِهِ دُونَ بَعْضٍ. [مَاء النَّصْرَانِيّ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ نَصْرَانِيَّةٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْمُشْرِكِ وَبِفَضْلِ وُضُوئِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ نَجَاسَةً؛ لِأَنَّ لِلْمَاءِ طَهَارَةً عِنْدَ مَنْ كَانَ وَحَيْثُ كَانَ حَتَّى تُعْلَمَ نَجَاسَةٌ خَالَطَتْهُ.

باب الآنية التي يتوضأ فيها ولا يتوضأ

[بَابُ الْآنِيَةِ الَّتِي يُتَوَضَّأُ فِيهَا وَلَا يُتَوَضَّأُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ قَدْ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَهَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيِّتَةٌ فَقَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ سَمِعَ ابْنَ وَعْلَةَ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُتَوَضَّأُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ كُلِّهَا إذَا دُبِغَتْ وَجُلُودِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ قِيَاسًا عَلَيْهَا إلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِيهِمَا وَهُمَا حَيَّانِ قَائِمَةٌ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالدَّبَّاغِ مَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا حَيًّا. وَالدِّبَاغُ بِكُلِّ مَا دَبَغَتْ بِهِ الْعَرَبُ مِنْ قَرْظٍ، وَشَبٍّ وَمَا عَمِلَ عَمَلَهُ مِمَّا يَمْكُثُ فِيهِ الْإِهَابُ حَتَّى يُنَشِّفَ فُضُولَهُ وَيُطَيِّبَهُ وَيَمْنَعَهُ الْفَسَادَ

الآنية غير الجلود

إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَلَا يَطْهُرُ إهَابُ الْمَيْتَةِ مِنْ الدِّبَاغِ إلَّا بِمَا وَصَفْت، وَإِنْ تَمَعَّطَ شَعْرُهُ فَإِنَّ شَعْرَهُ نَجِسٌ، فَإِذَا دُبِغَ وَتُرِكَ عَلَيْهِ شَعْرُهُ فَمَاسَّ الْمَاءُ شَعْرَهُ نَجُسَ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي بَاطِنِهِ وَكَانَ شَعْرُهُ ظَاهِرًا لَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ إذَا لَمْ يُمَاسَّ شَعْرَهُ، فَأَمَّا جِلْدُ كُلِّ ذَكِيٍّ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ وَيَتَوَضَّأَ فِيهِ إنْ لَمْ يُدْبَغْ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الذَّكَاةِ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَإِذَا طَهُرَ الْإِهَابُ صُلِّيَ فِيهِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَجُلُودُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ سَوَاءٌ ذَكِيُّهُ وَمَيِّتُهُ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُحِلُّهَا فَإِذَا دُبِغَتْ كُلُّهَا طَهُرَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعَانِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُمَا لَا يَطْهُرَانِ بِحَالٍ أَبَدًا (قَالَ) : وَلَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَشْرَبُ فِي عَظْمِ مَيْتَةٍ وَلَا عَظْمِ ذَكِيٍّ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِثْلِ عَظْمِ الْفِيلِ وَالْأَسَدِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ وَالْغُسْلَ لَا يُطَهِّرَانِ الْعَظْمَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُدَهَّنَ فِي مُدْهُنٍ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ تَوَضَّأَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَغَسَلَ مَا مَسَّهُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. [الْآنِيَةُ غَيْرُ الْجُلُودِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ إنَاءً تُوُضِّئَ فِيهِ مِنْ حِجَارَةٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا نُحَاسٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنِّي أَكْرَهُ الْوُضُوءَ فِيهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَوَضَّأَ أَحَدٌ فِيهَا أَوْ شَرِبَ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ آمُرْهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي شَرِبَ وَلَا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ فِيهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَكَانَ الْفِعْلُ مِنْ الشُّرْبِ فِيهَا مَعْصِيَةً، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهَا وَلَا يَحْرُمُ الْمَاءُ فِيهَا؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَهَى عَنْ الْفِعْلِ فِيهَا لَا عَنْ تِبْرِهَا وَقَدْ فُرِضَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَتَمَوَّلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا لَمْ يَتَمَوَّلْهَا أَحَدٌ وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا.

باب الماء يشك فيه

[بَابُ الْمَاءِ يَشُكُّ فِيهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا وَكَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّ النَّجَاسَةَ خَالَطَتْهُ فَتَنَجَّسَ وَلَمْ يَسْتَيْقِنْ فَالْمَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَشْرَبَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ مُخَالَطَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَإِنْ اسْتَيْقَنَ النَّجَاسَةَ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يُهْرِيقَهُ وَيُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ فَشَكَّ أَفَعَلَ أَمْ لَا فَهُوَ عَلَى النَّجَاسَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَهْرَاقَهُ وَأَبْدَلَ غَيْرَهُ، وَإِذَا قَلَّتْ فِي الْمَاءِ فَهُوَ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلَهُ إنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَهُ؛ لِأَنَّ فِي الشُّرْبِ ضَرُورَةَ خَوْفِ الْمَوْتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى التُّرَابَ طَهُورًا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهَذَا غَيْرُ وَاجِدٍ مَاءً يَكُونُ طَهُورًا، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَمَعَهُ مَاءَانِ اسْتَيْقَنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرَ لَمْ يَنْجُسْ فَأَهْرَاقَ النَّجِسَ مِنْهُمَا عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ تَوَضَّأَ بِالْآخَرِ، وَإِنْ خَافَ الْعَطَشَ حَبَسَ الَّذِي الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ وَتَوَضَّأَ بِالطَّاهِرِ عِنْدَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ اسْتَيْقَنَ النَّجَاسَةَ فِي شَيْءٍ فَكَيْفَ يَتَوَضَّأُ بِغَيْرِ يَقِينِ الطَّهَارَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ اسْتَيْقَنَ النَّجَاسَةَ فِي شَيْءٍ وَاسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ فِي غَيْرِهِ فَلَا نُفْسِدُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ إلَّا بِيَقِينِ أَنَّهَا نَجِسَةٌ وَاَلَّذِي تَأَخَّى فَكَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ نَجِسٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَمْكُنُ فِيهِ وَلَمْ يَسْتَيْقِنْ النَّجَاسَةَ، فَإِنْ قَالَ فَقَدْ نَجَّسْتَ عَلَيْهِ الْآخَرَ بِغَيْرِ يَقِينِ نَجَاسَةٍ قِيلَ لَا إنَّمَا نَجَّسْتُهُ عَلَيْهِ بِيَقِينِ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَجِسٌ وَأَنَّ الْأَغْلَبَ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَلَمْ أَقُلْ فِي تَنْجِيسِهِ إلَّا بِيَقِينِ رَبِّ الْمَاءِ فِي نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا وَالْأَغْلَبُ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا النَّجِسَ مِنْهُمَا

فَإِنْ اسْتَيْقَنَ بَعْدُ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ النَّجِسُ وَاَلَّذِي تَرَكَ الطَّاهِرُ غَسَلَ كُلَّ مَا أَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنْ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ، وَأَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهَذَا الَّذِي كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ حَتَّى اسْتَيْقَنَ طَهَارَتَهُ. وَلَوْ اشْتَبَهَ الْمَاءَانِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا النَّجِسُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِمَا أَغْلَبُ، قِيلَ لَهُ إنْ لَمْ تَجِدْ مَاءً غَيْرَهُمَا فَعَلَيْك أَنْ تَتَطَهَّرَ بِالْأَغْلَبِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَتَيَمَّمَ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَانِ أَعْمَى لَا يَعْرِفُ مَا يَدُلُّهُ عَلَى الْأَغْلَبِ وَكَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُصَدِّقُهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْأَغْلَبَ عِنْدَ الْبَصِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يُصَدِّقُهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ لَا يَدْرِي أَيَّ الْإِنَاءَيْنِ نَجِسٌ وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ أَيُّهُمَا نَجِسٌ تَأَخَّى الْأَغْلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ أَيِّهِمَا نَجِسٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يُصَدِّقُهُ تَأَخَّى عَلَى أَكْثَرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يَتَيَمَّمُ وَمَعَهُ مَاءَانِ: أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ، وَلَا يَتَيَمَّمُ مَعَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُطَهِّرُ نَجَاسَةً إنْ مَاسَّتْهُ مِنْ الْمَاءِ، وَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ مَعَ الْمَاءِ الطَّاهِرِ. وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ نَجِسٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ وُضُوءًا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، فَإِنْ اسْتَيْقَنَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ نَجِسٌ غَسَلَ كُلَّ مَا أَصَابَ الْمَاءُ مِنْهُ وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بَعْدَ مُمَاسَّتِهِ الْمَاءَ النَّجِسَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَمَاسَّ مَاءً نَجِسًا أَوْ مَاسَّ رَطْبًا مِنْ الْأَنْجَاسِ ثُمَّ صَلَّى غَسَلَ مَا مَاسَّ مِنْ النَّجَسِ وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بَعْدَ مُمَاسَّتِهِ النَّجَسَ. وَإِنْ مَاسَّ النَّجَسَ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بَعْدَ مُمَاسَّتِهِ النَّجَسَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ الْمُمَاسَّةَ لِلْأَبْدَانِ. . (قَالَ) : فَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ فِي بِئْرٍ أَوْ فِي وَقْرِ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجَدَهُ شَدِيدَ التَّغَيُّرِ لَا يَدْرِي أَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ بَوْلِ دَوَابَّ أَوْ غَيْرِهِ تَوَضَّأَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ بِلَا حَرَامٍ خَالَطَهُ فَإِذَا أَمْكَنَ هَذَا فِيهِ فَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِنَجَاسَةٍ خَالَطَتْهُ. (قَالَ) : وَلَوْ رَأَى مَاءً أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ فَاسْتَيْقَنَ أَنَّ ظَبْيًا بَالَ فِيهِ فَوَجَدَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ مُتَغَيِّرًا أَوْ رِيحَهُ مُتَغَيِّرًا كَانَ نَجِسًا وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ تَغَيُّرَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَيْقَنَ بِنَجَاسَةٍ خَالَطَتْهُ وَوَجَدَ التَّغَيُّرَ قَائِمًا فِيهِ، وَالتَّغَيُّرُ بِالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ يَخْتَلِفُ

ما يوجب الوضوء وما لا يوجبه

[مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَكَانَتْ مُحْتَمِلَةً أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي خَاصٍّ فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى عِلْمَهُ بِالْقُرْآنِ يَزْعُمُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِينَ مِنْ النَّوْمِ (قَالَ) : وَأَحْسَبُ مَا قَالَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ فِي السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَمَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مِنْ مُضْطَجَعٍ. (قَالَ) : وَالنَّوْمُ غَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ مَرَضٍ مُضْطَجِعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُضْطَجِعٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ النَّائِمِ، وَالنَّائِمُ يَتَحَرَّكُ الشَّيْءُ فَيَنْتَبِهُ، وَيَنْتَبِهُ مِنْ غَيْرِ تَحَرُّكِ الشَّيْءِ، وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ غَيْرِهِ يُحَرَّكُ فَلَا يَتَحَرَّكُ (قَالَ) : وَإِذَا نَامَ الرَّجُلُ قَاعِدًا فَأَحَبُّ إلَيَّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ (قَالَ) : وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أُوجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَيَنَامُونَ

أَحْسَبُهُ قَالَ قُعُودًا حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ قَاعِدًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ. . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ نَامَ قَاعِدًا مُسْتَوِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدِي الْوُضُوءُ؛ لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْآثَارِ وَإِنْ مَعْلُومًا إنْ كَانَتْ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي النَّائِمِينَ أَنَّ النَّائِمَ مُضْطَجِعٌ وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ فُلَانٌ نَائِمٌ فَلَا يَتَوَهَّمُ إلَّا مُضْطَجِعًا، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّوْمِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا، وَنَائِمٌ قَاعِدًا بِمَعْنَى أَنْ يُوصَلَ فَيُقَالَ نَامَ قَاعِدًا كَمَا يُقَالُ نَامَ عَنْ الشَّيْءِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَبِهَ لَهُ مِنْ الرَّأْيِ لَا نَوْمَ الرُّقَادِ، وَإِنَّ النَّائِمَ مُضْطَجِعًا فِي غَيْرِ حَالِ النَّائِمِ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَثْقِلُ فَيَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى عَقْلِ النَّائِمِ جَالِسًا وَأَنَّ سَبِيلَ الْحَدَثِ مِنْهُ فِي سُهُولَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَخَفَائِهِ عَلَيْهِ غَيْرُ سَبِيلِهِ مِنْ النَّائِمِ قَاعِدًا. (قَالَ) : وَإِنْ زَالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقُعُودِ نَائِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ جَالِسًا يَكِلُ نَفْسَهُ إلَى الْأَرْضِ وَلَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا يَنْتَبِهُ وَإِذَا زَالَ كَانَ فِي حَدِّ الْمُضْطَجِعِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْحَدَثُ. (قَالَ) : وَإِذَا نَامَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْحَدَثُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِ مِنْ الْمُضْطَجِعِ. . (قَالَ) : وَمَنْ نَامَ قَائِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكِلُ نَفْسَهُ إلَى الْأَرْضِ وَأَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمُضْطَجِعِ بِأَنَّ كُلًّا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ بِالنَّوْمِ - أَوْلَى بِهِ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْقَاعِدِ الَّذِي إنَّمَا سُلِّمَ فِيهِ لِلْآثَارِ وَكَانَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَكِلُ نَفْسَهُ إلَى الْأَرْضِ. (قَالَ) : وَالنَّوْمُ الَّذِي يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ كَائِنًا ذَلِكَ مَا كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَأَمَّا مَنْ لَمْ

يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ مُضْطَجِعٍ وَغَيْرِ مَا طُرِقَ بِنُعَاسٍ أَوْ حَدِيثِ نَفْسٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ الرَّاكِبُ السَّفِينَةَ وَالْبَعِيرَ وَالدَّابَّةَ وَالْمُسْتَوِيَ بِالْأَرْضِ مَتَى زَالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ قَاعِدًا أَوْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِذَا شَكَّ الرَّجُلُ فِي نَوْمٍ وَخَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَمْ يَدْرِ أَرُؤْيَا أَمْ حَدِيثُ نَفْسٍ فَهُوَ غَيْرُ نَائِمٍ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ النَّوْمَ، فَإِنْ اسْتَيْقَنَ الرُّؤْيَا وَلَمْ يَسْتَيْقِنْ النَّوْمَ فَهُوَ نَائِمٌ وَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كُلِّهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَعَلَيْهِ فِي الرُّؤْيَا وَيَقِينِ النَّوْمِ وَإِنْ قَلَّ - الْوُضُوءُ

الوضوء من الملامسة والغائط

[الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْغَائِطِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَامَ مِنْ مَضْجَعِ النَّوْمِ وَذَكَرَ طَهَارَةَ الْجُنُبِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ طَهَارَةِ الْجُنُبِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأَوْجَبَهُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَوْصُولَةً بِالْغَائِطِ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَنَابَةِ فَأَشْبَهَتْ الْمُلَامَسَةُ أَنْ تَكُونَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ وَالْقُبْلَةَ غَيْرَ الْجَنَابَةِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِيَدِهِ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ بِبَعْضِ

جَسَدِهِ إلَى بَعْضِ جَسَدِهَا لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَوَجَبَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمَسَتْهُ هِيَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَيُّ بَدَنَيْهِمَا أَفْضَى إلَى الْآخَرِ إذَا أَفْضَى إلَى بَشَرَتِهَا، أَوْ أَفْضَتْ إلَى بَشَرَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ بَشَرَتِهَا فَإِنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى شَعْرِهَا وَلَمْ يُمَاسَّ لَهَا بَشَرًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَمَا يَشْتَهِيهَا وَلَا يَمَسُّهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، وَلَا مَعْنَى لِلشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْقَلْبِ، إنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْفِعْلِ، وَالشَّعْرُ مُخَالِفٌ لِلْبَشَرَةِ (قَالَ) : وَلَوْ احْتَاطَ فَتَوَضَّأَ إذَا لَمَسَ شَعْرَهَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. وَلَوْ مَسَّ بِيَدِهِ مَا شَاءَ فَوْقَ بَدَنِهَا مِنْ ثَوْبٍ رَقِيقٍ خَامٍ أَوْ بَتٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ صَفِيقٍ مُتَلَذِّذًا أَوْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ وَفَعَلَتْ هِيَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءٌ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا لَمْ يَلْمِسْ صَاحِبَهُ إنَّمَا لَمَسَ ثَوْبَ صَاحِبِهِ قَالَ الرَّبِيعُ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ اللَّمْسُ بِالْكَفِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ قَالَ الشَّاعِرُ: وَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلَا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَذَّرْتُ مَا عِنْدِي

الوضوء من الغائط والبول والريح

[الْوُضُوءُ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالرِّيحِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَعْقُولٌ إذْ ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْغَائِطَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ أَنَّ الْغَائِطَ الْخَلَاءُ فَمَنْ تَخَلَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا يَنْفَتِلْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالرِّيحِ كَانَتْ الرِّيحُ مِنْ سَبِيلِ الْغَائِطِ وَكَانَ الْغَائِطُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ الصِّمَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ فَتَيَمَّمَ» ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ قَالَ الْمِقْدَادُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ بِمَاءٍ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ مَعَ دَلَالَتِهَا عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا خَرَجَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ سَبِيلُ الْحَدَثِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَسَوَاءٌ مَا دَخَلَ ذَلِكَ مِنْ سِبَارٍ أَوْ حُقْنَةِ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ يَخْلِطُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ فَفِيهِ كُلِّهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلِ الْحَدَثِ، قَالَ وَكَذَلِكَ الدُّودُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَالْحَصَاةُ وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ

مِنْ الْفُرُوجِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ وَكَذَلِكَ الرِّيحُ تَخْرُجُ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ أَوْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ فِيهَا الْوُضُوءُ كَمَا يَكُونُ الْوُضُوءُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، قَالَ: وَلَمَّا كَانَ مَا خَرَجَ مِنْ الْفُرُوجِ حَدَثًا رِيحًا أَوْ غَيْرَ رِيحٍ فِي حُكْمِ الْحَدَثِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي الْبُصَاقِ يَخْرُجُ مِنْ الْفَمِ، وَالْمُخَاطِ وَالنَّفَسِ يَأْتِي مِنْ الْأَنْفِ، وَالْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ يَأْتِي مِنْ، الْفَمِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ فِي قَيْءٍ وَلَا رُعَافٍ وَلَا حِجَامَةٍ وَلَا شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ الْجَسَدِ وَلَا أُخْرِجَ مِنْهُ غَيْرِ الْفُرُوجِ الثَّلَاثَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّيحَ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ وَلَا تُنَجِّسُ شَيْئًا فَيَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ كَمَا يَجِبُ بِالْغَائِطِ، وَأَنَّ الْمَنِيَّ غَيْرُ نَجَسٍ وَالْغُسْلُ يَجِبُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ تَعَبُّدٌ، قَالَ: وَإِذَا قَاءَ الرَّجُلُ غَسَلَ فَاهُ وَمَا أَصَابَ الْقَيْءُ مِنْهُ لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا رَعَفَ غَسَلَ مَا مَاسَّ الدَّمُ مِنْ أَنْفِهِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، وَهَكَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ جَسَدِهِ دَمٌ أَوْ قَيْحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّجَسِ، وَلَا يُنَجِّسُ عَرَقُ جُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ مِنْ تَحْتِ مَنْكِبٍ وَلَا مَأْبِضٍ وَلَا مَوْضِعٍ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْجَسَدِ وَلَا غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ، فَإِنْ قَالَ

باب الوضوء من مس الذكر

قَائِلٌ وَكَيْفَ لَا يُنَجِّسُ عَرَقُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؟ قِيلَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَائِضَ بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ ثَوْبِهَا وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِغَسْلِ الثَّوْبِ كُلِّهِ» وَالثَّوْبُ الَّذِي فِيهِ دَمُ الْحَيْضِ الْإِزَارُ وَلَا شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْعَرَقِ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يَعْرَقَانِ فِي الثِّيَابِ وَهُمَا جُنُبَانِ ثُمَّ يُصَلِّيَانِ فِيهَا وَلَا يَغْسِلَانِهَا وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمَا أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْت الْمُنْذِرِ قَالَتْ سَمِعْت جَدَّتِي «أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَقُولُ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ رُشِّيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرَقُ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ. . (قَالَ) : وَمَنْ تَوَضَّأَ وَقَدْ قَاءَ فَلَمْ يَتَمَضْمَضْ أَوْ رَعَفَ فَلَمْ يَغْسِلْ مَا مَاسَّ الدَّمُ مِنْهُ أَعَادَ بَعْدَ مَا يُمَضْمِضُ وَيَغْسِلُ مَا مَاسَّ الدَّمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا لِأَنَّ وُضُوءَهُ انْتَقَضَ. [بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم أَنَّهُ سَمِعَ

عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْت عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَقَالَ مَرْوَانُ وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ فَقَالَ عُرْوَةُ مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ فَقَالَ مَرْوَانُ أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْت صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَزَادَ ابْنُ نَافِعٍ فَقَالَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ يَرْوِيهِ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ جَابِرًا (قَالَ) : وَإِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِبَطْنِ كَفِّهِ إلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ سِتْرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ بِالْعَمْدِ أَوْجَبَهُ بِغَيْرِ الْعَمْدِ قَالَ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ مَا مَاسَّ ذَكَرَهُ وَكَثِيرُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَّ دُبُرَهُ أَوْ مَسَّ قُبُلَ امْرَأَتِهِ أَوْ دُبُرَهَا أَوْ مَسَّ ذَلِكَ مِنْ صَبِيٍّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، فَإِنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ أَلْيَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ وَلَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَسَوَاءٌ مَسَّ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، وَإِنْ مَسَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ لَهُمْ حُرْمَةٌ وَعَلَيْهِمْ تَعَبُّدٌ وَلَيْسَ لِلْبَهَائِمِ وَلَا فِيهَا مِثْلُهَا، وَمَا مَاسَّ مِنْ مُحَرَّمٍ مِنْ رَطْبٍ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ غَيْرِهِ غَسَلَ مَا مَاسَّ مِنْهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. وَإِنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بِظَهْرِ كَفِّهِ أَوْ ذِرَاعِهِ أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ بَطْنِ كَفِّهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: الْإِفْضَاءُ بِالْيَدِ إنَّمَا هُوَ بِبَطْنِهَا كَمَا تَقُولُ أَفْضَى بِيَدِهِ مُبَايِعًا وَأَفْضَى بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا أَوْ إلَى رُكْبَتَيْهِ رَاكِعًا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ إذَا أَفْضَى بِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَكَرَهُ يُمَاسُّ فَخِذَيْهِ وَمَا قَارَبَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جَسَدِهِ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ - وُضُوءًا فَكُلُّ مَا جَاوَزَ بَطْنَ الْكَفِّ كَمَا مَاسَّ ذَكَرَهُ مِمَّا وَصَفْت، وَإِذَا كَانَ مُمَاسَّتَانِ تُوجِبُ بِأَحَدِهِمَا وَلَا تُوجِبُ بِالْأُخْرَى وُضُوءًا كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ وُضُوءٌ مِمَّا لَمْ يَمَسَّا؛ لِأَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا مَاسَّ مَا هُوَ أَنْجَسُ مِنْ الذَّكَرِ لَا يَتَوَضَّأُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ «عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ قَالَ: حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَمِ الْحَيْضِ أَنْ يُغْسَلَ بِالْيَدِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ فَالدَّمُ أَنْجَسُ مِنْ الذَّكَرِ (قَالَ) : وَكُلُّ مَا مَاسَّ مِنْ نَجَسٍ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ وُضُوءٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي النَّجَسِ فَمَا لَيْسَ بِنَجَسٍ أَوْلَى أَنْ لَا يُوجِبَ وُضُوءًا إلَّا مَا جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ بِعَيْنِهِ (قَالَ) : وَإِذَا مَاسَّ نَجَسًا رَطْبًا أَوْ نَجَسًا يَابِسًا

باب لا وضوء مما يطعم أحد

وَهُوَ رَطْبٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا مَاسَّهُ مِنْهُ، وَمَا مَاسَّهُ مِنْ نَجَسٍ لَيْسَ بِرَطْبٍ وَلَيْسَ مَا مَاسَّ مِنْهُ رَطْبًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُهُ وَيَطْرَحُهُ عَنْهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إنَّ الرِّيحَ لَتُسْفِي عَلَيْنَا الرَّوْثَ وَالْخَرْءَ الْيَابِسَ فَيُصِيبُ وُجُوهَنَا وَثِيَابَنَا فَنَنْفُضُهُ أَوْ قَالَ فَنَمْسَحُهُ ثُمَّ لَا نَتَوَضَّأُ وَلَا نَغْسِلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا قُلْتُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي ذَكَرِهِ أَوْجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ فَرْجَهَا أَوْ مَسَّتْ ذَلِكَ مِنْ زَوْجِهَا كَالرَّجُلِ لَا يَخْتَلِفَانِ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " قَالَ الرَّبِيعُ أَظُنُّهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إذَا مَسَّتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا تَوَضَّأَتْ. (قَالَ) : وَإِذَا مَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ مَا كَانَ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُفْضٍ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ فِيهِ رَقَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ صَفَقَ. [بَابٌ لَا وُضُوءَ مِمَّا يَطْعَمُ أَحَدٌ] ٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَأْخُذُ فَمَنْ أَكَلَ شَيْئًا مَسَّتْهُ نَارٌ أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ مِنْهُ أَكَلَهَا نِيئَةً أَوْ نَضِيجَةً وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ وَفَاهُ وَمَا مَسَّتْ الْمَيْتَةُ مِنْهُ لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ غَسَلَهُ وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بَعْدَ أَكْلِهَا وَقَبْلَ غَسْلِهِ مَا مَاسَّتْ الْمَيْتَةُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُحَرَّمٍ أَكْلُهُ لَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَغْسِلَ مَا مَاسَّ مِنْهُ مِنْ يَدَيْهِ وَفِيهِ وَشَيْءٍ أَصَابَهُ، غَيْرِهِمَا وَكُلُّ حَلَالٍ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ فَلَا وُضُوءَ مِنْهُ كَانَ ذَا رِيحٍ أَوْ غَيْرَ ذِي رِيحٍ شَرِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَبَنًا وَلَمْ يَتَمَضْمَضْ قَالَ: مَا بَالَيْتُهُ بَالَةً. [بَابُ الْكَلَامِ وَالْأَخْذِ مِنْ الشَّارِبِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا وُضُوءَ مِنْ كَلَامٍ وَإِنْ عَظُمَ وَلَا ضَحِكٍ فِي صَلَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا (قَالَ) وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُضُوءًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا وُضُوءَ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي أَذَى أَحَدٍ وَلَا قَذْفٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَبِيلِ الْأَحْدَاثِ

باب في الاستنجاء

قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَرَوَى الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَعْفُوا اللِّحَى وَخُذُوا مِنْ الشَّوَارِبِ وَغَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَهَذَا زِيَادَةُ نَظَافَةٍ وَطَهَارَةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحَدَّ وَلَوْ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَلَالٍ أَكْلُهُ - لَهُ رِيحٌ أَوْ لَا رِيحَ لَهُ - وَشُرْبُهُ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاسَّ ذَلِكَ الْحَلَالُ جَسَدَهُ وَثَوْبَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَسْلُهُ قَدْ شَرِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَبَنًا وَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً. [بَابٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْوُضُوءَ وَكَانَ مَذْهَبُنَا أَنَّ ذَلِكَ إذَا قَامَ النَّائِمُ مِنْ نَوْمِهِ (قَالَ) : وَكَانَ النَّائِمُ يَقُومُ مِنْ نَوْمِهِ لَا مُحْدِثًا خَلَاءً وَلَا بَوْلًا فَكَانَ الْوُضُوءُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْدِثْ غَائِطًا وَلَا بَوْلًا دُونَ مَنْ أَحْدَثَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا؛ لِأَنَّهُمَا نَجِسَانِ يُمَاسَّانِ بَعْضَ الْبَدَنِ (قَالَ) : وَلَا اسْتِنْجَاءَ عَلَى أَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ إلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ مِنْهُ غَائِطٌ أَوْ بَوْلٌ فَيَسْتَنْجِيَ بِالْحِجَارَةِ أَوْ الْمَاءِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الرِّمَّةُ الْعَظْمُ الْبَالِي قَالَ الشَّاعِرُ أَمَّا عِظَامُهَا فَرِمٌّ ... وَأَمَّا لَحْمُهَا فَصَلِيبُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو وَجْزَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَحْجَارُ لَيْسَ فِيهِنَّ رَجِيعٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ تَخَلَّى أَوْ بَالَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَمَسَّحَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ آجُرَّاتٍ أَوْ مَقَابِسَ أَوْ مَا كَانَ طَاهِرًا نَظِيفًا مِمَّا أَنْقَى نَقَاءَ الْحِجَارَةِ إذَا كَانَ مِثْلَ التُّرَابِ وَالْحَشِيشِ وَالْخَزَفِ وَغَيْرِهَا. (قَالَ) : وَإِنْ وَجَدَ حَجَرًا أَوْ آجُرَّةً أَوْ صِوَانَةً لَهَا بِثَلَاثِ وُجُوهٍ

فَامْتَسَحَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا امْتِسَاحَةً كَانَتْ كَثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ امْتَسَحَ بِهَا فَإِنْ امْتَسَحَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ أَبْقَى أَثَرًا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الِامْتِسَاحِ عَلَى مَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يُبْقِ أَثَرًا قَائِمًا فَأَمَّا أَثَرٌ لَاصِقٌ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إنْقَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَهِدَ لَمْ يُنَقِّهِ بِغَيْرِ مَاءٍ. (قَالَ) : وَلَا يَمْتَسِحُ بِحَجَرٍ عَلِمَ أَنَّهُ امْتَسَحَ بِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَصَابَهُ مَاءٌ طَهَّرَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ طُهْرَهُ بِمَاءٍ لَمْ يُجْزِهِ الِامْتِسَاحُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ غَسَلَ بِمَاءِ الشَّجَرِ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهِ لَمْ يُجْزِهِ الِامْتِسَاحُ بِهِ وَلَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْمَاءُ الَّذِي يُطَهِّرُ الْأَنْجَاسَ. (قَالَ) : وَلَا يَسْتَنْجِي بِرَوْثَةٍ لِلْخَبَرِ فِيهِ فَإِنَّهَا مِنْ الْأَنْجَاسِ؛ لِأَنَّهَا رَجِيعٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ رَجِيعٍ نَجِسٍ وَلَا بِعَظْمٍ لِلْخَبَرِ فِيهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَجِسٍ فَلَيْسَ بِنَظِيفٍ وَإِنَّمَا الطَّهَارَةُ بِنَظِيفٍ طَاهِرٍ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا فِي مَعْنَى الْعَظْمِ إلَّا جِلْدَ ذَكِيٍّ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَظِيفٍ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَأَمَّا الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ فَنَظِيفٌ طَاهِرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِهِ. (قَالَ) : وَيَسْتَنْجِي الرَّقِيقُ الْبَطْنِ وَالْغَلِيظُ بِالْحِجَارَةِ وَمَا قَامَ مَقَامَهَا مَا لَمْ يَعْدُ الْخَلَاءُ مَا حَوْلَ مَخْرَجِهِ مِمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَاطِنِ الْأَلْيَتَيْنِ فَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ فِيمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحِجَارَةِ وَلَمْ يُجْزِهِ فِيمَا انْتَشَرَ فَخَرَجَ عَنْهُمَا إلَّا الْمَاءُ وَلَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ أَهْلُ رِقَّةِ بُطُونٍ وَغِلَظِهَا وَأَحْسَبُ رِقَّةَ الْبَطْنِ كَانَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ أَكْثَرَ لِأَكْلِهِمْ التَّمْرَ وَكَانُوا يَقْتَاتُونَهُ وَهُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاسْتِنْجَاءِ. (قَالَ) : وَالِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الْبَوْلِ مِثْلُهُ مِنْ الْخَلَاءِ لَا يَخْتَلِفُ وَإِذَا انْتَشَرَ الْبَوْلُ عَلَى مَا أَقْبَلَ عَلَى الثُّقْبِ أَجْزَأَهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَإِذَا انْتَشَرَ حَتَّى تَجَاوَزَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ فِيمَا جَاوَزَ ذَلِكَ إلَّا الْمَاءُ. وَيَسْتَبْرِئُ الْبَائِلُ مِنْ الْبَوْلِ لِئَلَّا يَقْطُرَ عَلَيْهِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَبْرِئَ مِنْ الْبَوْلِ وَيُقِيمَ سَاعَةً قَبْلَ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَنْثُرَ ذَكَرَهُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ. (قَالَ) : وَإِذَا اسْتَنْجَى رَجُلٌ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَإِنْ أَنْقَى وَالِاسْتِنْجَاءُ كَافٍ وَلَوْ جَمَعَهُ رَجُلٌ ثُمَّ غَسَلَ بِالْمَاءِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَيُقَالَ إنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ اسْتَنْجَوْا بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] . وَإِذَا اقْتَصَرَ الْمُسْتَنْجِي عَلَى الْمَاءِ دُونَ الْحِجَارَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَى مِنْ الْحِجَارَةِ وَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ فَلَا عَدَدَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَنْقَى كُلَّ مَا هُنَالِكَ وَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ يَكُونُ إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَثَلَاثٍ فَأَكْثَرَ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَتْ بِرَجُلٍ بَوَاسِيرُ وَقُرُوحٌ قُرْبَ الْمَقْعَدَةِ أَوْ فِي جَوْفِهَا فَسَالَتْ دَمًا أَوْ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا لَمْ يُجْزِهِ فِيهِ إلَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَلَا يَجْزِيهِ الْحِجَارَةُ وَالْمَاءُ طَهَارَةُ الْأَنْجَاسِ كُلِّهَا وَالرُّخْصَةُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ فِي مَوْضِعِهَا لَا يُعَدَّى بِهَا مَوْضِعَهَا وَكَذَلِكَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ إذَا عَدَّوْا مَوْضِعَهُمَا فَأَصَابُوا غَيْرَهُ مِنْ الْجَسَدِ لَمْ يُطَهِّرْهُمَا إلَّا الْمَاءُ وَيَسْتَنْجِي بِالْحِجَارَةِ فِي الْوُضُوءِ مَنْ يَجِدُ الْمَاءَ وَمَنْ لَا يَجِدُهُ. وَإِذَا تَخَلَّى رَجُلٌ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ التَّيَمُّمُ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الِاسْتِنْجَاءُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ وَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ اسْتَنْجَى لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ " قَالَ الرَّبِيعُ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ " وَإِذَا كَانَ قَدْ اسْتَنْجَى بَعْدَهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ وَلَا دُبُرَهُ بِيَدِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ الْغُسْلُ لَمْ يُجْزِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا الْغُسْلُ

باب السواك

[بَابُ السِّوَاكِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ

باب غسل اليدين قبل الوضوء

وَبِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَنَّهُ اخْتِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاسْتُحِبَّ السِّوَاكُ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْفَمُ وَعِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ وَالْأَزْمِ وَأَكْلِ كُلِّ مَا يُغَيِّرُ الْفَمَ وَشُرْبِهِ وَعِنْدَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَمَنْ تَرَكَهُ وَصَلَّى فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. [بَابُ غُسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوُضُوءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ فَبَدَأَ فِيهِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَامَ مِنْ النَّوْمِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَعَلَا دُونَ الْبَائِلِ وَالْمُتَغَوِّطِ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ لَمْ يُحْدِثْ خَلَاءً وَلَا بَوْلًا وَأُحِبُّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ لِلْوُضُوءِ لِلسُّنَّةِ لَا لِلْفَرْضِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَهُوَ لَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ النَّجَاسَةِ مَاسَّهَا لَمْ يَفْسُدْ وُضُوءُهُ وَكَذَلِكَ إنْ شَكَّ أَنْ يَكُونَ مَاسَّهَا فَإِنْ كَانَ الْيَدُ قَدْ مَاسَّتْهُ نَجَاسَةٌ فَأَدْخَلَهَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ فَسَدَ الْمَاءُ فَأَهْرَاقَهُ وَغَسَلَ مِنْهُ الْإِنَاءَ وَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ وَتَوَضَّأَ وَطَهُرَتْ يَدُهُ بِدُخُولِهَا الْمَاءَ إنْ كَانَتْ نَجَاسَةً لَا أَثَرَ لَهَا وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةً لَهَا أَثَرٌ أَخْرَجَهَا وَغَسَلَهَا حَتَّى يَذْهَبَ الْأَثَرُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. [بَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْوَجْهَ الْمَفْرُوضَ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ - مَا ظَهَرَ دُونَ مَا بَطَنَ وَأَنْ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَغْسِلَ عَيْنَيْهِ وَلَا أَنْ يَنْضَحَ فِيهِمَا فَكَانَتْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ أَقْرَبَ إلَى الظُّهُورِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ وَلَمْ أَعْلَمْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فَرْضًا وَلَمْ أَعْلَمْ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ تَرَكَهُمَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ الْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا يَأْخُذَ بِكَفِّهِ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ وَيُدْخِلَ الْمَاءَ أَنْفَهُ وَيَسْتَبْلِغَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَأْخُذُ بِخَيَاشِيمِهِ وَلَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجْعَلَهُ كَالسَّعُوطِ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا رَفَقَ بِالِاسْتِنْشَاقِ لِئَلَّا يَدْخُلَ رَأْسَهُ وَإِنَّمَا أَكَّدْت الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ دُونَ غَسْلِ الْعَيْنَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَأَنَّ الْفَمَ يَتَغَيَّرُ وَكَذَلِكَ الْأَنْفُ وَأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ مِنْ تَغَيُّرِهِمَا وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْعَيْنَانِ وَإِنْ تَرَكَ مُتَوَضِّئٌ أَوْ جُنُبٌ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَصَلَّى لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ لِمَا وَصَفْت وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَدَعَهُمَا وَإِنْ تَرَكَهُمَا أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ

باب غسل الوجه

[بَابُ غُسْلِ الْوَجْهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْوَجْهَ مَا دُونَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى الْأُذُنَيْنِ وَاللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَلَيْسَ مَا جَاوَزَ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْأَغَمِّ مِنْ النَّزْعَتَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ وَكَذَلِكَ أَصْلَعُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ لَيْسَتْ صَلْعَتُهُ مِنْ الْوَجْهِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ غَسَلَ النَّزْعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ شَيْءٌ فَإِذَا خَرَجَتْ لِحْيَةُ الرَّجُلِ فَلَمْ تَكْثُرْ حَتَّى تُوَارِيَ مِنْ وَجْهِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ غُسْلُ الْوَجْهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ فَإِذَا كَثُرَتْ حَتَّى تَسْتُرَ مَوْضِعَهَا مِنْ الْوَجْهِ فَالِاحْتِيَاطُ غَسْلُهَا كُلُّهَا وَلَا أَعْلَمُهُ يَجِبُ غَسْلُهَا كُلُّهَا وَإِنَّمَا قُلْت لَا أَعْلَمُ يَجِبُ غَسْلُهَا كُلُّهَا بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَعَمِّ مِمَّنْ لَقِيت وَحُكِيَ لِي عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِأَنَّ الْوَجْهَ نَفْسَهُ مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ إلَّا شَعْرُ الْحَاجِبِ وَأَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَالشَّارِبُ وَالْعَنْفَقَةُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَجْهٌ دُونَ مَا أَقْبَلَ مِنْ الرَّأْسِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ الرَّأْسِ وَجْهٌ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ مُوَاجِهٌ وَإِنَّمَا كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ حَاجِبٍ وَشَارِبٍ وَعَنْفَقَةٍ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ وَجْهًا مِنْ أَنَّ كُلَّهُ مَحْدُودٌ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ مَكْشُوفٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ مَكْشُوفًا لَا يُغْسَلُ وَلَا أَنْ يَكُونَ الْوَجْهُ فَهُوَ وَاحِدٌ مُنْقَطِعًا أَسْفَلُهُ وَأَعْلَاهُ وَجَنْبَاهُ وَجْهٌ وَمَا بَيْنَ هَذَا لَيْسَ بِوَجْهٍ وَاللِّحْيَةُ فَهِيَ شَيْئَانِ فَعَذَارُ اللِّحْيَةِ الْمُتَّصِلُ بِالصُّدْغَيْنِ الَّذِي مِنْ وَرَائِهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ وَالْوَاصِلُ بِهِ الْقَلِيلُ الشَّعْرِ فِي حُكْمِ الْحَاجِبَيْنِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغُسْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ بِالْوَجْهِ كَمَا وَصَفْت وَأَنَّ شَعْرَهُ لَا يَكْثُرُ عَنْ أَنْ يَنَالَهُ الْمَاءُ كَمَا يَنَالَ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالْعَنْفَقَةَ وَهِيَ عَلَى الذَّقَنِ وَمَا وَالَى الذَّقَنَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ فَهَذَا مُجْتَمَعُ اللِّحْيَةِ بِمُنْقَطِعِ اللِّحْيَةِ فَيُجْزِئُ فِي هَذَا أَنْ يَغْسِلَ ظَاهِرَ شَعْرِهِ مَعَ غَسْلِ شَعْرِ الْوَجْهِ وَلَا يُجْزِئُ تَرْكُهُ مِنْ الْمَاءِ وَلَا أَرَى مَا تَحْتَ مَنَابِتِ مُجْتَمَعِ اللِّحْيَةِ وَاجِبَ الْغُسْلِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لَمْ يَجِبْ تَخْلِيلُهُ، وَيُمِرُّ الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ كَمَا يُمِرُّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَمَا مَسَحَ مِنْ مَظَاهِرِ شَعْرِ الرَّأْسِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ إبِطًا أَوْ كَانَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ لِحْيَتِهِ مُنْقَطِعًا بَادِيًا مِنْ الْوَجْهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا غَسْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ قَلِيلًا كَشَعْرِ الْعَنْفَقَةِ وَالشَّارِبِ وَعِذَارِ اللِّحْيَةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا غَسْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ اللِّحْيَةُ كُلُّهَا قَلِيلًا لَاصِقَةً كَهِيَ حِينَ تَنْبُتُ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا إنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهَا إذَا كَثُرَتْ فَكَانَتْ إذَا أَسْبَغَ الْمَاءَ عَلَى اللِّحْيَةِ حَالَ الشَّعْرُ لِكَثْرَتِهِ دُونَ الْبَشَرَةِ فَإِذَا كَانَتْ هَكَذَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا كَانَ هَكَذَا مِنْ مُجْتَمَعِ اللِّحْيَةِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهَا بَالِغًا مِنْهَا حَيْثُ بَلَغَ كَمَا يَصْنَعُ فِي الْوَجْهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ مَا سَقَطَ مِنْ اللِّحْيَةِ عَنْ الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَمْرُهُ عَلَى مَا عَلَى الْوَجْهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجْزِيهِ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تَنْزِلُ وَجْهًا وَالْآخَرُ يَجْزِيهِ إذَا أَمَرَّهُ عَلَى مَا عَلَى الْوَجْهِ مِنْهُ. [بَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْمَرَافِقَ مِمَّا يُغْسَلُ كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ مَعْنَاهَا فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى أَنْ تُغْسَلَ الْمَرَافِقُ وَلَا يَجْزِي فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ

باب مسح الرأس

أَبَدًا إلَّا أَنْ يُؤْتَى عَلَى مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى أَنْ تُغْسَلَ الْمَرَافِقُ وَلَا يَجْزِي إلَّا أَنْ يُؤْتَى بِالْغُسْلِ عَلَى ظَاهِرِ الْيَدَيْنِ وَبَاطِنِهِمَا وَحُرُوفِهِمَا حَتَّى يَنْقَضِيَ غَسْلُهُمَا وَإِنْ تُرِكَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ لَمْ يَجُزْ وَيَبْدَأُ بِالْيُمْنَى مِنْ يَدَيْهِ قَبْلَ الْيُسْرَى فَإِنْ بَدَأَ بِالْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى كَرِهْت ذَلِكَ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ إعَادَةً. وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَضِّئُ أَقْطَعَ غَسَلَ مَا بَقِيَ حَتَّى يَغْسِلَ الْمِرْفَقَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقَيْنِ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ شَيْءٌ فَقَدْ ارْتَفَعَ عَنْهُ فَرْضُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَمَسَّ أَطْرَافَ مَا بَقِيَ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ غَسْلًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ. [بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وَكَانَ مَعْقُولًا فِي الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ تَحْتَمِلْ الْآيَةُ إلَّا هَذَا وَهُوَ أَظْهَرُ مَعَانِيهَا أَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ وَإِذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ فَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا مَسَحَ الرَّجُلُ بِأَيِّ رَأْسِهِ شَاءَ إنْ كَانَ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ وَبِأَيِّ شَعْرِ رَأْسِهِ شَاءَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْضِ أُصْبُعٍ أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَمْسَحُ بِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إنْ مَسَحَ نَزْعَتَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ بَعْضَهُمَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَأْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَحَسِرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ أَوْ قَالَ نَاصِيَتَهُ بِالْمَاءِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ أَوْ قَالَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَسْحِ الرَّأْسِ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعْتَمًّا فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ» فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الرَّأْسِ دُونَهَا وَأُحِبُّ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مَعَ الرَّأْسِ وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ دُونَ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى بُرْقُعٍ أَوْ قُفَّازَيْنِ دُونَ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ ذَا جُمَّةٍ فَمَسَحَ مِنْ شَعْرِ الْجُمَّةِ مَا سَقَطَ عَنْ أُصُولِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَلَمْ يُجْزِئْهُ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الرَّأْسِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى الشَّعْرِ الَّذِي عَلَى نَفْسِ الرَّأْسِ لَا السَّاقِطِ عَنْ الرَّأْسِ وَلَوْ جَمَعَ شَعْرَهُ فَعَقَدَهُ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ فَمَسَحَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَكَانَ الَّذِي يَمْسَحُ بِهِ الشَّعْرَ السَّاقِطَ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ مَسَحَ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى مَنَابِتِ الرَّأْسِ بَعْدَمَا أُزِيلَ عَنْ مَنْبَتِهِ لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شَعْرٌ عَلَى غَيْرِ مَنْبَتِهِ فَهُوَ كَالْعِمَامَةِ وَلَا يَجْزِي الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ حَتَّى يَمْسَحَ عَلَى الشَّعْرِ فِي مَوْضِعِ مَنَابِتِهِ فَتَقَعُ الطَّهَارَةُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَعُ عَلَى الرَّأْسِ نَفْسِهِ وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ فَيَمْسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ مَعًا يُقْبِلُ بِهِمَا وَيُدْبِرُ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَهَكَذَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ «عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ؟ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ نَعَمْ وَدَعَا بِوُضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ

باب غسل الرجلين

بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً تُجْزِئُهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَبَاطِنَهُمَا بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ الرَّأْسِ وَيَأْخُذَ بِأُصْبُعَيْهِ الْمَاءَ لِأُذُنَيْهِ فَيُدْخِلَهُمَا فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْفُرْجَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الصِّمَاخِ وَلَوْ تَرَكَ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَتَا مِنْ الْوَجْهِ غُسِلَتَا مَعَهُ أَوْ مِنْ الرَّأْسِ مُسِحَتَا مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُمَا أَجْزَأَتَا مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُونَا هَكَذَا فَلَمْ يُذْكَرَا فِي الْفَرْضِ وَلَوْ كَانَتَا مِنْ الرَّأْسِ كَفَى مَاسِحَهُمَا أَنْ يَمْسَحَ بِالرَّأْسِ كَمَا يَكْفِي مِمَّا يَبْقَى مِنْ الرَّأْسِ. [بَابُ غُسْلِ الرِّجْلَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَنَحْنُ نَقْرَؤُهَا وَأَرْجُلَكُمْ عَلَى مَعْنَى اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ أَسْمَعْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْوُضُوءِ الْكَعْبَانِ النَّاتِئَانِ وَهُمَا مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَأَنَّ عَلَيْهِمَا الْغُسْلَ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ فِيهِمَا إلَى اغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ حَتَّى تَغْسِلُوا الْكَعْبَيْنِ وَلَا يُجْزِئُ الْمَرْءَ إلَّا غُسْلُ ظَاهِرِ قَدَمَيْهِ وَبَاطِنِهِ وَعُرْقُوبَيْهِمَا وَكَعْبَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَوْظِفَ كُلَّ مَا أَشْرَفَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ عَنْ أَصْلِ السَّاقِ فَيَبْدَأُ فَيَنْصِبُ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ بِيَمِينِهِ أَوْ يَصُبُّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُمَا حَتَّى يَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَى مَا بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا وَلَا يُجْزِئُهُ تَرْكُ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هَاشِمٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْت وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْنَاهُ فَلَمْ نُصَادِفْهُ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَأَتَتْنَا بِقِنَاعٍ فِيهِ تَمْرٌ وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ فَأَكَلْنَا وَأَمَرَتْ لَنَا بِحَرِيرَةٍ فَصُنِعَتْ فَأَكَلْنَا فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَلْ أَكَلْتُمْ شَيْئًا هَلْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَيْءٍ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ فَإِذَا سَخْلَةٌ تَيْعَرُ قَالَ هِيهِ يَا فُلَانُ مَا وَلَدَتْ قَالَ بَهْمَةً قَالَ فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَهَا شَاةً ثُمَّ انْحَرَفَ إلَيَّ وَقَالَ لِي لَا تَحْسَبَنَّ وَلَمْ يَقُلْ لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّا مِنْ أَجْلِك ذَبَحْنَاهَا لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ فَإِذَا وَلَدَ الرَّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي امْرَأَةً فِي لِسَانِهَا شَيْءٌ يَعْنِي الْبَذَاءَ قَالَ طَلِّقْهَا إذًا قُلْت إنَّ لِي مِنْهَا وَلَدًا وَإِنَّ لَهَا صُحْبَةً قَالَ فَمُرْهَا يَقُولُ عِظْهَا فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَعْقِلُ وَلَا تَضْرِبَنَّ ظَعِينَتَك كَضَرْبِك أَمَتَك قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ قَالَ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِهِ شَيْءٌ خُلِقَ مُلْتَصِقًا غَلْغَلَ الْمَاءَ عَلَى عُضْوَيْهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا ظَهَرَ مِنْ جِلْدِهِ لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتُقَ مَا خُلِقَ مُرْتَتِقًا مِنْهُمَا

باب مقام الموضئ

[بَابُ مَقَامِ الْمُوَضِّئِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَامَ رَجُلٌ يُوَضِّئُ رَجُلًا قَامَ عَنْ يَسَارِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ مِنْ الْمَاءِ وَأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ وَإِنْ قَامَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ حَيْثُ قَامَ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُضُوءِ لَا فِي مَقَامِ الْمُوَضِّئِ. [بَابُ قَدْرِ الْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوُضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُضُوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ قَالَ فَرَأَيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ وَبَعْضُ نِسَائِهِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ النَّاسُ مَعًا فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقْتَ فِيمَا يَطْهُرُ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ مِنْ الْمَاءِ إلَّا الْإِتْيَانُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَسْلٍ وَمَسْحٍ وَكَذَلِكَ إذَا اغْتَسَلَ الِاثْنَانِ مَعًا فَإِذَا أَتَى الْمَرْءُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ غَسْلٍ وَمَسْحٍ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَلَّ الْمَاءُ أَوْ كَثُرَ وَقَدْ يُرْفِقُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيَخْرِقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي فِيمَا أُمِرَ بِغَسْلِهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ الْمَاءَ ثُمَّ يُجْرِيَهُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَإِنْ جَرَى الْمَاءُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَمَرَّ بِهِ عَلَى يَدِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بِتَحْرِيكٍ لَهُ بِالْيَدَيْنِ كَانَ أَنْقَى وَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مِشْقٌ، أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَصْبُغُ الْجَسَدَ فَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَذْهَبْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ الْعُضْوِ إذَا أَجْرَى الْمَاءَ عَلَيْهِ فَقَدْ جَاءَ بِأَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ وَأَحَبَّ إلَيَّ لَوْ غَسَلَهُ حَتَّى يَذْهَبَ كُلَّهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عِلْكٌ أَوْ شَيْءٌ ثَخِينٌ فَيَمْنَعُ الْمَاءَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْجِلْدِ لَمْ يُجْزِهِ وُضُوءُ ذَلِكَ الْعُضْوِ حَتَّى يُزِيلَ عَنْهُ ذَلِكَ أَوْ يُزِيلَ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ مَاسَّ مَعَهُ الْجِلْدَ كُلَّهُ لَا حَائِلَ دُونَهُ فَأَمَّا الرَّأْسُ فَيَأْخُذُ مِنْ الْمَاءِ بِمَا شَاءَ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إذَا وَصَلَ إلَيْهِ أَوْ شَعْرَهُ الَّذِي عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَيْضًا دُونَ مَا يَمْسَحُ مِنْ شَعْرِهِ حَائِلٌ لَمْ يُجْزِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دُونَ الرَّأْسِ حَائِلٌ وَلَا شَعْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُزِيلَ الْحَائِلَ فَيُبَاشِرَ بِالْمَسْحِ رَأْسَهُ أَوْ شَعْرَهُ وَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ نَاقِعٍ لَا يَنْجُسُ - انْغِمَاسَةً تَأْتِي عَلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَنْوِي الطَّهَارَةَ بِهَا أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ إنْ جَلَسَ تَحْتَ مَصَبِّ مَاءٍ أَوْ سِرْبٍ لِلْمَطَرِ أَوْ مَطَرٍ يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ فَيَأْتِي الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ أَجْزَأَهُ. وَلَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَيَكْفِيهِ مِنْ النِّيَّةِ فِيهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ يَنْوِي طَهَارَةً مِنْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةً لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفٍ أَوْ صَلَاةٍ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ مِمَّا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا طَاهِرٌ. (قَالَ) : وَلَوْ وَضَّأَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى فِي الْبَاقِي لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَعُودَ لِلَّذِي وَضَّأَ بِلَا نِيَّةٍ فَيُحْدِثَ لَهُ نِيَّةً يُجْزِئُهُ بِهَا الْوُضُوءُ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيَغْسِلُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَيَغْسِلُ مَا بَعْدَهُ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَدَّمَ النِّيَّةَ مَعَ أَخْذِهِ فِي الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ الْوُضُوءُ فَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلُ ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ وَإِذَا تَوَضَّأَ وَهُوَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ النِّيَّةُ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَسْتَبِيحُ بِهَا الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةَ أَنْ يَتَبَرَّدَ بِالْمَاءِ أَوْ يَتَنَظَّفَ بِالْمَاءِ لَا يَتَطَهَّرَ بِهِ وَإِذَا وَضَّأَ وَجْهَهُ يَنْوِي الطَّهَارَةَ ثُمَّ نَوَى بِغُسْلِ يَدَيْهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ التَّنْظِيفَ أَوْ التَّبْرِيدَ لَا الطَّهَارَةَ لَمْ يُجْزِهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَعُودَ لِغَسْلِ أَعْضَائِهِ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا غَيْرَ نِيَّةِ الطَّهَارَةِ فَإِذَا وَضَّأَ نَفْسَهُ أَوْ وَضَّأَ غَيْرَهُ فَسَوَاءٌ. وَيَأْخُذُ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِلْآخَرِ وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ بَلَلِ وُضُوءِ يَدَيْهِ أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا مَاءٌ جَدِيدٌ. (قَالَ الرَّبِيعُ) وَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ بِلَا نِيَّةِ طَهَارَةٍ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ بَعْدُ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ يَنْوِي الطَّهَارَةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْوَجْهِ يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ وَغَسَلَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا غَسَلَ لَا يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ

باب تقديم الوضوء ومتابعته

حَتَّى يَأْتِيَ الْوُضُوءُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ غَسَلَ وَجْهَهُ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ لَا يَنْوِي الطَّهَارَةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ الَّذِي لَمْ يَنْوِ بِهِمَا طَهَارَةً. وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ غَمَسَ فِيهِ ثَوْبًا لَيْسَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لَمْ يَخْلِطْهُ شَيْءٌ يَصِيرُ إلَيْهِ مُسْتَهْلِكًا فِيهِ أَجْزَأَهُ الْوُضُوءُ بِهِ. وَلَوْ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ تَوَضَّأَ بِهِ رَجُلٌ لَا نَجَاسَةَ عَلَى أَعْضَائِهِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَدْ تُوَضِّئ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ اغْتَسَلَ فِيهِ رَجُلٌ وَالْمَاءُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ أَوْ أَكْثَرَ فَانْغَمَسَ فِيهِ رَجُلٌ لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْسِدُهُ، وَإِنَّمَا قُلْت لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ بِمَاءٍ قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْوَجْهَ لَا يَكُونُ مَغْسُولًا إلَّا بِأَنْ يُبْتَدَأَ لَهُ مَاءٌ فَيُغْسَلَ بِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ فِي الْيَدَيْنِ عِنْدِي مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فِي الْوَجْهِ مِنْ أَنْ يَبْتَدِئَ لَهُ مَاءً فَيَغْسِلَهُ بِهِ وَلَوْ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَاءَ الَّذِي غَسَلَ بِهِ الْوَجْهَ كَأَنْ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ وَلَا يَكُونُ مُسَوِّيًا بَيْنَهُمَا حَتَّى يَبْتَدِئَ لَهُمَا الْمَاءَ كَمَا ابْتَدَأَ لِوَجْهِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ مَاءً جَدِيدًا. وَلَوْ أَصَابَ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ عَلَى الْبَدَنِ ثَوْبَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ صُبَّ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَغْسِلْ مِنْهُ الثَّوْبَ وَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا؟ قِيلَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ الْوُضُوءِ مَا يُصِيبُ ثِيَابَهُ وَلَمْ نَعْلَمْهُ غَسَلَ ثِيَابَهُ مِنْهُ وَلَا أَبْدَلَهَا وَلَا عَلِمْت فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ مَعْقُولًا إذَا لَمْ يُمَاسَّ الْمَاءَ نَجَاسَةٌ لَا يَنْجُسُ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا قِيلَ: لِمَا وَصَفْنَا وَإِنَّ عَلَى النَّاسِ تَعَبُّدًا فِي أَنْفُسِهِمْ بِالطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ تُمَاسَّ أَبْدَانَهُمْ وَلَيْسَ عَلَى ثَوْبٍ وَلَا عَلَى أَرْضٍ تَعَبُّدٌ وَلَا أَنْ يُمَاسَّهُ مَاءٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ. [بَابُ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ وَمُتَابَعَتِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] (قَالَ) : وَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَالَ فَأَشْبَهَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فِي الْوُضُوءِ شَيْئَانِ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهِ مِنْهُ وَيَأْتِي عَلَى إكْمَالِ مَا أُمِرَ بِهِ فَمَنْ بَدَأَ بِيَدِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ أَوْ رَأْسِهِ قَبْلَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ قَبْلَ رَأْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ عِنْدِي أَنْ يُعِيدَ حَتَّى يَغْسِلَ كُلًّا فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَبْلَ الَّذِي بَعْدَهُ لَا يَجْزِيهِ عِنْدِي غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ صَلَّى أَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَمَسْحَ الرَّأْسِ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ. فَإِذَا نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ حَتَّى غَسَلَ رِجْلَيْهِ عَادَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا قُلْت يُعِيدُ كَمَا قُلْت وَقَالَ غَيْرِي فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّفَا وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ أَعْلَمْ خِلَافًا أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ أَلْغَى طَوَافًا حَتَّى يَكُونَ بَدْؤُهُ بِالصَّفَا وَكَمَا قُلْنَا فِي الْجِمَارِ إنْ بَدَأَ بِالْآخِرَةِ قَبْلَ الْأُولَى أَعَادَ حَتَّى تَكُونَ بَعْدَهَا وَإِنْ بَدَأَ

بِالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَعَادَ فَكَانَ الْوُضُوءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَوْكَدَ مِنْ بَعْضِهِ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مَعًا فَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى وَإِنْ بَدَأَ بِالْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُتَابِعَ الْوُضُوءَ وَلَا يُفَرِّقَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِهِ مُتَتَابِعًا؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَاءُوا بِالطَّوَافِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْأَعْمَالِ مُتَتَابِعَةً، وَلَا حَدَّ لِلتَّتَابُعِ إلَّا مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ فِيهِ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَاطِعًا لَهُ حَتَّى يُكْمِلَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَالْعُذْرُ أَنْ يَفْزَعَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ مِنْ سَيْلٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَتَحَوَّلَ إلَى غَيْرِهِ فَيَمْضِيَ فِيهِ عَلَى وُضُوئِهِ أَوْ يَقِلُّ بِهِ الْمَاءُ فَيَأْخُذُ الْمَاءَ ثُمَّ يَمْضِي عَلَى وُضُوئِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَإِنْ جَفَّ وُضُوءُهُ - كَمَا يَعْرِضُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الرُّعَافُ وَغَيْرُهُ - فَيَخْرُجُ ثُمَّ يَبْنِي وَكَمَا يَقْطَعُ بِهِ الطَّوَافَ لِصَلَاةٍ أَوْ رُعَافٍ أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ فَيَنْصَرِفُ ثُمَّ يَبْنِي (قَالَ الرَّبِيعُ) ثُمَّ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا بَعْدُ وَقَالَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ إذَا خَرَجَ مِنْ رُعَافٍ. وَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنَّهُ إذَا انْصَرَفَ مِنْ رُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ (قَالَ الرَّبِيعُ) رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ إذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ عَامِدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ إذَا خَرَجَ مِنْ رُعَافٍ وَغَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَحَوَّلَ مِنْ مَوْضِعٍ قَدْ وَضَّأَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ فِيهِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ لِنَظَافَتِهِ أَوْ لِسَعَتِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَضَى عَلَى وُضُوءِ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَوَّلَ لِاخْتِيَارِهِ لَا لِضَرُورَةٍ كَانَتْ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَإِنْ قَطَعَ الْوُضُوءَ فِيهِ فَذَهَبَ لِحَاجَةٍ أَوْ أَخَذَ فِي غَيْرِ عَمَلِ الْوُضُوءِ حَتَّى تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِهِ جَفَّ الْوُضُوءُ أَوْ لَمْ يَجِفَّ فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ اسْتَأْنَفَ وُضُوءًا وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ وُضُوءٍ وَإِنْ طَالَ تَرْكُهُ لَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَ ظَهَرَانِي وُضُوئِهِ فَيَنْتَقِضُ مَا مَضَى مِنْ وُضُوئِهِ؛ وَلِأَنِّي لَا أَجِدُ فِي مُتَابَعَتِهِ الْوُضُوءَ مَا أَجِدُ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَأَصْلُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْغُسْلِ كَيْفَ شَاءَ وَلَوْ قَطَعَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] فَهَذَا مُغْتَسِلٌ وَإِنْ قَطَعَ الْغُسْلَ وَلَا أَحْسَبُهُ يَجُوزُ إذَا قَطَعَ الْوُضُوءَ إلَّا مِثْلَ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالسُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. (قَالَ) : وَهَذَا غَيْرُ مُتَابَعَةٍ لِلْوُضُوءِ وَلَعَلَّهُ قَدْ جَفَّ وُضُوءُهُ وَقَدْ يَجِفُّ فِيمَا أَقَلَّ مِمَّا بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ وَأَجِدُهُ حِينَ تَرَكَ مَوْضِعَ وُضُوئِهِ وَصَارَ إلَى الْمَسْجِدِ آخِذًا فِي عَمَلٍ غَيْرِ الْوُضُوءِ وَقَاطِعًا لَهُ (قَالَ) : وَفِي مَذْهَبِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى ثُمَّ الْآخِرَةَ ثُمَّ الْوُسْطَى أَعَادَ الْوُسْطَى وَالْآخِرَةَ حَتَّى يَكُونَا فِي مَوْضِعِهِمَا وَلَمْ يُعِدْ الْأُولَى وَهُوَ دَلِيلٌ فِي قَوْلِهِمْ عَلَى أَنَّ تَقْطِيعَ الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَجْزِيَ عَنْهُ كَمَا قَطَعَ الَّذِي رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى رَمْيَهَا إلَى الْآخِرَةِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ تَجْزِيَ عَنْهُ الْوُسْطَى.

باب التسمية على الوضوء

[بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ابْتِدَاءِ وُضُوئِهِ فَإِنْ سَهَا سَمَّى مَتَى ذَكَرَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْوُضُوءَ وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لَمْ يَفْسُدْ وُضُوءُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابُ عَدَدِ الْوُضُوءِ وَالْحَدِّ فِيهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَاسْتَنْشَقَ وَتَمَضْمَضَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهِ مَرَّةً وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مَرَّةً وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَتَوَضَّأَ مَرَّةً فَالْكَمَالُ وَالِاخْتِيَارُ ثَلَاثٌ وَوَاحِدَةٌ تُجْزِئُ فَأُحِبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُوَضِّئَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَيَعُمَّ بِالْمَسْحِ رَأْسَهُ فَإِنْ اقْتَصَرَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ تَأْتِي عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ اقْتَصَرَ فِي الرَّأْسِ عَلَى مَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَا شَاءَ مِنْ يَدَيْهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ وَضَّأَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَبَعْضَهَا اثْنَيْنِ وَبَعْضَهَا ثَلَاثًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً إذَا أَجْزَأَتْ فِي الْكُلِّ أَجْزَأَتْ فِي الْبَعْضِ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (قَالَ) : وَلَا أُحِبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ وَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا وَضَّأَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ. [بَابُ جِمَاعِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]

باب من له المسح

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَاحْتَمَلَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِ الْمُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْضٍ فَدَلَّ مَسْحُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّهُمَا عَلَى مَنْ لَا خُفَّيْنِ عَلَيْهِ إذَا هُوَ لَبِسَهُمَا عَلَى كَمَالِ الطَّهَارَةِ كَمَا دَلَّ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَصَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى بَعْضِ الْقَائِمِينَ دُونَ بَعْضٍ لَا أَنَّ الْمَسْحَ خِلَافٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا الْوُضُوءَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ وَكَذَلِكَ لَيْسَتْ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافٍ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِلَالٌ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ خَرَجَا قَالَ أُسَامَةُ فَسَأَلْت بِلَالًا مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بِلَالٌ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْت مَعَهُ إدَاوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلْت أُهْرِيقَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ وَهُوَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُحْسِرُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كَمَا جُبَّتِهِ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَأَقْبَلْت مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي لَهُمْ فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ وَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ قَالَ أَصَبْتُمْ يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِنَحْوٍ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادٍ «قَالَ الْمُغِيرَةُ فَأَرَدْت تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثِ بِلَالٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ بِئْرَ جَمَلٍ فِي الْحَضَرِ قَالَ فَيَمْسَحُ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ مَعًا. [بَابُ مَنْ لَهُ الْمَسْحُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُسَيْنٍ وَزَكَرِيَّا وَيُونُسَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ إنِّي أَدْخَلَتْهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ لَمْ يُدْخِلْ وَاحِدَةً مِنْ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ إلَّا وَالصَّلَاةُ تَحِلُّ لَهُ فَإِنَّهُ كَامِلُ الطَّهَارَةِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَوَضَّأَ رَجُلٌ فَيُكْمِلَ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَبْتَدِئَ بَعْدَ إكْمَالِهِ إدْخَالَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخُفَّيْنِ رِجْلَهُ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ أَوْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا الْخُفَّيْنِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لَهُ الصَّلَاةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إنْ أَحْدَثَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يُوَضِّئَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَيَغْسِلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ يَغْسِلَ الْأُخْرَى فَيُدْخِلَهَا الْخُفَّ فَلَا يَكُونُ لَهُ إذَا أَحْدَثَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ الْخُفَّ وَهُوَ غَيْرُ كَامِلِ

الطَّهَارَةِ وَتَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ بَعْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَنْزِعَ الْخُفَّيْنِ وَيَتَوَضَّأَ فَيُكْمِلَ الْوُضُوءَ ثُمَّ يُدْخِلَهُمَا الْخُفَّيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ فَأَكْمَلَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَفَّفَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ رِجْلَهُ الْأُخْرَى فِي سَاقِ الْخُفِّ فَلَمْ تَقَرَّ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ حَتَّى أَحْدَثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مُتَخَفِّفًا حَتَّى يُقِرَّ قَدَمَهُ فِي قَدَمِ الْخُفِّ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ وَيَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ. وَإِذَا وَارَى الْخُفُّ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ مَوْضِعَ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَنْ يُوَارِيَ الْكَعْبَيْنِ فَلَا يُرَيَانِ مِنْهُ كَانَ لِمَنْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ هَذَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا خُفَّانِ وَإِنْ كَانَ الْكَعْبَانِ أَوْ مَا يُحَاذِيهِمَا مِنْ مُقَدَّمِ السَّاقِ أَوْ مُؤَخَّرِهَا يُرَى مِنْ الْخُفِّ لِقِصَرِهِ أَوْ لِشِقٍّ فِيهِ أَوْ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ مَا كَانَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ لَبِسَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَهَكَذَا إنْ كَانَ فِي الْخُفَّيْنِ خَرْقٌ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ فِي بَطْنِ الْقَدَمِ أَوْ ظَهْرِهَا أَوْ حُرُوفِهَا أَوْ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْقَدَمِ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ هَذَانِ الْخُفَّانِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِمَنْ تَغَطَّتْ رِجْلَاهُ بِالْخُفَّيْنِ فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا بَارِزَةً بَادِيَةً فَلَيْسَتَا بِمُتَغَطِّيَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ عَلَيْهِ الْفَرْضُ مِنْ الرِّجْلَيْنِ بَارِزًا وَلَا يُغْسَلَ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْقَدَمِ وَجَبَ عَلَيْهَا كُلِّهَا. وَإِنْ كَانَ فِي الْخُفِّ خَرْقٌ وَجَوْرَبٌ يُوَارِي الْقَدَمَ فَلَا نَرَى لَهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَيْسَ بِجَوْرَبٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ أَنْ يَلْبَسَ دُونَ الْخُفِّ جَوْرَبًا رُئِيَ بَعْضُ رِجْلَيْهِ. (قَالَ) : وَإِنْ انْفَتَقَتْ ظِهَارَةُ الْخُفِّ وَبِطَانَتُهُ صَحِيحَةٌ لَا يُرَى مِنْهَا قَدَمٌ كَانَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ خُفٌّ وَالْجَوْرَبُ لَيْسَ بِخُفٍّ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ أُلْصِقَ بِالْخُفِّ فَهُوَ مِنْهُ. وَلَوْ تَخَفَّفَ خُفًّا فِيهِ خَرْقٌ ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ آخَرَ صَحِيحًا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِذَا كَانَ الْخُفُّ الَّذِي عَلَى قَدَمِهِ صَحِيحًا مَسَحَ عَلَيْهِ دُونَ الَّذِي فَوْقَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ فِي الْخُفِّ فَتْقٌ كَالْخَرْقِ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْخَرَزِ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالْخُفُّ الَّذِي يَمْسَحُ عَلَيْهِ الْخُفُّ الْمَعْلُومُ سَاذِجًا كَانَ أَوْ مُنَعَّلًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَخَفَّفَ وَاحِدًا غَيْرَهُ فَكَانَ فِي مَعْنَاهُ مَسَحَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلَّهُ مِنْ جُلُودِ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ خَشَبٍ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُلُودِ الْغَنَمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ الْخُفَّانِ مِنْ لُبُودٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ طُفًى فَلَا يَكُونَانِ فِي مَعْنَى الْخُفِّ حَتَّى يُنَعَّلَا جِلْدًا أَوْ خَشَبًا أَوْ مَا يَبْقَى إذَا تُوبِعَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ كُلُّ مَا عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا صَفِيقًا لَا يَشِفُّ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا مَسَحَ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا لَا يَشِفُّ وَغَيْرُ مُنَعَّلٍ فَهَذَا جَوْرَبٌ أَوْ يَكُونَ مُنَعَّلًا وَيَكُونَ يَشِفُّ فَلَا يَكُونُ هَذَا خُفًّا إنَّمَا الْخُفُّ مَا لَمْ يَشِفَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مُنَعَّلًا وَمَا عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ صَفِيقًا لَا يَشِفَّ وَمَا فَوْقَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ يَشِفُّ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ شَيْءٌ يَشِفُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ جَوْرَبَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ خُفَّانِ فَلَبِسَهُمَا أَوْ لَبِسَ عَلَيْهِمَا جُرْمُوقَيْنِ آخَرَيْنِ أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يُعِدْ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَوْقَهُمَا وَلَا عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ مَسْحًا. وَلَوْ تَوَضَّأَ فَأَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا جُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَرَادَ أَنْ يَمْسَحَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْرَحَ الْجُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يُعِيدَ الْجُرْمُوقَيْنِ إنْ شَاءَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَدُونَهُمَا خُفَّانِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ وَلَا الصَّلَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لَبِسَ

باب وقت المسح على الخفين

جَوْرَبَيْنِ لَا يَقُومَانِ مَقَامَ خُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ الْقَدَمَيْنِ شَيْءٌ يَقُومُ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ خَرْقًا وَلَفَائِفَ مُتَظَاهِرَةً عَلَى الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَلَّمَا يُلْبَسُ الْخُفَّانِ إلَّا وَدُونُهُمَا وِقَايَةٌ مِنْ جَوْرَبٍ أَوْ شَيْءٍ يَقُومُ مَقَامَهُ يَقِي الْقَدَمَيْنِ مِنْ خَرَزِ الْخُفِّ وَحُرُوفِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْخُفَّانِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُمَا نَجِسًا لَمْ تَحِلَّ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَإِنْ كَانَا مِنْ جِلْدِ سَبُعٍ فَدُبِغَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِمَا شَعْرٌ فَإِنْ بَقِيَ فِيهِمَا شَعْرٌ فَلَا يُطَهِّرُ الشَّعْرَ الدِّبَاغُ وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ سَبُعٍ لَمْ يُدْبَغَا لَمْ تَحِلَّ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ذَكِيٌّ حَلَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُدْبَغَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَجْزِي الْمَسْحُ مِنْ طَهَارَةِ الْوُضُوءِ فَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ وَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَكَذَلِكَ يَجْزِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ فِي الْوُضُوءِ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ وَجَبَ غَسْلُ مَا هُنَالِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الْبَدَنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ دَمِيَتْ الْقَدَمَانِ فِي الْخُفَّيْنِ أَوْ وَصَلَتْ إلَيْهِمَا نَجَاسَةٌ وَجَبَ خَلْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ طَهَارَةُ تَعَبُّدِ وُضُوءٍ لَا طَهَارَةُ إزَالَةِ نَجَسٍ. [بَابُ وَقْتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُهَاجِرُ أَبُو مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ فَقَالَ لِي: مَا جَاءَ بِك؟ فَقُلْت: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ فَقَالَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ. قُلْت: حَاكَ فِي نَفْسِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَكُنْت امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُك أَسْأَلُك هَلْ سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَقَالَ نَعَمْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ وَنَوْمٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَبِسَ الرَّجُلُ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ لِلصَّلَاةِ صَلَّى فِيهِمَا، فَإِذَا أَحْدَثَ عَرَفَ الْوَقْتَ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ إلَّا بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ غَدِهِ وَذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَى أَنْ يَقْطَعَ الْمَسْحَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِيهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَمَسَحَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ صَلَّى بِالْمَسْحِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ فَإِنْ انْتَقَضَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ أَيْضًا حَتَّى السَّاعَةَ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا مِنْ غَدِهِ وَذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي مَسَحَ فِيهِ فَقَدْ انْتَقَضَ الْمَسْحُ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَإِذَا فَعَلَ وَتَوَضَّأَ كَانَ عَلَى وُضُوئِهِ وَمَتَى لَبِسَ خُفَّيْهِ فَأَحْدَثَ مَسَحَ إلَى مِثْلِ السَّاعَةِ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا ثُمَّ يُنْتَقَضُ مَسْحُهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَمَسَحَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ وَالظُّهْرَ إنْ قَدَّمَهَا حَتَّى يُصَلِّيَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ وَيَخْرُجَ مِنْهَا فَإِنْ أَخَّرَهَا حَتَّى يَكُونَ الْوَقْتُ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِمَسْحٍ وَإِنْ قَدَّمَهَا فَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى يَدْخُلَ الْوَقْتُ الَّذِي مَسَحَ فِيهِ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ

باب ما ينقض مسح الخفين

بِانْتِقَاضِ مَسْحِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ بِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ ثُمَّ كُلَّمَا لَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ كَانَ هَكَذَا أَبَدًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَصْنَعُ هَكَذَا فِي السَّفَرِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ يَمْسَحُ فِي الْيَوْمُ الثَّالِثِ إلَى مِثْلِ السَّاعَةِ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا فَيُصَلِّي فِي الْحَضَرِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ مَرَّةً وَسِتًّا مَرَّةً أُخْرَى بِمَسْحٍ وَفِي السَّفَرِ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً مَرَّةً وَسِتَّةَ عَشَرَ أُخْرَى عَلَى مِثْلِ مَا حَكَيْت إذَا صَلَّاهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ وَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى خَمْسَ عَشْرَةَ وَجَمَعَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ الَّذِي مَسَحَ فِيهِ انْتَقَضَ الْمَسْحُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجَ مُسَافِرًا صَلَّى بِالْمَسْحِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ طَهَارَةِ مَسْحِهِ كَانَتْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ فَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةً حَتَّى يَخْرُجَ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ الَّذِي كَانَ فِي الْحَضَرِ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً كَمَا كَانَ يُصَلِّي بِهِ فِي الْحَضَرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ فَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى خَرَجَ إلَى السَّفَرِ صَلَّى بِمَسْحِهِ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَلَمْ يُحْدِثْ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ لَمْ يُصَلِّ بِذَلِكَ الْمَسْحِ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْحِهِ مَعْنًى إذَا مَسَحَ وَهُوَ طَاهِرٌ لِمَسْحِهِ فِي الْحَضَرِ فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَكُنْ إذَا لَمْ يَكُنْ يُطَهِّرُهُ غَيْرُ التَّطْهِيرُ الْأَوَّلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ مَسَحَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَصَلَّى صَلَاةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ قَدِمَ بَلَدًا يُقِيمُ بِهِ أَرْبَعًا وَنَوَى الْمُقَامَ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي مَسَحَ فِيهِ أَرْبَعًا لَمْ يُصَلِّ بِمَسْحِ السَّفَرِ بَعْدَ مُقَامِهِ إلَّا لِإِتْمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ مُسَافِرًا ثَلَاثًا فَلَمَّا انْتَقَضَ سَفَرُهُ كَانَ حُكْمُ مَسْحِهِ إذْ صَارَ مُقِيمًا كَابْتِدَاءِ مَسْحِ الْمُقِيمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ اسْتَكْمَلَ فِي سَفَرِهِ بِأَنْ صَلَّى بِمَسْحِ السَّفَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْمُقَامُ أَوْ قَدِمَ بَلَدًا نَزَعَ خُفَّيْهِ وَاسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ اسْتَكْمَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بِمَسْحِ السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَنَوَى الْمُقَامَ قَبْلَ تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُضُوءًا ثُمَّ يُصَلِّيَ تِلْكَ الصَّلَاةَ. وَلَوْ سَافَرَ فَلَمْ يَدْرِ أَمَسَحَ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا لَمْ يُصَلِّ مِنْ حِينِ اسْتَيْقَنَ بِالْمَسْحِ أَنَّهُ كَانَ وَشَكَّ أَكَانَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ، إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَوْ صَلَّى بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ مَسَحَ مُسَافِرًا صَلَّى بِهِ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَكَّ أَمَسَحَ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا فَصَلَّى وَهُوَ مُسَافِرٌ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مَسَحَ مُسَافِرًا أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ زَادَتْ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا وَهُوَ لَا يَرَاهُ طَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ بِوُضُوءٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْمَسْحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا شَكَّ فِي أَوَّلِ مَا مَسَحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَلَمْ يَدْرِ أَمَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَمْ لَا نَزَعَ خُفَّيْهِ وَاسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ وَلَوْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مَسَحَ فَصَلَّى ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ وَشَكَّ أَصَلَّى الرَّابِعَةَ أَمْ لَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ صَلَّى بِالْمَسْحِ الرَّابِعَةَ حَتَّى لَا يُصَلِّيَ بِمَسْحٍ وَهُوَ يَشُكُّ أَنَّهُ مَسَحَ أَمْ لَا وَلَا يَكُونُ لَهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ الرَّابِعَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ صَلَّاهَا. [بَابُ مَا يَنْقُضُ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي وَقْتِهِ مَا كَانَا عَلَى قَدَمَيْهِ فَإِذَا أَخْرَجَ إحْدَى قَدَمَيْهِ مِنْ الْخُفِّ أَوْ هُمَا بَعْدَ مَا مَسَحَ فَقَدْ انْتَقَضَ الْمَسْحُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ إنْ تَخَفَّفَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَعَلَيْهِ الْخُفَّانِ مَسَحَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إذَا زَالَتْ إحْدَى قَدَمَيْهِ أَوْ بَعْضُهَا مِنْ مَوْضِعِهَا مِنْ الْخُفِّ فَخَرَجَا حَتَّى يُظْهِرَ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْهَا انْتَقَضَ الْمَسْحُ وَإِذَا أَزَالَهَا مِنْ مَوْضِعِ قَدَمِ الْخُفِّ وَلَمْ

باب ما يوجب الغسل ولا يوجبه

يَبْرُزْ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا مِنْ شَيْءٍ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَدَمَيْنِ شَيْئًا أَحْبَبْت أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ انْفَتَقَ الْخُفُّ حَتَّى يُرَى بَعْضُ مَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَدَمَيْنِ انْتَقَضَ الْمَسْحُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ انْفَتَقَ الْخُفُّ وَعَلَيْهِ جَوْرَبٌ يُوَارِي الْقَدَمَ حَتَّى بَدَا مِنْ الْجَوْرَبِ مَا لَوْ كَانَتْ الْقَدَمُ بِلَا جَوْرَبٍ رُئِيَتْ فَهُوَ مِثْلُ رُؤْيَةِ الْقَدَمِ يُنْتَقَضُ بِهِ الْمَسْحُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْخُفُّ بِشَرَجٍ فَإِنْ كَانَ الشَّرَجُ فَوْقَ مَوْضِعِ الْوُضُوءِ فَلَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ خُفٌّ أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الشَّرَجُ فَوْقَ شَيْءٍ مِنْ مَوْضِعِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَدَمِ فَكَانَ فِيهِ خَلَلٌ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرَجِ خَلَلٌ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَرَجُهُ يُفْتَحُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ فَتَحَ شَرَجَهُ فَقَدْ انْتَقَضَ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَشَى فِيهِ أَوْ تَحَرَّكَ انْفَرَجَ حَتَّى يُرَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الشَّرَجُ فَوْقَ شَيْءٍ مِنْ مَوْضِعِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَدَمِ فَكَانَ فِيهِ خَلَلٌ فَلَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ خُفٌّ أَجْزَأَهُ. [بَابُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يُوجِبُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَكَانَ مَعْرُوفًا فِي لِسَان الْعَرَبِ أَنَّ الْجَنَابَةَ الْجِمَاعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْجِمَاعِ مَاءٌ دَافِقٌ وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا وَإِيجَابِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ وَكُلُّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ عَقَلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَرِفًا (قَالَ الرَّبِيعُ) يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ أَنْ يُفْضِيَ الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُغَيِّبَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا إلَى أَنْ يُوَارِيَ حَشَفَتَهُ أَوْ أَنْ يَرْمِيَ الْمَاءَ الدَّافِقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ أَوْ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا هِيَ رَأَتْ الْمَاءَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ رَأَى الْمَاءَ الدَّافِقَ مُتَلَذِّذًا أَوْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَكَذَلِكَ لَوْ جَامَعَ فَخَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ بَعْدَ الْغُسْلِ أَعَادَ الْغُسْلَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَ مَا بَالَ إذَا جَعَلْت الْمَاءَ الدَّافِقَ عَلَمًا لِإِيجَابِ الْغُسْلِ وَهُوَ قَبْلَ الْبَوْلِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَاءُ الدَّافِقُ الثَّخِينُ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ وَالرَّائِحَةُ الَّتِي تُشْبِهُ رَائِحَةَ الطَّلْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الدَّافِقُ مِنْ رَجُلٍ وَتَغَيَّرَ لِعِلَّةٍ بِهِ أَوْ خِلْقَةٍ فِي مَائِهِ بِشَيْءٍ خَرَجَ مِنْهُ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي نَعْرِفُهُ أَوْجَبْتُ عَلَيْهِ الْغُسْلَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَيَّبَ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ مُتَلَذِّذًا أَوْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ وَمُتَحَرِّكًا بِهَا أَوْ مُسْتَكْرِهًا لِذَكَرِهِ أَوْ أَدْخَلَتْ هِيَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ هُوَ نَائِمٌ لَا يَعْلَمُ

أَوَجَبَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا الْغُسْلَ وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْجٍ أَوْ دُبُرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِيهِ مَعَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إتْيَانِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ إتْيَانُ امْرَأَتِهِ فِي دُبُرِهَا عِنْدَنَا وَكَذَلِكَ لَوْ غَيَّبَهُ فِي امْرَأَتِهِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ وَإِنْ غَيَّبَهُ فِي دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَاتِ رُوحٍ مِنْ مُحَرَّمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى يَأْتِيَ مِنْهُ الْمَاءُ الدَّافِقُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ اسْتَمْنَى فَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ لَيْسَ بِفَرْجٍ وَإِذَا مَاسَّ بِهِ شَيْئًا مِنْ الْأَنْجَاسِ غَسَلَهُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَإِذَا مَاسَّ ذَكَرَهُ تَوَضَّأَ لِلَمْسِهِ إيَّاهُ إذَا أَفْضَى إلَيْهِ فَإِنْ غَسَلَهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَوْبٌ أَوْ رُقْعَةٌ طَهُرَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ أَنْ يُغَيِّبَهُ فِي فَرْجِهَا وَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ غُسْلًا وَلَا نُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا أَنْ يُغَيِّبَهُ فِي الْفَرْجِ نَفْسِهِ أَوْ الدُّبُرِ فَأَمَّا الْفَمُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَسَدِهَا فَلَا يُوجِبُ غُسْلًا إذَا لَمْ يُنْزِلْ وَيَتَوَضَّأُ مِنْ إفْضَائِهِ بِبَعْضِهِ إلَيْهَا وَلَوْ أَنْزَلَتْ هِيَ فِي هَذِهِ الْحَالِ اغْتَسَلَتْ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ أَنْزَلَ فِيهَا فَأَيُّهُمَا أَنْزَلَ بِحَالٍ اغْتَسَلَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَكَّ رَجُلٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِالْإِنْزَالِ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَغْتَسِلَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَاءً دَافِقًا وَلَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ بِاحْتِلَامٍ وَلَا بِغَيْرِهِ أَحْبَبْت أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ وَيَتَأَخَّى فَيُعِيدَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِلَامَ كَانَ أَوْ مَا كَانَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ نَوْمٍ رَأَى فِيهِ شَيْئًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَجِبَ هَذَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ شَيْئًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَنْزَلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَلْبَسَ ثَوْبَهُ غَيْرُهُ فَيَعْلَمَ أَنَّ الِاحْتِلَامَ كَانَ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشُكُّ أَنَّ الِاحْتِلَامَ كَانَ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ إنْ أَحْدَثَ نَوْمَةً نَامَهَا، فَإِنْ كَانَ صَلَّى بَعْدَهُ صَلَاةً أَعَادَهَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّ بَعْدَهُ صَلَاةً اغْتَسَلَ لِمَا يُسْتَقْبَلْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى الْجَرْفِ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا قَدْ احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت وَصَلَّيْت وَمَا اغْتَسَلْت قَالَ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُهُ يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غَيْرِ الْجَنَابَةِ وُجُوبًا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ. وَأَوْلَى الْغُسْلِ عِنْدِي أَنْ يَجِبَ بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلَا أُحِبُّ تَرْكَهُ بِحَالٍ وَلَا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّهِ مُفْضِيًا إلَيْهِ. ثُمَّ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يُبَيِّنُ أَنْ لَوْ تَرَكَهُمَا تَارِكٌ ثُمَّ صَلَّى اغْتَسَلَ وَأَعَادَ، إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ إيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَجُلًا لَمْ أَقَعْ مِنْ مَعْرِفَةِ ثَبْتِ حَدِيثِهِ إلَى يَوْمِي هَذَا عَلَى مَا يُقْنِعُنِي فَإِنْ وَجَدْت مَنْ يُقْنِعُنِي مِنْ مَعْرِفَةِ ثَبْتِ حَدِيثِهِ أَوْجَبْت الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الْمَيِّتِ مُفْضِيًا إلَيْهِ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الدَّلَالَةَ عِنْدَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟

فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنْ السُّوقِ فَسَمِعْت النِّدَاءَ فَمَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِثْلِهِ وَسَمَّى الدَّاخِلَ أَنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَسْلَمَ الْمُشْرِكُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَحْلِقَ شَعْرَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ قَلَّمَا جُنَّ إنْسَانٌ إلَّا أَنْزَلَ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا اغْتَسَلَ الْمَجْنُونُ لِلْإِنْزَالِ وَإِنْ شَكَّ فِيهِ أَحْبَبْت لَهُ الِاغْتِسَالَ احْتِيَاطًا وَلَمْ أُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الْإِنْزَالَ

باب من خرج منه المذي

[بَابُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَنَا الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ خَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ وَلَوْ أَفْضَى إلَى جَسَدِهَا بِيَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَكَفَاهُ مِنْهُ وُضُوءٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ لِجَمِيعِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ وُضُوءًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْمَذْيِ الْغُسْلُ.

باب كيف الغسل

[بَابُ كَيْفَ الْغُسْلُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ فَرْضُ اللَّهِ الْغُسْلَ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ فَإِذَا جَاءَ الْمُغْتَسِلُ بِالْغُسْلِ أَجْزَأَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَمَا جَاءَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَا وَقْتَ فِي الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِغُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَذَلِكَ دَلَّتْ السُّنَّةُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ دَلَالَةُ السُّنَّةِ؟ قِيلَ لَمَّا «حَكَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» كَانَ الْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ أَخْذَهُمَا مِنْهُ مُخْتَلِفٌ لَوْ كَانَ فِيهِ وَقْتٌ غَيْرُ مَا وَصَفْت مَا أَشْبَهَ أَنْ يَغْتَسِلَ اثْنَانِ يُفْرِغَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِمَا وَأَكْثَرُ مَا حَكَتْ عَائِشَةُ غُسْلَهُ وَغُسْلَهَا فَرَقٌ (قَالَ) : وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ» وَلَمْ يُحْكَ أَنَّهُ وَصَفَ لَهُ قَدْرًا مِنْ الْمَاءِ إلَّا إمْسَاسُ الْجِلْدِ وَالِاخْتِيَارُ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ مَا حَكَتْ عَائِشَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ شَعْرٍ تَشُدُّ ضُفُرَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْقُضَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُهَا مِنْ الْحَيْضِ كَغُسْلِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ لَا يَخْتَلِفَانِ يَكْفِيهَا فِي كُلٍّ مَا يَكْفِيهَا فِي كُلٍّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ أَوْ قَالَ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْت» وَإِنْ حَسَّتْ رَأْسَهَا فَكَذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِهِ أَوْ يَعْقِصُهُ فَلَا يَحِلُّهُ وَيُشْرِبُ الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاءِ وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى شَعْرِهِ وَأُصُولِهِ كَانَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى بَشَرَتِهِ وَشَعْرِهِ وَإِنْ لَبَّدَهُ بِشَيْءٍ لَا يَحُولُ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ كَالْعَقْصِ وَالضَّفْرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْمَاءَ الْوُصُولَ إلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَلُّهُ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ إلَى الشَّعْرِ

باب من نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة

وَالْبَشَرَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُشْرِبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ ثَلَاثًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْفِنَ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْجَنَابَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُغَلْغِلَ الْمَاءَ فِي أُصُولِ شَعْرِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى أُصُولِهِ وَبَشَرَتِهِ قَالَ وَإِنْ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ صَبًّا وَاحِدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ تَغَلْغَلَ الْمَاءُ فِي أُصُولِهِ وَأَتَى عَلَى شَعْرِهِ وَبَشَرَتِهِ أَجْزَأَهُ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ يَقْطَعُ بَيْنَ كُلِّ غَرْفَةٍ مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ كَانَ شَعْرُهُ مُلَبَّدًا كَثِيرًا فَغَرَفَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَتَغَلْغَلْ فِي جَمِيعِ أُصُولِ الشَّعْرِ وَيَأْتِ عَلَى جَمِيعِ شَعْرِهِ كُلِّهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْرِفَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُغَلْغِلَ الْمَاءَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمًا مِثْلَهُ أَنْ قَدْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مَحْلُوقًا أَوْ أَصْلَعَ أَوْ أَقْرَعَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَاءَ يَأْتِي عَلَى بَاقِي شَعْرِهِ وَبَشَرَتِهِ فِي غَرْفَةٍ عَامَّةٍ أَجْزَأَتْهُ وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ بِثَلَاثٍ لِلضَّفْرِ وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَصِيرُ الْمَاءُ إلَى بَشَرَتِهَا وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا لِمَّةٍ يَغْرِفُ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ فِي عَامَّةِ عُمُرِهِ ثَلَاثًا لِلِاخْتِيَارِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَاحِدَةٌ سَابِغَةٌ كَافِيَةٌ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِهَا اسْمُ غُسْلٍ وَوُضُوءٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ عَلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرِ. [بَابُ مَنْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِنْ تَرَكَهُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِصَلَاةٍ إنْ صَلَّاهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحَ فِي عَيْنَيْهِ الْمَاءَ وَلَا يَغْسِلَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا ظَاهِرَتَيْنِ مِنْ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّ دُونَهُمَا جُفُونًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَبَاطِنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا ظَاهِرَتَانِ وَيُدْخِلُ الْمَاءَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الصِّمَاخِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ فِيمَا بَطَنَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُدَلِّكَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَتَى الْمَاءُ عَلَى جَسَدِهِ أَجْزَأَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ انْغَمَسَ فِي نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ فَأَتَى الْمَاءُ عَلَى شَعْرِهِ

باب علة من يجب عليه الغسل والوضوء

وَبَشَرِهِ أَجْزَأَهُ إذَا غَسَلَ شَيْئًا إنْ كَانَ أَصَابَهُ وَكَذَلِكَ إنْ ثَبَتَ تَحْتَ مِيزَابٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَى شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ إنْ ثَبَتَ تَحْتَ مَطَرٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَى شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ فِي شَيْءٍ مِمَّا وُصِفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْغُسْلِ الطَّهَارَةَ وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّهَارَةَ وَإِنْ نَوَى بِالْغُسْلِ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءُ الطَّهَارَةُ مِمَّا أَوْجَبَ الْوُضُوءُ وَنَوَى بِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَكْتُوبَةً أَوْ نَافِلَةً عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ يَقْرَأَ مُصْحَفًا فَكُلُّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى بِكُلِّهِ الطَّهَارَةَ. (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ذَا شَعْرٍ طَوِيلٍ فَغَسَلَ مَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْهُ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ وَتَرَكَ مَا اسْتَرْخَى مِنْهُ فَلَمْ يَغْسِلْهُ لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ طَهَارَةَ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَلَوْ تَرَكَ لَمْعَةً مِنْ جَسَدِهِ تَقِلُّ أَوْ تَكْثُرُ إذَا احْتَاطَ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا فَصَلَّى أَعَادَ غُسْلَ مَا تَرَكَ مِنْ جَسَدِهِ ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ غُسْلِهِ. وَلَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمْ يُكْمِلْ غُسْلَهُ حَتَّى أَحْدَثَ مَضَى عَلَى الْغُسْلِ كَمَا هُوَ وَتَوَضَّأَ بَعْدَ الصَّلَاةِ. (قَالَ) : وَلَوْ بَدَأَ فَاغْتَسَلَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَأَكْمَلَ الْغُسْلَ أَجْزَأَهُ مِنْ وُضُوءِ السَّاعَةِ لِلصَّلَاةِ. وَالطَّهَارَةُ بِالْغُسْلِ أَكْثَرُ مِنْهَا بِالْوُضُوءِ أَوْ مِثْلُهَا. وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ فِي الْغُسْلِ قَبْلَ رَأْسِهِ أَوْ فَرَّقَ غُسْلَهُ فَغَسَلَ مِنْهُ السَّاعَةَ شَيْئًا بَعْدَ السَّاعَةِ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْوُضُوءِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَبَدَأَ بِبَعْضِهِ قَبْلَ بَعْضٍ. وَيُخَلِّلُ الْمُغْتَسِلُ وَالْمُتَوَضِّئُ أَصَابِعَ أَرْجُلِهِمَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا بَيْنَهُمَا وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْهُمَا (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مُلْتَصِقٌ ذَا غُضُونٍ أَدْخَلَ الْمَاءَ الْغُضُونَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ حَيْثُ لَا يَدْخُلُ مِنْ الْمُلْتَصِقِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ذَا غُضُونٍ فِي جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُغَلْغِلَ الْمَاءَ فِي غُضُونِهِ حَتَّى يَدْخُلَهُ. [بَابُ عِلَّةُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ يُرَخِّصْ اللَّهُ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا فِي الْحَالَيْنِ السَّفَرِ وَالْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ أَوْ الْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَرِيضًا بَعْضَ الْمَرَضِ تَيَمَّمَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا أَوْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ أَوْ غَيْرَ وَاجِدٍ لَهُ (قَالَ) : وَالْمَرَضُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ لِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ فَاَلَّذِي سَمِعْت أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ فِيهِ الْجِرَاحُ. (قَالَ) : وَالْقُرْحُ دُونَ الْغَوْرِ كُلِّهِ مِثْلُ الْجِرَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ فِي كُلِّهِ إذَا مَاسَّهُ الْمَاءُ أَنْ يَنْطِفَ فَيَكُونَ مِنْ النُّطَفِ التَّلَفُ وَالْمَرَضُ الْمَخُوفُ وَأَقَلُّهُ مَا يَخَافُ هَذَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ جَائِفًا خِيفَ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْجَوْفِ

مُعَاجَلَةُ التَّلَفِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ الْخَفِيفُ غَيْرَ ذِي الْغَوْرِ الَّذِي لَا يَخَافُ مِنْهُ إذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ - التَّلَفَ وَلَا النَّطْفَ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا غُسْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي رَخَّصَ اللَّهُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ زَائِلَةٌ عَنْهُ وَلَا يَجْزِي التَّيَمُّمُ مَرِيضًا أَيَّ مَرَضٍ كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ قَرِيحًا فِي شِتَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ وَكَذَا لَا يَجْزِي رَجُلًا فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَرِيحًا فِي رَأْسِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ وَيَتَيَمَّمُ لِلْجَنَابَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ فَلَا يُجْزِئُهُ فِيهَا إلَّا غُسْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ قُرُوحٌ فَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ جَائِفًا يَخَافُ التَّلَفَ إنْ غَسَلَهَا فَلَمْ يَغْسِلْهَا أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَقَدْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَغْسِلْهَا وَإِنْ كَانَ الْقُرُوحُ فِي كَفَّيْهِ دُونَ جَسَدِهِ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا غُسْلُ جَمِيعِ جَسَدِهِ مَا خَلَا كَفَّيْهِ ثُمَّ لَمْ يَطْهُرْ إلَّا بِأَنْ يَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْغُسْلِ كَمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ وَلَا بِالتَّيَمُّمِ. (قَالَ) : وَإِنْ تَيَمَّمَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى غُسْلِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ لَمْ يُجِزْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ وَيَتَيَمَّمَ لَا يُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ دُونَ مُؤَخَّرِهِ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا غُسْلُ مُؤَخَّرِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي بَعْضِ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ دُونَ بَعْضٍ غَسَلَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَتَرَكَ مَا كَانَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ فِي وَجْهِهِ، وَرَأْسُهُ سَالِمٌ وَإِنْ غَسَلَهُ فَاضَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَلْقِيَ وَيُقَنِّعَ رَأْسَهُ وَيَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْصَبَّ الْمَاءُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَهَكَذَا حَيْثُ كَانَ الْقُرْحُ مِنْ بَدَنِهِ فَخَافَ إذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعٍ صَحِيحٍ مِنْهُ أَنْ يُفِيضَ عَلَى الْقُرْحِ أَمَسَّ الْمَاءَ الصَّحِيحَ إمْسَاسًا لَا يُفِيضُ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ إذَا بَلَّ الشَّعْرَ وَالْبَشَرَ وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُفِيضَ الْمَاءَ وَيَحْتَالَ حَتَّى لَا يُفِيضَ عَلَى الْقُرُوحِ أَفَاضَهُ. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ فِي ظَهْرِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ هَذَا مِنْهُ وَمَعَهُ مَنْ يَضْبِطُهُ مِنْهُ بِرُؤْيَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَعْمَى وَكَانَ لَا يَضْبِطُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَّا هَكَذَا وَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَحَدٍ يَفْعَلُ هَذَا بِهِ غَسَلَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى وَعَلَيْهِ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مَا يَقْدِرُ عَلَى غُسْلِهِ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَمَتَى لَمْ يَقْدِرْ وَصَلَّى أَمَرْتُهُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَغْسِلُهُ إذَا قَدَرَ وَقَضَى مَا صَلَّى بِلَا غُسْلٍ وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْجَسَدِ فَغَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُيَمِّمَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فَقَطْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُيَمِّمَ مَوْضِعَ الْقُرْحِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ طَهَارَةً إلَّا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَكُلُّ مَا عَدَاهُمَا فَالتُّرَابُ لَا يُطَهِّرُهُ. وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ يَمَّمَ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَغَسَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدُ مِنْ بَدَنِهِ وَإِنْ كَانَ الْقُرْحُ الَّذِي فِي مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ قُرْحًا لَيْسَ بِكَبِيرٍ أَوْ كَبِيرًا لَمْ يُجِزْهُ إلَّا أَنْ يُمِرَّ التُّرَابَ عَلَيْهِ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَضُرُّهُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ أَفْوَاهٌ مُفَتَّحَةٌ أَمَرَّ التُّرَابَ عَلَى مَا انْفَتَحَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَأَفْوَاهُهُ وَمَا حَوْلَ أَفْوَاهِهِ وَكُلُّ مَا يَظْهَرُ لَهُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَضُرُّهُ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُلْصِقَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ لُصُوقًا يَمْنَعُ التُّرَابَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَ اللُّصُوقَ عِنْدَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَأَى أَنَّ أَعْجَلَ لِبُرْئِهِ أَنْ يَدَعَهُ وَكَذَلِكَ لَا يُلَطِّخَهُ بِشَيْءٍ لَهُ ثَخَانَةٌ تَمْنَعُ مُمَاسَّةَ التُّرَابِ الْبَشَرَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْبَشَرَةِ الَّذِي يُوَارِيهِ شَعْرُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَاسَّ بِالتُّرَابِ بِشَعْرِ اللِّحْيَةِ لِلْحَائِلِ دُونَهَا مِنْ الشَّعْرِ وَيُمِرَّ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّحْيَةِ التُّرَابَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْبِطَ الشَّعْرَ مِنْ اللِّحْيَةِ حَتَّى يَمْنَعَهَا أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ التُّرَابُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَأَلْصَقَ عَلَيْهَا خِرْقَةً تَلُفُّ مَوْضِعَ الْقُرْحَةِ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا إزَالَةُ الْخِرْقَةِ حَتَّى يُمَاسَّ الْمَاءُ كُلَّ مَا عَدَا الْقُرْحَةِ فَإِنْ

كَانَ الْقُرْحُ الَّذِي بِهِ كَسْرًا لَا يَرْجِعُ إلَّا بِجَبَائِرَ فَوَضَعَ الْجَبَائِرَ عَلَى مَا مَاسَّتْهُ وَوَضَعَ عَلَى مَوْضِعِ الْجَبَائِرِ غَيْرَهَا إنْ شَاءَ إذَا أُلْقِيَتْ الْجَبَائِرُ وَمَا مَعَهَا مَاسَّ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَضَعَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ إذَا أَحْدَثَ طَرْحُهُ وَإِمْسَاسُهُ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ إنْ ضَرَّهُ الْمَاءُ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنْ بُرْئِهِ وَأَقْبَحَ فِي جَبْرِهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ خَوْفُ تَلَفٍ وَلَا أَحْسَبُ جَبْرًا يَكُونُ فِيهِ تَلَفٌ إذَا نُحِّيَتْ الْجَبَائِرُ عَنْهُ وَوُضِّئَ أَوْ يُمِّمَ وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ أَبْطَأُ لِلْبُرْءِ وَأَشْفَقُ عَلَى الْكَسْرِ وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ إذَا أُلْقِيَتْ الْجَبَائِرُ وَمَا مَعَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَمْسَحَ بِالْمَاءِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَيَتَيَمَّمَ وَيُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إذَا قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ. وَالْآخَرُ لَا يُعِيدُ وَمَنْ قَالَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ قَالَ لَا يَضَعُهَا إلَّا عَلَى وُضُوءٍ فَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا عَلَى وُضُوءٍ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهَا كَمَا يَقُولُ فِي الْخُفَّيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا يَعْدُو بِالْجَبَائِرِ أَبَدًا مَوْضِعَ الْكَسْرِ إذَا كَانَ لَا يُزِيلُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ انْكَسَرَ إحْدَى زَنْدَيْ يَدَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْسَحَ بِالْمَاءِ عَلَى الْجَبَائِرِ» وَلَوْ عَرَفْت إسْنَادَهُ بِالصِّحَّةِ قُلْت بِهِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) أَحَبُّ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنْ يُعِيدَ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِوُضُوءٍ بِالْمَاءِ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى التَّيَمُّمَ بَدَلًا مِنْ الْمَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَصِلْ إلَى الْعُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ كَانَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ أَنْ يُعِيدَهُ وَهَذَا مِمَّا اُسْتُخِيرَ اللَّهُ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي الْوُضُوءِ إذَا كَانَ الْقُرْحُ وَالْكَسْرُ - الْقَوْلُ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ لَا يَخْتَلِفَانِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ فَذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَائِضُ تَطْهُرُ مِثْلَ الْجُنُبِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْت وَهَكَذَا لَوْ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ غُسْلٌ بِوَجْهِهِ غَسَلَ، أَوْ امْرَأَةٍ كَانَ هَكَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ أَثَرُ الدَّمِ وَعَلَى الْجُنُبِ النَّجَاسَةُ فَإِنْ قَدَرَا عَلَى مَاءٍ اغْتَسَلَا وَإِنْ لَمْ يَقْدِرَا عَلَيْهِ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا وَلَا يُعِيدَانِ الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُجْزِئُ مَرِيضًا غَيْرَ الْقَرِيحِ وَلَا أَحَدًا فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ يَخَافُ التَّلَفَ إنْ اغْتَسَلَ أَوْ ذَا مَرَضٍ شَدِيدٍ يَخَافُ مِنْ الْمَاءِ إنْ اغْتَسَلَ وَلَا ذَا قُرُوحٍ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ إلَّا - غُسْلُ النَّجَاسَةَ وَالْغُسْلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَتْلَفُ إنْ فَعَلَ وَيَتَيَمَّمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي وَيَغْتَسِلُ وَيَغْسِلُ النَّجَاسَةَ إذَا ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي قُلْت لَا يُجْزِيهِ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرَا عَلَيْهِ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا وَلَا يُعِيدَانِ الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُمَا مُغْتَسِلَيْنِ أَوْ مُتَوَضِّئَيْنِ فَلَا يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ إلَّا الْمَاءُ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَمُتَوَضِّئٍ مَاءً تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ غَسَلَ مَا أَصَابَ النَّجَاسَةُ مِنْهُ وَاغْتَسَلَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَتَوَضَّأَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَالنَّجَاسَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ إلَّا الْمَاءُ. . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَجَدَ مَا يُنَقِّي النَّجَاسَةَ عَنْهُ مِنْ الْمَاءِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُطَهِّرُهُ لِغُسْلٍ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ وُضُوءٍ غَسَلَ أَثَرَ النَّجَاسَةِ عَنْهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى طَاهِرًا مِنْ النَّجَاسَةِ وَطَاهِرًا بِالتَّيَمُّمِ مِنْ بَعْدِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَإِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ مَاءً يَغْسِلُهُ وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَهُ أَنْ يَغْسِلَ النَّجَاسَةَ إنْ أَصَابَتْهُ عَنْهُ وَيَتَيَمَّمَ وَلَا يُجْزِيهِ فِي النَّجَاسَةِ إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ غَسْلِهَا فَإِنْ خَافَ إذَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ الْعَطَشَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ مَسَحَ النَّجَاسَةَ وَتَيَمَّمَ

وَصَلَّى ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ إذَا طَهَّرَ النَّجَاسَةَ بِالْمَاءِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْعَطَشَ وَكَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَغْسِلُهُ إنْ غَسَلَ النَّجَاسَةَ وَلَا النَّجَاسَةَ إنْ أَفَاضَهُ عَلَيْهِ غَسَلَ النَّجَاسَةَ ثُمَّ غَسَلَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَاءِ مَعَهُ مَا شَاءَ مِنْ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ بِغُسْلِ جَسَدِهِ لَا بَعْضِهِ فَالْغُسْلُ عَلَى كُلِّهِ فَأَيُّهَا شَاءَ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرَهَا وَلَيْسَتْ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ بِأَوْجَبَ فِي الْجَنَابَةِ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةٌ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى طَاهِرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ لَمْ يُجِزْهُ فِي النَّجَاسَةِ تُصِيبُهُ إلَّا غَسْلُهَا بِالْمَاءِ وَأَجْزَأَ فِي الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ؟ قِيلَ لَهُ: أَصْلُ الطَّهَارَةِ الْمَاءُ إلَّا حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ التُّرَابَ طَهَارَةً وَذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَالْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ أَوْ الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ فَلَا يَطْهُرُ بَشَرٌ وَلَا غَيْرُهُ مَاسَّتْهُ نَجَاسَةٌ إلَّا بِالْمَاءِ إلَّا حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ الطَّهَارَةَ بِالتُّرَابِ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا حَيْثُ تَعَبَّدَهُ بِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ وَالتَّعَبُّدُ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَرْضُ تَعَبُّدٍ لَيْسَ بِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ قَائِمَةٍ وَالنَّجَاسَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ بِإِزَالَتِهَا بِالْمَاءِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي بَدَنِهِ وَلَا فِي ثَوْبِهِ إذَا كَانَ إلَى إخْرَاجِهَا سَبِيلٌ وَهَذَا تَعَبُّدٌ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يَجْعَلْ التُّرَابَ بَدَلًا مِنْ نَجَاسَةٍ تُصِيبُهُ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الثَّوْبِ وَهُوَ نَجَاسَةٌ فَكَانَتْ النَّجَاسَةُ عِنْدَنَا عَلَى أَصْلِهَا لَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْمَاءُ وَالتَّيَمُّمُ يُطَهِّرُ حَيْثُ جُعِلَ وَلَا يَتَعَدَّى بِهِ حَيْثُ رَخَّصَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا أَصَابَتْ الْمَرْأَةَ جَنَابَةٌ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَهِيَ حَائِضٌ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَغْتَسِلُ فَتَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَهِيَ لَا تَطْهُرُ بِالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَهِيَ حَائِضٌ فَإِذَا ذَهَبَ الْحَيْضُ عَنْهَا أَجْزَأَهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَلَمَتْ وَهِيَ حَائِضٌ أَجْزَأَهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غُسْلٌ وَإِنْ كَثُرَ احْتِلَامُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضِ فَتَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَائِضُ فِي الْغُسْلِ كَالْجُنُبِ لَا يَخْتَلِفَانِ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ لِلْحَائِضِ إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مِسْكٍ فَتَتْبَعَ بِهِ آثَارَ الدَّمِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِسْكٌ فَطِيبٌ مَا كَانَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَالْتِمَاسًا لِلطِّيبِ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْمَاءُ كَافٍ مِمَّا سِوَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ الْحَجَبِيِّ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْأَلُهُ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فَقَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا فَقَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاسْتَتَرَ بِثَوْبِهِ تَطَهَّرِي بِهَا فَاجْتَذَبْتهَا وَعَرَفْت الَّذِي أَرَادَ وَقُلْت لَهَا تَتَّبِعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» يَعْنِي الْفَرْجَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالرَّجُلُ الْمُسَافِرُ لَا مَاءَ مَعَهُ وَالْمُعْزِبُ فِي الْإِبِلِ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ وَيُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ إذَا غَسَلَ مَا أَصَابَ ذَكَرَهُ وَغَسَلَتْ الْمَرْأَةُ مَا أَصَابَ فَرْجِهَا أَبَدًا حَتَّى يَجِدَا الْمَاءَ فَإِذَا وَجَدَا الْمَاءَ فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَغْتَسِلَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا كَانَ جُنُبًا أَنْ يَتَيَمَّمَ ثُمَّ يُصَلِّيَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ اغْتَسَلَ» وَأَخْبَرَنَا بِحَدِيثِ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ إنْ وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَك» .

جماع التيمم للمقيم والمسافر

[جِمَاعُ التَّيَمُّمِ لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ وَقَالَ فِي سِيَاقِهَا {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] إلَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ التَّيَمُّمَ فِي حَالَيْنِ: أَحَدِهِمَا السَّفَرُ وَالْإِعْوَازُ مِنْ الْمَاءِ وَالْآخَرِ لِلْمَرِيضِ فِي حَضَرٍ كَانَ أَوْ فِي سَفَرٍ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ طَلَبَ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ مُجْتَازًا مِنْ بَلَدٍ إلَى غَيْرِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ قَصَرَ السَّفَرُ أَمْ طَالَ وَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِبَعْضِ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يَتَيَمَّمَ دُونَ بَعْضٍ وَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ سَفَرًا بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا يَتَيَمَّمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ الْجَرْفِ حَتَّى إذَا كَانَ بِالْمِرْبَدِ تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجَرْفُ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدِينَةِ. [بَابُ مَتَى يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَوَاقِيتِ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَهَا وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِالْقِيَامِ إلَيْهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَكَذَلِكَ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَيْهَا وَالْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ فَمَنْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَطَلَبِ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الَّذِي إذَا صَلَّاهَا فِيهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَطَلَبَ الْمَاءَ فَأَعْوَزَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَلَا يَنْتَظِرَ آخِرَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَتَيَمَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَعْوَزَهُ الْمَاءُ وَهُوَ إذَا صَلَّى حِينَئِذٍ أَجْزَأَ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَلَوَّمَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَسْت أَسْتَحِبُّهُ كَاسْتِحْبَابِي فِي كُلِّ حَالِ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّيَمُّمَ إلَى أَنْ يُؤَيَّسَ مِنْهُ أَوْ يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَيَتَيَمَّمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَيَمَّمَ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ قَبْلَ طَلَبِ الْمَاءِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ بَعْدَ أَنْ يَطْلُبَهُ حَتَّى يَكُونَ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ يَطْلُبَهُ وَلَا يَجِدَهُ، وَطَلَبُ الْمَاءِ أَنْ يَطْلُبَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ طَلَبَهُ مَعَ غَيْرِهِ وَإِنْ بَذَلَهُ غَيْرُهُ بِلَا ثَمَنٍ أَوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ وَاجِدٌ لِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ غَيْرُ خَائِفٍ إنْ اشْتَرَاهُ الْجُوعَ فِي سَفَرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَهُوَ يَجِدُهُ بِهَذِهِ الْحَالِ إنْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُعْطَاهُ مُتَطَوِّعًا لَهُ بِإِعْطَائِهِ أَوْ بَاعَهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِهِ قَلِيلًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ وَاجِدًا بِئْرًا وَلَا حَبْلَ مَعَهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا حَلًّا أَوْ حَبْلًا أَوْ ثِيَابًا فَلَا حَلَّ حَتَّى يَصِلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ أَوْ رَامٍ شَنًّا أَوْ دَلْوًا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ دَلَّى طَرَفَ الثَّوْبِ ثُمَّ اعْتَصَرَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ مَاءٌ ثُمَّ أَعَادَهُ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَفْعَلُهُ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى نُزُولِهَا بِأَمْرٍ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ خَوْفٌ نَزَلَهَا فَإِنْ لَمْ

باب النية في التيمم

يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِخَوْفٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ قَرِيبٍ مِنْ حَيْثُ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ بِهِ صُحْبَةَ أَصْحَابِهِ وَلَا يَخَافُ عَلَى رَحْلِهِ إذَا وَجَّهَ إلَيْهِ وَلَا فِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْوَقْتِ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَإِنْ كَانَ يَخَافُ ضَيَاعَ رَحْلِهِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ لَا يَنْتَظِرُونَهُ أَوْ خَافَ طَرِيقَهُ أَوْ فَوْتَ وَقْتٍ إنْ طَلَبَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ بِئْرًا كَانَتْ مِنْهُ قَرِيبًا يَقْدِرُ عَلَى مَائِهَا لَوْ عَلِمَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَوْ أَعَادَ كَانَ احْتِيَاطًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا فِي رَحْلِهِ وَالْبِئْرِ لَا يَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنَّ مَا فِي رَحْلِهِ شَيْءٌ كَعِلْمِهِ أَمْرَ نَفْسِهِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ فِي نَفْسِهِ الْإِحَاطَةَ وَمَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ شَيْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ فِي غَيْرِهِ الظَّاهِرَ لَا الْإِحَاطَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَحَالَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَحْلِهِ أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ أَوْ حَرِيقٌ حَتَّى لَا يَصِلَ إلَيْهِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَهَذَا غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ إذَا كَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَأَخْطَأَ رَحْلَهُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ طَلَبَ مَاءً فَلَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَوْ رَكِبَ الْبَحْرَ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ فِي مَرْكَبِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبَحْرِ لِلشِّدَّةِ بِحَالٍ وَلَا عَلَى شَيْءٍ يُدْلِيهِ يَأْخُذُ بِهِ مِنْ الْبَحْرِ بِحَالٍ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ وَهَذَا غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْمَاءِ. [بَابُ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجْزِي التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَيُحْدِثَ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجْزِي التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ لَمْ يُجِزْهُ التَّيَمُّمُ

وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلتَّيَمُّمِ بَعْدَ طَلَبِهِ الْمَاءَ وَإِعْوَازِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا نَوَى التَّيَمُّمَ لِيَتَطَهَّرَ لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّى بَعْدَهَا النَّوَافِلَ وَقَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ وَصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ وَسَجَدَ سُجُودَ الْقُرْآنِ وَسُجُودَ الشُّكْرِ فَإِذَا حَضَرَتْ مَكْتُوبَةٌ غَيْرُهَا وَلَمْ يُحْدِثْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا بِأَنْ يَطْلُبَ لَهَا الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ اسْتَأْنَفَ نِيَّةً يَجُوزُ لَهُ بِهَا التَّيَمُّمُ لَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَصَلَّى الْأُولَى مِنْهُمَا وَطَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ أَحْدَثَ نِيَّةً يَجُوزُ لَهُ بِهَا التَّيَمُّمُ ثُمَّ تَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي تَلِيهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا كَمَا وَصَفْت لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ صَلَّى صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَعَادَ الْآخِرَةَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِيهِ لِلْأُولَى وَلَا يُجْزِيهِ لِلْآخِرَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَيَمَّمَ يَنْوِي نَافِلَةً أَوْ جِنَازَةً أَوْ قِرَاءَةَ مُصْحَفٍ أَوْ سُجُودَ قُرْآنٍ أَوْ سُجُودَ شُكْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَكْتُوبَةً حَتَّى يَنْوِيَ بِالتَّيَمُّمِ الْمَكْتُوبَةَ. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ إنْ تَيَمَّمَ فَجَمَعَ بَيْنَ صَلَوَاتٍ فَائِتَاتٍ أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ لِلْأُولَى مِنْهُنَّ وَلَمْ يُجِزْهُ لِغَيْرِهَا وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِتَيَمُّمٍ لِصَلَاةٍ غَيْرِهَا وَيَتَيَمَّمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَيَمَّمَ يَنْوِي بِالتَّيَمُّمِ الْمَكْتُوبَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا نَافِلَةً وَعَلَى جِنَازَةٍ وَقِرَاءَةِ مُصْحَفٍ وَيَسْجُدُ سُجُودَ الشُّكْرِ وَالْقُرْآنِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ فَرِيضَتَيْنِ وَيُصَلِّي بِهِ النَّوَافِلَ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا؟ قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَمَرَ الْقَائِمَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ أَنْ يَتَيَمَّمَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ طَلَبِهِ الْمَاءَ وَالْإِعْوَازُ مِنْهُ نِيَّةٌ فِي طَلَبِهِ وَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا عَنَى فَرْضَ الطَّلَبِ لِمَكْتُوبَةٍ فَلَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ فِي التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ مَكْتُوبَةٍ ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ مَكْتُوبَةً وَكَانَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ مَا عَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ لَهُ طَهَارَةً إلَّا بِأَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ فَيَعُوزُهُ فَقُلْنَا لَا يُصَلِّي مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى وَكَانَتْ النَّوَافِلُ أَتْبَاعًا لِلْفَرَائِضِ لَا لَهَا حُكْمٌ سِوَى حُكْمَ الْفَرَائِضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يَكُنْ التَّيَمُّمُ إلَّا عَلَى شَرْطٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ فَوَجَدَ الْمَاءَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَهَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ عِرْقٌ سَائِلٌ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ لَا يَخْتَلِفُ هُوَ وَالْمُتَيَمِّمُ فِي أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ لَا طَهَارَةٌ عَلَى كَمَالٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَطْمَعُ فِيهِ بِمَاءٍ قِيلَ: لَيْسَ يَنْقَضِي الطَّمَعُ بِهِ قَدْ يَطْلُعُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ مَعَهُ الْمَاءُ وَالسَّيْلُ وَيَجِدُ الْحَفِيرَةَ وَالْمَاءَ الظَّاهِرَ وَالِاخْتِبَاءَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَيَمَّمَ فَتَيَمَّمَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَإِنْ كَانَ طَلَعَ عَلَيْهِ رَاكِبٌ بِمَاءٍ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ أَوْ وَجَدَ مَاءً فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لَمْ يُجِزْهُ التَّيَمُّمُ الْأَوَّلُ وَأَحْدَثَ بَعْدَ إعْوَازِهِ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي رَآهُ نِيَّةً فِي التَّيَمُّمِ لِلْمَكْتُوبَةِ يَجُوزُ لَهُ بِهَا الصَّلَاةُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ تَيَمَّمَ فَدَخَلَ فِي نَافِلَةٍ أَوْ فِي صَلَاةٍ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ مَضَى فِي صَلَاتِهِ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا ثُمَّ إذَا انْصَرَفَ تَوَضَّأَ إنْ قَدَرَ لِلْمَكْتُوبَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَحْدَثَ نِيَّةً لِلْمَكْتُوبَةِ فَتَيَمَّمَ لَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ ابْتَدَأَ نَافِلَةً فَكَبَّرَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ مَضَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ثُمَّ طَلَبَ الْمَاءَ. (قَالَ) : وَإِذَا تَيَمَّمَ فَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا فَإِذَا أَتَمَّهَا تَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَنَقَّلَ بِتَيَمُّمِهِ لِلْمَكْتُوبَةِ إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا. وَلَوْ تَيَمَّمَ فَدَخَلَ فِي مَكْتُوبَةٍ ثُمَّ رَعَفَ فَانْصَرَفَ لِيَغْسِلَ الدَّمَ عَنْهُ فَوَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ حَتَّى يُحْدِثَ وُضُوءًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حَالٍ لَيْسَ لَهُ فِيهَا أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ إذَا رَعَفَ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ مَا يُوَضِّئُهُ وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ غَسَلَهُ وَاسْتَأْنَفَ تَيَمُّمًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا كَانَتْ قَائِمَةً فَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ

باب كيف التيمم

الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ تُوجِبُ عَلَيْهِ طَلَبَهُ فَإِذَا طَلَبَهُ فَأَعْوَزَهُ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ نِيَّةٍ تُجِيزُ لَهُ التَّيَمُّمَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَرَى الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهَا حَتَّى يَطْلُبَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ اسْتَأْنَفَ نِيَّةً وَتَيَمُّمًا وَبَيْنَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَيَرَى الْمَاءَ جَارِيًا إلَى جَنْبِهِ وَأَنْتَ تَقُولُ إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَقَدْ صَلَّتْ رَكْعَةً تَقَنَّعَتْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهَا لَا يُجْزِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إنِّي آمُرُ الْأَمَةَ بِالْقِنَاعِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهَا وَالْمَرِيضَ بِالْقِيَامِ إذَا أَطَاقَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي صَلَاتِهِمَا بَعْدُ وَحُكْمُهُمَا فِي حَالِهِمَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمَا أَنْ تَقَنَّعَ هَذِهِ حُرَّةً وَيَقُومَ هَذَا مُطِيقًا وَلَا أَنْقُضُ عَلَيْهِمَا فِيمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَالَهُمَا الْأُولَى غَيْرُ حَالِهِمَا الْأُخْرَى وَالْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ عَمَلَانِ غَيْرُ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَا مَضَيَا وَهُمَا يَجْزِيَانِ حَلَّ لِلدَّاخِلِ الصَّلَاةُ وَكَانَا مُنْقَضَيْنِ مَفْرُوغًا مِنْهُمَا وَكَانَ الدَّاخِلُ مُطِيعًا بِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ مَا صَلَّى مِنْهَا مَكْتُوبًا لَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْبِطَ عَمَلَهُ عَنْهُ مَا كَانَ مَكْتُوبًا لَهُ فَيَسْتَأْنِفَ وُضُوءًا وَإِنَّمَا أَحْبَطَ اللَّهُ الْأَعْمَالَ بِالشِّرْكِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لَهُ تَوَضَّأْ وَابْنِ عَلَى صَلَاتِك فَإِنْ حَدَثَتْ حَالَةٌ لَا يَجُوزُ لَهُ فِيهَا ابْتِدَاءُ التَّيَمُّمِ وَقَدْ تَيَمَّمَ فَانْقَضَى تَيَمُّمُهُ وَصَارَ إلَى صَلَاةٍ وَالصَّلَاةُ غَيْرُ التَّيَمُّمِ فَانْفَصَلَ لِصَلَاةٍ بِعَمَلِ غَيْرِهَا وَقَدْ انْقَضَى وَهُوَ يَجْزِي أَنْ يَدْخُلَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَيَمِّمِ حُكْمٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا دَخَلَ فِيهَا بِهِ كَانَ حُكْمُهُ مُنْقَضِيًا وَاَلَّذِي يَحِلُّ لَهُ أَوَّلَ الصَّلَاةِ يَحِلُّ لَهُ آخِرَهَا. [بَابُ كَيْفَ التَّيَمُّمُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ الصِّمَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَعْقُولٌ: إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ بَدَلًا مِنْ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَنْ يُؤْتَى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى مَا يُؤْتَى بِالْوُضُوءِ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذَا ذَكَرَهُمَا فَقَدْ عَفَا فِي التَّيَمُّمِ عَمَّا سِوَاهُمَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ الرَّجُلُ إلَّا أَنْ يُيَمِّمَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَكُونُ الْمِرْفَقَانِ فِيمَا يُيَمِّمُ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا لَمْ يُمِرَّ عَلَيْهِ التُّرَابَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُيَمِّمَهُ وَإِنْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يُيَمِّمَهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ كُلُّ مَا أَدْرَكَهُ الطَّرَفُ مِنْهُ أَوْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ تَرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ طَرَفُهُ وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ وَإِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهُ (قَالَ) : وَإِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَمَسَّ يَدَيْهِ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَلَمْ يُبْقِ شَيْئًا أَجْزَأَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ ضَرْبَةً لِوَجْهِهِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَضْرِبَهَا بِيَدَيْهِ مَعًا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ضَرْبِهَا بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى جَمِيعِ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبَهَا بِبَعْضِ يَدَيْهِ إنَّمَا أَنْظُرُ مِنْ هَذَا إلَى أَنْ يُمِرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبَ التُّرَابَ بِشَيْءٍ فَأَخَذَ الْغُبَارَ مِنْ أَدَاتِهِ غَيْرَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَمَرَّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَكَذَلِكَ إنْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ سَفَتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ تُرَابًا عَمَّهُ فَأَمَرَّ مَا عَلَى وَجْهِهِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِهِ لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ لِوَجْهِهِ وَلَوْ أَخَذَ مَا عَلَى رَأْسِهِ لِوَجْهِهِ فَأَمَرَّهُ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ مَا عَلَى بَعْضِ بَدَنِهِ غَيْرِ وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ مَعًا لِذِرَاعَيْهِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ إذَا يَمَّمَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْسَحَ يَدًا إلَّا بِالْيَدِ الَّتِي تُخَالِفُهَا فَيَمْسَحَ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ بِالتُّرَابِ وَيَتَتَبَّعُ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ بِالتُّرَابِ كَمَا يَتَتَبَّعُهَا بِالْمَاءِ (قَالَ) : وَكَيْفَمَا جَاءَ بِالْغُبَارِ عَلَى ذِرَاعَيْهِ أَجْزَأَهُ أَوْ أَتَى بِهِ

باب التراب الذي يتيمم به ولا يتيمم

غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ كَمَا قُلْت فِي الْوَجْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجْهُ التَّيَمُّمِ مَا وَصَفْت مِنْ ضَرْبِهِ بِيَدَيْهِ مَعًا لِوَجْهِهِ ثُمَّ يُمِرَّهُمَا مَعًا عَلَيْهِ وَعَلَى ظَاهِرِ لِحْيَتِهِ وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ وَلَا يَدَعُ إمْرَارَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ مَعًا لِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ يَضَعُ ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى فِي بَطْنِ كَفِّهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يُمِرَّ بَطْنَ رَاحَتِهِ عَلَى ظَهْرِ ذِرَاعِهِ وَيُمِرَّ أَصَابِعَهُ عَلَى حَرْفِ ذِرَاعِهِ وَأُصْبُعِهِ الْإِبْهَامِ عَلَى بَطْنِ ذِرَاعِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْظَفَ وَإِنْ اسْتَوْظَفَ فِي الْأُولَى كَفَاهُ مِنْ أَنْ يَقْلِبَ يَدَهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ يُمْنَى يَدَيْهِ يَمَّمَ يُسْرَى ذِرَاعَيْهِ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى (قَالَ) : وَإِنْ بَدَأَ بِيَدَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ أَعَادَ فَيَمَّمَ وَجْهَهُ ثُمَّ يُيَمِّمَ ذِرَاعَيْهِ وَإِنْ بَدَأَ بِيُسْرَى ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ يُمْنَاهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَكَرِهْت ذَلِكَ لَهُ كَمَا قُلْت فِي الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ أَوْ الْيَدَيْنِ يَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ الْقَطْعِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ يَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُمِرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدِينُ لَهُ عَلَيْهِمَا فَرْضُ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَفَرْضُ التَّيَمُّمِ مِنْ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا عَلَيْهِ فَرْضُ الْوُضُوءِ. وَلَوْ كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فَأَمَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْعَضُدَيْنِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا قُلْت بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ الْيَدِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَّمَ ذِرَاعَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْيَدَيْنِ كَفَرْضِهِ عَلَى الْوُضُوءِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ أَقْطَعَ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُيَمِّمَهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُلَوِّثَ يَدَيْهِ بِالتُّرَابِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عَلَيْهِمَا أَوْ يَحْتَالَ لَهُ بِوَجْهٍ إمَّا بِرِجْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لَاثَ بِوَجْهِهِ لَوْثًا رَفِيقًا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْغُبَارِ عَلَيْهِ وَفَعَلَ ذَلِكَ بِيَدَيْهِ وَصَلَّى وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى لَوْثِهِمَا مَعًا لَاثَ إحْدَاهُمَا وَصَلَّى وَأَعَادَ الصَّلَاةَ إذَا قَدَرَ عَلَى مَنْ يُيَمِّمُهُ أَوْ يُوَضِّئُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الْمُسَافِرُ مَاءً لَا يُطَهِّرُ أَعْضَاءَهُ كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مِنْهَا شَيْئًا (قَالَ الرَّبِيعُ) وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَغْسِلُ بِمَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَيَتَيَمَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ (قَالَ الرَّبِيعُ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَمْ تَتِمَّ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ جَرِيحًا غَسَلَ مَا صَحَّ مِنْهُ وَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَيَمَّمَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا يُجْزِيهِ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْغُبَارِ عَلَى مَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. [بَابُ التُّرَابِ الَّذِي يُتَيَمَّمُ بِهِ وَلَا يُتَيَمَّمُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ فَهُوَ صَعِيدٌ طَيِّبٌ يَتَيَمَّمُ بِهِ وَكُلُّ مَا حَالَ عَنْ اسْمِ صَعِيدٍ لَمْ يَتَيَمَّمْ بِهِ وَلَا يَقَعُ اسْمُ صَعِيدٍ إلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الْبَطْحَاءُ الْغَلِيظَةُ وَالرَّقِيقَةُ

وَالْكَثِيبُ الْغَلِيظُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ وَإِنْ خَالَطَهُ تُرَابٌ أَوْ مَدَرٌ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ كَانَ الَّذِي خَالَطَهُ هُوَ الصَّعِيدُ وَإِذَا ضَرَبَ الْمُتَيَمِّمُ عَلَيْهِ بِيَدَيْهِ فَعَلِقَهُمَا غُبَارٌ أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِذَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يَعْلَقْهُ غُبَارٌ ثُمَّ مَسَحَ بِهِ لَمْ يُجِزْهُ وَهَكَذَا كُلُّ أَرْضٍ سَبْخُهَا وَمَدَرُهَا وَبَطْحَاؤُهَا وَغَيْرُهُ فَمَا عَلِقَ مِنْهُ إذَا ضَرَبَ بِالْيَدِ غُبَارٌ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ وَمَا لَمْ يَعْلَقْ بِهِ غُبَارٌ فَتَيَمَّمَ بِهِ لَمْ يُجِزْهُ وَهَكَذَا إنْ نَفَضَ الْمُتَيَمِّمُ ثَوْبَهُ أَوْ بَعْضَ أَدَاتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ غُبَارُ تُرَابٍ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ التُّرَابُ دَقْعَاءَ فَضَرَبَ فِيهِ الْمُتَيَمِّمُ بِيَدَيْهِ فَعَلِقَهُمَا مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْفُضَ شَيْئًا إذَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ غُبَارٌ يُمَاسَّ الْوَجْهَ كُلَّهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ بَدَأَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ وَضْعًا رَفِيقًا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ بِهِ وَإِنْ عَلِقَ بِيَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ فَأَمَرَّهُ عَلَى وَجْهِهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ عَلِقَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ لَمْ يُجِزْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الَّذِي عَلَى وَجْهِهِ فَيَمْسَحَ بِهِ ذِرَاعَيْهِ وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا غَيْرَهُ لِذِرَاعَيْهِ فَإِنْ أَمَرَّهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ عَادَ فَأَخَذَ تُرَابًا آخَرَ ثُمَّ أَمَرَّهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ فَإِنْ ضَرَبَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ فَيَمَّمَ بِهِ وَجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِ أُخْرَى فَيَمَّمَ بِهِ ذِرَاعَيْهِ فَجَائِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ تَيَمَّمَ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ غَيْرُ مَا يَبْقَى بَعْدَهَا. (قَالَ) : وَإِذَا حَتَّ التُّرَابَ مِنْ الْجِدَارِ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ وَعَلِقَ بِهِمَا غُبَارُ تُرَابٍ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ لَمْ يُجِزْهُ وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ مُخْتَلِطًا بِنُورَةٍ أَوْ تِبْنٍ رَقِيقٍ أَوْ دَقِيقِ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ تُرَابًا مَحْضًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَالَ التُّرَابَ بِصَنْعَةٍ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ تُرَابٍ أَوْ صَعِيدٍ فَتَيَمَّمَ بِهِ لَمْ يَجُزْ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَطْبُخَ قَصَبَةً أَوْ يَجْعَلَ آجُرًّا ثُمَّ يَدُقَّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا. (قَالَ) : وَلَا يَتَيَمَّمُ بِنُورَةٍ وَلَا كُحْلٍ وَلَا زِرْنِيخٍ وَكُلُّ هَذَا حِجَارَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ دُقَّتْ الْحِجَارَةُ حَتَّى تَكُونَ كَالتُّرَابِ أَوْ الْفَخَّارِ أَوْ خُرِطَ الْمَرْمَرُ حَتَّى يَكُونَ غُبَارًا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوَارِيرُ تُسْحَقُ وَاللُّؤْلُؤُ وَغَيْرُهُ وَالْمِسْكُ وَالْكَافُورُ وَالْأَطْيَابُ كُلُّهَا وَمَا يُسْحَقُ حَتَّى يَكُونَ غُبَارًا مِمَّا لَيْسَ بِصَعِيدٍ فَأَمَّا الطِّينُ الْأَرْمَنِيُّ وَالطِّينُ الطَّيِّبُ الَّذِي يُؤْكَلُ فَإِنْ دُقَّ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ دُقَّ الْكَذَّانُ فَتَيَمَّمَ بِهِ لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّ الْكَذَّانَ حَجَرٌ خُوَارٌ وَلَا يَتَيَمَّمُ بِشَبٍّ وَلَا ذَرِيرَةٍ وَلَا لِبَانِ شَجَرَةٍ وَلَا سِحَالَةِ فِضَّةٍ وَلَا ذَهَبٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرِ مَا وَصَفْت مِنْ الصَّعِيدِ وَلَا يَتَيَمَّمُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ عَلِمَ الْمُتَيَمِّمُ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ بِحَالٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ طَهُرَ بِالْمَاءِ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ التُّرَابِ الْمُخْتَلَطِ بِالتُّرَابِ الَّذِي لَا جَسَدَ لَهُ قَائِمٌ مِثْلَ الْبَوْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَغْمُرَهُ وَمِنْ الْجَسَدِ الْقَائِمِ بِأَنْ يُزَالَ ثُمَّ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعِهِ أَوْ يَحْفِرَ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَيَمَّمُ بِتُرَابِ الْمَقَابِرِ لِاخْتِلَاطِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ وَعِظَامِهِمْ وَلَوْ أَصَابَهَا الْمَطَرُ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَائِمٌ فِيهَا لَا يُذْهِبُهُ الْمَاءُ إلَّا كَمَا يَذْهَبُ التُّرَابُ وَهَكَذَا كُلُّ مَا اخْتَلَطَ بِالتُّرَابِ مِنْ الْأَنْجَاسِ مِمَّا يَعُودُ فِيهِ كَالتُّرَابِ وَإِذَا كَانَ التُّرَابُ مَبْلُولًا لَمْ يَتَيَمَّمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طِينٌ وَيَتَيَمَّمُ بِغُبَارٍ مِنْ أَيْنَ كَانَ فَإِنْ كَانَتْ ثِيَابُهُ وَرِجْلُهُ مَبْلُولَةً اسْتَجَفَّ مِنْ الطِّينِ شَيْئًا عَلَى بَعْضِ أَدَاتِهِ أَوْ جَسَدِهِ فَإِذَا جَفَّ حَتَّهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ بِهِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ لَطَّخَ وَجْهَهُ بِطِينٍ لَمْ يُجِزْهُ مِنْ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ وَهَكَذَا إنْ كَانَ التُّرَابُ فِي سَبْخَةٍ نَدِيَّةٍ لَمْ

باب ذكر الله عز وجل على غير وضوء

يَتَيَمَّمْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا كَالطِّينِ لَا غُبَارَ لَهَا وَإِنْ كَانَ فِي الطِّينِ وَلَمْ يَجِفَّ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى خَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ صَلَّى ثُمَّ إذَا جَفَّ الطِّينُ تَيَمَّمَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِصَلَاةٍ صَلَّاهَا لَا بِوُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَحْبُوسًا فِي الْمِصْرِ فِي الْحُشِّ أَوْ فِي مَوْضِعٍ نَجِسِ التُّرَابِ وَلَا يَجِدُ مَاءً أَوْ يَجِدُهُ وَلَا يَجِدُ مَوْضِعًا طَاهِرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَا شَيْئًا طَاهِرًا يَفْرِشُهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَّى يُومِئُ إيمَاءً وَأَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَأَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ هَهُنَا وَإِنَّمَا أَمَرْته بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِحَالٍ فَلَمْ أَرَهُ يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَمُرَّ بِهِ وَقْتُ صَلَاةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا كَمَا أَمْكَنَهُ وَأَمَرْتُهُ أَنْ يُعِيدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ كَمَا يُجْزِيهِ وَهَكَذَا الْأَسِيرُ يُمْنَعُ وَالْمُسْتَكْرَهُ، وَمَنْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ صَلَّى كَمَا قَدَرَ جَالِسًا أَوْ مُومِيًا وَعَادَ فَصَلَّى مُكَمِّلًا لِلصَّلَاةِ إذَا قَدَرَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَحْبُوسُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ وَإِنْ كَانَ لَا تُجْزِيهِ بِهِ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ يَبْسُطُهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَبْسُطَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَا قَالَ فَأَتَى بِأَيِّ شَيْءٍ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ جَاءَ بِهِ مِمَّا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ وَهَكَذَا إنْ حُبِسَ مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةٍ وَهَكَذَا إنْ حُبِسَ مَرْبُوطًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْمَأَ إيمَاءً وَيَقْضِي فِي كُلِّ هَذَا إذَا قَدَرَ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْقَضَاءِ رَجَوْت لَهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ مَأْثَمٌ؛ لِأَنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى نِيَّتَهُ فِي تَأْدِيَتِهَا. [بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا جَاوَزَهُ نَادَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الرَّدِّ عَلَيْك خَشْيَةَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقُولَ إنِّي سَلَّمْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَإِذَا رَأَيْتنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّك إنْ تَفْعَلْ لَا أَرُدُّ عَلَيْك» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ الصِّمَّةِ قَالَ «مَرَرْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إلَى جِدَارٍ فَحَتَّهُ بِعَصَا كَانَتْ مَعَهُ ثُمَّ مَسَحَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى بِئْرِ جَمَلٍ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَمَسَّحَ بِجِدَارٍ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ ثَابِتَانِ، وَبِهِمَا نَأْخُذُ وَفِيهِمَا وَفِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُمَا دَلَائِلُ مِنْهُ أَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَبَعْدَ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ وَالتَّيَمُّمِ لَا يُجْزِي الْمَرْءَ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِ طَهَارَةً لِلصَّلَاةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجُوزُ وَالْمَرْءُ غَيْرُ طَاهِرٍ لِلصَّلَاةِ (قَالَ) : وَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ غَيْرَ طَاهِرٍ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ) : وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ مَرَّ عَلَى مَنْ يَبُولُ أَوْ يَتَغَوَّطُ أَنْ يُكَفَّ عَنْ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي حَالَتِهِ تِلْكَ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ فِي حَالَتِهِ تِلْكَ وَعَلَى أَنَّ تَرْكَ الرَّدِّ حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الْحَالِ وَيَتَيَمَّمَ مُبَاحٌ ثُمَّ يَرُدَّ وَلَيْسَ تَرْكُ الرَّدِّ مُعَطِّلًا لِوُجُوبِهِ وَلَكِنَّ تَأْخِيرَهُ إلَى التَّيَمُّمِ (قَالَ) : وَتَرْكُ رَدِّ السَّلَامِ إلَى التَّيَمُّمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ اخْتِيَارًا عَلَى الذِّكْرِ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَا مُبَاحَيْنِ لِرَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَبَعْدَهُ (قَالَ) : فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ لَمَّا تَيَمَّمَ

باب ما يطهر الأرض وما لا يطهرها

النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ السَّلَامَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَازَ لَهُ قُلْنَا بِالتَّيَمُّمِ لِلْجِنَازَةِ وَالْعِيدَيْنِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ ذَلِكَ وَخَافَ فَوْتَهُمَا قُلْنَا وَالْجِنَازَةُ وَالْعِيدُ صَلَاةٌ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ لِصَلَاةٍ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّهُمَا ذِكْرٌ جَازَ الْعِيدُ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ كَمَا جَازَ فِي السَّلَامِ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ. [بَابُ مَا يُطَهِّرُ الْأَرْضَ وَمَا لَا يُطَهِّرُهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا قَالَ فَمَا لَبِثَ أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَكَأَنَّهُمْ عَجَّلُوا عَلَيْهِ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ «بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَعَجَّلَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَقَالَ صُبُّوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا بِيلَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ الْبَوْلُ رَطْبًا مَكَانَهُ أَوْ نَشَّفَتْهُ الْأَرْضُ وَكَانَ مَوْضِعُهُ يَابِسًا فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ حَتَّى يَصِيرَ الْبَوْلُ مُسْتَهْلَكًا فِي التُّرَابِ، وَالْمَاءُ جَارِيًا عَلَى مَوَاضِعِهِ كُلِّهَا مُزِيلًا لِرِيحِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ جَسَدٌ قَائِمٌ وَلَا شَيْءَ فِي مَعْنَى جَسَدٍ مِنْ رِيحٍ وَلَا لَوْنٍ فَقَدْ طَهُرَ وَأَقَلُّ قَدْرِ ذَلِكَ مَا يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ كَالدَّلْوِ الْكَبِيرِ عَلَى بَوْلِ الرَّجُلِ وَإِنْ كَثُرَ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْهُ أَضْعَافًا لَا أَشُكُّ فِي أَنَّ ذَلِكَ سَبْعُ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرُ لَا يُطَهِّرُهُ شَيْءُ غَيْرُهُ. (قَالَ) : فَإِنْ بَالَ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ آخَرُ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا دَلْوَانِ، وَإِنْ بَالَ اثْنَانِ مَعَهُ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ وَإِنْ كَثُرُوا لَمْ يَطْهُرْ الْمَوْضِعُ حَتَّى يُفْرَغَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يُعْلَمُ أَنْ قَدْ صُبَّ مَكَانَ بَوْلِ كُلِّ رَجُلٍ دَلْوٌ عَظِيمٌ أَوْ كَبِيرٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ مَكَانُ الْبَوْلِ خَمْرًا صُبَّ عَلَيْهِ كَمَا يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي قَدْرِ مَا يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ مِنْ التُّرَابِ فَقَدْ طَهُرَ التُّرَابُ الَّذِي خَالَطَهُ (قَالَ) : وَإِذَا ذَهَبَ لَوْنُهُ وَلَمْ يَذْهَبْ رِيحُهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا كَانَتْ الرَّائِحَةُ قَائِمَةً فِيهِ فَهِيَ كَاللَّوْنِ وَالْجَسَدِ فَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَصُبَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يُذْهِبُهُ فَإِنْ ذَهَبَتْ بِغَيْرِ صَبِّ مَاءٍ لَمْ تَطْهُرْ حَتَّى يُصَبَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَطْهُرُ بِهِ الْبَوْلُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا صُبَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يُطَهِّرُهَا وَذَهَبَ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ لَيْسَ بِجَسَدٍ وَلَا لَوْنٍ فَقَدْ طَهُرَتْ الْأَرْضُ وَإِذَا كَثُرَ مَا يُصَبُّ مِنْ الْخَمْرِ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ كَكَثْرَةِ الْبَوْلِ يُزَادُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ كَمَا وَصَفْته يُزَادُ عَلَى الْبَوْلِ إذَا كَثُرَ وَكُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ جَسَدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يُخَالِفُهُ فَإِنْ كَانَتْ جِيفَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَسَالَ مِنْهَا مَا يَسِيلُ مِنْ الْجِيَفِ فَأُزِيلَ جَسَدُهَا صُبَّ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ الْمَاءِ كَمَا وَصَفْته يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ فَإِذَا صُبَّ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ عَيْنٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ فَهَكَذَا (قَالَ) : وَهَكَذَا إذَا كَانَتْ عَلَيْهَا عَذِرَةٌ أَوْ دَمٌ أَوْ جَسَدٌ نَجَسٌ فَأُزِيلَ. (قَالَ) : وَإِذَا صَبَّ عَلَى الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْ الذَّائِبِ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالصَّدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ أَثَرُهُ وَلَوْنُهُ وَرِيحُهُ فَكَانَ فِي شَمْسٍ أَوْ غَيْرِ شَمْسٍ فَسَوَاءٌ وَلَا يُطَهِّرُهُ إلَّا أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَإِنْ أَتَى عَلَى الْأَرْضِ مَطَرٌ يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ يُصِيبُ مَوْضِعَ الْبَوْلِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي وَصَفْت أَنَّهُ يُطَهِّرُهُ كَانَ لَهَا طَهُورًا وَكَذَلِكَ إنْ أَتَى عَلَيْهَا سَيْلٌ يَدُومُ عَلَيْهَا قَلِيلًا حَتَّى تَأْخُذَ الْأَرْضُ مِنْهُ مِثْلَ مَا كَانَتْ آخِذَةً مِمَّا صُبَّ عَلَيْهَا وَلَا أَحْسَبُ سَيْلًا يَمُرُّ عَلَيْهَا إلَّا أَخَذَتْ مِنْهُ مِثْلَ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يُطَهِّرُهَا مِنْ مَاءٍ يُصَبُّ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ يُحِيطُ بِأَنَّ سَيْلًا

باب ممر الجنب والمشرك على الأرض ومشيهما عليها

لَوْ مَسَحَهَا مَسْحَةً لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُطَهِّرُهَا لَمْ تَطْهُرْ حَتَّى يَصُبّ عَلَيْهَا مَا يُطَهِّرُهَا وَإِنْ صَبَّ عَلَى الْأَرْضِ نَجِسًا كَالْبَوْلِ فَبُودِرَ مَكَانُهُ فَحَفَرَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ رَطْبٌ ذَهَبَتْ النَّجَاسَةُ كُلُّهَا وَطَهُرَتْ بِلَا مَاءٍ وَإِنْ يَبِسَ وَبَقِيَ لَهُ أَثَرٌ فَحُفِرَتْ حَتَّى لَا يَبْقَى يُرَى لَهُ أَثَرٌ لَمْ تَطْهُرْ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ لَا يَكُونُ مِنْهُ إلَّا الْمَاءُ طَهُرَ حَيْثُ تَرَدَّدَ إلَّا أَنْ يُحِيطَ الْعِلْمُ أَنْ قَدْ أَتَى بِالْحَفْرِ عَلَى مَا يَبْلُغُهُ الْبَوْلُ فَيُطَهِّرُهُ فَأَمَّا كُلُّ جَسَدٍ وَمُسْتَجْسِدٍ قَائِمٍ مِنْ الْأَنْجَاسِ مِثْلَ الْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ مِنْهُ إلَّا بِأَنْ يَزُولَ عَنْهَا ثُمَّ يُصَبَّ عَلَى رَطْبٍ إنْ كَانَ مِنْهُ فِيهَا مَا يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ فَإِنْ ذَهَبَتْ الْأَجْسَادُ فِي التُّرَابِ حَتَّى يَخْتَلِطَ بِهَا فَلَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا كَانَتْ كَالْمَقَابِرِ لَا يُصَلَّى فِيهَا وَلَا تَطْهُرُ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنْ الْمُحَرَّمِ الْمُخْتَلَطِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا اخْتَلَطَ بِمَا فِي الْكَرَايِيسِ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَإِذَا ذَهَبَتْ جِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ فَكَانَ عَلَيْهَا مِنْ التُّرَابِ مَا يُوَارِيهَا وَلَا يَرْطَبُ بِرُطُوبَةٍ إنْ كَانَتْ مِنْهَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَدْفِنِهَا وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا مُصَلٍّ لَمْ آمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَهَكَذَا مَا دُفِنَ مِنْ الْأَنْجَاسِ مِمَّا لَمْ يَخْتَلِطْ بِالتُّرَابِ وَإِذَا ضُرِبَ اللَّبِنُ مِمَّا فِيهِ بَوْلٌ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حَتَّى يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ كَمَا يَصُبَّ عَلَى مَا يُبَلْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَكْرَهُ أَنْ يُفْرَشَ بِهِ مَسْجِدٌ أَوْ يُبْنَى بِهِ فَإِنْ بُنِيَ بِهِ مَسْجِدٌ أَوْ كَانَ مِنْهُ جُدْرَانُهُ كَرِهْتُهُ وَإِنْ صَلَّى إلَيْهَا مُصَلٍّ لَمْ أَكْرَهْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ أَوْ قَبْرٍ أَوْ جِيفَةٍ أَمَامَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا كُلِّفَ مَا يُمَاسَّهُ مِنْ الْأَرْضِ وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ اللَّبِنُ الَّذِي ضُرِبَ بِالْبَوْلِ مَطْبُوخًا أَوْ نِيئًا لَا يَطْهُرُ اللَّبِنُ بِالنَّارِ وَلَا تُطَهِّرُ شَيْئًا وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ كُلَّهُ كَمَا وَصَفْت لَكَ وَإِنْ ضُرِبَ اللَّبِنُ بِعِظَامِ مَيْتَةٍ أَوْ لَحْمِهَا أَوْ بِدَمٍ أَوْ بِنَجَسٍ مُسْتَجْسِدٍ مِنْ الْمُحَرَّمِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَبَدًا طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ غُسِلَ أَوْ لَمْ يُغْسَلْ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ جُزْءٌ قَائِمٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ غُسِّلَ بِمَاءِ الدُّنْيَا لَمْ يَطْهُرْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ جَسَدًا قَائِمًا وَلَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا شَيْءٍ يَقُومُ عَلَيْهِ دُونَهَا حَتَّى يَكُونُ جَمِيعُ مَا يُمَاسَّ جَسَدَهُ مِنْهَا طَاهِرًا كُلَّهُ فَإِنْ كَانَ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ طَاهِرٍ فَكَانَ لَا يُمَاسَّهُ وَمَا مَاسَّهُ مِنْهَا طَاهِرٌ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ كُلِّهِ وَسَوَاءٌ مَاسَّ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ أَوْ جَبْهَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ أَيِّ شَيْءٍ مَاسَّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ سَوَاءٌ مَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ مِنْهُ إذَا مَاسَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا نَجِسًا لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَالْبِسَاطُ وَمَا صَلَّى عَلَيْهِ مِثْلُ الْأَرْضِ إذَا قَامَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ نَجِسًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ هَكَذَا الثَّوْبُ لَوْ لَبِسَ بَعْضَ ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَكَانَ بَعْضُهُ سَاقِطًا عَنْهُ وَالسَّاقِطُ عَنْهُ مِنْهُ غَيْرُ طَاهِرٍ لَمْ تُجِزْهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ لَابِسٌ لِثَوْبٍ وَيَزُولُ فَيَزُولُ بِالثَّوْبِ مَعَهُ إذَا كَانَ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ فَحَظُّهُ مِنْهَا مَا يُمَاسُّهُ وَإِذَا زَالَ لَمْ يَزُلْ بِهَا وَكَذَلِكَ مَا قَامَ عَلَيْهِ سِوَاهَا. وَإِذَا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ بِأَنْ قَدْ مَاسَّ بَعْدَ الْأَرْضِ نَجَاسَةً أَحْبَبْت أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَوْضِعًا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ لَمْ تُصِبْهُ نَجَاسَةٌ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَ عَنْهُ حَيْثُ صَلَّى إذَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ فِيهِ النَّجَاسَةَ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ فَشَكَّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَالْأَرْضُ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ فِيهَا النَّجَاسَةَ. [بَابُ مَمَرِّ الْجُنُبِ وَالْمُشْرِكِ عَلَى الْأَرْضِ وَمَشْيِهِمَا عَلَيْهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]

باب ما يوصل بالرجل والمرأة

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] قَالَ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ فِي مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُرَّ الْجُنُبُ فِي الْمَسْجِدِ مَارًّا وَلَا يُقِيمَ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ أَتَوْا الْمَدِينَةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ كَانُوا يَبِيتُونَ فِي الْمَسْجِدِ. مِنْهُمْ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، قَالَ جُبَيْرٌ: فَكُنْت أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ الْمُشْرِكُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] فَلَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ بِحَالٍ (قَالَ) : وَإِذَا بَاتَ الْمُشْرِكُ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْوِي أَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَعْزَبُ وَمَسَاكِينُ الصُّفَّةِ. (قَالَ) : وَلَا تَنْجُسُ الْأَرْضُ بِمَمَرِّ حَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ وَلَا مُشْرِكٍ وَلَا مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَحْيَاءِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ نَجَاسَةٌ وَأَكْرَهُ لِلْحَائِضِ تَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ مَرَّتْ بِهِ لَمْ تُنَجِّسْهُ. [بَابُ مَا يُوصَلُ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كُسِرَ لِلْمَرْأَةِ عَظْمٌ فَطَارَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُرَقِّعَهُ إلَّا بِعَظْمِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ذَكِيًّا وَكَذَلِكَ إنْ سَقَطَتْ سِنَّةٌ صَارَتْ مَيِّتَةً فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بَعْدَ مَا بَانَتْ فَلَا يُعِيدُ سِنَّ شَيْءٍ غَيْرِ سِنٍّ ذَكِيٍّ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَإِنْ رَقَّعَ عَظْمَهُ بِعَظْمِ مَيْتَةٍ، أَوْ ذَكِيٍّ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ عَظْمِ إنْسَانٍ فَهُوَ كَالْمَيْتَةِ فَعَلَيْهِ قَلْعُهُ وَإِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَهُوَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْلَعْهُ جَبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَلْعِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْلَعْ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُقْلَعْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا كُلَّهُ وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ وَكَذَلِكَ سِنَّةٌ إذَا نَدَرَتْ فَإِنْ اعْتَلَتْ سِنَّةٌ فَرَبَطَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْدُرَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ مَيْتَةً حَتَّى تَسْقُطَ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْبِطَهَا بِالذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لُبْسَ ذَهَبٍ وَإِنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَهُوَ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الذَّهَبِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا يُرْوَى «أَنَّ أَنْفَ رَجُلٍ قُطِعَ بِالْكُلَابِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَشَكَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَتِنَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» (قَالَ) : وَإِنْ أَدْخَلَ دَمًا تَحْتَ جِلْدِهِ فَنَبَتَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ الدَّمَ وَيُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بَعْدَ إدْخَالِهِ الدَّمَ تَحْتَ جِلْدِهِ (قَالَ) : وَلَا يُصَلِّي الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَاصِلَيْنِ شَعْرَ إنْسَانٍ بِشُعُورِهِمَا وَلَا شَعْرَهُ بِشَعْرِ شَيْءٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا شَعْرِ شَيْءٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَعْرُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الذَّكِيِّ كَمَا يَكُونُ اللَّبَنُ فِي مَعْنَى الذَّكِيِّ، أَوْ يُؤْخَذُ بَعْدَمَا يُذَكَّى مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَتَقَعُ الذَّكَاةُ عَلَى كُلِّ حَيٍّ مِنْهُ وَمَيِّتٍ فَإِنْ سَقَطَ مِنْ شَعْرِهِمَا شَيْءٌ فَوَصَلَاهُ بِشَعْرِ إنْسَانٍ، أَوْ شُعُورِهِمَا لَمْ يُصَلِّيَا فِيهِ فَإِنْ فَعَلَا فَقَدْ قِيلَ: يُعِيدَانِ. وَشُعُورُ الْآدَمِيِّينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَمْتَعَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ كَمَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِنْ الْبَهَائِمِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِشُعُورِ مَا يَكُونُ لَحْمُهُ ذَكِيًّا، أَوْ حَيًّا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرْنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ «أَتَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ بِنْتًا لِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَتَمَزَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمَوْصُولَةُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا ذُكِّيَ الثَّعْلَبُ وَالضَّبُعُ صُلِّيَ فِي جُلُودِهِمَا وَعَلَى جُلُودِهِمَا شُعُورُهُمَا؛ لِأَنَّ لُحُومَهُمَا تُؤْكَلُ وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ مِنْ شُعُورِهِمَا وَهُمَا حَيَّانِ صَلَّى فِيهِمَا

باب طهارة الثياب

وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ يُصَلَّى فِي جِلْدِهِ إذَا ذُكِّيَ وَفِي شَعْرِهِ وَرِيشِهِ إذَا أُخِذَ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ فَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَمَا أُخِذَ مِنْ شَعْرِهِ حَيًّا، أَوْ مَذْبُوحًا فَصُلِّيَ فِيهِ أُعِيدَتْ الصَّلَاةُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ ذَكِيٍّ فِي الْحَيَاةِ وَأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَقَعُ عَلَى الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ ذَكَاتَهُ وَغَيْرَ ذَكَاتِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ إنْ دُبِغَ لَمْ يُصَلِّ لَهُ فِي شَعْرِ ذِي شَعْرٍ مِنْهُ وَلَا رِيشِ ذِي رِيشٍ؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ شَعْرًا وَلَا رِيشًا وَيُطَهِّرُ الْإِهَابَ؛ لِأَنَّ الْإِهَابَ غَيْرُ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ، وَكَذَلِكَ عَظْمُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُطَهِّرُهُ دِبَاغٌ وَلَا غُسْلٌ ذَكِيًّا كَانَ، أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ. [بَابُ طَهَارَةِ الثِّيَابِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] فَقِيلَ: يُصَلِّي فِي ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُغْسَلَ دَمُ الْحَيْضِ مِنْ الثَّوْبِ فَكُلُّ ثَوْبٍ جُهِلَ مَنْ يَنْسِجُهُ أَنَسَجَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ مُشْرِكٌ أَوْ وَثَنِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ كِتَابِيٌّ، أَوْ لَبِسَهُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَوْ صَبِيٌّ فَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَكَذَلِكَ ثِيَابُ الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ صَبِيَّةٌ عَلَيْهَا ثَوْبُ صَبِيٍّ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُصَلَّى فِي ثَوْبِ مُشْرِكٍ وَلَا سَرَاوِيلَ وَلَا إزَارٍ وَلَا رِدَاءٍ حَتَّى يُغْسَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَإِذَا صَلَّى رَجُلٌ فِي ثَوْبِ مُشْرِكٍ، أَوْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا أَعَادَ مَا صَلَّى فِيهِ وَكُلُّ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ غَائِطٍ رَطْبٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ، أَوْ مُحَرَّمٍ مَا كَانَ فَاسْتَيْقَنَهُ صَاحِبُهُ وَأَدْرَكَهُ طَرَفُهُ، أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَعَلَيْهِ غُسْلُهُ وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهُ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا غُسْلُ الثَّوْبِ كُلِّهِ مَا خَلَا الدَّمَ وَالْقَيْحَ وَالصَّدِيدَ وَمَاءَ الْقَرْحِ فَإِذَا كَانَ الدَّمُ لُمْعَةً مُجْتَمِعَةً وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مَوْضِعِ دِينَارٍ، أَوْ فَلْسٍ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ دَمُ الْحَيْضِ فِي الْمَعْقُولِ لُمْعَةٌ وَإِذَا كَانَ يَسِيرًا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَمْ يُغْسَلْ؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ أَجَازَتْ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالصَّدِيدُ وَالْقَيْحُ وَمَاءُ الْقَرْحِ أَخَفُّ مِنْهُ وَلَا يُغْسَلُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ لُمْعَةً وَقَدْ قِيلَ: إذَا لَزِمَ الْقَرْحُ صَاحِبَهُ لَمْ يَغْسِلْهُ إلَّا مَرَّةً وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. [بَابُ الْمَنِيِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : بَدَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا مَعًا طَهَارَةً وَبَدَأَ خَلْقَ وَلَدِهِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ فَكَانَ فِي ابْتِدَائِهِ خَلْقَ آدَمَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا الطَّهَارَةُ دَلَالَةَ أَنْ لَا يَبْدَأَ خَلْقُ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ نَجِسٍ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَنِيُّ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ يُفْرَكُ أَوْ يُمْسَحُ؟ قِيلَ: كَمَا يُفْرَكُ الْمُخَاطُ، أَوْ الْبُصَاقُ، أَوْ الطِّينُ وَالشَّيْءُ مِنْ الطَّعَامِ يَلْصَقُ بِالثَّوْبِ تَنْظِيفًا لَا تَنْجِيسًا فَإِنْ صَلَّى فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَكَ، أَوْ يُمْسَحَ فَلَا بَأْسَ وَلَا يَنْجُسُ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ مَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إمْلَاءُ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَكَرٍ مِنْ رُطُوبَةِ بَوْلٍ، أَوْ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ مَا لَا يُعْرَفُ، أَوْ يُعْرَفُ فَهُوَ نَجِسٌ كُلُّهُ مَا خَلَا الْمَنِيَّ وَالْمَنِيُّ الثَّخِينُ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ لَيْسَ لِشَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ غَيْرُهُ وَكُلُّ مَا مَسَّ مَا سِوَى الْمَنِيَّ مِمَّا خَرَجَ

مِنْ ذَكَرٍ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ يُنَجِّسُهُ وَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ أَصَابَهُ غَسَلَهُ وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ غَسَلَ الثَّوْبَ كُلَّهُ وَإِنْ عَرَفَ الْمَوْضِعَ وَلَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ ذَلِكَ غَسَلَ الْمَوْضِعَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ إنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ عَالِمًا، أَوْ جَاهِلًا فَسَوَاءٌ إلَّا فِي الْمَأْثَمِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالْعِلْمِ وَلَا يَأْثَمُ فِي الْجَهْلِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتِهِ وَمَتَى قُلْت يُعِيدُ فَهُوَ يُعِيدُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو إذَا صَلَّى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ مُجْزِئَةً عَنْهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِيمَا أَجْزَأَ عَنْهُ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ لَا تَكُونُ مُجْزِئَةً عَنْهُ بِأَنْ تَكُونَ فَاسِدَةً وَحُكْمُ مَنْ صَلَّى صَلَاةً فَاسِدَةً حُكْمُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَيُعِيدُ فِي الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنَّمَا قُلْت فِي الْمَنِيِّ إنَّهُ لَا يَكُونُ نَجِسًا خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْقُولًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْخَبَرُ؟ قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدِ " شَكَّ الرَّبِيعُ " عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ» (قَالَ الرَّبِيعُ) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا يُخْبِرُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَمِطْهُ عَنْكَ قَالَ أَحَدُهُمَا بِعُودٍ، أَوْ إذْخِرَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ، أَوْ الْمُخَاطِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ الْمَنِيُّ إنْ كَانَ رَطْبًا مَسَحَهُ وَإِنْ كَانَ يَابِسًا حَتَّهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا الْمَعْقُولُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَدَأَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا جَمِيعًا طَهَارَةً، الْمَاءُ، وَالطِّينُ فِي حَالِ الْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةٌ، وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي خَلْقٍ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَغَيْرَ نَجِسٍ وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي آدَمَ مِنْ الْمَاءِ الدَّافِقِ فَكَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعَزَّ وَأَجَلَّ مِنْ أَنْ يَبْتَدِئَ خَلْقًا مِنْ نَجَسٍ مَعَ مَا وَصَفْت مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَبَرُ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَعَ مَا وَصَفْت مِمَّا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ مِنْ أَنَّ رِيحَهُ وَخَلْقَهُ مُبَايِنٌ خَلْقَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ وَرِيحِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اغْسِلْ مَا رَأَيْت وَانْضَحْ مَا لَمْ تَرَ فَكُنَّا نَغْسِلُهُ بِغَيْرِ أَنْ نَرَاهُ نَجِسًا وَنَغْسِلُ الْوَسَخَ وَالْعَرَقَ وَمَا لَا نَرَاهُ نَجِسًا وَلَوْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهُ نَجِسٌ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ مَا وَصَفْنَا مِمَّا سِوَى مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَعْقُولِ وَقَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ مِنْهُ قُلْنَا: الْغُسْلُ لَيْسَ مِنْ نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ إنَّمَا الْغُسْلُ شَيْءٌ تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الْخَلْقَ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ أَرَأَيْت الرَّجُلَ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ فَأَوْجَبْت عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عَذِرَةٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ: فَالْغُسْلُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنْ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسِهِ إلَّا الْمَاءُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غَسْلُ فَخِذَيْهِ وَلَا أَلْيَتَيْهِ سِوَى مَا سَمَّيْت وَلَوْ كَانَ كَثْرَةُ الْمَاءِ إنَّمَا تَجِبُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ كَانَ هَذَانِ أَقْذَرَ وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى صَاحِبِهِمَا الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَكَانَ مَخْرَجُهُمَا أَوْلَى بِالْغُسْلِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي لَمْ يَخْرُجَا مِنْهُ وَلَكِنْ إنَّمَا أُمِرْنَا بِالْوُضُوءِ لِمَعْنَى تَعَبُّدٍ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ طَاعَةَ الْعِبَادِ لِيَنْظُرَ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَعْصِيهِ لَا عَلَى

قَذَرِ وَلَا نَظَافَةِ مَا يَخْرُجُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قُلْنَا: هَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ ثَابِتًا فَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِقَوْلِهَا كُنْت أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ كَمَا لَا يَكُونُ غُسْلُهُ قَدَمَيْهِ عُمْرَهُ خِلَافًا لِمَسْحِهِ عَلَى خُفَّيْهِ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلِمْنَا أَنَّهُ تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِالْمَسْحِ وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِالْغُسْلِ وَكَذَلِكَ تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِحَتِّهِ وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِغُسْلِهِ لَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا خِلَافُ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ عَائِشَةَ هُمْ يَخَافُونَ فِيهِ غَلَطَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ إنَّمَا هُوَ رَأْيُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ كَذَا حَفِظَهُ عَنْهُ الْحُفَّاظُ أَنَّهُ قَالَ غُسْلُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ يَسْمَعْ سُلَيْمَانُ عَلِمْنَاهُ مِنْ عَائِشَةَ حَرْفًا قَطُّ وَلَوْ رَوَاهُ عَنْهَا كَانَ مُرْسَلًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِذَا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ أَنْ قَدْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ ثَوْبًا لَهُ فَصَلَّى فِيهِ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَسْتَيْقِنُ شَيْئًا أَنْ يُصَلِّيَ مَا اسْتَيْقَنَ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَيْقِنُ تَأَخَّى حَتَّى يُصَلِّيَ مَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَفِي ثَوْبِهِ النَّجَسُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ شَيْءٍ إلَّا مَا اسْتَيْقَنَ وَالْفُتْيَا وَالِاخْتِيَارُ لَهُ كَمَا وَصَفْت وَالثَّوْبُ وَالْجَسَدُ سَوَاءٌ يُنَجِّسُهُمَا مَا أَصَابَهُمَا وَالْخُفُّ وَالنَّعْلُ ثَوْبَانِ فَإِذَا صَلَّى فِيهِمَا وَقَدْ أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ وَلَمْ يَغْسِلْهَا أَعَادَ فَإِذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ لَا رُطُوبَةَ فِيهَا فَحَكَّهُمَا حَتَّى نَظُفَا وَزَالَتْ النَّجَاسَةُ عَنْهُمَا صَلَّى فِيهِمَا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ فِي سَفَرٍ لَا يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا قَلِيلًا فَأَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَسٌ غَسَلَ النَّجَسَ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَعَادَ إذَا لَمْ يَغْسِلْ النَّجَاسَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَنْجَاسَ لَا يُزِيلُهَا إلَّا الْمَاءُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ طَهَّرَهُ التُّرَابُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَمِنْ الْحَدَثِ وَلَمْ يَطْهُرْ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ الَّتِي مَاسَّتْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِ أَعْضَائِهِ قُلْنَا: إنَّ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ لَيْسَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ نَجَسٌ وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ مُتَعَبِّدٌ بِهِمَا وَجُعِلَ التُّرَابُ بَدَلًا لِلطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ تَعَبُّدٌ وَلَمْ يُجْعَلْ بَدَلًا فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي غُسْلُهَا لِمَعْنًى لَا تَعَبُّدًا إنَّمَا مَعْنَاهَا أَنْ تُزَالَ بِالْمَاءِ لَيْسَ أَنَّهَا تَعَبُّدٌ بِلَا مَعْنًى وَلَوْ أَصَابَتْ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً لِغُسْلِهِ صَلَّى عُرْيَانًا وَلَا يُعِيدُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ بِحَالٍ وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْإِعْوَازِ مِنْ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ عُرْيَانًا (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ الْمَاءُ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ بِهِ إنَّمَا يَزِيدُهُ نَجَاسَةً وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ مَاءَانِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ وَلَا يَخْلُصُ النَّجِسُ مِنْ الطَّاهِرِ تَأَخَّى وَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا وَكَفَّ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْآخَرِ وَشُرْبِهِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى شُرْبِهِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِهِ شَرِبَهُ وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْوُضُوءِ بِهِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وِزْرٌ وَيَتَيَمَّمُ وَعَلَيْهِ فِي خَوْفِ الْمَوْتِ ضَرُورَةٌ فَيَشْرَبُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ فَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ نَجِسٍ، أَوْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَمَسَّ مَاءً نَجِسًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَإِنْ صَلَّى كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ مَا مَاسَّ ذَلِكَ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهِ وَثِيَابِهِ

كتاب الحيض

[كِتَابُ الْحَيْضِ] ِ اعْتِزَالُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَإِتْيَانُ الْمُسْتَحَاضَةِ أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَبَانَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهَا حَائِضٌ غَيْرُ طَاهِرٍ وَأَمَرَ أَنْ

باب ما يحرم أن يؤتى من الحائض

لَا تُقْرَبَ حَائِضٌ حَتَّى تَطْهُرَ وَلَا إذَا طَهُرَتْ حَتَّى تَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ وَتَكُونَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَائِضًا أَنْ يُجَامِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ التَّيَمُّمَ طَهَارَةً إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ أَوْ كَانَ الْمُتَيَمِّمُ مَرِيضًا وَيَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ بِغُسْلٍ إنْ وَجَدَتْ مَاءً، أَوْ تَيَمُّمٍ إنْ لَمْ تَجِدْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاعْتِزَالِ الْحُيَّضِ وَأَبَاحَهُنَّ بَعْدَ الطُّهْرِ وَالتَّطْهِيرِ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تُصَلِّي دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِزَوْجِ الْمُسْتَحَاضَةِ إصَابَتَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ طَوَاهِرَ وَأَبَاحَ أَنْ يُؤْتَيْنَ طَوَاهِرَ. [بَابُ مَا يَحْرُمُ أَنْ يُؤْتَى مِنْ الْحَائِضِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ يَعْنِي مِنْ مَوَاضِعِ الْحَيْضِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَتْ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً لِمَا قَالَ وَمُحْتَمِلَةً أَنَّ اعْتِزَالَهُنَّ اعْتِزَالُ جَمِيعِ أَبْدَانِهِنَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى اعْتِزَالِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ مِنْهَا وَإِبَاحَةِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْهَا. [بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ بَيِّنًا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِأَنَّهُنَّ حُيَّضٌ فِي غَيْرِ حَالِ الطَّهَارَةِ وَقَضَى اللَّهُ عَلَى الْجُنُبِ أَنْ لَا يَقْرَبَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَكَانَ بَيِّنًا أَنْ لَا مُدَّةَ لِطَهَارَةِ الْجُنُبِ إلَّا الْغُسْلُ وَأَنْ لَا مُدَّةَ لِطَهَارَةِ الْحَائِضِ إلَّا ذَهَابُ الْحَيْضِ ثُمَّ الِاغْتِسَالُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَذَلِكَ بِانْقِضَاءِ الْحَيْضِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ يَعْنِي بِالْغُسْلِ فَإِنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ بِالْغُسْلِ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَيَانِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ لَا تُصَلِّيَ الْحَائِضُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ

باب المستحاضة

عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ قَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجِّهِ لَا نَرَاهُ إلَّا الْحَجَّ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْت فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا بَالُكَ أَنُفِسْتِ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي الْحَاجَّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا تُصَلِّيَ حَائِضًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ طَاهِرٍ مَا كَانَ الْحَيْضُ قَائِمًا وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] . بَابُ أَنْ لَا تَقْضِيَ الصَّلَاةَ حَائِضٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا لَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ فِي الْخَوْفِ وَأَرْخَصَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْمُصَلِّي كَمَا أَمْكَنَهُ رَاجِلًا، أَوْ رَاكِبًا وَقَالَ {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ مَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الْبَالِغِينَ عَاصِيًا بِتَرْكِهَا إذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَذَكَرَهَا وَكَانَ غَيْرَ نَاسٍ لَهَا وَكَانَتْ الْحَائِضُ بَالِغَةً عَاقِلَةً ذَاكِرَةً لِلصَّلَاةِ مُطِيقَةً لَهَا فَكَانَ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَائِضًا وَدَلَّ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا لِلْحَيْضِ حَرُمَ عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ كَانَ فِي هَذَا دَلَائِلُ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ زَائِلٌ عَنْهَا فَإِذَا زَالَ عَنْهَا وَهِيَ ذَاكِرَةٌ عَاقِلَةٌ مُطِيقَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَكَيْفَ تَقْضِي مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهَا بِزَوَالِ فَرْضِهِ عَنْهَا، (قَالَ) : وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ لَا يُفِيقُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ الْحَائِضِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَفِي أَنَّ الْفَرَائِضَ عَنْهُمْ زَائِلَةٌ مَا كَانُوا بِهَذِهِ الْحَالِ كَمَا الْفَرْضُ عَنْهَا زَائِلٌ مَا كَانَتْ حَائِضًا وَلَا يَكُونُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَمَتَى أَفَاقَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَا؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ. [بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ «حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَجِئْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْتَفْتِيهِ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي إلَيْك حَاجَةً وَإِنَّهُ لَحَدِيثٌ مَا مِنْهُ بُدٌّ وَإِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْهُ قَالَ: فَمَا هُوَ يَا هَنْتَاهُ قَالَتْ إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا فَقَدْ مَنَعْتنِي

الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِّي أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: فَتَلَجَّمِي. قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: فَاِتَّخِذِي ثَوْبًا قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَآمُرُك بِأَمْرَيْنِ أَيُّهُمَا فَعَلْت أَجْزَأَكِ عَنْ الْآخَرِ فَإِنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ قَالَ لَهَا إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إذَا رَأَيْت أَنَّك قَدْ طَهُرْت واستنقيت فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ وَأَيَّامَهَا وَصُومِي فَإِنَّهُ يُجْزِئُكِ وَهَكَذَا افْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» وَمِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ «وَإِنْ قَوِيَتْ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ وَتَغْتَسِلِي حَتَّى تَطْهُرِي، ثُمَّ تُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَعْرِفُ أَيَّامَ حَيْضِهَا سِتًّا، أَوْ سَبْعًا فَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِي حَتَّى تَطْهُرِي، ثُمَّ تُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ تُؤَخِّرِي الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي وَتَجْمَعِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَافْعَلِي وَتَغْتَسِلِينَ عِنْدَ الْفَجْرِ، ثُمَّ تُصَلِّينَ الصُّبْحَ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي وَصُومِي إنْ قَوِيَتْ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَنْظُرَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ تُصَلِّي» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ نَأْخُذُ وَهِيَ عِنْدَنَا مُتَّفِقَةٌ فِيمَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضٍ وَمَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى صَاحِبِهِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَ دَمُ اسْتِحَاضَتِهَا مُنْفَصِلًا مِنْ دَمِ حَيْضِهَا لِجَوَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَنَقُولُ إذَا كَانَ الدَّمُ يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِئًا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا وَأَيَّامًا رَقِيقًا إلَى الصُّفْرَةِ أَوْ رَقِيقًا إلَى الْقِلَّةِ فَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ الثَّخِينِ أَيَّامُ الْحَيْضِ وَأَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْغُسْلَ عِنْدَ تَوَلِّي الْحَيْضَةِ وَذَكَرَ غُسْلَ الدَّمِ فَأَخَذْنَا بِإِثْبَاتِ الْغُسْلِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ: وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - يَطْهُرْنَ مِنْ الْحَيْضِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ، ثُمَّ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الْغُسْلُ وَفِي حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَمَرَهَا فِي الْحَيْضِ أَنْ تَغْتَسِلَ إذَا رَأَتْ أَنَّهَا طَهُرَتْ ثُمَّ أَمَرَهَا فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ بِالصَّلَاةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ بِاعْتِزَالِهَا حَائِضًا وَأَذِنَ فِي إتْيَانِهَا طَاهِرًا فَلَمَّا حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ حُكْمَ الطَّهَارَةِ فِي أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَأْتِيَهَا (قَالَ) : وَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الْغُسْلُ الَّذِي حُكْمُهُ الطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ بِالسُّنَّةِ وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِمَا خَرَجَ مِنْ دُبُرٍ، أَوْ فَرْجٍ مِمَّا لَهُ أَثَرٌ، أَوْ لَا أَثَرَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي سَأَلَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ كَانَتْ لَا يَنْفَصِلُ دَمُهَا فَأَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا وَقْتَ لِلْحَيْضَةِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ

تَرَى حَيْضًا مُسْتَقِيمًا وَطُهْرًا مُسْتَقِيمًا وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَائِضًا يَوْمًا، أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ حَيْضٌ وَكَذَلِكَ إنْ جَاوَزَتْ عَشَرَةً فَهُوَ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَلَمْ يَقُلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا أَيْ تُجَاوِزَ كَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَدَأَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَحِضْ حَتَّى حَاضَتْ فَطَبَقَ الدَّمُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ دَمُهَا يَنْفَصِلُ فَأَيَّامُ حَيْضِهَا أَيَّامُ الدَّمِ الثَّخِينِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ وَأَيَّامُ اسْتِحَاضَتِهَا أَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ فَإِنْ كَانَ لَا يَنْفَصِلُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ كَمَا يَكُونُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ (قَالَ) : وَمَنْ ذَهَبَ إلَى جُمْلَةِ حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَقَالَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَدَدَ حَيْضِهَا فَأُمِرَتْ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا سِتًّا، أَوْ سَبْعًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي - أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَقَلَّ مَا عُلِمَ مِنْ حَيْضِهِنَّ وَذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلِزَوْجِهَا أَنْ يَأْتِيَهَا وَلَوْ احْتَاطَ فَتَرَكَهَا وَسَطًا مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ إنَّ حَمْنَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِهَا مَا نَصَّ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا فَقَدْ يَحْتَمِلُ حَدِيثُهَا مَا احْتَمَلَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا؛ لِأَنَّ فِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَتَحَيَّضِي سِتًّا، أَوْ سَبْعًا ثُمَّ اغْتَسِلِي فَإِذَا رَأَيْت أَنَّكِ قَدْ طَهُرْت فَصَلِّي» فَيَحْتَمِلُ إذَا رَأَتْ أَنَّهَا قَدْ طَهُرَتْ بِالْمَاءِ واستنقت مِنْ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ طَهُرْت واستنقت بِالْمَاءِ. (قَالَ) : فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ عِنْدَ طَلْحَةَ وَوَلَدَتْ لَهُ وَأَنَّهَا حَكَتْ حِينَ استنقت ذَكَرَتْ أَنَّهَا تَثُجُّ الدَّمَ ثَجًّا وَكَانَ الْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ طَلْحَةَ لَا يَقْرَبُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَا تَطِيبُ هِيَ نَفْسُهَا بِالدُّنُوِّ مِنْهُ وَكَانَ مَسْأَلَتُهَا بَعْدَمَا كَانَتْ زَيْنَبُ عِنْدَهُ دَلِيلًا مُحْتَمَلًا عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا اُبْتُلِيَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهَا بِزَمَانٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ يَكُونُ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَكَتْ أَنَّهُ كَانَ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا فَأَمَرَهَا إنْ كَانَ سِتًّا أَنْ تَتْرُكَهُ سِتًّا وَإِنْ كَانَ سَبْعًا أَنْ تَتْرُكَهُ سَبْعًا وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ فَشَكَتْ وَسَأَلَتْهُ عَنْ سِتٍّ فَقَالَ لَهَا سِتٌّ، أَوْ عَنْ سَبْعٍ فَقَالَ لَهَا سَبْعٌ وَقَالَ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ إنَّ النِّسَاءَ يَحِضْنَ كَمَا تَحِيضِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَيَّضِي سِتًّا، أَوْ سَبْعًا فِي عِلْمِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ سِتٌّ، أَوْ سَبْعٌ تَحِيضِينَ (قَالَ) : وَهَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - (قَالَ) : وَفِي حَدِيثِ «حَمْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا إنْ قَوِيت فَاجْمَعِي بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ وَصَلِّي الصُّبْحَ بِغُسْلٍ» وَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إلَيْهِ لَهَا وَأَنَّهُ يَجْزِيهَا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الطُّهْرِ مِنْ الْمَحِيضِ، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْهَا بِغُسْلٍ بَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ رَوَى هَذَا أَحَدٌ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْغُسْلِ سِوَى الْغُسْلِ الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ فَحَدِيثُ حَمْنَةَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ اخْتِيَارٌ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَجْزِي مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رُوِيَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ حَدِيثٌ مُسْتَغْلِقٌ فَفِي إيضَاحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ يُرْوَى فِي الْمُسْتَحَاضَةِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْت قِيلَ لَهُ: نَعَمْ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَفْتَتْهُ فِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ تِلْكَ الْحَيْضَةُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَجْلِسُ فِي مِرْكَنٍ فَيَعْلُو الْمَاءَ حُمْرَةُ الدَّمِ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصَلِّي» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَكَانَتْ لَا تُصَلِّي سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَجْلِسُ فِي الْمِرْكَنِ فَيَعْلُوهُ الدَّمُ» . فَإِنْ قَالَ فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَهَلْ يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ

باب الخلاف في المستحاضة

الَّتِي ذَهَبْت إلَيْهَا؟ قُلْت: لَا إنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ قَالَ ذَهَبْنَا إلَى أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إلَّا وَقَدْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ وَلَا تَفْعَلُ إلَّا مَا أَمَرَهَا قِيلَ لَهُ أَفَتَرَى أَمْرَهَا أَنْ تَسْتَنْقِعَ فِي مِرْكَنٍ حَتَّى يَعْلُوَ الْمَاءَ حُمْرَةُ الدَّمِ، ثُمَّ تَخْرُجَ مِنْهُ فَتُصَلِّي، أَوْ تَرَاهَا تَطْهُرُ بِهَذَا الْغُسْلِ قَالَ مَا تَطْهُرُ بِهَذَا الْغُسْلِ الَّذِي يَغْشَى جَسَدَهَا فِيهِ حُمْرَةُ الدَّمِ وَلَا تَطْهُرُ حَتَّى تَغْسِلَهُ وَلَكِنْ لَعَلَّهَا تَغْسِلُهُ قُلْت أَفَأُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ اسْتِنْقَاعَهَا غَيْرُ مَا أُمِرَتْ بِهِ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَلَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُهَا وَلَا أَشُكُّ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ غُسْلَهَا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَذَلِكَ وَاسِعٌ لَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسَعُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَلَوْ لَمْ تُؤْمَرْ بِالْغُسْلِ قَالَ بَلَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رَوَى غَيْرُ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلَكِنْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالسِّيَاقِ وَالزُّهْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْهُ وَقَدْ رَوَى فِيهِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَلَطٌ قَالَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا وَعَائِشَةُ تَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ قَالَ أَفَرَأَيْت لَوْ كَانَ تَثْبُتُ الرِّوَايَتَانِ فَإِلَى أَيِّهِمَا تَذْهَبُ؟ قُلْت إلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا أُمِرْنَ فِيهِ بِالْغُسْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْنَ بِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ غَيْرِ الْخَبَرِ؟ قِيلَ: نَعَمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] إلَى قَوْلِهِ - {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الْغُسْلُ وَأَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي وَالطَّاهِرَ تُصَلِّي وَجُعِلَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي مَعْنَى الطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِي مَعْنَى طَاهِرٍ وَعَلَيْهَا غُسْلٌ بِلَا حَادِثِ حَيْضَةٍ وَلَا جَنَابَةٍ (قَالَ) : أَمَا إنَّا فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قُلْت نَعَمْ قَدْ رَوَيْتُمْ ذَلِكَ وَبِهِ نَقُولُ قِيَاسًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ مَحْفُوظًا عِنْدَنَا كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الْقِيَاسِ. [بَابُ الْخِلَافِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ لِي قَائِلٌ تُصَلِّي الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَزَعَمَ لِي بَعْضُ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ أَنَّ حُجَّتَهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] الْآيَةَ وَأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَذَى إنَّهُ أَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا فِيهِ فَأَثِمَ فِيهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ إصَابَتُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَذَى الْمَحِيضِ أَنْ تَعْتَزِلَ الْمَرْأَةَ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَدَلَّ حُكْمُ اللَّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أُمِرَ الزَّوْجُ بِاجْتِنَابِ الْمَرْأَةِ فِيهِ لِلْمَحِيضِ الْوَقْتُ الَّذِي أُمِرَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ إذَا انْقَضَى الْمَحِيضُ بِالصَّلَاةِ قَالَ: نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ: فَالْحَائِضُ لَا تَطْهُرُ - وَإِنْ اغْتَسَلَتْ - وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ وَلَا تَمَسَّ مُصْحَفًا، قَالَ: نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ فَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمُ الطُّهْرِ وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ لِلزَّوْجِ الْإِصَابَةَ إذَا تَطَهَّرَتْ الْحَائِضُ وَلَا أَعْلَمُكِ إلَّا خَالَفْت كِتَابَ اللَّهِ فِي أَنْ حَرَّمْت مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا تَطَهَّرَتْ وَخَالَفْت سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ غُسْلَهَا مِنْ أَيَّامِ الْمَحِيضِ تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ فِي

أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ بِحُكْمِهِ وَقَوْلِهِ فِي الِاسْتِحَاضَةِ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ قَالَ هُوَ أَذًى قُلْت فَبَيِّنٌ إذَا فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمَهُ فَجَعَلَهَا حَائِضًا فِي أَحَدِ الْأَذَيَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَطَاهِرًا فِي أَحَدِ الْأَذَيَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ وَكَيْفَ جَمَعَتْ مَا فَرَّقَ بَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لَهُ: أَتَحْرُمُ لَوْ كَانَتْ خِلْقَتُهَا أَنَّ هُنَالِكَ رُطُوبَةً وَتَغَيُّرَ رِيحٍ مُؤْذِيَةٍ غَيْرِ دَمٍ قَالَ لَا وَلَيْسَ هَذَا أَذَى الْمَحِيضِ قُلْت وَلَا أَذَى الِاسْتِحَاضَةِ أَذَى الْمَحِيضِ

الرد على من قال لا يكون الحيض أقل من ثلاثة أيام

[الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَخَالَفْنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَحِيضِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ وَقَالَ لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ امْرَأَةٌ رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ثَالِثٍ وَلَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَيْسَ هَذَا بِحَيْضٍ وَهِيَ طَاهِرٌ تَقْضِي الصَّلَاةَ فِيهِ وَلَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَمَا جَاوَزَ الْعَشَرَةَ بِيَوْمٍ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: أَرَأَيْت إذَا قُلْت لَا يَكُونُ شَيْءٌ وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ أَنَّهُ يَكُونُ أَتَجِدُ قَوْلَك لَا يَكُونُ إلَّا خَطَأً عَمَدْته فَيَجِبُ أَنْ تَأْثَمَ بِهِ، أَوْ تَكُونَ غَبَاوَتُكَ شَدِيدَةً وَلَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَقُولَ فِي الْعِلْمِ. (قَالَ) : لَا يَجُوزُ إلَّا مَا قُلْت إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، أَوْ تَكُونُ (قُلْت) قَدْ رَأَيْت امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا وَلَا تَزِيدُ عَلَيْهِ وَأُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ وَلَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَعَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَنْ امْرَأَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ يَكُونُ؟ ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ إنَّمَا قُلْتُهُ لِشَيْءٍ قَدْ رَوَيْته عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقُلْت لَهُ أَلَيْسَ حَدِيثُ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ فَقَالَ بَلَى فَقُلْت فَقَدْ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

أَنَّهُ قَالَ قُرْءُ الْمَرْأَةِ، أَوْ قُرْءُ حَيْضِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ حَتَّى انْتَهَى إلَى عَشْرٍ فَقَالَ لِي ابْنُ عُلَيَّةَ الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ أَعْرَابِيٌّ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَقَالَ لِي قَدْ اُسْتُحِيضَتْ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهَا فَأَفْتَى فِيهَا وَأَنَسٌ حَيٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ عِنْدَ أَنَسٍ مَا قُلْت مِنْ عِلْمِ الْحَيْضِ وَيَحْتَاجُونَ إلَى مَسْأَلَةِ غَيْرِهِ فِيمَا عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ وَنَحْنُ وَأَنْتَ لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا عَنْ الْجَلْدِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى غَلَطِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ تَتْرُكُ الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ عَنْ أَنَسٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ فَلِلْبِكْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ وَهُوَ يُوَافِقُ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَدَعُ السُّنَّةَ وَقَوْلَ أَنَسٍ وَتَزْعُمُ أَنَّكَ قَبِلْت قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا يُعْرَفُ خِلَافُهُ، قَالَ أَفَيَثْبُتُ عِنْدَك عَنْ أَنَسٍ؟ قُلْت: لَا وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَكِنِّي أَحْبَبْت أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا تَتَسَتَّرُ بِالشَّيْءِ لَيْسَتْ لَكَ فِيهِ حُجَّةٌ قَالَ فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. (قُلْت) لَيْسَ بِثَابِتٍ فَتَسْأَلُ عَنْهُ قَالَ فَأَجِبْ عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ. وَلَيْسَ فِيهِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا حَرْفٌ مِمَّا قُلْتَ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْتُ: لَوْ كَانَ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ رَأَى مَنْ تَحِيضُ ثَلَاثًا وَمَا بَيْنَ ثَلَاثٍ وَعَشْرٍ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ حَيْضَ الْمَرْأَةِ كَمَا تَحِيضُ لَا تَنْتَقِلُ الَّتِي تَحِيضُ ثَلَاثًا إلَى عَشْرٍ وَلَا تَنْتَقِلُ الَّتِي تَحِيضُ عَشْرًا إلَى ثَلَاثٍ، وَأَنَّ الْحَيْضَ كُلَّمَا رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ وَهُوَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ أَعْلَمَ - مِمَّنْ يَقُولُ لَا يَكُونُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ أَوْ يَكُونُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ زَادَ الَّذِي يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ فِي حَلَالٍ، أَوْ حَرَامٍ إلَّا مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَا فَقَالَ أَحَدُهُمْ لَوْ: كَانَ حَيْضُ امْرَأَةٍ عَشْرَةً مَعْرُوفَةً لَهَا ذَلِكَ فَانْتَقَلَ حَيْضُهَا فَرَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ عَنْهَا أَيَّامًا، ثُمَّ رَأَتْهُ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنْ مُبْتَدَأِ حَيْضِهَا كَانَتْ حَائِضًا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّمَانِ الَّتِي رَأَتْ فِيهَا الطُّهْرَ وَالْيَوْمِ الْعَاشِرِ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ الدَّمَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ زَادَ فَقَالَ لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّهَا رَأَتْ الْحَيْضَ بَعْدَ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ خَمْسًا، أَوْ عَشْرًا كَانَتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّمَانِيَةِ بَعْدَهُ حَائِضًا وَلَا أَدْرِي أَقَالَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ وَفِيمَا بَعْدَهُ مُسْتَحَاضَةٌ طَاهِرٌ، أَوْ قَالَ فِيمَا بَعْدَ الْعَاشِرِ مُسْتَحَاضَةٌ طَاهِرٌ فَعَابَ صَاحِبُهُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْطَأَ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُفْتِيَ أَبَدًا فَجَعَلَهَا فِي أَيَّامٍ تَرَى الدَّمَ طَاهِرًا وَأَيَّامٍ تَرَى الطُّهْرَ حَائِضًا وَخَالَفَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَزَعَمَ فِي الْأُولَى أَنَّهَا طَاهِرٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّمَانِيَةِ وَالْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَزَعَمَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا طَاهِرٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّمَانِيَةِ بَعْدَهُ حَائِضٌ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَمَا بَعْدَهُ إلَى أَنْ تُكْمِلَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ ثَلَاثًا أَوَّلًا وَرَأَتْ الطُّهْرَ أَرْبَعًا، أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ حَاضَتْ ثَلَاثًا، أَوْ يَوْمَيْنِ كَانَتْ حَائِضًا أَيَّامَ رَأَتْ الدَّمَ وَأَيَّامَ رَأَتْ الطُّهْرَ، وَقَالَ إنَّمَا يَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ حَيْضًا إذَا كَانَتْ الْحَيْضَتَانِ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ فَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ أَكْثَرَ مِنْهُمَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ لَقَدْ عِبْت مَعِيبًا وَمَا أَرَاك إلَّا قَدْ دَخَلْت فِي قَرِيبٍ مِمَّا عِبْت وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعِيبَ شَيْئًا، ثُمَّ تَقُولُ بِهِ (قَالَ) : إنَّمَا قُلْت إذَا كَانَ الدَّمَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا الطُّهْرُ أَكْثَرَ، أَوْ مِثْلَ الطُّهْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْتُ لَهُ: فَمَنْ قَالَ لَكَ هَذَا (قَالَ) : فَبِقَوْلِ مَاذَا قُلْت لَا يَكُونُ الطُّهْرُ حَيْضًا فَإِنْ قُلْتَهُ أَنْتَ قُلْت فَمُحَالٌ لَا يُشْكِلُ أَفَقُلْته بِخَبَرِ قَالَ لَا قُلْت أَفَبِقِيَاسِ قَالَ لَا قُلْت فَمَعْقُولٌ قَالَ نَعَمْ إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ تَرَى الدَّمَ أَبَدًا وَلَكِنَّهَا تَرَاهُ مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ عَنْهَا أُخْرَى (قُلْتُ) فَهِيَ فِي الْحَالِ الَّتِي تَصِفُهُ مُنْقَطِعًا اسْتَدْخَلَتْ (قُلْتُ) إذَا اسْتَثْفَرَتْ شَيْئًا فَوَجَدَتْ دَمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَثُجُّ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حُمْرَةٌ، أَوْ كُدْرَةٌ فَإِذَا رَأَتْ

باب دم الحيض

الطُّهْرَ لَمْ تَجِدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَخْرُجْ مِمَّا اسْتَدْخَلَتْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْبَيَاضَ (قَالَ) : فَلَوْ رَأَتْ مَا تَقُولُ مِنْ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا (قُلْتُ) إذًا تَكُونُ طَاهِرًا حِينَ رَأَتْ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ إلَى أَنْ تَرَى الدَّمَ وَلَوْ سَاعَةً قَالَ فَمَنْ قَالَ هَذَا قُلْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ إنَّهُ لَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْت نَعَمْ ثَابِتًا عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالْمَعْقُولِ قَالَ وَأَيْنَ؟ . قُلْتُ أَرَأَيْت إذْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَأَذِنَ بِإِتْيَانِهِنَّ إذَا تَطَهَّرْنَ عَرَفْت، أَوْ نَحْنُ الْمَحِيضَ إلَّا بِالدَّمِ وَالطُّهْرَ إلَّا بِارْتِفَاعِهِ وَرُؤْيَةِ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ. قَالَ: لَا قُلْت أَرَأَيْت امْرَأَةً كَانَ حَيْضُهَا عَشْرَةً كُلَّ شَهْرٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ فَصَارَ كُلَّ شَهْرَيْنِ، أَوْ كُلَّ سَنَةٍ، أَوْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ صَارَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ حَيْضُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ أَدَعُ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِ حَيْضِي وَذَلِكَ عَشْرٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهَا قُلْتُ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَائِضٌ إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَغَيْرُ حَائِضٍ إذَا لَمْ تَرَهُ. قَالَ: نَعَمْ قُلْت: وَكَذَلِكَ الْمَعْقُولُ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: فَلِمَ لَا تَقُولُ بِقَوْلِنَا تَكُونُ قَدْ وَافَقْت الْقُرْآنَ وَالْمَعْقُولَ؟ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْكُمْ قُلْتُ وَمَا هِيَ قَالَ أَرَأَيْت إذَا حَاضَتْ يَوْمًا وَطَهُرَتْ يَوْمًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَجْعَلُ هَذَا حَيْضًا وَاحِدًا، أَوْ حَيْضًا إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَطُهْرًا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قُلْت بَلْ حَيْضًا إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَطُهْرًا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: مَا أَدْرِي أَنْتَ فِي قَوْلِكَ الْأَوَّلِ أَضْعَفُ حُجَّةً أَمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ قَالَ وَمَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الضَّعْفِ؟ قُلْت: احْتِجَاجُكَ بِأَنْ جَعَلْتهَا مُصَلِّيَةً يَوْمًا وَتَارِكَةً لِلصَّلَاةِ يَوْمًا بِالْعِدَّةِ وَبَيْنَ هَذَا فَرْقٌ. قَالَ فَمَا تَقُولُ؟ قُلْت: لَا وَلَا لِلصَّلَاةِ مِنْ الْعِدَّةِ سَبِيلٌ قَالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ . قُلْت: أَرَأَيْت الْمُؤَيَّسَةَ مِنْ الْحَيْضِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ وَالْحَامِلَ أَلَيْسَ يَعْتَدِدْنَ وَلَا يَدَعْنَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ أَمْ لَا تَخْلُو عِدَدُهُنَّ حَتَّى يَدَعْنَ الصَّلَاةَ فِي بَعْضِهَا أَيَّامًا كَمَا تَدَعُهَا الْحَائِضُ قَالَ بَلْ يَعْتَدِدْنَ وَلَا يَدَعْنَ الصَّلَاةَ قُلْتُ: فَالْمَرْأَةُ تَطْلُقُ فَيُغْمَى عَلَيْهَا أَوْ تُجَنُّ، أَوْ يَذْهَبُ عَقْلُهَا أَلَيْسَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَلَمْ تُصَلِّ صَلَاةً وَاحِدَةً قَالَ بَلَى قُلْت فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي وَلَمْ تُصَلِّ أَيَّامًا وَتَدَعْ الصَّلَاةَ أَيَّامًا؟ قَالَ مِنْ ذَهَابِ عَقْلِهَا وَأَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ قُلْتُ أَفَرَأَيْت الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحِيضُ حَيْضَ النِّسَاءِ وَتَطْهُرُ طُهْرَهُنَّ إنْ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، ثُمَّ ارْتَابَتْ فِي نَفْسِهَا قَالَ فَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ قُلْت: فَتَكُونُ مُعْتَدَّةً لَا بِحَيْضٍ وَلَا بِشُهُورٍ وَلَكِنْ بِاسْتِبْرَاءٍ قَالَ نَعَمْ إذَا آنَسَتْ شَيْئًا تَخَافُ أَنْ يَكُونَ حَمْلًا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ وَإِنْ ارْتَابَتْ كَفَّتْ عَنْ النِّكَاحِ قَالَ نَعَمْ قُلْت؛ لِأَنَّ الْبَرِيئَةَ إذَا كَانَتْ مُخَالِفَةً غَيْرَ الْبَرِيئَةِ قَالَ نَعَمْ وَالْمَرْأَةُ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُرْتَابَةً وَغَيْرَ بَرِيئَةٍ مِنْ الْحَمْلِ مِمَّنْ سَمَّيْت وَقَدْ عَقَلْنَا عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِي الْعِدَّةِ مَعْنَيَيْنِ: بَرَاءَةٌ وَزِيَادَةُ تَعَبُّدٍ بِأَنَّهُ جَعَلَ عِدَّةَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَجَعَلَ عِدَّةَ الْحَامِلِ وَضْعَ الْحَمْلِ وَذَلِكَ غَايَةُ الْبَرَاءَةِ وَفِي ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ بَرَاءَةٌ وَتَعَبُّدٌ؛ لِأَنَّ حَيْضَتَهُنَّ مُسْتَقِيمَةٌ تُبْرِئُ فَعَقَلْنَا أَنْ لَا عِدَّةَ إلَّا وَفِيهَا بَرَاءَةٌ، أَوْ بَرَاءَةٌ وَزِيَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، أَوْ وَضْعِ حَمْلٍ وَالْحَائِضُ يَوْمًا وَطَاهِرٌ يَوْمًا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى بَرَاءَةٍ وَقَدْ لَزِمَكَ بِأَنْ أَبْطَلْت عِدَّةَ الْحَيْضِ وَالشُّهُورِ وَبَايَنْت بِهَا إلَى الْبَرَاءَةِ إذَا ارْتَابَتْ كَمَا زَعَمْت أَنَّهُ يَلْزَمُنَا فِي الَّتِي تَحِيضُ يَوْمًا وَتَدَعُ يَوْمًا. [بَابُ دَمِ الْحَيْضِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ

«سَمِعْت أَسْمَاءَ تَقُولُ سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ حُتِّيهِ، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ وَانْضَحِيهِ وَصَلِّي فِيهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ مِثْلَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ تَقْرُصُهُ وَلَمْ يَقُلْ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِحَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ نَأْخُذُ وَهُوَ يُحْفَظُ فِيهِ الْمَاءُ وَلَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ رَوَى غَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ نَجَسٌ وَكَذَا كُلُّ دَمٍ غَيْرُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَرْصُهُ فَرْكُهُ وَقَوْلُهُ بِالْمَاءِ غَسَلَ بِالْمَاءِ وَأَمَرَهُ بِالنَّضْحِ لِمَا حَوْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَلَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْغُسْلُ وَالنَّضْحُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - اخْتِيَارٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ دَمُ الْحَيْضِ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ النَّضْحَ اخْتِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالنَّضْحِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَدْ أَمَرَ بِالْمَاءِ فِي حَدِيثِهَا وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ قَالَ الرَّبِيعُ وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ إنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَوَّلَ مَا حَاضَتْ طَبَقَ الدَّمُ عَلَيْهَا أَمَرْنَاهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَةَ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَيْضًا وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَأَمَرْنَاهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَوَّلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَتُعِيدُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَيَحْتَمِلُ أَكْثَرَ فَلَمَّا احْتَمَلَ ذَلِكَ وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فَرْضًا لَمْ نَأْمُرْهَا بِأَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ إلَّا بِحَيْضٍ يَقِينٍ وَلَمْ تُحْسَبْ طَاهِرَةً الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي صِيَامِهَا لَوْ صَامَتْ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الصِّيَامِ عَلَيْهَا بِيَقِينِ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ فَلَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ قَضَتْ فَرْضَ الصَّوْمِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، أَوْ لَمْ تَقْضِهِ لَمْ أَحْسِبْ لَهَا الصَّوْمَ إلَّا بِيَقِينِ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَكَذَلِكَ طَوَافُهَا بِالْبَيْتِ لَسْت أَحْسِبُهُ لَهَا إلَّا بِأَنْ يَمْضِيَ لَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا حَاضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ قَطُّ عَلِمْنَاهُ، ثُمَّ تَطُوفُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طَاهِرَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا أَمَرْنَاهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِي يَوْمِ الطُّهْرِ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ فَإِنْ جَاءَهَا الدَّمُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلِمْنَا أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَهُ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ الطُّهْرَ كَانَ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَكُلَّمَا رَأَتْ الطُّهْرَ أَمَرْنَاهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا صَحِيحًا وَإِذَا جَاءَهَا الدَّمُ بَعْدَهُ مِنْ الْغَدِ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ طُهْرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشَرَةَ فَإِنْ انْقَطَعَ بِخَمْسَ عَشَرَةَ فَهُوَ حَيْضٌ كُلُّهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَقُلْنَا لَهَا: أَعِيدِي كُلَّ يَوْمٍ تَرَكْت فِيهِ الصَّلَاةَ إلَّا أَوَّلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضُهَا إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ إلَّا بِيَقِينِ الْحَيْضِ وَهَذَا لِلَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا أَيَّامٌ وَكَانَتْ أَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهَا الْحَيْضُ مُسْتَحَاضَةً فَأَمَّا الَّتِي تَعْرِفُ أَيَّامَهَا، ثُمَّ طَبَقَ عَلَيْهَا الدَّمُ فَتَنْظُرُ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ فَتَدَعُ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ فَإِذَا ذَهَبَ وَقْتُهُنَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ بَقِيَّةَ شَهْرِهَا فَإِذَا جَاءَهَا ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ حَيْضِهَا مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي تَرَكَتْ أَيْضًا الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ بَعْدُ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَهَذَا حُكْمُهَا مَا دَامَتْ مُسْتَحَاضَةً وَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ تَعْرِفُهَا فَنَسِيَتْ فَلَمْ تَدْرِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ بَعْدَهُ بِيَوْمَيْنِ، أَوْ

كتاب الصلاة

أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ وَلَا يَجْزِيهَا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً بِغَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي حِينِ مَا قَامَتْ تُصَلِّي الصُّبْحَ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَقْتَ طُهْرِهَا فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَإِذَا جَاءَتْ الظُّهْرُ احْتَمَلَ هَذَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حِينَ طُهْرِهَا فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَهَكَذَا فِي كُلِّ وَقْتٍ تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ فَرِيضَةً يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَقْتُ طُهْرِهَا فَلَا يَجْزِيهَا إلَّا الْغُسْلُ وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا عَلَيْهَا اُحْتُمِلَ إذَا قَامَتْ لَهَا أَنْ يَكُونَ يَجْزِيهَا فِيهِ الْوُضُوءُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجْزِيَهَا فِيهِ إلَّا الْغُسْلُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ إلَّا بِطَهَارَةٍ بِيَقِينٍ لَمْ يُجْزِئْهَا إلَّا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَالشَّكُّ فِي الْوُضُوءِ وَلَا يَجْزِيهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِالشَّكِّ وَلَا يُجْزِئُهَا إلَّا الْيَقِينُ وَهُوَ الْغُسْلُ فَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. [كِتَاب الصَّلَاة] [بَابُ أَصْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] وَقَالَ {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] الْآيَةَ مَعَ عَدَدٍ أَيْ فِيهِ ذِكْرُ فَرْضِ الصَّلَاةِ (قَالَ) : «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ السَّائِلُ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» . أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَمِعْت مَنْ أَثِقُ بِخَبَرِهِ وَعِلْمِهِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ، ثُمَّ نَسَخَ الثَّانِيَ بِالْفَرْضِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (قَالَ) : كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا - نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا} [المزمل: 1 - 3] الْآيَةَ ثُمَّ نَسَخَهَا فِي السُّورَةِ مَعَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ} [المزمل: 20] إلَى قَوْلِهِ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] فَنَسَخَ قِيَامَ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفَهُ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ بِمَا تَيَسَّرَ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ وَإِنْ كُنْت أُحِبُّ أَنْ لَا يَدَعَ أَحَدٌ أَنْ يَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِنْ لَيْلَتِهِ وَيُقَالُ: نُسِخَتْ مَا وَصَفْت مِنْ الْمُزَّمِّلِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] وَدُلُوكُهَا زَوَالُهَا {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] الْعَتَمَةِ {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] الصُّبْحَ {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] فَأَعْلَمَهُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَأَنَّ الْفَرَائِضَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ وَيُقَالُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] الصُّبْحُ {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا} [الروم: 18] الْعَصْرُ {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18] الظُّهْرُ وَمَا أَشْبَهَ مَا قِيلَ: مِنْ هَذَا بِمَا قِيلَ: وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ) : وَبَيَانُ مَا وَصَفْت فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفَرَائِضُ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ وَمَا سِوَاهَا تَطَوُّعٌ فَأَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْبَعِيرِ وَلَمْ يُصَلِّ مَكْتُوبَةً عَلِمْنَاهُ عَلَى بَعِيرٍ وَلِلتَّطَوُّعِ وَجْهَانِ صَلَاةٌ جَمَاعَةً وَصَلَاةٌ مُنْفَرِدَةً وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا أُجِيزُ تَرْكَهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِحَالٍ وَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَأَمَّا قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَأَوْكَدُ صَلَاةُ

فيمن تجب عليه الصلاة

الْمُنْفَرِدِ وَبَعْضُهُ، أَوْكَدُ مِنْ بَعْضِ الْوِتْرِ وَهُوَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَلَاةَ التَّهَجُّدِ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَلَا أُرَخِّصُ لِمُسْلِمٍ فِي تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ أُوجِبْهُمَا عَلَيْهِ وَمَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مِنْهُمَا كَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ تَرَكَ جَمِيعَ النَّوَافِلِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. عَدَدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَحْكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِهِ فَبَيَّنَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَدَهَا وَمَا عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَيَكُفَّ عَنْهُ فِيهَا وَكَانَ نَقْلُ عَدَدِ كُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهَا مِمَّا نَقَلَهُ الْعَامَّةُ عَنْ الْعَامَّةِ وَلَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلَى خَبَرِ الْخَاصَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْخَاصَّةُ قَدْ نَقَلَتْهَا لَا تَخْتَلِفُ هِيَ مِنْ وُجُوهٍ هِيَ مُبَيَّنَةٌ فِي أَبْوَابِهَا فَنَقَلُوا الظُّهْرَ أَرْبَعًا لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا يُجْهَرُ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا بِالْقِرَاءَةِ وَيُخَافَتُ فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشَاءَ أَرْبَعًا يُجْهَرُ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا بِالْقِرَاءَةِ وَيُخَافَتُ فِي اثْنَتَيْنِ وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ يُجْهَرُ فِيهِمَا مَعًا بِالْقِرَاءَةِ (قَالَ) : وَنَقَلَ الْخَاصَّةُ مَا ذَكَرْت مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهِ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ. [فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الِاسْتِئْذَانَ فَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّشْدَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ النِّكَاحِ وَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجِهَادَ فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ عَلَى مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِأَنْ «أَجَازَ ابْنَ عُمَرَ عَامَ الْخَنْدَقِ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَرَدَّهُ عَامَ أُحُدٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً» فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ غَيْرَ مَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمَا، أَوْجَبْت عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالْفَرَائِضَ كُلَّهَا وَإِنْ كَانَا ابْنَيْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّلَاةِ إذَا عَقَلَهَا فَإِذَا لَمْ يَعْقِلَا لَمْ يَكُونَا كَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَأُؤَدِّبُهُمَا عَلَى تَرْكِهَا أَدَبًا خَفِيفًا وَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ بِعَارِضِ مَرَضٍ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْفَرْضُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197] وَقَوْلِهِ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19] وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا لَا يُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إلَّا مَنْ عَقَلَهُمَا. [صَلَاةُ السَّكْرَانِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُقَالُ: نَزَلَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَأَيُّمَا كَانَ نُزُولُهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، أَوْ بَعْدَهُ فَمَنْ صَلَّى سَكْرَانَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ لِنَهْيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ وَإِنْ مَعْقُولًا أَنَّ الصَّلَاةَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ

وَإِمْسَاكٌ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا يُؤَدِّي هَذَا إلَّا مَنْ أُمِرَ بِهِ مِمَّنْ عَقَلَهُ وَعَلَيْهِ إذَا صَلَّى سَكْرَانَ أَنْ يُعِيدَ إذَا صَحَا وَلَوْ صَلَّى شَارِبُ مُحَرَّمٍ غَيْرُ سَكْرَانَ كَانَ عَاصِيًا فِي شُرْبِهِ الْمُحَرَّمَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَعَادَ وَأَقَلُّ السُّكْرِ أَنْ يَكُونَ يَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ فِي بَعْضِ مَا لَمْ يَكُنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الشُّرْبِ وَمَنْ غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ بِوَسَنٍ ثَقِيلٍ فَصَلَّى وَهُوَ لَا يَعْقِلُ أَعَادَ الصَّلَاةَ إذَا عَقَلَ وَذَهَبَ عَنْهُ الْوَسَنُ وَمَنْ شَرِبَ شَيْئًا لِيَذْهَبَ عَقْلُهُ كَانَ عَاصِيًا بِالشُّرْبِ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى السَّكْرَانِ إذَا أَفَاقَا قَضَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّيَاهَا وَعُقُولُهُمَا ذَاهِبَةٌ وَسَوَاءٌ شَرِبَا نَبِيذًا لَا يَرَيَانِهِ يُسْكِرُ، أَوْ نَبِيذًا يَرَيَانِهِ يُسْكِرُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ افْتَتَحَا الصَّلَاةَ يَعْقِلَانِ فَلَمْ يُسَلِّمَا مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْلِبَا عَلَى عُقُولِهِمَا أَعَادَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ مَا أَفْسَدَ أَوَّلَهَا أَفْسَدَ آخِرَهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَبَّرَا ذَاهِبَيْ الْعَقْلِ ثُمَّ أَفَاقَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَصَلَّيَا جَمِيعَ الصَّلَاةِ إلَّا التَّكْبِيرَ مُفِيقِينَ كَانَتْ عَلَيْهِمَا الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا الصَّلَاةَ وَهُمَا لَا يَعْقِلَانِ وَأَقَلُّ ذَهَابِ الْعَقْلِ الَّذِي يُوجِبُ إعَادَةَ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِطًا يَعْزُبُ عَقْلُهُ فِي شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ وَيَثُوبُ. الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا غُلِبَ الرَّجُلُ عَلَى عَقْلِهِ بِعَارِضِ جِنٍّ أَوْ عَتَهٍ، أَوْ مَرَضٍ مَا كَانَ الْمَرَضُ ارْتَفَعَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ مَا كَانَ الْمَرَضُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَعْقِلَ مَا يَقُولُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ وَمَغْلُوبٌ بِأَمْرٍ لَا ذَنْبَ لَهُ فِيهِ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَيُكَفَّرُ عَنْهُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي وَقْتٍ فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْوَقْتِ وَهَكَذَا إنْ شَرِبَ دَوَاءً فِيهِ بَعْضُ السَّمُومِ وَإِلَّا غَلَبَ مِنْهُ أَنَّ السَّلَامَةَ تَكُونُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهُ عَلَى ضُرِّ نَفْسِهِ وَلَا إذْهَابِ عَقْلِهِ وَإِنْ ذَهَبَ وَلَوْ احْتَاطَ فَصَلَّى كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ شَيْئًا فِيهِ سُمٌّ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ حَلَالًا فَخَبَلَ عَقْلُهُ أَوْ وَثَبَ وَثْبَةً فَانْقَلَبَ دِمَاغُهُ، أَوْ تَدَلَّى عَلَى شَيْءٍ فَانْقَلَبَ دِمَاغُهُ فَخَبَلَ عَقْلُهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعَ ذَهَابَ عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لَا يَعْقِلُ، أَوْ تَرَكَهَا بِذَهَابِ الْعَقْلِ فَإِنْ وَثَبَ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ، أَوْ تَنَكَّسَ لِيُذْهِبَ عَقْلَهُ فَذَهَبَ كَانَ عَاصِيًا وَكَانَ عَلَيْهِ إذَا ثَابَ عَقْلُهُ إعَادَةُ كُلِّ مَا صَلَّى ذَاهِبَ الْعَقْلِ، أَوْ تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِذَا جَعَلْتُهُ عَاصِيًا بِمَا عَمَدَ مِنْ إذْهَابِ عَقْلِهِ، أَوْ إتْلَافِ نَفْسِهِ جَعَلَتْ عَلَيْهِ إعَادَةَ مَا صَلَّى ذَاهِبَ الْعَقْلِ، أَوْ تَرَكَ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَإِذَا لَمْ أَجْعَلْهُ عَاصِيًا بِمَا صَنَعَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي وَقْتٍ بِحَالٍ وَإِذَا أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ مَا يُكَبِّرُ فِيهِ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَلَمْ يُعِدْ مَا قَبْلَهُمَا لَا صُبْحًا وَلَا مَغْرِبًا وَلَا عِشَاءً وَإِذَا أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ قَضَى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَإِذَا أَفَاقَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ قَضَى الصُّبْحَ وَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ لَمْ يَقْضِهَا وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْتٌ فِي حَالِ عُذْرٍ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَلَمَّا جَعَلَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَقْتًا لِلْآخِرَةِ فِي حَالٍ وَالْآخِرَةَ وَقْتًا لِلْأُولَى فِي حَالٍ كَانَ وَقْتُ إحْدَاهُمَا وَقْتًا لِلْأُخْرَى فِي حَالٍ وَكَانَ ذَهَابُ الْعَقْلِ عُذْرًا وَبِالْإِفَاقَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ وَأَمَرْته أَنْ يَقْضِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَفَاقَ فِي وَقْتٍ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ آمُرُ الْحَائِضَ وَالرَّجُلَ يُسَلِّمُ كَمَا آمُرُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَنْ أَمَرْته

صلاة المرتد

بِالْقَضَاءِ فَلَا يَجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَجَّلَ فِي الْمَسِيرِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . [صَلَاةُ الْمُرْتَدِّ] ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ تَرَكَهَا فِي رِدَّتِهِ وَكُلِّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا فَإِنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فِي رِدَّتِهِ لِمَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ قَضَى الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ غَلَبَتِهِ عَلَى عَقْلِهِ كَمَا يَقْضِيهَا فِي أَيَّامِ عَقْلِهِ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تَجْعَلْهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ فَلَا تَأْمُرُهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ قِيلَ: فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُمَا فَقَالَ {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَأَسْلَمَ رِجَالٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضَاءِ صَلَاةٍ وَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحَرَّمَ اللَّهُ دِمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنَعَ أَمْوَالَهُمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُرْتَدُّ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بَلْ أَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَلَهُ بِالرِّدَّةِ وَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَيْهِ الْقَتْلَ إنْ لَمْ يَتُبْ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حُكْمِ الْإِيمَانِ وَكَانَ مَالُ الْكَافِرِ غَيْرِ الْمُعَاهَدِ مَغْنُومًا بِحَالٍ وَمَالُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفًا لِيُغْنَمَ إنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، أَوْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِهِ إنْ تَابَ وَمَالُ الْمُعَاهَدِ لَهُ عَاشَ، أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالزَّكَاةَ وَكُلَّ مَا كَانَ يَلْزَمُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ فَلَمْ تَكُنْ مَعْصِيَتُهُ بِالرِّدَّةِ تُخَفِّفُ عَنْهُ فَرْضًا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَقْضِي وَهُوَ لَوْ صَلَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ يُقْبَلْ عَمَلُهُ؟ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ صَلَّى عَلَى غَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ فَكَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا أَسْلَمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ وَهُوَ مُسْلِمٌ أَعَادَ وَالْمُرْتَدُّ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْبَطَ عَمَلُهُ بِالرِّدَّةِ وَإِنْ قِيلَ: مَا أُحْبِطَ مِنْ عَمَلِهِ قِيلَ: أَجْرُ عَمَلِهِ لَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ فَرْضًا أَدَّاهُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مُسْلِمًا فَإِنْ قِيلَ: وَمَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدَّى زَكَاةً كَانَتْ عَلَيْهِ، أَوْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إذَا أُحْبِطَ أَجْرُهُ فِيهَا أَنْ يَبْطُلَ فَيَكُونُ كَمَا لَمْ يَكُنْ، أَوْ لَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُخِذَ مِنْهُ حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا فَرْضًا عَلَيْهِ وَلَوْ حَبِطَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَرْضٌ مِنْهُ حَبِطَ كُلُّهُ. [جِمَاعُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِتَابَهُ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ مَوْقُوتٌ وَالْمَوْقُوتُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْوَقْتُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ وَعَدَدُهَا فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ " إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا " وَقَدْ ذَكَرْنَا نَقْلَ الْعَامَّةِ عَدَدَ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِهَا وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ الْوَقْتَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخَّرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْت مَعَهُ ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْت مَعَهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْت مَعَهُ حَتَّى عَدَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اتَّقِ اللَّهَ يَا عُرْوَةُ وَانْظُرْ مَا تَقُولُ فَقَالَ عُرْوَةُ أَخْبَرَنِيهِ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ

وقت الظهر

صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِ ظِلِّهِ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ قَدْرَ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ الْقَدْرَ الْأَوَّلَ لَمْ يُؤَخِّرْهَا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ فِي الْحَضَرِ فَاحْتَمَلَ مَا وَصَفْته مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَنْ يَكُونَ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي صَلَّى فِيهِ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ وَفِي غَيْرِ عُذْرٍ فَجَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ خَائِفٍ فَذَهَبْنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مَطَرٍ وَجَمَعَ مُسَافِرًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ الصَّلَوَاتِ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْحَاضِرِ فِي غَيْرِ مَطَرٍ فَلَا يُجْزِئُ حَاضِرًا فِي غَيْرِ مَطَرٍ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً إلَّا فِي وَقْتِهَا وَلَا يَضُمَّ إلَيْهَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَنْسَى فَيَذْكُرَ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، أَوْ يَنَامَ فَيُصَلِّيهَا حِينَئِذٍ قَضَاءً وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الْآخِرَةِ مِنْهُمَا وَلَا يُقَدِّمُ وَقْتَ الْأُولَى مِنْهُمَا، وَالْوَقْتُ حَدٌّ لَا يُجَاوَزُ وَلَا يُقَدَّمُ وَلَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ عَنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي مَصْرٍ وَلَا غَيْرِهِ، حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ. [وَقْتُ الظُّهْرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ الْفَلَكِ، وَظِلُّ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يَتَقَلَّصُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْءٍ قَائِمٍ مُعْتَدِلٍ نِصْفَ النَّهَارِ ظِلٌّ بِحَالٍ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَسَقَطَ لِلْقَائِمِ ظِلٌّ، مَا كَانَ الظِّلُّ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ وَآخِرُ وَقْتِهَا فِي هَذَا الْحِينِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَإِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا إلَّا مَا وَصَفْت وَالظِّلُّ فِي الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ مُخَالِفٌ لَهُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الصَّيْفِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ الزَّوَالُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى الظِّلِّ وَيَتَفَقَّدَ نُقْصَانَهُ فَإِنَّهُ إذَا تَنَاهَى نُقْصَانُهُ زَادَ فَإِذَا زَادَ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فَذَلِكَ الزَّوَالُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، ثُمَّ آخِرُ وَقْتِهَا إذَا عَلِمَ أَنْ قَدْ بَلَغَ الظِّلُّ مَعَ خِلَافِهِ ظِلَّ الصَّيْفِ قَدْرَ مَا يَكُونُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الصَّيْفِ وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَاللَّيْلِ فَإِنْ بَرَزَ لَهُ مِنْهَا مَا يَدُلُّهُ وَإِلَّا تَوَخَّى حَتَّى يَرَى أَنَّهُ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ وَاحْتَاطَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ الْغَيْمُ مُطْبِقًا رَاعَى الشَّمْسَ وَاحْتَاطَ بِتَأْخِيرِهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَخَافَ دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِذَا تَوَخَّى فَصَلَّى عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ وَقْتِهَا مُتَطَاوِلٌ حَتَّى يَكَادَ يُحِيطُ إذَا احْتَاطَ بِأَنْ قَدْ زَالَتْ وَلَيْسَتْ كَالْقِبْلَةِ الَّتِي لَا مُدَّةَ لَهَا إنَّمَا عَلَيْهَا دَلِيلٌ لَا مُدَّةٌ وَعَلَى هَذَا الْوَقْتِ دَلِيلٌ مِنْ مُدَّةٍ وَمَوْضِعٍ وَظِلٍّ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَعَادَ وَهَكَذَا إنْ تَوَخَّى بِلَا غَيْمٍ (قَالَ) : وَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِخْبَارُ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ إذَا لَمْ يَرَ هُوَ أَوْ هُمْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَذَّبَ مَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ وَإِذَا كَانَ أَعْمَى وَسِعَهُ خَبَرُ مَنْ يُصَدِّقُ خَبَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَالِاقْتِدَاءُ بِالْمُؤَذِّنِينَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، أَوْ كَانَ أَعْمَى لَيْسَ قُرْبَهُ أَحَدٌ تَوَخَّى وَأَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ يُخَالِفُ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ فِي الْوَقْتِ مُدَّةً فَجُعِلَ مُرُورُهَا كَالدَّلِيلِ وَلَيْسَ

وقت العصر

ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَقَلُّ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت مَحْبُوسًا فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ أَعْمَى لَيْسَ قُرْبَهُ أَحَدٌ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِلَا تَأَخٍّ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ مِنْ مُرُورِ الْوَقْتِ مِنْ نَهَارٍ وَلَيْلٍ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ تَأَخَّى بِهِ وَإِنْ صَلَّى عَلَى غَيْرِ تَأَخٍّ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ تَأَخٍّ وَلَا يَفُوتُ الظُّهْرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ فَهُوَ فَائِتٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَهَا إلَى هَذَا الْوَقْتِ جَمَعَ أَمْرَيْنِ، تَأْخِيرَهَا عَنْ الْوَقْتِ الْمَقْصُودِ، وَحُلُولَ وَقْتِ غَيْرِهَا. تَعْجِيلُ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَعْجِيلُ الْحَاضِرِ الظُّهْرَ إمَامًا وَمُنْفَرِدًا فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَخَّرَ إمَامُ الْجَمَاعَةِ الَّذِي يَنْتَابُ مِنْ الْبُعْدِ الظُّهْرَ حَتَّى يَبْرُدَ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. وَقَدْ اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفْسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ حَرِّهَا وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَبْلُغُ بِتَأْخِيرِهَا آخِرَ وَقْتِهَا فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا مَعًا وَلَكِنَّ الْإِبْرَادَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مُتَمَهِّلًا وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا قَبْلَ آخِرِ وَقْتِهَا لِيَكُونَ بَيْنَ انْصِرَافِهِ مِنْهَا وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِهَا فَصْلٌ فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ لَا يَحْضُرُهَا إلَّا مَنْ بِحَضْرَتِهِ فَلْيُصَلِّهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَذَى عَلَيْهِمْ فِي حَرِّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُؤَخَّرُ فِي الشِّتَاءِ بِحَالٍ وَكُلَّمَا قُدِّمَتْ كَانَ أَلْيَنَ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا فِي الشِّتَاءِ وَلَا يُؤَخِّرُهَا إمَامُ جَمَاعَةٍ يَنْتَابُ إلَّا بِبِلَادٍ لَهَا حَرٌّ مُؤْذٍ كَالْحِجَازِ، فَإِذَا كَانَتْ بِلَادٌ لَا أَذَى لِحَرِّهَا لَمْ يُؤَخِّرْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا شِدَّةَ لِحَرِّهَا يُرْفَقُ عَلَى أَحَدٍ بِتَنْحِيَةِ الْأَذَى عَنْهُ فِي شُهُودِهَا. [وَقْتُ الْعَصْرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَوَقْتُ الْعَصْرِ فِي الصَّيْفِ إذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ وَذَلِكَ حِينَ يَنْفَصِلُ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى مَا وَصَفْت وَأَحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّاهَا حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ يَعْنِي حِينَ تَمَّ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَا يُجَاوِزُهُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُحْتَمِلٌ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ الَّذِي لَا يَكُونُ الظِّلُّ فِيهِ هَكَذَا قَدْرَ الظِّلِّ مَا كَانَ يَنْقُصُ فَإِذَا زَادَ بَعْدَ نُقْصَانِهِ فَذَلِكَ زَوَالُهُ، ثُمَّ قَدْرُ مَا لَوْ كَانَ الصَّيْفُ بَلَغَ الظِّلَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْقَائِمِ فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ قَلِيلًا فَقَدْ دَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَكُلِّ زَمَانٍ وَإِمَامِ جَمَاعَةِ يَنْتَابُ مِنْ بُعْدٍ وَغَيْرِ بُعْدٍ وَمُنْفَرِدٍ فِي - أَوَّلِ وَقْتِهَا لَا أُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهَا عَنْهُ وَإِذَا كَانَ الْغَيْمُ مُطْلَقًا، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي

وقت المغرب

ظُلْمَةٍ، أَوْ أَعْمَى بِبَلَدٍ لَا أَحَدَ مَعَهُ فِيهَا صَنَعَ مَا وَصَفْت يَصْنَعُهُ فِي الظُّهْرِ لَا يَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى تَجَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ وَقَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: قَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى أَنْ جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مُطْلَقًا؛ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَإِنَّمَا قُلْت لَا يَتَبَيَّنُ عَلَيْهِ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ الْأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ وَالرَّكْعَةُ رَكْعَةٌ بِسَجْدَتَيْنِ وَإِنَّمَا أَحْبَبْت تَقْدِيمَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ صَاحِيَةٌ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهَا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَاتَهُ الْعَصْرُ فَكَأَنَّمَا وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ.» [وَقْتُ الْمَغْرِبِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا وَقْتَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَاحِدٌ وَذَلِكَ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي غَيْرِهِ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَخْرُجُ نَتَنَاضَلُ حَتَّى نَبْلُغَ بُيُوتَ بَنِي سَلِمَةَ نَنْظُرُ إلَى مَوَاقِعِ النَّبْلِ مِنْ الْإِسْفَارِ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «فَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَنْصَرِفُ فَتَأْتِي بَنِي سَلَمَةَ فَنُبْصِرُ مَوَاقِعَ النَّبْلِ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ فَنَأْتِي السُّوقَ وَلَوْ رُمِيَ بِنَبْلٍ لَرُئِيَ مَوَاقِعُهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ: لَا تَفُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قِيلَ: يُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا قِيلَ: فِي الْعَصْرِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الصُّبْحَ تَفُوتُ بِأَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ قِيلَ يُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً فَإِنْ قِيلَ فَتَقِيسُهَا عَلَى الصُّبْحِ قِيلَ: لَا أَقِيسُ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاقِيتِ عَلَى غَيْرِهِ وَهِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ حَدِيثُ إمَامَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَا جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دَلَالَةً، أَوْ قَالَهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قِيلَ: تَفُوتُ الْمَغْرِبُ إذَا لَمْ تُصَلَّ فِي وَقْتِهَا كَانَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَشْبَهَ بِمَا قَالَ وَيَتَأَخَّاهَا الْمُصَلِّي فِي الْغَيْمِ وَالْمَحْبُوسُ فِي الظُّلْمَةِ وَالْأَعْمَى كَمَا وَصَفْت فِي الظُّهْرِ وَيُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَرَى أَنْ قَدْ دَخَلَ وَقْتُهَا، أَوْ جَاوَزَ دُخُولَهُ. [وَقْتُ الْعِشَاءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

وقت الفجر

عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ هِيَ الْعِشَاءُ إلَّا أَنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى إلَّا الْعِشَاءَ كَمَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوَّلُ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ وَالشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَلَمْ يُرَ مِنْهَا شَيْءٌ حَلَّ وَقْتُهَا وَمَنْ افْتَتَحَهَا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُمْرَةِ شَيْءٌ أَعَادَهَا وَإِنَّمَا قُلْت: الْوَقْتُ فِي الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ وَلَا التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ مَدْخَلُهُ فِيهَا فَإِذَا أَدْخَلَهُ التَّكْبِيرُ فِيهَا قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَهَا وَأَخَّرَ وَقْتَهَا إلَى أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ فَلَا أُرَاهَا إلَّا فَائِتَةً؛ لِأَنَّهُ آخِرُ وَقْتِهَا وَلَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ (قَالَ) : الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا كَمَا وَصَفْت لَا تُقَاسُ وَيَصْنَعُ الْمُتَأَخِّي لَهَا فِي الْغَيْمِ وَفِي الْحَبْسِ الْمُظْلِمِ وَالْأَعْمَى لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ كَمَا وَصَفْته يَصْنَعُهُ فِي الظُّهْرِ وَالتَّأَخِّي فِي اللَّيْلِ أَخَفُّ مِنْ التَّأَخِّي لِصَلَاةِ النَّهَارِ لِطُولِ الْمُدَّةِ وَشِدَّةِ الظُّلْمَةِ وَبَيَانِ اللَّيْلِ. [وَقْتُ الْفَجْرِ] ِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ» وَالصُّبْحُ الْفَجْرُ فَلَهَا اسْمَانِ الصُّبْحُ وَالْفَجْرُ لَا أُحِبُّ أَنْ تُسَمَّى إلَّا بِأَحَدِهِمَا وَإِذَا بَانَ الْفَجْرُ الْأَخِيرُ مُعْتَرَضًا حَلَّتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَمَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ تَبَيُّنِ الْفَجْرِ الْأَخِيرِ مُعْتَرَضًا أَعَادَ وَيُصَلِّيهَا أَوَّلَ مَا يَسْتَيْقِنُ الْفَجْرَ مُعْتَرَضًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مُغَلِّسًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» وَلَا تَفُوتُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً وَالرَّكْعَةُ رَكْعَةٌ بِسُجُودِهَا فَمَنْ لَمْ يُكْمِلْ رَكْعَةً بِسُجُودِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الصُّبْحُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ»

اختلاف وقت الصلاة

[اخْتِلَافُ وَقْتِ الصَّلَاةِ] اخْتِلَافُ الْوَقْتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَلَمَّا أَمَّ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ لَا فِي مَطَرٍ وَقَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْمِدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي حَضَرٍ وَلَا فِي مَطَرٍ إلَّا فِي هَذَا

وقت الصلاة في السفر

الْوَقْتِ وَلَا صَلَاةَ إلَّا مُنْفَرِدَةٌ كَمَا صَلَّى جِبْرِيلُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ مُقِيمًا فِي عُمْرِهِ وَلَمَّا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ آمِنًا مُقِيمًا لَمْ يَحْتَمِلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ يَكُونَ الْحَالُ الَّتِي جَمَعَ فِيهَا حَالًا غَيْرَ الْحَالِ الَّتِي فَرَّقَ فِيهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: جَمْعُهُ فِي الْحَضَرِ مُخَالِفٌ لِإِفْرَادِهِ فِي الْحَضَرِ مِنْ: وَجْهَيْنِ - أَنَّهُ يُوجَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ وَأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُمَا مَعًا وَاحِدٌ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ لِجَمْعِهِ فِي الْحَضَرِ عِلَّةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إفْرَادِهِ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا الْمَطَرُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - إذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وَوَجَدْنَا فِي الْمَطَرِ عِلَّةَ الْمَشَقَّةِ كَمَا كَانَ فِي الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ عِلَّةُ الْمَشَقَّةِ الْعَامَّةِ فَقُلْنَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مِنْ مَطَرٍ فِي حَضَرٍ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (قَالَ) : وَلَا يَجْمَعُ إلَّا وَالْمَطَرُ مُقِيمٌ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ فَإِنْ صَلَّى إحْدَاهُمَا، ثُمَّ انْقَطَعَ الْمَطَرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ الْأُخْرَى إلَيْهَا وَإِذَا صَلَّى إحْدَاهُمَا وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْأُخْرَى وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ، ثُمَّ انْقَطَعَ الْمَطَرُ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ الدُّخُولُ فِيهَا كَانَ لَهُ إتْمَامُهَا. (قَالَ) : وَيَجْمَعُ مِنْ قَلِيلِ الْمَطَرِ وَكَثِيرِهِ وَلَا يَجْمَعُ إلَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى مَسْجِدٍ يَجْمَعُ فِيهِ، قَرُبَ الْمَسْجِدُ، أَوْ كَثُرَ أَهْلُهُ، أَوْ قَلُّوا، أَوْ بَعُدُوا وَلَا يَجْمَعُ أَحَدٌ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُخَالِفُ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ الظُّهْرَ فِي غَيْرِ مَطَرٍ ثُمَّ مُطِرَ النَّاسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَلَيْسَ لَهُ جَمْعُ الْعَصْرِ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ وَلَمْ يُمْطَرْ، ثُمَّ مُطِرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَمْعُ الْعَصْرِ إلَيْهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ الْجَمْعُ إلَّا بِأَنْ يَدْخُلَ فِي الْأُولَى يَنْوِي الْجَمْعَ وَهُوَ لَهُ فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا وَهُوَ يُمْطَرُ وَدَخَلَ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ يُمْطَرُ فَإِنْ سَكَنَتْ السَّمَاءُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدُّخُولُ فِيهَا وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي هَذَا وَقْتٌ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لَا يَخْتَلِفَانِ وَسَوَاءٌ كُلُّ بَلَدٍ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ بَلَّ الْمَطَرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَذًى. وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي مَطَرٍ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا لَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ وَلَا يَجْمَعُ فِي حَضَرٍ فِي غَيْرِ الْمَطَرِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ مُنْفَرِدَاتٍ وَالْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ رُخْصَةٌ لِعُذْرٍ وَإِنْ كَانَ عُذْرَ غَيْرِهِ لَمْ يَجْمَعْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ فِي غَيْرِهِ خَاصٌّ وَذَلِكَ الْمَرَض وَالْخَوْفُ وَمَا أَشْبَهَهُ وَقَدْ كَانَتْ أَمْرَاضٌ وَخَوْفٌ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ، وَالْعُذْرُ بِالْمَطَرِ عَامٌّ وَيَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ عَامَّةٌ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا الْجَمْعِ إلَّا حَيْثُ رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ وَلَا رَأَيْنَا مِنْ جَمْعِهِ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي الْمَطَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ] أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَذْكُرُ حَجَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْزِلِهِ» وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ

عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ تَبُوكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ لَا يَكُونُ إلَّا وَهُوَ نَازِلٌ فَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ نَازِلًا وَسَائِرًا أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ إلَى الْحِمَى فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَهِبْنَا أَنْ نَقُولَ لَهُ: انْزِلْ فَصَلِّ فَلَمَّا ذَهَبَ بَيَاضُ الْأُفُقِ وَفَحْمَةُ الْعِشَاءِ نَزَلَ فَصَلَّى ثَلَاثًا ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا إنْ شَاءَ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَإِنْ شَاءَ فِي وَقْتِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَلَمَّا حَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٌ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، أَوْ لَمْ يَجِدَّ سَائِرًا وَنَازِلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَرَفَةَ غَيْرَ سَائِرٍ إلَّا إلَى الْمَوْقِفِ إلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ وَبِالْمُزْدَلِفَةِ نَازِلًا ثَانِيًا وَحَكَى عَنْهُ مُعَاذٌ أَنَّهُ جَمَعَ وَرَأَيْت حِكَايَتَهُ عَلَى أَنَّ جَمْعَهُ وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَفَرٍ غَيْرِ سَائِرٍ فِيهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ لِمَا وَصَفْتُ مِنْ دَلَالَةِ السُّنَّةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ الصُّبْحَ إلَى صَلَاةٍ وَلَا يَجْمَعَ إلَيْهَا صَلَاةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْمَعْهَا وَلَمْ يَجْمَعْ إلَيْهَا غَيْرَهَا. وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ قَبْلَ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ كَمَا يُعِيدُ الْمُقِيمُ إذَا صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا بَعْدَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْضِي وَلَوْ افْتَتَحَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ لَمْ يَقْرَأْ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، ثُمَّ مَضَى فِي صَلَاتِهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعًا كَانَتْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُمَا مَعًا أَمَّا الظُّهْرُ فَيُعِيدُهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ حِينَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ فِيهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَأَمَّا الْعَصْرُ فَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا إذَا أَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَهِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ، ثُمَّ اسْتَيْقَنَ أَنَّ دُخُولَهُ فِيهَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّاهَا وَالْعَصْرَ أَعَادَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ افْتَتَحَهَا افْتَتَحَهَا وَلَمْ تَحِلَّ عِنْدَهُ فَلَيْسَتْ مُجْزِئَةً عَنْهُ وَكَانَ فِي مَعْنَى مَنْ صَلَّاهَا لَا يَنْوِيهَا وَفِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِهِ، وَلَوْ أَرَادَ الْجَمْعَ فَبَدَأَ بِالْعَصْرِ، ثُمَّ الظُّهْرِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الظُّهْرُ وَلَا تُجْزِئُ عَنْهُ الْعَصْرُ لَا تُجْزِئُ عَنْهُ مُقَدَّمَةً عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى تُجْزِئَ عَنْهُ الظُّهْرُ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلْعَصْرِ فَصَلَّاهَا أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ لَا تُجْزِئُ عَنْهُ الْعَصْرُ مُقَدَّمَةً عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى تُجْزِئَ عَنْهُ الظُّهْرُ قَبْلَهَا وَهَكَذَا لَوْ أَفْسَدَ الظُّهْرَ بِأَيِّ فَسَادٍ مَا كَانَ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ الْعَصْرُ مُقَدَّمَةً عَنْ وَقْتِهَا وَلَوْ كَانَ هَذَا كُلُّهُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَصْرُ إلَّا بَعْدَ وَقْتِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ الْعَصْرُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ وَهُوَ يَشُكُّ فِي وَقْتِهَا فَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ ظَنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاتَتْهُ اسْتَفْتَحَ صَلَاةً عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَائِتَةً فَهِيَ الَّتِي افْتَتَحَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً فَائِتَةً لَمْ تُجْزِهِ. وَلَا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَعَلَى نِيَّةِ أَنَّ الْوَقْتَ دَخَلَ فَإِنَّا إذَا دَخَلَ عَلَى الشَّكِّ فَلَيْسَتْ النِّيَّةُ بِتَامَّةٍ وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَأَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَسَهَا، أَوْ عَمَدَ فَبَدَا بِالْعَصْرِ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا يُجْزِهِ الْعَصْرُ قَبْلَ وَقْتِهَا إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَهَا فَتُجْزِئُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا فَأَفْسَدَهَا فَسَهَا عَنْ إفْسَادِهِ إيَّاهَا، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَعَادَ الظُّهْرَ، ثُمَّ الْعَصْرَ.

الرَّجُلُ يُصَلِّي وَقَدْ فَاتَتْهُ قَبْلَهَا صَلَاةٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيّ: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَذَكَرهَا وَقَدْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَلَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ صَلَّى الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ فَدَخَلَ فِيهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْفَائِتَةِ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا وَصَلَّى الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ الْفَائِتَةَ لَهُ وَكَانَ الِاخْتِيَارُ لَهُ إنْ شَاءَ أَتَى بِالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ لَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا فَيُصَلِّيهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي فَاتَتْهُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَوَاتُ الْفَائِتَاتُ صَلَاةَ يَوْمٍ، أَوْ صَلَاةَ سَنَةٍ وَقَدْ أُثْبِتَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا قُلْتُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ الصُّبْحِ فَارْتَحَلَ عَنْ مَوْضِعِهِ» فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ وَصَلَاتُهَا مُمْكِنَةٌ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» عَلَى مَعْنَى أَنَّ وَقْتَ ذِكْرِهِ إيَّاهَا وَقْتُهَا لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةِ الْفَرْضِ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ إذَا كَانَ الذِّكْرُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ النِّسْيَانِ وَأَنْ يُصَلِّيَهَا أَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ مَنْهِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، أَوْ غَيْرَ مَنْهِيٍّ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا حِينَ يَذْكُرُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّيهَا إذَا ذَكَرَهَا لَا أَنَّ ذَهَابَ وَقْتِهَا يَذْهَبُ بِفَرْضِهَا قَلَّمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْوَادِي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى قَطَعَ الْوَادِيَ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» أَيْ وَإِنْ ذَهَبَ وَقْتُهَا وَلَمْ يَذْهَبْ فَرْضُهَا فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا خَرَجَ مِنْ الْوَادِي فَإِنَّهُ وَادٍ فِيهِ شَيْطَانٌ فَقِيلَ: لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَصْلُحُ فِي وَادٍ فِيهِ شَيْطَانٌ فَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْنُقُ الشَّيْطَانَ فَخَنْقُهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَادٍ فِيهِ شَيْطَانٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَبَدَأَ بِالظُّهْرِ فَأَفْسَدَهَا، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ أَجْزَأَهُ الْعَصْرُ وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهَا صُلِّيَتْ فِي وَقْتِهَا عَلَى الِانْفِرَادِ الَّذِي لَوْ صُلِّيَتْ فِيهِ وَحْدَهَا أَجْزَأَتْ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَدَأَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الْعَصْرُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَأَكْرَهُ هَذَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْغَيْمُ مُطْبِقًا فِي السَّفَرِ فَهُوَ كَإِطْبَاقِهِ فِي الْحَضَرِ يَتَأَخَّى فَإِنْ فَعَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ تَكَشَّفَ الْغَيْمُ فَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ افْتَتَحَ الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعًا؛ لِأَنَّهُ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُجْزِئَةٍ الظُّهْرَ قَبْلَ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا نُجْزِئُ عَنْهُ فِيهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الظُّهْرُ قَبْلَهَا مُجْزِئَةً (قَالَ الشَّافِعِيّ) وَلَوْ كَانَ تَأَخَّى فَصَلَّاهُمَا فَكُشِفَ الْغَيْمُ فَعَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ أَجْزَأَتَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا عَامِدًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَكَشَّفَ الْغَيْمُ فَعَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَتَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَمْرِهِمَا أَنْ يَكُونَا قَضَاءً مِمَّا عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ تَأَخَّى فَعَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى إحْدَاهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَالْأُخْرَى بَعْدَ مَغِيبِهَا أَجْزَأَتَا عَنْهُ وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا مُصَلَّاةً فِي وَقْتِهَا وَأَقَلُّ أَمْرِ الْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ

قَضَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي يَوْمِ سَفَرِهِ نِيَّةٌ فِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَخَّرَ الظُّهْرَ ذَاكِرًا لَا يُرِيدُ بِهَا الْجَمْعَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ كَانَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا لَا يُرِيدُ الْجَمْعَ بِهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا إنَّمَا كَانَ لَهُ عَلَى إرَادَةِ الْجَمْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا فَإِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجَمْعَ كَانَ تَأْخِيرُهَا وَصَلَاتُهَا تُمْكِنُهُ مَعْصِيَةً وَصَلَاتُهَا قَضَاءً وَالْعَصْرُ فِي وَقْتِهَا وَأَجْزَأَتَا عَنْهُ وَأَخَافُ الْمَأْثَمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَلَا يَنْوِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فَلَمَّا أَكْمَلَ الظُّهْرَ، أَوْ كَانَ وَقْتُهَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ كَانَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ نِيَّةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْجَمْعُ وَلَوْ انْصَرَفَ مِنْ الظُّهْرِ وَانْصِرَافُهُ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهَا وَلَا مَعَ انْصِرَافِهِ الْجَمْعَ ثُمَّ أَرَادَ الْجَمْعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ إذَا انْصَرَفَ جَامَعَ وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ مُصَلٍّ صَلَاةَ انْفِرَادٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً قَبْلَ وَقْتِهَا إلَّا صَلَاةَ جَمْعٍ لَا صَلَاةَ انْفِرَادٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ أَخَّرَ الظُّهْرَ بِلَا نِيَّةِ جَمْعٍ وَانْصَرَفَ مِنْهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ صُلِّيَتْ صَلَاةَ انْفِرَادٍ فَإِنَّمَا صُلِّيَتْ فِي وَقْتِهَا لَا فِي وَقْتٍ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ عَامِدًا لَا يُرِيدُ بِهَا الْجَمْعَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ آثِمٌ فِي تَأْخِيرِهَا عَامِدًا وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْجَمْعَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صُلِّيَتْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَوَالَى بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَقَامَهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَقَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَإِنْ فَارَقَ مَقَامَهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، أَوْ قَطَعَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَبَدًا: جَامِعٌ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُتَوَالِيَيْنِ لَا عَمَلَ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ تَكَلَّمَا كَلَامًا كَثِيرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ. وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْجَمْعُ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْآخِرَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَنْصَرِفَ وَيَصْنَعَ مَا بَدَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُصَلِّي الْآخِرَةَ فِي وَقْتِهَا وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَمْعٍ صَلَّى مَعَهُ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ بَعْضُهُمْ أَبَاعِرَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ صَلَّوْا الْعِشَاءَ فِيمَا يُرَى حَيْثُ صَلَّوْا وَإِنَّمَا صَلَّوْا الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا (قَالَ الشَّافِعِيّ) فَالْقَوْلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَالْقَوْلِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَوَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ لَوْ نَامَ، أَوْ سَهَا، أَوْ شُغِلَ، أَوْ قَطَعَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ يَتَطَاوَلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْحَالِ الَّتِي لَوْ سَهَا فِيهَا فِي الصَّلَاةِ فَانْصَرَفَ قَبْلَ إكْمَالِهَا هَلْ يَبْنِي لِتَقَارُبِ انْصِرَافِهِ فَلَهُ إذَا صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ أَنْ يَجْمَعَ وَإِذَا سَهَا فَانْصَرَفَ فَتَطَاوَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ فِي وَقْتِ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهُ يُطِيلُ الْمَقَامَ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ لَا يُزَايِلُهُ وَلَا يُطِيلُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الصَّلَاةِ.

باب صلاة العذر

[بَابُ صَلَاةِ الْعُذْرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا إلَّا فِي مَطَرٍ وَلَا يَقْصُرُ صَلَاةً بِحَالِ خَوْفٍ وَلَا عُذْرَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالْخَنْدَقِ مُحَارِبًا فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَصَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا إلَّا مِنْ مَرَضٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْقِيَامِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا فِي حَالِ الْخَوْفِ الَّتِي ذَكَرْت وَلَا يَكُونُ لَهُ بِعُذْرٍ غَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا إلَّا مِنْ مَرَضٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْمَكْتُوبَةِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالصَّلَاةُ قَائِمًا فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي دَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَتَكُونُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَرْدُودَةً إلَى أُصُولِهَا وَالرُّخَصُ لَا يُتَعَدَّى بِهَا مَوَاضِعُهَا. [بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ] ِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَقِيلَ: وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ قَانِتِينَ مُطِيعِينَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ قَائِمًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا خُوطِبَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ أَطَاقَهَا فَإِذَا كَانَ الْمَرْءُ مُطِيقًا لِلْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا هُوَ إلَّا عِنْدَمَا ذَكَرْت مِنْ الْخَوْفِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَمْ يُطِقْ الْقِيَامَ صَلَّى قَاعِدًا وَرَكَعَ وَسَجَدَ إذَا أَطَاقَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَوَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِفَّةً فَجَاءَ فَقَعَدَ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيّ قَالَ سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الصُّبْحَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَبَّرَ فَوَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ الْخِفَّةِ فَقَامَ يُفَرِّجُ الصُّفُوفَ قَالَ

وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ إذَا صَلَّى فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ الْحِسَّ مِنْ وَرَائِهِ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ الْمَقَامَ الْمُقَدَّمَ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَنَسَ وَرَاءَهُ إلَى الصَّفِّ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَانَهُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى جَنْبِهِ وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ حَتَّى إذَا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ أَرَاك أَصْبَحْت صَالِحًا وَهَذَا يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَهْلِهِ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَانَهُ وَجَلَسَ إلَى جَنْبِ الْحِجْرِ يُحَذِّرُ النَّاسَ الْفِتَنَ وَقَالَ إنِّي وَاَللَّهِ لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ شَيْئًا إنِّي وَاَللَّهِ لَا أُحِلُّ إلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا أُحَرِّمُ إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَصَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ اعْمَلَا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُصَلِّي الْإِمَامُ قَاعِدًا وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا إذَا أَطَاقُوا الْقِيَامَ وَلَا يَجْزِي مَنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا قَائِمًا وَكَذَلِكَ إذَا أَطَاقَ الْإِمَامُ الْقِيَامَ صَلَّى قَائِمًا وَمَنْ لَمْ يُطِقْ الْقِيَامَ مِمَّنْ خَلْفَهُ صَلَّى قَاعِدًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ حَالٍ قَدَرَ الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى تَأْدِيَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَمَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ صَلَّاهَا وَصَلَّى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَا يُطِيقُ فَإِنْ لَمْ يُطِقْ الْمُصَلِّي الْقُعُودَ وَأَطَاقَ أَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَجِعًا صَلَّى مُضْطَجِعًا وَإِنْ لَمْ يُطِقْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ صَلَّى مُومِئًا وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ إيمَاءِ الرُّكُوعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ بِظَهْرِهِ مَرَضٌ لَا يَمْنَعُهُ الْقِيَامَ وَيَمْنَعُهُ الرُّكُوعَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ وَأَجْزَأَهُ أَنْ يَنْحَنِيَ كَمَا يَقْدِرُ فِي الرُّكُوعِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ بِظَهْرِهِ حَتَّى رَقَبَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مُسْتَوِيًا، أَوْ فِي شِقٍّ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ جَلَسَ أَوْمَأَ إيمَاءً وَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ عَلَى صُدْغِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ عَلَى جَبْهَتِهِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَلَوْ فِي شِقٍّ، ثُمَّ سَجَدَ عَلَى صُدْغِهِ وَكَانَ أَقْرَبُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ السُّجُودِ مُسْتَوِيًا، أَوْ عَلَى أَيِّ شِقَّيْهِ كَانَ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُطِيقَ أَنْ يُقَارِبَ السُّجُودَ بِحَالٍ إلَّا قَارَبَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَرْفَعُ إلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا لِيَسْجُدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ سَاجِدٌ حَتَّى يَسْجُدَ بِمَا يَلْصَقُ بِالْأَرْضِ فَإِنْ وَضَعَ وِسَادَةً عَلَى الْأَرْضِ فَسَجَدَ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: رَأَيْت أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْجُدُ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ مِنْ رَمَدٍ بِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَجَدَ الصَّحِيحُ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمَ لَاصِقَةٍ بِالْأَرْضِ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى رَبْوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَرْفَعَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُعِدْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الرُّكُوعِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ كَانَ فِي قِيَامِهِ رَاكِعًا وَإِذَا رَكَعَ خَفَضَ عَنْ قَدْرِ قِيَامِهِ ثُمَّ يَسْجُدُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا مُسْتَلْقِيًا صَلَّى مُسْتَلْقِيًا يُومِئُ إيمَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ حَالٍ أَمَرْتُهُ فِيهَا أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا يُطِيقُ فَإِذَا أَصَابَهَا بِبَعْضِ الْمَشَقَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا كَمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذَا أَطَاقَ الْقِيَامَ بِبَعْضِ الْمَشَقَّةِ قَامَ فَأَتَى بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَأُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ مَعَهَا شَيْئًا وَإِنَّمَا آمُرُهُ بِالْقُعُودِ إذَا كَانَتْ الْمَشَقَّةُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، أَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَالٍ وَهَكَذَا هَذَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَخْتَلِفُ وَلَوْ أَطَاقَ أَنْ يَأْتِيَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى وَإِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ مُنْفَرِدًا قَائِمًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا يَقْرَأُ بِأَطْوَلَ مِمَّا وَصَفْت إلَّا جَالِسًا، أَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ بِالْمَرَضِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي بَعْضٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فِي بَعْضٍ صَلَّى قَائِمًا مَا قَدَرَ وَقَاعِدًا مَا لَمْ يَقْدِرْ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ جَلَسَ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ فَإِنْ كَانَ قَرَأَ بِمَا يُجْزِيهِ جَالِسًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إذَا قَامَ أَنْ يُعِيدَ قِرَاءَةً وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ شَيْءٌ قَرَأَ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا قَائِمًا، كَأَنْ قَرَأَ بَعْضَ أُمِّ الْقُرْآنِ جَالِسًا، ثُمَّ بَرِئَ فَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يَقْرَأَ جَالِسًا وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ مَا بَقِيَ قَائِمًا وَلَوْ قَرَأَهُ نَاهِضًا فِي الْقِيَامِ لَمْ

يُجْزِهِ وَلَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَقْرَأَهُ قَائِمًا مُعْتَدِلًا إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَإِذَا قَرَأَ مَا بَقِيَ قَائِمًا، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ عُذْرٌ فَجَلَسَ قَرَأَ مَا بَقِيَ جَالِسًا فَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ إفَاقَةٌ قَامَ وَقَرَأَ مَا بَقِيَ قَائِمًا وَلَوْ قَرَأَ قَاعِدًا أُمَّ الْقُرْآنِ وَشَيْئًا مَعَهَا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَامَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ حَتَّى يَعْتَدِلَ قَائِمًا فَإِنْ قَرَأَ قَائِمًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فَرَكَعَ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا أَجْزَأَتْهُ رَكْعَتُهُ وَإِذَا رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا وَهُوَ يُطِيقُ ذَلِكَ وَسَجَدَ أَلْغَى هَذِهِ الرَّكْعَةَ وَالسَّجْدَةَ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ فَيَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ قِرَاءَةٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يَقُومَ فَيَقْرَأَ، ثُمَّ يَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ لَمْ يَعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي قَرَأَ فِيهَا وَسَجَدَ فَكَانَ السُّجُودُ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَكَانَتْ سَجْدَةً وَسَقَطَتْ عَنْهُ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَوْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَاعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي لَمْ يَعْتَدِلْ فِيهَا قَائِمًا، فَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَوْ سَهَا فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ صَلَاتَهُ كَبَّرَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ يَطُولُ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ وَشَيْءٍ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ أَطَاقَهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ كَمَا أَطَاقَهُ وَلَوْ أَطَاقَ سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا وَأَوْمَأَ إيمَاءً سَجَدَهَا مَا لَمْ يَرْكَعْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْهَا وَأَوْمَأَ بِهَا وَهُوَ يُطِيقُ سُجُودَهَا، ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَ مَا رَكَعَ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَسَجَدَهَا، ثُمَّ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ بَعْدَهَا لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ رَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَةً فَتِلْكَ السَّجْدَةُ مَكَانَ الَّتِي أَطَاقَهَا وَأَوْمَأَ بِهَا فَقَامَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَكَانَهَا وَلَمْ يَعْتَدَّ بِالثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا سَجْدَةٌ قَبْلَ رُكُوعٍ وَإِنَّمَا تَجْزِي عَنْهُ سَجْدَةٌ مَكَانَ سَجْدَةٍ قَبْلَهَا تَرَكَهَا، أَوْ فَعَلَ فِيهَا مَا لَا يُجْزِيهِ إذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الَّتِي بَعْدَهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ فَأَمَّا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَأَوْمَأَ بِهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَهَا سَجْدَةً مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ، أَوْ سَجْدَةَ سَهْوٍ، لَا يُرِيدُ بِهَا صُلْبَ الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ السَّجْدَةِ الَّتِي تَرَكَ، أَوْ، أَوْمَأَ بِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْأَمَةُ يُصَلِّينَ مَعًا بِغَيْرِ قِنَاعٍ، ثُمَّ يُعْتَقْنَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلْنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَقَنَّعْنَ وَيُتْمِمْنَ الصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكْنَ الْقِنَاعَ بَعْدَ مَا يُمْكِنُهُنَّ أَعَدْنَ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلَوْ صَلَّيْنَ بِغَيْرِ قِنَاعٍ وَقَدْ عَتَقْنَ لَا يَعْلَمْنَ بِالْعِتْقِ أَعَدْنَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّيْنَهَا بِلَا قِنَاعٍ مِنْ يَوْمِ عَتَقْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ يَرْجِعْنَ إلَى أَنْ يُحِطْنَ بِالْعِتْقِ فَيَرْجِعْنَ إلَى الْيَقِينِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُنَّ مُكَاتَبَةٌ عِنْدَهَا مَا تُؤَدِّي وَقَدْ حَلَّتْ نُجُومُهَا فَصَلَّتْ بِلَا قِنَاعٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهَا وَأَجْزَأَتْهَا صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْتَقُ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهَا أَنْ تَبْقَى رَقِيقًا وَإِنَّمَا أَرَى أَنَّ مُحَرَّمًا عَلَيْهَا الْمَطْلُ وَهِيَ تَجِدُ الْأَدَاءَ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِأَمَةٍ لَهُ: أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ دَخَلْت فِي يَوْمِكَ هَذِهِ الدَّارَ فَتَرَكَتْ دُخُولَهَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى الدُّخُولِ حَتَّى صَلَّتْ بِلَا قِنَاعٍ، ثُمَّ دَخَلَتْ، أَوْ لَمْ تَدْخُلْ لَمْ تُعِدْ صَلَاتَهَا؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْهَا قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ شِئْت فَصَلَّتْ وَتَرَكَتْ الْمَشِيئَةَ ثُمَّ أَعْتَقَهَا بَعْدُ لَمْ تُعِدْ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْ الْغُلَامِ الْحُلُمُ فَدَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مَوْلِدِهِ فَأَتَمَّهَا أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَارَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَلَمْ يُصَلِّهَا بِكَمَالِهَا بَالِغًا وَلَوْ قَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَاسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ فَوْتِ عَرَفَةَ، أَوْ احْتَلَمَ مَضَى فِي حَجِّهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ حَجًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ يَعْمَلُ عَمَلَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا وَلَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يُكْمِلْهُ حَتَّى احْتَلَمَ، أَوْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ أَحْبَبْت أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعِيدَهُ؛ لِمَا وَصَفْت وَلَا يَعُودُ لِصَوْمٍ قَبْلَهُ

باب جماع الأذان

لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَتَّى مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ وَكَذَلِكَ لَا يَعُودُ لِصَلَاةٍ صَلَّاهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَضَتْ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَكُلِّ صَلَاةٍ غَيْرِ الَّتِي تَلِيهَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ صَوْمِ يَوْمٍ غَيْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَلَا يُبَيَّنُ أَنَّ هَذَا عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصَّوْمِ فَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَبَيِّنٌ. [بَابُ جِمَاعِ الْأَذَانِ] قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58] وَقَالَ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ وَذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَكَانَ بَيِّنًا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكْتُوبَةَ بِالْآيَتَيْنِ مَعًا وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ لِلْمَكْتُوبَاتِ وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَذَانِ لِغَيْرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ بَلْ حَفِظَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ فِي الْعِيدَيْنِ الْمُؤَذِّنَ فَيَقُولُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَلَا أَذَانَ إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ» وَكَذَلِكَ لَا إقَامَةَ فَأَمَّا الْأَعْيَادُ وَالْخُسُوفُ وَقِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ إلَّا تَرْكَ الْأَفْضَلِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ وَكُلُّ نَافِلَةٍ غَيْرِ الْأَعْيَادِ وَالْخُسُوفِ بِلَا أَذَانٍ فِيهَا وَلَا قَوْلِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. [بَابُ وَقْتِ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ: لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ بِلَيْلٍ لِيُدْلِجَ الْمُدْلِجُ وَيَتَنَبَّهَ النَّائِمُ فَيَتَأَهَّبَ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَقْتَ أَذَانِهَا كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ غَيْرِ الصُّبْحِ إلَّا بَعْدَ وَقْتِهَا؛ لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا حَكَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَذَّنَ لَهُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا غَيْرَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَزَلْ الْمُؤَذِّنُونَ عِنْدَنَا يُؤَذِّنُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَّا الْفَجْرَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُتْرَكَ الْأَذَانُ لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ انْفَرَدَ صَاحِبُهَا، أَوْ جَمَعَ وَلَا الْإِقَامَةُ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً كَبُرَ وَلَا صَغُرَ وَلَا يَدَعُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَلَا سَفَرِهِ وَأَنَا عَلَيْهِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ الْعِظَامِ أَحَظُّ. وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُكْمِلَ الْأَذَانَ لِكُلِّ صَلَاةٍ غَيْرِ الصُّبْحِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَإِنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَعَادَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِنْ افْتَتَحَ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ عَادَ فَاسْتَأْنَفَ الْأَذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ وَإِنْ أَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَذَانِ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا مَضَى مِنْهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَا يُكْمِلُ الْأَذَانَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْوَلَاءِ وَبَعْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الصُّبْحِ وَلَوْ تَرَكَ مِنْ الْأَذَانِ شَيْئًا عَادَ إلَى مَا تَرَكَ ثُمَّ بَنَى مِنْ حَيْثُ تَرَكَ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ

باب عدد المؤذنين وأرزاقهم

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قَدَّمَ مِنْهُ، أَوْ أَخَّرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ فَلَوْ قَالَ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ أَكْمَلَ الْأَذَانَ أَعَادَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَكْبَرُ الَّتِي تَرَكَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يُكْمِلَ الْأَذَانَ، ثُمَّ يَجْهَرَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذَانِ وَيُخَافِتَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا وَصَفْت بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الْأَذَانِ كَامِلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا خَافَتَ مِنْ الْقُرْآنِ فِيمَا يُجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ عَادَ فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ أَعَادَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْأَذَانِ كُلِّهِ فَيَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ وَمَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَعَادَهُ فِي مَوْضِعِهِ. [بَابُ عَدَدِ الْمُؤَذِّنِينَ وَأَرْزَاقِهِمْ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أُحِبُّ أَنْ يُقْتَصَرَ فِي الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّا، إنَّمَا حَفِظْنَا أَنَّهُ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَانِ وَلَا يَضِيقُ أَنْ يُؤَذِّنَ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنْ اُقْتُصِرَ فِي الْأَذَانِ عَلَى وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ وَلَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ أَنْ يُبْطِئَ بِالصَّلَاةِ لِيَفْرُغَ مَنْ بَعْدَهُ وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ وَيَقْطَعُ مَنْ بَعْدَهُ الْأَذَانَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الْمُؤَذِّنِينَ لِيُؤَذِّنُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَظِرَهُمْ بِالْإِقَامَةِ وَأَنْ يَأْمُرَهُمْ فَيُقِيمُوا فِي الْوَقْتِ وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ وَلَا يُؤَذِّنُ جَمَاعَةٌ مَعًا. وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا كَبِيرًا لَهُ مُؤَذِّنُونَ عَدَدٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي كُلِّ مَنَارَةٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ فَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ مُتَطَوِّعِينَ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُؤَذِّنُ لَهُ مُتَطَوِّعًا مِمَّنْ لَهُ أَمَانَةٌ إلَّا أَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنْ مَالِهِ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا بِبَلَدٍ كَثِيرِ الْأَهْلِ يَعُوزُهُ أَنْ يَجِدَ مُؤَذِّنًا أَمِينًا لَازِمًا يُؤَذِّنُ مُتَطَوِّعًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا وَلَا يَرْزُقَهُ إلَّا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّهِ مَالِكًا مَوْصُوفًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا وَيَحِلُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَخْذُ الرِّزْقِ إذَا رُزِقَ مِنْ حَيْثُ وَصَفْت أَنْ يُرْزَقَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ رِزْقٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُؤَذِّنُ إلَّا عَدْلٌ ثِقَةٌ لِلْإِشْرَافِ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ وَأَمَانَاتِهِمْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ وَإِذَا كَانَ الْمُقَدَّمُ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ بَصِيرًا بِالْوَقْتِ لَمْ أَكْرَهْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَعْمَى وَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا مُنْفَرِدًا وَمَعَهُ مَنْ يُعْلِمُهُ الْوَقْتَ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ كَرِهْتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مُؤَذِّنٌ أَجْزَأَ وَمَنْ أَذَّنَ مِنْ عَبْدٍ وَمُكَاتَبٍ وَحُرٍّ، أَجْزَأَ. وَكَذَلِكَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ وَالْأَعْجَمِيُّ إذَا أَفْصَحَ بِالْأَذَانِ وَعَلِمَ الْوَقْتَ وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ خِيَارَ النَّاسِ وَلَا تُؤَذِّنُ امْرَأَةٌ وَلَوْ أَذَّنَتْ لِرِجَالٍ لَمْ يَجُزْ عَنْهُمْ أَذَانُهَا وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَإِنْ جَمَعْنَ الصَّلَاةَ وَإِنْ أُذِّنَ فَأَقَمْنَ فَلَا بَأْسَ. وَلَا تَجْهَرُ الْمَرْأَةُ بِصَوْتِهَا تُؤَذِّنُ فِي نَفْسِهَا وَتُسْمِعُ صَوَاحِبَاتِهَا إذَا أَذَّنَتْ وَكَذَلِكَ تُقِيمُ إذَا أَقَامَتْ وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَتْ الْإِقَامَةَ لَمْ أَكْرَهْ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا مَا أَكْرَهُ لِلرِّجَالِ وَإِنْ كُنْت أُحِبُّ أَنْ تُقِيمَ وَأَذَانُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ وَإِقَامَتُهُ سَوَاءٌ كَهُوَ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ فِي الْحِكَايَةِ وَسَوَاءٌ أَسْمَعَ الْمُؤَذِّنِينَ حَوْلَهُ، أَوْ لَمْ يُسْمِعْهُمْ وَلَا أُحِبُّ لَهُ تَرْكَ الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ وَإِنْ دَخَلَ مَسْجِدًا أُقِيمَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ فِي نَفْسِهِ

باب حكاية الآذان

[بَابُ حِكَايَةِ الْآذَانِ] ِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيْرِيزٍ أَخْبَرَهُ وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ حِينَ جَهَّزَهُ إلَى الشَّامِ قَالَ فَقُلْت لِأَبِي مَحْذُورَةَ أَيْ عَمِّ إنِّي خَارِجٌ إلَى الشَّامِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ أُسْأَلَ عَنْ تَأْذِينِكَ فَأَخْبِرْنِي، قَالَ: نَعَمْ قَالَ خَرَجْت فِي نَفَرٍ فَكُنَّا فِي بَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حُنَيْنٍ فَلَقَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْنُ مُتَّكِئُونَ فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ وَنَسْتَهْزِئُ بِهِ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّوْتَ فَأَرْسَلَ إلَيْنَا إلَى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّكُمْ الَّذِي سَمِعْت صَوْتَهُ قَدْ ارْتَفَعَ فَأَشَارَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إلَيَّ وَصَدَقُوا فَأَرْسَلَ كُلَّهُمْ وَحَبَسَنِي. فَقَالَ: قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ فَقُمْت وَلَا شَيْءَ أَكْرَهُ إلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ فَقُمْت بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّأْذِينَ هُوَ نَفْسُهُ فَقَالَ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: ارْجِعْ وَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْت التَّأْذِينَ فَأَعْطَانِي صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ. ثُمَّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ عَلَى كَبِدِهِ، ثُمَّ بَلَغَتْ يَدُهُ سُرَّةَ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَبَارَكَ عَلَيْك فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: قَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ فَذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَرَاهَتِهِ وَعَادَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمْت عَلَى عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَأَخْبَرَنِي ذَلِكَ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ آلِ أَبِي مَحْذُورَةَ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيْرِيزٍ وَأَدْرَكْت إبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ يُؤَذِّنُ كَمَا حَكَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَسَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى مَا حَكَى ابْنُ جُرَيْجٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَسَمِعْته يُقِيمُ فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحَسِبْتُنِي سَمِعْتُهُ يَحْكِي الْإِقَامَةَ خَبَرًا كَمَا يَحْكِي الْأَذَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ كَمَا حُكِيَتْ عَنْ آلِ أَبِي مَحْذُورَةَ فَمَنْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، أَوْ قَدَّمَ مُؤَخَّرًا أَعَادَ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا نَقَصَ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ سَوَاءٌ فِي الْأَذَانِ وَلَا أُحِبُّ التَّثْوِيبَ فِي الصُّبْحِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ لَمْ يَحْكِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّثْوِيبِ فَأَكْرَهُ الزِّيَادَةَ فِي الْأَذَانِ وَأَكْرَهُ التَّثْوِيبَ بَعْدَهُ. .

باب استقبال القبلة بالأذان

[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْأَذَانِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَذَانِهِ إلَّا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ وَلَا وَجْهُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إيذَانٌ بِالصَّلَاةِ وَقَدْ وُجِّهَ النَّاسُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ زَالَ عَنْ الْقِبْلَةِ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، أَوْ صَرَفَ وَجْهَهُ فِي الْأَذَانِ كُلِّهِ، أَوْ بَعْضِهِ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَمْ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى طَهَارَةِ الصَّلَاةِ فَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَمْ يُعِدْ وَكَذَلِكَ آمُرُهُ فِي الْإِقَامَةِ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فَإِنْ كَانَ فِي الْحَالَيْنِ كِلَاهُمَا غَيْرُ طَاهِرٍ كَرِهْتُهُ لَهُ وَهُوَ فِي الْإِقَامَةِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ فَيُصَلِّي النَّاسُ وَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيَكُونُ أَقَلُّ مَا صَنَعَ أَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ بِالِاسْتِخْفَافِ وَأَكْرَهُ أَذَانَهُ جُنُبًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِهِ إلَّا عَابِرُ سَبِيلٍ وَالْمُؤَذِّنُ غَيْرُ عَابِرِ سَبِيلٍ مُجْتَازٍ وَلَوْ ابْتَدَأَ بِالْأَذَانِ طَاهِرًا ثُمَّ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ وَلَمْ يَقْطَعْهُ ثُمَّ تَطَهَّرَ إذَا فَرَغَ مِنْهُ وَسَوَاءٌ مَا انْتَقَضَتْ بِهِ طَهَارَتُهُ فِي أَنْ يَبْنِيَ جَنَابَةً، أَوْ غَيْرَهَا فَإِنْ قَطَعَهُ، ثُمَّ تَطَهَّرَ ثُمَّ رَجَعَ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ وَلَوْ اسْتَأْنَفَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. [بَابُ الْكَلَامِ فِي أَثْنَاء الْأَذَانِ] بَابُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ الْمُؤَذِّنَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ أَذَانِهِ فَإِنْ تَكَلَّمَ بَيْنَ ظَهَرَانِي أَذَانِهِ فَلَا يُعِيدُ مَا أَذَّنَ بِهِ قَبْلَ الْكَلَامِ كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ مَا شَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَرِهْت لَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ كُنْت لَهُ فِي الْإِقَامَةِ أَكْرَهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِقَامَةِ لَمْ يُعِدْ الْإِقَامَةَ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ كَلَامِهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سُكَاتٌ طَوِيلٌ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سُكَاتًا طَوِيلًا أَحْبَبْت لَهُ اسْتِئْنَافُهُ وَلَمْ أُوجِبْ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافَ وَلَوْ أَذَّنَ بَعْضَ الْأَذَانِ ثُمَّ نَامَ، أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ ثُمَّ انْتَبَهَ، أَوْ رَجَعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ أَحْبَبْت أَنْ يَسْتَأْنِفَ تَطَاوَلَ ذَلِكَ، أَوْ قَصُرَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَذَّنَ فِي بَعْضِ الْأَذَانِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ أَحْبَبْت أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَإِنْ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُؤَذِّنُ غَيْرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ اسْتَأْنَفَ وَلَمْ يَبْنِ عَلَى أَذَانِهِ قَرُبَ ذَلِكَ، أَوْ بَعُدَ، فَإِنْ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ لَمْ يُجْزِهِ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الصَّلَاةَ يَبْنِي الْإِمَامُ فِيهَا عَلَى صَلَاةِ إمَامٍ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ فَيُتِمُّ مَا عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يَعُودُ فَيُتِمُّ الْأَذَانَ بَعْدَ فَرَاغِهِ؛ وَلِأَنَّ مَا ابْتَدَأَ مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَلَا يَكُونُ بِأَوَّلِ الْأَذَانِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّكْبِيرِ، ثُمَّ التَّشَهُّدِ وَلَوْ أَذَّنَ بَعْضَ الْأَذَانِ، أَوْ كُلَّهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُتْرَكَ يَعُودُ لِأَذَانٍ وَلَا يُصَلَّى بِأَذَانِهِ وَيَؤُمُّ غَيْرُهُ فِيهِ فَيُؤَذِّنُ أَذَانًا مُسْتَأْنَفًا

باب الرجل يؤذن ويقيم غيره

[بَابُ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ غَيْرُهُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَذَّنَ الرَّجُلُ أَحْبَبْت أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ بِشَيْءٍ يُرْوَى فِيهِ أَنَّ مَنْ أَذَّنَ أَقَامَ وَذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا عُنِيَ بِالْأَذَانِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ وَإِذَا أَقَامَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ يَمْتَنِعُ مِنْ كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ غَيْرُهُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَالصَّلَوَاتِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ فَرَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فَفَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْخُطْبَةِ وَبِلَالٌ مِنْ الْأَذَانِ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ وَصَلَّى الْعَصْرَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا فَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ أَيْضًا قَالَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ {فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] » (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا أَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَذَّنَ لِلْأُولَى وَفِي الْآخِرَةِ يُقِيمُ بِلَا أَذَانٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَا وَصَفْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَمَعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْخَنْدَقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَوْ لَمْ يُجْزِئْ الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا بِأَذَانٍ لَمْ يَدَعْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَ بِالْأَذَانِ وَهُوَ يُمْكِنُهُ (قَالَ) : وَمَوْجُودٌ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كَانَ هَذَا فِي الْأَذَانِ وَكَانَ الْأَذَانُ غَيْرَ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْإِقَامَةِ هَكَذَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ الصَّلَاةِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَمَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الصَّلَاةِ فَقَدْ فَاتَهُ أَنْ يَحْضُرَ أَذَانًا وَإِقَامَةً وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقِمْ وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّهُ إذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ

باب اجتزاء المرء بأذان غيره وإقامته وإن لم يقم له

فَإِنْ تَرَكَ رَجُلٌ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَكَذَلِكَ مَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَفَرَّقَ مِنْ الصَّلَوَاتِ. [بَابُ اجْتِزَاءِ الْمَرْءِ بِأَذَانِ غَيْرِهِ وَإِقَامَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ لَهُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَا قَالَ فَانْتَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الرَّجُلِ وَقَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْزِلُوا فَصَلُّوا فَصَلَّى الْمَغْرِبَ بِإِقَامَةِ ذَلِكَ الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَبِهَذَا نَأْخُذُ وَنَقُولُ يُصَلِّي الرَّجُلُ بِأَذَانِ الرَّجُلِ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ وَبِإِقَامَتِهِ وَأَذَانِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْرَابِيًّا، أَوْ أَسْوَدَ، أَوْ عَبْدًا، أَوْ غَيْرَ فَقِيهٍ إذَا أَقَامَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ خِيَارَ النَّاسِ لِإِشْرَافِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ عَلَى الْوَقْتِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَلَاتِهِمْ» وَذَكَرَ مَعَهَا غَيْرَهَا وَاسْتَحَبَّ الْأَذَانَ لِمَا جَاءَ فِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنَيْنِ» . [بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِكَ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ إلَّا شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ لِلْمُؤَذِّنِ وَأُحِبُّ إذَا اُتُّخِذَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُتَّخَذَ صَيِّتَا وَأَنْ يُتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُسْمِعَ مَنْ لَا يُسْمِعُهُ ضَعِيفُ الصَّوْتِ وَحُسْنُ الصَّوْتِ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ وَالتَّرْغِيبُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ يَدُلُّ عَلَى تَرْتِيلِ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَبْلُغَ غَايَةً مِنْ صَوْتِهِ فِي كَلَامٍ مُتَتَابِعٍ إلَّا مُتَرَسِّلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَذَفَ وَرَفَعَ انْقَطَعَ فَأُحِبُّ تَرْتِيلَ الْأَذَانِ وَتَبَيُّنَهُ بِغَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلَا تَغَنٍّ فِي الْكَلَامِ وَلَا عَجَلَةٍ وَأُحِبُّ فِي الْإِقَامَةِ أَنْ تُدْرَجَ إدْرَاجًا وَيُبَيِّنَهَا مَعَ الْإِدْرَاجِ (قَالَ) : وَكَيْفَمَا جَاءَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أَجْزَآ، غَيْرَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ مَا وَصَفْت

باب الكلام في الأذان بما ليست فيه للناس منفعة

[بَابُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ بِمَا لَيْسَتْ فِيهِ لِلنَّاسِ مَنْفَعَةٌ] بَابُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ رِيحٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَذَا إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِهِ وَإِنْ قَالَهُ فِي أَذَانِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِمَا يُشْبِهُ هَذَا خَلْفَ الْأَذَانِ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ بِمَا لَيْسَتْ فِيهِ لِلنَّاسِ مَنْفَعَةٌ وَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يُعِدْ أَذَانًا وَكَذَلِكَ إذَا تَكَلَّمَ فِي الْإِقَامَةِ كَرِهْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ إقَامَةٍ. [بَابٌ فِي الْقَوْلِ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَإِذَا قَالَ أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا، ثُمَّ سَكَتَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ سَمِعْت مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ مِثْلَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ «إنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ إذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ حَتَّى إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ مُعَاوِيَةُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَبِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ نَقُولُ وَهُوَ يُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِيهِ تَفْسِيرٌ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيَجِبُ لِكُلِّ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ قَارِئٍ أَوْ ذَاكِرٍ أَوْ صَامِتٍ أَوْ مُتَحَدِّثٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، وَفِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَمَنْ كَانَ مُصَلِّيًا مَكْتُوبَةً، أَوْ نَافِلَةً فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا وَأُحِبُّ إذَا فَرَغَ أَنْ يَقُولَ مَا أَمَرْت مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَهُ وَإِنْ قَالَهُ مُصَلٍّ لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَقُولَهُ. [بَابُ جِمَاعِ لُبْسِ الْمُصَلِّي] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ -: إنَّهُ الثِّيَابُ وَهُوَ يُشْبِهُ مَا قِيلَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا لَابِسًا إذَا قَدَرَ عَلَى مَا يَلْبَسُ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الثَّوْبِ، وَالطَّهَارَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي

باب كيفية لبس الثياب في الصلاة

الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ لَا يُصَلِّي إلَّا فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَإِذْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَطْهِيرِ الْمَسْجِدِ مِنْ نَجَسٍ؛ لِأَنَّهُ يُصَلَّى فِيهِ وَعَلَيْهِ فَمَا يُصَلَّى فِيهِ أَوْلَى أَنْ يُطَهَّرَ وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ قَالَ طَهِّرْ ثِيَابَكَ لِلصَّلَاةِ وَتَأَوَّلَهَا غَيْرُهُمْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ) : وَلَا يُصَلِّي الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إلَّا مُتَوَارِيَيْ الْعَوْرَةِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّيَا فِي ثَوْبٍ غَيْرِ طَاهِرٍ أَعَادَا فَإِنْ صَلَّيَا وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَى مُوَارَاةِ عَوْرَتِهِمَا غَيْرَ مُتَوَارِيَيْ الْعَوْرَةِ أَعَادَا عَلِمَا حِينَ صَلَّيَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمَا فِي الْوَقْتِ، أَوْ غَيْرِ الْوَقْتِ، مَنْ أَمَرْتُهُ بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا أَمَرْتُهُ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا وَارَى الْعَوْرَةَ غَيْرُ نَجَسٍ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا دُونَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ لَيْسَ سُرَّتُهُ وَلَا رُكْبَتَاهُ مِنْ عَوْرَتِهِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُغَطِّيَ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ بَدَنِهَا مَا عَدَا كَفَّهَا وَوَجْهَهَا وَمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ نَجَسٌ، أَوْ يَحْمِلُ شَيْئًا نَجِسًا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ صَلَّى يَحْمِلُ كَلْبًا، أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ خَمْرًا أَوْ دَمًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَيْتَةٍ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ ذَلِكَ، أَوْ كَثِيرُهُ وَإِنْ صَلَّى وَهُوَ يَحْمِلُ حَيًّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ غَيْرَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ لَمْ يُعِدْ حَيَّةً كَانَ، أَوْ غَيْرَ حَيَّةٍ وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً أَعَادَ وَالثِّيَابُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَعْلَمَ فِيهَا نَجَاسَةً وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابُ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا يَتَوَقَّوْنَ النَّجَاسَةَ وَلَا يَعْرِفُونَهَا، أَوْ ثِيَابُ الْمُشْرِكِينَ كُلُّهَا، أَوْ أُزُرُهُمْ وَسَرَاوِيلَاتُهُمْ وَقُمُصُهُمْ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِيهِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَهَكَذَا الْبُسُطُ وَالْأَرْضُ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُعْلَمَ نَجَاسَةٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَوَقَّى ثِيَابَ الْمُشْرِكِينَ كُلَّهَا، ثُمَّ مَا يَلِي سِفْلَتِهِمْ مِنْهَا مِثْلُ الْأُزُرِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَثَوْبُ أُمَامَةَ ثَوْبُ صَبِيٍّ. [بَابُ كَيْفِيَّة لُبْسُ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ] بَابُ كَيْفَ لُبْسُ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُصَلِّينَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَاحْتَمَلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُصَلِّينَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارًا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَلَمَّا حَكَى جَابِرٌ مَا وَصَفْت وَحَكَتْ مَيْمُونَةُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُ عَلَيْهَا» دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى فِيمَا صَلَّى فِيهِ مِنْ ثَوْبِهَا مُؤْتَزِرًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتُرُهُ أَبَدًا إلَّا مُؤْتَزِرًا بِهِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَلِمْنَا أَنَّ نَهْيَهُ أَنْ يُصَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ اخْتِيَارًا وَأَنَّهُ يُجْزِي الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَوَارِيَيْ الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا وَصَفْت وَكُلُّ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا كَفَّيْهَا وَوَجْهَهَا وَظَهْرَ قَدَمَيْهَا عَوْرَةٌ فَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الرَّجُلِ فِي صَلَاتِهِ شَيْءٌ مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ فِي صَلَاتِهَا شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهَا قَلَّ، أَوْ كَثُرَ وَمِنْ جَسَدِهَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَمَا يَلِي الْكَفَّ مِنْ مَوْضِعِ مِفْصَلِهَا وَلَا يَعْدُوهُ، عَلِمَا أَمْ لَمْ يَعْلَمَا أَعَادَا الصَّلَاةَ مَعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَنْكَشِفُ بِرِيحٍ، أَوْ سَقْطَةٍ، ثُمَّ يُعَادُ مَكَانَهُ لَا لُبْثَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَبِثَ بَعْدَهَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ إذَا عَاجَلَهُ مَكَانَهُ إعَادَتُهُ أَعَادَ وَكَذَلِكَ هِيَ (قَالَ) : وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي السَّرَاوِيلِ إذَا وَارَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالْإِزَارُ أَسْتَرُ وَأَحَبُّ مِنْهُ (قَالَ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا

باب الصلاة في القميص الواحد

وَعَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ عِمَامَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا وَلَوْ حَبْلًا يَضَعُهُ. [بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَكُونُ فِي الصَّيْدِ أَفَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلْيَزُرَّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يُخِلَّهُ بِشَوْكَةٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَثِيَابُ الْقَوْمِ كَانَتْ صِفَاقًا فَإِذَا كَانَ الْقَمِيصُ صَفِيقًا لَا يَشِفُّ عَنْ لَابِسِهِ صَلَّى فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ وَزَرَّهُ، أَوْ خَلَّهُ بِشَيْءٍ، أَوْ رَبَطَهُ لِئَلَّا يَتَجَافَى الْقَمِيصُ فَيَرَى مِنْ الْجَيْبِ عَوْرَتَهُ، أَوْ يَرَاهَا غَيْرُهُ فَإِنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ، أَوْ ثَوْبٍ مَعْمُولٍ عَمَلَ الْقَمِيصِ مِنْ جُبَّةٍ، أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مَزْرُورٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ يُخَالِفُ الرَّجُلَ يُصَلِّي مُتَوَشِّحًا، التَّوَشُّحُ مَانِعٌ لِلْعَوْرَةِ أَنْ تُرَى وَيُخَالِفُ الْمَرْأَةَ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالْمِقْنَعَةِ، وَالْخِمَارُ وَالْمِقْنَعَةُ سَاتِرَانِ عَوْرَةَ الْجَيْبِ فَإِنْ صَلَّى الرَّجُلُ فِي قَمِيصٍ غَيْرِ مَزْرُورٍ وَفَوْقَهُ عِمَامَةٌ، أَوْ رِدَاءٌ، أَوْ إزَارٌ يَضُمُّ مَوْضِعَ الْجَيْبِ حَتَّى يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَنْكَشِفَ، أَوْ مَا دُونَهُ إلَى الْعَوْرَةِ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ لَمْ تُرَ عَوْرَتُهُ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى حَازِمًا فَوْقَ عَوْرَتِهِ بِحَبْلٍ، أَوْ خَيْطٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

باب ما يصلى عليه مما يلبس ويبسط

يَضُمُّ الْقَمِيصَ حَتَّى يَمْنَعَ عَوْرَةَ الْجَيْبِ وَإِنْ كَانَ الْقَمِيصُ مَزْرُورًا وَدُونَ الْجَيْبِ، أَوْ حِذَاءَهُ شِقٌّ لَهُ عَوْرَةٌ كَعَوْرَةِ الْجَيْبِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ فِيهِ إلَّا كَمَا تُجْزِيهِ فِي الْجَيْبِ وَإِنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ فِيهِ خَرْقٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعَوْرَةِ وَإِنْ قَلَّ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ يَشِفُّ عَنْهُ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ فِيهِ خَرْقٌ عَلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ لَيْسَ بِوَاسِعٍ تُرَى مِنْهُ الْعَوْرَةُ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ تُرَى مِنْهُ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَهَكَذَا الْخَرْقُ فِي الْإِزَارِ يُصَلِّي فِيهِ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي الْقَمِيصِ إلَّا وَتَحْتَهُ إزَارٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ فَوْقَهُ سُتْرَةٌ فَإِنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ يَصِفُهُ وَلَمْ يَشِفَّ كَرِهْت لَهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الرَّجُلِ إذَا صَلَّتْ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ يَصِفُهَا الدِّرْعُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تُصَلِّيَ إلَّا فِي جِلْبَابٍ فَوْقَ ذَلِكَ وَتُجَافِيهِ عَنْهَا لِئَلَّا يَصِفَهَا الدِّرْعُ. [بَابُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِمَّا يُلْبَسُ وَيُبْسَطُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَمِرَةً وَالنَّمِرَةُ صُوفٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى فِي الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَالسِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي رُوحٍ إذَا دُبِغَ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَيُصَلَّى فِي جِلْدِ كُلِّ ذَكِيٍّ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا فَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَذَكَاتُهُ وَغَيْرُ ذَكَاتِهِ سَوَاءٌ لَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الدِّبَاغُ وَجِلْدُ الذَّكِيِّ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَدْبُوغٍ (قَالَ) : وَمَا قُطِعَ مِنْ جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الدِّبَاغُ، وَأَنْهَى الرِّجَالَ عَنْ ثِيَابِ الْحَرِيرِ فَمَنْ صَلَّى فِيهَا مِنْهُمْ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ وَإِنَّمَا تَعَبَّدُوا بِتَرْكِ لُبْسِهَا لَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا حَلَالٌ وَإِنَّ النِّسَاءَ يَلْبَسْنَهَا وَيُصَلِّينَ فِيهَا وَكَذَلِكَ أَنْهَاهُمْ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ خَوَاتِيمَ وَغَيْرَ خَوَاتِيمَ وَلَوْ لَبِسُوهُ فَصَلَّوْا فِيهِ كَانُوا مُسِيئِينَ بِاللُّبْسِ عَاصِينَ إنْ كَانُوا عَلِمُوا بِالنَّهْيِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَنْجَاسِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْجَاسَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ سَوَاءٌ وَالنِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي الذَّهَبِ. [بَابُ صَلَاةِ الْعُرَاةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا غَرِقَ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا عُرَاةً كُلُّهُمْ، أَوْ سُلِبُوا فِي طَرِيقٍ ثِيَابَهُمْ، أَوْ احْتَرَقَتْ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ثَوْبًا وَهُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، صَلَّوْا فُرَادَى وَجَمَاعَةً رِجَالًا وَحْدَهُمْ، قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ وَيَقُومُ إمَامُهُمْ وَسَطُهُمْ وَيَغُضُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَتَنَحَّى النِّسَاءُ فَاسْتَتَرْنَ إنْ وَجَدْنَ سِتْرًا عَنْهُمْ فَصَلَّيْنَ جَمَاعَةً أَمَّتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ وَيَغُضُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَرْكَعْنَ وَيَسْجُدْنَ، وَيُصَلِّينَ قِيَامًا كَمَا وَصَفْت فَإِنْ كَانُوا فِي ضِيقٍ لَا سِتْرَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ عَنْ الرِّجَالِ حَتَّى إذَا صَلَّوْا وَلَّى الرِّجَالُ وُجُوهَهُمْ عَنْهُنَّ حَتَّى يُصَلِّينَ كَمَا وَصَفْت وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إعَادَةٌ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمْ ثَوْبٌ أَمَّهُمْ إنْ كَانَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِن يَقْرَأُ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَعَارَ لِمَنْ بَقِيَ ثَوْبَهُ وَصَلَّوْا وَاحِدًا وَاحِدًا فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يُعِيرَهُمْ ثَوْبَهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَجْزِيهِمْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ لَهُمْ مُكَابَرَتُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ فَإِنْ يُعِيرُهُ لِلنِّسَاءِ، أَوْجَبُ عَلَيْهِ وَيَبْدَأُ بِهِنَّ فَإِذَا فَرَغْنَ أَعَارَ الرِّجَالَ فَإِذَا أَعَارَهُمْ إيَّاهُ لَمْ يَسَعْ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ وَانْتَظَرَ صَلَاةَ غَيْرِهِ لَا يُصَلِّي

باب جماع ما يصلى عليه ولا يصلى من الأرض

حَتَّى يُصَلِّيَ لَابِسًا فَإِنْ صَلَّى وَقَدْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عُرْيَانًا أَعَادَ، خَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ، أَوْ لَمْ يَخَفْهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ، أَوْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَوْبٌ نَجَسٌ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ وَتُجْزِيهِ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا إذَا كَانَ ثَوْبُهُ غَيْرُ طَاهِرٍ وَإِذَا وَجَدَ مَا يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ وَرَقٍ وَشَجَرٍ يَخْصِفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ جِلْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِنَجَسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالٍ إلَّا مُتَوَارِي الْعَوْرَةِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يُوَارِي ذَكَرَهُ وَدُبُرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يُوَارِيَهُمَا مَعًا وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يُوَارِي أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يُوَارِيَ مَا وَجَدَ إلَى مُوَارَاتِهِ سَبِيلًا وَإِذَا كَانَ مَا يُوَارِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ دُونَ الْآخَرِ يُوَارِي الذَّكَرَ دُونَ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَائِلَ دُونَ الذَّكَرِ يَسْتُرُهُ وَدُونَ الدُّبُرِ حَائِلٌ مِنْ أَلْيَتَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فِي قُبُلِهَا وَدُبُرِهَا وَإِذَا كَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ عُرْيَانَيْنِ أَحْبَبْت إنْ وَجَدَ مَا يُوَارِيهَا بِهِ أَنْ يُوَارِيَهَا؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ عَوْرَتِهِ وَإِنْ اسْتَأْثَرَ بِذَلِكَ دُونَهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتُجْزِئُهَا صَلَاتُهَا وَإِنْ مَسَّ ذَكَرَهُ لِيَسْتُرَهُ، أَوْ مَسَّتْ فَرْجَهَا لِتَسْتُرَهُ أَعَادَا الْوُضُوءَ مَعًا وَلَكِنْ لِيُبَاشِرَا مِنْ وَرَاءِ شَيْءٍ لَا يُفْضِيَانِ إلَيْهِ: [بَابُ جِمَاعِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى مِنْ الْأَرْضِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجَدْت هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِي فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُنْقَطِعٌ وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَمَعْقُولٌ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْبَرَةَ مُخْتَلِطَةُ التُّرَابِ بِلُحُومِ الْمَوْتَى وَصَدِيدِهِمْ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ وَذَلِكَ مَيْتَةٌ وَإِنَّ الْحَمَّامَ مَا كَانَ مَدْخُولًا يَجْرِي عَلَيْهِ الْبَوْلُ وَالدَّمُ وَالْأَنْجَاسُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَقْبَرَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْبَرُ فِيهَا الْعَامَّةُ وَذَلِكَ كَمَا وَصَفْت مُخْتَلِطَةُ التُّرَابِ بِالْمَوْتَى وَأَمَّا صَحْرَاءُ لَمْ يُقْبَرْ فِيهَا قَطُّ قَبَرَ فِيهَا قَوْمٌ مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ، ثُمَّ لَمْ يُحَرَّكْ الْقَبْرُ فَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ إلَى جَنْبِ ذَلِكَ الْقَبْرِ، أَوْ فَوْقَهُ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَمْ آمُرْهُ يُعِيدُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ بِأَنَّ التُّرَابَ طَاهِرٌ لَمْ يَخْتَلِطْ فِيهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ قُبِرَ فِيهِ مَيِّتَانِ، أَوْ مَوْتَى فَإِنْ غَابَ أَمْرُهَا عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَنَّهَا مَقْبَرَةٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَقْبَرَةٍ وَأَنْ يَكُونَ يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يُدْفَنْ فِيهَا قَطُّ قَبْلَ مَنْ دُفِنَ فِيهَا وَلَمْ يَنْبُشْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِأَحَدٍ وَاَلَّذِي يُنَجِّسُ الْأَرْضَ شَيْئَانِ: شَيْءٌ يَخْتَلِطُ بِالتُّرَابِ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ وَشَيْءٌ يَتَمَيَّزُ مِنْ التُّرَابِ وَمَا لَا يَخْتَلِطُ مِنْ التُّرَابِ وَلَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مُتَفَرِّقٌ فَإِذَا كَانَ جَسَدًا يَخْتَلِطُ بِالتُّرَابِ وَيُعْقَلُ أَنَّهُ جَسَدٌ قَائِمٌ فِيهِ كَلُحُومِ الْمَوْتَى وَعِظَامِهِمْ وَعَصَبِهِمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ لِغَلَبَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ وَكَيْنُونَتِهِ كَهُوَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَخْتَلِطُ بِهَا هَذَا لَا يُطَهَّرُ وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ الْمَاءُ وَكَذَلِكَ الدَّمُ وَالْخَلَاءُ وَمَا فِي مَعَانِيهِمَا مِمَّا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَسَدًا قَائِمًا وَمِمَّا يُزَالُ إنْ كَانَ مُسْتَجْسِدًا فَيَزُولُ وَيُنَحَّى فَيَخْلُو الْمَوْضِعُ مِنْهُ مَا كَانَ تَحْتَهُ مِنْ تُرَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِحَالِهِ وَشَيْءٌ يَكُونُ كَالْمَاءِ إذَا خَالَطَ التُّرَابَ نَشَّفَهُ، أَوْ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَرْضُ تَطْهُرُ مِنْ هَذَا بِأَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى يَصِيرَ لَا يُوجَدُ وَلَا يُعْقَلُ فِيهَا مِنْهُ جَسَدٌ وَلَا لَوْنٌ. [بَابُ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَمُرَاحِ الْغَنَمِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ كُرَيْزٍ عَنْ

باب استقبال القبلة

الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَدْرَكْتُكُمْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَاخْرُجُوا مِنْهَا فَصَلُّوا فَإِنَّهَا جِنٌّ، مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ أَلَا تَرَوْنَهَا إذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِآنَافِهَا وَإِذَا أَدْرَكْتُكُمْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مُرَاحِ الْغَنَمِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ أَنَّ النَّاسَ يُرِيحُونَ الْغَنَمَ فِي أَنْظَفِ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِبِلُ تَصْلُحُ عَلَى الدَّقَعِ مِنْ الْأَرْضِ فَمَوَاضِعُهَا الَّتِي تُخْتَارُ مِنْ الْأَرْضِ أَدْقَعُهَا وَأَوْسَخُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُرَاحُ وَالْعَطَنُ اسْمَانِ يَقَعَانِ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَعْطَنْ وَلَمْ يُرَوَّحْ إلَّا الْيَسِيرُ مِنْهَا فَالْمُرَاحُ مَا طَابَتْ تُرْبَتُهُ وَاسْتُعْمِلَتْ أَرْضُهُ وَاسْتَذْرَى مِنْ مَهَبِّ الشِّمَالِ مَوْضِعُهُ وَالْعَطَنُ قُرْبَ الْبِئْرِ الَّتِي تُسْقَى مِنْهَا الْإِبِلُ تَكُونُ الْبِئْرُ فِي مَوْضِعٍ وَالْحَوْضُ قَرِيبًا مِنْهَا فَيُصَبُّ فِيهِ فَيُمْلَأُ فَتُسْقَى الْإِبِلُ ثُمَّ تُنَحَّى عَنْ الْبِئْرِ شَيْئًا حَتَّى تَجِدَ الْوَارِدَةُ مَوْضِعًا فَذَلِكَ عَطَنٌ لَيْسَ أَنَّ الْعَطَنَ مُرَاحُ الْإِبِلِ الَّتِي تَبِيتُ فِيهِ نَفْسُهُ وَلَا الْمُرَاحُ مُرَاحُ الْغَنَمِ الَّتِي تَبِيتُ فِيهِ نَفْسِهِ دُونَ مَا قَارَبَهُ وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا جِنٌّ، مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا كَمَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَامَ عَنْ الصَّلَاةِ: اُخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذَا الْوَادِي فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ» فَكَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي قُرْبِ الشَّيْطَانِ فَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قُرْبَ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ لَا لِنَجَاسَةِ مَوْضِعِهَا. وَقَالَ فِي الْغَنَمِ هِيَ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ فَأَمَرَ أَنْ يُصَلَّى فِي مُرَاحِهَا يَعْنِي - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مُرَاحِهَا الَّذِي لَا بَعْرَ فِيهِ وَلَا بَوْلَ (قَالَ) : وَلَا يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنًى غَيْرَهُمَا وَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِتَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدَّلَائِلُ عَنْهُ عَنْ بَعْضِ هَذَا الْإِيضَاحِ (قَالَ) : فَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ بَوْلٌ، أَوْ بَعْرُ الْإِبِلِ أَوْ غَنَمٍ أَوْ ثَلْطُ الْبَقَرِ أَوْ رَوْثُ الْخَيْلِ أَوْ الْحَمِيرِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ نَجَسٌ وَمَنْ صَلَّى قُرْبَهُ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَأَكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةَ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَذَرٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فَمَرَّ بِهِ شَيْطَانٌ فَخَنَقَهُ حَتَّى وَجَدَ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِهِ فَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ أَنْ يُصَلَّى فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا جِنٌّ لِقَوْلِهِ: «اُخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذَا الْوَادِي فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ» اخْتِيَارٌ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْجِنُّ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْمَنَازِلِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَعَ أَنَّ الْإِبِلَ نَفْسَهَا إنَّمَا تَعْمِدُ فِي الْبُرُوكِ إلَى أَدْقَعِ مَكَان تَجِدُهُ وَإِنَّ عَطَنَهَا - وَإِنْ كَانَ غَيْرَ دَقَعٍ - فَحِصَّتُهُ بِمَبَارِكِهَا وَتَمَرُّغِهَا حَتَّى تُدْقِعَهُ، أَوْ تُقَرِّبَهُ مِنْ الْإِدْقَاعِ وَلَيْسَ مَا كَانَ هَكَذَا مِنْ مَوَاضِعِ الِاخْتِيَارِ مِنْ النَّظَافَةِ لِلْمُصَلَّيَاتِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلَعَلَّ أَبْوَالَ الْإِبِلِ وَمَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَأَبْعَارَهُ لَا تُنَجِّسُ فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ. قِيلَ: فَيَكُونُ إذًا نَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ أَبْوَالَهَا وَأَبْعَارَهَا تُنَجِّسُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ كَمَا ذَهَبْت إلَيْهِ وَلَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ أَبْوَالَ الْغَنَمِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ؛ لِأَنَّ لُحُومَهَا تُؤْكَلُ قِيلَ: فَلُحُومُ الْإِبِلِ تُؤْكَلُ وَقَدْ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِهَا فَلَوْ كَانَ مَعْنَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ فِي مُرَاحِهَا عَلَى أَنَّ أَبْوَالَهَا حَلَالٌ لَكَانَتْ أَبْوَالُ الْإِبِلِ وَأَبْعَارُهَا حَرَامًا وَلَكِنْ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا وَصَفْنَا. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97]

كيفية استقبال البيت

وَقَالَ {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] وَقَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَنَصَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ الْبَيْتَ وَالْمَسْجِدَ فَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ فَعَلَيْهِمْ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى مُسْتَقْبِلَهُ وَالنَّاسُ مَعَهُ حَوْلَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَدَلَّهُمْ بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي خَلَقَ لَهُمْ وَالْعُقُولِ الَّتِي رَكَّبَ فِيهِمْ عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَقَصْدِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ قَصْدُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَالْفَرْضُ عَلَى كُلِّ مُصَلِّي فَرِيضَةً، أَوْ نَافِلَةً، أَوْ عَلَى جِنَازَةٍ، أَوْ سَاجِدٍ لِشُكْرٍ، أَوْ سُجُودِ قُرْآنٍ أَنْ يَتَحَرَّى اسْتِقْبَالَ الْبَيْتِ إلَّا فِي حَالَيْنِ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا سَأَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [كَيْفِيَّة اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ] كَيْفَ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَاسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ وَجْهَانِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَيْتِ مِمَّنْ بِمَكَّةَ فِي مَسْجِدِهَا، أَوْ مَنْزِلٍ مِنْهَا أَوْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ فَلَا تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ حَتَّى يُصِيبَ اسْتِقْبَالَ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ صَوَابَ اسْتِقْبَالِهِ بِمُعَايَنَتِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْمَى وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ غَيْرُهُ الْبَيْتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ لَا يَرَى الْبَيْتَ بِغَيْرِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِهِ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ فِي حَالٍ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَسْتَقْبِلُهُ بِهِ صَلَّى وَأَعَادَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْ أَنَّهُ أَصَابَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ إذَا غَابَ عَنْهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مِنْ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَالِ وَالرِّيَاحِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ عَلَى التَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا وَصَلَّى فِي ظُلْمَةٍ وَاجْتَهَدَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ اسْتِقْبَالَهَا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ ظَنٍّ إلَى إحَاطَةٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَعْمَى فَاسْتَقْبَلَ بِهِ رَجُلٌ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ عَلِمَ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّهُ أَخْطَأَ بِهِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ صَلَّى فِي ظُلْمَةٍ حَائِلَةٍ دُونَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ اُسْتُقْبِلَ بِهِ وَهُوَ أَعْمَى، ثُمَّ شَكَّا أَنَّهُمَا قَدْ أَخْطَآ الْكَعْبَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا إعَادَةٌ، وَهُمَا عَلَى الصَّوَابِ إذَا حِيلَ دُونَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ حَتَّى يَعْلَمَا أَنْ قَدْ أَخْطَآ فَيُعِيدَانِ مَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مَكَّةَ لَا يَرَى مِنْهُ الْبَيْتَ، أَوْ خَارِجًا عَنْ مَكَّةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدَعَ كُلَّمَا أَرَادَ الْمَكْتُوبَةَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِ صَوَابِ الْكَعْبَةِ بِالدَّلَائِلِ مِنْ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَالِ وَمَهَبِّ الرِّيحِ وَكُلِّ مَا فِيهِ عِنْدَهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْقِبْلَةِ وَإِذَا كَانَ رِجَالٌ خَارِجُونَ مِنْ مَكَّةَ فَاجْتَهَدُوا فِي طَلَبِ الْقِبْلَةِ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ لَمْ يَسَعْ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَنْ يَتْبَعَ اجْتِهَادَ صَاحِبِهِ وَإِنْ رَآهُ أَعْلَمَ بِالِاجْتِهَادِ مِنْهُ حَتَّى يَدُلُّهُ صَاحِبُهُ عَلَى عَلَامَةٍ يَرَى هُوَ بِهَا أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إلَى مَا رَأَى هُوَ لِنَفْسِهِ آخَرَ إلَى اتِّبَاعِ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ وَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى جِهَتِهِ الَّتِي رَأَى أَنَّ الْقِبْلَةَ فِيهَا وَلَا يَسَعُ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَنْ يَأْتَمَّ بِوَاحِدٍ إذَا خَالَفَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَهُ (قَالَ) : فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ أَعْمَى لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى حَيْثُ رَأَى أَنْ قَدْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا وَوَسِعَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ رَأَى لَهُ بَعْضُهُمْ فَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ تَبِعَ آمَنَهُمْ عِنْدَهُ وَأَبْصَرَهُمْ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى الْأَعْمَى بِرَأْيِ نَفْسِهِ، أَوْ مُنْفَرِدًا كَانَ فِي السَّفَرِ وَحْدَهُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ كَانَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ كُلِّ مَا صَلَّى بِرَأْيِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَنْ دَلَّهُ عَلَى الْقِبْلَةِ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ، أَوْ عَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

استبان الخطأ بعد الاجتهاد في القبلة

وَكَانَ بَصِيرًا وَسِعَهُ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ إذَا كَانَ يُصَدِّقُهُ وَتَصْدِيقُهُ أَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ كَذَبَهُ (قَالَ) : وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَقْبَلَ دَلَالَةَ مُشْرِكٍ وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِ أَمَانَةٍ عَلَى الْقِبْلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَطْبَقَ الْغَيْمُ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا لَمْ يَسَعْ رَجُلًا الصَّلَاةُ إلَّا مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْقِبْلَةِ إمَّا بِجَبَلٍ وَإِمَّا بِبَحْرٍ، أَوْ بِمَوْضِعِ شَمْسٍ إنْ كَانَ يَرَى شُعَاعًا، أَوْ قَمَرٍ إنْ كَانَ يَرَى لَهُ نُورًا، أَوْ مَوْضِعِ نَجْمٍ، أَوْ مَهَبِّ رِيحٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الدَّلَائِلِ وَأَيُّ هَذَا كَانَ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْهِ كُلُّ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ دَلَالَةٌ صَلَّى عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ وَأَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ إذَا وَجَدَ دَلَالَةً وَقَلَّمَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ الدَّلَالَةِ وَإِذَا خَلَا مِنْهَا صَلَّى عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَهَكَذَا إنْ كَانَ أَعْمَى مُنْفَرِدًا، أَوْ مَحْبُوسًا فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ دَخَلَ فِي حَالٍ لَا يَرَى فِيهَا دَلَالَةَ صَلَّى عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَلَا تُجْزِيهِ صَلَاةٌ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَلَى وَقْتٍ وَقِبْلَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى رُؤْيَةِ الدَّلَالَةِ. [اسْتَبَانَ الْخَطَأَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَة] فِيمَنْ اسْتَبَانَ الْخَطَأَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ آتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَابَ الْمَرْءُ عَنْ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي فِيهِ الْبَيْتُ فَاجْتَهَدَ فَرَأَى الْقِبْلَةَ فِي مَوْضِعٍ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى رَآهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَلَّى حَيْثُ رَأَى آخِرًا وَلَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ رَأَى أَوَّلًا وَعَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ (قَالَ) : وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى اجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى الْقِبْلَةَ فِي غَيْرِهِ فَهَذَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا إنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ مَشْرِقًا فَغَمَّتْ السَّمَاءَ سَحَابَةٌ، أَوْ أَخْطَأَ بِدَلَالَةِ رِيحٍ، أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، أَوْ الْقَمَرُ، أَوْ النُّجُومُ فَعَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى مَشْرِقًا، أَوْ مَغْرِبًا لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ عَلَى مَا بَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْخَطَأِ فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْكَعْبَةَ فِي خِلَافِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى إلَيْهِ فَهُوَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى يَقِينِ صَوَابِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ رَجَعَ إلَى يَقِينِ صَوَابِ جِهَتِهَا وَتَبَيَّنَ خَطَأُ جِهَتِهِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى حَيْثُ يَرَى الْبَيْتَ مُجْتَهِدًا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ الشَّرْقَ كُلَّهُ وَاسْتَقْبَلَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ يَقِينًا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ وَيَقِينُ الْخَطَأِ يُوجَدُ بِالْجِهَةِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ غَيْرُ يَقِينِ عَيْنٍ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ تَحَرَّفَ وَهُوَ مُسْتَيْقِنُ الْجِهَةِ فَالتَّحَرُّفُ لَا يَكُونُ يَقِينَ خَطَأٍ وَذَلِكَ أَنْ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ قَرِيبًا: مِثْلُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ شَرْقًا فَاسْتَقْبَلَ الشَّرْقَ، ثُمَّ رَأَى قِبْلَتَهُ مُنْحَرِفَةً عَنْ جِهَتِهِ الَّتِي اسْتَقْبَلَ يَمِينًا، أَوْ يَسَارًا وَتِلْكَ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ مُشْرِقَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إنْ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ وَلَا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَنْ يُلْغِيَ مَا مَضَى مِنْهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرِفَ إلَى اجْتِهَادِهِ الْآخَرِ فَيُكْمِلَ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ يَقِينِ خَطَأٍ إلَى يَقِينِ صَوَابِ جِهَةٍ وَلَا عَيْنٍ وَإِنَّمَا رَجَعَ مِنْ اجْتِهَادِهِ بِدَلَالَةٍ إلَى اجْتِهَادٍ بِمِثْلِهَا يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ الْأَوَّلُ أَصْوَبَ مِنْ الْآخَرِ غَيْرَ أَنَّهُ إنَّمَا كُلِّفَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ حَيْثُ يَدُلُّهُ اجْتِهَادُهُ عَلَى الْقِبْلَةِ (قَالَ) : وَهَكَذَا إنْ رَأَى بَعْدَ الِاجْتِهَادِ الثَّانِي وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ انْحَرَفَ قَلِيلًا يَنْحَرِفُ إلَى حَيْثُ يَرَى تَكْمُلُ صَلَاتُهُ وَاعْتَدَّ بِمَا مَضَى فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَعْمَى انْحَرَفَ الْأَعْمَى بِتَحَرُّفِهِ وَلَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُنْتَقَضُ فِيهِ صَلَاتُهُ بِيَقِينِ خَطَأِ الْقِبْلَةِ تُنْتَقَضُ صَلَاةُ الْأَعْمَى مَعَهُ إذَا أَعْلَمَهُ فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ ذَلِكَ فِي مَقَامِهِ فَأَعْلَمَهُ إيَّاهُ بَعْدُ أَعَادَ الْأَعْمَى وَإِنْ اجْتَهَدَ بَصِيرٌ فَتَوَجَّهَ، ثُمَّ عَمِيَ بَعْدَ التَّوَجُّهِ فَلَهُ أَنْ

باب الحالين اللذين يجوز فيهما استقبال غير القبلة

يَمْضِي عَلَى جِهَتِهِ فَإِنْ اسْتَدَارَ عَنْهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ أَدَارَهُ غَيْرُهُ قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ صَلَاتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَسْتَقْبِلَ لَهَا اجْتِهَادًا بِغَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ صَلَّاهَا وَأَعَادَهَا مَتَى وَجَدَ مُجْتَهِدًا بَصِيرًا غَيْرَهُ وَإِنْ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ، أَوْ جَمَاعَةٌ فَرَأَوْا الْقِبْلَةَ فِي مَوْضِعٍ فَصَلَّوْا إلَيْهَا جَمَاعَةً وَأَبْصَرَ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ قَدْ أَخْطَأَ وَأَنَّ الْقِبْلَةَ مُنْحَرِفَةٌ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ انْحِرَافًا قَرِيبًا انْحَرَفَ إلَيْهِ فَصَلَّى لِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ إمَامَةِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ وَصَارَ إمَامًا لِنَفْسِهِ فَصَلَاتُهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ مُذْ خَرَجَ إلَى إمَامَةِ نَفْسِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ اسْتَأْنَفَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ وَيَسْتَقْبِلَ حَيْثُ رَأَى الْقِبْلَةَ (قَالَ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَآخِرِهَا مَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ رَأَى الْقِبْلَةَ مُنْحَرِفَةً عَنْ حَيْثُ تَوَجَّهَ تَوَجَّهَ إلَى حَيْثُ رَأَى وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ وَرَاءَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِتَوَجُّهِهِ إلَّا أَنْ يَرَى مِثْلَ رَأْيِهِ فَمَنْ حَدَثَ لَهُ مِنْهُمْ مِثْلُ رَأْيِهِ تَوَجَّهَ بِتَوَجُّهِهِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِثْلَ رَأْيِهِ خَرَجَ مِنْ إمَامَتِهِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَ هَذَا وَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِمَامَ أَخْرَجَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ إمَامَتِهِمْ فَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ صَلَاتَهُمْ بِحَالٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ صَلَاةَ نَفْسِهِ، أَوْ انْصَرَفَ لِرُعَافٍ، أَوْ غَيْرِهِ بَنَوْا؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ نَفْسِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ لَا هُمْ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مُخْرِجُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ إمَامَتِهِ لَا هُوَ قَالَ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْأَوَّلِينَ بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَبْنُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ مَعَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا فَعَلُوا وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ فَثُبُوتُهُ عَلَى مَا فَعَلَ قَدْ يَكُونُ إخْرَاجًا لِنَفْسِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ وَبِهِ أَقُولُ وَإِذَا اجْتَهَدَ الرَّجُلُ فِي الْقِبْلَةِ فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ شَكَّ وَلَمْ يَرَ الْقِبْلَةَ فِي غَيْرِ اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قِبْلَةٍ مَا لَمْ يَرَ غَيْرَهَا وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي هَذَا سَوَاءٌ وَإِذَا اجْتَهَدَ بِالْأَعْمَى فَوَجَّهَهُ لِلْقِبْلَةِ فَرَأَى الْقِبْلَةَ فِي غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي وُجِّهَ لَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ حَيْثُ رَأَى؛ لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ وَإِنْ قَالَ لَهُ غَيْرُهُ قَدْ أَخْطَأَ بِكَ الَّذِي اجْتَهَدَ لَكَ فَصَدَّقَهُ انْحَرَفَ إلَى حَيْثُ يَقُولُ لَهُ غَيْرُهُ وَمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مُجْزِئٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَهَدَ بِهِ مَنْ لَهُ قَبُولُ اجْتِهَادِهِ (قَالَ) : وَإِذَا حُبِسَ الرَّجُلُ فِي ظُلْمَةٍ وَحَيْثُ لَا دَلَالَةَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا دَلِيلَ يُصَدِّقُهُ فَهُوَ كَالْأَعْمَى يَتَأَخَّى وَيُصَلِّي عَلَى أَكْثَرِ مَا عِنْدَهُ وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِلَا دَلَالَةٍ وَقَدْ قِيلَ: يَسَعُ الْبَصِيرَ إذَا عَمِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ فَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ لَهُ الْقِبْلَةَ فَدَلَّهُ عَلَى جِهَةِ مُشَرَّقَةٍ وَالْقِبْلَةُ مُغَرَّبَةٌ أَعَادَ كُلَّ مَا صَلَّى وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ أَخْطَأَ بِهِ قَرِيبًا مُنْحَرِفًا أَحْبَبْت أَنْ يُعِيدَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَالِهِ تِلْكَ لَهُ إذَا صَدَّقَهُ كَاجْتِهَادِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى دَلَالَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ يُفَارِقُ الْأَعْمَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَوْ أَنَّ بَصِيرًا اجْتَهَدَ لِأَعْمَى، ثُمَّ قَالَ لَهُ غَيْرُهُ قَدْ أَخْطَأَ بِكَ فَشَرِّقَ، وَالْقِبْلَةُ مُغَرَّبَةٌ فَلَمْ يَدْرِ لَعَلَّهُ صَدَقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ كَخَبَرِ الْآخَرِ إذَا كَانَا عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَأَيُّهُمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ (قَالَ) : وَالْبَصِيرُ إنَّمَا يُصَلِّي بِيَقِينٍ، أَوْ اجْتِهَادِ نَفْسِهِ وَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ شَاكٌّ لَا يَرَى الْقِبْلَةَ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ أَعَادَ وَلَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَهُوَ يَرَى الْقِبْلَةَ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَوْضِعَانِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَصَلَّى حَيْثُ يَرَاهَا فَإِنْ صَلَّى وَلَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَعَادَ وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَتَحَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ، ثُمَّ رَآهَا حَيْثُ افْتَتَحَ فَمَضَى عَلَى صَلَاتِهِ أَعَادَ لَا تُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْتَتِحَهَا حَيْثُ يَرَاهَا. [بَابُ الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْحَالَانِ اللَّذَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] إلَى {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] الْآيَةَ قَالَ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ خَائِفِينَ مَحْرُوسِينَ بِالصَّلَاةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ لِلْجِهَةِ الَّتِي وَجَّهَهُمْ لَهَا مِنْ الْقِبْلَةِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] إلَى رُكْبَانًا فَدَلَّ إرْخَاصُهُ فِي أَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا عَلَى أَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَذِنَ لَهُمْ فِيهَا بِأَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا مِنْ الْخَوْفِ غَيْرُ الْحَالِ الْأُولَى الَّتِي أَمَرَهُمْ فِيهَا أَنْ يَحْرُسَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَعَلِمْنَا أَنَّ الْخَوْفَيْنِ مُخْتَلِفَانِ وَأَنَّ الْخَوْفَ الْآخَرَ الَّذِي أَذِنَ لَهُمْ فِيهِ أَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا لَا يَكُونُ إلَّا أَشَدَّ مِنْ الْخَوْفِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا حَيْثُ تَوَجَّهُوا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَقُعُودًا عَلَى الدَّوَابِّ وَقِيَامًا عَلَى الْأَقْدَامِ، وَدَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ، ثُمَّ قَصَّ الْحَدِيثَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ مَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ إلَّا عِنْدَ إطْلَالِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُسَايَفَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَدُنُوِّ الزَّحْفِ مِنْ الزَّحْفِ فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَإِلَّا صَلَّوْا مُسْتَقْبِلِي حَيْثُ يَقْدِرُونَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ، أَوْمَئُوا إيمَاءً، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَهُمْ الْعَدُوُّ فَأَطَلُّوا عَلَيْهِمْ صَلَّوْا مُتَوَجِّهِينَ عَلَى دَوَابِّهِمْ يُومِئُونَ إيمَاءً وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْحَالَيْنِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا يُنْقِصُونَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَاةِ شَيْئًا وَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِتَيَمُّمٍ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا؛ لِأَنَّهُ مَحُولٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ وَسَوَاءٌ أَيْ عَدُوٌّ أَطَلَّ عَلَيْهِمْ أَكُفَّارٌ أَمْ لُصُوصٌ أَمْ أَهْلُ بَغْيٍ أَمْ سِبَاعٌ أَمْ فَحَوْلُ إبِلٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُخَافُ إتْلَافُهُ وَإِنْ طَلَبَهُمْ الْعَدُوُّ فَنَأَوْا عَنْ الْعَدُوِّ حَتَّى يُمْكِنَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا بِلَا خَوْفِ أَنْ يُرْهَقُوا لَمْ يَكُنْ إلَّا النُّزُولُ وَالصَّلَاةُ بِالْأَرْضِ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِنْ خَافُوا الرَّهَقَ صَلَّوْا رُكْبَانًا وَإِنْ صَلَّوْا رُكْبَانًا يُومِئُونَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمِنُوا الْعَدُوَّ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزِلُوا فَيُصَلُّوا مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ اسْتَأْنَفُوا الصَّلَاةَ بِالْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي سَفَرٍ يُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ طَالِبِي الْعَدُوِّ فَطَلَبُوهُمْ طَلَبًا لَمْ يَأْمَنُوا رَجْعَةَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَلَّوْا هَكَذَا، وَإِنْ كَانُوا إذَا وَقَفُوا عَنْ الطَّلَبِ، أَوْ رَجَعُوا أَمِنُوا رَجْعَتَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا فَيُصَلُّوا وَيَدَعُوا الطَّلَبَ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوهُمْ وَيَدَعُوا الصَّلَاةَ بِالْأَرْضِ إذَا أَمْكَنَهُمْ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ نَافِلَةٌ فَلَا تُتْرَكُ لَهَا الْفَرِيضَةُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَا وَصَفْت مِنْ الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ رُكْبَانًا وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَظْلُومًا وَلَا يَكُونُ هَذَا لِفِئَةٍ بَاغِيَةٍ وَلَا رَجُلٍ قَاتِلٍ عَاصٍ بِحَالٍ وَعَلَى مَنْ صَلَّاهَا كَذَا وَهُوَ ظَالِمٌ بِالْقِتَالِ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهَذِهِ الْحَالِ وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ يَقْطَعُ سَبِيلًا، أَوْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ فَخَافَ سَبُعًا، أَوْ جَمَلًا صَائِلًا صَلَّى يُومِئُ وَأَعَادَ إذَا أَمِنَ وَلَا رُخْصَةَ عِنْدَنَا لِعَاصٍ إذَا وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ بِحَالٍ: الْحَالُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ إذَا تَطَوَّعَ رَاكِبًا أَنْ يُصَلِّيَ رَاكِبًا حَيْثُ تَوَجَّهَ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا مُتَطَوِّعًا رَاكِبًا صَلَّى النَّوَافِلَ حَيْثُ

تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَصَلَّاهَا عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ قَدَرَ عَلَى رُكُوبِهَا حِمَارًا، أَوْ بَعِيرًا، أَوْ غَيْرَهُ وَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ، أَوْ السُّجُودَ، أَوْمَأَ إيمَاءً وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُسَافِرًا وَلَا مُقِيمًا إذَا كَانَ غَيْرَ خَائِفٍ صَلَاةً وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِحَالٍ مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا، أَوْ فَائِتَةً، أَوْ صَلَاةَ نَذْرٍ، أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ، أَوْ صَلَاةً عَلَى جِنَازَةٍ (قَالَ) : وَبِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الرَّجُلِ يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ الصَّلَاةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا فَقُلْنَا لَا يُجْزِيهِ فِيهَا إلَّا مَا يُجْزِيهِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ مِنْ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مُتَطَوِّعًا ثُمَّ زَعَمْنَا أَنَّهُ غَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِيهَا بِلَا إيجَابٍ لَهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْوَاجِبِ وَهُوَ يَزْعُمُ كَمَا نَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي وَاجِبًا لِنَفْسِهِ إلَّا وَاجِبًا، أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مُسَافِرًا إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ وَأَنَّ الْمُتَطَوِّعَ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي النَّوَافِلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ النَّوَافِلَ فِي كُلِّ جِهَةٍ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ» وَإِذَا كَانَ الْمُسَافِرُ مَاشِيًا لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَيُكَبِّرَ ثُمَّ يَنْحَرِفَ إلَى جِهَتِهِ فَيَمْشِي فَإِذَا حَضَرَ رُكُوعُهُ لَمْ يُجْزِهِ فِي الرُّكُوعِ وَلَا فِي السُّجُودِ إلَّا أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَهِيَ عَلَى الرَّاكِبِ (قَالَ) : وَسُجُودُ الْقُرْآنِ وَالشُّكْرِ وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ نَافِلَةٌ فَلِلرَّاكِبِ أَنْ يُومِئَ بِهِ إيمَاءً وَعَلَى الْمَاشِي أَنْ يَسْجُدَ بِهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ وَلَا يَكُونُ لِلرَّاكِبِ فِي مِصْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً إلَّا كَمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ إلَى قِبْلَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ وَمَا تَجْزِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ فَرْضِ الْمُصَلِّينَ سَوَاءٌ إلَّا حَيْثُ دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَرْخَصَ لَهُمْ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ قَصِيرُ السَّفَرِ وَطَوِيلُهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ مُسَافِرًا يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَطَوِّعًا كَمَا يَكُونُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ اسْمِ سَفَرٍ وَكَذَلِكَ لَوْ رَكِبَ مَحْمِلًا، أَوْ حِمَارًا، أَوْ غَيْرَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ مَرْكَبُهُ وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مُتَطَوِّعًا رَاكِبًا مُسَافِرًا ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مِصْرِهِ وَلَا مَوْضِعِ مَقَامٍ لَهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ فَيَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْأَرْضِ وَكَذَلِكَ إذَا نَزَلَ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ فِي سَفَرِهِ لَيْسَتْ مِصْرَهُ وَلَا يُرِيدُ النُّزُولَ بِهَا فَهِيَ مِنْ سَفَرِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا مُصَلِّيًا عَلَى بَعِيرِهِ وَإِنْ نَزَلَ فِي سَفَرِهِ مَنْزِلًا فِي صَحْرَاءَ، أَوْ قَرْيَةٍ فَسَوَاءٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي افْتَتَحَ بِإِكْمَالِهَا بِالسَّلَامِ فَإِنْ رَكِبَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا فَهُوَ قَاطِعٌ لَهَا وَلَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا عَلَى الْبَعِيرِ حَتَّى يَفْتَتِحَ عَلَى الْبَعِيرِ صَلَاةً بَعْدَ فِرَاقِهِ النُّزُولَ وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَاشِيًا وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَرْضِ مُسَافِرًا فَأَرَادَ رُكُوبَ الْبَعِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَيُسَلِّمَ فَإِنْ فَعَلَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَرَأَ ثُمَّ نَزَلَ فَسَجَدَ بِالْأَرْضِ كَانَ قَاطِعًا لِصَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ

باب الصلاة في الكعبة

الرُّكُوبِ عَمَلٌ يَطُولُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا فَأَرَادَ النُّزُولَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الصَّلَاةَ وَأَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ أَخَفُّ فِي الْعَمَلِ مِنْ الرُّكُوبِ وَإِذَا نَزَلَ رَكَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَإِذَا نَزَلَ، ثُمَّ رَكِبَ قَطَعَ الصَّلَاةَ بِالرُّكُوبِ كَمَا وَصَفْت بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ إذَا نَزَلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا فَإِنْ انْحَرَفَتْ بِهِ طَرِيقُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ انْحَرَفَتْ عَنْ جِهَتِهِ حَتَّى يُوَلِّيَهَا قَفَاهُ كُلَّهُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ يَسْلُكُهَا فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي انْحَرَفَ إلَيْهَا وَلَوْ غَبَّتْهُ دَابَّتُهُ، أَوْ نَعَسَ فَوَلَّى طَرِيقَهُ قَفَاهُ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ فَإِنْ رَجَعَ مَكَانَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ تَطَاوَلَ سَاهِيًا، ثُمَّ ذَكَر مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ ثَبَتَ وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْحَرِفَ ذَاكِرًا؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَلَمْ يَنْحَرِفْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا رَكِبَ فَأَرَادَ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَأَخِّي الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ أَنْ يَجْعَلَ قِبْلَتَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَ مَرْكَبُهُ فَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَبَعِيرُهُ وَاقِفٌ قِبَلَ الْقِبْلَةِ مُنْحَرِفًا عَنْ طَرِيقِهِ افْتَتَحَهَا عَلَى الْقِبْلَةِ وَمَضَى عَلَى بَعِيرِهِ وَإِنْ افْتَتَحَهَا وَبَعِيرُهُ وَاقِفٌ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَفْتَتِحُهَا إلَّا وَبَعِيرُهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى قِبْلَةٍ، أَوْ إلَى طَرِيقِهِ حِينَ يَفْتَتِحُهَا، فَأَمَّا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ لِرَاكِبِ السَّفِينَةِ وَلَا الرَّمَثِ وَلَا شَيْءٍ مِمَّا يُرْكَبُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ السَّفِينَةُ وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرِفَ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِنْ غَرِقَ فَتَعَلَّقَ بِعُودٍ صَلَّى عَلَى جِهَتِهِ يُومِئُ إيمَاءً، ثُمَّ أَعَادَ كُلَّ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا بِتِلْكَ الْحَالِ إذَا صَلَّاهَا إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى إلَى قِبْلَةٍ بِتِلْكَ الْحَالِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يُومِئُ وَلَا يُعِيدُ لِلضَّرُورَةِ وَيُصَلِّي مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ لِلضَّرُورَةِ فَيُعِيدُ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ كَيْفَ أَمْكَنَهُ وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ مَكْتُوبَةً بِحَالٍ. [بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَسَأَلْت بِلَالًا مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ قَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى قَالَ وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ يَوْمئِذٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ النَّافِلَةَ وَالْفَرِيضَةَ وَأَيُّ الْكَعْبَةِ اسْتَقْبَلَ الَّذِي يُصَلِّي فِي جَوْفِهَا فَهُوَ قِبْلَةٌ كَمَا يَكُونُ الْمُصَلِّي خَارِجًا مِنْهَا إذَا اسْتَقْبَلَ بَعْضَهَا كَانَ قِبْلَتَهُ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ بَابَهَا فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بُنْيَانِهَا يَسْتُرُهُ لَمْ يُجْزِهِ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى وَرَاءَ ظَهْرِهَا فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بُنْيَانِهَا شَيْءٌ يَسْتُرُهُ لَمْ يُجْزِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ وَإِنْ بُنِيَ فَوْقَهَا مَا يَسْتُرُ الْمُصَلِّيَ فَصَلَّى فَوْقَهَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِيهَا نَافِلَةً جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ

باب النية في الصلاة

فَرِيضَةً وَلَا مَوْضِعَ أَطْهَرُ مِنْهَا وَلَا أَوْلَى بِالْفَضْلِ، إلَّا أَنَّا نُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ خَارِجٌ مِنْهَا فَأَمَّا الصَّلَاةُ الْفَائِتَةُ فَالصَّلَاةُ فِيهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ خَارِجًا مِنْهَا وَكُلُّ مَا قَرُبَ مِنْهَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا بَعُدَ [بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَوَاتِ وَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَوَقْتَهَا وَمَا يُعْمَلُ فِيهِنَّ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَأَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُنَّ نَافِلَةً وَفَرْضًا

باب ما يدخل به في الصلاة من التكبير

فَقَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] ، ثُمَّ أَبَانَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ بَيِّنًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إذَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ نَافِلَةٌ وَفَرْضٌ وَكَانَ الْفَرْضُ مِنْهَا مُؤَقَّتًا أَنْ لَا تُجْزِيَ عَنْهُ صَلَاةٌ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَهَا مُصَلِّيًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ عَلَى الْمُصَلِّي فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُتَطَهِّرًا وَبَعْدَ الْوَقْتِ وَمُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ وَيَنْوِيَهَا بِعَيْنِهَا وَيُكَبِّرَ فَإِنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالنِّيَّةُ لَا تَقُومُ مَقَامَ التَّكْبِيرِ وَلَا تَجْزِيهِ النِّيَّةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ التَّكْبِيرِ لَا تَتَقَدَّمُ التَّكْبِيرَ وَلَا تَكُونُ بَعْدَهُ فَلَوْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ، ثُمَّ عَزَبَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ بِنِسْيَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى لَمْ تُجْزِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى صَلَاةً بِعَيْنِهَا ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي قَامَ لَهَا بِعَيْنِهَا وَثَبَتَتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إمَّا صَلَاةٌ فِي وَقْتِهَا وَإِمَّا صَلَاةٌ فَائِتَةٌ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا بِعَيْنِهَا وَهِيَ لَا تُجْزِيهِ حَتَّى يَنْوِيَهَا بِعَيْنِهَا لَا يَشُكُّ فِيهَا وَلَا يَخْلِطُ بِالنِّيَّةِ سِوَاهَا وَكَذَلِكَ لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ لَمْ يَدْرِ أَهِيَ الظُّهْرُ، أَوْ الْعَصْرُ فَكَبَّرَ يَنْوِي الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالنِّيَّةِ قَصْدَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا فَاتَتْ الرَّجُلَ صَلَاةٌ لَمْ يَدْرِ أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ بِعَيْنِهَا صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يَنْوِي بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ لَهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاتَانِ يَعْرِفُهُمَا فَدَخَلَ فِي إحْدَاهُمَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهمَا نَوَى وَصَلَّى لَمْ تُجْزِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَلَا تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الَّتِي نَوَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ النِّيَّةُ فَصَلَّى الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا وَالنِّيَّةُ مُجْزِئَةٌ لَهُ وَعُزُوبُ النِّيَّةِ لَا يُفْسِدُهَا إذَا دَخَلَهَا وَهِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ إذَا لَمْ يَصْرِفْ النِّيَّةَ عَنْهَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ فِي صَلَاةٍ بِنِيَّةٍ، ثُمَّ صَرَفَ النِّيَّةَ إلَى صَلَاةٍ غَيْرِهَا، أَوْ صَرَفَ النِّيَّةَ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، ثُمَّ أَعَادَ النِّيَّةَ إلَيْهَا فَقَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَسَاعَةَ يَصْرِفُ النِّيَّةَ عَنْهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَهَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَيَعْمَلُ فِيهَا أَمْ يَدَعُ؟ فَسَدَتْ عَلَيْهِ إذَا أَزَالَ نِيَّتَهُ عَنْ الْمُضِيِّ عَلَيْهَا بِحَالٍ وَلَيْسَ كَاَلَّذِي نَوَى، ثُمَّ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ وَلَمْ يَصْرِفْهَا إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ذِكْرُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ حِينٍ فِيهَا إذَا دَخَلَ بِهَا وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِنًا أَنَّهُ دَخَلَهَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ دَخَلَهَا بِنِيَّةٍ أَمْ لَا، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا عَمَلًا أَجْزَأَتْهُ وَالْعَمَلُ فِيهَا قِرَاءَةٌ، أَوْ رُكُوعٌ، أَوْ سُجُودٌ وَلَوْ كَانَ شَكُّهُ هَذَا وَقَدْ سَجَدَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ فِيهَا كَانَ هَذَا عَمَلًا وَإِذَا عَمِلَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِي نِيَّتِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهَا شَيْئًا أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَلَوْ دَخَلَ الصَّلَاةَ بِنِيَّةٍ، ثُمَّ صَرَفَ النِّيَّةَ إلَى صَلَاةٍ غَيْرِهَا نَافِلَةٍ، أَوْ فَرِيضَةٍ فَتَمَّتْ نِيَّتُهُ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي صَرَفَهَا إلَيْهَا لَمْ تُجْزِ عَنْهُ الصَّلَاةُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلَ فِيهَا يَنْوِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ النِّيَّةَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا وَلَا تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَرَفَ إلَيْهَا النِّيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْهَا وَإِنْ نَوَاهَا وَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَوَاهَا لَمْ تُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَهَا بِالنِّيَّةِ وَلَوْ فَاتَتْهُ ظُهْرٌ وَعَصْرٌ فَدَخَلَ فِي الظُّهْرِ يَنْوِي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ النِّيَّةَ لِلظُّهْرِ وَلَا الْعَصْرِ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ لَا يَدْرِي أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ فَكَبَّرَ يَنْوِيهَا لَمْ تُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهَا بِعَيْنِهَا. [بَابُ مَا يَدْخُلُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ التَّكْبِيرِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ أَحْسَنَ التَّكْبِيرَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا

فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ نَفْسِهِ، وَالتَّكْبِيرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ نَفْسِهِ وَلَوْ قَالَ اللَّهُ الْكَبِيرُ اللَّهُ الْعَظِيمُ، أَوْ اللَّهُ الْجَلِيلُ، أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ مَا ذَكَرَ اللَّهَ بِهِ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ نَفْسِهِ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَعْظَمُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا فَقَدْ كَبَّرَ وَزَادَ شَيْئًا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ وَالزِّيَادَةُ نَافِلَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَهَكَذَا التَّكْبِيرُ وَزِيَادَةُ الْأَلْفِ وَاللَّامِ لَا تُحِيلُ مَعْنَى التَّكْبِيرِ وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ كَبَّرَ بِلِسَانِهِ مَا كَانَ وَأَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّكْبِيرَ وَالْقُرْآنَ وَالتَّشَهُّدَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ عَلِمَ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ إلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ وَأَلْسِنَةً سِوَاهَا فَأَتَى بِالتَّكْبِيرِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا يَجْزِيهِ التَّكْبِيرُ بِلِسَانِهِ مَا لَمْ يُحْسِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا أَحْسَنَهَا لَمْ يُجْزِهِ التَّكْبِيرُ إلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ قَالَ كَلِمَةً مِمَّا وَصَفْت أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا بِهَا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَغْفَلَ التَّكْبِيرَ فَصَلَّى فَأَتَى عَلَى جَمِيعِ عَمَلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، أَوْ إمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا يُصَلِّي رَكْعَةً، أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَكَانَهُ يَنْوِي بِهِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَأَلْغَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَكَانَ حِينَ كَبَّرَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَلَا أُبَالِي أَنْ لَا يُسَلِّمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَ إمَامٍ، أَوْ مُنْفَرِدًا فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ الِاسْتِئْنَافُ وَلَا يَزُولُ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ وَإِنْ زَالَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ، ثُمَّ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ مِنْ سَاعَتِهِ الَّتِي كَبَّرَ فِيهَا وَلَا يَمْضِي فِي صَلَاةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إذَا لَمْ يُكَبِّرْ لِلدُّخُولِ فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَأَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، أَوْ رَاكِعًا فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً فَإِنْ نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَتْهُ وَكَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَبَّرَ لَا يَنْوِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَبَّرَ يَنْوِي تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَجَعَلَ النِّيَّةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ التَّكْبِيرِ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا ذَكَرَ فِيمَا ذَكَرْت أَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَأْنَفَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا الِافْتِتَاحَ كَانَ حِينَئِذٍ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَإِنْ ذَكَرَ فِيمَا قُلْت هُوَ فِيهِ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ وَكَبَّرَ يَنْوِي الْمَكْتُوبَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْتُوبَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُسَلِّمَ مِنْهَا، ثُمَّ يَدْخُلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِتَكْبِيرٍ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ النَّافِلَةِ وَلَوْ كَبَّرَ وَنَوَى الْمَكْتُوبَةَ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَهُوَ رَاكِعٌ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا يَجْزِيهِ حَتَّى يُكَبِّرَ قَائِمًا فَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَدْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ (قَالَ) : وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا يَنْوِي الْمَكْتُوبَةَ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إلَّا بِمَا وَصَفْت، وَإِنْ نَقَّصَ مِنْ التَّكْبِيرِ حَرْفًا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِإِكْمَالِهِ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَلَوْ أَبْقَى مِنْ التَّكْبِيرِ حَرْفًا أَتَى بِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، أَوْ مُنْحَنٍ لِلرُّكُوعِ، أَوْ غَيْرُ قَائِمٍ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَكَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ حَتَّى يَقْطَعَ بِسَلَامٍ، ثُمَّ يَعُودَ قَائِمًا فَيُكْمِلَ التَّكْبِيرَ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَمْ يَنْطِقْ بِالرَّاءِ مِنْ التَّكْبِيرِ إلَّا رَاكِعًا، أَوْ يَحْذِفَ الرَّاءَ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُكْمِلًا لِلتَّكْبِيرِ وَإِنْ قَالَ الْكَبِيرُ اللَّهُ لَمْ أَرَهُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ شَيْئًا

باب من لا يحسن القراءة وأقل فرض الصلاة

مِنْ الْقُرْآنِ لَا تَجْزِيهِ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ قَدَّمَ مِنْهُ وَأَخَّرَ وَأَتَى عَلَيْهِ رَأَيْت أَنْ يُعِيدَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ مُتَتَابِعًا كَمَا أُنْزِلَ وَإِذَا كَانَ بِالْمُصَلِّي خَبَلُ لِسَانٍ حَرَّكَهُ بِالتَّكْبِيرِ مَا قَدَرَ وَبَلَغَ مِنْهُ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الَّذِي قَدْ أَطَاقَ مِنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْأَخْرَسُ وَمَقْطُوعُ اللِّسَانِ وَمَنْ بِلِسَانِهِ عَارِضٌ مَا كَانَ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ وَيُبَيِّنَهُ وَلَا يَمْطُطْهُ وَلَا يَحْذِفْهُ وَلِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَّا الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُسْمِعُهُ نَفْسَهُ وَمَنْ إلَى جَنْبِهِ إنْ شَاءَ لَا يُجَاوِزُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلَا الْمَأْمُومُ وَأَسْمَعَاهُ أَنْفُسَهُمَا أَجْزَأَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُسْمِعَاهُ أَنْفُسَهُمَا لَمْ يَجْزِهِمَا وَلَا يَكُونُ تَكْبِيرًا مُجْزِئًا حَتَّى يُسْمِعَاهُ أَنْفُسَهُمَا وَكُلُّ مُصَلٍّ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ فِي التَّكْبِيرِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَا يُجَاوِزْنَ فِي التَّكْبِيرِ اسْتِمَاعَ أَنْفُسِهِنَّ وَإِنْ أَمَّتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ أَحْبَبْت أَنْ تُسْمِعَهُنَّ وَتَخْفِضَ صَوْتًا عَلَيْهِنَّ فَإِذَا كَبَّرْنَ خَفَضْنَ أَصْوَاتِهِنَّ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. [بَابُ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَأَقَلِّ فَرْضِ الصَّلَاةِ] ِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ لِيُكَبِّر فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ قَرَأَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَلْيُكَبِّرْ، ثُمَّ لِيَرْكَع حَتَّى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ لِيَرْفَع فَلْيَقُمْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَائِمًا، ثُمَّ يَسْجُدْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ لِيَرْفَع رَأْسَهُ فَلْيَجْلِسْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ جَالِسًا فَمَنْ نَقَصَ مِنْ هَذَا فَإِنَّمَا يُنْقِصُ مِنْ صَلَاتِهِ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَعَادَ فَصَلَّى كَنَحْوٍ مِمَّا صَلَّى فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَقَالَ عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: إذَا تَوَجَّهْت إلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ فَإِذَا رَكَعْت فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ فَإِذَا رَفَعْت فَأَقِمْ صُلْبَكَ وَارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إلَى مَفَاصِلِهَا فَإِذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ سُجُودَكَ فَإِذَا رَفَعْت فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ حَتَّى تَطْمَئِنَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فَيَحْمَدَهُ وَيُكَبِّرَهُ وَلَا يُجْزِيهِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ إلَّا ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا خُوطِبَ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ يُحْسِنُهَا وَكَذَلِكَ خُوطِبَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ يُطِيقُهَا وَيَعْقِلُهَا وَإِذْ لَمْ يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأَحْسَنَ غَيْرَهَا لَمْ يُجْزِهِ أَنْ

يُصَلِّيَ بِلَا قِرَاءَةٍ وَأَجْزَأَهُ فِي غَيْرِهَا بِقَدْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِ آيَاتٍ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَزِيدَ إنْ أَحْسَنَ، وَأَقَلُّ مَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ آيَةً حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةٍ وَلَا يَبِينُ لِي إنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ إنْ أَحْسَنَهَا، أَوْ غَيْرَهَا وَقَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةً فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ سَبْعَ آيَاتٍ وَأَحْسَنَ أَقَلَّ مِنْهُنَّ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ بِمَا أَحْسَنَ كُلَّهُ إذَا كَانَ سَبْعَ آيَاتٍ، أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ قَرَأَ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَعَادَ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَمْ يُكْمِلْ فِيهَا سَبْعَ آيَاتٍ إذَا أَحْسَنَهُنَّ وَسَوَاءٌ كَانَ الْآيُ طِوَالًا، أَوْ قِصَارًا لَا يُجْزِيهِ إلَّا بِعَدَدِ آيِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَسَوَاءٌ كُنَّ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِسَبْعِ آيَاتٍ إذَا أَحْسَنَ سَبْعًا، أَوْ ثَمَانِيًا وَكَانَ أَقَلُّ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِسَبْعِ آيَاتٍ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ سَبْعًا ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ مَا أَحْسَنَ وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ الْعَظِيمَ فَإِذَا جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْزَأَهُ مَعَ مَا يُحْسِنُ وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ حِينَ لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِصَلَاةٍ بِلَا ذِكْرٍ عَقَلْت أَنَّهُ إذَا أَحْسَنَ أُمَّ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ كَانَ عَلَيْهِ أَوْجَبَ مِنْ الذِّكْرِ غَيْرُهُ إنْ لَمْ يُحْسِنْ الرَّجُلُ أُمَّ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ فَإِنْ أَمَّهُ لَمْ تَجُزْ لِلْمَأْمُومِ صَلَاتُهُ وَأَجْزَأَتْ الْإِمَامَ فَإِذَا أَحْسَنَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُحْسِنْ غَيْرَهَا لَمْ أُحِبَّ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ يُحْسِنُهَا وَأَكْثَرَ مِنْهَا وَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَبِينَ لِي أَنْ يُعِيدَ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ انْتَهَى إلَيْهَا فَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يُعِيدَ مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا وَلَا أُحِبُّ إلَّا أَنْ يُزَادَ مَعَهَا آيَةٌ، أَوْ أَكْثَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ أَحَدًا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَمَنْ أَحْسَنَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَؤُمَّ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ وَمَنْ أَحْسَنَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِ آيَاتٍ فَأَمَّ، أَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا رَدَّدَ بَعْضَ الْآيِ حَتَّى يَقْرَأَ بِهِ سَبْعَ آيَاتٍ، أَوْ ثَمَانِ آيَاتٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَا يَجْزِيهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إلَّا قِرَاءَةُ مَا أَحْسَنَ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُكْمِلَ سَبْعَ آيَاتٍ، أَوْ ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْ أَحْسَنِهِنَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْفَرْضَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الِاخْتِيَارِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَتَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْقَوْلَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَا التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَقَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدْ عَلَّمَهُ الْقِرَاءَةَ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ فَالذِّكْرُ وَعَلَّمَهُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالِاعْتِدَالَ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةَ فَلِهَذَا قُلْنَا: مَنْ تَرَكَ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَيَجْلِسُ جِلْسَةً لَمْ يَأْمُرْهُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاتِهِ وَعَلَّمَ رَجُلًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَجْلَانَ قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَعَلَ ذَلِكَ إلَى الْقَارِئِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا مَعَ مَا جَاءَ فِيهَا غَيْرُ هَذَا مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا عَنْهَا وَإِنْ تَرَكَهَا وَهُوَ يُحْسِنُ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ تَرَكَ غَيْرَهَا كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَا يَبِينُ لِي أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةَ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةً، أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ آيَةً لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا شَاءَ اللَّهُ مَعَهَا» فَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ آيَةً وَإِنْ تَرَكَهَا كَرِهْتُهُ لَهُ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةٌ لِمَا وَصَفْت وَإِنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلَّانِ عَلَى

باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة

فَرْضِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى فَرْضٍ غَيْرِهَا مَعَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعَمْدُ فِي تَرْكِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالْخَطَأُ سَوَاءٌ فِي أَنْ لَا تُجْزِئَ رَكْعَةٌ إلَّا بِهَا، أَوْ بِشَيْءٍ مَعَهَا إلَّا مَا يُذْكَرُ مِنْ الْمَأْمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ لَا يُحْسِنُ يَقْرَؤُهَا؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ بِلَا قِرَاءَةٍ وَبِأَنَّ الْفَرْضَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ إنَّمَا ذَكَرَ الْجُلُوسَ مِنْ السُّجُودِ فَأَوْجَبْنَا التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ أَحْسَنَهُ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَقَلُّ مَا عَلَى الْمَرْءِ فِي صَلَاتِهِ مَا وَصَفْنَا، وَأَكْمَلُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ ذَاكِرُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى تُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَدْ رَوَى هَذَا سِوَى

ابْنِ عُمَرَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ فَنَأْمُرُ كُلَّ مُصَلٍّ إمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ مُنْفَرِدًا؛ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً؛ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ؛ وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ؛ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَيَكُونُ رَفْعُهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ وَيُثَبِّتُ يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ وَيَكُونُ مَعَ افْتِتَاحِ التَّكْبِيرِ، وَرَدُّ يَدَيْهِ عَنْ الرَّفْعِ مَعَ انْقِضَائِهِ. وَلَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ فَإِنْ كَانَ بِإِحْدَى يَدَيْ الْمُصَلِّي

عِلَّةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهَا مَعَهَا حَتَّى يَبْلُغَ حَيْثُ وَصَفْتُ وَيَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهَا دُونَ ذَلِكَ رَفَعَهَا إلَى حَيْثُ يَقْدِرُ فَإِنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهَا مَعَهَا مُجَاوِزًا لِمَنْكِبَيْهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاقْتِصَارِ بِرَفْعِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَلَا مَا دُونَهُمَا فَلَا يَدَعُ رَفْعَهُمَا وَإِنْ جَاوَزَ مَنْكِبَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى أَخْذِ رَفْعَيْنِ إمَّا رَفْعٌ دُونَ مَنْكِبَيْهِ وَإِمَّا رَفْعٌ فَوْقَ مَنْكِبَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ رَفَعَهُمَا فَوْقَ مَنْكِبَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِالرَّفْعِ كَمَا أُمِرَ وَالزِّيَادَةُ شَيْءٌ غَلَبَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا صَحِيحَةً وَالْأُخْرَى عَلِيلَةً صَنَعَ بِالْعَلِيلَةِ مَا وَصَفْتُ وَاقْتَصَرَ بِالصَّحِيحَةِ عَلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ وَإِنْ غَفَلَ فَصَلَّى بِلَا رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَيْثُ أَمَرْتُهُ بِهِ وَحَتَّى تَنْقَضِيَ التَّكْبِيرَةُ الَّتِي أَمَرْتُهُ بِالرَّفْعِ فِيهَا لَمْ يَرْفَعْهُمَا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ وَلَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فِي وَقْتٍ فَإِذَا مَضَى لَمْ يُوضَعْ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ أَغْفَلَهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَذَكَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ رَفَعَ وَكُلُّ مَا قُلْتُ يَصْنَعُهُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَالتَّكْبِيرَةِ لِلرُّكُوعِ أَمَرْته يَصْنَعُهُ فِي قَوْلِهِ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " وَفِي قَوْلِهِ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " وَإِنْ أَثْبَتَ يَدَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ مَرْفُوعَتَيْنِ قَلِيلًا فَلَا يَضُرُّهُ وَلَا آمُرُهُ بِهِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ سَوَاءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى جِنَازَةٍ خَبَرًا وَقِيَاسًا عَلَى أَنَّهُ تَكْبِيرٌ وَهُوَ قَائِمٌ وَفِي كُلِّ تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا تَكْبِيرٌ وَهُوَ قَائِمٌ وَكَذَلِكَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ لِسُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودِ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا تَكْبِيرُ افْتِتَاحٍ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ صَلَّى، أَوْ سَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ قَاعِدٌ، أَوْ مُضْطَجِعٌ يُومِئُ إيمَاءً فِي أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ وَإِنْ تَرَكَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرْته بِهِ، أَوْ رَفَعَهُمَا حَيْثُ لَمْ آمُرْهُ فِي فَرِيضَةٍ، أَوْ نَافِلَةٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ عِيدٍ، أَوْ جِنَازَةٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ وَلَا سُجُودٌ لِسَهْوٍ عَمَدَ ذَلِكَ، أَوْ نَسِيَهُ، أَوْ جَهِلَهُ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فِي الْعَمَلِ وَهَكَذَا أَقُولُ فِي كُلِّ هَيْئَةٍ فِي عَمَلٍ تَرَكَهَا

باب افتتاح الصلاة

[بَابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ أَبِي رَافِعٍ وَشَكَكْت أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ قَالَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك وَبِحَمْدِك أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك ظَلَمْت نَفْسِي وَاعْتَرَفْت بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا لَا يَغْفِرُهَا إلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنَى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْت أَنَا بِك وَإِلَيْك لَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْك تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ كَبَّرَ قَالَ {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] وَآيَتَيْنِ بَعْدَهَا إلَى قَوْلِهِ {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك ظَلَمْت نَفْسِي وَاعْتَرَفْت بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَلَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْت أَنَا بِك وَإِلَيْك لَا مَنْجَى وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ أَقُولُ وَآمُرُ وَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ كَمَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُغَادِرُ مِنْهُ شَيْئًا وَيَجْعَلُ مَكَانَ: " وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " " وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ " (قَالَ) : فَإِنْ زَادَ فِيهِ شَيْئًا، أَوْ نَقَصَهُ كَرِهْته وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ عَمَدَ ذَلِكَ، أَوْ نَسِيَهُ، أَوْ جَهِلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ سَهَا عَنْهُ حِينَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الْقِرَاءَةَ أَحْبَبْت أَنْ يَقُولَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَقُلْهُ وَلَا يَقُولُهُ إلَّا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَلَا يَقُولُهُ فِيمَا بَعْدَهَا بِحَالٍ. وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ أَحْبَبْت أَنْ يَقُولَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ مِنْ الرَّكْعَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنْ فَاتَهُ مِنْهَا مَا يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِهِ أَحْبَبْت أَنْ يَقُولَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَقْضِهِ فِي رَكْعَةٍ غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ فَفَاتَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ مَا لَوْ قَالَهُ لَمْ يَقْرَأْ أُمَّ الْقُرْآنِ تَرَكَهُ. وَإِنْ قَالَ غَيْرَهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَهُ حَيْثُ لَا آمُرُهُ أَنْ يَقُولَهُ وَلَا يَقْطَعُ ذِكْرُ اللَّهِ الصَّلَاةَ فِي أَيِّ حَالٍ ذَكَرَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَقُولُ هَذَا فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. [بَابُ التَّعَوُّذُ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ

باب القراءة بعد التعوذ

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ رَافِعًا صَوْتَهُ رَبَّنَا إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَعَوَّذُ فِي نَفْسِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَيُّهُمَا فَعَلَ الرَّجُلُ أَجْزَأَهُ إنْ جَهَرَ، أَوْ أَخْفَى وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَعَوَّذُ حِينَ يَفْتَتِحُ قَبْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَبِذَلِكَ أَقُولُ وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَإِذَا اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَأَيُّ كَلَامٍ اسْتَعَاذَ بِهِ أَجْزَأَهُ وَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَقَدْ قِيلَ إنْ قَالَهُ حِينَ يَفْتَتِحُ كُلَّ رَكْعَةٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَحَسَنٌ وَلَا آمُرُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَمَرْت بِهِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَإِنْ تَرَكَهُ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ عَامِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَا سُجُودُ سَهْوٍ وَأَكْرَهُ لَهُ تَرْكَهُ عَامِدًا وَأُحِبُّ إذَا تَرَكَهُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ أَنْ يَقُولَهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يُعِيدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ رَجُلًا مَا يَكْفِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ» (قَالَ) : وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِتَعَوُّذٍ وَلَا افْتِتَاحٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ افْتِتَاحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتِيَارٌ وَأَنَّ التَّعَوُّذَ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إنْ تَرَكَهُ [بَابُ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ فِي الصَّلَاةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي إذَا كَانَ يُحْسِنُ يَقْرَؤُهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ قَبْلَ مَا يُقْرَأُ بَعْدَهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لَا يَعْنِي أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، أَوْ إمَامًا أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهَا وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا شَيْئًا آيَةً، أَوْ أَكْثَرَ وَسَأَذْكُرُ الْمَأْمُومَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَرَكَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ حَرْفًا وَاحِدًا نَاسِيًا، أَوْ سَاهِيًا لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْهَا حَرْفًا لَا يُقَالُ لَهُ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ عَلَى الْكَمَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الْآيَةُ السَّابِعَةُ فَإِنْ تَرَكَهَا، أَوْ بَعْضَهَا لَمْ تَجْزِهِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَهَا فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي " قَالَ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ فَقَرَأَهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتهَا عَلَيْك ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَادَّخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ قَالَ صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى قَضَى تِلْكَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَان يَا مُعَاوِيَةُ أَسَرَقْت الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيت فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمْ يَقْرَأْ بِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَلَمْ يُكَبِّرْ إذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ فَنَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ سَلَّمَ وَالْأَنْصَارُ أَنْ يَا مُعَاوِيَةُ سَرَقْت صَلَاتَك أَيْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَيْنَ التَّكْبِيرُ إذَا خَفَضْت وَإِذَا رَفَعْت فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً أُخْرَى فَقَالَ ذَلِكَ فِيهَا الَّذِي عَابُوا عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِثْلُهُ، أَوْ مِثْلُ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ وَأَحْسَبُ هَذَا الْإِسْنَادَ أَخْفَضَ مِنْ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي الْأُولَى أَنَّهُ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأْهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَذَلِكَ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَوْلُهُ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً أُخْرَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَادَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي تَلِيهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. (قَالَ لِلشَّافِعِيِّ) هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُبْتَدِئٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَغْفَلَ أَنْ يَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَرَأَ مِنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَخْتِمَ السُّورَةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى السُّورَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا حَتَّى يَعُودَ فَيَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَبْتَدِئَ أُمَّ الْقُرْآنِ فَيَكُونَ قَدْ وَضَعَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَغْفَلَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ وَعَادَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَغْفَلَ " الْحَمْدُ " فَقَطْ فَقَالَ: {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] عَادَ فَقَرَأَ " الْحَمْدُ "، وَمَا بَعْدَهَا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا كَمَا أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَجَزْت لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهَا شَيْئًا عَنْ مَوْضِعِهِ، أَوْ يُؤَخِّرَهُ نَاسِيًا أَجَزْت لَهُ إذَا نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ آخِرَ آيَةٍ مِنْهَا ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا قَبْلَهَا ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يَجْعَلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آخِرَهَا، وَلَكِنْ لَا يَجْزِي عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا بِكَمَالِهَا كَمَا أُنْزِلَتْ وَلَوْ وَقَفَ فِيهَا، أَوْ تَعَايَا، أَوْ غَفَلَ فَأَدْخَلَ فِيهَا آيَةً، أَوْ آيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا رَجَعَ حَتَّى يَقْرَأَ مِنْ حَيْثُ غَفَلَ، أَوْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً فَإِنْ جَاءَ بِهَا مُتَوَالِيَةً لَمْ يُقَدِّمْ مِنْهَا مُؤَخَّرًا وَإِنَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهَا آيَةً مِنْ غَيْرِهَا أَجْزَأَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهَا مَا لَهُ قِرَاءَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ قَاطِعًا لَهَا بِهِ وَإِنْ وَضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ وَلَوْ عَمَدَ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا مِنْ الْقُرْآنِ غَيْرَهَا كَانَ هَذَا عَمَلًا قَاطِعًا لَهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُهَا، وَلَوْ غَفَلَ فَقَرَأَ نَاسِيًا مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا مَضَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ لَهُ عَنْ النِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ إذَا أَتَى عَلَى الْكَمَالِ وَلَوْ نَسِيَ فَقَرَأَ ثُمَّ ذَكَرَ فَتَمَّ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهَا كَانَ هَذَا قَاطِعًا لَهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا وَلَوْ قَرَأَ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ نَوَى أَنْ يَقْطَعَهَا ثُمَّ عَادَ فَقَرَأَ مَا بَقِيَ أَجْزَأَتْهُ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا نِيَّتَهُ فِي قَطْعِ الْمَكْتُوبَةِ نَفْسِهَا وَصَرْفِهَا إلَى غَيْرِهَا وَلَكِنَّهُ لَوْ نَوَى قَطْعَهَا وَسَكَتَ شَيْئًا كَانَ قَاطِعًا

باب التأمين عند الفراغ من قراءة أم القرآن

لَهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا وَعَمَدَ الْقَطْعَ لَهَا حَتَّى يَأْخُذَ فِي غَيْرِهَا، أَوْ يَصْمُتَ فَأَمَّا مَا يُتَابِعُهُ قَطْعَهَا حَدِيثُ نَفْسٍ مَوْضُوعٌ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَدَأَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ غَيْرَهَا ثُمَّ قَرَأَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ [بَابُ التَّأْمِينِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقُولُوا آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ قَالَ: آمِينَ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ كَانَ خَلْفَهُ فَإِذَا قَالَهَا قَالُوهَا وَأَسْمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَجْهَرُوا بِهَا فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ تَرَكَهَا الْإِمَامُ قَالَهَا مَنْ خَلْفَهُ وَأَسْمَعَهُ لَعَلَّهُ يَذْكُرُ فَيَقُولَهَا وَلَا يَتْرُكُونَهَا لِتَرْكِهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْلِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَرْكُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا وَلَا مَنْ خَلْفَهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ وَأُحِبُّ قَوْلَهَا لِكُلِّ مَنْ صَلَّى رَجُلٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ، أَوْ غَيْرِ جَمَاعَةٍ. وَلَا يُقَالُ: آمِينَ إلَّا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَمْ يَقْضِهَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ آمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ رَبَّهُ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعَ مَا يَدُلُّ مِنْ السُّنَنِ عَلَى ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ مَعَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَانَ حَسَنًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [بَابُ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنْ قَرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ أَجْزَأَهُ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأَ بَعْدَهَا شَيْئًا لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ يُعِيدَ الرَّكْعَةَ وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ مَا يَقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] وَمَا أَشْبَهَهَا وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ أُمَّ الْقُرْآنِ وَآيَةً وَمَا زَادَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَإِذَا أَغْفَلَ مِنْ الْقُرْآنِ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ شَيْئًا، أَوْ قَدَّمَهُ، أَوْ قَطَعَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَأُحِبُّ أَنْ يَعُودَ فَيَقْرَأَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ مَا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَإِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةٍ مَعَهَا أَيَّ آيَةٍ كَانَتْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

باب كيف قراءة المصلي

[بَابٌ كَيْفَ قِرَاءَةُ الْمُصَلِّي] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَقَلُّ التَّرْتِيلِ تَرْكُ الْعَجَلَةِ فِي الْقُرْآنِ عَنْ الْإِبَانَةِ وَكُلَّمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْإِبَانَةِ فِي الْقِرَاءَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِيهَا تَمْطِيطًا. وَأُحِبُّ مَا وَصَفْت لِكُلِّ قَارِئٍ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَأَنَا لَهُ فِي الْمُصَلِّي أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا مِنْهُ لِلْقَارِئِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِذَا أَيْقَنَ الْمُصَلِّي أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْقِرَاءَةِ شَيْءٌ إلَّا نَطَقَ بِهِ أَجْزَأَتْهُ قِرَاءَتُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَدْرِهِ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانُهُ وَلَوْ كَانَتْ بِالرَّجُلِ تَمْتَمَةٌ لَا تَبِينُ مَعَهَا الْقِرَاءَةُ أَجْزَأَتْهُ قِرَاءَتُهُ إذَا بَلَغَ مِنْهَا مَا لَا يُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا وَإِنْ أَمَّ أَجْزَأَ إذَا أَيْقَنَ أَنَّهُ قَرَأَ مَا تُجْزِئُهُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ الْفَأْفَاءُ أَكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ فَإِنْ أَمَّ أَجْزَأَهُ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِمَامُ أَرَتُّ وَلَا أَلْثَغُ وَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَجْزَأَهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ لَحَّانًا؛ لِأَنَّ اللَّحَّانَ قَدْ يُحِيلُ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَلْحَنْ لَحْنًا يُحِيلُ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ. وَإِنْ لَحَنَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ لِحَانًا يُحِيلُ مَعْنَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ أَرَ صَلَاتَهُ مُجْزِئَةً عَنْهُ وَلَا عَمَّنْ خَلْفَهُ وَإِنْ لَحَنَ فِي غَيْرِهَا كَرِهْته وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَأَتَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ رَجَوْت أَنْ تُجْزِئَهُ صَلَاتُهُ وَإِذَا أَجْزَأَتْهُ أَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى أَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا بِحَالٍ. [بَابُ التَّكْبِيرِ لِلرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهَكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ لِمُصَلٍّ مُنْفَرِدًا وَلَا إمَامًا وَلَا مَأْمُومًا أَنْ يَدَعَ التَّكْبِيرَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ؛ وَقَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت، أَوْ وَضَعَهُ بِلَا تَكْبِيرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ وَوَضْعِهِ وَإِذَا تَرَكَ التَّكْبِيرَ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يَقْضِهِ فِي غَيْرِهِ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: فَاتَنِي مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْكِتَابِ وَسَمِعْته مِنْ الْبُوَيْطِيِّ وَأَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيُّ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَرْكَعَ ابْتَدَأَ بِالتَّكْبِيرِ قَائِمًا فَكَانَ فِيهِ وَهُوَ يَهْوِي رَاكِعًا وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ابْتَدَأَ قَوْلَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَافِعًا مَعَ الرَّفْعِ ثُمَّ قَالَ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا وَفَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا هَوَى لِيَسْجُدَ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ قَائِمًا ثُمَّ هَوَى مَعَ ابْتِدَائِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى السُّجُودِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ آخِرِ التَّكْبِيرِ وَلَوْ كَبَّرَ وَأَتَمَّ بَقِيَّةَ التَّكْبِيرِ سَاجِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ إلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ إلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَقَدْ قَضَاهُ فَإِذَا هَوَى لِيَسْجُدَ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ قَاعِدًا وَأَتَمَّهُ وَهُوَ يَهْوِي لِلسُّجُودِ ثُمَّ هَكَذَا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ. وَيَصْنَعُ فِي التَّكْبِيرِ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلَا يَمْطُطْهُ وَلَا يَحْذِفْهُ فَإِذَا جَاءَ بِالتَّكْبِيرِ بَيِّنًا أَجْزَأَهُ وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ.

باب القول في الركوع

الذِّكْرَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِنَّمَا قُلْت مَا وَصَفْت بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَمَلًا غَيْرَهُمَا فَكَانَا الْفَرْضَ فَمَنْ جَاءَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ فَقَدْ جَاءَ بِالْفَرْضِ عَلَيْهِ وَالذِّكْرُ فِيهِمَا سُنَّةُ اخْتِيَارٍ وَهَكَذَا قُلْنَا فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُصَلِّي صَلَاةً لَمْ يُحْسِنْهَا فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ ثُمَّ صَلَّاهَا فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي فَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالرَّفْعَ وَالتَّكْبِيرَ لِلِافْتِتَاحِ، وَقَالَ فَإِذَا جِئْت بِهَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك وَلَمْ يُعَلِّمْهُ ذِكْرًا فِي رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ وَلَا تَكْبِيرًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَلَا قَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَالَ لَهُ فَإِذَا فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك وَمَا نَقَصْت مِنْهُ فَقَدْ نَقَصْت مِنْ صَلَاتِك» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ مَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَمَا فِيهِ مَا يُؤَدِّيهَا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ غَيْرَهُ [بَابُ الْقَوْلِ فِي الرُّكُوعِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبُوَيْطِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت وَلَك أَسْلَمْت وَبِك آمَنْت وَأَنْتَ رَبِّي خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَعِظَامِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْبُوَيْطِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ أَحْسَبُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَك رَكَعَتْ وَبِك آمَنَتْ وَلَك أَسْلَمَتْ أَنْتَ رَبِّي خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْبُوَيْطِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِيهِ» قَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ الدُّعَاءِ وَقَالَ الْآخَرُ فَاجْتَهَدُوا فَإِنَّهُ قَمِنَ أَنْ يُسْتَجَابَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ رَاكِعًا وَلَا سَاجِدًا لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُمَا مَوْضِعُ ذِكْرٍ غَيْرِ الْقِرَاءَةِ وَكَذَلِكَ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ فِي مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْبُوَيْطِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيِّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا فَإِنَّمَا يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَدْنَى مَا يُنْسَبُ إلَى كَمَالِ الْفَرْضِ وَالِاخْتِيَارِ مَعًا لَا كَمَالِ الْفَرْضِ وَحْدَهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الرَّاكِعُ فِي رُكُوعِهِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ مَا حَكَيْت أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ وَكُلُّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُقَصِّرَ عَنْهُ إمَامًا كَانَ، أَوْ مُنْفَرِدًا وَهُوَ تَخْفِيفٌ لَا تَثْقِيلٌ " قَالَ الرَّبِيعُ إلَى هَا هُنَا انْتَهَى سَمَاعِي مِنْ الْبُوَيْطِيِّ ". أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَأَقَلُّ كَمَالِ الرُّكُوعِ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى

رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ فَقَدْ جَاءَ بِأَقَلِّ مَا عَلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَيْهِ إعَادَةُ هَذِهِ الرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الرُّكُوعِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ فَقَدْ جَاءَ بِالْفَرْضِ، وَالذِّكْرُ فِيهِ سُنَّةُ اخْتِيَارٍ لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا وَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ الذِّكْرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ فِيهِ سُنَّةُ اخْتِيَارٍ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، أَوْ أَشَلَّ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَخَذَ إحْدَى رُكْبَتَيْهِ بِالْأُخْرَى وَإِنْ كَانَتَا مَعًا عَلِيلَتَيْنِ بَلَغَ مِنْ الرُّكُوعِ مَا لَوْ كَانَ مُطْلَقَ الْيَدَيْنِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ، وَلَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْيَدَيْنِ فَلَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ مِنْ الرُّكُوعِ مَا لَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ إذَا تَرَكَ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الرُّكُوعِ مَا لَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَمَالُ الرُّكُوعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَمُدَّ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ وَلَا يَخْفِضَ عُنُقَهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَلَا يَرْفَعَهُ وَلَا يُجَافِي ظَهْرَهُ وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوِيًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، أَوْ ظَهْرَهُ عَنْ رَأْسِهِ، أَوْ جَافَى ظَهْرَهُ حَتَّى يَكُونَ كَالْمُحْدَوْدَبِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِالرُّكُوعِ وَالرُّكُوعُ فِي الظَّهْرِ، وَلَوْ بَلَغَ أَنْ يَكُونَ رَاكِعًا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَضَعْهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَلَا غَيْرِهِمَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ اعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا حَتَّى يَصِيرَ رَاكِعًا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ بِحَالِهِ، وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ فَاطْمَأَنَّ رَاكِعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَاسْتَوَى قَائِمًا، أَوْ لَمْ يَسْتَوِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ زَايَلَ الرُّكُوعَ إلَى حَالٍ لَا يَكُونُ فِيهَا تَامَّ الرُّكُوعِ ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ لِيُسَبِّحَ فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ رَاكِعًا فَرَكَعَ مَعَهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَكْمَلَ الرُّكُوعَ أَوَّلًا وَهَذَا رُكُوعٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا رَكَعَ وَلَمْ يُسَبِّحْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ لِيُسَبِّحَ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ رُكُوعَهُ الْأَوَّلَ كَانَ تَمَامًا وَإِنْ لَمْ يُسَبِّحْ فَلَمَّا عَادَ فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرَى لِيُسَبِّحَ فِيهَا كَانَ قَدْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً عَامِدًا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَكَعَ الرَّجُلُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ رَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَأُحِبُّ أَنْ يَعُودَ حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَرْفَعَ بِرَفْعِهِ، أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ وَقَدْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ كَرِهْته لَهُ وَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَوْ رَكَعَ الْمُصَلِّي فَاسْتَوَى رَاكِعًا وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ حَتَّى يَعْتَدِلَ صُلْبُهُ قَائِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِرُكُوعٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَكَعَ وَلَوْ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ بَعْدَ مَا رَكَعَ وَسَقَطَ رَاكِعًا بَارِكًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، أَوْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَمْ يَزُلْ عَنْ الرُّكُوعِ فَرَكَعَ مَعَهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَاكِعٌ فِي حِينٍ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الرُّكُوعُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ الرُّكُوعَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ يَكُنْ رَاكِعًا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ أَنْ يَرْكَعَ قَائِمًا لَا غَيْرَ قَائِمٍ وَلَوْ عَادَ فَقَامَ رَاكِعًا كَمَا هُوَ فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَرَكَعَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ تُجْزِهِ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ حِينَ زَايَلَ الْقِيَامَ وَاسْتَأْنَفَ رُكُوعًا غَيْرَ الْأَوَّلِ قَبْلَ سُجُودِهِ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ إمَامًا فَسَمِعَ حِسَّ رَجُلٍ خَلْفَهُ لَمْ يَقُمْ رَاكِعًا لَهُ وَلَا يَحْبِسُهُ

باب القول عند رفع الرأس من الركوع

فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ انْتِظَارًا لِغَيْرِهِ وَلَا تَكُونُ صَلَاتُهُ كُلُّهَا إلَّا خَالِصًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرِيدُ بِالْمَقَامِ فِيهَا شَيْئًا إلَّا هُوَ عَزَّ وَجَلَّ. [بَابٌ الْقَوْلُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَيَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ عِنْدَ رَفْعِهِمْ رُءُوسَهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَائِلُهَا أَتْبَعَهَا فَقَالَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِنْ شَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَلَوْ قَالَ لَك الْحَمْدُ رَبَّنَا اكْتَفَى وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ اقْتِدَاءً بِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ قَالَ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً وَأَنْ يَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إلَيَّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي دَاوُد وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ. [بَابٌ كَيْفَ الْقِيَامُ مِنْ الرُّكُوعِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ: فَإِذَا رَكَعْت فَاجْعَلْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَمَكِّنْ لِرُكُوعِك فَإِذَا رَفَعْت فَأَقِمْ صُلْبَك وَارْفَعْ رَأْسَك حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إلَى مَفَاصِلِهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجْزِي مُصَلِّيًا قَدَرَ عَلَى أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ شَيْءٌ دُونَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَمَا كَانَ مِنْ الْقِيَامِ دُونَ الِاعْتِدَالِ لَمْ يُجْزِئْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَشَكَّ أَنْ يَكُونَ اعْتَدَلَ ثُمَّ سَجَدَ، أَوْ طَرَحَهُ شَيْءٌ عَادَ فَقَامَ حَتَّى يَعْتَدِلَ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِالسُّجُودِ حَتَّى يَعْتَدِلَ قَائِمًا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَوْ ذَهَبَ لِيَعْتَدِلَ فَعَرَضَتْ لَهُ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ الِاعْتِدَالَ فَسَجَدَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَإِنْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ عَنْهُ قَبْلَ السُّجُودِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ مُعْتَدِلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ الْقِيَامَ كُلَّهُ بِدُخُولِهِ فِي عَمَلِ السُّجُودِ الَّذِي يَمْنَعُهُ حَتَّى صَارَ يَقْدِرُ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَإِنْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ عَنْهُ بَعْدَمَا يَصِيرُ سَاجِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ أَنْ يَقُومَ إلَّا لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ يَتَلَبَّثُ حَتَّى يَقُولَ مَا أَحْبَبْت لَهُ الْقَوْلَ ثُمَّ يَهْوِي سَاجِدًا، أَوْ يَأْخُذُ فِي التَّكْبِيرِ فَيَهْوِي وَهُوَ فِيهِ

باب كيف السجود

وَبَعْدَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا مَعَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ وَإِنْ أَخَّرَ التَّكْبِيرَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَبَّرَ مُعْتَدِلًا، أَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْعُو وَسَاهِيًا وَهُوَ لَا يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ ذِكْرٍ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَإِنْ زَادَ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ سَهْوًا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ عَمَلٌ مَعْدُودٌ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ فَإِذَا عَمِلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوَ. [بَابٌ كَيْفَ السُّجُودُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَيَنْحَطَّ مَكَانَهُ سَاجِدًا ثُمَّ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهَهُ وَإِنْ وَضَعَ وَجْهَهُ قَبْلَ يَدَيْهِ، أَوْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ كَرِهْت ذَلِكَ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْجُدَ مِنْهُ عَلَى سَبْعٍ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ وَجَبْهَتِهِ وَنَهَى أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ قَالَ سُفْيَانَ: وَزَادَنَا فِيهِ ابْنُ طَاوُسٍ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ حَتَّى بَلَغَ طَرَفَ أَنْفِهِ» وَكَانَ أَبِي يُعِدُّ هَذَا وَاحِدًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ مِنْهُ عَلَى سَبْعٍ وَنَهَى أَنْ يَكْفِتَ شَعْرَهُ، أَوْ ثِيَابَهُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ وَجْهُهُ وَكَفَّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَمَالُ فَرْضِ السُّجُودِ وَسُنَّتِهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَرَاحَتَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَته دُونَ أَنْفِهِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ مَوْضِعُ السُّجُودِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ، أَوْ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا إذَا سَجَدَ أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا يُثْنِيَ قَدَمَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ وَيَخِرَّ سَاجِدًا حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ وَتُطَمْئِنَ مَفَاصِلُهُ فَإِذَا لَمْ يَصْنَعْ هَذَا أَحَدُكُمْ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَجَدَ عَلَى بَعْضِ جَبْهَتِهِ دُونَ جَمِيعِهَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ سَاجِدٌ عَلَى جَبْهَتِهِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ لَمْ يَجِزْهُ؛ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ مَوْضِعُ السُّجُودِ وَإِنَّمَا سَجَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الْأَنْفِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا وَمُقَارِبَتِهِ لِمُسَاوِيهَا وَلَوْ سَجَدَ عَلَى خَدِّهِ، أَوْ عَلَى صُدْغِهِ لَمْ يَجْزِهِ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ مَوْضِعُ السُّجُودِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِسَّ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ لَمْ يَجْزِهِ السُّجُودُ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى رَأْسِهِ فَمَاسَّ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ السُّجُودُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَدُونَهَا ثَوْبٌ، أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَجْزِهِ السُّجُودُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرِيحًا فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا وَلَوْ سَجَدَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهَا ثَوْبٌ مُتَخَرِّقٌ فَمَاسَّ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَاجِدٌ وَشَيْءٌ مِنْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَأُحِبُّ أَنْ يُبَاشِرَ رَاحَتَيْهِ الْأَرْضَ فِي الْبَرْدِ وَالْحَرِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَتَرَهُمَا مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ وَسَجَدَ

باب التجافي في السجود

عَلَيْهِمَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ هَذَا كُلَّهُ فِي رُكْبَتَيْهِ بَلْ أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ رُكْبَتَاهُ مُسْتَتِرَتَيْنِ بِالثِّيَابِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَمَرَ بِالْإِفْضَاءِ بِرُكْبَتَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَأُحِبُّ إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مُتَخَفِّفًا أَنْ يُفْضِيَ بِقَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَلَا يَسْجُدَ مُنْتَعِلًا فَتَحُولُ النَّعْلَانِ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَالْأَرْضِ فَإِنْ أَفْضَى بِرُكْبَتَيْهِ إلَى الْأَرْضِ، أَوْ سَتَرَ قَدَمَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْجُدُ مُنْتَعِلًا مُتَخَفِّفًا وَلَا يُفْضِي بِقَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ الَّتِي أَمَرْته بِالسُّجُودِ عَلَيْهَا وَيَكُونَ حُكْمُهَا غَيْرَ حُكْمِ الْوَجْهِ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهَا كُلِّهَا مُتَغَطِّيَةً فَتَجْزِيهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحُولًا دُونَهَا بِشَيْءٍ فَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ إنْ تَرَكَ جَبْهَتَهُ فَلَمْ يُوقِعْهَا الْأَرْضَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِهِ الْأَرْضَ فَلَمْ يَسْجُدْ كَمَا إذَا تَرَكَ جَبْهَتَهُ فَلَمْ يُوقِعْهَا الْأَرْضَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ كَفِيهِ لَمْ يَجْزِهِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى بُطُونِهَا وَكَذَلِكَ إنْ سَجَدَ عَلَى حُرُوفِهَا وَإِنْ مَاسَّ الْأَرْضَ بِبَعْضِ يَدَيْهِ أَصَابِعِهِمَا، أَوْ بَعْضِهِمَا، أَوْ رَاحَتَيْهِ، أَوْ بَعْضِهِمَا، أَوْ سَجَدَ عَلَى مَا عَدَا جَبْهَتَهُ مُتَغَطِّيًا أَجْزَأَهُ وَهَكَذَا هَذَا فِي الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مَذْهَبٌ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا دُونَ مَا سِوَاهَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِالسُّجُودِ قَصْدَ الْوَجْهِ تَعَبُّدَ اللَّهِ تَعَالَى «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» وَأَنَّهُ أَمَرَ بِكَشْفِ الْوَجْهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَشْفِ رُكْبَةٍ وَلَا قَدَمٍ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهِ ثُمَّ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَذَا السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ وَلَوْ انْقَلَبَ يُرِيدُهُ فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ السُّجُودُ وَهَكَذَا لَوْ هَوَى عَلَى وَجْهِهِ لَا يُرِيدُ سُجُودًا فَوَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَذَا لَهُ سُجُودًا وَلَوْ هَوَى يُرِيدُ السُّجُودَ وَكَانَ عَلَى إرَادَتِهِ فَلَمْ يُحْدِثْ إرَادَةً غَيْرَ إرَادَتِهِ السُّجُودَ أَجْزَأَهُ السُّجُودُ وَلَا يَجْزِيهِ إذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَسْتَوِي قَاعِدًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ إلَى مِفْصَلِهِ ثُمَّ يَنْحَطَّ فَيَسْجُدَ الثَّانِيَةَ فَإِنْ سَجَدَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ هَذَا لَمْ يَعُدَّهَا سَجْدَةً لِمَا وَصَفْت مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ مَا وَصَفْت وَكَذَلِكَ كُلُّ رَكْعَةٍ وَقِيَامٍ ذَكَرْته فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَالْفِعْلِ مَا وَصَفْت. [بَابُ التَّجَافِي فِي السُّجُودِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ» وَرَوَى صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ مِمَّا يُجَافِي بَدَنَهُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسِ الْفَرَّاءِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْرَمَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَاعِ مِنْ نَمِرَةَ، أَوْ النَّمِرَةِ شَكَّ الرَّبِيعُ سَاجِدًا فَرَأَيْت بَيَاضَ إبْطَيْهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أُحِبُّ لِلسَّاجِدِ أَنْ يَكُونَ مُتَخَوِّيًا وَالتَّخْوِيَةُ أَنْ يَرْفَعَ صَدْرَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَأَنْ يُجَافِي مِرْفَقَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُ تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ رَأَيْت عُفْرَةَ إبْطَيْهِ وَلَا يُلْصِقُ إحْدَى رُكْبَتَيْهِ بِالْأُخْرَى وَيُجَافِي رِجْلَيْهِ وَيَرْفَعُ ظَهْرَهُ وَلَا يَحْدَوْدِبُ وَلَكِنَّهُ

باب الذكر في السجود

يَرْفَعُهُ كَمَا وَصَفْت غَيْرَ أَنْ يَعْمِدَ رَفْعَ وَسَطِهِ عَنْ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى النِّسَاءَ بِالِاسْتِتَارِ وَأَدَّبَهُنَّ بِذَلِكَ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُحِبُّ لِلْمَرْأَةِ فِي السُّجُودِ أَنْ تَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَتُلْصِقَ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا وَتَسْجُدَ كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ لَهَا وَهَكَذَا أُحِبُّ لَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ وَجَمِيعِ الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ فِيهَا كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ لَهَا وَأُحِبُّ أَنْ تَكْفِتَ جِلْبَابَهَا وَتُجَافِيَهُ رَاكِعَةً وَسَاجِدَةً عَلَيْهَا لِئَلَّا تَصِفَهَا ثِيَابُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ مَا وَصَفْت اخْتِيَارٌ لَهُمَا كَيْفَمَا جَاءَا مَعًا بِالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ أَجْزَأَهُمَا إذَا لَمْ يُكْشَفْ شَيْءٌ مِنْهُمَا. [بَابُ الذِّكْرِ فِي السُّجُودِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ قَالَ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت وَلَك أَسْلَمْت وَبِك آمَنَتْ أَنْتَ رَبِّي سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَقَمِنَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنِي الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذَا كَانَ سَاجِدًا أَلَمْ تَرَ إلَى قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] يَعْنِي افْعَلْ وَاقْرَبْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُشْبِهُ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مَا قَالَ وَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الرَّجُلُ فِي السُّجُودِ بِأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولُ مَا حَكَيْت أَنْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ فِيهِ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا فَيُثْقِلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، أَوْ مَأْمُومًا فَيُخَالِفُ إمَامَهُ وَيَبْلُغُ مِنْ هَذَا إمَامًا مَا لَمْ يَكُنْ ثِقْلًا وَمَأْمُومًا مَا لَمْ يُخَالِفْ الْإِمَامَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَرَكَ هَذَا تَارِكٌ كَرِهْته لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ آمُرُهَا بِالِاسْتِتَارِ دُونَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَنْ تَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ وَوَضْعِهِ إذَا أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ وَانْحَطَّ فَيَكُونُ مُنْحَطًّا لِلسُّجُودِ مُكَبِّرًا حَتَّى يَكُونَ انْقِضَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ سُجُودِهِ ثُمَّ إذَا أَرَادَ الْقِيَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ حَتَّى يَكُونَ انْقِضَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ قِيَامِهِ وَإِذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ ذَلِكَ حَذَفَ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَكُونَ انْقِضَاؤُهُ مَعَ اسْتِوَائِهِ جَالِسًا وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ وَالْقَوْلِ الَّذِي أَمَرْته بِهِ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ تَرَكَ فَضْلًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [بَابُ الْجُلُوسِ إذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ] ِ وَالْجُلُوسُ مِنْ الْآخِرَةِ لِلْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ

باب القيام من الجلوس

أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ السَّاعِدِيَّ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَلَسَ فِي السَّجْدَتَيْنِ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَإِذَا جَلَسَ فِي الْأَرْبَعِ أَمَاطَ رِجْلَيْهِ عَنْ وَرِكِهِ وَأَفْضَى بِمَقْعَدَتِهِ الْأَرْضَ وَنَصَبَ وَرِكَهُ الْيُمْنَى» . أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَنَأْمُرُ كُلَّ مُصَلٍّ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ جَلَسَاتٍ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى عَقِبِهِ وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَيْهَا كَمَا يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَإِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ مِنْ السُّجُودِ، أَوْ الْجُلُوسِ اعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ مَعًا عَلَى الْأَرْضِ وَنَهَضَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَنْهَضَ بِغَيْرِ اعْتِمَادٍ فَإِنَّهُ يُرْوَى «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضَ إذَا أَرَادَ الْقِيَامَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ أُحِبُّ إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ وَمِنْ سَجْدَةٍ سَجَدَهَا لِسُجُودٍ فِي الْقُرْآنِ وَشُكْرٍ، وَإِذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ فِي مَثْنَى جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى مَثْنِيَّةً يُمَاسُّ ظَهْرُهَا الْأَرْضَ وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَانِيًا أَطْرَافَ أَصَابِعِهَا وَبَسَطَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَقَبَضَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى إلَّا الْمُسَبِّحَةَ وَالْإِبْهَامَ وَأَشَارَ بِالْمُسَبِّحَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ فَقُلْت: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ «كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى» وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ مَعًا مِنْ تَحْتِهِ وَأَفْضَى بِأَلْيَتَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَصَنَعَ بِيَدَيْهِ كَمَا صَنَعَ فِي الْجَلْسَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَإِذَا جَلَسَ فِي الصُّبْحِ فَلَهَا جَلْسَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ آخِرَةٌ أُولَى فَيَجْلِسُهَا الْجِلْسَةَ الْأَخِيرَةَ، أَوْلَى وَإِنْ فَاتَتْهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا جِلْسَتَيْنِ فَجَلَسَ الْأُولَى جُلُوسَ الْأُولَى وَالْآخِرَةَ جُلُوسَ الْآخِرَةِ وَإِذَا فَاتَهُ مِنْهُ رَكْعَةٌ وَأَكْثَرُ وَجَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ جِلْسَتَيْنِ وَأَكْثَرَ جَلَسَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جُلُوسَ الْأُولَى وَجَلَسَ فِي الْآخِرَةِ جُلُوسَ الْآخِرَةِ وَكَيْفَمَا جَلَسَ عَامِدًا عَالِمًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ وَالِاخْتِيَارُ لَهُ مَا وَصَفْت وَإِذَا كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُقَارِبَ فِي الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا وَصَفْت أَحْبَبْت لَهُ مُقَارِبَتَهُ. [بَابُ الْقِيَامِ مِنْ الْجُلُوسِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِنَا وَقَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُصَلِّي وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَذَكَرَ أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ قُلْت كَيْفَ قَالَ مِثْلَ صَلَاتِي هَذِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَاسْتَوَى قَاعِدًا قَامَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ مَنْ قَامَ مِنْ سُجُودٍ، أَوْ جُلُوسٍ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ مَعًا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَشْبَهُ لِلتَّوَاضُعِ وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَنْقَلِبَ، وَلَا يَكَادُ يَنْقَلِبُ وَأَيُّ قِيَامٍ قَامَهُ سِوَى هَذَا كَرِهْته لَهُ وَلَا إعَادَةَ فِيهِ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ هَيْئَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي كُلِّ هَيْئَةٍ فِي الصَّلَاةِ نَأْمُرُ

باب التشهد والصلاة على النبي

بِهَا وَنَنْهَى عَنْ خِلَافِهَا وَلَا نُوجِبُ سُجُودَ سَهْوٍ وَلَا إعَادَةً بِمَا نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْهَا وَذَلِكَ مِثْلُ الْجُلُوسِ وَالْخُشُوعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْوَقَارِ فِيهَا وَلَا نَأْمُرُ مَنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا بِإِعَادَةٍ وَلَا سُجُودِ سَهْوٍ [بَابُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ] ِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ فَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . (قَالَ الرَّبِيعُ) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي التَّشَهُّدِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّهَا فَكَانَ هَذَا أَحَبَّهَا إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ، أَوْلَى مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ نَقُولَ: التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالْخَبَرُ فِيهِمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زِيَادَةُ فَرْضِ الْقُرْآنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَتَشَهَّدْ فِيهَا وَيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا وَإِنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَتَشَهَّدْ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهُمَا عَلَى وَجْهِهِمَا أَتَى بِمَا أَحْسَنَ مِنْهُمَا وَلَمْ يُجْزِهِ إلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِاسْمِ تَشَهُّدٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا أَحْسَنَهُمَا فَأَغْفَلَهُمَا، أَوْ عَمَدَ تَرْكَهُمَا فَسَدَتْ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَالتَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ غَيْرِ الصُّبْحِ تَشَهُّدَانِ تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ وَتَشَهُّدٌ آخِرٌ، إنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَاهِيًا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ

لِتَرْكِهِ وَمَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ سَاهِيًا، أَوْ عَامِدًا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ إيَّاهُ قَرِيبًا فَيَتَشَهَّدُ هَذَا كُلُّهُ وَاحِدٌ لَا تَجْزِي أَحَدًا صَلَاةٌ إلَّا بِهِ سَهَا عَنْهُ، أَوْ عَمَدَهُ وَيُغْنِي التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ الصَّلَاةِ عَنْ التَّشَهُّدِ قَبْلَهُ وَلَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِهِ إعَادَةٌ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ الْمَغْرِبِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ يَتَشَهَّدُ فِي ثَانِيَةٍ فَتَشَهَّدَ مَعَهُ ثُمَّ تَشَهَّدَ مَعَهُ فِي ثَالِثَةٍ ثُمَّ تَشَهَّدَ لِنَفْسِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَكَانَ قَدْ تَشَهَّدَ فِي الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَرَكَ التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لَمْ يَجْزِهِ مَا مَضَى مِنْ التَّشَهُّدَيْنِ وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ الْمُتَشَهِّدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَجْلِسْ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ عَلِمْته أَنَّ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ مُخَالِفٌ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ قِيَامٌ مِنْهُ إلَّا الْجُلُوسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَزِدْ رَجُلٌ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى أَنْ يَقُولَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِاسْمِ تَشَهُّدٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَالتَّشَهُّدُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ تَشَهَّدَ مَعَ الْإِمَامِ كَمَا تَشَهَّدَ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ تَرْكِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَا يَتْرُكُ التَّشَهُّدَ فِي حَالٍ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ جَالِسًا تَشَهَّدَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَقَامَ حِينَ يَقُومُ الْإِمَامُ وَإِنْ سَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمِيعِ تَشَهُّدِ الْإِمَامِ وَتَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ مَعَ الْإِمَامِ مُنْفَرِدًا وَتَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ أَجْزَأَتْهُ وَمَعْنَى قَوْلِي يُجْزِئُهُ التَّشَهُّدُ بِأَنْ يُجْزِئَهُ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجْزِيهِ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ اقْتَصَرْت فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ فَذَكَرْت التَّشَهُّدَ مُنْفَرِدًا. وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فَسَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ وَتَشَهَّدَ هُوَ فَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ سَاهِيًا وَخَرَجَ بَعْدَ مَخْرَجِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ قَرُبَ دَخَلَ فَكَبَّرَ ثُمَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ

باب القيام من اثنتين

[بَابُ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ.

ذَلِكَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا قُلْنَا إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الْقِيَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ جَالِسًا تَمَّ عَلَى جُلُوسِهِ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا نَهَضَ عَادَ فَجَلَسَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَإِنْ قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ الْآخِرِ عَادَ فَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ فَانْصَرَفَ فَإِنْ كَانَ انْصَرَفَ انْصِرَافًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا لَوْ كَانَ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَتَمَّهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ وَلَوْ جَلَسَ مَثْنًى وَلَمْ يَتَشَهَّدْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَوْ جَلَسَ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ حَتَّى يُسَلِّمَ وَيَنْصَرِفَ فَيُبْعِدَ أَعَادَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّشَهُّدِ وَلَا يَصْنَعُ الْجُلُوسُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ التَّشَهُّدُ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَامَ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَقْرَأَ لَمْ

باب قدر الجلوس في الركعتين الأوليين والأخريين

يَجْزِهِ الْقِيَامُ وَلَوْ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ رَاكِعٌ، أَوْ مُتَقَاصِرٌ غَيْرُ جَالِسٍ لَمْ يَجْزِهِ كَمَا لَوْ قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَجْزِهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُطِيقُ الْقِيَامَ وَكُلُّ مَا قُلْت لَا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ فَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُجْزِئُ التَّشَهُّدُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّشَهُّدِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا جَمِيعًا [بَابٌ قَدْرُ الْجُلُوسِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ] ِ وَالسَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ إذَا فَرَغَ مِنْهَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ» قُلْت حَتَّى يَقُومَ قَالَ ذَاكَ يُرِيدُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفِي هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِذَلِكَ آمُرُهُ فَإِنِّي كَرِهْته وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَإِذَا وُصِفَ إخْفَافُهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَفِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى قَدْرِ جُلُوسِهِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَلِذَلِكَ أُحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذِكْرَ اللَّهِ وَتَحْمِيدَهُ وَدُعَاءَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَأَرَى أَنْ تَكُونَ زِيَادَتُهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ إمَامًا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ قَلِيلًا لِلتَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَلْفَهُ. (قَالَ) : وَأَرَى أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْرَهُ مَا أَطَالَ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى سَهْوٍ، أَوْ يَخَافُ بِهِ سَهْوًا وَإِنْ لَمْ يَزِدْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَأَرَى فِي كُلِّ حَالٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ التَّشَهُّدَ وَالتَّسْبِيحَ وَالْقِرَاءَةَ، أَوْ يَزِيدَ فِيهَا شَيْئًا بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ وَرَاءَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ بَلَغَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، أَوْ يَزِيدَ وَكَذَلِكَ

باب السلام في الصلاة

أَرَى لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَفِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ أَنْ يَتَمَكَّنَ لِيُدْرِكَهُ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَالثَّقِيلُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَجَاءَ بِمَا عَلَيْهِ بِأَخَفِّ الْأَشْيَاءِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [بَابُ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ إذَا فَرَغَ مِنْهَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعٍ قَالَ: مَرَّةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمَرَّةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ أَحَدُنَا بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ.

الكلام في الصلاة

شِمَالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَالُكُمْ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ أَوَلَا يَكْفِي، أَوْ: إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ كُلَّ مُصَلٍّ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ إمَامًا كَانَ، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ مُنْفَرِدًا وَنَأْمُرُ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ تَسْلِيمَتَيْنِ أَنْ يُسَلِّمَ هُوَ تَسْلِيمَتَيْنِ وَيَقُولَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَنَأْمُرُ الْإِمَامَ أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَفِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مَنْ عَنْ يَسَارِهِ وَنَأْمُرُ بِذَلِكَ الْمَأْمُومَ وَيَنْوِي الْإِمَامَ فِي أَيِّ النَّاحِيَتَيْنِ كَانَ وَإِنْ كَانَ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ نَوَاهُ فِي الْأُولَى الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ نَوَاهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَأْمُومِ النِّيَّةُ وَسَلَّمَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالنَّاسِ وَسَلَّمَا لِقَطْعِ الصَّلَاةِ فَلَا يُعِيدُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَلَامًا وَلَا صَلَاةً وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُجُودَ سَهْوٍ وَإِنْ اقْتَصَرَ رَجُلٌ عَلَى تَسْلِيمَةٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ. أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَإِنْ نَقَصَ مِنْ هَذَا حَرْفًا عَادَ فَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قَامَ عَادَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ وَإِنْ بَدَأَ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ وَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. [الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْته لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْت حَتَّى إذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَتَيْته فَقَالَ إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ

أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ قَالَ سَمِعَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا نَعَمْ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ الْخِرْبَاقُ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ فَنَادَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ إنَّ حَتْمًا أَنْ لَا يَعْمِدَ أَحَدٌ لِلْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ذَاكِرٌ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَلَاةً غَيْرَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَهَا، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَتَكَلَّمَ فِيهَا بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مُبَاحٌ وَلَيْسَ يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْكَلَام جُمْلَةٌ وَدَلَّ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ

الْخِلَافُ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَجَمَعَ عَلَيْنَا فِيهَا حُجَجًا مَا جَمَعَهَا عَلَيْنَا فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ إلَّا فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَمَسْأَلَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَسَمِعْته يَقُولُ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُرْوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ قَطُّ أَشْهَرُ مِنْهُ وَمِنْ حَدِيثِ «الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ «الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَلَكِنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ فَقُلْت: مَا نَسَخَهُ؟ قَالَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي بَدَأْت بِهِ الَّذِي فِيهِ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ وَالنَّاسِخُ إذَا اخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ الْآخِرُ مِنْهُمَا قَالَ نَعَمْ فَقُلْت لَهُ: أَوَلَسْت تَحْفَظُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ قَالَ: فَوَجَدْته يُصَلِّي فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ» وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَ بَلَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ فَإِذَا كَانَ مَقْدِمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَرْوِي «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى جِذْعًا فِي مُؤَخَّرِ مَسْجِدِهِ» أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي مَسْجِدِهِ إلَّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: فَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا صُحْبَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقُلْت: لَهُ قَدْ بَدَأْنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ الَّذِي لَا يُشْكِلُ عَلَيْك، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ «وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَحِبْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ، أَوْ أَرْبَعًا» قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا شَكَكْت " وَقَدْ أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ سِنِينَ سِوَى مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَقْدِمِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَبْلَ أَنْ يَصْحَبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ نَاسِخًا لِمَا بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ: وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَالِفًا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ كَمَا قُلْت وَكَانَ عَمْدُ الْكَلَامِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّك فِي صَلَاةٍ كَهُوَ إذَا تَكَلَّمْت وَأَنْتَ تَرَى أَنَّك أَكْمَلْت الصَّلَاةَ، أَوْ نَسِيت الصَّلَاةَ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخًا وَكَانَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ وَلَكِنَّ وَجْهَهُ مَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الذِّكْرِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ، وَإِذَا كَانَ النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ، وَتَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ مُبَاحٌ بِأَنْ يَرَى أَنْ قَدْ قَضَى الصَّلَاةَ، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِيهَا لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ) فَقَالَ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ. (قُلْت) : فَاجْعَلْ هَذَا كَيْفَ شِئْت أَلَيْسَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَالْمَدِينَةُ إنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمَكَّةَ قَالَ: بَلَى (قُلْت) : وَلَيْسَتْ لَك إذَا كَانَ كَمَا أَرَدْت فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا وَصَفْت وَقَدْ كَانَتْ بَدْرٌ بَعْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ بِسِتَّةِ عَشَرَ شَهْرًا. (قَالَ) :: أَفَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي رَوَيْتُمْ عَنْهُ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ (قُلْت) : لَا عِمْرَانُ يُسَمِّيهِ الْخِرْبَاقُ وَيَقُولُ قَصِيرُ الْيَدَيْنِ، أَوْ مَدِيدُ الْيَدَيْنِ وَالْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَوْ كَانَ كِلَاهُمَا ذُو الْيَدَيْنِ كَانَ اسْمًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَافَقَ اسْمًا كَمَا تَتَّفِقُ الْأَسْمَاءُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ فَلَنَا حُجَّةٌ أُخْرَى قُلْنَا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ حُكِيَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ بَنِي آدَمَ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ فَهَذَا عَلَيْك وَلَا لَك إنَّمَا يُرْوَى مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَوَاءً وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْت. (قَالَ) : فَإِنْ قُلْت هُوَ خِلَافُهُ. (قُلْت) فَلَيْسَ ذَلِكَ لَك وَنُكَلِّمُك عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ أَمْرِ ذِي الْيَدَيْنِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ وَيَلْزَمُك فِي قَوْلِك أَنْ يَصْلُحَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيمَا حَكَيْت وَهُوَ جَاهِلٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُحْكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي مِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَامِدًا لِلْكَلَامِ فِي حَدِيثِهِ إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ وَهُوَ جَاهِلٌ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا فِي الصَّلَاةِ. (قَالَ) : هَذَا فِي حَدِيثِهِ كَمَا ذَكَرْت (قُلْت) فَهُوَ عَلَيْك إنْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْته وَلَيْسَ لَك إنْ كَانَ كَمَا قُلْنَا (قَالَ) : فَمَا تَقُولُ (قُلْت) : أَقُولُ: إنَّهُ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرُ مُخَالِفٍ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ) فَقَالَ: فَإِنَّكُمْ خَالَفْتُمْ حِينَ فَرَّعْتُمْ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ (قُلْت) : فَخَالَفْنَاهُ فِي الْأَصْلِ قَالَ: لَا وَلَكِنْ فِي الْفَرْعِ (قُلْت) : فَأَنْتَ خَالَفْتَهُ فِي نَصِّهِ وَمَنْ خَالَفَ النَّصَّ عِنْدَك أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ ضَعُفَ نَظَرُهُ فَأَخْطَأَ التَّفْرِيعَ قَالَ نَعَمْ وَكُلٌّ غَيْرُ مَعْذُورٍ. (قَالَ مُحَمَّدٌ) : فَقُلْت لَهُ: فَأَنْتَ خَالَفْت أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَلَمْ نُخَالِفْ نَحْنُ مِنْ فَرْعِهِ وَلَا مِنْ أَصْلِهِ حَرْفًا وَاحِدًا فَعَلَيْك مَا عَلَيْك فِي خِلَافِهِ وَفِيمَا قُلْت مِنْ أَنَّا خَالَفْنَا مِنْهُ مَا لَمْ نُخَالِفْهُ (قَالَ) : فَأَسْأَلُك حَتَّى أَعْلَمَ أَخَالَفْته أَمْ لَا (قُلْت) : فَسَلْ (قَالَ) : مَا تَقُولُ فِي إمَامٍ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ قَدْ انْصَرَفْتَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَأَلَ آخَرِينَ فَقَالُوا صَدَقَ (قُلْت) : أَمَأْمُومٌ الَّذِي أَخْبَرَهُ وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهُ صَدَقَ وَهُمْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ. (قَالَ) : فَأَنْتَ رَوَيْت أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى وَتَقُولُ قَدْ قَضَى مَعَهُ مَنْ حَضَرَ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْهُ فِي الْحَدِيثِ قُلْت: أَجَلْ (قَالَ) : فَقَدْ خَالَفْته (قُلْت) : لَا وَلَكِنَّ حَالَ إمَامِنَا مُفَارِقَةٌ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : فَأَيْنَ افْتِرَاقُ حَالَيْهِمَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِمَامَةِ. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ) فَقُلْت لَهُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ يُنَزِّلُ فَرَائِضَهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضًا بَعْدَ فَرْضٍ فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ فَرَضَهُ عَلَيْهِ وَيُخَفِّفُ بَعْضَ فَرْضِهِ قَالَ: أَجَلْ (قُلْت) : وَلَا نَشُكُّ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ وَلَا مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا وَهُوَ يَرَى أَنْ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ قَالَ: أَجَلْ (قُلْت) : فَلَمَّا فَعَلَ لَمْ يَدْرِ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ بِحَادِثٍ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْ نَسِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ذَلِكَ بَيِّنًا فِي مَسْأَلَتِهِ إذْ قَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت، قَالَ: أَجَلْ (قُلْت) وَلَمْ يَقْبَلْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ إذْ سَأَلَ غَيْرَهُ قَالَ: أَجَلْ (قَالَ) : وَلَمَّا سَأَلَ غَيْرَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ فَيَكُونَ مِثْلَهُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ عَلَيْهِ كَانَ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلٍ، وَلَمْ يَدْرِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَخْبَرُوهُ فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَاهَتْ فَرَائِضُهُ فَلَا بَدَلَ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا أَبَدًا قَالَ نَعَمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت هَذَا فَرْقٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُ هَذَا فَرْقٌ بَيِّنٌ لَا يَرُدُّهُ عَالِمٌ لِبَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: إنَّ مِنْ أَصْحَابِكُمْ مَنْ قَالَ: مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّجُلُ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يُفْسِدْ صَلَاتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ إنَّمَا الْحُجَّةُ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا لَا مَا قَالَ غَيْرُنَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ قَدْ كَلَّمْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِك فَمَا احْتَجَّ بِهَذَا وَلَقَدْ قَالَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ) فَقُلْت لَهُ قَدْ أَعْلَمْتُك أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَلَا حُجَّةَ لَك عَلَيْنَا بِقَوْلِ غَيْرِنَا قَالَ: أَجَلْ فَقُلْت فَدَعْ مَا لَا حُجَّةَ لَك

باب كلام الإمام وجلوسه بعد السلام

فِيهِ. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ) : وَقُلْت لَهُ لَقَدْ أَخْطَأْت فِي خِلَافِك حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ ثُبُوتِهِ وَظَلَمْت نَفْسَك بِأَنَّك زَعَمْت أَنَّا وَمَنْ قَالَ بِهِ نُحِلُّ الْكَلَامَ وَالْجِمَاعَ وَالْغِنَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَمَا أَحْلَلْنَا وَلَا هُمْ مِنْ هَذَا شَيْئًا قَطُّ وَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الصَّلَاةُ وَهُوَ ذَاكِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ زَعَمْت فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَلَامٌ وَإِنْ سَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ بَنَى فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ إلَّا هَذَا كَفَى بِهَا عَلَيْك حُجَّةً وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى عَيْبِكُمْ خِلَافَ الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ خِلَافِكُمْ لَهُ. [بَابٌ كَلَامُ الْإِمَامِ وَجُلُوسُهُ بَعْدَ السَّلَامِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَتَرَى مُكْثَهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْت: أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، ثُمَّ ذَكَرْته لِأَبِي مَعْبَدٍ بَعْدُ فَقَالَ لَمْ أُحَدِّثْكَهُ قَالَ عَمْرٌو قَدْ حَدَّثْتنِيهِ قَالَ وَكَانَ مِنْ أَصْدَقِ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ نَسِيَهُ بَعْدَمَا حَدَّثَهُ إيَّاهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مِنْ الْمُبَاحِ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِ الْمَأْمُومِ قَالَ: وَأَيُّ إمَامٍ ذَكَرَ اللَّهَ بِمَا وَصَفْت جَهْرًا، أَوْ سِرًّا، أَوْ بِغَيْرِهِ فَحَسَنٌ وَأَخْتَارُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَانِ الذِّكْرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا يَجِبُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ، ثُمَّ يُسِرُّ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الدُّعَاءَ وَلَا تَجْهَرْ تَرْفَعْ وَلَا تُخَافِتْ حَتَّى لَا تُسْمِعَ نَفْسَك، وَأَحْسَبُ مَا رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ تَهْلِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَكْبِيرِهِ كَمَا رَوَيْنَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُهُ إنَّمَا جَهَرَ قَلِيلًا لِيَتَعَلَّمَ النَّاسُ مِنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كَتَبْنَاهَا مَعَ هَذَا وَغَيْرِهَا لَيْسَ يُذْكَرُ فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ

باب انصراف المصلي إماما أو غير إمام عن يمينه وشماله

تَهْلِيلٌ وَلَا تَكْبِيرٌ وَقَدْ يُذْكَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِمَا وَصَفْت وَيُذْكَرُ انْصِرَافُهُ بِلَا ذِكْرٍ وَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُكْثَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ جَهْرًا وَأَحْسَبُهُ لَمْ يَمْكُثْ إلَّا لِيَذْكُرَ ذِكْرًا غَيْرَ جَهْرٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمِثْلُ مَاذَا؟ قُلْت: مِثْلُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ يَكُونُ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ عَلَيْهِ وَتَقَهْقَرَ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَكْثَرُ عُمْرِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ فِيمَا أَرَى أَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ كَيْفَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالرَّفْعُ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَعَةً وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَذْكُرَ الْإِمَامُ اللَّهَ شَيْئًا فِي مَجْلِسِهِ قَدْرَ مَا يَتَقَدَّمُ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ النِّسَاءِ قَلِيلًا كَمَا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ثُمَّ يَقُومُ وَإِنْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ جَلَسَ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَنْصَرِفَ إذَا قَضَى الْإِمَامُ السَّلَامَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ وَأَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْصَرِفَ بَعْدَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ، أَوْ مَعَهُ أَحَبُّ إلَيَّ لَهُ وَأَسْتَحِبُّ لِلْمُصَلَّى مُنْفَرِدًا وَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يُطِيلَ الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ [بَابٌ انْصِرَافُ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ غَيْرَ إمَامٍ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الْأَوْبَرِ الْحَارِثِيِّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْحَرِفُ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ صَلَاتِهِ جُزْءًا يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْفَتِلَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مَا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا قَامَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ إمَامًا، أَوْ غَيْرَ إمَامٍ فَلْيَنْصَرِفْ حَيْثُ أَرَادَ إنْ كَانَ حَيْثُ يُرِيدُ يَمِينًا، أَوْ يَسَارًا، أَوْ مُوَاجِهَةَ وَجْهِهِ، أَوْ مِنْ وَرَائِهِ انْصَرَفَ كَيْفَ أَرَادَ لَا اخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ فِي نَاحِيَةٍ، وَكَانَ يَتَوَجَّهُ مَا شَاءَ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَكُونَ تَوَجُّهُهُ عَنْ يَمِينِهِ لِمَا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ» غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَنْصَرِفَ حَيْثُ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَيْنَ كَانَ انْصِرَافُهُ

باب سجود السهو

[بَابٌ سُجُودُ السَّهْوِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ نُصُوصٌ فَمِنْهَا فِي بَابِ الْقِيَامِ مِنْ الْجُلُوسِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِ الْهَيْئَاتِ فَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ قَامَ مِنْ جُلُوسِهِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ وَأَيَّ قِيَامٍ قَامَهُ سِوَى هَذَا كَرِهْته لَهُ وَلَا إعَادَةَ فِيهِ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ هَيْئَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي كُلِّ هَيْئَةٍ فِي الصَّلَاةِ نَأْمُرُ بِهَا وَنَنْهَى عَنْ خِلَافِهَا وَلَا نُوجِبُ سُجُودَ سَهْوٍ وَلَا إعَادَةً بِمَا نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ الْجُلُوسِ وَالْخُشُوعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْوَقَارِ فِيهَا وَلَا نَأْمُرُ مَنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا بِإِعَادَةٍ وَلَا سُجُودِ سَهْوٍ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ كَثِيرًا مِمَّا سَبَقَ. وَمِنْهَا نَصُّهُ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَاهِيًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ لِتَرْكِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَجْلِسْ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ عَلِمْته أَنَّ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ مُخَالِفٌ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ قِيَامٌ مِنْهُ إلَّا بِالْجُلُوسِ. وَمِنْهَا نَصُّهُ فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا عَنْهُ يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ إذَا فَعَلَهُ سَهْوًا وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِسَهْوِهِ فَقَالَ: وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فَسَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ وَتَشَهَّدَ هُوَ فَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ سَاهِيًا وَخَرَجَ وَبَعْدَ مَخْرَجِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ قَرُبَ دَخَلَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَهُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِأَرْبَعِ تَرَاجِمَ فَنَقَلْنَاهُ إلَى هُنَا وَفِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا قُلْنَا إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَكَذَا إذَا

أَرَادَ الرَّجُلُ الْقِيَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَالِسًا أَتَمَّ عَلَى جُلُوسِهِ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا نَهَضَ عَادَ فَجَلَسَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَإِنْ قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ الْآخِرِ. عَادَ فَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ فَانْصَرَفَ فَإِنْ كَانَ انْصَرَفَ انْصِرَافًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا لَوْ كَانَ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَتَمَّهُ وَسَجَدَ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، أَوْ جَلَسَ فَنَسِيَ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَوْ جَلَسَ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ حَتَّى يُسَلِّمَ وَيَنْصَرِفَ وَيَبْعُدَ أَعَادَ

الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّشَهُّدِ وَلَا يَصْنَعُ الْجُلُوسَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ التَّشَهُّدُ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَامَ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ يُجْزِهِ الْقِيَامُ وَلَوْ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ رَاكِعٌ، أَوْ مُتَقَاصَرٌ غَيْرُ جَالِسٍ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يُجْزِهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُطِيقُ الْقِيَامَ وَكُلُّ مَا قُلْت لَا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ فَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُجْزِئُ التَّشَهُّدُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّشَهُّدِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا جَمِيعًا. وَمِنْ النُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ مَا سَبَقَ فِي بَابِ كَيْفَ الْقِيَامُ مِنْ الرُّكُوعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ عَنْهُ بَعْدَمَا يَصِيرُ سَاجِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ أَنْ يَقُومَ إلَّا لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ يَتَلَبَّثُ حَتَّى يَقُولَ مَا أَحْبَبْت لَهُ الْقَوْلَ، ثُمَّ يَهْوِي سَاجِدًا، أَوْ يَأْخُذُ فِي التَّكْبِيرِ فَيَهْوِي وَهُوَ فِيهِ وَبَعْدَ أَنْ يَصِلَ الْأَرْضَ سَاجِدًا مَعَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ وَإِنْ أَخَّرَ التَّكْبِيرَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَبَّرَ مُعْتَدِلًا، أَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْعُو، أَوْ سَاهِيًا وَهُوَ لَا يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذَا مَوْضِعُ ذِكْرٍ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَإِنْ زَادَ فِيهِ فَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ سَهْوًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ عَمَلٌ مَعْدُودٌ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ فَإِذَا عَمِلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوَ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ نُصُوصٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ نَرَهَا فِي الْأُمِّ قَالَ الْمُزَنِيّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِي عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ عِنْدَنَا فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ النَّاسِخُ وَالْآخِرُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَعْلَمْ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مِنْ هَذَا وَقَالَهُ فِي الْقَدِيمِ فَمَنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ هَذَا نَقْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْبُوَيْطِيِّ وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ وَكُلُّ سَهْوٍ فِي الصَّلَاةِ نَقْصًا كَانَ، أَوْ زِيَادَةً سَهْوًا وَاحِدًا كَانَ أَمْ اثْنَيْنِ أُمّ ثَلَاثَةً فَسَجْدَتَا السَّهْوِ تُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَفِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ» وَهَذَا نُقْصَانٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَهَذَا زِيَادَةٌ وَقَالَ فِي تَرْجَمَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ «وَمَنْ لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَاحِدَةً، أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ» ، وَلِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيُّ مِنْ التَّشَهُّدِ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَنَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ هَذَا إلَّا فِيمَا إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي صُوَرِهِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْبُوَيْطِيِّ عَلَى صُوَرِهِ بَعْدَ السَّلَامِ كَانَ مُمْكِنًا. وَفِي آخِرِ سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ سَجْدَتَا السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ لَهُمَا وَإِذَا كَانَتَا قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الْقَدِيمِ مِثْلُ هَذَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَأَنَّهُ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ: إنَّهُ أَجْمَعَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لِلسَّهْوِ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ الْفُقَهَاءِ؛ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ بَلْ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لَا غَيْرُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِرِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ ثَلَاثٍ مِنْ الْعَصْرِ نَاسِيًا حَتَّى أَخْبَرَهُ الْخِرْبَاقُ فَصَلَّى مَا بَقِيَ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» وَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ غَرِيبٌ وَإِنَّمَا جَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ بَعْدُ، ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ فَيُحْتَجُّ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيُّ لِمَا سَبَقَ وَقُلْنَا إنَّهُ غَرِيبٌ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الَّذِي يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لَا يَتَشَهَّدُ أَيْضًا وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ الْمُزَنِيّ وَالْقَدِيمِ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَرَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الْخَامِسَةِ سَجَدَ، أَوْ لَمْ يَسْجُدْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ، أَوْ لَمْ يَقْعُدْ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِي الرَّابِعَةِ وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَاسٍ لِسَجْدَةٍ مِنْ أُولَى بَعْدَ مَا اعْتَدَلَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلْأُولَى حَتَّى تَتِمَّ قَبْلَ الثَّانِيَةِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَاسٍ لِسَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى كَانَ عَمَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ كَلَا عَمَلٍ فَإِذَا سَجَدَ فِيهَا كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الْأُولَى وَتَمَّتْ الْأُولَى بِهَذِهِ السَّجْدَةِ وَسَقَطَتْ الثَّانِيَةُ فَإِنْ ذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِنَّ الْأُولَى صَحِيحَةٌ إلَّا سَجْدَةً، وَعَمَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ كَلَا عَمَلٍ فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا سَجْدَةً كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الْأُولَى وَتَمَّتْ الْأُولَى وَبَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَكَانَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فَلَمَّا قَامَ فِي ثَالِثَةٍ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الثَّانِيَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ ثَالِثَةً كَانَ عَمَلُهُ كَلَا عَمَلٍ فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا سَجْدَةً كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الثَّانِيَةِ فَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ وَبَطَلَتْ الثَّالِثَةُ الَّتِي كَانَتْ رَابِعَةً عِنْدَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَبْنِي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ وَعَلَى هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ، وَقِيَاسِهِ. وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَيْقَنَ السَّهْوَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَمْ لَا؟ سَجَدَهُمَا وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ سَجْدَةً، أَوْ سَجْدَتَيْنِ سَجَدَ أُخْرَى وَإِنْ سَهَا

سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سَجْدَتَا السَّهْوِ وَإِذَا ذَكَرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَعَادَهُمَا وَسَلَّمَ وَإِنْ تَطَاوَلَ لَمْ يُعِدْ. وَمَنْ سَهَا خَلْفَ إمَامِهِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَهَا إمَامُهُ سَجَدَ مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ سَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ بِأَنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ إمَامُهُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ اتِّبَاعًا لِإِمَامِهِ لَا لِمَا يَبْقَى مِنْ صَلَاتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُومَ فِي مَثْنَى فَلَا يَجْلِسَ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، أَوْ يَسْجُدَ أَكْثَرَ مِنْ سَجْدَتَيْنِ وَيَجْلِسَ حَيْثُ لَهُ أَنْ يَقُومَ، أَوْ يَسْجُدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَإِنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَرَكَهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي الْوِتْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَالسَّهْوُ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ سَوَاءٌ وَعَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُصَلِّي وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُنْفَرِدِ سَوَاءٌ. وَهَذَا الْآخَرُ هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ نُصُوصِ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا وَلَكِنْ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ نَظَرٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ سَاهِيًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُنْقِضُ الصَّلَاةَ فَإِذَا فَعَلَهُ عَامِدًا سَجَدَ فِيهِ. وَإِنْ تَطَوَّعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ وَصَلَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَكُونَ أَرْبَعًا، أَوْ أَكْثَرَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ فَعَلَهَا وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَلَا يَسْجُدُهُمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، كَذَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَلَّمَ وَتَطَاوَلَ الْفَصْلُ فَكَذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا. وَمَنْ أَدْرَكَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ مَعَ الْإِمَامِ سَجَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَالْإِمَامُ مُقِيمٌ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ أَدْرَكَ أَحَدَهُمَا سَجَدَ وَلَمْ يَقْضِ الْآخَرَ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا فَسَهَا سَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَضَوْا مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ، أَوْ عَمَدَ تَرْكَهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْجُدُ مَتَى ذَكَرَهُمَا، وَالْآخَرُ: لَا يَعُودُ لَهُمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، قَالَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَهَذَا الثَّانِي إنْ كَانَ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، أَوْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَامِدًا فَإِنَّهُ لَا

باب سجود التلاوة والشكر

يَعُودُ إلَى السُّجُودِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْجَدِيدِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ وَإِنْ تَرَكُوا سُجُودَ السَّهْوِ عَامِدِينَ، أَوْ جَاهِلِينَ لَمْ يَبِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَأُحِبُّ إنْ كَانُوا قَرِيبًا عَادُوا لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ التَّطَاوُلِ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ قَدْرَ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسْأَلَتِهِ. وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَقَبْلَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَكَالصَّلَاةِ إنْ تَقَارَبَ رُجُوعُهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَارَبْ أَشَارَ إلَيْهِمْ لِيَسْجُدُوا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ. وَمَنْ شَكَّ فِي السَّهْوِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ نَقْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَفِيهِ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُلْغَى مِنْهَا وَمَا يَجِبُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيَّتِهِنَّ هُنَّ نَزَّلْنَاهَا عَلَى الْأَشَدِّ فَجَعَلْنَاهُ نَاسِيًا السَّجْدَةَ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَتَمَّتْ الثَّالِثَةُ وَنَسِيَ مِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً فَأَضِفْ إلَى الْأُولَى مِنْ الثَّالِثَةِ سَجْدَةً فَتَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَبَطَلَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ الثَّالِثَةِ وَنُضِيفُ إلَى الرَّابِعَةِ سَجْدَةً يَسْجُدُهَا فَكَأَنَّهُ تَمَّ لَهُ ثَانِيَةٌ وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِسُجُودِهِمَا وَسُجُودِ السَّهْوِ. [بَابٌ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ] وَقَدْ تَرْجَمَ سُجُودَ الْقُرْآنِ فِي اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَفِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَفِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَرَّتَيْنِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ هُشَيْمٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: عَزَائِمُ السُّجُودِ {الم - تَنْزِيلُ} [السجدة: 1 - 2] {وَالنَّجْمِ} [النجم: 1] ، وَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] وَلَسْنَا وَلَا إيَّاهُمْ نَقُولُ بِهَذَا نَقُولُ فِي الْقُرْآنِ عَدَدُ سُجُودِ مِثْلِ هَذِهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيِّ

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ كَانَ يَسْجُدُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَبِهَذَا نَقُولُ وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ قَبْلَنَا: وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُمْ يُنْكِرُونَ السَّجْدَةَ الْآخِرَةَ فِي الْحَجِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُخَالِفُونَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ

قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَمَى بِالْمِجْدَحِ خَرَّ سَاجِدًا وَنَحْنُ نَقُولُ: لَا بَأْسَ بِسَجْدَةِ الشُّكْرِ وَنَسْتَحِبُّهَا وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَجَدَهَا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَهُمْ يُنْكِرُونَهَا يَكْرَهُونَهَا وَنَحْنُ نَقُولُ لَا بَأْسَ بِالسَّجْدَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشُّكْرِ

وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ فَفِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ إلَّا رَجُلَيْنِ قَالَ أَرَادَ الشُّهْرَةَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَكِنَّا نُحِبُّ أَنْ لَا يُتْرَكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِي النَّجْمِ وَتَرَكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي النَّجْمِ سَجْدَةٌ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْته لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ؟ قِيلَ: السُّجُودُ صَلَاةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] فَكَانَ الْمَوْقُوتُ يَحْتَمِلُ مُؤَقَّتًا بِالْعَدَدِ وَمُؤَقَّتًا بِالْوَقْتِ فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فَلَمَّا كَانَ سُجُودُ الْقُرْآنِ خَارِجًا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ كَانَتْ سُنَّةَ اخْتِيَارِ فَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يَدَعَهُ وَمَنْ تَرَكَهُ تَرَكَ فَضْلًا لَا فَرْضًا وَإِنَّمَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ؛ لِأَنَّ فِيهَا سُجُودًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي سُجُودِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْت؛ لِأَنَّ النَّاسَ سَجَدُوا مَعَهُ إلَّا رَجُلَيْنِ، وَالرَّجُلَانِ لَا يَدَعَانِ الْفَرْضَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَكَاهُ أَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعَادَتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَّا حَدِيثُ «زَيْدٍ أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ» فَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَسْجُدْ وَهُوَ الْقَارِئُ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضًا فَيَأْمُرُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّجْدَةَ فَسَجَدَ. فَسَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ فُلَانٌ عِنْدَك السَّجْدَةَ فَسَجَدْت وَقَرَأْت عِنْدَك السَّجْدَةَ فَلَمْ تَسْجُدْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُنْت إمَامًا فَلَوْ سَجَدْت سَجَدْت مَعَك» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنِّي لَأَحْسَبُهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَى أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَإِنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الَّذِي يَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَأَنْ يَسْجُدَ مَنْ سَمِعَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلَعَلَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَسَخَ الْآخَرَ قِيلَ فَلَا يَدَّعِي أَحَدٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي النَّجْمِ مَنْسُوخٌ إلَّا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ مَنْسُوخٌ وَالسُّجُودُ نَاسِخٌ، ثُمَّ يَكُونُ، أَوْلَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ السُّجُودُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] وَلَا يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَفِيهِ سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] قَالَ فِيهَا سَجْدَةٌ فَقُلْت لَهُ وَمَا الْحُجَّةُ أَنَّ فِيهَا سَجْدَةً فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَأَ لَهُمْ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِيهَا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ " وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى " فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ سُورَةً أُخْرَى أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَنْ يَأْمُرَ الْقُرَّاءَ أَنْ يَسْجُدُوا فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ سَأَلَتْ الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فَقَالَ فِيهَا سَجْدَتَانِ فَقُلْت: وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي

الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا نَقُولُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقُولُوا اجْتَمَعَ النَّاسُ إلَّا لِمَا إذَا لُقِيَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا قُلْتُمْ إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالُوا: نَعَمْ وَكَانَ أَقَلُّ أَقْوَالِهِمْ لَك أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ مُخَالِفًا فِيمَا قُلْتُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَمَّا أَنْ تَقُولُوا: اجْتَمَعَ النَّاسُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ مَعَكُمْ يَقُولُونَ: مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَأَمْرَانِ أَسَأْتُمْ بِهِمَا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ فِي التَّحَفُّظِ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ تَجْعَلُوا السَّبِيلَ لِمَنْ سَمِعَ قَوْلَكُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ إلَى رَدِّ قَوْلِكُمْ وَلَا سِيَّمَا إذَا كُنْتُمْ إنَّمَا أَنْتُمْ مَقْصُورُونَ عَلَى عِلْمِ مَالِكٍ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ وَكُنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ يَأْمُرُ الْقُرَّاءَ أَنْ يَسْجُدُوا فِيهَا وَأَنْتُمْ قَدْ تَجْعَلُونَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ فَتَقُولُونَ: كَانَ لَا يُحَلِّفُ الرَّجُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ فَتَرَكْتُمْ بِهَا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ، ثُمَّ تَجِدُونَ عُمَرَ يَأْمُرُ بِالسُّجُودِ فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وَمَعَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْيُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ تُسَمُّوا أَحَدًا خَالَفَ هَذَا وَهَذَا عِنْدَكُمْ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَمَانِهِ، ثُمَّ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحَابَةِ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي التَّابِعِينَ وَالْعَمَلُ يَكُونُ عِنْدَكُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ وَحْدَهُ وَأَقَلُّ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ كَيْفَ زَعَمْتُمْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَجَدَ فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وَأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِالسُّجُودِ فِيهَا وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَجَدَ فِي النَّجْمِ، ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا أَنْ لَا سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَهَذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ فَقَالَ: قَوْلُكُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِمَا حَكَوْا فِيهِ غَيْرَ مَا قُلْتُمْ بَيِّنٌ فِي قَوْلِكُمْ أَنْ لَيْسَ كَمَا قُلْتُمْ، ثُمَّ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَجَدَ فِي النَّجْمِ، ثُمَّ لَا تَرْوُونَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافَهُ، ثُمَّ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَجَدَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَتَقُولُونَ لَيْسَ فِيهَا إلَّا وَاحِدَةٌ وَتَزْعُمُونَ أَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، ثُمَّ تَقُولُونَ أَجْمَعَ النَّاسُ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ خِلَافَ مَا تَقُولُونَ وَهَذَا لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِأَنْ يَجْهَلَهُ وَلَا يَرْضَى أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَلَيْهِ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَنْ أَحَدٍ يَعْقِلُ إذَا سَمِعَهُ أَرَأَيْتُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ أَيُّ النَّاسِ اجْتَمَعَ عَلَى أَنْ لَا سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ أَئِمَّةِ النَّاسِ السُّجُودَ فِيهِ وَلَا تَرْوُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِثْلَهُمْ خِلَافَهُمْ أَلَيْسَ أَنْ تَقُولُوا أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ فِي الْمُفَصَّلِ سُجُودًا، أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْ تَقُولُوا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنْ لَا سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ نَعْلَمْهُمْ أَجْمَعُوا أَنْ نَقُولَ اجْتَمَعُوا فَقَدْ قُلْتُمْ اجْتَمَعُوا وَلَمْ تَرْوُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَوْلَكُمْ وَلَا أَدْرِي مَنْ النَّاسُ عِنْدَكُمْ أَخَلْقًا كَانُوا فَمَا اسْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَمَا ذَهَبْنَا بِالْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ إلَّا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا جَعَلْنَا الْإِجْمَاعَ إلَّا إجْمَاعَهُمْ فَأُحْسِنُوا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولُوا أَجْمَعَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ مُخَالِفٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ قُولُوا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أَخْبَرَنَا كَذَا كَذَا وَلَا تَدَّعُوا الْإِجْمَاعَ

فَدَعُوا مَا يُوجَدُ عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ خِلَافُهُ فَمَا أَعْلَمُهُ يُؤْخَذُ عَلَى أَحَدٍ يَتَثَبَّتُ عَلَى عِلْمٍ أَقْبَحَ مِنْ هَذَا. (قُلْت) لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ قَوْلِي اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَعْنِي مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَرَأَيْتُمْ إنْ قَالَ مَنْ يُخَالِفُكُمْ وَيَذْهَبُ إلَى قَوْلِ مَنْ يُخَالِفُكُمْ قَوْلُ مَنْ أَخَذْت بِقَوْلِهِ اجْتَمَعَ النَّاسُ أَيَكُونُ صَادِقًا؟ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ يُخَالِفُكُمَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَعًا بِالتَّأْوِيلِ فَبِالْمَدِينَةِ إجْمَاعٌ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَإِنْ قُلْتُمْ الْإِجْمَاعُ هُوَ ضِدُّ الْخِلَافِ فَلَا يُقَالُ إجْمَاعٌ إلَّا لِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ. قُلْت هَذَا هُوَ الصِّدْقُ الْمَحْضُ فَلَا تُفَارِقْهُ وَلَا تَدَّعُوا الْإِجْمَاعَ أَبَدًا إلَّا فِيمَا لَا يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَهُوَ لَا يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ إلَّا وَيُوجَدُ بِجَمِيعِ الْبُلْدَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقِينَ فِيهِ لَمْ يُخَالِفْ أَهْلُ الْبُلْدَانِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَّا فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ. (وَقَالَ لِي الشَّافِعِيُّ) وَاجْعَلْ مَا وَصَفْنَا عَلَى هَذَا الْبَابِ كَافِيًا لَك لَا عَلَى مَا سِوَاهُ إذَا أَرَدْت أَنْ تَقُولَ أَجْمَعَ النَّاسُ فَإِنْ كَانُوا لَمْ يَخْتَلِفُوا فَقُلْهُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فَلَا تَقُلْهُ فَإِنَّ الصِّدْقَ فِي غَيْرِهِ. (وَتَرْجَمَ مَرَّةً أُخْرَى فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ) وَفِيهَا سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: فِيهَا سَجْدَتَانِ فَقُلْت: وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْنِ صَفِيَّةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِهِمْ بِالْجَابِيَةِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فَسَجَدَ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا لَا نَسْجُدُ فِيهَا إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعًا إلَى غَيْرِ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَّةً فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ حُجَّةً وَقَوْلَ عُمَرَ حُجَّةً وَحْدَهُ حَتَّى تَرُدُّوا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّنَّةَ، وَتَبْتَنُونَ عَلَيْهَا عَدَدًا مِنْ الْفِقْهِ، ثُمَّ تَخْرُجُونَ مِنْ قَوْلِهِمَا لِرَأْيِ أَنْفُسِكُمْ هَلْ تَعْلَمُونَهُ مُسْتَدْرِكًا عَلَى أَحَدٍ قَوْلًا الْعَوْرَةُ فِيهِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ أَقَاوِيلِكُمْ.

باب صلاة التطوع

[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ نُصُوصٌ وَكَلَامٌ مَنْثُورٌ فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ قَبْلَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» وَسَنَذْكُرُ هَذَا بِتَمَامِهِ فِي بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَلَسْنَا وَلَا إيَّاهُمْ نَقُولُ بِهَذَا أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَمِنْ ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ لَا نُبَالِي بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوَرَأَيْتُمْ إذَا اسْتَحْبَبْنَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَفْعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَوْلَكُمْ: لَا أُبَالِي جَهَالَةٌ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحِبُّوا مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُلِّ حَالٍ. [بَابٌ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ] وَمِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِتْرِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. بَابٌ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ سَأَلَتْ الشَّافِعِيَّ عَنْ الْوِتْرِ أَيَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَقَالَ: نَعَمْ،

وَاَلَّذِي أَخْتَارُ أَنْ صَلِّ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْوِتْرَ يَجُوزُ بِوَاحِدَةٍ؟ فَقَالَ: الْحُجَّةُ فِيهِ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَكَانَ عُثْمَانُ يُحْيِي اللَّيْلَ بِرَكْعَةٍ وَهِيَ وِتْرُهُ، وَأَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بِوَاحِدَةٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصَابَ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا نَقُولُ لَا نُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُوتِرَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَيُسَلِّمُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالرَّكْعَةِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَسْت أَعْرِفُ لِمَا تَقُولُونَ وَجْهًا، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ إنْ كُنْتُمْ ذَهَبْتُمْ إلَى أَنَّكُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً فَأَنْتُمْ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا، ثُمَّ سَلَّمَ تَأْمُرُونَهُ بِإِفْرَادِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاةٍ فَقَدْ فَصَلَهَا عَمَّا بَعْدَهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ بِرَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَكُونُ كُلُّ رَكْعَتَيْنِ يُسَلِّمُ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَأَنَّ السَّلَامَ أَفْضَلُ لِلْفَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهُنَّ فِي مَقَامٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ كَانَتْ كُلُّ صَلَاةٍ غَيْرَ الصَّلَاةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَدْتُمْ أَنَّكُمْ كَرِهْتُمْ أَنْ يُصَلِّيَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَأَقَلُّ مَثْنَى مَثْنَى أَرْبَعٌ فَصَاعِدًا وَوَاحِدَةٌ غَيْرُ مَثْنَى وَقَدْ، أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ فِي الْوِتْرِ كَمَا أَمَرَ بِمَثْنَى وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي الْآخِرَةِ مِنْهُنَّ» ، فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَمَا مَعْنَى هَذَا؟ فَقَالَ هَذِهِ نَافِلَةٌ تَسَعُ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ وَأَكْثَرَ وَنَخْتَارُ مَا

وَصَفْت مِنْ غَيْرِ أَنْ نُضِيفَ غَيْرَهُ وَقَوْلُكُمْ: وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ لَا يُوَافِقُ سُنَّةً وَلَا أَثَرًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَعْقُولًا قَوْلُكُمْ خَارِجٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَأَقَاوِيلُ النَّاسِ إمَّا أَنْ تَقُولُوا لَا يُوتِرُ إلَّا بِثَلَاثٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّرْقِيِّينَ وَلَا يُسَلِّمُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَيْ لَا يَكُونَ الْوِتْرُ وَاحِدَةً وَإِمَّا أَنْ لَا تَكْرَهُوا الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ وَكَيْفَ تَكْرَهُونَ الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ بِالسَّلَامِ فِيهَا؟ وَإِذَا أَمَرْتُمْ بِهِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قُلْتُمْ كَرِهْنَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَلَمْ يُوتِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ شَيْءٌ فَقَدْ اسْتَحْسَنْتُمْ أَنْ تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ، وَمِنْهَا فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. بَابٌ فِي الْوِتْرِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ لَيْلَةً وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ فَخَشِيَ ابْنُ عُمَرَ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ تَكَشَّفَ الْغَيْمُ فَرَأَى عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ، قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ هَذَا فِي مَوْضُوعَيْنِ فَتَقُولُونَ لَا: يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَمَنْ، أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَمْ يُشْفِعْ وِتْرَهُ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُكُمْ تَحْفَظُونَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَشْفَعُ وِتْرَهُ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي هَذَا فَقَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ قَالَ: أَفَتَقُولُ يَشْفَعُ بِوِتْرِهِ فَقُلْت لَا: فَقَالَ فَمَا حُجَّتُك فِيهِ فَقُلْت: رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِابْنِ عُمَرَ أَنْ يُشْفِعَ وِتْرَهُ وَقَالَ: إذَا أَوْتَرْت مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَاشْفَعْ مِنْ آخِرِهِ وَلَا تُعِدْ وِتْرًا وَلَا تَشْفَعهُ وَأَنْتُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ إلَّا حَدِيثَ صَاحِبِكُمْ وَلَيْسَ مِنْ حَدِيثِ صَاحِبِكُمْ خِلَافُ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْهَا فِي اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالْقُنُوتِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَاذَانَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ وَهُمْ يَقُولُونَ نَقْرَأُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى. وَالثَّانِيَةُ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَالثَّالِثَةُ نَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يَقْرَأُ فِيهَا بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ "، وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ وَمِنْهَا فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْوِتْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَآخِرَهُ فِي حَدِيثٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَحَدِيثٍ دُونَهُ وَذَلِكَ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يُوتِرَ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ وَنَحْنُ نُبِيحُ لَهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ وَهَذَا فِي الْوِتْرِ، أَوْسَعُ مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْفُورٍ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ

قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ، أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ» . وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: التَّطَوُّعُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا صَلَاةُ جَمَاعَةٍ مُؤَكَّدَةٍ فَلَا أُجِيزُ تَرْكَهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَهِيَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَخُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةُ مُنْفَرِدٍ وَبَعْضُهَا، أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ فَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَلَاةُ التَّهَجُّدِ، ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، قَالَ وَلَا أُرَخِّصُ لِمُسْلِمٍ فِي تَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَإِنْ، أَوْجَبَهُمَا وَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ تَرَكَ جَمِيعَ النَّوَافِلِ فَأَمَّا قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَرَأَيْتهمْ بِالْمَدِينَةِ يَقُومُونَ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَكَذَلِكَ يَقُومُونَ بِمَكَّةَ وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ. (قَالَ الْمُزَنِيّ) وَلَا أَعْلَمُ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ مَوْضِعَ

الْقُنُوتِ مِنْ الْوِتْرِ وَيُشْبِهُ قَوْلَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ كَمَا قَالَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَهُوَ دُعَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ لِلْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ دُعَاءٌ أَشْبَهَ وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ يَأْمُرُهُ يُكَبِّرُ قَائِمًا، ثُمَّ يَدْعُو وَإِنَّمَا حُكْمُ مَنْ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِيَامِ إنَّمَا هُوَ لِلرُّكُوعِ فَهَذِهِ تَكْبِيرَةٌ زَائِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَثْبُتْ بِأَصْلٍ وَلَا قِيَاسٍ. وَفِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ هُشَيْمٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ: إنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا يَقُولُونَ: يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يَقْنُتْ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَآخِرُ اللَّيْلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ جَزَّأَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا فَالْأَوْسَطُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقُومَهُ فَإِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ لَمْ يَقْضِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْوِتْرُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ وَإِنْ فَاتَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ حَتَّى تُقَامَ الظُّهْرُ لَمْ يَقْضِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ وَفِي اخْتِلَافِ

عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْغَنَوِيِّ عَنْ خَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْوِتْرُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُوتِرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْتَرَ، ثُمَّ إنْ اسْتَيْقَظَ فَشَاءَ أَنْ يَشْفَعَهَا بِرَكْعَةٍ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ شَاءَ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ. وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَنْقُضَ الرَّجُلُ وِتْرَهُ وَيَقُولُونَ إذَا، أَوْتَرَ صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْوِتْرِ نَعَمْ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ، ثُمَّ قَرَأَ {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ - وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 17 - 18] وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا وَيَقُولُونَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ سَاعَاتِ الْوِتْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ ظَبْيَانَ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَخْرُجُ إلَيْنَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إلَى تَبَاشِيرِ الصُّبْحِ فَيَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ فَإِذَا قَامَ النَّاسُ قَالَ نَعَمْ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْبُوَيْطِيِّ

يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ هَذَا مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ

أَجُزْأَهُ. وَفِيهِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ طَهَارَةِ الْأَرْضِ وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا فَلْيَرْكَعْ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ

باب الساعات التي تكره فيها الصلاة

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَلِكَ وَقَالَ: «تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ» [بَابٌ السَّاعَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ] ُ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ إلَى الْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ» . (قَالَ

الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ الصُّبْحِ فَصَلَّاهَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] » أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ فَقَالَ: أَلَا رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدُ عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ قَالَ فَلَمْ يَفْزَعُوا إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بِلَالُ، فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك قَالَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ اقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهَذَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّصِلًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَيَزِيدُ الْآخَرُ أَيْ حِينَ مَا كَانَتْ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا: بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ وَزَادَ عَطَاءٌ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ: سَمِعَتْ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ «قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ قَالَ فَبَيْنَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ قَالَ: يَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ اذْهَبْ إلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَهَبْت مَعَهُ وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا قَالَ اذْهَبْ فَاسْمَعْ مَا تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ لَا عِلْمَ لِي وَلَكِنْ اذْهَبْ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَلْهَا قَالَ فَذَهَبْنَا مَعَهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا قَالَ: إنِّي كُنْت أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ، أَوْ صَدَقَةٌ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَيْسٍ قَالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ؟ فَقُلْت لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْحَدِيثِ بَلْ بَعْضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى بَعْضٍ فَجِمَاعُ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَمَا تَبْدُو حَتَّى تَبْرُزَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ مَغِيبِ بَعْضِهَا حَتَّى يَغِيبَ كُلُّهَا وَعَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ لَزِمَتْ الْمُصَلِّيَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، أَوْ تَكُونُ الصَّلَاةُ مُؤَكَّدَةً فَآمُرُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا، أَوْ صَلَاةً كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّيهَا فَأَغْفَلَهَا، وَإِذَا كَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ صُلِّيَتْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إجْمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ فِي قَوْلِهِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وَأَمْرُهُ أَنْ لَا يُمْنَعَ أَحَدٌ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :

وَفِيمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا بِالْوَفْدِ فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا» قَالَ: وَرَوَى «قَيْسٌ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَأَقَرَّهُ» ؛ لِأَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مُؤَكَّدَتَانِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ لَا تَلْزَمُ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ كَانَ يُصَلِّيهَا صَاحِبُهَا فَأَغْفَلَهَا، أَوْ شُغِلَ عَنْهَا وَكُلُّ صَلَاةٍ أُكِّدَتْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْكُسُوفِ فَيَكُونُ نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا سِوَى هَذَا ثَابِتًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَنِصْفَ النَّهَارِ مِثْلُهُ إذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ وَبَرَزَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ وَاحِدٌ وَهَذَا مِثْلُ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّهْجِيرَ لِلْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةَ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ. (قَالَ) : وَهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ فِي «نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمَ رَجُلٍ كَانَ يَصُومُهُ» . بَابٌ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَخَالَفْنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا وَغَيْرُهُ فَقَالَ: يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُقَارِبْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ وَمَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُشْبِهُ بَعْضَ مَا قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَابْنُ عُمَرَ إنَّمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ أَنْ يَتَحَرَّى أَحَدٌ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَمْ أَعْلَمْهُ رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ رَوَى النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ كَمَا نَهَى عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَزِمَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُ وَمَنْ رَوَى يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ شُغِلَ عَنْهُمَا وَأَقَرَّ قَيْسًا عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ نَهَى عَنْهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُ وَلَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ فِيمَا اعْتَادَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَفِيمَا تُؤَكِّد مِنْهَا عَلَيْهِ وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِمَا قُلْنَا بِهِ، أَوْ يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ بِكُلِّ حَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَهَبَ أَيْضًا إلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ عُمَرُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَهُوَ مِثْلُ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَرَأَى نَهْيَهُ مُطْلَقًا فَتَرَكَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ: لَا صَلَاةَ فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِطَوَافٍ وَلَا عَلَى جِنَازَةٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِيهَا صَلَاةً فَائِتَةً وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَى أَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ وَحِينَ يُصَلِّي الْعَصْرَ إلَى أَنْ

يَتَتَامَّ مَغِيبُهَا وَنِصْفَ النَّهَارِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا الْمَعْنَى «أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ، أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَقُولُ لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَقَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : عَلِمَ أَبُو أَيُّوبَ النَّهْيَ فَرَآهُ مُطْلَقًا، وَعَلِمَ ابْنُ عُمَرَ اسْتِقْبَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ وَمَنْ عَلِمَهُمَا مَعًا قَالَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّحْرَاءِ الَّتِي لَا ضَرُورَةَ عَلَى ذَاهِبٍ فِيهَا وَلَا سِتْرَ فِيهَا لِذَاهِبٍ؛ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَاحَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ الْمُصَلِّي، أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ فَتُرَى عَوْرَتُهُ إنْ كَانَ مُقْبِلًا، أَوْ مُدْبِرًا وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ لِضِيقِهَا وَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى الْمِرْفَقِ فِيهَا وَسِتْرِهَا وَإِنَّ أَحَدًا لَا يَرَى مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ، أَوْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّيَا مَرِيضَيْنِ قَاعِدَيْنِ بِقَوْمٍ أَصِحَّاءَ فَأَمَرَاهُمْ بِالْقُعُودِ مَعَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ فَأَخَذَا بِهِ وَكَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِمَا وَلَا أَشُكُّ أَنْ قَدْ عَزَبَ عَنْهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ قِيَامًا» فَنَسَخَ هَذَا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجُلُوسِ وَرَاءَهُ إذَا صَلَّى شَاكِيًا وَجَالِسًا وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَصِيرَ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْآخِرِ إذَا كَانَ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ، أَوْ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدَّالِّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطَبَ النَّاسَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَحْصُورٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُمْ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَكَانَ يَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُهُمَا فَلَمَّا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ عِنْدَ الدَّافَّةِ، ثُمَّ قَالَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا» كَانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَقُولَ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ لِمَعْنًى، وَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ يَقُولُ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَقْتٍ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ وَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلٌّ قَالَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، أَوْ نَسَخَهُ فَعَلِمَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ فَلَوْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ صَارَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ غَيْرُهُ فِي الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا وَضَعْت هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَيْهِ لِتَدُلَّ عَلَى أُمُورٍ غَلِطَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ لِيَعْلَمَ مَنْ عَلِمَهُ أَنَّ مِنْ مُتَقَدِّمِي الصُّحْبَةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْأَمَانَةِ مَنْ يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ عَلِمَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَعَلَّهُ لَا يُقَارِبُهُ فِي تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ وَعِلْمِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ السُّنَنِ إنَّمَا هُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ لِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عِلْمَهُ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مَشْهُورٌ شُهْرَةَ الصَّلَاةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا شُهْرَةَ جُمَلِ الْفَرَائِضِ مَا كَانَ الْأَمْرُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَمَا وَصَفْت وَيَعْلَمَ أَنْ الْحَدِيثَ إذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَلِكَ ثُبُوتُهُ وَأَنْ لَا نُعَوِّلَ عَلَى حَدِيثٍ لِيُثْبِتَ أَنْ وَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَرُدُّ؛ لِأَنَّ عَمَلَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَلًا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ حَاجَةً

إلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ لَا أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ تَبِعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ وَوَافَقَهُ يَزِيدُ قَوْلَهُ: شِدَّةً وَلَا شَيْئًا خَالَفَهُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ يُوهِنُ مَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَفْرُوضُ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلُ بَشَرٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ صَحَّ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَّهِمَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا رَوَى خَاصَّةً وَمَعًا وَإِنَّ بَيْنَهُمَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ قَوْلًا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ قَوْلِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَذْكُرَهُ عَنْهُ إلَّا رَأْيًا لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ بِقَوْلِ أَحَدٍ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحِلَّ لَهُ خِلَافُ مَنْ وَضَعَهُ هَذَا الْمَوْضِعَ وَلَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا وَقَدْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ وَتُرِكَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَدَّ لِقَوْلِ أَحَدٍ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَاذْكُرْ لِي فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت فِيهِ قِيلَ لَهُ: مَا وَصَفْت فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مُتَفَرِّقًا وَجُمْلَةً وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُقَدَّمُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضْلِ وَقِدَمِ الصُّحْبَةِ وَالْوَرَعِ وَالثِّقَةُ وَالثَّبْتُ وَالْمُبْتَدِئُ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ وَالْكَاشِفُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ يَلْزَمُ حَتَّى كَانَ يَقْضِي بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى أَخْبَرَهُ، أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ «الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ وَتَرَكَ قَوْلَهُ وَكَانَ عُمَرُ يَقْضِي أَنَّ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَالْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةِ عَشْرًا عَشْرًا وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ تِسْعًا وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا حَتَّى وَجَدَ كِتَابًا عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَتَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَصَارُوا إلَى كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلُوا فِي تَرْكِ أَمْرِ عُمَرَ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَ عُمَرَ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ فِي أَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ الَّذِي، أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَاكِمَهُمْ كَانَ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِيمَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ سُنَّةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا وَلَمْ يَعْلَمْهَا أَكْثَرُهُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ الْأَحْكَامِ خَاصٌّ كَمَا وَصَفْت لَا عَامٌّ كَعَامِّ جُمَلِ الْفَرَائِضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَسَمَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلَا نَسَبٍ، ثُمَّ قَسَمَ عُمَرُ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَلِي الْخُلَفَاءُ وَأَعَمُّهُ وَأَوْلَاهُ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمِ الْفَيْءِ، وَقِسْمِ الْغَنِيمَةِ، وَقِسْمِ الصَّدَقَةِ فَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ لِحَاكِمِهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خِلَافَ رَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمُهُمْ قَدْ يَحْكُمُ بِخِلَافِ آرَائِهِمْ لَا أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ وَعَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا وَقَدْ رَأَوْا رَأْيَهُ قِيلَ: إنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا رَأْيَهُ فِيهِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ رَأَوْهُ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ خِلَافُهُ بَعْدَهُ قِيلَ لَهُ: فَيَدْخُلُ عَلَيْك فِي هَذَا إنْ كَانَ كَمَا قُلْت أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ عُمَرَ، ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ عَلِيٍّ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخَالِفُ صَاحِبَهُ فَإِجْمَاعُهُمْ إذًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ

حُجَّةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقُولُ قُلْت: لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ وَلَكِنْ يُنْسَبُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى فَاعِلِهِ فَيُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلُهُ، وَإِلَى عُمَرَ فِعْلُهُ، وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ، وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مُوَافَقَةً لَهُمْ وَلَا مُخَالِفَةً وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ وَلَا عَمَلُ عَامِلٍ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى كُلٍّ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَدَّعِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَتَجِدُ مِثْلَ هَذَا؟ قُلْنَا: إنَّمَا بَدَأْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ مَا صَنَعَ الْأَئِمَّةُ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَأَنْ لَا يَجْهَلَهُ الْعَامَّةُ وَنَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا، ثُمَّ طَرَحَ الْإِخْوَةَ مَعَهُ، ثُمَّ خَالَفَهُ فِيهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِدَاءً وَسَبْيًا وَحَبَسَهُمْ لِذَلِكَ فَأَطْلَقَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لَا سَبْيَ وَلَا فِدَاءَ مَعَ غَيْرِ هَذَا مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ وَنَكْتَفِي بِهَذَا مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ حَدَّثَهُ قَالَ: تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ فَلَمْ تُرِعْهُ إلَّا بِحَمْلِهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَأَنْتَ الرَّجُلُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ: أَحَبَلْت؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ مِنْ مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِذَلِكَ وَلَا تَكْتُمُهُ قَالَ وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ فَقَالَ: عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ فَقَالَ أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ فَقَالَ: قَدْ أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك فَقَالَ أَشِرْ أَنْتَ عَلَيَّ قَالَ أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ وَلَيْسَ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْت صَدَقْت وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ الرَّجْمُ قَالَ: وَخَالَفَ عُثْمَانَ أَنْ لَا يَحُدَّهَا بِحَالٍ وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلَافِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إيَّاهَا حَرْفٌ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُمْ لَهُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ. (قَالَ) : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ إذْ قَبِلَ حَدَّ عُمَرَ مَوْلَاةُ حَاطِبٍ كَذَا لَمْ يَكُنْ عُمَرُ لِيَحُدَّهَا إلَّا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَالَةً بِالْعِلْمِ وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ مَا لَا يَعْلَمُ فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ رَجُلٍ، أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصِّ الْأَحْكَامِ مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ قَالَ عِنْدَنَا مَا لَمْ يُعْلَمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَخَالَفَهُ عَلِيٌّ وَقَضَى عُمَرُ فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الضِّرْسَ سِنًّا فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ: إذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ عَنْهَا مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْت فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَائِلَ السَّلَفِ يَقُولُ بِرَأْيِهِ وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ وَيَقُولُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا قَالَ بِهِ شَيْءٌ فَلَا يُنْسَبُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ إلَى خِلَافِهِ وَلَا مُوَافَقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يُعْلَمْ قَوْلُهُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُوَافَقَتِهِ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى خِلَافِهِ وَلَكِنَّ كُلًّا كَذِبٌ إذَا لَمْ يُعْرَفْ قَوْلُهُ وَلَا الصِّدْقُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يُعْرَفُ إذَا لَمْ يَقُلْ قَوْلًا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرَى قَوْلَ بَعْضٍ حُجَّةً تَلْزَمُهُ إذَا رَأَى خِلَافَهَا، وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ اللَّازِمَ إلَّا الْكِتَابَ، أَوْ السُّنَّةَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا قَطُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَاصُّ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إجْمَاعًا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَجَدُوا كِتَابًا، أَوْ سُنَّةً اتَّبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا تَأَوَّلُوا مَا يَحْتَمِلُ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ وَلِذَلِكَ إذَا قَالُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً اخْتَلَفُوا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الِاجْتِمَاعِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا ادَّعَى مَنْ ادَّعَى مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَنَظَائِرَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ

صلاة الجماعة

لَمْ يَدَّعِ، الْإِجْمَاعَ فِيمَا سِوَى جُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَلَا عَالِمٍ عَلِمْته عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَا أَحَدٍ نَسَبَتْهُ الْعَامَّةُ إلَى عِلْمٍ إلَّا حَدِيثًا مِنْ الزَّمَانِ فَإِنَّ قَائِلًا قَالَ فِيهِ بِمَعْنًى لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَرَفَهُ وَقَدْ حَفِظْت عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ إبْطَالَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَتَى كَانَتْ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دَهْرٍ بِالْبُلْدَانِ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ عَامَّةٌ قَبْلَهُمْ قِيلَ يُحْفَظُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ كَذَا وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا وَنَأْخُذُ بِهِ وَلَا نَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ مَنْ قَالَهُ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، أَوْ عَنْهُ قَالَ وَمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَصًّا وَاسْتِدْلَالًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ اتِّبَاعٌ، أَوْ اسْتِنْبَاطٌ وَالِاتِّبَاعُ اتِّبَاعُ كِتَابٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفِنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى قَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِخِلَافِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الْمُطَّلِبِيُّ قَالَ: ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ الْأَذَانَ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58] وَقَالَ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فَأَوْجَبَ اللَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إتْيَانَ الْجُمُعَةِ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ لِلصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ، أَوْجَبَ إتْيَانَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَمَا أَمَرَ بِإِتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أُذِنَّ بِهَا لِتُصَلَّى لِوَقْتِهَا وَقَدْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَافِرًا وَمُقِيمًا خَائِفًا وَغَيْرَ خَائِفٍ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] الْآيَةُ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَتَى الصَّلَاةَ أَنْ يَأْتِيَهَا وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَخَّصَ فِي تَرْكِ إتْيَانِ الْجَمَاعَةِ فِي الْعُذْرِ بِمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ، وَأَشْبَهُ مَا وُصِفَتْ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ لَا يَحِلَّ تَرْكُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى لَا يَخْلُوَا جَمَاعَةٌ مُقِيمُونَ وَلَا مُسَافِرُونَ مِنْ أَنْ يُصَلَّى فِيهِمْ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا» أَوْ نَحْوُ هَذَا. (قَالَ

فضل الجماعة والصلاة معهم

الشَّافِعِيُّ) : فَيُشْبِهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَمِّهِ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِنِفَاقٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَلَا أُرَخِّصُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي تَرْكِ إتْيَانِهَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَإِنْ تَخَلَّفَ أَحَدٌ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا صَلَّاهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَوْ بَعْدَهَا إلَّا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا ظُهْرًا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ إتْيَانَهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَكُلُّ جَمَاعَةٍ صَلَّى فِيهَا رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ قَلِيلِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ كَثِيرِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَالْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ وَحَيْثُ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مَسْجِدٌ يَجْمَعُ فِيهِ فَفَاتَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ غَيْرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ وَصَلَّى فِي مَسْجِدٍ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَفَاتَتْ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا فِيهِ الصَّلَاةُ صَلُّوا فُرَادَى وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فَعَلَ السَّلَفُ قَبْلَنَا بَلْ قَدْ عَابَهُ بَعْضُهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ كَرَاهِيَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رَجُلٌ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ جَمَاعَةٍ فَيَتَخَلَّفُ هُوَ وَمَنْ أَرَادَ عَنْ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا قُضِيَتْ دَخَلُوا فَجَمَعُوا فَيَكُونُ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَتَفَرُّقُ كَلِمَةٍ وَفِيهِمَا الْمَكْرُوهُ. وَإِنَّمَا أَكْرَهُ هَذَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، فَأَمَّا مَسْجِدٌ بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، أَوْ نَاحِيَةٍ لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ إمَامٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلِّي فِيهِ الْمَارَّةُ وَيَسْتَظِلُّونَ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رِجَالٌ عَنْ إمَامَةِ رَجُلٍ فَيَتَّخِذُونَ إمَامًا غَيْرَهُ وَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ آخَرُونَ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَهُمْ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ لِمَا وَصَفْت وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ. [فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَالصَّلَاةِ مَعَهُمْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:

العذر في ترك الجماعة

«صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا إذَا أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الِاثْنَانِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ جَمَاعَةً، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ صَلَّاهَا بِنِسَائِهِ، أَوْ رَقِيقِهِ، أَوْ أُمِّهِ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ فِي بَيْتِهِ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَقُولَ صَلَاةُ الرَّجُلِ لَا تَجُوزُ وَحْدَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى جَمَاعَةٍ بِحَالِ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَلَمْ يَقُلْ لَا تُجْزِئُ الْمُنْفَرِدَ صَلَاتُهُ وَإِنَّا قَدْ حَفِظْنَا أَنْ قَدْ فَاتَتْ رِجَالًا مَعَهُ الصَّلَاةُ فَصَلُّوا بِعِلْمِهِ مُنْفَرِدِينَ وَقَدْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَجْمَعُوا وَأَنْ قَدْ فَاتَتْ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ قَوْمًا فَجَاءُوا الْمَسْجِدَ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَفَرِّدًا وَقَدْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَجْمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا وَإِنَّمَا كَرِهُوا لِئَلَّا يَجْمَعُوا فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى مَوْضِعٍ فَيَجْمَعُوا فِيهِ وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَأْتَمَّ الْمُصَلُّونَ بِرَجُلٍ فَإِذَا ائْتَمَّ وَاحِدٌ بِرَجُلٍ فَهِيَ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَكُلَّمَا كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ مَعَ الْإِمَامِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَقْرَبَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفَضْلِ. [الْعُذْرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أُذِنَّ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ رِيحٍ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ يَوْمًا فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فَصَحِبَهُ قَوْمٌ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَدَّمَ رَجُلًا وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقِيمَتْ

الصلاة بغير أمر الوالي

الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ - إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ إمَامٍ - وُضُوءٌ بَدَأَ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ يَجِدُ مِنْ الْوُضُوءِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبْدَأَ بِالْوُضُوءِ وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَإِكْمَالِهَا وَإِنَّ مَنْ شُغِلَ بِحَاجَتِهِ إلَى وُضُوءٍ أَشْبَهُ أَنْ لَا يَبْلُغَ مِنْ الْإِكْمَالِ لِلصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ فِيهَا مَا يَبْلُغُ مَنْ لَا شُغْلَ لَهُ وَإِذَا حَضَرَ عَشَاءُ الصَّائِمِ، أَوْ الْمُفْطِرِ، أَوْ طَعَامُهُ وَبِهِ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَرْخَصْت لَهُ فِي تَرْكِ إتْيَانِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِطَعَامِهِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ شَدِيدَةَ التَّوَقَانِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ شَدِيدَةَ التَّوَقَانِ إلَيْهِ تَرَكَ الْعَشَاءَ وَإِتْيَانُ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ. وَأُرَخِّصُ لَهُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالْمَرَضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرِضَ فَتَرَكَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَبِالْخَوْفِ وَبِالسَّفَرِ وَبِمَرَضٍ وَبِمَوْتِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَبِإِصْلَاحِ مَا يَخَافُ فَوْتَ إصْلَاحِهِ مِنْ مَالِهِ، وَمَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَلَا أُرَخِّصُ لَهُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَالْعُذْرُ مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ، أَوْ غَلَبَةِ نَوْمٍ، أَوْ حُضُورِ مَالٍ إنْ غَابَ عَنْهُ خَافَ ضَيْعَتَهُ، أَوْ ذَهَابٍ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ يَطْمَعُ فِي إدْرَاكِهَا وَيَخَافُ فَوْتَهَا فِي غَيْبَتِهِ. [الصَّلَاةُ بِغَيْرِ أَمَرَ الْوَالِي] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ الصَّلَاةَ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ - فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا: أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَك أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُك فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا لِي أَرَاكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُجْزِئُ رَجُلًا أَنْ يُقَدِّمَ رَجُلًا، أَوْ يَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ بِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي الَّذِي يَلِي الصَّلَاةَ أَيَّ صَلَاةٍ حَضَرَتْ مِنْ جُمُعَةٍ، أَوْ مَكْتُوبَةٍ، أَوْ نَافِلَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ وَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْوَالِي شُغْلٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ نَامَ، أَوْ أَبْطَأَ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ وَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لِحَاجَتِهِ فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فَصَلَّاهَا خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ فَفَزِعَ النَّاسُ لِذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَحْسَنْتُمْ، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا قَالَ: يَعْنِي أَوَّلَ وَقْتِهَا إلَى هُنَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ فِي هَذَا

إمامة القوم لا سلطان فيهم

كُلِّهِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَرِيبًا أَنْ يَسْتَأْمِرَ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إذَا أَبْطَأَ هُوَ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ زَمَانَ فِتْنَةٍ، أَوْ غَيْرَ زَمَانِ فِتْنَةٍ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا خَافُوا فِي هَذَا شَيْئًا مِنْ السُّلْطَانِ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُعَجِّلُوا أَمْرَ السُّلْطَانِ حَتَّى يَخَافُوا ذَهَابَ الْوَقْتِ فَإِذَا خَافُوا ذَهَابَهُ لَمْ يَسَعْهُمْ إلَّا الصَّلَاةُ جَمَاعَةً، أَوْ فُرَادَى وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْجُمُعَةُ وَالْأَعْيَادُ وَغَيْرُهَا قَدْ صَلَّى عَلِيٌّ بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. إذَا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَفِيهِمْ الْوَالِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا دَخَلَ الْوَالِي الْبَلَدَ يَلِيه فَاجْتَمَعَ وَغَيْرَهُ فِي وِلَايَتِهِ فَالْوَالِي أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ ذَا سُلْطَانٍ فِي سُلْطَانِهِ فِي مَكْتُوبَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَلَا عِيدٍ وَيُرْوَى أَنَّ ذَا السُّلْطَانِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ فِي سُلْطَانِهِ فَإِنْ قَدَّمَ الْوَالِي رَجُلًا فَلَا بَأْسَ وَإِنَّمَا يَؤُمُّ حِينَئِذٍ بِأَمْرِ الْوَالِي وَالْوَالِي الْمُطْلَقُ الْوِلَايَةِ فِي كُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ ذُو سُلْطَانٍ حَيْثُ مَرَّ وَإِنْ دَخَلَ الْخَلِيفَةُ بَلَدًا لَا يَلِيهِ وَبِالْبَلَدِ وَالٍ غَيْرُهُ فَالْخَلِيفَةُ، أَوْلَى بِالصَّلَاةِ لِأَنَّ وَالِيَهُ إنَّمَا وَلِيَ بِسَبَبِهِ وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ بَلَدًا تَغَلَّبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَالْخَلِيفَةُ، أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةٌ فَالْوَالِي بِالْبَلَدِ، أَوْلَى بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنْ جَاوَزَ إلَى بَلَدِ غَيْرِهِ لَا وِلَايَةَ لَهُ بِهِ فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ. [إمَامَةُ الْقَوْمِ لَا سُلْطَانَ فِيهِمْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إلَّا صَاحِبُ الْبَيْتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَدَّمَ صَاحِبُ الْبَيْتِ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَالَ تَقَدَّمْ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي مَنْزِلِك فَتَقَدَّمَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ أَحَدٌ غَيْرُ ذِي سُلْطَانٍ أَحَدًا فِي مَنْزِلِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الرَّجُلُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَإِنَّمَا أَمَّ بِأَمْرِهِ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّهُ فِي مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَمَّا بِأَمْرِهِ فَذَلِكَ

اجتماع القوم في منزلهم للصلاة

تَرْكٌ مِنْهُ لِحَقِّهِ فِي الْإِمَامَةِ وَلَا يَجُوزُ لِذِي سُلْطَانٍ وَلَا صَاحِبِ مَنْزِلٍ أَنْ يَؤُمَّ حَتَّى يَكُونَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ مَا تَجْزِيهِ بِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ مَا تَجْزِيه بِهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ وَإِنْ أَمَّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ هَذَا فَاسِدَةٌ وَهَكَذَا إذَا كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ مِمَّنْ لَيْسَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ لَمْ تُجْزِئْ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ الصَّلَاةُ. وَإِذَا تَقَدَّمَ أَحَدٌ ذَا سُلْطَانٍ وَذَا بَيْتٍ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَرِهْته لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي التَّقَدُّمِ إذَا كَانَ خَطَأً فَالصَّلَاةُ نَفْسُهَا مُؤَدَّاةٌ كَمَا تُجْزِئُ وَسَوَاءٌ إمَامَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُهُ حَاضِرًا فَالْبَيْتُ بَيْتُ السَّيِّدِ وَيَكُونُ، أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ فِي بَيْتِ رَجُلٍ كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ لِأَنَّ بَيْتَهُ مِنْ سُلْطَانِهِ. وَإِذَا كَانَ مِصْرٌ جَامِعٌ لَهُ مَسْجِدٌ جَامِعٌ لَا سُلْطَانَ بِهِ فَأَيُّهُمْ أَمَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ لَمْ أَكْرَهْهُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ جَاءَ إلَى ابْنِ عُمَرَ. [اجْتِمَاعُ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِهِمْ لِلصَّلَاةِ] اجْتِمَاعُ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِهِمْ سَوَاءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَالَ: لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدِمُوا مَعًا فَأَشْبَهُوا أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُمْ وَتَفَقُّهُهُمْ سَوَاءً فَأُمِرُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ وَبِذَلِكَ آمُرُهُمْ وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ الْقَوْمَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الْمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِمْ وَالٍ وَلَيْسُوا فِي مَنْزِلِ أَحَدٍ أَنْ يُقَدِّمُوا أَقْرَأَهُمْ وَأَفْقَهَهُمْ، وَأَسَنَّهُمْ فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ فَإِنْ قَدَّمُوا أَفْقَهَهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ مِنْهُ مَا يَكْتَفِي بِهِ فِي صَلَاتِهِ فَحَسَنٌ وَإِنْ قَدَّمُوا أَقْرَأَهُمْ إذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْ الْفِقْهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ. وَيُقَدِّمُوا هَذَيْنِ مَعًا عَلَى مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا قِيلَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ أَنَّ مَنْ مَضَى مِنْ الْأَئِمَّةِ كَانُوا يُسْلِمُونَ كِبَارًا فَيَتَفَقَّهُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فَقِيهًا إذَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا، أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَعْقِلُ كَيْفَ يَفْعَلُ فِيهِ بِالْفِقْهِ وَلَا يَعْلَمُهُ مَنْ لَا فِقْهَ لَهُ وَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ أَمَّهُمْ أَسَنُّهُمْ وَأَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَسَنُّهُمْ فِيمَا أَرَى - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْتَبَهِي الْحَالِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ فَأَمَرَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو نَسَبٍ فَقَدَّمُوا غَيْرَ ذِي النَّسَبِ أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ قَدَّمُوا ذَا النَّسَبِ اشْتَبَهَتْ حَالُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَنْزِلَةُ فَضْلٍ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» فَأُحِبُّ أَنْ يُقَدَّمَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ فِيهِ لِذَلِكَ مَوْضِعٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ سَوَاءً

صلاة الرجل بصلاة الرجل لم يؤمه

فَأَقْرَؤُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَسَنُّهُمْ، ثُمَّ عَاوَدْته بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ يَؤُمُّ فَقُلْت يَؤُمُّهُمْ الْعَبْدُ إذَا كَانَ أَفْقَهَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلِابْنِ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ أَرْضٌ يَعْمَلُهَا وَإِمَامُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مَوْلًى لَهُ وَمَسْكَنُ ذَلِكَ الْمَوْلَى وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ فَلَمَّا سَمِعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَاءَ لِيَشْهَدَ مَعَهُمْ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى صَاحِبُ الْمَسْجِدِ تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِك مِنِّي فَصَلَّى الْمَوْلَى صَاحِبُ الْمَسْجِدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَصَاحِبُ الْمَسْجِدِ كَصَاحِبِ الْمَنْزِلِ فَأَكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَحَدٌ إلَّا السُّلْطَانُ وَمَنْ أَمَّ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ كَرِهْت إمَامَتَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْ إمَامَتُهُ وَالِاخْتِيَارُ مَا وَصَفْت مِنْ تَقْدِيمِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ وَالسِّنِّ وَالنَّسَبِ وَإِنْ أَمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، أَوْ بَدَوِيٌّ قَرَوِيًّا فَلَا بَأْسَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَهْلُ الْفَضْلِ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْإِمَامَةِ وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُ وَمَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْمُودِ الْحَالِ فِي دِينِهِ أَيْ غَايَةً بَلَغَ يُخَالِفُ الْحَمْدَ فِي الدِّينِ. وَقَدْ صَلَّى أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ مَنْ لَا يَحْمَدُونَ فِعَالَهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ اعْتَزَلَ بِمِنًى فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجِ بِمِنًى فَصَلَّى مَعَ الْحَجَّاجِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاتِمٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَا يُصَلِّيَانِ خَلْفَ مَرْوَانَ قَالَ فَقَالَ: أَمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ إذَا رَجَعَا إلَى مَنَازِلِهِمَا؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا كَانَا يَزِيدَانِ عَلَى صَلَاةِ الْأَئِمَّةِ. [صَلَاةُ الرَّجُلِ بِصَلَاةِ الرَّجُلِ لَمْ يَؤُمَّهُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ لَا يَنْوِي أَنْ يَؤُمَّ أَحَدًا فَجَاءَتْ جَمَاعَةٌ، أَوْ وَاحِدٌ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ وَهُوَ لَهُمْ إمَامٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ يَنْوِي أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ هَذَا لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْوِيَ إمَامَةَ رَجُلٍ، أَوْ نَفَرٍ قَلِيلٍ بِأَعْيَانِهِمْ لَا يَنْوِي إمَامَةَ غَيْرِهِمْ وَيَأْتِي قَوْمٌ كَثِيرُونَ فَيُصَلُّونَ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا جَائِزٌ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - التَّوْفِيقَ. [كَرَاهِيَةُ الْإِمَامَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَأْتِي قَوْمٌ فَيُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَتَمُّوا كَانَ لَهُمْ وَلَكُمْ وَإِنْ نَقَصُوا كَانَ عَلَيْهِمْ وَلَكُمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ فَأَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُشْبِهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - إنْ أَتَمُّوا فَصَلُّوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَاءُوا بِكَمَالِ الصَّلَاةِ فِي إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِكْمَالِ التَّشَهُّدِ وَالذِّكْرِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَايَةُ التَّمَامِ وَإِنْ أَجْزَأَ أَقَلَّ مِنْهُ فَلَهُمْ وَلَكُمْ وَلَا فَعَلَيْهِمْ تَرْكُ الِاخْتِيَارِ بِعَمْدِ تَرْكِهِ وَلَكُمْ مَا نَوَيْتُمْ مِنْهُ فَتَرَكْتُمُوهُ لِاتِّبَاعِهِ بِمَا أُمِرْتُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا يُجْزِئُكُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ

ما على الإمام

أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْإِتْيَانِ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ قِرَاءَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ دُونَ أَكْمَلِ مَا يَكُونُ مِنْهَا وَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا أَجْزَأَ عَنْكُمْ وَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ مِنْ غَايَةِ الْإِتْمَامِ وَالْكَمَالِ وَيُحْتَمَلُ ضُمَنَاءُ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَافَتَةِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَأَمَّا أَنْ يَتْرُكُوا ظَاهِرًا أَكْثَرَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ، أَوْ لَمْ يَأْتُوا فِي الصَّلَاةِ بِمَا تَكُونُ مِنْهُ الصَّلَاةُ مُجْزِئَةً فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ اتِّبَاعُهُمْ وَلَا تَرْكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَلَا صَلَاتُهَا بِمَا لَا يُجْزِئُ فِيهَا. وَعَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ جَمَاعَةً مَعَ غَيْرِ مَنْ يَصْنَعُ هَذَا مِمَّنْ يُصَلِّي لَهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلِيلُ مَا وَصَفْت قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] وَيُقَالُ نَزَلَتْ فِي أُمَرَاءِ السَّرَايَا وَأُمِرُوا إذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ حُكْمِ الرَّسُولِ فَحُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُؤْتَى بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَبِمَا تُجْزِئُ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوِلَايَةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» فَإِذَا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، أَوْ لَمْ يَأْتُوا فِيهَا بِمَا تَكُونُ بِهِ مُجْزِئَةً عَنْ الْمُصَلِّي فَهَذَا مِنْ عَظِيمِ مَعَاصِي اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُرَدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُطَاعَ وَالٍ فِيهَا وَأُحِبُّ الْأَذَانَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ، وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ انْبَغَى لَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِذَا فَعَلَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ خَيْرًا حَالًا مِنْ غَيْرِهِ. [مَا عَلَى الْإِمَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ بِقَوْمٍ فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ» ، وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لِلْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَدَّى الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ وَأَجْزَأَهُمْ وَعَلَيْهِ نَقْصٌ فِي أَنْ خَصَّ نَفْسَهُ دُونَهُمْ، أَوْ يَدَعَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِكَمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ] مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَلَا صَلَاةُ امْرَأَةٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا وَلَا عَبْدٌ آبِقٌ حَتَّى يَرْجِعَ وَلَمْ أَحْفَظْ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا

ما على الإمام من التخفيف

عُنِيَ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي يَؤُمُّ جَمَاعَةً يَكْرَهُونَهُ فَأَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْمَأْمُومِ يَعْنِي فِي هَذَا الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا كُرِهَ لَهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُجْزِئَةٌ وَلَا أَعْلَمُ عَلَى الْإِمَامِ إعَادَةً؛ لِأَنَّ إسَاءَتَهُ فِي التَّقَدُّمِ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خِفْت عَلَيْهِ فِي التَّقَدُّمِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَأْبِقُ أَخَافُ عَلَيْهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسَتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إعَادَةُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَخْرُجُ فِي الْمَعْصِيَةِ أَخَافُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَإِذَا صَلَّى صَلَاةً فَفَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ أُوجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا، وَلَوْ تَطَوَّعَ بِإِعَادَتِهَا إذَا تَرَكَ مَا كَانَ فِيهِ مَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَلَّى قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَإِنْ وَلِيَهُمْ وَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ لَا يَكْرَهُونَهُ وَالْأَقَلُّ مِنْهُمْ يَكْرَهُونَهُ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا مِنْ وَجْهِ كَرَاهِيَةِ الْوِلَايَةِ جُمْلَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَحَدٌ وَلِيَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُهُ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي هَذَا إلَى الْعَامِّ الْأَكْثَرِ لَا إلَى الْخَاصِّ الْأَقَلِّ وَجُمْلَةُ هَذَا أَنِّي أَكْرَهُ الْوِلَايَةَ بِكُلِّ حَالٍ. فَإِنْ وَلِيَ رَجُلٌ قَوْمًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وِلَايَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِنَفْسِهِ لِلْوِلَايَةِ بِكُلِّ حَالٍ آمِنًا عِنْدَهُ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يُحَابِيَهُ، وَعَدُوِّهِ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَ الْحَقِّ عَلَيْهِ مُتَيَقِّظًا، لَا يَخْدَعُ عَفِيفًا عَمَّا صَارَ إلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ مُؤَدِّيًا لِلْحَقِّ عَلَيْهِ فَإِنْ نَقَصَ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَلِيَ وَلَا لِأَحَدٍ عَرَفَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ وَأُحِبُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا عَلَى النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ لَا يَبْلُغُ بِهِ غَيْظُهُ أَنْ يُجَاوِزَ حَقًّا وَلَا يَتَنَاوَلَ بَاطِلًا لَمْ يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا طِبَاعٌ لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَتَى وَلِيَ وَهُوَ كَمَا أُحِبُّ لَهُ فَتَغَيَّرَ وَجَبَ عَلَى الْوَالِي عَزْلُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَلِيَ لَهُ. وَلَوْ تَوَلَّى رَجُلٌ أَمْرَ قَوْمٍ أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَأْثَمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْوِلَايَةِ خَيْرًا لَهُ أَحَبُّوهُ، أَوْ كَرِهُوهُ. [مَا عَلَى الْإِمَام مِنْ التَّخْفِيفِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ فَإِذَا كَانَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةً عَلَى النَّاسِ وَأَطْوَلَ النَّاسِ صَلَاةً لِنَفْسِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَوَى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ قَطُّ أَخَفَّ وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ

باب صفة الأئمة

يُخَفِّفَ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلَهَا كَمَا وَصَفَ أَنَسٌ وَمَنْ حَدَّثَ مَعَهُ وَتَخْفِيفُهَا وَإِكْمَالُهَا مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ عَجَّلَ الْإِمَامُ عَمَّا أَحْبَبْت مِنْ تَمَامِ الْإِكْمَالِ مِنْ التَّثْقِيلِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ خَلْفَهُ إذَا جَاءَ بِأَقَلِّ مَا عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. [بَابُ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْدِيمِ قُرَيْشٍ، وَفَضْلُ الْأَنْصَارِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا وَلَا تُعَالِمُوهَا، أَوْ تُعَلِّمُوهَا» الشَّكُّ مِنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنَ شِهَابٍ يَقُولَانِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتهَا بِاَلَّذِي لَهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ جَلَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقُرَيْشٍ أَنْتُمْ، أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مَا كُنْتُمْ مَعَ الْحَقِّ إلَّا أَنْ تَعْدِلُوا فَتَلْحُونَ كَمَا تُلْحَى هَذِهِ الْجَرِيدَةُ» يُشِيرُ إلَى جَرِيدَةٍ فِي يَدِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رِفَاعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ قُرَيْشًا أَهْلُ إمَامَةٍ مَنْ بَغَاهَا الْعَوَاثِيرَ أَكَبَّهُ اللَّهُ لِمَنْخَرَيْهِ» يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَقَعَ بِقُرَيْشٍ فَكَأَنَّهُ نَالَ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَهْلًا يَا قَتَادَةُ، لَا تَشْتُمْ قُرَيْشًا فَإِنَّك لَعَلَّك تَرَى مِنْهَا رِجَالًا، أَوْ يَأْتِي مِنْهَا رِجَالٌ تَحْتَقِرُ عَمَلَك مَعَ أَعْمَالِهِمْ وَفِعْلَك مَعَ أَفْعَالِهِمْ وَتَغْبِطُهُمْ إذَا رَأَيْتهمْ لَوْلَا أَنْ تَطْغَى قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتهَا بِاَلَّذِي لَهَا عِنْدَ اللَّهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي قُرَيْشٍ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ لَا أَحْفَظُهُ وَقَالَ «شِرَارُ قُرَيْشٍ خِيَارُ شِرَارِ النَّاسِ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «

تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " قَالَ «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْرَقِيِّ قَالَ «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ثَنِيَّةِ تَبُوكَ فَقَالَ مَا هَا هُنَا شَامٌ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ وَمَا هَا هُنَا يَمَنٌ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ» ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَالدَّوْسِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْت وَادِيَ الْأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَهُمْ» حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْغَسِيلِ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إنَّ الْأَنْصَارَ قَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ " مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ " وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ فِي حَدِيثِهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ بَهَشَ إلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ الْأَنْصَارِ فَرَقَّ لَهُمْ، ثُمَّ خَطَبَ» وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: مَا وَجَدْت أَنَا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَثَلًا إلَّا مَا قَالَ الطُّفَيْلُ الْغَنَوِيُّ: أَبَوْا أَنْ يَمَلُّونَا وَلَوْ أَنَّ أُمَّنَا ... تُلَاقِي الَّذِي يَلْقُونَ مِنَّا لَمَلَّتْ هُمْ خَلَطُونَا بِالنُّفُوسِ وَأَلْجَئُوا ... إلَى حُجُرَاتٍ أَدْفَأَتْ وَأَظَلَّتْ جَزَى اللَّهُ عَنَّا جَعْفَرًا حِينَ أُزْلِقَتْ ... بِنَا بَعْلُنَا فِي الْوَاطِئِينَ وَزَلَّتْ قَالَ الرَّبِيعُ: هَذَا الْبَيْتُ الْأَخِيرُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدٌ إلَّا وَلِلْأَنْصَارِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ أَلَمْ يُوَسِّعُوا فِي الدِّيَارِ وَيُشَاطِرُوا فِي الثِّمَارِ وَآثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَنْزِعُ عَلَى بِئْرٍ أَسَتَقِي» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي فِي النَّوْمِ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَجَاءَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَنَزَعَ حَتَّى اسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ» وَزَادَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ «فَأَرْوَى الظِّمْأَةُ وَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُهُ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ يَعْنِي قِصَرَ مُدَّتِهِ وَعَجَلَةَ مَوْتِهِ وَشَغْلَهُ بِالْحَرْبِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنْ الِافْتِتَاحِ وَالتَّزَيُّدِ الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي

صلاة المسافر يؤم المقيمين

طُولِ مُدَّتِهِ وَقَوْلُهُ فِي عُمَرَ " فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا " وَالْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ الَّذِي إنَّمَا تَنْزِعُهُ الدَّابَّةُ أَوْ الزُّرْنُوقُ وَلَا يَنْزِعُهُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ لِطُولِ مُدَّتِهِ وَتَزَيُّدِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَزَلْ يُعَظِّمُ أَمْرَهُ وَمُنَاصَحَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يُمْتَحُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ رَجَعْت لَمْ أَجِدْك كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ قَالَ: فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ» ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: وَلِيَنَا أَبُو بَكْرٍ خَيْرُ خَلِيفَةِ اللَّهِ، أَرْحَمُهُ وَأَحْنَاهُ عَلَيْهِ. [صَلَاةُ الْمُسَافِرِ يَؤُمُّ الْمُقِيمِينَ] َ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ مُسَافِرًا، أَوْ مُقِيمًا وَلَا يُوَكِّلَ غَيْرَهُ وَيَأْمُرَ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ أَنْ يُتِمُّوا إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ فَقِهُوا فَيَكْتَفِي بِفِقْهِهِمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِذَا اجْتَمَعَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ فَإِنْ كَانَ الْوَالِي مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ صَلَّى بِهِمْ مُسَافِرًا كَانَ، أَوْ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَأَقَامَ غَيْرَهُ فَصَلَّى بِهِمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ إلَى أَنْ يَأْمُرَ مُقِيمًا وَلَا يُوَلِّيَ الْإِمَامَةَ إلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَإِنْ أَمَرَ مُسَافِرًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ مُقِيمٌ وَيَبْنِي الْمُقِيمُ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَالٍ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ الْمُقِيمُ لِتَكُونَ صَلَاتُهُمْ كُلُّهَا بِإِمَامٍ وَيُؤَخَّرَ الْمُسَافِرُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَإِكْمَالِ عَدَدِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قَدَّمُوا مُسَافِرًا فَأَمَّهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَبَنَى الْمُقِيمُونَ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إذَا قَصَرَ وَإِنْ أَتَمَّ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُ وَأَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ وَالْمُسَافِرِينَ صَلَاتُهُمْ. [صَلَاةُ الرَّجُلِ بِالْقَوْمِ لَا يَعْرِفُونَهُ] ُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا فِي سَفَرٍ، أَوْ حَضَرٍ، أَوْ غَيْرِهِ ائْتَمُّوا بِرَجُلٍ لَا يَعْرِفُونَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ شَكُّوا أَمُسْلِمٌ هُوَ، أَوْ غَيْرُ مُسْلِمٍ؟ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَهُوَ إذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ إمَامٌ مُسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَوْ عَرَفُوهُ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ وَكَانُوا مِمَّنْ يَعْرِفُونَهُ الْمَعْرِفَةَ الَّذِي الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ أَنَّ إسْلَامَهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ أَسْلَمَ فَصَلَّى فَصَلُّوا وَرَاءَهُ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً، أَوْ صَحْرَاءَ لَمْ تُجْزِئْهُمْ صَلَاتُهُمْ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوهُ فَيَقُولَ: أَسْلَمْت قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ يُعْلِمَهُمْ مَنْ يُصَدِّقُونَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ. وَإِذَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَصَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ، وَلَوْ صَلُّوا مَعَهُ عَلَى عِلْمِهِمْ بِشِرْكِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا إسْلَامَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهَا لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِائْتِمَامُ بِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمْ بِكُفْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا إسْلَامَهُ قَبْلَ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ وَإِذَا صَلُّوا مَعَ رَجُلٍ صَلَاةً كَثِيرَةً ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ، أَوْ عَلِمُوا مِنْ غَيْرِهِ أَعَادُوا كُلَّ صَلَاةٍ صَلُّوهَا خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَصَلُّوا مَعَهُ فِي رِدَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَعَادُوا كُلَّ صَلَاةٍ صَلُّوهَا مَعَهُ

إمامة المرأة للرجال

[إمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ ذُكُورٍ فَصَلَاةُ النِّسَاءِ مُجْزِئَةٌ وَصَلَاةُ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ الذُّكُورِ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الرِّجَالَ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ وَقَصَرَهُنَّ عَنْ أَنْ يَكُنَّ، أَوْلِيَاءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ إمَامَ رَجُلٍ فِي صَلَاةٍ بِحَالٍ أَبَدًا وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ صَلَّى مَعَ الْمَرْأَةِ خُنْثَى مُشْكِلٌ لَمْ تَجْزِهِ صَلَاتُهُ مَعَهَا وَلَوْ صَلَّى مَعَهَا خُنْثَى مُشْكِلٌ وَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ حَتَّى بَانَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَحَسِبْت أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ صَلَّى مَعَهَا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهَا. [إمَامَة الْمَرْأَة وَمَوْقِفُهَا فِي الْإِمَامَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا حُجَيْرَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَوَى اللَّيْثُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِنِسْوَةٍ الْعَصْرَ فَقَامَتْ فِي وَسَطِهِنَّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ: إنَّ «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِالنِّسَاءِ تَقُومُ فِي وَسَطِهِنَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَقُومُ بِأَهْلِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَتْ عَمْرَةُ تَأْمُرُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَقُومَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَتَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا وَآمُرُهَا أَنْ تَقُومَ فِي وَسَطِ الصَّفِّ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نِسَاءٌ كَثِيرٌ أَمَرْت أَنْ يَقُومَ الصَّفُّ الثَّانِي خَلْفَ صَفِّهَا وَكَذَلِكَ الصُّفُوفُ وَتَصُفُّهُنَّ صُفُوفَ الرِّجَالِ إذَا كَثُرْنَ لَا يُخَالِفْنَ الرِّجَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ صُفُوفِهِنَّ إلَّا أَنْ تَقُومَ الْمَرْأَةُ وَسَطًا وَتَخْفِضَ صَوْتَهَا بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ الَّذِي يُجْهَرُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قَامَتْ الْمَرْأَةُ أَمَامَ النِّسَاءِ فَصَلَاتُهَا وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهَا مُجْزِئَةٌ عَنْهُنَّ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَؤُمَّ النِّسَاءَ مِنْهُنَّ إلَّا حُرَّةٌ؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي مُتَقَنِّعَةً فَإِنْ أَمَّتْ أَمَةٌ مُتَقَنِّعَةٌ، أَوْ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ حَرَائِرَ فَصَلَاتُهَا وَصَلَاتُهُنَّ مُجْزِئَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْضُهَا وَهَذَا فَرْضُهُنَّ. وَإِمَامَةُ الْقَاعِدِ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ أَكْثَرُ مِنْ إمَامَةِ أَمَةٍ مَكْشُوفَةِ الرَّأْسِ وَحَرَائِرَ مُتَقَنِّعَاتٍ. [إمَامَةُ الْأَعْمَى] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ «أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالْمَطَرُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى قَالَ: فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ نُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ لَهُ إلَى مَكَان مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ

إمامة العبد

مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَمِعْت عَدَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ أَعْمَى فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي عَدَدِ غَزَوَاتٍ لَهُ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ إمَامَةَ الْأَعْمَى وَالْأَعْمَى إذَا سَدَّدَ إلَى الْقِبْلَةِ إلَيَّ كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَلْهُوَ بِشَيْءٍ تَرَاهُ عَيْنَاهُ وَمَنْ أَمَّ صَحِيحًا كَانَ أَوْ أَعْمَى فَأَقَامَ الصَّلَوَاتِ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ وَلَا أَخْتَارُ إمَامَةَ الْأَعْمَى عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَامًا بَصِيرًا، وَلَا إمَامَةَ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَعْمَى؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجِدُ عَدَدًا مِنْ الْأَصِحَّاءِ يَأْمُرُهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ مَنْ أَمَرَ بِهَا مِنْ الْعُمْيِ. [إمَامَةُ الْعَبْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَعْلَى الْوَادِي هُوَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَنَاسٌ كَثِيرٌ فَيَؤُمُّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ وَأَبُو عَمْرٍو غُلَامُهَا حِينَئِذٍ لَمْ يَعْتِقْ قَالَ: وَكَانَ إمَامَ بَنِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُرْوَةَ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَدَّمَ أَهْلُ الْفَضْلِ فِي الْإِمَامَةِ عَلَى مَا وَصَفْت وَأَنْ يُقَدَّمَ الْأَحْرَارُ عَلَى الْمَمَالِيكِ وَلَيْسَ بِضِيقٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَمْلُوكُ الْأَحْرَارَ إمَامًا فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً وَلَا فِي طَرِيقٍ وَلَا فِي مَنْزِلٍ وَلَا فِي جُمُعَةٍ وَلَا عِيدٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ. فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ كَيْفَ يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَيْسَتْ عَلَيْهِ عَلَى مَعْنَى مَا ذَهَبْت إلَيْهِ إنَّمَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ بِضِيقٍ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهَا كَمَا لَيْسَ

إمامة الأعجمي

بِضِيقٍ عَلَى خَائِفٍ وَلَا مُسَافِرٍ، وَأَيُّ هَؤُلَاءِ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ إذَا حَضَرَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَهِيَ رَكْعَتَا الظُّهْرِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعٌ فَصَلَّاهَا بِأَهْلِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَعَنْهُمْ. [إمَامَةُ الْأَعْجَمِيِّ] ِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ قَالَ: حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ فِي أَعْلَى الْوَادِي هَا هُنَا وَفِي الْحَجِّ قَالَ: فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي السَّائِبِ أَعْجَمِيُّ اللِّسَانِ قَالَ: فَأَخَّرَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَقَدَّمَ غَيْرَهُ فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى جَاءَ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا جَاءَ الْمَدِينَةَ عَرَّفَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ الْمِسْوَرُ: أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ الرَّجُلَ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ وَكَانَ فِي الْحَجِّ فَخَشِيت أَنْ يَسْمَعَ بَعْضُ الْحَاجِّ قِرَاءَتَهُ فَيَأْخُذَ بِعُجْمَتِهِ فَقَالَ هُنَالِكَ ذَهَبْت بِهَا فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ أَصَبْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ مَا صَنَعَ الْمِسْوَرُ وَأَقَرَّ لَهُ عُمَرُ مِنْ تَأْخِيرِ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَؤُمَّ وَلَيْسَ بِوَالٍ وَتَقْدِيمِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَعْجَمِيًّا. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ غَيْرَ رَضِيٍّ فِي دِينِهِ وَلَا عَالِمٍ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ حَافِظًا لِمَا يَقْرَأُ فَصِيحًا بِهِ وَأَكْرَهُ إمَامَةَ مَنْ يَلْحَنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحِيلُ بِاللَّحْنِ الْمَعْنَى فَإِنْ أَمَّ أَعْجَمِيٌّ، أَوْ لَحَّانٌ فَأَفْصَحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، أَوْ لَحَنَ فِيهَا لَحْنًا لَا يُحِيلُ مَعْنَى شَيْءٍ مِنْهَا أَجْزَأَتْهُ وَأَجْزَأَتْهُمْ، وَإِنْ لَحَنَ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ مَعْنَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ تَجْزِ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ وَأَجْزَأَتْهُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ غَيْرَهُ كَمَا يَجْزِيه أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا قِرَاءَةٍ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ. وَمِثْلُ هَذَا إنْ لَفَظَ مِنْهَا بِشَيْءٍ بِالْأَعْجَمِيَّةِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ غَيْرَهُ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَمْ تُجْزِ مَنْ خَلْفَهُ قَرَءُوا مَعَهُ، أَوْ لَمْ يَقْرَءُوا وَإِذَا ائْتَمُّوا بِهِ فَإِنْ أَقَامَا مَعًا أُمَّ الْقُرْآنِ، أَوْ لَحَنَا، أَوْ نَطَقَ أَحَدُهُمَا بِالْأَعْجَمِيَّةِ، أَوْ لِسَانٍ أَعْجَمِيٍّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ غَيْرِهَا أَجْزَأَتْهُ وَمَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ إذَا كَانَ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ لِمَا نَطَقَ بِهِ مِنْ عُجْمَةٍ وَلَحْنٍ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ كَلَامًا غَيْرَ الْقِرَاءَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ ائْتَمُّوا بِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ صَلَاتِهِ حِينَ فَسَدَتْ فَقَدَّمُوا غَيْرَهُ، أَوْ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ. [إمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا] أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَؤُمُّ نَاسًا بِالْعَقِيقِ فَنَهَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِنَّمَا نَهَاهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ إمَامًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَوْضِعُ فَضْلٍ وَتَجْزِي مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ، وَتَجْزِيهِ إنْ فَعَلَ وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ إمَامَةَ الْفَاسِقِ وَالْمُظْهِرِ الْبِدَعَ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ إذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ. [إمَامَة الصَّبِيّ لَمْ يَبْلُغ] ْ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَمَّ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الَّذِي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَيَقْرَأُ، الرِّجَالَ الْبَالِغِينَ فَإِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُمْ إمَامَتُهُ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَؤُمَّ إلَّا بَالِغٌ وَأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الْبَالِغُ عَالِمًا بِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِضُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ.

إمامة من لا يحسن القراءة

[إمَامَةُ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ] إمَامَةُ مَنْ لَا يُحْسِنُ يَقْرَأُ وَيَزِيدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ وَإِذَا أَمَّ الْأُمِّيُّ، أَوْ مَنْ لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَإِنْ أَحْسَنَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُحْسِنْ أُمَّ الْقُرْآنِ لَمْ يَجْزِ الَّذِي يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ صَلَاتُهُ مَعَهُ وَإِنْ أَمَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ أَجْزَأَتْ مَنْ لَا يُحْسِنُ يَقْرَأُ صَلَاتُهُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَيُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ، أَوْ ثَمَانِ آيَاتٍ وَمَنْ خَلْفَهُ لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَيُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا أَكْثَرَ مِمَّا يُحْسِنُ الْإِمَامُ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا لَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَالْإِمَامُ يُحْسِنُ مَا يَجْزِيهِ فِي صَلَاتِهِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ قَوْمًا يَقْرَءُونَ فَلَا يَدْرُونَ أَيُحْسِنُ يَقْرَأُ أَمْ لَا فَإِذَا هُوَ لَا يُحْسِنُ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَيَتَكَلَّمُ بِسَجَاعَةٍ فِي الْقُرْآنِ لَمْ تُجْزِئْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْهِمْ إذَا سَجَعَ مَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَإِنَّمَا جَعَلْت ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يَبْتَدِئُوا صَلَاتَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ وَإِنَّ سَجَاعَتَهُ كَالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يَقْرَأُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ يُحْسِنُ يَقْرَأُ فَابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَعَ أَحْبَبْت لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ إمَامَتِهِ وَيَبْتَدِئُوا الصَّلَاةَ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، أَوْ خَرَجُوا حِينَ سَجَعَ مِنْ صَلَاتِهِ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ كَمَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ لَوْ صَلُّوا خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ يَقْرَأُ فَأَفْسَدَ صَلَاتَهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ، أَوْ عَمَلٍ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ بِإِفْسَادِ صَلَاتِهِ إذَا كَانَ لَهُمْ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَنْ يُصَلُّوا مَعَهُ وَإِذَا صَلَّى لَهُمْ مَنْ لَا يَدْرُونَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ أَمْ لَا صَلَاةً لَا يَجْهَرُ فِيهَا أَحْبَبْت لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَقَدَّمُ قَوْمًا فِي صَلَاةٍ إلَّا مُحْسِنًا لِمَا تُجْزِئهُ بِهِ الصَّلَاةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا أَمَّهُمْ فِي صَلَاةٍ يُجْهَرُ فِيهَا فَلَمْ يَقْرَأْ أَعَادُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ قَالَ: قَدْ قَرَأْت فِي نَفْسِي فَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَهُ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ أَحْبَبْت لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ يُحْسِنُ يَقْرَأُ وَلَمْ يَقْرَأْ قِرَاءَةً يَسْمَعُونَهَا. [إمَامَةُ الْجُنُبِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ أَنْ اُمْكُثُوا، ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَاهُ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ وَقَالَ «إنِّي كُنْت جُنُبًا فَنَسِيت» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهَذَا يُشْبِهُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كُلِّفُوا فِي غَيْرِهِمْ الْأَغْلَبَ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُمْ وَأَنَّ مُسْلِمًا لَا يُصَلِّي إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ فَمَنْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ كَانَ جُنُبًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ أَمَّتْ نِسَاءً، ثُمَّ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ حَائِضًا أَجْزَأَتْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ صَلَاتُهُمْ وَأَعَادَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ. وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، ثُمَّ صَلَّوْا مَعَهُ لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا بِصَلَاةِ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عَالِمِينَ وَلَوْ دَخَلُوا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ عَالِمِينَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَعَلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُكْمِلُوا الصَّلَاةَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُتِمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ وَيَنْوُونَ

إمامة الكافر

الْخُرُوجَ مِنْ إمَامَتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَأَقَامُوا مُؤْتَمِّينَ بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، أَوْ غَيْرَ نَاوِينَ الْخُرُوجَ مِنْ إمَامَتِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَكَانَ عَلَيْهِمْ اسْتِئْنَافُهَا لِأَنَّهُمْ قَدْ ائْتَمُّوا بِصَلَاةِ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُمْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ عَالِمِينَ وَإِذَا اخْتَلَفَ عِلْمُهُمْ فَعَلِمَتْ طَائِفَةٌ وَطَائِفَةٌ لَمْ تَعْلَمْ فَصَلَاةُ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزَةٌ وَصَلَاةُ الَّذِينَ عَلِمُوا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَقَامُوا مُؤْتَمِّينَ بِهِ غَيْرُ جَائِرَةٍ وَلَوْ افْتَتَحَ الْإِمَامُ طَاهِرًا، ثُمَّ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ فَمَضَى عَلَى صَلَاتِهِ عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا كَانَ هَكَذَا وَعَمْدُ الْإِمَامِ وَنِسْيَانُهُ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالْعَمْدِ وَلَا يَأْثَمُ بِالنِّسْيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [إمَامَةُ الْكَافِرِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَافِرًا أَمَّ قَوْمًا مُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْلَمُوا كُفْرَهُ، أَوْ يَعْلَمُوا لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ إسْلَامًا لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُعَزَّرُ الْكَافِرُ وَقَدْ أَسَاءَ مَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ وَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ غَرِيبٌ بِقَوْمٍ، ثُمَّ شَكُّوا فِي صَلَاتِهِمْ فَلَمْ يَدْرُوا أَكَانَ كَافِرًا، أَوْ مُسْلِمًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ إعَادَةٌ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَافِرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَلَاتَهُ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ مَنْ أَمَّ فَعَلِمَ كُفْرَهُ مِثْلُ مُسْلِمٍ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَكُونُ إمَامًا فِي حَالٍ وَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ إمَامًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا طَاهِرًا وَهَكَذَا لَوْ كَانَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ، ثُمَّ أَمَّ وَهُوَ مُرْتَدٌّ لَمْ تَجْزِ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُ حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ إمَامَتِهِمْ فَإِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ إمَامَتِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ مَعَهُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ حَالَانِ حَالٌ كَانَ فِيهَا مُرْتَدًّا وَحَالٌ كَانَ فِيهَا مُسْلِمًا فَأَمَّهُمْ فَلَمْ يَدْرُوا فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ أَمَّهُمْ أَحْبَبْت أَنْ يُعِيدُوا وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ أَمَّهُمْ مُرْتَدًّا وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا أَسْلَمَ، ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا، ثُمَّ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ فَمَنْ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَقَبْلَ جَحْدِهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَمَنْ ائْتَمَّ بَعْدَ جَحْدِهِ أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ لَمْ تَجْزِهِ صَلَاتُهُ حَتَّى يُجَدِّدَ إسْلَامَهُ، ثُمَّ يَؤُمَّهُمْ بَعْدَهُ. [إمَامَةُ مَنْ لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ] َ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الْمَجْنُونُ الْقَوْمَ فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَأَمَّهُمْ فِي إفَاقَتِهِ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ وَإِنْ أَمَّهُمْ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يُجْزِهِمْ وَلَا إيَّاهُ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ أَمَّهُمْ وَهُوَ

موقف الإمام

يَعْقِلُ وَعَرَضَ لَهُ أَمْرٌ أَذْهَبَ عَقْلَهُ فَخَرَجُوا مِنْ إمَامَتِهِ مَكَانَهُمْ صَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ. وَإِنْ بَنَوْا عَلَى الِائْتِمَامِ شَيْئًا قَلَّ، أَوْ كَثُرَ مَعَهُ بَعْدَ مَا عَلِمُوا أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ وَإِنْ أَمَّ سَكْرَانُ لَا يَعْقِلُ فَمِثْلُ الْمَجْنُونِ، وَإِنْ أَمَّ شَارِبٌ يَعْقِلُ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَأَجْزَأَتْ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَإِنْ أَمَّهُمْ وَهُوَ يَعْقِلُ، ثُمَّ غُلِبَ بِسُكْرٍ فَمِثْلُ مَا وَصَفْت مِنْ الْمَجْنُونِ لَا يُخَالِفُهُ. [مَوْقِفُ الْإِمَامِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيمٌ لَنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِنَا وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: أَمَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ عَمِلَهُ لَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ وَلَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَعِدَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ، ثُمَّ صَعِدَ فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، ثُمَّ سَجَدَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْت فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْت فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى فَفَتَلَهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَا حَكَيْت مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي النَّافِلَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا جَائِزَةٌ وَأَنَّهَا كَالْإِمَامَةِ فِي الْمَكْتُوبَةِ لَا يَخْتَلِفَانِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْإِمَامِ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ مُنْفَرِدًا وَالْمَأْمُومَانِ فَأَكْثَرُ خَلْفَهُ وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ بِرَجُلَيْنِ فَقَامَ مُنْفَرِدًا أَمَامَهُمَا وَقَامَا صَفًّا خَلْفَهُ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ الْمَأْمُومِينَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَخَنَاثَى مُشْكِلُونَ وَقَفَ الرِّجَالُ يَلُونَ الْإِمَامَ وَالْخَنَاثَى خَلْفَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ خَلْفَ الْخَنَاثَى وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا خُنْثَى مُشْكِلٌ وَاحِدٌ وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا وَاحِدًا أَقَامَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ عَنْ يَمِينِهِ وَإِذَا أَمَّ خُنْثَى مُشْكِلًا، أَوْ امْرَأَةً قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَلْفَهُ لَا بِحِذَائِهِ وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا فَوَقَفَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، أَوْ خَلْفَهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمَا وَلَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ إنْ أَمَّ اثْنَيْنِ فَوَقَفَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ مَعًا، أَوْ يَمِينِهِ، أَوْ وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ جَنْبِهِ وَالْآخَرُ خَلْفَهُ، أَوْ وَقَفَا مَعًا خَلْفَهُ مُنْفَرِدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمَا وَلَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ وَإِنَّمَا أَجَزْت هَذَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَوَقَفَ إلَى جَنْبِهِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ لَمْ يَفْسُدْ أَنْ يَكُونَ إلَى جَنْبِهِ اثْنَانِ وَلَا جَمَاعَةٌ وَلَا يَفْسُدُ أَنْ يَكُونُوا عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إلَى جَنْبِهِ وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَحْدَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْعَجُوزَ صَلَّتْ مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ وَآخَرُ مَعَهُ وَهُمَا خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَامَهُمَا «قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ رَأَيْت النَّبِيَّ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ فَوَقَفْت خَلْفَهُ وَهُوَ يُصَلِّي قَائِمًا فَوَقَفْت خَلْفَهُ لِأُصَلِّيَ مَعَهُ فَأَخَذَنِي بِيَدِهِ فَأَوْقَفَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَنَظَرْت خَلْفَ ظَهْرِهِ الْخَاتَمُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ يُشْبِهُ الْحَاجِبَ الْمُقَوَّسَ وَنُقَطٌ سَوَادٌ فِي طَرَفِ الْخَاتَمِ وَنُقَطٌ سَوَادٌ فِي طَرَفِهِ الْآخَرِ فَقُمْت إلَيْهِ فَقَبَّلْت الْخَاتَمَ» . وَلَوْ وَقَفَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ أَمَامَ الْإِمَامِ يَأْتَمُّ بِهِ أَجْزَأَتْ الْإِمَامَ وَمَنْ صَلَّى إلَى جَنْبِهِ، أَوْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ وَلَمْ يُجْزِ ذَلِكَ مَنْ وَقَفَ أَمَامَ الْإِمَامِ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَمَامَ لِمَأْمُومٍ، أَوْ حِذَاءَهُ لَا خَلْفَهُ وَسَوَاءٌ قَرُبَ ذَلِكَ، أَوْ بَعُدَ مِنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ أَمَامَ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ صَفٌّ فِي غَيْرِ مَكَّةَ فَتَعَوَّجَ الصَّفُّ حَتَّى صَارَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَى حَدِّ الْقِبْلَةِ، أَوْ السُّتْرَةِ مَا كَانَتْ السُّتْرَةُ مِنْ الْإِمَامِ لَمْ تَجْزِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ يَرَى صَلَاةَ الْإِمَامِ وَلَوْ شَكَّ الْمَأْمُومُ أَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ الْإِمَامُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُعِيدَ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ يُعِيدَ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَلَوْ أَمَّ إمَامٌ بِمَكَّةَ وَهُمْ يُصَلُّونَ بِهَا صُفُوفًا مُسْتَدِيرَةً يَسْتَقْبِلُ كُلُّهُمْ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ عَلَيْهِمْ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - عِنْدِي أَنْ يَصْنَعُوا كَمَا يَصْنَعُونَ فِي الْإِمَامِ وَأَنْ يَجْتَهِدُوا حَتَّى يَتَأَخَّرُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَنْ الْبَيْتِ تَأَخُّرًا يَكُونُ فِيهِ الْإِمَامُ أَقْرَبَ إلَى الْبَيْتِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ يَبِينُ لِمَنْ زَالَ عَنْ حَدِّ الْإِمَامِ وَقُرْبِهِ مِنْ الْبَيْتِ عَنْ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَتَبَايَنْ ذَلِكَ تَبَايُنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَفًّا وَاحِدًا مُسْتَقْبِلِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْت وَلَا يَكُونُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إعَادَةُ صَلَاةٍ حَتَّى يَعْلَمَ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَ وَجْهَ الْقِبْلَةِ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ قَدْ تَقَدَّمُوا الْإِمَامَ وَكَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْبَيْتِ مِنْهُ فَإِذَا عَلِمُوا أَعَادُوا فَأَمَّا الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَ الْكَعْبَةَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا فَيَجْتَهِدُونَ كَمَا يُصَلُّونَ أَنْ يَكُونُوا أَنْأَى عَنْ الْبَيْتِ مِنْ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَعَلِمُوا، أَوْ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْبَيْتِ مِنْ الْإِمَامِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ وَالْإِمَامَ. وَإِنْ اجْتَمَعَا أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ بِجِهَتِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ جِهَةِ صَاحِبِهِ فَإِذَا عَقَلَ الْمَأْمُومُ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ (قَالَ) : وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يُصَلُّونَ مُسْتَدْبِرِي الْكَعْبَةِ وَالْإِمَامُ فِي وَجْهِهَا وَلَمْ أَعْلَمْهُمْ يَتَحَفَّظُونَ وَلَا أُمِرُوا بِالتَّحَفُّظِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جِهَتُهُ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرَ جِهَةِ الْإِمَامِ، أَوْ يَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْبَيْتِ مِنْهُ وَقَلَّمَا يُضْبَطُ هَذَا حَوْلَ الْبَيْتِ إلَّا بِالشَّيْءِ الْمُتَبَايِنِ جِدًّا وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ فَوَقَفَ فِي ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، أَوْ أَحَدِ جِهَتِهَا غَيْرِ وَجْهِهَا لَمْ يَجُزْ لِلَّذِينَ يُصَلُّونَ مِنْ جِهَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا خَلْفَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَعَادُوا وَأَجْزَأَ مَنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ وَإِنْ صَلَّى وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْهُ وَالِاخْتِيَارُ لَهُمْ أَنْ يَتَحَرَّوْا أَنْ يَكُونُوا خَلْفَهُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَّ رِجَالًا وَنِسَاءً فَقَامَ النِّسَاءُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالرِّجَالُ خَلْفَهُنَّ، أَوْ قَامَ النِّسَاءُ حِذَاءَ الْإِمَامِ فَائْتَمَمْنَ بِهِ وَالرِّجَالُ إلَى جَنْبِهِنَّ كَرِهْت ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَالْإِمَامِ وَلَمْ تَفْسُدْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ

صلاة الإمام قاعدا

أَخْبَرَنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَبْطَحِ وَخَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا فَصَلَّى إلَيْهَا وَالْكَلْبُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَمْ تُفْسِدْ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُصَلِّي أَنْ تَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهِيَ إذَا كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَحْرَى أَنْ لَا تُفْسِدَ عَلَيْهِ وَالْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ أَوْ غَيْرُ الْمَجْبُوبِ رَجُلٌ يَقِفُ مَوْقِفَ الرِّجَالِ فِي الصَّلَاةِ وَيَؤُمُّ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَرِثُ وَيُورَثُ وَيَثْبُتُ لَهُ سَهْمٌ فِي الْقِتَالِ وَعَطَاءٌ فِي الْفَيْءِ وَإِذَا كَانَ الْخُنْثَى مُشْكِلًا فَصَلَّى مَعَ إمَامٍ وَحْدَهُ وَقَفَ خَلْفَهُ وَإِنْ صَلَّى مَعَ جَمَاعَةٍ وَقَفَ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَحْدَهُ وَأَمَامَ صُفُوفِ النِّسَاءِ. [صَلَاةُ الْإِمَامِ قَاعِدًا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَمَنْ حَدَّثَ مَعَهُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَمَنْ خَلْفَهُ جُلُوسًا» - مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

مقام الإمام ارتفعا والمأموم مرتفع

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا وَصَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا» فَهَذَا مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةٌ مَعْقُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يُطِقْ الْقِيَامَ صَلَّى جَالِسًا وَكَانَ ذَلِكَ فَرْضَهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ غَيْرِهِ قِيَامًا إذَا أَطَاقُوهُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرْضُهُ فَكَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي فَرْضَهُ قَائِمًا إذَا أَطَاقَ وَجَالِسًا إذَا لَمْ يُطِقْ وَكَذَلِكَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا وَمُومِيًا إنْ لَمْ يُطِقْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيُصَلِّي الْمَأْمُومُونَ كَمَا يُطِيقُونَ فَيُصَلِّي كُلٌّ فَرْضَهُ فَتَجْزِي كُلًّا صَلَاتُهُ وَلَوْ صَلَّى إمَامٌ مَكْتُوبَةً بِقَوْمٍ جَالِسًا وَهُوَ يُطِيقُ الْقِيَامَ وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا كَانَ الْإِمَامُ مُسِيئًا وَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ وَأَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ يُطِيقُ الْقِيَامَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ يَرَى صِحَّةً بَادِيَةً وَجَلَدًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَجِدُ مَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ وَلَوْ عَلِمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُصَلِّي جَالِسًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَائِمًا أَعَادَ لِأَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجْزِي عَنْهُ وَلَوْ صَلَّى أَحَدٌ يُطِيقُ الْقِيَامَ خَلْفَ إمَامٍ قَاعِدٍ فَقَعَدَ مَعَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بَعْضَ الصَّلَاةِ قَاعِدًا، ثُمَّ أَطَاقَ الْقِيَامَ كَانَ عَلَيْهِ حِينَ أَطَاقَ الْقِيَامَ أَنْ يَقُومَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ تَامَّةٌ. وَلَوْ افْتَتَحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ مَرِضَ حَتَّى لَا يُطِيقَ الْقِيَامَ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ لِيُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ جَالِسًا وَالْمَرْأَةُ تَؤُمُّ النِّسَاءَ وَالرَّجُلُ يَؤُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي هَذَا سَوَاءٌ. وَإِنْ أَمَّتْ أَمَةٌ نِسَاءً فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ أَجْزَأَتْهَا وَإِيَّاهُنَّ صَلَاتُهُنَّ فَإِنْ عَتَقَتْ فَعَلَيْهَا أَنْ تُقَنِّعَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَفْعَلْ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنْ قَدْ عَتَقَتْ وَغَيْرُ عَالِمَةٍ أَعَادَتْ صَلَاتَهَا تِلْكَ وَكُلَّ صَلَاةٍ صَلَّتْهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ. [مَقَامُ الْإِمَامِ ارْتَفَعَا وَالْمَأْمُومُ مُرْتَفِعٌ] ٌ وَمَقَامُ الْإِمَامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مَقْصُورَةٌ وَغَيْرُهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ:: صَلَّى بِنَا حُذَيْفَةُ عَلَى دُكَّانٍ مُرْتَفِعٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فَجَبَذَهُ أَبُو مَسْعُودٍ فَتَابَعَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: أَبُو مَسْعُودٍ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: حُذَيْفَةُ أَلَمْ تَرَنِي قَدْ تَابَعْتُك؟ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْتَارُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَعْلَمُ مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ لِيَرَاهُ مَنْ وَرَاءَهُ فَيَقْتَدُونَ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ فَإِذَا كَانَ مَا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْهُ مُتَضَايِقًا عَنْهُ إذَا سَجَدَ، أَوْ مُتَعَادِيًا عَلَيْهِ كَتَضَايُقِ الْمِنْبَرِ وَتَعَادِيهِ بِارْتِفَاعِ بَعْضِ دَرَجِهِ عَلَى بَعْضٍ أَنْ يَرْجِعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى يَصِيرَ إلَى الِاسْتِوَاءِ، ثُمَّ يَسْجُدَ ثُمَّ يَعُودَ إلَى مَقَامِهِ وَإِنْ كَانَ مُتَضَايِقًا، أَوْ مُتَعَادِيًا، أَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ الْقَهْقَرَى، أَوْ يَتَقَدَّمَ فَلْيَتَقَدَّمْ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ مِنْ شَأْنِ الْمُصَلِّينَ فَإِنْ اسْتَأْخَرَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ لَا يَتَضَايَقُ إذَا سَجَدَ وَلَا يَتَعَادَى سَجَدَ عَلَيْهِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَلَا يَتَأَخَّرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا رَجَعَ لِلسُّجُودِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - لِتَضَايُقِ الْمِنْبَرِ وَتَعَادِيهِ وَإِنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، أَوْ تَقَدَّمَ، أَوْ مَشَى مَشْيًا غَيْرَ مُنْحَرِفٍ إلَى الْقِبْلَةِ مُتَبَايِنًا، أَوْ مَشَى يَسِيرًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَرِهْته لَهُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ سُجُودَ سَهْوٍ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مُتَبَاعِدًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مُتَبَاعِدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ عَلَّمَ النَّاسَ مَرَّةً

اختلاف نية الإمام والمأموم

أَحْبَبْت أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَوِيًا مَعَ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَكَانَ مَقَامُهُ فِيهَا سِوَاهَا بِالْأَرْضِ مَعَ الْمَأْمُومِينَ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلنَّاسِ وَلَوْ كَانَ أَرْفَعَ مِنْهُمْ، أَوْ أَخْفَضَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاتُهُمْ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَأْمُومُ مِنْ فَوْقِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَهُ، أَوْ يَرَى بَعْضَ مَنْ خَلْفَهُ فَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمُؤَذِّنِينَ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ كُنْت قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَهُمْ أَحَبَّ ذَلِكَ لَهُمْ لَوْ أَنَّهُمْ هَبَطُوا إلَى الْمَسْجِدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَوْقِفُ الْمَرْأَةِ إذَا أَمَّتْ النِّسَاءَ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ فَإِنْ قَامَتْ مُتَقَدِّمَةً النِّسَاءَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاتُهُنَّ جَمِيعًا وَهِيَ فِيمَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُنَّ وَلَا يُفْسِدُهَا وَيَجُوزُ لَهُنَّ مِنْ الْمَوَاقِفِ وَلَا يَجُوزُ كَالرِّجَالِ لَا يَخْتَلِفْنَ هُنَّ وَلَا هُمْ. [اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ، أَوْ الْعَتَمَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ فِي بَنِي سَلِمَةَ قَالَ: فَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَالَ فَصَلَّى مَعَهُ مُعَاذٌ قَالَ: فَرَجَعَ فَأَمَّ قَوْمَهُ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَقَالُوا لَهُ أَنَافَقْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك أَخَّرْت الْعِشَاءَ وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَك، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّنَا فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ تَأَخَّرْت وَصَلَّيْت وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابَ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ اقْرَأْ بِسُورَةِ كَذَا وَسُورَةِ كَذَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اقْرَأْ بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1] وَنَحْوَهَا» قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْت لِعَمْرٍو إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ قَالَ: لَهُ اقْرَأْ بِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1] ، فَقَالَ عَمْرٌو هُوَ هَذَا، أَوْ نَحْوُهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيهَا لَهُمْ هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَهِيَ لَهُمْ مَكْتُوبَةٌ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي لَهُمْ الْعِشَاءَ وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ» ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَوْ غَيْرُهُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى لَهُمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْآخِرَةُ مِنْ هَاتَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَافِلَةٌ وَلِلْآخَرِينَ فَرِيضَةٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: وَإِنْ أَدْرَكْت الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّتِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ وَصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ يُخْبِرُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ يُقَالُ ذَلِكَ إذَا أَدْرَكْت الْعَصْرَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّذِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ

الظُّهْرَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً كَانَتْ تَفُوتُهُ الْعَتَمَةُ فَيَأْتِي وَالنَّاسُ فِي الْقِيَامِ فَيُصَلِّي مَعَهُمْ رَكْعَتَيْنِ وَيَبْنِي عَلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ وَأَنَّهُ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْعَتَمَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ مَنْ نَسِيَ الْعَصْرَ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَهُوَ فِي الْمَغْرِبِ فَلْيَجْعَلْهَا الْعَصْرَ فَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلْيُصَلِّ الْعَصْرَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْهُ وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ يَقُولُونَ جَاءَ قَوْمٌ إلَى أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ يُرِيدُونَ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ فَوَجَدُوهُ صَلَّى فَقَالُوا مَا جِئْنَا إلَّا لِنُصَلِّيَ مَعَك فَقَالَ لَا أُخَيِّبُكُمْ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِهِمْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو قَطَنٍ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ إنْسَانٌ لِطَاوُسٍ وَجَدْت النَّاسَ فِي الْقِيَامِ فَجَعَلْتهَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ قَالَ: أَصَبْت (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ الْقِيَاسِ وَنِيَّةُ كُلِّ مُصَلٍّ نِيَّةُ نَفْسِهِ لَا يُفْسِدُهَا عَلَيْهِ أَنْ يُخَالِفَهَا نِيَّةُ غَيْرِهِ وَإِنْ أَمَّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مُسَافِرًا يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ وَرَاءَهُ مُقِيمٌ بِنِيَّتِهِ وَفَرْضُهُ أَرْبَعٌ، أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ يَسْبِقُ الرَّجُلَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ فَيُجْزِي الرَّجُلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْوِي الْمَكْتُوبَةَ فَإِذَا نَوَى مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً، أَوْ نَذْرًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ الْمَكْتُوبَةَ يَجْزِي عَنْهُ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ بِفَلَاةٍ يُصَلِّي فَيُصَلَّى بِصَلَاتِهِ فَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ وَلَا يَدْرِي لَعَلَّ الْمُصَلِّيَ صَلَّى نَافِلَةً أَوْ لَا تَرَى أَنَّا نُفْسِدُ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَنُتِمُّ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ وَنُفْسِدُ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ وَنُتِمُّ صَلَاتَهُ وَإِذَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ كَانَتْ نِيَّةُ الْإِمَامِ إذَا خَالَفَتْ نِيَّةَ الْمَأْمُومِ أَوْلَى أَنْ لَا تَفْسُدَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ فِيمَا وَصَفْت مِنْ ثُبُوتِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِفَايَةَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْت وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ نَافِلَةً فَائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الِانْفِرَادِ فَرِيضَةً وَنَوَى الْفَرِيضَةَ فَهِيَ لَهُ فَرِيضَةٌ كَمَا إذَا صَلَّى الْإِمَامُ فَرِيضَةً وَنَوَى الْمَأْمُومُ نَافِلَةً كَانَتْ لِلْمَأْمُومِ نَافِلَةً لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ وَهَكَذَا إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْعَصْرِ وَقَدْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ فَنَوَى بِصَلَاتِهِ الظُّهْرَ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا وَيُصَلِّي بَعْدَهَا الْعَصْرَ وَأَحَبُّ إلَيَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا يَأْتَمَّ رَجُلٌ إلَّا فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ يَبْتَدِئَانِهَا مَعًا وَتَكُونُ نِيَّتُهُمَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ

خروج الرجل من صلاة الإمام

[خُرُوجُ الرَّجُلِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا ائْتَمَّ الرَّجُلُ بِإِمَامٍ فَصَلَّى مَعَهُ رَكْعَةً، أَوْ افْتَتَحَ مَعَهُ وَلَمْ يُكْمِلْ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ، أَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَمْ يُكْمِلْ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ حَتَّى فَسَدَتْ عَلَيْهِ اسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَالْإِمَامُ مُقِيمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ مُقِيمٍ؛ لِأَنَّ عَدَدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَزِمَهُ وَإِنْ صَلَّى بِهِ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ الْمَأْمُومُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ قَطْعٍ مِنْ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ وَلَا عُذْرٍ لِلْمَأْمُومِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَأَحْبَبْت أَنْ يَسْتَأْنِفَ احْتِيَاطًا فَإِنْ بَنَى عَلَى صَلَاةٍ لِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ مُعَاذٍ بَعْدَ مَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَهُ صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ. [الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَك أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُك؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ اُمْكُثُوا، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ مَعْنَاهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالِاخْتِيَارُ إذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ حَدَثًا لَا يَجُوزُ لَهُ مَعَهُ الصَّلَاةُ مِنْ رُعَافٍ، أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ شَيْءٌ رَكْعَةٌ، أَوْ أَكْثَرُ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ فُرَادَى لَا يُقَدِّمُونَ أَحَدًا وَإِنْ قَدَّمُوا، أَوْ قَدَّمَ إمَامٌ رَجُلًا فَأَتَمَّ لَهُمْ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثُ بَعْضَ مَنْ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَدِّمْهُ الْإِمَامُ فَسَوَاءٌ وَتَجْزِيهِمْ صَلَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ افْتَتَحَ لِلنَّاسِ الصَّلَاةَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارَ أَبُو بَكْرٍ مَأْمُومًا بَعْدَ أَنْ كَانَ إمَامًا وَصَارَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ افْتَتَحُوا بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْخَرَ الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ أَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ، وَأَخْتَارُ أَنْ لَا يَفْعَلَ هَذَا الْإِمَامُ وَلَيْسَ أَحَدٌ فِي هَذَا كَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ فَعَلَهُ وَصَلَّى مَنْ خَلْفَهُ بِصَلَاتِهِ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ مُجْزِيَةٌ عَنْهُمْ وَأُحِبُّ إذَا جَاءَ الْإِمَامُ وَقَدْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ غَيْرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُتَقَدِّمِ إنْ تَقَدَّمَ بِأَمْرِهِ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يُخَالِفُ هَذَا اسْتِئْخَارَ أَبِي بَكْرٍ وَتَقَدُّمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قِيلَ هَذَا مُبَاحٌ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ هَذَا شَاءَ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَأْتَمَّ الْإِمَامُ بِاَلَّذِي يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَلَوْ أَنَّ إمَامًا كَبَّرَ وَقَرَأَ، أَوْ لَمْ يَقْرَأْ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَانَ مَخْرَجُهُ، أَوْ وُضُوءُهُ، أَوْ غُسْلُهُ قَرِيبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقِفَ النَّاسُ فِي صَلَاتِهِمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيَرْجِعَ وَيَسْتَأْنِفَ وَيُتِمُّونَ هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَانْتَظَرَهُ الْقَوْمُ فَاسْتَأْنَفَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتَكْبِيرِهِ وَهُوَ جُنُبٌ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مِنْ صَلَاتِهِ صَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ مُتَبَاعِدًا وَطَهَارَتُهُ تَثْقُلُ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ وَكَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ كَلَامًا فَخَالَفُوهُ وَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَالِاخْتِيَارُ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِلْمَأْمُومِينَ إذَا فَسَدَتْ عَلَى الْإِمَامِ صَلَاتُهُ أَنْ يُتِمُّوا فُرَادَى وَلَوْ أَنَّ إمَامًا صَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَخَرَجَ فَاغْتَسَلَ وَانْتَظَرَهُ الْقَوْمُ فَرَجَعَ فَبَنَى عَلَى الرَّكْعَةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ وَهُمْ عَالِمُونَ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةٍ صَلَّاهَا جُنُبًا وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمْهُ بَعْضٌ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَلِمَ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ أَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ فَانْصَرَفَ فَقَدَّمَ آخَرَ، أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ فَقَدَّمَهُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ، أَوْ تَقَدَّمَ هُوَ مُتَطَوِّعًا بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ رَجُلًا وَقَدَّمَ آخَرُونَ غَيْرَهُ فَأَيُّهُمَا تَقَدَّمَ أَجْزَأَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُمَا وَلَوْ أَنَّ إمَامًا صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا قَدْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ مَعَ الْإِمَامِ، أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ كَبَّرَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْإِمَامُ مُؤْتَمًّا

الائتمام بإمامين معا

بِالْإِمَامِ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَى الْإِمَامِ وَجَلَسَ فِي مَثْنَى الْإِمَامِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَى الْإِمَامِ وَتَشَهَّدَ فَإِذَا أَرَادَ السَّلَامَ قَدَّمَ رَجُلًا لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَسَلَّمَ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سَلَّمُوا هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ آخِرًا وَقَامَ هُوَ فَقَضَى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ سَلَّمَ هُوَ بِهِمْ سَاهِيًا وَسَلَّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَبَنَى هُوَ لِنَفْسِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ سَلَّمَ عَامِدًا ذَاكِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ الصَّلَاةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَقَدَّمُوا هُمْ رَجُلًا فَسَلَّمَ بِهِمْ، أَوْ سَلَّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَيَّ ذَلِكَ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ قَامَ بِهِمْ فَقَامُوا وَرَاءَهُ سَاهِينَ، ثُمَّ ذَكَرُوا قَبْلَ أَنْ يَرْكَعُوا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا فَيَتَشَهَّدُوا، ثُمَّ يُسَلِّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ يُسَلِّمَ بِهِمْ غَيْرُهُ، وَلَوْ اتَّبَعُوهُ فَذَكَرُوا رَجَعُوا جُلُوسًا وَلَمْ يَسْجُدُوا وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدُوا إحْدَى السَّجْدَتَيْنِ وَلَمْ يَسْجُدُوا الْأُخْرَى، أَوْ ذَكَرُوا وَهُمْ سُجُودٌ قَطَعُوا السُّجُودَ عَلَى أَيِّ حَالٍ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ زَائِدُونَ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُمْ فِيهَا فَارَقُوا تِلْكَ الْحَالَ إلَى التَّشَهُّدِ، ثُمَّ سَجَدُوا لِلسَّهْوِ وَسَلَّمُوا، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُهُمْ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَلَاتِهِ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَهَا فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَدَ الْخُرُوجَ مِنْ فَرِيضَةٍ إلَى صَلَاةِ نَافِلَةٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَلَا خُرُوجَ مِنْ صَلَاةٍ إلَّا بِسَلَامٍ " قَالَ: أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ " وَمَنْ أَحْرَمَ جُنُبًا بِقَوْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فَخَرَجَ فَتَوَضَّأَ وَرَجَعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ حِينَئِذٍ إنَّمَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ إحْرَامُ الْقَوْمِ وَكُلُّ مَأْمُومٍ أَحْرَمَ قَبْلَ إمَامِهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» وَلَيْسَ كَالْمَأْمُومِ يُكَبِّرُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَقَدْ كَبَّرَ قَوْمٌ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيُحْدِثُ الْإِمَامُ فَيُقَدِّمُ الَّذِي أَحْرَمَ مَعَهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إحْرَامُهُ إحْرَامَ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْ هَذَا بِسَبِيلٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. [الِائْتِمَامُ بِإِمَامَيْنِ مَعًا] (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَقَفَا لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَامًا لِمَنْ خَلْفَهُ وَلَا يَأْتَمُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ كَانَ أَحَدُهُمَا إمَامَ الْآخَرِ، أَوْ بِحِذَائِهِ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا مِنْهُ فَصَلَّى خَلْفَهُمَا نَاسٌ يَأْتَمُّونَ بِهِمَا مَعًا لَا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَتْ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُمَا مَعًا فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفْرِدُوا النِّيَّةَ فِي الِائْتِمَامِ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْآخَرِ فَرَكَعُوا بِرُكُوعِهِ كَانُوا خَارِجِينَ بِالْفِعْلِ دُونَ النِّيَّةِ مِنْ إمَامَةِ الْآخَرِ إلَى غَيْرِ صَلَاةِ أَنْفُسِهِمْ وَلَا إمَامٍ أَحْدَثُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامًا قَبْلَ إحْدَاثِهِمْ وَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَخَّرَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ قَدَّمَ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ فَائْتَمُّوا بِهِ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا بِالْفِعْلِ دُونَ النِّيَّةِ مِنْ إمَامَتِهِ أَوَّلًا وَمِنْ إمَامَةِ الَّذِي قَدَّمَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ بَعْدَهُ وَلَوْ ائْتَمُّوا بِهِمَا مَعًا ثُمَّ لَمْ يَنْوُوا الْخُرُوجَ مِنْ إمَامَتِهِمَا مَعًا وَالصَّلَاةِ لِأَنْفُسِهِمْ لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ بِإِمَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ائْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ قِيلَ الْإِمَامُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ مَأْمُومٌ عَلِمَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا ضَعِيفَ الصَّوْتِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَرَى وَيَسْمَعُ وَلَوْ ائْتَمَّ رَجُلٌ بِرَجُلٍ وَائْتَمَّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ لَمْ تَجْزِهِمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا مَأْمُومًا إنَّمَا الْإِمَامُ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِرُكُوعِ نَفْسِهِ وَسُجُودِهِ لَا بِرُكُوعِ غَيْرِهِ وَسُجُودِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى رَجُلَيْنِ مَعًا وَاقِفَيْنِ مَعًا فَنَوَى أَنْ يَأْتَمَّ بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فَصَلَّيَا صَلَاةً وَاحِدَةً لَمْ تَجْزِهِ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ائْتِمَامًا بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّيَا مُنْفَرِدَيْنِ فَائْتَمَّ بِأَحَدِهِمَا لَمْ

ائتمام الرجلين أحدهما بالآخر وشكهما

تَجْزِهِ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الِائْتِمَامَ بِاَلَّذِي صَلَّى بِصَلَاتِهِ بِعَيْنِهِ وَلَمْ تُجْزِئُهُ صَلَاةٌ خَلْفَ إمَامٍ حَتَّى يُفْرِدَ النِّيَّةَ فِي إمَامٍ وَاحِدٍ فَإِذَا أَفْرَدَهَا فِي إمَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَرَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ إمَامَيْنِ، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا فِي أَحَدِ الْإِمَامَيْنِ. [ائْتِمَامُ الرَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَشَكُّهُمَا] (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا مَعًا فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ كَانَتْ صَلَاتُهُمَا مُجْزِئَةً، وَلَوْ صَلَّيَا مَعًا وَعَلِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا ائْتَمَّ بِالْآخَرِ وَشَكَّا مَعًا فَلَمْ يَدْرِيَا أَيَّهمَا كَانَ إمَامَ صَاحِبِهِ كَانَ عَلَيْهِمَا مَعًا أَنْ يُعِيدَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ عَلَى الْمَأْمُومِ غَيْرَ مَا عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ غَيْرُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ، وَلَوْ شَكَّ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَشُكَّ الْآخَرُ أَعَادَ الَّذِي شَكَّ وَأَجْزَأَ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ صَلَاتُهُ، وَلَوْ صَدَّقَ الَّذِي شَكَّ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ كَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَكُلُّ مَا كُلِّفَ عَمَلَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَدَدِ الصَّلَاةِ لَمْ يَجْزِهِ فِيهِ إلَّا عِلْمُ نَفْسِهِ لَا عِلْمُ غَيْرِهِ، وَلَوْ شَكَّ فَذَكَّرَهُ رَجُلٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِ الْإِعَادَةَ الْآنَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ لَا بِعِلْمِ غَيْرِهِ. وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً، أَوْ أَكْثَرَ فَعَلِمُوا أَنْ قَدْ صَلُّوا بِصَلَاةِ أَحَدِهِمْ وَشَكَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَكَانَ الْإِمَامَ، أَوْ الْمَأْمُومَ، أَعَادُوا مَعًا، وَلَوْ شَكَّ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَشُكَّ بَعْضُهُمْ أَعَادَ الَّذِينَ شَكُّوا وَلَمْ يُعِدْ الَّذِينَ لَمْ يَشُكُّوا وَكَانَتْ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ. [بَابُ الْمَسْبُوقِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ نُصُوصٌ، فَمِنْهَا فِي بَابِ الْقَوْلِ فِي الرُّكُوعِ الَّذِي سَبَقَ فِي تَرَاجِمِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ اُعْتُدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا حَتَّى يَصِيرَ رَاكِعًا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ بِحَالِهِ، وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ فَاطْمَأَنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَاسْتَوَى قَائِمًا، أَوْ لَمْ يَسْتَوِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ زَايَلَ الرُّكُوعَ إلَى حَالٍ لَا يَكُونُ فِيهَا تَامَّ الرُّكُوعِ، ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ لِيُسَبِّحَ فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ رَاكِعًا فَرَكَعَ مَعَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَكْمَلَ الرُّكُوعَ أَوَّلًا وَهَذَا رُكُوعٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ (قَالَ: الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا رَكَعَ وَلَمْ يُسَبِّحْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ لِيُسَبِّحَ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ رُكُوعَهُ الْأَوَّلَ كَانَ تَامًّا وَإِنْ لَمْ يُسَبِّحْ فَلَمَّا عَادَ فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرَى لِيُسَبِّحَ فِيهَا كَانَ قَدْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً عَامِدًا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَمِنْ النُّصُوصِ فِي الْمَسْبُوقِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ يَسْجُدُ مَعَهُ وَلَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَخْبَرَنَا

بِذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَبِهِ يَأْخُذُ يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيُحْتَسَبُ بِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ السُّجُودِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رُكُوعَهُ وَلَوْ رَكَعَ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقْرَأْ لَهَا فَيَكُونُ صَلَّى لِنَفْسِهِ بِقِرَاءَةٍ وَلَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ. وَمِنْهَا فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ الرَّجُلِ يَسْبِقُهُ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَقُمْ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ هَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي بَابِ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ حُكِيَ هَذَا الْكَلَامُ أَوَّلًا وَلَمْ يَنْسُبْهُ لِلْبُوَيْطِيِّ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: وَأُحِبُّ لَوْ مَكَثَ قَلِيلًا قَدْرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ فَلْيُحْرِمْ قَائِمًا وَلْيَجْلِسْ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ بِلَا تَكْبِيرٍ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ فَلْيَقُمْ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الثِّنْتَيْنِ فَلْيَجْلِسْ مَعَهُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ فَلْيَقُمْ بِتَكْبِيرٍ وَمَنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ قَدْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ فَسَمِعَ نَغْمَةً فَظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ سَلَّمَ فَقَضَى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ وَجَلَسَ فَسَمِعَ سَلَامَ الْإِمَامِ فَهَذَا سَهْوٌ تَحَمَّلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا وَيَقْضِي الرَّكْعَةَ الَّتِي عَلَيْهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي خَرَجَ مِنْ صَلَاةٍ فَعَادَ فَقَضَى لِنَفْسِهِ فَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ أَلْغَى جَمِيعَ مَا عَمِلَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَابْتَدَأَ رَكْعَةً ثَانِيَةً بِقِرَاءَتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَالَ: فِي رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ وَابْنِ أَبِي الْجَارُودِ وَأُحِبُّ لِمَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِرُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ وَلَا عَمَلٍ فَإِنْ كَانَ فَعَلَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَإِنْ سَبَقَهُ فَرَكَعَ، أَوْ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ قَبْلَهُ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يَعُودُ فَيَرْكَعُ بَعْدَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ حَتَّى يَكُونَ إمَّا رَاكِعًا وَإِمَّا سَاجِدًا مَعَهُ وَإِمَّا مُتَّبِعًا لَا يُجْزِئُهُ إذَا ائْتَمَّ بِهِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ إلَّا ذَلِكَ وَقَالَ فِي كِتَابِ " اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ " وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَعُودَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَرِهْتُهُ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ وَإِذَا تَرَكَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ إذَا ائْتَمَّ بِهِ وَإِنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ رَأْسَهُ سَاجِدًا وَيُقِيمَ رَاكِعًا بَعْدَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ إذَا كَانَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ قَامَ قَبْلَهُ عَادَ حَتَّى يَقْعُدَ بِقَدْرِ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِالْقِيَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقَدْ جَلَسَ وَكَانَ فِي بَعْضِ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ مَعَهُ فَهُوَ كَمَنْ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ قَبْلَهُ فَذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ وَقَدْ أَسَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِذَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ وَقَدْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ فَصَلَّى الْإِمَامُ خَمْسًا سَاهِيًا وَاتَّبَعَهُ هُوَ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ سَهَا أَجْزَأَتْ الْمَأْمُومَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ سَبَقَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عِنْدِي خِلَافُ ذَلِكَ وَإِنْ فَاتَتْهُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ مِنْ الظُّهْرِ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ فَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ قَرَأَ مَا أَمْكَنَهُ، وَإِذَا قَامَ قَضَى رَكْعَتَيْنِ فَقَرَأَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ الْمَغْرِبِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَضَى رَكْعَةً بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَامَ فَجَهَرَ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ الْأُولَى مِنْ قَضَائِهِ وَلَمْ يَجْهَرْ فِي الثَّالِثَةِ وَقَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ هَذَا آخِرُ مَا نَقَلَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ النُّصُوصِ وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ أَتَى بِالثَّانِيَةِ بَعْدَ سَلَامِ

باب صلاة المسافر

الْإِمَامِ جَهْرًا كَمَا فِي الصُّبْحِ وَهَكَذَا فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَابِ فِي الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسُوغُ لِلْمُنْفَرِدِ وَهَذَا قَدْ صَارَ مُنْفَرِدًا بِخِلَافِ الصُّبْحِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ تُشْرَعْ لِلْمُنْفَرِدِ وَهَذَا التَّوَقُّفُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْجُمُعَةِ ثَابِتٌ لَهُ وَانْفِرَادُهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُصَيِّرُهَا ظُهْرًا وَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي تَرْجَمَةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَجْهَرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ فِي أَوَاخِرِ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ كَانَ خَوْفٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَ مَحْرُوسًا إذَا خَطَبَ بِطَائِفَةٍ وَحَضَرَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي حَضَرَتْ الْخُطْبَةَ رَكْعَةً وَثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ بِقِرَاءَةٍ يَجْهَرُونَ فِيهَا، ثُمَّ وَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجُمُعَةِ وَثَبَتَ جَالِسًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تُتِمُّ لِأَنْفُسِهَا الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ بِقِرَاءَةٍ يَجْهَرُونَ فِيهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ: يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً يَجْهَرُونَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُنْفَرِدِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ كَحُكْمِ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّافِعِيُّ لِجَهْرِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْقُدْوَةِ وَمَنْ كَانَ مُفْتَدِيًا فَإِنَّهُ يُسْرٌ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جَهَرَتْ الْفِرْقَةُ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْجُمُعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ قُلْنَا هَذَا تَخَيُّلٌ لَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمَسْبُوقِ. وَقَدْ نَقَلَ هَذَا النَّصَّ عَنْ الْأُمِّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْجَهْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَتَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ بَعْدَ نَقْلِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ، وَفِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي أَوَّلِ بَابِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَتَى الرَّجُلُ إلَى الْإِمَامِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَدْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ يَقُومُ الرَّجُلُ فَيَقْضِي وَلَا يُكَبِّرُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَهَا وَبِهِ يَأْخُذُ (يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ) : وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْضِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ فَكَبَّرَ لَمْ يُكَبِّرْ الْمَسْبُوقُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ فَإِذَا سَلَّمَ كَبَّرَ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ بَعْدَهَا وَإِنَّمَا يَتَّبِعُ الْإِمَامَ فِيمَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ. [بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] الْآيَةُ، قَالَ: فَكَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْخَوْفِ تَخْفِيفٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَلْقِهِ لَا أَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْصُرُوا كَمَا كَانَ قَوْلُهُ {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] رُخْصَةً لَا أَنَّ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أَنْ يُطَلِّقُوهُنَّ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَكَمَا كَانَ قَوْلُهُ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] يُرِيدُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ تَتَّجِرُوا فِي الْحَجِّ لَا أَنَّ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّجِرُوا وَكَمَا كَانَ قَوْلُهُ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: 60] وَكَمَا كَانَ قَوْلُهُ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا} [النور: 61] الْآيَةُ لَا أَنَّ

جماع تفريع صلاة المسافر

حَتْمًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ وَلَا بُيُوتِ غَيْرِهِمْ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَصْرُ فِي الْخَوْفِ وَالسَّفَرِ بِالْكِتَابِ، ثُمَّ بِالسُّنَّةِ وَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ بِلَا خَوْفٍ سُنَّةٌ وَالْكِتَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ بِلَا خَوْفٍ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا أَنَّ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْصُرُوا كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْخَوْفِ وَالسَّفَرِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إنَّمَا قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُلُّ ذَلِكَ «قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خِيَارُكُمْ الَّذِينَ إذَا سَافَرُوا قَصُرُوا الصَّلَاةَ وَأَفْطَرُوا، أَوْ قَالَ: لَمْ يَصُومُوا» (قَالَ) : فَالِاخْتِيَارُ وَاَلَّذِي أَفْعَلُ مُسَافِرًا وَأُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ وَالسَّفَرِ وَفِي السَّفَرِ بِلَا خَوْفٍ وَمَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِيهِمَا لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ جَلَسَ فِي مَثْنًى قَدْرَ التَّشَهُّدِ، أَوْ لَمْ يَجْلِسْ وَأَكْرَهُ تَرْكَ الْقَصْرِ وَأَنْهَى عَنْهُ إذَا كَانَ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ فِيهِ وَأَكْرَهُ تَرْكَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ فِيهِ وَمَنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ رَغْبَةٍ عَنْ السُّنَّةِ لَمْ أَكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ. (قَالَ) : وَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ: الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْعِشَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَرْبَعٌ فَيُصَلِّيهِنَّ رَكْعَتَيْنِ وَلَا قَصْرَ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا الصُّبْحِ وَمِنْ سَعَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِالْقَصْرِ بَعْضُ الصَّلَاةِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُ الْكَلَامِ فِيهَا عَامًّا فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ: قَدْ كَرِهَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ أَتَمَّ بَعْضُ أُمَرَائِهِمْ بِمِنًى قِيلَ الْكَرَاهِيَةُ وَجْهَانِ فَإِنْ كَانُوا كَرِهُوا ذَلِكَ اخْتِيَارًا لِلْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ فَكَذَلِكَ نَقُولُ وَنَخْتَارُ السُّنَّةَ فِي الْقَصْرِ وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ أَنَّ قَاصِرًا قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي خَوْفٍ وَقَدْ قَصَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ خَوْفٍ فَهَكَذَا قُلْنَا نَكْرَهُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ رَغْبَةً عَنْهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - كَرِهَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ: صَلَاتُهُمْ مَعَ مَنْ أَتَمَّ أَرْبَعًا وَإِذَا صَلُّوا وُحْدَانًا صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ذَكَرَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ بِمِنًى فِي مَنْزِلِهِ وَعَابَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَلَوْ كَانَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُتِمَّهَا إنْ - شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَمْ يُتِمَّهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مَنْزِلِهِ وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفْت وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُتِمَّهَا مُسَافِرٌ مَعَ مُقِيمٍ فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ قِيلَ لَهُ: قَدْ أَتَمَّتْ عَائِشَةُ فِي السَّفَرِ بَعْدَ مَا كَانَتْ تَقْصُرُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ قَوْلِهَا؟ قِيلَ لَهُ تَقُولُ فُرِضَتْ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْكَلَامِ إلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: إذَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَصْرِ فِي الْخَوْفِ فَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ فَإِنْ قَالَ: فَمَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَحَدٍ إنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهَا غَيْرَ مَا قُلْت؟ قُلْنَا مَا لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مَعَهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ، ثُمَّ إجْمَاعِ الْعَامَّةِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ أَرْبَعٌ مَعَ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ وَلَوْ كَانَ فَرْضُ صَلَاتِهِمْ رَكْعَتَيْنِ مَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا أَرْبَعًا مَعَ مُقِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ. [جِمَاعُ تَفْرِيعِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَخْتَلِفُ صَلَاةُ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ إلَّا فِي الْأَذَانِ وَالْوَقْتِ

وَالْقَصْرِ فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَهُمَا سَوَاءٌ مَا يُجْهَرُ، أَوْ يُخَافَتُ فِي السَّفَرِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَيُخَافَتُ فِي الْحَضَرِ وَيُكْمَلُ فِي السَّفَرِ كَمَا يُكْمَلُ فِي الْحَضَرِ فَأَمَّا التَّخْفِيفُ فَإِذَا جَاءَ بِأَقَلِّ مَا عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَجْزَأَهُ لَا أَرَى أَنْ يُخَفِّفَ فِي السَّفَرِ عَنْ صَلَاةِ الْحَضَرِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَيَأْتِي بِمَا يَجْزِيهِ وَالْإِمَامَةُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ وَلَا أُحِبُّ تَرْكَ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَتَرْكُهُ فِيهِ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهِ فِي الْحَضَرِ وَأَخْتَارُ الِاجْتِمَاعَ لِلصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ صَلَّتْ كُلُّ رُفْقَةٍ عَلَى حِدَتِهَا أَجْزَأَهَا ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ اجْتَمَعَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ فَإِمَامَةُ الْمُقِيمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الْمُسَافِرُونَ الْمُقِيمِينَ. وَلَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا كُلِّهَا فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَى بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُرِيدُ الْمُقَامَ بِهَا أَتَمَّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَصَلَّيْت مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْصُرُ بِنِيَّةِ السَّفَرِ دُونَ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَوَى أَنْ يُسَافِرَ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ سَفَرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ قَالَ وَلَوْ أَثْبَتَ بِهِ سَفَرَهُ، ثُمَّ نَوَى أَنْ يُقِيمَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَنِيَّةُ الْمُقَامِ مُقَامٌ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ وَتَجْتَمِعُ فِيهِ النِّيَّةُ وَأَنَّهُ مُقِيمٌ. وَلَا تَكُونُ نِيَّةُ السَّفَرِ سَفَرًا لِأَنَّ النِّيَّةَ تَكُونُ مُنْفَرِدَةً وَلَا سَفَرَ مَعَهَا إذَا كَانَ مُقِيمًا وَالنِّيَّةُ لَا يَكُونُ لَهَا حُكْمٌ إلَّا بِشَيْءٍ مَعَهَا فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ افْتَتَحَ الظُّهْرَ يَنْوِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَوَى الْمُقَامَ فِي الظُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ حَتَّى يُتِمَّ أَرْبَعًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ؛ لِأَنَّهُ فِي فَرْضِ الظُّهْرِ لَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ إنْ شَاءَ وَلَمْ يُحْدِثْ نِيَّةً فِي الْمُقَامِ وَكَذَلِكَ إذَا فَرَغَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ فَإِذَا سَلَّمَ، ثُمَّ نَوَى أَنْ يُقِيمَ أَتَمَّ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ مَا مَضَى وَلَوْ كَانَ نَوَى فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ الْمُقَامَ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ اسْتَأْنَفَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فَافْتَتَحَ يَنْوِي أَنْ يَقْصُرَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُتِمَّ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ صَلَاتِهِ شَيْءٌ، أَوْ بَعْدُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ تَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا لَيْسَ مِنْهَا إنَّمَا تَرَكَ الْقَصْرَ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا لَهُ وَكَانَ التَّمَامُ غَيْرَ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ وَلَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ وَنَوَى أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يُكْمِلْ الصَّلَاةَ حَتَّى نَوَى أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ مُقَامٍ أَوْ تَرَكَ الرُّخْصَةَ فِي الْقَصْرِ كَانَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ التَّمَامُ وَلَمْ تَفْسُدْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ صَلَاتُهُ وَكَانُوا كَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ وَلَوْ فَسَدَتْ عَلَى مُسَافِرٍ مِنْهُمْ صَلَاتُهُ وَقَدْ دَخَلَ مَعَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَكَانَ كَمُسَافِرٍ دَخَلَ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ فَفَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ عَدَدُ صَلَاةِ مُقِيمٍ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا قَالَ وَلَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ فَفَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ فَانْصَرَفَ لِيَتَوَضَّأَ فَعَلِمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا رَكْعَتَانِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ صَلَّى أَرْبَعًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ صَلَّى أَرْبَعًا، أَوْ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أَرْبَعًا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَلْفَ رَجُلٍ لَا يَعْلَمُ مُسَافِرٌ هُوَ، أَوْ مُقِيمٌ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ فَسَدَتْ عَلَى الْمُسَافِرِ صَلَاتُهُ، أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا صَلَّى بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَرَعَفَ فَقَدَّمَ مُقِيمًا كَانَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ وَالْإِمَامِ الرَّاعِفِ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ لِوَاحِدٍ مِنْ الْقَوْمِ الصَّلَاةَ حَتَّى كَانَ فِيهَا فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ وَلَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ وَقَصَرَ الْمُسَافِرُونَ إنْ شَاءُوا فَإِنْ نَوَوْا، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا كَانُوا كَالْمُقِيمِينَ يُتِمُّونَ بِالنِّيَّةِ

وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ التَّمَامُ بِالنِّيَّةِ إذَا نَوَوْا مَعَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْهَا الْإِتْمَامَ فَأَمَّا مَنْ قَامَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ إلَى الصَّلَاةِ يَنْوِي أَرْبَعًا فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى نَوَى اثْنَتَيْنِ، أَوْ نَوَى أَرْبَعًا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا أَمَّ مُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ اثْنَتَيْنِ فَصَلَّى أَرْبَعًا سَاهِيًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مُقِيمُونَ صَلُّوا بِصَلَاتِهِ وَهُمْ يَنْوُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُمْ فَهِيَ عَنْهُمْ مُجْزِئَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُتِمَّ وَتَكُونُ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ نَوَوْا إتْمَامَ الصَّلَاةِ لِأَنْفُسِهِمْ فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَنْوُوا إتْمَامَ الصَّلَاةِ لِأَنْفُسِهِمْ إلَّا بِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ أَتَمَّ لِنَفْسِهِ لَا سَهْوًا فَصَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَزِمَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا خَلْفَ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ كَانُوا صَلُّوا الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النِّيَّةِ وَعَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ سَاهٍ فَاتَّبَعُوهُ وَلَمْ يُرِيدُوا الْإِتْمَامَ لِأَنْفُسِهِمْ فَعَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَلَا أَحْسِبُهُمْ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَعْلَمُوا سَهْوَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَيُتِمَّ فَإِذَا أَتَمَّ فَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ اتِّبَاعُهُ مُسَافِرِينَ كَانُوا، أَوْ مُقِيمِينَ فَأَيُّ مُسَافِرٍ صَلَّى مَعَ مُسَافِرٍ، أَوْ مُقِيمٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَمُسَافِرٌ إمَامُهُ أَمْ مُقِيمٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَمْ يُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الْمُسَافِرَ كَانَ مِمَّنْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ تِلْكَ، أَوْ لَا وَإِذَا افْتَتَحَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ ثُمَّ ذَهَبَ عَلَيْهِ أَنَوَى عِنْدَ افْتِتَاحِهَا الْإِتْمَامَ أَوْ الْقَصْرَ؟ فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ فَإِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ افْتَتَحَهَا يَنْوِي الْقَصْرَ بَعْدَ نِسْيَانِهِ فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا فِي حَالٍ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ عَنْهَا بِحَالٍ وَلَوْ أَفْسَدَهَا صَلَّاهَا تَمَامًا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ يَنْوِيهَا لَا يَنْوِي بِهَا قَصْرًا وَلَا إتْمَامًا كَانَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ وَلَا يَكُونُ لَهُ الْقَصْرُ. إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ مَعَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَقْدُمُ نِيَّةَ الدُّخُولُ وَلَا الدُّخُولُ نِيَّةَ الْقَصْرِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ وَلَوْ افْتَتَحَهَا وَنِيَّتُهُ لِقَصْرٍ ثُمَّ نَوَى أَنْ يُتِمَّ، أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ فِي الْقَصْرِ أَتَمَّ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَوْ جَهِلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ فَأَتَمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً وَلَوْ جَهِلَ رَجُلٌ يَقْصُرُ وَهُوَ يَرَى أَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ قَصَرَهَا وَلَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَقْصُرْ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَتَمَّ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ وَقَصَرَ بَعْضَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ صَلَاةً وَنَزَعَ وَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ صَلَاةً كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَكَمَا لَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُسَافِرًا وَأَفْطَرَ آخَرَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا رَقَدَ رَجُلٌ عَنْ صَلَاةٍ فِي سَفَرٍ، أَوْ نَسِيَهَا فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّاهَا صَلَاةَ حَضَرٍ وَلَا تَجْزِيهِ عِنْدِي إلَّا هِيَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَهُ الْقَصْرُ فِي حَالٍ فَزَالَتْ تِلْكَ الْحَالُ فَصَارَ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهَا فِي حَالٍ لَيْسَ لَهُ فِيهَا الْقَصْرُ وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةَ ظُهْرٍ لَا يَدْرِي أَصَلَاةَ حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ؟ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا صَلَاةَ حَضَرٍ إنْ صَلَّاهَا مُسَافِرًا، أَوْ مُقِيمًا، وَلَوْ نَسِيَ ظُهْرًا فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا بَعْدَ فَوْتِهَا فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا صَلَاةَ حَضَرٍ لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ ذَكَرَهَا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا صَلَاةَ سَفَرٍ.

السفر الذي تقصر في مثله الصلاة بلا خوف

[السَّفَرُ الَّذِي تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ بِلَا خَوْفٍ] ٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «قَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ وَهِيَ تِسْعٌ، أَوْ عَشْرٌ» فَدَلَّ قَصْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ يُقْصَرَ فِي مِثْلِ مَا قَصَرَ فِيهِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ الْقِيَاسُ عَلَى قَصْرِهِ إلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَنْ لَا يُقْصَرَ إلَّا فِي مِثْلِ مَا قَصَرَ فِيهِ وَفَوْقَهُ فَلَمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنْ يُقْصَرَ فِي أَقَلَّ مِنْ سَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَصَرَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ إذَا قَصَرَ فِي سَفَرٍ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنْ لَا يُقْصَرَ فِيمَا دُونَهُ أَنْ يُقْصَرَ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سَفَرٍ كَمَا يَتَيَمَّمُ، وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ سَفَرٍ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنْ يُقْصَرَ فِيمَا دُونَ يَوْمَيْنِ إلَّا أَنَّ عَامَّةَ مَنْ حَفِظْنَا عَنْهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي أَنْ لَا يُقْصَرَ فِيمَا دُونَهُمَا فَلِلْمَرْءِ عِنْدِي أَنْ يَقْصُرَ فِيمَا كَانَ مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ وَذَلِكَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مَيْلًا بِالْهَاشِمِيِّ، وَلَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهَا، وَأَمَّا أَنَا فَأُحِبُّ أَنْ لَا أَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ احْتِيَاطًا عَلَى نَفْسِي، وَإِنَّ تَرْكَ الْقَصْرِ مُبَاحٌ لِي فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ فِي أَنْ يَقْصُرَ فِي يَوْمَيْنِ حُجَّةٌ بِخَبَرٍ مُتَقَدِّمٍ؟ قِيلَ: نَعَمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ أَنَقْصُرُ إلَى عَرَفَةَ فَقَالَ؟ : لَا وَلَكِنْ إلَى عُسْفَانَ وَإِلَى جُدَّةَ وَإِلَى

الطَّائِفِ قَالَ وَأَقْرَبُ هَذَا مِنْ مَكَّةَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مَيْلًا بِالْأَمْيَالِ الْهَاشِمِيَّةِ وَهِيَ مَسِيرَةُ لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ دَبِيبَ الْأَقْدَامِ وَسَيْرَ الثِّقَلِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَكِبَ إلَى ذَاتِ النُّصْبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَبَيْنَ ذَاتِ النُّصْبِ وَالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَكِبَ إلَى رِئْمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ: مَالِكٌ وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَقَلَّ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ الَّذِي يُسَافِرُ مِنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْزِلُ قَرْيَةً، أَوْ صَحْرَاءَ فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَهَا وَلَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْهَا بَيْتٌ مُنْفَرِدًا وَلَا مُتَّصِلًا وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبُقْعَةَ الَّتِي فِيهَا مَنْزِلُهُ فَإِنْ كَانَ فِي عَرْضِ وَادٍ فَحَتَّى يَقْطَعَ عَرْضَهُ وَإِنْ كَانَ فِي طُولِ وَادٍ فَحَتَّى يَبِينَ عَنْ مَوْضِعِ مَنْزِلِهِ وَإِنْ كَانَ فِي حَاضِرٍ مُجْتَمِعٍ فَحَتَّى يُجَاوِزَ مِطَالَ الْحَاضِرِ وَلَوْ كَانَ فِي حَاضِرٍ مُفْتَرِقٍ فَحَتَّى يُجَاوِزَ مَا قَارَبَ مَنْزِلَهُ مِنْ الْحَاضِرِ وَإِنْ قَصَرَ فَلَمْ يُجَاوِزْ مَا وَصَفْت أَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي قَصَرَهَا فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ فَقَصَدَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لِيُقِيمَ فِيهِ أَرْبَعًا ثُمَّ يُسَافِرَ إلَى غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَوَى الْمُقَامَ فِيهِ فَإِنْ بَلَغَهُ وَأَحْدَثَ نِيَّةً فِي أَنْ يَجْعَلَهُ مَوْضِعَ اجْتِيَازٍ لَا مُقَامٍ أَتَمَّ فِيهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ مُسَافِرًا قَصَرَ وَيُتِمُّ بِنِيَّةِ الْمُقَامِ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ يَكُونُ بِنِيَّةٍ وَلَا يَقْصُرُ بِنِيَّةِ السَّفَرِ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ السَّيْرُ. وَلَوْ خَرَجَ يُرِيدُ بَلَدًا يُقِيمُ فِيهَا أَرْبَعًا ثُمَّ بَلَدًا بَعْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَلَدُ الَّذِي نَوَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَوَّلًا مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَقْصُرْهَا إلَيْهِ وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُرِيدُ مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ مِنْ مَوْضِعِ مَخْرَجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِهِ أَرْبَعًا قَصَرَ وَإِلَّا لَمْ يَقْصُرْ فَإِنْ رَجَعَ مِنْ الْبَلَدِ الثَّانِي يُرِيدُ بَلَدَهُ قَاصِدًا وَهُوَ مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَكَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى بَلَدٍ لَا يُعَرِّجُهُ عَنْ الطَّرِيقِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ مُقَامًا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ إذَا كَانَتْ غَايَةُ سَفَرِهِ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِالْبَلَدِ دُونَهُ مُقَامًا وَلَا حَاجَةَ وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ وَإِنَّمَا لَا يَقْصُرُ إذَا قَصَدَ فِي حَاجَةٍ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ وَإِذَا أَرَادَ بَلَدًا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ فَأَثْبَتَ بِهِ سَفَرَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَلَدَ، أَوْ مَوْضِعًا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِهِ أَتَمَّ، وَإِذَا أَتَمَّ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَمْضِيَ بِوَجْهِهِ أَتَمَّ بِحَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَايَةُ مِنْ سَفَرِهِ مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي أَتَمَّ إلَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ رَجُلٌ بَلَدًا لَهُ طَرِيقَانِ الْقَاصِدُ مِنْهُمَا إذَا سَلَكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالْآخَرُ إذَا سَلَكَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ فَأَيَّ الطَّرِيقَيْنِ سَلَكَ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَصْرُ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَيْهَا طَرِيقٌ إلَّا مَسَافَةَ قَدْرِ مَا تُقْصَرُ إلَيْهَا الصَّلَاةُ إلَّا مِنْ عَدُوٍّ يَتَخَوَّفُ فِي الطَّرِيقِ الْقَاصِدِ، أَوْ حُزُونَةٍ، أَوْ مِرْفَقٍ لَهُ فِي الطَّرِيقِ الْأَبْعَدِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ إذَا كَانَتْ مَسَافَةُ طَرِيقِهِ مَا يُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي الْقَصْرِ الْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالْأُنْثَى وَالذَّكَرُ إذَا سَافَرُوا مَعًا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا مَنْ سَافَرَ بَاغِيًا عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ مُعَاهَدٍ، أَوْ يَقْطَعُ طَرِيقًا، أَوْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ أَوْ الْعَبْدُ يَخْرُجُ آبِقًا مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ الرَّجُلُ هَارِبًا لِيَمْنَعَ حَقًّا لَزِمَهُ، أَوْ مَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَإِنْ قَصَرَ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الرُّخْصَةُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] وَهَكَذَا لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَا يَجْمَعُ الصَّلَاةَ مُسَافِرٌ فِي مَعْصِيَةٍ وَهَكَذَا لَا يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ نَافِلَةً وَلَا يُخَفِّفُ عَمَّنْ كَانَ سَفَرُهُ فِي

مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَحَجَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَكَذَلِكَ أَهْلُ عَرَفَةَ وَمِنًى وَمَنْ قَارَبَ مَكَّةَ مِمَّنْ لَا يَكُونُ سَفَرُهُ إلَى عَرَفَةَ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَسَوَاءٌ فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ السَّفَرُ الْمُتْعِبُ وَالْمُتَرَاخِي، وَالْخَوْفُ فِي السَّفَرِ بِطَلَبٍ أَوْ هَرَبٍ، وَالْأَمْنُ لِأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي غَايَةٍ لَا فِي تَعَبٍ وَلَا فِي رَفَاهِيَةٍ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِالتَّعَبِ لَمْ يَقْصُرْ فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ فِي الْمَحَامِلِ وَقَصْدِ السَّيْرِ، وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ الْقَاصِدِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ وَالدَّابَّةِ فِي التَّعَبِ وَالْخَوْفِ فَإِذَا حَجَّ الْقَرِيبُ الَّذِي بَلَدُهُ مِنْ مَكَّةَ بِحَيْثُ تُقْصَرُ

تطوع المسافر

الصَّلَاةُ فَأَزْمَعَ بِمَكَّةَ مُقَامَ أَرْبَعٍ أَتَمَّ وَإِذَا خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ قَضَاءَ نُسُكِهِ لَا يُرِيدُ مُقَامَ أَرْبَعٍ إذَا رَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ يَقْصُرُ مُقَامُهُ بِسَفَرٍ وَيُصَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ إذَا قَضَى نُسُكَهُ مُقَامَ أَرْبَعٍ بِمَكَّةَ أَتَمَّ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَمَكَّةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ مُسَافِرًا فَيَقْصُرُ وَإِذَا وَلَّى مُسَافِرٌ مَكَّةَ بِالْحَجِّ قَصَرَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى مَكَّةَ، ثُمَّ أَتَمَّ بِهَا وَبِعَرَفَةَ وَبِمِنًى؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى الْبَلَدِ الَّذِي بِهَا مُقَامُهُ مَا لَمْ يَعْزِلْ، وَكَذَلِكَ مَكَّةَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَالسُّوقَةُ لَا يَخْتَلِفُونَ وَهَكَذَا لَوْ عُزِلَ أَمِيرُ مَكَّةَ فَأَرَادَ السَّفَرَ أَتَمَّ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ كَرَجُلٍ أَرَادَ سَفَرًا وَلَمْ يُسَافِرْ. [تَطَوُّعُ الْمُسَافِرِ] ِ قَالَ وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَطَوَّعَ لَيْلًا وَنَهَارًا قَصَرَ، أَوْ لَمْ يَقْصُرْ وَثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ

باب المقام الذي يتم بمثله الصلاة

كَانَ يَتَنَفَّلُ لَيْلًا وَهُوَ يَقْصُرُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ مُسَافِرًا رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا وَثَابِتٌ عَنْهُ أَنَّهُ تَنَفَّلَ عَامَ الْفَتْحِ بِثَمَانِ رَكَعَاتٍ ضُحًى وَقَدْ قَصَرَ عَامَ الْفَتْحِ. [بَابُ الْمُقَامِ الَّذِي يَتِمُّ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ] ُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ جُلَسَاءَهُ: مَا سَمِعْتُمْ فِي مُقَامِ الْمُهَاجِرِينَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» فَبِهَذَا قُلْنَا إذَا أَزْمَعَ الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لَيْسَ فِيهِنَّ يَوْمٌ كَانَ فِيهِ مُسَافِرًا فَدَخَلَ فِي بَعْضِهِ وَلَا يَوْمٌ يَخْرُجُ فِي بَعْضِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَاسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» وَإِنَّمَا يَقْضِي نُسُكَهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ وَالْمُسَافِرُ لَا يَكُونُ دَهْرُهُ سَائِرًا وَلَا يَكُونُ مُقِيمًا وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا مُقَامَ سَفَرٍ وَسَائِرًا قَالَ فَأَشْبَهَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ مُقَامِ الْمُهَاجِرِ ثَلَاثًا حَدُّ مُقَامِ السَّفَرِ وَمَا جَاوَزَهُ كَانَ مُقَامَ الْإِقَامَةِ» وَلَيْسَ يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي كَانَ فِيهِ سَائِرًا، ثُمَّ قَدِمَ وَلَا الْيَوْمُ الَّذِي كَانَ فِيهِ مُقِيمًا، ثُمَّ سَارَ وَأَجْلَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ الْحِجَازِ وَضَرَبَ لِمَنْ يَقْدُمُ مِنْهُمْ تَاجِرًا مُقَامَ ثَلَاثٍ فَأَشْبَهَ مَا وَصَفْت مِنْ السُّنَّةِ وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى ثَلَاثًا يَقْصُرُ وَقَدِمَ فِي حَجَّتِهِ فَأَقَامَ ثَلَاثًا قَبْلَ مَسِيرِهِ إلَى عَرَفَةَ يَقْصُرُ وَلَمْ يَحْسِبْ الْيَوْمَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ سَائِرًا وَلَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ فِيهِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقِيمًا فِي سَفَرٍ قَصَرَ فِيهِ الصَّلَاةَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُقِيمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَّا مُقَامَ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُولَ أَنَّ الْمُسَافِرَ الَّذِي لَا يُقِيمُ فَكَانَ غَايَةُ مُقَامِ الْمُسَافِرِ مَا وَصَفْت اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُقَامِهِ فَإِنْ قَصَرَ الْمُجْمِعُ مَقَامَ أَرْبَعٍ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مَقْصُورَةً وَإِذَا قَدِمَ بَلَدًا لَا يُجْمَعُ الْمُقَامُ بِهِ أَرْبَعًا فَأَقَامَ بِبَلَدٍ لِحَاجَةٍ، أَوْ عِلَّةٍ مِنْ مَرَضٍ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوجِ إذَا أَفَاقَ، أَوْ فَرَغَ وَلَا غَايَةَ لِفَرَاغِهِ يَعْرِفُهَا قَدْ يَرَى فَرَاغَهُ فِي سَاعَةٍ وَلَا يَدْرِي لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَيَّامًا فَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا غَيْرَ مُقَامِ حَرْبٍ وَلَا خَوْفِ حَرْبٍ قَصَرَ فَإِذَا جَاوَزَ مُقَامَ أَرْبَعٍ أَحْبَبْت أَنْ يُتِمَّ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَعَادَ مَا صَلَّى بِالْقَصْرِ بَعْدَ أَرْبَعٍ وَلَوْ قِيلَ الْحَرْبُ وَغَيْرُ الْحَرْبِ فِي هَذَا سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبًا وَمَنْ قَصَرَ كَمَا يَقْصُرُ فِي خَوْفِ الْحَرْبِ لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، وَإِنْ اخْتَرْت مَا وَصَفْت وَإِنْ كَانَ مُقَامُهُ لِحَرْبٍ أَوْ خَوْفِ حَرْبٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَامَ الْفَتْحِ لِحَرْبِ هَوَازِنَ سَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ يَقْصُرُ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمُقَامِ لِلْخَوْفِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا جَاوَزَ مُقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا الْعَدَدِ أَتَمَّ فِيهِ الْمُقِيمُ الصَّلَاةَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَصْرُ أَمَّا كَانَتْ هَذِهِ، أَوْ يَقْضِي الْحَرْبَ فَلَمْ أَعْلَمْ فِي مَذَاهِبِ الْعَامَّةِ الْمَذْهَبَ الْآخَرَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَذْهَبًا الْمَذْهَبُ الْآخَرُ فَالْأَوَّلُ، أَوْلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ أَثْنَاءَهُ لَيْسَ بِبَلَدِ مُقَامِهِ لِحَرْبٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ تَأَهُّبٍ لِحَرْبٍ قَصَرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَإِذَا جَاوَزَهَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ تَارِكًا لِلْمُقَامِ بِهِ آخِذًا فِي سَفَرِهِ وَهَكَذَا إنْ كَانَ مُحَارِبًا، أَوْ خَائِفًا مُقِيمًا فِي مَوْضِعِ سَفَرٍ قَصَرَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ فَإِذَا جَاوَزَهَا أَتَمَّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَائِفٍ قَصَرَ أَرْبَعًا فَإِذَا جَاوَزَهَا أَتَمَّ فَإِذَا أَجْمَعَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ مُقَامَ أَرْبَعٍ أَتَمَّ خَائِفًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ خَائِفٍ وَلَوْ سَافَرَ رَجُلٌ فَمَرَّ بِبَلَدٍ فِي سَفَرِهِ فَأَقَامَ بِهِ يَوْمًا وَقَالَ إنْ لَقِيت فُلَانًا أَقَمْت أَرْبَعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ قَصَرَ حَتَّى يَلْقَى فُلَانًا فَإِذَا لَقِيَ فُلَانًا أَتَمَّ وَإِنْ لَقِيَ فُلَانًا فَبَدَا لَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ أَرْبَعًا أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى الْمُقَامَ بِلِقَائِهِ وَلَقِيَهُ وَالْمُقَامُ

يَكُونُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْمُقَامِ لِاجْتِمَاعِ النِّيَّةِ وَالْمُقَامِ. وَنِيَّةُ السَّفَرِ لَا يَكُونُ لَهُ بِهَا الْقَصْرُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا سَفَرٌ فَتَجْتَمِعُ النِّيَّةُ وَالسَّفَرُ وَلَوْ قَدِمَ الْبَلَدَ فَقَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَقَمْت فَانْتَظَرَهُ أَرْبَعًا أَتَمَّ بَعْدَهَا فِي الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْت وَإِنْ لَمْ يَقْدُمْ فُلَانٌ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَنَازِلِ الْقَرْيَةِ قَصَرَ وَإِنْ سَافَرَ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَهُ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَالٌ، أَوْ أَمْوَالٌ، أَوْ مَاشِيَةٌ، أَوْ مَوَاشٍ فَنَزَلَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يَجْمَعْ الْمُقَامَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَرْبَعًا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ذُو قَرَابَةٍ، أَوْ أَصْهَارٌ، أَوْ زَوْجَةٌ وَلَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ أَرْبَعًا قَصَرَ إنْ شَاءَ قَدْ قَصَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَفِي حَجَّتِهِ وَفِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَلِعَدَدٍ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ دَارٌ، أَوْ أَكْثَرُ وَقَرَابَاتٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ لَهُ بِمَكَّةَ دَارٌ وَقَرَابَةٌ وَعُمَرُ لَهُ بِمَكَّةَ دُورٌ كَثِيرَةٌ وَعُثْمَانُ لَهُ بِمَكَّةَ دَارٌ وَقَرَابَةٌ فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدًا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِتْمَامِ وَلَا أَتَمَّ وَلَا أَتَمُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُدُومِهِمْ مَكَّةَ بَلْ حُفِظَ عَمَّنْ حَفِظَ عَنْهُ مِنْهُمْ الْقَصْرُ بِهَا وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ يُرِيدُ لِقَاءَ رَجُلٍ، أَوْ أَخْذَ عَبْدٍ لَهُ، أَوْ ضَالَّةٍ بِبَلَدٍ مَسِيرَةَ أَقَلِّ مَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ، أَوْ أَكْثَرَ فَقَالَ إنْ: لَقِيت الْحَاجَةَ دُونَ الْبَلَدِ رَجَعْت لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ حَتَّى تَكُونَ نِيَّتُهُ بُلُوغَ الْبَلَدِ الَّذِي تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ دُونَهُ بِحَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ خَرَجَ يُرِيدُ بَلَدًا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ بِلَا نِيَّةٍ أَنْ يَبْلُغَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَقَالَ لَعَلِيِّ أَبْلُغَهُ، أَوْ أَرْجِعَ عَنْهُ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَنْوِيَ بِكُلِّ حَالَةٍ بُلُوغَهُ وَلَوْ خَرَجَ يَنْوِي بُلُوغَهُ لِحَاجَةٍ لَا يَنْوِي إنْ قَضَاهَا دُونَهُ الرُّجُوعَ كَانَ لَهُ الْقَصْرُ فَمَتَى لَقِيَ الْحَاجَةَ دُونَهُ، أَوْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِلَا قَضَاءِ الْحَاجَةِ - وَكَانَ مَوْضِعُهُ الَّذِي بَلَغَ مِمَّا لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ - أَتَمَّ فِي رُجُوعِهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ الَّذِي بَلَغَ مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَوْ ابْتَدَأَ إلَيْهِ السَّفَرَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ مِنْهُ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَلَوْ بَدَا لَهُ الْمُقَامُ بِهِ أَتَمَّ حَتَّى يُسَافِرَ مِنْهُ ثُمَّ يَقْصُرَ إذَا سَافَرَ وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ يُرِيدُ بَلَدًا، ثُمَّ بَلَدًا بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الْأَدْنَى مِمَّا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَهَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَقْصُرْهَا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ الَّذِي يُرِيدُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَقْصُرْ لِأَنِّي أَجْعَلُهُ حِينَئِذٍ مِثْلَ مُبْتَدِئِ سَفَرِهِ كَابْتِدَائِهِ مِنْ أَهْلِهِ. وَإِذَا رَجَعَ مِنْ الْبَلَدِ الْأَقْصَى فَإِنْ أَرَادَ بَلَدَهُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَا يُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ ثُمَّ بَلَدِهِ لَمْ يَقْصُرْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ إيَّاهَا طَرِيقًا فَيَقْصُرُ، وَإِذَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ قَصَرَ فَإِنْ خَافَ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ بِعُسْفَانَ فَأَرَادَ الْمُقَامَ بِهِ، أَوْ الْخُرُوجَ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْمَدِينَةِ لِيُقِيمَ، أَوْ يَرْتَادَ الْخَيْرَ بِهِ جَعَلْته إذَا تَرَكَ النِّيَّةَ الْأُولَى مِنْ سَفَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مُبْتَدِئًا السَّفَرَ مِنْ عُسْفَانَ فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْ عُسْفَانَ عَلَى مَا لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَقْصُرْ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ، وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ مِنْهُ يُرِيدُ مَكَّةَ أَوْ بَلَدًا سِوَاهُ جَعَلْته مُبْتَدِئًا سَفَرًا مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ حَيْثُ يُرِيدُ مَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَقْصُرْ وَالْمُسَافِرُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ بِسَيْرِ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ بِسَيْرِ الْبَرِّ وَلَا الْخَيْلِ وَلَا نُجُبِ الرِّكَابِ وَلَا زَحْفَ الْمُقْعَدِ وَلَا دَبِيبَ الزَّمِنِ وَلَا سَيْرَ الْأَحْمَالِ الثِّقَالِ، وَلَكِنْ إذَا سَافَرَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مَسِيرَةً يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الْبَرِّ قُصِرَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ قَصَرَ وَإِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْصُرُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِأَنَّهَا مَسِيرَةُ مَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ. وَالْمُقَامُ فِي الْمَرَاسِي وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُقَامُ فِيهَا فِي الْأَنْهَارِ كَالْمُقَامِ فِي الْبِرِّ، لَا يَخْتَلِفُ فَإِذَا أَزْمَعَ مُقَامَ أَرْبَعٍ فِي مَوْضِعٍ أَتَمَّ وَإِذَا لَمْ يُزْمِعْ مُقَامَ أَرْبَعٍ قَصَرَ وَإِذَا حَبَسَهُ الرِّيحُ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ يُزْمِعْ مُقَامًا إلَّا لِيَجِدَ السَّبِيلَ إلَى الْخُرُوجِ بِالرِّيحِ قَصَرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَعٍ فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعٌ أَتَمَّ كَمَا وَصَفْت فِي الِاخْتِيَارِ فَإِذَا أَثْبَتَ بِهِ مَسِيرَةً قَصَرَ فَإِنْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ قَصَرَ حَتَّى يَجْمَعَ مُقَامَ أَرْبَعٍ فَيُتِمَّ حِينَ يَجْمَعُ بِالنِّيَّةِ مُقَامَ أَرْبَعٍ، أَوْ يُقِيمُ أَرْبَعًا إنْ لَمْ يُزْمِعْ مُقَامًا، فَيُتِمُّ بِمُقَامِ أَرْبَعٍ فِي الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَالِكًا لِلسَّفِينَةِ وَكَانَ فِيهَا مَنْزِلُهُ

إيجاب الجمعة

وَكَانَ مَعَهُ فِيهَا أَهْلُهُ، أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ مَعَهُ فِيهَا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُتِمَّ وَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ إذَا سَافَرَ وَعَلَيْهِ حَيْثُ أَرَادَ مُقَامًا غَيْرَ مُقَامِ سَفَرٍ أَنْ يُتِمَّ وَهُوَ فِيهَا كَالْغَرِيبِ يَتَكَارَاهَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِيمَا لَهُ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَهَكَذَا أُجَرَاؤُهُ وَرُكْبَانُ مَرْكَبِهِ. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَدَارُهُ حَيْثُ أَرَادَ الْمُقَامَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا دَارَ يَصِيرُ إلَيْهَا وَكَانَ سَيَّارَةً يَتَّبِعُ أَبَدًا مَوَاقِعَ الْقَطْرِ حَلَّ بِمَوْضِعٍ، ثُمَّ شَامَ بَرْقًا فَانْتَجَعَهُ فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ بِبَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ قَصَرَ وَإِنْ شَكَّ لَمْ يَقْصُرْ، وَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ بِبَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ إنْ مَرَّ بِمَوْضِعٍ مُخْصِبٍ أَوْ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمَنْزِلِ دُونَهُ أَنْ يَنْزِلَ لَمْ يَقْصُرْ أَبَدًا مَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ حَمِدَ مِنْ الْأَرْضِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ أَبَدًا حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ يُرِيدُ سَفَرًا لَا عُرْجَةَ لَهُ عَنْهُ إلَّا عُرْجَةَ الْمَنْزِلِ وَيَبْلُغُ وَيَكُونُ السَّفَرُ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ بَلَدٍ يُرِيدُونَ بَلَدًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَنِيَّتُهُمْ إذَا مَرُّوا بِمَوْضِعٍ مُخْصِبٍ أَنْ يَرْتَعُوا فِيهِ مَا احْتَمَلَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوا فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُمْ أَنْ يَرْتَعُوا فِيهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَبْلُغُوا أَنْ يَنْوُوا فِي مُقَامِ أَرْبَعٍ فَلَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوا، وَإِذَا مَرُّوا بِمَوْضِعٍ فَأَرَادُوا فِيهِ مُقَامَ أَرْبَعٍ أَتَمُّوا فَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا مُقَامَ أَرْبَعٍ وَأَقَامُوا أَرْبَعًا أَتَمُّوا بَعْدَ مُقَامِ الْأَرْبَعِ فِي الِاخْتِيَارِ. [إيجَابُ الْجُمُعَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] الْآيَةُ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ " قَالَ: «شَاهِدٌ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَشْهُودٌ يَوْمُ عَرَفَةَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَدَلَّتْ السُّنَّةُ مِنْ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحْنُ الْآخَرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: بَائِدَ أَنَّهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَحْنُ الْآخَرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الْجُمُعَةَ: فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ السَّبْتُ وَالْأَحَدُ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّنْزِيلُ، ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى إيجَابِ الْجُمُعَةِ وَعُلِمَ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْيَوْمُ الَّذِي بَيْنَ الْخَمِيسِ وَالسَّبْتِ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يَعْلَمُهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْجَمَاعَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمَاعَةٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَقَلُوا الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ " عُرُوبَةٌ " قَالَ الشَّاعِرُ: نَفْسِي الْفِدَاءُ لِأَقْوَامٍ هُمُو خَلَطُوا ... يَوْمَ الْعُرُوبَةِ أَزْوَادًا بِأَزْوَادٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخِطْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ

أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي وَائِلٍ يَقُولُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إلَّا امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَمْلُوكًا» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِبَلَدٍ تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ لَا عُذْرَ لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُذْرُ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى شُهُودِ الْجُمُعَةِ إلَّا بِأَنْ يَزِيدَ فِي مَرَضِهِ، أَوْ يَبْلُغَ بِهِ مَشَقَّةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، أَوْ يَحْبِسَهُ السُّلْطَانُ، أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ بِالْغَلَبَةِ، أَوْ يَمُوتَ بَعْضُ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ ذِي آصِرَةٍ مِنْ صِهْرٍ، أَوْ مَوَدَّةٍ، أَوْ مَنْ يَحْتَسِبُ فِي وِلَايَةِ أَمْرِهِ الْأَجْرَ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَلَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَرِضَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ وَالِدٌ فَرَآهُ مَنْزُولًا بِهِ وَخَافَ فَوْتَ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ لَهُ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِهِ وَكَانَ ضَائِعًا لَا قَيِّمَ لَهُ غَيْرُهُ، أَوْ لَهُ قَيِّمٌ غَيْرُهُ لَهُ شُغْلٌ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدَعَ لَهُ الْجُمُعَةَ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دُعِيَ وَهُوَ يَسْتَحِمُّ لِلْجُمَعَةِ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَهُوَ يَمُوتُ فَأَتَاهُ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَصَابَهُ غَرَقٌ، أَوْ حَرْقٌ، أَوْ سُرِقَ وَكَانَ يَرْجُو فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ الْجُمُعَةِ دَفْعَ ذَلِكَ، أَوْ تَدَارُكَ شَيْءٍ فَلَتَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدَعَ لَهُ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ ضَلَّ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ مَالٌ مِنْ رَقِيقٍ، أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرَجَا فِي تَخَلُّفِهِ تَدَارُكَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ خَائِفًا إذَا خَرَجَ إلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَحْبِسَهُ السُّلْطَانُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَحْبِسُهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فِي دَمٍ، أَوْ حَدٍّ لَمْ يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَلَا الْهَرَبُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَرْجُو أَنْ يَدْفَعَ الْحَدَّ بِعَفْوٍ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ بِصُلْحٍ فَأَرْجُو أَنْ يَسَعَهُ ذَلِكَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ تَغَيُّبُهُ عَنْ غَرِيمٍ لِعُسْرَةٍ وَسِعَهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ لَمْ يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ خَوْفَ الْحَبْسِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ سَفَرًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ الْفَجْرِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا قَدْ أَجْمَعَ مُقَامَ أَرْبَعٍ فَمِثْلُ الْمُقِيمِ وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ مُقَامَ أَرْبَعٍ فَلَا يُحْرَجُ عِنْدِي بِالتَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَلَهُ أَنْ يَسِيرَ وَلَا يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ أَبْصَرَ رَجُلًا عَلَيْهِ هَيْئَةُ السَّفَرِ وَهُوَ يَقُولُ لَوْلَا أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَخَرَجْت فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَاخْرُجْ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَحْبِسُ عَنْ سَفَرٍ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يَمُرَّ بِبَلَدٍ جَمَعَهُ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ مُقَامَ أَرْبَعٍ فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَتْ فِي مُقَامِهِ وَإِذَا لَزِمَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَجْمَعَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِينَ وَلَا عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْعَبِيدِ جُمُعَةٌ وَأُحِبُّ لِلْعَبِيدِ إذَا أُذِنَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا وَلِلْعَجَائِزِ إذَا أُذِنَ لَهُمْ وَلِلْغِلْمَانِ وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُمْ أَحَدًا يُحْرَجُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ بِحَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَسَائِرُ الْعَبِيدِ فِي هَذَا سَوَاءٌ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُعْتِقَ بَعْضُ الْعَبْدِ فَكَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يُتْرَكُ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَمْ أُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ تَرَكَهَا لَمْ أَقُلْ لَهُ إنَّهُ يُحْرَجُ كَمَا يُحْرَجُ الْحُرُّ لَوْ تَرَكَهَا؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْحُرِّ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهَذَا قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ أَحْوَالٌ لَا تَلْزَمُهُ فِيهَا لِلرِّقِّ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قُلْت لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْرَارِ لِلْعُذْرِ بِالْحَبْسِ، أَوْ غَيْرِهِ وَمِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ وَالْمَمَالِيكِ فَإِذَا شَهِدَ الْجُمُعَةَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَأَجْزَأَتْهُ عَنْ الْجُمُعَةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قِيلَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - لَا يُحْرَجُونَ بِتَرْكِهَا كَمَا يَكُونُ الْمَرْءُ فَقِيرًا لَا يَجِدُ مَرْكَبًا وَزَادًا فَيَتَكَلَّفُ الْمَشْيَ وَالتَّوَصُّلَ بِالْعَمَلِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمَسْأَلَةِ فَيَحُجُّ فَيَجْزِي عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ فَيَتَحَامَلُ عَلَى أَنْ يَرْبِطَ عَلَى دَابَّةٍ فَيَكُونُ لَهُ حَجٌّ وَيَكُونُ الرَّجُلُ مُسَافِرًا، أَوْ مَرِيضًا مَعْذُورًا بِتَرْكِ الصَّوْمِ فَيَصُومُ فَيَجْزِي عَنْهُ لَيْسَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ مَا عَمِلَ مِنْ

العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة

هَذَا فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْرَجُ بِتَرْكِهِ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ لِوَاحِدٍ مِمَّنْ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ مِنْ الْأَحْرَارِ لِلْعُذْرِ وَلَا مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ وَالْعَبِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، أَوْ يَتَوَخَّى انْصِرَافَهُ بِأَنْ يَحْتَاطَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ انْصَرَفَ؛ لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ إتْيَانُهَا خَيْرًا لَهُ وَلَا أَكْرَهُ إذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً حَيْثُ كَانُوا إذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ رَغْبَةٍ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلُّوا جَمَاعَةً، أَوْ فُرَادَى بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلُّوا جَمَاعَةً، أَوْ فُرَادَى فَأَدْرَكُوا الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّوْهَا وَهِيَ لَهُمْ نَافِلَةٌ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ صَلَّاهَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا إذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ ظُهْرًا أَرْبَعًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَكَانَ عَلَيْهِ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا فَاتَتْهُ صَلَّاهَا قَضَاءً وَكَانَ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى فَاتَهُ وَقْتُهَا وَيُصَلِّيَهَا قَضَاءً وَيَجْمَعَهَا وَلَا أَكْرَهُ جَمْعَهَا إلَّا أَنْ يَجْمَعَهَا اسْتِخْفَافًا بِالْجُمُعَةِ، أَوْ رَغْبَةً عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَآمُرُ أَهْلَ السِّجْنِ وَأَهْلَ الصِّنَاعَاتِ عَنْ الْعَبِيدِ بِأَنْ يَجْمَعُوا وَإِخْفَاؤُهُمْ الْجَمْعَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ إعْلَانِهِ خَوْفًا أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ جَمَعُوا رَغْبَةً عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْأَئِمَّةِ. [الْعَدَدُ الَّذِينَ إذَا كَانُوا فِي قَرْيَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةً وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِلَا وَقْتِ عَدَدِ مُصَلِّينَ وَأَيْنَ كَانَ الْمُصَلِّي مِنْ مَنْزِلِ مُقَامٍ وَظَعْنٍ فَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافًا فِي أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ إلَّا فِي دَارِ مُقَامٍ وَلَمْ أَحْفَظْ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَقَدْ قَالَ: غَيْرُنَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ جَامِعٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَسَمِعْت عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِ دَارِ مُقَامٍ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَكَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ فَقُلْنَا بِهِ وَكَانَ أَقَلُّ مَا عَلِمْنَاهُ قِيلَ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ أَدَّعِ الْقَوْلَ بِهِ وَلَيْسَ خَبَرٌ لَازِمٌ يُخَالِفُهُ وَقَدْ يُرْوَى مِنْ حَيْثُ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا وَرُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَهْلِ قُرَى عُرَيْنَةَ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَيْنِ بِأَهْلِ نَجْرَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كُلُّ قَرْيَةٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ فِيمَا بَيْنَ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ جَمَعُوا إذَا بَلَغْتُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَالْقَرْيَةُ الْبِنَاءُ وَالْحِجَارَةُ وَاللَّبِنُ وَالسُّقُفُ وَالْجَرَائِدُ وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِنَاءٌ كُلُّهُ وَتَكُونُ بُيُوتُهَا مُجْتَمِعَةً وَيَكُونُ أَهْلُهَا لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ مِثْلَ ظَعْنِ أَهْلِ الْقُرَى وَتَكُونُ بُيُوتُهَا مُجْتَمِعَةً اجْتِمَاعَ بُيُوتِ الْقُرَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْتَمِعَةً فَلَيْسُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ وَلَا يَجْمَعُونَ وَيُتِمُّونَ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا رَأَيْت - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِذَا صَلُّوا الْجُمُعَةَ أَجْزَأَتْهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ وَلَمْ يَحْضُرُوا الْجُمُعَةَ كُلُّهُمْ رَأَيْت أَنْ يُصَلُّوهَا ظُهْرًا وَإِنْ كَانُوا هَذَا الْعَدَدَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي غَيْرِ قَرْيَةٍ كَمَا وَصَفْت لَمْ يَجْمَعُوا وَإِنْ كَانُوا فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ فِيهَا مُشْرِكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَنِسَائِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْبَالِغُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْمَعُوا وَلَوْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ مَارِّينَ بِهَا وَأَهْلُهَا لَا يَبْلُغُونَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ

من تجب عليه الجمعة بمسكنه

يَجْمَعُوا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَةٌ فِيهَا هَذَا الْعَدَدُ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ بَعْضُهُمْ، أَوْ غَابُوا، أَوْ انْتَقَلَ مِنْهُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا وَلَوْ كَثُرَ مَنْ يَمُرُّ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُسَافِرًا، أَوْ تَاجِرًا غَيْرَ سَاكِنٍ لَمْ يُجْمَعْ فِيهَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلُهَا أَرْبَعِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً كَمَا وَصَفْت فَتَهَدَّمَتْ مَنَازِلُهَا، أَوْ تَهَدَّمَ مِنْ مَنَازِلِهَا وَبَقِيَ فِي الْبَاقِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ أَهْلُهَا لَازِمِينَ لَهَا لِيُصْلِحُوهَا جَمَعُوا كَانُوا فِي مَظَالَّ، أَوْ غَيْرِ مَظَالَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ أَهْلُهَا أَرْبَعِينَ، أَوْ أَكْثَرَ فَمَرِضَ عَامَّتُهُمْ حَتَّى لَمْ يُوَافِ الْمَسْجِدَ مِنْهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا صَلُّوا الظُّهْرَ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ قَوْمٍ مَارِّينَ، أَوْ تُجَّارٍ لَا يَسْكُنُونَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الْمُقِيمِينَ بِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ أَهْلُهَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا وَأَكْثَرَ وَمِنْهُمْ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ وَلَيْسَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا صَحِيحًا بَالِغًا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ كُلُّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا فَخَطَبَهُمْ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَانْفَضَّ عَنْهُ بَعْضُهُمْ قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَبْقَى مَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَإِنْ ثَابُوا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ حَتَّى يَكُونُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا صَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى يُكَبِّرَ لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَصَلُّوهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ انْفَضُّوا عَنْهُ فَانْتَظَرَهُمْ بَعْدَ الْخُطْبَةِ حَتَّى يَعُودُوا أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُعِيدَ خُطْبَةً أُخْرَى إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ مُهْلَةٌ ثُمَّ يُصَلِّيَهَا جُمُعَةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّاهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ فَصْلٌ يَتَبَاعَدُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَطَبَ بِهِمْ وَهُمْ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ ثَابَ الْأَرْبَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ صَلَّاهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَلَا أَرَاهَا تُجْزِئُ عَنْهُ حَتَّى يَخْطُبَ بِأَرْبَعِينَ فَيَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ بِهِمْ إذَا كَبَّرَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ فِي الْأَرْبَعِينَ إلَّا مَنْ وَصَفْت عَلَيْهِ فَرْضَ الْجُمُعَةِ مِنْ رَجُلٍ حُرٍّ بَالِغٍ غَيْرِ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ مُقِيمٍ لَا مُسَافِرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ خَطَبَ بِأَرْبَعِينَ، ثُمَّ كَبَّرَ بِهِمْ، ثُمَّ انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَانِ حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ تَامَّةٍ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا وَهِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ وَلَوْ صَلَّاهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا أَجْزَأَتْهُ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ بِحَالٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ حِينَ يَدْخُلُ وَيُكْمِلُ الصَّلَاةَ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا عَبْدَانِ، أَوْ عَبْدٌ وَحُرٌّ، أَوْ مُسَافِرَانِ، أَوْ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ صَلَّاهَا ظُهْرًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْهُمْ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ اثْنَانِ، أَوْ أَكْثَرُ فَصَلَّاهَا جُمُعَةً، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا مُسَافِرٌ، أَوْ عَبْدٌ، أَوْ امْرَأَةٌ أَعَادَهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يُجْزِئُهُ جُمُعَةٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يُكْمِلَ مَعَهُ الصَّلَاةَ اثْنَانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ فَإِنْ صَلَّى وَلَيْسَ وَرَاءَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجُمُعَةِ كَانَتْ عَلَيْهِمْ ظُهْرًا أَرْبَعًا، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَقَدَّمَ رَجُلًا مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَخَلْفَهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا صَلُّوهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا لَا يُجْزِئُهُمْ وَلَا الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ إلَّا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ إمَامَتَهُ زَالَتْ وَابْتَدَلَتْ بِإِمَامَةِ رَجُلٍ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُبْتَدِئًا فِي حَالِهِ تِلْكَ لَمْ يُجْزِئْهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا ظُهْرًا أَرْبَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ جُمُعَةً ثُمَّ أَمَرْته أَنْ يَجْعَلَهَا ظُهْرًا أَجْزَأَهُ مَا صَلَّى مِنْهَا وَهُوَ يَنْوِي الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الظُّهْرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ قَصْرُهَا فَلَمَّا حَدَثَ حَالٌ لَيْسَ لَهُ فِيهَا قَصْرُهَا أَتَمَّهَا كَمَا يَبْتَدِئُ الْمُسَافِرُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْوِي الْمُقَامَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الرَّكْعَتَيْنِ فَيُتِمَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا وَلَا يَسْتَأْنِفَهَا. [مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بِمَسْكَنِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]

من يصلى خلفه الجمعة

(قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ قَوْمٌ بِبَلَدٍ يُجْمِعُ أَهْلُهَا وَجَبَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِنْ سَاكِنِي الْمِصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عِنْدَنَا عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ كَثُرَ أَهْلُهَا حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَكْثَرُهُمْ النِّدَاءَ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ بِالْمِصْرِ وَالْعَدَدِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، أَوْلَى بِأَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلِي: سَمِعَ النِّدَاءَ إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا وَكَانَ هُوَ مُسْتَمِعًا، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُنَادِي غَيْرَ صَيِّتٍ وَالرَّجُلُ غَافِلٌ وَالْأَصْوَاتُ ظَاهِرَةٌ فَقَلَّ مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْت أَعْلَمُ فِي هَذَا أَقْوَى مِمَّا وَصَفْت وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَكُونَانِ بِالشَّجَرَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَيَشْهَدَانِ الْجُمُعَةَ وَيَدَعَانِهَا وَقَدْ كَانَ يُرْوَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَكُونُ بِالْعَقِيقِ فَيَتْرُكُ الْجُمُعَةَ وَيَشْهَدُهَا وَيُرْوَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الطَّائِفِ فَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَيَدَعُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ وَكَانَ لَهَا قُرًى حَوْلَهَا مُتَّصِلَةَ الْأَمْوَالِ بِهَا وَكَانَتْ أَكْثَرُ سُوقِ تِلْكَ الْقُرَى فِي الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ لَمْ أُرَخِّصْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ لَا أُرَخِّصُ لِمَنْ عَلَى الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلَا يَتَبَيَّنُ عِنْدِي أَنْ يُحْرَجَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ إلَّا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَيُشْبِهُ أَنْ يُحْرَجَ أَهْلُ الْمِصْرِ، وَإِنْ عَظُمَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ [مَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ] َ وَالْجُمُعَةُ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ صَلَّاهَا مِنْ أَمِيرٍ وَمَأْمُورٍ وَمُتَغَلِّبٍ عَلَى بَلْدَةٍ وَغَيْرِ أَمِيرٍ مُجْزِئَةٌ كَمَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مَنْ سَلَفَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْنَا الْعِيدَ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَتُجْزِئُ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ كَمَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ غَيْرَهَا خَلْفَهُمَا فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فَرْضُ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِمَا، قِيلَ لَيْسَ يَأْثَمَانِ بِتَرْكِهَا وَهُمَا يُؤْجَرَانِ عَلَى أَدَائِهَا وَتُجْزِئُ عَنْهُمَا كَمَا تُجْزِئُ عَنْ الْمُقِيمِ وَكِلَاهُمَا عَلَيْهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا وَلَا أَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تُجْزِئُ خَلْفَ غُلَامٍ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَا تَجْمَعُ امْرَأَةٌ بِنِسَاءٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إمَامَةُ جَمَاعَةٍ كَامِلَةٍ وَلَيْسَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَهَا أَنْ تَكُونَ إمَامَ جَمَاعَةٍ كَامِلَةٍ. [الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدَيْنِ فَأَكْثَرَ] َ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يُجْمَعُ فِي مِصْرٍ وَإِنْ عَظُمَ أَهْلُهُ وَكَثُرَ عَامِلُهُ وَمَسَاجِدُهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ مَسَاجِدُ عِظَامٌ لَمْ يُجْمَعْ فِيهَا إلَّا فِي وَاحِدٍ وَأَيُّهَا جُمِعَ فِيهِ أَوَّلًا بَعْدَ الزَّوَالِ فَهِيَ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ جُمِعَ فِي آخَرَ سِوَاهُ يَعُدُّهُ لَمْ يَعْتَدَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَعْدَهُ بِالْجُمُعَةِ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا ظُهْرًا أَرْبَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ الَّذِي جَمَعَ أَوَّلًا الْوَالِي، أَوْ مَأْمُورٌ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ تَطَوَّعَ، أَوْ تَغَلَّبَ، أَوْ عُزِلَ فَامْتَنَعَ مِنْ الْعَزْلِ بِمَنْ جَمَعَ مَعَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، وَمَنْ جَمَعَ مَعَ الَّذِي بَعْدَهُ لَمْ تُجْزِهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَ وَالِيًا وَكَانَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ (قَالَ) : وَهَكَذَا إنْ جَمَعَ مِنْ الْمِصْرِ فِي مَوَاضِعَ فَالْجُمُعَةُ الْأُولَى، وَمَا سِوَاهَا لَا تُجْزِئُ إلَّا ظُهْرًا. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الَّذِينَ جَمَعُوا أَيُّهُمْ جَمَعَ أَوَّلًا أَعَادُوا كُلُّهُمْ ظُهْرًا أَرْبَعًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَادُوا فَجَمَعَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ

أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جُمُعَتَهُمْ الْأُولَى لَمْ تَجْزِ عَنْهُمْ وَهُمْ أَوَّلًا حِينَ جَمَعُوا أَفْسَدُوا، ثُمَّ عَادُوا فَجَمَعُوا فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ (قَالَ: الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّتْ قَبْلَ الْأُخْرَى فَكَمَا جَازَتْ الصَّلَاةُ لِلَّذِينَ صَلُّوا أَوَّلًا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بَعْدَ تَمَامِ جُمُعَةٍ قَدْ تَمَّتْ. الْأَرْضُ تَكُونُ بِهَا الْمَسَاجِدُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَإِذَا اتَّسَعَتْ الْبَلَدُ وَكَثُرَتْ عِمَارَتُهَا فَبُنِيَتْ فِيهَا مَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ عِظَامٌ وَصِغَارٌ لَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِيهَا إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ إذَا اتَّصَلَتْ بِالْبَلَدِ الْأَعْظَمِ مِنْهَا قَرَيَات صِغَارٌ لَمْ أُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ مِنْهَا غَيْرِهِ صُلِّيَتْ الظُّهْرُ أَرْبَعًا، وَإِنْ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ أَعَادَ مَنْ صَلَّاهَا فِيهَا (قَالَ) : وَتُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فَإِنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِهَا أَصْغَرَ مِنْهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَهِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى غَيْرُ إمَامٍ فِي مَسْجِدِهَا الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامُ فِي مَسْجِدٍ أَصْغَرَ فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ مُجْزِئَةٌ وَيُعِيدُ الْآخَرُونَ الْجُمُعَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَكَّلَ الْإِمَامُ مَنْ يُصَلِّي فَصَلَّى وَكِيلُ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، أَوْ الْأَصْغَرِ قَبْلَ الْإِمَامِ وَصَلَّى الْإِمَامُ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِهِ فَجُمُعَةُ الَّذِينَ صَلُّوا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، أَوْ الْأَصْغَرِ قَبْلَ الْإِمَامِ مُجْزِئَةٌ وَيُعِيدُ الْآخَرُونَ ظُهْرًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إذَا وَكَّلَ الْإِمَامُ رَجُلَيْنِ يُصَلِّي أَيُّهُمَا أَدْرَكَ فَأَيُّهُمَا صَلَّى الْجُمُعَةَ أَوَّلًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ صَلَّى الْآخَرُ بَعْدَهُ فَهِيَ ظُهْرٌ وَإِنْ كَانَ وَالٍ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ وَجَاءَ وَالٍ غَيْرُهُ فَصَلَّى فِي مَسْجِدٍ عَظِيمٍ فَأَيُّهُمَا صَلَّى أَوَّلًا فَهِيَ الْجُمُعَةُ وَإِذَا قُلْت: أَيُّهُمَا صَلَّى أَوَّلًا فَهِيَ الْجُمُعَةُ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا صَلَّى أَوَّلًا، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْجُمُعَةَ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ أَعَادَا مَعًا فَصَلَّيَا مَعًا أَرْبَعًا أَرْبَعًا (قَالَ: الرَّبِيعُ) : يُرِيدُ يُعِيدُ الظُّهْرَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَعْيَادُ مُخَالِفَةٌ الْجُمُعَةَ الرَّجُلُ يُصَلِّي الْعِيدَ مُنْفَرِدًا وَمُسَافِرًا وَتُصَلِّيهِ الْجَمَاعَةُ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحِيلُ فَرْضًا وَلَا أَرَى بَأْسًا إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى مُصَلَّاهُ فِي الْعِيدَيْنِ، أَوْ الِاسْتِسْقَاءِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ الْعِيدَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمِصْرِ، أَوْ مَوَاضِعَ، (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ مُنْفَرِدًا مُجْزِئَةً فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ بِأَمْرِ وَالٍ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْ الْوَالِي فَقَدَّمُوا وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْهُمْ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ قَدَّمُوا فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ فِي مَسَاجِدِهِمْ لَمْ أَكْرَهْ مِنْ هَذَا شَيْئًا بَلْ أُحِبُّهُ وَلَا أَكْرَهُهُ فِي حَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْعُظْمَى أَقْوِيَاءَ عَلَى حُضُورِهَا فَأَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُمْ أَشَدَّ الْكَرَاهِيَةِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ فَأَمَّا أَهْلُ الْعُذْرِ بِالضَّعْفِ فَأُحِبُّ لَهُمْ ذَلِكَ

وقت الجمعة

قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْجُمُعَةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا كُلِّهِ (قَالَ) : وَإِذَا صَلَّوْا جَمَاعَةً، أَوْ مُنْفَرِدِينَ صَلُّوا كَمَا يُصَلِّي الْإِمَامُ لَا يُخَالِفُونَهُ فِي وَقْتٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُهُمْ بِخُطْبَةٍ إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْوَالِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ الْوَالِي كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْفُرْقَةِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا لَا أَكْرَهُهُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ. [وَقْتُ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَوَقْتُ الْجُمُعَةِ مَا بَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَكُونَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَكُونَ سَلَامُهُ مِنْهَا قَبْلَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَهِيَ لَهُ جُمُعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ قَدْ جُمِعَ فِيهِ قَبْلَهُ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ تُجْزِهِ الْجُمُعَةُ وَهِيَ لَهُ ظُهْرٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَرْبَعًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ قَدْرَ ذِرَاعٍ، أَوْ نَحْوِهِ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْفَيْءُ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ لَا تُصَلُّوا حَتَّى تَفِيءَ الْكَعْبَةُ مِنْ وَجْهِهَا. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَوَجْهُهَا الْبَابُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي مُعَاذًا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدَ أَحَدٍ لَقِيته أَنْ لَا تُصَلَّى الْجُمُعَةُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ زَوَالَ الشَّمْسِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ابْتَدَأَ رَجُلٌ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ زَالَتْ الشَّمْسُ فَأَعَادَ خُطْبَتَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ تُجْزِ الْجُمُعَةُ عَنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي حَالٍ لَا تُجْزِي عَنْهُ فِيهِ، ثُمَّ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَإِلَّا صَلَّاهَا ظُهْرًا وَالْوَقْتُ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مَا بَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُجْزِئُ جُمُعَةٌ حَتَّى يَخْطُبَ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ وَيُكْمِلَ السَّلَامَ مِنْهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ دَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا أَرْبَعًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَغْفَلَ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ خَطَبَ أَقَلَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى أَخَفَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا أَرْبَعًا وَلَا يَخْطُبُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ يَخْطُبُ أَخَفَّ خُطْبَتَيْنِ وَيُصَلِّي أَخَفَّ رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مُجْزِئَتَيْنِ عَنْهُ قَبْلَ دُخُولِ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ الْعَصْرِ فَهِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَلَّمَ اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا أَرْبَعًا لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَشُكُّ وَمَنْ مَعَهُ، أَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَمْ لَا؟ فَصَلَاتُهُمْ وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْوَقْتِ وَفِي شَكٍّ مِنْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُجْزِئُهُمْ، فَهُمْ كَمَنْ اسْتَيْقَنَ بِوُضُوءٍ وَشَكَّ

وقت الأذان للجمعة

فِي انْتِفَاضِهِ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ شَكُّوا أَكْمَلُوا الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِظُلْمَةٍ، أَوْ رِيحٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُشْبِهُ الْجُمُعَةَ فِيمَا وَصَفْت الرَّجُلَ يُدْرِكُ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بَعْدَ غُرُوبِهَا وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَصَرَ فِي وَقْتِهَا وَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ إلَّا حَيْثُ جُعِلَ لَهُ. [وَقْتُ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يُؤَذَّنُ لِلْجُمُعَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُذِّنَ لَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أُعِيدَ الْأَذَانُ لَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنْ أَذَّنَ لَهَا مُؤَذِّنٌ قَبْلَ الزَّوَالِ وَآخَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَجْزَأَ الْأَذَانُ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يُعَدْ الْأَذَانُ الَّذِي قَبْلَ الزَّوَالِ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَدْخُلُ الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ وَيَجْلِسُ عَلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي يَخْطُبُ عَلَيْهِ خَشَبٌ، أَوْ جَرِيدٌ أَوْ مِنْبَرٌ، أَوْ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ لَهُ، أَوْ الْأَرْضُ فَإِذَا فَعَلَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا فَرَغَ قَامَ فَخَطَبَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا جَمَاعَةُ مُؤَذِّنِينَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ أَوَّلُهُ لِلْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ وَكَثُرَ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانَ بِأَذَانٍ ثَانٍ فَأُذِّنَ بِهِ فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ أَحْدَثَهُ وَيَقُولُ أَحْدَثَهُ مُعَاوِيَةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالْأَمْرُ الَّذِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إلَيَّ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَذَّنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأُذِّنَ كَمَا يُؤَذَّنُ الْيَوْمَ أَذَانٌ قَبْلَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِينَ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا يُفْسِدُ شَيْءٌ مِنْهُ صَلَاتَهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ فِي الْأَذَانِ شَيْءٌ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [مَتَى يَحْرُمُ الْبَيْعُ يَوْم الْجُمُعَةَ] مَتَى يَحْرُمُ الْبَيْعُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَذَانُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجُمُعَةِ أَنْ يَذَرَ عِنْدَهُ الْبَيْعَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ الْأَذَانُ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ وَجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قَبْلَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مَنْهِيًّا عَنْهُ كَمَا يُنْهَى عَنْهُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ الَّذِي أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكَذَلِكَ إنْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَمْ يُنْهَ عَنْ الْبَيْعِ إنَّمَا يُنْهَى عَنْ الْبَيْعِ إذَا اجْتَمَعَ أَنْ يُؤَذِّنَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَبَايَعَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ فِيهِ عَنْ الْبَيْعِ لَمْ أَكْرَهْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْ الْبَيْعِ الْمَأْمُورُ بِإِتْيَانِ الْجُمُعَةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَايَعَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ كَرِهْت ذَلِكَ لِمَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لِمَا وَصَفْت وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَهُ لَهُ وَلَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ بِحَالٍ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ الْبَيْعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا

التبكير إلى الجمعة

بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَحَدٍ بِحَالٍ وَإِذَا تَبَايَعَ الْمَأْمُورَانِ بِالْجُمُعَةِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ فِيهِ عَنْ الْبَيْعِ لَمْ يَبْنِ لِي أَنْ أَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِإِتْيَانِ الصَّلَاةِ لَا أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ الْمُحَرَّمُ لِنَفْسِهِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ صَلَاةً وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَأْتِي بِأَقَلَّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْهَا فَبَايَعَ فِيهِ كَانَ عَاصِيًا بِالتَّشَاغُلِ بِالْبَيْعِ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا، وَلَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةُ التَّشَاغُلِ عَنْهَا تُفْسِدُ بَيْعَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [التَّبْكِيرُ إلَى الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ، وَالْمُهَجِّرُ إلَى الصَّلَاةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيه كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيه كَالْمُهْدِي كَبْشًا، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ» ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقَرْنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ أَنْ يُبَكِّرَ إلَى الْجُمُعَةِ جَهْدَهُ فَكُلَّمَا قَدَّمَ التَّبْكِيرَ كَانَ أَفْضَلَ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّ مَنْ زَادَ فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَفْضَلَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ: إنَّهُمْ مَأْمُورُونَ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِأَنْ يَسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالْفَرْضِ عَلَيْهِمْ وَأَمْرُهُمْ بِالْفَرْضِ عَلَيْهِمْ لَا يَمْنَعُ فَضْلًا قَدَّمُوهُ عَنْ نَافِلَةٍ لَهُمْ. [الْمَشْيُ إلَى الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْت عُمَرَ قَطُّ يَقْرَؤُهَا إلَّا " فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ". (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَمَعْقُولٌ أَنَّ السَّعْيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعَمَلُ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4] وَقَالَ {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: 205] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ زُهَيْرٌ: سَعَى بِعَهْدِهِمْ قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمْ ... فَلَمْ يَفْعَلُوا وَلَمْ يُلِيمُوا وَلَمْ يَأْلُوا (وَزَادَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ) : وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ وَهَلْ يَحْمِلُ الْخُطَى إلَّا وَشِيجَهُ ... وَتُغْرَسُ إلَّا فِي مَنَابِتِهَا النَّخْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ

الهيئة للجمعة

عَنْ جَدِّهِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا خَرَجْت إلَى الْجُمُعَةِ فَامْشِ عَلَى هِينَتِك. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِيمَا وَصَفْنَا مِنْ دَلَالَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ السَّعْيَ الْعَمَلُ وَفِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا مَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجُمُعَةُ صَلَاةٌ كَافٍ مِنْ أَنْ يُرْوَى فِي تَرْكِ الْعَدْوِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إلَى الْجُمُعَةِ عَنْ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ زَادَ فِيهَا عَلَى مَشْيِهِ إلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُؤْتَى الْجُمُعَةُ إلَّا مَاشِيًا كَمَا تُؤْتَى سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ سَعَى إلَيْهَا سَاعٍ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَلَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ لَهُ. [الْهَيْئَةُ لِلْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتنِيهَا وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ» ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ السَّبَّاقِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي جُمُعَةٍ مِنْ الْجُمَعِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَنُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَنَظَّفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغُسْلٍ وَأَخْذِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَعِلَاجٍ لِمَا يَقْطَعُ تَغَيُّرَ الرِّيحِ مِنْ جَمِيعِ جَسَدِهِ وَسِوَاكٍ وَكُلِّ مَا نَظَّفَهُ وَطَيَّبَهُ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا مَعَ هَذَا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَحْسِنَ مِنْ ثِيَابِهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيُطَيِّبَهَا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَلَا يُؤْذِيَ أَحَدًا قَارَبَهُ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لَهُ فِي كُلِّ عِيدٍ وَآمُرُهُ بِهِ وَأُحِبُّهُ فِي كُلِّ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ وَآمُرُهُ بِهِ وَأُحِبُّهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ جَامِعٍ لِلنَّاسِ وَإِنْ كُنْت لَهُ فِي الْأَعْيَادِ مِنْ الْجُمَعِ وَغَيْرِهَا أَشَدَّ اسْتِحْبَابًا لِلسُّنَّةِ وَكَثْرَةِ حَاضِرِهَا، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ مَا يُلْبَسُ إلَيَّ الْبَيَاضُ فَإِنْ جَاوَزَهُ بِعَصْبِ الْيَمَنِ وَالْقَطَرِيِّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ وَلَا يُصْبَغُ بَعْدَ مَا يُنْسَجُ فَحَسَنٌ وَإِذَا صَلَّاهَا طَاهِرًا مُتَوَارِيَ الْعَوْرَةِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ اسْتَحْبَبْت لَهُ مَا وَصَفْت مِنْ نَظَافَةٍ وَغَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أُحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ مِنْ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَغَيْرِهِ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنِّي أُحِبُّ لَهُنَّ النَّظَافَةَ بِمَا يَقْطَعُ الرِّيحَ الْمُتَغَيِّرَةَ وَأَكْرَهُ لَهُنَّ الطِّيبَ وَمَا يُشْهَرْنَ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ بَيَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ تَطَيَّبْنَ وَفَعَلْنَ مَا كَرِهْت لَهُنَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ إعَادَةُ صَلَاةٍ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ مَا أُحِبُّ لِلنَّاسِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَعْتَمَّ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَمُّ وَلَوْ ارْتَدَى بِبُرْدٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْتَدِي بِبُرْدٍ، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. [الصَّلَاةُ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ِ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ

دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر ولم يركع

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ قُعُودَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ السَّبْحَةَ وَأَنَّ كَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ عُمَرُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ حَتَّى يَقْضِيَ الْخُطْبَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ وَنَزَلَ عُمَرُ تَكَلَّمُوا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا رَاحَ النَّاسُ لِلْجُمُعَةِ صَلُّوا حَتَّى يَصِيرَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا صَارَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَفَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَكَلُّمًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي الْخُطْبَةِ فَإِذَا أَخَذَ فِيهَا أَنْصَتَ اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَيْت وَلَا يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ مَنْ حَضَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. [دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يَرْكَعْ] مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يَرْكَعْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْت؟ قَالَ لَا قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَهُوَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ جَاءَ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَجَاءَ إلَيْهِ الْأَحْرَاسُ لِيُجْلِسُوهُ فَأَبِي أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمَّا أَقْضَيْنَا الصَّلَاةَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ: كَادَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَفْعَلُوا بِك، فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَدَعَهَا لِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ رَأَيْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ رَجُلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَقَالَ " أَصَلَّيْت "؟ قَالَ: لَا، قَالَ: " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " ثُمَّ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَلْقَوْا ثِيَابًا فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى جَاءَ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَصَلَّيْت "؟ قَالَ: لَا قَالَ: " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ "، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّدَقَةِ فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ " خُذْهُ "، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اُنْظُرُوا إلَى هَذَا جَاءَ تِلْكَ الْجُمُعَةَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَمَرْت النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فَطَرَحُوا ثِيَابًا فَأَعْطَيْته مِنْهَا ثَوْبَيْنِ فَلَمَّا جَاءَتْ الْجُمُعَةُ وَأَمَرْت النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ فَأَلْقَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَنَأْمُرُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ وَلَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَنَأْمُرُهُ أَنْ يُخَفِّفَهُمَا فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِتَخْفِيفِهِمَا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَإِذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِصَلَاتِهِمَا حَيْثُ يُمْكِنَانِهِ وَحَيْثُ يُمْكِنَانِهِ مُخَالِفٌ لِحَيْثُ لَا يُمْكِنَانِهِ وَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاتِهِمَا وَيَزِيدَ فِي كَلَامِهِ بِقَدْرِ مَا يُكْمِلُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الدَّاخِلُ فِي حَالِ تَمَكُّنِهِ

تخطي رقاب الناس يوم الجمعة

فِيهِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّاهُمَا وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ. [تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَكْرَهُ تَخَطِّيَ رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى لَهُمْ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَبِذَلِكَ أُحِبُّ لِشَاهِدِ الْجُمُعَةِ التَّبْكِيرَ إلَيْهَا مَعَ الْفَضْلِ فِي التَّبْكِيرِ إلَيْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آنَيْت وَآذَيْت» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ الْجُمُعَةَ وَلِي كَذَا وَكَذَا وَلَأَنْ أُصَلِّيَهَا بِظَهْرِ الْحَرَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ» وَإِنْ كَانَ دُونَ مَدْخَلِ رَجُلٍ زِحَامٌ وَأَمَامَهُ فُرْجَةٌ فَكَانَ تَخَطِّيهِ إلَى الْفُرْجَةِ بِوَاحِدٍ، أَوْ اثْنَيْنِ رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُ التَّخَطِّي وَإِنْ كَثُرَ كَرِهْته لَهُ وَلَمْ أُحِبَّهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى مُصَلًّى يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ إلَّا بِأَنْ يَتَخَطَّى فَيَسَعَهُ التَّخَطِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ إذَا وَقَفَ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ تَقَدَّمَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَرِهْت لَهُ التَّخَطِّيَ وَإِنْ فَعَلَ مَا كَرِهْت لَهُ مِنْ التَّخَطِّي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ الزِّحَامُ دُونَ الْإِمَامِ الَّذِي يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَمْ أَكْرَهْ لَهُ مِنْ التَّخَطِّي وَلَا مِنْ أَنْ يُفَرِّجَ لَهُ النَّاسُ مَا أَكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ لَهُمْ. [النُّعَاسُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهُ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا نَعَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجَدَ مَجْلِسًا غَيْرَهُ وَلَا يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ لِيَحْدُثَ لَهُ الْقِيَامُ وَاعْتِسَافُ الْمَجْلِسِ مَا يَذْعَرُ عَنْهُ النَّوْمَ وَإِنْ ثَبَتَ وَتَحَفَّظَ مِنْ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ يَنْفِي النُّعَاسَ عَنْهُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أُحِبُّ إنْ رَأَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ النُّعَاسِ إذَا تَحَفَّظَ أَنْ يَتَحَوَّلَ وَأَحْسِبُ مِنْ أَمَرَهُ بِالتَّحَوُّلِ إنَّمَا أَمَرَهُ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ إلَّا بِإِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ وَإِنْ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ نَاعِسًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرْقُدْ زَائِلًا عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ. [مُقَامُ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَنَتْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

الخطبة قائما

يُصَلِّي إلَى جِذْعٍ إذْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا وَكَانَ يَخْطُبُ إلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَك أَنْ نَجْعَلَ لَك مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتَسْمَعَ النَّاسُ خُطْبَتَك؟ قَالَ: نَعَمْ: فَصُنِعَ لَهُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ فَهِيَ لِلْآتِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ وَوُضِعَ مَوْضِعَهُ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُومَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَخْطُبَ عَلَيْهِ فَمَرَّ إلَيْهِ، فَلَمَّا جَاوَزَ ذَلِكَ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إلَيْهِ خَارَ حَتَّى انْصَدَعَ وَانْشَقَّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الْجِذْعِ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِنْبَرِ» فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ أَخَذَ ذَلِكَ الْجِذْعَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ فَكَانَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى بَلِيَ وَأَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ وَصَارَ رُفَاتًا (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا قُلْنَا لَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ الْمِنْبَرِ لِلْحَاجَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْمِنْبَرِ وَإِنْ نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ بَعْد مَا تَكَلَّمَ اسْتَأْنَفَ الْخُطْبَةَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تُعَدُّ خُطْبَةً إذَا فَصَلَ بَيْنَهَا بِنُزُولٍ يَطُولُ، أَوْ بِشَيْءٍ يَكُونُ قَاطِعًا لَهَا. [الْخُطْبَةُ قَائِمًا] (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] الْآيَةُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَ لَهُمْ سُوقٌ يُقَالُ لَهَا الْبَطْحَاءُ، كَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَجْلِبُونَ إلَيْهَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالْغَنَمَ وَالسَّمْنَ فَقَدِمُوا فَخَرَجَ إلَيْهِمْ النَّاسُ وَتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ لَهُمْ لَهْوٌ إذَا تَزَوَّجَ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ضَرَبُوا بِالْكَبَرِ فَعَيَّرَهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] » (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْطُبُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ قِيَامًا يَفْصِلُونَ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ حَتَّى جَلَسَ مُعَاوِيَةُ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى فَخَطَبَ جَالِسًا وَخَطَبَ فِي الثَّانِيَةِ قَائِمًا» . (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا خَطَبَ الْإِمَامُ خُطْبَةً وَاحِدَةً وَصَلَّى الْجُمُعَةَ عَادَ فَخَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ صَلَّاهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ فَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَجْلِسْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ، وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَخْطُبَ جَالِسًا فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا مِنْ عِلَّةٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا وَهُمْ يَرَوْنَهُ صَحِيحًا فَذَكَرَ عِلَّةً فَهُوَ أَمِينٌ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ صَحِيحًا لِلْقِيَامِ لَمْ تُجْزِئْهُ وَلَا إيَّاهُمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا وَلَا يَدْرُونَ أَصَحِيحٌ هُوَ، أَوْ مَرِيضٌ؟ فَكَانَ صَحِيحًا أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا يَخْطُبَ جَالِسًا إلَّا مَرِيضٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ إذَا خَطَبَ جَالِسًا وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ

أدب الخطبة

صَحِيحًا، فَإِنْ عَلِمَتْهُ طَائِفَةٌ صَحِيحًا وَجَهِلَتْ طَائِفَةٌ صِحَّتَهُ أَجْزَأَتْ الطَّائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْلَمْ صِحَّتَهُ الصَّلَاةُ وَلَمْ تَجْزِ الطَّائِفَةَ الَّتِي عَلِمَتْ صِحَّتَهُ وَهَذَا هَكَذَا فِي الصَّلَاةِ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهَا ظُهْرٌ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا فَاعِلٌ عَلَى فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهَا. [أَدَبُ الْخُطْبَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : بَلَغَنَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُطْبَتَيْنِ وَجَلَسَ جِلْسَتَيْنِ» وَحَكَى الَّذِي حَدَّثَنِي قَالَ:: «اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ قَائِمًا ثُمَّ سَلَّمَ وَجَلَسَ عَلَى الْمُسْتَرَاحِ حَتَّى فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى، ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ» وَأَتْبَعَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَدِيثَ فَلَا أَدْرِي أَحَدَّثَهُ عَنْ سَلَمَةَ أَمْ شَيْءٌ فَسَّرَهُ هُوَ فِي الْحَدِيثِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ مَا وَصَفْت وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَكَلَّمَ بِالْخُطْبَةِ الْأُولَى، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - لِأَنَّهُ قَدْ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ (قَالَ) : وَيَعْتَمِدُ الَّذِي يَخْطُبُ عَلَى عَصًا، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَصًا» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: «قُلْت لِعَطَاءٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ عَلَى عَصًا إذَا خَطَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى عَصًا أَحْبَبْت أَنْ يُسْكِنَ جَسَدَهُ وَيَدَيْهِ إمَّا بِأَنْ يَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَإِمَّا أَنْ يُقِرَّهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا سَاكِنَتَيْنِ وَيُقِلَّ التَّلَفُّتَ وَيُقْبِلَ بِوَجْهِهِ قَصْدَ وَجْهِهِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِيُسْمِعَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُسْمِعُ أَحَدَ الشِّقَّيْنِ إذَا قَصَدَ بِوَجْهِهِ تِلْقَاءَهُ فَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ نَاحِيَةً يَسْمَعُ أَهْلُهَا إلَّا خَفِيَ كَلَامُهُ عَلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي تُخَالِفُهَا مَعَ سُوءِ الْأَدَبِ مِنْ التَّلَفُّتِ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ حَتَّى يَسْمَعَ أَقْصَى مَنْ حَضَرَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ كَلَامًا مُتَرَسِّلًا مُبَيِّنًا مُعْرَبًا بِغَيْرِ الْإِعْرَابِ الَّذِي يُشْبِهُ الْعِيَّ وَغَيْرِ التَّمْطِيطِ وَتَقْطِيعِ الْكَلَامِ وَمَدِّهِ وَمَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ وَلَا الْعَجَلَةِ فِيهِ عَنْ الْإِفْهَامِ وَلَا تَرْكِ الْإِفْصَاحِ بِالْقَصْدِ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ قَصْدًا بَلِيغًا جَامِعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا فَعَلَ مَا كَرِهْت لَهُ مِنْ إطَالَةِ الْخُطْبَةِ، أَوْ سُوءِ الْأَدَبِ فِيهَا، أَوْ فِي نَفْسِهِ فَأَتَى بِخُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْأُولَى، وَيَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُوصِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَيَدْعُوَ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ الْخُطْبَةَ جَمْعُ بَعْضِ الْكَلَامِ مِنْ وُجُوهٍ إلَى بَعْضٍ، هَذَا، أَوْجَزُ مَا يُجْمَعُ مِنْ الْكَلَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أَمَرْت بِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا قَرَأَ فَكَانَ أَقَلَّ مَا يَجُوزُ يُقَالُ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَأَنْ يَقْرَأَ أَكْثَرَ مِنْهَا أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ جَعَلَهَا خُطْبَةً وَاحِدَةً عَادَ فَخَطَبَ خُطْبَةً ثَانِيَةً مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَخْطُبْ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ أَعَادَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، فَإِنْ جَعَلَهَا خُطْبَتَيْنِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ أَعَادَ خُطْبَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَإِنْ تَرَكَ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ حِينَ يَظْهَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ كَرِهْته وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ عَمَلٌ قَبْلَهُمَا لَا مِنْهُمَا.

القراءة في الخطبة

[الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسَافٍ «عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ ب {ق} [ق: 1] وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهَا لَمْ تَحْفَظْهَا إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ مِثْلَهُ، قَالَ: إبْرَاهِيمُ: وَلَا أَعْلَمُنِي إلَّا سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ يَقْرَأُ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: إبْرَاهِيمُ: وَسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ يَقْرَأُ بِهَا وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْرَأُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] حَتَّى يَبْلُغَ {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14] ثُمَّ يَقْطَعُ السُّورَةَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فَلَا تَتِمُّ الْخُطْبَتَانِ إلَّا بِأَنْ يَقْرَأَ فِي إحْدَاهُمَا آيَةً فَأَكْثَرَ وَاَلَّذِي أُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِ {ق} [ق: 1] فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَصِّرُ عَنْهَا وَمَا قَرَأَ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ سَجْدَةً لَمْ يَنْزِلْ وَلَمْ يَسْجُدْ فَإِنْ فَعَلَ وَسَجَدَ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ كَمَا لَا يَكُونُ قَطْعًا لِلصَّلَاةِ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا سُجُودَ الْقُرْآنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَجَدَ أَخَذَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ مِنْ الْكَلَامِ وَإِنْ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ فَحَسَنٌ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَلَامَ، ثُمَّ يَقْرَأَ الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا ذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَلَا بَأْسَ وَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ مَا وَصَفْت فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَأَنْ يَقْرَأَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقُولَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ إذَا كَانَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ قَرَأَ آخِرَ النِّسَاءِ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء: 176] إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَحَيْثُ قَرَأَ مِنْ الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فَبَدَأَ بِالْقِرَاءَةِ، أَوْ بِالْخُطْبَةِ، أَوْ جَعَلَ الْقِرَاءَةَ بَيْنَ ظُهْرَانِي الْخُطْبَةِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إذَا أَتَى بِقِرَاءَةٍ أَجْزَأَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. [كَلَامُ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِرَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ أَصَلَّيْت؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَتَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِأَحَدِ ثَوْبَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الَّذِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي

ما يكره من الكلام في الخطبة وغيرها

خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَكُلِّ خُطْبَةٍ فِيمَا يَعْنِيهِ وَيَعْنِي غَيْرَهُ بِكَلَامِ النَّاسِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيه وَلَا يَعْنِي النَّاسَ وَلَا بِمَا يُقَبَّحُ مِنْ الْكَلَامِ وَكُلُّ مَا أَجَزْت لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوْ كَرِهْته فَلَا يُفْسِدُ خُطْبَتَهُ وَلَا صَلَاتَهُ. كَيْفَ اُسْتُحِبَّ أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَنْصِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى حَتَّى يَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ أَجَلٌ صَادِقٌ يَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ أَلَا فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ مِنْ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» . [مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ وَغَيْرِهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «خَطَبَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُسْكُتْ فَبِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، ثُمَّ قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى، وَلَا تَقُلْ وَمَنْ يَعْصِهِمَا» ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَقُولُ فَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى؛ لِأَنَّك أَفْرَدْت مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَقُلْت " وَرَسُولَهُ " اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ وَقَدْ قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ (قَالَ) : وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ أَطَاعَ رَسُولَهُ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ عَصَى رَسُولَهُ وَمَنْ أَطَاعَ رَسُولَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى رَسُولَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ قَامَ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَفَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ طَاعَتَهُ لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُشْدِهِ وَمَنْ قَالَ: " وَمَنْ يَعْصِهِمَا " كَرِهْت ذَلِكَ الْقَوْلَ لَهُ حَتَّى يُفْرِدَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَذْكُرَ بَعْدَهُ اسْمَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَذْكُرُهُ إلَّا مُنْفَرِدًا. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : «وَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمِثْلَانِ؟ قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْت» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَابْتِدَاءُ الْمَشِيئَةِ مُخَالَفَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْصِيَتَهُ تَبَعٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَعْصِيَتِهِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ مَنْصُوصَتَانِ بِفَرْضِ الطَّاعَةِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لِمَا وَصَفْت، وَالْمَشِيئَةُ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

الإنصات للخطبة

{وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] فَأَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيُقَالُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْت، وَيُقَالُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَعَبَّدَ الْخَلْقَ بِأَنْ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا أُطِيعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أُطِيعَ اللَّهُ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُخْلِصَ الْإِمَامُ ابْتِدَاءَ الْخُطْبَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعِظَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ مَا الَّذِي أَرَى النَّاسَ يَدْعُونَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمئِذٍ أَبَلَغَك عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَمَّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؟ قَالَ لَا إنَّمَا أُحْدِثَ إنَّمَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ تَذْكِيرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ دَعَا لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَلَى أَحَدٍ كَرِهْته وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ. [الْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْت» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَغَيْتَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَغَيْتَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ قَلَّمَا يَدَعُ ذَلِكَ إذَا خَطَبَ " إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلسَّامِعِ الْمُنْصِتِ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ "، ثُمَّ لَا يُكَبِّرُ عُثْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُوهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهَا وَيُنْصِتَ وَلَا يَتَكَلَّمَ مِنْ حِينِ يَتَكَلَّمُ الْإِمَامُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ مَعًا. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ وَبَعْدَ قَطْعِهِمْ قَبْلَ كَلَامِ الْإِمَامِ فَإِذَا ابْتَدَأَ فِي الْكَلَامِ لَمْ أُحِبَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ حَتَّى يَقْطَعَ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ الْآخِرَةَ فَإِنْ قَطَعَ الْآخِرَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، وَأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ مِنْ حِينِ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ الْكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ تَكَلَّمَ رَجُلٌ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَّمَ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكَلَّمُوهُ وَتَدَاعَوْا قَتْلَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَّمَ الَّذِي لَمْ يَرْكَعْ وَكَلَّمَهُ وَأَنْ لَوْ كَانَتْ الْخُطْبَةُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ حِينِ يَخْطُبُ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَوْلَاهُمْ بِتَرْكِ الْكَلَامِ الَّذِي إنَّمَا يَتْرُكُ النَّاسُ الْكَلَامَ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ لَغَوْت؟ قِيلَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: فَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ

الرجل يقيم الرجل من مجلسه يوم الجمعة

كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَامِ مَنْ كَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلَامِهِ فَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت، وَأَنَّ الْإِنْصَاتَ لِلْإِمَامِ اخْتِيَارٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لَغَوْت تَكَلَّمَ بِهِ فِي مَوْضِعٍ الْأَدَبُ فِيهِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَالْأَدَبُ فِي مَوْضِعِ الْكَلَامِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا بِمَا يَعْنِيه. وَتَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي الرَّجُلَ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَرَأَيْت أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ وَيُرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرُدُّ إيمَاءً وَلَا يَتَكَلَّمُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ عَطَسَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَشَمَّتَهُ رَجُلٌ رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّشْمِيتَ سُنَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا عَطَسَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَشَمِّتْهُ» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ رَجُلٌ فَأَوْمَأَ إلَيْهِ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَكَذَلِكَ لَوْ خَافَ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ لَمْ أَرَ بَأْسًا إذَا لَمْ يَفْهَمْ عَنْهُمْ بِالْإِيمَاءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ إنْ خَافَ شَيْئًا أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَيُجِيبَهُ بَعْضُ مَنْ عَرَفَ إنْ سَأَلَ عَنْهُ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مَا كَانَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ لِأَخِيهِ وَلَا يَعْنِيه فِي نَفْسِهِ فَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْصِتْ، أَوْ يَشْكُو إلَيْهِ مُصِيبَةً نَزَلَتْ، أَوْ يُحَدِّثُهُ عَنْ سُرُورٍ حَدَثَ لَهُ، أَوْ غَائِبٍ قَدِمَ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَوْتَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عِلْمِ هَذَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ إعْلَامِهِ إيَّاهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ عَطِشَ الرَّجُلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنْ لَمْ يَعْطَشْ فَكَانَ يَتَلَذَّذُ بِالشَّرَابِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ. مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ أَحْبَبْت لَهُ مِنْ الْإِنْصَاتِ مَا أَحْبَبْته لِلْمُسْتَمِعِ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ مِنْ الْخُطْبَةِ شَيْئًا فَلَا أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَلَا يُكَلِّمَ الْآدَمِيِّينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ أَيَقْرَأُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ؟ فَقَالَ عَسَى أَنْ لَا يَضُرَّهُ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَوْ أَنْصَتَ لِلِاسْتِمَاعِ كَانَ حَسَنًا. [الرَّجُلُ يُقِيمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} [المجادلة: 11] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَخْلُفُهُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ مَنْ كَانَ إمَامًا، أَوْ غَيْرَ إمَامٍ أَنْ يُقِيمَ رَجُلًا مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ وَلَكِنْ نَأْمُرُهُمْ أَنْ يَتَفَسَّحُوا. (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ إلَّا أَنْ يَجْلِسَ

الاحتباء في المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر

الرَّجُلُ حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهُ إمَّا فِي مَوْضِعِ مُصَلَّى الْإِمَامِ وَإِمَّا فِي طَرِيقِ عَامَّةٍ فَأَمَّا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْمُصَلِّينَ بِوَجْهِهِ فِي ضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَلَا يُحَوِّلُ بِوَجْهِهِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْمُصَلِّينَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَلَا ضِيقَ عَلَى الْمُصَلِّينَ فِيهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُمْ بِوَجْهِهِ وَيَتَنَحَّوْنَ عَنْهُ، وَأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَمَنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا مَا كَرِهْت لَهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِلصَّلَاةِ (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يُخْرِجُهُ، ثُمَّ عَادَ إلَى مَجْلِسِهِ أَحْبَبْت لِمَنْ جَلَسَ فِيهِ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ، (قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ وَلَا أَرَى بَأْسًا إنْ كَانَ رَجُلٌ إنَّمَا جَلَسَ لِرَجُلٍ لِيَأْخُذَ لَهُ مَجْلِسًا أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ مِنْ الْمُجَالِسِ وَكَذَلِكَ إنْ جَلَسَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْهُ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ وَأَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْجَالِسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَنَحَّى إلَى مَوْضِعٍ شَبِيهٍ بِهِ فِي أَنْ يَسْمَعَ الْكَلَامَ وَلَا أَكْرَهُهُ لِلْجَالِسِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ بِطِيبِ نَفْسِ الْجَالِسِ الْأَوَّلِ وَمَنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا مَا كَرِهْت لَهُ فَلَا إعَادَةَ لِلْجُمُعَةِ عَلَيْهِ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أُبَيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَعْمِدُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فَيُقِيمُهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَقْعُدُ فِيهِ» ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ أَفْسِحُوا» . [الِاحْتِبَاءُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَبِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجُلُوسُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَالْجُلُوسِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ إلَّا أَنْ يُضَيِّقَ الرَّجُلُ عَلَى مَنْ قَارَبَهُ فَأَكْرَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنْ يَتَّكِئَ فَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الْجَالِسُ، وَيَمُدَّ رِجْلَيْهِ أَوْ يُلْقِيَ يَدَيْهِ خَلْفَهُ فَأَكْرَهُ هَذَا لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِرِجْلِهِ عِلَّةٌ فَلَا أَكْرَهُ لَهُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَأُحِبُّ لَهُ إذَا كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ أَنْ يَتَنَحَّى إلَى مَوْضِعٍ لَا يَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلَ مِنْ هَذَا مَا فِيهِ الرَّاحَةُ لِبَدَنِهِ بِلَا ضِيقٍ عَلَى غَيْرِهِ. [الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَقُلْت لَهُ: قَرَأْت بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] وَ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] » (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ

القنوت في الجمعة

لِثُبُوتِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمَا، وَتَوَالِيهِمَا فِي التَّأْلِيفِ، وَإِذْ كَانَ مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ بِفَرْضِ الْجُمُعَةِ، وَمَا نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قَرَأَ بِهِ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَآيَةٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ، وَلَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحِكَايَةُ مَنْ حَكَى السُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عَلِمْتُهُ فَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَتْ جُمُعَةً فَإِنْ صَلَّاهَا ظُهْرًا خَافَتَ بِالْقِرَاءَةِ وَصَلَّى أَرْبَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَافَتْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَاةِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَدَأَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ عَادَ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ أَجْزَأَهُ أَنْ يَرْكَعَ بِهَا، وَلَا يُعِيدُ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ قَرَأَ مَعَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْجُمُعَةِ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ. [الْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : حَكَى عَدَدٌ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْهُمْ حَكَى أَنَّهُ قَنَتَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ قُنُوتِهِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ حِينَ قَنَتَ عَلَى قَتَلَةِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَلَا قُنُوتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الصُّبْحَ إلَّا أَنْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ فَيُقْنَتَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ إنْ شَاءَ الْإِمَامُ [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ أَقَلُّ مَا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» إنْ لَمْ تَفُتْهُ الصَّلَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ بَنَى عَلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَأَجْزَأَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ أَنْ يُدْرِكَ الرَّجُلُ قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرَّكْعَةِ فَيَرْكَعَ مَعَهُ، وَيَسْجُدَ فَإِنْ أَدْرَكَهُ، وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، وَيَسْجُدَ مَعَهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَكَعَ، وَشَكَّ فِي أَنْ يَكُونَ تَمَكَّنَ رَاكِعًا قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا إذَا لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً غَيْرَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ شَكَّ فِي أَنْ يَكُونَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ سَجْدَةً سَجَدَ سَجْدَةً، وَصَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ حَتَّى يُكْمِلَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ بِكَمَالِهَا إلَّا بِأَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى ثُمَّ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَا يَدْرِي أَهِيَ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ الرَّكْعَةِ الَّتِي صَلَّى لِنَفْسِهِ كَانَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً، وَقَاضِيًا ثَلَاثًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ جُمُعَةٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْنِ

الرجل يركع مع الإمام ولا يسجد معه يوم الجمعة وغيرها

[الرَّجُلُ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَام وَلَا يَسْجُدُ مَعَهُ يَوْمَ الْجُمُعَة وَغَيْرِهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَأْمُومِينَ أَنْ يَرْكَعُوا إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ، وَيَتْبَعُوهُ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْرُكَ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ فَرَكَعَ، وَرَكَعُوا، وَسَجَدَ فَسَجَدَتْ طَائِفَةٌ، وَحَرَسَتْهُ أُخْرَى حَتَّى قَامَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ تَبِعَتْهُ بِالسُّجُودِ مَكَانَهَا حِينَ قَامَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ بَيِّنًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى الْمَأْمُومِ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُومِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ اتِّبَاعَهُ، وَأَنَّ لَهُ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَنْ يَتْبَعَهُ فِي وَقْتِ ذَهَابِ الْعُذْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَأْمُومًا فِي الْجُمُعَةِ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ بِحَالٍ حَتَّى قَضَى الْإِمَامُ سُجُودَهُ تَبِعَ الْإِمَامَ إذَا قَامَ الْإِمَامُ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ سَجَدَ وَكَانَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ إذَا صَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ حَبَسَهُ حَابِسٌ مِنْ مَرَضٍ لَمْ يَقْدِرْ مَعَهُ عَلَى السُّجُودِ أَوْ سَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ عُذْرٍ مَا كَانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ إدْرَاكُهُ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلُ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ سَجَدَ وَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِكَمَالِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَدْرَكَ الْأُولَى، وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إمَامَةِ الْإِمَامِ فَإِنْ سَجَدَ خَرَجَ مِنْ إمَامَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا سَجَدُوا لِلرَّكْعَةِ الَّتِي وَقَفُوا عَنْ السُّجُودِ لَهَا بِالْعُذْرِ بِالْحِرَاسَةِ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَتْبَعُ الْإِمَامَ فَيَرْكَعُ مَعَهُ، وَيَسْجُدُ، وَيَكُونُ مُدْرِكًا مَعَهُ الرَّكْعَةَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ وَاحِدَةٌ، وَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى وَلَوْ رَكَعَ مَعَهُ، وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَكَانَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً، وَيَبْنِي عَلَيْهَا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مَعَ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ بِكَمَالِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ فَتَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَجْزَأَتْهُ ظُهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ أَعَادَ الظُّهْرَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُمْكِنَهُ مَعَ الْإِمَامِ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ فَيَدَعَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا سَهْوٍ إلَّا خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ خَلْفَ الْإِمَامِ يُمْكِنُهُ الرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَلَا عُذْرَ لَهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ غَيْرَ خَارِجٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ جَازَ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَيَرْكَعَ فِي الرَّابِعَةِ فَيَكُونَ كَمُبْتَدِئِ الصَّلَاةِ حِينَ رَكَعَ، وَسَجَدَ مَعَهُ، وَيَدَعُ ذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ فَيَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَ سُجُودِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَهَا عَنْ رَكْعَةٍ اتَّبَعَ الْإِمَامَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ يَرْكَعُ الْإِمَامُ ثَانِيَةً فَإِذَا رَكَعَ ثَانِيَةً رَكَعَهَا مَعَهُ، وَقَضَى الَّتِي سَهَا عَنْهَا، وَلَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَسَهَا عَنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَقَدْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِي رَكْعَتَيْنِ رَكَعَ وَسَجَدَ بِلَا قِرَاءَةٍ، وَاجْتَزَأَ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي رَكْعَةٍ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ ثُمَّ قَرَأَ لِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِيَ وَلَمْ يَجْزِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ الْإِمَامُ فَإِنْ كَانَ قَرَأَ اعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ فِي رَكْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا، وَيَقْرَأُ فِيمَا بَقِيَ بِكُلِّ حَالٍ لَا يُجْزِئْهُ غَيْرُ ذَلِكَ [الرَّجُلُ يَرْعُفُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَضَرَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهَا فَسَوَاءٌ فَإِنْ رَعَفَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بَعْدَ مَا يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ فَخَرَجَ يَسْتَرْعِفُ

رعاف الإمام وحدثه

فَأَحَبُّ الْأَقَاوِيلِ إلَيَّ فِيهِ أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَيَسْتَرْعِفُ، وَيَتَكَلَّمُ فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِلَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَهَذَا قَوْلُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَهَكَذَا إنْ كَانَ بِجَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ فَخَرَجَ فَغَسَلَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالٍ لَا تَحِلُّ فِيهَا الصَّلَاةُ مَا كَانَ بِهَا ثُمَّ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَجَعَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ رَأَيْت أَنْ يُعِيدَ، وَإِنْ اسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ بِتَكْبِيرَةِ افْتِتَاحٍ كَانَ حِينَئِذٍ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ. [رُعَافُ الْإِمَامِ وَحَدَثُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَصْلُ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ إذَا فَسَدَتْ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَعَفَ أَوْ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا أَوْ تَقَدَّمَ الرَّجُلُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَمْرِ النَّاسِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ كَانَ الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ الْآخَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَكُونَ لَهُ وَلَهُمْ الْجُمُعَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَخَلَ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً فَرَعَفَ الْإِمَامُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ السُّجُودِ فَانْصَرَفَ، وَلَمْ يُقَدِّمُوا أَحَدًا فَصَلَّوْا وُحْدَانًا فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْنِ أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَكَانَتْ لَهُ جُمُعَةٌ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَعَفَ فَخَرَجَ، وَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَةً، وَقَدَّمَ رَجُلًا لَمْ يُدْرِكْ التَّكْبِيرَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أَعَادُوا الظُّهْرَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَهَذَا مُبْتَدِئٌ ظُهْرًا أَرْبَعًا لَا يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِهِمْ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءِ الْجُمُعَةِ أَجْزَأَتْهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ ظُهْرًا أَرْبَعًا لِنَفْسِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَعَادَ الْخُطْبَةَ ثُمَّ صَلَّى بِطَائِفَةٍ الْجُمُعَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيُصَلِّيَ ظُهْرًا أَرْبَعًا، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ فَعَلَ فَذَكَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ فَوَصَلَهَا ظُهْرًا فَقَدْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ صَلَاةِ أَرْبَعٍ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَقَدْ يُخَالِفُ الْمُسَافِرُ يَفْتَتِحُ يَنْوِي الْقَصْرَ ثُمَّ يُتِمُّ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ، وَيُتِمَّ، وَالْمُسَافِرُ نَوَى الظُّهْرَ بِعَيْنِهَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي نِيَّةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَمْ يَنْوِ الظُّهْرَ بِحَالٍ إنَّمَا نَوَى الْجُمُعَةَ الَّتِي فَرْضُهَا رَكْعَتَانِ إذَا كَانَتْ جُمُعَةً، وَاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا جُمُعَةً أَرْبَعًا فَإِنْ أَتَمَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا رَجَوْت أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي إيجَابُ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ يَنْوِي الْجُمُعَةَ، وَلَا يُكْمِلُ لَهُ رَكْعَةً فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ ظُهْرًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ تَبِعَ الْإِمَامَ لَمْ يُؤْتَ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْأَوَّلُ إمَامٌ عَمَدَ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الَّذِي خَطَبَ بَعْدَ مَا كَبَّرَ فَقَدَّمَ رَجُلًا كَبَّرَ مَعَهُ، وَلَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ صَلَّى رَكْعَةً ثَانِيَةً فَكَانَتْ لَهُ وَلِمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ جُمُعَةٌ، وَإِنْ قَدَّمَ رَجُلًا لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، وَقَدْ كَبَّرَ مَعَهُ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ تَشَهَّدَ، وَقَدَّمَ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ فَسَلَّمَ، وَقَضَى لِنَفْسِهِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً حَتَّى صَارَ إمَامَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَعَفَ الْإِمَامُ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَخَرَجَ يَسْتَرْعِفُ أَوْ يَتَطَهَّرُ ثُمَّ رَجَعَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ كَالْمَأْمُومِ غَيْرُهُ فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ بَعْدَهُ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى، وَكَانَتْ لَهُ جُمُعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا

التشديد في ترك الجمعة

[التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كِتَابٍ لَا يُمْحَى، وَلَا يُبَدَّلُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَتْرُكُ أَحَدٌ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا تَهَاوُنًا بِهَا إلَّا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ثَلَاثًا وَلَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ يَقُولُ: لَا يَتْرُكُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا تَهَاوُنًا بِهَا لَا يَشْهَدُهَا إلَّا كُتِبَ مِنْ الْغَافِلِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : حُضُورُ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ فَمَنْ تَرَكَ الْفَرْضَ تَهَاوُنًا كَانَ قَدْ تَعَرَّضَ شَرًّا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَرَكَ صَلَاةً حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتَهَا كَانَ قَدْ تَعَرَّضَ شَرًّا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ. [مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلَغَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنِّي أُبَلَّغُ وَأَسْمَعُ» قَالَ، وَيُضَعَّفُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَلَيْسَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي غَيْرَ ذِي رُوحٍ إلَّا وَهُوَ سَاجِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي عَشِيَّةِ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَصْبَحُوا فَلَيْسَ مِنْ ذِي رُوحٍ إلَّا رُوحُهُ رَوْحٌ فِي حَنْجَرَتِهِ مَخَافَةً إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَمِنَتْ الدَّوَابُّ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَزِعًا مِنْهَا غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَقْرَبُكُمْ مِنِّي فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فَأَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ فِي اللَّيْلَةِ الْغَرَّاءِ، وَالْيَوْمِ الْأَزْهَرِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ وُقِيَ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَتِهَا أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، وَأُحِبُّ قِرَاءَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَهَا لِمَا جَاءَ فِيهَا. [مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «أَتَى جِبْرِيلُ بِمِرْآةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا وَكْتَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ

السهو في صلاة الجمعة

هَذِهِ الْجُمُعَةُ فَضُلْت بِهَا أَنْتَ، وَأُمَّتُك فَالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعٌ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَلَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ، وَهُوَ عِنْدَنَا يَوْمُ الْمَزِيدِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا جِبْرِيلُ، وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟ فَقَالَ: إنَّ رَبَّك اتَّخَذَ فِي الْفِرْدَوْسِ، وَادِيًا أَفَيْحَ فِيهِ كُثُبٌ مِسْكٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا شَاءَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَحَوْلَهُ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ عَلَيْهَا مَقَاعِدُ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَحَفَّ تِلْكَ الْمَنَابِرَ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ عَلَيْهَا الشُّهَدَاءُ، وَالصِّدِّيقُونَ فَجَلَسُوا مِنْ وَرَائِهِمْ عَلَى تِلْكَ الْكُثُبِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا رَبُّكُمْ قَدْ صَدَقْتُكُمْ، وَعْدِي فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَسْأَلُك رِضْوَانَك فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ، وَلَكُمْ مَا تَمَنَّيْتُمْ، وَلَدَيَّ مَزِيدٌ فَهُمْ يُحِبُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنْ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ رَبُّك تَبَارَكَ اسْمُهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَم، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ شَبِيهًا بِهِ. وَزَادَ عَلَيْهِ «، وَلَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ مَنْ دَعَا فِيهِ بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ قَسْمٌ أُعْطِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَسْمٌ ذُخِرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ» ، وَزَادَ أَيْضًا فِيهِ أَشْيَاءَ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَاذَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ فِيهِ خُلِقَ آدَم، وَفِيهِ أَهَبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ مَأْثَمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ، وَلَا جَبَلٍ إلَّا وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا إنْسَانٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْت لَهُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي "، وَتِلْكَ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ؟» قَالَ: فَقُلْت بَلَى قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: أَحَبُّ الْأَيَّامِ إلَيَّ أَنْ أَمُوتَ فِيهِ ضُحَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ. [السَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالسَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَالسَّهْوِ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ

فَقَامَ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ عَادَ فَجَلَسَ، وَتَشَهَّدَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ

كتاب صلاة الخوف

[كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ، وَهَلْ يُصَلِّيهَا الْمُقِيمُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النساء: 101] الْآيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَصْرِ فِي الْخَوْفِ، وَالسَّفَرِ وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ فِيهِمْ يُصَلِّي لَهُمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَعْدَ فَرِيقٍ فَكَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مُبَاحَةً لِلْمُسَافِرِ، وَالْمُقِيمِ بِدَلَالَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلِلْمُسَافِرِ، وَالْمُقِيمِ إذًا آنَ الْخَوْفُ أَنْ يُصَلِّيَهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ لِلْمُقِيمِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا بِكَمَالِ عَدَدِ صَلَاةِ الْمُقِيمِ، وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ شَاءَ لِلسَّفَرِ، وَإِنْ أَتَمَّ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَأَخْتَارُ لَهُ الْقَصْرَ. .

كيفية صلاة الخوف

[كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى} [النساء: 102] الْآيَةُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ «صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صُفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ، وَجَاءَ الْعَدُوُّ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصُفُّوا، وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يُخْبِرُ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ فَإِذَا سَجَدَ كَانُوا مِنْ وَرَائِهِ، وَجَاءَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَصَلَّوْا مَعَهُ، وَاحْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " فَإِذَا سَجَدُوا " إذَا سَجَدُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ كُلِّهِ، وَدَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ دَلَالَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ انْصِرَافَ الطَّائِفَتَيْنِ وَالْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ حَدِيثُ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَوْفَقُ مَا يَثْبُتُ مِنْهَا لِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقُلْنَا بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْخَوْفِ صَلَّى كَمَا وُصِفَتْ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ ثُمَّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مُسَافِرٌ فَكُلُّ طَائِفَةٍ هَكَذَا يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ فَيُطِيلُ الْقِرَاءَةَ، وَتَقْرَأُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى لِأَنْفُسِهَا لَا يَجْزِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ إمَامَتِهِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ إلَى الْقَصْرِ، وَتُخَفِّفُ ثُمَّ تَرْكَعُ، وَتَسْجُدُ، وَتَتَشَهَّدُ، وَتُكْمِلُ حُدُودَهَا كُلَّهَا وَتُخَفِّفُ ثُمَّ تُسَلِّمُ فَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْرَأُ الْإِمَامُ بَعْدَ إتْيَانِهِمْ قَدْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَبْتَدِئَ أُمَّ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ قَدْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي أَدْرَكُوهَا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَيَرْكَعُونَ مَعَهُ، وَيَسْجُدُ فَإِذَا انْقَضَى السُّجُودُ قَامُوا فَقَرَءُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ، وَخَفَّفُوا ثُمَّ جَلَسُوا مَعَهُ، وَجَلَسَ قَدْرَ مَا يَعْلَمُهُمْ قَدْ تَشَهَّدُوا، وَيَحْتَاطُ شَيْئًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ أَبْطَأَهُمْ تَشَهُّدًا قَدْ أَكْمَلَ التَّشَهُّدَ أَوْ زَادَ ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَلَوْ كَانَ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ بِهِمْ حِينَ يَدْخُلُونَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ يَقْرَءُوا شَيْئًا أَجْزَأَهُ، وَأَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ، وَكَانُوا كَقَوْمٍ أَدْرَكُوا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُدْرِكُوا قِرَاءَتَهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَءُوا بَعْدَمَا يُكَبِّرُونَ مَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي يُصَلِّيهَا بِهِمْ الْإِمَامُ مِمَّا لَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يَجْزِ الطَّائِفَةَ الْأُولَى إلَّا أَنْ تَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَزِيَادَةً مَعَهَا إذَا أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا، وَلَمْ يَجْزِ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ إذَا أَدْرَكَتْ مَعَ الْإِمَامِ مَا يُمْكِنُهَا فِيهِ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ أُمِّ الْقُرْآنِ وَشَيْءٌ مَعَهَا بِكُلِّ حَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ لَا يُجْهَرُ فِيهَا لَمْ يَجْزِ وَاحِدَةً مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ إلَّا مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ لَهُ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ صَلَاةُ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِ خَوْفٍ يُجْهَرُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَكُلُّ رَكْعَةٍ جُهِرَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ أَنْ لَا يَقْرَأَ، وَيَكْتَفِي بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُجْزِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ أَوْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ

الْقُرْآنِ أَوْ يَزِيدَ، وَلَا يَكْتَفِي بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فَقَرَأَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ يَسْجُدُوا تِلْكَ السَّجْدَةَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي صَلَاةٍ كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ بِسَجْدَةٍ فَسَجَدَتْ الطَّائِفَةُ الْآخِرَةُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأُولَى أَنْ تَسْجُدَ مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعَهُ فِي صَلَاةٍ. انْتِظَارُ الْإِمَامِ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ مُسَافِرًا الْمَغْرِبَ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قَامَ، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ فَحَسَنٌ، وَإِنْ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَيْهِ بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدُ فَجَائِزٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ أَنْ يَثْبُتَ قَائِمًا لِأَنَّهُ إنَّمَا حُكِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ قَائِمًا» ، وَإِنَّمَا اخْتَرْت أَنْ يُطِيلَ فِي الْقِرَاءَةِ لِتُدْرِكَ الرَّكْعَةَ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهُ إنَّمَا حُكِيَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ تُحْكَ الْمَغْرِبُ وَلَا صَلَاةُ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ إلَّا بِالْخَنْدَقِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ صَلَاةُ الْخَوْفِ فَكَانَ قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ حِينَ قُضِيَ السُّجُودُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ جُلُوسٌ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْمَغْرِبَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً، وَإِنَّمَا قَطَعَتْ الْأُولَى إمَامَةَ الْإِمَامِ، وَصَلَاتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِ الْإِمَامِ فَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ كَمَا جَازَ لِلْإِمَامِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ إذَا قَطَعُوا إمَامَتَهُ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إذَا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ أَرْبَعًا فَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي مَثْنًى حَتَّى يَقْضِيَ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتَهُمْ، وَيَكُونَ فِي تَشَهُّدٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَقُومَ فَيُتِمَّ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ صَلَّى بِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فِرْقَتَانِ صَلَاةُ إحْدَاهُمَا أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ الْأُخْرَى فَأَوْلَاهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ الْأَكْثَرَ مَعَ الْإِمَامِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى صَلَاةً عَدَدُهَا رَكْعَتَانِ فِي خَوْفٍ فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ قَامَ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً فَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ لِسَهْوٍ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ تَامَّةٌ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ لِعِلَّةٍ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ لَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَا سَهْوٍ فَجَلَسَ قَلِيلًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ جَلَسَ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ فَعَلَيْهِ عِنْدِي إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَإِنْ جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، وَهُوَ جَالِسٌ فَقَامَ، فَأَتَمَّ بِهِمْ، وَهُوَ قَائِمٌ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَالِمًا بِإِطَالَةِ الْجُلُوسِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَا سَهْوٍ ثُمَّ دَخَلَ مَعَهُ فَعَلَيْهِ عِنْدِي الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ تَكْبِيرَ افْتِتَاحٍ يَسْتَأْنِفُ بِهِ الصَّلَاةَ كَمَا يَكُونُ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّ رَجُلًا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِلَا تَكْبِيرٍ أَوْ صَنَعَ فِيهَا شَيْئًا يُفْسِدُهَا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا صَنَعَ مِمَّنْ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الطَّائِفَةِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ كَمَا يَكُونُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مُفْسِدٍ لِصَلَاتِهِ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ تَامَّ الصَّلَاةِ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ إذَا

تخفيف القراءة في صلاة الخوف

كَانَ الْإِمَامُ قَدْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ عَامِدًا فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ، عَلِمَ بِإِفْسَادِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بَاطِلَةٌ لِأَنَّا إنَّمَا أَجَزْنَا صَلَاتَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَمْ يَعْمِدْ فَسَادَهَا لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى، وَلَمْ يَقْضِ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَهُ وَعُمَرُ إنَّمَا قَضَى سَاهِيًا " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ: وَقَدْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ صَلَاةَ الْإِمَامِ قِيلَ: وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِأَنَّ تَرْكَ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَ لِلِافْتِتَاحِ وَكَلَامَهُ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ ثُمَّ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا بِأَنْ يُصَلِّيَ وَرَاءَهُ إذَا فَعَلَ بَعْضَ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا يُفْسِدُهَا، وَلَوْ كَانَ كَبَّرَ قَائِمًا تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا الِافْتِتَاحَ بَعْدَ جُلُوسِهِ تَمَّتْ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ يُفْسِدَهَا، وَالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي صَلَاتِهِ حَتَّى افْتَتَحَ صَلَاةً مُجْزِئَةً عَنْهُ، وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ، وَعَمَّنْ خَلْفَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَلَّى إمَامٌ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ فَفَرَّقَ النَّاسَ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَصَلَّى بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً، وَثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَسَاءَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ خَلْفَهُ وَالثَّانِي أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَفْسُدُ، وَتَتِمُّ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ تَفَسُّدِ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ قَبْلِ فَسَادِ صَلَاتِهِ لِأَنَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ انْتِظَارًا وَاحِدًا بَعْدَهُ آخَرُ، وَتَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ عَلِمَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مَا صَنَعَ وَأَتَمَّ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا صَنَعَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا انْتِظَارَيْنِ، الْآخِرُ مِنْهُمَا، وَهُوَ جَالِسٌ فَيُسَلِّمُ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى بِطَائِفَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَطَائِفَةٍ رَكْعَةً كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَلَا صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى أَنْ تُصَلِّيَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخْرُجَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ إذَا صَلَّتْ ثَلَاثًا، وَخَرَجَتْ مِنْ صَلَاتِهِ قَدْ خَرَجَتْ بَعْدَمَا زَادَتْ، وَإِنْ ائْتَمَّتْ بِهِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ فَرْضِ صَلَاتِهَا لَمْ تُفْسِدْ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَنَّهُ انْتَظَرَ انْتِظَارًا وَاحِدًا، وَتَمَّتْ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْآخِرَةِ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى الطَّائِفَةِ الْآخِرَةِ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّهُ وَضَعَ الِانْتِظَارَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْإِمَامُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَةً، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي السَّفَرِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَتَشَهَّدَ» فَكَانَ انْتِظَارُهُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ أَكْثَرَ مِنْ انْتِظَارِهِ الطَّائِفَةَ الْأُولَى. [تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) :، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ قَدْرِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، وَمَا أَشْبَهَهَا فِي الطُّولِ لِلتَّخْفِيفِ فِي الْحَرْبِ، وَثِقَلِ السِّلَاحِ، وَلَوْ قَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ قَدْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ خَلْفَهُ يَقْضُونَ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِنْ أَحَبَّ جَمَعَ سُوَرًا حَتَّى يَقْضِيَ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتَهُمْ تَفْتَتِحُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى خَلْفَهُ، وَيَقْرَأُ بَعْدَ افْتِتَاحِهِمْ أَقَلَّ ذَلِكَ قَدْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَحْتَاطُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُجْهَرُ فِيهِ لِيَقْرَءُوا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَوْ زَادَ فِي قِرَاءَتِهِ لِيَزِيدُوا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَافْتَتَحُوا مَعَهُ وَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا كَمَا أَجْزَأَهُ، وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَكَانُوا كَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قُنُوتَهُ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ فَعَلَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَنَتَ فِي

السهو في صلاة الخوف

الصَّلَوَاتُ عِنْدَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ صَارَتْ الرَّكْعَةُ الْآخِرَةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَطْوَلَ مِنْ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ؟ قِيلَ بِدَلَالَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَفْرِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَيْسَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْ خِلَافِ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا جَهْلُ مَنْ سَأَلَ عَنْهَا أَوْ تَجَاهُلُهُ وَخِلَافُ جَمِيعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِ رَكْعَةٍ مِنْهَا لِرَكْعَةٍ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. [السَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : السَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالشَّكُّ كَسَهْوٍ فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى انْبَغَى أَنْ يُشِيرَ إلَى مَنْ خَلْفَهُ مَا يَفْهَمُونَ بِهِ أَنَّهُ سَهَا فَإِذَا قَضَوْا الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ، وَتَشَهَّدُوا سَجَدُوا لِسَهْوِ الْإِمَامِ، وَسَلَّمُوا، وَانْصَرَفُوا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَغْفَلَ الْإِشَارَةَ إلَيْهِمْ وَعَلِمُوا سَهْوَهُ، وَسَجَدُوا لِسَهْوِهِ، وَإِنْ أَغْفَلَهَا، وَلَمْ يَعْلَمُوا فَانْصَرَفُوا ثُمَّ عَلِمُوا، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا عَادُوا فَسَجَدُوا، وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ لَمْ يَعُودُوا لِلسُّجُودِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى صَفُّوا، وَجَاءَ الْعَدُوُّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى لِيُصَلُّوا فَقَدْ بَعُدَ ذَلِكَ، وَأَحْدَثُوا عَمَلًا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِصَفِّهِمْ، وَصَارُوا حَرَسًا لِغَيْرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَخْلُوا بِغَيْرِهِمْ، وَمَنْ قَالَ: يُعِيدُ مَنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ، أَمَرَهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا أَرَى بَيِّنًا أَنَّ وَاجِبًا عَلَى أَحَدٍ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ أَنْ يَعُودَ لِلصَّلَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَهَا الْإِمَامُ سَهْوًا ثُمَّ سَهَا بَعْدَهُ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا أَجْزَأَتْهُمْ سَجْدَتَانِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ تَرَكُوهُمَا عَامِدِينَ أَوْ جَاهِلِينَ لَمْ يَبِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَسْهُ الْإِمَامُ وَسَهَوْا هُمْ بَعْدَ الْإِمَامِ سَجَدُوا لِسَهْوِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ صَلَّتْ الطَّائِفَةُ الْآخِرَةُ سَجَدُوا مَعَهُ لِلسَّهْوِ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ قَامُوا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ عَادُوا، وَسَجَدُوا عِنْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يَبِينُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إمَامٍ، وَلَا مَأْمُومٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَتَرَك سُجُودَ السَّهْوِ مَا كَانَ السَّهْوُ نَقْصًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَزِيَادَةً فِيهَا إعَادَةُ صَلَاةٍ لِأَنَّا قَدْ عَقَلْنَا أَنَّ فَرْضَ عَدَدِ سُجُودِ الصَّلَاةِ مَعْلُومٌ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ السَّهْوِ مَعَهُ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقَوْلُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ سَوَاءٌ، يَجِبُ فِي بَعْضِهِ مَا يَجِبُ فِي كُلِّهِ. [بَابُ مَا يَنُوبُ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَذِنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْخَوْفُ الْأَدْنَى، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةُ، وَالثَّانِي الْخَوْفُ الَّذِي أَشَدُّ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] فَلَمَّا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا لَمْ يَجُزْ إلَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِافْتِرَاقِ الْحَالَيْنِ فِيهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْخَوْفِ الْأَوَّلِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ الصَّلَاةِ لَا يَعْمَلُونَهُ فِي صَلَاةَ غَيْرِ الْخَوْفِ فَإِنْ عَمِلُوا غَيْرَ الصَّلَاةِ مَا يُفْسِدُ صَلَاةً غَيْرَ صَلَاةِ الْخَوْفِ لَوْ عَمِلُوهُ فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ صَلَاتُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً وَثَبَتَ قَائِمًا، وَقَامُوا يُتِمُّونَ

لِأَنْفُسِهِمْ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ أَوْ حَدَثَ لَهُمْ حَرْبٌ فَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ مُنْحَرِفِينَ عَنْ الْقِبْلَةِ بِأَبْدَانِهِمْ ثُمَّ أَمِنُوا الْعَدُوَّ بَعْدَ فَقَدْ قَطَعُوا صَلَاتَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ اسْتِئْنَافُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ فَزِعُوا فَانْحَرَفُوا عَنْ الْقِبْلَةِ لِغَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا خُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُمْ ذَاكِرُونَ لِأَنَّهُمْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَسْتَدْبِرُوا الْقِبْلَةَ اسْتَأْنَفُوا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ مُوَاجِهِي الْقِبْلَةَ قَدْرَ خُطْوَةٍ فَأَكْثَرَ كَانَ قَطْعًا لِلصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ فِيهَا وَعَمَلِ الْخُطْوَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ فَتَهَيَّئُوا بِسِلَاحٍ أَوْ بِتُرْسٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ كَانَ قَطْعًا لِلصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْعَمَلِ فِي دَفْعِ الْعَدُوِّ، وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَخَافُوا فَنَوَوْا الثُّبُوتَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلُوا حَتَّى يُكْمِلُوا أَوْ يُغْشَوْا أَوْ تَهَيَّئُوا بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَطْعًا لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحْدِثُوا نِيَّةً لِقِتَالٍ مَعَ التَّهَيُّؤِ، وَالتَّهَيُّؤُ خَفِيفٌ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَكُونُ قَطْعًا لَهَا، وَإِنَّمَا نَوَوْا إنْ كَانَ قِتَالٌ أَنْ يُحْدِثُوا قِتَالًا لَا أَنَّ قِتَالًا حَضَرَ، وَلَا خَافُوهُ فَنَوَوْهُ مَكَانَهُمْ، وَعَمِلُوا مَعَ نِيَّتِهِ شَيْئًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ عَدُوًّا حَضَرَ فَتَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ بِحُضُورِهِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ كَانَ قَاطِعًا لِصَلَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَحْدَثُوا عِنْدَ حَادِثٍ أَوْ غَيْرِهِ نِيَّةَ قَطْعِ الصَّلَاةِ أَوْ نِيَّةَ الْقِتَالِ مَكَانَهُمْ كَانُوا قَاطِعِينَ لِلصَّلَاةِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَنْوُونَ إنْ حَدَثَ إطْلَالُ عَدُوٍّ أَنْ يُقَاتِلُوهُ فَلَا يَحْدُثُ إطْلَالُهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا قَطْعًا لِلصَّلَاةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَيُّهُمْ أَحْدَثَ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْتُهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ دُونَ غَيْرِهِ كَانَ قَاطِعًا لِلصَّلَاةِ دُونَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْهُ فَإِنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَمَنْ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَمَا أَحْدَثَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا أَحْدَثَ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَدَّمُوا إمَامًا غَيْرَهُ فَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى أَحَبُّ إلَيَّ، وَكَذَلِكَ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ فِي كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْإِمَامُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَصَلَاةُ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ. إذَا كَانَ الْعَدُوُّ وِجَاهَ الْقِبْلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَهُمْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنَا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ فَلَمَّا رَفَعُوا سَجَدَ الْآخَرُونَ مَكَانَهُمْ ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلَاةُ الْخَوْفِ نَحْوٌ مِمَّا يَصْنَعُ أُمَرَاؤُكُمْ. يَعْنِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ هَكَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ وَالْعَدُوَّ صَحْرَاءُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُوَارِي الْعَدُوَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْعَدُوُّ مِائَتَيْنِ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ طَلِيعَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُمْ غَيْرُ خَائِفٍ لِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ، وَقِلَّةِ الْعَدُوِّ فَكَانُوا لَوْ حَمَلُوا أَوْ تَحَرَّفُوا لِلْحَمْلِ لَمْ يَخَفْ تَحَرُّفَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَانُوا مِنْهُ بَعِيدًا لَا يَغِيبُونَ عَنْ طَرْفِهِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ هَذَا مُجْتَمَعًا صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ هَكَذَا، وَهُوَ أَنْ يَصُفَّ الْإِمَامُ، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ فَيُكَبِّرُ، وَيُكَبِّرُونَ مَعًا، وَيَرْكَعُ، وَيَرْكَعُونَ مَعًا ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَرْفَعُونَ مَعًا ثُمَّ يَسْجُدُ فَيَسْجُدُونَ مَعًا إلَّا صَفًّا يَلِيهِ أَوْ بَعْضَ صَفٍّ يَنْظُرُونَ الْعَدُوَّ لَا يَحْمِلُ أَوْ يَنْحَرِفُ إلَى طَرِيقٍ يَغِيبُ عَنْهُ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ، وَمَنْ سَجَدَ مَعَهُ مِنْ سُجُودِهِمْ كُلِّهِ

وَنَهَضُوا سَجَدَ الَّذِينَ قَامُوا يَنْظُرُونَ الْإِمَامَ ثُمَّ قَامُوا مَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعُوا مَعًا، وَرَفَعَ، وَرَفَعُوا مَعًا، وَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ أَوَّلًا إلَّا صَفًّا يَحْرُسُهُ مِنْهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا سَجْدَتَيْنِ جَلَسُوا لِلتَّشَهُّدِ فَسَجَدَ الَّذِينَ حَرَسُوا ثُمَّ تَشَهَّدُوا، وَسَلَّمَ الْإِمَامُ، وَمَنْ خَلْفَهُ مَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ خَافَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ عَلَى الْإِمَامِ فَتَكَلَّمُوا أَعَادُوا الصَّلَاةَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَ الْإِمَامُ، وَهُمْ إنْ خَافُوا مَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ هَذِهِ الصَّلَاةَ فَاسْتَأْخَرَ الصَّفَّ الَّذِي حَرَسَهُ إلَى الصَّفِّ الثَّانِي وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي فَحَرَسَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَوَاسِعٌ، وَلَوْ حَرَسَهُ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ رَجَوْت أَنْ تُجْزِئَهُمْ صَلَاتُهُمْ، وَلَوْ أَعَادُوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ مَا وَصَفْت مُجْتَمِعًا مِنْ قِلَّةِ الْعَدُوِّ، وَكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا وَصَفْت مِنْ الْبِلَادِ، فَصَلَّى الْإِمَامُ مِثْلَ صَلَاةِ الْخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ "، وَمَنْ مَعَهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَبِنْ أَنَّ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ خَلْفَهُ إعَادَةً وَلَا عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَانْحَرَفَتْ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ فَقَامَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ثُمَّ صَلَّتْ الْأُخْرَى رَكْعَةً ثُمَّ انْحَرَفَتْ فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ، وَهُمَا ذَاكِرَتَانِ لِأَنَّهُمَا فِي صَلَاةٍ، كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يُعِيدَا مَعًا لِانْحِرَافِهِمْ عَنْ الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَا الصَّلَاةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا وَفَسَدَتْ صَلَاةُ الْأُولَى الَّتِي انْحَرَفَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا طَرَحَ الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ هَذَا فِيهِ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ هَذَا كُلَّهُ جَائِزٌ، وَأَنَّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ فَكَيْفَمَا صَلَّى الْإِمَامُ، وَمَنْ مَعَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى أَكْمَلَتْ صَلَاتَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْحَرِفَ، وَلَمْ تُكْمِلْ الثَّانِيَةُ حَتَّى انْحَرَفَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ أَجْزَأَتْ الطَّائِفَةَ الْأُولَى صَلَاتُهَا، وَلَمْ تُجْزِئْ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي انْحَرَفَتْ قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُجْزِئُ الْإِمَامَ فِي كُلِّ مَا وَصَفْت صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ حَتَّى أَكْمَلَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ " يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ " فَانْحَرَفَ الْإِمَامُ عَنْ الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الصَّلَاةَ أَوْ صَلَّاهَا صَلَاةَ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَانْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ الصَّلَاةَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ابْنُ عُلَيَّةَ أَوْ غَيْرُهُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى بِأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْخَوْفِ هَكَذَا، أَجْزَأَ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا فِي مَعْنَى صَلَاةِ مُعَاذٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَتَمَةَ ثُمَّ صَلَّاهَا بِقَوْمِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمَأْمُومِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُفْسَدُ عَلَيْهِ بِأَنْ تُخَالِفَ نِيَّتُهُ نِيَّةَ الْإِمَامِ فِيهَا، وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا، وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمُوا فَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ، وَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا الْإِعَادَةُ إذَا سَلَّمُوا ذَاكِرِينَ لِأَنَّهُمْ فِي صَلَاةٍ " قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ "، وَإِنْ رَأَوْا أَنْ قَدْ أَكْمَلُوا الصَّلَاةَ بَنَى الْآخَرُونَ، وَسَجَدُوا لِلسَّهْوِ، وَأَعَادَ الْأَوَّلُونَ لِأَنَّهُ قَدْ تَطَاوَلَ خُرُوجُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَعَلَى الْمَأْمُومِ مِنْ عَدَدِ الصَّلَاةِ مَا عَلَى الْإِمَامِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيمَا عَلَى

كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ عَدَدِهَا وَلَيْسَ يَثْبُتُ حَدِيثٌ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ: وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا صَلَّاهَا فِي السَّفَرِ، وَالْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَرَّقَ النَّاسَ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقًا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَفَرِيقًا مَعَهُ فَيُصَلِّي بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا فَيَقْرَأُ فَيُطِيلُ الْقِرَاءَةَ، وَيَقْرَأُ الَّذِينَ خَلْفَهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَرْكَعُونَ، وَيَسْجُدُونَ، وَيَتَشَهَّدُونَ، وَيُسَلِّمُونَ مَعًا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَقُومُونَ مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي أُولَئِكَ فَيَدْخُلُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُكَبِّرُونَ مَعَ الْإِمَامِ تَكْبِيرَةً يَدْخُلُونَ بِهَا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ بَعْدَ دُخُولِهِمْ مَعَهُ قَدْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ مِنْ حَيْثُ انْتَهَتْ قِرَاءَتُهُ لَا يَسْتَأْنِفُ أُمَّ الْقُرْآنِ بِهِمْ، وَيَسْجُدُ، وَيَثْبُتُ جَالِسًا يَتَشَهَّدُ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو، وَيَقُومُونَ هُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَيَقْرَءُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ ثُمَّ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ، وَيَجْلِسُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيَزِيدُ الْإِمَامُ فِي الذِّكْرِ بِقَدْرِ مَا أَنْ يَقْضُوا تَشَهُّدَهُمْ ثُمَّ يُسَلِّمَ بِهِمْ، وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ صَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقُوا بِهَا ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ، وَالصُّبْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ فَإِنْ صَلَّى ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً صَلَاةَ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ صَنَعَ هَكَذَا إلَّا أَنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَيَثْبُتُ جَالِسًا حَتَّى يَقْضُوا الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا عَلَيْهِمْ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَإِذَا جَاءَتْ فَكَبَّرَتْ نَهَضَ قَائِمًا فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَيْهِ وَجَلَسَ حَتَّى يُتِمُّوا لِيُسَلِّمَ بِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قُلْنَا ثَبَتَ جَالِسًا قِيَاسًا عَلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ صَلَاةُ الْخَوْفِ إلَّا فِي السَّفَرِ فَوَجَدْتُ الْحِكَايَةَ كُلَّهَا مُتَوَقِّفَةً عَلَى أَنْ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا، وَوَجَدْتُ الطَّائِفَةَ الْأُولَى لَمْ تَأْتَمَّ بِهِ خَلْفَهُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ لَا جُلُوسَ فِيهَا، وَالطَّائِفَةَ الْأُخْرَى ائْتَمَّتْ بِهِ فِي رَكْعَةٍ مَعَهَا جُلُوسٌ فَوَجَدْت الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى مِثْلَ الْأُولَى فِي أَنَّهَا ائْتَمَّتْ بِهِ مَعَهُ فِي رَكْعَةٍ وَزَادَتْ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَهُ فِي بَعْضِ جُلُوسِهِ فَلَمْ أَجِدْهَا فِي حَالٍ إلَّا مِثْلَ الْأُولَى، وَأَكْبَرَ حَالًا مِنْهَا فَلَوْ كُنْتَ قُلْت: يَتَشَهَّدُ بِالْأُولَى، وَيَثْبُتُ قَائِمًا حَتَّى تُتِمَّ الْأُولَى زَعَمْتَ أَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَ الْإِمَامِ مِثْلَ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا أَدْرَكَتْ الْأُخْرَى، وَأَكْثَرَ فَإِنَّمَا ذَهَبْت إلَى أَنْ يَثْبُتَ قَاعِدًا حَتَّى تُدْرِكَهُ الْآخِرَةُ فِي قُعُودِهِ، وَيَكُونَ لَهَا الْقُعُودُ الْآخِرُ مَعَهُ لِتَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ الْأُولَى فَتُوَافِقُ الْقِيَاسَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْقِبْلَةِ صَلَّى هَكَذَا أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ خَوْفٍ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ أَمَانٍ مِنْهُ بِقِلَّةِ الْعَدُوِّ، وَكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِأَنَّهُمْ فِي صَحْرَاءَ لَا حَائِلَ دُونَهَا، وَلَيْسُوا حَيْثُ يَنَالُهُمْ النَّبْلُ وَلَا الْحُسَامُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ حَرَكَةُ الْعَدُوِّ صَفُّوا جَمِيعًا خَلْفَ الْإِمَامِ، وَدَخَلُوا فِي صَلَاتِهِ، وَرَكَعُوا بِرُكُوعِهِ، وَرَفَعُوا بِرَفْعِهِ، وَثَبَتَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ قَائِمًا، وَيَسْجُدُ وَيَسْجُدُ مَنْ بَقِيَ فَإِذَا قَامَ مِنْ سُجُودِهِ تَبِعَهُ الَّذِينَ خَلْفَهُ بِالسُّجُودِ ثُمَّ قَامُوا مَعَهُ، وَهَكَذَا حَكَى أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ عُسْفَانَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ، وَهَكَذَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَا يَصْنَعُ أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلَاءِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا يَصْنَعُ الْأُمَرَاءُ إلَّا الَّذِينَ يَقِفُونَ فَلَا يَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ حَتَّى يَعْتَدِلَ قَائِمًا مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ دُونَ مَنْ نَأَى عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلطَّائِفَةِ الْحَارِسَةِ إنْ رَأَتْ مِنْ الْعَدُوِّ حَرَكَةً لِلْقِتَالِ أَنْ تَرْفَعَ أَصْوَاتَهَا لِيَسْمَعَ الْإِمَامُ، وَإِنْ حوملت أَنْ يَحْمِلَ بَعْضُهَا وَيَقِفَ بَعْضٌ يَحْرُسُ الْإِمَامَ

الحال التي يجوز للناس أن يصلوا فيها صلاة الخوف

وَإِنْ رَأَتْ كَمِينًا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا أَنْ يَنْحَرِفَ بَعْضُهَا إلَيْهِ، وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وَيُخَفِّفُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَالْجُلُوسَ فِي تَمَامٍ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ أَوْ رُهِقَ أَنْ يَصِيرَ إلَى الْقِتَالِ، وَقَطَعَ الصَّلَاةَ هَلْ يَقْضِيهَا بَعْدَهُ، وَالسَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ كَهُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إلَّا فِي خَصْلَةٍ فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى إذَا اسْتَيْقَنَتْ أَنَّ الْإِمَامَ سَهَا فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي أَمَّهَا فِيهَا سَجَدَتْ لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ سَلَامِهَا، وَلَيْسَ سَبْقُهُمْ إيَّاهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْقِهِمْ إيَّاهُ بِرَكْعَةٍ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ أَخَّرَ سُجُودَهُ حَتَّى تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَهُ بِتَشَهُّدِهَا ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ مَعَهُ، وَلَوْ ذَهَبَ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى أَنَّهُ سَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ خَافَ الْإِمَامُ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِمْ لِيَسْجُدُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَفَعَلُوا فَسَجَدُوا حَتَّى انْصَرَفُوا أَوْ انْصَرَفَ هُوَ فَلَا إعَادَةَ، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَيْسَ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَهَبَ مَوْضِعُهُ. [الْحَالُ الَّتِي يَجُوزُ لِلنَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ إلَّا بِأَنْ يُعَايِنَ عَدُوًّا قَرِيبًا غَيْرَ مَأْمُونٍ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ يَتَخَوَّفُ حَمْلَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ أَوْ يَأْتِيهِ مَنْ يَصْدُقُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ قُرْبِ الْعَدُوِّ مِنْهُ أَوْ مَسِيرِهِمْ جَادِّينَ إلَيْهِ فَيَكُونُونَ هُمْ مُخَوَّفِينَ فَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَاءَهُ الْخَبَرُ عَنْ الْعَدُوِّ فَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ ثُمَّ ذَهَبَ الْعَدُوُّ لَمْ يُعِدْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَإِنْ كَانَ فِي حِصْنٍ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِتَعَبٍ أَوْ غَلَبَةٍ عَلَى بَابٍ أَوْ كَانَ فِي خَنْدَقٍ عَمِيقٍ عَرِيضٍ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِدَفْنٍ يَطُولُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ حَصِينَةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ الدُّخُولِ أَوْ خَنْدَقٍ صَغِيرٍ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَأَوْا سَوَادًا مُقْبِلًا، وَهُمْ بِبِلَادِ عَدُوٍّ أَوْ بِغَيْرِ بِلَادِ عَدُوٍّ فَظَنُّوهُ عَدُوًّا أَحْبَبْت أَنْ لَا يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَكُلُّ حَالٍ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُصَلُّوا فِيهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْخَوْفُ يُسْرِعُ إلَيْهِمْ أَمَرْت الْإِمَامَ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ فَيُكْمِلَ كَمَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَتَحْرُسُهُ أُخْرَى فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ حَرَسَ، وَمَنْ مَعَهُ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى، وَأَمَرَ بَعْضَهُمْ فَأَمَّهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا آمُرُ الْمُسَلَّحَةَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَنَاظُرًا لِمُسَلَّحَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ تَصْنَعَ إذَا تَرَاخَى مَا بَيْنَ الْمُسَلَّحَتَيْنِ شَيْئًا، وَكَانَتْ الْمُسَلَّحَتَانِ فِي غَيْرِ حِصْنٍ أَوْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَنَاظَرُونَ بِنَاظِرِ الرَّبِيئَةِ لَا يَتَحَامَلُونَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي حَالٍ كَرِهْت لَهُمْ فِيهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ أَحْبَبْت لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى أَنْ يُعِيدُوا وَلَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، وَلَا لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَلَا يَبِينُ أَنَّ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى إعَادَةَ صَلَاةٍ لِأَنَّهَا قَدْ صَلَّتْ بِسَبَبٍ مِنْ خَوْفٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا، وَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُصَلِّي فِي غَيْرِ خَوْفٍ بَعْضَ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَبَعْضَهَا مُنْفَرِدًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إعَادَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَمَتَى مَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا ثُمَّ كَانَ غَيْرَ عَدُوٍّ، وَقَدْ صَلَّى كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ "

كم قدر من يصلي مع الإمام صلاة الخوف

لَمْ يُعِدْ الْإِمَامُ، وَلَا وَاحِدَةٌ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ مِنْهُمَا لَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ حَتَّى أُكْمِلَتْ الصَّلَاةُ، وَقَدْ صُلِّيَتْ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَطْنِ نَخْلٍ، وَإِنْ صَلَّى كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ أَحْبَبْت لِلْحَارِسَةِ أَنْ تُعِيدَ، وَلَمْ أُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَلَا يُعِيدُ الْإِمَامُ، وَلَا الَّتِي لَمْ تَحْرُسْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا تَقِلُّ الْمَسَائِلُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَيْنَا أَنَّا لَا نَأْمُرُ بِصَلَاةِ خَوْفٍ بِحَالٍ إلَّا فِي غَايَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ إلَّا صَلَاةً لَوْ صُلِّيَتْ فِي غَيْرِ خَوْفٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ عَلَى مُصَلِّيهَا إعَادَةً. [كَمْ قَدْرُ مَنْ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ طَائِفَةٌ، وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ أَوْ حَرَسَتْهُ طَائِفَةٌ، وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ، لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَحْرُسَهُ مَنْ يَمْنَعُ مِثْلَهُ إنْ أُرِيدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَثُرَ مَنْ مَعَهُ أَوْ قَلَّ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ حَارِسِينَ، وَمُصَلِّينَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ مِمَّنْ تَجْزِي حِرَاسَتُهُ، وَيَسْتَظْهِرُ شَيْئًا مِنْ اسْتِظْهَارِهِ، وَسَوَاءٌ قَلَّ مَنْ مَعَهُ فِيمَنْ يُصَلِّي، وَكَثُرَ مِمَّنْ يَحْرُسُهُ أَوْ قَلَّ مَنْ يَحْرُسُهُ وَكَثُرَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ فِي أَنَّ صَلَاتَهُمْ مُجْزِئَةٌ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ حَرَسَهُ ثَلَاثَةٌ فَإِنْ حَرَسَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ أَقَلَّ اسْمِ الطَّائِفَةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَلَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا أَجْزَأَ الطَّائِفَةَ أَجْزَأَ الْوَاحِدَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [أَخْذُ السِّلَاحِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] الْآيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَأْخُذَ سِلَاحَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي سِلَاحِهِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ وَضَعَهُ فَإِنْ صَلَّى فِيهِ، وَفِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَيَأْخُذُ مِنْ سِلَاحِهِ مَا لَا يَمْنَعُهُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤْذِي الصَّفَّ أَمَامَهُ وَخَلْفَهُ، وَذَلِكَ السَّيْفُ وَالْقَوْسُ، وَالْجَعْبَةُ، وَالْجَفِيرُ، وَالتُّرْسُ، وَالْمِنْطَقَةُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَأْخُذُ الرُّمْحَ فَإِنَّهُ يَطُولُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَاشِيَةٍ لَيْسَ إلَى جَنْبِهِ أَحَدٌ فَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَحِّيَهُ حَتَّى لَا يُؤْذِيَ بِهِ مَنْ أَمَامَهُ، وَلَا مَنْ خَلْفَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يَلْبَسُ مِنْ السِّلَاحِ مَا يَمْنَعُهُ التَّحَرُّفَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِثْلُ السِّنَّوْرِ، وَمَا أَشْبَهَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُجِيزُ لَهُ، وَضْعَ السِّلَاحِ كُلِّهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ حَمْلُ السِّلَاحِ أَوْ يَكُونَ بِهِ أَذًى مِنْ مَطَرٍ فَإِنَّهُمَا الْحَالَتَانِ اللَّتَانِ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمَا بِوَضْعِ السِّلَاحِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَرَضٌ، وَلَا أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَحْبَبْت أَنْ لَا يَضَعَ مِنْ السِّلَاحِ إلَّا مَا وَصَفْت

ما لا يجوز للمصلي في الحرب أن يلبسه مما ماسته النجاسة

مِمَّا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَرُّفِ فِي الصَّلَاةِ بِنَفْسِهِ أَوْ ثِقَلِهِ فَإِنْ، وَضَعَ بَعْضَهُ، وَبَقِيَ بَعْضٌ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ جَائِزًا لَهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ سِلَاحِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بَعْضَ سِلَاحِهِ فَهُوَ مُتَسَلِّحٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ، وَضَعَ سِلَاحَهُ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَا مَطَرٍ أَوْ أَخَذَ مِنْ سِلَاحِهِ مَا يُؤْذِي بِهِ مَنْ يُقَارِبُهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ فِي كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْ الْحَالَيْنِ، وَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ صَلَاتَهُ فِي، وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ فِي تَرْكِ وَأَخْذِ السِّلَاحِ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ فَيُقَالُ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَلَا يُتِمُّهَا أَخْذُهُ [مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي فِي الْحَرْبِ أَنْ يَلْبَسَهُ مِمَّا مَاسَّتْهُ النَّجَاسَةُ] ُ، وَمَا يَجُوزُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَصَابَ السَّيْفَ الدَّمُ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ مِنْهُ لَمْ يَتَقَلَّدْهُ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ نِصَالُ النَّبْلِ، وَزُجُّ الرُّمْحِ، وَالْبَيْضَةِ وَجَمِيعُ الْحَدِيدِ إذَا أَصَابَهُ الدَّمُ فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُطَهِّرُ الدَّمَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَنْجَاسِ إلَّا الْمَاءُ عَلَى حَدِيدٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ غَسَلَهُ بِدُهْنٍ لِئَلَّا يَصْدَأَ الْحَدِيدُ أَوْ مَاءٍ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ أَوْ مَسَحَهُ بِتُرَابٍ لَمْ يَطْهُرْ، وَكَذَلِكَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَدَاتِهِ لَا يُطَهِّرُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَنْجَاسِ إلَّا الْمَاءُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَ فَأَصَابَ سَيْفَهُ فَرْثٌ أَوْ قَيْحٌ أَوْ غَيْرُهُ كَانَ هَكَذَا الْآنَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ شَكَّ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَدَاتِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ لَمْ تُصِبْهُ أَحْبَبْت أَنْ يَتَوَقَّى حَمْلَ مَا شَكَّ فِيهِ لِلصَّلَاةِ فَإِنْ حَمَلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ فَإِذَا عَلِمَ، وَقَدْ صَلَّى فِيهِ أَعَادَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَكُلُّ مَا حَمَلَهُ مُتَقَلِّدُهُ أَوْ مُتَنَكِّبُهُ أَوْ طَارِحُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ أَوْ مُمْسِكُهُ بِيَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا فَسَوَاءٌ كُلُّهُ هُوَ كَمَا كَانَ لَابِسُهُ لَا يُجْزِيهِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ تُصِبْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ تَكُونَ أَصَابَتْهُ فَطَهُرَ بِالْمَاءِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مَعَهُ نُشَّابٌ أَوْ نَبْلٌ قَدْ أُمِرَّ عَلَيْهَا عَرَقُ دَابَّةٍ أَيُّ دَابَّةٍ كَانَتْ غَيْرَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ أَوْ لُعَابُهَا أَوْ أُحْمِيَتْ فَسُقِيَتْ لَبَنًا أَوْ سُمَّتْ بِسُمِّ شَجَرٍ فَصَلَّى فِيهَا فَلَا بَأْسَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْأَنْجَاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ سُمَّ بِسُمِّ حَيَّةٍ أَوْ وَدَكِ دَابَّةٍ لَا تُؤْكَلُ أَوْ بِوَدَكِ مِيتَةٍ فَصَلَّى فِيهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ إلَّا أَنْ يَطْهُرَ بِالْمَاءِ وَسَوَاءٌ أُحْمِيَ السَّيْفُ أَوْ أَيُّ حَدِيدَةٍ حُمِيت فِي النَّارِ ثُمَّ سُمَّ أَوْ سُمَّ بِلَا إحْمَاءٍ إذَا خَالَطَهُ النَّجَسُ مَحْمِيٌّ أَوْ غَيْرُ مَحْمِيٍّ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا الْمَاءُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ سُمَّتْ، وَلَمْ تُحْمَ ثُمَّ أُحْمِيَتْ بِالنَّارِ فَقِيلَ قَدْ ذَابَ كُلُّهُ بِالنَّارِ أَوْ أَكَلَتْهُ النَّارُ، وَكَانَ السُّمُّ نَجِسًا لَمْ تُطَهِّرْهُ النَّارُ، وَلَا يُطَهِّرُهُ شَيْءٌ إلَّا الْمَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أُحْمِيَ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ نَجِسٌ أَوْ غُمِسَ فِيهِ فَقِيلَ قَدْ شَرِبَتْهُ الْحَدِيدَةُ ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ طَهُرَتْ لِأَنَّ الطُّهَارَاتِ كُلَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَيْسَ عَلَى الْأَجْوَافِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَزِيدُ إحْمَاءُ الْحَدِيدَةِ فِي تَطْهِيرِهَا، وَلَا تَنْجِيسِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّارِ طُهُورٌ إنَّمَا الطُّهُورُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَجِدُ فِيهِ مَاءً فَمَسَحَهُ بِالتُّرَابِ لَمْ يُطَهِّرْهُ التُّرَابُ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يُطَهِّرُ الْأَنْجَاسَ. [مَا يَجُوزُ لِلْمُحَارِبِ أَنْ يَلْبَسَ مِمَّا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَمَا لَا يَجُوزُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الْبَيْضَةُ ذَاتَ أَنْفٍ أَوْ سَابِغَةٍ عَلَى رَأْسِ الْخَائِفِ كَرِهْت لَهُ فِي الصَّلَاةِ لُبْسَهَا لِئَلَّا يَحُولَ مَوْضِعُ السُّبُوغِ أَوْ الْأَنْفِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ إكْمَالِ السُّجُودِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَهَا، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا أَوْ حَرَّفَهَا أَوْ حَسَرَهَا إذَا مَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ مُتَمَكِّنًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا الْمِغْفَرُ.

ما يلبس المحارب مما ليس فيه نجاسة وما لا يلبس

وَالْعِمَامَةُ، وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يُغَطِّي مَوْضِعَ السُّجُودِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَاسَّ شَيْءٌ مِنْ مُسْتَوَى جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ بِهِ السُّجُودُ، وَإِنْ كَرِهْت لَهُ أَنْ يَدَعَ أَنْ يَمَاسَّ بِجَبْهَتِهِ كُلِّهَا، وَأَنْفِهِ الْأَرْضَ سَاجِدًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى كَفَّيْهِ مِنْ السِّلَاحِ مَا يَمْنَعُهُ أَنْ تُبَاشِرَ كَفَّاهُ الْأَرْضَ، وَأُحِبُّ إنْ فَعَلَ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةً، وَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ فِي رُكْبَتَيْهِ، وَلَا أَكْرَهُ لَهُ مِنْهُ فِي قَدَمَيْهِ مَا أَكْرَهُ لَهُ فِي كَفَّيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى، وَفِي ثِيَابِهِ أَوْ سِلَاحِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّمِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ عَلِمَ أَعَادَ، وَمَتَى قُلْت أَبَدًا يُعِيدُ أَعَادَ بَعْدَ زَمَانٍ، وَفِي قُرْبِ الْإِعَادَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍّ، وَهَكَذَا إنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ ثُمَّ اتَّضَحَ عَلَيْهِ دَمٌ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا فَصَلَّى مِنْ الصَّلَاةِ شَيْئًا إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا، وَلَمْ يَطْرَحْ مَا مَسَّهُ دَمٌ مَكَانَهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ طَرَحَ الثَّوْبَ عَنْهُ سَاعَةَ مَاسَّهُ الدَّمُ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَحَرَّفَ فَغَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَرْتُهُ بِأَنْ يُعِيدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ: يُجْزِيهِ أَنْ يَغْسِلَ الدَّمَ ثُمَّ يَبْنِيَ، وَلَا آمُرُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَآمُرهُ بِالْإِعَادَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّ الدَّمَ أَصَابَ بَعْضَ سِلَاحِهِ أَوْ ثِيَابِهِ وَلَا يَعْلَمُ تَأَخَّرَ، وَتَرَكَ الَّذِي يَرَى أَنَّ الدَّمَ أَصَابَهُ، وَصَلَّى فِي غَيْرِهِ، وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ فَعَلَ فَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ أَوْ سِلَاحٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُطَهِّرْهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ كُلَّ مَا صَلَّاهَا فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ سَلَبَ مُشْرِكًا سِلَاحًا، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى الْمُشْرِكَ يَمَسُّ سِلَاحَهُ بِنَجَسٍ مَا كَانَ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِرُؤْيَةٍ، وَلَا خَبَرٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ السِّلَاحِ نَجَاسَةً، وَلَوْ غَسَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوْ تَوَقَّى الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. [مَا يَلْبَسُ الْمُحَارِبُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَمَا لَا يَلْبَسُ] ُ، وَالشُّهْرَةُ فِي الْحَرْبِ أَنْ يُعَلِّمَ نَفْسَهُ بِعَلَامَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ تَوَقَّى الْمُحَارِبُ أَنْ يَلْبَسَ دِيبَاجًا أَوْ قَزًّا ظَاهِرًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَبِسَهُ لِيُحْصِنَهُ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ قَدْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي الْحَرْبِ فِيمَا يَحْظُرُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَرِيرُ، وَالْقَزُّ، لَيْسَ مِنْ الْأَنْجَاسِ إنَّمَا كُرِهَ تَعَبُّدًا، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ رَجُلٌ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَمْ يُعِدْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ فِي نَسْجِ الثَّوْبِ الَّذِي لَا يُحْصِنُ قَزٌّ، وَقُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ فَكَانَ الْقُطْنُ الْغَالِبَ لَمْ أَكْرَهْ لِمُصَلٍّ خَائِفٍ، وَلَا غَيْرِهِ لُبْسَهُ فَإِنْ كَانَ الْقَزُّ ظَاهِرًا كَرِهْت لِكُلِّ مُصَلٍّ مُحَارِبٍ وَغَيْرِهِ لُبْسَهُ، وَإِنَّمَا كَرِهْتُهُ لِلْمُحَارِبِ لِأَنَّهُ لَا يُحْصِنُ إحْصَانَ ثِيَابِ الْقَزِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَبِسَ رَجُلٌ قَبَاءً مَحْشُوًّا قَزًّا، فَلَا بَأْسَ لِأَنَّ الْحَشْوَ بَاطِنٌ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ إظْهَارَ الْقَزِّ لِلرِّجَالِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَتْ دِرْعٌ حَدِيدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ نَسْجِهَا ذَهَبٌ أَوْ كَانَتْ كُلُّهَا ذَهَبًا كَرِهْت لَهُ لُبْسَهَا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَهَا لِضَرُورَةٍ، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَهَا عِنْدَهُ لِأَنَّهُ يَجِدُ بِثَمَنِهَا دُرُوعَ حَدِيدٍ، وَالْحَدِيدُ أَحْصَنُ، وَلَيْسَ فِي لُبْسِهِ مَكْرُوهٌ وَإِنْ فَاجَأَتْهُ حَرْبٌ، وَهِيَ عِنْدَهُ فَلَا أَكْرَهُ لَهُ لُبْسَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ كَانَتْ فِي سَيْفِهِ حِلْيَةُ ذَهَبٍ كَرِهْت لَهُ أَنْ لَا يَنْزِعَهَا فَإِنْ فَجَأَتْهُ حَرْبٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَقَلَّدَهُ فَإِذَا انْقَضَتْ أَحْبَبْت لَهُ نَقْضَهُ، وَهَكَذَا هَذَا فِي تُرْسِهِ، وَجَمِيعِ جُنَّتِهِ حَتَّى قَبَائِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَزْرَارُ ذَهَبٍ أَوْ زِرُّ ذَهَبٍ كَرِهْتُهُ لَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ مِنْطَقَتُهُ، وَحَمَائِلُ سَيْفِهِ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ جُنَّةٌ أَوْ صَلَاحُ جُنَّةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ خَاتَمُهُ ذَهَبًا لَمْ أَرَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ فِي حَرْبٍ، وَلَا سِلْمٍ بِحَالٍ لِأَنَّ الذَّهَبَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَيْسَ فِي الْخَاتَمِ جُنَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَيْثُ كَرِهْت لَهُ الذَّهَبَ مُصْمَتًا فِي حَرْبٍ، وَغَيْرِهَا كَرِهْت الذَّهَبَ مُمَوَّهًا بِهِ، وَكَرِهْتُهُ مُخَوَّصًا بِغَيْرِهِ إذَا كَانَ يَظْهَرُ لِلذَّهَبِ لَوْنٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلذَّهَبِ لَوْنٌ فَهُوَ مُسْتَهْلَكٌ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُلْبَسَ، وَلَا أَرَى حَرَجًا فِي أَنْ يَلْبَسَهُ

كَمَا قُلْت فِي حَشْوِ الْقَزِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إلَّا لِلْأَدَبِ، وَأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، وَلَا أَكْرَهُ لُبْسَ يَاقُوتٍ، وَلَا زَبَرْجَدٍ إلَّا مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ أَوْ الْخُيَلَاءِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْحَرْبِ بَلَاءً أَنْ يَعْلَمَ مَا شَاءَ مِمَّا يَجُوزُ لُبْسُهُ، وَلَا أَنْ يَرْكَبَ الْأَبْلَقَ، وَلَا الْفَرَسَ، وَلَا الدَّابَّةَ الْمَشْهُورَةَ قَدْ أَعْلَمَ حَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَا أَكْرَهُ الْبِرَازَ قَدْ بَارَزَ عُبَيْدَةَ، وَحَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَيَلْبَسُ فِي الْحَرْبِ جِلْدَ الثَّعْلَبِ، وَالضَّبُعِ إذَا كَانَا ذَكِيَّيْنِ وَعَلَيْهِمَا شُعُورُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُونَا ذَكِيَّيْنِ، وَدُبِغَا لَبِسَهُمَا إنْ سُمِطَتْ شُعُورُهُمَا عَنْهُمَا، وَيُصَلِّي فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ نَسْمُطْ شُعُورَهُمَا لَمْ يُصَلِّ فِيهِمَا لِأَنَّ الدَّبَّاغَ لَا يُطَهِّرُ الشَّعْرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا يَلْبَسُ جِلْدَ كُلِّ مُذَكًّى يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا يَلْبَسُ جِلْدَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَكِيًّا إلَّا مَدْبُوغًا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَلْبَسَهُ، وَلَا يُصَلِّي فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَا يُصَلِّي فِي جِلْدِ دَابَّةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا ذَكِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَكِيَّةٍ إلَّا أَنْ يَدْبُغَهُ، وَيَمْعَطَ شَعْرَهُ فَأَمَّا لَوْ بَقِيَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ فَلَا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا يُصَلِّي فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَلَا كَلْبٍ بِحَالٍ نُزِعَتْ شُعُورُهُمَا، وَدُبِغَا أَوْ لَمْ يُدْبَغَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يُلْبِسُ الرَّجُلُ فَرَسَهُ شَيْئًا مِنْ آلَتِهِ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ بِحَالٍ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ الْكَلْبِ فِي صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ فَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُلْبِسَهُ الرَّجُلُ فَرَسَهُ أَوْ دَابَّتَهُ، وَيَسْتَمْتِعُ بِهِ وَلَا يُصَلِّي فِيهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ جِلْدِ الْقِرْدِ وَالْفِيلِ وَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْحَيَّةِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّهُ جُنَّةٌ لِلْفَرَسِ، وَلَا تَعَبُّدَ لِلْفَرَسِ وَلَا نَهْيَ عَنْ إهَابِ جُنَّةٍ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الْخَوْفِ مُمْسِكًا عِنَانَ دَابَّتِهِ فَإِنْ نَازَعَتْهُ فَجَذَبَهَا إلَيْهِ جَذْبَةً أَوْ جَذْبَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَثُرَتْ مُجَاذَبَتُهُ إيَّاهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَدْ قَطَعَ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا، وَإِنْ جَذَبَتْهُ فَانْصَرَفَ، وَجْهُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَأَقْبَلَ مَكَانَهُ عَلَى الْقِبْلَةِ لَمْ تُقْطَعْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ طَالَ انْحِرَافُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدَعَهَا إلَى الْقِبْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ إلَى الْقِبْلَةِ فَلَمْ يَنْحَرِفْ إلَيْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَلَاتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ذَهَبَتْ دَابَّتُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْبَعَهَا، وَإِذَا تَبِعَهَا عَلَى الْقِبْلَةِ شَيْئًا يَسْرًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَبِعَهَا كَثِيرًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَبِعَهَا مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ - فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 238 - 239] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا أَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَذِنَ لَهُمْ فِيهَا أَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا غَيْرُ الْحَالِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ ثُمَّ بِطَائِفَةٍ فَكَانَ بَيِّنًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ بِأَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا إلَّا فِي خَوْفٍ أَشَدَّ مِنْ الْخَوْفِ الَّذِي أَمَرَهُمْ فِيهِ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ ثُمَّ بِطَائِفَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَسَاقَهَا ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَاهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ إسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخَوْفُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يُصَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، وَاَللَّهُ

إذا صلى بعض صلاته راكبا ثم نزل أو نازلا ثم ركب

تَعَالَى أَعْلَمُ إطْلَالَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَيَتَرَاءَوْنَ مَعًا، وَالْمُسْلِمُونَ فِي غَيْرِ حِصْنٍ حَتَّى يَنَالَهُمْ السِّلَاحُ مِنْ الرَّمْيِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَقْرَبَ الْعَدُوُّ فِيهِ مِنْهُمْ مِنْ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، وَالْعَدُوُّ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْمُسْلِمُونَ كَثِيرٌ يَسْتَقِلُّ بَعْضُهُمْ بِقِتَالِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَكُونَ بَعْضٌ فِي شَبِيهٍ بِحَالٍ غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ قَاتَلَتْهُمْ طَائِفَةٌ، وَصَلَّتْ أُخْرَى صَلَاةً غَيْرَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ مُحِيطِينَ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْعَدُوُّ قَلِيلٌ، وَالْمُسْلِمُونَ كَثِيرٌ تَسْتَقِلُّ كُلُّ طَائِفَةٍ، وَلِيَهَا الْعَدُوُّ بِالْعَدْوِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ بَيْنِ الطَّوَائِفِ الَّتِي يَلِيهَا الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ صَلَّى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَلُونَهُمْ صَلَاةً غَيْرَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَدَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَلَّوْا أَنْ يَدْخُلُوا بَيْنَ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي كَانَتْ تَلِي قِتَالَ الْعَدُوِّ حَتَّى يَصِيرَ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ قِتَالَهُمْ فِي مِثْلِ حَالِ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ فَعَلُوا، وَلَمْ يَجُزْ الَّذِينَ يَلُونَ قِتَالَهُمْ إلَّا أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةً غَيْرَ شِدَّةِ الْخَوْفِ بِالْأَرْضِ، وَإِلَى الْقِبْلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَعَذَّرَ هَذَا بِالْتِحَامِ الْحَرْبِ أَوْ خَوْفٍ إنْ وَلَّوْا عَنْهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا أَكْتَافَهُمْ وَيَرَوْهَا هَزِيمَةً أَوْ هَيْبَةِ الطَّائِفَةِ الَّتِي صَلَّتْ بِالدُّخُولِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْعَدُوِّ أَوْ مَنْعِ الْعَدُوِّ ذَلِكَ لَهَا أَوْ تَضَايُقِ مَدْخَلِهِمْ حَتَّى لَا يُصَلُّوا إلَى أَنْ يَكُونُوا حَائِلِينَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْعَدُوِّ كَانَ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، وَقُعُودًا عَلَى دَوَابِّهِمْ مَا كَانَتْ دَوَابُّهُمْ، وَعَلَى الْأَرْضِ قِيَامًا يُومِئُونَ بِرُءُوسِهِمْ إيمَاءً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ بِبَعْضِ صَلَاتِهِمْ ثُمَّ دَارَ الْعَدُوُّ عَنْ الْقِبْلَةِ دَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إلَيْهِ، وَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ صَلَاتَهُمْ إذَا جُعِلَتْ صَلَاتُهُمْ كُلُّهَا مُجْزِئَةً عَنْهُمْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ جَعَلْتهَا مُجْزِئَةً إذَا كَانَ بَعْضُهَا كَذَلِكَ، وَبَعْضُهَا أَقَلَّ مِنْ كُلِّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا تُجْزِئُهُمْ صَلَاتُهُمْ هَكَذَا إذَا كَانُوا غَيْرَ عَامِلِينَ فِيهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ الِاسْتِدَارَةُ، وَالتَّحَرُّفُ وَالْمَشْيُ الْقَلِيلُ إلَى الْعَدُوِّ، وَالْمَقَامُ يَقُومُونَهُ فَإِذَا فَعَلُوا هَذَا أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ فَتَرَّسُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ فَضَرَبَ أَحَدُهُمْ الضَّرْبَةَ بِسِلَاحِهِ أَوْ طَعَنَ الطَّعْنَةَ أَوْ دَفَعَ الْعَدُوَّ بِالشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ لِلْعَدُوِّ غِرَّةٌ، وَمِنْهُ فُرْصَةٌ فَتَنَاوَلَهُ بِضَرْبَةٍ أَوْ طَعْنَةٍ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ فَأَمَّا إنْ تَابَعَ الضَّرْبَ أَوْ الطَّعْنَ أَوْ طَعَنَ طَعْنَةً فَرَدَّدَهَا فِي الْمَطْعُونِ أَوْ عَمَل مَا يَطُولُ فَلَا يَجْزِيهِ صَلَاتُهُ، وَيَمْضِي فِيهَا، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَهَا لَا يَعْمَلُ فِيهَا مَا يَقْطَعُهَا، أَعَادَهَا، وَلَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَدَعُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ إذَا خَافَ ذَهَابَ وَقْتِهَا، وَيُصَلِّيهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا عَمَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ كَلِمَةً يُحَذِّرُ بِهَا مُسْلِمًا أَوْ يَسْتَرْهِبُ بِهَا عَدُوًّا وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا مَتَى أَمْكَنَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَمْكَنَهُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهَا مَا يُفْسِدُهَا أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ صَلَاةُ غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ صَلَّاهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ غَيْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ صَلَّاهَا. [إذَا صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ أَوْ نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ] َ أَوْ صَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ وَجْهَهُ أَوْ تَقَدَّمَ مِنْ مَوْضِعِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَلِبْ وَجْهُهُ عَنْ جِهَتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ لِأَنَّ النُّزُولَ خَفِيفٌ وَإِنْ انْقَلَبَ وَجْهُهُ عَنْ جِهَتِهِ حَتَّى تَوَلَّى جِهَةَ قَفَاهُ أَعَادَ لِأَنَّهُ تَارِكٌ قِبْلَتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ طَرَحَتْهُ دَابَّةٌ أَوْ رِيحٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يُعِدْ إذَا انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ مَكَانَهُ حِينَ أَمْكَنَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ نَازِلًا فَرَكِبَ فَقَدْ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ

إذا صلى وهو ممسك عنان دابته

الرُّكُوبَ عَمَلٌ أَكْثَرُ مِنْ النُّزُولِ، وَالنَّازِلُ إلَى الْأَرْضِ أَوْلَى بِتَمَامِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّاكِبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا مُقَاتِلًا صَلَّى وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا، وَهُوَ مُقَاتِلٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ الْأُولَى، بَنَى عَلَى صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَلَمْ يَجْزِهِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ الْأُولَى كَمَا إذَا صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ لَمْ يَجْزِهِ إلَّا الْقِيَامُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لَمْ يَتَقَدَّمُوا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَى التَّقَدُّمِ لِخَوْفٍ تَقَدَّمُوا رُكْبَانًا وَمُشَاةٍ، وَكَانُوا فِي صَلَاتِهِمْ بِحَالِهِمْ، وَإِنْ تَقَدَّمُوا بِلَا حَاجَةٍ، وَلَا خَوْفٍ فَكَانَ كَتَقَدُّمِ الْمُصَلِّي إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ يُصَلِّي فِيهِ فَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ، وَكَانَ هَذَا كَالْإِفْسَادِ لِلصَّلَاةِ، وَهَكَذَا إذَا احْتَاجُوا إلَى رُكُوبٍ رَكِبُوا، وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ وَرَكِبُوا ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ، وَلَوْ كَانُوا رُكْبَانًا فَنَزَلُوا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِيُصَلُّوا بِالْأَرْضِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ النُّزُولَ عَمَلٌ خَفِيفٌ، وَصَلَاتُهُمْ بِالْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صَلَاتِهِمْ رُكْبَانًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَامِنَةً لِلْعَدُوِّ أَوْ مُتَوَارِيَةً عَنْهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ خَنْدَقًا أَوْ بِنَاءً أَوْ سَوَادَ لَيْلٍ فَخَافُوا إنْ قَامُوا لِلصَّلَاةِ رَآهُمْ الْعَدُوُّ، فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً مُمْتَنِعِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا قِيَامًا كَيْفَ أَمْكَنَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَإِنْ صَلَّوْا جُلُوسًا فَقَدْ أَسَاءُوا، وَعَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ مَنَعَةٌ، وَكَانُوا يَخَافُونَ إنْ قَامُوا أَنْ يُرَوْا، فَيَصْطَلِحُوا صَلَّوْا قُعُودًا، وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ يَرَوْنَهُمْ مُطِلِّينَ عَلَيْهِمْ، وَدُونَهُمْ خَنْدَقٌ أَوْ حِصْنٌ أَوْ قَلْعَةٌ أَوْ جَبَلٌ لَا يَنَالُهُ الْعَدُوُّ إلَّا بِتَكَلُّفٍ لَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَبْصَارِ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَحْرُسُهُمْ لَمْ يَجْزِهِمْ أَنْ يُصَلُّوا جُلُوسًا، وَلَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَلَا يُومِئُونَ، وَلَا تَجُوزُ لَهُمْ الصَّلَاةُ يُومِئُونَ وَجُلُوسًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ إلَّا فِي حَالِ مُنَاظَرَةِ الْعَدُوِّ، وَمُسَاوَاتِهِ، وَإِطْلَالِهِ، وَقُرْبِهِ حَتَّى يَنَالَهُمْ سِلَاحٌ إنْ أَشْرَعَهَا إلَيْهِمْ مِنْ الرَّمْيِ وَالطَّعْنِ، وَالضَّرْبِ، وَيَكُونُ حَائِلٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَمْنَعُهُمْ طَائِفَةٌ حَارِسَةٌ لَهُمْ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا رِجَالًا، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْخَوْفِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أُسِرَ رَجُلٌ فَمُنِعَ الصَّلَاةَ فَقَدَرَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَهَا مُومِيًا صَلَّاهَا، وَلَمْ يَدَعْهَا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُضُوءِ، وَصَلَّاهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّاهَا مُتَيَمِّمًا وَكَذَلِكَ إنْ حُبِسَ تَحْتَ سَقْفٍ لَا يَعْتَدِلُ فِيهِ قَائِمًا أَوْ رُبِطَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رُكُوعٍ، وَلَا عَلَى سُجُودٍ صَلَّاهَا كَيْفَ قَدَرَ، وَلَمْ يَدَعْهَا، وَهِيَ تُمْكِنُهُ بِحَالٍ وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ قَضَاءُ مَا صَلَّى هَكَذَا مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ، وَكَذَلِكَ إنْ مُنِعَ الصَّوْمَ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ مَتَى أَمْكَنَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ حُمِلَ عَلَى شُرْبِ مُحَرَّمٍ أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ يَخَافُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَفَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَتَقَايَأَ أَنْ يَتَقَايَأَ. [إذَا صَلَّى وَهُوَ مُمْسِكٌ عِنَانَ دَابَّتِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الْخَوْفِ مُمْسِكًا عِنَانَ دَابَّتِهِ فَإِنْ نَازَعَتْهُ فَجَبَذَهَا إلَيْهِ جَبْذَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَثُرَتْ مجابذته إيَّاهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَدْ قَطَعَ صَلَاتَهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا، وَإِنْ جَبَذَتْهُ فَانْصَرَفَ وَجْهُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَأَقْبَلَ مَكَانَهُ عَلَى الْقِبْلَةِ لَمْ تُقْطَعْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ طَالَ انْحِرَافُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَمْ يَنْحَرِفْ إلَيْهَا

إذا صلوا رجالا وركبانا هل يقاتلون

فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَلَاتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ذَهَبَتْ دَابَّتُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْبَعَهَا فَإِذَا تَبِعَهَا عَلَى الْقِبْلَةِ شَيْئًا يَسِيرًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فَإِنْ تَبِعَهَا كَثِيرًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ [إذَا صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا هَلْ يُقَاتِلُونَ] َ، وَمَا الَّذِي يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا مُقَاتِلًا صَلَّى وَأَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا وَهُوَ مُقَاتِلٌ. [مَنْ لَهُ مِنْ الْخَائِفِينَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الشِّرْكِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِهَا فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء: 102] الْآيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ جِهَادٍ كَانَ مُبَاحًا يَخَافُ أَهْلُهُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِأَنَّ الْمُجَاهِدِينَ عَلَيْهِ مَأْجُورُونَ أَوْ غَيْرُ مَأْزُورِينَ، وَذَلِكَ جِهَادُ أَهْلِ الْبَغْيِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجِهَادِهِمْ وَجِهَادِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَمَنْ أَرَادَ مِنْ مَالِ رَجُلٍ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ حَرِيمِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ، وَلَيْسَ لَهُ الْقِتَالُ فَخَافَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ يُومِئُ إيمَاءً، وَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَ أَنْ يُعِيدَهَا، وَلَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي خَوْفٍ دُونَ غَايَةِ الْخَوْفِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا غَيْرَ خَائِفٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَلِكَ مَنْ قَاتَلَ ظُلْمًا مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ يُقَاتِلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يُمْنَعَ مِنْ حَقٍّ قِبَلَهُ أَوْ أَيْ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الظُّلْمِ قَاتَلَ عَلَيْهِ [فِي أَيِّ خَوْفٍ تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا خَافَتْ الْجَمَاعَةُ الْقَلِيلَةُ السَّبُعَ أَوْ السِّبَاعَ فَصَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُصَلِّيَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ بِإِمَامٍ ثُمَّ أُخْرَى بِإِمَامٍ آخَرَ، وَإِذَا خَافُوا الْحَرِيقَ عَلَى مَتَاعِهِمْ أَوْ مَنَازِلِهِمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً ثُمَّ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَيَكُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي صَلَاةٍ فِي إطْفَاءِ النَّارِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانُوا سَفْرًا فَغَشِيَهُمْ حَرِيقٌ فَتَنَحَّوْا عَنْ سُنَنِ الرِّيحِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا كَمَا يُصَلُّونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا حُضُورًا فَغَشِيَ الْحَرِيقُ لَهُمْ أَهْلًا أَوْ مَالًا أَوْ مَتَاعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ غَشِيَهُمْ غَرَقٌ تَنَحَّوْا عَنْ سُنَنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ غَشِيَهُمْ هَدَمٌ تَنَحَّوْا عَنْ مَسْقَطِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ صَلَّوْا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا صَلَاةَ خَوْفٍ تُجْزِئُ عَنْ خَائِفٍ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُمْ. [فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ] ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا طَلَبَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَحَرَّفُوا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيَّزُوا إلَى فِئَةٍ.

فَقَارَبُوهُمْ ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ رُكْبَانًا، وَرِجَالًا يُومِئُونَ إيمَاءً حَيْثُ تَوَجَّهُوا عَلَى قِبْلَةٍ كَانُوا أَوْ عَلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا عَلَى قِبْلَةٍ ثُمَّ رَأَوْا طَرِيقًا خَيْرًا لَهُمْ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ سَلَكُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ انْحَرَفُوا عَنْ الْقِبْلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُمْ الطَّلَبُ أَوْ شُغِلُوا أَوْ أَدْرَكُوا مَنْ يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنْ الطَّلَبِ، وَقَدْ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ رُكْبَانًا، لَمْ يَجْزِهِمْ إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا فَيَبْنُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ كَمَا وَصَفْت فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ الَّتِي لَيْسَتْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ، وَإِنْ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ مِمَّنْ رَأَوْا، وَلَا يَأْمَنُونَ طَلَبًا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْهُ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا عَلَى أَنْ يُصَلُّوا رُكْبَانًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ تَفَرَّقُوا هُمْ وَالْعَدُوُّ فَابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ بِالْأَرْضِ ثُمَّ جَاءَهُمْ طَلَبُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا وَيُتِمُّوا الصَّلَاةَ رُكْبَانًا يُومِئُونَ إيمَاءً، وَكَذَلِكَ لَهُمْ إنْ قَعَدُوا رَجَّالَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أَيُّ عَدُوٍّ طَلَبَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَغَيْرِهِمْ إذَا كَانُوا مَظْلُومِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ طَلَبَهُمْ سَبْعٌ أَوْ سِبَاعٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ غَشِيَهُمْ سَيْلٌ لَا يَجِدُونَ نَجْوَةً كَانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا يُومِئُونَ عَدُوًّا عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَرِكَابِهِمْ فَإِنْ أَمْكَنَتْهُمْ نَجْوَةٌ لَهُمْ، وَلِرِكَابِهِمْ سَارُوا إلَيْهَا، وَبَنَوْا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُمْ نَجْوَةٌ لِأَبْدَانِهِمْ، وَلَا تُمْكِنُهُمْ لِرِكَابِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا، وَيُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى وُجُوهِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَمْكَنَهُمْ نَجْوَةٌ يَلْتَقِي مِنْ وَرَائِهَا، وَادِيَانِ فَيَقْطَعَانِ الطَّرِيقَ كَانَتْ هَذِهِ كَلَا نَجْوَةٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ يُومِئُونَ عَدُوًّا، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ طَرِيقٌ يُتَنَكَّبُ عَنْ السَّيْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ غَشِيَهُمْ حَرِيقٌ كَانَ هَذَا لَهُمْ مَا لَمْ يَجِدُوا نَجْوَةً مِنْ جَبَلٍ يَلُوذُونَ بِهِ يَأْمَنُونَ بِهِ الْحَرِيقَ أَوْ تَحُولُ رِيحٌ تَرُدُّ الْحَرِيقَ أَوْ يَجِدُونَ مَلَاذًا عَنْ سُنَنِ الْحَرِيقِ فَإِذَا وَجَدُوا ذَلِكَ بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ بِالْأَرْضِ لَا يَجْزِيهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَعَادُوا الصَّلَاةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ طَلَبَهُ رَجُلٌ صَائِلٌ فَهُوَ مِثْلُ الْعَدُوِّ وَالسَّبْعِ، وَكَذَلِكَ الْفِيلُ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَا كُلِّهِ يُومِئُ إيمَاءً حَتَّى يَأْمَنَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ عَدُوٌّ مَا كَانَ مِمَّا يَنَالُ مِنْهُ قَتْلًا أَوْ عَقْرًا، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ يُومِئُ أَيْنَ تَوَجَّهَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا تَفَرَّقَ الْعَدُوُّ، وَرَجَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ فَرَأَوْا سَوَادًا مِنْ سَحَابٍ أَوْ غَيْرِهِ إبِلٍ أَوْ جَمَاعَةِ نَاسٍ لَيْسَ بِعَدْوٍ أَوْ غُبَارٍ، وَقَرُبَ مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَدُوًّا نَالَهُ سِلَاحُهُ فَظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَا رَأَى مِنْ هَذَا عَدُوًّا فَصَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ يُومِئُونَ إيمَاءً ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ عَدُوًّا، أَعَادُوا تِلْكَ الصَّلَاةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ لَمْ يَبِنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ عَدُوٍّ، وَلَمْ يَدْرِ أَعَدُوٌّ هُوَ أَمْ لَا؟ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى رُؤْيَةٍ يَعْلَمُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَبْلَهَا أَنَّهَا حَقٌّ أَوْ خَبَرٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ لِأَنَّ الْخَبَرَ عِيَانٌ كَعِلْمِهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَإِمَّا إذَا شَكَّ فَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ أَنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَاءَ خَبَرٌ عَنْ عَدُوٍّ فَصَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ كَانَ يَطْلُبُهُ، وَلَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ الْقُرْبَ الَّذِي يَخَافُ رَهَقَهُ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ، وَكَذَلِكَ أَنْ يَطْلُبَهُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاةِ مِنْهُ، وَالْمَصِيرِ إلَى جَمَاعَةٍ يَمْتَنِعُ مِنْهُ بِهَا أَوْ مَدِينَةٍ يَمْتَنِعُ فِيهَا الشَّيْءُ الْقَرِيبُ الَّذِي يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّ الْعَدُوَّ لَا يَنَالُهُ عَلَى سُرْعَةِ الْعَدُوِّ وَإِبْطَاءِ الْمَغْلُوبِ حَتَّى يَصِيرَ إلَى النَّجَاةِ وَمَوْضِعِ الِامْتِنَاعِ أَوْ يَكُونَ خَرَجَتْ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ تَلْقَاهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى عَدُوِّهِ فَقَرَّبَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يُحِيطَ الْعِلْمَ أَنَّ الطَّلَبَ لَا يُدْرِكُهُ حَتَّى يَصِيرَ إلَى تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَوْ تَصِيرَ إلَيْهِ فَمَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُومِئًا أَعَادَهُ كُلَّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ أَمْيَالٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُومِئًا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَرْضِ ثُمَّ يَرْكَبَ فَيَنْجُوَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ يَنْزِلُ لِصَلَاةٍ أَوْ لَا يَنْزِلُ لَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ الطَّالِبِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا رُكْبَانًا، وَلَا مُشَاةً يُومِئُونَ إيمَاءً إلَّا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَقِلَّ الطَّالِبُونَ عَنْ الْمَطْلُوبِينَ وَيَنْقَطِعَ الطَّالِبُونَ عَنْ أَصْحَابِهِمْ فَيَخَافُونَ عَوْدَةَ الْمَطْلُوبِينَ

قصر الصلاة في الخوف

عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا يُومِئُونَ إيمَاءً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْإِمْعَانُ فِي الطَّلَبِ فَكَانَ عَلَيْهِمْ الْعَوْدَةُ إلَى أَصْحَابِهِمْ، وَمَوْضِعِ مَنَعَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْتَقِلُوا بِالطَّلَبِ حَتَّى يُضْطَرُّوا إلَى أَنْ يُصَلُّوا الْمَكْتُوبَةَ إيمَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِثْلُهُ أَنْ يُكْثِرُوا، وَيُمْعِنُوا حَتَّى يَتَوَسَّطُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ فَيَقِلُّوا فِي كَثْرَةِ الْعَدُوِّ فَيَكُونَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا، وَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُومِئِينَ إذَا خَافُوا عَوْدَةَ الْعَدُوِّ إنْ نَزَلُوا، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُمْعِنُوا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، وَلَا طَلَبِهِ إذَا كَانُوا يُضْطَرُّونَ إلَى أَنْ يُومِئُوا إيمَاءً، وَلَهُمْ ذَلِكَ مَا كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لَا يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَلَّوْا يُومِئُونَ إيمَاءً فَعَادَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ مِنْ جِهَةٍ، تَوَجَّهُوا إلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ لَا يَقْطَعُونَهَا، وَدَارُوا مَعَهُمْ أَيْنَ دَارُوا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُمْ تَوَجُّهُهُمْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَا أَنْ يُتَرِّسَ أَحَدُهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ يَضْرِبَ الضَّرْبَةَ الْخَفِيفَةَ أَوْ رَهِقَةَ عَدُوٍّ أَوْ يَتَقَدَّمَ التَّقَدُّمَ الْخَفِيفَ عَلَيْهِ بِرُمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَعَادَ الضَّرْبَ، وَأَطَالَ التَّقَدُّمَ قَطَعَ صَلَاتَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ مُقَاتِلٍ، وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ صَلَّى وَهُوَ يُقَاتِلُ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَدَعُ الصَّلَاةَ فِي حَالٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مَطْلُوبِينَ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ صَلَّوْا يُومِئُونَ، وَلَمْ يُعِيدُوا إذَا قَدَرُوا عَلَى الصَّلَاةِ بِالْأَرْضِ، وَإِنْ كَانُوا مُوَلِّينَ الْمُشْرِكِينَ أَدْبَارَهُمْ غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ فَصَلَّوْا يُومِئُونَ أَعَادُوا لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ عَاصُونَ وَالرُّخْصَةُ عِنْدَنَا لَا تَكُونُ إلَّا لِمُطِيعٍ فَأَمَّا الْعَاصِي فَلَا. [قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالْخَوْفُ فِي الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ الَّذِي لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَهُوَ فِي الْحَضَرِ، وَلَا تُقْصَرُ بِالْخَوْفِ الصَّلَاةُ دُونَ غَايَةٍ تُقْصَرُ إلَى مِثْلِهَا الصَّلَاةُ فِي سَفَرٍ لَيْسَ صَاحِبُهُ بِخَائِفٍ (قَالَ) : وَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ بِذِي قَرَدٍ، وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا عِنْدِي لَزَعَمْت أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَمَعَ الْخَوْفَ، وَضَرْبًا فِي الْأَرْضِ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، قَصَرَ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يَقْصُرُ الْخَائِفُ إلَّا أَنْ يُسَافِرَ السَّفَرَ الَّذِي إنْ سَافَرَهُ غَيْرُ خَائِفٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَغَارَ الْمُسْلِمُونَ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَقْصُرُوا إلَّا أَنْ يَنْوُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ الَّذِي أَغَارُوا مِنْهُ الْإِغَارَةَ عَلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يُغِيرَ إلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَإِذَا وَجَدَ مَغَارَةً دُونَهُ أَغَارَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفْرِدَ النِّيَّةَ لِسَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هُوَ إذَا غَشِينَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا فَعَلَ مَا وَصَفْت فَبَلَغَ فِي مَغَارِهِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَانَ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ رَاجِعًا إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْعَوْدَةَ إلَى عَسْكَرِهِ أَوْ بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ مَغَارًا حَيْثُ وَجَدَهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ لَمْ يَقْصُرْ رَاجِعًا، وَكَانَ كَهُوَ بَادِئًا لَا يَقْصُرُ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَيْسَتْ قَصْدَ وَجْهٍ وَاحِدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَلَغَ فِي مَغَارِهِ مَوْضِعًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ مِنْ عَسْكَرِهِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى عَسْكَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَإِنْ سَافَرَ قَلِيلًا، وَقَصَرَ أَوْ لَمْ يَقْصُرْ ثُمَّ حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَ مَغَارٍ حَيْثُ وَجَدَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ، وَلَا يَكُونُ الْقَصْرُ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَفَرُهُ يَنْوِي بَلَدًا تُقْصَرُ إلَى مِثْلِهِ الصَّلَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَزَا الْإِمَامُ الْعَدُوَّ فَكَانَ سَفَرُهُ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ أَقَامَ لِقِتَالِ مَدِينَةٍ أَوْ عَسْكَرٍ أَوْ رَدِّ السَّرَايَا أَوْ لِحَاجَةٍ أَوْ عُرْجَةٍ فِي صَحْرَاءَ أَوْ إلَى مَدِينَةٍ أَوْ فِي مَدِينَةٍ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ أَوْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ أَجْمَعَ

ما جاء في الجمعة والعيدين في الخوف

مَقَامَ أَرْبَعَ أَتَمَّ، وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ مَقَامَ أَرْبَعٍ لَمْ يُتِمَّ فَإِنْ أَلْجَأَتْ بِهِ حَرْبٌ أَوْ مَقَامٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَاسْتَيْقَنَ مَقَامَ أَرْبَعٍ أَتَمَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ قَصَرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ أَتَمَّ، فَإِذَا شَخَصَ عَنْ مَوْضِعِهِ قَصَرَ. ثُمَّ هَكَذَا كُلَّمَا أَقَامَ، وَسَافَرَ لَا يَخْتَلِفُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَزَا أَحَدٌ مِنْ مَوْضِعٍ لَا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا فَصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ، وَمُقِيمِينَ أَتَمُّوا مَعًا، وَكَذَلِكَ يُتِمُّ مِنْ الْمُسَافِرِينَ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّى صَلَاةَ خَوْفٍ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الْأُولَى، وَهُوَ مُسَافِرٌ بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ ثَبَتَ قَائِمًا يَقْرَأُ حَتَّى يَقْضِيَ الْمُسَافِرُونَ رَكْعَةً وَالْمُقِيمُونَ ثَلَاثًا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، وَيُصَلِّي لَهُمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، وَيَثْبُتُ جَالِسًا حَتَّى يَقْضِيَ الْمُسَافِرُونَ رَكْعَةً، وَالْمُقِيمُونَ ثَلَاثًا، وَلَوْ سَلَّمَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْآخَرِينَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ إذَا قَصَرَ، وَأَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ،، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ سَوَاءٌ؛ لَا تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ. [مَا جَاءَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْخَوْفِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَدَعُ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ، وَلَا الْعِيدَ، وَلَا صَلَاةَ الْخُسُوفِ إذْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَيُحْرَسَ فِيهَا، وَيُصَلِّيهَا كَمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَاتِ فِي الْخَوْفِ، وَإِذَا كَانَ شِدَّةَ الْخَوْفِ صَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَاتِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ يُومِئُ إيمَاءً، وَلَا تَكُونُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِأَنْ يَخْطُبَ قَبْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّاهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى الْعِيدَيْنِ أَوْ الْخُسُوفَ خَطَبَ بَعْدَهُمَا فَإِنْ أُعْجِلَ فَتَرَكَ الْخُطْبَةَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَإِنْ شُغِلَ بِالْحَرْبِ أَحْبَبْت أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُصَلِّي، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ فِي الْعِيدَيْنِ لَمْ يَقْضِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ فِي الْكُسُوفِ لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يَدْخُلَ، وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ لَمْ يَقْضِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إذَا كَانَ خَائِفًا بِمِصْرٍ تُجْمَعُ فِيهِ الصَّلَاةُ، مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّ أَهْلُ الْمِصْرِ لِأَنْفُسِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَجْدَبَ، وَهُوَ مُحَارِبٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدَعَ الِاسْتِسْقَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مُمْتَنِعٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، وَيُصَلِّيَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ شِدَّةُ الْخَوْفِ لَمْ يُصَلِّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ تَأْخِيرُهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ فِي صَحْرَاءَ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ تَأْخِيرُهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ فِي صَحْرَاءَ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَوْ لَا تُقْصَرُ فَلَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ، وَيُصَلُّونَهَا ظُهْرًا وَكَذَلِكَ لَا أَحُضُّهُمْ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَإِنْ فَعَلُوا لَمْ أَكْرَهْهُ لَهُمْ، وَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا، وَلَا أُرَخِّصُ لَهُمْ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَإِنَّمَا أَمَرْتُهُمْ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ لِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا السُّفَرُ، وَلَمْ أَكْرَهْ لَهُمْ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْمُنْفَرِدُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا إحَالَةُ مَكْتُوبَةٍ إلَى مَكْتُوبَةٍ إلَّا فِي مِصْرَ، وَجَمَاعَةٍ. [تَقْدِيمُ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَهُوَ كَحَدَثِهِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَسْتَخْلِفَ أَحَدًا، فَإِنْ كَانَ أَحْدَثَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ بَعْدَمَا صَلَّاهَا، وَهُوَ

وَاقِفٌ فِي الْآخِرِ فَقَرَأَ، وَلَمْ تَدْخُلْ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، قَضَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى إمَامٌ مِنْهُمْ أَوْ صَلَّوْا فُرَادَى، وَلَوْ قَدَّمَ رَجُلًا فَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً، وَهُوَ قَائِمٌ يَقْرَأُ يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الَّتِي خَلْفَهُ، وَقَفَ الَّذِي قُدِّمَ كَمَا يَقِفُ الْإِمَامُ، وَقَرَأَ فِي وُقُوفِهِ، فَإِذَا فَرَغَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ، وَدَخَلَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي وَرَاءَهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْرِ سُورَةٍ ثُمَّ رَكَعَ بِهِمْ، وَكَانَ فِي صَلَاتِهِمْ لَهُمْ كَالْإِمَامِ الْأَوَّلِ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ إذَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ، وَانْتَظَرَهُمْ حَتَّى يَتَشَهَّدُوا ثُمَّ يُسَلِّمَ بِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُحْدِثُ مُقِيمًا، وَاَلَّذِي قُدِّمَ آخِرًا مُسَافِرًا فَسَوَاءٌ، وَعَلَيْهِ صَلَاةُ مُقِيمٍ إذَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الَّذِي قَدَّمَهُ مُسَافِرًا، وَالرَّجُلُ الَّذِي قَدَّمَهُ مُقِيمًا، وَقَدْ صَلَّى الْمُحْدِثُ رَكْعَةً فَعَلَى الْمُقَدَّمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتَ جَالِسًا، وَيُصَلِّيَ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ يَتَشَهَّدُونَ، وَيُسَلِّمُونَ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا إلَى صَلَاةِ مُقِيمٍ فَعَلَيْهِمْ التَّمَامُ، ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَلَاتِهِ وَيَقُومُونَ فَيَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَلَا يَجْزِيهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا دَخَلَ مَعَ إمَامٍ مُقِيمٍ فِي صَلَاتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَدَّمَ الْإِمَامُ لَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ حَتَّى أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَهُ الْإِمَامُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ لَمْ يَرْكَعْ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً، وَقَدْ كَبَّرَ الْمُقَدَّمُ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ فَلَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ إذَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَأَنْ يَزِيدَ مَعَهَا شَيْئًا أَحَبُّ إلَيَّ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالْقَوْمِ فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ الصَّلَاةَ بِهِمْ فَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ الَّذِي قَدَّمَهُ مُقِيمًا فَعَلَى مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ فَأَمَّا الْمُقِيمُونَ فَيُصَلُّونَ أَرْبَعًا بِكُلِّ حَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ فَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ اسْتَأْنَفَهَا فَتَبِعَهُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ مِمَّنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا صَلَّى مَعَهُ الرَّكْعَةَ أَوْ لَمْ يُصَلِّهَا فَعَلَيْهِمْ مَعًا الْإِعَادَةُ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ يَزِيدُ فِي صَلَاتِهِ عَامِدِينَ غَيْرَ سَاهِينَ وَلَا سَاهٍ إمَامُهُ،، وَمَنْ صَلَّى مَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ فَصَلَاتُهُ عَنْهُ مُجْزِئَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَنَى هُوَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ فَيَتْبَعُهَا، وَلَا مُبْتَدِئَ لِنَفْسِهِ فَيَعْمَلُ عَمَلَ الْمُبْتَدِئِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ كُلِّهِمْ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ رَجُلٌ عَمَدَ أَنْ يَقْلِبَ صَلَاتَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ كَبَّرَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْإِمَامُ، وَقَدْ صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ كَأَنَّهُ الْإِمَامُ لَا يُخَالِفُهُ إلَّا فِيمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَتَشَهَّدَ فِي آخَرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَكْمَلَ رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا ثُمَّ قَدَّمَهُ فَيَثْبُتُ قَائِمًا حَتَّى تَقْضِيَ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَتُسَلِّمَ، وَتَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّيَ بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي

كتاب صلاة العيدين

بَقِيَتْ عَلَى الْإِمَامِ، وَيَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ حَتَّى تَقْضِيَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَإِذَا قَضَوْا التَّشَهُّدَ قَدَّمَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَسَلَّمَ بِهِمْ ثُمَّ قَامَ هُوَ، وَبَنَى لِنَفْسِهِ حَتَّى تَكْمُلَ صَلَاتُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً ثُمَّ يَجْلِسَ لِلتَّشَهُّدِ فَيُسَلِّمَ، وَلَا يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ حَتَّى تَقْضِيَ فَيُسَلِّمَ بِهَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَلَا صَلَاتُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ إمَامًا ابْتَدَأَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا مِمَّنْ خَلْفَهُ فَلَمْ يَقْضِ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْئًا حَتَّى حَدَثَ لَهُمْ أَمْنٌ، إمَّا لِجَمَاعَةٍ كَثُرَتْ، وَقَلَّ الْعَدُوُّ، وَإِمَّا بِتَلَفِ الْعَدُوِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْأَمْنِ، صَلَّى الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ صَلَاةَ أَمْنٍ بِمَنْ خَلْفَهُ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ فَصَلَّتْ مَعَهُمْ لِأَنَّ الْخَوْفَ قَدْ ذَهَبَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ حَتَّى صَلَّى بِهَا إمَامٌ غَيْرُهُ أَوْ صَلَّتْ فُرَادَى، وَكَانُوا كَقَوْمٍ لَمْ يُصَلُّوا مَعَ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى لِعُذْرٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ خَوْفٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ مَحْرُوسًا إذَا خَطَبَ بِطَائِفَةٍ، وَحَضَرَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ الْخُطْبَةَ ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي حَضَرَتْ الْخُطْبَةَ رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ بِقِرَاءَةٍ يَجْهَرُونَ فِيهَا ثُمَّ، وَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَثَبَتَ جَالِسًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وَلَوْ انْصَرَفَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي حَضَرَتْ الْخُطْبَةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ فَحَرَسُوا الْإِمَامَ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَحْضُرْ فَصَلَّى بِهِمْ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهِمْ إلَّا ظُهْرًا أَرْبَعًا لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ فَصَارَ كَإِمَامٍ خَطَبَ، وَحْدَهُ ثُمَّ جَاءَتْهُ جَمَاعَةٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَصَلَّى بِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ بَقِيَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ وَبِالطَّائِفَةِ الَّتِي تَحْرُسُهُ رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةً خُطْبَتَهُ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى حَرَسَتْ الْعَدُوَّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا حَضَرُوا الْخُطْبَةَ، وَزَادَتْ جَمَاعَةٌ لَمْ يَحْضُرُوا الْخُطْبَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شُغِلُوا بِالْعَدُوِّ فَلَمْ يَحْضُرُوا الْخُطْبَةَ وَيَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا أَرْبَعًا صَلَاةَ الْخَوْفِ الْأُولَى إنْ أَمْكَنَهُ أَوْ صَلَاتَهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا ثُمَّ حَدَثَتْ لِلْعَدُوِّ حَالٌ أَمْكَنَهُ فِيهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ، وَوَجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ إنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَصَلَّوْا ظُهْرًا كَرِهْت لَهُمْ ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَعَادَ هُوَ، وَمَنْ مَعَهُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ مَعَ إمَامٍ غَيْرِهِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعَادَهَا هُوَ إمَامًا، وَمَنْ مَعَهُ مَأْمُومِينَ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِينَ، وَكَرِهْته لِلْإِمَامِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا خَلْفَهُ مِمَّنْ صَلَّاهَا أَوْ لَمْ يُصَلِّهَا إذَا صَلَّى فِي، وَقْتِ الْجُمُعَةِ. [كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى فِي سِيَاقِ شَهْرِ رَمَضَانَ {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» يَعْنِي الْهِلَالَ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَامَ النَّاسُ شَهْرَ.

رَمَضَانَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةٍ ثُمَّ صَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ غُمَّ عَلَيْهِمْ الْهِلَالُ أَفْطَرُوا، وَلَمْ يُرِيدُوا شُهُودًا. (قَالَ) : وَإِنْ صَامُوا تِسْعًا، وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ غُمَّ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا حَتَّى يُكْمِلُوا ثَلَاثِينَ أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ بِرُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ، وَمُنْفَرِدَيْنِ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الْفِطْرِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَلَا فِي مَقْطَعِ حَقٍّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِشَاهِدِينَ وَشَرَطَ الْعَدْلَ فِي الشُّهُودِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ فِي الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ أَنَّ الْهِلَالَ كَانَ بِالْأَمْسِ، أَفْطَرَ النَّاسُ أَيْ سَاعَةَ عَدَلَ الشَّاهِدَانِ، فَإِنْ عَدَلَا قَبْلَ الزَّوَالِ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَعْدِلَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَهُمْ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَا الْغَدَ لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي، وَقْتٍ فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَمْ يُعْمَلْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِمَ لَا يَكُونُ النَّهَارُ وَقْتًا لَهُ؟ قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَسَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ فِيمَا سُنَّ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَ، وَقْتُ صَلَاةٍ مَضَى وَقْتُ الَّتِي قَبْلَهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ وَقْتِهَا إلَّا إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُجْمَعُ فِيهَا، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ بِالنَّاسِ مِنْ الْغَدِ إلَى عِيدِهِمْ قُلْنَا بِهِ، وَقُلْنَا أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِمْ مِنْ الْغَدِ خَرَجَ بِهِمْ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَقُلْنَا يُصَلِّي فِي يَوْمِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ إذَا جَازَ أَنْ يَزُولَ فِيهِ ثُمَّ يُصَلِّي جَازَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَلَمْ يُعْرَفُوا بِعَدْلٍ أَوْ جُرِحُوا فَلَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَأَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ لِأَنْفُسِهِمْ جَمَاعَةً، وَفُرَادَى مُسْتَتِرِينَ، وَنَهَيْتهمْ أَنْ يُصَلُّوهَا ظَاهِرِينَ، وَإِنَّمَا أَمَرْتهمْ أَنْ يُصَلُّوا مُسْتَتِرِينَ، وَنَهَيْتهمْ أَنْ يُصَلُّوا ظَاهِرِينَ لِئَلَّا يُنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَيَطْمَعَ أَهْلُ الْفُرْقَةِ فِي فِرَاقِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ. (قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ، وَاحِدٌ فَلَمْ يَعْدِلْ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا الْفِطْرُ، وَيُخْفِي فِطْرَهُ لِئَلَّا يُسِيءَ أَحَدٌ الظَّنَّ بِهِ، وَيُصَلِّي الْعِيدَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَشْهَدُ بَعْدُ إنْ شَاءَ الْعِيدَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَيَكُونُ نَافِلَةً خَيْرًا لَهُ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْعُدُولِ، وَلَا شَهَادَةُ أَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا قَرَوِيَّيْنِ أَوْ بَدَوِيَّيْنِ. (قَالَ) : وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ فَجَاءَهُمْ شَاهِدَانِ بِأَنَّ هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ رُئِيَ عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ فَهُوَ هِلَالُ لَيْلَةِ السَّبْتِ لِأَنَّ الْهِلَالَ يُرَى نَهَارًا، وَهُوَ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رُؤْيَتُهُ لَيْلَةَ كَذَا فَأَمَّا رُؤْيَتُهُ بِنَهَارٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُئِيَ بِالْأَمْسِ، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ فَأَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بَعْدَمَا مَضَى النَّهَارُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ أَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَ الْفِطْرِ إمَّا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَوْا هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ رُئِيَ قَبْلَ رُؤْيَتِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ أَفْطَرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَخَرَجُوا لِلْعِيدِ مِنْ غَدِهِمْ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلَّذِينَ عَلِمُوا الْفِطْرَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلُوا الصَّوْمَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَعْلَمُوهُ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِهِمْ الصَّوْمَ فَلَمْ يَكُونُوا مُفْطِرِينَ بِشَهَادَةِ أُولَئِكَ عَلِمُوهُ، وَهُمْ فِي الصَّوْمِ فَأَفْطَرُوا بِشَهَادَةٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءِ بْنِ إبْرَاهِيمَ مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْعِبَادُ الظَّاهِرَ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى مَا وَصَفْت أَنْ أَفْطَرَ إلَّا يَوْمَ أَفْطَرَنَا. (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا لَنَا عَلَى مَا يَدُلُّ أَنَّ الْفِطْرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَلَمْ يَعْدِلُوا أَكْمَلْنَا

العبادة ليلة العيدين

صَوْمَهُ فَعَدَلُوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ نَخْرُجْ لِلْعِيدِ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْفِطْرَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَبْلُ يُكْمِلُ صَوْمَهُ، وَإِنَّمَا وَقَفْنَاهُ عَلَى تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ فَلَمَّا عُدِلَتْ كَانَ الْفِطْرُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِشَهَادَتِهِمْ (قَالَ) : وَلَوْ لَمْ يَعْدِلُوا حَتَّى تَحِلَّ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّيْنَاهَا، وَإِنْ عَدَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّنَا (قَالَ) : وَإِذَا عَدَلُوا فَإِنْ كُنَّا نَقَصَنَا مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ يَوْمٌ بِأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْنَا أَوْ صُمْنَا يَوْمَ الْفِطْرِ قَضَيْنَا يَوْمًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَالْعِيدُ يَوْمُ الْفِطْرِ نَفْسُهُ، وَالْعِيدُ الثَّانِي يَوْمُ الْأَضْحَى نَفْسُهُ، وَذَلِكَ يَوْمُ عَاشِرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ عَرَفَةَ. (قَالَ) : وَالشَّهَادَةُ فِي هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ لِيُسْتَدَلَّ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَوْمِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ مِنًى كَهِيَ فِي الْفِطْرِ لَا تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ يَجُوزُ فِيهَا مَا يَجُوزُ فِيهَا، وَيُرَدُّ فِيهَا مَا يُرَدُّ فِيهَا، وَيَجُوزُ الْحَجُّ إذَا وُقِفَ بِعَرَفَةَ عَلَى الرَّوِيَّةِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ النَّحْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قُلْت لِعَطَاءٍ رَجُلٌ حَجَّ فَأَخْطَأَ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَيُجْزَى عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ أَيْ لَعَمْرِي إنَّهَا لَتُجْزِي عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» أَرَاهُ قَالَ: "، وَعَرَفَةُ يَوْمَ تَعْرِفُونَ ". [الْعِبَادَةُ لَيْلَةُ الْعِيدَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيد عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ رَأَيْت مَشْيَخَةً مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَظْهَرُونَ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْعِيدِ فَيَدْعُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى تَمْضِيَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ، وَبَلَغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْيِي لَيْلَةَ جُمَعٍ، وَلَيْلَةُ جُمَعٍ هِيَ لَيْلَةُ الْعِيدِ لِأَنَّ صَبِيحَتَهَا النَّحْرُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنَا أَسْتَحِبُّ كُلَّ مَا حُكِيَتْ فِي هَذِهِ اللَّيَالِيِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا. [التَّكْبِيرُ لَيْلَةُ الْفِطْرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] قَالَ فَسَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنْ يَقُولَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتُكَبِّرُوا اللَّهُ عِنْدَ إكْمَالِهِ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَإِكْمَالُهُ مَغِيبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُكَبِّرَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَفُرَادَى فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَسْوَاقِ، وَالطُّرُقِ، وَالْمَنَازِلِ، وَمُسَافِرِينَ، وَمُقِيمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَيْنَ كَانُوا، وَأَنْ يُظْهِرُوا التَّكْبِيرَ، وَلَا يَزَالُونَ يُكَبِّرُونَ حَتَّى يَغْدُوَا إلَى الْمُصَلَّى، وَبَعْدَ الْغُدُوِّ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَدَعُوا التَّكْبِيرَ، وَكَذَلِكَ أُحِبُّ فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَأَمَّا الْحَاجُّ فَذِكْرُهُ التَّلْبِيَةُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَأَبَا سَلَمَةَ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ يَجْهَرُونَ

الغسل للعيدين

بِالتَّكْبِيرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْهَرَانِ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَغْدُوَانِ إلَى الْمُصَلَّى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا غَدَا إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ كَبَّرَ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ يُكَبِّرُ بِالْمُصَلَّى حَتَّى إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ تَرَكَ التَّكْبِيرَ. [الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَسْتَحِبُّ هَذَا كُلَّهُ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ أَوْكَدَ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ تَوَضَّأَ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا صَلَّى عَلَى طَهَارَةٍ (قَالَ) :، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَيَمَّمَ فِي الْمِصْرِ لِعِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَهُمَا، وَلَا لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا إلَّا طَاهِرًا كَطَهَارَتِهِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّ كُلًّا صَلَاةٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَغْتَسِلَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: الْغُسْلُ فِي الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَانَ مَذْهَبُ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ فِي أَنَّ الْغُسْلَ فِي الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ أَنَّهُ أَحْسَنُ وَأَعْرَفُ، وَأَنْظَفُ، وَأَنْ قَدْ فَعَلَهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ لَا أَنَّهُ حَتْمٌ بِأَنَّهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ ابْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ إذَا غَدَا إلَى الْمُصَلَّى. [وَقْتُ الْغُدُوِّ إلَى الْعِيدَيْنِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ بِنَجْرَانَ أَنْ عَجِّلْ الْغُدُوَّ إلَى الْأَضْحَى، وَأَخِّرْ الْفِطْرَ، وَذَكِّرْ النَّاسَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْدُو إلَى الْعِيدَيْنِ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَتِمُّ طُلُوعُهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَغْدُو إلَى الْأَضْحَى قَدْرَ مَا يُوَافِي الْمُصَلَّى حِينَ تَبْرُزُ الشَّمْسُ، وَهَذَا أَعْجَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيُؤَخِّرُ الْغُدُوَّ إلَى الْفِطْرِ عَنْ ذَلِكَ قَلِيلًا غَيْرَ كَثِيرٍ (قَالَ) : وَالْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ حَالِ النَّاسِ أَمَّا النَّاسُ فَأُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمُوا حِينَ يَنْصَرِفُونَ مِنْ

الأكل قبل العيد في يوم الفطر

الصُّبْحِ لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَلِيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ فَيَكُونُوا فِي أَجْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا دَامُوا يَنْتَظِرُونَهَا، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ إذَا غَدَا لَمْ يَجْعَلْ، وَجْهَهُ إلَّا إلَى الْمُصَلَّى فَيُصَلِّي، وَقَدْ غَدَا قَوْمٌ حِينَ صَلَّوْا الصُّبْحَ، وَآخَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ غَدَا الْإِمَامُ حِينَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَصَلَّى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يُعِدْ، وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ الشَّمْسِ أَعَادَ لِأَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ، وَقْتِ الْعِيدِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى ابْنِهِ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْمَدِينَةِ " إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْعِيدِ فَاغْدُ إلَى الْمُصَلَّى "، وَكُلُّ هَذَا وَاسِعٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ نِسْطَاسٍ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الْمُسَيِّبِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أُرْجُوَانٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ غَادِيًا فِي الْمَسْجِدِ إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ بَعْدَمَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ حِينَ يُصَلِّي الصُّبْحَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ هَذَا وَاسِعٌ إذَا وَافَى الصَّلَاةَ، وَأَحِبَّهُ إلَيَّ أَنْ يَتَمَهَّلَ لِيَأْخُذَ مَجْلِسًا. . [الْأَكْلُ قَبْلَ الْعِيدِ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ يَوْمَ الْفِطْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطْعَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجَبَّانِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَأْمُرُ بِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَنَحْنُ نَأْمُرُ مَنْ أَتَى الْمُصَلَّى أَنْ يَطْعَمَ وَيَشْرَبَ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَمَرْنَاهُ بِذَلِكَ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ الْمُصَلَّى إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَلَا نَأْمُرُهُ بِهَذَا يَوْمَ الْأَضْحَى، وَإِنْ طَعِمَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. [الزِّينَةُ لِلْعِيدِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَ حَبَرَةٍ فِي كُلِّ عِيدٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ جَعْفَرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْتِمُ فِي كُلِّ عِيدٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأُحِبُّ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ فِي الْأَعْيَادِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَمَحَافِلِ النَّاسِ، وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خَاصَّةً نَظِيفًا مُتَبَذِّلًا، وَأُحِبُّ الْعِمَامَةَ فِي الْبَرْدِ وَالْحَرِّ لِلْإِمَامِ، وَأُحِبُّ لِلنَّاسِ مَا أَحْبَبْتُ لِلْإِمَامِ مِنْ النَّظَافَةِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَلُبْسِ أَحْسَنِ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ اسْتِحْبَابِي لِلْعَمَائِمِ لَهُمْ لَيْسَ

الركوب إلى العيدين

كَاسْتِحْبَابِهَا لِلْإِمَامِ، وَمَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ طَاهِرًا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَلَابِسًا مِمَّا يَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَجْزَأَهُ. (قَالَ) : وَأُحِبُّ إذَا حَضَرَ النِّسَاءُ الْأَعْيَادَ وَالصَّلَوَاتِ يَحْضُرْنَهَا نَظِيفَاتٍ بِالْمَاءِ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ وَلَا زِينَةٍ، وَأَنْ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا قَصِدَةً مِنْ الْبَيَاضِ وَغَيْرِهِ، وَأَكْرَهُ لَهُنَّ الصِّبَغَ كُلَّهَا فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الزِّينَةَ وَالشُّهْرَةَ أَوْ هُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَلْبَسُ الصِّبْيَانُ أَحْسَنَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَيَلْبَسُونَ الْحُلِيَّ وَالصِّيَغَ، وَإِنْ حَضَرَتْهَا امْرَأَةٌ حَائِضٌ لَمْ تُصَلِّ، وَدَعَتْ، وَلَمْ أَكْرَهْ لَهَا ذَلِكَ، وَأَكْرَهْ لَهَا أَنْ تَحْضُرَهَا غَيْرَ حَائِضٍ إلَّا طَاهِرَةً لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَأَكْرَهُ حُضُورَهَا إلَّا طَاهِرَةً إذَا كَانَ الْمَاءُ يُطَهِّرُهَا. [الرُّكُوبُ إلَى الْعِيدَيْنِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلَغَنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ «مَا رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِيدٍ، وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْكَبَ فِي عِيدٍ، وَلَا جِنَازَةٍ إلَّا أَنْ يَضْعُفَ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ عَنْ الْمَشْيِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ، وَإِنْ رَكِبَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ الرَّبِيعُ هَذَا عِنْدَنَا عَلَى الذَّهَابِ إلَى الْعِيدِ، وَالْجِنَازَةِ فَأَمَّا الرُّجُوعُ مِنْهُمَا فَلَا بَأْسَ. [الْإِتْيَانُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتِي غَدَا مِنْهَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ] الْإِتْيَانُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتِي غَدَا مِنْهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْدُو مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ أُخْرَى» فَأُحِبُّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، وَالْعَامَّةِ، وَإِنْ غَدَوْا وَرَجَعُوا مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْدُو يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ فَإِذَا رَجَعَ رَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى عَلَى دَارِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي «مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ مِنْ الْمُصَلَّى يَوْمَ عِيدٍ فَسَلَكَ عَلَى التَّمَّارِينَ مِنْ أَسْفَلِ السُّوقِ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْأَعْرَجِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ مَوْضِعِ الْبَرَكَةِ الَّتِي بِالسُّوقِ قَامَ فَاسْتَقْبَلَ فَجَّ أَسْلَمَ فَدَعَا ثُمَّ انْصَرَفَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَ الْإِمَامُ مِثْلَ هَذَا وَأَنْ يَقِفَ فِي مَوْضِعٍ فَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ [الْخُرُوجُ إلَى الْأَعْيَادِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ إلَى الْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ» وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْبُلْدَانِ إلَّا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ صَلَّى بِهِمْ عِيدًا إلَّا فِي مَسْجِدِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ خَيْرُ بِقَاعِ الدُّنْيَا فَلَمْ يُحِبُّوا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ صَلَاةٌ إلَّا فِيهِ مَا أَمْكَنَهُمْ (قَالَ) : وَإِنَّمَا قُلْتُ هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ

الصلاة قبل العيد وبعده

كَانَ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ هَذِهِ السَّعَةُ فِي أَطْرَافِ الْبُيُوتِ بِمَكَّةَ سَعَةً كَبِيرَةً، وَلَمْ أَعْلَمْهُمْ صَلَّوْا عِيدًا قَطُّ، وَلَا اسْتِسْقَاءً إلَّا فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ عَمَرَ بَلَدٌ فَكَانَ مَسْجِدُ أَهْلِهِ يَسَعُهُمْ فِي الْأَعْيَادِ لَمْ أَرَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهُ، وَإِنْ خَرَجُوا فَلَا بَأْسَ، وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسَعُهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ إمَامٌ فِيهِ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ. (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الْعُذْرُ مِنْ الْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ أَمَرْتُهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يَخْرُجَ إلَى صَحْرَاءَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفِطْرِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ حَدِّثْهُمْ فَأَخَذَ يَحْكِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [الصَّلَاةُ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهُ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْعِيدَيْنِ بِالْمُصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَا بَعْدَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ انْفَتَلَ إلَى النِّسَاءِ فَخَطَبَهُنَّ قَائِمًا، وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ قَالَ: فَجَعَلَ النِّسَاءُ يَتَصَدَّقْنَ بِالْقُرْطِ وَأَشْبَاهِهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَدَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهُ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِمَا أَمَرَنَا بِهِ أَنْ يَغْدُوَ مِنْ مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَنَأْمُرُهُ إذَا جَاءَ الْمُصَلَّى أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَنَأْمُرُهُ إذَا خَطَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَمُخَالِفٌ لِلْإِمَامِ لِأَنَّا نَأْمُرُ الْمَأْمُومَ بِالنَّافِلَةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا، وَنَأْمُرُ الْإِمَامَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْخُطْبَةِ ثُمَّ بِالْجُمُعَةِ لَا يَتَنَفَّلُ، وَنُحِبُّ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى تَكُونَ نَافِلَتُهُ فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّ الْمَأْمُومَ خِلَافُ الْإِمَامِ (قَالَ) : وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَنَفَّلَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا فِي بَيْتِهِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَطَرِيقِهِ وَالْمُصَلَّى وَحَيْثُ أَمْكَنَهُ التَّنَفُّلُ إذَا حَلَّتْ صَلَاةُ النَّافِلَةِ بِأَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ، وَقَدْ تَنَفَّلَ قَوْمٌ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَبَعْدَهَا، وَآخَرُونَ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَتَنَفَّلُوا بَعْدَهَا، وَآخَرُونَ بَعْدَهَا، وَلَمْ يَتَنَفَّلُوا قَبْلَهَا وَآخَرُونَ تَرَكُوا التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا، وَبَعْدَهَا، وَهَذَا كَمَا يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَنَفَّلُونَ، وَلَا يَتَنَفَّلُونَ وَيَتَنَفَّلُونَ فَيُقِلُّونَ وَيُكْثِرُونَ، وَيَتَنَفَّلُونَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَاتِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَهَا، وَلَا يَتَنَفَّلُونَ بَعْدَهَا، وَيَدَعُونَ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا، وَبَعْدَهَا لِأَنَّ كُلَّ هَذَا مُبَاحٌ، وَكَثْرَةُ الصَّلَوَاتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَحَبُّ إلَيْنَا (قَالَ) : وَجَمِيعُ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهَا ظَاهِرًا إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ أَبِي مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى وَشُرَيْحٍ وَابْنِ مَعْقِلٍ وَرُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَا نُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى نَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَإِذَا رَجَعْنَا مَرَرْنَا بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّيْنَا فِيهِ»

من قال لا آذان للعيدين

[مَنْ قَالَ لَا آذَانَ لِلْعِيدَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يُؤَذَّنْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَلَا لِعُمَرَ، وَلَا لِعُثْمَانَ فِي الْعِيدَيْنِ حَتَّى أَحْدَثَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، فَأَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ بِالْمَدِينَةِ حِينَ أُمِّرَ عَلَيْهَا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ فِي الْعِيدَيْنِ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَذَانَ إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ أُذِّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ فِي الْأَعْيَادِ، وَمَا جُمِعَ النَّاسُ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " أَوْ إنَّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَالَ: هَلُمَّ إلَى الصَّلَاةِ لَمْ نَكْرَهْهُ، وَإِنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كُنْت أُحِبُّ أَنْ يَتَوَقَّى ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْأَذَانِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَتَوَقَّى جَمِيعَ كَلَامِ الْأَذَانِ، وَلَوْ أَذَّنَ أَوْ قَامَ لِلْعِيدِ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [أَنْ يُبْدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ «ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ خَطَبَ فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النِّسَاءِ فَأَتَاهُنَّ فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ هَكَذَا فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَرْصَ وَالشَّيْءَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يُصَلُّونَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: أَرْسَلَ إلَيَّ مَرْوَانَ، وَالِي رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ فَمَشَى بِنَا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى فَذَهَبَ لِيَصْعَدَ فَجَبَذْتُهُ إلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ تَرَكَ الَّذِي تَعْلَمُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَهَتَفْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَا تَأْتُونَ إلَّا شَرًّا مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَبْتَدِئُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فَقَدَّمَ الْخُطْبَةَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غُيِّرَتْ حَتَّى الصَّلَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَفِيهِ دَلَائِلُ مِنْهَا أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ بَعْدَمَا يَنْصَرِفُ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ

التكبير في صلاة العيدين

عَلَى مِنْبَرٍ فَمَعْلُومٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا إلَى جِذْعٍ، وَمِنْهَا أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الرِّجَالُ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ النِّسَاءَ، وَجَمَاعَةً مِنْ الرِّجَالِ لَمْ يَسْمَعُوا خُطْبَتَهُ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ فَيَخْطُبَ خُطْبَةً خَفِيفَةً يَسْمَعُونَهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَرَّةً، وَقَدْ خَطَبَ خُطَبًا كَثِيرَةً، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ وَتَرَكَ، وَالتَّرْكُ أَكْثَرُ. (قَالَ) :، وَلَا يَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْأَعْيَادِ إلَّا قَائِمًا لِأَنَّ خُطَبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ قَائِمًا إلَّا أَنْ تَكُونَ عِلَّةٌ فَتَجُوزُ الْخُطْبَةُ جَالِسًا كَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ جَالِسًا مِنْ عِلَّةٍ. (قَالَ) : وَيَبْدَأُ فِي الْأَعْيَادِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ رَأَيْتُ أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ، وَلَا كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَلَمْ يَخْطُبْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ خُطْبَةٍ، وَلَا صَلَاةٍ، وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جُلُوسٌ كَمَا يَصْنَعُ فِي الْجُمُعَةِ. [التَّكْبِيرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَمَرَا مَرْوَانَ أَنْ يُكَبِّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَبْعًا، وَخَمْسًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: شَهِدْت الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ كَبَّرَ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ افْتَتَحَ كَمَا يَفْتَتِحُ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ: وَجَّهْت وَجْهِي، وَمَا بَعْدَهَا ثُمَّ كَبَّرَ سَبْعًا لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ قَرَأَ وَرَكَعَ، وَسَجَدَ فَإِذَا قَامَ فِي الثَّانِيَةِ قَامَ بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ ثُمَّ كَبَّرَ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ ثُمَّ قَرَأَ، وَرَكَعَ، وَسَجَدَ كَمَا وَصَفْتُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ يُشْبِهُونَ أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا حَكُّوا مِنْ تَكْبِيرِهِ مَا أَدْخَلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ التَّكْبِيرِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُهُ، وَكَمَا لَمْ يُدْخِلُوا التَّكْبِيرَةَ الَّتِي قَامَ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْخَمْسِ كَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا لَمْ يُدْخِلُوا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ فِي الْأُولَى مَعَ السَّبْعِ بَلْ هُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ مَعَ السَّبْعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِهَا ثُمَّ يَقُولُ: وَجَّهْت وَجْهِي وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَةَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَأَ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مِنْ السَّبْعَةِ بَعْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَكَبَّرَهَا ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ آيَةٍ لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ فَيُهَلِّلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُكَبِّرُهُ، وَيَحْمَدُهُ ثُمَّ صَنَعَ هَذَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ السَّبْعِ وَالْخَمْسِ ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ، وَإِنْ أَتْبَعَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ بَعْضًا، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ بِذِكْرِ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ. (قَالَ) : فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ بَعْضَهُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الْقِرَاءَةَ فَقَطَعَ الْقِرَاءَةَ، وَكَبَّرَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَلَا آمُرُهُ إذَا افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ أَنْ يَقْطَعَهَا

رفع اليدين في تكبير العيدين

وَلَا إذَا فَرَغَ مِنْهَا أَنْ يُكَبِّرَ، وَآمُرُهُ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الثَّانِيَةِ تَكْبِيرَهَا، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فِي مَوْضِعٍ إذَا مَضَى الْمَوْضِعُ لَمْ يَكُنْ عَلَى تَارِكِهِ قَضَاؤُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَا آمُرُهُ أَنْ يُسَبِّحَ قَائِمًا إذَا تَرَكَ التَّسْبِيحَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. (قَالَ) : وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَاتِ السَّبْعَ وَالْخَمْسَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَلَا سُجُودُ سَهْوٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُفْسِدُ تَرْكُهُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَمَلًا يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ. (قَالَ) : وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ ثُمَّ ذَكَرَهُ فَكَبَّرَ أَحْبَبْتُ أَنْ يَعُودَ لِقِرَاءَةٍ ثَانِيَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. (قَالَ) : فَإِنْ نَفَضَ مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ شَيْئًا كَرِهْتُهُ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ التَّكْبِيرَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَيُكَبِّرَ مَا تَرَكَ مِنْهُ. (قَالَ) : وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا أَمَرْتُهُ بِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ شَيْئًا كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُفْسِد الصَّلَاةَ، وَإِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَضَعَ كُلًّا مَوْضِعَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَشَكَّ هَلْ نَوَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ حِينَ شَكَّ أَنْ يَبْتَدِئَ فَيَنْوِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ مَكَانَهُ ثُمَّ يَبْتَدِئَ الِافْتِتَاحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي حَالِهِ تِلْكَ كَمَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْحَالِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَبَّرَ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَأَنَّهُ نَوَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ لَا يَدْرِي أَهِيَ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ أَوْ الْآخِرَةُ مِنْ تَكْبِيرِهِ افْتَتَحَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِقَوْلِ: وَجَّهْت وَجْهِي، وَمَا بَعْدَهَا لِأَنَّهُ مُسْتَيْقِنٌ لِأَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ ثُمَّ ابْتَدَأَ تَكْبِيرَهُ سَبْعًا بَعْدَ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ كَبَّرَ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ لَا يَدْرِي أَوَاحِدَةٌ أَوْ أَكْثَرُ؟ بَنَى عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ مِنْ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعًا. (قَالَ) : وَإِنْ كَبَّرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ حَتَّى كَبَّرَ لِلْعِيدِ ثُمَّ ذَكَرَ الِاسْتِفْتَاحَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ فَإِنْ فَعَلَ أَحْبَبْتُ أَنْ يُعِيدَ تَكْبِيرَهُ لِلْعِيدِ سَبْعًا حَتَّى تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ [رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِين أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يَرْفَعْ فِي السُّجُودِ» فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ ذِكْرِ تَكْبِيرَةٍ، وَقَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَكَانَ حِينَ يَذْكُرُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ رَافِعًا يَدَيْهِ قَائِمًا أَوْ رَافِعًا إلَى قِيَامٍ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَرْفَعُ الْمُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَانَ قَائِمًا فِيهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ، وَالسَّبْعُ بَعْدَهَا، وَالْخَمْسُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " لِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ يَدَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ بَعْضَهُ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ لِلتَّكْبِيرِ عَلَيْهِ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَإِذَا كَبَّرَ لِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا شُكْرًا أَوْ سَجْدَةٍ لِسُجُودِ الْقُرْآنِ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ بِتَكْبِيرٍ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ، وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى قَاعِدًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَكُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لِأَنَّهُ كُلٌّ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ. [الْقِرَاءَةُ فِي الْعِيدَيْنِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ

العمل بعد القراءة في صلاة العيدين

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] ، وَ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] » (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ب {ق} [ق: 1] وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر: 1] وَكَذَلِكَ أُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] أَحْبَبْتُ ذَلِكَ. (قَالَ) : وَإِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِمَّا وَصَفْتُ أَجْزَأَهُ مَا قَرَأَ بِهِ مَعَهَا أَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَجْزَأَتْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُهَا مِنْهَا. (قَالَ) :، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنْ خَافَتْ بِهَا كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ كَرِهْتُ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [الْعَمَلُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالتَّشَهُّدُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ كَهُوَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا قُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَلَا الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنْ قَنَتَ عِنْدَ نَازِلَةٍ لَمْ أَكْرَهْ. وَإِنْ قَنَتَ عِنْدَ غَيْرِ نَازِلَةٍ كَرِهْتُ لَهُ. [الْخُطْبَةُ عَلَى الْعَصَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَطَبَ اعْتَمَدَ عَلَى عَصًا» ، وَقَدْ قِيلَ خَطَبَ مُعْتَمِدًا عَلَى عَنَزَةٍ، وَعَلَى قَوْسٍ وَكُلُّ ذَلِكَ اعْتِمَادٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَتِهِ اعْتِمَادًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ خَطَبَ أَيَّ خُطْبَةٍ كَانَتْ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ تَرَكَ الِاعْتِمَادَ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ يَدَيْهِ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ، وَلَا يَعْبَثُ بِيَدَيْهِ إمَّا أَنْ يَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَإِمَّا أَنْ يُسْكِنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَضَعْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَتَرَكَ مَا أَحْبَبْتُ لَهُ كُلَّهُ أَوْ عَبِثَ بِهِمَا أَوْ، وَضَعَ الْيُسْرَى عَلَى الْيَمَنِيِّ كَرِهْتُهُ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [الْفَصْلُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَخُطْبَةُ الْكُسُوفِ، وَخُطْبَةُ الْحَجِّ، وَكُلُّ خُطْبَةِ جَمَاعَةٍ (قَالَ) : وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ فِي هَذَا كُلِّهِ إذَا ظَهَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيُسَلِّمُ، وَيَرُدُّ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ هَذَا يُرْوَى عَالِيًا ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ يَطْلُعُ عَلَيْهِ جِلْسَةً خَفِيفَةً كَجُلُوسِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْأَذَانِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى جِلْسَةً أَخَفَّ مِنْ هَذِهِ أَوْ مِثْلَهَا ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ (قَالَ) : فَالْخُطَبُ كُلُّهَا سَوَاءٌ فِيمَا وَصَفْتُ وَفِي أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بِأَبِي وَأُمِّي

التكبير في الخطبة في العيدين

هُوَ " أَوَّلَ كَلَامِهِ وَآخِرَهُ. (قَالَ) : وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ عَلَى مِنْبَرٍ وَعَلَى بِنَاءٍ وَتُرَابٍ مُرْتَفِعٍ وَعَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى رَاحِلَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَطَبَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خُطْبَةً وَاحِدَةً، وَتَرَكَ الْخُطْبَةَ أَوْ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ فِيهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ تُخَالِفُ هَذَا فَإِنْ تَرَكَهَا صَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا لِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ جُمُعَةً بِالْخُطْبَةِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ، صُلِّيَتْ ظُهْرًا، كُلُّ مَا سِوَى الْجُمُعَةِ لَا يُحِيلُ فَرْضًا إلَى غَيْرِهِ [التَّكْبِيرُ فِي الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: السُّنَّةُ فِي التَّكْبِيرِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ ثُمَّ يَخْطُبُ ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً ثُمَّ يَقُومُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فَيَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ ثُمَّ يَخْطُبُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ تِسْعٌ، وَفِي الْآخِرَةِ سَبْعٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَقُولُ فَنَأْمُرُ الْإِمَامَ إذَا قَامَ يَخْطُبُ الْأُولَى أَنْ يُكَبِّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا كَلَامَ بَيْنَهُنَّ فَإِذَا قَامَ لِيَخْطُبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِكَلَامٍ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يُوفِيَ سَبْعًا فَإِنْ أَدْخَلَ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ الْحَمْدَ وَالتَّهْلِيلَ كَانَ حَسَنًا، وَلَا يُنْقِصُ مِنْ عَدَدِ التَّكْبِيرِ شَيْئًا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ خُطْبَتَيْهِ بِتَكْبِيرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ أُثْبِتَ لَهُ كِتَابٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى إحْدَى أَوْ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ تَكْبِيرَةً فِي فُصُولِ الْخُطْبَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْكَلَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ يَوْمَ فِطْرٍ فَظَهَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ " إنَّ شِعَارَ هَذَا الْيَوْمِ التَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ " ثُمَّ كَبَّرَ مِرَارًا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ثُمَّ تَشَهَّدَ لِلْخُطْبَةِ ثُمَّ فَصَلَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ بِتَكْبِيرَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ أَوْ التَّسْلِيمَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ بَعْضَ مَا أَمَرْتُهُ بِهِ كَرِهْتُهُ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ [اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ خُطْبَةَ عِيدٍ أَوْ اسْتِسْقَاءٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كُسُوفٍ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ أَحَدٌ حَتَّى يَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ فَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ تَرَكَ الِاسْتِمَاعَ أَوْ انْصَرَفَ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَيْسَ هَذَا كَخُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ صَلَاةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لِلْمَسَاكِينِ إنْ حَضَرُوا أَنْ يَسْتَمِعُوا الْخُطْبَةَ، وَيَكُفُّوا عَنْ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الْخُطْبَةِ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَتْرُكُ الْمَسَاكِينَ يَطُوفُونَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَإِذَا خَطَبَ خُطْبَتَهُ الْآخِرَةَ أَمَرَ بِهِمْ فَأُجْلِسُوا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ الْأُولَى وَالْآخِرَةُ أَكْرَهُ لَهُمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا

اجتماع العيدين

شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إلَّا تَرْكَ الْفَضْلِ فِي الِاسْتِمَاعِ. [اجْتِمَاعُ الْعِيدَيْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: «اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ فَلْيَجْلِسْ فِي غَيْرِ حَرَجٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ فَقَالَ " إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى الْإِمَامُ الْعِيدَ حِينَ تَحِلُّ الصَّلَاةُ ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ فِي أَنْ يَنْصَرِفُوا إنْ شَاءُوا إلَى أَهْلِيهِمْ، وَلَا يَعُودُونَ إلَى الْجُمُعَةِ وَالِاخْتِيَارُ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا حَتَّى يَجْمَعُوا أَوْ يَعُودُوا بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ إنْ قَدَرُوا حَتَّى يَجْمَعُوا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا حَرَجَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ أَنْ يُدْعَوْا أَنْ يَجْمَعُوا إلَّا مِنْ عُذْرٍ يَجُوزُ لَهُمْ بِهِ تَرْكُ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ كَانَ يَوْمَ الْأَضْحَى لَا يَخْتَلِفُ إذَا كَانَ بِبَلَدٍ يَجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيُصَلِّي الْعِيدَ، وَلَا يُصَلِّي أَهْلُ مِنًى صَلَاةَ الْأَضْحَى، وَلَا الْجُمُعَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمِصْرٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفِطْرِ بَدَأَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ صَلَّى الْكُسُوفَ إنْ لَمْ تَنْجَلِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ. (قَالَ) : وَإِذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثُمَّ خَطَبَ لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ مَعًا خُطْبَتَيْنِ يَجْمَعُ الْكَلَامَ لِلْكُسُوفِ، وَلِلْعِيدِ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ تَكَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ كَسَفَتْ الشَّمْسُ خَفَّفَ الْخُطْبَتَيْنِ مَعًا، وَنَزَلَ فَصَلَّى الْكُسُوفَ ثُمَّ خَطَبَ لِلْكُسُوفِ ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ أَهْلُهُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ بِالِانْصِرَافِ كَمَا وَصَفْتُ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ قَدَرَ عَلَى شُهُودِ الْجُمُعَةِ فَإِنْ وَافَقَ هَذَا يَوْمَ فِطْرٍ وَجُمُعَةٍ وَكُسُوفٍ وَجَدْبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَخَّرَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ إلَى الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَاسْتَسْقَى فِي خُطْبَتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الِاسْتِسْقَاءَ ثُمَّ خَطَبَ " قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ يَبْدَأُ بِالْكُسُوفِ ثُمَّ بِالْعِيدِ مَا لَمْ تَزَلْ الشَّمْسُ ثُمَّ بِالْجُمُعَةِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ لِأَنَّ لِكُلِّ هَذَا وَقْتًا وَلَيْسَ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَسْتَسْقِيَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَّا عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ أَوْجَبُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ يَمْنَعُ مَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ قَلِيلًا مِنْ الْجُمُعَةِ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ اتَّفَقَ الْعِيدُ، وَالْكُسُوفُ فِي سَاعَةٍ صَلَّى الْكُسُوفَ قَبْلَ الْعِيدِ لِأَنَّ وَقْتَ الْعِيدِ إلَى الزَّوَالِ، وَوَقْتَ الْكُسُوفِ ذَهَابُ الْكُسُوفِ فَإِنْ بَدَأَ بِالْعِيدِ فَفَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ صَلَّى الْكُسُوفَ، وَخَطَبَ لَهُمَا مَعًا، وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ خَطَبَ لِلْعِيدِ، وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ فِيهِ الْكُسُوفَ. . [مَنْ يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْعِيدَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْعِيدَيْنِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلَّى الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفُ بِالْبَادِيَةِ الَّتِي لَا جُمُعَةَ فِيهَا، وَتُصَلِّيهَا الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا، وَالْعَبْدُ فِي

التكبير في العيدين

مَكَانِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِحَالَةِ فَرْضٍ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَهَا. (قَالَ) : وَمَنْ صَلَّاهَا صَلَّاهَا كَصَلَاةِ الْإِمَامِ بِتَكْبِيرِهِ، وَعَدَدِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ،، وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ، وَوَجَدَ الْإِمَامَ يَخْطُبُ جَلَسَ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ فِي مَكَانِهِ أَوْ بَيْتِهِ أَوْ طَرِيقِهِ كَمَا يُصَلِّيهَا الْإِمَامُ بِكَمَالِ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ مَنْ فَاتَتْهُ أَوْ تَرَكَهَا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ (قَالَ) : وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ إنْ صَلَّى قَوْمٌ مُسَافِرُونَ صَلَاةَ عِيدٍ أَوْ كُسُوفٍ أَنْ يَخْطُبَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْقَرْيَةِ الَّتِي لَا جُمُعَةَ فِيهَا، وَأَنْ يُصَلُّوهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمِصْرِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَخْطُبَهُمْ أَحَدٌ فِي الْمِصْرِ إذَا كَانَ فِيهِ إمَامٌ خَوْفَ الْفُرْقَةِ. (قَالَ) : وَإِذَا شَهِدَ النِّسَاءُ الْجُمُعَةَ، وَالْعِيدَيْنِ، وَشَهِدَهَا الْعَبِيدُ وَالْمُسَافِرُونَ فَهُمْ كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَيُجْزِئُ كُلًّا فِيهَا مَا يُجْزِئُ كُلًّا (قَالَ) : وَأُحِبُّ شُهُودَ النِّسَاءِ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةَ، وَالْأَعْيَادَ، وَأَنَا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا مِنِّي لِشُهُودِهِنَّ غَيْرَهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ (قَالَ) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الْعِيدَ فَوَافَى الْمُنْصَرِفِينَ فَإِنْ شَاءَ مَضَى إلَى مُصَلَّى الْإِمَامِ فَصَلِّي فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ فَصَلَّى حَيْثُ شَاءَ. [التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْفِطْرِ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فُرَادَى، وَجَمَاعَةً فِي كُلِّ حَالٍ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُكَبِّرُ خَلْفَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَغَادِيًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ يَقْطَعَ التَّكْبِيرَ، وَإِنَّمَا أَحْبَبْتُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ كَالنَّاسِ فِيمَا أُحِبُّ لَهُمْ، وَإِنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ كَبَّرَ النَّاسُ. (قَالَ) :، وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ خَلْفَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ إذَا كَبَّرُوا خَلْفَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ إمَامُهُمْ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ فَيُكَبِّرُونَ مَعًا، وَمُتَفَرِّقِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ فِي الْحَجِّ ذِكْرَيْنِ يُجْهَرُ بِهِمَا التَّلْبِيَةُ، وَهِيَ لَا تُقْطَعُ إلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةُ مُبْتَدَأُ التَّكْبِيرِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ لَا صَلَاةَ: " مِنًى " بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ مِنًى. (قَالَ) :، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْآفَاقِ وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ كَذَلِكَ، وَمَنْ يَحْضُرُ مِنْهُمْ الْجَمَاعَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَغَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ فِي السَّاعَاتِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ، وَمَنْ

كيفة التكبير في العيد

خَلْفَهُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ وَأَكْثَرَ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ الْإِمَامُ كَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْآفَاقِ كَمَا يُكَبِّرُ أَهْلُ " مِنًى "، وَلَا يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا فِي أَنْ يَتَقَدَّمُوهُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَلَوْ ابْتَدَءُوا بِالتَّكْبِيرِ خَلْفَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ قِيَاسًا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فِي الْفِطْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ إكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُحْرِمِينَ يُلَبُّونَ فَيَكْتَفُونَ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَسْتَحِبُّ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرُوا، وَأَخَّرُوا ذَلِكَ حَتَّى يُكَبِّرُوا بِتَكْبِيرِ أَهْلِ " مِنًى " فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ خَلْفَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى مَجْلِسِهِ فَيُكَبِّرَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُكَبِّرَ مَاشِيًا كَمَا هُوَ أَوْ فِي مَجْلِسٍ إنْ صَارَ إلَى غَيْرِ مَجْلِسِهِ (قَالَ) : وَلَا يَدَعُ مَنْ خَلْفَهُ التَّكْبِيرَ بِتَكْبِيرِهِ، وَلَا يَدْعُونَهُ إنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ، وَإِنْ قَطَعَ بِحَدِيثٍ، وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَاسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ فَإِذَا سَهَا لَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى يُسَلِّمَ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. (قَالَ) : وَإِذَا فَاتَ رَجُلًا مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَكَبَّرَ الْإِمَامُ قَامَ الَّذِي فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ سَجَدَ لَهُ؛ فَإِذَا سَلَّمَ كَبَّرَ وَيُكَبِّرُ خَلْفَ النَّوَافِلِ وَخَلْفَ الْفَرَائِضِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. [كَيْفَة التَّكْبِيرُ فِي الْعِيد] كَيْفَ التَّكْبِيرُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالتَّكْبِيرُ كَمَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " فَيَبْدَأُ الْإِمَامُ فَيَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ " حَتَّى يَقُولَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ زَادَ تَكْبِيرًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " فَحَسَنٌ وَمَا زَادَ مَعَ هَذَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَحْبَبْتُهُ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ نَسْقًا، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ بَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّكْبِيرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ [كِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ سُلَيْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ اللَّهُ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ - فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 37 - 38] ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164] إلَى قَوْلِهِ " يَعْقِلُونَ " مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْآيَاتِ فِي كِتَابِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا سُجُودًا إلَّا مَعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَأَمَرَ بِأَنْ لَا يُسْجَدَ لَهُمَا، وَأَمَرَ بِأَنْ يُسْجَدَ لَهُ فَاحْتَمَلَ أَمْرُهُ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِأَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ حَادِثٍ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَهَى عَنْ السُّجُودِ لَهُمَا كَمَا نَهَى عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ يُصَلَّى لِلَّهِ

عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ كُسُوفِهِمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يُؤْمَرَ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ كَانَتْ فِي غَيْرِهِمَا بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ بِهَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ صَلَاةً، وَالصَّلَاةُ فِي كُلِّ حَالٍ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَغِبْطَةٌ لِمَنْ صَلَّاهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُصَلِّي عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ غَيْرِهِمَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك قَدْ تَنَاوَلْتَ فِي مَقَامِك هَذَا شَيْئًا ثُمَّ رَأَيْنَاك كَأَنَّك تَكَعْكَعْت فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتَ أَوْ أُرِيتَ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَرَأَيْت أَوْ أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا وَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ فَقَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَةَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْك خَيْرًا قَطُّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَذِكْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ بَعْدَهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ لِلسُّنَّةِ، وَالْخُطْبَةِ لِلْفَرْضِ فَقَدَّمَ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَأَخَّرَ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكَذَلِكَ صَنَعَ فِي الْعِيدَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَذُكِرَ أَنَّهُ أَمَرَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِالْفَزَعِ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَكَانَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي فَزِعَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ التَّذْكِيرُ فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِفَايَةٌ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فِعْلُهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ ثُمَّ ذَكَرَ سُفْيَانُ مَا يُوَافِقُ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِلَى الصَّلَاةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا فِيهِمَا مَعًا بِالصَّلَاةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ الْقَمَرَ انْكَسَفَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ ثُمَّ رَكِبَ فَخَطَبَنَا فَقَالَ: إنَّمَا صَلَّيْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَالَ، وَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهُمَا كَاسِفًا فَلْيَكُنْ فَزَعُكُمْ إلَى اللَّهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَصَفَتْ صَلَاتَهُ.

وقت كسوف الشمس

رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قُمْتُ إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفًا» ، وَفِي قَوْلٍ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَا قَرَأَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يُقَدِّرْ بِغَيْرِهِ. [وَقْتُ كُسُوفُ الشَّمْسِ] ، وَقْتُ كُسُوفُ الشَّمْسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَمَتَى كَسَفَتْ الشَّمْسُ نِصْفَ النَّهَارِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْكُسُوفِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالصَّلَاةِ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ فَلَا وَقْتَ يَحْرُمُ فِيهِ صَلَاةٌ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا لَا يَحْرُمُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَلَا الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَلَا الصَّلَاةِ لِلطَّوَافِ وَلَا الصَّلَاةِ يُؤَكِّدُهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يَلْزَمَهَا فَيَشْتَغِلَ عَنْهَا أَوْ يَنْسَاهَا. (قَالَ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَقَدَرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَيُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَخْطُبَ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ بَدَأَ بِصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَخَفَّفَ فِيهَا فَقَرَأَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وَمَا أَشْبَهَهَا ثُمَّ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ الْكُسُوفَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَجَمَعَ فِيهَا الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ فِي الْكُسُوفِ وَالْجُمُعَةِ، وَنَوَى بِهَا الْجُمُعَةَ ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ أَخَّرَ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَأَخَفَّ مَا تَكُونُ صَلَاتُهُ لَمْ يُدْرِكْ أَنْ يَخْطُبَ يَجْمَعُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَدَأَ بِالْجُمُعَةِ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا، وَالشَّمْسُ كَاسِفَةٌ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، وَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَتَتَامَّ تَجَلِّيهَا حَتَّى تَعُودَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْكُسُوفِ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ وَلَمْ يَقْضِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي وَقْتٍ فَإِذَا ذَهَبَ الْوَقْتُ لَمْ يَعْمَلْ (قَالَ) : وَهَكَذَا يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ اجْتَمَعَتْ وَالْكُسُوفُ فَخِيفَ فَوْتُهَا يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْفَوْتَ بَدَأَ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّهُ لَا وَقْتَ فِي الْخُطْبَةِ. (قَالَ) : وَإِنْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَعِيدٌ وَاسْتِسْقَاءٌ وَجِنَازَةٌ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَضَرَ الْإِمَامُ أَمَرَ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهَا وَبَدَأَ بِالْكُسُوفِ فَإِنْ فَرَغَتْ الْجِنَازَةُ صَلَّى عَلَيْهَا أَوْ تَرَكَهَا ثُمَّ صَلَّى الْعِيدَ، وَأَخَّرَ الِاسْتِسْقَاءَ إلَى يَوْمِ غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (قَالَ) : وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْعِيدِ صَلَّى، وَخَفَّفَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ خَطَبَ لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الْكُسُوفُ بِمَكَّةَ عِنْدَ رَوَاحِ الْإِمَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِمِنًى " صَلَّوْا الْكُسُوفَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ: بِمِنًى " صَلَّاهَا بِمَكَّةَ. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الْكُسُوفُ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ قَدَّمَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ فَإِنْ خَافَ فَوْتَهُمَا بَدَأَ بِهِمَا ثُمَّ صَلَّى الْكُسُوفَ، وَلَمْ يَدَعْهُ لِلْمَوْقِفِ، وَخَفَّفَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالْخُطْبَةِ (قَالَ) : وَهَكَذَا يَصْنَعُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ. (قَالَ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهُوَ بِالْمَوْقِفِ صَلَّى الْكُسُوفَ ثُمَّ خَطَبَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَدَعَا، وَإِنْ خَسَفَ الْقَمَرُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ بَعْدَهُ صَلَّى الْكُسُوفَ، وَخَطَبَ وَلَوْ حَبَسَهُ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ

وَيُخَفِّفُ لِئَلَّا يَحْبِسَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ قَدَرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ يَخَافُ أَبَدًا فَوْتَ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَخَافُ فَوْتَ الْآخَرِ بَدَأَ بِاَلَّذِي يَخَافُ فَوْتَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الَّذِي لَا يَخَافُ فَوْتَهُ. (قَالَ) : وَإِنْ خَسَفَ الْقَمَرُ وَقْتَ صَلَاةِ الْقِيَامِ بَدَأَ بِصَلَاةِ الْخُسُوفِ، وَكَذَلِكَ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ صَلَاةُ انْفِرَادٍ فَيَبْدَأُ بِهِ قَبْلَهُمَا وَلَوْ فَاتَا. (قَالَ) : وَإِذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُصَلُّوا حَتَّى تَغِيبَ كَاسِفَةً أَوْ مُتَجَلِّيَةً لَمْ يُصَلُّوا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَسَفَ الْقَمَرُ فَلَمْ يُصَلُّوا حَتَّى تَجَلَّى أَوْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ لَمْ يُصَلُّوا، وَإِنْ صَلَّوْا الصُّبْحَ، وَقَدْ غَابَ الْقَمَرُ خَاسِفًا صَلَّوْا لِخُسُوفِ الْقَمَرِ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، وَيُخَفِّفُونَ الصَّلَاةَ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَقَبْلَ الشَّمْسِ فَلَمْ يَفْرُغُوا مِنْهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتَمُّوهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَيَخْطُبُ بَعْدَ تَجَلِّي الشَّمْسِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ بَعْدَ تَجَلِّي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَإِذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ حَدَثَ خَوْفٌ صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْخُسُوفِ صَلَاةَ خَوْفٍ كَمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ صَلَاةَ خَوْفٍ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخُسُوفِ، وَصَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ إيمَاءً حَيْثُ تَوَجَّهَ رَاكِبًا، وَمَاشِيًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ تَكَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَا يَضُرُّهُ. (قَالَ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَضَرٍ فَغَشِيَ أَهْلَ الْبَلَدِ عَدُوٌّ مَضَوْا إلَى الْعَدُوِّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مَا يُمْكِنُهُمْ فِي الْمَكْتُوبَةِ صَلَّوْهَا صَلَاةَ خَوْفٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ صَلَّوْهَا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ طَالِبِينَ وَمَطْلُوبِينَ لَا يَخْتَلِفُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَتَى غَفَلَ عَنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ حَتَّى تَجَلَّى الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ صَلَاتُهَا، وَلَا قَضَاؤُهَا. (قَالَ) : فَإِنْ غَفَلُوا عَنْهَا حَتَّى تَنْكَسِفَ كُلُّهَا ثُمَّ يَنْجَلِيَ بَعْضُهَا صَلَّوْا صَلَاةَ كُسُوفٍ مُتَمَكِّنِينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا خَائِفِينَ، وَلَا مُتَفَاوِتِينَ، وَإِنْ انْجَلَتْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْهَا، وَهِيَ كَاسِفَةٌ حَتَّى تَعُودَ بِحَالِهَا قَبْلَ أَنْ تَكْسِفَ. (قَالَ) : وَإِنْ انْكَسَفَتْ فَجَلَّلَهَا سَحَابٌ أَوْ غُبَارٌ أَوْ حَائِلٌ مَا كَانَ فَظَنُّوا أَنَّهَا تَجَلَّتْ صَلَّوْا صَلَاةَ الْكُسُوفِ إذَا عَلِمُوا أَنَّهَا قَدْ كَسَفَتْ فَهِيَ عَلَى الْكُسُوفِ حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا بِتَجَلِّيهَا، وَلَوْ تَجَلَّى بَعْضُهَا فَرَأَوْهُ صَافِيًا لَمْ يَدَعُوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ مُسْتَيْقِنُونَ بِالْكُسُوفِ، وَلَا يَدْرُونَ انْجَلَى الْمَغِيبُ مِنْهَا أَمْ لَمْ يَنْجَلِ، وَقَدْ يَكُونُ الْكُسُوفُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَتَنْكَسِفُ كُلُّهَا فَيَتَجَلَّى بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ حَتَّى يَتَجَلَّى الْبَاقِي بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ طَلَعَتْ فِي طَخَافٍ أَوْ غَيَانَةٍ أَوْ غَمَامَةٍ فَتَوَهَّمُوهَا كَاسِفَةً لَمْ يُصَلُّوهَا حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا كُسُوفَهَا. (قَالَ) : وَإِذَا تَوَجَّهَ الْإِمَامُ لِيُصَلِّيَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْكُسُوفَ، وَإِنْ كَبَّرَ ثُمَّ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ أَتَمَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ بِكَمَالِهَا. (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَأَكْمَلَهَا ثُمَّ انْصَرَفَ، وَالشَّمْسُ كَاسِفَةٌ يَزِيدُ كُسُوفُهَا أَوْ لَا يَزِيدُ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ، وَخَطَبَ النَّاسَ لِأَنَّا لَا نَحْفَظُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي كُسُوفٍ إلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْهَرْ فِيهَا كَمَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْأَعْيَادِ، وَأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقَدْ سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ

الخطبة في صلاة الكسوف

[الْخُطْبَةُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ نَهَارًا خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ فِي الْأُولَى حِينَ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ الْأُولَى جَلَسَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ الثَّانِيَةَ فَإِذَا فَرَغَ نَزَلَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَجْعَلُهَا كَالْخُطَبِ يَبْدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَضِّ النَّاسِ عَلَى الْخَيْرِ، وَأَمْرِهِمْ بِالتَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَخْطُبُ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، وَيُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَا حَيْثُ يُصَلِّي الْأَعْيَادَ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَصَلَّى فِي غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ بِالْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ خَطَبَ رَاكِبًا، وَفَصَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ كَالسَّكْتَةِ إذَا خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْمَعَ الْإِمَامَ فِي الْخُطْبَةِ فِي الْكُسُوفِ، وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَيُنْصِتُ لَهَا، وَإِنْ انْصَرَفَ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ لَهَا أَوْ تَكَلَّمَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ أَوْ خَطَبَ عَلَى غَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلْقَوْمِ بِالْبَادِيَةِ وَالسَّفَرِ، وَحَيْثُ لَا يَجْمَعُ فِيهِ الصَّلَاةَ أَنْ يَخْطُبَ بِهِمْ أَحَدُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ إذَا صَلَّوْا الْكُسُوفَ (قَالَ) : وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ النِّسَاءِ أَنْ يَخْطُبْنَ إذَا لَمْ يَكُنَّ مَعَ رِجَالٍ. [الْأَذَانُ لِلْكُسُوفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أَذَانَ لِكُسُوفٍ وَلَا لِعِيدٍ وَلَا لِصَلَاةٍ غَيْرِ مَكْتُوبَةٍ، وَإِنْ أَمَرَ الْإِمَامُ مَنْ يَصِيحُ " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " أَحْبَبْت ذَلِكَ لَهُ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنْ يَقُولَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» . [قَدْرُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَيُكَبِّرَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ كَمَا يَفْتَتِحُ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ إنْ كَانَ يَحْفَظُهَا أَوْ قَدْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا ثُمَّ يَرْكَعَ فَيُطِيلَ، وَيَجْعَلَ رُكُوعَهُ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْفَعَ، وَيَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا، وَلَك الْحَمْدُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَدْرِ مِائَتَيْ آيَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعَ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَرْفَعَ، وَيَسْجُدَ ثُمَّ يَقُومَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنْ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعَ بِقَدْرِ سَبْعِينَ آيَةً مِنْ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْفَعَ فَيَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعَ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْفَعَ وَيَسْجُدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَاوَزَ هَذَا فِي بَعْضٍ وَقَصَّرَ عَنْهُ فِي بَعْضٍ أَوْ جَاوَزَهُ فِي كُلٍّ أَوْ قَصَّرَ عَنْهُ فِي كُلٍّ إذَا قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي مُبْتَدَأِ الرَّكْعَةِ، وَعِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَرَكَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ أَوْ الْقِيَامِ الثَّانِي لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَمَا إذَا تَرَكَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا كَأَنَّهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ثُمَّ رَكَعَ فَرَفَعَ فَلَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ

صلاة المنفردين في صلاة الكسوف

الْقُرْآنِ حَتَّى رَفَعَ ثُمَّ يَعُودُ لِأُمِّ الْقُرْآنِ فَيَقْرَؤُهَا ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِنْ تَرَكَ أُمَّ الْقُرْآنِ حَتَّى يَسْجُدَ أَلْغَى السُّجُودَ، وَعَادَ إلَى الْقِيَامِ حَتَّى يَرْكَعَ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ. (قَالَ) :، وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَؤُمَّ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ إلَّا مَنْ يُجْزِئُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ قُرَّاءً لَمْ تُجْزِئْ صَلَاتُهُمْ عَنْهُمْ، وَإِنْ قَرَءُوا مَعَهُ إذَا كَانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ (قَالَ) : وَإِنْ أَمَّهُمْ قَارِئٌ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ عَنْهُمْ، وَإِذَا قُلْت لَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ أَعَادُوا بِإِمَامٍ مَا كَانَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، وَإِنْ تَجَلَّتْ لَمْ يُعِيدُوا، وَإِنْ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ مِنْ الْإِعَادَةِ إلَّا وَاحِدًا أَمَرْت الْوَاحِدَ أَنْ يُعِيدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمَرْتُهُمَا أَنْ يَجْمَعَا. [صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِينَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرٍو أَوْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ زَمْزَمَ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَحْسَبُ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ إلَّا أَنَّ الْوَالِيَ تَرَكَهَا لَعَلَّ الشَّمْسَ تَكُونُ كَاسِفَةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَمْ يُصَلِّ فَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ لَعَلَّ الْوَالِيَ كَانَ غَائِبًا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ (قَالَ) : فَهَكَذَا أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا إمَامًا أَنْ يُصَلِّيَ إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَانِيَةً إنْ لَمْ يَخَفْ وَسِرًّا إنْ خَافَ الْوَالِي فِي أَيِّ سَاعَةٍ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، وَأَحْسَبُ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ تَرَكَهَا فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ اتِّقَاءً لَهُمْ فَأَمَّا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى فَيَذْهَبُ إلَى أَنْ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ لِطَوَافٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْعَصْرِ لِطَوَافٍ، وَالصَّلَاةُ الْمُؤَكَّدَةُ تُنْسَى، وَيَشْتَغِلُ عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عِنْدِي لِمُسَافِرٍ وَلَا مُقِيمٍ، وَلَا لِأَحَدٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالٍ فَيُصَلِّيَهَا كُلُّ مَنْ وَصَفْت بِإِمَامٍ تَقَدَّمَهُ، وَمُنْفَرِدًا إنْ لَمْ يَجِدْ إمَامًا وَيُصَلِّيَهَا كَمَا وَصَفْت صَلَاةَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ خُسُوفُ الْقَمَرِ (قَالَ) : وَإِنْ خَطَبَ الرَّجُلُ الَّذِي، وَصَفْت فَذَكَّرَهُمْ لَمْ أَكْرَهْ. (قَالَ) : وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَرَجُلٌ مَعَ نِسَاءٍ فِيهِنَّ ذَوَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ صَلَّى بِهِنَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ ذَوَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ صَلَّى بِهِنَّ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كُنَّ اللَّاتِي يُصَلِّينَ نِسَاءً فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ الْخُطْبَةُ، وَلَكِنْ لَوْ ذَكَّرَتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ كَانَ حَسَنًا. (قَالَ) : وَإِذَا صَلَّى الرَّجُلُ وَحْدَهُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا كَمَا يَصْنَعُ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلَا أَكْرَهُ لِمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا بَارِعَةً مِنْ النِّسَاءِ، وَلَا لِلْعَجُوزِ، وَلَا لِلصَّبِيَّةِ شُهُودَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ أُحِبُّهَا لَهُنَّ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لِذَوَاتِ الْهَيْئَةِ أَنْ يُصَلِّينَهَا فِي بُيُوتِهِنَّ. [الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا آمُرُ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ فِي زَلْزَلَةٍ، وَلَا ظُلْمَةٍ، وَلَا لِصَوَاعِقَ، وَلَا رِيحٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَآمُرُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدِينَ كَمَا يُصَلُّونَ مُنْفَرِدِينَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ. [كِتَابُ الِاسْتِسْقَاءِ] ِ مَتَى يَسْتَسْقِي الْإِمَامُ، وَهَلْ يَسْأَلُ الْإِمَامُ رَفْعَ الْمَطَرِ إذَا خَافَ ضَرَرَهُ؟ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنْ جُمُعَةٍ إلَى جُمُعَةٍ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السَّبِيلُ، وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ جَدْبٌ أَوْ قِلَّةُ مَاءٍ فِي نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ فِي حَاضِرٍ أَوْ بَادٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ أُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلَا قَضَاءٌ، وَقَدْ أَسَاءَ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، وَتَرَكَ سُنَّةً فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَمَوْضِعَ فَضْلٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ؟ قِيلَ لَا فَرْضَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَدْبًا كَانَ وَلَمْ يَعْمَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِهِ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ عَمِلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْهُ فَاسْتَسْقَى، وَبِذَلِكَ قُلْت: لَا يَدَعُ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ لَمْ أَرَ لِلنَّاسِ تَرْكَ الِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّ الْمَوَاشِيَ لَا تَهْلِكُ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَهَا جَدْبٌ دَائِمٌ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالِاسْتِسْقَاءِ فَمَا لَا أُحِبُّ تَرْكَهُ إذَا كَانَ الْجَدْبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ صَلَاةٌ وَلَا خُطْبَةٌ، وَإِنْ اسْتَسْقَى فَلَمْ تُمْطَرْ النَّاسُ أَحْبَبْت أَنْ يَعُودَ ثُمَّ يَعُودَ حَتَّى يُمْطَرُوا، وَلَيْسَ اسْتِحْبَابِي لِعَوْدَتِهِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْأُولَى، وَلَا الثَّالِثَةِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ كَاسْتِحْبَابِي لِلْأُولَى، وَإِنَّمَا أَجَزْت لَهُ الْعَوْدَ بَعْدَ الْأُولَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْجَمَاعَةَ فِي الْأُولَى فَرْضٌ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى سُقِيَ أَوَّلًا فَإِذَا سُقُوا أَوَّلًا لَمْ يُعِدْ الْإِمَامُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُوَيْمِرٌ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «أَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّ بِهِمْ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ شَاءَ صَاحِبُكُمْ لَمُطِرْتُمْ مَا شِئْتُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِ الْيَهُودِيِّ قَالَ: أَوَقَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ إنِّي لَأَسْتَنْصِرُ بِالسُّنَّةِ عَلَى أَهْلِ نَجْدٍ، وَإِنِّي لَأَرَى السَّحَابَةَ خَارِجَةً مِنْ الْعَيْنِ فَأَكْرَهُهَا مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ كَذَا أَسْتَسْقِي لَكُمْ» فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ غَدَا النَّاسُ فَمَا تَفَرَّقَ النَّاسُ حَتَّى مُطِرُوا مَا شَاءُوا فَمَا أَقْلَعَتْ السَّمَاءُ جُمُعَةً، وَإِذَا خَافَ النَّاسُ غَرَقًا مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَهْرٍ دَعَوْا اللَّهَ بِكَفِّ الضَّرَرِ عَنْهُمْ كَمَا دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفِّ الضَّرَرِ عَنْ الْبُيُوتِ أَنْ تَهَدَّمَتْ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو بِكَفِّ الضَّرَرِ مِنْ الْمَطَرِ عَنْ الْمَنَازِلِ، وَأَنْ يُجْعَلَ حَيْثُ يَنْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ الْبُيُوتَ مِنْ الشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالصَّحَارِيِ إذَا دَعَا بِكَفِّ الضَّرَرِ، وَلَمْ آمُرْ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ، وَأَمَرْت الْإِمَامَ، وَالْعَامَّةَ يَدْعُونَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَيَدْعُو فِي كُلِّ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَتْ نَاحِيَةٌ مُخْصِبَةٌ، وَأُخْرَى مُجْدِبَةٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَسْتَسْقِيَ إمَامُ النَّاحِيَةِ الْمُخْصِبَةِ لِأَهْلِ النَّاحِيَةِ الْمُجْدِبَةِ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الزِّيَادَةَ لِمَنْ أَخْصَبَ مَعَ اسْتِسْقَائِهِ لِمَنْ أَجْدَبَ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَلَا أَحُضُّهُ عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِمَنْ لَيْسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ كَمَا أَحُضُّهُ عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ مِمَّنْ قَارَبَهُ، وَيَكْتُبُ إلَى الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِ الْمُجْدِبِينَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ أَوْ أَقْرَبُ الْأَئِمَّةِ بِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحْبَبْت أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ. مَنْ يَسْتَسْقِي بِصَلَاةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكُلُّ إمَامٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ، وَصَلَّى الْعِيدَيْنِ اسْتَسْقَى، وَصَلَّى الْخُسُوفَ، وَلَا

الاستسقاء بغير الصلاة

يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إلَّا حَيْثُ تَجِبُ لِأَنَّهَا ظُهْرٌ فَإِذَا صُلِّيَتْ جُمُعَةٌ قُصِرَتْ مِنْهَا رَكْعَتَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفَ حَيْثُ لَا يُجْمَعُ مِنْ بَادِيَةٍ وَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، وَيَفْعَلُهُ مُسَافِرُونَ فِي الْبَدْوِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِحَالَةِ شَيْءٍ مِنْ فَرْضٍ وَهِيَ سُنَّةٌ وَنَافِلَةُ خَيْرٍ، وَلَا أُحِبُّ تَرْكَهُ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ أَمْرِي بِهِ، وَاسْتِحْبَابُهُ حَيْثُ لَا يُجْمَعُ لَيْسَ هُوَ كَاسْتِحْبَابِهِ حَيْثُ يُجْمَعُ، وَلَيْسَ كَأَمْرِي بِهِ مَنْ يَجْمَعُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالنَّاسِ، وَإِنَّمَا أَمَرْت بِهِ كَمَا وَصَفْت لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ أَحَدٌ يَلْزَمُ أَمْرُهُ، وَإِذَا اسْتَسْقَى الْجَمَاعَةُ بِالْبَادِيَةِ فَعَلُوا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَمْصَارِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ خُطْبَةٍ، وَإِذَا خَلَتْ الْأَمْصَارُ مِنْ الْوُلَاةِ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ كَمَا قَدْ «قَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لِلصَّلَاةِ مَكْتُوبَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عُمَرَ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ غَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ بِمَا صَنَعُوا مِنْ تَقْدِيمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ» فَإِذَا أَجَازَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَكْتُوبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ الْجُمُعَةُ مَكْتُوبَةً، وَكَانَ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ مِمَّا ذَكَرْت أَجَوْزَ. [الِاسْتِسْقَاءُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَسْتَسْقِي الْإِمَامُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ مِثْلُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِصَلَاةٍ وَبَعْدَ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ، وَخَلْفَ صَلَاتِهِ، وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ فَمَا كَرِهْت مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ. [الْأَذَانُ لِغَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) :، وَلَا أَذَانَ، وَلَا إقَامَةَ إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ، فَأَمَّا الْخُسُوفُ، وَالْعِيدَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَجَمِيعُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَبِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. [كَيْفَ يَبْتَدِئُ الِاسْتِسْقَاءُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فَصَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ خَيْرٍ ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَاسْتَسْقَى بِهِمْ، وَأَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَآمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صُيَّامًا مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى إمَامِهِمْ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ، وَيَخْرُجَ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي الصَّوْمِ، وَأَوْلَى مَا يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ أَدَاءُ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ مَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِوَضٍ ثُمَّ صُلْحِ الْمَشَاجِرِ، وَالْمُهَاجِرِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُونَ بِصَدَقَةٍ، وَصَلَاةٍ، وَذِكْرٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْبِرِّ، وَأُحِبُّ كُلَّمَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَةَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا قَبْلَ عَوْدَتِهِ إلَيْهِ ثَلَاثًا

الهيئة للاستسقاء

[الْهَيْئَةُ لِلِاسْتِسْقَاءِ] ِ لِلْعِيدَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ» ، وَرُوِيَ أَنَّهُ «خَرَجَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مُتَوَاضِعًا» وَأَحْسَبُ الَّذِي رَوَاهُ قَالَ مُتَبَذِّلًا فَأُحِبُّ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ يَخْرُجَ بِأَحْسَنَ مَا يَجِدُ مِنْ الثِّيَابِ وَأَطْيَبِ الطِّيبِ، وَيَخْرُجُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مُتَنَظِّفًا بِالْمَاءِ، وَمَا يَقْطَعُ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ مِنْ سِوَاكٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي ثِيَابِ تَوَاضُعٍ، وَيَكُونُ مَشْيُهُ وَجُلُوسُهُ وَكَلَامُهُ كَلَامَ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ، وَمَا أَحْبَبْت لِلْإِمَامِ فِي الْحَالَاتِ مَنْ هَذَا أَحْبَبْته لِلنَّاسِ كَافَّةً وَمَا لَبِسَ النَّاسُ، وَالْإِمَامُ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَإِيَّاهُمْ. [خُرُوجُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ الصِّبْيَانُ وَيَتَنَظَّفُوا لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَكِبَارُ النِّسَاءِ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْهُنَّ، وَلَا أُحِبُّ خُرُوجَ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ وَلَا آمُرُ بِإِخْرَاجِ الْبَهَائِمِ، وَأَكْرَهُ إخْرَاجَ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ لِلِاسْتِسْقَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَوْضِعِ مُسْتَسْقَى الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرِهِ، وَآمُرُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجُوا مُتَمَيِّزِينَ عَلَى حِدَةٍ لَمْ نَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ، وَنِسَاؤُهُمْ فِيمَا أَكْرَهُ مِنْ هَذَا كَرِجَالِهِمْ، وَلَوْ تَمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ، لَمْ أَكْرَهْ مِنْ مَخْرَجِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ مَخْرَجِ بَالِغِيهِمْ، وَلَوْ تَرَكَ سَادَاتُ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ الْعَبِيدَ يَخْرُجُونَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُمْ تَرْكُهُمْ، وَالْإِمَاءُ مِثْلُ الْحَرَائِرِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَرَكَ عَجَائِزَهُنَّ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْهُنَّ يَخْرُجُ، وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ مِنْهُنَّ، وَلَا يَجِبُ عَلَى سَادَاتِهِنَّ تَرْكُهُنَّ يَخْرُجْنَ. [الْمَطَرُ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَهَيَّأَ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ فَمُطِرَ النَّاسُ مَطَرًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، أَحْبَبْت أَنْ يَمْضِيَ، وَالنَّاسُ عَلَى الْخُرُوجِ فَيَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى سُقْيَاهُ، وَيَسْأَلُوا اللَّهَ زِيَادَتَهُ، وَعُمُومَ خَلْقِهِ بِالْغَيْثِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُمْطَرُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ الْخُرُوجَ بِهِمْ فِيهِ اسْتَسْقَى بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُقْلِعَ الْمَطَرُ، وَلَوْ نَذَرَ الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ ثُمَّ سَقَى النَّاسُ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُوفِيَ نَذْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَلَا لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا فِي غَيْرِ جَدْبٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَخْرُجَ يَسْتَسْقِي كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِلنَّذْرِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ مِنْ وَلَدِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَخْطُبَ فَيَخْطُبَ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوَ جَالِسًا إنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِيَامِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَالِيًا، وَلَا مَعَهُ جَمَاعَةٌ بِالذِّكْرِ طَاعَةٌ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ فَلْيَخْطُبْ جَالِسًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي رُكُوبِهِ لِمِنْبَرٍ وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بِنَاءٍ، إنَّمَا أُمِرَ بِهَذَا الْإِمَامُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ فَإِنْ كَانَ إمَامًا، وَمَعَهُ نَاسٌ لَمْ يَفِ نَذْرَهُ إلَّا بِالْخُطْبَةِ قَائِمًا لِأَنَّ الطَّاعَةَ إذَا كَانَ مَعَهُ نَاسٌ فِيهَا أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا فَإِذَا فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ فَوَقَفَ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ قَائِمًا أَجْزَأَهُ مِنْ نَذْرِهِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ

أين يصلي للاستسقاء

فَلْيَسْتَسْقِ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَيُجْزِئُهُ لَوْ اسْتَسْقَى فِي بَيْتِهِ. [أَيْنَ يُصَلِّي لِلِاسْتِسْقَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُصَلِّي الْإِمَامُ حَيْثُ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي أَوْسَعِ مَا يَجِدُ عَلَى النَّاسِ، وَحَيْثُ اسْتَسْقَى أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [الْوَقْتُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ الْإِمَامُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَمَا يَخْطُبُ عَلَيْهِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَخْرُجُ الْإِمَامُ لِلِاسْتِسْقَاءِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَى مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، وَقَدْ بَرَزَتْ الشَّمْسُ فَيَبْتَدِئُ فَيُصَلِّي فَإِذَا فَرَغَ خَطَبَ، وَيَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ يُخْرِجُهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ خَطَبَ رَاكِبًا أَوْ عَلَى جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ يُرْفَعُ لَهُ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. [كَيْفَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيُكَبِّرُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا» ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُوَيْرِثِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ مِثْلُ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ سَبْعٌ وَخَمْسٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُخْبِرُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَكَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَشَارَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا، وَخَمْسًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ الْإِمَامَ يُكَبِّرُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ السَّبْعِ، وَالْخَمْسِ وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُخَالِفُ صَلَاةَ الْعِيدِ بِشَيْءٍ، وَنَأْمُرُهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَإِذَا خَافَتَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فَكَذَلِكَ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَفْتَتِحَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ بَعْدَ افْتِتَاحِهِ الْقِرَاءَةَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَبَّرَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ ثُمَّ افْتَتَحَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْضِ

الطهارة لصلاة الاستسقاء

التَّكْبِيرَ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَكَبَّرَ فِي الْأُخْرَى تَكْبِيرَهَا، وَلَمْ يَقْضِ مَا تَرَكَ مِنْ تَكْبِيرِ الْأُولَى فَإِنْ صَنَعَ فِي الْأُخْرَى كَذَلِكَ صَنَعَ هَكَذَا يُكَبِّرُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَا يُكَبِّرُ بَعْدَمَا يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي افْتَتَحَ فِيهَا الْقِرَاءَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ، وَمَا قَرَأَ بِهِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِي إحْدَاهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَا يَعْتَدُّ هُوَ، وَلَا مَنْ خَلْفَهُ بِرَكْعَةٍ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَعَادَهُمَا خَطَبَ أَمْ لَمْ يَخْطُبْ فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُمَا حَتَّى يَنْصَرِفَ أَحْبَبْت لَهُ إعَادَتَهُمَا مِنْ الْغَدِ أَوْ يَوْمِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ النَّاسُ تَفَرَّقُوا، وَإِذَا أَعَادَهُمَا أَعَادَ الْخُطْبَةَ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَعَادَهُمَا مِنْ يَوْمِهِ مَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يُعِدْهُمَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي وَقْتٍ فَإِذَا مَضَى لَمْ تُصَلَّ، وَكُلُّ يَوْمٍ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلِذَلِكَ يُعِيدُهُمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ. . [الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يُصَلِّي حَاضِرٌ، وَلَا مُسَافِرٌ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا عِيدٍ، وَلَا جِنَازَةٍ، وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ، وَلَا سُجُودِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَمَسُّ مُصْحَفًا إلَّا طَاهِرًا الطَّهَارَةَ الَّتِي تَجْزِيهِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّ كُلًّا صَلَاةٌ، وَلَا يَحِلُّ مَسُّ مُصْحَفٍ إلَّا بِطَهَارَةٍ، وَسَوَاءٌ خَافَ فَوْتَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ أَوْ لَمْ يَخَفْهُ يَكُونُ ذَلِكَ سَوَاءً فِي الْمَكْتُوبَاتِ. . [الْخُطْبَةُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ] كَيْفَ الْخُطْبَةُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خُطْبَتَيْنِ كَمَا يَخْطُبُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يُكَبِّرُ اللَّهَ فِيهِمَا، وَيَحْمَدُهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُكْثِرُ فِيهِمَا الِاسْتِغْفَارَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ كَلَامِهِ، وَيَقُولَ كَثِيرًا {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10 - 11] . [الدُّعَاءُ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَقُولُ " اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتَنَا فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَوْجَبْت إجَابَتَك لِأَهْلِ طَاعَتِك، وَكُنَّا قَدْ قَارَفْنَا مَا خَالَفْنَا فِيهِ الَّذِينَ مَحَّضُوا طَاعَتَك فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ رِزْقِنَا "، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ بَعْدُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَكُونُ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الِاسْتِغْفَارَ يَبْدَأُ بِهِ دُعَاءَهُ وَيَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ كَلَامِهِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ كَلَامِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ، وَيَحُضُّ النَّاسَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالطَّاعَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَفَعَ يَدَيْهِ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ أَمْطِرْنَا» ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

تحويل الإمام الرداء في صلاة الاستسقاء

كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا» ، (قَالَ) : وَرَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْخَلْقِ مِنْ اللَّأْوَاءِ، وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ، وَالْجُوعَ، وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ بِهَذَا، وَلَا وَقْتَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يُجَاوِزُهُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ اسْتَسْقَى عُمَرُ، وَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الِاسْتِغْفَارَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَجْلِسْ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَأُحِبُّ أَنْ يَجْلِسَ حِينَ يَرْقَى الْمِنْبَرَ أَوْ مَوْضِعَهُ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ ثُمَّ يَخْطُبَ ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَخْطُبَ. [تَحْوِيلُ الْإِمَامِ الرِّدَاءَ فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] تَحْوِيلُ الْإِمَامِ الرِّدَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَبْدَأُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الْأُولَى ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ بَعْضَ الْخُطْبَةِ الْآخِرَةِ فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ثُمَّ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ مَعَهُ فَيَدْعُو سِرًّا فِي نَفْسِهِ، وَيَدْعُو النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَيَحُضُّهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِخَيْرٍ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَيَقْرَأُ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ثُمَّ يَنْزِلُ، وَإِنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأُحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ الِاسْتِسْقَاءَ اسْتِمَاعَ الْخُطْبَةِ وَالْإِنْصَاتَ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ وُجُوبَهُ فِي الْجُمُعَةِ. كَيْفَ تَحْوِيلُ الْإِمَامِ رِدَاءَهُ فِي الْخُطْبَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ «اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا أَقُولُ فَنَأْمُرُ الْإِمَامَ أَنْ يُنَكِّسَ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَزِيدَ مَعَ تَنْكِيسِهِ فَيَجْعَلَ شِقَّهُ الَّذِي عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَاَلَّذِي عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ فَيَكُونُ قَدْ جَاءَ بِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَكْسِهِ، وَبِمَا فَعَلَ مِنْ تَحْوِيلِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ إذَا خَفَّ لَهُ رِدَاؤُهُ فَإِنْ ثَقُلَ فَعَلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَحْوِيلِ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَمَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَصْنَعُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَ الْإِمَامُ فَإِنْ تَرَكَهُ مِنْهُمْ تَارِكٌ أَوْ الْإِمَامُ أَوْ كُلُّهُمْ كَرِهْت تَرْكَهُ لِمَنْ تَرَكَهُ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إذَا انْصَرَفَ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ، وَإِذَا حَوَّلُوا أَرْدِيَتَهُمْ أَقَرُّوهَا مُحَوَّلَةً كَمَا هِيَ حَتَّى يَنْزِعُوهَا مَتَى نَزَعُوهَا، وَإِنْ اقْتَصَرَ رَجُلٌ عَلَى تَحْوِيلِ رِدَائِهِ، وَلَمْ يَنْكُسْهُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِسَعَةِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى نَكْسِهِ، وَلَمْ يُحَوِّلْ إلَّا نَكْسًا، رَجَوْت أَنْ يُجْزِيَهُ

كراهية الاستمطار بالأنواء

[كَرَاهِيَةُ الِاسْتِمْطَارِ بِالْأَنْوَاءِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي " هُوَ عَرَبِيٌّ وَاسِعُ اللِّسَانِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هَذَا مَعَانِيَ، وَإِنَّمَا مُطِرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكُونَ لِأَنَّ هَذَا فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَرَى مَعْنَى قَوْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ إيمَانٌ بِاَللَّهِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْطِرُ وَلَا يُعْطِي إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَطَرِ إلَى أَنَّهُ أَمْطَرَهُ نَوْءُ كَذَا فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ، وَالْوَقْتُ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَلَا يُمْطِرُ، وَلَا يَصْنَعُ شَيْئًا فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا بِوَقْتِ كَذَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ مُطِرْنَا فِي شَهْرِ كَذَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا كُفْرًا، وَغَيْرُهُ مِنْ الْكَلَامِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا الْعَوَّاءُ فَدَعَا، وَدَعَا النَّاسُ حَتَّى نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَمُطِرَ مَطَرًا حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ هَذَا يُبَيِّنُ مَا وَصَفْت لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثرياء؟ لِيُعَرِّفَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ الْأَمْطَارَ فِي أَوْقَاتٍ فِيمَا جَرَّبُوا كَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ قَدَّرَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ بِمَا جَرَّبُوا فِي أَوْقَاتٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَصْبَحَ، وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ثُمَّ قَرَأَ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] ، وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْجَفَ بِشَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ غَدَا مُتَّكِئًا عَلَى عُكَّازِهِ، وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ فَقَالَ: أَجَادَ مَا أَقْرَى الْمِجْدَحُ الْبَارِحَةَ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ قَوْلَهُ " أَجَادَ مَا أَقْرَى الْمِجْدَحُ " لِإِضَافَةِ الْمَطَرِ إلَى الْمِجْدَحِ. الْبُرُوزُ لِلْمَطَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَمَطَّرُ فِي أَوَّلِ مَطْرَةٍ حَتَّى يُصِيبَ جَسَدَهُ» ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّمَاءَ أَمْطَرَتْ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: أَخْرِجْ فِرَاشِي، وَرَحْلِي يُصِيبُهُ الْمَطَرُ فَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ تَفْعَلُ هَذَا يَرْحَمُك اللَّهُ؟ فَقَالَ أَمَّا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] فَأُحِبُّ أَنْ تُصِيبَ الْبَرَكَةُ فِرَاشِي وَرَحْلِي، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَطَرَتْ السَّمَاءُ، وَهُوَ فِي السِّقَايَةِ فَخَرَجَ إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ لِلْمَطَرِ حَتَّى أَصَابَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَجْلِسِهِ

ما يقال عند السيل

[مَا يُقَالُ عِنْدَ السَّيْلُ] السَّيْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُولُ اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ ذَهَبَ بِأَصْحَابِهِ إلَيْهِ، وَقَالَ مَا كَانَ لِيَجِيءَ مِنْ مَجِيئِهِ أَحَدٌ إلَّا تَمَسَّحْنَا بِهِ. [طَلَبُ الْإِجَابَةِ فِي الدُّعَاءِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ مِنْ مَكْحُولٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اُطْلُبُوا إجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ حَفِظْت عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الْإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ. [الْقَوْلُ فِي الْإِنْصَاتِ عِنْدَ رُؤْيَة السَّحَاب وَالرِّيحِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا بَرِقَتْ السَّمَاءُ أَوْ رَعَدَتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَبْصَرْنَا شَيْئًا فِي السَّمَاءِ يَعْنِي السَّحَابَ تَرَكَ عَمَلَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ فَإِنْ كَشَفَهُ اللَّهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ مَطَرَتْ قَالَ: اللَّهُمَّ سُقْيَا نَافِعًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَمِعَ حِسَّ الرَّعْدِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي لَا أَدْرِي بِمَا أُرْسِلَتْ أَبِعَذَابٍ أَمْ بِرَحْمَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَا هَبَّتْ رِيحٌ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [القمر: 19] ، وَ {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] وَقَالَ {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] {يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ

الإشارة إلى المطر

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، وَعُوذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيحَ فَإِنَّهَا خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُطِيعٌ وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنِقْمَةً إذَا شَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «شَكَا رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَقْرَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلَّك تَسُبُّ الرِّيحَ؟» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَتْ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ حَاجٌّ فَاشْتَدَّتْ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ حَوْلَهُ: " مَا بَلَغَكُمْ فِي الرِّيحِ؟ " فَلَمْ يُرْجِعُوا إلَيْهِ شَيْئًا فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ أَمْرِ الرِّيحِ فَاسْتَحْثَثْت رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْت عُمَرَ، وَكُنْت فِي مُؤَخَّرِ النَّاسِ فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أُخْبِرْت أَنَّك سَأَلْت عَنْ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا وَعُوذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قُلْت لِابْنِ طَاوُوسٍ: مَا كَانَ أَبُوك يَقُولُ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ؟ قَالَ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13] . [الْإِشَارَةُ إلَى الْمَطَرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ " إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْبَرْقَ أَوْ الْوَدْقَ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَلْيَصِفْ، وَلْيَنْعَتْ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ تَزَلْ الْعَرَبُ تَكْرَهُ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ فِي الرَّعْدِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُولُ: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وَالْبَرْقُ أَجْنِحَةُ الْمَلَكِ يَسُقْنَ السَّحَابَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا أَشْبَهَ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ مَا سَمِعْت بِأَحَدٍ ذَهَبَ الْبَرْقُ بِبَصَرِهِ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] (قَالَ) : وَبَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ، وَقَدْ سَمِعْت مَنْ تُصِيبُهُ الصَّوَاعِقُ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 13] ، وَسَمِعْت مَنْ يَقُولُ: الصَّوَاعِقُ رُبَّمَا قَتَلَتْ وَأَحْرَقَتْ. كَثْرَةُ الْمَطَرِ وَقِلَّتُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْمُطَّلِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ، وَلَا نَهَارٍ إلَّا وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ فِيهَا يَصْرِفُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّاسَ مُطِرُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ إلَّا، وَقَدْ مُطِرَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا ثُمَّ تُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» . أَيُّ الْأَرْضِ أَمَطَرُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمَدِينَةُ بَيْنَ عَيْنَيْ السَّمَاءِ عَيْنٍ بِالشَّامِ، وَعَيْنٍ

الحكم في تارك الصلاة

بِالْيَمَنِ، وَهِيَ أَقَلُّ الْأَرْضِ مَطَرًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ أَوْ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اُسْكُتْ أَقَلُّ الْأَرْضِ مَطَرًا، وَهِيَ بَيْنَ عَيْنَيْ السَّمَاءِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ: عَيْنٍ بِالشَّامِ، وَعَيْنٍ بِالْيَمَنِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ. قَالَ أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ تُمْطَرَ الْمَدِينَةُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ أَهْلَهَا الْبُيُوتُ، وَلَا يَكُنُّهُمْ إلَّا مَظَالُّ الشَّعْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يُصِيبُ الْمَدِينَةَ مَطَرٌ لَا يَكُنُّ أَهْلَهَا بَيْتٌ مِنْ مَدَرٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ، وَهُوَ يَعْمَلُ وَتَدًا بِمَكَّةَ: اُشْدُدْ، وَأَوْثِقْ فَإِنَّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ السُّيُولَ سَتَعْظُمُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ مَكَّةَ مَرَّةً سَيْلٌ طَبَّقَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يُوشِكُ الْمَدِينَةُ أَنْ يُصِيبَهَا مَطَرٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَكُنُّ أَهْلَهَا بَيْتٌ مِنْ مَدَرٍ. أَيُّ الرِّيحِ يَكُونُ بِهَا الْمَطَرُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نُصِرْت بِالصَّبَا، وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَبَلَغَنِي أَنَّ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا هَبَّتْ جَنُوبٌ قَطُّ إلَّا أَسَالَتْ وَادِيًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا تَهُبُّ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ مِنْ الْمَطَرِ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَمُرُّ فِي السَّحَابِ حَتَّى تُدَرَّ كَمَا تُدَرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ. قَالَ أَخْبَرَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أُنْشِئَتْ بِحُرِّيَّةٍ ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا» [الْحُكْمُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُصَلِّي؟ فَإِنْ ذَكَرَ نِسْيَانًا قُلْنَا فَصَلِّ إذَا ذَكَرْت، وَإِنْ ذَكَرَ مَرَضًا قُلْنَا فَصَلِّ كَيْفَ أَطَقْت قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا فَإِنْ قَالَ أَنَا أُطِيقُ الصَّلَاةَ، وَأُحْسِنُهَا، وَلَكِنْ لَا أُصَلِّي وَإِنْ كَانَتْ عَلَيَّ فَرْضًا قِيلَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْك شَيْءٌ لَا يَعْمَلُهُ عَنْك غَيْرُك، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِعَمَلِك فَإِنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا اسْتَتَبْنَاك فَإِنْ تُبْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالْحُجَّةُ فِيهَا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ " لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَذْهَبُ فِيمَا أَرَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] : وَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاتَلُوا مَنْ

مَنَعَ الزَّكَاةَ إذْ كَانَتْ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَنَصَبَ دُونَهَا أَهْلُهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُمْ طَائِعِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا مَقْهُورِينَ عَلَيْهَا فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَمَا تُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كَارِهِينَ وَتُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ بِزَكَاةٍ أَوْ دَيْنٍ كَارِهِينَ أَوْ غَيْرَ كَارِهِينَ فَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ وَالْقِتَالُ سَبَبُ الْقَتْلِ فَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ تَارِكُهَا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنَّا فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الصَّلَاةِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ يَدَيْهِ مِثْلُ اللُّقَطَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْمَالِ. قُلْنَا إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك كَمَا يُفَكِّرُ فَنَقُولُ إنْ قَبِلْت الْإِيمَانَ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك إذْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِك، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ، وَالْإِيمَانُ مُخَالِفَيْنِ مَعًا مَا فِي يَدَيْك، وَمَا نَأْخُذُ مِنْ مَالِك لِأَنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ مِنْك فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَرِهْت فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُئِلَ عَمَّا قَالُوا فَإِنْ قَالَ كَذَبُوا، وَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ صُدِّقَ، وَإِنْ قَالَ نَسِيت صُدِّقَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ صَلَّى جَالِسًا، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنْ قَالَ: أَنَا مَرِيضٌ أَوْ تَطَوَّعْت صُدِّقَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ يُسْتَتَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَسَنٌ فَإِنْ صَلَّى فِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُصَلِّيهَا فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْرِبُهُ وَأَحْبِسُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَحْبِسُهُ، وَلَا أَضْرِبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَضْرِبُهُ، وَلَا أَحْبِسُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِمَنْ يَقُولُ لَا أَقْتُلُهُ: أَرَأَيْت الرَّجُلَ تَحْكُمُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ بِرَأْيِك وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ فَيَقُولُ قَدْ أَخْطَأْت الْحُكْمَ، وَوَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُ مَا حَكَمْت بِهِ لِمَنْ حَكَمْت لَهُ قَالَ فَإِنْ قَدَرْتُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ أَخَذْتُهُ مِنْهُ، وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ أَقْدِرْ، وَنَصَبَ دُونَهُ قَاتَلْتُهُ حَتَّى آخُذَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ فَقُلْت لَهُ: وَحُجَّتُك أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَإِنْ قَالَ لَك: الزَّكَاةُ فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ لَا يَسَعُ جَهْلُهُ، وَحُكْمُك رَأْيٌ مِنْك يَجُوزُ لِغَيْرِك عِنْدَك، وَعِنْدَ غَيْرِك أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ فَكَيْفَ تَقْتُلُنِي عَلَى مَا لَسْت عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّك أَصَبْت فِيهِ كَمَا تَقْتُلُ مَنْ مَنَعَ فَرْضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الزَّكَاةِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَقٌّ عِنْدِي وَعَلَيَّ جَبْرُك عَلَيْهِ. (قُلْت) : قَالَ لَك، وَمَنْ قَالَ لَك إنَّ عَلَيْك جَبْرِي عَلَيْهِ؟ قَالَ: إنَّمَا وُضِعَ الْحُكَّامُ لِيُجْبِرُوا عَلَى مَا رَأَوْا (قُلْت) : فَإِنْ قَالَ لَك: عَلَيَّ مَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؟ قَالَ: قَدْ يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهِ الِاخْتِلَافُ (قُلْت) : فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ سَمِعْت بِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَاتَلَ عَلَى رَدِّ رَأْيِهِ فَتَقْتَدِي بِهِ؟ فَقَالَ: وَأَنَا لَمْ أَجِدْ هَذَا فَإِنِّي إذَا كَانَ لِي الْحُكْمُ فَامْتَنَعَ مِنْهُ قَاتَلْتُهُ عَلَيْهِ (قُلْت) : وَمَنْ قَالَ لَك هَذَا؟ (وَقُلْت) : أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ: مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ إذَا عَرَضْتَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ، وَلَا أَقُولُ بِهِ أَحْبِسُهُ وَأَضْرِبُهُ حَتَّى يَقُولَ بِهِ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ بَدَّلَ دِينَهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِهِ قُلْت: أَفَتَعْدُو الصَّلَاةُ إذْ كَانَتْ مِنْ دِينِهِ، وَكَانَتْ لَا تَكُونُ إلَّا بِهِ كَمَا لَا يَكُونُ الْقَوْلُ بِالْإِيمَانِ إلَّا بِهِ أَنْ يُقْتَلَ عَلَى تَرْكِهَا أَوْ يَكُونَ أَمِينًا فِيهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِك: فَلَا نَحْبِسُهُ، وَلَا نَضْرِبُهُ؟ قَالَ لَا يَكُونُ أَمِينًا عَلَيْهَا إذَا ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا، وَهِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ قُلْت أَفَتَقْتُلُهُ بِرَأْيِك فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ حُكْمِك بِرَأْيِك، وَتَدَعُ قَتْلَهُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَبْيَنُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بَعْدَ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

الحكم في الساحر والساحرة

[الْحُكْمُ فِي السَّاحِرِ وَالسَّاحِرَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة: 102] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ يَا عَائِشَةُ أَمَا عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَثَ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ، وَلَا يَأْتِيهِنَّ أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ، قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُونَةٍ أَوْ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ قَالَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَذِهِ الَّتِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْرِجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا قَالَ سُفْيَانُ تَعْنِي تَنَشَّرْت قَالَتْ فَقَالَ أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا» قَالَ وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصُمَ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ الْيَهُودِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ بَجَالَةَ يَقُولُ كَتَبَ عُمَرُ " أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ " فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالسِّحْرُ اسْمٌ جَامِعٌ لَمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيُقَالُ لِلسَّاحِرِ صِفْ السِّحْرَ الَّذِي تَسْحَرُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَا يَسْحَرُ بِهِ كَلَامَ كُفْرٍ صَرِيحٍ اُسْتُتِيبَ مِنْهُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَأُخِذَ مَالُهُ فَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَا يَسْحَرُ بِهِ كَلَامًا لَا يَكُونُ كُفْرًا وَكَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، وَلَمْ يَضُرَّ بِهِ أَحَدًا نُهِيَ عَنْهُ فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ أَحَدًا مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ فَعَمَدَ أَنْ يَعْمَلَهُ عُزِّرَ، وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلًا إذَا عَمِلَهُ قُتِلَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَقَالَ عَمَدْت قَتْلَهُ قُتِلَ بِهِ قَوَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَوْلِيَاؤُهُ أَنْ يَأْخُذُوا دِيَتَهُ حَالَّةً فِي مَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَعْمَلُ بِهَذَا لِأَقْتُلَ فَيُخْطِئَ الْقَتْلُ وَيُصِيبَ، وَقَدْ مَاتَ مِمَّا عَمِلْت بِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَلَا قَوَدَ، وَإِنْ قَالَ قَدْ سَحَرْتُهُ سِحْرًا مَرِضَ مِنْهُ، وَلَمْ يَمُتْ مِنْهُ أَقْسَمَ أَوْلِيَاؤُهُ لَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَكَانَتْ لَهُمْ الدِّيَةُ، وَلَا قَوَدَ لَهُمْ مَالُ السَّاحِرِ، وَلَا يَغْنَمُ إلَّا فِي أَنْ يَكُونَ السِّحْرُ كُفْرًا مُصَرَّحًا، وَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُقْتَلَ السَّحَّارَ عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إنْ كَانَ السِّحْرُ كَمَا وَصَفْنَا شِرْكًا، وَكَذَلِكَ أَمَرَ حَفْصَةَ، وَأَمَّا بَيْعُ عَائِشَةَ الْجَارِيَةَ، وَلَمْ تَأْمُرْ بِقَتْلِهَا فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ لَمْ تَعْرِفْ مَا السِّحْرُ فَبَاعَتْهَا لِأَنَّ لَهَا بَيْعَهَا عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ تَسْحَرْهَا، وَلَوْ أَقَرَّتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ السِّحْرَ شِرْكٌ مَا تَرَكَتْ قَتْلَهَا إنْ لَمْ تَتُبْ أَوْ دَفَعَتْهَا إلَى الْإِمَامِ لِيَقْتُلَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : حَقَنَ اللَّهُ الدِّمَاءَ، وَمَنَعَ الْأَمْوَالَ إلَّا بِحَقِّهَا بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ، وَبِرَسُولِهِ أَوْ عَهْدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَبَاحَ دِمَاءَ الْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِيمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] إِلَى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا

المرتد عن الإسلام

مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقْتَلُوا حَتَّى يَتُوبُوا، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، أَهْلُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ لَمْ يَزَلْ عَلَى الشِّرْكِ مُقِيمًا لَمْ يُحَوَّلْ عَنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَالْقَتْلُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ مِنْهُمْ. [الْمُرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ انْتَقَلَ عَنْ الشِّرْكِ إلَى إيمَانٍ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْ الْإِيمَانِ إلَى الشِّرْكِ مِنْ بَالِغِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] إِلَى {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ حَمَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَرَّقَ الْمُرْتَدِّينَ أَوْ الزَّنَادِقَةَ قَالَ: لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ثَابِتٌ، وَلِمَ أَرَ أَهْلَ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَ الْحَدِيثَيْنِ بَعْدَ حَدِيثِ زَيْدٍ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَلَا الْحَدِيثَ قَبْلَهُ (قَالَ) : وَمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ» ، وَمَعْنَى، " مَنْ بَدَّلَ قُتِلَ " مَعْنًى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ دِينَ الْحَقِّ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ لَا مَنْ بَدَّلَ غَيْرَ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَدْيَانِ فَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ بَاطِلٍ إلَى بَاطِلٍ، وَلَا يُقْتَلُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْبَاطِلِ إنَّمَا يُقْتَلُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْحَقِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدِّينِ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَعَلَى خِلَافِهِ النَّارَ إنَّمَا كَانَ عَلَى دِينٍ لَهُ النَّارُ إنْ أَقَامَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19] ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] إلَى قَوْلِهِ {مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] وَقَالَ {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132] إلَى قَوْلِهِ {مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ أَوْ الْمُرْتَدَّةُ فَأَمْوَالُهُمَا فَيْءٌ لَا يَرِثُهَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ، وَسَوَاءٌ مَا كَسَبَا مِنْ أَمْوَالِهِمَا فِي الرِّدَّةِ أَوْ مَلَكَا قَبْلَهَا، وَلَا يُسْبَى لِلْمُرْتَدِّينَ ذُرِّيَّةٌ امْتَنَعَ الْمُرْتَدُّونَ فِي دَارِهِمْ أَوْ لَمْ يَمْتَنِعُوا أَوْ لَحِقُوا فِي الرِّدَّةِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ ثَبَتَتْ لِلذُّرِّيَّةِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ فِي تَبْدِيلِ آبَائِهِمْ، ويوارثون، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ الْحِنْثَ أُمِرَ بِالْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُعَاهَدُونَ فَامْتَنَعُوا أَوْ هَرَبُوا إلَى دَارِ الْكُفَّارِ، وَعِنْدَنَا ذَرَارِيُّ لَهُمْ وُلِدُوا مِنْ أَهْلِ عَهْدٍ لَمْ نَسْبِهِمْ، وَقُلْنَا لَهُمْ إذَا بَلَغُوا ذَلِكَ - إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ الْعَهْدُ، وَإِلَّا نَبَذْنَا إلَيْكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَأَنْتُمْ حَرْبٌ -، وَمِنْ وُلِدَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالذِّمِّيِّينَ فِي الرِّدَّةِ لَمْ يُسْبَ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ لَا يُسْبَوْنَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ مَا كَانَ حَيًّا فَإِنْ مَاتَ عَلَى

الرِّدَّةِ أَوْ قُتِلَ جَعَلْنَا مَالَهُ فَيْئًا، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَمَالُهُ لَهُ، وَإِذَا ارْتَدَّ رَجُلٌ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ امْرَأَةٌ اُسْتُتِيبَ أَيُّهُمَا ارْتَدَّ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ فِيهِ أَنْ يُسْتَتَابَ مَكَانَهُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْخَبَرُ أَنْ يُسْتَتَابَ مُدَّةً مِنْ الْمُدَدِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: " فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَبْسِهِ ثَلَاثًا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَحِلُّ الدَّمُ بِثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ» ، وَهَذَا قَدْ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ، وَبَدَّلَ دِينَهُ دِينَ الْحَقِّ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِأَنَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ تُتَّبَعُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَجَّلَ بَعْضَ مَنْ قَضَى بِعَذَابِهِ أَنْ يَتَمَتَّعَ فِي دَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ نُزُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِمَنْ عَصَمَاهُ مُخَالِفٌ لِمَا يَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَقُومُوا بِهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَضَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ إمْهَالِهِ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَعَصَاهُ، وَقِيلَ: أَسَلْنَاهُ مُدَدًا طَالَتْ، وَقَصُرَتْ، وَمِنْ أَخْذِهِ بَعْضَهُمْ بِعَذَابٍ مُعَجَّلٍ، وَإِمْهَالِهِ بَعْضَهُمْ إلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ أَخْزَى فَأَمْضَى قَضَاءَهُ عَلَى مَا أَرَادَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَمَا وَجَبَ مِنْ حُقُوقِهِ فَالْمُتَأَنَّى بِهِ ثَلَاثًا لِيَتُوبَ بَعْدَ ثَلَاثٍ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَهَا إمَّا لَا يَنْقَطِعُ مِنْهُ الطَّمَعُ مَا عَاشَ لِأَنَّهُ يُئِسَ مِنْ تَوْبَتِهِ ثُمَّ يَتُوبُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إغْرَامُهُ يَقْطَعُ الطَّمَعَ مِنْهُ فَذَلِكَ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ، وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَتَأَنَّى بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لَوْ حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، لَيْسَ بِثَابِتٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ مُتَّصِلًا، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا كَأَنْ لَمْ يُجْعَلْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ شَيْئًا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يُحْبَسُ ثَلَاثًا، وَمَنْ قَالَ بِهِ احْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَرَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الْحَدُّ فَيَتَأَنَّى بِهِ الْإِمَامُ بَعْضَ الْأَنَاةِ فَلَا يُعَابُ عَلَيْهِ قَالَ الرَّبِيعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَجُوزَ كُلُّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَيُقَالُ لَهُ: قُمْ فَصَلِّ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُتِلَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُرْتَدِّ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ ارْتَدَّ إلَى دِينٍ يُظْهِرُهُ أَوْ لَا يُظْهِرُهُ لَمْ يُسْتَتَبْ وَقُتِلَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَوَاءٌ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ أَسْلَمَ لَمْ يُولَدْ عَلَيْهَا فَأَيُّهُمَا ارْتَدَّ فَكَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ دِينٍ يُظْهِرُهُ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى دِينٍ لَا يُظْهِرُهُ مِثْلُ الزَّنْدَقَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا قُتِلَ، وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى تَوْبَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَوَاءٌ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُولَدْ عَلَيْهَا إذَا فَأَيُّهُمَا ارْتَدَّ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا أَقُولُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ اخْتَرْتَهُ؟ قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ الَّذِي أَبَحْتُ بِهِ دَمَ الْمُرْتَدِّ مَا أَبَاحَ اللَّهُ بِهِ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ» فَلَا يَعْدُو قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ تُوجِبُ دَمَهُ كَمَا يُوجِبُهُ الزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ فَقُتِلَ بِمَا أَوْجَبَ دَمَهُ مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ إلَى أَيِّ كُفْرٍ رَجَعَ، وَمَوْلُودًا عَلَى الْفِطْرَةِ كَانَ أَوْ غَيْرَ مَوْلُودٍ، أَوْ يَكُونُ إنَّمَا يُوجِبُ دَمَهُ كُفْرٌ ثَبَتَ عَنْهُ إذَا سُئِلَ النُّقْلَةَ عَنْهُ امْتَنَعَ، وَهَذَا أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِهِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدًّا رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَأَبُو بَكْرٍ قَتَلَ الْمُرْتَدِّينَ وَعُمَرُ قَتَلَ طُلَيْحَةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَغَيْرَهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلَانِ اللَّذَانِ تَرَكْتُ لَيْسَا

بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا وَجْهَ لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُمَا، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْعِبَادُ الْحُكْمَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَوَلَّى اللَّهُ الثَّوَابَ عَلَى السَّرَائِرِ دُونَ خَلْقِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ - اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [المنافقون: 1 - 2] إلَى قَوْلِهِ {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] (قَالَ) : وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] مَا هُمْ بِمُخْلِصِينَ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أَظْهَرُوا الرُّجُوعَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} [التوبة: 74] فَحَقَنَ بِمَا أَظْهَرُوا مِنْ الْحَلِفِ مَا قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ دِمَاءَهُمْ بِمَا أَظْهَرُوا (قَالَ) : وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إظْهَارَ الْإِيمَانِ جُنَّةٌ مِنْ الْقَتْلِ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ السَّرَائِرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عَنْ «الْمِقْدَادِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِسَيْفٍ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقْتُلْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ إحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» قَالَ الرَّبِيعُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» ، يَعْنِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِك حَرَامُ الدَّمِ، وَأَنْتَ إنْ قَتَلْتَهُ بِمَنْزِلَتِهِ كُنْت مُبَاحَ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي قَالَ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُنَافِقِينَ دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا، لَا يُقْتَلُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءَهُمْ وَقَدْ رَجَعُوا إلَى غَيْرِ يَهُودِيَّةٍ، وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ، وَلَا دِينٍ يُظْهِرُونَهُ إنَّمَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الظَّاهِرِ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فَنَاكَحُوا الْمُسْلِمِينَ وَوَارَثُوهُمْ وَأُسْهِمَ لِمَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ، وَتُرِكُوا فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا رَجْعَ عَنْ الْإِيمَانِ أَبَدًا أَشَدُّ وَلَا أَبْيَنُ كُفْرًا مِمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كُفْرِهِ بَعْدَ إيمَانِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ الْآدَمِيُّونَ فَمِنْهُمْ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ بِقَوْلٍ ظَاهِرٍ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] فَكُلُّهُمْ إذَا قَالَ مَا قَالَ، وَثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ جَحَدَ أَوْ أَقَرَّ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تُرِكَ بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُقْتَلْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] إلَى قَوْلِهِ {فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] فَإِنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَالِفَةٌ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ لِأَنَّا نَرْجُو أَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ إلَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَحِمَهُ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نُهِيَ عَنْهُمْ، وَصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ بِنَهْيِ اللَّهِ لَهُ وَلَمْ يَنْهَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا، وَلَا عَنْ مَوَارِيثِهِمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ تَرْكَ قَتْلِهِمْ جُعِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً

فَذَلِكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيُقَالُ فِيمَنْ تَرَكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَتْلَهُ أَوْ قَتَلَهُ جُعِلَ هَذَا لَهُ خَاصَّةً وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ إلَّا بِأَنْ تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَمْرًا جُعِلَ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَمَا صَنَعَ عَامٌّ، عَلَى النَّاسِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي مِثْلِهِ إلَّا مَا بَيَّنَ هُوَ أَنَّهُ خَاصٌّ أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ بِخَبَرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ عَاشَرُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَئِمَّةَ الْهُدَى، وَهُمْ يَعْرِفُونَ بَعْضَهُمْ فَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَمْ يَمْنَعُوهُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ إذْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ إذَا مَاتَ مَيِّتٌ فَإِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ اجْلِسْ جَلَسَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، وَإِنَّمَا يَجْلِسُ عُمَرُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُبَاحٌ لَهُ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ سِوَاهُ، وَقَدْ يَرْتَدُّ الرَّجُلُ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ مِنْهَا وَقَدْ يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ مُجَامَعَةِ النَّصَارَى وَلَا غِشْيَانِ الْكَنَائِسِ، فَلَيْسَ فِي رِدَّتِهِ إلَى دِينٍ لَا يُظْهِرُهُ إذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ شَيْءٌ يُمَكِّنُ بِأَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا أَجِدُ دَلَالَةً عَلَى تَوْبَتِهِ بِغَيْرِ قَوْلِهِ إلَّا، وَهُوَ يَدْخُلُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَكُلُّ دِينٍ يُظْهِرُهُ وَيُمْكِنُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ رِدَّتَهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى الرِّدَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمْ أُكَلَّفْ هَذَا إنَّمَا كُلِّفْت مَا ظَهَرَ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ مَا غَابَ فَأَقْبَلُ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ إذَا قَالَهُ ظَاهِرًا وَأَنْسُبُهُ إلَيْهِ، وَأَعْمَلُ بِهِ إذَا عَمِلَ فَهَذَا وَاحِدٌ فِي كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ إلَّا بِحُجَّةٍ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيْنَهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ لِلَّهِ حُكْمًا، وَلَا لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفَرِّقُ بَيْنَهُ، وَأَحْكَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ مَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ عَلَيْهِ، فَالْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَفِي «الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَفْتَى فِيهِ الْمِقْدَادُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَطَعَ يَدَهُ عَلَى الشِّرْكِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَلَّا كَشَفْت عَنْ قَلْبِهِ؟» يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا ظَاهِرُهُ، وَفِي «قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُدَيْعِجَ جَعْدًا فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ» وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ بِهِ فَإِنِّي إنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفِي كُلِّ هَذَا دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يَقْضِ إلَّا بِالظَّاهِرِ فَالْحُكَّامُ بَعْدَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْضُوا إلَّا عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَا يَعْلَمُ السَّرَائِرَ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالظُّنُونُ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَهَرَبَ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَهُ نِسَاءٌ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ، وَمُكَاتَبُونَ وَمُدَبَّرُونَ، وَمَمَالِيكُ، وَأَمْوَالٌ مَاشِيَةٌ، وَأَرْضُونَ وَدُيُونٌ لَهُ عَلَيْهِ أَمَرَ الْقَاضِي نِسَاءَهُ أَنْ يَعْتَدِدْنَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا، وَهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ فَهُوَ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ تَائِبًا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهُنَّ فَقَدْ انْفَسَخْنَ مِنْهُ، وَيَنْكِحْنَ مَنْ شِئْنَ، وَوَقَفَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَمَتَى جَاءَ تَائِبًا فَهُنَّ فِي مِلْكِهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَتَقْنَ، وَكَانَ مُكَاتَبُوهُ عَلَى كِتَابَتِهِمْ تُؤْخَذُ نُجُومُهُمْ فَإِنْ عَجَزُوا رَجَعُوا رَقِيقًا، وَنَظَرَ فِيمَنْ بَقِيَ مِنْ رَقِيقِهِ فَإِنْ كَانَ حَبْسُهُمْ أَزْيَدَ فِي مَالِهِ حَبَسَهُمْ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَزِيدُ فِي مَالِهِ بِخَرَاجٍ أَوْ بِصِنَاعَةٍ أَوْ كِفَايَةٍ لِضَيْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ حَبْسُهُمْ يُنْقِصُ مِنْ مَالِهِ أَوْ حَبْسُ بَعْضِهِمْ بَاعَ مَنْ كَانَ حَبْسُهُ مِنْهُمْ نَاقِصًا لِمَالِهِ وَهَكَذَا يَصْنَعُ فِي مَاشِيَتِهِ، وَأَرْضِهِ، وَدُورِهِ، وَرَقِيقِهِ وَيَقْتَضِي دَيْنَهُ، وَيَقْضِي عَنْهُ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَإِنْ رَجَعَ تَائِبًا سَلَّمَ إلَيْهِ مَا وَقَفَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَيْئًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَنَى فِي رِدَّتِهِ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ أُخِذَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ جُنِيَ

الخلاف في المرتد

عَلَيْهِ فَالْجِنَايَةُ هَدَرٌ لِأَنَّ دَمَهُ مُبَاحٌ فَمَا دُونَ دَمِهِ أَوْلَى أَنْ يُبَاحَ مِنْ دَمِهِ. (قَالَ) : وَإِنْ أَعْتَقَ فِي رِدَّتِهِ أَحَدًا مِنْ رَقِيقِهِ فَالْعِتْقُ مَوْقُوفٌ وَيُسْتَغَلُّ الْعَبْدُ، وَيُوقَفُ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَغَلَّتُهُ مَعَ عُنُقِهِ فَيْءٌ، وَإِنْ رَجَعَ تَائِبًا فَهُوَ حُرٌّ، وَلَهُ مَا غَلَّ بَعْدَ الْعِتْقِ (قَالَ) : وَإِنْ أَقَرَّ فِي رِدَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ كَمَا وَصَفْتُ فِي الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ (قَالَ) : وَإِنْ، وَهَبَ فَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ يُعْتِقُ فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ وَيَتَصَدَّقُ فَتَبْطُلُ صَدَقَتُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْوِلَايَةِ؟ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] فَكَانَ قَضَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُحْبَسَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا وَيُؤْنَسَ مِنْهُمْ رُشْدٌ فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا أَمْرَ لَهُمْ، وَأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ لِصَلَاحِهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ، وَلَمْ يُسَلَّطُوا عَلَى إتْلَافِهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُهُمْ وَلَا يُصْلِحُ مَعَايِشَهُمْ فَبَطَلَ مَا أَتْلَفُوا فِي هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَمْ يُحْبَسْ مَالُ الْمُرْتَدِّ بِنَظَرِ مَالِهِ وَلَا بِأَنَّهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ عَلَى شِرْكِهِ لَجَازَ أَمْرُهُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّا لَا نَلِي عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَمْوَالَهُمْ فَأَجَزْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ فِيهِ إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ كَانَ لَنَا بِمَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ مَا فِي أَيْدِينَا مِنْ مَالِهِ فَيْئًا، فَإِنْ قِيلَ أَوْ لَيْسَ مَالُهُ عَلَى حَالِهِ؟ قِيلَ: بَلْ مَالُهُ عَلَى شَرْطٍ. [الْخِلَافُ فِي الْمُرْتَدِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْإِسْلَامِ حُبِسَتْ وَلَمْ تُقْتَلْ، فَقُلْتُ لِمَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: أَخَبَرًا قُلْتَهُ أَمْ قِيَاسًا؟ قَالَ: بَلْ خَبَرًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ قَوْلًا فِيهِ قُلْت الَّذِي قَالَ هَذَا خَطَّاءٌ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ بِأَكْثَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْتُ: لَهُ قَدْ حَدَّثَ بَعْضُ مُحَدِّثِيكُمْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَتَلَ نِسْوَةً ارْتَدَدْنَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَحْتَجَّ بِهِ إذْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (قَالَ) : فَإِنِّي أَقُولُهُ قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ (قُلْت) : فَاذْكُرْهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ» فَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ لَا يُقْتَلْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ النِّسَاءُ اللَّاتِي ثَبَتَ لَهُنَّ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلْنَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ أَوَيُشْبِهُ حُكْمُ دَارِ الْحَرْبِ الْحُكْمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (قَالَ) : وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ؟ قُلْتُ أَنْتَ تُفَرِّقُ بَيْنَهُ (قَالَ) : وَأَيْنَ؟ قُلْت: أَرَأَيْت الْكَبِيرَ الْفَانِيَ، وَالرَّاهِبَ الْأَجِيرَ أَيُقْتَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَالَ: لَا (قُلْت) : فَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَتَرَهَّبَ أَوْ ارْتَدَّ أَجِيرًا نَقْتُلُهُ قَالَ: نَعَمْ (قُلْت) : وَلِمَ؟ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَصَارُوا كُفَّارًا فَلِمَ لَا تَحْقِنُ دِمَاءَهُمْ؟ (قَالَ) : لِأَنَّ قَتْلَ هَؤُلَاءِ كَالْحَدِّ لَيْسَ لِي تَعْطِيلُهُ (قُلْت) : أَرَأَيْتَ مَا حَكَمْتَ بِهِ حُكْمَ الْحَدِّ أَنُسْقِطُهُ عَنْ الْمَرْأَةِ؟ أَرَأَيْتَ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ، وَالرَّجْمَ، وَالْجَلْدَ أَتَجِدُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرْقًا؟ قَالَ: لَا (قُلْتُ) فَكَيْفَ لَمْ تَقْتُلْهَا بِالْحَدِّ فِي الرِّدَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَتَغْنَمُ مَالَهَا، وَتَسْبِيهَا، وَتَسْتَرِقُّهَا قَالَ نَعَمْ (قُلْت) : فَتَصْنَعُ هَذَا بِالْمُرْتَدَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ جَازَ لَك أَنْ تَقِيسَ بِالشَّيْءِ مَا لَا يُشْبِهُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَسَمْنَا مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَضَيْنَا كُلَّ دَيْنٍ عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ وَأَعْتَقْنَا أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وَمُدَبَّرِيهِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ نَرُدَّ مِنْ الْحُكْمِ شَيْئًا إلَّا أَنْ نَجِدَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فِي يَدَيْ أَحَدٍ مِنْ

وَرَثَتِهِ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَالُهُ، وَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ وَرَثَتِهِ شَيْئًا مِمَّا قَضَيْنَا لَهُ بِهِ مِيرَاثًا لَمْ يَضْمَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْتُ لِأَعْلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَهُمْ: أُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَك أَرْبَعَةُ أُصُولٍ أَوْجَبُهَا وَأَوْلَاهَا أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ فَلَا يُتْرَكُ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا أَعْلَمُك إلَّا قَدْ جَرَّدْت خِلَافَهُمَا، ثُمَّ الْقِيَاسُ، وَالْمَعْقُولُ عِنْدَك الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ هَذَيْنِ الْإِجْمَاعُ فَقَدْ خَالَفْت الْقِيَاسَ وَالْمَعْقُولَ، وَقُلْتَ فِي هَذَا قَوْلًا مُتَنَاقِضًا (قَالَ) : فَأَوْجِدْنِي مَا وَصَفْتَ قُلْتُ لَهُ قَالَ اللَّهُ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ آيِ الْمَوَارِيثِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا مَلَّكَ الْأَحْيَاءَ بِالْمَوَارِيثِ مَا كَانَ الْمَوْتَى يَمْلِكُونَ إذَا كَانُوا أَحْيَاءً؟ قَالَ: بَلَى (قُلْت) : وَالْأَحْيَاءُ خِلَافُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: نَعَمْ (قُلْت) : أَفَرَأَيْتَ الْمُرْتَدَّ بِبَعْضِ ثُغُورِنَا يَلْحَقُ بِمَسْلَحَةٍ لِأَهْلِ الْحَرْبِ يَرَاهَا فَيَكُونُ قَائِمًا بِقِتَالِنَا أَوْ مُتَرَهِّبًا أَوْ مُعْتَزِلًا لَا تُعْرَفُ حَيَاتُهُ فَكَيْفَ حَكَمْتَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى وَهُوَ حَيٌّ؟ بِخَبَرٍ قُلْتَهُ أَمْ قِيَاسًا (قَالَ) : مَا قُلْتُهُ خَبَرًا (قُلْت) : وَكَيْفَ عِبْتَ أَنْ حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ، وَلَمْ يَحْكُمَا فِي مَالِهِ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ حُكْمِ الْمَوْتَى، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَيِّتٍ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَحَكَمْتَ أَنْتَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ حُكْمَ الْمَوْتَى فِي كُلِّ شَيْءٍ بِرَأْيِك ثُمَّ قُلْتَ فِيهِ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا (قَالَ) : فَقَالَ أَلَا تَرَانِي لَوْ أَخَذْتُهُ فَقَتَلْتُهُ (قُلْت) : وَقَدْ تَأْخُذُهُ فَلَا تَقْتُلُهُ بِأَخْذِهِ مُبَرْسَمًا أَوْ أَخْرَسَ فَلَا تَقْتُلُهُ حَتَّى يُفِيقَ فَتَسْتَتِيبَهُ قَالَ نَعَمْ (قَالَ) : وَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كُنْت إذَا أَخَذْتَهُ قَتَلْتَهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى، وَأَنْتَ لَمْ تَأْخُذْهُ وَلَمْ تَقْتُلْهُ، وَقَدْ تَأْخُذُهُ، وَلَا تَقْتُلُهُ بِأَنْ يَتُوبَ بَعْدَمَا تَأْخُذُهُ، وَقَبْلَ تَغَيُّرِ حَالِهِ بِالْخَرَسِ؟ (قَالَ) : فَإِنِّي أَقُولُ إذَا ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَيِّتٍ (قَالَ) : فَقُلْتُ لَهُ أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَيِّتٌ يَحْيَا بِغَيْرِ خَبَرٍ؟ فَإِنْ جَازَ هَذَا لَك جَازَ لِغَيْرِك مِثْلُهُ ثُمَّ كَانَ لِأَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (قَالَ) : وَمَا ذَلِكَ لَهُمْ (قُلْت) : وَلِمَ؟ (قَالَ) : لِأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولُوا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ أَثَرٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ مَعْقُولٍ، وَلَا يَقُولُونَ بِمَا يَعْرِفُ النَّاسُ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ أَثَرٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يُخَالَفَ (قُلْت) : هَذَا سُنَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ (قُلْت) : فَقَدْ قُلْت بِخِلَافِ الْكِتَابِ، وَالْقِيَاسِ، وَالْمَعْقُولِ (قَالَ) : فَأَيْنَ خَالَفْتُ الْقِيَاسَ؟ (قُلْت) : أَرَأَيْتَ حِينَ زَعَمْت أَنَّ عَلَيْك إذَا ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى، وَأَنَّك لَا تَرُدُّ الْحُكْمَ إذَا جَاءَ لِأَنَّك إذَا حَكَمْت بِهِ لَزِمَك إنْ جَاءَتْ سُنَّةٌ فَتَرَكْتَهُ لَمْ تَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَشْرَ سِنِينَ حَتَّى جَاءَ تَائِبًا ثُمَّ طَلَبَ مِنْك مَنْ كُنْت تَحْكُمُ فِي مَالِهِ حُكْمَ الْمَوْتَى أَنْ تُسَلِّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَقَالَ قَدْ لَزِمَك أَنْ تُعْطِيَنَا هَذَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ؟ قَالَ: وَلَا أُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَقُّ بِمَالِهِ (قُلْت) : لَهُ فَإِنْ قَالُوا إنْ كَانَ هَذَا لَزِمَك فَلَا يَحِلُّ لَك إلَّا أَنْ تُعْطِيَنَاهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَلْزَمْك إلَّا بِمَوْتِهِ فَقَدْ أَعْطَيْتنَاهُ فِي حَالٍ لَا يَحِلُّ لَك، وَلَا لَنَا مَا أَعْطَيْتنَا مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ إذْ زَعَمْتَ أَنَّك إذَا حَكَمْتَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَوْتَى فَهَلْ يَعْدُو الْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ نَافِذًا لَا يُرَدُّ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ يُرَدُّ إذَا جَاءَ (قَالَ) : مَا أَقُولُ بِهَذَا التَّحْدِيدِ (قُلْتُ) : أَفَتُفَرِّقُ بَيْنَهُ بِخَبَرٍ يُلْزَمُ فَنَتَّبِعُهُ؟ (قَالَ) : لَا فَقُلْتُ إذَا كَانَ خِلَافَ الْقِيَاسِ، وَالْمَعْقُولِ، وَتَقُولُ بِغَيْرِ خَبَرٍ أَيَجُوزُ؟ قَالَ: إنَّمَا فَرَّقَ أَصْحَابُكُمْ بِغَيْرِ خَبَرٍ (قُلْت) أَفَرَأَيْتَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ صَوَابًا؟ قَالَ: لَا (قُلْت) : أَوْ رَأَيْتَ أَيْضًا قَوْلَك إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَضَيْتَ صَاحِبَ الدَّيْنِ دَيْنَهُ، وَهُوَ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْتَقْتَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وَمُدَبَّرِيهِ، وَقَسَمْتَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ بَنِيهِ فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ دِينَارٍ فَأَتْلَفَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَالْآخَرَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ فَقَالَ: اُرْدُدْ عَلَيَّ مَا لِي فَهُوَ هَذَا، وَهَؤُلَاءِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، وَمُدَبَّرِيَّ

بِأَعْيَانِهِمْ، وَهَذَا صَاحِبُ دَيْنِي يَقُولُ لَك: هَذَا مَالُهُ فِي يَدَيَّ لَمْ أُغَيِّرْهُ، وَهَذَانِ ابْنَايَ مَالِي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ قَدْ صَادَنِي الْآخَرُ فَأَتْلَفَ مَالِي (قَالَ) : أَقُولُ لَهُ: قَدْ مَضَى الْحُكْمُ، وَلَا يُرَدُّ غَيْرَ أَنِّي أُعْطِيك الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ ابْنِك الَّذِي لَمْ يُتْلِفْهُ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ لَك وَلِمَ تُعْطِينِيهِ دُونَ مَالِي (قَالَ) : لِأَنَّهُ مَالُك بِعَيْنِهِ فَقُلْتُ لَهُ: فَمُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَدَيْنُهُ الْمُؤَجَّلُ مَالُهُ بِعَيْنِهِ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ (قَالَ) : لَا أُعْطِيهِ إيَّاهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى بِهِ (قُلْت) : وَمَضَى مَا أَعْطَيْتَ ابْنَهُ قَالَ نَعَمْ (قُلْت) : فَحَكَمْتَ حُكْمًا، وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إمْضَاءَهُ فَأَمْضِهِ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ رَدَّهُ فَرُدَّهُ كُلَّهُ (قَالَ) : أَرُدُّ مَا وَجَدْتُهُ بِعَيْنِهِ (قُلْت) : لَهُ فَارْدُدْ إلَيْهِ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ بِعَيْنِهِ وَمُدَبَّرِيهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ قَالَ: أَرُدُّ عَيْنَ مَا وَجَدْت فِي يَدِ وَارِثِهِ (قُلْت) : لَهُ أَفَتَرَى هَذَا جَوَابًا؟ فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ فَأَيْنَ السُّنَّةُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قُلْت) أَفَيَعْدُو الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا؟ قَالَ بَلْ كَافِرٌ، وَبِذَلِكَ أَقْتُلُهُ (قُلْت) : أَفَمَا تُبَيِّنُ لَك السُّنَّةُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ قَالَ فَإِنَّا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَرَّثَ مُرْتَدًّا قَتَلَهُ وَوَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. (قَالَ) : فَقُلْت أَنَا أَسْمَعُك وَغَيْرَك تَزْعُمُونَ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ تَوْرِيثِهِ الْمُرْتَدَّ خَطَأٌ وَأَنَّ الْحُفَّاظَ لَا يَرْوُونَهُ فِي الْحَدِيثِ (قَالَ) : فَقَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا خَطَأٌ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَذَلِكَ ظَنٌّ (قَالَ) : فَقُلْت لَهُ: رَوَى الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» فَقُلْت فَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا الْحُفَّاظُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ أَفَرَأَيْت لَوْ احْتَجَجْنَا عَلَيْك بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقُلْنَا: هَذَا ظَنٌّ وَالثَّقَفِيُّ ثِقَةٌ، وَأَنَّ صُنْعَ غَيْرِهِ أَوْشَكَ قَالَ فَإِذًا لَا تُنْصِفُ (قُلْت) : وَكَذَلِكَ لَمْ تُنْصِفْ أَنْتَ حِينَ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ الْحُفَّاظَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ تَوْرِيثُ مَالِهِ، وَقُلْتَ: هَذَا غَلَطٌ ثُمَّ احْتَجَجْتَ بِهِ، فَقَالَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا، قُلْت فَأَصْلُ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ نَحْنُ وَأَنْتَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ وَلَوْ كَثُرُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؟ قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي أَقُولُ: قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ قَطُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: أَفَتَقُولُ هَذَا بِدَلَالَةٍ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعْلَمُ بِهِ فَقُلْتُ أَيَرْوِي عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثَ فَنَقُولُ لَا يَدَعُ شَيْئًا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا وَقَدْ عَرَفَ مَعْنَاهُ فَيُوَجَّهُ عَلَى مَا قُلْت؟ (قَالَ) : مَا عَلِمْتُهُ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قُلْت) : أَفَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْتُ لَهُ: أَفَتَرَى لَك فِي هَذَا حُجَّةً؟ قَالَ: لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقُلْتُ: وَقَدْ وَجَدْتُكَ تُخْبِرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ نِسَائِهَا، وَكَانَتْ نُكِحَتْ عَلَى غَيْرِ صَدَاقٍ فَقَضَى بِخِلَافِهِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ ابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَقُلْت: لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ وَلَا فِي قَوْلِهِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْت لَهُ: فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا قَالَ هَذَا زَيْدٌ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَ بِرْوَعَ فَرَضَ لَهَا بَعْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ فَحَفِظَ مَعْقِلٌ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بَعْدَ فَرِيضَةٍ، وَعَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ قَدْ كَانَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ:

كتاب الجنائز

قَالَ. لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرْوُوهُ فَيَكُونُونَ قَالُوهُ بِرِوَايَةٍ. وَإِنَّمَا قَالُوا عِنْدَنَا بِالرَّأْيِ حَتَّى يَدَّعُوا فِيهِ رِوَايَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِمَ لَا يَكُونُ مَا رَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمُرْتَدِّ هَكَذَا؟ (قَالَ) : وَقُلْت لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُمْ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا، أَفَرَأَيْت إنْ قَالَ لَك قَائِلٌ: فَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَحْتَمِلُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ حُكْمِهِ كَانَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ يَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كَثِيرًا مِمَّا حُمِّلَ، وَلَيْسَ مُعَاذٌ حُجَّةً، وَإِنْ قَالَ قَوْلًا وَاحْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ الْحَدِيثَ (قُلْت) : فَنَقُولُ لَك وَمُعَاذٌ يَجْهَلُ هَذَا، وَيَرْوِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَدْ يَجْهَلُ السُّنَّةَ الْمُتَقَدِّمُ الصُّحْبَةَ وَيَعْرِفُهَا قَلِيلُ الصُّحْبَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ كَيْفَ لَمْ تَقُلْ هَذَا فِي الْمُرْتَدِّ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَطَعَ الْكَلَامَ: وَقَالَ، وَلِمَ قُلْت يَكُونُ مَالُ الْمُرْتَدِّ فَيْئًا؟ (قُلْت) : بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ دَمَ الْمُؤْمِنِ وَمَالَهُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ أَلْزَمَهُ إيَّاهَا، وَأَبَاحَ دَمَ الْكَافِرِ وَمَالَهُ إلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ أَوْ يُسْتَأْمَنَ إلَى مُدَّةٍ، فَكَانَ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْبَالِغِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ هُوَ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ مَالُهُ، وَكَانَ الْمَالُ تَبَعًا لِلَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنْ الْإِسْلَامِ صَارَ فِي مَعْنَى مَنْ أُبِيحَ دَمُهُ بِالْكُفْرِ لَا بِغَيْرِهِ وَكَانَ مَالُهُ تَبَعًا لِدَمِهِ، وَيُبَاحُ بِاَلَّذِي أُبِيحَ بِهِ مِنْ دَمِهِ، وَلَا يَكُونُ أَنْ تَنْحَلَّ عَنْهُ عُقْدَةُ الْإِسْلَامِ فَيُبَاحَ دَمُهُ وَيُمْنَعَ مَالَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: فَإِنْ كُنْتَ شَبَّهْتَهُ بِأَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ، وَفَرَّقْتَهُ فِي آخَرَ (قُلْت) : وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنْتَ لَا تَغْنَمُ مَالَهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ تَقْتُلَهُ، وَقَدْ يُغْنَمُ مَالُ الْحَرْبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَتَقْتُلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: الْحُكْمُ فِي أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمَانِ: فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَأُغِيرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ آخُذُ مَالَهُ وَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا أُغِيرُ عَلَيْهِ حَتَّى أَدْعُوَهُ، وَلَا أَغْنَمُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا حَتَّى أَدْعُوَهُ فَيَمْتَنِعُ فَيَحِلُّ دَمُهُ وَمَالُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمُرْتَدِّ أَنْ يُدْعَى لَمْ يُغْنَمْ مَالُهُ حَتَّى يُدْعَى، فَإِذَا امْتَنَعَ قُتِلَ، وَغُنِمَ مَالُهُ. [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] [بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ] كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ يَنْتَهِي لَا يُجْزِئُ دُونَهُ، وَلَا يُجَاوَزُ، وَلَكِنْ يُغَسَّلُ فَيُنْقَى وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُنَّ فِي غُسْلِ بِنْتِهِ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَابَ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى مَالِكٍ، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غُسْلَ الْمَيِّتِ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ؟ ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَابْنِ سِيرِينَ فَرَأَى مَالِكٌ مَعَانِيَهَا عَلَى إنْقَاءِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ رِوَايَتَهُمْ جَاءَتْ عَنْ رِجَالٍ غَيْرِ وَاحِدٍ فِي عَدَدِ الْغُسْلِ، وَمَا يُغَسَّلُ بِهِ، فَقَالَ: غَسَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا: وَقَالَ: غُسِّلَ فُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا ثَمَّ وَرَأَيْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْضُرُهُمْ مِمَّا يُغَسَّلُ بِهِ الْمَيِّتُ

وَعَلَى قَدْرِ إنْقَائِهِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْتَى فِي ذَلِكَ اخْتِلَافَ الْحَالَاتِ، وَمَا يُمْكِنُ الْغَاسِلِينَ وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَالِكٌ قَوْلًا مُجْمَلًا " يُغَسَّلُ فَيُنْقَى " وَكَذَلِكَ رُوِيَ الْوُضُوءُ مَرَّةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَرُوِيَ الْغُسْلُ مُجْمَلًا. وَذَلِكَ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى الْإِنْقَاءِ وَإِذَا أُنْقِيَ الْمَيِّتُ بِمَاءٍ قَرَاحٍ أَوْ مَاءٍ عِدٍّ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِهِ كَمَا نَنْزِلُ وَنَقُولُ مَعَهُمْ فِي الْحَيِّ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ صِفَةُ غُسْلِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَكِنْ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ عَدَّ لَا يَقْصُرُ عَنْ ثَلَاثٍ لِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا» ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِهِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا؟ قُلْنَا يَزِيدُونَ حَتَّى يُنْقُوهَا، وَإِنْ أَنْقَوْا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ أَجْزَأَهُ، وَلَا نَرَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْإِنْقَاءِ إذْ قَالَ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَلَمْ يُوَقِّتْ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ ثَلَاثًا» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُجْزِئُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَرَّةٌ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي أُحِبُّ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يُوضَعَ عَلَى سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَيُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ» (قَالَ) : فَإِنْ لَمْ يُغَسَّلْ فِي قَمِيصٍ أُلْقِيَتْ عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةٌ لَطِيفَةٌ تُوَارِيهَا، وَيُسْتَرُ بِثَوْبٍ، وَيُدْخَلُ بَيْتًا لَا يَرَاهُ إلَّا مَنْ يَلِي غُسْلَهُ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصُبُّ رَجُلٌ الْمَاءَ إذَا وَضَعَ الَّذِي يَلِي غُسْلَهُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لَطِيفَةً فَيَشُدُّهَا ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِسِفْلَتِهِ يُنْقِيهَا كَمَا يَسْتَنْجِي الْحَيُّ ثُمَّ يُنَظِّفُ يَدَهُ ثُمَّ يُدْخِلُ الَّتِي يَلِي بِهَا سُفْلَهُ فَإِنْ كَانَ يُغَسِّلُهُ وَاحِدٌ أَبْدَلَ الْخِرْقَةَ الَّتِي يَلِي بِهَا سِفْلَته، وَأَخَذَ خِرْقَةً أُخْرَى نَقِيَّةً فَشَدَّهَا عَلَى يَدِهِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، وَلَا يَفْغَرُ فَاهُ فَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ بِالْمَاءِ، وَيُدْخِلُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ فِي مَنْخَرَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَيُنْقِي شَيْئًا إنْ كَانَ هُنَالِكَ ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُغَسِّلُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالسِّدْرِ فَإِنْ كَانَ مُلَبَّدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَرِّحَ بِأَسْنَانِ مِشْطِ مُفَرَّجَةٍ، وَلَا يَنْتِفُ شَعْرَهُ ثُمَّ يُغَسِّلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مَا دُونَ رَأْسِهِ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَيُحَرِّكُهُ حَتَّى يُغَسِّلَ ظَهْرَهُ كَمَا يُغَسِّلَ بَطْنَهُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَقْلِبُهُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ إلَى الْآخَرِ كُلَّ غُسْلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ مَوْضِعٌ إلَّا أَتَى عَلَيْهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ثُمَّ يَصْنَعُ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ثُمَّ يُمِرُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ قَدْ أُلْقِيَ فِيهِ الْكَافُورُ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ غُسْلِهِ حَتَّى يُنْقِيَهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَقِيقًا، وَالْمَاءُ يُصَبُّ عَلَيْهِ لِيَكُونَ أَخْفَى لِشَيْءٍ إنْ خَرَجَ مِنْهُ. (قَالَ) : وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ شَبِيهٌ بِمَا وَصَفْت مِنْ غُسْلِ الرَّجُلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُغَسَّلُ الْأَوَّلُ بِمَاءٍ قَرَاحٍ، وَلَا يُعْرَفُ زَعْمُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ضَفَرُوا شَعْرَ رَأْسِهَا كُلَّهُ نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا ثَلَاثَ قُرُونٍ ثُمَّ أُلْقِيَتْ خَلْفَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنْكَرَ هَذَا عَلَيْنَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ يُسْدَلُ شَعْرُهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا، وَإِنَّمَا نَتَّبِعُ فِي هَذِهِ الْآثَارَ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: تُمْشَطُ بِرَأْيِهِ مَا كَانَ إلَّا كَقَوْلِ هَذَا الْمُنْكِرِ عَلَيْنَا، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ ضَفَرْنَا شَعْرَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَنَأْمُرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ غَسَّلَتْ، وَكَفَّنَتْ ابْنَتَهُ، وَبِحَدِيثِهَا يَحْتَجُّ الَّذِي عَابَ عَلَى مَالِكٍ قَوْلَهُ لَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ يُوَقَّتُ ثُمَّ يُخَالِفُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (قَالَ) : وَخَالَفَنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَا يُسَرَّحُ رَأْسُ الْمَيِّتِ، وَلَا لِحْيَتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ تَسْرِيحِهِ أَنْ يُنْتَفَ شَعْرُهُ فَأَمَّا التَّسْرِيحُ

باب في كم يكفن الميت

الرَّفِيقُ فَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْغُسْلِ بِالسِّدْرِ، وَهُوَ تَنْظِيفٌ وَتَمْشِيَةٌ لَهُ (قَالَ) : وَيُتْبَعُ مَا بَيْنَ أَظْفَارِهِ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُخَلِّلُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ مِنْ وَسَخٍ وَفِي ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَسِمَاخِهِ (قَالَ) : والمهنى يُحْلَقُونَ فَإِنْ كَانَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَسَخٌ مُتَلَبِّدٌ رَأَيْت أَنْ يُغَسَّلَ بِالْأُشْنَانِ، وَيُتَابَعَ دَلْكُهُ لِيُنْقَى الْوَسَخُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُحْلَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَعْرٌ، وَلَا يُجَزَّ لَهُ ظُفُرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَإِذَا حُنِّطَ الْمَيِّتُ وُضِعَ الْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ وَالْحَنُوطُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (قَالَ) : وَإِنْ وُضِعَ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ جَسَدِهِ كَافُورٌ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَالَ) : وَيُوضَعُ الْحَنُوطُ، وَالْكَافُورُ عَلَى الْكُرْسُفِ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى مَنْخَرَيْهِ وَفِيهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ جِرَاحٌ نَافِذَةٌ وُضِعَ عَلَيْهَا (قَالَ) : فَإِنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ مَيْتَتِهِ أَوْ مَيِّتِهِ أَنْ يَأْتِيَ عِنْدَ التَّحْرِيكِ إذَا حُمِلَا شَيْئًا لِعِلَّةٍ مِنْ الْعِلَلِ اسْتَحْبَبْت أَنْ يَشُدَّ عَلَى سُفْلِيّهمَا مَعًا بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ يُمْسِكُ شَيْئًا إنْ أَتَى مِنْ ثَوْبٍ صَفِيقٍ فَإِنْ خَفَّ فَلِبْدٌ صَفِيقٌ (قَالَ) : وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْمَيِّتُ تَبْخِيرٌ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ غُسْلِهِ لِيُوَارِيَ رِيحًا إنْ كَانَتْ مُتَغَيِّرَةً، وَلَا يُتْبَعُ بِنَارٍ إلَى الْقَبْرِ. (قَالَ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ رَأَى مِنْ الْمُسْلِمِ شَيْئًا أَنْ لَا حَدَّثَ بِهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ حَقِيقٌ أَنْ يَسْتُرَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ إلَّا أَمِينٌ عَلَى غُسْلِهِ (قَالَ) : وَأَوْلَى النَّاسِ بِغُسْلِهِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِنْ وَلِيَ ذَلِكَ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَغُضَّ الَّذِي يَصُبُّ عَلَى الْمَيِّتِ بَصَرَهُ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غُسْلِهِ وَاحِدٌ أَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ (قَالَ) : ثُمَّ إذَا فُرِغَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ جُفِّفَ فِي ثَوْبٍ حَتَّى يَذْهَبَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ (قَالَ) : وَأُحِبُّ لِمَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ مِنْهَا «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ» ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُسْلِمُ إذَا قَرَابَتِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَيَتْبَعَ جَنَائِزَهُ، وَيَدْفِنَهُ وَلَكِنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِغَسْلِ أَبِي طَالِبٍ» وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَزَّى الْمُسْلِمُ إذَا مَاتَ قَالَ الرَّبِيعُ: إذَا مَاتَ أَبُوهُ كَافِرًا. [بَابٌ فِي كَمْ يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُقَمَّصَ، وَلَا يُعَمَّمَ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كُفِّنَ فِيهِ الْمَيِّتُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّنَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْضَ الْقَتْلَى بِنَمِرَةٍ» وَاحِدَةٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ نُقَصِّرَ عَنْهُ، وَعَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ مَا وَارَى الْعَوْرَةَ. (قَالَ) : فَإِنْ قُمِّصَ أَوْ عُمِّمَ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُجَاوَزَ بِالْمَيِّتِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ فَيَكُونَ سَرَفًا (قَالَ) : وَإِذَا كُفِّنَ مَيِّتٌ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أُجْمِرَتْ بِالْعُودِ حَتَّى يُعْبَقَ بِهَا الْمِجْمَرُ ثُمَّ يُبْسَطُ أَحْسَنُهَا وَأَوْسَعُهَا أَوَّلَهَا، وَيُدَرُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ ثُمَّ بُسِطَ عَلَيْهِ الَّذِي يَلِيهِ فِي السَّعَةِ ثُمَّ ذُرَّ عَلَيْهِ مِنْ حَنُوطٍ ثُمَّ بُسِطَ عَلَيْهِ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ ذُرَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حَنُوطٍ ثُمَّ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ مُسْتَلْقِيًا، وَحُنِّطَ كَمَا وَصَفْت لَك وَوُضِعَ عَلَيْهِ الْقُطْنُ كَمَا وَصَفْتُهُ لَك ثُمَّ يَثْنِيَ عَلَيْهِ صَنِفَةِ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِيهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَثْنِي عَلَيْهِ صَنِفَتهُ الْأُخْرَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ كَمَا يَشْتَمِلُ الْإِنْسَانُ بِالسَّاجِ (يَعْنِي الطَّيْلَسَانَ) حَتَّى تُوَازِيَهَا

باب ما يفعل بالشهيد

صنفة الثَّوْبِ الَّتِي ثُنِيَتْ أَوَّلًا بِقَدْرِ سَعَةِ الثَّوْبِ ثُمَّ يَصْنَعُ بِالْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ (قَالَ) : وَيُتْرَكُ فَضْلٌ مِنْ الثِّيَابِ عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ مَا يُغَطِّيهِمَا ثُمَّ يُعْطَفُ فَضْلُ الثِّيَابِ مِنْ عِنْدِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فَإِنْ خُشِيَ أَنْ تَنْحَلَّ عُقِدَتْ الثِّيَابُ، فَإِذَا وُضِعَ فِي اللَّحْدِ حُلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا (قَالَ) : وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ جُعِلَ الْقَمِيصُ دُونَ الثِّيَابِ وَالثِّيَابُ فَوْقَهُ، وَإِنْ عُمِّمَ جُعِلَتْ الْعِمَامَةُ دُونَ الثِّيَابِ، وَالثِّيَابُ فَوْقَهَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ، وَإِنْ ضَاقَ وَقَصُرَ غُطِّيَ بِهِ الرَّأْسُ وَالْعَوْرَةُ، وَوُضِعَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ فُعِلَ يَوْمَ أُحُدٍ بِبَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ضَاقَ عَنْ الرَّأْسِ، وَالْعَوْرَةِ غُطِّيَتْ بِهِ الْعَوْرَةُ. (قَالَ) : وَإِنْ مَاتَ مَيِّتٌ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ صُنِعَ بِهِ هَكَذَا فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى دَفْنِهِ، وَإِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يَجْعَلُوهُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ، وَيَرْبِطُوهُمَا بِحَبْلٍ لِيَحْمِلَاهُ إلَى أَنْ يَنْبِذَهُ الْبَحْرُ بِالسَّاحِلِ فَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجِدُوهُ فَيُوَارُوهُ، وَهِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ طَرْحِهِ لِلْحِيتَانِ يَأْكُلُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَأَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُمْ (قَالَ) : وَالْمَرْأَةُ يُصْنَعُ بِهَا فِي الْغُسْلِ وَالْحَنُوطِ مَا وَصَفْتُ، وَتُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي الْكَفَنِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَتُلْبَسُ الدِّرْعَ، وَتُؤَزَّرُ وَتُعَمَّمُ، وَتُلَفُّ، وَيُشَدُّ ثَوْبٌ عَلَى صَدْرِهَا بِجَمِيعِ ثِيَابِهَا (قَالَ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ الْإِزَارُ دُونَ الدِّرْعِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنَتِهِ بِذَلِكَ، وَالسِّقْطُ يُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إنْ اسْتَهَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ غُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ (قَالَ) : وَالْخِرْقَةُ الَّتِي تُوَازِي لِفَافَةً تَكْفِيهِ (قَالَ) :، وَالشُّهَدَاءُ الَّذِينَ عَاشُوا وَأَكَلُوا الطَّعَامَ مِثْلُ الْمَوْتَى فِي الْكَفَنِ، وَالْغُسْلِ، وَالصَّلَاةِ، وَاَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ يُكَفَّنُونَ بِثِيَابِهِمْ الَّتِي قُتِلُوا فِيهَا إنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُهُمْ وَالْوَالِي لَهُمْ وَتُنْزَعُ عَنْهُمْ خِفَافٌ كَانَتْ وَفِرَاءٌ، وَإِنْ شَاءَ نَزَعَ جَمِيعَ ثِيَابِهِمْ وَكَفَنَهُمْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ» فَالْكُلُومُ وَالدِّمَاءُ غَيْرُ الثِّيَابِ وَلَوْ كُفِّنَ بَعْضُهُمْ فِي الثِّيَابِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُضِيفًا وَإِنْ كُفِّنَ بَعْضٌ فِي غَيْرِ الثِّيَابِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا وَقَدْ «كَفَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِنَمِرَةٍ كَانَ إذَا غَطَّى بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ فَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ شَجَرٍ» ، وَقَدْ كَانَ فِي الْحَرْبِ لَا يُشَكُّ أَنْ قَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَفَنُ الْمَيِّتِ، وَحَنُوطُهُ، وَمُؤْنَتُهُ حَتَّى يُدْفَنَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لَيْسَ لِغُرَمَائِهِ وَلَا لِوَارِثِهِ مَنْعُ ذَلِكَ فَإِنْ تَشَاحُّوا فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ إنْ كَانَ وَسَطًا لَا مُوسِرًا وَلَا مُقِلًّا، وَمِنْ الْحَنُوطِ بِالْمَعْرُوفِ لَا سَرَفًا وَلَا تَقْصِيرًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَنُوطٌ وَلَا كَافُورٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَ. [بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالشَّهِيدِ] ِ، وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَتَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعْتَرَكِ لَمْ تُغْسَلْ الْقَتْلَى، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَدُفِنُوا بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَكَفَّنَهُمْ أَهْلُوهُمْ فِيمَا شَاءُوا كَمَا يُكَفَّنُ غَيْرُهُمْ إنْ شَاءُوا فِي ثِيَابِهِمْ الَّتِي تُشْبِهُ الْأَكْفَانَ وَتِلْكَ الْقُمُصِ وَالْأُزُرِ وَالْأَرْدِيَةِ، وَالْعَمَائِمِ لَا غَيْرِهَا، وَإِنْ شَاءُوا سَلَبُوهَا وَكَفَّنُوهُمْ فِي غَيْرِهَا كَمَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى مِنْ غَيْرِهِمْ، وَتُنْزَعُ عَنْهُمْ ثِيَابُهُمْ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ شُهَدَاءِ أُحُدٍ كُفِّنَ فِي

نَمِرَةٍ، وَقَدْ كَانَ لَا يُشَكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ السِّلَاحُ، وَالثِّيَابُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُكَفَّنُونَ فِي الثِّيَابِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهَا إلَّا فِرَاءً أَوْ حَشْوًا أَوْ لِبْدًا (قَالَ) : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا كُفِّنَ فِي جِلْدٍ وَلَا فَرْوٍ وَلَا حَشْوٍ، وَإِنْ كَانَ الْحَشْوُ ثَوْبًا كُلُّهُ فَلَوْ كُفِّنَ بِهِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا لِأَنَّهُ مِنْ لَبُوسِ عَامَّةِ النَّاسِ فَأَمَّا الْجِلْدُ فَلَيْسَ يُعْلَمُ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُغَسَّلُونَ، وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الشَّعْبِيَّ رَوَى أَنَّ حَمْزَةَ صُلِّيَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ مِنْ الْقَتْلَى حَمْزَةُ عَاشِرُهُمْ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَرْفَعُونَ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرِينَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ حَتَّى صُلِّيَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً. (قَالَ) : وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَهِيدًا فَإِذَا كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فِي قَوْلِ الشَّعْبِيِّ فَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ صَلَوَاتٍ أَوْ ثَمَانٍ فَنَجْعَلُهُ عَلَى أَكْثَرِهَا عَلَى أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَى اثْنَيْنِ صَلَاةً، وَعَلَى حَمْزَةَ صَلَاةً فَهَذِهِ تِسْعُ صَلَوَاتٍ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ سَبْعُونَ صَلَاةً؟ وَإِنْ كَانَ عَنَى سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً فَنَحْنُ وَهُمْ نَزْعُمُ أَنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعٌ فَهِيَ إذَا كَانَتْ تِسْعَ صَلَوَاتٍ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ أَرْبَعُ وَثَلَاثُونَ؟ فَيَنْبَغِي لِمَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَارِضَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا عَيْنَانِ فَقَدْ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ» ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ مَا كَانَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ تَرَكْت بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَأَخَذْت بِبَعْضٍ (قَالَ) : وَلَعَلَّ تَرْكَ الْغُسْلِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ جَمَاعَةُ الْمُشْرِكِينَ إرَادَةُ أَنْ يَلْقَوْا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلُومِهِمْ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رِيحَ الْكَلْمِ رِيحُ الْمِسْكِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ» ، وَاسْتَغْنَوْا بِكَرَامَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ لَهُمْ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَكُونُ فِيمَنْ قَاتَلَ بِالزَّحْفِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْجِرَاحِ، وَخَوْفِ عَوْدَةِ الْعَدُوِّ، وَرَجَاءِ طَلَبِهِمْ، وَهَمِّهِمْ بِأَهْلِيهِمْ، وَهَمِّ أَهْلِهِمْ بِهِمْ. (قَالَ) : وَكَانَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ رُؤَسَاءَ الْمُسْلِمِينَ غَسَّلُوا عُمَرَ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ، وَهُوَ شَهِيدٌ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ، وَغَسَّلُوا الْمَبْطُونَ، وَالْحَرِيقَ، وَالْغَرِيقَ، وَصَاحِبَ الْهَدْمِ، وَكُلُّهُمْ شُهَدَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْأَحْيَاءِ مَعْنَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدِي لَوْ عَاشَ مُدَّةً يَنْقَطِعُ فِيهَا الْحَرْبُ، وَيَكُونُ الْأَمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قُتِلَ صَغِيرٌ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ امْرَأَةٌ صُنِعَ بِهِمَا مَا يُصْنَعُ بِالشُّهَدَاءِ، وَلَمْ يُغَسَّلَا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَطْءِ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بِهِ الْحَتْفُ فَحَالُهُ حَالُ مَنْ قُتِلَ بِالسِّلَاحِ، وَخَالَفَنَا فِي الصَّبِيِّ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: لَيْسَ كَالشَّهِيدِ، وَقَالَ قَوْلَنَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ الصَّغِيرُ شَهِيدٌ، وَلَا ذَنْبَ لَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْكَبِيرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» ، أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَثَبَّتَهُ مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ أَبِي الصَّغِيرِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَفَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ فَقَالَ شَهِدْت عَلَى هَؤُلَاءِ فَزَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، وَكُلُومِهِمْ»

باب المقتول الذي يغسل ويصلى عليه ومن لم يوجد

[بَابُ الْمَقْتُولِ الَّذِي يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ] ْ، وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ قَتَلَهُ مُشْرِكٌ مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً فِي حَرْبٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ قُتِلَ بِقِصَاصٍ غُسِّلَ إنْ قُدِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ غَيْرُ مَعْنَى مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَمَعْنَى مَنْ قَتَلَهُ مُشْرِكٌ مُنْفَرِدًا ثُمَّ هَرَبَ غَيْرُ مَعْنَى مَنْ قُتِلَ فِي زَحْفِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَعُودُوا، وَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَيَهْرُبُ، وَتُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مِنَّا وَلَا يُشْبِهُونَ الْمُشْرِكِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا اتِّبَاعُهُمْ كَمَا يَكُون لَنَا اتِّبَاعُ الْمُشْرِكِينَ؟ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ لِغَيْرِ سِلَاحٍ فَيُغَسَّلُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ كُنْت قُلْت هَذَا بِأَثَرٍ عَقَلْنَاهُ قَالَ: مَا فِيهِ أَثَرٌ، قُلْنَا: فَمَا الْعِلَّةُ الَّتِي فَرَّقْت فِيهَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ إنْ أَرَدْت اسْمَ الشَّهَادَةِ فَعُمَرُ شَهِيدٌ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ وَغُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَجِدُ اسْمَ الشَّهَادَةِ يَقَعُ عِنْدَنَا وَعِنْدَك عَلَى الْقَتْلِ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَصَاحِبِ الْهَدْمِ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَنَحْنُ وَأَنْتَ نُصَلِّي عَلَيْهِمْ، وَنُغَسِّلُهُمْ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ بِهِ اعْتَلَلْت فَقَدْ تَرَكْت مَنْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ مَظْلُومًا بِغَيْرِ سِلَاحٍ مِنْ أَنْ تُصَيِّرَهُ إلَى حَدِّ الشُّهَدَاءِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَهُمْ أَجْرًا لِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ أَشَدُّ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا: إذَا أَغَارَ أَهْلُ الْبَغْيِ فَقَتَلُوا فَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ كَالشُّهَدَاءِ لَا يُغَسَّلُونَ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: الْوِلْدَانُ أَطْهَرُ، وَأَحَقُّ بِالشَّهَادَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ سُنَّةٌ فِي بَنِي آدَمَ لَا يُخْرَجُ مِنْهَا إلَّا مَنْ تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُمْ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ الْمُشْرِكُونَ الْجَمَاعَةُ خَاصَّةً فِي الْمَعْرَكَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ أَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ أَوْ اللُّصُوصُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَنْ قَتَلَهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْضُ جَسَدِهِ صُلِّيَ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْهُ، وَغُسِّلَ ذَلِكَ الْعُضْوُ، وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رُءُوسٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: إنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ صَلَّى عَلَى رُءُوسٍ، وَبَلَغَنَا أَنَّ طَائِرًا أَلْقَى يَدًا بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ فَعَرَفُوهَا بِالْخَاتَمِ فَغَسَّلُوهَا، وَصَلَّوْا عَلَيْهَا، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُصَلَّى عَلَى الْبَدَنِ الَّذِي فِيهِ الْقَسَامَةُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى رَأْسٍ، وَلَا يَدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لَا قَسَامَةَ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَرْضِ أَحَدٍ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْهِ؟ وَمَا لِلْقَسَامَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْغُسْلِ؟ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ فَالْقَلِيلُ مِنْ يَدَيْهِ وَالْكَثِيرُ فِي ذَلِكَ لَهُمْ سَوَاءٌ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الرَّأْسِ، وَالرَّأْسُ مَوْضِعُ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَقِوَامُ الْبَدَنِ، وَيُصَلَّى عَلَى الْبَدَنِ بِلَا رَأْسٍ. الصَّلَاةُ سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَحُرْمَةُ قَلِيلِ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ الرُّوحُ حُرْمَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّلَاةِ [بَابُ اخْتِلَاطِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ] ِ لَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا غَرِقَ الرِّجَالُ أَوْ أَصَابَهُمْ هَدْمٌ أَوْ حَرِيقٌ وَفِيهِمْ مُشْرِكُونَ كَانُوا أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَنَوَى بِالصَّلَاةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ

باب حمل الجنازة

الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَئِنْ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مِائَةِ مُسْلِمٍ فِيهِمْ مُشْرِكٌ بِالنِّيَّةِ لَتَجُوزَنَّ عَلَى مِائَةِ مُشْرِكٍ فِيهِمْ مُسْلِمٌ، وَمَا هُوَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا إذَا خَالَطَهُمْ مُشْرِكٌ لَا يُعْرَفُ فَقَدْ حُرِّمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ الصَّلَاةَ تُحَرَّمُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، أَوْ تَكُونَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ خَالَطَهُمْ مُشْرِكٌ نَوَى الْمُسْلِمَ بِالصَّلَاةِ، وَوَسِعَ ذَلِكَ الْمُصَلِّيَ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ مَكَانَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا نَحْتَاجُ فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنْ نُبَيِّنَ خَطَأَهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْخَطَأ فِيهِ لَبَيِّنٌ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْكِلَ عَلَى أَحَدٍ لَهُ عِلْمٌ. [بَابُ حَمْلِ الْجِنَازَةِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُسْتَحَبُّ لِلَّذِي يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ أَنْ يَضَعَ السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ وَيَحْمِلَ بِالْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ قَائِلٌ: لَا تُحْمَلُ بَيْنَ الْعَمُودِ هَذَا عِنْدَنَا مُسْتَنْكَرٌ فَلَمْ يَرْضَ أَنْ جَهِلَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَهُ حَتَّى عَابَ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِفِعْلِهِ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي جِنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَائِمًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَاضِعًا السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ، وَأَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَائِمًا بَيْنَ قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ أُمِّهِ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى وَضَعَهُ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَزَعَمُ الَّذِي عَابَ هَذَا عَلَيْنَا أَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ لَا نَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ بِرَأْيِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛، وَمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا [بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إذَا مَاتَ] َ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ غُسِّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي أَحْرَمَ فِيهَا أَوْ غَيْرِهَا لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، وَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كَمَا لَا يَعْقِدُ الْحَيُّ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُمَسُّ بِطِيبٍ، وَيُخَمَّرُ وَجْهُهُ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا مَاتَ كُفِّنَ كَمَا يُكَفَّنُ غَيْرُ الْمُحْرِمِ، وَلَيْسَ مَيِّتُ إحْرَامٍ، وَاحْتُجَّ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْمَعْ الْحَدِيثَ بَلْ لَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ سَمِعَهُ مَا خَالَفَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُنَا كَمَا قُلْنَا وَبَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُهُ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ إذَا بَلَغَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ:

باب الصلاة على الجنازة والتكبير فيها

سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَّ رَجُلٌ عَنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» قَالَ سُفْيَانُ، وَأَزَادَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَحْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَنَعَ نَحْوَ ذَلِكَ. [بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِيهَا] ، وَمَا يُفْعَلُ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَتِلْكَ السُّنَّةُ، وَرُوِيَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَرَضِهَا قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُ الْمَرْضَى، وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا فَخُرِجَ بِجِنَازَتِهَا لَيْلًا فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَك لَيْلًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلِذَلِكَ نَقُولُ يُكَبَّرُ أَرْبَعًا عَلَى الْجَنَائِزِ، يُقْرَأُ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنَّا صَلَّيْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ، وَعَلِمْنَا كَيْفَ سُنَّةَ الصَّلَاةِ فِيهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا وَجَدْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةً اتَّبَعْنَاهَا أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَزِيدُ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى مَا قُلْتُمْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ أَوْ لَا أُكَبِّرُ وَأَدْعُو لِلْمَيِّتِ هَلْ كَانَتْ لَنَا عَلَيْهِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ نَقُولَ قَدْ خَالَفْت السُّنَّةَ؟ وَكَذَلِكَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَقْرَأُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِيهَا، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَلَمَّا سَلَّمَ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سُنَّةٌ، وَحَقٌّ» ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ «: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَجْهَرُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ «السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرَاتِ لَا يَقْرَأَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ثُمَّ يُسَلِّمَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ» ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ الْفِهْرِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ

مِثْلَ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِإِمَامِهِمْ يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُولَانِ السُّنَّةَ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُولُونَ بِالسُّنَّةِ، وَالْحَقِّ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى عَلَى الْجِنَازَةِ، وَبَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ بِالنِّيَّةِ فَقَدْ «فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّجَاشِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ» ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا وَمَا نَعْلَمُهُ رَوَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا مَا قَالَ بِرَأْيِهِ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ الْمَيِّتُ بَلْ نَسْتَحِبُّهُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ عَلِمَهَا خِلَافُهَا قَدْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَعَلَى قَبْرِ غَيْرِهِ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَصَلَّتْ عَائِشَةُ عَلَى قَبْرِ أَخِيهَا، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ لِلْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ عَلَى السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَائِمٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَقَالَ: وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَإِنْ شَاءَ تَسْلِيمَتَيْنِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ قِيَامًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ، وَلَوْ صَلَّوْا جُلُوسًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَوْ رُكْبَانًا أَعَادُوا، وَإِنْ صَلَّوْا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادُوا، وَإِنْ دَفَنُوهُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَلَا بَأْسَ عِنْدِي أَنْ يُمَاطَ عَنْهُ التُّرَابُ، وَيُحَوَّلَ فَيُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ دُفِنَ وَقَدْ غُسِّلَ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لَمْ أُحِبَّ إخْرَاجَهُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ إذَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُكَبِّرَ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ عَبْدُك، وَابْنُ عَبْدِك، وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك، وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ، وَقِه عَذَابَ الْقَبْرِ، وَكُلَّ هَوْلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَابْعَثْهُ مِنْ الْآمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَبَلِّغْهُ بِمَغْفِرَتِك، وَطَوْلِك دَرَجَاتِ الْمُحْسِنِينَ اللَّهُمَّ فَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيَا، وَالْأَهْلِ، وَغَيْرِهِمْ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، وَانْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَقَدْ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ وَرَجَوْنَا لَهُ رَحْمَتَك، وَأَنْتَ أَرْأَفُ بِهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِك فَإِنَّهُ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ "

قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا عِنْدَنَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا قَدُمَ النَّاسَ لِتَضَايُقِ الطَّرِيقِ حَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَحْتَجَّ بِغَيْرِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْمَشْيُ خَلْفَهُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْجِنَازَةَ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، وَقَالَ: التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِهَا إذَا كَانَ خَلْفَهَا أَكْثَرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مَشَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَامَهَا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْعَامَّةَ تَقْتَدِي بِهِمْ، وَتَفْعَلُ فِعْلَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعَ تَعْلِيمِهِ الْعَامَّةَ نَعْلَمُهُمْ يَدَّعُونَ مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِي اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ نَعْرِفُ مَوْضِعَ الْفَضْلِ إلَّا بِفِعْلِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا شَيْئًا وَتَتَابَعُوا عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِيهِ وَالْحُجَّةُ فِيهِ مِنْ مَشْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَثْبَتُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ مَعَهَا إلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي اجْتِمَاعِ أَئِمَّةِ الْهُدَى بَعْدَهُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَمْشُوا فِي مَشْيِهِمْ لِتَضَايُقِ الطَّرِيقِ إنَّمَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ أَوْ عَامَّتُهَا فَضَاءً حَتَّى عُمِّرَتْ بَعْدُ فَأَيْنَ تَضَايُقُ الطَّرِيقِ فِيهَا، وَلَسْنَا نَعْرِفُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خِلَافَ فِعْلِ أَصْحَابِهِ؟ ، وَقَالَ قَائِلُ هَذَا الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ فَلَمْ نَرَ مَنْ مَشَى أَمَامَهَا إلَّا لِاتِّبَاعِهَا فَإِذَا مَشَى لِحَاجَتِهِ فَلَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْجِنَازَةِ، وَلَا يُشَكُّ عِنْدَ أَحَدٍ أَنَّ مَنْ كَانَ أَمَامَهَا هُوَ مَعَهَا، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ فَرَأَى هَذَا كَلَامًا ضَعِيفًا لِأَنَّ الْجِنَازَةَ إنَّمَا هِيَ تُنْقَلُ لَا تَتْبَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ بِهَا، وَيَنْقُلُهَا الرِّجَالُ، وَلَا تَكُونُ هِيَ تَابِعَةً، وَلَا زَائِلَةً إلَّا أَنْ يُزَالَ بِهَا لَيْسَ لِلْجِنَازَةِ عَمَلٌ إنَّمَا الْعَمَلُ لِمَنْ تَبِعَهَا وَلِمَنْ مَعَهَا، وَلَوْ شَاءَ مُحْتَجٌّ أَنْ يَقُولَ: أَفْضَلُ مَا فِي الْجِنَازَةِ حَمْلُهَا، وَالْحَامِلُ إنَّمَا يَكُونُ أَمَامَهَا ثُمَّ يَحْمِلُهَا لَكَانَ مَذْهَبًا، وَالْفِكْرُ لِلْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَخَلِّفِ سَوَاءٌ، وَلَعَمْرِي لِمَنْ يَمْشِي مِنْ أَمَامِهَا الْفِكْرُ فِيهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ يَتْبَعُهَا إنَّ هَذِهِ لَمِنْ الْغَفْلَةِ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ هَكَذَا أَنْ يَمْشِيَ، وَهُوَ خَلْفَهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَمْشِيَانِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فَتَقَدَّمَا فَجَلَسَا يَتَحَدَّثَانِ فَلَمَّا جَازَتْ بِهِمَا الْجِنَازَةُ قَامَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ أَخَذْنَا فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَيَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ لَا يُؤْتَى بِالْجِنَازَةِ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَهْلُهَا فِي الْجُلُوسِ، وَيَنْصَرِفُ أَيْضًا بِلَا إذْنٍ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ اسْتَتَمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ مِنْ أَيْنَ حَمَلَهَا، وَوَجْهُ حَمْلِهَا أَنْ يَضَعَ يَاسِرَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَاسِرَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ ثُمَّ يَامِنَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَامِنَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ مَعَ الْجِنَازَةِ كَثِيرِينَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَيَاسِرِهِ مَرَّةً أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ حَمْلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَكَيْفَمَا يَحْمِلُ فَحَسَنٌ وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ، وَلَا يَحْمِلُ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ، وَلَا الْمَيِّتَةَ، وَإِنْ ثَقُلَتْ الْمَيِّتَةُ فَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَحْمِلُ عَمْدًا حَتَّى يَكُونَ مَنْ يَحْمِلُهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَمَانِيَةٍ

باب الخلاف في إدخال الميت القبر

عَلَى السَّرِيرِ، وَعَلَى اللَّوْحِ إنْ لَمْ يُوجَدْ السَّرِيرُ، وَعَلَى الْمَحْمِلِ، وَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ عَجَلَةٍ أَوْ بَعْضِ حَاجَةِ تَتَعَذَّرُ فَخِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ حُمِلَ عَلَى الْأَيْدِي وَالرِّقَابِ، وَمُشِيَ بِالْجِنَازَةِ أَسْرَعَ سَجِيَّةِ مَشْيِ النَّاسِ لَا الْإِسْرَاعَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى ضَعَفَةِ مَنْ يَتْبَعُهَا إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهَا أَوْ انْبِجَاسُهَا فَيُعَجِّلُونَهَا مَا قَدَرُوا، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجِنَازَةِ الْإِبْطَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهَا مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُقُوفٍ عِنْدَ الْقَبْرِ فَإِنَّ هَذَا مَشَقَّةٌ عَلَى مَنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ:. [بَابُ الْخِلَافِ فِي إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَسِلَّ الْمَيِّتَ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُدْخَلُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا» أَخْبَرَنِي الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى يَمِينِ الدَّاخِلِ مِنْ الْبَيْتِ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ، وَالْجِدَارُ الَّذِي لِلَّحْدِ لِجَنْبِهِ قِبْلَةُ الْبَيْتِ، وَأَنَّ لَحْدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ مُعْتَرِضًا، وَاللَّحْدُ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا أَنْ يُسَلَّ سَلًّا أَوْ يُدْخَلَ مِنْ خِلَافِ الْقِبْلَةِ؟ ، وَأُمُورُ الْمَوْتَى، وَإِدْخَالُهُمْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَنَا لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ، وَحُضُورِ الْأَئِمَّةِ، وَأَهْلِ الثِّقَةِ، وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ الْحَدِيثُ فِيهَا كَالتَّكْلِيفِ بِعُمُومِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ لَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْقُلُ الْعَامَّةُ عَنْ الْعَامَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُسَلُّ سَلًّا، ثُمَّ جَاءَنَا آتٍ مِنْ غَيْرِ بَلَدِنَا يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُدْخِلُ الْمَيِّتَ ثُمَّ لَمْ يُعَلِّمْ حَتَّى رَوَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُدْخِلَ مُعْتَرِضًا» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَالنَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ» ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» ، وَأَخْبَرَنَا عَنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ الضُّرِّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سَطَّحَ قَبْرَ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصًى مِنْ حَصَى الرَّوْضَةِ» ، وَأَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» ، وَالْحَصْبَاءُ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى قَبْرٍ مُسَطَّحٍ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَمَقْبَرَةُ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ عِنْدَنَا مُسَطَّحٌ قُبُورُهَا، وَيُشْخَصُ مِنْ الْأَرْضِ نَحْوٌ مِنْ شِبْرٍ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا الْبَطْحَاءَ مَرَّةً وَمَرَّةً تُطَيَّنُ، وَلَا أَحْسِبُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُلَ فِيهَا أَحَدٌ عَلَيْنَا، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْت قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً. (قَالَ) : وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إذَا مَاتَتْ، وَالْمَرْأَةُ زَوْجَهَا إذَا مَاتَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَلَا يُغَسِّلُهَا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ، فَقُلْت: وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْت: أَنْ تُغَسِّلَهُ هِيَ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ كَانَتْ الْحُجَّةُ الْأَثَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَلَوْ لَمْ يُرْوَ عَنْ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا غَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَتْ

باب العمل في الجنائز

الْحُجَّةُ عَلَيْك بِأَنْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا مِنْهُ إلَّا مَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا، قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إذَا مَاتَتْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ سِوَاهَا وَيَنْكِحَ أُخْتَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: الْعِدَّةُ وَالنِّكَاحُ لَيْسَا مِنْ الْغُسْلِ فِي شَيْءٍ، أَرَأَيْت قَوْلَك: يَنْكِحُ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا أَنَّهَا فَارَقَتْ حُكْمَ الْحَيَاةِ، وَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً قَطُّ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَهُوَ إذَا مَاتَ زَوْجٌ أَوْ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا قَالَ: بَلْ لَيْسَ بِزَوْجٍ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الْحَيَاةِ عَنْهُ كَمَا انْقَطَعَ عَنْهَا غَيْرَ أَنَّ عَلَيْهَا مِنْهُ عِدَّةً قُلْنَا: الْعِدَّةُ جُعِلَتْ عَلَيْهَا بِسَبَبٍ لَيْسَ هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ وَلَا يَعْتَدُّ، وَأَنَّهَا تُتَوَفَّى فَيَنْكِحُ أَرْبَعًا؟ وَيُتَوَفَّى فَلَا تَنْكِحُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا دُونَهُ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبٍ، سَوَاءٌ. أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَلَيْسَتْ عَلَيْهَا مِنْهُ عِدَّةٌ؟ قَالَ: بَلَى (قُلْت) : فَكَذَلِكَ لَوْ بَانَتْ بِإِيلَاءٍ أَوْ لِعَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، قِيلَ: فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ، وَهِيَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَتُغَسِّلُهُ؟ قَالَ: لَا. (قُلْت) : وَلِمَ قَدْ زَعَمْت أَنَّ غُسْلَهَا إيَّاهُ دُونَ غُسْلِهِ إيَّاهَا إنَّمَا هُوَ بِالْعِدَّةِ، وَهَذِهِ تَعْتَدُّ؟ (قَالَ) : لَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ (قُلْت) : فَمَا يَنْفَعُك حُجَّتُك بِالْعِدَّةِ كَالْعَبَثِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ: تُغَسِّلُهُ إذْ زَعَمْت أَنَّ الْعِدَّةَ تُحِلُّ لَهَا مِنْهُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا غُسْلُهُ، قِيلَ: أَفَيَحِلُّ لَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ، وَهُمَا حَيَّانِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ وَتُمْسِكَهُ كَمَا كَانَ يَحِلُّ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: وَهِيَ مِنْهُ فِي عِدَّةٍ (قَالَ) : وَلَا تُحِلُّ الْعِدَّةُ هَهُنَا شَيْئًا، وَلَا تُحَرِّمُهُ إنَّمَا تُحِلُّهُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَإِذَا زَالَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ فَهِيَ مِنْهُ فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ كَمَا تُعَدُّ النِّسَاءُ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ هُوَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَلَوْ قَالَ: هَذَا غَيْرُكُمْ ضَعَّفْتُمُوهُ؛ وَهِيَ لَا تَعْدُو، وَهُوَ لَا يَعْدُو إذَا مَاتَتْ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ النِّكَاحِ زَائِلًا بِلَا زَوَالٍ لِلطَّلَاقِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ غَسْلُهَا، وَلَا لَهَا غَسْلُهُ أَوْ يَكُونَ ثَابِتًا فَيَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَحِلُّ لِلْآخَرِ أَوْ نَكُونَ مُقَلِّدِينَ لِسَلَفِنَا فِي هَذَا، فَقَدْ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَسْطَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ، وَهُوَ فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَعْلَمُ وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ إذَا مَاتَ كَانَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا إذَا مَاتَتْ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي حَلَّتْ لَهُ بِهِ هُوَ الْعَقْدُ الَّذِي بِهِ حَلَّ لَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرْجَ كَانَ حَرَامًا قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَمَّا انْعَقَدَ حَلَّ حَتَّى تَنْفَسِخَ الْعُقْدَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا لِلْآخَرِ لَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا فِي الْعَقْدِ شَيْءٌ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إذَا انْفَسَخَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فِي شَيْءٍ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إذَا مَاتَ شَيْءٌ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ فَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ سَوَاءٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ» " أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْصَتْهَا أَنْ تُغَسِّلَهَا إذَا كَانَتْ هِيَ، وَعَلِيٌّ فَغَسَّلَتْهَا هِيَ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. [بَابُ الْعَمَلِ فِي الْجَنَائِزِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ كَالْجِهَادِ عَلَيْهِمْ حَقٌّ أَنْ لَا يَدَعُوهُ، وَإِذَا ابْتَدَرَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفِي النَّاحِيَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْجِهَادُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ

باب الصلاة على الميت

وَالْفَضْلُ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا تَرَكَ عُمَرُ عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عُقُوبَةَ مَنْ مَرَّ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي دَفَنَهَا أَظُنُّهُ كُلَيْبًا، لِأَنَّ الْمَارَّ الْمُنْفَرِدَ قَدْ كَانَ يَتَّكِلُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، وَأَمَّا أَهْلُ رُفْقَةٍ مُنْفَرِدِينَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَأْهُولَةٍ لَوْ تَرَكُوا مَيِّتًا مِنْهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَارُوهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ لِاسْتِخْفَافِهِمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ فَضَيَّعُوهُ فَعَلَى السُّلْطَانِ أَخْذُهُ مِنْهُمْ، وَعُقُوبَتُهُمْ فِيهِ بِمَا يَرَى غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ الْقَصْدَ فِي ذَلِكَ (قَالَ) : وَأُحِبُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ أَهْلُهُ غُسْلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْشَى عَلَيْهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ حَتَّى يَرَوْا عَلَامَاتِ الْمَوْتِ الْمَعْرُوفَةَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ، وَلَا تَنْتَصِبَانِ، وَأَنْ تَنْفَرِجَ زَنْدَا يَدَيْهِ، وَالْعَلَامَاتُ الَّتِي يَعْرِفُونَ بِهَا الْمَوْتَ، فَإِذَا رَأَوْهَا عَجَّلُوا غُسْلَهُ، وَدَفْنَهُ فَإِنَّ تَعْجِيلَهُ تَأْدِيَةُ الْحَقِّ إلَيْهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ غَائِبٌ مَنْ كَانَ الْغَائِبُ، وَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ غُمِّضَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ قَبِيصَةَ نَصْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ كَانَ يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُطْبَقُ فُوهُ وَإِنْ خِيفَ اسْتِرْخَاءُ لَحْيَيْهِ شُدَّ بِعِصَابَةٍ (قَالَ) : وَرَأَيْت مَنْ يُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ، وَيَبْسُطُهَا لِتُلَيَّنَ، وَلَا تَجْسُو وَرَأَيْت النَّاسَ يَضَعُونَ الْحَدِيدَةَ، السَّيْفَ أَوْ غَيْرَهُ، عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ، وَالشَّيْءَ مِنْ الطِّينِ الْمَبْلُولِ كَأَنَّهُمْ يَذُودُونَ أَنْ تَرْبُو بَطْنُهُ فَمَا صَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا رَجَوْا، وَعَرَفُوا أَنَّ فِيهِ دَفْعَ مَكْرُوهٍ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ أَرَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَضَعُوا الزَّاوُوقَ يَعْنِي الزِّئْبَقَ فِي أُذُنِهِ، وَأَنْفِهِ، وَلَا أَنْ يَضَعُوا المرتك يَعْنِي المرداسنج عَلَى مَفَاصِلِهِ وَذَلِكَ شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ يُرِيدُونَ بِهِ الْبَقَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ يَجْعَلُونَهُ فِي الصُّنْدُوقِ وَيُفْضُونَ بِهِ إلَى الْكَافُورِ، وَلَسْت أُحِبُّ هَذَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُغَسَّلُ، وَالْكَفَنُ، وَالْحَنُوطُ، وَالدَّفْنُ، فَإِنَّهُ صَائِرٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْكَرَامَةُ لَهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (قَالَ) : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ «قِيلَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: نَتَّخِذُ لَك شَيْئًا كَأَنَّهُ الصُّنْدُوقُ مِنْ الْخَشَبِ، فَقَالَ: اصْنَعُوا بِي مَا صَنَعْتُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ، وَأَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ» [بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا حَضَرَ الْوَلِيُّ الْمَيِّتَ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا بِأَمْرِ وَلِيِّهِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ الَّتِي أَرَى الْوَلِيَّ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْوَالِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَهُ عِلْمٌ: الْوَالِي أَحَقُّ. وَإِذَا حَضَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْقَرَابَةِ فَأَحَقُّهُمْ بِهِ الْأَبُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ثُمَّ الْوَلَدُ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْوِلَايَةُ لِلْعَصَبَةِ فَإِذَا اسْتَوَى الْوُلَاةُ فِي الْقَرَابَةِ، وَتَشَاحُّوا، وَكُلُّ ذِي حَقٍّ فَأَحَبُّهُمْ إلَيَّ أَسَنُّهُمْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَالُهُ لَيْسَتْ مَحْمُودَةً فَكَانَ أَفْضَلُهُمْ، وَأَفْقَهُهُمْ أَحَبَّ إلَيَّ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فَأَسَنُّهُمْ فَإِنْ اسْتَوَوْا وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصْطَلِحُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ، وَلِيَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَالْحُرُّ مِنْ الْوُلَاةِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَمْلُوكِ، وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ وَلِيٌّ أَوْ غَيْرُ وَلِيٍّ مَعَ نِسْوَةٍ بَعْلًا رَجُلًا مَيِّتًا أَوْ امْرَأَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ النِّسَاءِ إذَا

باب اجتماع الجنائز

عَقَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَمْلُوكًا كَانَ أَوْ حُرًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ صَلَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ صَفًّا مُنْفَرِدَاتٍ، وَإِنْ أَمَّتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ، وَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، فَقَدْ «صَلَّى النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَادًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ» وَذَلِكَ لِعِظَمِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَنَافُسِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوْتَى، وَالْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ إلَى الْيَوْمِ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِإِمَامٍ، وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ أَفْرَادًا أَجْزَأَهُمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ صَلَاةً وَاحِدَةً هَكَذَا رَأَيْت صَلَاةَ النَّاسِ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لِصَلَاةٍ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَاءَ، وَلِيٌّ لَهُ، وَلَا يُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَالَ) : وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ، وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ فُرَادَى لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، وَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ وُضُوئِهِ قَرِيبًا فَانْتَظَرُوهُ فَبَنَى عَلَى التَّكْبِيرِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَلَا يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ فِي مِصْرٍ إلَّا طَاهِرًا. (قَالَ) : وَلَوْ سُبِقَ رَجُلٌ بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ لَمْ يُنْتَظَرْ بِالْمَيِّتِ حَتَّى يَقْضِيَ تَكْبِيرَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ أَنْ يُكَبِّرَ ثَانِيَةً وَلَكِنَّهُ يَفْتَتِحُ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا خَافَ الرَّجُلُ فِي الْمِصْرِ فَوْتَ الْجِنَازَةِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَهَذَا لَا يُجِيزُ التَّيَمُّمَ فِي الْمِصْرِ لِصَلَاةٍ نَافِلَةٍ، وَلَا مَكْتُوبَةٍ إلَّا لِمَرِيضٍ زَعَمَ، وَهَذَا غَيْرُ مَرِيضٍ، وَلَا تَعْدُو الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ تَكُونَ كَالصَّلَوَاتِ لَا تُصَلَّى إلَّا بِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ، وَلَيْسَ التَّيَمُّمُ فِي الْمِصْرِ لِلصَّحِيحِ الْمُطِيقِ بِطَهَارَةٍ أَوْ تَكُونَ كَالذِّكْرِ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ غَيْرَ طَاهِرٍ، خَافَ الْفَوْتَ أَوْ لَمْ يَخَفْ، كَمَا يُذْكَرُ غَيْرَ طَاهِرٍ [بَابُ اجْتِمَاعِ الْجَنَائِزِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَوْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ رِجَالٍ، وَنِسَاءٍ، وَصِبْيَانٍ، وَخَنَاثَى، جُعِلَ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَقُدِّمَ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ الصِّبْيَانُ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْخَنَاثَى يَلُونَهُمْ ثُمَّ النِّسَاءُ خَلْفَهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَإِنْ تَشَاحَّ وُلَاةُ الْجَنَائِزِ، وَكُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ صَلَّى وَلِيُّ الْجِنَازَةِ الَّتِي سَبَقَتْ ثُمَّ إنْ شَاءَ وَلِيُّ سِوَاهَا مِنْ الْجَنَائِزِ اسْتَغْنَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ شَاءَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ إذَا كَانُوا رِجَالًا، فَإِنْ كُنَّ رِجَالًا، وَنِسَاءً وُضِعَ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالنِّسَاءُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَلَمْ يُنْظَرْ فِي ذَلِكَ إلَى السَّبْقِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُنَّ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى، وَلَكِنْ إنْ سَبَقَ، وَلِيُّ الصَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ الصَّبِيَّ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَوَضَعَ وَلِيُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ خَلْفَهُ إنْ شَاءَ أَوْ يَذْهَبُ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، فَإِنْ افْتَتَحَ الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى وُضِعَتْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَنْوِي بِهَا غَيْرَ هَذِهِ الْجِنَازَةِ الْمُؤَخَّرَةِ. (قَالَ) : وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ، وَمَنْ خَلْفَهُ مُتَوَضِّئُونَ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُمْ غَيْرَ مُتَوَضِّئِينَ أَعَادُوا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا مُتَوَضِّئُونَ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ سَبَقَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَاءَ وَلِيُّ غَيْرِهِ أَحْبَبْت أَنْ لَا تُوضَعَ لِلصَّلَاةِ ثَانِيَةً، وَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَالَ) : وَلَوْ سَقَطَ لِرَجُلٍ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ فِي قَبْرٍ فَدُفِنَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ حَتَّى يَأْخُذَ مَا سَقَطَ

باب الدفن

[بَابُ الدَّفْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ مَيِّتٌ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَحْبَبْت أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ بِبَلَدٍ قَدْ ذُكِرَ فِي مَقْبَرَتِهِ خَبَرٌ أَحْبَبْت أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِبَلَدٍ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِيهَا فَأُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِي الْمَقَابِرِ لِحُرْمَةِ الْمَقَابِرِ، وَالدَّوَاعِي لَهَا وَأَنَّهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ لَا يُتَغَوَّطَ، وَلَا يُبَالَ عَلَى قَبْرِهِ، وَلَا يُنْبَشَ، وَحَيْثُمَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فَحَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُحِبُّ أَنْ يُعَمَّقَ لِلْمَيِّتِ قَدْرَ بَسْطَةٍ، وَمَا أُعْمِقَ لَهُ، وَوُورِيَ أَجْزَأَ وَإِنَّمَا أَحْبَبْت ذَلِكَ أَنْ لَا تَنَالَهُ السِّبَاعُ، وَلَا يَقْرُبَ عَلَى أَحَدٍ إنْ أَرَادَ نَبْشَهُ، وَلَا يَظْهَرَ لَهُ رِيحٌ وَيُدْفَنَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ مِنْ الضِّيقِ وَالْعَجَلَةِ الْمَيِّتَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي الْقَبْرِ إذَا كَانُوا، وَيَكُونُ الَّذِي لِلْقِبْلَةِ مِنْهُمْ أَفْضَلَهُمْ، وَأَسَنَّهُمْ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تُدْفَنَ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِهَا كَانَ الرَّجُلُ أَمَامَهَا، وَهِيَ خَلْفَهُ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْقَبْرِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ، وَأُحِبُّ إحْكَامَ الْقَبْرِ وَلَا وَقْتَ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ فَإِنْ كَانُوا وِتْرًا أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَضْبِطُونَ الْمَيِّتَ بِلَا مَشَقَّةٍ أَحَبُّ إلَيَّ، وَسَلُّ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ سَرِيرِهِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا، وَيُسْتَرُ الْقَبْرُ بِثَوْبٍ نَظِيفٍ حَتَّى يُسَوَّى عَلَى الْمَيِّتِ لَحْدُهُ، وَسَتْرُ الْمَرْأَةِ إذَا دَخَلَتْ قَبْرَهَا أَوْكَدُ مِنْ سَتْرِ الرَّجُلِ، وَتُسَلُّ الْمَرْأَةُ كَمَا يُسَلُّ الرَّجُلُ، وَإِنْ وَلِيَ إخْرَاجَهَا مِنْ نَعْشِهَا، وَحَلَّ عُقَدٍ مِنْ الثِّيَابِ إنْ كَانَ عَلَيْهَا، وَتَعَاهَدَهَا النِّسَاءُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ وَلِيَهَا الرَّجُلُ فَلَا بَأْسَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُو مَحْرَمٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو مَحْرَمٍ فَذُو قَرَابَةٍ وَوَلَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمُسْلِمُونَ وُلَاتُهَا، وَهَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَدُونَهَا الثِّيَابُ، وَقَدْ صَارَتْ مَيِّتَةً، وَانْقَطَعَ عَنْهَا حُكْمُ الْحَيَاةِ (قَالَ) : وَتُوضَعُ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ عَلَى جُنُوبِهِمْ الْيُمْنَى، وَتُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ لَبِنَةٍ، وَيُسْنَدُونَ لِئَلَّا يَنْكَبُّوا، وَلَا يَسْتَلْقُوا، وَإِنْ كَانَ بِأَرْضٍ شَدِيدَةٍ لُحِدَ لَهُمْ، ثُمَّ نُصِبَ عَلَى لُحُودِهِمْ اللَّبِنُ نَصْبًا ثُمَّ يُتَّبَعُ فُرُوجُ اللَّبِنِ بِكُسَارِ اللَّبِنِ، وَالطِّينِ حَتَّى يُحْكَمَ ثُمَّ أُهِيلَ التُّرَابُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانُوا بِبَلَدٍ رَقِيقَةٍ شُقَّ لَهُمْ شَقٌّ ثُمَّ بُنِيَتْ لُحُودُهُمْ بِحِجَارَةٍ أَوْ لَبِنٍ ثُمَّ سُقِفَتْ لُحُودُهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحِجَارَةِ أَوْ الْخَشَبِ لِأَنَّ اللَّبِنَ لَا يَضْبِطُهَا فَإِنْ سُقِفَتْ تُتُبِّعَتْ فُرُوجُهَا حَتَّى تُنْظَمَ (قَالَ) : وَرَأَيْتُهُمْ عِنْدَنَا يَضَعُونَ عَلَى السَّقْفِ الْإِذْخِرَ ثُمَّ يَضَعُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ مُثْرِيًا ثُمَّ يُهِيلُونَ التُّرَابَ بَعْدَ ذَلِكَ إهَالَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا الْوَجْهُ الْأَثَرُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَلَا يُتْرَكَ، وَكَيْفَمَا وُورِيَ الْمَيِّتُ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْثُو مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ بِيَدَيْهِ مَعًا التُّرَابَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ تَعْجِيلَ دَفْنِ الْمَيِّتِ إذَا بَانَ مَوْتُهُ فَإِذَا أَشْكَلَ أَحْبَبْت الْأَنَاةَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غَرِيقًا أَحْبَبْت التَّأَنِّي بِهِ بِقَدْرِ مَا يُوَلَّى مِنْ حَفْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَصْعُوقًا أَحْبَبْت أَنْ يُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى يُخَافَ تَغَيُّرُهُ، وَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ يُصْعَقُ فَيَذْهَبُ عَقْلُهُ ثُمَّ يُفِيقُ بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فَزِعًا مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَزِعًا غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مُتَرَدِّيًا مِنْ جَبَلٍ، وَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَلَا تَخْفَى عَلَامَاتُ الْمَوْتِ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ تَخْفَ عَلَى الْكُلِّ وَإِذَا كَانَتْ الطَّوَاعِينُ أَوْ مَوْتُ الْفَجْأَةِ، وَاسْتَبَانَ الْمَوْتُ فَلَمْ يَضْبِطْهُ أَهْلُ الْبَيْتِ إلَّا أَنْ يُقَدِّمُوا بَعْضَ الْمَوْتَى فَقَدَّمُوا الْوَالِدَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثُمَّ قَدَّمُوا بَعْدُ مَنْ رَأَوْا، فَإِنْ كَانَ امْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَيَّتُهُمَا تُقَدَّمُ وَإِذَا خِيفَ التَّغْيِيرُ عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى قُدِّمَ مَنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ لَا مَنْ لَا يُخَافُ التَّغْيِيرُ

باب ما يكون بعد الدفن

عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ الْكِبَارُ عَلَى الصِّغَارِ إذَا لَمْ يُخَفْ التَّغْيِيرُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ، وَإِذَا كَانَ الضَّرُورَةُ دُفِنَ الِاثْنَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ، وَقُدِّمَ إلَى الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمْ، وَأَقْرَؤُهُمْ ثُمَّ جُعِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي يَلِيهِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا جُعِلَ الرَّجُلُ الَّذِي يَلِيَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ لَمْ تُدْفَنْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا رَخَّصْت فِي أَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ فِي قَبْرٍ بِالسُّنَّةِ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا يَتَحَدَّثُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قِيلَ ثَلَاثَةٌ» . [بَابُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الدَّفْنِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ مَضَى أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْعَدَ عِنْدَ قَبْرِهِ إذَا دُفِنَ بِقَدْرِ مَا تُجْزَرُ جَزُورٌ (قَالَ) : وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَمْ أَرَ النَّاسَ عِنْدَنَا يَصْنَعُونَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَأَنْ أُدْفَنَ فِي غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ إنَّمَا هُوَ وَاحِدُ رَجُلَيْنِ إمَّا ظَالِمٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ فِي جِوَارِهِ وَإِمَّا صَالِحٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْبَشَ فِي عِظَامِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : تَعْنِي فِي الْمَأْثَمِ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ عِظَامُ مَيِّتٍ أَحْبَبْت أَنْ تُعَادَ فَتُدْفَنَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُزَادَ فِي الْقَبْرِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ بَأْسٌ إذًا إذَا زِيدَ فِيهِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ ارْتَفَعَ جِدًّا، وَإِنَّمَا أُحِبُّ أَنْ يُشَخِّصَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شِبْرًا أَوْ نَحْوَهُ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُبْنَى، وَلَا يُجَصَّصَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الزِّينَةَ وَالْخُيَلَاءَ، وَلَيْسَ الْمَوْتُ مَوْضِعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ أَرَ قُبُورَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مُجَصَّصَةً (قَالَ الرَّاوِي) : عَنْ طَاوُسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُبْنَى الْقُبُورُ أَوْ تُجَصَّصَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يَهْدِمَ بِمَكَّةَ مَا يُبْنَى فِيهَا فَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْقُبُورُ فِي الْأَرْضِ يَمْلِكُهَا الْمَوْتَى فِي حَيَاتِهِمْ أَوْ وَرَثَتُهُمْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُهْدَمْ شَيْءٌ أَنْ يُبْنَى مِنْهَا وَإِنَّمَا يُهْدَمُ إنْ هُدِمَ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ فَهَدْمُهُ لِئَلَّا يُحْجَرَ عَلَى النَّاسِ مَوْضِعُ الْقَبْرِ فَلَا يُدْفَنُ فِيهِ أَحَدٌ فَيَضِيقُ ذَلِكَ بِالنَّاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَشَاحَّ النَّاسُ مِمَّنْ يَحْفِرُ لِلْمَوْتَى فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَقْبَرَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مِلْكٍ لِأَحَدٍ حَفَرَ الَّذِي يَسْبِقُ حَيْثُ شَاءَ وَإِنْ جَاءُوا مِمَّا أَقْرَعَ الْوَالِي بَيْنَهُمْ وَإِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ حَفْرُ قَبْرِهِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَعْلَمُ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْبُلْدَانِ فَيَكُونُ فِي السَّنَةِ وَأَكْثَرَ فَإِنْ عَجَّلَ أَحَدٌ بِحَفْرِ قَبْرِهِ فَوَجَدَ مَيِّتًا أَوْ بَعْضَهُ أُعِيدَ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِظَامِهِ شَيْءٌ أُعِيدَ فِي الْقَبْرِ. (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ أَرْضٌ لِرَجُلٍ فَأَذِنَ بِأَنْ يُقْبَرَ فِيهَا ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا فَلَهُ أَخْذُ مَا لَمْ يُقْبَرْ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ مَا قُبِرَ فِيهِ مِنْهَا، وَإِنْ قَبَرَ قَوْمٌ فِي أَرْضٍ لِرَجُلٍ بِلَا إذْنِهِ فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُمْ عَنْهَا أَوْ بِنَاءَهَا أَوْ زَرْعَهَا أَوْ حَفْرَهَا آبَارًا، كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ شَحَّ فَهُوَ أَحَقُّ بِحَقِّهِ، وَأُحِبُّ لَوْ تَرَكَ الْمَوْتَى حَتَّى يَبْلُوا. (قَالَ) : وَأَكْرَهُ وَطْءَ الْقَبْرِ، وَالْجُلُوسَ، وَالِاتِّكَاءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ الرَّجُلُ السَّبِيلَ إلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ إلَّا بِأَنْ يَطَأَهُ فَذَلِكَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ فَأَرْجُو حِينَئِذٍ أَنْ يَسَعَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ لِلتَّغَوُّطِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ نَهَى عَنْهُ الْمَذْهَبُ فَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا لِغَيْرِ الْمَذْهَبِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ تَبِعْت جِنَازَةً مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا كَانَ دُونَ الْقُبُورِ جَلَسَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ " لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقُ رِدَائِي ثُمَّ قَمِيصِي ثُمَّ إزَارِي ثُمَّ تُفْضِي إلَى جِلْدِي أَحَبُّ إلَيَّ

باب القول عند دفن الميت

مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ". (قَالَ) : وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى إلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» (قَالَ) : وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ فَكُرِهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يُوطَأَ فَكُرِهَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ مُسْتَوْدَعَ الْمَوْتَى مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِأَنْظَفِ الْأَرْضِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَرْضِ أَنْظَفُ [بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرٍ قَالَ مَنْ يَضَعُهُ " بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْك الْأَشِحَّاءُ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدَّارِ وَالْحَيَاةِ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ وَنَزَلَ بِك، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ إنْ عَاقَبْته عَاقَبْته بِذَنْبِهِ، وَإِنْ عَفَوْت فَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ اللَّهُمَّ أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك اللَّهُمَّ اُشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَتِهِ، وَشَفِّعْ جَمَاعَتَنَا فِيهِ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ الْأَمَانَ، وَالرُّوحَ فِي قَبْرِهِ "، وَلَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَكِنْ لَا يُقَالُ عِنْدَهَا هُجْرٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ، وَالثُّبُورِ وَالنِّيَاحَةِ فَأَمَّا إذَا زُرْت تَسْتَغْفِرُ لِلْمَيِّتِ وَيَرِقُّ قَلْبَك، وَتَذْكُرُ أَمْرَ الْآخِرَةِ فَهَذَا مِمَّا لَا أَكْرَهُهُ، وَلَا أُحِبُّ الْمَبِيتَ فِي الْقُبُورِ لِلْوَحْشَةِ عَلَى الْبَائِتِ، وَقَدْ رَأَيْت النَّاسَ عِنْدَنَا يُقَارِبُونَ مِنْ ذَوِي الْقَرَابَاتِ فِي الدَّفْنِ، وَأَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَأَجْعَلُ الْوَالِدَ أَقْرَبَ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْ الْوَلَدِ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَكَيْفَمَا دُفِنَ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَيْسَ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ يُقَالُ لَا يُعْدَى إلَى غَيْرِهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ عَزَّى قَوْمٌ مِنْ الصَّالِحِينَ بِتَعْزِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَتَرَحَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيَدْعُوَ لِمَنْ خَلْفَهُ (قَالَ) :، وَالتَّعْزِيَةُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمَيِّتِ أَنَّ الْمَنْزِلَ، وَالْمَسْجِدَ وَطَرِيقَ الْقُبُورِ، وَبَعْدَ الدَّفْنِ، وَمَتَى عَزَّى فَحَسَنٌ فَإِذَا شَهِدَ الْجِنَازَةَ أَحْبَبْت أَنْ تُؤَخَّرَ التَّعْزِيَةُ إلَى أَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ إلَّا أَنْ يَرَى جَزَعًا مِنْ الْمُصَابِ فَيُعَزِّيَهُ عِنْدَ جَزَعِهِ، وَيُعَزِّيَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالْمَرْأَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً شَابَّةً وَلَا أُحِبُّ مُخَاطَبَتَهَا إلَّا لِذِي مَحْرَمٍ، وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ، وَلَيْلَتِهِ طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا، وَبَعْدَنَا لِأَنَّهُ لَمَّا «جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ «جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ أَوْ مَا يَشْغَلُهُمْ» شَكَّ سُفْيَانُ (قَالَ

باب القيام للجنازة

الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِقَيِّمِ أَهْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَتَعَاهَدَ أَضْعَفَهُمْ عَنْ احْتِمَالِهَا بِالتَّعْزِيَةِ بِمَا يَظُنُّ مِنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ أَنَّهُ يُسَلِّيهِ، وَيَكُفُّ مِنْ حُزْنِهِ، وَأُحِبُّ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ الِابْتِدَاءَ بِأَوْلَى مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسْتَأْخِرُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ، وَأَرْضَاهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَظُنُّهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (قَالَ) : وَأُحِبُّ إنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ أَنْ يُعَجِّلَ الصَّدَقَةَ عَنْهُ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ، وَسَبِيلِ الْخَيْرِ، وَأُحِبُّ مَسْحَ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَدَهْنَهُ، وَإِكْرَامَهُ، وَأَنْ لَا يُنْهَرَ، وَلَا يُقْهَرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْصَى بِهِ [بَابُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ مَنْ شَهِدَهَا، وَالْقِيَامُ لَهَا مَنْسُوخٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَوْ شَبِيهًا بِهَذَا، وَقَالَ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ ثُمَّ جَلَسَ، وَأَمَرَ بِالْجُلُوسِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَكَذَلِكَ يُدْفَنُ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقَدْ «دُفِنَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِسْكِينَةٌ لَيْلًا فَلَمْ يُنْكِرْ» ، وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَيْلًا، وَدُفِنَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ لَيْلًا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَلَا مَعَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَبْرُزَ، وَاحْتُجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِأَهْلِ جِنَازَةٍ وَضَعُوهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ: " إمَّا إنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا الْآنَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ " (قَالَ) :: وَابْنُ عُمَرَ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ بِصَلَاتِهِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا» ، وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَرَأَى هَذَا حَمْلَهُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَرَ النَّهْيَ إلَّا فِيمَا سُمِعَ (قَالَ) : وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ كُرِهَتْ فَلَا، وَأَثْبَتْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةً لَا تَحِلُّ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةٍ مَا صُلِّيَ عَلَى مَيِّتِ الْعَصْرِ، وَلَا الصُّبْحِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَجْلِسَ مَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ، وَلَا يَتَفَرَّقَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا يَتَحَرَّوْنَ بِالْجَنَائِزِ انْصِرَافَ النَّاسِ مِنْ الصَّلَاةِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فَيَقُولُ: صَلُّوا مَعَ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ أَخِّرُوا إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلُّونَ لِلضُّحَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالشَّمْسُ مُصْفَرَّةٌ قَبْلَ الْمَغِيبِ قَلِيلًا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ مَغِيبَ الشَّمْسِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ النِّيَاحَةَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَنْ تَنْدُبَهُ النَّائِحَةُ عَلَى الِانْفِرَادِ لَكِنْ يُعَزَّى بِمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الصَّبْرِ، وَالِاسْتِرْجَاعِ، وَأَكْرَهُ الْمَأْتَمَ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُكَاءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ، وَيُكَلِّفُ الْمُؤْنَةَ مَعَ مَا مَضَى فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ (قُتِلَ) : وَأُرَخِّصُ فِي الْبُكَاءِ بِلَا أَنْ يَتَأَثَّرَ، وَلَا أَنْ يَعُلْنَ

غسل الميت

إلَّا خَبَرًا، وَلَا يَدْعُونَ بِحَرْبٍ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ أَمْسَكْنَ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا، وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إذَا مَاتَ» [غُسْلُ الْمَيِّتِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا أَقْرَؤُهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ مَنْ يُحَضِّرُ الْمَيِّتَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ أَنْ يَتَوَلَّى أَرْفَقُهُمْ بِهِ إغْمَاضَ عَيْنَيْهِ بِأَسْهَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَشُدَّ تَحْتَ لَحْيَيْهِ عِصَابَةً عَرِيضَةً، وَتُرْبَطَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ كَيْ لَا يَسْتَرْخِيَ لَحْيُهُ الْأَسْفَلُ فَيَنْفَتِحَ فُوهُ ثُمَّ يَجْسُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يَنْطَبِقَ، وَيَرُدَّ يَدَيْهِ حَتَّى يُلْصِقَهُمَا بِعَضُدَيْهِ ثُمَّ يَبْسُطَهُمَا ثُمَّ يَرُدَّهُمَا ثُمَّ يَبْسُطَهُمَا مَرَّاتٍ لِيَبْقَى لِينُهُمَا فَلَا يَجْسُوَ، وَهُمَا إذَا لُيِّنَا عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ تَبَاقَى لِينُهُمَا إلَى وَقْتِ دَفْنِهِ فَفُكَّتَا، وَهُمَا لَيِّنَتَانِ، وَيُلَيِّنُ كَذَلِكَ أَصَابِعَهُ، وَيَرُدُّ رِجْلَيْهِ مِنْ بَاطِنٍ حَتَّى يُلْصِقَهُمَا بِبُطُونِ فَخِذَيْهِ كَمَا وَصَفْت فِيمَا يَصْنَعُ فِي يَدَيْهِ وَيَضَعُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْئًا مِنْ طِينٍ أَوْ لَبِنَةٍ أَوْ حَدِيدَةٍ، سَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ بَطْنَهُ أَنْ تَرْبُوَ، وَيُخْرِجُ مِنْ تَحْتِهِ الْوَطْءَ كُلَّهُ، وَيُفْضِي بِهِ إلَى لَوْحٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ سَرِيرِ أَلْوَاحٍ مُسْتَوٍ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُسْرِعُ انْتِفَاخُهُ عَلَى الْوَطْءِ، وَيَسْلُبُ ثِيَابًا إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَيُسْجِي ثَوْبًا يُغَطِّي بِهِ جَمِيعَ جَسَدِهِ، وَيَجْعَلُ مِنْ تَحْتِ رِجْلِهِ وَرَأْسِهِ وَجَنْبَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ فَإِذَا أَحْضَرُوا لَهُ غَسْلَهُ، وَكَفَنَهُ، وَفَرَغُوا مِنْ جِهَازِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ، وَفِي عَانَتِهِ شَعْرٌ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَخْذَهُ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ فِيهِ، فَمَنْ أَرْخَصَ فِيهِ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَحْلِقَهُ بِالنُّورَةِ أَوْ يَجُزَّهُ بِالْجَلَمِ، وَيَأْخُذَ مِنْ شَارِبَيْهِ، وَيُقَلِّمَ مِنْ أَظْفَارِهِ، وَيَصْنَعَ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا كَانَ فِطْرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلَا لِحْيَتِهِ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ زِينَةً أَوْ نُسُكًا، وَمَا وَصَفْت مِمَّا يُؤْخَذُ فِطْرَةً فَإِنْ نَوَّرَهُ أَنْقَاهُ مِنْ نُورَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُنَوِّرْهُ اتَّخَذَ قَبْلَ ذَلِكَ عِيدَانًا طِوَالًا مِنْ شَجَرٍ لَيِّنٍ لَا يَجْرَحُ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ جَمِيعَ مَا تَحْتَ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ مِنْ الْوَسَخِ ثُمَّ أَفْضَى بِهِ إلَى مُغْتَسَلِهِ مَسْتُورًا، وَإِنْ غَسَلَهُ فِي قَمِيصٍ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ سَخِيفًا رَقِيقًا أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ ضَاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ أَقَلَّ مَا يَسْتُرُهُ بِهِ مَا يُوَارِي مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَوْرَةُ مِنْ الرَّجُلِ فِي الْحَيَاةِ، وَيَسْتُرُ الْبَيْتَ الَّذِي يُغَسِّلُهُ فِيهِ بِسَتْرٍ وَلَا يَشْرَكُهُ فِي النَّظَرِ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا مَنْ لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ مِمَّنْ يُمْسِكُهُ أَوْ يُقَلِّبُهُ أَوْ يَصُبُّ عَلَيْهِ، وَيَغُضُّونَ كُلُّهُمْ، وَهُوَ عَنْهُ الطَّرْفَ، وَإِلَّا فِيمَا لَا يُجْزِيهِ فِيهِ إلَّا النَّظَرُ إلَيْهِ لِيَعْرِفَ مَا يُغَسِّلُ مِنْهُ، وَمَا بَلَغَ الْغَسْلُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْغَسْلِ، وَيَجْعَلُ السَّرِيرَ الَّذِي يُغَسِّلُهُ عَلَيْهِ كَالْمُنْحَدِرِ قَلِيلًا، وَيُنْفِذُ مَوْضِعَ مَائِهِ الَّذِي يُغَسِّلُهُ بِهِ مِنْ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَحْرَزُ لَهُ أَنْ يَنْضَحَ فِيهِ شَيْءٌ انْصَبَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ انْتَضَحَ لَمْ يَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّ هَذَا أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَيَتَّخِذُ إنَاءَيْنِ إنَاءً يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمَجْمُوعِ لِغُسْلِهِ، وَإِنَاءً يَصُبُّ فِيهِ ذَلِكَ الْإِنَاءَ ثُمَّ يَصُبُّ الْإِنَاءَ الثَّانِيَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ إنَاءُ الْمَاءِ غَيْرَ قَرِيبٍ مِنْ الصَّبِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيُغَسِّلُهُ بِالْمَاءِ غَيْرِ.

باب عدة غسل الميت

السُّخْنِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَلَوْ غُسِّلَ بِهِ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَسَخٌ، وَكَانَ بِبَلَدٍ بَارِدٍ أَوْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَبْلُغُ الْمَاءُ غَيْرُ الْمُسَخَّنِ أَنْ يُنَقِّيَ جَسَدَهُ غَايَةَ الْإِنْقَاءِ، وَلَوْ لَصِقَ بِجَسَدِهِ مَا لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الدُّهْنُ دُهِنَ ثُمَّ غُسِّلَ حَتَّى يَتَنَظَّفَ، وَكَذَلِكَ إنْ طُلِيَ بِنُورَةٍ، وَلَا يُفْضِي غَاسِلُ الْمَيِّتِ بِيَدِهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ وَلَوْ تَوَقَّى سَائِرَ جَسَدِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَيُعِدُّ خِرْقَتَيْنِ نَظِيفَتَيْنِ قَبْلَ غُسْلِهِ فَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ إحْدَاهُمَا ثُمَّ يُغَسِّلُ بِهَا أَعْلَى جَسَدِهِ، وَأَسْفَلَهُ فَإِذَا أَفْضَى إلَى مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَمَذَاكِيرِهِ فَغَسَّلَ ذَلِكَ أَلْقَاهَا فَغُسِلَتْ، وَلَفَّ الْأُخْرَى، وَكُلَّمَا عَادَ عَلَى الْمَذَاكِيرِ، وَمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَلْقَى الْخِرْقَةَ الَّتِي عَلَى يَدِهِ، وَأَخَذَ الْأُخْرَى الْمَغْسُولَةَ لِئَلَّا يَعُودَ بِمَا مَرَّ عَلَى الْمَذَاكِيرِ، وَبِمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ [بَابُ عِدَّةِ غَسْلِ الْمَيِّتِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ الْإِنْقَاءُ كَمَا يَكُونُ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي الْجَنَابَةِ، وَأَقَلُّ مَا أُحِبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ بِإِنْقَائِهِ مَا يُرِيدُ الْغَاسِلُ فَخَمْسٌ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا يُحِبُّ فَسَبْعٌ، وَلَا يُغَسِّلُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَلْقَى فِيهِ كَافُورًا لِلسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَرِهْتُهُ، وَرَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ، وَلَسْت أَعْرِفُ أَنْ يُلْقَى فِي الْمَاءِ وَرَقُ سِدْرٍ، وَلَا طِيبٌ غَيْرَ كَافُورٍ، وَلَا يَغِرُّهُ، وَلَكِنْ يَتْرُكُ مَاءً عَلَى وَجْهِهِ، وَيُلْقِي فِيهِ الْكَافُورَ [مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُلْقَى الْمَيِّتُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَبْدَأُ غَاسِلُهُ فَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَيُجْلِسُهُ إجْلَاسًا رَفِيقًا وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا رَفِيقًا بَلِيغًا لِيُخْرِجَ شَيْئًا إنْ كَانَ فِيهِ ثَمَّ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ، وَأَلْقَى الْخِرْقَةَ عَنْ يَدِهِ، وَوَضَّأَهُ ثُمَّ غَسَّلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالسِّدْرِ حَتَّى يُنَقِّيَهُمَا وَيُسَرِّحَهُمَا تَسْرِيحًا رَفِيقًا ثُمَّ يُغَسِّلُهُ مِنْ صَفْحَةِ عُنُقِهِ الْيُمْنَى صَبًّا إلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى، وَغُسِّلَ فِي ذَلِكَ شِقُّ صَدْرِهِ، وَجَنْبُهُ، وَفَخِذُهُ، وَسَاقُهُ الْأَيْمَنُ كُلُّهُ يُحَرِّكُهُ لَهُ مُحَرِّكٌ لِيَتَغَلْغَلَ الْمَاءُ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، وَيُمِرُّ يَدَهُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلِيَأْخُذَ الْمَاءَ فَيُغَسِّلَ يَامِنَةَ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَصْنَعُ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يَحْرِفُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ فَيُغَسِّلُ نَاتِئَةَ ظَهْرِهِ، وَقَفَاهُ وَفَخِذِهِ، وَسَاقِهِ إلَى قَدَمِهِ، وَهُوَ يَرَاهُ مُمْكِنًا ثُمَّ يَحْرِفُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَصْنَعَ بِيَاسِرَةِ قَفَاهُ، وَظَهْرِهِ، وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَأَلْيَتَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ وَسَاقِهِ، وَقَدَمِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَيُّ شِقٍّ حَرَفَهُ إلَيْهِ لَمْ يَحْرِفْهُ حَتَّى يُغَسِّلَ مَا تَحْتَهُ، وَمَا يَلِيهِ لِيَحْرِفَهُ عَلَى مَوْضِعٍ نَقِيٍّ نَظِيفٍ، وَيَصْنَعُ هَذَا فِي كُلِّ غَسْلَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ غُسْلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَسَخٌ نُحِّيَ إلَى إمْكَانِ غُسْلِهِ بِأُشْنَانٍ ثُمَّ مَاءٍ قَرَاحٍ، وَإِنْ غَسَّلَهُ

عدد كفن الميت

بِسِدْرٍ أَوْ أُشْنَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ نَحْسَبْ شَيْئًا خَالَطَهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ يَعْلُو فِيهِ غُسْلًا، وَلَكِنْ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَذْهَبَ هَذَا أُمِرَّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ بِمَا وَصَفْت، وَكَانَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ، وَكَانَ هَذَا تَنْظِيفًا لَا يُعَدُّ غَسْلَ طَهَارَةٍ، وَالْمَاءُ لَيْسَ فِيهِ كَافُورٌ كَالْمَاءِ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْكَافُورِ، وَلَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ عَنْ سَجِيَّةِ خِلْقَتِهِ، وَلَا يَعْلُو فِيهِ مِنْهُ إلَّا رِيحُهُ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ فَكَثْرَةُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً يَتَوَضَّأُ بِهِ الْحَيُّ، وَلَا يَتَوَضَّأُ الْحَيُّ بِسِدْرٍ مَضْرُوبٍ بِمَاءٍ لِأَنَّ السِّدْرَ لَا يُطَهِّرُ، وَيُتَعَهَّدُ بِمَسْحِ بَطْنِ الْمَيِّتِ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، وَيَقْعُدُ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ غَسْلَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ آخِرِ غَسْلَةٍ غَسَلَهَا تُعُهِّدَتْ يَدَاهُ، وَرِجْلَاهُ، وَرُدَّتَا لِئَلَّا تَجْسُوَا ثُمَّ مُدَّتَا فَأُلْصِقَتَا بِجَنْبِهِ، وَصَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَأُلْصِقَ أَحَدُ كَعْبَيْهِ بِالْآخَرِ، وَضُمَّ إحْدَى فَخِذَيْهِ إلَى الْأُخْرَى فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِهِ شَيْءٌ أُنْقِيَ، وَاعْتُدَّتْ غَسْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُسْتَخَفُّ فِي ثَوْبٍ فَإِذَا جَفَّ صُيِّرَ فِي أَكْفَانِهِ. [عَدَدُ كَفَنِ الْمَيِّتِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أُحِبُّ عَدَدَ كَفَنِ الْمَيِّتِ إلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ رَيْطَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَمَنْ كُفِّنَ فِيهَا بُدِئَ بِاَلَّتِي يُرِيدُونَ أَنْ تَكُونَ أَعْلَاهَا فَبُسِطَتْ أَوَّلًا ثُمَّ بُسِطَتْ الْأُخْرَى فَوْقَهَا ثُمَّ الثَّالِثَةُ فَوْقَهُمَا ثُمَّ حُمِلَ الْمَيِّتُ فَوُضِعَ فَوْقَ الْعُلْيَا ثُمَّ أُخِذَ الْقُطْنُ مَنْزُوعُ الْحَبِّ فَجُعِلَ فِيهِ الْحَنُوطُ وَالْكَافُورُ، وَأُلْقِيَ عَلَى الْمَيِّتِ مَا يَسْتُرُهُ ثُمَّ أُدْخِلَ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ إدْخَالًا بَلِيغًا وَأَكْثَرَ لِيَرُدَّ شَيْئًا إنْ جَاءَ مِنْهُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ إذَا حُمِلَ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَأْتِيَ شَيْءٌ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ أَوْ حَدَثَتْ يُرَدُّ بِهَا أَدْخَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَنِهِ لِبْدًا ثُمَّ شَدُّوهُ عَلَيْهِ كَمَا يَشُدُّ التُّبَّانَ الْوَاسِعَ فَيَمْنَعُ شَيْئًا إنْ جَاءَ مِنْهُ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ أَوْ ثَوْبًا صَفِيقًا أَقْرَبَ الثِّيَابِ شَبَهًا بِاللِّبْدِ، وَأَمْنَعَهَا لِمَا يَأْتِي مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَشَدُّوهُ عَلَيْهِ خِيَاطَةً، وَإِنْ لَمْ يَخَافُوا ذَلِكَ فَلَفُّوا مَكَانَ ذَلِكَ ثَوْبًا لَا يَضُرُّهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُمْ وَالِاحْتِيَاطُ بِعَمَلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ ثُمَّ يُؤْخَذُ الْكُرْسُفُ فَيُوضَعُ عَلَيْهِ الْكَافُورُ فَيُوضَعُ عَلَى فِيهِ وَمَنْخَرَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، وَمَوْضِعِ سُجُودِهِ فَإِنْ كَانَتْ بِهِ جِرَاحٌ نَافِدٌ وُضِعَ عَلَيْهَا، وَيُحَنَّطُ رَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ، وَلَوْ ذُرَّ الْكَافُورُ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ وَثَوْبِهِ الَّذِي يُدْرَجُ فِيهِ أَحْبَبْت ذَلِكَ، وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ مِنْ الْكَفَنِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَبْقَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ مِنْهُ أَقَلُّ مَا بَقِيَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ صنفة الثَّوْبِ الْيُمْنَى فَتُرَدُّ عَلَى شِقِّ الرِّجْلِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ تُؤْخَذُ صَنِفَتهُ الْيُسْرَى فَتَرُدُّ عَلَى شِقِّ الرِّجْلِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يُغَطِّيَ بِهَا صَنِفَتهُ الْأُولَى ثُمَّ يَصْنَعُ بِالثَّوْبِ الَّذِي يَلِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ بِالثَّوْبِ الْأَعْلَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُذَرَّ بَيْنَ أَضْعَافِهَا حَنُوطٌ وَالْكَافُورُ ثُمَّ يُجْمَعُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ جَمْعَ الْعِمَامَةِ ثُمَّ يُرَدُّ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ صَدْرُهُ، وَمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ عَلَى ظَهْرِ رِجْلَيْهِ إلَى حَيْثُ بَلَغَ، فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الثِّيَابِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عَقَدُوهَا كَيْ لَا تَنْتَشِرَ فَإِنْ أَدْخَلُوهُ الْقَبْرَ لَمْ يَدَعُوا عَلَيْهِ عُقْدَةً إلَّا حَلُّوهَا، وَلَا خِيَاطَةً إلَّا فَتَقُوهَا، وَأَضْجَعُوهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَرَفَعُوا رَأْسَهُ بِلَبِنَةٍ، وَأَسْنَدُوهُ لِئَلَّا يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَدْنَوْهُ فِي اللَّحْدِ مِنْ مُقَدَّمِهِ كَيْ لَا يَنْقَلِبَ عَلَى، وَجْهِهِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ شَدِيدِ التُّرَابِ أَحْبَبْت أَنْ يُلْحَدَ لَهُ، وَيُنْصَبَ اللَّبِنُ عَلَى قَبْرِهِ ثُمَّ تُسَدُّ فُرَجُ اللَّبِنِ ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ رَقِيقٍ ضُرِحَ لَهُ وَالضَّرْحُ أَنْ تُشَقَّ الْأَرْضُ ثُمَّ تُبْنَى ثُمَّ يُوضَعَ فِيهِ الْمَيِّتُ كَمَا وَصَفْت ثُمَّ سُقِفَ بِأَلْوَاحٍ ثُمَّ سُدَّتْ فُرَجُ الْأَلْوَاحِ ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَلْوَاحِ وَالْفُرَجِ إذْخِرٌ وَشَجَرٌ مَا كَانَ، فَيُمْسِكُ التُّرَابَ أَنْ يَنْتَخِلَ عَلَى الْمَيِّتِ فَوُضِعَ مِكْتَلًا مِكْتَلًا لِئَلَّا يَتَزَايَلَ الشَّجَرُ عَنْ مَوَاضِعِهِ ثُمَّ أُهِيلَ عَلَيْهِ

من يدخل قبر الرجل

التُّرَابُ، وَالْإِهَالَةُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْرَحَ مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا عَلَيْهِ، وَيُهَالُ بِالْمَسَاحِي، وَلَا نُحِبُّ أَنْ يُزْدَادَ فِي الْقَبْرِ أَكْثَرُ مِنْ تُرَابِهِ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ جِدًّا، وَيُشَخَّصُ الْقَبْرُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ نَحْوَ مِنْ شِبْرٍ، وَيُسَطَّحُ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصْبَاءُ وَتُسَدُّ أَرْجَاؤُهُ بِلَبِنٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَيُرَشُّ عَلَى الْقَبْرِ وَيُوضَعُ عِنْدَ رَأْسِهِ صَخْرَةٌ أَوْ عَلَامَةٌ مَا كَانَتْ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقَبْرِ فَذَلِكَ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ فَلْيَنْصَرِفْ مَنْ شَاءَ، وَالْمَرْأَةُ فِي غَسْلِهَا وَتَعَاهُدِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ الرَّجُلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَقَّدَ مِنْهَا أَكْثَرَ مَا يُتَفَقَّدُ مِنْ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ بِهَا بَطْنٌ أَوْ كَانَتْ نُفَسَاءَ أَوْ بِهَا عِلَّةٌ اُحْتِيطَ فَخِيطَ عَلَيْهَا لِبْدٌ لِيَمْنَعَ مَا يَأْتِي مِنْهَا إنْ جَاءَ، وَالْمَشْيُ بِالْجِنَازَةِ الْإِسْرَاعُ، وَهُوَ فَوْقَ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْمَيِّتِ عِلَّةٌ يُخَافُ لَهَا أَنْ تُجِيءُ مِنْهُ شَيْئًا أَحْبَبْت أَنْ يُرْفَقَ بِالْمَشْيِ وَأَنْ يُدَارَى لِئَلَّا يَأْتِيَ مِنْهُ أَذًى، وَإِذَا غُسِّلَتْ الْمَرْأَةُ، ضُفِرَ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأُلْقِينَ خَلْفَهَا، وَأُحِبُّ لَوْ قُرِئَ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَدُعِيَ لِلْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ، وَأُحِبُّ تَعْزِيَةَ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَجَاءَ الْأَثَرُ فِي تَعْزِيَتِهِمْ، وَأَنْ يُخَصَّ بِالتَّعْزِيَةِ كِبَارُهُمْ، وَصِغَارُهُمْ الْعَاجِزُونَ عَنْ احْتِمَالِ الْمُصِيبَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ أَهْلُ رَحِمِهِمْ وَجِيرَانُهُمْ طَعَامًا لِشُغْلِهِمْ بِمُصِيبَتِهِمْ عَنْ صَنْعَةِ الطَّعَامِ. الْعِلَلُ فِي الْمَيِّتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَصْعُوقًا أَوْ مَيِّتًا غَمًّا أَوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِ عَذَابٌ أَوْ حَرِيقًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ بِهِ عِلَّةٌ قَدْ تَوَارَتْ بِمِثْلِ الْمَوْتِ اُسْتُؤْنِيَ بِدَفْنِهِ، وَتُعُوهِدَ حَتَّى يُسْتَيْقَنَ مَوْتُهُ لَا وَقْتَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَبِنْ بِهِ الْمَوْتُ أَوْ يُخَافُ أَثَرُهُ ثُمَّ غُسِّلَ وَدُفِنَ، وَإِذَا اسْتُيْقِنَ مَوْتُهُ عُجِّلَ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ، وَلِلْمَوْتِ عَلَامَاتٌ مِنْهَا امْتِدَادُ جِلْدَةِ الْوَلَدِ مُسْتَقْبِلِهِ " قَالَ الرَّبِيعُ " يَعْنِي خُصَاهُ فَإِنَّهَا تُفَاضُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَافْتِرَاجُ زَنْدَيْ يَدَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءُ الْقَدَمَيْنِ حَتَّى لَا يَنْتَصِبَانِ، وَمَيَلَانُ الْأَنْفِ، وَعَلَامَاتٌ سِوَى هَذِهِ، فَإِذَا رُئِيَتْ دَلَّتْ عَلَى الْمَوْتِ. [مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الرَّجُلِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَضُرُّ الرَّجُلَ مَنْ دَخَلَ قَبْرَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَلَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ قَبْرَ رَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُنَّ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا وِتْرًا فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً، وَلَا يَضُرُّهُمْ أَنْ يَكُونُوا شَفْعًا، وَيَدْخُلُهُ مَنْ يُطِيقُهُ، وَأُحِبُّهُمْ أَنْ يَدْخُلَ قَبْرَهُ أَفْقَهُهُمْ ثُمَّ أَقْرَبُهُمْ بِهِ رَحِمًا ثُمَّ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ مِنْ الْعَدَدِ مِثْلُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الرَّجُلِ، وَلَا تَدْخُلُهُ امْرَأَةٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلِيَهَا النِّسَاءُ لِتَخْلِيصِ شَيْءٍ إنْ كُنَّ يَلِينَهُ، وَحَلِّ عَقْدٍ عَنْهَا، وَإِنْ وَلِيَهَا الرِّجَالُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَلِيَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يُوجَدَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا أَحْبَبْت أَنْ يَلِيَهَا رَقِيقٌ إنْ كَانُوا لَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَخُصْيَانٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَقِيقٌ فَذُو مَحْرَمٍ أَوْ وَلَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَمَنْ وَلِيَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَالرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إنْ شَاءَ وَتُغَسِّلُهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهَا أَحَبُّ إلَيَّ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَامْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيُدْخِلُ الْمَرْأَةَ قَبْرَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مِنْ قَرَابَتِهَا أَحَدُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ لَوْ احْتَاجَتْ إلَيْهِمْ فِي حَيَاتِهَا لَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلَيْهَا وَيَشْهَدُوا عَلَيْهَا

باب التكبير على الجنائز

[بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِجُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا وَمَحْبُوبِهِ أَحِبَّائِهِ فِيهَا إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَمَا هُوَ لَاقِيهِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ نَزَلَ بِك، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَبَلِّغْهُ بِرَحْمَتِك رِضَاك، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ "، وَإِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ أَنْ يُقَالَ " اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْك الْأَهْلُ وَالْإِخْوَانُ وَرَجَعَ عَنْهُ كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ، وَصَحِبَهُ عَمَلُهُ، اللَّهُمَّ فَزِدْ فِي حَسَنَتِهِ وَاشْكُرْهُ وَاحْطُطْ سَيِّئَتَهُ، وَاغْفِرْ لَهُ وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك، وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ اللَّهُمَّ وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ "

باب الحكم فيمن دخل في صلاة أو صوم هل له قطع ما دخل فيه

[بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ هَلْ لَهُ قَطْعُ مَا دَخَلَ فِيهِ] ِ قَبْلَ تَمَامِهِ؟ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا أَوْ صَلَاةً نَذَرَهَا أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَوْمٍ، وَلَا صَلَاةٍ مَا كَانَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِلَا عُذْرٌ مِمَّا وَصَفْت أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَامِدًا، كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَكَانَ عَلَيْهِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْإِعَادَةُ لِمَا خَرَجَ مِنْهُ بِكَمَالِهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ مِنْ سَهْوٍ أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَقْضِيَ مَا تَرَكَ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِكَمَالِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُهُ طَالَ تَرْكُهُ لَهُ أَوْ قَصُرَ، وَأَصْلُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ تَرْكُ صَلَاةٍ، وَلَا صَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَقْضِيَ مَا تَرَكَ بِكَمَالِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ إكْمَالِهِ عَادَ، وَدَخَلَ فِيهِ فَأَكْمَلَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْمِلْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ فَهُوَ بِحَالَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُكْمِلُ صَلَاةُ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، وَصَوْمُ الصَّائِمِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَدِمَ فِيهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ نِيَّةً يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ كَبَّرَ لَا يَنْوِي وَاجِبًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ لَا يَنْوِي، وَاجِبًا لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ وَلَا صِيَامُهُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَمَا قُلْت فِي هَذَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ لَا أَعْلَمُ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ تَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ صِيَامٍ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ كَامِلًا إلَّا مِنْ أَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ كَمَا يُعْذَرُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ طَاقَتِهِ أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ عَادَ لَهُ فَكَمَّلَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدِي أَنْ يَعُودَ لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِمَ لَا يَعُودُ لِمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعِ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ إذَا خَرَجَ مِنْهُ كَمَا يَعُودُ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِلَافِ الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَالنَّافِلَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا اخْتِلَافَ مُخْتَلِفَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَبَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وُجِدَ فِي اخْتِلَافِهِمَا؟ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَكَانَ لَهُ تَرْكُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ: أَفَرَأَيْت النَّافِلَةَ، أَكَانَ لَهُ تَرْكُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَتَرَاهُمَا مُتَبَايِنَتَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَرَأَيْت الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ بِعَيْنِهَا وَالصَّوْمَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيلَ لَهُ: أَفَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ، وَصَوْمٍ لَا يَنْوِي نَافِلَةً بِعَيْنِهَا، وَلَا فَرْضًا

أَفَتَكُونُ نَافِلَةً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَهُوَ مُطِيقٌ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا، وَفِي السَّفَرِ رَاكِبًا أَيْنَ تَوَجَّهَتْ بِهِ دَابَّتُهُ يُومِئُ إيمَاءً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: أَفَتَرَاهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ بَيْنَ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَمَعَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفًا فِيهِ. بَابُ الْخِلَافِ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ، وَآخَرُ فِي هَذَا فَكَلَّمْت بَعْضَ النَّاسِ، وَكَلَّمَنِي بِبَعْضِ مَا حَكَيْت فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَتَيْت عَلَى مَعَانِيهِ وَأَجَابَنِي بِجُمَلِ مَا قُلْت غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي أَوْضَحْتُهَا حِينَ كَتَبْتُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ مِنِّي حِينَ كَلَّمْتُهُ فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَحْكِيَ إلَّا مَا قُلْت عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كُنْت لَمْ أَحْكِ إلَّا مَعْنَى مَا قُلْت لَهُ بَلْ تَحَرَّيْت أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مَا قُلْت لَهُ، وَأَنْ آتِيَ عَلَى مَا قَالَ، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِيهَا هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِهِ مِمَّا سَأَحْكِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَالُوا، وَقُلْت: فَقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْت أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَكِّيِّينَ، وَغَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدَنِيِّينَ يَقُولُونَ مَا قُلْت لَا يُخَالِفُونَك فِيهِ، وَقَدْ وَافَقَنَا فِي قَوْلِنَا بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ فَخَالَفَك مَرَّةً وَخَالَفَنَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَقُلْت: لَا أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَاذْكُرْ قَوْلَك وَالْحُجَّةَ فِيهِ ذِكْرَ مَنْ لَا يَحْتَجُّ إلَّا بِمَا يُرَى مِثْلُهُ حُجَّةً وَلَا تَذْكُرْ مِمَّا يُوَافِقُ قَوْلَك قَوْلَ مَنْ لَا يُرَى قَوْلُهُ حُجَّةً بِحَالٍ: قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَوْ أَخْبَرَنَا ثِقَةٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا شَيْءٌ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ» فَقُلْت: هَلْ عِنْدَك حُجَّةٌ مِنْ رِوَايَةٍ أَوْ أَثَرٍ لَازِمٍ غَيْرِ هَذَا؟ قَالَ: مَا يَحْضُرُنِي الْآنَ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي كُنَّا نَبْنِي عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا قَالَ: فَقُلْت لَهُ: هَلْ تَقْبَلُ مِنِّي أَنْ أُحَدِّثَك مُرْسَلًا كَثِيرًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَنُظَرَائِهِمَا وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُمَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَكَيْفَ قَبِلْت عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا فِي شَيْءٍ وَلَا تَقْبَلُهُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ مِثْلِهِ، وَلَا أَكْبَرَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ؟ قَالَ فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ. قُلْت: وَهَكَذَا يَقُولُ لَك مَنْ أَخَذَ بِمُرْسَلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَمُرْسَلِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ فَيَقُولُ كُلَّمَا غَابَ عَنِّي مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَنْ ثِقَةٍ أَوْ عَنْ مَجْهُولٍ لَمْ تَقُمْ عَلَيَّ بِهِ حُجَّةٌ حَتَّى أَعْرِفَ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ بِالثِّقَةِ فَأَقْبَلَهُ أَوْ أَجْهَلَهُ فَلَا أَقْبَلَهُ، قُلْت: وَلِمَ؟ إلَّا أَنَّك إنَّمَا أَنْزَلْتَهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا تَأْمَنُ أَنْ يَشْهَدَ لَك شَاهِدَانِ عَلَى مَا لَمْ يَرَيَا، وَلَمْ يُسَمِّيَا مَنْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَتِهِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْحَدِيثِ كُلِّهِ قَالَ: فَقُلْت لَهُ: وَقَدْ كَلَّمَنِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ كَلَامَ مَنْ كَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ، وَلَمْ نَعْرِفْ ثِقَةً ثَبْتًا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ تَصِيرَ إلَيْهِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَكَانَ ذَاهِبًا عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ؟ قُلْت: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْت عَنْ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ أَسَمِعْتَهُ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ رَجُلٌ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَوْ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: أَفَرَأَيْت لَوْ كُنْت تَرَى الْحُجَّةَ تَقُومُ بِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ ثُمَّ عَلِمْت أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ فِي الْحَدِيثِ مَا حَكَيْت لَك أَتَقْبَلُهُ؟ قَالَ: لَا هَذَا يُوهِنُهُ بِأَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ قَبِلَهُ عَنْ

رَجُلٍ لَا يُسَمِّيهِ وَلَوْ عَرَفَهُ لَسَمَّاهُ أَوْ وَثَّقَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: أَفَلَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي صَوْمٍ فَيَخْرُجَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمٍ أَوْ فِي طَوَافٍ فَيَخْرُجَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ سَبْعًا؟ فَقُلْت لَهُ: وَقَدْ صِرْت إذْ لَمْ تَجِدْ حُجَّةً فِيمَا كُنْت تَحْتَجُّ بِهِ إلَى أَنْ تَكَلَّمَ كَلَامَ أَهْلِ الْهَالَةِ قَالَ: الَّذِي قُلْت أَحْسَنُ. قُلْت: أَتَقُولُ أَنْ يُكْمِلَ الرَّجُلُ مَا دَخَلَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَضْعَافِهِ؟ قَالَ: أَجَلْ. قُلْت أَفَتُوجِبُهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت لَهُ: أَفَرَأَيْت رَجُلًا قَوِيًّا نَشِيطًا فَارِغًا لَا يَصُومُ يَوْمًا وَاحِدًا تَطَوُّعًا أَوْ لَا يَطُوفُ سَبْعًا أَوْ لَا يُصَلِّي رَكْعَةً هُوَ أَقْبَحُ فِعْلًا أَمْ مَنْ طَافَ فَلَمْ يُكْمِلْ طَوَافًا حَتَّى قَطَعَهُ مِنْ عُذْرٍ فَلَمْ يَبْنِ أَوْ صَنَعَ ذَلِكَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ؟ قَالَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ ذَلِكَ سَيِّئٌ، قُلْت: أَفَتَأْمُرُهُ إذَا كَانَ فِعْلُهُ أَقْبَحَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَصُومَ وَيَطُوفَ تَطَوُّعًا أَمْرًا تُوجِبُهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَلَيْسَ قَوْلُك أَحْسَنَ، وَأَقْبَحَ مِنْ مَوْضِعِ الْحُجَّةِ بِسَبِيلٍ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ اخْتِيَارٍ قَالَ: نَعَمْ فَلَمْ يَدْخُلْ الِاخْتِيَارُ فِي مَوْضِعِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ أَجَزْنَا لَهُ قَبْلَ أَنْ نَقُولَ هَذَا مَا اخْتَرْت لَهُ وَأَكْثَرَ فَقُلْنَا: مَا نُحِبُّ أَنْ يُطِيقَ رَجُلٌ صَوْمًا فَيَأْتِيَ عَلَيْهِ شَهْرٌ لَا يَصُومُ بَعْضَهُ، وَلَا صَلَاةً فَيَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلٌ، وَلَا نَهَارٌ إلَّا تَطَوَّعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمَا يَزِيدُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ أَحَدٌ إلَّا وَالْحَظُّ لَهُ فِي تَرْكِ النَّقْصِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِعَالِمٍ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: هَذَا مَعِيبٌ، وَهَذَا مُسْتَخِفٌّ، وَالِاسْتِخْفَافُ، وَالْعَيْبُ بِالنِّيَّةِ، وَالْفِعْلِ وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ مِمَّنْ لَا يَسْتَخِفُّ، فَقَالَ فِيمَا قُلْت مِنْ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ التَّطَوُّعِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الطَّوَافِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ خَبَرٌ يَلْزَمُ أَوْ قِيَاسٌ يُعْرَفُ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: فَاذْكُرْ بَعْضَ مَا يَحْضُرُك مِنْهَا قُلْنَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّته عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت إنَّا خَبَّأْنَا لَك حَيْسًا: فَقَالَ أَمَا إنِّي كُنْت أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: لَيْسَ فِيمَا حَفِظْت عَنْ سُفْيَانَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَنَا أَسْأَلُك. قَالَ. فَسَلْ: قُلْت أَرَأَيْت مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ مَنْ دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَك بِالصَّوْمِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ثُمَّ يَقْضِي؟ قَالَ: لَا. قُلْت: وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ عَلَى مَعْنَى مَا ذَهَبْت إلَيْهِ كُنْت قَدْ خَالَفْتَهُ؟ قَالَ: فَلَوْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ أَيُحْتَمَلُ مَعْنًى غَيْرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. يُحْتَمَلُ إنْ شَاءَ تَطَوَّعَ يَوْمًا مَكَانَهُ قَالَ: وَأَيَّامًا أَفَتَجِدُ فِي شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قُلْت: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ قَالَ: يَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ اذْهَبْ إلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى عَائِشَةَ، وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا فَأَتَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا «فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا قَالَ: إنِّي كُنْت أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ صَدَقَةٌ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَحَبُّ

الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ، وَإِنَّمَا أَرَادَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى عَمَلٍ كَانَ يَعْمَلُهُ فَلَمَّا شُغِلَ عَنْهُ عَمِلَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ مِنْهُ لَيْسَ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَاجِبَتَانِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا هُمَا نَافِلَةٌ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلْيُصَلِّهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ قِيَامُ اللَّيْلِ " لَيْسَ أَنَّهُ يُوجِبُ قِيَامَ اللَّيْلِ وَلَا قَضَاءَهُ، وَلَكِنْ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ تَحَرَّى فَصَلَّى فَلْيَفْعَلْ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْإِسْلَامِ» ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْبِقَ بِاعْتِكَافٍ اعْتَكَفَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنَّهُ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ صَامُوا حِينَ صُمْت فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، وَأَمَرَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَحْبِسُوا فَلَمَّا حَبَسُوا، وَلَحِقَهُ مَنْ وَرَاءَهُ رَفَعَ الْإِنَاءَ إلَى فِيهِ فَشَرِبَ وَفِي حَدِيثِهِمَا أَوْ حَدِيثِ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى إذَا كَانَ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ، وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ رَفَعَ إنَاءً فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ فَحَبَسَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَدْرَكَهُ مَنْ وَرَاءَهُ ثُمَّ شَرِبَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ هَذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قُلْت: فَذَلِكَ أَوْكَدُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْك أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي السَّفَرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا عِلَّةَ غَيْرُهُ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إنْ شَاءَ فَيُجْزَى عَنْهُ مَنْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَهُ دَلَّ هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِي مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ كَانَ بِالدُّخُولِ فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَانَ لَهُ إذَا دَخَلَ فِيهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالتَّطَوُّعُ بِكُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَكَذَا مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي لَهُ تَرْكُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَقْضِيَهُ فِي غَيْرِهِ قَالَ: فَتَقُولُ بِهَذَا؟ قُلْت: نَعَمْ، أَقُولُهُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] قَالَ لِي: فَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّك تَحْفَظُ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت لَهُ: الَّذِي جِئْتُك بِهِ أَقْطَعُ لِلْعُذْرِ وَأَوْلَى أَنْ تَتَّبِعَهُ مِنْ الْأَثَرِ قَالَ فَاذْكُرْ الْأَثَرَ قُلْت: فَإِنْ ذَكَرْتُهُ بِمَا ثَبَتَ بِمِثْلِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ يُخَالِفُهُ ثَابِتٍ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعْلَمُ أَنَّ فِيمَا قُلْنَا الْحُجَّةَ، وَفِي خِلَافِهِ الْخَطَأَ؟ قَالَ: فَاذْكُرْهُ. قُلْت: أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْإِنْسَانُ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ، وَيَضْرِبُ لِذَلِكَ أَمْثَالًا، رَجُلٌ قَدْ طَافَ سَبْعًا، وَلَمْ يُوفِهِ فَلَهُ مَا احْتَسَبَ أَوْ صَلَّى رَكْعَةً، وَلَمْ يُصَلِّ أُخْرَى فَلَهُ أَجْرُ مَا احْتَسَبَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارَ أَوْ قَبْلَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَيَجِدُهُ أَوْ لَا يَجِدُهُ

فَيَقُولُ: لَأَصُومَنَّ هَذَا الْيَوْمَ فَيَصُومُهُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحِينَ، وَهُوَ مُفْطِرٌ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُصْبِحُ مُفْطِرًا حَتَّى الضُّحَى أَوْ بَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ غَدَاءً أَوْ لَمْ يَجِدْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِهِ يُصْبِحُ مُفْطِرًا يَعْنِي يُصْبِحُ لَمْ يَنْوِ صَوْمًا، وَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا لَا يُجْزِئُ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ حَتَّى يَنْوِيَ صَوْمَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ خَرَجَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ فِيمَا يُثْبِتُ مِثْلَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ يُكْثِرُ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ تَدْرِي عَلَى شَفْعٍ تَنْصَرِفُ أَمْ عَلَى وِتْرٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْمُنْذِرِيِّ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: أَتَيْت بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ يُكْثِرُ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْت: إنَّك شَيْخٌ وَإِنَّك لَا تَدْرِي عَلَى شَفْعٍ انْصَرَفْت أَمْ عَلَى وِتْرٍ فَقَالَ: إنَّك قَدْ كُفِيت حِفْظَهُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنِّي لَا أَسْجُدُ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَنِي اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ كَتَبَ لِي بِهَا حَسَنَةً أَوْ جَمَعَ لِي كِلْتَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّيْخُ الَّذِي صَلَّى، وَقَالَ الْمَقَالَةَ أَبُو ذَرٍّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ " لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي "، وَقَوْلُهُ " قَدْ كُفِيت حِفْظَهُ " يَعْنِي عَلِمَ اللَّهُ بِهِ، وَيَتَوَسَّعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا لَا يَتَّسِعُ فِي الْفَرْضِ إلَّا أَنْ يَنْصَرِفَ عَلَى عَدَدٍ لَا يُزِيدُ فِيهِ، وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ تَوَسَّعَ أَبُو ذَرٍّ فِيهِ فِي التَّطَوُّعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت مَذْهَبُك فِيمَا يَظْهَرُ اتِّبَاعُ الْوَاحِدِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَتِك، وَرِوَايَةِ أَصْحَابِك الثَّابِتَةِ عِنْدَهُمْ مَا وُصِفَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأَبِي ذَرٍّ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يَدْفَعُ عَالِمٌ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الثَّبْتِ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ وَأَنْتَ نُثْبِتُ رِوَايَتَنَا عَنْ جَابِرِ بِنَّ عَبِدِ اللَّهِ وَيَرْوِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُوَافِقُ مَا قُلْنَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا دَلَالَةٌ مِنْ سُنَّةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْآثَارُ، وَأَيًّا كَانَ لَمْ يَكُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِك أَنْ نَقُولَ قَوْلَنَا فِيهِ وَأَنْتَ تَرْوِي عَنْ عُمَرَ إذَا أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ، وَنَقُولُ وَلَوْ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا، وَجَبَ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ عُمَرَ فَتُرَدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ وَتَأَوَّلَ حُجَّةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] ، وَلِقَوْلِهِ {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] قَالُوا إنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْمَهْرَ، وَالْعِدَّةَ فِي الطَّلَاقِ بِالْمَسِيسِ فَقُلْت: لَا تُنَازِعْ عُمَرَ، وَلَا تَتَأَوَّلْ مَعَهُ بَلْ تَتَّبِعُهُ، وَنَتَّبِعُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» ، وَفِي قَوْلِهِ " مَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّعَامِ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ثُمَّ يَقُولَ بِرَأْيِهِ، وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ فَقُلْت: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ اُشْتُرِيَ مَتَى يُقْبَضُ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَرْوِي ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَك إذَا كَانَ مَعَك قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ خِلَافَ عُمَرَ، وَتَحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ، وَتَرَى لَك فِيهِ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَك ثُمَّ تَدَعُ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَأَبَا ذَرٍّ، وَعَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفِقَةً أَقَاوِيلُهُمْ، وَأَفْعَالُهُمْ، وَتُخَالِفُهُمْ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ تُخَطِّئُ الْقِيَاسَ أَرَأَيْت لَا يُمْكِنُ أَحَدًا فِي قَوْلِ، وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْك قِيَاسًا صَحِيحًا، وَمَعَهُمْ دَلَائِلُ السُّنَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا؟ (قَالَ) : أَفَتَكُونُ صَلَاةُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ (قُلْت) : مَسْأَلَتُك مَعَ مَا وَصَفْت مِنْ الْأَخْبَارِ

جَهَالَةٌ أَوْ تَجَاهُلٌ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ لَنَا، وَلَك أَنْ نَكُونَ مُتَكَلِّمِينَ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ سَأَلْت فِي مَوْضِعِ مَسْأَلَةٍ وَإِنْ زَعَمْت أَنَّ أَقَاوِيلَهُمْ غَايَةٌ يُنْتَهَى إلَيْهَا لَا تُجَاوَزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا سُنَّةٌ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِك مَوْضِعٌ (قَالَ) : أَفَرَأَيْت إنْ كَنَعْت عَنْ الْقَوْلِ فِي الصِّيَامِ، وَالطَّوَافِ، وَكَلَّمْتُك فِي الصَّلَاةِ وَزَعَمْت أَنِّي لَا أَقِيسُ شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَك فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ فِي الصَّوْمِ حَدِيثًا يَثْبُتُ يُخَالِفُ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ، وَلَا فِي الطَّوَافِ، وَكَنَعْت عَنْ الْكَلَامِ فِيهِمَا قُلْت، وَرَجَعْت إلَى إجَازَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَالطَّوَافِ؟ فَقَالَ بَلْ أَقِفُ فِيهِ قُلْت أَفَتَقْبَلُ مِنْ غَيْرِك الْوُقُوفَ عِنْدَ الْحُجَّةِ؟ قَالَ: لَعَلِّي سَأَجِدُ حُجَّةً فِيمَا قُلْتَ: قُلْت: فَإِنْ قَالَ لَك غَيْرُك فَلَعَلِّي سَأَجِدُ الْحُجَّةَ عَلَيْك فَلَا أَقْبَلُ مِنْك أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَفَائِدَةُ وُقُوفِك، وَالْخَبَرُ الَّذِي يَلْزَمُ مِثْلُهُ عِنْدَك ثَابِتٌ بِخِلَافِ قَوْلِك فَإِنْ قَالَ فَإِنْ قُلْت لَك فِي الصَّلَاةِ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» قُلْت: فَأَنْتَ تُخَالِفُ هَذَا فَتَقُولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ، وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى قَالَ بِحَدِيثٍ قُلْت فَهُوَ إذَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَيُّهُمَا الثَّابِتُ؟ قَالَ فَاقْتَصِرْ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ الْحَدِيثَ لَيْلًا، وَتُثْبِتُهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. وَلَيْسَتْ لَك حُجَّةٌ فِيهِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْك قَالَ، وَكَيْفَ قُلْت: إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى لِمَنْ أَرَادَ صَلَاةً تُجَاوِزُ مَثْنَى فَأَمَرَ بِأَنْ يُسَلِّمَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا أَنَّهُ حَرَامٌ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلَّ مِنْ مَثْنَى، وَلَا أَكْثَرَ قَالَ، وَأَيْنَ أَجَازَ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلَّ مِنْ مَثْنَى؟ قُلْت فِي قَوْلِهِ «فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً يُوتِرُ بِهَا مَا قَدْ صَلَّى» فَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً مُنْفَرِدَةً، وَجَعَلَهَا صَلَاةً، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ لَا يُسَلِّمُ، وَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي أُخْرَاهُنَّ» ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ» ، وَأَخْبَرَ أَنَّ وَجْهَ الصَّلَاةِ فِي التَّطَوُّعِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى، وَلَمْ يُحَرِّمْ أَنْ تُجَاوِزَ مَثْنَى، وَلَا تَقْصُرَ عَنْهُ قَالَ فَإِنْ قُلْت بَلْ حَرَّمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا مَثْنَى، قُلْت: فَأَنْتَ إذَنْ تُخَالِفُ إنْ زَعَمْت أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ زَعَمْت أَنَّهُ ثَلَاثٌ لَا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ بَيْنَهُنَّ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ وَاحِدَةٌ وَلَا ثَلَاثٌ مَثْنَى، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَيْسَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا بِحُجَّةٍ عَلَيْك عِنْدَهُ فَمَا زَالَ النَّاسُ يَأْمُرُونَ بِأَنْ يُصَلُّوا مَثْنَى، وَلَا يُحَرِّمُونَ دُونَ مَثْنَى فَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ مَثْنَى قُلْت: فَلِمَ أَحْتَجُّ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَهُ: نَحْنُ وَأَنْتَ مُجْمِعُونَ عَلَى إنَّمَا يَجِبُ لِلرَّجُلِ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ طَاهِرًا أَنْ يَسْجُدَ، وَأَنْتَ تُوجِبُهَا عَلَيْهِ أَفَسَجْدَةٌ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا أَقَلُّ أَمْ رَكْعَةٌ؟ قَالَ: هَذَا سُنَّةٌ وَأَثَرٌ قُلْت لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا الْأَثَرِ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَلِمَ أَدْخَلْتَهُ عَلَيْنَا فِي السُّنَّةِ وَالْأَثَرِ؟ وَإِذَا كَانَتْ سَجْدَةٌ تَكُونُ صَلَاةً، وَلَمْ تُبْطِلْهَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ " مَثْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَنْ يُجَاوِزَ بِهَا مَثْنَى فَيَقْصُرَ بِهَا عَلَى مَثْنَى فَكَيْفَ عَبَثٌ أَنْ نَقُولَ أَقَلُّ مِنْ مَثْنَى، وَأَكْثَرُ مِنْ سَجْدَةِ صَلَاةٌ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: السُّجُودُ وَاجِبٌ قُلْنَا فَذَلِكَ أَوْكَدُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْك أَنْ يُحِبَّ مِنْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً بِلَا قِرَاءَةٍ، وَلَا رُكُوعٍ ثُمَّ تَعِيبَ أَنْ يَجُوزَ أَكْثَرُ مِنْهَا قُلْت لَهُ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجْدَةَ شُكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَسَجَدَ أَبُو بَكْرٍ شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ،، وَسَجَدَ عُمَرُ حِينَ جَاءَهُ فَتْحُ مِصْرَ شُكْرًا لِلَّهِ جَلَّ اسْمُهُ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُتَطَوَّعَ لِلَّهِ بِسَجْدَةٍ فَكَيْفَ كَرِهْت أَنْ يُتَطَوَّعَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا؟

كتاب الزكاة

وَقُلْت لَهُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَهَبَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُزَّمِّلِ حِينَ خَفَّفَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ قَالَ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] يَعْنِي صَلُّوا مَا تَيَسَّرَ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فِيمَا قَدْ وُضِعَ عَنْهُمْ فَرْضُهُ بِلَا تَوْقِيتٍ كَانَ أَقْرَبَ إلَى أَنْ يُشْبِهَ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ حُجَّةً، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْك، وَقَدْ أَوْتَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعْدٌ وَغَيْرُهُمَا بِرَكْعَةٍ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْهَا بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى مُعَاوِيَةَ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَصَابَ أَيْ بَنَى لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا أَعْلَمَ مِنْ مُعَاوِيَةَ هِيَ وَاحِدَةٌ أَوْ خَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرِ مَا شَاءَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيَّ عَنْ صَلَاةِ طَلْحَةَ قَالَ إنْ شِئْت أَخْبَرْتُك عَنْ صَلَاةِ عُثْمَانَ قَالَ قُلْت لَأَغْلِبَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى الْمُقَامِ فَقُمْت فَإِذَا بِرَجُلٍ يَزْحَمُنِي مُتَقَنِّعًا فَنَظَرْت فَإِذَا عُثْمَانُ قَالَ فَتَأَخَّرْت عَنْهُ فَصَلَّى فَإِذَا هُوَ يَسْجُدُ سُجُودَ الْقُرْآنِ حَتَّى إذَا قُلْت هَذِهِ هَوَادِي الْفَجْرِ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَمَا حُجَّتُك عَلَى صَاحِبِك الَّذِي خَالَفَ مَذْهَبَك؟ قُلْت لَهُ: حُجَّتِي عَلَيْك حُجَّتِي عَلَيْهِ، وَلَوْ سَكَتَ عَنْ جَمِيعِ مَا احْتَجَجْت بِهِ عَلَيْك سُكَاتَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ كُنْت مَحْجُوجًا عَلَى لِسَانِ نَفْسِك قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: هَلْ تَعْدُو النَّافِلَةُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مِنْ الصِّيَامِ كَمَا قُلْت مِنْ أَنَّهَا لَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ الدُّخُولُ فِيهَا فَدَخَلَ فِيهَا فَقَطَعَهَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهَا مِمَّا يَلْزَمُهُ تَأْدِيَتُهُ أَوْ تَكُونُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا، وَجَبَتْ بِدُخُولِهِ فِيهَا فَلَزِمَهُ تَمَامُهَا؟ قَالَ: مَا تَعْدُو وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ، قُلْت: فَقَوْلُهُ خَارِجٌ مِنْ هَذَيْنِ؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت: يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَطَعَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا أَوْ طَوَافًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَمَنْ قَطَعَ مِنْ عُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ يَزْعُمُ فِي الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا قَطَعَهُ مِنْ عِلَّةٍ أَنْ يَقْضِيَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ إذَا قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، قَالَ: لَيْسَ لِقَائِلِ هَذَا حُجَّةٌ يَحْتَاجُ عَالِمٌ مَعَهُ إلَى مُنَاظَرَاتِهِ، وَقَدْ كُنْت أَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَافِقُنَا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَيُخَالِفُنَا فِي شَيْءٍ لَمْ أَعْرِفْهُ حَتَّى ذَكَرَهُ قُلْت فَهَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ فِيهِ أَثَرًا، قُلْنَا: فَيُوهِمُ أَنَّ عِنْده أَثَرًا وَلَا يَذْكُرُهُ، وَأَنْتَ تَرَاهُ يَذْكُرُ مِنْ الْآثَارِ مَا لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ لَا تَرَى أَنْتَ لَهُ فِيهِ حُجَّةً، وَلَا أَثَرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَبَقِيَتْ لَنَا عَلَيْك حُجَّةٌ، وَهِيَ أَنَّك تَرَكْت فِيهِمَا بَعْضَ الْأَصْلِ الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت، وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ مَنْ تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَدَخَلَ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا، وَهُمَا نَافِلَةٌ فَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ صَلَاةٍ، وَطَوَافٍ، وَصَوْمٍ؟ قُلْت: الْفَرْقُ الَّذِي لَا أَعْلَمُك وَلَا أَحَدًا يُخَالِفُ فِيهِ قَالَ فَمَا هُوَ؟ قُلْت أَفَرَأَيْت مَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ أَوْ صَوْمَهُ أَوْ طَوَافَهُ أَيَمْضِي فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ يَسْتَأْنِفُهَا قَالَ: بَلْ يَسْتَأْنِفُهَا قُلْت، وَلَوْ مَضَى فِي صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ طَوَافٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَكَانَ عَاصِيًا، وَلَوْ فَسَدَتْ طَهَارَتُهُ، وَمَضَى مُصَلِّيًا أَوْ طَائِفًا لَمْ يَجُزْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَفَرَأَيْت إذَا فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ أَيُقَالُ لَهُ: اُخْرُجْ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ فَاسِدٌ؟ قَالَ: لَا، وَقُلْت: وَيُقَالُ لَهُ اعْمَلْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَدْ فَسَدَا كَمَا تَعْمَلُهُ صَحِيحًا لَا تَدَعْ مِنْ عَمَلِهِ شَيْئًا لِلْفَسَادِ، وَاحْجُجْ قَابِلًا، وَاعْتَمِرْ وَافْتَدِ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَفَتَرَاهُمَا يُشْبِهَانِ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْت؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [كِتَابُ الزَّكَاةِ] [بَاب الْعَدَدِ الَّذِي إذَا بَلَغَتْهُ الْإِبِلُ كَانَ فِيهَا صَدَقَةٌ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كِتَابُ الزَّكَاةِ أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتَوْا الزَّكَاةَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 - 35] وَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فَرْضَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَاقَبَ عَلَى مَنْعِ مَا أَوْجَبَ، وَأَبَانَ أَنَّ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ الزَّكَاةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي فَرَضَ مِنْ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَّا دَفْنُ الْمَالِ فَضَرْبٌ مِنْ إحْرَازِهِ، وَإِذَا حَلَّ إحْرَازُهُ بِشَيْءٍ حَلَّ بِالدَّفْنِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ثُمَّ الْآثَارُ. أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرْنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرْنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَهُوَ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] » أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرْنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ يَقُولُ: أَنَا كَنْزُك» أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرْنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُلُّ مَالٍ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا وَكُلُّ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ وَذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ سِوَى مَا وَصَفْت مِنْهَا (قَالَ) : فَأَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ أَبَانَ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيِّ الْمَالِ الزَّكَاةَ فَأَبَانَ فِي الْمَالِ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ أَنَّ مِنْهُ مَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ، وَمِنْهُ مَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ (قَالَ) : وَكَانَ فِيمَا أَبَانَ مِنْ هَذَا مَعَ غَيْرِهِ إبَانَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دِينِهِ وَكِتَابِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حُكْمٌ

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِحُكْمِهِ أَخَاصًّا أَرَادَ أَمْ عَامًّا وَكَمْ قَدْرُ مَا أَرَادَ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدِينِهِ فِي مَوْضِعٍ كَانَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَسُنَّتُهُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْإِبَانَةِ عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ. بَابُ الْعَدَدِ الَّذِي إذَا بَلَغَتْهُ الْإِبِلُ كَانَ فِيهَا صَدَقَةٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرْنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرْنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا لَقِيته وَلَا أَعْلَمُ ثِقَةً يَرْوِيه إلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ، فَإِذَا أَثْبَتُوا حَدِيثًا وَاحِدًا مَرَّةً وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُثْبِتُوهُ أُخْرَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَيَّنَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ فِي الْخَمْسِ صَدَقَةً. بَابُ كَيْفَ فَرَضَ الصَّدَقَةَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ أَنَسٍ أَوْ ابْنِ فُلَانِ ابْنِ أَنَسٍ " الشَّافِعِيُّ يَشُكُّ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: هَذِهِ الصَّدَقَةُ ثُمَّ تَرَكَتْ الْغَنَمَ وَغَيْرَهَا وَكَرِهَهَا النَّاسُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَمَنْ سُئِلَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَأَنَّ بَيْنَ أَسْنَانِ الْإِبِلِ فِي فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَإِذَا بَلَغَتْ عَلَيْهِ الْحِقَّةُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ حِقَّةٌ وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيه الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَدَدٌ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ مَعْنَى هَذَا لَا يُخَالِفُهُ إلَّا أَنِّي لَا أَحْفَظُ فِيهِ أَلَّا يُعْطِيَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَا أَحْفَظُ إنْ اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ دَفَعَ إلَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كِتَابَ الصَّدَقَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا وَصَفْت أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ

لِي ابْنُ طَاوُسٍ " عِنْدَ أَبِي كِتَابٌ مِنْ الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ وَمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْعُقُولِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا رَوَى ابْنُ طَاوُسٍ وَبَيَّنَ فِي قَوْلِ أَنَسٍ (قَالَ) : وَحَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ نَأْخُذُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الصَّدَقَاتِ فِيهِ فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَدُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى تِسْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى أَنْ تَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً وَلَا ذَاتِ عَوَارٍ وَلَا تَيْسًا إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ إذَا بَلَغَتْ رِقَّةُ أَحَدِهِمْ خَمْسَ أَوَاقٍ» هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا أَدْرِي أَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ أَمْ لَا " فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُخَالِفُهُ وَلَا أَعْلَمُهُ بَلْ لَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ حَدَّثَ بِجَمِيعِ الْحَدِيثِ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ، وَالْخُلَطَاءِ، وَالرِّقَّةِ وَهَكَذَا إلَّا أَنِّي لَا أَحْفَظُ إلَّا الْإِبِلَ فِي حَدِيثِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا قِيلَ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ هَكَذَا فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْغَنَمِ غَيْرِ السَّائِمَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا قِيلَ فِي شَيْءٍ بِصِفَةٍ، وَالشَّيْءُ يَجْمَعُ صِفَتَيْنِ يُؤْخَذُ مِنْ صِفَةِ كَذَا فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ مِنْ صِفَتَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بِهَذَا قُلْنَا لَا يَتَبَيَّنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْغَنَمِ غَيْرِ السَّائِمَةِ صَدَقَةُ الْغَنَمِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ؛ لِأَنَّهَا الْمَاشِيَةُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ دُونَ مَا سِوَاهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ ثُمَّ لَا زَكَاةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى خَمْسٍ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا، فَإِذَا بَلَغَتْ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عَشْرٍ فَلَا زَكَاةَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تُكْمِلَ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَا زَكَاةَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَا زَكَاةَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَقَطَتْ الْغَنَمُ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْإِبِلِ غَنَمٌ بِحَالٍ وَكَانَتْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ. فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ إحْدَى وَسِتِّينَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ سِتًّا وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ إحْدَى وَتِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، فَإِذَا زَادَتْ

فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا سَقَطَ الْفَرْضُ الثَّانِي وَاسْتُقْبِلَ بِهَا فَرْضٌ ثَالِثٌ فَعُدَّتْ كُلُّهَا فَكَانَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْهَا بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِبَانَةُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْإِبِلُ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ فِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَمَّلَهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ مِائَةً وَخَمْسِينَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تُكْمِلَ مِائَةً وَسِتِّينَ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَسَبْعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَثَمَانِينَ، فَإِذَا بَلَغْتهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَتِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَعَلَى الْمُصَدِّقِ أَنْ يَسْأَلَ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَ حِقَاقٍ مِنْهَا خَيْرًا مِنْ خَمْسِ بَنَاتٍ لَبُونٍ أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسُ بَنَاتٍ لَبُونٍ خَيْرًا أَخَذَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَا أَرَاهُ يَحِلُّ لِرَبِّ الْمَالِ غَيْرُهُ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ الصِّنْفَ الْأَدْنَى كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ فَضْلَ مَا بَيْنَ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَتَرَكَ لَهُ فَيُعْطِيه أَهْلَ السُّهْمَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ هَكَذَا كُلُّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْفَرْضُ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَغَيْرِهَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ الْأَفْضَلَ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ وَأَعْطَى ذَلِكَ رَبَّ الْمَالِ، فَإِنْ تَرَكَ لَهُ أَخْرَجَ رَبُّ الْمَالِ فَضْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَوَتْ قِيَمُ أَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ كَانَ لِلْمُصَّدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّ الصِّنْفَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ فَضْلٌ يَدَعُهُ لِرَبِّ الْمَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَجَدَ الْمُصَدِّقُ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ وَلَمْ يَجِدْ الْآخَرَ أَخَذَ الصِّنْفَ الَّذِي وَجَدَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْآخَرَ كَأَنْ وَجَدَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَلَمْ يَجِدْ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ فَيَأْخُذُ الْحِقَاقَ، فَإِنْ وَجَدَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَلَمْ يَجِدْ الْحِقَاقَ فَيَأْخُذُ بَنَاتَ اللَّبُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ فَرْضٌ وَلَا فَضْلٌ يَدَعُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الْإِبِلُ مِائَتَيْنِ فَوَجَدَ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَأَرْبَعَ حِقَاقٍ فَرَأَى أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ يُقَارِبْنَ الْحِقَاقَ وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعَهُنَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فِي أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْحِقَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْحِقَاقَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ مَا لَيْسَ فِي إبِلِهِ، وَهُوَ يَجِدُ فَرِيضَتَهُ فِي إبِلِهِ. (قَالَ) : وَلَوْ كَانَتْ بَنَاتُ لَبُونٍ كَمَا وَصَفْت وَهُنَالِكَ حِقٌّ فَأَرَادَ أَخْذَهَا وَحِقًّا أَوْ أَخَذَهَا وَبِنْتَ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّهَا دُونَ بِنْتِ لَبُونٍ، وَكَانَ مَعَ بَنَاتِ اللَّبُونِ خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ إلَى فِرَاقِ الْفَرِيضَةِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَتْ الْحِقَاقُ مِرَاضًا أَوْ ذَوَاتَ نَقْصٍ أَوْ عَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا بَنَاتَ لَبُونٍ إذَا كَانَتْ صِحَاحًا (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ هُمَا الْفَرْضُ مَعًا نَاقِصَيْنِ وَسَائِرُ الْإِبِلِ صِحَاحًا قِيلَ لَهُ: إنْ أَعْطَيْت مِنْ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ صِحَاحًا مِنْ حَيْثُ شِئْت قَبِلْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَخَذْنَا مِنْك السِّنَّ الَّتِي هِيَ أَعْلَى وَرَدَدْنَا عَلَيْك، أَوْ السِّنَّ الَّتِي هِيَ أَسْفَلُ وَأَخَذْنَا مِنْك (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا مَعِيبَةً إلَّا الْأَقَلَّ مِنْ عَدَدِ الصَّدَقَةِ كَأَنَّ الصَّدَقَةَ خَمْسٌ أَوْ أَرْبَعٌ، وَالصَّحِيحُ ثَلَاثٌ أَوْ اثْنَتَانِ قِيلَ لَهُ: نَأْخُذُ مِنْك الصَّحِيحَ الَّذِي عِنْدَك وَعَلَيْك مَا يَبْقَى مِنْ الصَّحِيحِ صَحِيحًا مِثْلَهُ، فَإِنْ جِئْت بِهِ وَإِلَّا أَخَذْنَا مِنْك الصَّحِيحَ الْأَعْلَى وَرَدَدْنَا عَلَيْك، أَوْ الصَّحِيحَ الْأَسْفَلَ وَأَخَذْنَا مِنْك، وَلَا نَأْخُذُ مِنْك مَرِيضًا، وَفِي الْإِبِلِ عَدَدٌ صَحِيحٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الْإِبِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُخِذَ مِنْهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَالْخِيَارُ لِرَبِّ الْمَالِ يَأْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَأَيُّهُمَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ فَرِيضَةٌ، فَإِنْ جَاءَ بِهِمَا مَعًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَّدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّهَا الْفَرْضُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَا فَرْضَ غَيْرَهُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.

باب عيب الإبل ونقصها

[بَابُ عَيْبِ الْإِبِلِ وَنَقْصِهَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً كُلُّهَا بِجَرَبٍ أَوْ هُيَامٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَوَارٍ أَوْ عَيْبٍ مَا كَانَ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ وَاحِدَةً مِنْهَا وَلَمْ يُكَلِّفْهُ صَحِيحَةً مِنْ غَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَيْسَ لِلْمُصَّدِّقِ إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً كُلُّهَا أَنْ يَنْخَفِضَ وَلَا يَرْتَفِعَ عَنْ الْفَرْضِ وَيَرُدُّ أَوْ يَأْخُذُ نَظَرًا لِلْمَسَاكِينِ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الِارْتِفَاعُ أَوْ الِانْخِفَاضُ إذَا لَمْ تَكُنْ السِّنُّ مَوْجُودَةً أَوْ كَانَتْ السِّنُّ مَوْجُودَةً مَعِيبَةً، وَفِي الْمَالِ سِوَاهَا سَالِمٌ مِنْ الْعَيْبِ (قَالَ) : وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ الْمَعِيبِ مِنْ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُبْدِلَهُ شَرًّا مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً كَانَتْ فَرِيضَتُهَا الْغَنَمَ فَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ بَعِيرٍ مِنْهَا قِيلَ لَهُ: إنْ أَعْطَيْتهَا قُبِلَتْ، وَإِنْ لَمْ تُعْطِهَا فَلَكَ الْخِيَارُ فِي أَنْ تُعْطِيَ بَعِيرًا مُتَطَوِّعًا مَكَانَهَا أَوْ تُعْطِيَهَا، فَإِنْ أَبَى الْخِيَارَ جُبِرَ عَلَى أَخْذِ الشَّاةِ وَمَتَى جُبِرَ فَلَمْ يُعْطِ الشَّاةَ حَتَّى يَخْتَارَ أَنْ يُعْطِيَ الْبَعِيرَ قُبِلَ مِنْهُ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْإِبِلِ مُبَايِنًا لِبَعْضٍ فَأَعْطَى أَنْقَصَهَا أَوْ أَدْنَاهَا أَوْ أَعْلَاهَا قُبِلَ مِنْهُ، وَلَيْسَ كَالْإِبِلِ فَرِيضَتُهَا مِنْهَا فِيهَا النَّقْصُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ قَدِيمًا أَوْ حَدَثَ بَعْدَمَا عَدَّ الْإِبِلَ وَقَبِلَ يَنْقُصُ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْغَنَمِ ثُمَّ نَقَصَ مَا قَبَضَ أَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ نَقَصَتْ إبِلُ رَبِّ الْمَالِ أَوْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ عَدَّ السَّاعِي الْإِبِلَ فَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ رَبِّهَا الزَّكَاةَ حَتَّى تَلِفَتْ أَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا وَلَمْ يُفَرِّطْ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَاقِي شَيْءٌ أَخَذَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ إبِلٌ فَعَدَّهَا السَّاعِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: " لِي إبِلٌ غَائِبَةٌ " فَأَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةَ الْغَائِبَةِ، وَالْحَاضِرَةِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ سَاعِي بَلَدٍ إبِلَهُ الْغَائِبَةَ صَدَقَةً فَعَلَى الْمُصَدِّقِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةَ الْغَائِبَةِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ صَدَقَةِ الْغَائِبَةِ مِنْ صَدَقَةِ غَيْرِهِ مِثْلُ مَا أَخَذَ مِنْهُ إذَا كَانَ قَدْ قَسَّمَ صَدَقَتَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَدَعَ حَقَّهُ. [بَابُ إذَا لَمْ تُوجَدْ السِّنُّ] ُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَفِظْنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ الَّتِي فَرِيضَتُهَا بِنْتُ لَبُونٍ فَصَاعِدًا» : إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُصَدِّقُ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَأَخَذَ السِّنَّ الَّتِي دُونَهَا أَخَذَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَإِنْ أَخَذَ السِّنَّ الَّتِي فَوْقَهَا رَدَّ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا " (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَعَلَى الْمُصَدِّقِ إذَا لَمْ يَجِدْ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَوَجَدَ السِّنَّ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْهَا أَوْ أَسْفَلُ أَنْ لَا يَأْخُذَ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ إلَّا الْخَيْرَ لَهُمْ وَكَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْخَيْرَ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُصَدِّقُ الْخَيْرَ لَهُمْ كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ فَضْلَ مَا بَيْنَ مَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ وَبَيْنَ الْخَيْرِ لَهُمْ ثُمَّ يُعْطِيه أَهْلَ السُّهْمَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الْعُلْيَا وَلَمْ يَجِدْ السُّفْلَى أَوْ السُّفْلَى وَلَمْ يَجِدْ الْعُلْيَا فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ الَّتِي وَجَدَ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ أَحَدَ السِّنَّيْنِ ذَاتَ عَوَارٍ أَوْ هُمَا مَعًا ذَاتَيْ عَوَارٍ وَتَحْتَهُمَا أَوْ فَوْقَهُمَا مِنْ الْإِبِلِ سَالِمٌ مِنْ الْعَوَارِ وَلَمْ يَجِدْ السِّنَّ الْعُلْيَا وَلَا السُّفْلَى فَلَيْسَ لَهُ

باب الشاة تؤخذ في الإبل

أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَفِي الْإِبِلِ صَحِيحَةٌ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى مَا وَصَفْت فَكُلَّمَا ارْتَفَعَ سِنًّا أَعْطَى رَبَّ الْمَالِ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَإِذَا ارْتَفَعَ إلَى السِّنِّ الَّتِي فَوْقَ السِّنِّ الَّتِي تَلِي مَا وَجَبَ لَهُ فَقَدْ ارْتَفَعَ سِنَّيْنِ أَعْطَى رَبَّ الْمَالِ أَرْبَعَ شِيَاهٍ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ إنْ ارْتَفَعَ مِنْهُ سِنًّا ثَالِثًا زَادَ شَاتَيْنِ فَأَعْطَاهُ سِتَّ شِيَاهٍ أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا وَهَكَذَا إذَا انْخَفَضَ أَخَذَ مِنْهُ فِي سِنِّ مَا انْخَفَضَ إلَيْهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا لَا يُخْتَلَفُ وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَأْخُذَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَحِلُّ لِلسَّاعِي أَنْ يُعْطِيَهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالشَّاتَانِ أَقَلُّ نَقْدًا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ الْعِشْرِينَ الدَّرَاهِمِ وَلَا الشَّاتَيْنِ، وَالْعِشْرُونَ الدَّرَاهِمِ أَقَلُّ نَقْدًا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْمُصَدِّقُ يَلِي صَدَقَةَ دَرَاهِمَ وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ فَهَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَصَّدَّقُ إلَّا مَاشِيَةً بَاعَ مِنْهَا فَيَرُدُّ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا إذَا كَانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِلْمَسَاكِينِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَبِيعُ عَلَى النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْمَاشِيَةِ أَخَذَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ يَصَّدَّقُ إبِلًا لَا أَثْمَانَ لَهَا لِلَوْنِهَا أَوْ عَيْبٍ بِهَا فَلَمْ يَجِدْ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ فِي الْمَالِ وَوَجَدَ السِّنَّ الَّتِي أَسْفَلَ مِنْهَا فَكَانَ إذَا أَخَذَهَا وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا كَانَتْ الشَّاتَانِ أَوْ الْعِشْرُونَ دِرْهَمًا خَيْرًا مِنْ بَعِيرٍ مِنْهَا، خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ بَيْنَ أَنْ يَتَطَوَّعَ لَهُ بِالسِّنِّ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِمَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ يُعْطِيه الْمُصَدِّقَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِلْمَسَاكِينِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخَذَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ الْفَضْلَ بَيْنَ السِّنَّيْنِ أَعْطَى رَبَّ الْمَالِ أَيَّهُمَا شَاءَ إنْ شَاءَ شَاتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يَمْتَنِعَ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ «شَاتَيْنِ، إنْ تَيَسَّرَتَا أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» ، فَإِذَا تَيَسَّرَتْ الشَّاتَانِ، وَفِيهِمَا وَفَاءٌ أَعْطَاهُمَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالِاحْتِيَاطُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَكْثَرَ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ إبِلٌ لِرَجُلٍ فِيهَا صَدَقَةٌ مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا السِّنُّ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا فَقَالَ رَبُّ الْإِبِلِ آتَى بِهَا قُبِلَتْ مِنْهُ إذَا جَاءَ بِهَا مِنْ أَمْثَلِ إبِلِهِ أَوْ خَيْرًا مِنْهَا، وَإِنْ جَاءَ بِهَا مِنْ إبِلِ الْأُمِّ مِنْهَا لَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَّدِّقِ أَنْ يَقْبَلَهَا وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْتَفِعَ فِي إبِلٍ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ أَوْ يَنْخَفِضَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْإِبِلُ فِي هَذَا مُخَالِفَةً لِلْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ إذَا لَمْ يَجِدْ السِّنَّ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ كُلِّفَهَا رَبُّهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ لَهُ بِأَعْلَى مِنْهَا، وَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ السِّنَّ مِنْهَا مَعِيبَةً، وَفِي مَاشِيَتِهِ صَحِيحٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَرُدَّ، وَلَا يَنْخَفِضَ وَيَأْخُذَ مِنْ الْبَقَرِ وَلَا الْغَنَمِ بِحَالٍ. [بَابُ الشَّاةِ تُؤْخَذُ فِي الْإِبِلِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ إبِلٌ فَرِيضَتُهَا الْغَنَمُ وَلَهُ غَنَمٌ أُخِذَ مِنْ غَنَمِهِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُضْحِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمُهُ مَعْزًى فَثَنِيَّةً، وَإِنْ كَانَتْ ضَأْنًا فَجَذَعَةً، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهَا وَلَا دُونَهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِأَعْلَى فَيُقْبَلُ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ غَنَمُهُ ذَوَاتَ عَوَارٍ أَوْ مِرَاضًا أَوْ لَا غَنَمَ لَهُ فَالْخِيَارُ فِيهَا إلَيْهِ يَدْفَعُ إلَيْهِ أَيَّ شَاةٍ أَجْزَأَتْ أُضْحِيَّةً مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزًى وَلَا أَنْظُرُ إلَى الْأَغْلَبِ بِالْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ أَنَّ عَلَيْهِ شَاةً، فَإِذَا أَخَذْتهَا فِي السِّنِّ الَّذِي يُجْزِئُ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فَلَيْسَ لِي

باب صدقة البقر

أَكْثَرُ مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ كَانَتْ ضَأْنًا أَوْ مَعْزًى أَوْ ضَأْنًا فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ مَاعِزَةً أَوْ مَعْزًى فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ ضَأْنَةً قَبِلْتهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَتْ عَلَيْهِ شَاةً، فَإِذَا جَاءَ بِهَا قَبِلْتهَا مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَأْخُذُ إبِلَهُ بِالْعَدَدِ مَا كَانَتْ إبِلُهُ لِئَامًا أَوْ كِرَامًا لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ وَأَيُّ شَاةٍ مِنْ شَاءِ بَلَدِهِ تُجْزِئُ أُضْحِيَّةً قُبِلَتْ مِنْهُ، وَإِنْ جَاءَ بِهَا مِنْ غَيْرِ شَاءِ بَلَدِهِ وَمِثْلِ شَاءِ بَلَدِهِ أَوْ خَيْرٍ قُبِلَتْ، وَإِنْ جَاءَ بِهَا دُونَهَا لَمْ تُقْبَلْ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ كِرَامٌ وَجَبَتْ فِيهَا فَرِيضَةٌ مِنْهَا فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْ إبِلٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ تِلْكَ السِّنُّ، وَهِيَ أَدْنَى مِنْ إبِلِهِ لَمْ يَكُنْ لَنَا أَخْذُهَا مِنْهُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ أَنْ يُعْطِيَنَا إيَّاهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ لِئَامٌ وَلَهُ إبِلٌ كِرَامٌ بِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ أَوْ بِبَلَدِهِ إبِلٌ كِرَامٌ لَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ صَدَقَةَ اللِّئَامِ مِنْ إبِلِ بَلَدِهِ وَلَا إبِلِهِ الَّتِي بِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ وَأَخَذْنَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَبَتْ لَنَا عَلَيْهِ جَذَعَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَّدِّقِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ مَاخِضًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ، فَإِذَا ضَرَبَ الْفَحْلُ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ فَلَمْ يَدْرِ أَحَالَتْ أَوْ لُقِّحَتْ قِيلَ لَهُ: لَا نَأْخُذُهَا مِنْك أَوْ تَأْتِي بِغَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ السِّنِّ إنْ شِئْت أَوْ نَأْخُذُ السُّفْلَى وَتَرُدُّ عَلَيْنَا أَوْ الْعُلْيَا وَنَرُدُّ عَلَيْك. [بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أُتِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ فَقَالَ لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْوَقَصُ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْفَرِيضَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُعَاذٌ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أُتِيَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِينَ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا شَيْئًا، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَأَتَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلُهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَطَاوُسٌ عَالِمٌ بِأَمْرِ مُعَاذٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَلْقَهُ عَلَى كَثْرَةِ مَنْ لَقِيَ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُعَاذًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيمَا عَلِمْت، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ عَدَدٍ مَضَوْا مِنْهُمْ أَنَّ مُعَاذًا أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَةَ الْبَقَرِ عَلَى مَا رَوَى طَاوُسٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْأَمَانَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ سَلَامَةَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَعَا بِصَحِيفَةٍ فَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ بِهَا إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَإِذَا فِيهَا فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ لَقِيته مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَبِهِ نَأْخُذُ. [بَابُ تَفْرِيعِ صَدَقَةِ الْبَقَرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعٌ، فَإِذَا زَادَتْ فَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ لَيْسَ فِي

باب صدقة الغنم

الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَانِ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ سَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَمَانِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَعَشْرَةً فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ ثُمَّ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا جُعِلَ لِلْمُصَّدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَيْرَ لِلْمَسَاكِينِ أَرْبَعَةَ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ كَمَا قُلْت فِي الْإِبِلِ، وَإِذَا وَجَدَ أَحَدَ السِّنَّيْنِ وَلَمْ يَجِدْ الْآخَرَ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ السِّنِّ الَّتِي وَجَدَ كَمَا قُلْت فِي الْإِبِلِ لَا يَخْتَلِفُ إذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ سِنَّانِ فِيهِمَا فَرْضٌ، ثُمَّ هَكَذَا صَدَقَةُ الْبَقَرِ حَتَّى تَنَاهَى إلَى مَا تَنَاهَتْ إلَيْهِ [بَابُ صَدَقَةِ الْغَنَمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ مَعْنَى مَا أَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَنَّ لَيْسَ فِي الْغَنَمِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ ثُمَّ لَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا شَاتَانِ ثُمَّ لَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي زِيَادَتِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ، فَإِذَا كَمَّلَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ يَسْقُطُ فَرْضُهَا الْأَوَّلُ، فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا فَتُعَدُّ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَلَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَكْمُلَ مِائَةً أُخْرَى ثُمَّ تَكُونُ فِيهَا شَاةٌ وَتُعَدُّ الْغَنَمُ وَلَا تُفَرَّقُ وَلَا يُخَيَّرُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ وَلِلسَّاعِي أَنْ يَخْتَارَ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ مِنْ خَيْرِ الْغَنَمِ إذَا كَانَتْ الْغَنَمُ وَاحِدَةً. [بَابُ السِّنِّ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الْغَنَمِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الطَّائِفِ وَمَخَالِيفِهَا فَخَرَجَ مُصَّدِّقًا فَاعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالغذى وَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: إنْ كُنْت مُعْتَدًّا عَلَيْنَا بالغذى فَخُذْهُ مِنَّا فَأَمْسَكَ حَتَّى لَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ: " اعْلَمْ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّا نَظْلِمَهُمْ أَنَّا نَعْتَدُّ عَلَيْهِمْ بالغذى وَلَا نَأْخُذُهُ مِنْهُمْ " فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَاعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالغذى حَتَّى بِالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ وَقُلْ لَهُمْ: لَا آخُذُ مِنْكُمْ الرُّبَى وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا ذَاتَ الدَّرِّ وَلَا الشَّاةَ الْأَكُولَةَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَخُذْ الْعَنَاقَ، وَالْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ فَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَقُولُ أَنْ تُؤْخَذَ الْجَذَعَةُ، وَالثَّنِيَّةُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْخُذْ الصَّدَقَةَ مِنْ الجعرور وَلَا مَعْيِ الْفَأْرَةِ. وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ وَسَطِ التَّمْرِ فَيَقُولُ: تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ وَسَطِ الْغَنَمِ فَتُجْزِي الشَّاةُ الَّتِي تَجُوزُ أُضْحِيَّةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ - وَاَللَّهُ

باب الغنم إذا اختلفت

أَعْلَمُ - مَعْقُولٌ إذَا قِيلَ فِيهَا شَاةٌ فَمَا أَجْزَأَ أُضْحِيَّةً أَجْزَأَ فِيمَا أُطْلِقَ اسْمُ شَاةٍ. [بَابُ الْغَنَمِ إذَا اخْتَلَفَتْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا اخْتَلَفَتْ غَنَمُ الرَّجُلِ وَكَانَتْ فِيهَا أَجْنَاسٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ وَسَطِ أَجْنَاسِهَا لَا مِنْ أَعْلَاهَا وَلَا مِنْ أَسْفَلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً أَخَذَ خَيْرَ مَا يَجِبُ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ خَيْرُ الْغَنَمِ أَكْثَرَهَا أَوْ وَسَطُهَا أَكْثَرَ فَسَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَأْخُذُ مِنْ الْأَوْسَاطِ مِنْ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي الْأَوْسَاطِ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ قَالَ لِرَبِّ الْغَنَمِ: إنْ تَطَوَّعْت بِأَعْلَى مِنْهَا أَخَذْتهَا، وَإِنْ لَمْ تَتَطَوَّعْ كَلَّفْتُك أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِ شَاةٍ وَسَطٍ وَلَمْ آخُذْ مِنْ الْأَدْنَى، وَالْوَسَطِ فَيُؤْخَذُ مِمَّا وَصَفْت مِنْ ثَنِيَّةٍ وَجَذَعَةٍ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ آخُذَ أَعْلَى مِنْهَا إذَا كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا أَعْلَى مِنْهَا «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ مُصَّدِّقًا: إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» وَكَرَائِمُ الْأَمْوَالِ فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ مَا يَجُوزُ أُضْحِيَّةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ ضَأْنًا وَمَعْزًى سَوَاءً فَقَدْ قِيلَ: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ أَخَذَ مِنْ الْأَكْثَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا التَّمْرَ؛ لِأَنَّ الضَّأْنَ بَيِّنَ التَّمْيِيزِ مِنْ الْمَعْزَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّمْرُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا الْبَقَرُ لَا تُخَالِفُ الْغَنَمَ إذَا كَانَتْ جَوَامِيسَ وَعِرَابًا وَدِرْبَانِيَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَتْ الْإِبِلُ بُخْتًا وَعِرَابًا، وَمِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَانَتْ صَدَقَتُهَا الْغَنَمَ فَلَا تَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَتُهَا مِنْهَا فَمَنْ قَالَ يَأْخُذُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ أَصْنَافِهَا أَخَذَ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي الْأَكْثَرِ السِّنَّ الَّتِي تَجِبُ لَهُ كَلَّفَهَا رَبَّ الْمَاشِيَةِ وَلَمْ يَنْخَفِضْ وَلَمْ يَرْتَفِعْ وَيَرُدُّ إلَّا أَنْ يَنْخَفِضَ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهَا أَوْ يَرْتَفِعَ فَيَرُدُّ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ فَلَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ يَأْخُذُ فِي كُلٍّ بِقَدْرِهِ أَخَذَهَا بِقِيَمٍ فَكَأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ، وَالْإِبِلُ عَشْرٌ مُهْرِيَّةٌ تَسْوَى مِائَةً وَعَشْرًا أَرْحَبِيَّةً تَسْوَى خَمْسِينَ وَخَمْسٌ نَجْدِيَّةٌ تَسْوَى خَمْسِينَ فَيَأْخُذُ بِنْتَ مَخَاضٍ أَوْ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا بِقِيمَةِ خُمْسَيْ مُهْرِيَّةٍ وَخُمْسَيْ أَرْحَبِيَّةٍ وَخُمْسَيْ وَاحِدَةٍ نَجْدِيَّةٍ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُ رَبِّ الْمَالِ فَيُعْطِيَهُ مِنْ الْخَيِّرِ مِنْهَا بِلَا قِيمَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ الْمُخْتَلِفَةِ عَيْبٌ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَيْبٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ غَائِبَةٌ عَنْ السَّاعِي فَزَعَمَ أَنَّهَا دُونَ الْغَنَمِ الَّتِي تُحْصَرُ بِهِ وَسَأَلَ السَّاعِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأَكْثَرِ أَوْ مِنْ الَّتِي هِيَ دُونَ الْأَكْثَرِ أَوْ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ فَعَلَى السَّاعِي تَصْدِيقُهُ إذَا صَدَّقَهُ عَلَى عَدَدِهَا صَدَّقَهُ عَلَى انْخِفَاضِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَهَكَذَا إذَا كَانَتْ الْبَقَرُ عِرَابًا وَدِرْبَانِيَةً وَجَوَامِيسَ، وَالْغَنَمُ مُخْتَلِفَةً هَكَذَا أُخِذَتْ صَدَقَتُهَا كَمَا وُصِفَتْ بِقَدْرِهَا، وَقِيمَةُ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا مِنْ قَدْرِ عَدَدِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا وَيُضَمُّ الْبُخْتُ إلَى الْعِرَابِ، وَالْجَوَامِيسُ إلَى الْبَقَرِ، وَالضَّأْنُ إلَى الْمَعْزِ. [بَابُ الزِّيَادَةِ فِي الْمَاشِيَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً كُلُّهَا فَوْقَ الثَّنِيَّةِ جَبَرَ الْمُصَدِّقُ رَبَّ الْمَاشِيَةَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَنِيَّةٍ إنْ كَانَتْ مَعْزًى أَوْ جَذَعَةً إنْ كَانَتْ ضَأْنًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ فَيُعْطِيَ شَاةً مِنْهَا فَيَقْبَلُهَا

النقص في الماشية

لِأَنَّهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كُلِّفَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَنَمِهِ فَقَدْ تَرَكَ فَضْلًا فِي غَنَمِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ كَانَتْ الْغَنَمُ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ مَخَاضًا كُلُّهَا أَوْ لِبْنًا أَوْ مَتَابِيعَ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ لِفَضْلِهِ عَلَى مَا يَجِبُ لَهُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ تُيُوسًا لِفَضْلِ التُّيُوسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ كُلُّ الْغَنَمِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ فِيهَا الزَّكَاةُ أَكُولَةً كُلِّفَ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ فَيُعْطِي مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَمَتَى تَطَوَّعَ فَأَعْطَى مِمَّا فِي يَدَيْهِ فَوْقَ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَاتِ نَقْصٍ قُبِلَتْ مِنْهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا ذَاتَ نَقْصٍ، وَفِيهَا صَحِيحٌ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَعْطَى ذَاتَ نَقْصٍ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ سِنٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ ذَاتَ نَقْصٍ إذَا لَمْ تُجْزِ ضَحِيَّةً وَقُبِلَتْ إذَا جَازَ ضَحِيَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ تَيْسًا فَلَا يُقْبَلُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي فَرْضِ الْغَنَمِ ذُكُورٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي الْبَقَرِ لَا يَخْتَلِفُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ مُسِنَّةٌ، وَالْبَقَرُ ثِيرَانٌ فَأَعْطَى ثَوْرًا أَجْزَأَ عَنْهُ إذَا كَانَ خَيْرًا مِنْ تَبِيعٍ إذَا كَانَ مَكَانَ تَبِيعٍ، فَإِذَا كَانَ فَرْضُهَا مِنْ الْإِنَاثِ فَلَا يَقْبَلَ مَكَانَهَا ذَكَرًا، قَالَ الرَّبِيعُ: أَظُنُّ مَكَانَ مُسِنَّةٍ تَبِيعٌ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَبِيعٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الْإِبِلُ فَتُخَالِفُ الْغَنَمَ، وَالْبَقَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ الْمُصَدِّقَ يَأْخُذُ السِّنَّ الْأَعْلَى وَيَرُدُّ أَوْ السُّفْلَى وَيَأْخُذُ وَلَا رَدَّ فِي غَنَمٍ وَلَا بَقَرٍ، وَإِذَا أَعْطَى ذَكَرًا بِقِيمَةِ أُنْثَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أُنْثَى إذَا وَجَبَتْ أُنْثَى وَذَكَرٌ إذَا وَجَبَ ذَكَرٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَاشِيَتِهِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِمَّا يَجُوزُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَا يُؤْخَذُ ذَكَرٌ مَكَانَ أُنْثَى إلَّا أَنْ تَكُونَ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُورًا فَيُعْطَى مِنْهَا وَمَتَى تَطَوَّعَ فَأَعْطَى مِمَّا فِي يَدِهِ فَوْقَ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ غَيْرَ ذَاتِ نَقْصٍ قُبِلَتْ مِنْهُ [النَّقْصُ فِي الْمَاشِيَةِ] ِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَتْ أَرْبَعُونَ شَاةً فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَمَا نَتَجَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَعُدْ عَلَى رَبِّهِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ أَوْ بَعْدَهُ (قَالَ) : وَيَعُدْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَوْ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ عَدَدْته عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُصَدِّقُ الْمَاشِيَةَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ أَرْبَعِينَ شَاةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَنْظُرُ إلَى قُدُومِ الْمُصَدِّقِ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ يَمْلِكُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ الْمَاشِيَةَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَاشِيَةِ، فَإِذَا خَرَجَ الْمُصَدِّقُ فِي الْمُحَرَّمِ وَحَوْلُ الْمَاشِيَةِ صَفَرٌ أَوْ رَبِيعُ الْأَوَّلُ أَوْ رَجَبٌ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ رَبِّ الْمَاشِيَةِ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ حَوْلُهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ بِالْأَدَاءِ عَنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّ الْمُصَدِّقَ لَيْسَ مِمَّا تَجِبُ بِهِ الصَّدَقَةُ بِسَبِيلٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِحَوْلِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُوَكِّلُ بِهِ الْمُصْدِقُ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ الصَّدَقَةَ فِي حَوْلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَتَهُ لِحَوْلِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ فَوَلَدَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَتَهَا فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فِي أَوْلَادِهَا، وَإِنْ كَثُرُوا حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَوْلَادِهَا الْحَوْلُ، وَأَوْلَادُهَا كَالْفَائِدَةِ فِيهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ تَلِدَهَا، وَإِنَّمَا تُعَدُّ عَلَيْهِ أَوْلَادُهَا إذَا كَانَ الْوِلَادُ قَبْلَ الْحَوْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الْوِلَادَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ مُوِّتَتْ الْأُمَّهَاتُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوْلَادُ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَرْبَعِينَ فَلَا صَدَقَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ، وَهِيَ مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ لَوْ كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ أَنْفُسُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ لَا يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الصَّدَقَةُ فَتَنَاتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ

فَحَال الْحَوْلُ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا صَدَقَةٌ وَلَا صَدَقَةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ تَمَّتْ أَرْبَعِينَ وَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَوْ أَكْثَرُ (قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ أَفَادَ غَنَمًا فَضَمَّهَا إلَى غَنَمٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ الْأَرْبَعِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَعُدْ بِالسَّخْلِ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ السَّخْلُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَيَكُونَ أَصْلُ الْغَنَمِ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَلَمْ تَكُنْ الْغَنَمُ مِمَّا فِيهِ الصَّدَقَةُ وَلَا يَعُدْ بِالسَّخْلِ حَتَّى يَتِمَّ بِالسَّخْلِ أَرْبَعِينَ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ تَمَّتْ أَرْبَعِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُصَدِّقَهَا وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَدِّقَهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَلَا زَكَاةَ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَإِذَا كَانَتْ الْغَنَمُ أَرْبَعِينَ شَاةً فَنَتَجَتْ أَرْبَعِينَ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا وَجَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ جَدْيًا أَوْ بَهْمَةً وَبَيْنَ جَدْيٍ وَبَهْمَةٍ أَوْ كَانَ هَذَا فِي إبِلٍ هَكَذَا فَجَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَهِيَ فِصَالٌ، أَوْ فِي بَقَرٍ فَجَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَهِيَ عُجُولٌ أَخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذَا وَاحِدًا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي غِذَاءِ الْغَنَمِ إنَاثٌ وَذُكُورٌ أَخَذَ أُنْثَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ فِي غِذَاءِ الْبَقَرِ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ أَخَذَ ذَكَرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدًا إذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعِينَ أَخَذَ أُنْثَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ فِي غِذَاءِ الْإِبِلِ إنَاثٌ وَذُكُورٌ أَخَذَ أُنْثَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدَةً. فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا إنَاثًا أَخَذَ مِنْ الْإِبِلِ أُنْثَى وَقَالَ لِرَبِّ الْمَالِ: إنْ شِئْت فَائِت بِذَكَرٍ مِثْلِ أَحَدِهَا، وَإِنْ شِئْت أَدَّيْت أُنْثَى، وَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ فِيهَا تَبِيعٌ (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْف لَمْ تُبْطِلْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَاشِيَتِهِ السِّنُّ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ، أَوْ كَيْف لَمْ تُكَلِّفْهُ السِّنَّ الَّتِي تَجِبُ فِي الصَّدَقَةِ إذَا عَدَدْت عَلَيْهِ بِالصِّغَارِ عَدْلٌ بِالْكِبَارِ قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عِنْدِي وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ أُبْطِلَ عَنْهُ الصَّدَقَةَ وَحُكْمُ الصِّغَارِ حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ فِي الْعَدَدِ إذَا كُنَّ مَعَ الْأُمَّهَاتِ يَجِبُ فِيهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَمَّا أَخْذِي مِنْهُ سِنًّا هِيَ أَكْبَرُ مِمَّا فِي غَنَمِهِ فَأَبْعَدُ أَنْ يَجُوزَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ قَبْلُ أَنِّي إذَا قِيلَ لِي: دَعْ الرَّبِيَّ، وَالْمَاخِضَ وَذَاتَ الدَّرِّ وَفَحْلَ الْغَنَمِ، وَاخْفِضْ عَنْ هَذَا وَخُذْ الْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ فَقَدْ عَقَلْنَا أَنَّهُ قِيلَ لِي: دَعْ خَيْرًا مِمَّا تَأْخُذُ مِنْهُ إذَا كَانَ فِيمَا عِنْدَهُ خَيْرٌ مِنْهُ وَدُونَهُ وَخُذْ مِنْ مَاشِيَةٍ أَدْنَى مِمَّا تَدَعُ وَخُذْ الْعَدْلَ بَيْنَ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، وَهُوَ الْجَذَعَةُ، وَالثَّنِيَّةُ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ بَهْمَةً تَسْوَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَكَلَّفْته شَاةً تَسْوَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَلَمْ آخُذْ عَدْلًا مِنْ مَالِهِ بَلْ أَخَذْت قِيمَةَ مَالِهِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِي: خُذْ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رُبْعَ عُشْرِ مَالِهِ إذَا كَانَ أَرْبَعِينَ. فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ أَمَرْتُ إذَا كَانَتْ الثَّنِيَّةُ مَوْجُودَةً أَنْ تَأْخُذَهَا وَنَهَيْت عَمَّا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا؟ قِيلَ: نَعَمْ وَأَمَرْت أَنْ لَا آخُذَ الجعرور وَلَا مُصْرَانَ الْفَأْرَةِ، فَإِذَا كَانَ تَمْرُ الرَّجُلِ كُلُّهُ جعرورا وَمُصْرَانَ فَأْرَةٍ، أَخَذْت مِنْهَا وَلَمْ أُكَلِّفْهُ مَا كُنْت آخُذُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ فِي تَمْرِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَخَذْت الثَّنِيَّةَ إذَا وَجَدْتهَا فِي الْبُهْمِ أَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وَجَبَتْ فِيهَا بِالْحَوْلِ عَلَى أُمَّهَاتِهَا غَيْرَ أَنَّ أُمَّهَاتِهَا يَمُوتُنَّ فَلَا صَدَقَةَ فِي مَيِّتٍ فَهُوَ يُخَالِفُ هَا هُنَا الجعرور، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ جعرور وَنَخْلٌ بَرْدِيٌّ أَخَذْت الجعرور مِنْ الجعرور وَعُشْرَ الْبَرْدِيِّ مِنْ الْبَرْدِيِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تَأْخُذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ

باب الفضل في الماشية

الْإِبِلِ أَحَدَ سِنَّيْنِ؟ قُلْت: الْعَدَدُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الْفَضْلُ بَيْنَ الْأَخْذِ مِنْهُمَا فِي سِنٍّ أَعْلَى مِنْ سِنٍّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ السِّنَّيْنِ، وَوُجِدَ السِّنُّ الْآخَرُ أَخَذَ مِنْ السِّنِّ الَّذِي وُجِدَ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَنْ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا، وَلَا يُؤْخَذُ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَالِ وَلَا فَضْلَ فِي الْمَالِ عَنْهُ. وَإِنَّمَا صَدَقَتُهُ فِيهِ لَا يُكَلِّفُ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ فَضْلٌ فَيَحْبِسُهُ عَنْ الْمُصَدِّقِ فَيُقَالُ: ائْتِ بِالسِّنِّ الَّتِي عَلَيْك إلَّا أَنْ تُعْطِيَ مُتَطَوِّعًا مِمَّا فِي يَدِك كَمَا قِيلَ لَنَا: خُذُوا مِنْ، أَوْسَطِ التَّمْرِ وَلَا تَأْخُذُوا جعرورا، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ إلَّا جعرورا أَخَذْنَا مِنْهُ وَلَمْ نُنْقِصْ مِنْ الْكَيْلِ، وَلَكِنَّا نَقَّصْنَا مِنْ جَوْدَةِ مَا نَأْخُذُ إذَا لَمْ نَجِدْ الْجَيِّدَ، فَكَذَلِكَ نَقَّصْنَا مِنْ السِّنِّ إذَا لَمْ نَجِدْهَا وَلَمْ نُنْقِصْ مِنْ الْعَدَدِ [بَابُ الْفَضْلِ فِي الْمَاشِيَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ كُلُّهَا فَوْقَ السِّنِّ الَّتِي تُؤْخَذُ، أَوْ مَخَاضًا كُلُّهَا، أَوْ مُتَّبِعَةً، أَوْ كَانَتْ كُلُّهَا أَكُولَةً، أَوْ تُيُوسًا قِيلَ لِصَاحِبِهَا عَلَيْك فِيهَا ثَنِيَّةٌ، أَوْ جَذَعَةٌ، فَإِنْ جِئْت بِهَا قُبِلَتْ مِنْك، وَإِنْ أَعْطَيْت مِنْهَا وَاحِدَةً قُبِلَ مِنْك، وَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ فِيهَا، وَهَكَذَا هَذَا فِي الْبَقَرِ، وَإِذَا تَرَكْنَا لَك الْفَضْلَ فِي مَالِك فَلَا بُدَّ أَنْ تُعْطِيَنَا الَّذِي عَلَيْك، وَهَكَذَا هَذَا فِي الْبَقَرِ، فَأَمَّا الْإِبِلُ، فَإِذَا أَخَذْنَا سِنًّا أَعْلَى رَدَدْنَا عَلَيْك، وَإِنْ أَعْطَيْتنَا السِّنَّ الَّتِي لَنَا لَمْ نَأْخُذْ غَيْرَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا أَعْطَيْتنَا تَيْسًا مِنْ الْغَنَمِ، أَوْ ذَكَرًا مِنْ الْبَقَرِ فِي عَدَدٍ فَرِيضَتُهُ أُنْثَى، وَفِيهَا أُنْثَى لَمْ نَقْبَلْ؛ لِأَنَّ الذُّكُورَ غَيْرُ الْإِنَاثِ. [بَابُ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ جَاءَ الْحَدِيثُ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ الشَّرِيكَانِ لَمْ يُقَسِّمَا الْمَاشِيَةَ، وَتَرَاجُعُهُمَا بِالسَّوِيَّةِ أَنْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ فِي الْإِبِلِ فِيهَا الْغَنَمُ تُوجَدُ الْإِبِلُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَتُؤْخَذُ فِي صَدَقَتِهَا فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالسَّوِيَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ يَكُونُ الْخَلِيطَانِ لِرَجُلَيْنِ يَتَخَالَطَانِ بِمَاشِيَتِهِمَا، وَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاشِيَتَهُ، وَلَا يَكُونَانِ خَلِيطَيْنِ حَتَّى يَرُوحَا وَيُسَرِّحَا وَيَسْقِيَا مَعًا، وَتَكُونُ فُحُولُهُمَا مُخْتَلِطَةً، فَإِذَا كَانَا هَكَذَا صَدَّقَا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَفَرَّقَا فِي مَرَاحٍ، أَوْ سَقْيٍ، أَوْ فُحُولٍ فَلَيْسَا خَلِيطَيْنِ وَيَصَّدَّقَانِ صَدَقَةَ الِاثْنَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَكُونَانِ خَلِيطَيْنِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِمَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ اخْتَلَطَا، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِمَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ اخْتَلَطَا زَكَّيَا زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِمَا حَوْلٌ زَكَّيَا زَكَاةَ الِاثْنَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَطَا حَوْلًا ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ، وَالْحَوْلُ زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُفْتَرِقَيْنِ (قَالَ) : وَهَكَذَا إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ ثَلَاثَةَ خُلَطَاءَ

لَوْ كَانَتْ لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً أُخِذَتْ مِنْهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَصَدَّقُوا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى عَدَدِهِمْ وَلَا حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالُوا هَذَا فَنَقَصُوا الْمَسَاكِينَ شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ الْخُلَطَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَوْ فُرِّقَ مَالُهُمْ كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولُوا لَوْ كَانَتْ أَرْبَعُونَ شَاةً بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَدَقُوا الْخُلَطَاءَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا أَقُولُ فَيَصْدُقُ الْخُلَطَاءُ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ فِي الْمَاشِيَةِ كُلِّهَا الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ وَكَذَلِكَ الْخُلَطَاءُ فِي الزَّرْعِ، وَالْحَائِطِ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ حَائِطًا صَدَقَتُهُ مُجَزَّأَةً عَلَى مِائَةِ إنْسَانٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا عَشَرَةُ أَوْسُقٍ أَمَا كَانَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ؟ وَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ تَمْرِهِ لَا تَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي هَذَا صَدَقَةٌ، وَفِي كُلِّ شِرْكٍ صَدَقَةٌ إذَا بَلَغَتْ جُمْلَتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِكُلِّ حَالٍّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قُلْت فِي الْخُلَطَاءِ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَوْلَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَأَلْت عَطَاءً عَنْ النَّفَرِ يَكُونُ لَهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً قَالَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» قِيلَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ خَشْيَةَ إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاةٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا فُرِّقَتْ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَرَجُلٌ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَآخَرُ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَإِذَا تُرِكَا عَلَى افْتِرَاقِهِمَا كَانَتْ فِيهَا شَاتَانِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَتْ فِيهَا ثَلَاثٌ وَرَجُلَانِ لَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَإِذَا افْتَرَقَتْ فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ فَفِيهَا شَاةٌ فَالْخَشْيَةُ خَشْيَةُ الْوَالِي أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ وَخَشْيَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ خَشْيَةُ رَبِّ الْمَالِ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِاسْمِ الْخَشْيَةِ مِنْ الْآخَرِ فَأَمَرَ أَنْ نُقِرَّ كُلًّا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَمِعًا صَدَقَ مُجْتَمِعًا، وَإِنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا صَدَقَ مُتَفَرِّقًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَّا قَوْلُ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلَيْنِ مِائَةُ شَاةٍ وَتَكُونَ غَنَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْرُوفَةً فَتُؤْخَذُ الشَّاةُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا فَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الشَّاةَ عَلَى خَلِيطِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَنَمِهِ وَغَنَمِهِ إذَا كَانَ عَدَدُ غَنَمِهِمَا وَاحِدًا. فَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ مَأْخُوذَةً مِنْ غَنَمِ رَجُلٍ لَهُ ثُلُثُ الْغَنَمِ وَلِشَرِيكِهِ ثُلُثَاهَا رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الشَّاةَ عَلَى شَرِيكِهِ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَنَمِهِ وَغَنَمِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ ثُلْثَيْهَا أُخِذَ عَنْ غَنَمِ شَرِيكِهِ فَغَرِمَ حِصَّةَ مَا أَخَذَ عَنْ غَنَمِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ فِي غَنَمِهِمَا مَعًا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَأُخِذَتْ الثَّلَاثُ مِنْ غَنَمِ وَاحِدٍ لَهُ ثُلُثُ الْغَنَمِ رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الثَّلَاثِ الشِّيَاهِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَنَمِهَا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ شَاتَيْنِ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الشِّيَاهَ الثَّلَاثَ أُخِذَتْ مَعًا فَثُلُثَاهَا عَنْ خَلِيطِهِ وَثُلُثُهَا عَنْهُ مُخْتَلِطَةً لَا مَقْسُومَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَصْدُقُ صِدْقَ الْخُلَطَاءِ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيطَانِ مُسْلِمَيْنِ مَعًا، فَأَمَّا إنْ خَالَطَ نَصْرَانِيٌّ مُسْلِمًا صَدَقَ الْمُسْلِمُ صَدَقَةَ الْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصَّدَّقُ الرَّجُلَانِ كَمَا يَصَّدَّقُ الْوَاحِدُ إذَا كَانَا مَعًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فَلَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ خَالَطَ مُكَاتَبٌ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ لَا صَدَقَةَ فِي مَالِ مُكَاتَبٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَا خَلِيطَيْنِ عَلَيْهِمَا صَدَقَةٌ فَالْقَوْلُ فِيهِمَا كَمَا وَصَفْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ غَنَمُهُمَا سَوَاءً وَكَانَتْ فِيهِمَا عَلَيْهِمَا شَاتَانِ فَأُخِذَتْ مِنْ غَنَمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ وَكَانَتْ قِيمَةُ الشَّاتَيْنِ الْمَأْخُوذَتَيْنِ مُتَقَارِبَةً لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ إلَّا مَا عَلَيْهِ فِي غَنَمِهِ لَوْ كَانَتْ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَلَوْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ

باب الرجل إذا مات وقد وجبت في ماله زكاة

الْغَنَمِ، وَالْآخَرِ ثُلُثَاهَا فَأُخِذَتْ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا شَاةٌ، وَمِنْ غَنَمِ الْآخَرِ شَاةٌ رَجَعَ الَّذِي لَهُ ثُلُثٌ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ ثُلُثِ الشَّاةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ غَنَمِهِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَهَا مَأْخُوذٌ عَنْ غَنَمِ صَاحِبِهِ وَثُلُثَهَا مَأْخُوذٌ عَنْ غَنَمِ نَفْسِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُخِذَتْ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا شَاةٌ وَغَنَمُهُمَا سَوَاءٌ فِي الْعَدَدِ فَتَدَاعَيَا فِي قِيمَةِ الشَّاةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ قِيمَةِ الشَّاةِ وَعَلَى رَبِّ الشَّاةِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ رَبُّ الشَّاةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا عَشْرَةٌ رَجَعَ بِخَمْسَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَقَالَ شَرِيكُهُ: قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ حَلَفَ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ظَلَمَهُمَا السَّاعِي فَأَخَذَ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا عَنْ غَنَمِهِ وَغَنَمِ الْآخَرِ شَاةً رُبَّى، أَوْ مَاخِضًا، أَوْ ذَاتَ دَرٍّ، أَوْ تَيْسًا، أَوْ شَاتَيْنِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَأَرَادَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الشَّاةُ الرُّجُوعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أُخِذَ مِنْ غَنَمِهِ عَنْ غَنَمِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا إنْ كَانَتْ ثَنِيَّةً، أَوْ جَذَعَةً لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَأَخَذَ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا شَاةً لَمْ يَرْجِعْ عَلَى خَلِيطِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِظُلْمٍ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَأَخَذَ بِقِيمَتِهَا دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَتَطَوَّعَ فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ مِنْ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِنِصْفِ قِيمَةِ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَطَوَّعَ بِفَضْلٍ، أَوْ ظَلَمَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا إذَا كَانَتْ غَنَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي جَمِيعِ الْغَنَمِ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَ غَنَمِهِمَا فَأُخِذَ مِنْهُمَا ظُلْمٌ كَثِيرٌ، أَوْ قَلِيلٌ لَا يَتَرَاجَعَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ الظُّلْمَةِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا مَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلَانِ خَلِيطَيْنِ فَافْتَرَقَا قَبْلَ الْحَوْلِ زَكَّيَا عَلَى الِافْتِرَاقِ، فَإِنْ افْتَرَقَا بَعْدَ الْحَوْلِ زَكَّيَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ، وَإِذَا وُجِدَا مُتَفَرِّقَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي افْتَرَقَا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مِثْلِهَا فَأَقَامَتْ فِي يَدَيْهِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا مُشَاعًا مِنْ رَجُلٍ، أَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهَا مِلْكًا يَصِحُّ أَيُّ مِلْكٍ كَانَ، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى هَذِهِ الْغَنَمِ أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ بِحَوْلِهِ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ الثَّانِي إلَّا بِحَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَصَّدَّقَانِ مَعًا إذَا كَانَ حَوْلُهُمَا مَعًا، وَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ أُخِذَتْ مِنْ نَصِيبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ شَاةٍ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي أُخِذَتْ مِنْهُ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ غَنَمٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَخَالَطَهُ رَجُلٌ بِغَنَمٍ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَكَانَ ذَلِكَ بِتَبَايُعٍ بَيْنَهُمَا اسْتَقْبَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا الْحَوْلَ بِمَا مَلَكَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهِ وَزَكَّى مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِحَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا تَبَايَعَا وَلَكِنَّهُمَا اخْتَلَطَا زُكِّيَتْ مَاشِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَوْلِهَا وَلَمْ يُزَكِّيَا زَكَاةَ الْخَلِيطَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي اخْتَلَطَا فِيهِ، فَإِذَا كَانَ قَابَلَ وَهُمَا خَلِيطَانِ كَمَا هُمَا زَكَّيَا زَكَاةَ الْخَلِيطَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ حَالَ عَلَيْهِمَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اخْتَلَطَا، وَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُمَا حَوْلُ أَحَدِهِمَا فِي الْمُحَرَّمِ وَحَوْلُ الْآخَرِ فِي صَفَرٍ أُخِذَتْ مِنْهُمَا نِصْفُ شَاةٍ فِي الْمُحَرَّمِ وَنِصْفُ شَاةٍ فِي صَفَرٍ يَكُونُ الْمُصَدِّقُ شَرِيكًا بِنِصْفِ شَاةٍ وَيُعْطِيهَا أَهْلَ السُّهْمَانِ وَيَكُونَانِ شِرْكًا فِيهِمَا. [بَابُ الرَّجُلِ إذَا مَاتَ وَقَدْ وَجَبَتْ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ] ٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ، وَقَدْ وَجَبَتْ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ أَوْصَى بِوَصَايَا أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَالْمِيرَاثِ، وَالْوَصَايَا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةَ فِيهَا ثُمَّ حَالَ حَوْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ أُخِذَتْ مِنْهَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَسَّمْ، وَلَوْ أَوْصَى مِنْهَا بِغَنَمٍ بِعَيْنِهَا أُخِذَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا الصَّدَقَةُ

باب ما يعد به على رب الماشية

وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْغَنَمِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا بِعَيْنِهَا أُخِذَتْ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ إذَا عَرَّفَا غَنَمَهُمَا وَأُخِذَتْ فِي قَوْلِ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْهُمَا، وَإِنْ عَرَّفَا أَمْوَالَهُمَا. [بَابُ مَا يُعَدُّ بِهِ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الطَّائِفِ وَمَخَالِيفِهَا فَخَرَجَ مُصَدِّقًا فَاعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْغِذَاءِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: إنْ كُنْت مُعْتَدًّا عَلَيْنَا بِالْغِذَاءِ فَخُذْهُ مِنَّا فَأَمْسَكَ حَتَّى لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّا نَظْلِمُهُمْ نَعْتَدُّ عَلَيْهِمْ بِالْغِذَاءِ وَلَا نَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْغِذَاءِ حَتَّى بِالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ وَقُلْ لَهُمْ: لَا آخُذُ مِنْكُمْ الرَّبِيَّ وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا ذَاتَ الدَّرِّ وَلَا الشَّاةَ الْأَكُولَةَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَخُذْ الْعَنَاقَ، وَالْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ فَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : جُمْلَةُ جِمَاعِ مَا أَحْفَظُ عَنْ عَدَدٍ لَقِيت وَأَقُولُ بِهِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي مَاشِيَتِهِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَآخِرِهَا وَيَحُولُ عَلَيْهَا حَوْلٌ فِي يَدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ ثُمَّ نَتَجَتْ فَصَارَتْ أَرْبَعِينَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ فِيهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ صَارَتْ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهَا تَمَامَ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ تَمَّتْ فِي مِلْكِهِ أَرْبَعِينَ، وَأَنَّ نِتَاجَهَا إذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا الصَّدَقَةُ كَالْفَائِدَةِ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَهِيَ مِمَّا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَنِتَاجُهَا كَأَصْلِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ وَأَكْثَرُ فَجَاءَهَا الْمُصَدِّقُ عَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِتَاجِهَا كُلِّهِ إذَا كَانَ نِتَاجُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ وَأَخَذَ السِّنَّ الَّتِي تَجِبُ لَهُ مِنْ الْغَنَمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلَّمَا أَفَادَ الرَّجُلُ مِنْ الْمَاشِيَةِ صَدَقَ الْفَائِدَةَ بِحَوْلِهَا وَلَا يَضُمُّهَا إلَى مَاشِيَةٍ لَهُ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيُزَكِّيهَا بِحَوْلِ مَاشِيَتِهِ وَلَكِنْ يُزَكِّي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِحَوْلِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ فَائِدَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَرِبْحٍ فِي ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ لَا يُضَمُّ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ حَوْلُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا حَوْلَ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نِتَاجٍ لِمَاشِيَةٍ لَا يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الصَّدَقَةُ فَأَمَّا نِتَاجُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الصَّدَقَةُ فَتُصَدَّقَ بِحَوْلِ أُمَّهَاتِهَا إذَا كَانَ النِّتَاجُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَعُدْ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ مَضَى وَوَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ. [بَابُ السِّنِّ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ الْغَنَمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ ابْنَ مِسْعَرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «عَنْ مِسْعَرٍ أَخِي بَنِي عَدِيٍّ: قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَالَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَنَا نُصْدِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَأَخْرَجْت لَهُمَا شَاةً مَاخِضًا أَفْضَلَ مَا وَجَدْت فَرَدَّاهَا عَلَيَّ وَقَالَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَأْخُذَ الشَّاةَ الْحُبْلَى فَأَعْطَيْتُهُمَا شَاةً مِنْ وَسَطِ الْغَنَمِ فَأَخَذَاهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا وَجَدَ الْمُصَدِّقُ عِنْدَ الرَّجُلِ الْغَنَمَ فَعَدَّهَا عَلَيْهِ فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَهَا وَدِيعَةٌ

باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة

عِنْدَهُ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَرْعَاهَا، أَوْ أَنَّهَا ضَوَالُّ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا فَائِدَةٌ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، أَوْ أَنَّ كُلَّهَا فَائِدَةٌ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلُ الصَّدَقَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، فَإِنْ خَافَ كَذِبَهُ أَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ مِائَةَ شَاةٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ وَآخِرِهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَشْهَدَا أَنَّهَا هَذِهِ الْغَنَمُ بِأَعْيَانِهَا، فَإِذَا فَعَلَا أَخَذَ مِنْهُ الصَّدَقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا عَلَى هَذَا، أَوْ قَالَا: مِنْهَا شَيْءٌ نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَمِنْهَا شَيْءٌ لَا نَعْرِفُهُ، فَإِذَا كَانَ مَا يَعْرِفَانِهِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أَخَذَ مِنْهُ الصَّدَقَةَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَنَمٌ بِعَيْنِهَا ثُمَّ يُفِيدُ أُخْرَى وَلَا يَحُولُ عَلَى الَّتِي أَفَادَ الْحَوْلُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ (قَالَ) : فَإِنْ قَطَعَا الشَّهَادَةَ عَلَى مِائَةٍ بِعَيْنِهَا فَقَالَ: قَدْ بِعْتهَا ثُمَّ اشْتَرَيْتهَا صَدَقَ وَلَمْ تُؤْخَذْ صَدَقَتُهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا الشِّرَاءَ الْآخَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَلَّ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ وَلَمْ نَزِدْ عَلَى ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنْ تُؤْخَذَ الصَّدَقَةُ وَشَطْرًا بَلْ الْغَالُّ لِصَدَقَتِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ قُلْنَا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَالِي عَدْلًا يَضَعُ الصَّدَقَةَ مَوَاضِعَهَا فَلَهُ عُقُوبَتُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهَالَةَ فَيَكُفُّ عَنْ عُقُوبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُ. [بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْذُ الصَّدَقَةِ كُلَّ عَامٍ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عَلِمْته فِي كُلِّ صَدَقَةِ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لَيْسَتْ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ يَأْخُذُ فِي مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ عَنْ أَبِيهَا قَالَ: كُنْت إذَا جِئْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقْبِضُ مِنْهُ عَطَائِي سَأَلَنِي: " هَلْ عِنْدَك مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ ، فَإِنْ قُلْت نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْت: لَا دَفَعَ إلَى عَطَائِي " أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَعْطِيَةِ زَكَاةً مُعَاوِيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْعَطَاءُ فَائِدَةٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ (قَالَ) : وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْ الْفَيْءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُدْفَعُ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّمَا يَمْلِكُونَهُ يَوْمَ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كُلُّ مَالٍ لِرَجُلٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ فِي يَدِ مَالِكِهِ حَوْلٌ إلَّا مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَيَصْلُحُ وَكَذَلِكَ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْمَعَادِنِ وَمَا وُجِدَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الرِّكَازِ (قَالَ) : فَيَجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَبْعَثَ الْمُصَدِّقِينَ قَبْلَ الْحَوْلِ فَيُوَافُونَ أَهْلَ الصَّدَقَةِ مَعَ حُلُولِ الْحَوْلِ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَذَلِكَ رَأَيْت السُّعَاةَ يَأْخُذُونَهَا عِنْدَمَا كَانَ الْمُحَرَّمُ فِي صَيْفٍ، أَوْ شِتَاءٍ وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا شَهْرٌ مَعْلُومٌ وَلِأَنَّا لَوْ أَدَرْنَا بِأَشْهُرِهَا مَعَ الصَّيْفِ جَعَلْنَا وَقْتَهَا بِغَيْرِ الْأَهِلَّةِ الَّتِي

جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوَاقِيتَ (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ تَجِبُ إلَّا بِالْحَوْلِ دُونَ الْمُصَدِّقِ وَيَأْخُذُهَا الْمُصَدِّقُ إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَنَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ حَسَبَ نِتَاجِهَا مَعَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ نَتَجَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ بِطَرْفَةٍ حَسَبَ نِتَاجِهَا مَعَهَا وَعَدَّ عَلَيْهِمْ السَّاعِي بِالنِّتَاجِ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ وَلَمْ تَنْقُصْ الْعِدَّةُ قَبَضَ الصَّدَقَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ الْمُصَدِّقُ بِمَا نَتَجَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ قُدُومِهِ، أَوْ مَعَهُ إذَا كَانَ قُدُومُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا رَبُّ الْمَالِ بِأَنْ يَمُدَّ عَلَيْهِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لَهُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ، وَمَاشِيَتُهُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَتَأَخَّرَ عَنْهُ السَّاعِي فَلَمْ يَأْخُذْهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ صَدَقَتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَهُوَ مُمْكِنٌ لَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّدَقَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَ مِنْهَا شَيْئًا، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَدَّ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ الصَّدَقَةُ عَلَى عَدَدِهَا يَوْمَ يَحُولُ عَلَيْهَا حَوْلُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا بَعْدَمَا يَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَقَبْلَ قُدُومِ السَّاعِي، أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ كَانَتْ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ (قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ عَدَّهَا السَّاعِي ثُمَّ مُوِّتَتْ، وَقَدْ أَقَامَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ مَا يُمْكِنُ السَّاعِيَ أَنْ يَقْبِضَهَا فِيهِ فَتَرَكَ قَبْضَهُ إيَّاهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا وَصَفْت مِنْ الْحَوْلِ، وَأَنْ يُمْكِنَ السَّاعِيَ قَبْضُهَا مَكَانَهُ، وَيُمْكِنَ رَبَّ الْمَاشِيَةِ وَضْعُهَا مَكَانَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ رَبُّهَا وَلَا السَّاعِي فَهَلَكَتْ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ رَبِّ الْمَاشِيَةِ وَعَلَيْهِ صَدَقَتُهَا كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ نَاضِّ مَالِهِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَضَعَهُ مَوْضِعَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي إلَّا هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَجِبُ بِالْحَوْلِ وَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ مَعْنًى إلَّا أَنْ يَلِيَ قَبْضَهَا فَيَنْبَغِي مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُحْضِرَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا مَعَ رَأْسِ السَّنَةِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَكُونَا يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مُثَنَّاةً وَلَكِنْ يَبْعَثَانِ عَلَيْهَا فِي الْجَدْبِ، وَالْخَصْبِ، وَالسِّمَنِ، وَالْعَجَفِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ عَلِمْته فِي أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَالِ إلَّا مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْحَوْلِ، وَمَنْ قَالَ: تَكُونُ الصَّدَقَةُ بِالْمُصَدِّقِ، وَالْحَوْلِ، خَالَفَ السُّنَّةَ وَجَعَلَ مَعَ الْحَوْلِ غَيْرَ الصَّدَقَةِ وَلَزِمَهُ إنْ اسْتَأْخَرَ الْمُصَدِّقُ سَنَةً، أَوْ سَنَتَيْنِ أَنْ لَا تَجِبَ الصَّدَقَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ حَتَّى يَقْدَمَ، فَإِذَا قَدِمَ أَخَذَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مِرَارًا (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَمْ يَصْدُقْهَا حَتَّى مَرَّ بِهَا أَعْوَامٌ وَلَمْ تَزِدْ شَيْئًا فَعَلَيْهِ فِيهَا شَاةٌ، وَإِنْ زَادَتْ شَاةً فَعَلَيْهِ فِيهَا شَاتَانِ، وَإِنْ زَادَتْ ثَلَاثَ شِيَاهٍ فَعَلَيْهِ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ إذَا مَرَّتْ بِهَا أَرْبَعُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَاةٍ فَضْلٌ عَمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ ثُمَّ تَبْقَى أَرْبَعُونَ فَفِيهَا شَاةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ كَانَتْ أَرْبَعُونَ لَا تَزِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَاةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ حَالَتْ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ هِيَ فِي كُلِّهَا أَرْبَعُونَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَحَال عَلَيْهَا حَوْلٌ فَلَمْ يَصْدُقْهَا ثُمَّ حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ ثَانٍ، وَقَدْ وَلَدَتْ وَاحِدًا ثُمَّ مَاتَ الْوَاحِدُ وَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ فَفِيهَا شَاتَانِ شَاةٌ فِي أَنَّهَا أَرْبَعُونَ وَشَاةٌ؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى أَرْبَعِينَ ثُمَّ مَاتَتْ الشَّاةُ الزَّائِدَةُ بَعْدَمَا وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ لِلزِّيَادَةِ فَضَمَّهَا وَلَمْ يُؤَدِّهَا، وَقَدْ أَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَضَلَّتْ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ ثُمَّ وَجَدَهَا فِي آخِرِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ بَعْدَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّتْ أَحْوَالًا، وَهِيَ خَمْسُونَ شَاةً أَدَّى فِي كُلِّ عَامٍ مِنْهَا شَاةً؛ لِأَنَّهَا

باب الغنم تختلط بغيرها

كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهَا ثُمَّ أَخَذَهَا أَدَّى فِي كُلِّ عَامٍ مِنْهَا شَاةً (قَالَ) : وَهَذَا هَكَذَا فِي الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ الَّتِي فَرِيضَتُهَا مِنْهَا، وَفِي الْإِبِلِ الَّتِي فَرِيضَتُهَا مِنْ الْغَنَمِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا هَكَذَا؛ لِأَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِيهَا فِي رِقَابِهَا يُبَاعُ مِنْهَا بَعِيرٌ فَيُؤْخَذُ مِنْهَا إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا رَبُّهَا، وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي أَنَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ حَالَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ فِي كُلِّ حَوْلٍ شَاةٌ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَحَالَ عَلَيْهَا فِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَدَّى بِنْتَ مَخَاضٍ لِلسَّنَةِ الْأُولَى ثُمَّ أَرْبَعَ شِيَاهٍ لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ أَرْبَعَ شِيَاهٍ لِلسَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَوْ كَانَتْ إبِلُهُ إحْدَى وَتِسْعِينَ مَضَى لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ أَدَّى لِلسَّنَةِ الْأُولَى حِقَّتَيْنِ وَلِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ ابْنَتَيْ لَبُونٍ وَلِلسَّنَةِ الثَّالِثَةِ ابْنَيْ لَبُونٍ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاةٌ فَحَالَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ كَانَتْ فِيهَا لِأَوَّلِ سَنَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّنَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ شَاتَانِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ تَرَكَ الصَّدَقَةَ عَامًا ثُمَّ أَفَادَ غَنَمًا وَتَرَكَ صَدَقَتَهَا وَصَدَقَةَ الْأُولَى عَامًا آخَرَ صَدَقَ الْغَنَمَ الْأُولَى لِحَوْلَيْنِ، وَالْغَنَمَ الْفَائِدَةَ لِحَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَتُهَا عَامًا وَاحِدًا. [بَابُ الْغَنَمِ تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ فَنَزَتْهَا ظِبَاءٌ فَوَلَدَتْ لَمْ تُعَدَّ الْأَوْلَادُ مَعَ أُمَّهَاتِهَا بِحَالٍ، وَلَوْ كَثُرَ أَوْلَادُهَا حَتَّى تَكُونَ مِائَةً وَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الظِّبَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ لَهُ ظِبَاءٌ فَنَزَتْهَا تُيُوسٌ فَوَلَدَتْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا صَدَقَةٌ، وَهَذَا خَلْطُ ظِبَاءٍ وَغَنَمٍ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف أَبْطَلْت حَقَّ الْغَنَمِ فِيهَا؟ قِيلَ إنَّمَا قِيلَ فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ وَلَا يَقَعُ عَلَى هَذِهِ اسْمُ الْغَنَمِ مُطْلَقًا، وَكَمَا أَسْهَمْت لِلْفَرَسِ فِي الْقِتَالِ وَلَا أُسْهِمُ لِلْبَغْلِ كَانَ أَبُوهُ فَرَسًا، أَوْ أُمُّهُ (قَالَ) : وَهَكَذَا إنْ نَزَا ثَوْرٌ وَحْشِيٌّ بَقَرَةً إنْسِيَّةً، أَوْ ثَوْرٌ إنْسِيٌّ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا أُضْحِيَّةً وَلَا يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَزَا كَبْشٌ مَاعِزَةً، أَوْ تَيْسٌ ضَائِنَةٌ فَنَتَجَتْ كَانَ فِي نِتَاجِهَا الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهَا غَنَمٌ كُلُّهَا وَهَكَذَا لَوْ نَزَا جَامُوسٌ بَقَرَةً، أَوْ ثَوْرٌ جَامُوسَةً، أَوْ بُخْتِيٌّ عَرَبِيَّةً، أَوْ عَرَبِيٌّ بُخْتِيَّةً كَانَتْ الصَّدَقَاتُ فِي نِتَاجِهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا بَقَرٌ كُلُّهَا، أَلَا تَرَى أَنَّا نُصْدِقُ الْبُخْتَ مَعَ الْعِرَابِ وَأَصْنَافِ الْإِبِلِ كُلِّهَا، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْخَلْقِ وَنُصْدِقُ الْجَوَامِيسَ مَعَ الْبَقَرِ وَالدِّرْبَانِيَةِ. مَعَ الْعِرَابِ وَأَصْنَافِ الْبَقَرِ كُلِّهَا وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، وَالضَّأْنُ يُنْتِجُ الْمَعْزَ وَأَصْنَافَ الْمَعْزِ، وَالضَّأْنَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ كُلَّهَا غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَإِبِلٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَضَلَّتْ مِنْهَا شَاةٌ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَأْخُذْ الْمُصَدِّقُ مِنْهَا شَيْئًا، فَإِذَا وَجَدَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَاةً يَوْمَ يَجِدُهَا، فَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَقَدْ مَاتَتْ غَنَمُهُ كُلُّهَا، أَوْ بَعْضُهَا، أَوْ بَاعَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّاةَ الَّتِي وَجَدَ إلَّا أَنْ يَرْغَبَ فِيهَا وَيُؤَدِّيَ السِّنَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فَيُجْزِئُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ حِينَ وَجَدَهَا أَنَّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ. [بَابُ افْتِرَاقِ الْمَاشِيَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ بِبَلَدٍ أَرْبَعُونَ شَاةً وَبِبَلَدٍ غَيْرِهِ أَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ بِبَلَدٍ عِشْرُونَ شَاةً وَبِبَلَدٍ غَيْرِهِ عِشْرُونَ شَاةً دَفَعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَدِّقِينَ قِيمَةَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ شَاةٍ يَقْسِمُهَا مَعَ مَا يَقْسِمُ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَدْفَعَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ شَاةً وَيَتْرُكَ الْبَلَدَ الْآخَرَ لِأَنِّي أُحِبُّ أَنْ تُقَسَّمُ صَدَقَةُ الْمَالِ حَيْثُ الْمَالُ

باب أين تؤخذ الماشية

قَالَ) وَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً بِبَلَدٍ فَقَالَ السَّاعِي: آخُذُ مِنْهَا شَاةً فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ فِيهَا نِصْفُ شَاةٍ فَعَلَى السَّاعِي أَنْ يُصَدِّقَهُ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ وَقَبِلَ قَوْلَهُ وَلَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يُحْلِفَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَدَّى شَاةً فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ إعَادَةَ نِصْفِ شَاةٍ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَلَدِ الْآخَرِ أَنْ يُصَدِّقَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (قَالَ) : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِبَلَدٍ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ وَبِبَلَدٍ آخَرَ مِائَةُ شَاةٍ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فِي كُلِّ بَلَدٍ شَاةٌ وَنِصْفٌ إلَّا زِيَادَةَ فَضْلٍ حَسَبَ الشَّاةَ عَلَى الْمِائَةِ كَمَا وَصَفْت فِي نِصْفَيْ الشَّاتَيْنِ بِحِسَابٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَفَعَ الثَّلَاثَ الشِّيَاهَ إلَى عَامِلِ أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ ثُمَّ أَثْبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ مَاشِيَتَهُ الْغَائِبَةَ قَدْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ كَانَ عَلَى السَّاعِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ كَانَ إحْدَى غَنَمِهِ بِالْمَشْرِقِ، وَالْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ فِي طَاعَةِ خَلِيفَةٍ وَاحِدٍ، أَوْ طَاعَةِ وَالِيَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ لَا بِوَالِيهِ وَلَا بِقُرْبِ الْبَلَدِ وَلَا بُعْدِهِ (قَالَ) : وَهَكَذَا الطَّعَامُ وَغَيْرُهُ إذَا افْتَرَقَ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ مَاشِيَةٌ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يَتُبْ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَاشِيَتِهِ وُقِفَتْ مَاشِيَتُهُ، فَإِنْ تَابَ أَخَذَ صَدَقَتَهَا، وَإِنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَتْ فَيْئًا تُخَمَّسُ فَيَكُونُ خُمْسُهَا لِأَهْلِ الْخُمْسِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِأَحَدِهِمَا فِي بَلَدٍ آخَرَ أَرْبَعُونَ شَاةً أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ شَاةً، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ الْغَائِبَةِ وَرُبْعُهَا عَلَى الَّذِي لَهُ عِشْرُونَ لَا غَنَمَ لَهُ غَيْرُهَا لِأَنِّي أَضُمُّ كُلَّ مَالِ رَجُلٍ إلَى مَالِهِ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ آخُذُهُ فِي صَدَقَتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي بَلَدٍ وَأَرْبَعُونَ فِي بَلَدٍ غَيْرِهِ فَلَمَّا مَضَتْ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بَاعَ نِصْفَ الْأَرْبَعِينَ مُشَاعًا مِنْ رَجُلٍ فَلَمْ يُقَاسِمْهُ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ عَلَى غَنَمِهِ، وَذَلِكَ بِمُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ غَنَمَهُ أُخِذَتْ مِنْهُ شَاةٌ كُلُّهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَوْلَهُ قَدْ حَالَ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ تَامَّةٌ لَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَةُ شَرِيكِهِ، فَإِذَا حَالَ حَوْلُ شَرِيكِهِ بِمُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى آخُذُ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ شَاةٍ بِخَلْطِهِ وَلَا أَرُدُّهُ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الشَّاةَ لِاخْتِلَافِ حَوْلَيْهِمَا، وَإِنْ ضَمَمْت مَاشِيَتَهُمَا فِيمَا اشْتَرَكَا فِيهِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ غَنَمَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْحَوْلَيْنِ ضَمَمْتُهُمَا مَعًا وَأَخَذْت مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَوْلِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ. [بَابُ أَيْنَ تُؤْخَذُ الْمَاشِيَةُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : عَلَى الْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاشِيَةَ عَلَى مِيَاهِ أَهْلِ الْمَاشِيَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ مَاءَانِ تَخْلِيَةً إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ وَعَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُورِدَهَا الْمَاءَ لِتُؤْخَذَ صَدَقَتُهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْمَاءِ عَلَى مَاشِيَةٍ غَيْرِهَا لِيَفْتَدِيَ رَبُّهَا مِنْ حَبْسِهِ بِزِيَادَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَازَتْ الْمَاشِيَةُ عَلَى الْمَاءِ فَعَلَى الْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي بُيُوتِ أَهْلِهَا وَأَفْنِيَتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْبِعَهَا رَاعِيَهُ (قَالَ) : وَلَوْ كَلَّفَهُمْ الْمَجَامِعَ الَّتِي يُورِدُونَهَا إذَا كَانَ الظَّمَأُ، مَا كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا انْتَوَوْا أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ حَيْثُ انْتَوَوْا عَلَى مِيَاهِ مَوَاضِعِهِمْ الَّتِي انْتَوَوْا إلَيْهَا وَحَيْثُ انْتَوَوْا دَارَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا عَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ وَقَلَّتْ الصَّدَقَةُ كَانَ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ تَخِفُّ مُؤْنَتُهُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَةِ حَيْثُ كَانُوا فَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ.

باب كيف تعد الماشية

[بَابُ كَيْف تُعَدُّ الْمَاشِيَةُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : تُضْطَرُّ الْغَنَمُ إلَى حِظَارٍ إلَى جِدَارٍ، أَوْ جَبَلٍ، أَوْ شَيْءٍ قَائِمٍ حَتَّى يَضِيقَ طَرِيقُهَا ثُمَّ تُزْجَرُ فَتُسَرَّبُ، وَالطَّرِيقُ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا شَاةً، أَوْ اثْنَتَيْنِ وَيَعُدُّ الْعَادُّ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يُشِيرُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَدَدٌ أَحْصَى وأوخى مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، وَلَوْ ادَّعَى رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنَّهُ أَخْطَأَ عَلَيْهِ أُعِيدَ لَهُ الْعَدَدُ، وَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّ السَّاعِي أَنَّ عَادَّهُ أَخْطَأَ الْعَدَدَ. [بَابُ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَهُ إيَّاهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَجُوزُ لِلْوَالِي إذَا رَأَى الْخُلَّةَ فِي أَهْلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ لَهُمْ مِنْ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْأَمْوَالِ إذَا طَابُوا بِهَا نَفْسًا وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ مَالٍ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ صَدَقَتَهُ قَبْلَ مَحِلِّهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَسْلَفَ الْوَالِي مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا مِنْ الصَّدَقَةِ، أَوْ مَالٍ لِرَجُلٍ غَيْرَ صَدَقَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ تُقَسَّمُ صَدَقَاتُهُمْ عَلَى مَنْ اسْتَسْلَفَ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ سُهْمَانِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مِثْلَ مَا أَخَذَ لَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اسْتَسْلَفَ لَهُمْ فَهَلَكَ السَّلَفُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَقَدْ فَرَّطَ، أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُمْ فِي مَالِهِ وَلَيْسَ كَوَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يَأْخُذُ لَهُ فِيمَا لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ قَدْ يَكُونُونَ أَهْلَ رُشْدٍ مِثْلَهُ وَأَرْشَدَ، وَلَا يَكُونُونَ أَهْلَ رُشْدٍ، وَيَكُونُ لَهُمْ وُلَاةٌ دُونَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلُ حَقٍّ لَهُمْ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَتَعْجِيلُ الْحَقِّ زِيَادَةٌ لَهُمْ بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ) : وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ثُمَّ يَقْضِيه مِنْ حَقِّ مَنْ اسْتَسْلَفَ لَهُ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ (قَالَ) : فَإِنْ اسْتَسْلَفَ، وَالٍ لِرَجُلٍ، أَوْ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ بَعِيرًا، أَوْ اثْنَيْنِ فَدَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمَا فَأَتْلَفَاهُ وَمَاتَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ مَا اسْتَسْلَفَ لَهُمَا مِنْ أَمْوَالِهِمَا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَبْلُغَا الْحَوْلَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِي صَدَقَةٍ حَلَّتْ فِي حَوْلٍ لَمْ يَبْلُغَاهُ، وَلَوْ مَاتَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ كَانَا قَدْ اسْتَوْجَبَا الصَّدَقَةَ بِالْحَوْلِ، وَإِنْ أَبْطَأَ بِهَا عَنْهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ مَاتَا مُعْدَمَيْنِ ضَمِنَ الْوَالِي مَا اسْتَسْلَفَ لَهُمَا فِي مَالِهِ (قَالَ) : وَلَوْ لَمْ يَمُوتَا وَلَكِنَّهُمَا أَيْسَرَا قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنْ كَانَ يُسْرُهُمَا بِمَا دَفَعَ إلَيْهِمَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّمَا أَخَذَا حَقَّهُمَا وَبُورِكَ لَهُمَا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ يُسْرُهُمَا مِنْ غَيْرِ مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَخَذَ مِنْهُمَا مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَحَاطَ أَنَّ الْحَوْلَ لَمْ يَأْتِ إلَّا وَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ أَعْطَاهُمَا مَا لَيْسَ لَهُمَا وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمَا نَمَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَلَكَاهُ فَحَدَثَ النَّمَاءُ فِي مِلْكِهِمَا، وَإِنْ نَقَصَ مَا أَعْطَيَا مِنْ الصَّدَقَةِ أَخَذَهُ رَبُّهُ نَاقِصًا وَأَعْطَى أَهْلَ السُّهْمَانِ تَامًّا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُعْطَى؛ لِأَنَّهُ أُعْطِيَهُ مُمَلَّكًا لَهُ (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ إنْ كَانَ أَعْطَاهُ غُرْمُهُ، أَوْ عَلَى الْمُصَدِّقِ إنْ كَانَ أَعْطَاهُ كَانَ يَجِدُ مَذْهَبًا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْأَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ أُعْطِيَهُ مُمَلَّكًا لَهُ عَلَى مَعْنًى فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَدْ أَيْسَرَا ضَمِنَ الْوَالِي مَا اسْتَسْلَفَ لَهُمَا (قَالَ) : وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَيُّ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ اسْتَسْلَفَ (قَالَ) : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَالِي اسْتَسْلَفَ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْئًا وَلَكِنَّ رَبَّ الْمَالِ تَطَوَّعَ وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً قَبْلَ الْحَوْلِ فَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ أَعْطَاهُمْ إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ

باب النية في إخراج الزكاة

السُّهْمَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا بِغَيْرِ ثَوَابٍ وَمَضَى عَطَاؤُهُ بِالْقَبْضِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَعْطَاهَا رَجُلًا فَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي وَفِي يَدَيْ رَبِّ الْمَالِ مَالٌ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ لِتَطَوُّعِهِ بِإِعْطَائِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَمَا أَعْطَى كَمَا تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى أَيْسَرَ الَّذِي أَعْطَاهُ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى زَكَاتَهُ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ مَنْ لَا يَسْتَوْجِبُهُ يَوْمَ تَحِلُّ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ تَحِلُّ أَنْ يُعْطِيَهَا قَوْمًا بِصِفَةٍ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ وَاَلَّذِي عَجَّلَهُ إيَّاهَا مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَهَذَا يُعْطِيهَا قَوْمًا بِصِفَةٍ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ وَاَلَّذِي عَجَّلَهُ إيَّاهَا مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ بِعَيْنِهِ فَيُعَجِّلُهُ إيَّاهُ، وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِمَا أَعْطَاهُ لَا بِغَيْرِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ زَكَاتِهِ (قَالَ) : وَلَوْ مَاتَ الَّذِي عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ قَامَ وَرَثَتُهُ فِيمَا عَجَّلَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ مَقَامَهُ فَأَجْزَأَ عَمَّا وَرِثُوا مِنْ مَالِهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا أَجْزَأَ عَنْهُ وَلَمْ يُجْزِ عَنْهُمْ مَا لَمْ يُجْزِ عَنْهُ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَأَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ: إنْ أَفَدْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَهَذِهِ زَكَاتُهَا، أَوْ شَاةً فَقَالَ إنْ: أَفَدْت أَرْبَعِينَ شَاةً فَهَذِهِ صَدَقَتُهَا وَدَفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا ثُمَّ أَفَادَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مَا أَخْرَجَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَالْغَنَمِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِلَا سَبَبِ مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَيَكُونُ قَدْ عَجَّلَ شَيْئًا عَلَيْهِ إنْ حَالَ عَلَيْهِ فِيهِ حَوْلٌ فَيُجْزِي عَنْهُ مَا أَعْطَاهُ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ تَصَدَّقَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ فَقَالَ: إنْ حَنِثْت فِي يَمِينٍ فَهَذِهِ كَفَّارَتُهَا فَحَنِثَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَلَفَ، وَلَوْ حَلَفَ ثُمَّ كَفَّرَ لِلْحِنْثِ ثُمَّ حَنِثَ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا؟ قُلْت: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} [الأحزاب: 28] فَبَدَأَ بِالْمَتَاعِ قَبْلَ السَّرَاحِ، وَفِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ» (قَالَ) : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِفُونَ فَيُكَفِّرُونَ قَبْل أَنْ يَحْنَثُوا (قَالَ) : وَقَدْ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَدْرِي أَيَثْبُتُ، أَمْ لَا؟ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَلَّفَ صَدَقَةَ مَالِ الْعَبَّاسِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ. [بَابُ النِّيَّةِ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَمَّا كَانَ فِي الصَّدَقَةِ فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ تُجْزِيَ

عَنْ رَجُلٍ زَكَاةٌ يَتَوَلَّى قَسْمَهَا إلَّا بِنِيَّةِ أَنَّهُ فَرْضٌ، وَإِذَا نَوَى بِهِ الْفَرْضَ وَكَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَدَّى خَمْسَةَ دَرَاهِمَ يَنْوِي بِهَا الزَّكَاةَ عَنْهَا كُلِّهَا، أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ يَنْوِي بِهَا مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى بِهَا نِيَّةَ زَكَاةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَدَّى خَمْسَةَ دَرَاهِمَ لَا يَحْضُرُهُ فِيهَا نِيَّةُ زَكَاةٍ ثُمَّ نَوَى بَعْدَ أَدَائِهَا أَنَّهَا مِمَّا تَجِبُ عَلَيْهِ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا بِلَا نِيَّةِ فَرْضٍ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَدَّى دِينَارًا عَنْ الْأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صِنْفٍ فَأَدَّى غَيْرَهُ بِقِيمَتِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ وَكَانَ الْأَوَّلُ لَهُ تَطَوُّعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَخْرَجَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذِهِ الْعَشَرَةُ مِنْ زَكَاتِهِ، أَوْ نَافِلَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا فَهِيَ نَافِلَةٌ فَكَانَ مَالُهُ الْغَائِبُ سَالِمًا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالنِّيَّةِ فِيهَا قَصْدَ فَرْضٍ خَالِصًا إنَّمَا جَعَلَهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْفَرْضِ، وَالنَّافِلَةِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ، أَوْ نَافِلَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْعَشَرَةُ الدَّرَاهِمُ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ إنْ كَانَ مَالُهُ سَالِمًا وَكَانَتْ لَهُ نَافِلَةً إنْ كَانَ مَالُهُ عَاطِبًا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ قَالَ: هَذِهِ الْعَشَرَةُ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا فَهِيَ نَافِلَةٌ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَأَعْطَاهُ إيَّاهَا عَنْ الْغَائِبِ يَنْوِيه هَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ الْغَائِبِ زَكَاةٌ فَمَا أَخْرَجَ نَافِلَةً لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَخْرَجَ رَجُلٌ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ غَائِبَةً عَنْهُ، أَوْ حَاضِرَةً عِنْدَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَهَلَكَتْ الْغَائِبَةُ، فَإِنْ كَانَ عَجَّلَ الْخَمْسَةَ عَنْ الْحَاضِرَةِ قَبْلَ حَوْلِهَا، أَوْ أَخْطَأَ حَوْلَهَا فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ تَمَّ فَأَخْرَجَهَا عَنْهَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ حَوْلُهَا فَهَلَكَتْ الْحَاضِرَةُ، أَوْ الْغَائِبَةُ قَبْلَ أَنْ تَجِبَ فِيهَا الزَّكَاةُ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْخَمْسَةَ دَرَاهِمَ لَهُ عَنْ مِائَتَيْنِ لَهُ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالنِّيَّةِ فِي أَدَائِهَا قَصْدَ مَالٍ لَهُ بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ النِّيَّةَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الدَّرَاهِمَ إلَى أَهْلِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ إلَى أَهْلِهَا وَأَخْرَجَهَا لِيَقْسِمَهَا فَهَلَكَ مَالُهُ كَانَ لَهُ حَبْسُ الدَّرَاهِمِ وَيَصْرِفُهَا إلَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْ الدَّرَاهِمِ غَيْرَهَا فَتُجْزِي عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقْبَضْ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ دَفَعَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ إلَى وَالِي الصَّدَقَةِ مُتَطَوِّعًا بِدَفْعِهَا فَأَنْفَذَهَا وَالِي الصَّدَقَةِ فَهِيَ تَطَوُّعٌ عَنْهُ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى وَالِي الصَّدَقَةِ إذَا أَنْفَذَهَا وَلَا أَنْ يَجْعَلَهَا بَعْدَ أَنْ نَفَذَتْ عَنْ غَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يُنْفِذْهَا حَتَّى هَلَكَ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ كَانَ عَلَى وَالِي الصَّدَقَةِ رَدَّهَا إلَيْهِ وَأَجْزَأَهُ هُوَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ غَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخْرَجَ رَجُلٌ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ هَذِهِ مِنْ زَكَاةِ مَالِي قَبْلَ مَحَلِّ الزَّكَاةِ، أَوْ بَعْدَهُ فَكَانَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الْخَمْسَةُ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الْخَمْسَةُ فَهِيَ نَافِلَةٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ فَأَدَّى رُبْعَ عُشْرِهِ وَرِقًا، أَوْ وَرِقٌ فَأَدَّى عَنْهُ ذَهَبًا لَمْ يُجْزِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ إلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَأَدَّى عَنْهَا نِصْفَ دِينَارٍ دَرَاهِمَ بِقِيمَتِهِ لَا يُجْزِي عَنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَّا ذَهَبًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ صِنْفٍ فِيهِ الصَّدَقَةُ بِعَيْنِهِ لَا يُجْزِيه أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ إلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لَا الْبَدَلَ عَنْهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا مَا يُؤَدِّي عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قُلْت لَا تُجْزِي الزَّكَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَالَهُ فَرْضًا وَنَافِلَةً فَلَمْ يُجْزِ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَى فَرْضًا إلَّا بِنِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ نَوَى فِي نَفْسِهِ، أَوْ تَكَلَّمَ بِأَنَّ مَا أَعْطَى فَرْضٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَجْعَلَ النِّيَّةَ فِي الزَّكَاةِ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ لِافْتِرَاقِ الزَّكَاةِ، وَالصَّلَاةِ فِي بَعْضِ حَالِهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجْزِي أَنَّهُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا وَيُجْزِيه أَنْ يَأْخُذَهَا الْوَالِي مِنْهُ بِلَا طِيبِ نَفْسِهِ فَتُجْزِي عَنْهُ، وَهَذَا لَا يُجْزِي فِي الصَّلَاةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخَذَ الْوَالِي مِنْ رَجُلٍ زَكَاةً بِلَا نِيَّةٍ مِنْ الرَّجُلِ فِي دَفْعِهَا إلَيْهِ، أَوْ بِنِيَّةٍ طَائِعًا كَانَ الرَّجُلُ، أَوْ كَارِهًا وَلَا نِيَّةَ لِلْوَالِي الْآخِذِ لَهَا فِي أَخْذِهَا مِنْ صَاحِبِ الزَّكَاةِ، أَوْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ تُجْزِي عَنْهُ كَمَا يُجْزِي فِي الْقَسْمِ لَهَا أَنْ

باب ما يسقط الصدقة عن الماشية

يُقْسِمَهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ السُّلْطَانُ وَلَا يُقْسِمُهَا بِنَفْسِهِ كَمَا يُؤَدِّي الْعَمَلَ عَنْ بَدَنِهِ بِنَفْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَلَّى الرَّجُلُ قِسْمَتَهَا عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَدَائِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَفَادَ الرَّجُلُ مَاشِيَةً فَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ حَتَّى جَاءَهُ السَّاعِي فَتَطَوَّعَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ صَدَقَتَهَا كَانَ لِلسَّاعِي قَبُولُهَا مِنْهُ، وَإِذَا قَالَ: خُذْهَا لِتَحْبِسَهَا إذَا حَالَ الْحَوْلُ جَازَ ذَلِكَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي أَنْ يَحْبِسَهَا إذًا وَحَال الْحَوْلُ فَقَسَمَهَا ثُمَّ مُوِّتَتْ مَاشِيَتُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُ، فَإِنْ وُلِّيَ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُ السَّاعِي مِنْ سُهْمَانِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ الَّتِي قَبَضَهَا السَّاعِي مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّ الْحَوْلَ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا فَقَسَّمَهَا السَّاعِي ثُمَّ مُوِّتَتْ غَنَمُ الدَّافِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّاعِي بِشَيْءٍ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِمَا دَفَعَ (قَالَ) : وَإِذَا تَطَوَّعَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَةَ مَاشِيَتِهِ فَأُخِذَتْ وَهِيَ مِائَتَانِ فِيهَا شَاتَانِ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقَدْ زَادَتْ شَاةً أُخِذَتْ مِنْهَا شَاةٌ ثَالِثَةٌ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ تَقْدِيمُهُ الشَّاتَيْنِ الْحَقَّ عَلَيْهِ فِي الشَّاةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْهَا شَاتَانِ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا شَاةٌ رُدَّتْ عَلَيْهِ شَاةٌ. [بَابُ مَا يُسْقِطُ الصَّدَقَةُ عَنْ الْمَاشِيَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا» ، فَإِذَا كَانَ هَذَا يَثْبُتُ فَلَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْمَاشِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَيْسَ فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِثْلُهَا الْغَنَمُ تُعْلَفُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَبِينُ لِي أَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَكُونَ سَائِمَةً وَالسَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ (قَالَ) : وَذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ فِيهَا أَمْرَانِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُؤْنَةُ الْعَلَفِ وَيَكُونَ لَهَا نَمَاءُ الرَّعْيِ فَأَمَّا إنْ عُلِفَتْ فَالْعَلَفُ مُؤْنَةٌ تُحِيطُ بِكُلِّ فَضْلٍ لَهَا، أَوْ تَزِيدُ، أَوْ تُقَارِبُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ كَانَتْ النَّوَاضِحُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خُلَفَائِهِ فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْهَا صَدَقَةً وَلَا أَحَدًا مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ قَدْ كَانَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ الْخُمُسُ وَأَكْثَرُ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْت عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا» ، وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي السَّائِمَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْغَنَمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَوَاضِحُ، أَوْ بَقَرُ حَرْثٍ، أَوْ إبِلُ حُمُولَةٍ، فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، وَإِنْ بَطَلَتْ كَثِيرًا مِنْ السَّنَةِ وَرَعَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ السَّائِمَةِ، وَالسَّائِمَةُ مَا كَانَ رَاعِيًا دَهْرَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْعَوَامِلُ تَرْعَى مَرَّةً وَتُرْكَبُ أُخْرَى، أَوْ زَمَانًا وَتُرْكَبُ فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَنْضَحْ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ غَنَمًا هَكَذَا تُعْلَفُ فِي حِينٍ وَتَرْعَى فِي آخَرَ فَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ صَدَقَةٌ وَلَا آخُذُهَا مِنْ مَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِي أَدَّيْت عَنْهَا الصَّدَقَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتَرْت لِمَنْ هِيَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.

باب المبادلة بالماشية

[بَابُ الْمُبَادَلَةِ بِالْمَاشِيَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مَاشِيَةٌ مِنْ إبِلٍ فَبَادَلَ بِهَا إلَى بَقَرٍ، أَوْ إبِلٍ بِصِنْفٍ مِنْ هَذَا صِنْفًا غَيْرَهُ، أَوْ بَادَلَ مَعْزًى بِبَقَرٍ، أَوْ إبِلًا بِبَقَرٍ، أَوْ بَاعَهَا بِمَالٍ عَرَضٍ، أَوْ نَقْدٍ فَكُلُّ هَذَا سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُبَادَلَتُهُ بِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى وَلَا الثَّانِيَةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَى الثَّانِيَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ بَادَلَ بِاَلَّتِي مَلَكَ آخَرُ قَبْلَ الْحَوْلِ إلَى مَاشِيَةٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةٌ، وَأَكْرَهُ هَذَا لَهُ إنْ كَانَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا يُوجِبُ الْفِرَارُ الصَّدَقَةَ إنَّمَا يُوجِبُهَا الْحَوْلُ، وَالْمِلْكُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَادَلَ بِهَا بَعْدَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، أَوْ بَاعَهَا فَفِي الَّتِي حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قُدُومِ الْمُصَدِّقِ، أَوْ بَعْدَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَادَلَ بِهَا، أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَفِي عَقْدِ بَيْعِهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ مُبْتَاعَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ الصَّدَقَةِ نَقْصٌ مِمَّا بِيعَ، أَوْ يُجِيزُ الْبَيْعَ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رَبُّ الْمَالِ الْبَائِعَ الْمُصَدِّقَ مَا وَجَبَ فِيهَا مِنْ مَاشِيَةٍ غَيْرِهَا فَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا الْمُبَادِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ الْبَيْعِ شَيْءٌ (قَالَ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا يَمْلِكُ وَمَا لَا يَمْلِكُ، فَلَا نُجِيزُهُ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَا فِيهَا بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَادَلَ بِغَنَمٍ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ إلَى غَنَمٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَحَالَ حَوْلُهَا فِي يَدِ الْمُبَادِلِ الْآخَرِ بِهَا ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهَا عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَ الْمُبَادَلَةِ فَكَانَ رَدُّهُ إيَّاهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ بَعْدَهُ سَوَاءً وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عَلَى مَالِكِهَا الْآخَرِ بِالْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا وَلَا عَلَى الْمَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بَادَلَ بِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَخَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَيَسْتَأْنِفُ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا بِخِيَارِ الْمُبَادِلِ بِهَا الَّذِي رَدَّهَا بِالْعَيْبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَادَلَ بِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي لَهَا بِالْبَدَلِ، أَوْ النَّقْدِ فَأَقَامَتْ فِي يَدِهِ حَوْلًا، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا فَأَقَامَتْ فِي مِلْكِهِ حَوْلًا ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ مِنْهَا، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا نَاقِصَةً عَمَّا أَخَذَهَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْعَيْبِ مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَقَالَهُ فِيهَا رَبُّهَا الْأَوَّلُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهَا أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ رَبِّهَا الثَّانِي الَّذِي حَالَ عَلَيْهَا فِي يَدِهِ حَوْلٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَادَلَ رَجُلٌ بِأَرْبَعِينَ شَاةً وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ فِي يَدِهِ إلَى أَرْبَعِينَ شَاةً لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ فِي يَدِ صَاحِبِهِ مُبَادَلَةً صَحِيحَةً لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَوْلٌ، وَهِيَ فِي يَدِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَكَانَتْ الْمُبَادَلَةُ فَاسِدَةً كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكًا غَنَمَهُ الَّتِي بَادَلَ بِهَا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بِالْمُبَادَلَةِ الْفَاسِدَةِ وَلَا الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مَاشِيَتَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ بَادَلَ بِهَا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلُ الْبَائِعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ فِي يَدِهِ ثُمَّ اخْتَارَ الْبَائِعُ رَدَّ الْبَيْعِ كَانَتْ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَوْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ بَعْدَ حَوْلِهَا وَجَبَتْ أَيْضًا عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ. [بَابُ الرَّجُلِ يَصْدُقُ امْرَأَةً] ً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَصْدَقَ رَجُلٌ امْرَأَةً أَرْبَعِينَ شَاةً بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا، أَوْ قَالَ: أَرْبَعِينَ شَاةً فِي غَنَمِي هَذِهِ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا وَلَمْ يُقْبِضْهَا إيَّاهَا فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهَا مِنْ مَاشِيَتِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ أَمَّا الْأُولَى فَعَلَيْهِ

باب رهن الماشية

أَرْبَعُونَ شَاةً بِصِفَةٍ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَوْ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا بِأَعْيَانِهَا فَأَقْبَضَهَا إيَّاهَا، أَوْ لَمْ يُقْبِضْهَا إيَّاهَا فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فَبِهَا (قَالَ) : وَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَهِيَ فِي مِلْكِهَا قَبَضَتْهَا، أَوْ لَمْ تَقْبِضْهَا فَأَدَّتْ زَكَاتَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْغَنَمِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أَخَذَتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهَا، وَقَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدِهَا أُخِذَتْ مِنْهَا الشَّاةُ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْغَنَمِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أُخْرِجَتْ مِنْ زَكَاتِهَا، وَلَوْ أَدَّتْ عَنْهَا شَاةً مِنْ غَيْرِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهَا سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا شَيْءٌ فِي يَدِهَا إذَا كَانَتْ الْغَنَمُ بِحَالِهَا يَوْمَ قَبَضَتْهَا مِنْهُ، أَوْ أَصْدَقَهَا إيَّاهُ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا فِيهَا شَاةٌ فَلَمْ تُخْرِجْهَا حَتَّى أَدَّتْ نِصْفَهَا إلَيْهِ حِينَ طَلَّقَهَا أَخْرَجَتْ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهَا شَاةً، فَإِنْ كَانَتْ اسْتَهْلَكَتْ مَا فِي يَدِهَا مِنْهَا أُخِذَ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ زَوْجِهَا وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ الَّتِي نَكَحَ بِهَذِهِ الْغَنَمِ بِأَعْيَانِهَا أَمَةً، أَوْ مُدَبَّرَةً؛ لِأَنَّ سَيِّدَهَا مَالِكٌ مَا مَلَكَتْ، وَلَوْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِيهَا صَدَقَةٌ (قَالَ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ الَّتِي فَرِيضَتُهَا مِنْهَا، فَأَمَّا الْإِبِلُ الَّتِي فَرِيضَتُهَا مِنْ الْغَنَمِ فَتُخَالِفُهَا فِيمَا وَصَفْت، وَفِي أَنْ يَصْدُقَهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَلَا يَكُونُ عِنْدَهَا شَاةٌ وَلَا مَا تَشْتَرِي شَاةً فَيُبَاعُ مِنْهَا بَعِيرٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِهِ شَاةٌ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَعِيرَيْنِ وَنِصْفٍ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (قَالَ) : وَهَكَذَا الدَّرَاهِمُ يَبِيعُهَا بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، وَالدَّنَانِيرُ يَبِيعُهَا بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ لَا يَخْتَلِفُ، لَا زَكَاةَ فِي الْبَيْعَيْنِ فِيهِمَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ. [بَابُ رَهْنِ الْمَاشِيَةِ] ِ (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ فَلَمْ يُخْرِجْ صَدَقَتَهَا حَتَّى رَهَنَهَا أُخِذَتْ مِنْهَا الصَّدَقَةُ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ، وَالْغَنَمُ الَّتِي فَرِيضَتُهَا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ بَاعَ الرَّاهِنَ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ هَذِهِ الْمَاشِيَةَ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ شَيْئًا قَدْ وَجَبَ لِغَيْرِهِ بَعْضُهُ فَكَانَ كَمَنْ رَهَنَ شَيْئًا لَهُ وَشَيْئًا لَيْسَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ عَنْهَا الشَّاةَ مِنْ غَيْرِهَا كَانَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، وَكَانَ كَمَنْ بَاعَ شَيْئًا لَهُ وَشَيْئًا لَيْسَ لَهُ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كَانَ رَهْنًا لَا يُمْلَكُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَرَهَنَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي إبِلٍ لَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ أُخِذَتْ مِنْ الْغَنَمِ صَدَقَةُ الْمَغْنَمِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا صَدَقَةُ الْإِبِلِ وَبِيعَ مِنْ الْإِبِلِ فَاشْتَرَى مِنْهَا صَدَقَتَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْغَنَمِ شَيْءٌ مِنْ صَدَقَتِهَا عَامَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ فِيهَا أُخِذَتْ مِنْهَا صَدَقَةُ مَا مَضَى وَكَانَ مَا بَقِيَ رَهْنًا (قَالَ) : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ غَيْرَهَا وَجَبَتْ فِيهَا زَكَاةٌ فَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى اُسْتُهْلِكَ الْغَنَمُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ غَنَمِهِ الْمَرْهُونَةِ زَكَاةُ الْغَنَمِ غَيْرُهَا وَأَخَذَ بِأَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْغَنَمِ غَيْرَهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وَفَلْسٌ فَيُبَاعُ الْغَنَمُ الرَّهْنُ، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا فَضْلٌ بَعْدَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أُخِذَتْ زَكَاةُ الْغَنَمِ غَيْرَهَا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهَا فَضْلٌ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ مَتَى أَيْسَرَ أَدَّاهُ وَصَاحِبُ الرَّهْنِ أَحَقُّ بِرَهْنِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فَاسِدًا فِي جَمِيعِ السَّائِلِ كَانَ كَمَالٍ لَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ لَا يُخَالِفُهُ فِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الصَّدَقَةُ الَّتِي فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ فَيَأْخُذُ غُرَمَاؤُهُ مَعَ الْمُرْتَهِنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ إبِلًا فَرِيضَتُهَا الْغَنَمُ قَدْ حَلَّتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَلَمْ يُؤَدِّهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا فَرَهَنَهَا بَعْدَمَا حَلَّتْ الصَّدَقَةُ فِيهَا فَلَمْ يُؤَدِّهَا أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ رَهَنَهَا قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فِيهَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ حَلَّتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُفْلِسًا وَتُبَاعُ الْإِبِلُ فَيَأْخُذُ صَاحِبُ

باب الدين في الماشية

الرَّهْنِ حَقَّهُ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلٌ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ وَإِلَّا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ مَتَى أَيْسَرَ أَدَّاهُ وَغُرَمَاؤُهُ يُحَاصُّونَ أَهْلَ الصَّدَقَةِ مِنْ بَعْدِ مَا يَقْضِي الْمُرْتَهِنُ رَهْنَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ نَفْسَ الْإِبِلِ مُرْتَهِنَةٌ مِنْ الْأَصْلِ بِمَا فِيهَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَمَتَى حَلَّتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ بِيعَتْ فِيهَا عَلَى مَالِكِهَا وَمُرْتَهِنِهَا فَكَانَ لِمُرْتَهِنِهَا الْفَضْلُ عَنْ الصَّدَقَةِ فِيهَا. وَبِهَذَا أَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رُهِنَتْ الْمَاشِيَةُ فَنَتَجَتْ فَالنِّتَاجُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يُبَاعُ مَا خُضَّ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا الرَّاهِنُ، فَإِذَا وَضَعَتْ بِيعَتْ الْأُمُّ فِي الرَّهْنِ دُونَ الْوَلَدِ. [بَابُ الدَّيْنِ فِي الْمَاشِيَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مَاشِيَةٌ فَاسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا أَجِيرًا فِي مَصْلَحَتِهَا بِسِنٍّ مَوْصُوفَةٍ، أَوْ بِبَعِيرٍ مِنْهَا لَمْ يُسَمِّهِ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ وَلَمْ يَدْفَعْ مِنْهَا فِي إجَارَتِهَا شَيْءٌ فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ وَقُضِيَ دَيْنُهُ مِنْهَا وَمِمَّا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بِبَعِيرٍ مِنْهَا، أَوْ أَبْعِرَةٍ مِنْهَا بِأَعْيَانِهَا فَالْأَبْعِرَةُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْهُ فَكَانَتْ فِيهَا زَكَاةٌ زَكَّاهَا، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْهُ فَهِيَ إبِلُهُ، وَهُوَ خَلِيطٌ بِهَا يَصْدُقُ مَعَ رَبِّ الْمَالِ الَّذِي فِيهَا، وَفِي الْحَرْثِ، وَالْوَرِقِ، وَالذَّهَبِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ فِيهَا كُلُّهَا سَوَاءٌ. [بَابُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَقَالَ: " وَهَلْ فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ؟ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَا زَكَاةَ فِي خَيْلٍ بِنَفْسِهَا وَلَا فِي شَيْءٍ فِي الْمَاشِيَةِ عَدَا الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ بِدَلَالَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا صَدَقَةَ فِي الْخَيْلِ فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الصَّدَقَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ غَيْرَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَاشِيَةِ، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ لِلتِّجَارَةِ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَالشِّرَاءِ لَهَا، لَا بِأَنَّهُ نَفْسَهُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. [بَابُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى كُلِّ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَعْتُوهًا، أَوْ امْرَأَةً لَا افْتِرَاقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ كَمَا يَجِبُ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا لَزِمَ مَالَهُ بِوَجْهٍ مِنْ

باب الزكاة في أموال اليتامى

الْوُجُوهِ جِنَايَةٌ، أَوْ مِيرَاثٌ مِنْهُ، أَوْ نَفَقَةٌ عَلَى وَالِدِيهِ، أَوْ وَلَدٍ زَمِنٍ مُحْتَاجٍ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاشِيَةِ، وَالزَّرْعِ، وَالنَّاضِّ، وَالتِّجَارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ لَا يَخْتَلِفُ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ لِعَبْدٍ مَاشِيَةٌ وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ وَضُمَّتْ إلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ حَيْثُ كَانَ مِلْكُ مَوْلَاهُ وَهَكَذَا غَنَمُ الْمُدَبَّرِ وَأُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ كَافِرًا، أَوْ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلسَّيِّدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا مَالُ الْمُكَاتَبِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهُ مَا كَانَ مُكَاتَبًا لِمَا يَمْلِكُهُ مَوْلَاهُ إلَّا أَنْ يُعْجِزَهُ، وَإِنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ غَيْرُ تَامٍّ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ هِبَتُهُ وَلَا أَجْبَرَهُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ أَجْبَرَ الْحُرَّ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَلَدِ، وَالْوَالِدِ، وَإِذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ فَمَالُهُ كَمَالٍ اسْتَفَادَهُ مِنْ سَاعَتِهِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ عِتْقِ صَدْقِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ فَمَالُهُ كَمَالٍ اسْتَفَادَهُ سَيِّدُهُ مِنْ مَتَاعِهِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ حَوْلُ صَدْقِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَمَّ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهَرَبَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ عَتِهَ، أَوْ حُبِسَ لِيُسْتَتَابَ، أَوْ يُقْتَلَ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَمُوتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَيَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ لَهُمْ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ لَهُ فَلَا تُسْقِطُ الرِّدَّةُ عَنْهُ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ حَتَّى يُنْظَرَ، فَإِنْ أَسْلَمَ تَمَلَّكَ مَالَهُ وَأُخِذَتْ زَكَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مُشْرِكٍ مَغْنُومٌ، فَإِذَا صَارَ لِإِنْسَانٍ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ كَالْفَائِدَةِ وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ يُزَكِّيه، وَلَوْ أَقَامَ فِي رِدَّتِهِ زَمَانًا كَانَ كَمَا وَصَفْت، إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ أُخِذَتْ مِنْهُ صَدَقَةُ مَالِهِ وَلَيْسَ كَالذِّمِّيِّ الْمَمْنُوعِ الْمَالِ بِالْحُرِّيَّةِ وَلَا الْمُحَارِبِ وَلَا الْمُشْرِكِ غَيْرِ الذِّمِّيِّ الَّذِي لَمْ تَجِبْ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ قَطُّ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَتَلْنَاهُ، وَأَنَّا نَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ بِأَنْ نُلْزِمَهُ، فَإِنْ قَالَ: فَهُوَ لَا يُؤْجَرُ عَلَى الزَّكَاةِ، قِيلَ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا وَلَا غَيْرِهَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ الَّتِي تَلْزَمُهُ وَيُحْبَطُ أَجْرُ عَمَلِهِ فِيمَا أَدَّى مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ، وَكَذَلِكَ لَا يُؤْجَرُ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ الدَّيْنُ مِنْهُ فَهُوَ يُؤْخَذُ. [بَابُ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: النَّاسُ عَبِيدُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَمَلَّكَهُمْ مَا شَاءَ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيمَا مَلَّكَهُمْ مَا شَاءَ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] . فَكَانَ فِيمَا آتَاهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا جَعَلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ،

وَكُلٌّ أَنْعَمَ فِيهِ عَلَيْهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَكَانَ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيمَا مَلَّكَهُمْ زَكَاةً أَبَانَ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا لِغَيْرِهِمْ فِي وَقْتٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ حَلَالًا لَهُمْ مِلْكُ الْمَالِ وَحَرَامًا عَلَيْهِمْ حَبْسُ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا غَيْرَهُمْ فِي وَقْتٍ كَمَا مَلَّكَهُمْ أَمْوَالَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ فَكَانَ بَيِّنًا فِيمَا وَصَفْت، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103] أَنَّ كُلَّ مَالِكٍ تَامَّ الْمِلْكِ مِنْ حُرٍّ لَهُ مَالٌ فِيهِ زَكَاةٌ سَوَاءٌ فِي أَنَّ عَلَيْهِ فَرْضَ الزَّكَاةِ بَالِغًا كَانَ، أَوْ صَحِيحًا، أَوْ مَعْتُوهًا، أَوْ صَبِيًّا؛ لِأَنَّ كُلًّا مَالِكٌ مَا يَمْلِكُ صَاحِبُهُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ فِي مِلْكِهِ مَا يَجِبُ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَعْتُوهِ الزَّكَاةَ عَنْ الْأَحَادِيثِ كَمَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ، وَالْمَعْتُوهَ نَفَقَةُ مَنْ تَلْزَمُ الصَّحِيحَ الْبَالِغَ نَفَقَتُهُ وَيَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمَا جِنَايَتُهُمَا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ كَمَا يَكُونُ فِي مَالِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ لِغَيْرِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَوَاءٌ كُلُّ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ نَاضٍّ وَمَاشِيَةٍ وَزَرْعٍ وَغَيْرِهِ، فَمَا وَجَبَ عَلَى الْكَبِيرِ الْبَالِغِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَجَبَ عَلَى الصَّغِيرِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالْمَعْتُوهُ وَكُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ابْتَغَوْا فِي مَالِ الْيَتِيمِ، أَوْ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى حَتَّى لَا تُذْهِبَهَا، أَوْ لَا تَسْتَهْلِكَهَا الصَّدَقَةُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ: إنَّ عِنْدنَا مَالَ يَتِيمٍ قَدْ أَسْرَعْت فِيهِ الزَّكَاةَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلِينِي أَنَا وَأَخَوَيْنِ لِي يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِهَا، فَكَانَتْ تُخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ. بَابُ زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ الثَّانِي أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا فِي مَالِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فَلَمْ يَخُصَّ مَالًا دُونَ مَالٍ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا كَانَتْ لِيَتِيمٍ ذَهَبٌ، أَوْ وَرِقٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَذَهَبَ إلَى أَنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَقَالَ: كَيْف يَكُونُ عَلَى يَتِيمٍ صَغِيرٍ فَرْضُ الزَّكَاةِ، وَالصَّلَاةُ عَنْهُ سَاقِطَةٌ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْفَرَائِضِ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ فَلَا يُحَدُّ وَيَكْفُرُ فَلَا يُقْتَلُ؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» ثُمَّ ذَكَرَ «، وَالصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: إنْ كَانَ مَا احْتَجَجْت عَلَى مَا احْتَجَجْت فَأَنْتَ تَارِكٌ مَوَاضِعَ الْحُجَّةِ؛ قَالَ: وَأَيْنَ قُلْت زَعَمْت أَنَّ الْمَاشِيَةَ، وَالزَّرْعَ إذَا كَانَا لِيَتِيمٍ كَانَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ؟ فَإِنْ زَعَمْت أَنْ لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ فَقَدْ أَخَذْتهَا فِي بَعْضِ مَالِهِ وَلَعَلَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ وَظَلَمْته فَأَخَذَتْ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ فِي مَالِهِ الزَّكَاةَ فَقَدْ تَرَكْت زَكَاةَ ذَهَبِهِ وَوَرِقِهِ أَرَأَيْت لَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذَا فَقَالَ: آخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ ذَهَبِهِ وَوَرِقِهِ وَلَا آخُذُهَا مِنْ مَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ، هَلْ كَانَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ مَالِهِ، أَوْ يَكُونُ خَارِجًا مِنْهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ فَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ الزَّكَاةُ؟ أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمْت أَنَّ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فَكَيْفَ أَخْرَجْته مَرَّةً مِنْ زَكَاةٍ وَأَدْخَلْته فِي أُخْرَى؟ أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمْت أَنَّهُ لَا فَرْضَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَذَهَبْت إلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ تَثْبُتُ مَعًا وَتَزُولُ مَعًا، وَأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالْفَرَائِضِ هُمْ

الْبَالِغُونَ، وَأَنَّ الْفَرَائِض كُلَّهَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ يَثْبُتُ بَعْضُهَا بِثُبُوتِ بَعْضٍ وَيَزُولُ بَعْضُهَا بِزَوَالِ بَعْضٍ حَتَّى فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ زَعَمْت أَنَّ الصَّغِيرَةَ دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى فَرْضِ الْعِدَّةِ، وَهِيَ رَضِيعٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ رَأَيْت إذْ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةَ فَسَنّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعَاقِلَةِ بِجِنَايَةِ الْقَاتِلِ خَطَأً كَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا قَتَلَ إنْسَانًا كَانَتْ فِيهِ دِيَةٌ وَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الصَّبِيَّ فِي كُلِّ مَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ وَحُرٍّ مِنْ جِنَايَةٍ لَهَا أَرْشٌ، أَوْ أَفْسَدَ لَهُ مِنْ مَتَاعٍ، أَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ كَمَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْكَبِيرِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْت أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى فَرَائِضَ خَارِجٌ مِنْ فَرَائِضِ غَيْرِهَا؟ أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمْت أَنَّ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ إذَا كَانَتَا مَفْرُوضَتَيْنِ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ أَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ فَرْضِ الزَّكَاةِ؟ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ فَرْضِ الزَّكَاةِ أَيَكُونُ خَارِجًا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ؟ أَوْ رَأَيْت إنْ كَانَ ذَا مَالٍ فَيُسَافِرُ أَفَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ عَدَدِ الْحَضَرِ؟ أَفَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ عَدَدِ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الصَّلَاةِ؟ أَرَأَيْت لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَنَةً أَلَيْسَ تَكُونُ الصَّلَاةُ عَنْهُ مَرْفُوعَةً أَفَتَكُونُ الزَّكَاةُ عَنْهُ مَرْفُوعَةً مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ تَحِيضُ عَشَرًا وَتَطْهُرُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَتَحِيضُ عَشَرًا أَلَيْسَ تَكُونُ الصَّلَاةُ عَنْهَا مَرْفُوعَةً فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا؟ وَأَمَّا الزَّكَاةُ عَلَيْهَا فِي الْحَوْلِ أَفَيُرْفَعُ عَنْهَا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي حَاضَتْهَا أَنْ تَحْسِبَ عَلَيْهَا فِي عَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هَكَذَا فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الصَّلَاةَ تَثْبُتُ حَيْثُ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ، وَأَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ رَأَيْت الْمُكَاتَبَ أَلَيْسَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ثَابِتَةً، وَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَك زَائِلَةً؟ فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ مِنْ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ وَغَيْرِ الْأَحْرَارِ، وَالصِّغَارِ مَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفَرْضِ دُونَ بَعْضٍ؟ قَالَ: فَإِنَّا رَوَيْنَا عَنْ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَمَّى نَفَرًا مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ لَنَا حُجَّةٌ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَلَا بِغَيْرِهِ مِمَّا لَعَلَّنَا سَنَذْكُرُهُ إلَّا مَا رَوَيْت كُنْت مَحْجُوجًا بِهِ قَالَ: وَأَيْنَ قُلْت زَعَمْت أَنَّ التَّابِعِينَ لَوْ قَالُوا كَانَ لَك خِلَافُهُمْ بِرَأْيِك فَكَيْفَ جَعَلَتْهُمْ حُجَّةً لَا تَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ كَمَا قُلْت فَتُخْطِئُ بِاحْتِجَاجِك بِمَنْ لَا حُجَّةَ لَك فِي قَوْلِهِ، أَوْ يَكُونُ فِي قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ فَتُخْطِئُ بِقَوْلِك لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَخِلَافُهُمْ إيَّاكَ كَثِيرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِذَا قِيلَ لَك: لِمَ خَالَفْتهمْ؟ قُلْت إنَّمَا الْحُجَّةُ فِي كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَوْلِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، أَوْ قِيَاسٍ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى بَعْضِ هَذَا ثُمَّ أَنْتَ تُخَالِفُ بَعْضَ مَا رَوَيْت عَنْ هَؤُلَاءِ. هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِيمَا رَوَيْت: لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ، وَأَنْتَ تَجْعَلُ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةً؟ قَالَ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ أَخُصُّ مَالَ الْيَتِيمِ، فَإِذَا بَلَغَ فَأُعْلِمُهُ بِمَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ قُلْنَا: وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْك لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا، هَذَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَمَرَ وَالِيَ الْيَتِيمِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ عَنْهُ زَكَاةً حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَنْوِي أَدَاءَهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِإِحْصَاءِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ وَعَدَدِ مَالِهِ إلَّا لِيُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَعَ أَنَّك تَزْعُمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا حُجَّةٌ بِمَا أَوْجَدْنَاك إلَّا أَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِك مِنْ أَنَّا لَا نُخَالِفُ الْوَاحِدَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ كَانَتْ لَنَا بِهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْك، وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَلِيَ بَنِي أَبِي رَافِعٍ أَيْتَامًا فَكَانَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَنَحْنُ نَرْوِيه عَنْهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ قَبْلَنَا يَقُولُونَ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ

باب العدد الذي إذا بلغه التمر وجبت فيه الصدقة

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ابْتَغَوْا فِي مَالِ الْيَتِيمِ لَا تَسْتَهْلِكُهُ الصَّدَقَةُ، أَوْ لَا تُذْهِبُهُ الصَّدَقَةُ» ، أَوْ قَالَ «فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا، أَوْ لَا تُذْهِبُهَا الزَّكَاةُ، أَوْ الصَّدَقَةُ» شَكَّ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَا جَمِيعًا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلِينِي وَأَخًا لِي يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِهَا فَكَانَتْ تُخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ " ابْتَغَوْا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَسْتَهْلِكُهَا الزَّكَاةُ " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُزَكِّي مَالَ الْيَتِيمِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ كُلُّهُمْ يُخْبِرُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تُزَكِّي أَمْوَالَنَا، وَإِنَّهُ لِيَتَّجِر بِهَا فِي الْبَحْرَيْنِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَتْ عِنْدَهُ أَمْوَالُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ فَكَانَ يُزَكِّيهَا كُلَّ عَامٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَأْخُذُ وَبِالِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» فَدَلَّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ خَمْسَ ذَوْدٍ وَخَمْسَ أَوَاقٍ وَخَمْسَةَ أَوْسُقٍ إذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ فِي الْمَالِ نَفْسِهِ، لَا فِي الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَعْوَزَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. [بَابُ الْعَدَدِ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ التَّمْرُ وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعَتْ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى الْمَازِنِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَلَيْسَ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَإِذَا كَانَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ خَبَرٍ وَاحِدٍ يُمَثِّلُهُ حَيْثُ كَانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَيْسَ فِي التَّمْرِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ، أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَلِكَ ثَلَثُمِائَةِ صَاعٍ بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخَلِيطَانِ فِي النَّخْلِ اللَّذَانِ لَمْ يُقَسَّمَا كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَاشِيَةِ يَصْدُقَانِ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ فَمَا وَجَبَتْ فِيهِ عَلَى الْوَاحِدِ صَدَقَةٌ وَجَبَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا كَانُوا شُرَكَاءَ فِي أَصْلِ النَّخْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا شُرَكَاءَ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ أَرْضُ صَدَقَةٍ مَوْقُوفَةً عَلَى جَمَاعَةٍ فَبَلَغَتْ ثَمَرَتُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا الصَّدَقَةُ، وَإِذَا وَرِثَ الْقَوْمُ النَّخْلَ، أَوْ مَلَكُوهَا أَيَّ مِلْكٍ كَانَ وَلَمْ يَقْتَسِمُوهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ فَبَلَغَتْ ثَمَرَتُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا

الصَّدَقَةُ، فَإِنْ اقْتَسَمُوهَا بَعْدَمَا حَلَّ بَيْعُ ثَمَرَتِهَا فِي وَقْتِ الْخَرْصِ قَسْمًا صَحِيحًا فَلَمْ يَصِرْ فِي نَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَفِي جَمَاعَتِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ كَانَ وَهُمْ شُرَكَاءَ فَلَا تَسْقُطُ الصَّدَقَةُ بِفَرْقِهَا بَعْدَ أَوَّلِ وُجُوبِهَا، وَإِذَا اقْتَسَمُوهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى تَبْلُغَ حِصَّتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَجَاذَبُوهَا بِغَيْرِ قَطْعٍ وَبِغَيْرِ قَسْمٍ لِأَصْلِ النَّخْلِ بِتَرَاضٍ مِنْهُمْ مَعًا، فَهُمْ شُرَكَاءُ بَعْدُ فَيُصْدِقُونَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ لَا تَجُوزُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً فَاقْتَسَمُوهَا فَالْقَسْمُ فِيهَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رَقَبَتَهَا وَتُصْدَقُ الثَّمَرَةُ صَدَقَةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ. وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلٌ بِأَرْضٍ وَأُخْرَى بِغَيْرِهَا بَعُدَتْ، أَوْ قَرُبَتْ فَأَثْمَرَتَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ضُمَّتْ إحْدَى الثَّمَرَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، فَإِذَا بَلَغَتَا مَعًا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا الصَّدَقَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ نَخْلٌ فَجَاءَتْ بِأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ وَكَانَتْ لَهُ نَخْلٌ أُخْرَى جَاءَتْ بِثَلَاثَةِ أَوْسُقٍ أَدَّى الصَّدَقَةَ عَنْ نَخْلِيه مَعًا؛ لِأَنَّ لَهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يُؤَدِّ شَرِيكُهُ الصَّدَقَةَ عَنْ نَخْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ، وَهَكَذَا هَذَا فِي الْمَاشِيَةِ، وَالزَّرْعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَثَمَرَةُ السَّنَةِ تَخْتَلِفُ فَتُثْمِرُ النَّخْلُ وَتَجِدُّ بِتِهَامَةَ، وَهِيَ بِنَجْدٍ بُسْرٌ وَبَلَحٌ فَيُضَمُّ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا أَثْمَرَتْ النَّخْلُ فِي سَنَةٍ ثُمَّ أَثْمَرَتْ فِي قَابِلٍ لَمْ يُضَمَّ إحْدَى الثَّمَرَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الزَّرْعِ كُلِّهِ مُسْتَأْخِرِهِ وَمُتَقَدِّمِهِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِبِلَادِ الْحَرِّ وَيَسْتَأْخِرُ بِبِلَادِ الْبَرْدِ، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ زَرْعٌ بِالْبَلَدَيْنِ مَعًا ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا زَرَعَ رَجُلٌ فِي سَنَةٍ زَرْعًا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَلَهُ زَرْعٌ آخَرُ، وَهُمَا إذَا ضُمَّا مَعًا كَانَتْ فِيهِمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَإِنْ كَانَ زَرْعُهُمَا وَحَصَادُهُمَا مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُمَا كَالزَّرْعِ الْوَاحِدِ، وَالثَّمَرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ كَانَ بَذْرُ أَحَدِهِمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ السَّنَةِ، أَوْ حَصَادُ الْأُخَرِ يَسْتَأْخِرُ عَنْ السَّنَةِ فَهُمَا زَرْعَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا يُضَمُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ نَخْلٌ مُخْتَلِفٌ، أَوْ وَاحِدٌ يَحْمِلُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حِمْلَيْنِ، أَوْ سَنَةً حِمْلَيْنِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَإِذَا كَانَ النَّخْلُ مُخْتَلِفَ الثَّمَرَةِ، ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ دَقْلُهُ وَبَرْدَيْهِ، وَالْوَسَطُ مِنْهُ وَتُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْوَسَطِ مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ الجعرور وَلَا مِعًى الْفَأْرَةِ وَلَا عِذْقَ ابْنِ حُبَيْقٍ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا تَمْرٌ رَدِيءٌ جِدًّا وَيُتْرَكُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ جَيِّدُ التَّمْرِ مِنْ الْبَرْدِيِّ الْكَبِيسِ وَغَيْرِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ وَسَطِ التَّمْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مِثْلُ الْغَنَمِ إذَا اخْتَلَفَتْ يُتْرَكُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الثَّنِيَّةِ، وَالْجَذَعَةِ لِرَبِّ الْمَالِ وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ مَا دُونَهَا وَتُؤْخَذُ الْجَذَعَةُ، وَالثَّنِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمَا وَسَطٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ الْغَنَمِ أَنَّهَا تَكُونُ أَسْنَانًا كَمَا الْأَغْلَبُ مِنْ التَّمْرِ أَنْ يَكُونَ أَلْوَانًا، فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ تَمْرٌ وَاحِدٌ بَرْدِيٌّ كُلُّهُ أُخِذَ مِنْ الْبَرْدِيِّ. وَإِنْ كَانَ جعرورا كُلَّهُ أُخِذَ مِنْ الجعرور، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ صِغَارٌ كُلُّهَا أَخَذَهَا مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ بَرْدِيٌّ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ بَرْدِيٌّ، وَصِنْفٌ

باب كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب

لَوْنٌ، أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّنْفَيْنِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْوَسَطُ إذَا اخْتَلَفَ التَّمْرُ وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُ، وَهُوَ يُخَالِفُ الْمَاشِيَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَصْنَافًا أَحْصَى كُلَّ صِنْفٍ مِنْهَا حَتَّى لَا يَشُكَّ فِيهِ وَعَرَضَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ صِنْفٍ مَا يَلْزَمُهُ أَخَذَ مِنْهُ. [بَابُ كَيْفَ تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ يُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَبِهَذَا نَأْخُذُ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ يَكُونُ لَهَا زَبِيبٌ، وَثِمَارُ الْحِجَازِ فِيمَا عَلِمْت كُلُّهَا تَكُونُ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَا أَعْرِفُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَرْصِ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَيْسَ لِأَهْلِهِ مَنْعَ الصَّدَقَةِ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ مَالِكُونَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ وَعُشْرُهُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ (قَالَ) : وَكَثِيرٌ مِنْ مَنْفَعَةِ أَهْلِهِ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ رُطَبًا وَعِنَبًا؛ لِأَنَّهُ أَغْلَى ثَمَنًا مِنْهُ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا، وَلَوْ مَنَعُوهُ رُطَبًا، أَوْ عِنَبًا لِيُؤْخَذَ عُشْرُهُ أَضَرَّ بِهِمْ، وَلَوْ تَرَكَ خَرْصَهُ ضَيَّعَ حَقَّ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ وَلَا يُحْصَى فَخَرَصَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لِلرِّفْقِ بِهِمْ، وَالِاحْتِيَاطِ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخَرْصُ إذَا حَلَّ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ حِينَ يَرَى فِي الْحَائِطِ الْحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، وَكَذَلِكَ حِينَ يَتَمَوَّهُ الْعِنَبُ وَيُوجَدُ فِيهِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ وَيَأْتِي الْخَارِصُ النَّخْلَةَ فَيَطُوفُ بِهَا حَتَّى يَرَى كُلَّ مَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ خَرْصُهَا رُطَبًا كَذَا وَيَنْقُصُ إذَا صَارَ تَمْرًا كَذَا يَقِيسُهَا عَلَى كَيْلِهَا تَمْرًا وَيَصْنَعُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الْحَائِطِ ثُمَّ يَحْمِلُ مَكِيلَتَهُ تَمْرًا وَهَكَذَا يَصْنَعُ بِالْعِنَبِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَ أَهْلِهِ وَبَيْنَهُ، فَإِذَا صَارَ زَبِيبًا وَتَمْرًا أَخَذَ الْعُشْرَ عَلَى مَا خَرَصَهُ تَمْرًا وَزَبِيبًا مِنْ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ذَكَرَ أَهْلُهُ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَذْهَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ أَذْهَبَتْهُ كُلَّهُ صُدِّقُوا فِيمَا ذَكَرُوا مِنْهُ، وَإِنْ اُتُّهِمُوا حَلَفُوا، وَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَخَذْنَا مِنْهُ شَيْئًا وَذَهَبَ شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ قِيلَ ادَّعُوا فِيمَا ذَهَبَ مَا شِئْتُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَدَّعُوا إلَّا مَا أَحَطْتُمْ بِهِ عِلْمًا وَاحْلِفُوا ثُمَّ يَأْخُذُ الْعُشْرَ مِنْهُمْ مِمَّا بَقِيَ إنْ كَانَ فِيهِ عُشْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ وَاسْتَهْلَكُوا عُشْرَهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ: قَالَ هَلَكَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا أَعْرِفُهُ قِيلَ لَهُ: إنْ ادَّعَيْت شَيْئًا وَحَلَفْت عَلَيْهِ طَرَحْنَا عَنْك مِنْ عُشْرِهِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ شَيْئًا تَعْرِفُهُ أَخَذْنَا مِنْك الْعُشْرَ عَلَى مَا خَرَصْنَا عَلَيْك (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَدْ أَحْصَيْت مَكِيلَةَ مَا أَخَذْت فَكَانَتْ مَكِيلَةُ مَا أَخَذْت كَذَا وَمَا بَقِيَ كَذَا، وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْخَرْصِ صُدِّقَ عَلَى مَا قَالَ وَأُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ، وَهُوَ فِيهَا أَمِينٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَدْ سُرِقَ مِنِّي شَيْءٌ لَا أَعْرِفُهُ لَمْ يَضْمَنْ مَا سُرِقَ وَأُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْهُ مِمَّا أَخَذَ وَبَقِيَ إذَا عَرَفَ مَا أُخِذَ وَمَا بَقِيَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَالَ قَدْ سُرِقَ بَعْد مَا صَيَّرَتْهُ إلَى الْجَرِينِ، فَإِنْ سُرِقَ بَعْدَمَا يَبِسَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْوَالِي، أَوْ إلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ فَقَدْ فَرَّطَ، وَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ، وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا يَابِسًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَى الْوَالِي، أَوْ يُقَسِّمُهُ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ إلَى أَهْلِ

السُّهْمَانِ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، فَإِنْ جَفَّ التَّمْرُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ وَلَا إلَى الْوَالِي لَمْ يَضْمَنْ مِنْهُ شَيْئًا وَأُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ مِمَّا اسْتَهْلَكَ هُوَ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ إنْ كَانَتْ فِيهِ صَدَقَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ بَعْضَ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَلَمْ يَجِدْ بَعْضًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ وَلَا إلَى الْوَالِي ضَمِنَ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ مَنْ وَجَدَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْهُ وَلَمْ يَضْمَنْ حَقَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ كُلُّهُ رُطَبًا، أَوْ بُسْرًا بَعْدَ الْخَرْصِ ضَمِنَ مَكِيلَةَ خَرْصِهِ تَمْرًا مِثْلَ وَسَطِ تَمْرِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ هُوَ، وَالْوَالِي فَقَالَ: وَسَطُ تَمْرِي كَذَا، فَإِنْ جَاءَ الْوَالِي بِبَيِّنَةٍ أَخَذَ مِنْهُ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَخَذَ مِنْهُ عَلَى مَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَقَلُّ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي هَذَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ شَيْئًا مِمَّا يَحْلِفُ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَصَابَ حَائِطَهُ عَطَشٌ فَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ الثَّمَرَةَ فِيهِ أَضَرَّتْ بِالنَّخْلِ، وَإِنْ قَطَعَهَا بَعْدَمَا يَخْرُصُ بَطَلَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ ثَمَنِهَا كَانَ لَهُ قَطْعُهَا وَيُؤْخَذُ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً فَيُقَسَّمُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ عُشْرَهَا إلَى الْوَالِي وَلَا إلَى السُّهْمَانِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَقْطُوعًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قَطَعَ مِنْ ثَمَرِ نَخْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ عُشْرٌ وَأَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَطَعَ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، أَوْ يَطْعَمُهُ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ لَهُ مِنْ قَطْعِ الطَّلْعِ إلَّا مَا أَكَلَ، أَوْ أَطْعَمَ، أَوْ قَطَعَهُ تَخْفِيفًا عَنْ النَّخْلِ لِيَحْسُنَ حَمْلُهَا، فَأَمَّا مَا قَطَعَ مِنْ طَلْعِ الْفُحُولِ الَّتِي لَا تَكُونُ تَمْرًا فَلَا أَكْرَهُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ صَيَّرَ التَّمْرَ فِي الْجَرِينِ لِمُسْتَحِقِّهِ فَرَشَّ عَلَيْهِ مَاءً، أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا فَتَلِفَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ نَقَصَ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ مِنْهُ إلَّا مَا يَعْلَمُ بِهِ صَلَاحَهُ فَهَلَكَ لَمْ يَضْمَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَضَعَ التَّمْرَ حَيْثُ كَانَ يَضَعُهُ فِي جَرِينِهِ، أَوْ بَيْتِهِ، أَوْ دَارِهِ فَسُرِقَ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ وَضَعَهُ فِي طَرِيقٍ، أَوْ مَوْضِعٍ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمِثْلِهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ عُشْرَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْجَرِينِ ضَمِنَ عُشْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَطْعَمَ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَإِذَا كَانَ النَّخْلُ يَكُونُ تَمْرًا فَبَاعَهُ مَالِكُهُ رُطَبًا كُلَّهُ، أَوْ أَطْعَمَهُ كُلَّهُ، أَوْ أَكَلَهُ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَضَمِنَ عُشْرَهُ تَمْرًا مِثْلَ وَسَطِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لَا يَكُونُ تَمْرًا بِحَالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ الْوَالِي، وَأَنْ يَأْمُرَ الْوَالِي مَنْ يَبِيعُ مَعَهُ عُشْرَهُ رُطَبًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَرَصَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ صَدَّقَ رُبَّمَا بِمَا بَلَغَ رُطَبَهُ وَأَخَذَ عُشْرَ رُطَبِ نَخْلِهِ ثَمَنًا، فَإِنْ أَكَلَهُ كُلَّهُ، أَوْ اسْتَهْلَكَهُ كُلَّهُ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ عُشْرِ رُطَبِهِ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَهْلَكَ مِنْ رُطَبِهِ شَيْئًا وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ خُذْ الْعُشْرَ مِمَّا بَقِيَ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُ مَا اسْتَهْلَكَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مَا بَقِيَ أَخَذَ عُشْرَ ثَمَنِ مَا اسْتَهْلَكَ وَعُشْرَ مَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَقَلَّ ثَمَنًا، أَوْ مِثْلَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ رَبُّ الْمَالِ إلَّا الثَّمَنَ كَانَ عَلَيْهِ أَخْذُ ثَمَنِ الْعُشْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمَسَاكِينِ أَخَذَ الْعُشْرَ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الرُّطَبِ وَفَعَلَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ، أَخَذَهُ الْمُصَدِّقُ كَمَا يَأْخُذُ لَهُمْ كُلَّ فَضْلٍ تَطَوَّعَ بِهِ رَبُّ الْمَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ نَخْلَانِ نَخْلٌ يُكَوِّنُ تَمْرًا وَنَخْلٌ لَا يُكَوِّنُ تَمْرًا أَخَذَ صَدَقَةَ الَّذِي يُكَوِّنُ تَمْرًا تَمْرًا، وَصَدَقَةَ الَّذِي لَا يُكَوِّنُ تَمْرًا كَمَا وَصَفْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ عَرَضَ رَبُّ الْمَالِ ثَمَنَ التَّمْرِ عَلَى الْمُصَدِّقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحَالٍ كَانَ نَظَرًا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ، أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الصَّدَقَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ وَأَعْوَزَهُ أَنْ يَجِدَ تَمْرًا بِحَالٍ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِنْهُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ، وَهَذَا كَرَجُلٍ كَانَ فِي يَدِهِ لِرَجُلٍ طَعَامٌ فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقِيمَتُهُ بِالْجِنَايَةِ بِالِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُ نَخْلُ رَجُلٍ بَلَحًا فَقَطَعَهُ قَبْلَ أَنْ تُرَى فِيهِ الْحُمْرَةُ، أَوْ قَطَعَهُ طَلْعًا خَوْفَ الْعَطَشِ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ حَتَّى يَقْطَعَهُ بَعْدَمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ (قَالَ) :

باب صدقة الغراس

وَكُلُّ مَا قُلْت فِي النَّخْلِ فَكَانَ فِي الْعِنَبِ، فَهُوَ مِثْلُ النَّخْلِ لَا يَخْتَلِفَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلٌ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَعِنَبٌ لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ النَّخْلِ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْ الْعِنَبِ وَلَا يُضَمُّ صِنْفٌ إلَى غَيْرِهِ، وَالْعِنَبُ غَيْرُ النَّخْلِ، وَالنَّخْلُ كُلُّهُ وَاحِدٌ فَيُضَمُّ رَدِيئُهُ إلَى جَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ كُلُّهُ وَاحِدٌ يُضَمُّ رَدِيئُهُ إلَى جَيِّدِهِ. [بَابُ صَدَقَةِ الْغِرَاسِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ: إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ كَانَ يَخْرُصُ نَخْلًا مِلْكُهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلنَّاسِ وَلَا شَكَّ أَنْ قَدْ رَضُوا بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ بَعْدَمَا يُعَلِّمُهُمْ الْخَرْصَ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنُوا لَهُ نِصْفَ مَا خَرَصَ تَمْرًا وَيُسَلِّمُ لَهُمْ النَّخْلَ بِمَا فِيهِ، أَوْ يَضْمَنُ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْرِ وَيُسَلِّمُوا لَهُ النَّخْلَ بِمَا فِيهِ، وَالْعَامِلُونَ يَشْتَهُونَ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَجُوزُ أَمْرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْمَدْعُوُّونَ إلَى هَذَا الْمَالِكُونَ يَجُوزُ أَمْرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا خَرَصَ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَامِلِ وَخُيِّرَ جَازَ لَهُ الْخَرْصُ (قَالَ) : وَمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ صَدَقَةُ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ خَلَطَ، فَمِنْهُمْ الْبَالِغُ الْجَائِزُ الْأَمْرِ وَغَيْرُ الْجَائِزِ الْأَمْرِ مِنْ الصَّبِيِّ، وَالسَّفِيهِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْغَائِبِ، وَمَنْ يُؤْخَذُ لَهُ الْخَرْصُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ بُعِثَ عَلَيْهِمْ خَارِصٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ بَالِغًا جَائِزَ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ فَخَيَّرَهُ الْخَارِصُ بَعْدَ الْخَرْصِ فَاخْتَارَ مَالَهُ جَازَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ يَصْنَعُ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُخَيِّرْهُمْ فُرِضُوا، فَأَمَّا الْغَائِبُ لَا وَكِيلَ لَهُ، وَالسَّفِيهُ فَلَيْسَ يُخَيَّرُ وَلَا يَرْضَى فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُبْعَثَ عَلَى الْعُشْرِ خَارِصٌ وَاحِدٌ بِحَالٍ وَيُبْعَثُ اثْنَانِ فَيَكُونَانِ كَالْمُقَوِّمَيْنِ فِي غَيْرِ الْخَرْصِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَعْثَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعَثَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ، وَذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّمَ، وَفِي كُلٍّ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ خَارِصَانِ، أَوْ أَكْثَرُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالْعُشْرِ، وَقَدْ قِيلَ يَجُوزُ خَارِصٌ وَاحِدٌ كَمَا يَجُوزُ حَاكِمٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا غَابَ عَنَّا قَدْرُ مَا بَلَغَ التَّمْرُ جَازَ أَخْذُ الْعُشْرِ الْخَرْصِ، وَإِنَّمَا يَغِيبُ مَا أَخَذَ مِنْهُ بِمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ رُطَبًا وَيُسْتَهْلَكُ يَابِسًا بِغَيْرِ إحْصَاءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ذَكَرَ أَهْلُهُ أَنَّهُمْ أَحْصَوْا جَمِيعَ مَا فِيهِ وَكَانَ فِي الْخَرْصِ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ قَبِلَ مِنْهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، فَإِنْ قَالُوا: كَانَ فِي الْخَرْصِ نَقْصٌ عَمَّا عَلَيْهِمْ أَخَذَ مِنْهُمْ مَا أَقَرُّوا بِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي تَمْرِهِمْ، وَهُوَ يُخَالِفُ الْقِيمَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا سُوقَ لَهُ يُعْرَفُ بِهَا يَوْمَ الْخَرْصِ كَمَا يَكُونُ لِلسِّلْعَةِ سُوقٌ يَوْمَ التَّقْوِيمِ، وَقَدْ يَتْلَفُ فَيَبْطُلُ عَنْهُمْ فِيمَا تَلِفَ الصَّدَقَةُ إذَا كَانَ التَّلَفُ بِغَيْرِ إتْلَافِهِمْ، وَيَتْلَفُ بِالسَّرَقِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَضَيْعَةِ النَّخْلِ بِالْعَطَشِ وَغَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ

باب صدقة الزرع

الشَّجَرِ غَيْرُ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُمَا فَكَانَا قُوتًا، وَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْكُرْسُفِ وَلَا أَعْلَمُهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ؛ لِأَنَّهُ أُدُمٌ لَا مَأْكُولَ بِنَفْسِهِ وَسَوَاءٌ الْجَوْزُ فِيهَا، وَاللَّوْزُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَكُونُ أُدُمًا، أَوْ يُيَبَّسُ وَيُدَّخَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا فَاكِهَةٌ لَا أَنَّهُ كَانَ بِالْحِجَازِ قُوتًا لِأَحَدٍ عَلِمْنَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُخْرَصُ زَرْعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبِينُ لِلْخَارِصِ وَقْتُهُ، وَالْحَائِلُ دُونَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخْتَبَرْ فِيهِ مِنْ الصَّوَابِ مَا اُخْتُبِرَ فِي النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ فِيهِمَا خَاصٌّ وَلَيْسَ غَيْرُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا لِمَا وَصَفْت. [بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَا جَمَعَ أَنْ يَزْرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ وَيُيَبَّسُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ مَأْكُولًا خُبْزًا، أَوْ سَوِيقًا، أَوْ طَبِيخًا فَفِيهِ الصَّدَقَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَصَفْت يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ وَيَقْتَاتُونَهُ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْعَلَسِ وَهُوَ حِنْطَةٌ، وَالدُّخْنِ، وَالسُّلْتِ، وَالْقُطْنِيَّةِ كُلِّهَا حِمَّصِهَا وَعَدَسِهَا وَفُولِهَا وَدُخْنِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يُؤْكَلُ خُبْزًا وَسَوِيقًا وَطَبِيخًا وَيَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْفَثِّ، وَإِنْ كَانَ قُوتًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُنْبِتُ الْآدَمِيُّونَ وَلَا مِنْ حَبِّ الْحَنْظَلِ، وَإِنْ اُقْتِيتَ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْفَثِّ، وَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ حَبِّ شَجَرَةٍ بَرِّيَّةٍ كَمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَلَا مِنْ الظِّبَاءِ صَدَقَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُؤْخَذُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثُّفَّاءِ وَلَا الْأَسْبِيُوشِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبُتُ لِلدَّوَاءِ وَلَا مِمَّا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حُبُوبِ الْأَدْوِيَةِ وَلَا مِنْ حُبُوبِ الْبَقْلِ؛ لِأَنَّهَا كَالْفَاكِهَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ وَحَبُّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْفَاكِهَةِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ حَبِّ الْعُصْفُرِ وَلَا بَزْرِ الْفُجْلِ وَلَا بَزْرِ بَقْلٍ وَلَا سِمْسِمٍ. [بَابُ تَفْرِيعِ زَكَاةِ الْحِنْطَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا بَلَغَ صِنْفٌ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي فِيهَا الصَّدَقَةُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ، وَالْقَوْلُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ جَمْعٌ جَيِّدًا وَرَدِيئًا أَنْ يُعَدَّ بِالْجَيِّدِ مَعَ الرَّدِيءِ كَمَا يُعَدُّ بِذَلِكَ فِي التَّمْرِ، غَيْرَ أَنَّ اخْتِلَافَهُ لَا يُشْبِهُ اخْتِلَافَ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ صِنْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَالتَّمْرُ يَكُونُ خَمْسِينَ جِنْسًا، أَوْ نَحْوَهَا، أَوْ أَكْثَرَ، وَالْحِنْطَةُ صِنْفَانِ صِنْفٌ حِنْطَةٌ تُدَاسُ حَتَّى يَبْقَى حَبُّهَا مَكْشُوفًا لَا حَائِلَ دُونَهُ مِنْ كِمَامٍ وَلَا قِمَعٍ، فَتِلْكَ إنْ بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَصِنْفٌ عَلْسٌ إذَا دِيسَتْ بَقِيَتْ حَبَّتَانِ فِي كِمَامٍ وَاحِدٍ لَا يُطْرَحُ عَنْهَا الْكِمَامُ إلَّا إذَا أَرَادَ أَهْلُهَا اسْتِعْمَالَهَا وَيَذْكُرُ أَهْلُهَا أَنَّ طَرْحَ الْكِمَامِ عَنْهَا يَضُرُّ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى بَقَاءَ الصِّنْفِ الْآخَرِ مِنْ الْحِنْطَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا طَرَحَ عَنْهَا الْكِمَامَ بِهَرْسٍ، أَوْ طَرْحٍ فِي رَحًى خَفِيفَةٍ ظَهَرَتْ فَكَانَتْ حَبًّا كَالْحِنْطَةِ الْأُخْرَى وَلَا يُظْهِرُهَا الدِّرَاسُ كَمَا يُظْهِرُ الْأُخْرَى وَذَكَرَ مَنْ جَرَّبَهَا أَنَّهَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا الْكِمَامُ الْبَاقِي بَعْدَ الدَّرْسِ ثُمَّ أَلْقَى ذَلِكَ الْكِمَامَ عَنْهَا صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا كِيلَتْ أَوَّلًا فَيُخَيَّرُ مَالِكُهَا بَيْنَ أَنْ يُلْقِيَ الْكِمَامَ وَتُكَالَ عَلَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ

باب صدقة الحبوب غير الحنطة

خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا الصَّدَقَةُ وَبَيْنَ أَنْ تُكَالَ بِكِمَامِهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا صَدَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ خَمْسَةٌ. فَأَيُّهُمَا اخْتَارَ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى غَيْرِهِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ سَأَلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِي سُنْبُلِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ سَأَلَ أَهْلُ الْحِنْطَةِ غَيْرَ الْعَلْسِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِي سُنْبُلِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ كَمَا نُجِيزُ بَيْعَ الْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ، وَاَلَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ حِرْزٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُزِعَ مِنْهُ عَجَّلَ فَسَادَهُ إذَا أُلْقِيَ عَنْهُ وَلَا نُجِيزُهُ فَوْقَ الْقِشْرِ إلَّا عَلَى الَّذِي فَوْقَ الْقِشْرِ الَّذِي دُونَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ حِنْطَةٌ غَيْرُ عَلْسٍ وَحِنْطَةٌ عَلْسٌ ضَمَّ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى عَلَى مَا وُصِفَتْ الْحِنْطَةُ بِكَيْلَتِهَا، وَالْعَلْسُ فِي أَكْمَامِهَا بِنِصْفِ كَيْلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ عَلْسٍ ثَلَاثَةَ أَوْسُقٍ، وَالْعَلْسُ وَسَقَانِ فَلَا صَدَقَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَرْبَعَةُ أَوْسُقٍ وَنِصْفٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةً فَفِيهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، الْحِنْطَةُ ثَلَاثٌ، وَالْعَلْسُ الَّذِي هُوَ أَرْبَعَةٌ فِي أَكْمَامِهِ اثْنَانِ. [بَابُ صَدَقَةِ الْحُبُوبِ غَيْرِ الْحِنْطَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ زَرْعٍ فِيهِ زَكَاةٌ غَيْرُ الْعَلْسِ صَدَقَةٌ حَتَّى يُطْرَحَ عَنْهُ كِمَامُهُ وَيُكَالَ ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَتُؤْخَذُ مِنْ الشَّعِيرِ وَلَا يُضَمُّ شَعِيرٌ إلَى حِنْطَةٍ وَلَا سَلْتٌ إلَى حِنْطَةٍ وَلَا شَعِيرٌ وَلَا أُرْزٌ إلَى دُخْنٍ وَلَا ذُرَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالذُّرَةُ ذرتان ذُرَةٌ بِطَيْسٍ لَا كِمَامَ عَلَيْهِ وَلَا قِمَعَ بَيْضَاءَ وَذُرَةٌ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَحْمَرُ كَالْحَلْقَةِ، أَوْ الثفروق إلَّا أَنَّهُ أَرَقُّ وَكَقِشْرَةِ الْحِنْطَةِ دَقِيقٌ لَا يُنْقِصُ لَهَا كَيْلًا وَلَا يَخْرُجُ إلَّا مَطْحُونًا وَقَلَّمَا يَخْرُجُ بِالْهَرْسِ فَكِلَاهُمَا يُكَالُ وَلَا يُطْرَحُ لِكَيْلِهِ شَيْءٌ كَمَا يُطْرَحُ لِأَطْرَافِ الشَّعِيرِ الْحَدِيدَةُ وَلَا قِمَعَ التَّمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ مُبَايِنًا لِلتَّمْرَةِ، وَهَذَا لَا يُبَايِنُ الْحَبَّةَ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِنَفْسِ الْخِلْقَةِ وَكَمَا لَا يُطْرَحُ لِنُخَالَةِ الشَّعِيرِ وَلَا الْحِنْطَةِ شَيْءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَا يُضَمُّ الدُّخْنُ إلَى الْجُلْبَانِ وَلَا الْحِمَّصُ إلَى الْعَدَسِ وَلَا الْفُولُ إلَى غَيْرِهِ وَلَا حَبَّةٌ عُرِفَتْ بِاسْمٍ مُنْفَرِدٍ دُونَ صَاحِبِهَا وَخِلَافُهَا بَائِنٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَالطَّعْمِ، وَالثَّمَرِ إلَى غَيْرِهَا وَيُضَمُّ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذَا أَكْبَرُ إلَى مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَكُلُّ صِنْفٍ اسْتَطَالَ إلَى مَا تَدَحْرَجَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَا أَعْلَمُ فِي التُّرْمُسِ صَدَقَةً وَلَا أَعْلَمُهُ يُؤْكَلُ إلَّا دَوَاءً، أَوْ تَفَكُّهًا لَا قُوتًا وَلَا صَدَقَةَ فِي بَصَلٍ وَلَا ثُومٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤْكَلُ إلَّا أَبْزَارًا، أَوْ أُدُمًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ فَاسْمُ الْقُطْنِيَّةِ يَجْمَعُ الْحِمَّصَ، وَالْعَدَسَ، قِيلَ: نَعَمْ، قَدْ يُفَرَّقُ لَهَا أَسْمَاءٌ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمٍ دُونَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ يَجْمَعُ اسْمُ الْحُبُوبِ مَعَهَا الْحِنْطَةَ، وَالذُّرَةَ، فَلَا يُضَمُّ بِجِمَاعِ اسْمِ الْحُبُوبِ وَلَا يُجْمَعُ إلَيْهَا، وَيَجْتَمِعُ التَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ فِي الْحَلَاوَةِ، وَأَنْ يَخْرُصَا ثُمَّ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَخَذَ عُمَرُ الْعُشْرَ مِنْ النَّبَطِ فِي الْقُطْنِيَّةِ، قِيلَ: وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَمَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ زَكَاةُ الْعُشْرِ وَكَانَ اجْتِمَاعُهُ فِي أَنَّ فِيهِ الْعُشْرَ غَيْرَ دَالٍ عَلَى

باب الوقت الذي تؤخذ فيه الصدقة مما أخرجت الأرض

جَمْعِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، وَقَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْ النَّبَطِ مِنْ الزَّبِيبِ، وَالْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ فَيُضَمُّ الزَّبِيبُ إلَى الْقُطْنِيَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَا يُؤْخَذُ زَكَاةُ شَيْءٍ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ مِمَّا يُيَبَّسُ حَتَّى يُيَبَّسَ وَيُدْرَسَ كَمَا وَصَفْت وَيُيَبَّسُ تَمْرُهُ وَزَبِيبُهُ وَيَنْتَهِي يُبْسُهُ، فَإِنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْهُ رُطَبًا كَرِهْته لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، أَوْ رَدُّ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ وَأَخَذَهُ يَابِسًا لَا أُجِيزُ بَيْعَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رُطَبًا لِاخْتِلَافِ نُقْصَانِهِ، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَجْهُولٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُشْرُ مُقَاسَمَةً كَالْبَيْعِ، فَإِنْ أَخَذَهُ رُطَبًا فَيَبِسَ فِي يَدِهِ كَمَالٍ يَبْقَى فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَى فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي يَدِهِ أَزْيَدَ مِنْ الْعُشْرِ رَدَّ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ أَخَذَ النُّقْصَانَ، وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهُ مَا فِي يَدِهِ وَاسْتَهْلَكَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ وَيَرُدُّ هَذَا مَا فِي يَدِهِ إنْ كَانَ رُطَبًا حَتَّى يُيَبَّسَ (قَالَ) : وَهَكَذَا إنْ أَخَذَ الْحِنْطَةَ فِي أَكْمَامِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَخَذَهُ رُطَبًا فَفَسَدَ فِي يَدَيْ الْمُصَدِّقِ فَالْمُصَدِّقُ ضَامِنٌ لِمِثْلِهِ لِصَاحِبِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْخُذَ عُشْرَهُ مِنْهُ يَابِسًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَخَذَهُ رُطَبًا مِنْ عِنَبٍ لَا يَصِيرُ زَبِيبًا، أَوْ رُطَبًا لَا يَصِيرُ تَمْرًا كَرِهْته وَأَمَرْته بِرَدِّهِ لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رُطَبًا، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ، أَوْ قِيمَتَهُ وَتَرَادَّا الْفَضْلَ مِنْهُ وَكَانَ شَرِيكًا فِي الْعِنَبِ بِبَيْعِهِ وَيُعْطِي أَهْلَ السُّهْمَانِ ثَمَنَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَزَبَّبُ فَلَوْ قَسَمَهُ عِنَبًا مُوَازَنَةً وَأَخَذَ عُشْرَهُ وَأَعْطَى أَهْلَ السُّهْمَانِ، كَرِهْته وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ. [بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي تُؤْخَذُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا بَلَغَ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ مَا يَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ صَدَقَتُهُ وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِهَا حَوْلٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ وَقْتًا إلَّا الْحَصَادَ وَاحْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] إذَا صَلَحَ بَعْدَ الْحَصَادِ وَاحْتَمَلَ يَوْمَ يُحْصَدُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ، فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ بَعْدَمَا يَجِفُّ لَا يَوْمَ يُحْصَدُ النَّخْلُ، وَالْعِنَبُ، وَالْأَخْذُ مِنْهُمَا زَبِيبًا وَتَمْرًا فَكَانَ كَذَلِكَ كُلُّ مَا يَصْلُحُ بِجُفُوفٍ وَدَرْسٍ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ، وَهَكَذَا زَكَاةُ مَا أُخْرِجَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ مَعْدِنٍ لَا يُؤْخَذُ حَتَّى يَصْلُحَ فَيَصِيرُ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً وَيُؤْخَذُ يَوْمَ يَصْلُحُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَزَكَاةُ الرِّكَازِ يَوْمَ يُؤْخَذُ؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ بِحَالِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إصْلَاحٍ وَكُلُّهُ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ. [بَابُ الزَّرْعِ فِي أَوْقَاتٍ] ٍ الذُّرَةُ تُزْرَعُ مَرَّةً فَتُخْرَجُ فَتُحْصَدُ ثُمَّ تُسْتَخْلَفُ فِي كَثِيرِ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَتُحْصَدُ أُخْرَى فَهَذَا كُلُّهُ كَحَصْدَةٍ وَاحِدَةٍ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ زَرْعٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اسْتَأْخَرَتْ حَصْدَتُهُ الْآخِرَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إذَا بُذِرَتْ وَوَقْتُ الْبِذَارِ بَذْرٌ الْيَوْمَ وَبَذْرٌ بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ لِلزَّرْعِ وَتَلَاحُقُ الزَّرْعِ فِيهِ مُتَقَارِبٌ (قَالَ) : وَإِذَا بَذَرَ ذُرَةً بَطِيسًا وَحَمْرَاءَ وَمَجْنُونَةً وَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ فَأَدْرَكَ بَعْضَهَا قَبْلَ بَعْضٍ

ضَمَّ الْأَوَّلَ الْمُدْرَكَ إلَى الَّذِي يَلِيه وَاَلَّذِي يَلِيه إلَى الْمَبْذُورِ بَعْدَ هَذِهِ، فَإِذَا بَلَغَ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ حَائِطًا فِيهِ عِنَبٌ، أَوْ رُطَبٌ فَبَلَغَ بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَا يَجِفُّ وَيُقْطَفُ مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرَ الشَّهْرِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَهَذِهِ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ كُلَّهُ يُدْرِكُ هَذَا وَيَبْذُرُ هَذَا (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخَلَاتٌ يُطْلِعْنَ فَيَكُونُ فِيهِنَّ الرُّطَبُ، وَالْبُسْرُ، وَالْبَلَحُ، وَالطَّلْعُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيَجِدُّ الرُّطَبَ ثُمَّ يُدْرِكُ الْبُسْرَ، فَيَجِدُّ ثُمَّ يُدْرِكُ الْبَلَحَ فَيَجِدُّ ثُمَّ يُدْرِكُ الطَّلْعَ فَيَجِدُّ. ضَمَّ هَذَا كُلَّهُ وَحَسَبَ عَلَى صَاحِبِهِ كَمَا يَحْسِبُ إطْلَاعَةً وَاحِدَةً فِي جُدَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ نَخْلِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ حَائِطٌ بِنَجْدٍ وَآخَرُ بِالشَّعْفِ وَآخَرُ بِتِهَامَةَ فَجَدَّ التِّهَامِيَّ ثُمَّ الشَّعْفِيَّ ثُمَّ النَّجْدِيَّ فَهَذِهِ ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ يَضُمُّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا الشَّهْرُ، وَالشَّهْرَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمِّ يَزْرَعُونَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فِي الْخَرِيفِ وَوَقْتٍ يُقَالُ لَهُ الشُّبَاطُ، فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ يَزْرَعُونَ هَذَا الزَّرْعَ، أَوْ يَزْرَعُونَ فِي السَّنَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ خَرِيفٍ وَرَبِيعٍ وَحَمِيمٍ، أَوْ صَيْفٍ فَزَرَعُوا فِي هَذَا حِنْطَةً، أَوْ أُرْزًا، أَوْ حَبًّا، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ أَقَاوِيلُ مِنْهَا أَنَّ الزَّرْعَ إذَا كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَأُدْرِكَ بَعْضُهُ فِيهَا وَبَعْضُهُ فِي غَيْرِهَا ضَمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُضَمُّ مِنْهُ مَا أُدْرِكَ مِنْهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا أُدْرِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ضُمَّ إلَى مَا أُدْرِكَ مِنْ سَنَتِهِ الَّتِي أُدْرِكَ فِيهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا زُرِعَ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا وَصَفْت لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَّا مَا زُرِعَ فِي خَرِيفٍ، أَوْ بُكِّرَ شَيْءٌ مِنْهُ وَتَأَخَّرَ شَيْءٌ مِنْهُ فَالْخَرِيفُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ مَا زُرِعَ فِي الرَّبِيعِ فِي أَوَّلِ شُهُورِهِ وَآخِرِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّيْفُ إنْ زُرِعَ فِيهِ (قَالَ) : وَلَا يُضَمُّ زَرْعُ سَنَةٍ إلَى زَرْعِ سَنَةٍ غَيْرِهَا وَلَا ثَمَرَةُ سَنَةٍ إلَى ثَمَرَةِ سَنَةٍ غَيْرِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُصَدِّقُ وَرَبُّ الزَّرْعِ، وَفِي يَدِهِ زَرْعٌ فَقَالَ هَذَا زَرْعُ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ رَبُّ الزَّرْعِ بَلْ سَنَتَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الزَّرْعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ اُتُّهِمَ، وَعَلَى الْمُصَدِّقِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ضَمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَهَذَا هَكَذَا فِي كُلِّ مَا فِيهِ صَدَقَةٌ. بَابُ قَدْرِ الصَّدَقَةِ فِيمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَوْلًا مَعْنَاهُ «مَا سُقِيَ بِنَضْحٍ، أَوْ غَرْبٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَمَا سُقِيَ بِغَيْرِهِ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ سَمَاءٍ فَفِيهِ الْعُشْرُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُوصَلُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَدَقَةُ الثِّمَارِ، وَالزُّرُوعِ مَا كَانَ نَخْلًا، أَوْ كَرْمًا، أَوْ زَرْعًا، أَوْ شَعِيرًا، أَوْ سَلْتًا، فَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْلًا، أَوْ يُسْقَى بِنَهْرٍ، أَوْ يُسْقَى بِالْعَيْنِ، أَوْ عَثَرِيًّا بِالْمَطَرِ، فَفِيهِ الْعُشْرُ، فِي كُلِّ عَشْرَةٍ وَاحِدٌ وَمَا كَانَ مِنْهُ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي كُلِّ عِشْرِينَ وَاحِدٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَكُلُّ مَا سَقَتْهُ الْأَنْهَارُ، أَوْ السُّيُولُ، أَوْ الْبِحَارُ، أَوْ السَّمَاءُ، أَوْ زُرِعَ عَثَرِيًّا مِمَّا فِيهِ الصَّدَقَةُ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَكُلُّ مَا يُزْرَعُ بِرِشَاءٍ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ الْمَسْقِيَّةِ يُصَبُّ فَوْقَهَا فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَذَلِكَ أَنْ يُسْقَى مِنْ بِئْرٍ، أَوْ نَهْرٍ، أَوْ نَجْلٍ بِدَلْوٍ يُنْزَعُ، أَوْ بِغَرْبٍ بِبَعِيرٍ، أَوْ بَقَرَةٍ

باب الصدقة في الزعفران والورس

أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ بِزُرْنُوقٍ، أَوْ مَحَالَةٍ، أَوْ دُولَابٍ (قَالَ) : فَكُلُّ مَا سُقِيَ هَكَذَا فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ (قَالَ) : فَإِنْ سُقِيَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِنَهْرٍ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ فَلَمْ يَكْتَفِ حَتَّى سُقِيَ بِالْغَرْبِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ نَنْظُرَ إلَى مَا عَاشَ بِالسَّقِيَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عَاشَ بِهِمَا نِصْفَيْنِ كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ عَاشَ بِالسَّيْلِ أَكْثَرَ زِيدَ فِيهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَاشَ بِالْغَرْبِ أَكْثَرَ نُقِضَ بِقَدْرِ ذَلِكَ (قَالَ) : وَقَدْ قِيلَ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا عَاشَ بِهِ أَكْثَرَ فَتَكُونُ صَدَقَتُهُ بِهِ، فَإِنْ عَاشَ بِالسَّيْلِ أَكْثَرَ فَتَكُونُ صَدَقَتُهُ الْعُشْرَ، أَوْ عَاشَ بِالْغَرْبِ أَكْثَرَ فَتَكُونُ صَدَقَتُهُ نِصْفَ الْعُشْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَبَرٌ فَالْخَبَرُ أَوْلَى بِهِ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ مَا وَصَفْت، وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الزَّرْعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْمُصَدِّقِ الْبَيِّنَةُ إنْ خَالَفَ رَبَّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْذُ الْعُشْرِ أَنْ يُكَالَ لِرَبِّ الْمَالِ تِسْعَةٌ وَيَأْخُذَ الْمُصَدِّقُ الْعَاشِرَ وَهَكَذَا أَخْذُ نِصْفِ الْعُشْرِ يُكَالُ لِرَبِّ الْمَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ تَمَامَ الْعِشْرِينَ (قَالَ) : فَمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةٍ مِمَّا لَا يَبْلُغُهَا أُخِذَ مِنْهُ بِحِسَابٍ وَسَوَاءٌ مَا زَادَ مِمَّا قَلَّ، أَوْ كَثُرَ إذَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ صَدَقَتُهَا (قَالَ) : وَيُكَالُ لِرَبِّ الْمَالِ وَوَالِي الصَّدَقَةِ كَيْلًا وَاحِدًا لَا يَلْتَفُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْمِكْيَالِ وَلَا يُدَقُّ وَلَا يُزَلْزَلُ الْمِكْيَالُ وَيُوضَعُ عَلَى الْمِكْيَالِ فَمَا أَمْسَكَ رَأْسَهُ أَفْرَغَ بِهِ، وَإِنْ بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ نِصْفَ عُشْرِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ كَمَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ فِيمَا يُؤْخَذُ عُشْرُهُ (قَالَ) : وَإِنْ حَثَى التَّمْرَ فِي قِرَبٍ، أَوْ جِلَالٍ، أَوْ جِرَارٍ، أَوْ قَوَارِيرَ فَدَعَا رَبُّ التَّمْرِ وَالِيَ الصَّدَقَةِ إلَى أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُ عَدَدًا، أَوْ وَزْنًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَكِيلَهُ عَلَى الْخَرْصِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ أَغْفَلَ الْخَرْصَ فَوَجَدَ فِي يَدَيْهِ تَمْرًا أَخَذَهُ كَيْلًا وَصَدَّقَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى مَا بَلَغَ كَيْلَهُ وَمَا مَضَى مِنْهُ رُطَبًا أَخَذَهُ عَلَى التَّصْدِيقِ لَهُ، أَوْ خَرَصَهُ فَأَخَذَهُ عَلَى الْخَرْصِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ دَعَاهُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حِنْطَةً، أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ جُزَافًا، أَوْ مُعَادَةً فِي غَرَائِرَ، أَوْ أَوْعِيَةٍ، أَوْ وَزْنًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَغْفَلَ الْوَالِي الْخَرْصَ، قَبْلَ قَوْلِ صَاحِبِ التَّمْرِ مَعَ يَمِينِهِ. [بَابُ الصَّدَقَةِ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَيْسَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَلَا الْوَرْسِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَمْوَالِ لَا صَدَقَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا أَخَذْنَا الصَّدَقَةَ خَبَرًا، أَوْ بِمَا فِي مَعْنَى الْخَبَرِ، وَالزَّعْفَرَانُ، وَالْوَرْسُ طِيبٌ لَا قُوتٌ، وَلَا زَكَاةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ كَمَا لَا يَكُونُ فِي عَنْبَرٍ وَلَا مِسْكٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ زَكَاةٌ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَا خُمْسَ فِي لُؤْلُؤَةٍ وَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ يُلْقِيه الْبَحْرُ مِنْ حِلْيَتِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صَيْدِهِ. [بَابُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعَسَلِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لِقَوْمِي مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَعْلَمَنِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَعْلَمَنِي أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ، قَالَ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَهْلِ السَّرَاةِ، قَالَ فَكَلَّمْت قَوْمِي فِي الْعَسَلِ فَقُلْت لَهُمْ: زَكُّوهُ فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكَّى فَقَالُوا: كَمْ تَرَى؟ قَالَ

باب صدقة الورق

فَقُلْت: الْعُشْرُ فَأَخَذَتْ مِنْهُمْ الْعُشْرَ فَأَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْته بِمَا كَانَ، قَالَ: فَقَبَضَهُ عُمَرُ فَبَاعَهُ ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَبِي، وَهُوَ بِمِنًى " أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْخَيْلِ وَلَا مِنْ الْعَسَلِ صَدَقَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَسَعْدُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ يَحْكِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْعَسَلِ، وَأَنَّهُ شَيْءٌ رَآهُ فَتَطَوَّعَ لَهُ بِهِ أَهْلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا صَدَقَةَ فِي الْعَسَلِ وَلَا فِي الْخَيْلِ، فَإِنْ تَطَوَّعَ أَهْلُهُمَا بِشَيْءٍ قُبِلَ مِنْهُمْ وَجُعِلَ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْ تَطَوَّعُوا بِالصَّدَقَةِ عَنْ الْخَيْلِ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تُقْبَلُ مِمَّنْ تَطَوَّعَ بِهَا. [بَابُ صَدَقَةِ الْوَرِقِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَإِذَا بَلَغَ الْوَرِقُ خَمْسَ أَوَاقٍ، وَذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِدَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ وَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ مِنْ ذَهَبٍ بِمِثْقَالِ الْإِسْلَامِ فَفِي الْوَرِقِ الصَّدَقَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَرِقُ دَرَاهِمَ جِيَادًا مُصَفَّاةً غَايَةُ سِعْرِهَا عَشَرَةٌ بِدِينَارٍ، أَوْ وَرِقًا تِبْرًا، ثَمَنُ عِشْرِينَ مِنْهُ دِينَارٌ، وَلَا أَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ نَفْسِهِ كَمَا لَا أَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ وَلَا الزَّرْعِ وَأَضُمُّ كُلَّ جَيِّدٍ مِنْ صِنْفٍ إلَى رَدِيءٍ مِنْ صِنْفِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ تَنْقُصُ حَبَّةً، أَوْ أَقَلَّ وَتَجُوزُ جَوَازُ الْوَازِنَةِ، أَوْ لَهَا فَضْلٌ عَلَى الْوَازِنَةِ غَيْرَهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ تَسْوَى أَلْفَ دِينَارٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَاةٌ، وَفِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَا تَسْوَى عَشَرَةَ دَنَانِيرَ شَاةٌ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْسُقٍ بَرْدِيٍّ خَيْرُ قِيمَتِهِ مِنْ مِائَةِ وَسْقٍ لَوْنٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَكَاةٌ (قَالَ) : وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ، وَقَدْ طَرَحَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ وَرِقٌ رَدِيئَةٌ وَوَرِقٌ جَيِّدَةٌ أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ الزَّكَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَيِّدِ بِقَدْرِهِ، وَمِنْ الرَّدِيءِ بِقَدْرِهِ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَتْ لَهُ وَرِقٌ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا نُحَاسٌ، أَوْ غِشٌّ أَمَرْت بِتَصْفِيَتِهَا وَأَخَذْت زَكَاتَهَا إذَا صَفَتْ إذَا بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا تَطَوَّعَ فَأَدَّى عَنْهَا وَرِقًا غَيْرَ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ الْغِشُّ دُونَهَا قُبِلَ مِنْهُ وَأَكْرَهُ لَهُ الْوَرِقَ الْمَغْشُوشَ لِئَلَّا يَغُرَّ بِهِ أَحَدًا، أَوْ يَمُوتَ فَيَغُرُّ بِهِ وَارِثُهُ أَحَدًا (قَالَ

باب زكاة الذهب

الشَّافِعِيُّ) وَيَضُمُّ الْوَرِقُ التِّبْرَ إلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ فِضَّةٌ قَدْ خَلَطَهَا بِذَهَبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهَا النَّارَ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا فَيُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا أَحَاطَ بِهِ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمُهُ فَاحْتَاطَ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنْ قَدْ أَخْرَجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِيهِ، أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ (قَالَ) : وَإِنْ وَلَّى أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ الْوَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُ هَذَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يُحِيطُ بِهِ فَيَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَأَمَّا مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا قَالَ، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا لَهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى إحَاطَةِ أَدَائِهِ عَلَيْهِ فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّدَقَةَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لَهُ فِضَّةٌ مَلْطُوخَةٌ عَلَى لِجَامٍ، أَوْ مُمَوَّهٌ بِهَا سَقْفُهُ فَكَانَتْ تُمَيَّزُ فَتَكُونُ شَيْئًا إنْ جُمِعَتْ بِالنَّارِ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ الصَّدَقَةِ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيَّزُ وَلَا تَكُونُ شَيْئًا فَهِيَ مُسْتَهْلَكَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقِي فِضَّةٍ حَاضِرَةٍ وَمَا يُتِمُّ خَمْسَ أَوَاقِي فِضَّةٍ دَيْنًا، أَوْ غَائِبَةً فِي تِجَارَةٍ أَحْصَى الْحَاضِرَةَ وَانْتَظَرَ الدَّيْنَ، فَإِذَا اقْتَضَاهُ وَقَوَّمَ الْعَرْضَ الَّذِي فِي تِجَارَةٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّاهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَزَكَاةُ الْوَرِقِ، وَالذَّهَبِ رُبْعُ عُشْرِهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَلَغَ الْوَرِقُ، وَالذَّهَبُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَخَذَ رُبْعَ عُشْرِهِ وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَخَذَ رُبْعَ عُشْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ قِيرَاطًا أَخَذَ رُبْعَ عُشْرِهِ. [بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ] ِ (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ لَيْسَ فِي الذَّهَبِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَفِيهَا الزَّكَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْقَوْلُ فِي أَنَّهَا إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ بِوَزْنٍ كَانَ الذَّهَبُ جَيِّدًا، أَوْ رَدِيئًا، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ إنَاءً، أَوْ تِبْرًا، كَهُوَ فِي الْوَرِقِ، وَأَنَّ الدَّنَانِيرَ إذَا نَقَصَتْ عَنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا حَبَّةً، أَوْ أَقَلَّ مِنْ حَبَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ كَمَا تَجُوزُ الْوَازِنَةُ، أَوْ كَانَ لَهَا فَضْلٌ عَلَى الْوَازِنَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ بِوَزْنٍ، وَفِيمَا خُلِطَ بِهِ الذَّهَبُ وَغَابَ مِنْهَا وَحَضَرَ كَالْقَوْلِ فِي الْوَرِقِ لَا يَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ إلَّا قِيرَاطًا، أَوْ خَمْسَ أَوَاقِي فِضَّةٍ إلَّا قِيرَاطًا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةٌ وَلَا يُجْمَعُ الذَّهَبُ إلَى الْوَرِقِ وَلَا الْوَرِقُ إلَى الذَّهَبِ وَلَا صِنْفٌ مِمَّا فِيهِ الصَّدَقَةُ إلَى صِنْفٍ (قَالَ) : وَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ التَّمْرُ إلَى الزَّبِيبِ وَهُمَا يُخْرَصَانِ وَيُعَشَّرَانِ وَهُمَا حُلْوَانِ مَعًا وَأَشَدُّ تَقَارُبًا فِي الثَّمَرِ، وَالْخِلْقَةِ مِنْ الذَّهَبِ إلَى الْوَرِقِ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُغْلِظَ بِأَنْ يَجْمَعَ الذَّهَبَ إلَى الْفِضَّةِ وَلَا يَشْتَبِهَانِ فِي لَوْنٍ وَلَا ثَمَنٍ وَيُجِلُّ الْفَضْلَ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَا؟ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» فَأَخَذَ هَذَا فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ ضَمَمْت إلَيْهَا غَيْرَهَا قِيلَ: فَضُمَّ إلَيْهَا ثَلَاثِينَ شَاةً، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، فَإِنْ قَالَ: لَا أَضُمُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا فِيهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا فَكَذَلِكَ الذَّهَبُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْفِضَّةِ وَلَا يَكُونُ عَلَى رَجُلٍ زَكَاةٌ فِي ذَهَبٍ حَتَّى يَكُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ، فَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ عِشْرِينَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ ثُمَّ تَمَّتْ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى يُسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ تَتِمُّ (قَالَ) : وَإِذَا اتَّجَرَ رَجُلٌ فِي الذَّهَبِ فَأَصَابَ ذَهَبًا فَضْلًا لَمْ يَضُمَّ الذَّهَبَ الْفَضْلَ إلَى الذَّهَبِ قَبْلَهُ، وَالذَّهَبُ قَبْلَهُ عَلَى حَوْلِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ بِالْفَضْلِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ أَفَادَ كَالْفَائِدَةِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ رِبْحِ الذَّهَبِ، وَهَكَذَا هَذَا فِي الْوَرِقِ لَا يَخْتَلِفُ

باب زكاة الحلي

[بَابُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ] ِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَلِي بَنَاتَ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيُّ وَلَا تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتَ أَخِيهَا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَه وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت رَجُلًا يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحُلِيِّ: أَفِيه زَكَاةٌ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: لَا فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: كَثِيرٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَلَا أَدْرِي أَثَبَتَ عَنْهُمَا مَعْنَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ؟ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَالُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ بِنَفْسِهِ ثَلَاثُ عَيْنٍ، ذَهَبٌ، وَفِضَّةٌ وَبَعْضُ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضٍ مِنْ مَعْدِنٍ وَرِكَازٍ وَمَاشِيَةٍ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ذَهَبٌ، أَوْ وَرِقٌ، فِي مِثْلِهَا زَكَاةٌ، فَالزَّكَاةُ فِيهَا عَيْنًا يَوْمَ يَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ كَإِنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ تَسْوَى عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ غَلَتْ فَصَارَتْ تَسْوَى عِشْرِينَ دِينَارًا وَرَخُصَتْ فَصَارَتْ تَسْوَى دِينَارًا فَالزَّكَاةُ فِيهَا نَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ، فَإِنْ اتَّجَرَ فِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَارَتْ ثَلَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ زَكَّى الْمِائَتَيْنِ لِحَوْلِهَا، وَالْمِائَةَ الَّتِي زَادَتْهَا لِحَوْلِهَا وَلَا يَضُمُّ مَا رَبِحَ فِيهَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ مِنْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يُخَالِفُ أَنْ يَمْلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ فَيَحُولُ الْحَوْلُ، وَالْعَرْضُ فِي يَدِهِ فَيَقُومُ الْعَرَضُ بِزِيَادَتِهِ، أَوْ نَقْصِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ تَحَوَّلَتْ فِي الْعَرْضِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ وَصَارَ الْعَرَضُ كَالدَّرَاهِمِ يُحْسَبُ عَلَيْهِ حَوْلُ الدَّرَاهِمِ فِيهِ، فَإِذَا نَضَّ ثَمَنُ الْعَرْضِ بَعْدَ الْحَوْلِ أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ ثَمَنِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَصْلِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَاشْتَرَى بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَكِنْ لَوْ نَضَّ ثَمَنُ الْعَرْضِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَصَارَ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ فِي زِيَادَتِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَصَارَ الْحُكْمُ إلَى الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَآخِرِهَا دَرَاهِمَ وَحَالَتْ عَنْ الْعَرْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يُخَالِفُ نَمَاءَ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَيُوَافِقُ نَمَاءَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَدْ كَتَبْت نَمَاءَ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَاشِيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخُلَطَاءُ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ كَالْخُلَطَاءِ فِي الْمَاشِيَةِ، وَالْحَرْثِ لَا يَخْتَلِفُونَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ فِي الْحُلِيِّ صَدَقَةٌ، وَهَذَا مَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَدْ اسْتَخَارَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ، وَمَنْ قَالَ فِي الْحُلِيِّ صَدَقَةٌ قَالَ هُوَ وَزْنٌ مِنْ فِضَّةٍ قَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِثْلِ وَزْنِهِ صَدَقَةً وَوَزْنٌ مِنْ ذَهَبٍ قَدْ جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ صَدَقَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ فِيهِ زَكَاةٌ فَكَانَ مُنْقَطِعًا مَنْظُومًا بِغَيْرِهِ مَيَّزَهُ وَوَزَنَهُ وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهُ بِقَدْرِ وَزْنِهِ، أَوْ احْتَاطَ فِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى جَمِيعَ مَا فِيهِ، أَوْ أَدَّاهُ وَزَادَ وَقَالَ فِيمَا وَصَفْت فِيمَا مُوِّهَ بِالْفِضَّةِ وَزَكَاةِ حِلْيَةِ السَّيْفِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْخَاتَمِ وَكُلِّ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ كَانَ يَمْلِكُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا زَكَاةَ فِيمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حُلِيًّا وَلَا زَكَاةَ فِي خَاتَمِ رَجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ وَلَا حِلْيَةِ سَيْفِهِ وَلَا مُصْحَفِهِ وَلَا مِنْطَقَتِهِ إذَا كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، فَإِنْ اتَّخَذَهُ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ حُلِيَّ

باب ما لا زكاة فيه من الحلي

الْمَرْأَةِ، أَوْ قِلَادَةً، أَوْ دُمْلُجَيْنِ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَخَتَّمَ ذَهَبًا وَلَا يَلْبَسَهُ فِي مِنْطَقَةٍ وَلَا يَتَقَلَّدَهُ فِي سَيْفٍ وَلَا مُصْحَفٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْبَسُهُ فِي دِرْعٍ وَلَا قَبَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ بِوَجْهٍ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّى مَسْكَتَيْنِ وَلَا خَلْخَالَيْنِ وَلَا قِلَادَةً مِنْ فِضَّةٍ وَلَا غَيْرَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَحَلَّى ذَهَبًا وَوَرِقًا وَلَا يَجْعَلُ فِي حُلِيِّهَا زَكَاةً مَنْ لَمْ يَرَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اتَّخَذَ الرَّجُلُ، أَوْ الْمَرْأَةُ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ زَكَّيَاهُ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا، فَإِنْ كَانَ إنَاءٌ فِيهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قِيمَتُهُ مَصُوغًا أَلْفَانِ فَإِنَّمَا زَكَاتُهُ عَلَى وَزْنِهِ لَا عَلَى قِيمَتِهِ (قَالَ) : وَإِذَا انْكَسَرَ حُلِيُّهَا فَأَرَادَتْ إخْلَافَهُ، أَوْ لَمْ تُرِدْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةً إلَّا أَنْ تُرِيدَ إذَا انْكَسَرَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَالًا تَكْتَنِزُهُ فَتُزَكِّيه (قَالَ) :: وَإِذَا اتَّخَذَ الرَّجُلُ، أَوْ الْمَرْأَةُ آنِيَةَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ إلَّا فِيمَا كَانَ حُلِيًّا يُلْبَسُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ حُلِيًّا يُلْبَسُ، أَوْ يُدَّخَرُ، أَوْ يُعَارُ، أَوْ يُكْرَى فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَثُرَ الْحُلِيُّ لِامْرَأَةٍ، أَوْ ضُوعِفَ، أَوْ قَلَّ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْفُتُوخُ، وَالْخَوَاتِمُ، وَالتَّاجُ وَحُلِيُّ الْعَرَائِسِ وَغَيْرُ هَذَا مِنْ الْحُلِيِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَرِثَ رَجُلٌ حُلِيًّا، أَوْ اشْتَرَاهُ فَأَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ خَدَمَهُ هِبَةً، أَوْ عَارِيَّةً، أَوْ أَرْصَدَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ إذَا أَرْصَدَهُ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ هَذَا، أَوْ أَرَادَهُ لِيَلْبَسَهُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَهُ لِيُكَسِّرَهُ. [بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الْحُلِيِّ] ِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَمَا يُحَلَّى النِّسَاءُ بِهِ، أَوْ ادَّخَرْنَهُ، أَوْ ادَّخَرَهُ الرِّجَالُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ وَمَرْجَانَ وَحِلْيَةِ بَحْرٍ وَغَيْرِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ، وَلَا زَكَاةَ فِي صُفْرٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا رَصَاصٍ وَلَا حِجَارَةٍ وَلَا كِبْرِيتٍ وَلَا مِمَّا أُخْرِجَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا زَكَاةَ فِي عَنْبَرٍ وَلَا لُؤْلُؤٍ أُخِذَ مِنْ الْبَحْرِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أُذَيْنَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ زَكَاةٌ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَنْبَرِ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلَا فِي مِسْكٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا خَالَفَ الرِّكَازَ، وَالْحَرْثَ، وَالْمَاشِيَةَ، وَالذَّهَبَ، وَالْوَرِقَ. [بَابُ زَكَاةِ الْمَعَادِنِ] ِ (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا عُمِلَ فِي الْمَعَادِنِ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا ذَهَبٌ، أَوْ وَرِقٌ فَأَمَّا الْكُحْلُ، وَالرَّصَاصُ، وَالنُّحَاسُ، وَالْحَدِيدُ، وَالْكِبْرِيتُ، وَالْمُومْيَا وَغَيْرُهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (قَالَ

الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا ذَهَبٌ، أَوْ وَرِقٌ فَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ حَتَّى يُعَالَجَ بِالنَّارِ، أَوْ الطَّحْنِ، أَوْ التَّحْصِيلِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا وَيُمَيَّزَ مَا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ سَأَلَ رَبُّ الْمَعْدِنِ الْمُصَدِّقَ أَنْ يَأْخُذَ زَكَاتَهُ مُكَايَلَةً، أَوْ مُوَازَنَةً، أَوْ مُجَازَفَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ وَعَلَى صَاحِبِ الْمَعْدِنِ إصْلَاحُهُ حَتَّى يَصِيرَ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ (قَالَ) : وَمَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يُحَصِّلَ ذَهَبَا، أَوْ وَرِقًا فَالْمُصَدِّقُ ضَامِنٌ لَهُ، وَالْقَوْلُ فِيمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ قَوْلُ الْمُصَدِّقِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَخَذَتْ مِنْك، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعَادِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ فِضَّةٌ، أَوْ ذَهَبٌ مُخْتَلِطٌ بِغَيْرِهِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْمَعَادِنَ لَيْسَ بِرِكَازٍ، وَأَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَرْعِ فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ رِوَايَةً، وَلَوْ أَثْبَتُوهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا إقْطَاعُهُ فَأَمَّا الزَّكَاةُ فِي الْمَعَادِنِ دُونَ الْخُمْسِ فَلَيْسَتْ مَرْوِيَّةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا إلَى أَنَّ فِي الْمَعَادِنِ الزَّكَاةَ (قَالَ) : وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَعَادِنَ رِكَازٌ فِيهَا الْخُمْسُ (قَالَ) : فَمَنْ قَالَ فِي الْمَعَادِنِ الزَّكَاةُ، قَالَ ذَلِكَ فِيمَا خَرَجَ مِنْ الْمَعَادِنِ فِيمَا تَكَلَّفَتْ فِيهِ الْمُؤْنَةُ فِيمَا يُحَصَّلُ وَيُطْحَنُ وَيَدْخُلُ النَّارَ (قَالَ) : وَلَوْ قَالَهُ فِيمَا يُوجَدُ ذَهَبًا مُجْتَمِعًا فِي الْمَعَادِنِ، وَفِي الْبَطْحَاءِ فِي أَثَرِ السَّيْلِ مِمَّا يُخْلَقُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ فَقَالَ كُلُّ هَذَا رِكَازٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَصَابَ الْبُدْرَةَ الْمُجْتَمِعَةَ فِي الْمَعَادِنِ قِيلَ قَدْ أَرْكَزَ وَقَالَهُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْبَطْحَاءِ فِي أَثَرِ الْمَطَرِ وَجَعَلَهُ رِكَازًا دُونَ مَا وَصَفْت مِمَّا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِتَحْصِيلٍ وَطَحْنٍ كَانَ مَذْهَبًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قِيلَ مِنْهُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّهَبُ مِنْهُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَالْوَرِقُ مِنْهُ خَمْسَ أَوَاقٍ (قَالَ) : وَيُحْصَى مِنْهُ مَا أَصَابَ فِي الْيَوْمِ، وَالْأَيَّامِ الْمُتَتَابِعَةِ وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ إذَا كَانَ عَمَلُهُ فِي الْمَعْدِنِ مُتَتَابِعًا، وَإِذَا بَلَغَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْمَعْدِنُ غَيْرَ حَاقِدٍ فَقَطَعَ الْعَامِلُ الْعَمَلَ فِيهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهُ لَمْ يَضُمَّ مَا أَصَابَ بِالْعَمَلِ الْآخَرِ إلَى مَا أَصَابَ بِالْعَمَلِ الْأَوَّلِ قَلَّ قَطْعُهُ، أَوْ كَثُرَ وَالْقَطْعُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِغَيْرِ عُذْرِ أَدَاةٍ أَوْ عِلَّةِ مَرَضٍ فَإِذَا كَانَ الْعُذْرُ أَدَاةً أَوْ عِلَّةً مِنْ مَرَضٍ مَتَى أَمْكَنَهُ عَمَلٌ فِيهِ فَلَيْسَ هَذَا قَاطِعًا لِأَنَّ الْعَمَلَ كُلَّهُ يَكُونُ هَكَذَا وَهَكَذَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أُجَرَاؤُهُ أَوْ هَرَبَ عَبِيدُهُ فَكَانَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ كَانَ هَذَا غَيْرَ قَطْعٍ وَلَا وَقْتَ فِيهِ إلَّا مَا وَصَفْت قَلَّ أَوْ كَثُرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَوْ تَابَعَ الْعَمَلَ فِي الْمَعْدِنِ فَحَقَدَ وَلَمْ يَقْطَعْ الْعَمَلَ فِيهِ ضَمَّ مَا أَصَابَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْآخَرِ إلَى الْعَمَلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كُلُّهُ، وَلَيْسَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبِيلٌ لِلْمَعْدِنِ، وَلَوْ قَطَعَ الْعَمَلَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهُ لَمْ يَضُمَّ مَا أَصَابَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْآخَرِ إلَى مَا أَصَابَ بِالْعَمَلِ الْأَوَّلِ، وَلَا وَقْتَ فِي قَلِيلِ قَطْعِهِ وَلَا كَثِيرِهِ إلَّا مَا وَصَفْت مَعَ الْقَطْعِ وَغَيْرِ الْقَطْعِ

باب زكاة الركاز

[بَابُ زَكَاةِ الرِّكَازِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ دَاوُد بْنِ شابور وَيَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ إنْ وَجَدْته فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، أَوْ سَبِيلٍ مِيتَاءٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْته فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ، وَفِي الرِّكَازُ الْخُمْسُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ أَنَّ الرِّكَازَ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي أَنَا وَاقِفٌ فِيهِ الرِّكَازُ فِي الْمَعْدِنِ، وَفِي التِّبْرِ الْمَخْلُوقِ فِي الْأَرْضِ (قَالَ) : وَالرِّكَازُ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ مَا وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ لِأَحَدٍ فِي الْأَرْضِ الَّتِي مَنْ أَحْيَاهَا كَانَتْ لَهُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ أَرْضِ الْمَوَاتِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْأَرْضِ مِنْ بِلَادِ الْحَرْبِ، وَمِنْ بِلَادِ الصُّلْحِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا صَالَحُوا عَلَى مِلْكِ مَوَاتِهَا، فَمَنْ وَجَدَ دَفْنًا مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مَوَاتٍ، فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُ، وَالْخُمْسُ لِأَهْلِ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا فِي أَرْضٍ مَيْتَةٍ يَوْمَ وَجَدَهُ، وَقَدْ كَانَتْ حَيَّةً لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْعَهْدِ كَانَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ مَوَاتٍ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي دَارٍ خَرِبَةٍ لِرَجُلٍ كَانَ لِلرَّجُلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فِي أَرْضٍ عَامِرَةٍ لِرَجُلٍ، أَوْ خَرَابٍ قَدْ كَانَتْ عَامِرَةً لِرَجُلٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، وَلَيْسَ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ الْجَيْشِ، وَهُوَ كَمَا أُخِذَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقْطَعَ الرَّجُلُ قَطِيعَةً فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَوَجَدَ رَجُلٌ فِيهَا رِكَازًا فَهُوَ لِصَاحِبِ الْقَطِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ، أَوْ دَارِهِ رِكَازًا فَادَّعَى صَاحِبُ الدَّارِ أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لَهُ بِلَا يَمِينٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الدَّارِ: لَيْسَ لِي، وَكَانَ وَرِثَ الدَّارَ قِيلَ إنْ ادَّعَيْته لِلَّذِي وَرِثْت الدَّارَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَك وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ وَقَفْت عَنْ دَعْوَاك فِيهِ، أَوْ قُلْت لَيْسَ لِمَنْ وَرِثْت عَنْهُ الدَّارَ، كَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَةِ مَالِك الدَّارِ أَنْ يَدَّعُوا مِيرَاثَهُمْ وَيَأْخُذُوا مِنْهُ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ادَّعَى وَرَثَةُ الرَّجُلِ أَنَّ هَذَا الرِّكَازَ لَهُمْ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنْ يَكُونَ لِأَبِيهِمْ كَانَ لِلَّذِي مَلَكَ الدَّارَ قَبْلَ أَبِيهِمْ وَوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، فَإِنْ أَنْكَرَ إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا أَنْ يَكُونَ لَهُ، كَانَ لِلَّذِي مَلَكَ الدَّارَ قَبْلَهُ أَبَدًا هَكَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلَّذِي وَجَدَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ الرِّكَازَ فِي دَارِ رَجُلٍ، وَفِيهَا سَاكِنٌ غَيْرُ رَبِّهَا وَادَّعَى رَبُّ الدَّارِ الرِّكَازَ لَهُ فَالرِّكَازُ لِلسَّاكِنِ كَمَا يَكُونُ لِلسَّاكِنِ الْمَتَاعُ الَّذِي فِي الدَّارِ الَّذِي بِبِنَاءٍ وَلَا مُتَّصِلٍ بِبِنَاءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَدَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ مَا عُرِفَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ مِنْ ضَرْبِ الْأَعَاجِمِ وَحِلْيَتِهِمْ وَحِلْيَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ مَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي قَبْرٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ

باب ما وجد من الركاز

لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالشِّرْكِ عَمَلٌ، أَوْ ضَرْبٌ قَدْ عَمِلَهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَضَرَبُوهُ، أَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَمَلِهِمْ لَمْ يَضْرِبْهُ وَلَمْ يَعْمَلْهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا، أَوْ وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ عُرِّفَ وَصُنِعَ فِيهِ مَا يُصْنَعُ فِي اللُّقَطَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وُجِدَ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ، وَالِاحْتِيَاطُ لِمَنْ وَجَدَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ أَنْ يُعَرِّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ يُخْرِجَ خُمْسَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَى تَعْرِيفِهِ، فَإِنْ كَانَ رِكَازًا أَدَّى مَا عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِكَازًا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِإِخْرَاجِ الْخُمْسِ وَسَوَاءٌ مَا وَجَدَ مِنْ الرِّكَازِ فِي قَبْرٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ خَرِبَةٍ، أَوْ مَدْفُونًا، أَوْ فِي بِنَائِهَا. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي خَرِبَةٍ بِالسَّوَادِ فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَمَّا لِأَقْضِيَن فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا، إنْ كُنْتَ وَجَدْتهَا فِي خَرِبَةٍ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى فَهِيَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَإِنْ كُنْت وَجَدْتهَا فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى فَلَكَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَلَنَا الْخُمْسُ ثُمَّ الْخُمْسُ لَك (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَدَ رِكَازًا فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَأَخَذَ الْوَالِي خُمْسَهُ وَسَلَّمَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً عَلَيْهِ أَنَّهُ لَهُ، أُخِذَ مِنْ الْوَالِي وَأُخِذَ مِنْ وَاجِدِ الرِّكَازِ جَمِيعُ مَا أَخَذَا، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا مَعًا ضَمِنَ صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَالِي دَفَعَهُ إلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ أَخَذَ مِنْ حَقِّ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَدَفَعَهُ إلَى الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مَا يُقَسَّمُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي يُقَسَّمُ فِيهِمْ خُمْسُ الرِّكَازِ مِنْ رِكَازِ غَيْرِهِ، أَوْ صَدَقَاتِ مُسْلِمٍ أَيِّ صَدَقَةٍ كَانَتْ فَيُؤَدِّيهَا إلَى صَاحِبِ الرِّكَازِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ لِنَفْسِهِ ضَمِنَهُ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَاهُ غَيْرَ أَهْلِ السُّهْمَانِ ضَمِنَهُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ إنْ شَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ هَلَكَ الْخُمْسُ فِي يَدِهِ بِلَا جِنَايَةٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَبَضَهُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ فَيَغْرَمُهُ لِصَاحِبِهِ مِنْ حَقِّ أَهْلِ السُّهْمَانِ (قَالَ) : وَإِنْ عَزَلَ الَّذِي قَبَضَهُ كَانَ عَلَى الَّذِي وُلِّيَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ مِنْ حَقِّ أَهْلِ السُّهْمَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قُلْت هُوَ رِكَازٌ فَهُوَ هَكَذَا وَمَا قُلْت هُوَ لِأَهْلِ الدَّارِ، وَهُوَ لُقَطَةٌ فَلَا تُخَمَّسُ اللُّقَطَةُ، وَهِيَ لِلَّذِي وَجَدَهَا، إذَا لَمْ يَعْتَرِفْ، وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَرَفَ لَمْ تُخَمَّسْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ رَجُلٌ رِكَازًا فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَيْسَ بِمِلْكٍ مَوَاتٌ كَمَوَاتِ أَرْضِ الْعَرَبِ فَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ الْخُمْسُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ عَامِرَةٍ يَمْلِكُهَا رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ كَالْغَنِيمَةِ وَمَا أَخَذَ مِنْ بُيُوتِهِمْ. [بَابُ مَا وُجِدَ مِنْ الرِّكَازِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا أَشُكُّ إذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الرِّكَازَ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا وَبَلَغَ مَا يَجِدُ مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَنَّ زَكَاتَهُ الْخُمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ كَانَ مَا وَجَدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ الْخُمْسُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَخَّارٌ، أَوْ قِيمَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ أُوجِبَهُ عَلَى رَجُلٍ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كُنْت الْوَاجِدَ لَهُ لَخَمَّسْتُهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَبَالِغًا ثَمَنُهُ مَا بَلَغَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الرِّكَازَ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ فَإِنَّمَا يَجِبُ حِينَ يَجِدَهُ كَمَا تَجِبُ زَكَاةُ الْمَعَادِنِ حِينَ يَجِدَهَا؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ غَيْرِ مَا يُوجَدُ فِي الْأَرْضِ

باب زكاة التجارة

قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الرِّكَازِ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَكَانَ حَوْلُ زَكَاةِ مَالِهِ فِي الْمُحَرَّمِ فَأَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ ثُمَّ وَجَدَ الرِّكَازَ فِي صَفَرٍ وَلَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى الرِّكَازَ بِالْخُمْسِ، وَإِنْ كَانَ الرِّكَازُ دِينَارًا؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْتُ زَكَاةِ الرِّكَازِ وَبِيَدِهِ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ مَالٌ إذَا ضَمَّ إلَيْهِ الرِّكَازَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا هَكَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مَالًا دَيْنًا، أَوْ غَائِبًا فِي تِجَارَةٍ عَرَفَ الْوَقْتَ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الرِّكَازَ ثُمَّ سَأَلَ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَالَ الْغَائِبَ فِي تِجَارَةٍ كَانَ فِي يَدِ مَنْ وَكَّلَهُ بِالتِّجَارَةِ فِيهِ فَهُوَ كَكَيْنُونَةِ الْمَالِ فِي يَدِهِ وَأَخْرَجَ زَكَاةَ الرِّكَازِ حِينَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَوْ ذَهَبَ الْمَالُ الَّذِي كَانَ غَائِبًا عَنْهُ، وَهَكَذَا إذَا كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، أَوْ مَدْفُونٌ فِي مَوْضِعٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الرِّكَازَ فِي مَوْضِعِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ أَفَادَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَكَانَ حَوْلُهَا فِي صَفَرٍ وَحَوْلُ زَكَاتِهِ فِي الْمُحَرَّمِ كَانَ كَمَا وَصَفْتُ فِي الرِّكَازِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الرِّكَازَ فِي صَفَرٍ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ تَجِبُ فِيهِ إذَا قَبَضَهُ الزَّكَاةُ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا ضَمَّ إلَى الرِّكَازِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَعَلَيْهِ طَلَبُهُ إذَا حَلَّ، وَإِذَا قَبَضَهُ، أَوْ قَبَضَ مِنْهُ مَا يَفِي بِالرِّكَازِ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ زَكَّاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ لَوْ أَفَادَ الْيَوْمَ رِكَازًا لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ وَغَدًا مِثْلُهُ، وَلَوْ جُمِعَا مَعًا وَجَبَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُمْسٌ وَلَمْ يُجْمَعَا وَكَانَا كَالْمَالِ يُفِيدُهُ فِي وَقْتٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ سَنَةٌ ثُمَّ يُفِيدُ آخَرَ فِي وَقْتٍ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ سَنَةٌ لَيْسَ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِذَا أَقَامَ هَذَا مِنْ الرِّكَازِ فِي يَدِهِ هَكَذَا، وَهُوَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ رُبْعَ الْعُشْرِ بِالْحَوْلِ لَا خُمْسًا. [بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ] (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: مَرَرْت بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلَى عُنُقِي آدِمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ عُمَرُ " أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَك يَا حَمَاسُ؟ " فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لِي غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِي وَآهِبَةٌ فِي الْقَرَظِ فَقَالَ: " ذَاكَ مَالٌ فَضَعْ " قَالَ فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَسَبَهَا فَوَجَدَهَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ. (أَخْبَرَنَا) الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ " لَيْسَ فِي الْعَرَضِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التِّجَارَةُ " أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ: " أَنْ اُنْظُرْ مَنْ مَرَّ بِك مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ التِّجَارَاتِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا وَلَا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُعَدُّ لَهُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَيَأْخُذُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَى مَا يَأْخُذُ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَنُوَافِقُهُ فِي قَوْلِهِ " فَإِنْ نَقَصَتْ

ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا وَنُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا إذَا نَقَصَتْ عَنْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَقَلَّ مِنْ حَبَّةٍ لَمْ نَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ مَحْدُودَةً بِأَنْ لَا يُؤْخَذَ إلَّا مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا بِشَيْءٍ مَا كَانَ الشَّيْءُ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ وَذَكَرَ لِي عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبُلْدَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُرُوضُ الَّتِي لَمْ تُشْتَرَ لِلتِّجَارَةِ مِنْ الْأَمْوَالِ لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ بِأَنْفُسِهَا فَمَنْ كَانَتْ لَهُ دُورٌ أَوْ حَمَّامَاتٌ لِغَلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ ثِيَابٌ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ أَوْ رَقِيقٌ كَثُرَ أَوْ قَلَّ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِي غَلَّاتِهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدَيْ مَالِكِهَا، وَكَذَلِكَ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ وَغَيْرِهِ لَا زَكَاةَ فِيهَا إلَّا بِالْحَوْلِ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالٍ مَا كَانَ لَيْسَ بِمَاشِيَةٍ وَلَا حَرْثٍ وَلَا ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَوْ يَسْتَغِلُّ مَالَهُ غَلَّةً مِنْهُ أَوْ يَدَّخِرُهُ وَلَا يُرِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهُ التِّجَارَةَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِقِيمَةٍ وَلَا فِي غَلَّتِهِ وَلَا فِي ثَمَنِهِ لَوْ بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يَسْتَغِلَّهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فَإِذَا حَالَ عَلَى مَا نَضَّ بِيَدِهِ مِنْ ثَمَنِهِ حَوْلٌ زَكَّاهُ، وَكَذَلِكَ غَلَّتُهُ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُزَكَّى مِنْ سَائِمَةِ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنْ أَكْرَى شَيْئًا مِنْهُ بِحِنْطَةٍ أَوْ زَرْعٍ مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَوْ لَمْ يَحُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَزْرَعْهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُؤْتَى حَقُّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَهَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ الزَّكَاةَ عَلَى الزَّرْعِ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ: وَزَكَاةُ الزَّرْعِ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ فِي قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ بَيْعَ الزَّرْعِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْيَضَّ (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّبِيعُ) : وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ بَيْعَهُ فَأَمَّا هُوَ فَكَانَ لَا يَرَى بَيْعَهُ فِي سُنْبُلِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُتَّبَعُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ عَلِمْته أَنَّ مَنْ أَدَّى عُشْرَ أَرْضِهِ ثُمَّ حَبَسَ طَعَامَهَا أَحْوَالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعُرُوضِ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ أَيِّ وُجُوهِ الْمِلْكِ مَلَكَهَا بِهِ إلَّا الشِّرَاءَ أَوْ كَانَ مُتَرَبِّصًا يُرِيدُ بِهِ الْبَيْعَ فَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَرًى لِلتِّجَارَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ الْعُرُوضِ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْت أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهِ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ بِأَيِّ وُجُوهِ الشِّرَاءِ الصَّحِيحِ كَانَ أَحْصَى يَوْمَ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ، هُوَ عَرَضٌ فِي يَدِهِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَهُ بِالْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ دَنَانِيرَ كَانَتْ أَوْ دَرَاهِمَ ثُمَّ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي قَوَّمَهُ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ بَاعَ عَرَضًا مِنْهُ بِعَرَضٍ اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ قَوَّمَ الْعَرَضَ الثَّانِيَ بِحَوْلِهِ يَوْمَ مَلَكَ الْعَرَضَ الْأَوَّلَ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيمَتِهِ وَسَوَاءٌ غُبِنَ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَوْ غُبِنَ عَامَّةً إلَّا أَنْ يُغْبَنَ بِالْمُحَابَاةِ وَجَاهِلًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا اخْتِلَافَ فِيمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الْعَرَضَ بِنَقْدٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ عَرَضٍ تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ الزَّكَاةُ حَسَبَ مَا أَقَامَ الْمَالَ فِي يَدِهِ وَيَوْمَ اشْتَرَى الْعَرَضَ كَأَنَّ الْمَالَ أَوْ الْعَرَضَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْعَرَضَ لِلتِّجَارَةِ أَقَامَ فِي يَدِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَقَامَ فِي يَدِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالَيْنِ مَعًا، الَّذِي كَانَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، وَكَانَتْ الزَّكَاةُ وَاجِبَةً فِيهِمَا مَعًا، فَيُقَوِّمُ الْعَرَضَ الَّذِي فِي يَدِهِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاتَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَرَضٌ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ عَرَضٌ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَحْسُبْ مَا أَقَامَ الْعَرَضَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْعَرَضَ الْآخَرَ وَحَسَبَ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَى الْعَرَضَ الْآخَرَ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهُ زَكَّاهُ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ الْأَوَّلَ لَيْسَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِحَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَى عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ أَوْ شَيْءٍ تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْ الْمَاشِيَةِ، وَكَانَ أَفَادَ مَا اشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرَضَ مِنْ يَوْمِهِ لَمْ يُقَوِّمْ الْعَرَضَ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ يَوْمَ أَفَادَ ثَمَنَ الْعَرَضِ ثُمَّ يُزَكِّيهِ بَعْدَ الْحَوْلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَامَ هَذَا الْعَرَضُ فِي يَدِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَقَامَتْ فِي

يَدِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ زَكَّاهُ وَكَانَتْ كَدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَقَامَتْ فِي يَدِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْعَرَضِ زَكَاةٌ إلَّا بِشِرَائِهِ عَلَى نِيَّةِ التِّجَارَةِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ الَّتِي حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا عَرَضًا فَأَقَامَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ الَّتِي حَوَّلَهَا فِيهِ لِتِجَارَةٍ عَرَضًا أَوْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ لِتِجَارَةٍ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ مِنْ يَوْمِ زَكَّى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، قَوَّمَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ زَكَّاهُ وَلَا يُقَوِّمُهُ بِدَنَانِيرَ إذَا اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ الْأَغْلَبُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا يُقَوِّمُهُ بِالْأَغْلَبِ إذَا اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ لِلتِّجَارَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهُ بِدَنَانِيرَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي صَرَفَهَا فِيهِ أَوْ مِنْ يَوْمِ زَكَّاهُ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي اشْتَرَاهُ بِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجُوزُ فِي الْعَرَضِ بِعَيْنِهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ بِيعَ الْعَرَضُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَوَّمَ الدَّنَانِيرَ الَّتِي بَاعَهُ بِهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَخَذَ زَكَاةَ الدَّرَاهِمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بِعَرَضٍ فَيُقَوَّمُ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ وَيَبْقَى عَرَضًا فَيُقَوَّمُ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، فَإِذَا بِيعَ بِدَنَانِيرَ زُكِّيَتْ الدَّنَانِيرُ بِقِيمَةِ الدَّرَاهِمِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِدَرَاهِمَ فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلَا يُقَوِّمُهَا بِدَرَاهِمَ وَلَا يُخْرِجُ لَهَا زَكَاةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِي الدَّنَانِيرِ بِأَعْيَانِهَا زَكَاةً، فَقَدْ تَحَوَّلَتْ الدَّرَاهِمُ دَنَانِيرَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَأَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ إلَّا يَوْمًا بِدَنَانِيرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الدَّنَانِيرِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْتَدِئَ لَهَا حَوْلًا كَامِلًا كَمَا لَوْ بَاعَ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا بِإِبِلٍ قَدْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَا بَاعَ إلَّا يَوْمًا اسْتَقْبَلَ حَوْلًا بِمَا اشْتَرَى إذَا كَانَتْ سَائِمَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَى عَرَضًا لَا يَنْوِي بِشِرَائِهِ التِّجَارَةَ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَوْ لَمْ يَحُلْ ثُمَّ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ بِحَالٍ حَتَّى يَبِيعَهُ وَيَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ لَا يُرِيدُ بِهِ التِّجَارَةَ، كَانَ كَمَا مَلَكَ بِغَيْرِ شِرَاءٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَى عَرَضًا يُرِيدُ بِهِ التِّجَارَةَ فَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهُ حَتَّى نَوَى بِهِ أَنْ يَقْتَنِيَهُ وَلَا يَتَّخِذَهُ لِتِجَارَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لَوْ زَكَّاهُ وَإِنَّمَا يُبَيِّنُ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ إذَا اشْتَرَاهُ يُرِيدُ بِهِ التِّجَارَةَ وَلَمْ تَنْصَرِفْ نِيَّتُهُ عَنْ إرَادَةِ التِّجَارَةِ بِهِ، فَأَمَّا إذَا انْصَرَفَتْ نِيَّتُهُ عَنْ إرَادَةِ التِّجَارَةِ فَلَا أَعْلَمُهُ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةً، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَاشِيَةٍ سَائِمَةٍ أَرَادَ عَلْفَهَا فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْ السَّائِمَةِ حَتَّى يَعْلِفَهَا؛ فَأَمَّا نِيَّةُ الْقِنْيَةِ وَالتِّجَارَةِ فَسَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمَالِكِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لَا يَمْلِكُ إلَّا أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَاشْتَرَى بِهَا عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ فَبَاعَ الْعَرَضَ بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، أَوْ عِنْدَهُ، أَوْ قَبْلَهُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى الْعَرَضَ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الْعَرَضَ لَا يَوْمِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّرَاهِمِ زَكَاةٌ لَوْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِيَ بِحَالِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ، أَوْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا الَّتِي اشْتَرَى بِهَا الْعَرَضَ أَقَامَتْ فِي يَدِهِ أَشْهُرًا لَمْ يَحْسُبْ مَقَامَهَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَحُسِبَ لِلْعَرَضِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ، وَإِنَّمَا صَدَّقْنَا الْعَرَضَ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهِ بِنَفْسِهِ بِنِيَّةِ شِرَائِهِ لِلتِّجَارَةِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ هُوَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنِّي كَمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ صَارَتْ فِيهِ نَفْسِهِ وَلَا أَنْظُرُ فِيهِ إلَى قِيمَتِهِ فِي أَوَّلِ

باب زكاة مال القراض

السَّنَةِ وَلَا فِي وَسَطِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَحِلُّ الزَّكَاةُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، هُوَ فِي هَذَا يُخَالِفُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَرَضًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَكَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَحُولُ الْحَوْلُ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ سَقَطَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيَّنَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَحَوَّلَتْ فِيهِ وَفِي ثَمَنِهِ إذَا بِيعَ لَا فِيمَا اشْتَرَى بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِتِجَارَةٍ كُلُّ مَا عَدَا الْأَعْيَانَ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ بِأَنْفُسِهَا مِنْ رَقِيقٍ وَغَيْرِهِمْ فَلَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا لِتِجَارَةٍ فَجَاءَ عَلَيْهِمْ الْفِطْرُ وَهُمْ عِنْدَهُ زَكَّى عَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ وَزَكَاةَ التِّجَارَةِ بِحَوْلِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ زَكَّى عَنْهُمْ التِّجَارَةَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ فِيهِمْ زَكَاةُ الْفِطْرِ (قَالَ) : وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ اُشْتُرِيَ لِتِجَارَةٍ زَكَاةُ الْفِطْرِ غَيْرَ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَاتُهُ غَيْرُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى عَدَدِ الْأَحْرَارِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمَالٍ، وَإِنَّمَا هِيَ طَهُورٌ لِمَنْ لَزِمَهُ اسْمُ الْإِيمَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ بِعَرَضٍ، أَوْ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بِعَرَضٍ يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ فَلَا زَكَاةَ فِيمَا اشْتَرَى مِنْهَا إلَّا بَعْدَمَا يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ كَأَنَّهُ مَلَكَ مِائَةَ دِينَارٍ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا مِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ فِي الدَّنَانِيرِ الْآخِرَةِ وَلَا الدَّرَاهِمِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا بِأَنْفُسِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إذَا اشْتَرَى سَائِمَةً مِنْ إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ فَلَا زَكَاةَ فِيمَا اشْتَرَى مِنْهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدِهِ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا زَكَاةَ فِيمَا أَقَامَ فِي يَدِهِ مَا اشْتَرَاهُ مَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ بِنَفْسِهِ لَا بِنِيَّةٍ لِلتِّجَارَةِ وَلَا غَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى السَّائِمَةَ لِتِجَارَةٍ زَكَّاهَا زَكَاةَ السَّائِمَةِ لَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ، وَإِذَا مَلَكَ السَّائِمَةَ بِمِيرَاثٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهِ زَكَّاهَا بِحَوْلِهَا زَكَاةَ السَّائِمَةِ، وَهَذَا خِلَافُ التِّجَارَاتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى نَخْلًا وَأَرْضًا لِلتِّجَارَةِ زَكَّاهَا زَكَاةَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ، وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا غِرَاسٌ غَيْرُ نَخْلٍ، أَوْ كَرْمٍ، أَوْ زَرْعٌ غَيْرُ حِنْطَةٍ. (قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ وَالرَّبِيعُ) : وَغَيْرُ مَا فِيهَا الرِّكَازُ لِتِجَارَةٍ زَكَّاهَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ بِنَفْسِهِ زَكَاةٌ، وَإِنَّمَا يُزَكَّى زَكَاةَ التِّجَارَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ وَلَا فِي الْمَاشِيَةِ غَيْرِ السَّائِمَةِ، فَإِذَا اشْتَرَى وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ لِلتِّجَارَةِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا يَكُونُ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي تُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ. [بَابُ زَكَاةِ مَالِ الْقِرَاضِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً تَسْوَى أَلْفَيْنِ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ السِّلْعَةَ تُزَكَّى كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مِلْكِ مَالِكِهَا لَا شَيْءَ فِيهَا لِلْمُقَارِضِ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَيُقَاسِمَهُ الرِّبْحَ عَلَى مَا تَشَارَطَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، أَوْ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَمْ يَقْتَسِمَا الْمَالَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ (قَالَ) : وَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ وَسَلَّمَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَاقْتَسَمَا الرِّبْحَ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ فَفِي رَأْسِ مَالِ رَبِّ الْمَالِ وَرِبْحِهِ الزَّكَاةُ، وَلَا زَكَاةَ فِي حِصَّةِ الْمُقَارِضِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ مَالًا لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ رَأْسَ مَالِ رَبِّ الْمَالِ إلَيْهِ وَلَمْ يَقْتَسِمَا الرِّبْحَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ صَدَّقَ رَأْسَ مَالِ رَبِّ الْمَالِ وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَلَمْ يَصَّدَّقْ مَالَ الْمُقَارِضِ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَادِثٌ فِيهِ وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اسْتَأْخَرَ الْمَالُ سِنِينَ لَا يُبَاعُ زَكَّى كُلَّ سَنَةٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَبَدًا حَتَّى يُسَلِّمَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ فَهُوَ مِنْ مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ فِي هَذَا الْقَوْلِ لَا

باب الدين مع الصدقة

يَخْتَلِفُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْعَامِلُ نَصْرَانِيًّا، أَوْ مُكَاتَبًا، فَهَكَذَا يُزَكِّي مَا لَمْ يَأْخُذْ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، وَإِذَا أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ زَكَّى جَمِيعَ مَالِهِ وَلَمْ يُزَكِّ مَالَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا الْمُكَاتَبِ مِنْهُ، هُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي، إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً تَسْوَى أَلْفًا فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى السِّلْعَةِ فِي يَدَيْ الْمُقَارِضِ قَبْلَ بَيْعِهَا قُوِّمَتْ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَلْفَيْنِ أُدِّيَتْ الزَّكَاةُ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا حِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ وَوُقِفَتْ زَكَاةُ خَمْسِمِائَةٍ، فَإِنْ حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ ثَانٍ، فَإِنْ بَلَغَتْ الْأَلْفَيْنِ زُكِّيَتْ الْأَلْفَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَالَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ صَارَتْ لِلْمُقَارِضِ فَإِنْ نَقَصَتْ السِّلْعَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَا الْمُقَارِضِ يَتَرَاجَعَانِ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ فِي عَامٍ مُقْبِلٍ ثَمَنَ ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ زُكِّيَتْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ كَمَا وَصَفْت وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْفَضْلُ فِيهَا إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ لِلْمُقَارِضِ نِصْفُهَا وَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ صَارَ لِلْمُقَارِضِ فِيهَا فَضْلٌ زُكِّيَتْ؛ لِأَنَّ الْمُقَارِضَ خَلِيطٌ بِهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ السِّلْعَةُ حَتَّى تَصِيرَ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ زُكِّيَتْ أَلْفٌ وَلَا تَعْدُو الزَّكَاةُ الْأُولَى أَنْ تَكُونَ عَنْهُمَا مَعًا، فَهُمَا لَوْ كَانَا خَلِيطَيْنِ فِي مَالٍ أَخَذْنَا الزَّكَاةَ مِنْهُمَا مَعًا، أَوْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُقَارِضُ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ عَبْدًا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِرَاضِ فَكَانَ مَالُهُ مَالَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَارِضُ مِمَّنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَأَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا زُكِّيَتْ حِصَّةُ الْمُقَارِضِ الْمُسْلِمِ وَلَمْ تُزَكَّ حِصَّةُ الْمُقَارِضِ النَّصْرَانِيِّ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ نَمَاءَهَا لَوْ سَلِمَ كَانَ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُقَارِضُ مُكَاتَبًا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ لِمُسْلِمٍ وَلَا تُزَكَّى حِصَّةُ الْعَامِلِ النَّصْرَانِيِّ وَالْمُكَاتَبِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا فِي أَمْوَالِهِمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَرَبُّ الْمَالِ نَصْرَانِيٌّ وَالْعَامِلُ فِي الْمَالِ مُسْلِمٌ، فَاشْتَرَى سِلْعَةً بِأَلْفٍ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ وَهِيَ ثَمَنُ أَلْفَيْنِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ حَالَ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ؛ لِأَنَّهَا مَالُ نَصْرَانِيٍّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْعَامِلُ إلَى النَّصْرَانِيِّ رَأْسَ مَالِهِ فَيَكُونُ مَا فَضَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّصْرَانِيِّ فَيُزَكِّي نَصِيبَ الْعَامِلِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ إذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ وَلَا يُزَكِّي نَصِيبَ النَّصْرَانِيِّ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي، فَإِنَّهُ يُحْصِي ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ، فَإِذَا حَالَ حَوْلٌ، فَإِنْ سَلِمَ لَهُ فَضْلُهَا أَدَّى زَكَاتَهُ كَمَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ مُنْذُ كَانَ لَهُ فِي الْمَالِ فَضْلٌ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ فِي الْمَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ صَدَّقَ الْمُسْلِمُ مَالَهُ صَدَقَةَ الْمُنْفَرِدِ لَا صَدَقَةَ الشَّرِيكِ وَلَا الْخَلِيطِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالنَّاضِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ، إنَّمَا يُجْمَعُ فِي الصَّدَقَةِ مَا فِيهِ كُلِّهِ صَدَقَةٌ، فَأَمَّا أَنْ يُجْمَعَ فِي الصَّدَقَةِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ. [بَابُ الدَّيْنِ مَعَ الصَّدَقَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: " هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَحَدِيثُ عُثْمَانَ يُشْبِهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَالِ فِي قَوْلِهِ " هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ " يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي إذَا مَضَى حَلَّتْ زَكَاتُكُمْ كَمَا يُقَالُ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنَّمَا الْحِجَّةُ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامٍ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَقَضَى مِنْ الْمِائَتَيْنِ شَيْئًا قَبْلَ حُلُولِ الْمِائَتَيْنِ، أَوْ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ قَبْلَ مَحَلِّ حَوْلِ الْمِائَتَيْنِ فَقَضَاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ وَلَيْسَتْ مِائَتَيْنِ (قَالَ) : وَإِنْ لَمْ

باب زكاة الدين

يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْمِائَتَيْنِ إلَّا بَعْدَ حَوْلِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَوَقَفَ مَالَهُ وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهَا ثُمَّ يَدْفَعَ إلَى غُرَمَائِهِ مَا بَقِيَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْغُرَمَاءُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ لِلْغُرَمَاءِ دُونَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْهُ وَمِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ هَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا الْمَالَ وَأَنْ يُقْضِيَ الْغُرَمَاءَ مِنْ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَالٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ إلَى مَنْ جَعَلَهَا لَهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَالٍ كَانَ فِي يَدِهِ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ فَيُعْطِي الَّذِي اسْتَحَقَّهُ وَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ بَقِيَ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ وَالْمَاشِيَةِ كُلِّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِمَّا قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فِي كُلِّهِ إذَا بَلَغَ مَا وُصِفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّدَقَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ الَّتِي صَدَقَتُهَا مِنْهَا وَاَلَّتِي فِيهَا الْغَنَمُ وَغَيْرُهَا كَالْمُرْتَهِنِ بِالشَّيْءِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ مَا فِيهِ وَلِغُرَمَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ مَا فَضَلَ عَنْهُ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ الْمُرْتَهِنِ، وَمَا وَجَبَ فِي مَالٍ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْ إجَارَةِ أَجِيرٍ وَغَيْرِهَا أُعْطِيَ قَبْلَ الْحَوْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ بِشَاةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا فَهِيَ مِلْكٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ قَبَضَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مَاشِيَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ بَعْدَ شَاةِ الْأَجِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْأَجِيرُ الشَّاةَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ فَفِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ، عَلَى الشَّاةِ حِصَّتُهَا مِنْ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيطٌ بِالشَّاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ بِتَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ نَخَلَاتٍ لَا يَخْتَلِفُ إذَا لَمْ يَقْبِضْ الْإِجَارَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ بِشَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ قَائِمٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَضَى خَبَرٌ لَازِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ كَالشَّاةِ بِعَيْنِهَا وَتَمْرِ النَّخْلَةِ وَالنَّخَلَاتِ بِأَعْيَانِهِنَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ بِصِفَةٍ، أَوْ تَمْرٍ بِصِفَةٍ، أَوْ بَاعَ غَنَمًا فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فِي غَنَمِهِ وَتَمْرِهِ وَزَرْعِهِ وَيُؤْخَذُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْأَجِيرِ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ الصِّفَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ، أَوْ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ عُرُوضٌ كَثِيرَةٌ تَحْمِلُ دَيْنَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَقَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَقَالَ: قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُخْرِجُ مِنْهَا الزَّكَاةَ وَيَدْفَعُ مَا بَقِيَ مِنْهَا إلَى غُرَمَائِهِ إذَا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا، أَوْ أَكْثَرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَالَ: قَدْ حَالَتْ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ وَلَمْ أُخْرِجْ مِنْهَا الزَّكَاةَ وَكَذَّبَهُ غُرَمَاؤُهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةَ الْأَحْوَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ غُرَمَاؤُهُ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ الزَّكَاةِ أَبَدًا أَوْلَى بِهَا مِنْ مَالِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى بِهَا مِنْ مِلْكِ مَالِكِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَوَاءٌ، وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَرْهُونَةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الزَّكَاةَ قَبْلَ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَالٍ رُهِنَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ. [بَابُ زَكَاةِ الدَّيْنِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عَنْهُ فَهُوَ كَمَا تَكُونُ التِّجَارَةُ لَهُ غَائِبَةً

عَنْهُ الْوَدِيعَةُ وَفِي كُلٍّ زَكَاةٌ (قَالَ) : وَإِذَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ فِي الْحَوْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا فِي حَوْلٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ زَكَاةٌ وَلَا يَكُونُ إلَّا كَمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا يَكُونُ فِيهِ زَكَاةٌ فَيَكُونُ كَالْمَالِ الْمُسْتَفَادِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ وَرَبُّ الْمَالِ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِحُضُورِ رَبِّ الدَّيْنِ وَمِلَائِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهُ وَلَا يَضْطَرُّهُ إلَى عَدْوَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، أَوْ زَكَاتَهُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ هَكَذَا، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ غَائِبًا، أَوْ حَاضِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ إلَّا بِخَوْفٍ، أَوْ بِفَلَسٍ لَهُ إنْ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَائِبًا حَسَبَ مَا احْتَبَسَ عِنْدَهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ أَدَّى زَكَاتَهُ لِمَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الْمَاشِيَةُ تَكُونُ لِلرَّجُلِ غَائِبَةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يُقْدَرُ لَهُ عَلَيْهَا، وَهَكَذَا الْوَدِيعَةُ وَالْمَالُ يَدْفِنُهُ فَيَنْسَى مَوْضِعَهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْغَائِبُ عَنْهُ فِي تِجَارَةٍ يَقْدِرُ وَكِيلٌ لَهُ عَلَى قَبْضِهِ حَيْثُ هُوَ، قُوِّمَ حَيْثُ هُوَ وَأُدِّيَتْ زَكَاتُهُ وَلَا يَسَعُهُ إلَّا ذَلِكَ وَهَكَذَا الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَالدَّيْنُ، وَكُلَّمَا قُلْت لَا يَسَعُهُ إلَّا تَأْدِيَةُ زَكَاتِهِ بِحَوْلِهِ وَإِمْكَانِهِ لَهُ، فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ وَبَعْدَ الْحَوْلِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهَكَذَا كُلُّ مَالٍ لَهُ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ فَكُلَّمَا قُلْت لَهُ يُزَكِّيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَهَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ قَبْضُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى مِنْ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ غَصَبَ مَالًا فَأَقَامَ فِي يَدَيْ الْغَاصِبِ زَمَانًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخَذَهُ، أَوْ غَرِقَ لَهُ مَالٌ فَأَقَامَ فِي الْبَحْرِ زَمَانًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، أَوْ دُفِنَ مَالٌ فَضَلَّ مَوْضِعَهُ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ هُوَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى وَلَا إذَا قَبَضَهُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ بِلَا طَاعَةٍ مِنْهُ كَطَاعَتِهِ فِي السَّلَفِ وَالتِّجَارَةِ وَالدَّيْنِ، أَوْ يَكُونَ فِيهِ الزَّكَاةُ إنْ سَلِمَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : الْقَوْلُ الْآخَرُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي؛ لِأَنَّ مَنْ غُصِبَ مَالُهُ، أَوْ غَرِقَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ أَصْلُهُ مَضْمُونٌ، أَوْ أَمَانَةٌ فَجَحَدَهُ إيَّاهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ الْأَخْذُ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : فَإِذَا أَخَذَهُ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ هَلَكَ مِنْهُ مَالٌ فَالْتَقَطَهُ مِنْهُ رَجُلٌ، أَوْ لَمْ يَدْرِ اُلْتُقِطَ، أَوْ لَمْ يُلْتَقَطْ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَمْلِكُهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ إنْ جَاءَهُ، وَيُخَالِفُ الْبَابَ قَبْلَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا أَقْبَضَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قُلْت عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ زَكَّاهُ إذَا كَانَ فِي مِثْلِهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى ثُمَّ كُلَّمَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا فَكَذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا عَرَّفَ الرَّجُلُ اللُّقَطَةَ سَنَةً ثُمَّ مَلَكَهَا فَحَالَ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ وَلَمْ يُزَكِّهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَى الَّذِي وَجَدَهَا، وَلَيْسَ هَذَا كَصَدَاقِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكًا قَطُّ حَتَّى جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِنْ أَدَّى عَنْهَا زَكَاةً مِنْهَا ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي اعْتَرَفَهَا، أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَقَامِهَا فِي يَدَيْ غَيْرِهِ كَمَا وَصَفْت أَنْ تَسْقُطَ الزَّكَاةُ فِي مَقَامِهَا فِي يَدَيْ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهَا بِلَا رِضًا مِنْ الْمُلْتَقِطِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا

باب الذي يدفع زكاته فتهلك قبل أن يدفعها إلى أهلها

مَالُهُ وَكُلُّ مَا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قُلْت عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ زَكَّاهُ إذَا كَانَ فِي مِثْلِهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى، فَكُلَّمَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ مَا لَا زَكَاةَ فِي مِثْلِهِ فَكَانَ لَهُ مَالٌ، أَضَافَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا حَسَبَهُ، فَإِذَا قَبَضَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَعَهُ، أَدَّى زَكَاتَهُ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ. [بَابُ الَّذِي يَدْفَعُ زَكَاتَهُ فَتَهْلِكُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَخْرَجَ رَجُلٌ زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا لَمْ تُجْزِ عَنْهُ، وَإِنْ حَلَّتْ زَكَاةُ مَالِهِ زَكَّى مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَحْسُبْ عَلَيْهِ مَا هَلَكَ مِنْهُ مِنْ الْمَالِ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا زَرْعُهُ وَثَمَرُهُ، إنْ كَانَتْ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَمَا حَلَّتْ فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا،، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرِّطْ وَالتَّفْرِيطُ أَنْ يُمْكِنَهُ بَعْدَ حَوْلِهَا دَفْعُهَا إلَى أَهْلِهَا، أَوْ الْوَالِي فَتَأَخَّرَ، لَمْ يَحْسُبْ عَلَيْهِ مَا هَلَكَ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ إلَّا بِدَفْعِهِ إلَى مَنْ يَسْتَوْجِبُهُ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرَجَعَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ زَكَاةٌ زَكَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ زَكَاةٌ لَمْ يُزَكِّهِ كَأَنْ حَلَّ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَخْرَجَ النِّصْفَ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إحْدَى وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَنِصْفٌ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إحْدَى وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَنِصْفٌ فَأَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَهَا فَيُخْرِجُ عَنْ الْعِشْرِينَ نِصْفًا وَعَنْ الْبَاقِي عَنْ الْعِشْرِينَ رُبُعَ عُشْرِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ مَا زَادَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ بِحِسَابِهِ، فَإِنْ هَلَكَتْ الزَّكَاةُ وَقَدْ بَقِيَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَأَكْثَرُ فَيُزَكِّي مَا بَقِيَ بِرُبُعِ عُشْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا هَكَذَا مِمَّا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ وَالتِّجَارَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْمَاشِيَةِ إلَّا أَنَّ الْمَاشِيَةَ تُخَالِفُ هَذَا فِي أَنَّهَا بِعَدَدٍ وَأَنَّهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ، فَإِنْ حَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ، هُوَ فِي سَفَرٍ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَحِقُّ السُّهْمَانَ، أَوْ هُوَ فِي مِصْرَ فَطَلَبَ فَلَمْ يَحْضُرْهُ فِي سَاعَتِهِ تِلْكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ السُّهْمَانَ، أَوْ سُجِنَ، أَوْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَكُلُّ هَذَا عُذْرٌ، لَا يَكُونُ بِهِ مُفَرِّطًا، وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَا يُحْسَبُ مَا هَلَكَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ إذَا حُبِسَ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ، أَوْ وَجَدَ أَهْلَ السُّهْمَانِ فَأَخَّرَ ذَلِكَ قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا، هُوَ يُمْكِنُهُ فَلَمْ يُعْطِهِمْ بِوُجُودِ الْمَالِ وَأَهْلِ السُّهْمَانِ فَهُوَ مُفَرِّطٌ وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ فَالزَّكَاةُ لَازِمَةٌ لَهُ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْهُ كَأَنْ كَانَتْ لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهَا فَأَخَّرَهَا فَهَلَكَتْ الْعِشْرُونَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ يُؤَدِّيهِ مَتَى وَجَدَهُ، لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ سِنِينَ ثُمَّ هَلَكَ أَدَّى زَكَاتَهُ لِمَا فَرَّطَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ فَأَقَامَتْ فِي يَدِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَمْكَنَهُ فِي مُضِيِّ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَدَاءُ زَكَاتِهَا فَلَمْ يُؤَدِّهَا أَدَّى زَكَاتَهَا لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَدَاءُ زَكَاتِهَا حَتَّى هَلَكَتْ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَرَّطَ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا.

باب المال يحول عليه أحوال في يدي صاحبه

[بَابُ الْمَالِ يَحُولُ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَحَالَ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ وَهِيَ فِي يَدِهِ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَعَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهَا شَاةٌ فِي السَّنَةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ خَمْسٌ تَجِبُ فِيهِنَّ الزَّكَاةُ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ أَقَامَتْ عِنْدَهُ أَحْوَالًا أَدَاءَ زَكَاتِهَا فِي كُلِّ عَامٍ أَقَامَتْ عِنْدَهُ شَاةٌ فِي كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا عَنْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ ثَلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ، أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا، أَوْ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَخْرَجَ زَكَاتَهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ زَكَاتَهَا خَارِجَةٌ مِنْ مِلْكِهِ مَضْمُونَةٌ فِي يَدِهِ لِأَهْلِهَا ضَمَانَ مَا غَصْبَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَتْ إبِلُهُ سِتًّا فَحَالَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ وَبَعِيرٌ مِنْهَا يَسْوَى شَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ أَدَّى زَكَاتَهَا لِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّ بَعِيرًا مِنْهَا إذَا ذَهَبَ بِشَاتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فِيهَا زَكَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا فَحَالَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أُخِذَتْ مِنْ الْغَنَمِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّ شَاتَيْنِ يَذْهَبَانِ وَيَبْقَى أَرْبَعُونَ فِيهَا شَاةٌ وَأُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاةُ الدَّنَانِيرِ دِينَارٌ وَنِصْفٌ وَحِصَّةُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَذْهَبُ وَيَبْقَى فِي يَدِهِ مَا فِيهِ زَكَاةٌ وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوَّلَ سَنَةٍ ثُمَّ زَادَتْ شَاةٌ فَحَالَتْ عَلَيْهَا سَنَةٌ ثَانِيَةٌ وَهِيَ إحْدَى وَأَرْبَعُونَ ثُمَّ زَادَتْ شَاةٌ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَحَالَتْ عَلَيْهَا سَنَةٌ وَهِيَ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً كَانَتْ فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ لَمْ تَحُلْ إلَّا وَرَبُّهَا يَمْلِكُ فِيهَا أَرْبَعِينَ شَاةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ فِيهِ الزَّكَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَحَالَ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ وَلَمْ تَزِدْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهَا لِمَا مَضَى عَلَيْهَا مِنْ السِّنِينَ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ نُجْبِرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْأَرْبَعُونَ شَاةً فَحَالَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَنْ يُؤَدِّيَ ثَلَاثَ شِيَاهٍ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِي الْإِبِلِ إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَحَالَ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ كَانَتْ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ شَاةٌ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ مِنْ عَيْنِهَا إنَّمَا تَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْغَنَمِ الَّتِي فِي عَيْنِهَا الزَّكَاةُ. [بَابُ الْبَيْعِ فِي الْمَالِ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: لَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ بَيْعًا فَاسِدًا فَأَقَامَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي شَهْرًا ثُمَّ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا الْبَائِعُ فَفِيهَا الزَّكَاةُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَهَكَذَا كُلُّ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا مِنْ مَاشِيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا زُكِّيَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، لَوْ كَانَ الْبَائِعُ بَاعَهَا بَيْعًا صَحِيحًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا الْبَائِعُ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ خُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَلِمُشْتَرِيهَا رَدُّهَا لِلنَّقْصِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهَا بِالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَاخْتَارَ إنْفَاذَ الْبَيْعِ بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ وَلَمْ يَتِمَّ خُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِحَالٍ (قَالَ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ خِيَارُ الرَّدِّ إنْ شَاءَ دُونَ الْبَائِعِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ دُونَ الْبَائِعِ فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي كَانَتْ الزَّكَاةُ

عَلَيْهِ إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا وَقُبِضَتْ وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ بَاعَ الرَّجُلُ صِنْفًا مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ فِيهِ بِالْخِيَارِ يَوْمًا، فَاخْتَارَ إنْفَاذَ الْبَيْعِ بَعْدَ يَوْمٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ كَانَتْ فِي الْمَالِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ بِنَقْصِ الزَّكَاةِ مِنْهُ، لَوْ اخْتَارَ إنْفَاذَ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ الْحَوْلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ قَبْلَ حَوْلِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ الْمَالِ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ الصَّدَقَةُ فِيهِ وَبَعْدَهُ مِنْ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ وَمَاشِيَةٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَلَا عَلَيْهِ بِفَرْقٍ بَيْنَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ بَقَرًا بِغَنَمٍ، أَوْ بَقَرًا بِبَقَرٍ، أَوْ غَنَمًا بِغَنَمٍ، أَوْ إبِلًا بِإِبِلٍ، أَوْ غَنَمٍ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَأَيُّ هَذَا بَاعَ قَبْلَ حَوْلِهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي يَدِهِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ إذَا زَالَتْ عَيْنُ الْمَالِ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ الذَّهَبِ بِإِبِلٍ، أَوْ ذَهَبٍ، أَوْ بِغَيْرِهَا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا نَخْلًا فِيهَا تَمْرٌ، أَوْ تَمْرًا دُونَ النَّخْلِ فَسَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا هِيَ فِي التَّمْرِ دُونَ النَّخْلِ، فَإِذَا مَلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ بِأَنْ اشْتَرَاهَا بِالنَّخْلِ، أَوْ بِأَنْ اشْتَرَاهَا مُنْفَرِدَةً شِرَاءً يَصِحُّ، أَوْ وُهِبَتْ لَهُ وَقَبَضَهَا، أَوْ أُقِرَّ لَهُ بِهَا، أَوْ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهَا، أَوْ أَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ صَحَّ لَهُ مِلْكُهَا بِهِ، فَإِذَا صَحَّ لَهُ مِلْكُهَا قَبْلَ أَنْ تُرَى فِيهَا الْحُمْرَةُ، أَوْ الصُّفْرَةُ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُهَا عَلَى أَنْ يُتْرَكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَالزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِهَا الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ زَكَاتِهَا أَنْ تُرَى فِيهَا حُمْرَةٌ، أَوْ صُفْرَةٌ فَيَخْرُصُ ثُمَّ يُؤْخَذُ ذَلِكَ تَمْرًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَمَا رُئِيَتْ فِيهَا حُمْرَةٌ، أَوْ صُفْرَةٌ فَالزَّكَاةُ فِي التَّمْرِ مِنْ مَالِ مَالِكِهَا الْأَوَّلِ، لَوْ لَمْ يَمْلِكْ الزَّكَاةَ الْمَالِكُ الْآخَرُ خُرِصَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا، أَوْ لَمْ تُخْرَصْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي هَذَا فِي أَيِّ وَجْهٍ مَلَكَ بِهِ الثَّمَرَةَ بِحَالٍ فِي الزَّكَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّمَرَةَ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهَا فَيَكُونُ الْعُشْرُ فِي الثَّمَرَةِ لَا يَزُولُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ فِي الثَّمَرَةِ مَفْسُوخًا كَمَا يَكُونُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ وَالْآخَرُ لَيْسَ لَهُ مَفْسُوخًا وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ، لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إذَا بَاعَهُ عَلَى تَرْكِ الثَّمَرَةِ أَنْ يَبِيعَهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثَّمَرَةِ إنْ كَانَتْ تُسْقَى بِعَيْنٍ، أَوْ كَانَتْ بَعْلًا وَتِسْعَةُ أَعْشَارِهَا وَنِصْفُ عُشْرِهَا إنْ كَانَتْ تُسْقَى بِغَرْبٍ وَيَبِيعُهُ جَمِيعَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ غَيْرُهُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، لَوْ تَعَدَّى الْمُصَدِّقُ فَأَخَذَ مِمَّا لَيْسَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَزَادَ فِيمَا فِيهِ الصَّدَقَةُ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَكَانَتْ مَظْلِمَةً دَخَلَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ حَائِطٌ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَبَاعَ ثَمَرَهُ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ اثْنَيْنِ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهَا فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا وَصَفْت فِي مَالِ الْبَائِعِ نَفْسِهِ، لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ اثْنَيْنِ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْبَيْعُ فِيهِ فَاسِدٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ كُلَّهَا أَخَذَ رَبُّ الْحَائِطِ بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا الْعُشْرَ، وَرَدَّ مَا بَقِيَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَإِنْ لَمْ يُفْلِسْ الْبَائِعُ أَخَذَ بِعُشْرِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ هَلَاكِهَا

وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي غُرَمَاءُ فَكَانَ ثَمَنُ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ الْعُشْرِ عَشَرَةً وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ وَثَمَنُ عُشْرِ مِثْلِهِ عِشْرُونَ يَوْمَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ اشْتَرَى بِعَشَرَةٍ نِصْفَ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ الْعُشْرِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ، هُوَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَكَانَ لِوَلِيِّ الصَّدَقَةِ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا يَقُومُ مَقَامَ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي الْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ بَاعَ رَبُّ الْحَائِطِ ثَمَرَتَهُ وَهِيَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ رَجُلَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَاهَا كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، فَإِنْ قَطَعَاهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ تَرَكَاهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا؛ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَخَذَهُمَا رَبُّ الْحَائِطِ بِقَطْعِهَا فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ فَيَمْنَعَ الزَّكَاةَ وَهِيَ حَقٌّ لِأَهْلِهَا وَلَا أَنْ تُؤْخَذَ بِحَالِهَا تِلْكَ وَلَيْسَتْ الْحَالَ الَّتِي أَخَذَهَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ ثَمَرَةٌ فِي نَخْلَةٍ وَقَدْ شَرَطَ قَطْعَهَا وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا الْبَيْعِ إلَّا فَسْخُهُ، لَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا حَتَّى تُجَدَّ فِي نَخْلَةٍ وَرَضِيَ الْمُشْتَرِيَانِ لَمْ يَرْجِعَا عَلَى الْبَائِعِ بِالْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقْبَضَهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُمَا مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَا عُشْرَ فِيهِ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يُزَكِّيَا بِمَا وَجَبَ مِنْ الْعُشْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَتَرَكَهَا الْمُشْتَرِيَانِ حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا فَرَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا وَلَمْ يَرْضَهُ الْمُشْتَرِيَانِ كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يُجْبَرَا عَلَى تَرْكِهَا وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ بِمَا وَجَبَ فِيهَا مِنْ الصَّدَقَةِ (وَالثَّانِي) : أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا الْقَطْعَ ثُمَّ صَارَتْ لَا يَجُوزُ قَطْعُهَا بِمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الصَّدَقَةِ فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ رَضِيَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ إقْرَارَهَا وَالْبَائِعُ وَلَمْ يَرْضَهُ الْآخَرُ جُبِرَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى إقْرَارِهَا وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ يُفْسَخُ نَصِيبُ الَّذِي لَمْ يَرْضَ وَيُقَرُّ نَصِيبُ الَّذِي رَضِيَ وَكَانَ كَرَجُلٍ اشْتَرَى نِصْفَ الثَّمَرَةِ وَإِذَا رَضِيَ إقْرَارَهَا ثُمَّ أَرَادَ قَطْعَهَا قَبْلَ الْجِدَادِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعُهَا كُلِّهَا، وَلَا فَسْخَ لِلْبَيْعِ إذَا تَرَكَ رَدَّهُ مَرَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَهَا، وَكُلُّ هَذَا إذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ مُشَاعًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ حَائِطٌ فِي ثَمَرِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَبَاعَ رَجُلًا مِنْهُ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهِنَّ وَآخَرُ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهِنَّ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ إلَّا أَنْ يَبِيعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْبَيْعُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ عَلَى أَنْ يَقْطَعَاهَا فَقَطَعَا مِنْهَا شَيْئًا وَتَرَكَا شَيْئًا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا يَبْقَى خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْبَيْعُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَرَةِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لَا يُفْسَخُ وَيُؤْخَذُ بِأَنْ يَقْطَعَهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا لَهُمَا، وَإِنْ قَطَعَا الثَّمَرَةَ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهَا فَقَالَا: لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي هَذَا الْحَالِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى شَيْءٍ أُخِذَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ قُبِلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِيمَا طَرَحَ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ الصَّدَقَةَ، أَوْ بَعْضَهَا إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ مَا قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَمْرٍ يَطْرَحُ عَنْهُ الصَّدَقَةَ، أَوْ بَعْضَهَا وَأَقَرَّ بِمَا يُثْبِتُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ، أَوْ يَزِيدُهَا أَخَذْت بِقَوْلِهِ لِأَنِّي إنَّمَا أَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ إذَا كَانَتْ كَمَا ادَّعَى فِيمَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا أَكْذَبَهَا قَبِلْت قَوْلَهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ أَثْبَتَ عَلَيْهِ مِنْ بَيِّنَتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْحَائِطُ لَمْ يُمْنَعْ قَطْعُ ثَمَرِهِ مِنْ حِينِ تَطْلُعُ إلَى أَنْ تُرَى فِيهِ الْحُمْرَةُ، فَإِذَا رُئِيَتْ فِيهِ الْحُمْرَةُ مُنِعَ قَطْعُهُ حَتَّى يُخْرَصَ، فَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلُ يُخْرَصَ بَعْدَمَا يُرَى فِيهِ الْحُمْرَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا قَطَعَ مِنْهُ، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ كُلِّهِ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ غَيْرُ قَوْلِهِ بِبَيِّنَةِ أَهْلِ مِصْرِهِ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخَذْت بِبَيِّنَتِهِ، أَوْ قَوْلِهِ أُخِذَ بِتَمْرٍ وَسَطٍ سِوَى ثَمَرِ حَائِطِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنْهُ عُشْرُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَمَنُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَهَذَا إنْ خُرِصَ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ أُخِذَ بِتَمْرٍ مِثْلِ وَسَطِ تَمْرِهِ.

باب ميراث القوم المال

[بَابُ مِيرَاثِ الْقَوْمِ الْمَالَ] َ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا وَرِثَ الْقَوْمُ الْحَائِطَ فَلَمْ يَقْتَسِمُوا وَكَانَتْ فِي ثَمَرِهِ كُلِّهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُمْ خُلَطَاءُ يَصَّدَّقُونَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اقْتَسَمُوا الْحَائِطَ مُثْمِرًا قَسْمًا يَصِحُّ فَكَانَ الْقَسْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَى فِي الثَّمَرَةِ صُفْرَةٌ، أَوْ حُمْرَةٌ فَلَا صَدَقَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَصِيبِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي نَصِيبِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اقْتَسَمُوا بَعْدَمَا يُرَى فِيهِ صُفْرَةٌ، أَوْ حُمْرَةٌ صُدِّقَ كُلُّهُ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ إذَا كَانَتْ فِي جَمِيعِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَحَلِّ الصَّدَقَةِ أَنْ يُرَى الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ فِي الْحَائِطِ، خُرِصَ الْحَائِطُ، أَوْ لَمْ يُخْرَصْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ جَعَلْت صَدَقَةَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ اللَّذَيْنِ يُخْرَصَانِ أَوَّلًا وَآخِرًا دُونَ الْمَاشِيَةِ وَالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ، وَإِنَّمَا أَوَّلُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ عِنْدَك وَآخِرُهُ الْحَوْلُ دُونَ الْمُصَدَّقِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: لَمَّا خُرِصَتْ الثِّمَارُ مِنْ الْأَعْنَابِ وَالنَّخْلِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ طَابَتْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَخْرُصُهَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ فِيهَا، وَلَمَّا قَبَضَهَا تَمْرًا وَزَبِيبًا عَلِمْنَا أَنَّ آخِرَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْهَا أَنْ تَصِيرَ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا عَلَى الْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ قَالَ: مَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ: الْحَجُّ لَهُ أَوَّلٌ وَآخَرَانِ، فَأَوَّلُ آخريه رَمْيُ الْجَمَرَاتِ وَالْحَلْقُ، وَآخِرُ آخريه زِيَارَةُ الْبَيْتِ بَعْدَ الْجَمْرَةِ وَالْحَلْقِ، وَلَيْسَ هَكَذَا الْعُمْرَةُ وَلَا الصَّوْمُ وَلَا الصَّلَاةُ كُلُّهَا لَهَا أَوَّلٌ وَآخِرٌ وَاحِدٌ وَكُلٌّ كَمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ اقْتَسَمُوا وَلَمْ تُرَ فِيهِ صُفْرَةٌ وَلَا حُمْرَةٌ ثُمَّ لَمْ يَقْتَرِعُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُعْلَمَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَتَرَاضَوْا حَتَّى يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ حَتَّى يُرَى فِيهِ صُفْرَةٌ، أَوْ حُمْرَةٌ كَانَتْ فِيهِ صَدَقَةُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ قَوْلُ أَرْبَابِ الْمَالِ فِي أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا قَبْلَ أَنْ يُرَى فِيهِ صُفْرَةٌ، أَوْ حُمْرَةٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ فِيهِ بَيِّنَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَاقْتَسَمَهُ اثْنَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْتَسَمْنَاهُ قَبْلَ أَنْ تُرَى فِيهِ حُمْرَةٌ، أَوْ صُفْرَةٌ وَقَالَ الْآخَرُ: بَعْدَمَا رُئِيَتْ فِيهِ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ نَصِيبِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُمَا اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا حَلَّتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْ نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُقِرَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ اقْتَسَمَا الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا كَانَ الْقَسْمُ فَاسِدًا وَكَانُوا فِيهِ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ (قَالَ) : لَوْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهُ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَرِثَ الرَّجُلُ حَائِطًا فَأَثْمَرَ، أَوْ أَثْمَرَ حَائِطُهُ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمِيرَاثِ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ ثَمَرِ الْحَائِطِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثَ مَاشِيَةً، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا فَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ عَلِمَ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، أُخِذَتْ صَدَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي مِلْكِهِ وَقَدْ حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَكَذَلِكَ مَا مَلَكَ بِلَا عِلْمِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهَرَبَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ عَتِهَ، أَوْ حُبِسَ لِيُسْتَتَابَ، أَوْ يُقْتَلَ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَمُوتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَا كَانَ لَهُمْ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَكُونَ لَهُ فَلَا تُسْقِطُ الرِّدَّةُ عَنْهُ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ حَتَّى يُنْظَرَ، فَإِنْ أَسْلَمَ تَمَلَّكَ مَالَهُ وَأُخِذَتْ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ مَغْنُومٌ، فَإِذَا صَارَ لِإِنْسَانٍ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ كَالْفَائِدَةِ وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ يُزَكِّيهِ، لَوْ أَقَامَ فِي رِدَّتِهِ زَمَانًا كَانَ كَمَا وَصَفْت، إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ أُخِذَتْ مِنْهُ صَدَقَةُ مَالِهِ، وَلَيْسَ كَالذِّمِّيِّ الْمَمْنُوعِ الْمَالِ بِالْجِزْيَةِ وَلَا الْمُجَابِ وَلَا الْمُشْرِكِ غَيْرِ الذِّمِّيِّ الَّذِي لَمْ تَجِبْ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ قَطُّ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَتَلْنَاهُ وَأَنَّا نَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ

باب ترك التعدي على الناس في الصدقة

النَّاسِ بِأَنْ نُلْزِمَهُ، فَإِنْ قَالَ: فَهُوَ لَا يُؤْجَرُ عَلَى الزَّكَاةِ، قِيلَ: وَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا وَلَا غَيْرِهَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ الَّتِي تَلْزَمُهُ وَيَحْبِطُ أَجْرُ عَمَلِهِ فِيمَا أَدَّى مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ، وَكَذَلِكَ لَا يُؤْجَرُ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ الدَّيْنُ مِنْهُ فَهُوَ يُؤْخَذُ. [بَابُ تَرْكِ التَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: " مُرَّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِغَنَمٍ مِنْ الصَّدَقَةِ فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلًا ذَاتَ ضَرْعٍ " فَقَالَ عُمَرُ: " مَا هَذِهِ الشَّاةُ؟ " فَقَالُوا: شَاةٌ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ عُمَرُ: " مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ لَا تَفْتِنُوا النَّاسَ لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ نَكِّبُوا عَنْ الطَّعَامِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : تَوَهَّمَ عُمَرُ أَنَّ أَهْلَهَا لَمْ يَتَطَوَّعُوا بِهَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّدَقَاتِ ذَاتَ دَرٍّ فَقَالَ هَذَا، لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُصَدِّقَ جَبَرَ أَهْلَهَا عَلَى أَخْذِهَا لَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ شَبِيهًا أَنْ يُعَاقِبَ الْمُصَدِّقَ، وَلَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ تُؤْخَذَ بِطِيبِ أَنْفُسِ أَهْلِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ مُصَدِّقًا إيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» وَفِي كُلِّ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خِيَارُ الْمَالِ فِي الصَّدَقَةِ، وَإِنْ أُخِذَ فَحَقٌّ عَلَى الْوَالِي رَدُّهُ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُصَدِّقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ فَاتَ ضَمِنَهُ الْمُصَدِّقُ وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهِ مَا عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَرُدَّهَا الْمُصَدِّقُ وَيَنْفُذَ مَا أَخَذَ هُوَ مِمَّا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ لِمَنْ قُسِمَ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ أَشْجَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَدِّقًا فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَخْرِجْ إلَيَّ صَدَقَةَ مَالِك فَلَا يَقُودُ إلَيْهِ شَاةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إلَّا قَبِلَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا الْمُصَدِّقُ وَلَيْسَ فِيهَا تَعَدٍّ، أَوْ قَادَهَا إلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَهِيَ وَافِيَةٌ، وَإِنْ قَالَ الْمُصَدِّقُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِك فَأَخْرَجَ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنْ طَابَ بِهِ نَفْسًا بَعْدَ عِلْمِهِ، أَخَذَهُ مِنْهُ وَإِلَّا أَخَذَ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ، وَلَا يَسَعُهُ أَخْذُهُ إلَّا حَتَّى يُعْلِمَهُ أَنَّ مَا أَعْطَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَيْهِ. [بَابُ غُلُولِ الصَّدَقَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَاتِ وَكَانَ حَبْسُهَا حَرَامًا ثُمَّ أَكَّدَ تَحْرِيمَ حَبْسِهَا فَقَالَ عَزَّ وَعَلَا {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180]

باب ما يحل للناس أن يعطو من أموالهم

الْآيَةَ وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] إلَى قَوْلِهِ {مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَبِيلُ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا فَرَضَ مِنْ الصَّدَقَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا جُعِلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ يَفِرُّ مِنْهُ، هُوَ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] » أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ، هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْكَنْزِ فَقَالَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا عُذِّبُوا عَلَى مَنْعِ الْحَقِّ فَأَمَّا عَلَى دَفْنِ أَمْوَالِهِمْ وَحَبْسِهَا فَذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إحْرَازُهَا وَالدَّفْنُ ضَرْبٌ مِنْ الْإِحْرَازِ، لَوْلَا إبَاحَةُ حَبْسِهَا مَا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فِي حَوْلٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تُحْبَسَ حَوْلًا، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ يَقُولُ أَنَا كَنْزُك " أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَلَى صَدَقَةٍ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِك لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ لَهَا ثُؤَاجٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ ذَا لِكَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إي وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَعْمَلُ عَلَى اثْنَيْنِ أَبَدًا» . [بَابُ مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَعْطُو مِنْ أَمْوَالِهِمْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] الْآيَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِمَّنْ لَكُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَا تُنْفِقُوا مَا لَا تَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي لَا تُعْطُوا مِمَّا خَبُثَ عَلَيْكُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعِنْدَكُمْ طَيِّبٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَحَرَامٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أَنْ يُعْطِيَ الصَّدَقَةَ مِنْ شَرِّهَا وَحَرَامٌ عَلَى مَنْ لَهُ تَمْرٌ أَنْ يُعْطِيَ الْعُشْرَ مِنْ شَرِّهِ، وَمَنْ لَهُ الْحِنْطَةُ أَنْ يُعْطِيَ الْعُشْرَ مِنْ شَرِّهَا، وَمَنْ لَهُ ذَهَبٌ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاتَهَا مِنْ شَرِّهَا، وَمَنْ لَهُ إبِلٌ أَنْ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ مِنْ شَرِّهَا إذَا وَلِيَ إعْطَاءَهَا أَهْلَهَا، وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ إنْ غَابَتْ أَعْيَانُهَا عَنْ السُّلْطَانِ فَقَبِلَ قَوْلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ شَرِّهَا وَيَقُولَ: مَالُهُ كُلُّهُ هَكَذَا، قَالَ الرَّبِيعُ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَاكُمْ الْمُصَدِّقُ فَلَا يُفَارِقُكُمْ إلَّا عَنْ رِضًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُوفُوهُ طَائِعِينَ وَلَا يَلْوُوهُ لَا أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ عَلَيْهِمْ فَبِهَذَا نَأْمُرُهُمْ وَنَأْمُرُ الْمُصَدِّقَ.

باب الهدية للوالي بسبب الولاية

[بَابُ الْهَدِيَّةِ لِلْوَالِي بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ: هَلْ بَلَّغْت، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، يَعْنِي مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ تَحْرِيمَ الْهَدِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْهَدِيَّةُ لَهُ إلَّا بِسَبَبِ السُّلْطَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ إذَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ كَمَا يَكُونُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ أَهْلُ الْأَمْوَالِ مِمَّا لَيْسَ عَلَيْهِمْ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ لَا لِوَالِي الصَّدَقَاتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَهْدَى وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ لِلْوَالِي هَدِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ لِشَيْءٍ يَنَالُ بِهِ مِنْهُ حَقًّا، أَوْ بَاطِلًا، أَوْ لِشَيْءٍ يُنَالُ مِنْهُ حَقٌّ، أَوْ بَاطِلٌ، فَحَرَامٌ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ حَرَامًا عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْجِلَ عَلَى أَخْذِهِ الْحَقَّ لِمَنْ وَلِيَ أَمْرَهُ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخْذَ الْحَقِّ لَهُمْ وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُمْ بَاطِلًا وَالْجُعْلُ عَلَيْهِ أَحْرَمُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَخَذَ مِنْهُ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْهُ مَا كَرِهَ، أَمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ بِالْهَدِيَّةِ حَقًّا لَزِمَهُ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ دَفْعُ الْحَقِّ إذَا لَزِمَهُ، وَأَمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ بَاطِلًا فَحَرَامٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَهْدَى لَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ فَكَانَتْ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ، أَوْ شُكْرَ الْحُسْنِ فِي الْمُعَامَلَةِ فَلَا يَقْبَلُهَا، وَإِنْ قَبِلَهَا كَانَتْ فِي الصَّدَقَاتِ، لَا يَسَعُهُ عِنْدِي غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهَا فَيَسَعُهُ أَنْ يَتَمَوَّلَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مِنْ رَجُلٍ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِالْبَلَدِ الَّذِي لَهُ بِهِ سُلْطَانٌ شُكْرًا عَلَى حُسْنِ مَا كَانَ مِنْهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَهَا لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ إنْ قَبِلَهَا، أَوْ يَدَعَ قَبُولَهَا فَلَا يَأْخُذَ عَلَى الْحُسْنِ مُكَافَأَةً، وَإِنْ قَبِلَهَا فَتَمَوَّلَهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ عِنْدِي، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ شَيْخٍ ثِقَةٍ سَمَّاهُ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُ اسْمِهِ أَنَّ رَجُلًا وَلِيَ عَدَنَ فَأَحْسَنَ فِيهَا فَبَعَثَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأَعَاجِمِ بِهَدِيَّةٍ حَمْدًا لَهُ عَلَى إحْسَانِهِ فَكَتَبَ فِيهَا إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَحْسَبُهُ قَالَ قَوْلًا مَعْنَاهُ: تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُخَالِطُ الصَّدَقَةُ مَالًا إلَّا أَهْلَكَتْهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ خِيَانَةَ الصَّدَقَةِ تُتْلِفُ الْمَالَ الْمَخْلُوطَ بِالْخِيَانَةِ مِنْ الصَّدَقَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَهْدَى لَهُ ذُو رَحِمٍ، أَوْ ذُو مَوَدَّةٍ كَانَ يُهَادِيهِ

باب ابتياع الصدقة

قَبْلَ الْوِلَايَةِ لَا يَبْعَثُهُ لِلْوِلَايَةِ فَيَكُونُ إعْطَاؤُهُ عَلَى مَعْنًى مِنْ الْخَوْفِ، فَالتَّنَزُّهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَبْعَدُ لِقَالَةِ السَّوْءِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ وَيَتَمَوَّلَ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا أُهْدِيَ، أَوْ وُهِبَ لَهُ. [بَابُ ابْتِيَاعِ الصَّدَقَةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ: سَمِعْت طَاوُوسًا وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِهِ يُسْأَلُ عَنْ بَيْعِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ فَقَالَ طَاوُوسٌ: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا يَحِلُّ بَيْعُهَا قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ، وَلَا بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فُقَرَاءِ أَهْلِ السُّهْمَانِ، فَتُرَدُّ بِعَيْنِهَا وَلَا يُرَدُّ ثَمَنُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَاعَ مِنْهَا الْمُصَدِّقُ شَيْئًا لِغَيْرِ أَنْ يَقَعَ لِرَجُلٍ نِصْفُ شَاةٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُ هَذَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا، أَوْ يَقْسِمَهَا عَلَى أَهْلِهَا لَا يُجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ (قَالَ) : وَأَفْسَخُ بَيْعَ الْمُصَدِّقِ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إذَا قَدَرْت عَلَيْهِ وَأَكْرَهُ لِمَنْ خَرَجْت مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ يَدِ أَهْلِهَا الَّذِي قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ وَلَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ إنْ اشْتَرَوْهَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَرِهْت ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَآهُ يُبَاعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ وَأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ، أَوْ صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَلَمْ يَبِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ شِرَاءَ مَا وَصَفْت عَلَى الَّذِي خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ فَأَفْسَخُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَبَوَيْهِ ثُمَّ مَاتَا فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَخْذِ ذَلِكَ بِالْمِيرَاثِ فَبِذَلِكَ أَجَزْت أَنْ يَمْلِكَ مَا خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ بِمَا يَحِلُّ بِهِ الْمِلْكُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ لِمَنْ اشْتَرَى مِنْ يَدِ أَهْلِ السُّهْمَانِ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا إذَا كَانَ مَا اشْتَرَى مِنْهَا مِمَّا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ مُتَطَوِّعًا، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، أَوْ ابْنِ طَاوُوسٍ أَنَّ طَاوُوسًا وَلِيَ صَدَقَاتِ الرَّكْبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَكَانَ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَقُولُ: زَكُّوا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ مِمَّا أَعْطَاكُمْ اللَّهُ فَمَا أَعْطَوْهُ قَبِلَهُ ثُمَّ يَسْأَلُهُمْ " أَيْنَ مَسَاكِينُهُمْ؟ " فَيَأْخُذُهَا مِنْ هَذَا وَيَدْفَعُهَا إلَى هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَبِعْ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى الْوَالِي مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ الرَّجُلَ مِنْ الرَّكْبِ كَانَ إذَا وَلَّى عَنْهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: هَلُمَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَسَعُ مِنْ وَلِيِّهِمْ عِنْدِي وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحْتَاطَ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ فَيَسْأَلُ وَيُحَلِّفُ مَنْ اُتُّهِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ الْغُلُولُ فِيهِمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَاطَ وَلَا يُحَلِّفَ وَلَا يَلِيَ حَتَّى يَكُونَ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. [بَابُ مَا يَقُولُ الْمُصَدِّقُ إذَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ لِمَنْ يَأْخُذُهَا مِنْهُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103] الْآيَةَ (قَالَ) : وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ الدُّعَاءُ لَهُمْ عِنْدَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ (قَالَ) : فَحَقَّ عَلَى الْوَالِي إذَا أَخْذ صَدَقَةَ امْرِئٍ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقُولَ: آجَرَك اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت وَجَعَلَهَا لَك طَهُورًا وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَبْقَيْت " وَمَا دَعَا لَهُ بِهِ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [بَابُ كَيْفَ تُعَدُّ الصَّدَقَةُ وَكَيْفَ تُوسَمُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ حَضَرْت عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ تُؤْخَذُ الصَّدَقَاتُ بِحَضْرَتِهِ يَأْمُرُ

باب الفضل في الصدقة

بِالْحِظَارِ فَيُحْظَرُ وَيَأْمُرُ قَوْمًا فَيَكْتُبُونَ أَهْلَ السُّهْمَانِ ثُمَّ يَقِفُ رِجَالٌ دُونَ الْحِظَارِ قَلِيلًا ثُمَّ تُسَرَّبُ الْغَنَمُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالْحِظَارِ فَتَمُرُّ الْغَنَمُ سِرَاعًا وَاحِدَةٌ وَاثْنَتَانِ وَفِي يَدِ الَّذِي يَعُدُّهَا عَصًا يُشِيرُ بِهَا وَيَعُدُّ بَيْنَ يَدَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَصَاحِبُ الْمَالِ مَعَهُ، فَإِنْ قَالَ أَخْطَأَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى عَدَدٍ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَسْأَلُ رَبَّ الْمَالِ: هَلْ لَهُ مِنْ غَنَمٍ غَيْرِ مَا أَحْضَرَهُ؟ فَيَذْهَبُ بِمَا أَخَذَ إلَى الْمِيسَمِ فَيُوسَمُ بِمِيسَمِ الصَّدَقَةِ، هُوَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُوسَمُ الْغَنَمُ فِي أُصُولِ آذَانِهَا وَالْإِبِلُ فِي أَفْخَاذِهَا ثُمَّ تَصِيرُ إلَى الْحَظِيرَةِ حَتَّى يُحْصَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمَعِ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا بِقَدْرِ مَا يَرَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ الْمُصَدِّقُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ فَقَالَ " أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ " فَقَالَ أَسْلَمُ: بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَقَالَ: إنْ عَلَيْهَا مِيسَمَ الْجِزْيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَسِمُ وَسْمَيْنِ، وَسْمَ جِزْيَةٍ، وَوَسْمَ صَدَقَةٍ. وَبِهَذَا نَقُولُ. [بَابُ الْفَضْلِ فِي الصَّدَقَةِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا وَلَا يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ إلَّا طَيِّبٌ إلَّا كَانَ كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى إنَّ اللُّقْمَةَ لِتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهَا لَمِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104] » أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ، أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ، أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ تَقَلَّصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا حَتَّى تَأْخُذَ بِعُنُقِهِ، أَوْ تَرْقُوَتِهِ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ:» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: " فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : حَمِدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُكْثِرَ مِنْهَا فَلْيَفْعَلْ. [بَابُ صَدَقَةِ النَّافِلَةِ عَلَى الْمُشْرِكِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّهِ «أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَأَصِلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى الْمُشْرِكِ مِنْ النَّافِلَةِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ الصَّدَقَةِ

باب اختلاف زكاة ما لا يملك

حَقٌّ، وَقَدْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا فَقَالَ {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} [الإنسان: 8] الْآيَةَ. [بَابُ اخْتِلَافِ زَكَاةِ مَا لَا يَمْلِكُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا سَلَّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ، أَوْ غَيْرِهِ سَلَفًا صَحِيحًا فَالْمِائَةُ مِلْكٌ لِلْمُسَلَّفِ وَيُزَكِّيهَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا يُؤَدِّي دَيْنَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُزَكِّيهَا لِحَوْلِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، لَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْمِائَةُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ بِعَيْنِهَا زَكَّاهَا وَكَانَ لِلَّذِي لَهُ الْمِائَةُ أَخْذُ مَا وَجَدَ مِنْهَا وَاتِّبَاعُهُ بِمَا يَبْقَى عَنْ الزَّكَاةِ وَعَمَّا تَلِفَ مِنْهَا وَهَكَذَا لَوْ أَصْدَقَ رَجُلٌ امْرَأَةً مِائَةَ دِينَارٍ فَقَبَضَتْهَا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا زَكَّتْ الْمِائَةَ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَالِكَةً لِلْكُلِّ، وَإِنَّمَا انْتَقَضَ الْمِلْكُ فِي خَمْسِينَ بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهَا لَهَا حَوْلًا، وَهَكَذَا لَوْ لَمْ تَقْبِضْهَا وَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ فِي يَدِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا قَبَضَتْ الْخَمْسِينَ مِنْهُ أَدَّتْ زَكَاةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مِلْكِهَا وَكَانَتْ كَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ فَقَبَضَ خَمْسِينَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ خَمْسِينَ، هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، يُزَكِّي مِنْهَا مِائَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ نَكَحَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إلَّا زَكَاةُ الْخَمْسِينَ إذَا حَالَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهَا وَلَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى انْتَقَضَ مِلْكُهَا فِي الْخَمْسِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ أَكْرَى رَجُلٌ رَجُلًا دَارًا بِمِائَةِ دِينَارٍ أَرْبَعَ سِنِينَ فَالْكِرَاءُ حَالٌّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ إلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَكْرَى الدَّارَ أَحْصَى الْحَوْلَ وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَالِاخْتِيَارُ لَهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُزَكِّيَ الْمِائَةَ، فَإِنْ تَمَّ حَوْلٌ ثَانٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ خَمْسِينَ دِينَارًا لِسَنَتَيْنِ يَحْتَسِبُ مِنْهَا زَكَاةَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي أَدَّاهَا فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، ثُمَّ إذَا حَالَ حَوْلٌ ثَالِثٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ يَحْتَسِبُ مِنْهَا مَا مَضَى مِنْ زَكَاتِهِ عَنْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَمْسِينَ، فَإِذَا مَضَى حَوْلٌ رَابِعٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ مِائَةً لِأَرْبَعِ سِنِينَ يَحْتَسِبُ مِنْهَا كُلَّ مَا أَخْرَجَ مِنْ زَكَاتِهِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. (قَالَ الرَّبِيعُ وَأَبُو يَعْقُوبَ) : عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمِائَةِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : سَمِعْت الْكِتَابَ كُلَّهُ إلَّا أَنِّي لَمْ أُعَارِضْ بِهِ مِنْ هَا هُنَا إلَى آخِرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ أَكْرَى بِمِائَةٍ فَقَبَضَ الْمِائَةَ ثُمَّ انْهَدَمَتْ الدَّارُ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ تَنْهَدِمُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ إلَّا فِيمَا سَلِمَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ قَبْلَ الْهَدْمِ وَلِهَذَا قُلْت لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ الْمِائَةَ حَتَّى يَسْلَمَ الْكِرَاءُ فِيهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ مَا سَلِمَ مِنْ الْكِرَاءِ مِنْهُ، وَهَكَذَا إجَارَةُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَكْرَاهُ الْمَالِكُ مِنْ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ إجَارَةِ الْأَرْضِينَ وَالْمَنَازِلِ وَالصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ شَيْءٌ تَمَلَّكَتْهُ عَلَى الْكَمَالِ، فَإِنْ مَاتَتْ، أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ، أَوْ دَخَلَ بِهَا، كَانَ لَهَا بِالْكَمَالِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا رَجَعَ إلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَالْإِجَارَاتُ لَا يُمْلَكُ مِنْهَا شَيْءٌ بِكَمَالِهِ إلَّا بِسَلَامَةِ مَنْفَعَةِ مَا يَسْتَأْجِرُهُ مُدَّةً فَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الْإِجَارَةِ فَلَمْ نُجِزْ إلَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَا وَصَفْت. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِلْكُ الرَّجُلِ نِصْفَ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ يُشْبِهُ مِلْكَهُ الشُّفْعَةَ تَكُونُ مِلْكًا لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْ يَدَيْهِ (قَالَ) : وَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدُ يُخَارِجُ وَالْأَمَةُ فَلَا يُشْبِهُ هَذَا هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ ضَمِنَهُ مُكَاتَبُهُ، أَوْ عَبْدُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ السَّيِّدُ وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ لَازِمٍ لِلْمُكَاتَبِ وَلَا الْعَبْدِ وَلَا الْأَمَةِ، فَلَيْسَ يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِحَالٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَمَا كَانَ فِي ذِمَّةِ حُرٍّ فَمِلْكُهُ قَائِمٌ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا مَلَكَ مِمَّا فِي أَصْلِهِ صَدَقَةٌ تِبْرٌ، أَوْ فِضَّةٌ، أَوْ غَنَمٌ، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ إبِلٌ. فَأَمَّا مَا مَلَكَ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إنَّمَا الزَّكَاةُ فِيمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ بِأَنْ تَكُونَ أَخْرَجَتْهُ، هُوَ يَمْلِكُ مَا أَخْرَجَتْ فَيَكُونُ فِيهِ حَقٌّ يَوْمَ

باب زكاة الفطر

حَصَادِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَأُدِّيَتْ زَكَاتُهُ ثُمَّ حَبَسَهُ صَاحِبُهُ سِنِينَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ زَكَاتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ تُخْرِجَهُ الْأَرْضُ لَهُ يَوْمَ تُخْرِجُهُ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ لِتِجَارَةٍ، فَأَمَّا إنْ نَوَيْت بِهِ التِّجَارَةَ، هُوَ مِلْكٌ لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ شِرَاءٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَجُمِعَتْ غَنَائِمُهُمْ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ، فَقَدْ أَسَاءَ الْوَالِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَلَا زَكَاةَ فِي فِضَّةٍ مِنْهَا وَلَا ذَهَبٍ وَلَا مَاشِيَةٍ حَتَّى تُقْسَمَ، يَسْتَقْبِلُ بِهَا بَعْدَ الْقَسْمِ حَوْلًا؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَكُونُ مِلْكًا لِوَاحِدٍ دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَلَكُوهُ بِشِرَاءٍ وَلَا مِيرَاثٍ فَأَقَرُّوهُ رَاضِينَ فِيهِ بِالشَّرِكَةِ، وَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُ قَسْمَهُ إلَى أَنْ يُمْكِنَهُ وَلِأَنَّ فِيهَا خُمُسًا مِنْ جَمِيعِهَا قَدْ يَصِيرُ فِي الْقَسْمِ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَلَيْسَ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ بِحَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ قُسِمَتْ فَجُمِعَتْ سِهَامُ مِائَةٍ فِي شَيْءٍ بِرِضَاهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَاشِيَةً، أَوْ شَيْئًا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَقْتَسِمُوهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ لَهُمْ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ زَكَّوْهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَدُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ، لَوْ قَسَمَ ذَلِكَ الْوَالِي بِلَا رِضَاهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ ذَلِكَ، لَوْ قَسَمَهُ وَهُمْ غُيَّبٌ وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ، وَلَيْسَ لِلْوَالِي جَبْرُهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلُوهُ وَرَضُوا بِهِ مَلَكُوهُ مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا وَاسْتَأْنَفُوا لَهُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبِلُوهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ عَزَلَ الْوَالِي سَهْمَ أَهْلِ الْخُمُسِ ثُمَّ أَخْرَجَ لَهُمْ سَهْمَهُمْ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ لِقَوْمٍ مُتَفَرِّقِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ فَهُوَ كَالْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ لَا يُحْصَوْنَ، وَإِذَا صَارَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ اسْتَأْنَفَ بِهِ حَوْلًا، وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالتِّبْرُ وَالدَّرَاهِمُ فِي جَمِيعِ هَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَمَعَ الْوَالِي الْفَيْءَ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا فَأَدْخَلَهُ بَيْتَ الْمَالِ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ، أَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً فَرَعَاهَا فِي الْحِمَى فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَالِكِيهَا لَا يُحْصَوْنَ وَلَا يُعْرَفُونَ كُلُّهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِذَا دَفَعَ مِنْهُ شَيْئًا إلَى رَجُلٍ اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ عَزَلَ مِنْهَا الْخُمُسَ لِأَهْلِهِ كَانَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ لَا يُحْصَوْنَ، وَكَذَلِكَ خُمُسُ الْخُمُسِ، فَإِنْ عَزَلَ مِنْهَا شَيْئًا لِصِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَافِ فَدَفَعَهُ إلَى أَهْلِهِ فَحَالَ عَلَيْهِ فِي أَيْدِيهِمْ حَوْلٌ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوهُ صَدَّقُوهُ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمْ خُلَطَاءُ فِيهِ، وَإِنْ اقْتَسَمُوهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ. [بَابُ زَكَاة الْفِطْر] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِمَّنْ يُمَوَّنُونَ» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَفِي حَدِيثِ نَافِعٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْرِضْهَا إلَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مُوَافَقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الزَّكَاةَ لِلْمُسْلِمِينَ طَهُورًا وَالطَّهُورُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي حَدِيثِ جَعْفَرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَهَا عَلَى الْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ وَمَنْ يُمَوِّنُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثِ نَافِعٍ دَلَالَةُ سُنَّةٍ بِحَدِيثِ جَعْفَرٍ إذْ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا فَرَضَهَا عَلَى سَيِّدِهِ وَمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَهُمَا مِمَّنْ يُمَوِّنُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ لَزِمَتْهُ مُؤْنَةُ أَحَدٍ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ تَرْكُهَا أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَنْ جَبَرْنَاهُ عَلَى نَفَقَتِهِ مِنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ الزَّمْنَى الْفُقَرَاءِ وَآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ الزَّمْنَى الْفُقَرَاءِ وَزَوْجَتِهِ وَخَادِمٍ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُزَكِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَلَزِمَهَا تَأْدِيَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ رَقِيقِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي رَقِيقِهِ الْحُضُورِ وَالْغُيَّبِ رَجَا رَجْعَتَهُمْ، أَوْ لَمْ يَرْجُ إذَا عَرَفَ حَيَاتَهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا فِي مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَالْمُعْتَقُونَ إلَى أَجَلٍ مِنْ رَقِيقِهِ وَمَنْ رَهَنَ مِنْ رَقِيقِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَنْ يُمَوِّنُ كَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرْ بِالزَّكَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرَقِيقُ رَقِيقِهِ رَقِيقُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ فِي وِلَايَتِهِ لَهُمْ أَمْوَالٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ فَيُخْرِجَهَا مِنْ مَالِهِ عَنْهُمْ فَتُجْزِي عَنْهُمْ، فَإِذَا تَطَوَّعَ حُرٌّ مِمَّنْ يُمَوِّنُ الرَّجُلُ فَأَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ امْرَأَتِهِ كَانَتْ، أَوْ ابْنٍ لَهُ، أَوْ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُمْ ثَانِيَةً، فَإِنْ تَطَوَّعُوا بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِمْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الْبَاقِيَ عَنْهُمْ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ (قَالَ) : وَمَنْ قُلْت يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ كَانَ أَحَدٌ فِي مِلْكِهِ، أَوْ عِيَالِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ نَهَارِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَابَتْ الشَّمْسُ لَيْلَةَ هِلَالِ شَوَّالٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمْ، أَوْ صَارَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي عِيَالِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَكَانَ فِي سُقُوطِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُ كَالْمَالِ يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَلَمْ يَخْتَرْ إنْفَاذَ الْبَيْعِ ثُمَّ أَنْفَذَهُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ إجَازَةَ الْبَيْعِ، أَوْ رَدَّهُ فَهُمَا سَوَاءٌ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الرَّدَّ، أَوْ الْأَخْذَ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَهُ قَبْلَ الْهِلَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ الْبَائِعِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ فَأَجْعَلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَيْهِ (قَالَ) : لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ عَبْدَ رَجُلٍ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَالِكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ وَشَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ نَفَقَتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ رَقِيقِهِ الَّذِي اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ وَيُؤَدِّي عَنْهُمْ زَكَاةَ التِّجَارَةِ مَعًا وَعَنْ رَقِيقِهِ لِلْخِدْمَةِ وَغَيْرِهَا وَجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ مِنْ خَدَمٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ عَبْدًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى أَهَلَّ شَوَّالٌ وَقَفْنَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَإِنْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَاهِبِ، لَوْ قَبَضَهُ قَبْلَ اللَّيْلِ ثُمَّ غَابَتْ الشَّمْسُ، هُوَ فِي مِلْكِهِ مَقْبُوضًا لَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، لَوْ رَدَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَلَكَ بِهِ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا، أَوْ أَمَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ نِصْفَ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ وَلَمْ يَكُنْ مُوسِرًا فَبَقِيَ نِصْفُهُ رَقِيقًا لِرَجُلٍ فَعَلَيْهِ فِي نِصْفِهِ نِصْفُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مَا يَقُوتُ نَفْسَهُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَوْمَهُ وَيُؤَدِّي النِّصْفَ عَنْ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ زَكَاةِ النِّصْفِ عَنْ

نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مَا اكْتَسَبَ فِي يَوْمِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ رَقِيقًا فَأَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ أَنْ يُبَاعُوا فَزَكَاتُهُمْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ لَهُ رَقِيقٌ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ ثُمَّ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَلَمْ يَخْرُجْ الرَّقِيقُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَعَلَيْهِمْ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَدَعَ نَصِيبَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ لَزِمَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ مِلْكُهُ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، لَوْ أَنَّهُ مَاتَ حِينَ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَمَّنْ يَمْلِكُ فِي مَالِهِ مُبْدَاةً عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالْوَصَايَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، أَوْ بِعَبِيدٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ شَوَّالٍ فَلَمْ يُرِدْ الرَّجُلُ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، أَوْ عَلِمَهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا حَتَّى أَهَلَّ شَوَّالٌ فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ مَوْقُوفَةٌ، فَإِذَا أَجَازَ الْمُوصَى لَهُ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ خَارِجُونَ مِنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّ وَرَثَتَهُ غَيْرُ مَالِكِينَ لَهُمْ، فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ الْوَصِيَّةِ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَوْقُوفِينَ عَلَى مِلْكِهِمْ، أَوْ مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ قَبُولَهُمْ، أَوْ رَدَّهُمْ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ قَبُولِهِمْ، أَوْ رَدِّهِمْ، فَإِنْ قَبِلُوهُمْ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ فِي مَالِ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بِمِلْكِهِ مَلَكُوهُمْ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إذَا أُخْرِجُوا مِنْ الثُّلُثِ وَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُخْرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ فَهُمْ شُرَكَاءُ الْوَرَثَةِ فِيهِمْ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِ الْوَرَثَةِ وَوَصِيَّةِ أَهْلِ الْوَصَايَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ أَوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ وَخِدْمَتِهِ لِآخِرِ حَيَاتِهِ، أَوْ وَقْتًا فَقَبِلَا، كَانَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، لَوْ لَمْ يَقْبَلْ كَانَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ رَقَبَتَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَتَرَكَ رَقِيقًا، فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي مَالِهِ عَنْهُمْ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ شَوَّالٍ زَكَّى عَنْهُمْ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مِلْكِهِمْ حَتَّى يُخْرَجُوا بِأَنْ يُبَاعُوا بِالْمَوْتِ، أَوْ الدَّيْنِ وَهَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ الْعَبِيدَ يُوصَى بِهِمْ، الْعَبِيدُ يُوصَى بِهِمْ خَارِجُونَ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ مَالِهِ إذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ وَهَؤُلَاءِ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ لَمْ يُخْرَجُوا مِنْ مَالِهِ بِحَالٍ إذَا أَدَّوْا الدَّيْنَ، فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مُكَاتَبٌ كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَهُوَ مِثْلُ رَقِيقِهِ يُؤَدِّي عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ صَحِيحَةً فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ وَبَيْعِهِ وَلَا عَلَى الْمُكَاتَبِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ تَامِّ الْمِلْكِ عَلَى مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أُمُّ وَلَدٍ، أَوْ مُدَبَّرَةٌ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِيهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُؤَدِّي وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ كَمَا يُؤَدِّي الصَّحِيحُ عَنْ نَفْسِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَقِفُ الرَّجُلُ عَنْ زَكَاةِ عَبْدِهِ الْغَائِبِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعَ الْخَبَرِ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ مَوْتَهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ شَوَّالٍ لَمْ يُؤَدِّ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَدَّى عَنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَابَ الرَّجُلُ عَنْ بَلَدِ الرَّجُلِ، لَمْ يَعْرِفْ مَوْتَهُ وَلَا حَيَاتَهُ فِي سَاعَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَلْيُؤَدِّ عَنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ غِلْمَانِهِ الَّذِينَ بِوَادِي الْقُرَى وَخَيْبَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَوَّالٌ وَعِنْدَهُ قُوتُهُ وَقُوتُ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَهُ وَمَا يُؤَدِّي بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ أَدَّاهَا عَنْهُمْ وَعَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا مَا يُؤَدِّي عَنْ بَعْضِهِمْ أَدَّاهَا عَنْ بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا سِوَى مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَتِهِمْ يَوْمَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ يَقُوتُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَقُوتُ

باب زكاة الفطر الثاني

وَاجِدًا لِزَكَاةِ الْفِطْرِ لَمْ أُرَخِّصْ لَهُ أَنْ يَدَعَ أَدَاءَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَيَأْخُذَهَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَغَيْرَهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ سَوَاءٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا عَرَضَ لَهُ وَلَا نَقْدَ وَلَا يَجِدُ قُوتَ يَوْمِهِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ زَكَاةً. [بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ الثَّانِي] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا زَكَاةَ فِطْرٍ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ، وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَزِمَهُ مُؤْنَتُهُ صِغَارًا، أَوْ كِبَارًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَخَادِمٍ لَهَا لَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَيَلْزَمُ امْرَأَتَهُ تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ رَقِيقِهَا وَيَلْزَمُ مَنْ كَانَ لَهُ رَقِيقٌ حُضُورًا، أَوْ غُيَّبًا كَانُوا لِلتِّجَارَةِ، أَوْ لِخِدْمَةٍ رَجَا رُجُوعَهُمْ، أَوْ لَمْ يَرْجُهُ إذَا عَرَفَ حَيَاتَهُمْ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ يُزَكِّي عَنْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ وَيُزَكِّي عَنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُعْتَقِينَ إلَى أَجَلٍ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي عَبْدٍ كَافِرٍ وَلَا أَمَةٍ كَافِرَةٍ، وَمَنْ قُلْت تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَإِذَا وُلِدَ، أَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ عِيَالِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ نَهَارِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَابَتْ الشَّمْسُ لَيْلَةَ هِلَالِ شَوَّالٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ، أَوْ ثَارَ أَحَدٌ فِي عِيَالِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ كَمَالٍ يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ ثُمَّ حَلَّ هُوَ عِنْدَهُ ، وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فَأَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الرَّدَّ، أَوْ الْأَخْذَ فَاخْتَارَ الرَّدَّ، أَوْ الْأَخْذَ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بَيْعُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْخِيَارُ إلَّا لَهُ، فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّهُ بِالشَّرْطِ فَهُوَ كَمُخْتَارٍ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ الْبَائِعِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ فَأَجْعَلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَيْهِ ، لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ عَبْدًا كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَالِكِهِ ، لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ عَبْدًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، وَإِنْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ عَبْدًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى أَهَلَّ شَوَّالٌ وَقَفْنَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَإِنْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ زَكَّاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهُ زَكَّاهُ الْوَاهِبُ، وَإِنْ قَبَضَهُ قَبْلَ اللَّيْلِ ثُمَّ غَابَتْ الشَّمْسُ فَرَدَّهُ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَلَّكَ بِهِ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا، أَوْ أَمَةً لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ رَقِيقٌ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ ثُمَّ أَهَلَّ شَوَّالٌ وَلَمْ يَخْرُجْ الرَّقِيقُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَعَلَيْهِمْ فِيهِمْ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَدَعَ نَصِيبَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ بَعْدَمَا أَهَلَّ شَوَّالٌ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، أَدَّى الَّذِي لَهُ فِيهِ الْمِلْكُ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا بَقِيَ وَلِلْعَبْدِ مَا كَسَبَ فِي يَوْمِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَا يَقُوتُهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَيْلَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَا يَقُوتُ نَفْسَهُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَوْمَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْمُقَارِضُ رَقِيقًا فَأَهَلَّ شَوَّالٌ وَهُمْ عِنْدَهُ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاتُهُمْ ، وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ حِينَ أَهَلَّ شَوَّالٌ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ مُبَدَّاةٌ عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا يُخْرِجُ عَنْهُ وَعَمَّنْ يَمْلِكُ وَيُمَوِّنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ فَالزَّكَاةُ عَلَى السَّيِّدِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ إنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا، أَوْ عَلِمَهَا، أَوْ

باب مكيلة زكاة الفطر

لَمْ يَعْلَمْهَا فَالزَّكَاةُ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَدَّهُ فَعَلَى الْوَرَثَةِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرَجْ مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِلْوَرَثَةِ إنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ وَالزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ كَهِيَ عَلَى الشُّرَكَاءِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ قَبُولَهُمْ، أَوْ رَدَّهُمْ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، فَإِنْ اخْتَارُوا قَبُولَهُ فَعَلَيْهِمْ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي مَالِ أَبِيهِمْ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَخِدْمَتِهِ لِآخِرِ حَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْوَرَثَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ رَقِيقٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْهِلَالِ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مِلْكِهِمْ حَتَّى يُخْرَجُوا فِي الدَّيْنِ. وَلَا يُؤَدِّي الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ إذَا كَانَتْ كِتَابَتُهُ صَحِيحَةً وَلَا عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ فَاسِدَةً فَهُوَ مِثْلُ رَقِيقِهِ فَيُؤَدِّي عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُؤَدِّي وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ عَنْهُمَا وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ كَمَا يُؤَدِّي الصَّحِيحُ. وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ هِلَالُ شَوَّالٍ وَعِنْدَهُ قُوتُهُ وَقُوتُ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَمَا يُؤَدِّي بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُمْ وَعَنْهُ أَدَّاهَا عَنْهُ وَعَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا مَا يُؤَدِّي بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ أَدَّاهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا قُوتُهُ وَقُوتُهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ وَاجِدٌ لِلْفَضْلِ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ عَنْهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَدِّيَ الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَيَأْخُذَهَا وَغَيْرَهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالتَّطَوُّعِ وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفَهُ، لَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَدْ زَالَ هُوَ غَيْرُ وَاجِدٍ، لَوْ أَخْرَجَهَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَاسِدًا، أَوْ صَحِيحًا فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَالِكِهِ وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ عَبْدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ زَوَّجَهَا حُرًّا فَعَلَى الْحُرِّ الزَّكَاةُ إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَعَلَى السَّيِّدِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ الْحُرُّ مُعْسِرًا فَعَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ الزَّكَاةُ. وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَمَةً، أَوْ عَبْدًا وَلَا مَالَ لِوَلَدِهِ غَيْرُهُ فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ لَيْسَتْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرْضِعًا، أَوْ مَنْ لَا غِنَى بِالصَّغِيرِ عَنْهُ فَيَلْزَمُ أَبَاهُ نَفَقَتُهُمْ وَالزَّكَاةُ عَنْهُمْ، وَإِنْ حَبَسَهُمْ أَبُوهُ لِخِدْمَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِابْنِهِ مَالٌ أَدَّى مِنْهُ عَنْ رَقِيقِ ابْنِهِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لِابْنِهِ مُرْضِعًا فَلَيْسَ عَلَى أَبِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهَا، وَلَيْسَ لِغَيْرِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ فِطْرٍ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ حَاكِمٍ ضَمِنَ. [بَابُ مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ سَمِعَ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ يَقُولُ: إنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «كُنَّا نُخْرِجُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا

مِنْ شَعِيرٍ فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا فَخَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ النَّاسَ بِهِ أَنْ قَالَ إنِّي أَرَى: مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الْحِنْطَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَّا صَاعٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَلَا أَرَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَزَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَهُ، إنَّمَا عَزَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِمَّا يَقْتَاتُ الرَّجُلُ وَمِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ (قَالَ) : وَأَيُّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى رَجُلٍ أَدَّى مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ، فَإِذَا أَفْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ فَلَوْ أَيْسَرَ مِنْ يَوْمِهِ، أَوْ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا مِنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا كَانَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ، لَوْ أَخْرَجَهَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ بَيْعًا فَاسِدًا فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَجُلًا، أَوْ غَصَبَهُ إيَّاهُ رَجُلٌ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِالْخِيَارِ فَأَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ إنْفَاذَ الْبَيْعِ ثُمَّ أَنْفَذَهُ كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وُقِفَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَإِنْ اخْتَارَهُ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ رَدَّهُ فَهُوَ عَلَى الْبَائِعِ. (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِهِ، أَوْ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ الْعَبْدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ زَوَّجَهَا حُرًّا فَعَلَى الْحُرِّ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَلَى سَيِّدِهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهَا، لَوْ زَوَّجَهَا حُرًّا فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ، أَوْ مَنَعَهَا مِنْهُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً وَلَا مَالَ لِلصَّغِيرِ فَلَا يَبِينُ أَنَّ عَلَى أَبِيهِ فِيهِمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَلَيْسُوا مِمَّنْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُرْضِعًا، أَوْ مِمَّنْ لَا غِنَى لِلصَّغِيرِ عَنْهُ فَتَلْزَمُ أَبَاهُ نَفَقَتُهُمْ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ (قَالَ) : فَإِنْ حَبَسَهُمْ أَبُوهُ لِخِدْمَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَبِينُ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ إنَّمَا تَلْزَمُهُ بِالْحَبْسِ لَهُمْ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لِابْنِهِ مُرْضِعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ وَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا، أَوْ زَكَاةً غَيْرَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ حَاكِمٍ ضَمِنَ وَيُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَ مَنْ يُخْرِجُهَا عَنْهُ إنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ، أَوْ الذُّرَةُ، أَوْ الْعَلْسُ، أَوْ الشَّعِيرُ، أَوْ التَّمْرُ، أَوْ الزَّبِيبُ وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ لَهُ عِنْدِي أَنْ يُنْقِصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا تُقَوَّمُ الزَّكَاةُ، لَوْ قُوِّمَتْ كَانَ لَوْ أَدَّى صَاعَ زَبِيبِ ضُرُوعٍ أَدَّى ثَمَانَ آصُعَ حِنْطَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُؤَدِّي مِنْ الْحَبِّ غَيْرَ الْحَبِّ نَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي دَقِيقًا وَلَا سَوِيقًا وَلَا قِيمَتَهُ وَأُحِبُّ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنْ لَا يُؤَدُّوا أَقِطًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُمْ قُوتًا فَأَدَّوْا مِنْ قُوتٍ فَالْفَثُّ قُوتٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ يَقْتَاتُونَ الْحَنْظَلَ وَاَلَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا أَدَاءَ قُوتِ أَقْرَبِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْتَاتُونَ مِنْ ثَمَرَةٍ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَيُؤَدُّونَ مِنْ ثَمَرَةٍ فِيهَا زَكَاةٌ صَاعًا عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ وَالْقَرْيَةِ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَحَدٍ، لَوْ أَدَّوْا أَقِطًا لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ

باب مكيلة زكاة الفطر الثاني

أَرَى عَلَيْهِمْ إعَادَةً، وَمَا أَدَّوْا، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قُوتٍ لَيْسَ فِي أَصْلِهِ زَكَاةٌ غَيْرَ الْأَقِطِ فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ مَنْ يَقْتَاتُ الْقُطْنِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُقْتَاتُ فَلَا تُجْزِي زَكَاةً، وَإِنْ كَانَ قَوْمٌ يَقْتَاتُونَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ زَكَاةً؛ لِأَنَّ فِي أَصْلِهَا الزَّكَاةَ (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ وَنِصْفَ صَاعِ شَعِيرٍ، وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةً وَاحِدَةً إلَّا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ إذَا كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ وَاحِدٍ وَأَكْثَرَ شَعِيرًا وَعَنْ وَاحِدٍ وَأَكْثَرَ حِنْطَةً؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ فِي الصَّدَقَةِ السِّنَّ الَّتِي هِيَ أَعْلَى وَلَا يُقَالُ جَاءَ بِعِدْلٍ مِنْ شَعِيرٍ إنَّمَا يُقَالُ لِهَذَا جُعِلَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَعِيرًا إذَا كَانَ قُوتَهُ لَا بِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي شَعِيرٍ دُونَ حِنْطَةٍ، وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ حِنْطَةً فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ شَعِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِمَّا يَقْتَاتُ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ تَمْرًا رَدِيئًا وَتَمْرًا طَيِّبًا وَلَا سِنًّا دُونَ سِنٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ رَدِيءٍ إنْ كَانَ قُوتَهُ، وَإِنْ تَكَلَّفَ نِصْفَ صَاعٍ جَيِّدٍ فَأَخْرَجَهُ مَعَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ صِنْفَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ صِنْفًا إلَى غَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ حِنْطَةٌ أَخْرَجَ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ زَكَاةَ الْفِطْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لَهُ تَمْرٌ أَخْرَجَ مِنْ وَسَطِهِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ أَعْلَاهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حِنْطَةٍ وَلَا غَيْرِهَا إذَا كَانَ مُسَوِّسًا، أَوْ مَعِيبًا، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا سَالِمًا. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَدِيمًا سَالِمًا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِيهِ. [بَابُ مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ الثَّانِي] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» وَأَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ يَقُولُ: إنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا فَخَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ النَّاسَ بِهِ أَنْ قَالَ: إنِّي أَرَى الْمُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَأْخُذُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُؤَدِّي الرَّجُلُ مِنْ أَيِّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِنْطَةِ، أَوْ الذُّرَةِ، أَوْ الْعَلْسِ، أَوْ الشَّعِيرِ، أَوْ التَّمْرِ، أَوْ الزَّبِيبِ وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُؤَدِّي مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَبِّ لَا يُؤَدِّي إلَّا الْحَبَّ نَفْسَهُ لَا يُؤَدِّي سَوِيقًا وَلَا دَقِيقًا وَلَا يُؤَدِّي قِيمَتَهُ وَلَا يُؤَدِّي أَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْ شَيْءٍ يَقْتَاتُونَهُ مِنْ الْفَثِّ وَالْحَنْظَلِ وَغَيْرِهِ، أَوْ ثَمَرِهِ لَا تَجُوزُ فِي الزَّكَاةِ وَيُكَلَّفُونَ أَنْ يُؤَدُّوا مِنْ قُوتِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ مِمَّنْ يَقْتَاتُ الْحِنْطَةَ وَالذُّرَةَ وَالْعَلْسَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ لَا غَيْرَهُ، وَإِنْ أَدَّوْا أَقِطًا أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَمَا أَدَّوْا، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ شَيْءٍ لَيْسَ فِي أَصْلِهِ الزَّكَاةُ غَيْرَ الْأَقِطِ أَعَادُوا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقْتَاتُ الْقُطْنِيَّةَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَقْتَاتُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ فِي أَصْلِهَا الزَّكَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَتْهَا لَمْ تُجْزِ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ رَجُلٌ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ وَنِصْفَهَا شَعِيرًا، وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةً إلَّا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَعْضِ مَنْ يُمَوِّنُ حِنْطَةً

باب ضيعة زكاة الفطر قبل قسمها

وَيُخْرِجُ عَنْ بَعْضِ مَنْ يُمَوِّنُ شَعِيرًا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ فِي الصَّدَقَةِ السِّنَّ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ حِنْطَةً فَأَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَعِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِمَّا يَقُوتُ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ تَمْرًا طَيِّبًا وَتَمْرًا رَدِيئًا وَلَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ تَمْرًا رَدِيئًا، هُوَ قُوتُهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَمْرٌ أَخْرَجَ مِنْ وَسَطِهِ الزَّكَاةَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ حِنْطَةٍ وَلَا غَيْرِهِمَا إذَا كَانَ مُسَوِّسًا وَلَا مَعِيبًا، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا سَالِمًا. [بَابُ ضَيْعَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ قَسْمِهَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عِنْدَ مَحِلِّهَا، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ لِيَقْسِمَهَا فَضَاعَتْ مِنْهُ وَكَانَ مِمَّنْ يَجِدُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا حَتَّى يَقْسِمَهَا، أَوْ يَدْفَعَهَا إلَى الْوَالِي، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَا يُبْرِئُهُ مِنْهُ إلَّا أَدَاؤُهُ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتُقْسَمُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقْسَمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ لَا يُجْزِئُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَوَلَّاهَا رَجُلٌ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَسَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ سَاقِطَانِ (قَالَ) : وَيَسْقُطُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا وَيَقْسِمُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَأَيُّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَجِدْهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ حَقِّهِ مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُعْطِي الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ ذَوِي رَحِمِهِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَقْرَبُهُمْ بِهِ أَحَبُّهُمْ إلَيَّ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ، لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَطَوِّعًا أَعْطَاهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِنَفَقَتِهِ لَا أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْتَارُ قَسْمَ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنَفْسِي عَلَى طَرْحِهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ قَالَ سَمِعْت ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُ: إنَّ عَطَاءً أَمَرَنِي أَنْ أَطْرَحَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَفْتَاك الْعِلْجُ بِغَيْرِ رَأْيِهِ؟ اقْسِمْهَا، فَإِنَّمَا يُعْطِيهَا ابْنُ هِشَامٍ أَحْرَاسَهُ وَمَنْ شَاءَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الزَّكَاةِ فَقَالَ: أَعْطِهَا أَنْتَ فَقُلْت: أَلَمْ يَكُنْ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ادْفَعْهَا إلَى السُّلْطَانِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَكِنِّي لَا أَرَى أَنْ تَدْفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ الَّتِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ. [بَابُ ضَيْعَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ قَسْمِهَا الثَّانِي] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عِنْدَ مَحِلِّهَا، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ لِيَقْسِمَهَا فَضَاعَتْ مِنْهُ وَكَانَ مِمَّنْ يَجِدُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا حَتَّى يَقْسِمَهَا، أَوْ يَدْفَعَهَا إلَى الْوَالِي كَذَلِكَ كُلُّ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ، وَتُقْسَمُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقْسَمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ لَا يُجْزِئُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِذَا تَوَلَّاهَا الرَّجُلُ، فَقَسَمَهَا قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ سَاقِطَانِ وَيَقْسِمُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ

باب الرجل يختلف قوته

وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَأَيُّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُعْطِهِ، هُوَ يَجِدُهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ حَقِّهِ مِنْهَا وَلِلرَّجُلِ إذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَوِي رَحِمِهِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا وَأَقْرَبُهُمْ بِهِ أَحَقُّهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُمْ نَفَقَتُهُمْ. وَقَسْمُ الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ حَسَنٌ وَطَرْحُهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَدْفَعَانِهَا إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) : سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَقَالَ: تَلِيهَا أَنْتَ بِيَدَيْك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَطْرَحَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّك عَلَى يَقِينٍ إذَا أَعْطَيْتهَا بِنَفْسِك، وَأَنْتَ إذَا طَرَحْتهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ أَنَّهَا وُضِعَتْ فِي حَقِّهَا. [بَابُ الرَّجُلِ يَخْتَلِفُ قُوتُهُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقْتَاتُ حُبُوبًا مُخْتَلِفَةً شَعِيرًا وَحِنْطَةً وَتَمْرًا وَزَبِيبًا فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمِنْ أَيُّهَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ) : فَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُ حِنْطَةً فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ زَبِيبًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ شَعِيرًا كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَأَحْبَبْت لَوْ أَخْرَجَهُ أَنْ يُعِيدَ فَيُخْرِجَهُ حِنْطَةً؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ الْقُوتِ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ التَّمْرَ وَكَانَ مَنْ يَقْتَاتُ الشَّعِيرَ قَلِيلًا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَدٌ يَقْتَاتُ حِنْطَةً وَلَعَلَّ الْحِنْطَةَ كَانَتْ بِهَا شَبِيهًا بِالطُّرْفَةِ فَفَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ قُوتِهِمْ، وَلَا أُحِبُّ إذَا اقْتَاتَ رَجُلٌ حِنْطَةً أَنْ يُخْرِجَ غَيْرَهَا وَأُحِبُّ لَوْ اقْتَاتَ شَعِيرًا أَنْ يُخْرِجَ حِنْطَةً؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا التَّمْرَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ نَافِعًا كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، هُوَ يَقْتَاتُ الْحِنْطَةَ وَأَحَبُّ إلَيَّ مَا وَصَفْت مِنْ إخْرَاجِ الْحِنْطَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اقْتَاتَ قَوْمٌ ذُرَةً، أَوْ دُخْنًا، أَوْ سُلْتًا، أَوْ أُرْزًا، أَوْ أَيَّ حَبَّةٍ مَا كَانَتْ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَهُمْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ الطَّعَامِ وَسَمَّى شَعِيرًا وَتَمْرًا، فَقَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ الْقُوتِ فَكَانَ مَا سَمَّى مِنْ الْقُوتِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِذَا اقْتَاتُوا طَعَامًا فِيهِ الزَّكَاةُ فَأَخْرَجُوا مِنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي هَذَا أَنْ يُخْرِجُوا حِنْطَةً إلَّا أَنْ يَقْتَاتُوا تَمْرًا، أَوْ شَعِيرًا فَيُخْرِجُوا أَيَّهُمَا اقْتَاتُوا. [بَابُ الرَّجُلِ يَخْتَلِفُ قُوتُهُ الثَّانِي] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقْتَاتُ حُبُوبًا شَعِيرًا وَحِنْطَةً وَزَبِيبًا وَتَمْرًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمِنْ أَيُّهَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُ حِنْطَةً فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ زَبِيبًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ شَعِيرًا كَرِهْته وَأَحْبَبْت أَنْ يُعِيدَ، وَإِنْ اقْتَاتَ قَوْمٌ ذُرَةً، أَوْ دُخْنًا، أَوْ أُرْزًا، أَوْ سُلْتًا، أَوْ أَيَّ حَبَّةٍ مَا كَانَتْ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَهُمْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَاتُوا الْقُطْنِيَّةَ.

باب من أعسر بزكاة الفطر

[بَابُ مَنْ أَعْسَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَمَنْ أَهَلَّ عَلَيْهِ شَوَّالٌ، هُوَ مُعْسِرٌ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ثُمَّ أَيْسَرَ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مَتَى أَيْسَرَ فِي شَهْرِهَا، أَوْ غَيْرِهِ (قَالَ) : وَإِنَّمَا قُلْت وَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ هِلَالُ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجُ الصَّوْمِ وَدُخُولُ أَوَّلِ شُهُورِ الْفِطْرِ كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فِي انْسِلَاخِ شَهْرِ رَمَضَانَ حَلَّ إذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ لَا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ، لَوْ جَازَ هَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ بَعْدَ يَوْمٍ وَعُشْرٍ وَأَكْثَرَ مَا لَمْ يَنْسَلِخْ شَوَّالٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَيَأْخُذَهَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَغَيْرَهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ سَوَاءٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا عَرَضَ لَهُ وَلَا نَقْدَ وَلَا يَجِدُ قُوتَ يَوْمِهِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ زَكَاةً. [بَابُ جِمَاعِ فَرْضِ الزَّكَاةِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: فَرَضَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ قَدْ كَتَبْنَاهُ فِي آخِرِ الزَّكَاةِ فَقَالَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] يَعْنِي أَعْطُوا الزَّكَاةَ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] الْآيَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ جُعِلَتْ لَهُ وَفَرَضَ عَلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى الْوَالِي إذَا لَمْ يُؤَدِّهَا وَعَلَى الْوَالِي إذَا أَدَّاهَا أَنْ لَا يَأْخُذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهَا زَكَاةً وَاحِدَةً لَا زَكَاتَيْنِ وَفَرْضُ الزَّكَاةِ مِمَّا أَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفَرَضَهُ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَ فِي أَيِّ الْمَالِ الزَّكَاةُ وَفِي أَيِّ الْمَالِ تَسْقُطُ وَكَمْ الْوَقْتُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ حَلَّتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ لَمْ تَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ وَمَوَاقِيتَ الزَّكَاةِ وَمَا قَدْرُهَا فَمِنْهَا خُمُسٌ وَمِنْهَا عُشْرٌ وَمِنْهَا نِصْفُ عُشْرٍ وَمِنْهَا رُبُعُ عُشْرٍ وَمِنْهَا بِعَدَدٍ يَخْتَلِفُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا بَيَانُ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْإِبَانَةِ عَنْهُ (قَالَ) : وَكُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي مَالِهِ بِلَا جِنَايَةٍ جَنَاهَا، أَوْ جَنَاهَا مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَلَا تَطَوُّعٍ تَطَوَّعَ بِهِ وَلَا شَيْءٍ أَوْجَبَهُ هُوَ فِي مَالِهِ فَهُوَ زَكَاةٌ وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ كِلَاهُمَا لَهَا اسْمٌ، فَإِذَا وَلِيَ الرَّجُلُ صَدَقَةَ مَالِهِ، أَوْ وَلِيَ ذَلِكَ الْوَالِي فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْسِمَهَا حَيْثُ قَسَمَهَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. [كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]

جماع بيان أهل الصدقات

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرْضَ الصَّدَقَاتِ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ أَكَّدَهَا فَقَالَ {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 60] (قَالَ) : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَسَمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَا كَانَتْ الْأَصْنَافُ مَوْجُودَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي مَنْ وَجَدَ {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] وَكَقَوْلِهِ {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] وَكَقَوْلِهِ {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12] وَمَعْقُولٌ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ فَرَضَ هَذَا لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ وَكَانَ مَعْقُولًا عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ السُّهْمَانَ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ وَتُقْسَمُ (قَالَ) : وَإِذَا أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ قَوْمٍ قُسِمَتْ عَلَى مَنْ مَعَهُمْ فِي دَرَاهِمِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ جِيرَانِهِمْ إلَى أَحَدٍ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهَا (أَخْبَرَنَا) مُطَرِّفٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ قَضَى: أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هُوَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ إلَى جِيرَانِ الْمَالِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا عَلَى جِيرَانِ مَالِكِ الْمَالِ إذَا مَا نَأَى عَنْ مَوْضِعِ الْمَالِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ، أَوْ هُمَا عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (قَالَ) : وَهَذَا مِمَّا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ إلَى جِيرَانِ الْمَالِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا إلَى جِيرَانِ مَالِكِ الْمَالِ إذَا نَأَى عَنْ مَوْضِعِ الْمَالِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، هُوَ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاشَدْتُك اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا وَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ» (قَالَ) : وَلَا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ مَوْضِعٍ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا. [جِمَاعُ بَيَانِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْفَقِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ سَائِلًا كَانَ أَوْ مُتَعَفِّفًا وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا تُغْنِيهِ سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ قَالَ وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا فَأَغْنَاهُ وَعِيَالَهُ كَسْبُهُ أَوْ حِرْفَتُهُ فَلَا يُعْطَى فِي وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ شَيْئًا لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِوَجْهٍ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا الْمُتَوَلُّونَ لِقَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا مِنْ السُّعَاةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ مِنْ عَرِيفٍ لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَوَلَّى أَخْذَهَا عَامِلٌ دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ وَالِيًا عَلَى قَبْضِهَا مِمَّنْ بِهِ الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ فِي سَهْمِ الْعَامِلِينَ حَقٌّ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِهَا كَانُوا أَوْ غُرَبَاءَ إذَا وُلُّوهَا فَهُمْ الْعَامِلُونَ وَيُعْطَى أَعْوَانُ إدَارَةِ وَالِي الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَعُونَاتِهِمْ عَلَيْهَا وَمَنْفَعَتِهِمْ فِيهَا وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ مُشْرِكٌ يَتَأَلَّفُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ الْعَطَايَا مِنْ الْفَيْءِ وَمِنْ مَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً لَا مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ وَقَدْ خَوَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَمْوَالَهُمْ وَجَعَلَ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مَرْدُودَةً فِيهِمْ كَمَا سَمَّى لَا عَلَى مَنْ خَالَفَ دِينَهُمْ قَالَ وَالرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ فَإِنْ اتَّسَعَ لَهُمْ السَّهْمُ أُعْطُوا حَتَّى يُعْتَقُوا وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ الْوَالِي إلَى مَنْ يُعْتِقُهُمْ فَحَسَنٌ وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ أَجْزَأَهُ وَإِنْ ضَاقَتْ السُّهْمَانُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُكَاتَبِينَ فَاسْتَعَانُوا بِهَا فِي

باب من طلب من أهل السهمان

كِتَابَتِهِمْ وَالْغَارِمُونَ صِنْفَانِ صِنْفٌ ادَّانُوا فِي مَصْلَحَتِهِمْ أَوْ مَعْرُوفٍ وَغَيْرِ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ عَجَزُوا عَنْ أَدَاءِ ذَلِكَ فِي الْعَرَضِ وَالنَّقْدِ فَيُعْطَوْنَ فِي غُرْمِهِمْ لِعَجْزِهِمْ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ عُرُوضٌ أَوْ نَقْدٌ يَقْضُونَ مِنْهُ دُيُونَهُمْ فَهُمْ أَغْنِيَاءُ لَا يُعْطِيهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَيَقْضُونَ مِنْ عُرُوضِهِمْ أَوْ مِنْ نَقْدِهِمْ دُيُونَهُمْ وَإِنْ قَضَوْهَا فَكَانَ قَسْمُ الصَّدَقَةِ وَلَهُمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا وَإِنْ كَانَ وَهُمْ فُقَرَاءُ أَوْ مَسَاكِينُ فَسَأَلُوا بِأَيِّ الْأَصْنَافِ كَانُوا أُعْطُوا لِأَنَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَلَمْ يُعْطَوْا مِنْ صَدَقَةِ غَيْرِهِ قَالَ وَإِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ لَمْ يُعْطَوْا مِنْ السُّهْمَانِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَأَنَّهُمْ قَدْ يَبْرَءُونَ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يُعْطَوْا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ قَالَ وَصِنْفٌ ادَّانُوا فِي حَمَالَاتٍ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ وَمَعْرُوفٍ وَلَهُمْ عُرُوضٌ تَحْمِلُ حَمَّالَاتهمْ أَوْ عَامَّتَهَا إنْ بِيعَتْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرُوا فَيُعْطَى هَؤُلَاءِ مَا يُوَفِّرُ عُرُوضَهُمْ كَمَا يُعْطَى أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنْ الْغَارِمِينَ حَتَّى يَقْضُوا غُرْمَهُمْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ «عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ تَحَمَّلْت بِحَمَالَةٍ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْته فَقَالَ نُؤَدِّيهَا أَوْ نُخْرِجُهَا عَنْك غَدًا إذَا قَدِمَ نَعَمُ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ الْمَسْأَلَةُ حُرِّمَتْ إلَّا فِي ثَلَاثٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ أَوْ حَاجَةٌ حَتَّى شَهِدَ لَهُ أَوْ تَكَلَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ بِهِ حَاجَةً أَوْ فَاقَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ» قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهَذَا نَأْخُذُ هُوَ مَعْنَى مَا قُلْت فِي الْغَارِمِينَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا الْغَارِمِينَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقَلَّ مِنْ اسْمِ الْغِنَى وَبِذَلِكَ نَقُولُ وَذَلِكَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ الْفَقْرِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ وَيُعْطَى مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مَنْ غَزَا مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا وَلَا يُعْطَى مِنْهُمْ غَيْرُهُمْ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ فَيُعْطَاهُ مَنْ دَفَعَ عَنْهُمْ الْمُشْرِكِينَ وَابْنُ السَّبِيلِ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجَزُونَ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِمْ إلَّا بِمَعُونَةٍ عَلَى سَفَرِهِمْ وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ سَفَرِهِ بِلَا مَعُونَةٍ فَلَا يُعْطَى لِأَنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَلَيْسَ مِمَّنْ اُسْتُثْنِيَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ وَمُخَالِفٌ لِلْغَازِي فِي دَفْعِ الْغَازِي بِالصَّدَقَةِ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالِفٌ لِلْغَارِمِ الَّذِي ادَّانَ فِي مَنْفَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْعَامِلُ الْغَنِيُّ بِصَلَاحِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْغَنِيِّ يُهْدِي لَهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تَطَوُّعٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا أَنَّ الْغَنِيَّ أَخَذَهَا بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْعَطَايَا غَيْرَ الْمَفْرُوضَةِ تَحِلُّ لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ وَمِنْ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ [بَابُ مَنْ طَلَبَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْأَغْلَبُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَغْنِيَاءَ حَتَّى يُعْرَفَ غِنَاهُمْ وَمَنْ طَلَبَ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ بِاسْمِ فَقْرٍ، أَوْ مَسْكَنَةٍ أُعْطِيَ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ غَيْرُهُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ

باب علم قاسم الصدقة بعدما أعطى غير ما علم

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِيهِمَا النَّظَرَ وَصَوَّبَ ثُمَّ قَالَ: إنْ شِئْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدًا ظَاهِرًا يُشْبِهُ الِاكْتِسَابَ الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ وَغَابَ عَنْهُ الْعِلْمُ فِي الْمَالِ وَعَلِمَ أَنْ قَدْ يَكُونُ الْجَلَدُ فَلَا يُغْنِي صَاحِبَهُ مَكْسَبُهُ بِهِ إمَّا لِكَثْرَةِ عِيَالٍ وَإِمَّا لِضَعْفِ حِرْفَةٍ فَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُمَا إنْ ذَكَرَا أَنَّهُمَا لَا غِنَى لَهُمَا بِمَالٍ وَلَا كَسْبٍ أَعْطَاهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ أَعْلَمَهُمَا؟ قِيلَ حَيْثُ قَالَ «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا قُلْنَا يُعْطَى الْغَازِي وَالْعَامِلُ، وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ وَالْغَارِمُ فِي الْحَمَالَةِ عَلَى مَا أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا غَارِمٌ غَيْرُهُ إلَّا غَارِمًا لَا مَالَ لَهُ يَقْضِي مِنْهُ فَيُعْطَى فِي غُرْمِهِ، وَمَنْ طَلَبَ سَهْمَ ابْنِ السَّبِيلِ وَذَكَرَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي يُرِيدُ إلَّا بِالْمَعُونَةِ أُعْطِيَ عَلَى مِثْلِ مَعْنَى مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ قَوِيٍّ حَتَّى تُعْلَمَ قُوَّتُهُ بِالْمَالِ وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ يَغْزُو أُعْطِيَ غَنِيًّا كَانَ، أَوْ فَقِيرًا، وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ غَارِمٌ، أَوْ عَبْدٌ بِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّهُمْ غَيْرُ غَارِمِينَ حَتَّى يُعْلَمَ غُرْمُهُمْ وَالْعَبِيدُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَاتَبِينَ حَتَّى تُعْلَمَ كِتَابَتُهُمْ، وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ، وَمَا وَصَفْته يُسْتَحَقُّ بِهِ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ. [بَابٌ عَلِمَ قَاسِمُ الصَّدَقَةِ بَعْدَمَا أَعْطَى غَيْرَ مَا عَلِمَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَعْطَى الْوَالِي الْقَاسِمُ الصَّدَقَةَ مَنْ وَصَفْنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِقَوْلِهِ، أَوْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ إعْطَائِهِمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِمَا أَعْطَاهُمْ نَزَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ (قَالَ) : وَإِنْ أَفْلَسُوا بِهِ، أَوْ فَاتُوهُ فَلَمْ يَقْدِرْ لَهُمْ عَلَى مَالٍ وَلَا عَيْنٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَالِي؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لِمَنْ يُعْطِيهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ لَا لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ فِيهِ الظَّاهِرَ مِثْلُ الْحَكَمِ فَلَا يَضْمَنُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَمَتَى مَا قَدَرَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ أغرمهموه وَأَعْطَاهُ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوهُ يَوْمَ كَانَ قَسَمَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانُوا مَاتُوا دَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، أَوْ أَغْنِيَاءَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَعْطَاهُ غَيْرَهُمْ وَهُمْ يَوْمئِذٍ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي الْقَسْمَ رَبَّ الْمَالِ دُونَ الْوَالِي فَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ أَعْطَاهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ أَمَّا مَا أَعْطَاهُمْ عَلَى مَسْكَنَةٍ وَفَقْرٍ وَغُرْمٍ، أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ، فَإِذَا هُمْ مَمَالِيكُ، أَوْ لَيْسُوا عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَعْطَاهُمْ لَهَا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ فَقَسَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ مَاتُوا، أَوْ أَفْلَسُوا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ وَأَدَاءَهُ إلَى أَهْلِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ عَلَى صَاحِبِ الزَّكَاةِ أَنْ يُوفِيَهَا أَهْلَهَا وَلَا يُبْرِئَهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا كَمَا لَا يُبْرِئُهُ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ لَزِمَهُ، فَأَمَّا الْوَالِي فَهُوَ أَمِينٌ فِي أَخْذِهَا وَإِعْطَائِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ الدَّافِعَ إلَى الْوَالِي وَأَنَّهُ يَبْرَأُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الصَّدَقَةِ إذَا قَسَمَهَا

باب جماع تفريع السهمان

عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْوَالِي (قَالَ) : وَإِنْ أَعْطَاهَا رَجُلًا عَلَى أَنْ يَغْزُوَ، أَوْ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَسِيرَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، فَأَقَامَا نَزَعَ مِنْهُمَا الَّذِي أَعْطَاهُمَا وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَخْرُجُ إلَى مِثْلِ مَخْرَجِهِمَا. [بَابُ جِمَاعِ تَفْرِيعِ السُّهْمَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَنْبَغِي لِوَالِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَأْمُرَ بِأَنْ يُكْتَبَ أَهْلُ السُّهْمَانِ وَيُوضَعُونَ مَوَاضِعَهُمْ وَيُحْصَى كُلُّ أَهْلِ صِنْفٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِمْ فَيُحْصَى أَسْمَاءُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيُعْرَفُ كَمْ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ، أَوْ الْمَسْكَنَةِ إلَى أَدْنَى اسْمِ الْغِنَى وَأَسْمَاءُ الْغَارِمِينَ وَمَبْلَغُ غُرْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَابْنِ السَّبِيلِ وَكَمْ يُبَلِّغُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَلَدَ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُكَاتَبِينَ وَكَمْ يُؤَدِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَعْتِقُوا وَأَسْمَاءُ الْغُزَاةِ وَكَمْ يَكْفِيهِمْ عَلَى غَايَةِ مَغَازِيهِمْ وَيَعْرِفُ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَمَا يَسْتَحِقُّونَ بِعَمَلِهِمْ يَكُونُ قَبْضُهُ الصَّدَقَاتِ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا وَصَفْت مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِ السُّهْمَانِ، أَوْ بَعْدَهَا ثُمَّ يُجَزِّئُ الصَّدَقَةَ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا كَمَا أَصِفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ مَثَّلْت لَك مِثَالًا كَانَ الْمَالُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَلِكُلِّ صِنْفٍ أَلْفٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ مِنْ الْأَلْفِ شَيْءٌ وَفِيهِمْ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ فَأَحْصَيْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ ثَلَاثَةً وَالْمَسَاكِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ مِائَةً وَالْغَارِمِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ عَشَرَةً ثُمَّ مَيَّزْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ الْفَقْرِ بِمِائَةٍ وَآخَرُ مِنْ الْفَقْرِ بِثَلَثِمِائَةٍ وَآخَرُ مِنْ الْفَقْرِ بِسِتِّمِائَةٍ فَأَعْطَيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى وَمَيَّزْنَا الْمَسَاكِينَ هَكَذَا فَوَجَدْنَا الْأَلْفَ يُخْرِجُ الْمِائَةَ مِنْ الْمَسْكَنَةِ إلَى الْغِنَى فَأعطَيْناهُمُوها عَلَى قَدْرِ مَسْكَنَتِهِمْ كَمَا وَصَفْت فِي الْفُقَرَاءِ لَا عَلَى الْعَدَدِ وَلَا وَقْتَ فِيمَا يُعْطَى الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ إلَى مَا يُصَيِّرُهُمْ إلَى أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ أَغْنِيَاءَ لَا غِنَى سَنَةٍ وَلَا وَقْتٍ وَلَكِنْ مَا يُعْقَلُ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ بِهِ مِنْ الْفَقْرِ، أَوْ الْمَسْكَنَةِ دَاخِلُونَ فِي أَوَّلِ مَنَازِلِ الْغِنَى إنْ أَغْنَى أَحَدَهُمْ دِرْهَمٌ مَعَ كَسْبِهِ، أَوْ مَالِهِ لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْنِهِ الْأَلْفُ أُعْطِيَهَا إذَا اتَّسَعَتْ الْأَسْهُمُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» وَالْغَنِيُّ إذَا كَانَ غَنِيًّا بِالْمَالِ «وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَا فَقِيرٍ اسْتَغْنَى بِكَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْغِنَاءَيْنِ وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ الْكَلَامَيْنِ لِافْتِرَاقِ سَبَبِ الْغِنَاءَيْنِ فَالْغِنَى الْأَوَّلُ الْغِنَى بِالْمَالِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَهُ تَرْكُ الْكَسْبِ وَيَزِيدُ فِيهِ الْكَسْبُ، هُوَ الْغِنَى الْأَعْظَمُ، وَالْغِنَى الثَّانِي الْغِنَى بِالْكَسْبِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَذْهَبُ الْكَسْبُ بِالْمَرَضِ، قِيلَ: وَيَذْهَبُ الْمَالُ بِالتَّلَفِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ بِالْحَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقَسْمُ لَا فِي حَالٍ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا مَاضٍ وَمَا بَعْدَهَا لَا يُعْرَفُ مَا هُوَ كَائِنٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ عَلَى يَوْمِ يَكُونُ فِيهِ الْقَسْمُ وَالْقَسْمُ يَوْمَ يَكُونُ الِاسْتِحْقَاقُ وَوَجَدْنَا الْغَارِمِينَ فَنَظَرْنَا فِي غُرْمِهِمْ فَوَجَدْنَا الْأَلْفَ تُخْرِجُهُمْ مَعًا مِنْ الْغُرْمِ عَلَى اخْتِلَافِ مَا يُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَعْطَيْنَاهُمْ الْأَلْفَ كُلَّهَا عَلَى مِثَالِ مَا أَعْطَيْنَا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ ثُمَّ فَعَلْنَا هَذَا فِي الْمُكَاتَبِينَ كَمَا فَعَلْنَاهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَارِمِينَ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي أَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَمَيَّزْنَاهُمْ وَنَظَرْنَا الْبُلْدَانَ الَّتِي يُرِيدُونَ، فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَعْطَيْنَاهُمْ الْحُمْلَانَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْبُدَاءَةَ فَالْبُدَاءَةُ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْبُدَاءَةَ وَالرَّجْعَةَ فَالْبُدَاءَةُ وَالرَّجْعَةُ وَالنَّفَقَةُ مَبْلَغُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْبَسٌ فَالْمَلْبَسُ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِي مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ صِنْفٍ مِنْ هَذَا وَأَقْصَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ قَرِيبًا وَابْنُ السَّبِيلِ ضَعِيفًا فَهَكَذَا. وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا

باب جماع بيان قسم السهمان

وَابْنُ السَّبِيلِ قَوِيًّا، فَالنَّفَقَةُ دُونَ الْحَمُولَةِ إذَا كَانَ بِلَادًا يَمْشِي مِثْلَهَا مَأْهُولَةً مُتَّصِلَةَ الْمِيَاهِ مَأْمُونَةً، فَإِنْ انْتَاطَتْ مِيَاهُهَا، أَوْ أَخَافَتْ، أَوْ أَوْحَشَتْ أُعْطُوا الْحَمُولَةَ ثُمَّ صُنِعَ بِهِمْ فِيهَا كَمَا وَصَفْت فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ قَبْلَهُمْ يُعْطَوْنَ عَلَى الْمُؤْنَةِ لَا عَلَى الْعَدَدِ وَيُعْطَى الْغُزَاةُ الْحَمُولَةَ وَالرَّحْلَ وَالسِّلَاحَ وَالنَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ، فَإِنْ اتَّسَعَ الْمَالُ زِيدُوا الْخَيْلَ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَحَمُولَةُ الْأَبْدَانِ بِالْكِرَاءِ وَيُعْطَوْنَ الْحَمُولَةَ بَادِئِينَ وَرَاجِعِينَ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْمُقَامَ أُعْطُوا الْمُؤْنَةَ بَادِئِينَ وَقُوَّةً عَلَى الْمُقَامِ بِقَدْرِ مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ قَدْرَ مَغَازِيهِمْ وَمُؤْنَاتِهِمْ فِيهَا لَا عَلَى الْعَدَدِ وَمَا أُعْطُوا مِنْ هَذَا فَفَضْلٌ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِمْ أَنْ يتمولوه وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَخْذُهُ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَغْزُوا، وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ (قَالَ) : وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا إنْ كَانَ مُسْلِمًا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ لَا تَكُونُ الطَّاعَةُ لِلْوَالِي فِيهَا قَائِمَةً وَلَا أَهْلُ الصَّدَقَةِ الْمُوَلَّوْنَ أَقْوِيَاءَ عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا إلَّا بِالْمُؤَلَّفَةِ لَهَا وَتَكُونُ بِلَادُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مُمْتَنِعَةً بِالْبُعْدِ، أَوْ كَثْرَةِ الْأَهْلِ، أَوْ مَنْعِهِمْ مِنْ الْأَدَاءِ، أَوْ يَكُونُ قَوْمٌ لَا يُوثَقُ بِثَبَاتِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا الشَّيْءَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لَا يَبْلُغُ اجْتِهَادُهُ فِي حَالٍ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ وَيُنْقِصَهُمْ مِنْهُ إنْ قَدَرَ حَتَّى يَقْوَى بِهِمْ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بِنَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ بَعِيرٍ صَدَقَةِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَأَمَرَهُ بِالْجِهَادِ مَعَ خَالِدٍ فَجَاهَدَ مَعَهُ بِنَحْوٍ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، وَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ إنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، هُوَ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يَنْسُبُ إلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّدَّةِ (قَالَ) : وَيُعْطَى الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِ مِثْلِهِمْ فِيمَا تَكَلَّفُوا مِنْ السَّفَرِ وَقَامُوا بِهِ مِنْ الْكِفَايَةِ لَا يُزَادُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يَسْتَأْجِرَهُمْ أُجْرَةً، فَإِنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ أَعْطَاهُمْ أَجْرَ أَمْثَالِهِمْ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ سَهْمًا مِنْ أَسْهُمِ الْعَامِلِينَ، أَوْ سَهْمَ الْعَامِلِينَ كُلَّهُ إنَّمَا لَهُمْ فِيهِ أُجُورُ أَمْثَالِهِمْ، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ يَلِي إلَّا بِمُجَاوَزَةِ الْعَامِلِينَ رَأَيْت أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْوَالِي سَهْمَ الْعَامِلِينَ تَامًّا وَيَزِيدَهُمْ قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، لَوْ أَعْطَاهُمْ مِنْ السُّهْمَانِ مَعَهُ حَتَّى يُوفِيَهُمْ أُجُورَ أَمْثَالِهِمْ مَا رَأَيْت ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ضَيِّقًا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ ضَاعَتْ الصَّدَقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ يَكُونُ بِالْمَوْضِعِ فَيُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ إذَا خِيفَ ضَيْعَتُهُ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ وَقَلَّمَا يَكُونُ أَنْ يَعْجَزَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَنْ مَبْلَغِ أُجْرَةِ الْعَامِلِ وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ أَمِينٌ يَرْضَى بِسَهْمِ الْعَامِلِ وَأَقَلَّ مِنْهُ فَيُوَلَّاهُ أَحَبُّ إلَيَّ. [بَابُ جِمَاعِ بَيَانِ قَسْمِ السُّهْمَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَجِمَاعُ مَا قَسَمْنَا عَلَى السُّهْمَانِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ كُلِّ مَنْ سُمِّيَ لَا عَلَى الْعَدَدِ وَلَا عَلَى أَنْ يُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ سَهْمًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَسْتَوْفُوا سُهْمَانَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ غَيْرِهَا إذَا فَضَلَ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَى كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مُؤَقَّتًا فَأَعْطَيْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ

باب اتساع السهمان حتى تفضل عن بعض أهلها

مَعًا فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْغَارِمِينَ إذَا أُعْطُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَى الْغِنَى وَالْغُرْمِ إلَى أَنْ لَا يَكُونُوا غَارِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي السُّهْمَانِ شَيْءٌ وَصَارُوا أَغْنِيَاءَ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَغْنِيَاءِ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَعَهَا شَيْءٌ وَكَانَ الَّذِي يُخْرِجُهُمْ مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْغُرْمِ يُخْرِجُهُمْ مِنْ مَعْنَى أَسْمَائِهِمْ، وَهَكَذَا الْمُكَاتَبُونَ وَكَانَ ابْنُ السَّبِيلِ وَالْغَازِي يُعْطَوْنَ مِمَّا وَصَفْت مِنْ كِفَايَتِهِمْ مُؤْنَةَ سَبِيلِهِمْ وَغَزْوِهِمْ وَأُجْرَةَ الْوَالِي الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنْ اسْمِ أَنْ يَكُونُوا بَنِي سَبِيلٍ وَلَا غُزَاةً وَلَا عَامِلِينَ مَا كَانُوا مُسَافِرِينَ وَغُزَاةً وَعُمَّالًا، فَلَمْ يُعْطَوْا إلَّا بِالْمَعْنَى دُونَ جِمَاعِ الِاسْمِ، وَهَكَذَا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ لَا يَزُولُ هَذَا الِاسْمُ عَنْهُمْ، لَوْ أُعْطِيَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلَّ السُّهْمَانِ (قَالَ) : فَهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي يُعْطَوْنَ بِهَا، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ بِهِمْ الْأَسْمَاءُ. [بَابُ اتِّسَاعِ السُّهْمَانِ حَتَّى تَفْضُلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا اتَّسَعَتْ السُّهْمَانُ، فَقَدْ مَثَّلْت لَهَا مِثَالًا كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَوَجَدْنَا الْفُقَرَاءَ ثَلَاثَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ مِائَةٌ وَالْمَسَاكِينَ خَمْسَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَتَانِ وَالْغَارِمِينَ أَرْبَعَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ، فَيَفْضُلُ عَنْ الْفُقَرَاءِ تِسْعُمِائَةٍ، وَعَنْ الْمَسَاكِينِ ثَمَانُمِائَةٍ وَاسْتَغْرَقَ الْغَارِمُونَ سَهْمَهُمْ، فَوَقَفْنَا الْأَلْفَ وَسَبْعَمِائَةٍ الَّتِي فَضَلَتْ عَنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَضَمَمْنَاهَا إلَى السُّهْمَانِ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَسَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ وَسَهْمِ الرِّقَابِ وَسَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ وَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ، ثُمَّ ابْتَدَأْنَا بِالْقَسْمِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْبَاقِينَ كَابْتِدَائِنَا لَوْ كَانُوا هُمْ أَهْلُ السُّهْمَانِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ، فَأَعْطَيْنَاهُمْ سُهْمَانَهُمْ، وَالْفَضْلُ عَمَّنْ اسْتَغْنَى مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْهُمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَى صِنْفٌ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ سَهْمِهِ جُعِلَ فِي جُمْلَةِ الْأَصْلِ، هُوَ الثُّمُنَ وَمَا رُدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَأَرُدُّ الْفَضْلَ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعًا، كَمَا أَرُدُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُ الْفَضْلَ عَنْ غَيْرِهِ. [بَابُ اتِّسَاعِ السُّهْمَانِ عَنْ بَعْضٍ وَعَجْزِهَا عَنْ بَعْضٍ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَكَانَ كُلُّ سَهْمٍ أَلْفًا فَأَحْصَيْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ خَمْسُمِائَةٍ وَوَجَدْنَا الْمَسَاكِينَ عَشَرَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ خَمْسُمِائَةٍ وَوَجَدْنَا الْغَارِمِينَ عَشَرَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ خَمْسَةُ آلَافٍ فَسَأَلَ الْغَارِمُونَ أَنْ يُبْدَأَ بِالْقَسْمِ بَيْنَهُمْ فَوْضَى عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْحَاجَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ وَيُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ رُدَّ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ ثُمَّ هَكَذَا يُصْنَعُ فِي جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَفِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمُهُ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ ثُمَّ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِالْفَضْلِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ غُرْمُ الْغَارِمِينَ فَكَانَ عِدَّتُهُمْ عَشَرَةً

باب ضيق السهمان عن بعض أهلها دون بعض

وَغُرْمُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ وَغُرْمُ الْآخَرِ أَلْفٌ وَغُرْمُ الْآخَرِ خَمْسُمِائَةٍ فَسَأَلُوا أَنْ يُعْطَوْا عَلَى الْعَدَدِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ وَجُمِعَ غُرْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ غُرْمُهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ وَسَهْمُهُمْ أَلْفًا فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرَ غُرْمِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَيُعْطَى الَّذِي غُرْمُهُ مِائَةٌ عَشَرَةً، وَاَلَّذِي غُرْمُهُ أَلْفٌ مِائَةً، وَاَلَّذِي غُرْمُهُ خَمْسُمِائَةٍ خَمْسِينَ فَيَكُونُونَ قَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ غُرْمِهِمْ لَا عَلَى عَدَدِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ عِيدَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ فَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُ لِعُشْرِ غُرْمِهِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ رِقَابٌ وَلَا مُؤَلَّفَةٌ وَلَا غَارِمُونَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ فَفُضَّتْ الثَّمَانِيَةُ أَسْهُمٍ عَلَيْهِ أَخْمَاسًا، وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ لَا يُوجَدُ، وَكُلُّ صِنْفٍ اسْتَغْنَى عِيدَ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ عَنْ بَلَدِهِ الَّذِي أُخِذَتْ بِهِ، قَلَّ وَلَا كَثُرَ، حَتَّى لَا يَبْقَى وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ إلَّا أُعْطِيَ حَقَّهُ، لَوْ فُقِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ كُلُّهُمْ إلَّا الْفُقَرَاءَ وَالْعَامِلِينَ، قُسِمَتْ الثَّمَانِيَةُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يُوَفَّى الْفُقَرَاءُ مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ، وَيُعْطَى الْعَامِلُونَ بِقَدْرِ إجْزَائِهِمْ. [بَابُ ضِيقِ السُّهْمَانِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهَا دُونَ بَعْضٍ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَوْ كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةً وَأَهْلُ السُّهْمَانِ وَافِرُونَ فَجَمَعْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ وَوَجَدْنَا الْمَسَاكِينَ مِائَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ أَلْفٌ وَالْغَارِمِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ ثَلَاثَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ فَسَأَلَ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَالُ كُلُّهُ بَيْنَهُمْ فَوْضَى عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَأُعْطِيَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ كَامِلًا وَقُسِمَ بَيْنَ أَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَإِنْ أَغْنَاهُمْ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُغْنِهِمْ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ غَيْرِهِمْ شَيْءٌ لَمْ يُزَادُوا عَلَى سَهْمِهِمْ، لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَضَاقَتْ السُّهْمَانُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ صِنْفٌ يَسْتَغْنِي بِسَهْمِهِ، أَوْ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمُهُ، لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ يُعَادُ بِهِ عَلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَهْلُ صِنْفٍ مِنْهُمْ مُتَمَاسِكِينَ لَوْ تُرِكُوا وَلَمْ يُعْطَوْا فِي عِلْمِهِمْ ذَلِكَ لَمَا شَكَوْا وَأَهْلُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ يُخَافَ هَلَاكُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ وَضِيقِ سَهْمِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِهِمْ مِنْ سَهْمِ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ غَيْرُهُمْ ثُمَّ يَرُدَّ فَضْلًا إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ أَوْلَى بِالْفَضْلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ حَاجَةً، كَمَا لَا يَجْعَلُ مَا قَسَمَ لِقَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ بِمَعْنًى لِغَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ حَاجَةٍ وَلَا عِلَّةٍ، وَلَكِنْ يُوفَى كُلٌّ مَا جُعِلَ لَهُ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ بِجَمِيعِ السُّهْمَانِ، لَوْ أَجْدَبَ أَهْلُ بَلَدٍ وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ حَتَّى يُخَافَ تَلَفُهُمْ وَأَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ مُخْصَبُونَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ نَقْلُ صَدَقَاتِهِمْ عَنْ جِيرَتِهِمْ حَتَّى يَسْتَغْنُوا فَلَا يُنْقَلُ شَيْءٌ جُعِلَ لِقَوْمٍ إلَى غَيْرِهِمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تُحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ غَيْرِهِ.

باب قسم المال على ما يوجد

[بَابُ قَسْمِ الْمَالِ عَلَى مَا يُوجَدُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَيُّ مَالٍ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ قُسِمَ الْمَالُ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يُبَدَّلْ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يُبَعْ، فَإِنْ اجْتَمَعَ حَقُّ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي بَعِيرٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ دِرْهَمٍ، أَوْ اجْتَمَعَ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَأَكْثَرُ أُعْطَوْهُ وَأُشْرِكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ كَمَا يُعْطَى الَّذِي وُهِبَ لَهُمْ وَأُوصِيَ لَهُمْ بِهِ وَأُقِرَّ لَهُمْ بِهِ وَاشْتَرَوْهُ بِأَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمْ عُشْرَهُ وَآخَرُ نِصْفَهُ وَآخَرُ مَا بَقِيَ مِنْهُ أُعْطُوهُ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَحَقُّوا مِنْهُ، وَهَكَذَا يُصْنَعُ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ الصَّدَقَاتِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فِي الْمَاشِيَةِ كُلِّهَا وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ حَتَّى يُشْرَكَ بَيْنَ النَّفَرِ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ لَا يُبَاعُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ وَلَا تُبَاعُ الدَّنَانِيرُ بِدَرَاهِمَ وَلَا الدَّرَاهِمُ بِفُلُوسٍ وَلَا بِحِنْطَةٍ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ، فَإِنَّهُ يُكَالُ لِكُلٍّ حَقُّهُ. [بَابُ جِمَاعِ قَسْمِ الْمَالِ مِنْ الْوَالِي وَرَبِّ الْمَالِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَجَمِيعُ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَقَةِ فِطْرٍ وَخُمُسِ رِكَازٍ وَزَكَاةِ مَعْدِنٍ وَصَدَقَةِ مَاشِيَةٍ وَزَكَاةِ مَالٍ وَعُشْرِ زَرْعٍ وَأَيِّ أَصْنَافِ الصَّدَقَاتِ أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَقَسْمُهُ وَاحِدٌ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي فِي بَرَاءَةٌ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ لَا يَخْتَلِفُ، وَسَوَاءٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِذَا قَسَمَهُ الْوَالِي فَفِيهِ سَهْمُ الْعَامِلِينَ مِنْهُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عَامِلَ عَلَيْهِ يَأْخُذُهُ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُهُ فِيهِ وَالْعَامِلُونَ فِيهِ عَدَمٌ، فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: فَأَنَا إلَيَّ أَخْذُهُ مِنْ نَفْسِي وَجَمْعُهُ وَقَسْمُهُ فَآخُذُ أَجْرَ مِثْلِي قِيلَ إنَّهُ لَا يُقَالُ لَك عَامِلُ نَفْسِك وَلَا يَجُوزُ لَك إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ فَرْضًا عَلَيْك أَنْ يَعُودَ إلَيْك مِنْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ أَدَّيْت مَا كَانَ عَلَيْك أَنْ تُؤَدِّيَهُ وَإِلَّا كُنْت عَاصِيًا لَوْ مَنَعْته، فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ وَلَّيْتهَا غَيْرِي؟ قِيلَ إذَا كُنْت لَا تَكُونُ عَامِلًا عَلَى غَيْرِك لَمْ يَكُنْ غَيْرُك عَامِلًا إذَا اسْتَعْمَلْته أَنْتَ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلُك فِيهَا إلَّا فِي مَعْنَاك، أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ عَلَيْك تَفْرِيقُهَا، فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْك فَلَيْسَ لَك الِانْتِقَاصُ مِنْهَا لَمَّا تَحَقَّقْت بِقِيَامِهِ بِهَا (قَالَ) : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُوَلِّي زَكَاةَ مَالِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُحَاسِبَ بِهَا الْمَسْئُولَ عَنْهَا هُوَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِاجْتِهَادِ فِي وَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي أَدَائِهَا، وَفِي شَكٍّ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ لَا يَدْرِي أَدَّاهَا عَنْهُ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا، فَإِنْ قَالَ: أَخَافُ حِبَائِي، فَهُوَ يَخَافُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلَ مَا يَخَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَيْقِنُ فِعْلَ نَفْسِهِ فِي الْأَدَاءِ وَيَشُكُّ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ. [بَابُ فَضْلِ السُّهْمَانِ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِهَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُعْطِي الْوُلَاةُ جَمِيعَ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، الثَّمَرَةِ، وَالزَّرْعِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالْمَاشِيَةِ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْوُلَاةُ بَعْدَ حُلُولِهَا لَمْ يَسَعْ أَهْلَهَا إلَّا قَسْمُهَا، فَإِنْ جَاءَ الْوُلَاةُ بَعْدَ قَسْمِ

باب تدارك الصدقتين

أَهْلِهَا لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ ثَانِيَةً، فَإِنْ ارْتَابُوا بِأَحَدٍ وَخَافُوا دَعْوَاهُ الْبَاطِلَ فِي قَسْمِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَلِّفُوهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ قَسَمَهَا كَامِلَةً فِي أَهْلِهَا، وَإِنْ أَعْطَوْهُمْ زَكَاةَ التِّجَارَاتِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ قَسَمُوهَا دُونَهُمْ فَلَا بَأْسَ، وَهَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالرِّكَازِ. [بَابُ تَدَارُكِ الصَّدَقَتَيْنِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّدَقَةَ عَنْ مَحِلِّهَا عَامًا وَاحِدًا، فَإِنْ أَخَّرَهَا لَمْ يَنْبَغِ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُؤَخِّرَ، فَإِنْ فَعَلَا مَعًا قَسَمَاهَا مَعًا فِي سَاعَةِ يُمْكِنُهُمَا قَسْمُهَا لَا يُؤَخِّرَانِهَا بِحَالٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ أَهْلِهَا وَهُمْ الْعَامَ مِنْ أَهْلِهَا وَكَانَ بِقَوْمٍ حَاجَةٌ فِي عَامِهِمْ هَذَا وَكَانُوا مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يَكُونُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي أُعْطِيَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ أَهْلِهَا صَدَقَةَ الْعَامِ الْمَاضِي، فَإِنْ اسْتَغْنَوْا بِهِ، لَمْ يُعْطَوْا مِنْهُ فِي هَذَا الْعَامِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا فَلَمْ تُقْسَمْ حَتَّى أَيْسَرَ، لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا يَوْمَ تُقْسَمُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنُوا بِصَدَقَةِ الْعَامِ الْمَاضِي كَانُوا شُرَكَاءَ فِي صَدَقَةِ عَامِهِمْ هَذَا مَعَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا فِي عَامِهِمْ هَذَا بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَدْفَعُهُمْ عَنْ الصَّدَقَةِ الْعَامُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِهَا بِأَنْ يَكُونُوا اسْتَوْجَبُوهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي قَبْلَهُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا فِي الْعَامَيْنِ مَعًا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْغَارِمُونَ وَالرِّقَابُ، فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَلَا يُؤْتَى لِعَامِ أَوَّلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِلِينَ إنَّمَا يُعْطَوْنَ عَلَى الْعَمَلِ فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا عَامَ أَوَّلٍ، وَأَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ وَالْغُزَاةَ إنَّمَا يُعْطَوْنَ عَلَى الشُّخُوصِ وَهُمْ لَمْ يَشْخَصُوا عَامَ أَوَّلٍ، أَوْ شَخَصُوا فَاسْتَغْنَوْا عَنْهَا وَأَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا بِالتَّأْلِيفِ فِي قَوْمِهِمْ لِلْعَوْنِ عَلَى أَخْذِهَا وَهِيَ فِي عَامِ أَوَّلٍ لَمْ تُؤْخَذْ فَيُعِينُونَ عَلَيْهَا. [بَابُ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَانَتْ الْعَرَبُ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ وَكَانَتْ تُجَاوِرُ بِالْقَرَابَةِ لِيَمْتَنِعَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِمَنْ أَرَادَهَا، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُؤْخَذَ الصَّدَقَةُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ كَانَ بَيْنَا فِي أَمْرِهِ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْجِيرَانِ لِلْمَأْخُوذَةِ مِنْهُ الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَةً عَلَى رُسُلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الصَّدَقَاتِ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَيَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بِجَنْبِهِمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ قَضَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ عَنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَصَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» يَعْنِي إلَى جَارِ الْمَالِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ دُونَ جَارِ رَبِّ الْمَالِ فَبِهَذَا نَقُولُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَالٌ بِبَلَدٍ وَكَانَ سَاكِنًا بِبَلَدٍ غَيْرِهِ قُسِّطَتْ صَدَقَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ الَّذِي فِيهِ الصَّدَقَةُ

باب فضل السهمان عن أهل الصدقة

كَانُوا أَهْلَ قَرَابَةٍ لَهُ، أَوْ غَيْرَ قَرَابَةٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي فِيهَا الصَّدَقَةُ فَأَمْرُهُمْ بَيِّنٌ، يُقْسَمُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ عَلَى جِيرَانِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِيرَانٌ فَأَقْرَبَ النَّاسِ بِهَا جِوَارًا؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِاسْمِ جِوَارِهَا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَوَاشِي الْخِصْبَةِ وَالْأَوَارِكِ وَالْإِبِلِ الَّتِي لَا يُنْتَجَعُ بِهَا، فَأَمَّا أَهْلُ النُّجَعِ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ، بِهَا مِيَاهُهُمْ وَأَكْثَرُ مُقَامِهِمْ لَا يُؤَثِّرُونَ عَلَيْهَا إذَا أَخْصَبَتْ شَيْئًا فَأَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ مِنْ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى كَمَا كَانَ جِيرَانُ أَهْلِ الْأَمْوَالِ الْمُقِيمِينَ أَوْلَى بِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَنْتَجِعُ بِنُجْعَتِهِمْ، كَانَ أَقْرَبَ جِوَارًا مِمَّنْ يُقِيمُ فِي دِيَارِهِمْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ، وَتُقْسَمُ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّاجِعَةِ الْمُقِيمَةِ بِنُجْعَتِهِمْ وَمُقَامِهِمْ دُونَ مَنْ انْتَجَعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دَارِهِمْ. وَدُونَ مَنْ انْتَجَعُوا إلَيْهِ فِي دَارِهِ، أَوْ لَقِيَهُمْ فِي النُّجْعَةِ مِمَّنْ لَا يُجَاوِرُهُمْ، وَإِذَا تَخَلَّفَ عَنْهُمْ أَهْلُ دَارِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُنْتَجِعٌ مِنْ أَهْلِهَا يَسْتَحِقُّ السُّهْمَانَ جُعِلَتْ السُّهْمَانُ فِي أَهْلِ دَارِهِمْ دُونَ مَنْ انْتَجَعُوا إلَيْهِ. وَلَقِيَهُمْ فِي النُّجْعَةِ مِنْ أَهْلِهَا، لَوْ انْتَقَلُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ بِجِيرَانِ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي فَرُّوا بِهَا، وَإِنْ بَعُدَتْ نُجْعَتُهُمْ حَتَّى لَا يَعُودُوا إلَى بِلَادِهِمْ إلَّا فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى جِيرَانِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَمْ تُحْمَلْ إلَى أَهْلِ دَارِهِمْ إذَا صَارُوا مِنْهُمْ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. [بَابُ فَضْلِ السُّهْمَانِ عَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ الصِّنْفِ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإِذَا فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ إغْنَائِهِمْ نُقِلَتْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا (قَالَ) : وَإِذَا اسْتَوَى فِي الْقُرْبِ أَهْلُ نَسَبِهِمْ وَعِدًى قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ نَسَبِهِمْ دُونَ الْعِدَى، وَإِنْ كَانَ الْعِدَى أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا وَكَانَ أَهْلُ نَسَبِهِمْ مِنْهُمْ عَلَى سَفَرٍ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى الْعِدَى إذَا كَانَ دُونَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِاسْمِ حَضْرَتِهِمْ، وَمَنْ كَانَ أَوْلَى بِاسْمِ حَضْرَتِهِمْ كَانَ أَوْلَى بِجِوَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ نَسَبِهِمْ دُونَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالْعِدَى أَقْرَبَ مِنْهُمْ، قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ نَسَبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْبَادِيَةِ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْ اسْمِ الْجِوَارِ، وَلِذَلِكَ هُمْ فِي الْمُتْعَةِ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. [بَابُ مِيسَمِ الصَّدَقَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْبَغِي لِوَالِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَسِمَ كُلَّ مَا يَأْخُذُ مِنْهَا مِنْ إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، يَسِمُ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ فِي أَفْخَاذِهَا وَالْغَنَمَ فِي أُصُولِ آذَانِهَا وَيَجْعَلُ مِيسَمَ الصَّدَقَةَ مَكْتُوبًا لِلَّهِ وَيَجْعَلُ مِيسَمَ الْغَنَمِ أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَإِنَّمَا قُلْت يَنْبَغِي لَهُ لِمَا بَلَغَنَا أَنَّ عُمَّالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَسِمُونَ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَّالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يَسِمُونَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ

باب العلة في القسم

زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ فَقَالَ عُمَرُ " نَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَنْتَفِعُونَ بِهَا " قَالَ: فَقُلْت وَهِيَ عَمْيَاءُ؟ فَقَالَ " يَقْطُرُونَهَا بِالْإِبِلِ " قُلْت: فَكَيْفَ تَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ عُمَرُ " أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ " فَقُلْت: لَا. بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ عُمَرُ " أَرَدْتُمْ وَاَللَّهِ أَكْلَهَا " فَقُلْت: إنَّ عَلَيْهَا وَسْمَ الْجِزْيَةِ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَأُتِيَ بِهَا فَنُحِرَتْ وَكَانَتْ عِنْدَهُ صِحَافٌ تِسْعٌ فَلَا تَكُونُ فَاكِهَةٌ وَلَا طُرْفَةٌ إلَّا جَعَلَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الصِّحَافِ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَكُونُ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ إلَى حَفْصَةَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ كَانَ فِي حَظِّ حَفْصَةَ، قَالَ فَجَعَلَ فِي تِلْكَ الصِّحَافِ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْ اللَّحْمِ فَصُنِعَ فَدَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ تَزَلْ السُّعَاةُ يَبْلُغُنِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسِمُونَ كَمَا وَصَفْت، وَلَا أَعْلَمُ فِي الْمِيسَمِ عِلَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أُخِذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مَعْلُومًا فَلَا يَشْتَرِيهِ الَّذِي أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ خَرَجَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي فَرَسٍ حُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَآهُ يُبَاعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ» وَكَمَا تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ نُزُولَ مَنَازِلِهِمْ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [بَابُ الْعَلَّةِ فِي الْقَسْمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا تَوَلَّى الرَّجُلُ قَسْمَ الصَّدَقَةِ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ أَسْقَطَ مِنْهَا سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفْت يَشْخَصُونَ لِمَعُونَةٍ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ فَيُعْطِيهِمْ، وَلَا سَهْمَ لِلْعَامِلِينَ فِيهَا، وَأُحِبُّ لَهُ مَا أَمَرْت بِهِ الْوَالِيَ مِنْ تَفْرِيقِهَا فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ أَهْلِ مِصْرِهِ كُلِّهِمْ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدٌ أَعْطَاهُ سَهْمَ ذَلِكَ الصِّنْفِ كُلَّهُ إنْ اسْتَحَقَّهُ، وَذَلِكَ أَنِّي إنْ لَمْ أُعْطِهِ إيَّاهُ، فَإِنَّمَا أُخْرِجُهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مَعَهُ قَسْمٌ فَلَمْ أُجِزْ أَنْ أُخْرِجَ عَنْ صِنْفٍ سَمَّوْا شَيْئًا وَمِنْهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَضَاقَتْ زَكَاتُهُ أَحْبَبْت أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي عَامَّتِهِمْ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ جِمَاعِ أَهْلِ سَهْمٍ ثَلَاثَةٌ إنَّمَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجِمَاعِ فُقَرَاءَ وَمَسَاكِينَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مَنْ مَعَهُمْ، فَإِنْ قَسَمَهُ عَلَى اثْنَيْنِ، هُوَ يَجِدُ ثَالِثًا ضَمِنَ ثُلُثَ السَّهْمِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَاحِدًا ضَمِنَ ثُلُثَيْ السَّهْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ أَهْلَ صِنْفٍ وَهُمْ مَوْجُودُونَ ضَمِنَ سَهْمَهُمْ، وَهَكَذَا هَذَا مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنْ أَجْعَلَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُ أَهْلَهُ بِالِاسْمِ، وَإِنْ تَرَكَ مَوْضِعَ الْجِوَارِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قَرَابَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَكَانَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْبَعِيدِ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قَرَابَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ خَاصَّتُهُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرَابَتِهِ مَا عَدَا أَوْلَادَهُ وَوَالِدَيْهِ، وَلَا يُعْطِي وَلَدَ الْوَلَدِ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا وَلَا زَمِنًا وَلَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً زَمْنَى (قَالَ الرَّبِيعُ) : لَا يُعْطِي الرَّجُلُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ لَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا ابْنًا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً وَلَا أَعْلَى مِنْهُمْ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَلْزَمُهُ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا غَيْرَ زَمْنَى لَا يُغْنِيهِمْ كَسْبُهُمْ فَهُمْ فِي حَدِّ الْفَقْرِ لَا يُعْطِيهِمْ مِنْ زَكَاتِهِ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ زَمْنَى مُسْتَغْنِينَ بِحِرْفَتِهِمْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُمْ وَكَانُوا فِي حَدِّ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ

باب العلة في اجتماع أهل الصدقة

يُعْطِيَهُمْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ شَيْئًا، وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا قُلْت: لَا يُعْطِي مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِهِ فِي نَفَقَاتِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ، أَوْ ابْنٌ لَهُ بَلَغَ فَادَّانَ ثُمَّ زَمِنَ وَاحْتَاجَ، أَوْ أَبٌ لَهُ دَائِنًا، أَعْطَاهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، وَكَذَلِكَ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَيُعْطِيهِمْ بِمَا عَدَا الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنْهُمْ وَلَا حَمْلُهُمْ إلَى بَلَدٍ أَرَادُوهُ، فَلَا يَكُونُونَ أَغْنِيَاءَ عَنْ هَذَا كَمَا كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ (قَالَ) : وَيُعْطِي أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَأُمَّهُ وَجَدَّتَهُ وَوَلَدَهُ بَالِغِينَ غَيْرَ زَمْنَى مِنْ صَدَقَتِهِ إذَا أَرَادُوا سَفَرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فِي حَالَاتِهِمْ تِلْكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُعْطِي رِجَالَهُمْ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ إذَا غَزَوْا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ الْخُمُسُ عِوَضًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ شَيْئًا، قَلَّ، أَوْ كَثُرَ، لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا وَلَا يُجْزِئُ عَمَّنْ يُعْطِيهُمُوهَا إذَا عَرَفَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَغَارِمِينَ وَمِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِنْ حُبِسَ عَنْهُمْ الْخُمُسُ وَلَيْسَ مَنْعُهُمْ حَقَّهُمْ فِي الْخُمُسِ، يُحِلُّ لَهُمْ مَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّدَقَةِ (قَالَ) : وَآلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ أَهْلُ الْخُمُسِ، وَهُمْ أَهْلُ الشِّعْبِ، وَهُمْ صُلْبِيَّةُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتِ النَّاسِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقُلْت لَهُ: أَتَشْرَبُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَك؟ فَقَالَ: إنَّمَا حَرُمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَصَدَّقَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بِأَمْوَالِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ، وَقَبِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدِيَّةَ مِنْ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَى بَرِيرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ بَرِيرَةَ تَطَوُّعٌ لَا صَدَقَةٌ (قَالَ) : وَإِذَا تَوَلَّى الْعَامِلُ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ قَسَمَهَا عَلَى مَا وَصَفْت وَكَانَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَيْهِ وَاسِعًا؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ صَدَقَاتٍ عَامَّةً فَتَكْثُرُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ فِيهَا أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ عَلِمَ مَكَانَهُ، فَإِنْ فَعَلَ عَلَى غَيْرِ الِاجْتِهَادِ خَشِيت عَلَيْهِ الْمَأْثَمَ، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ أُضَمِّنَهُ إذَا أَعْطَاهَا أَهْلَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِيهِ أَهْلُ الْأَصْنَافِ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَنْ أُضَمِّنَهُ فِي الْحَالَيْنِ (قَالَ) : وَلَوْ ضَمَّنَهُ رَجُلٌ كَانَ مَذْهَبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) : فَأَمَّا لَوْ تَرَكَ الْعَامِلُ أَهْلَ صِنْفٍ مَوْجُودِينَ حَيْثُ يَقْسِمُهَا، هُوَ يَعْرِفُهُمْ وَأَعْطَى حَظَّهُمْ غَيْرَهُمْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ سَهْمَ هَؤُلَاءِ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ أَنْ يَعُمَّهُمْ بَيِّنًا فِي النَّصِّ، وَكَذَلِكَ إذَا قَسَمَهَا الْوَالِي لَهَا فَتَرَكَ أَهْلَ سَهْمٍ مَوْجُودِينَ ضَمِنَ لِمَا وَصَفْت. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْفَقِيرُ الَّذِي لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ الشَّيْءُ وَلَا يَقُومُ بِهِ. [بَابُ الْعِلَّةِ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَأَهْلُ السُّهْمَانِ مَوْجُودِينَ فَكَانَ فِيهِمْ فَقِيرٌ وَاحِدٌ يَسْتَغْرِقُ سَهْمَهُ وَمِسْكِينٌ وَاحِدٌ يَسْتَغْرِقُ سَهْمَهُ وَغَارِمُونَ مِائَةٌ يَعْجَزُ السَّهْمُ كُلُّهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَسَأَلَ الْغَارِمُونَ أَنْ يُعْطَى الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ ثُلُثَ سَهْمٍ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِي عَلَيْهِ أَنْ يُعْطَى إذَا وُجِدُوا ثَلَاثَةٌ، قِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَسْتَحِقُّونَ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ شَيْئًا أَبَدًا مَا كَانَ مِنْهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالسَّهْمُ مَجْمُوعٌ مُقْتَصَرٌ بِهِ عَلَيْهِمْ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ كُنْتُمْ وَغَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِيهِ سَوَاءٌ وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَحِقُّونَ إلَّا بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي

قسم الصدقات الثاني

جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ غَارِمُونَ لَا أَمْوَالَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ فَأُعْطُوا مَبْلَغَ غُرْمِهِمْ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَقَالُوا: نَحْنُ فُقَرَاءُ غَارِمُونَ، فَقَدْ أُعْطِينَا بِالْغُرْمِ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَا أَهْلَ فَقْرٍ، قِيلَ لَهُمْ: إنَّمَا نُعْطِيكُمْ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، لَوْ كَانَ هَذَا عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَالَ: أَنَا فَقِيرٌ غَارِمٌ، قِيلَ لَهُ: اخْتَرْ بِأَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ شِئْت أَعْطَيْنَاك، فَإِنْ شِئْت بِمَعْنَى الْفَقْرِ، وَإِنْ شِئْت بِمَعْنَى الْغُرْمِ. فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ هُوَ أَكْثَرُ لَهُ أَعْطَيْنَاهُ، وَإِنْ اخْتَارَ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ لِعَطَائِهِ أَعْطَيْنَاهُ وَأَيُّهُمَا قَالَ هُوَ الْأَكْثَرُ أَعْطَيْنَاهُ بِهِ وَلَمْ نُعْطِهِ بِالْآخَرِ، فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ بِاسْمِ الْفَقْرِ فَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّا فِي يَدِهِ حُقُوقَهُمْ كَمَا لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا لَوْ كَانَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَيْنَاهُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ، فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ أَحْبَبْت أَنْ يَتَوَلَّى دَفْعَهُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَعْطَاهُ جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ سَهْمِهِ، فَإِنْ قَالَ: وَلِمَ لَا أُعْطَى بِمَعْنَيَيْنِ إذَا كُنْت مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا؟ قِيلَ الْفَقِيرُ الْمِسْكِينُ وَالْمِسْكِينُ فَقِيرٌ بِحَالٍ يَجْمَعُهُمَا اسْمٌ وَيَفْتَرِقُ بِهِمَا اسْمٌ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى ذَلِكَ الْمِسْكِينُ فَيُعْطَى الْفَقِيرُ بِالْمَسْكَنَةِ مَعَ الْفَقْرِ وَالْمِسْكِينُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أَحَدُهُمَا إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ ذُو سَهْمٍ إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، لَوْ جَازَ هَذَا، جَازَ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ بِفَقْرٍ وَغُرْمٍ وَبِأَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، وَغَازٍ وَمُؤَلَّفٌ وَعَامِلٌ، فَيُعْطَى بِهَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَقْرِ يَلْزَمُ الْمِسْكِينَ؟ وَالْمَسْكَنَةُ تَلْزَمُ الْفَقِيرَ؟ قِيلَ: نَعَمْ. مَعْنَى الْفَقْرِ مَعْنَى الْمَسْكَنَةِ، وَمَعْنَى الْمَسْكَنَةِ مَعْنَى الْفَقْرِ، فَإِذَا جُمِعَا مَعًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حَالَيْهِمَا بِأَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ الَّذِي بُدِئَ بِهِ أَشَدَّهُمَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ فَقِيرٌ مِسْكِينٌ وَمِسْكِينٌ فَقِيرٌ، وَإِنَّمَا الْمَسْكَنَةُ وَالْفَقْرُ لَا يَكُونَانِ بِحِرْفَةٍ وَلَا مَالٍ. [قَسْمُ الصَّدَقَاتِ الثَّانِي] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ لَا يَسَعُ أَهْلَ الْأَمْوَالِ حَبْسُهُ عَمَّنْ أُمِرُوا بِدَفْعِهِ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ وُلَاتِهِ، وَلَا يَسَعُ الْوُلَاةَ تَرْكُهُ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى أَخْذِهِ لِأَهْلِهِ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] . فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ لَيْسَ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ مَنْعُ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَا لِمَنْ وَلِيَهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا عَلَيْهِمْ (أَخْبَرَنَا) : إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخَذَا الصَّدَقَةَ مُثَنَّاةً وَلَكِنْ كَانَا يَبْعَثَانِ عَلَيْهَا فِي الْخِصْبِ وَالْجَدْبِ وَالسِّمَنِ وَالْعَجَفِ وَلَا يُضَمِّنَانِهَا أَهْلَهَا وَلَا يُؤَخِّرَانِهَا عَنْ كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا فِي كُلِّ عَامٍ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

أَخَّرَهَا عَامًا لَا يَأْخُذُهَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَالطَّهُورَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالدُّعَاءَ بِالْأَجْرِ وَالْبَرَكَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخَذَ صَدَقَةَ مُسْلِمٍ دَعَا لَهُ بِالْأَجْرِ وَالْبَرَكَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ فَمَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَهُوَ زَكَاةٌ وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ زَكَاةٌ وَطَهُورٌ أَمْرُهُمَا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَإِنْ سُمِّيَتْ مَرَّةً زَكَاةً وَمَرَّةً صَدَقَةً هُمَا اسْمَانِ لَهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: " لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ " يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَاسْمُ مَا أُخِذَ مِنْ الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَسْمِ صَدَقَةً فَقَالَ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةُ تَقُولُ: إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ يَعْنِي الَّذِي يَأْخُذُ الْمَاشِيَةَ وَتَقُولُ إذَا جَاءَ السَّاعِي، وَإِذَا جَاءَ الْعَامِلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَغْلَبُ عَلَى أَفْوَاهِ الْعَامَّةِ أَنَّ فِي التَّمْرِ الْعُشْرَ وَفِي الْمَاشِيَةِ الصَّدَقَةَ وَفِي الْوَرِقِ الزَّكَاةَ، وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا كُلَّهُ صَدَقَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لَهُ صَدَقَةٌ وَزَكَاةٌ وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَهُمْ مَعْنًى وَاحِدٌ، فَمَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَقَةِ مَالِهِ ضَأْنًا كَانَ، أَوْ مَاشِيَةً، أَوْ زَرْعًا، أَوْ زَكَاةَ فِطْرٍ، أَوْ خُمُسَ رِكَازٍ، أَوْ صَدَقَةَ مَعْدِنٍ، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِي كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَمْرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ فَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ أَنَّهُ زَكَاةٌ، وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَقَسْمُهُ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ كَمَا قَسَمَهُ اللَّهُ. الصَّدَقَاتُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ طَهُورٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَسْمُ الْفَيْءِ خِلَافُ قَسْمِ هَذَا وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ هُوَ بِهِ لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ هُوَ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (قَالَ) : يُقْسَمُ مَا أُخِذَ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَجَبَ فِي مَالِهِ بِقَسْمِ اللَّهِ فِي الصَّدَقَاتِ سَوَاءٌ قَلِيلُ مَا أُخِذَ مِنْهُ وَكَثِيرُهُ، وَعُشْرُ مَا كَانَ، أَوْ خُمُسٌ، أَوْ رُبُعُ عُشْرٍ، أَوْ بِعَدَدٍ مُخْتَلِفٍ أَنْ يَسْتَوِيَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ الصَّدَقَاتُ ثُمَّ وَكَّدَهَا وَشَدَّدَهَا فَقَالَ {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] فَقَسْمُ كُلِّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ سُهْمَانٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُصْرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ أَهْلِهِ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا تُخْرَجُ صَدَقَةُ قَوْمٍ مِنْهُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وَفِي بَلَدِهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ، فَإِنْ أَجَابُوك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَشَدْتُك اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْفُقَرَاءُ هَا هُنَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ حَاجَةٍ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّهُمْ إنَّمَا يُعْطَى بِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَّا بِالِاسْمِ فَلَوْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ كَانَ غَنِيًّا لَمْ يُعْطَ، وَإِنَّمَا يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ

الْمُحْتَاجُ إلَى السِّلَاحِ فِي وَقْتِهِ الَّذِي يُعْطَى فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ الَّذِينَ يُوجَدُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رُدَّتْ حِصَّةُ مَنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى مَنْ وُجِدَ، كَأَنْ وُجِدَ فِيهِمْ فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ وَغَارِمُونَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ، فَقَسْمُ الثَّمَانِيَةِ الْأَسْهُمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَبَيَانُ هَذَا فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ فَأَهْلُ السُّهْمَانِ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ إلَى مَالِهِمْ مِنْهَا كُلُّهُمْ وَأَسْبَابُ حَاجَاتِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ أَسْبَابُ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجْمَعُهَا الْحَاجَةُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا صِفَاتُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَالْفُقَرَاءُ الزَّمْنَى الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ وَأَهْلُ الْحِرْفَةِ الضَّعِيفَةِ الَّذِينَ لَا تَقَعُ حِرْفَتُهُمْ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِمْ وَلَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ وَالْمَسَاكِينَ السُّؤَالَ وَمَنْ لَا يَسْأَلُ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا تُغْنِيهِ وَلَا عِيَالَهُ، فَإِنْ طَلَبَ الصَّدَقَةَ بِالْمَسْكَنَةِ رَجُلٌ جَلْدٌ فَعَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُ صَحِيحٌ مُكْتَسِبٌ يُغْنِي عِيَالَهُ بِشَيْءٍ إنْ كَانَ لَهُ وَبِكَسْبِهِ إذْ لَا عِيَالَ لَهُ فَعَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُ يُغْنِي نَفْسَهُ بِكَسْبِهِ غِنًى مَعْرُوفًا لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ لَهَا يَعْنِي الصَّدَقَةَ الْجَلَدُ لَسْت مُكْتَسِبًا، أَوْ أَنَا مُكْتَسِبٌ لَا يُغْنِينِي كَسْبِي، أَوْ لَا يُغْنِي عِيَالِي وَلِي عِيَالٌ وَلَيْسَ عِنْدَ الْوَالِي يَقِينٌ مِنْ أَنَّ مَا قَالَ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُعْطِيهِ الْوَالِي، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِيهِمَا وَصَوَّبَ وَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدًا وَصِحَّةً يُشْبِهُ الِاكْتِسَابَ وَأَعْلَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مَعَ الِاكْتِسَابِ الَّذِي يَسْتَغْنِيَانِ بِهِ أَنْ يَأْخُذَا مِنْهَا وَلَا يَعْلَمُ أَمُكْتَسِبَانِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمْتُكُمَا أَنْ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا مُكْتَسِبٍ فَعَلْت، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ: أَعْطِنَا، فَإِنَّا ذَوَا حَظٍّ؛ لِأَنَّا لَسْنَا غَنِيَّيْنِ وَلَا مُكْتَسِبَيْنِ كَسْبًا يُغْنِي، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: " لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُفِعَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا مَنْ وَلَّاهُ الْوَالِي قَبْضَهَا وَقَسْمَهَا مِنْ أَهْلِهَا كَانَ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَعَانَ الْوَالِيَ عَلَى جَمْعِهَا وَقَبْضِهَا مِنْ الْعُرَفَاءِ وَمَنْ لَا غِنَى لِلْوَالِي عَنْهُ وَلَا يُصْلِحُهَا إلَّا مَكَانُهُ، فَأَمَّا رَبُّ الْمَاشِيَةِ يَسُوقُهَا فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ يَلْزَمُ رَبَّ الْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ الْوَالِيَ عَلَيْهَا مِمَّنْ بِالْوَالِي الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا الَّذِينَ لَهُمْ فِيهَا حَقٌّ، وَالْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَلِي قَبْضَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا الْقَائِمِينَ بِالْأَمْرِ بِأَخْذِهَا فَلَيْسَا عِنْدَنَا مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا لَا يَلِيَانِ أَخْذَهَا، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ شَرِبَ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ لِلَّذِي سَقَاهُ: " مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا اللَّبَنُ؟ " فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا بِنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْتَقُونَ فَحَلَبُوا لِي مِنْ لَبَنِهَا فَجَعَلْته فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ إصْبَعَهُ فَاسْتَقَاءَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْعَامِلِ عَلَيْهِ، أَوْ الْغَارِمِ، أَوْ الرَّجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ الرَّجُلِ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى

الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعَامِلُ عَلَيْهَا يَأْخُذُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ غِنَائِهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ مُوسِرًا إنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى مَعْنَى الْإِجَارَةِ، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فِي مُتَقَدِّمٍ مِنْ الْأَخْبَارِ فَضَرْبَانِ ضَرْبٌ مُسْلِمُونَ مُطَاعُونَ أَشْرَافٌ يُجَاهِدُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْوَى الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَلَا يَرَوْنَ مِنْ نِيَّاتِهِمْ مَا يَرَوْنَ مِنْ نِيَّاتِ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا فَجَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ فَأَرَى أَنْ يُعْطَوْا مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ مَا يَتَأَلَّفُونَ بِهِ سِوَى سُهْمَانِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَتْ نَازِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ هَذَا السَّهْمَ خَالِصًا لِنَبِيِّهِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» يَعْنِي بِالْخُمُسِ حَقَّهُ مِنْ الْخُمُسِ وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ يَعْنِي فِي مَصْلَحَتِكُمْ وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْخُمُسِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَأَصْحَابِهِمَا وَلَمْ يُعْطِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبَّادَ بْنَ مِرْدَاسٍ وَكَانَ شَرِيفًا عَظِيمَ الْغَنَاءِ حَتَّى اسْتَعْتَبَ فَأَعْطَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَمَّا أَرَادَ مَا أَرَادَ الْقَوْمُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَيْءٌ حِينَ رَغِبَ عَمَّا صَنَعَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَأَعْطَاهُ عَلَى مَعْنَى مَا أَعْطَاهُمْ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِهِ حَيْثُ رَأَى؛ لِأَنَّهُ لَهُ خَالِصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْطِيَ عَلَى النَّفْلِ وَغَيْرِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ وَقَدْ أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعَارَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَاةً وَسِلَاحًا وَقَالَ فِيهِ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ أَحْسَنَ مِمَّا قَالَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: " غَلَبَتْ هَوَازِنُ وَقُتِلَ مُحَمَّدٌ " فَقَالَ " صَفْوَانُ بِفِيك الْحَجَرُ فَوَاَللَّهِ لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَبِّ هَوَازِنَ " وَأَسْلَمَ قَوْمُهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ كَأَنَّهُ لَا يُشَكُّ فِي إسْلَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ "، وَهَذَا مُثْبَتٌ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ "، فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا رَأَيْت أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ لِلِاقْتِدَاءِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ هَذَا السَّهْمُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَ سَهْمَهُ حَيْثُ رَأَى، فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا مَرَّةً وَأَعْطَى مِنْ سَهْمِهِ بِخَيْبَرَ رِجَالًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ فَلَا يُعْطَى الْيَوْمَ أَحَدٌ عَلَى هَذَا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ خُلَفَائِهِ أَعْطَى أَحَدًا بَعْدَهُ وَلَيْسَ لِلْمُؤَلَّفَةِ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ سَهْمٌ مَعَ أَهْلِ السُّهْمَانِ، لَوْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ، كَانَ مَذْهَبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي سَهْمِ الصَّدَقَاتِ سَهْمٌ، وَاَلَّذِي أَحْفَظُ فِيهِ مِنْ مُتَقَدِّمِ الْخَبَرِ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - أَحْسِبُهُ - بِثَلَثِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَجَاءَهُ بِزُهَاءِ أَلْفِ رَجُلٍ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ فِي إعْطَائِهِ إيَّاهَا مِنْ أَيْنَ أَعْطَاهُ إيَّاهَا غَيْرُ أَنَّ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يُعْرَفَ الْقَلْبُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَخْبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهَا مِنْ قِسْمِ

كيف تفريق قسم الصدقات

الْمُؤَلَّفَةِ فَإِمَّا زَادَهُ لِيُرَغِّبَهُ فِيمَا يَصْنَعُ، وَإِمَّا أَعْطَاهُ لِيَتَأَلَّفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّنْ لَا يَثِقُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا يَثِقُ مِنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَأَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ مِمَّا يَنْزِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْعَدُوُّ بِمَوْضِعٍ شَاطٍّ لَا تَنَالُهُ الْجُيُوشُ إلَّا بِمُؤْنَةٍ وَيَكُونُ الْعَدُوُّ بِإِزَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَأَعَانَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ إمَّا بِنِيَّةٍ فَأَرَى أَنْ يُقَوَّى بِسَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُقَاتِلُونَ إلَّا بِأَنْ يُعْطَوْا سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ، أَوْ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَرَبُ أَشْرَافًا مُمْتَنِعِينَ غَيْرَ ذِي نِيَّةٍ إنْ أُعْطُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا إذَا كَانُوا إنْ أُعْطُوا أَعَانُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَعَانُوا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا لَمْ يُوثَقْ بِمَعُونَتِهِمْ رَأَيْت أَنْ يُعْطَوْا بِهَذَا الْمَعْنَى إذَا انْتَاطَ الْعَدُوُّ وَكَانُوا أَقْوَى عَلَيْهِ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ يُوَجَّهُونَ إلَيْهِ تَبْعُدُ دَارُهُمْ وَتَثْقُلُ مُؤْنَتُهُمْ وَيَضْعُفُونَ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ مَا وَصَفْت مِمَّا كَانَ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ امْتِنَاعِ أَكْثَرِ الْعَرَبِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الرِّدَّةِ وَغَيْرِهَا لَمْ أَرَ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَرَأَيْت أَنْ يُرَدَّ سَهْمُهُمْ عَلَى السُّهْمَانِ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيًّا أَعْطَوْا أَحَدًا تَأَلُّفًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - الْإِسْلَامَ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ الرِّجَالُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ وَفِي الرِّقَابِ يَعْنِي الْمُكَاتَبِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يُشْتَرَى عَبْدٌ فَيُعْتَقُ. وَالْغَارِمُونَ كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَانَ لَهُ عَرَضٌ يَحْتَمِلُ دَيْنَهُ، أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُونَ إذَا ادَّانُوا فِي حَمْلِ دِيَةٍ، أَوْ أَصَابَتْهُمْ جَائِحَةٌ، أَوْ كَانَ دَيْنُهُمْ فِي غَيْرِ فِسْقٍ وَلَا سَرَفٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، فَأَمَّا مَنْ ادَّانَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا أَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا وَصَفْت يُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ، فَلَوْ امْتَنَعَ قَوْمٌ كَمَا وَصَفْت مِنْ أَدَاءِ الصَّدَقَةِ فَأَعَانَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ رَأَيْت أَنْ يُعْطَى مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا وَصَفْت شَيْءٌ، رُدَّ سَهْمُ سَبِيلِ اللَّهِ إلَى السُّهْمَانِ مَعَهُ، وَابْنُ السَّبِيلِ عِنْدِي، ابْنُ السَّبِيلِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ الَّذِي يُرِيدُ الْبَلَدَ غَيْرَ بَلَدِهِ، لَا مَنْ لَزِمَهُ. [كَيْفَ تَفْرِيقُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَنْبَغِي لِلسَّاعِي عَلَى الصَّدَقَاتِ أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْصَاءِ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي عَمَلِهِ فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مِنْ قَبْضِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَنَاهِي أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، وَيُحْصِي مَا صَارَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَيَعْزِلُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يَقْضِي جَمِيعَ مَا بَقِيَ مِنْ السُّهْمَانِ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ كَمَا أَصِفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إذَا كَانَ الْفُقَرَاءُ عَشَرَةً، وَالْمَسَاكِينُ عِشْرِينَ، وَالْغَارِمُونَ خَمْسَةً. وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ سُهْمَانُهُمْ الثَّلَاثَةُ مِنْ

جَمِيعِ الْمَالِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَإِنْ كَانَ الْفُقَرَاءُ يَغْتَرِقُونَ سَهْمَهُمْ هُوَ أَلْفٌ، هُوَ ثُلُثُ الْمَالِ، فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ كَفَافًا يَخْرُجُونَ بِهِ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى حَدِّ الْغِنَى أُعْطُوهُ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُمْ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى حَدِّ الْغِنَى ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ، أُعْطُوا مِنْهُ مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ، وَيَصِيرُونَ بِهِ إلَى اسْمِ الْغِنَى وَيَقِفُ الْوَالِي مَا بَقِيَ مِنْهُ، ثُمَّ يَقْسِمُ عَلَى الْمَسَاكِينِ سَهْمَهُمْ، هُوَ أَلْفٌ هَكَذَا، وَعَلَى الْغَارِمِينَ سَهْمُهُمْ هُوَ أَلْفٌ هَكَذَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قُلْت لِكُلِّ أَهْلِ صِنْفٍ مَوْجُودٍ سَهْمُهُمْ ثُمَّ اسْتَغْنَوْا بِبَعْضِ السَّهْمِ، فَلِمَ لَا يُسَلِّمُ إلَيْهِمْ بَقِيَّتَهُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْته بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَمَّاهُ لَهُمْ مَعَ غَيْرِهِمْ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، هُوَ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ وَالْغُرْمُ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فَصَارُوا إلَى الْغِنَى وَمِنْ الْغُرْمِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ وَصَارُوا غَيْرَ غَارِمِينَ، فَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ اسْمُ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَذَا الِاسْمِ وَمَعْنَاهُ، وَهُمْ خَارِجُونَ مِنْ تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ الْأَغْنِيَاءَ لَوْ سَأَلُوا بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهَا لَمْ يُعْطَوْا، وَقِيلَ لَسْتُمْ مِمَّنْ قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلُوا بِالْغُرْمِ وَلَيْسُوا غَارِمِينَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» إلَّا مَنْ اسْتَثْنَى، فَإِذَا أَعْطَيْتَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فَصَارُوا أَغْنِيَاءَ فَهُمْ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ تَحِلَّ لَهُمْ كُنْت لَوْ أَعْطَيْتهمْ أَعْطَيْتهمْ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ وَلَا لِي أَنْ أُعْطِيَهُمْ، وَإِنَّمَا شَرَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إعْطَاءَ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ. (قَالَ) : وَيَأْخُذُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِهِمْ فِي مِثْلِ كِفَايَتِهِمْ وَقِيَامِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ وَالْمُؤْنَةِ عَلَيْهِمْ، فَيَأْخُذُ السَّاعِي نَفْسُهُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيُعْطَى الْعَرِيفُ وَمَنْ يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ وَكُلْفَتِهِ، وَذَلِكَ خَفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ فِي بِلَادِهِ، وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يُبَلِّغُهُ الْبَلَدَ الَّذِي يُرِيدُ فِي نَفَقَتِهِ وَحَمُولَتِهِ إنْ كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا وَكَانَ ضَعِيفًا، وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا وَكَانَ جَلْدًا الْأَغْلَبُ مِنْ مِثْلِهِ وَكَانَ غَنِيًّا بِالْمَشْيِ إلَيْهَا أُعْطِيَ مُؤْنَتَهُ فِي نَفَقَتِهِ بِلَا حَمُولَةٍ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ وَيَأْتِيَ أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى السَّهْمِ كُلِّهِ أُعْطِيَهُ كُلَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ابْنُ سَبِيلٍ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي عَلَى سَهْمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ أَعْطَيْت الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْغَارِمِينَ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْغُرْمِ وَلَمْ تُعْطِ الْعَامِلِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُمْ الِاسْمُ الَّذِي لَهُ أَعْطَيْتهمْ وَيَزُولَ؟ فَلَيْسَ لِلِاسْمِ أَعْطَيْتهمْ وَلَكِنْ لِلْمَعْنَى، وَكَانَ الْمَعْنَى إذَا زَالَ زَالَ الِاسْمُ وَنُسَمِّي الْعَامِلِينَ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ بِمَعْنَى الْبَلَاغِ، لَوْ أَنِّي أَعْطَيْت الْعَامِلَ وَابْنَ السَّبِيلِ جَمِيعَ السُّهْمَانِ وَأَمْثَالَهَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْعَامِلِ اسْمُ الْعَامِلِ مَا لَمْ يُعْزَلْ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ ابْنِ السَّبِيلِ اسْمُ ابْنِ السَّبِيلِ مَا دَامَ مُجْتَازًا، أَوْ كَانَ يُرِيدُ الِاجْتِيَازَ فَأَعْطَيْتهمَا، وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْغَارِمِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، غَيْرِ مُخْتَلِفٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ كَمَا اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَالْعَامِلُ إنَّمَا هُوَ مُدْخَلٌ عَلَيْهِمْ صَارَ لَهُ حَقٌّ مَعَهُمْ بِمَعْنَى كِفَايَةٍ وَصَلَاحٍ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَالْمَأْخُوذِ لَهُ، فَأُعْطِيَ أَجْرَ مِثْلِهِ وَبِهَذَا فِي الْعَامِلِ مَضَتْ الْآثَارُ وَعَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْت مِمَّنْ سَمِعْت مِنْهُ بِبَلَدِنَا، وَمَعْنَى ابْنِ السَّبِيلِ فِي أَنْ يُعْطَى مَا يُبَلِّغُهُ، إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ سَفَرِهِ إلَّا بِالْمَعُونَةِ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْعَامِلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ وَيُعْطَى الْمُكَاتَبُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ قَلَّ ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ، حَتَّى يَغْتَرِقَ السَّهْمَ، فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ - عِنْدَنَا - عَلَى أَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ لَا يَعْجَزَ، وَإِنْ دَفَعَ إلَى مَالِكِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَقْرَبَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ.

رد الفضل على أهل السهمان

[رَدُّ الْفَضْلِ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَلَّفَةٌ وَلَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ يُرِيدُونَ الْجِهَادَ فَلَيْسَ فِيهِمْ أَهْلُ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سَهْمِ مُؤَلَّفَةٍ، عَزَلْت سِهَامَهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ ابْنُ سَبِيلٍ وَلَمْ يَكُنْ غَارِمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ غَابُوا فَأُعْطُوا مَا يُبَلِّغُهُمْ وَيَفْضُلُ عَنْهُمْ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ عُزِلَ أَيْضًا مَا يَفْضُلُ عَنْ كُلِّهِمْ ثُمَّ أُحْصِيَ مَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ لَمْ يُعْطَوْا، أَوْ أُعْطُوا فَلَمْ يَسْتَغْنُوا فَابْتُدِئَ قَسْمُ هَذَا الْمَالِ عَلَيْهِمْ كَمَا اُبْتُدِئَ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ فَجُزِّئَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، سَوَاءٌ كَانَ بَقِيَ فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ لَمْ يَسْتَغْنُوا، وَغَارِمُونَ لَمْ تُقْضَ كُلُّ دُيُونِهِمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَيُقْسَمُ جَمِيعُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، فَإِنْ اسْتَغْنَى الْغَارِمُونَ بِسَهْمِهِمْ، هُوَ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ أُعِيدَ فَضْلُ سَهْمِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَيُقْسَمُ عَلَى أَهْلِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ حَتَّى يَنْفَدَ، فَإِنْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ فَاسْتَغْنَى الْفُقَرَاءُ بِبَعْضِهِ رُدَّ مَا بَقِيَ عَلَى الْمَسَاكِينِ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ رَدَدْت مَا يَفْضُلُ مِنْ السُّهْمَانِ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَهْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِثْلُ الْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ وَأَنْتَ إذَا اجْتَمَعُوا جَعَلْت لِأَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمًا؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا اجْتَمَعُوا كَانُوا شَرْعًا فِي الْحَاجَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، فَلَا يَكُونُ لِي مَنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ وَاحِدٌ لَمْ يُخَصِّصْ أَحَدًا مِنْهُمْ دُونَ أَحَدٍ فَأَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَعًا كَمَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعًا، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أُعْطِيَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ يُغْنِيهِ أَقَلُّ مِنْهُ أَنْ بَيَّنَّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُعْطَوْنَ بِمَعَانٍ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذَا ذَهَبَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي وَصَارَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ غَنِيًّا وَالْغَارِمُ غَيْرَ غَارِمٍ فَلَيْسُوا مِمَّنْ قَسَمَ لَهُ، لَوْ أَعْطَيْتهمْ كُنْت أَعْطَيْت مَنْ لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ، لَوْ جَازَ أَنْ يُعْطَوْا بَعْدَ أَنْ يَصِيرُوا إلَى حَدِّ الْغِنَى وَالْخُرُوجِ مِنْ الْغُرْمِ جَازَ أَنْ يُعْطَاهَا أَهْلُ دَارِهِمْ وَيُسْهَمَ لِلْأَغْنِيَاءِ فَأُحِيلَتْ عَمَّنْ جُعِلَتْ لَهُ إلَى مَنْ لَمْ تُجْعَلْ لَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحَالَتُهَا عَمَّا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلَا إعْطَاؤُهَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا اللَّهُ لَهَا، وَإِنَّمَا رَدِّي مَا فَضَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ السُّهْمَانِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى أَهْلِ الْغِنَى فِي أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ لِقَوْمٍ بِمَعَانٍ، فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، أَوْ اسْتَغْنَى، فَهَذَا مَالٌ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ بِعَيْنِهِ يُرَدُّ إلَيْهِ كَمَا يُرَدُّ عَطَايَا الْآدَمِيِّينَ وَوَصَايَاهُمْ لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْمُوصِي كَانَتْ الْوَصِيَّةُ رَاجِعَةً إلَى وَارِثِ الْمُوصِي، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَالُ مُخَالِفًا لِلْمَالِ يُورَثُ هَا هُنَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى عِنْدَنَا بِهِ فِي قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَقْرَبَ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ هَذَا الْمَالَ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ هَذَا الْمَالَ وَلَمْ يَبْقَ مُسْلِمٌ يَحْتَاجُ إلَّا وَلَهُ حَقٌّ سِوَاهُ، أَمَّا أَهْلُ الْفَيْءِ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ صَدَقَةٍ أُخْرَى فَهُوَ مَقْسُومٌ لَهُمْ صَدَقَتُهُمْ، لَوْ كَثُرَتْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّهَا

ضيق السهمان وما ينبغي فيه عند القسم

فَكَمَا كَانُوا لَا يُدْخِلُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يَدْخُلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا، لَوْ اسْتَغْنَى أَهْلُ عَمَلٍ بِبَعْضِ مَا قُسِمَ لَهُمْ فَفَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ لَرَأَيْت أَنْ يُنْقَلَ الْفَضْلُ عَنْهُمْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ نَسَبًا وَدَارًا. [ضِيقُ السُّهْمَانِ وَمَا يَنْبَغِي فِيهِ عِنْدَ الْقَسْمِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا ضَاقَتْ السُّهْمَانِ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ أَلْفًا وَكَانَ سَهْمُهُمْ أَلْفًا وَالْغَارِمُونَ ثَلَاثَةً وَكَانَ غُرْمُهُمْ أَلْفًا وَسَهْمُهُمْ أَلْفًا، فَقَالَ الْفُقَرَاءُ: إنَّمَا يُغْنِينَا مِائَةُ أَلْفٍ، وَقَدْ يُخْرِجُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ، فَاجْمَعْ سَهْمَنَا وَسَهْمَهُمْ ثُمَّ اضْرِبْ لَنَا بِمِائَةِ سَهْمٍ مِنْ أَلْفٍ وَلَهُمْ سَهْمٌ وَاحِدٌ كَمَا يُقَسَّمُ هَذَا الْمَالُ لَوْ كَانَ بَيْنَنَا فَوْضَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ لِلْغَارِمِينَ سَهْمًا كَمَا ذَكَرَ لِلْفُقَرَاءِ سَهْمًا فَنَفُضُّ عَلَى الْغَارِمِينَ وَإِنْ اغْتَرَقُوا السَّهْمَ فَهُوَ لَهُمْ وَلَمْ يُعْطَوْا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطُوا، وَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ فَلَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ فَضَلَ مَعَكُمْ أَهْلُ سُهْمَانَ ذُكِرُوا مَعَكُمْ، وَلَكِنَّ مَا فَضَلَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ يُرَدُّ عَلَيْكُمْ وَعَلَى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَكُمْ كَمَا يُبْتَدَأُ الْقَسْم بَيْنَكُمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ كُنْتُمْ الْمُسْتَغْنِينَ وَالْغُرَمَاءُ غَيْرَ مُسْتَغْنِينَ لَمْ نُدْخِلْهُمْ عَلَيْكُمْ إلَّا بَعْدَ غِنَاكُمْ وَلَمْ نَجْعَلْهُمْ يُخَاصِمُونَكُمْ مَا اغْتَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَهْمَهُ وَلَا وَقْتَ فِيمَا يُعْطِي الْفُقَرَاءَ إلَّا مَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى، قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ يُعْطِي لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ غَنِيًّا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيرًا بِكَثْرَةِ الْعِيَالِ وَلَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا الْغِنَى وَالْفَقْرُ مَا عَرَفَ النَّاسُ بِقَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ. وَالْعَرَبُ قَدِيمًا يَتَجَاوَرُونَ فِي بِوَادِيهِمْ وَقُرَاهُمْ بِالنَّسَبِ لِخَوْفِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَجَاوَرُونَ لِيَمْنَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا يَوْمَ يَصْدُقُونَ قُسِّمَتْ صَدَقَاتُهُمْ عَلَى فُقَرَائِهِمْ بِالْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ مَعًا. فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ بَادِيَةٍ وَكَانَ الْعَامِلُ الْوَالِي يَعْمَلُ فِيهِمْ عَلَى قَبِيلَةٍ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْقَبِيلَةِ يُخَالِطُ الْقَبِيلَةَ الْأُخْرَى الَّتِي لَيْسَ مِنْهَا دُونَ الَّتِي مِنْهَا، وَجِوَارُهُمْ وَخُلْطَتُهُمْ أَنْ يَكُونُوا يَنْتَجِعُونَ مَعًا وَيُقِيمُونَ مَعًا فَضَاقَتْ السُّهْمَانُ، قَسَمْنَاهَا عَلَى الْجُوَارِ دُونَ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ خَالَطَهُمْ عَجَمٌ غَيْرُهُمْ وَهُمْ مَعَهُمْ فِي الْقَسْمِ عَلَى الْجُوَارِ، فَإِنْ كَانُوا عِنْدَ النُّجْعَةِ يَفْتَرِقُونَ مَرَّةً وَيَخْتَلِطُونَ أُخْرَى فَأُحِبُّ أَنْ لَوْ قَسَّمَهَا عَلَى النَّسَبِ إذَا اسْتَوَتْ الْحَالَاتُ وَكَانَ النَّسَبُ عِنْدِي أَوْلَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْحَالَاتُ فَالْجِوَارُ أَوْلَى مِنْ النَّسَبِ، وَإِنْ قَالَ مَنْ تَصَدَّقَ: لَنَا فُقَرَاءُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ وَهُمْ كَمَا وَصَفْت يَخْتَلِطُونَ فِي النُّجْعَةِ، أُحْصُوا مَعًا ثُمَّ فُضَّ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانُوا بِأَطْرَافٍ مِنْ بَادِيَتِهِمْ مُتَبَاعِدَةٍ فَكَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ بِالطَّرَفِ وَهُوَ لَهُ أَلْزَمُ قُسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَكَانَ الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ لَهُ أَلْزَمَ كَالدَّارِ لَهُمْ، وَهَذَا إذَا كَانُوا مَعًا أَهْلَ نُجْعَةٍ لَا دَارَ لَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُمْ دَارٌ يَكُونُونَ بِهَا أَلْزَمَ فَإِنِّي أُقَسِّمُهَا عَلَى الْجِوَارِ أَبَدًا، وَأَهْلُ الْإِرَاكِ وَالْحَمْضِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَلْزَمُونَ مَنَازِلَهُمْ فَأُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْجِوَارِ فِي الْمَنَازِلِ، وَإِنْ جَاوَرَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قُسِّمَ عَلَى جِيرَانِهِمْ الْقَسْمُ عَلَى الْجِوَارِ إذَا كَانَ جِوَارٌ وَعَلَى النَّسَبِ وَالْجِوَارِ إذَا كَانَا مَعًا، وَلَوْ كَانَ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مَعْدِنٌ، قُسِّمَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ عَلَى مَنْ يَلْزَمُ قَرْيَةَ الْمَعْدِنِ، وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ دُونَ ذَوِي نَسَبِ أَهْلِ الْمَعْدِنِ إذَا كَانُوا مِنْهُ بَعِيدًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُمْ زَرْعٌ قُسِّمَ زَرْعُهُمْ عَلَى جِيرَانِ أَهْلِ الزَّرْعِ دُونَ ذَوِي النَّسَبِ إذَا كَانُوا بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الزَّرْعِ، وَزَكَاةُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ تُقَسَّمُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ

مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ دُونَ أَهْلِ النَّسَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ النَّسَبِ بِالْقَرْيَةِ وَكَانُوا مِنْهَا بَعِيدًا، وَكَذَلِكَ نَخْلُهُمْ وَزَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى غَيْرِهَا وَفِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ، وَفِيهِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْقَسْمِ أَقْرَبُهُمْ جِوَارًا مِمَّنْ أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ، وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ذُو قَرَابَةٍ، وَإِذَا وَلِيَ الرَّجُلُ إخْرَاجَ زَكَاةِ مَالِهِ فَكَانَ لَهُ أَهْلُ قَرَابَةٍ بِبَلَدِهِ الَّذِي يَقْسِمُهُ بِهِ وَجِيرَانٌ قَسَمَهُ عَلَيْهِمْ مَعًا، فَإِنْ ضَاقَ فَآثَرَ قَرَابَتَهُ فَحَسَنٌ عِنْدِي إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا أَهْلُ الْفَيْءِ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ الْفَيْءِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الْعَطَاءِ فَضُرِبَ عَلَيْهِ الْبَعْثُ فِي الْغَزْوِ وَهُوَ بَقَرِيَّةٍ فِيهَا صَدَقَاتٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا، فَإِنْ سَقَطَ مِنْ الْعَطَاءِ بِأَنْ قَالَ لَا أَغْزُو وَاحْتَاجَ، أُعْطِيَ فِي الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ بِالْبَادِيَةِ وَالْقُرَى مِمَّنْ لَا يَغْزُو عَدُوًّا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، فَإِنْ هَاجَرَ وَأُفْرِضَ وَغَزَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَخَذَ مِنْهُ، وَلَوْ احْتَاجَ وَهُوَ فِي الْفَيْءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَيْءِ وَعَادَ إلَى الصَّدَقَاتِ فَذَلِكَ لَهُ. الِاخْتِلَافُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا مُؤَلَّفَةً فَيَجْعَلُ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ وَسَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي ثَغْرِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ يَرَاهُ الْوَالِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ابْنُ السَّبِيلِ مَنْ يُقَاسِمُ الصَّدَقَاتِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الصَّدَقَاتُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَقَالَ أَيْضًا: إنَّمَا قَسْمُ الصَّدَقَاتِ دَلَالَاتٌ فَحَيْثُ كَانَتْ الْكَثْرَةُ أَوْ الْحَاجَةُ فَهِيَ أَسْعَدُ بِهِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ السُّهْمَانَ لَوْ كَانَتْ أَلْفًا وَكَانَ غَارِمٌ غُرْمُهُ أَلْفٌ وَمَسَاكِينُ يُغْنِيهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَفُقَرَاءُ مِثْلُهُمْ يُغْنِيهِمْ مَا يُغْنِيهِمْ، وَابْنُ السَّبِيلِ مِثْلُهُمْ يُغْنِيهِمْ مَا يُغْنِيهِمْ، جُعِلَ لِلْغَارِمِ سَهْمٌ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَكَانَ أَكْثَرُ الْمَالِ فِي الَّذِينَ مَعَهُ، لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ عَدَدًا وَحَاجَةً، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَالَ فَوْضَى بَيْنَهُمْ فَيَقْتَسِمُونَهُ عَلَى الْعَدَدِ وَالْحَاجَةِ لَا لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إذَا أُخِذَتْ صَدَقَةُ قَوْمٍ بِبَلَدٍ وَكَانَ آخَرُونَ بِبَلَدٍ مُجْدِبِينَ فَكَانَ أَهْلُ السُّهْمَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِينَ أُخِذَتْ صَدَقَاتُهُمْ إنْ تُرِكُوا تَمَاسَكُوا وَلَمْ يَجْهَدُوا جَهْدَ الْمُجْدِبِينَ الَّذِينَ لَا صَدَقَةَ بِبِلَادِهِمْ، أَوْ لَهُمْ صَدَقَةٌ يَسِيرَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُمْ مَوْقِعًا، نُقِلَتْ إلَى الْمُجْدِبِينَ إذَا كَانُوا يُخَافُ عَلَيْهِمْ الْمَوْتُ هُزْلًا إنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْهِمْ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ أَيْضًا إلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمَهُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ لِمَعْنَى صَلَاحِ عِبَادِ اللَّهِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ الْوَالِي فَيَنْقُلُ هَذِهِ إلَى هَذِهِ السُّهْمَانِ حَيْثُ كَانُوا عَلَى الِاجْتِهَادِ، قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا، وَأَحْسِبُهُ يَقُولُ: وَتُنْقَلُ سُهْمَانُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إلَى أَهْلِ الْفَيْءِ إنْ جَهَدُوا

وَضَاقَ الْفَيْءُ عَلَيْهِمْ. وَيُنْقَلُ الْفَيْءُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إنْ جَهَدُوا وَضَاقَتْ الصَّدَقَاتُ، عَلَى مَعْنَى إرَادَةِ صَلَاحِ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا قُلْت بِخِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْمَالَ قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا قِسْمُ الصَّدَقَاتِ الَّتِي هِيَ طَهُورٌ قَسَمَهَا لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ وَوَكَّدَهَا وَجَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ قَوْمٍ وَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ لَا فُقَرَاءِ غَيْرِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَيْرُ مَا قُلْت مِنْ أَنْ لَا تُنْقَلَ عَنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ وَفِيهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَلَا يَخْرُجُ سَهْمُ ذِي سَهْمٍ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَصْنَافًا فَيَكُونُوا مَوْجُودِينَ مَعًا فَيُعْطَى أَحَدُهُمْ سَهْمَهُ وَسَهْمَ غَيْرِهِ لَوْ جَازَ هَذَا عِنْدِي جَازَ أَنْ تُجْعَلَ فِي سَهْمٍ وَاحِدٍ فَيَمْنَعُ سَبْعَةً فَرْضًا فُرِضَ لَهُمْ وَيُعْطِي وَاحِدًا مَا لَمْ يُفْرَضْ لَهُ، وَاَلَّذِي يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُخَالِفُنَا فِي أَنَّ رَجُلًا وَلَوْ قَالَ: أَوْصَى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَانَتْ الْأَرْضُ أَثْلَاثًا بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ، وَلَا مُخَالِفَ عَلِمْته فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُقَرَاءِ بَنِي فُلَانٍ وَغَارِمِ بَنِي فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ وَبَنِي سَبِيلٍ بَنِي فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنْ ثُلُثِهِ وَأَنْ لَيْسَ أَوْصَى وَلَا لِوَالٍ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الثُّلُثَ دُونَ صَاحِبِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ جَمِيعُ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْغَارِمِينَ وَلَا لِلْغَارِمِينَ دُونَ بَنِي السَّبِيلِ وَلَا صِنْفٍ مِمَّنْ سَمَّى دُونَ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَفْقَرَ وَأَحْوَجَ مِنْ صِنْفٍ ثُمَّ يُعْطِيهِمُوهُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمَّى الْمُوصِي، لِأَنَّ الْمُوصِيَ أَوْ الْمُتَصَدِّقَ قَدْ سَمَّى أَصْنَافًا فَلَا يَصْرِفُ مَالَ صِنْفٍ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَتْرُكُ مَنْ سَمَّى لَهُ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَعَهُ، لِأَنَّ كُلًّا ذُو حَقٍّ لِمَا سَمَّى لَهُ، فَلَا يَصْرِفُ حَقَّ وَاحِدٍ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَصْرِفُ حَقَّهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فَمَا أَعْطَى الْآدَمِيُّونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلَّا عَلَى مَا أَعْطَوْا، فَعَطَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يَجُوزَ وَأَنْ يَمْضِيَ عَلَى مَا أَعْطَى، وَلَوْ جَازَ فِي أَحَدِ الْعَطَاءَيْنِ أَنْ يُصْرَفَ عَمَّنْ أُعْطِيَهُ إلَى مَنْ لَمْ يُعْطَهُ أَوْ يُصْرَفَ حَقُّ صِنْفٍ أُعْطِيَ إلَى صِنْفٍ أُعْطِيَهُ مِنْهُمْ كَانَ فِي عَطَاءِ الْآدَمِيِّينَ أَجْوَزَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْفَيْءَ فَقَالَ {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] الْآيَةَ. وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ أَوْجَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِلْفَارِسِ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، فَلَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَّلَ الْفَارِسَ ذَا الْغَنَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى الْفَارِسِ الَّذِي لَيْسَ مِثْلَهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا سَوَّوْا بَيْنَ الْفَارِسَيْنِ؛ حَتَّى قَالُوا: لَوْ كَانَ فَارِسٌ أَعْظَمَ النَّاسِ غَنَاءً وَآخَرُ جَبَانٌ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الرَّجَّالَةِ، أَفَرَأَيْت لَوْ عَارَضَنَا وَإِيَّاهُمْ مُعَارِضٌ فَقَالَ: إذَا جَعَلْت أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ حَضَرَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحُضُورِ لِلْغَنَاءِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالنِّكَايَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ فَلَا أُخْرِجُ الْأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ لِمَنْ حَضَرَ وَلَكِنَّنِي أُحْصِي أَهْلَ الْغَنَاءِ مِمَّنْ حَضَرَ، فَأُعْطِي الرَّجُلَ سَهْمَ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَقَلَّ إذَا كَانَ يَغْنَى مِثْلَ غَنَائِهِمْ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَتْرُكُ الْجَبَانَ وَغَيْرَ ذِي النِّيَّةِ الَّذِي لَمْ يُغْنَ فَلَا أُعْطِيهِ أَوْ أُعْطِيهِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ سَهْمِ رَجُلٍ ذِي غَنَاءٍ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا أَوْ أَقَلَّ قَلِيلًا بِقَدْرِ غَنَائِهِ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا، فَكَانَ مَخْرَجُ الْخَبَرِ مِنْهُ عَامًّا، وَلَمْ نَعْلَمْهُ خَصَّ أَهْلَ الْغَنَاءِ، بَلْ أَعْطَى مَنْ حَضَرَ عَلَى الْحُضُورِ وَالْحُرِّيَّةِ

وَالْإِسْلَامِ فَقَطْ، دُونَ الْغَنَاءِ. وَمَنْ خَالَفَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ لَا يُخَالِفُنَا فِي قَسْمِ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ. فَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَنَا فِي الصَّدَقَاتِ وَقَدْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ أَبَيْنَ الْقَسْمِ فَيُعْطِي بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؟ وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُ فِي الْمُوجِفِينَ لَوْ أَوَجَفُوا وَهُمْ أَهْلٌ لَا غَنَاءَ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ ضَعْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَا غَنَاءَ عِنْدَهُمْ وَكَانَ بِإِزَائِهِمْ أَهْلُ غَنَاءٍ يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا أَهْلَ شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ أَنْ يُعْطُوا مِمَّا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الضُّعَفَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُعْطَاهُ الْمُسْلِمُونَ ذَوُو الْغَنَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ ذَوِي الْعَدَدِ وَالشَّوْكَةِ نَظَرًا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ حَتَّى يُعْطَى بِالنَّظَرِ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الضُّعَفَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الضُّعَفَاءِ إلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَقْوِيَاءِ الْمُقَاتِلِينَ لِلشِّرْكِ الْأَقْوِيَاءِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةً عَظِيمَةً فِي قِتَالِهِمْ وَهُمْ أَعْظَمُ غَنَاءً عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنِّي أُعْطِي كُلَّ مُوجِفٍ حَقَّهُ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ تُنْقَلَ صَدَقَاتُ قَوْمٍ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَى غَيْرِهِمْ إنْ كَانُوا أَحْوَجَ مِنْهُمْ أَوْ يُشْرِكَهُمْ مَعَهُمْ، أَوْ يَنْقُلَهَا مِنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ إلَى صِنْفٍ، وَالصِّنْفُ الَّذِينَ نَقَلَهَا عَنْهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى حَقِّهِمْ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ لِقَوْمٍ أَهْلِ يُسْرٍ كَثِيرٍ أَوَجَفُوا عَلَى عَدُوٍّ: أَنْتُمْ أَغْنِيَاءُ فَآخُذُ مَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ فَأُقَسِّمُهُ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ الْمُحْتَاجِينَ إذَا كَانَ عَامُ سَنَةٍ لِأَنَّ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ مُسْلِمُونَ مِنْ عِيَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَخَافُ إنْ حَبَسْت هَذَا عَنْهُمْ وَلَيْسَ يَحْضُرُنِي مَالٌ غَيْرُهُ أَنْ يَضُرَّ بِهِمْ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَأَخْذُهُ مِنْكُمْ لَا يَضُرُّ بِكُمْ هَلْ تَكُونُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَنْ قَسَمَ لَهُ أَحَقُّ بِمَا قَسَمَ مِمَّنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُ أَحْوَجَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ: إنَّهَا بِقِسْمَةٍ مَقْسُومَةٍ لَهُمْ بَيِّنَةُ الْقَسْمِ، أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي أَهْلِ الْمَوَارِيثِ الَّذِينَ قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَوْ الَّذِينَ جَاءَ أَثَرٌ بِالْقَسْمِ لَهُمْ أَوْ فِيهِمَا مَعًا، إنَّمَا وَرِثُوا بِالْقَرَابَةِ وَالْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ. فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَحَدٌ خَيْرًا لِلْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ وَلِتَرِكَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَفْقَرَ إلَى مَا تَرَكَ أُوثِرَ بِمِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا ذُو حَقٍّ فِي حَالٍ هَلْ تَكُونُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا نَعْدُو مَا قَسَمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهَكَذَا الْحُجَّةُ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَفِيهِ كِفَايَةٌ وَلَيْسَتْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا شُبْهَةٌ يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهَا ذَاهِبٌ؛ لِأَنَّهَا عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إبْطَالُ حَقِّ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَقًّا وَإِبَاحَةُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ الْوَالِي فَيَنْقُلُهَا إلَى ذِي قَرَابَةٍ لَهُ وَاحِدٍ أَوْ صِدِّيقٍ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الصَّدَقَاتُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي نَقْلِ الصَّدَقَاتِ بِأَنْ قَالَ: إنَّ بَعْضَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ قَالَ: إنْ جُعِلَتْ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ وَاَلَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً تُلْزِمُ وَهُوَ لَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ قَالَ إنْ جُعِلَتْ فِي صِنْفٍ وَأَصْنَافٍ مَوْجُودَةٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْأَصْنَافِ إلَّا صِنْفٌ أَجْزَأَ أَنْ تُوضَعَ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: إنَّ طَاوُسًا رَوَى أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعُرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهَا مِنْكُمْ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : صَالَحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ ذِمَّةِ الْيَمَنِ عَلَى دِينَارٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كُلَّ سَنَةٍ فَكَانَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الرَّجُلِ دِينَارٌ أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ الْمَعَافِرِ كَانَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَدْ الدِّينَارُ فَلَعَلَّ مُعَاذًا لَوْ أَعَسَرُوا بِالدِّينَارِ أَخَذَ مِنْهُمْ الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الدِّينَارَ لِغَرَضٍ

فَلَعَلَّهُ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ طَعَامًا وَغَيْرَهُ مِنْ الْعَرَضِ بِقِيمَةِ الدَّنَانِيرِ فَأَسْرَعُوا إلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الطَّعَامِ لِكَثْرَتِهِ عِنْدَهُمْ يَقُولُ الثِّيَابُ خَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْوَنُ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةً كَثِيرَةً فِي الْمَحْمَلِ لِلثِّيَابِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالثِّيَابُ بِهَا أَغْلَى ثَمَنًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا تَأْوِيلٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ فَإِنَّمَا قُلْنَاهُ بِالدَّلَائِلِ عَنْ مُعَاذٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ هَذَا، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاذًا قَضَى: «أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبَيَّنَ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ أَنَّ هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً وَذَلِكَ أَنَّ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُسْلِمِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَأَى مُعَاذٌ فِي الرَّجُلِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الصَّدَقَةَ يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ عَنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ وَذَلِكَ يَنْتَقِلُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ النَّاضِّ وَالْمَاشِيَةِ فَيَجْعَلُ مُعَاذٌ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ لِأَهْلِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَا لِمَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِقَرَابَتِهِ دُونَ أَهْلِ الْمِخْلَافِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَنَّ مِخْلَافَ عَشِيرَتِهِ لِعَشِيرَتِهِ، وَإِنَّمَا خَلَطَهُمْ غَيْرُهُمْ وَكَانَتْ الْعَشِيرَةُ أَكْثَرَ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا ثَبَتَتْ لِأَهْلِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَمْ تُحَوَّلْ عَنْهُمْ صَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ بِتَحَوُّلِهِ وَكَانَتْ لَهُمْ كَمَا تَثْبُتُ بَدْءًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ ظَهَرَانِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَا تَتَحَوَّلُ عَنْهُمْ دُونَ النَّاضِّ الَّذِي يَتَحَوَّلُ، وَمُعَاذٌ إذْ حَكَمَ بِهَذَا كَانَ مِنْ أَنْ يَنْقُلَ صَدَقَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّدَقَةِ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَكْثَرُهُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ أَبْعَدَ، وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا عَنْ مُعَاذٍ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا: لَا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ جِيرَانِ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الصَّدَقَةُ إلَى غَيْرِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَطَاوُسٌ لَوْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذٍ شَيْءٌ لَمْ يُخَالِفْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَاوُسٌ يَحْلِفُ مَا يَحِلُّ بَيْعُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَا بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَوْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ احْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَنَّ مُعَاذًا بَاعَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالثِّيَابِ كَانَ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا إنَّمَا قَالَ: ائْتُونِي بِعُرْضٍ مِنْ الثِّيَابِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ بِصَدَقَاتٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَهُمَا، وَإِنْ جَاءَا بِمَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِهِ مَا فَقَدْ نَقَلَاهَا إلَى الْمَدِينَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ أَقْرَبُ النَّاسِ نَسَبًا وَدَارًا مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى سَعَةٍ مِنْ مُضَرَ وطيئ مِنْ الْيَمَنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ ارْتَدَّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي الصَّدَقَةِ وَيَكُونُ بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ حَقٍّ هُمْ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْتَى بِهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْمُرُ بِرَدِّهَا إلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ خَبَرٌ نَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ مِنْ نِعَمِ الصَّدَقَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِالْمَدِينَةِ صَدَقَاتُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَالنَّاضِّ وَالْمَاشِيَةِ وَلِلْمَدِينَةِ سَاكِنٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمَا وَأَشْجَعَ وَجُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ بِهَا وَبِأَطْرَافِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَعِيَالُ سَاكِنِ الْمَدِينَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَعِيَالُ عَشَائِرِهِمْ وَجِيرَانِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ عِيَالُ سَاكِنِ أَطْرَافِهَا بِهَا وَعِيَالُ جِيرَانِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ فَيُؤْتَوْنَ بِهَا وَيَكُونُونَ مَجْمَعًا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ كَمَا تَكُونُ الْمِيَاهُ وَالْقُرَى مَجْمَعًا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَعَلَّهُمْ اسْتَغْنَوْا فَنَقَلَهَا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا وَنَسَبًا وَكَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ دَارًا وَنَسَبًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى إبِلٍ كَثِيرَةٍ إلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْمِلُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَكْثَرُ فَرَائِضِ الْإِبِلِ لَا تَحْمِلُ أَحَدًا. أَخْبَرْنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ كَثِيرَةٍ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ، أَخْبَرْنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ الدَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ: أَرَأَيْت الْإِبِلَ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا عُمَرُ الْغُزَاةَ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهَا إبِلُ الْجِزْيَةِ الَّتِي كَانَ يَبْعَثُ بِهَا مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قُلْت: وَمِمَّنْ كَانَتْ تُؤْخَذُ؟

قَالَ: مِنْ أَهْلِ جِزْيَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تُؤْخَذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى وَجْهِهَا فَبِيعَتْ فَيُبْتَاعُ بِهَا إبِلٌ جِلَّةٌ فَيَبْعَثُ بِهَا إلَى عُمَرَ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَخْبَرْنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ بِعَطَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَتَبَ إلَى وَالِي الْيَمَامَةِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ الْيَمَامَةِ إلَى الْمَدِينَةِ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ يُتِمُّ بِهَا عَطَاءَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَالُ إلَى الْمَدِينَةِ أَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوهُ وَقَالُوا: أَيُطْعِمُنَا أَوْسَاخَ النَّاسِ وَمَا لَا يَصْلُحُ لَنَا أَنْ نَأْخُذَهُ لَا نَأْخُذُهُ أَبَدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَرَدَّهُ وَقَالَ: لَا تَزَالُ فِي الْقَوْمِ بَقِيَّةٌ مَا فَعَلُوا هَكَذَا، قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ؟ وَمَنْ كَانَ يَوْمَئِذٍ يَتَكَلَّمُ: قَالَ أَوَّلُهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِجَالٍ كَثِيرَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُهُمْ لَا يَصْلُحُ لَنَا أَيْ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ الصَّدَقَةَ وَنَحْنُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ فِي الصَّدَقَةِ حَقٌّ وَمِنْ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ غَيْرِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُخِذَتْ الْمَاشِيَةُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُسِمَتْ وَأُدْخِلَتْ الْحَظِيرَ، وَوُسِمَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فِي أَفْخَاذِهَا وَالْغَنَمُ فِي أُصُولِ آذَانِهَا وَمِيسَمُ الصَّدَقَةِ مَكْتُوبٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُوسَمُ الْإِبِلُ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الْجِزْيَةِ مِيسَمًا مُخَالِفًا لِمِيسَمِ الصَّدَقَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مِيسَمَ الصَّدَقَةِ مُخَالِفٌ لِمِيسَمِ الْجِزْيَةِ؟ قِيلَ: فَإِنَّ الصَّدَقَةَ أَدَّاهَا مَالِكُهَا لِلَّهِ وَكُتِبَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا أَخْرَجَهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِبِلُ الْجِزْيَةِ أُدِّيَتْ صِغَارًا لَا أَجْرَ لِصَاحِبِهَا فِيهَا. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةٌ عَمْيَاءُ قَالَ: " أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ " قَالَ: بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ عَلَيْهَا مِيسَمَ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَرْقٍ بَيْنَ الْمِيسَمَيْنِ أَيْضًا وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِثْلَ قَوْلِنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ وَقَالُوا: سَبِيلُ الرِّكَازِ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ وَرَوَوْا مِثْلَ مَا رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي الرِّكَازِ الْخَمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَعَادِنُ مِنْ الرِّكَازِ وَفِي كُلِّ مَا أُصِيبَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فَهُوَ رِكَازٌ وَلَوْ أَصَابَهُ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ كَانَ رِكَازًا فِيهِ الْخُمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ عَادَ لِمَا شَدَّدَ فِيهِ كُلَّهُ فَأَبْطَلَهُ فَزَعَمَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ رِكَازًا فَوَاسِعٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكْتُمَهُ الْوَالِي وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيَدَعُهُ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ وَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ قَسْمٌ عَلَى قَسْمِ الصَّدَقَاتِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحَقَّ بِالسُّنَّةِ فِي أَخْذِهِ وَحَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَسْمِهِ. وَالْخُمْسُ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ فِي مَالِهِ لِمَسَاكِينَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فَكَيْفَ جَازَ لِلْوَالِي أَنْ يَتْرُكَ حَقًّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ الْحَقُّ لِمَنْ قَسَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ؟ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا فِي عُشْرِ الطَّعَامِ أَوْ زَكَاةِ الذَّهَبِ أَوْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا الْحُجَّةُ

عَلَيْهِ؟ أَلَيْسَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الَّذِي عَلَيْك فِي مَالِك إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ لِغَيْرِك فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ تَرْكُهُ لَك وَلَا لَك حَبْسُهُ إنْ تَرَكَهُ لَك السُّلْطَانُ عَمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْت أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الرِّكَازِ وَلَوْ جَازَ هَذَا فِي الرِّكَازِ جَازَ فِي جَمِيعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَدَعَهُ لَهُ فَيَبْطُلُ حَقٌّ مِنْ قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ: إنَّا رَوَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةَ آلَافٍ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا، أَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَلَكَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ " ثُمَّ قَالَ: " وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْك ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ رَجُلٍ شَيْئًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعُهُ لَهُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ لَوْ مَنَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا لَهُمْ فِي مَالِهِ أَنْ يُجَاهِدَهُ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُسْتَنْكَرٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ أَنَّهُ قَالَ " أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لَك وَاقْسِمْ الْخُمْسَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِك " وَهَذَا الْحَدِيثُ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ لَعَلَّ عَلِيًّا عَلِمَهُ أَمِينًا وَعَلِمَ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ فِيهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ السُّهْمَانِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مِنْ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا وَاَلَّذِي زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ لَهُ خُمْسَ رِكَازِهِ، وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ سِوَاهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَالِيَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ وَاجِبًا فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَعُودَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَوْ وَلِيَهَا هُوَ دُونَ الْوَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا وَلَا دَفْعُهَا إلَى أَحَدٍ يَعُولُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إعَادَتُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ تَرْكُهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ، وَهَذَا إبْطَالُهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَخِلَافُ مَا يَقُولُونَ وَإِذَا صَارَ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَتَرْكُهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَأَخْذُهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ أَبْطَلَ بِهَذَا الْقَوْلِ السُّنَّةَ فِي أَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ وَأَبْطَلَ بِهِ حَقَّ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ. فَإِنْ قَالَ لَا يَصْلُحُ هَذَا إلَّا فِي الرِّكَازِ قِيلَ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا صَلُحَ فِي الرِّكَازِ وَهُوَ مِنْ الصَّدَقَاتِ صَلُحَ فِي كُلِّهَا وَلَوْ جَازَ لَك أَنْ تَخُصَّ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ قُلْت يَصْلُحُ فِي الْعُشُورِ وَصَدَقَاتِ الْمَاشِيَةِ، وَقَالَ غَيْرِي وَغَيْرُك يَصْلُحُ فِي صَدَقَةِ الرِّقَّةِ وَلَا يَصْلُحُ فِي هَذَا، فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّمَا هُوَ خُمْسٌ وَكَذَلِكَ الْحَقُّ فِيهِ كَمَا الْحَقُّ فِي الزَّرْعِ الْعُشْرُ، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَفِي الْمَاشِيَةِ مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ كُلَّ هَذَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ مَا جُعِلَ فِيهِ وَيُقْسَمُ كُلٌّ حَيْثُ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا أَحَدٌ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُعْطَى مِنْهَا أَحَدٌ مِائَتِي دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَكُونُ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ حِرْفَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا فَيَكُونُ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ الْحِرْفَةِ أَوْ بِغَلَبَةِ الْعِيَالِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إنَّمَا هِيَ مَا عَرَفَ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الطَّالِبِ لِلزَّكَاةِ وَمَالِهِ لَا عَلَى قَدْرِ الْمَالِ فَقَطْ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ لَهُ مِائَةٌ مِنْ الْعِيَالِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَى، وَهَذَا الْمُحْتَاجُ الْبَيِّنُ الْحَاجَةِ، وَآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا عِيَالَ لَهُ وَلَيْسَ بِالْغِنَى أُعْطِيَ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الَّذِي أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ أَقْرَبُ مِنْ الْغِنَى وَاَلَّذِي نُهِيَ عَنْ إعْطَائِهِ أَبْعَدُ مِنْ الْغِنَى وَلِمَ إذَا كَانَ الْغَارِمُ يُعْطَى مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْغُرْمِ لَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْفَقْرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ

كتاب الصيام الصغير

إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا فَلِمَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى إلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَاهَا وَهُوَ يَوْمَ يُعْطَاهَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا. [كِتَابُ الصِّيَامِ الصَّغِيرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَقُولُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا، وَقَالَ: أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ لَا يَجُوزُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ إلَّا شَاهِدَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا أَقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدَيْنِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى كُلِّ مَعِيبٍ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَمَاعَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَقْبَلُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَأَكْثَرَ، فَإِنْ صَامَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ إلَّا أَنْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهِ فَيُفْطِرُوا، وَإِنْ غُمَّ الشَّهْرَانِ مَعًا فَصَامُوا ثَلَاثِينَ فَجَاءَتْهُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ شَعْبَانَ رُئِيَ قَبْلَ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ قَضَوْا يَوْمًا لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَإِنْ غُمَّا فَجَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَ الْفِطْرِ أَفْطَرُوا أَيْ سَاعَةَ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ صَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِنَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَهُ فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ قَوْلَنَا وَقَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَخْرُجُ بِهِمْ الْإِمَامُ مِنْ الْغَدِ وَلَا يُصَلِّي بِهِمْ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْقَوْلِ: إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك سُنَّةً لَا تُقْضَى إنْ تُرِكَتْ وَغَمَّك وَقْتٌ فَكَيْفَ أَمَرْت بِهَا أَنْ تُعْمَلَ فِي غَيْرِهِ وَأَنْتَ إذَا مَضَى الْوَقْتُ تَعْمَلُ فِي وَقْتٍ لَمْ تُؤْمَرْ بِأَنْ تَعْمَلَ، مِثْلُ الْمُزْدَلِفَةِ إذَا مَرَّتْ لَيْلَتُهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِالْمَبِيتِ فِيهَا وَالْجِمَارُ إذَا مَضَتْ أَيَّامُهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِرَمْيِهَا وَأُمِرْت بِالْفِدْيَةِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَمِثْلُ الرَّمَلِ إذَا مَضَتْ الْأَطْوَافُ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْمُرَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّهُ مَضَى وَقْتُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ بَدَلٌ بِكَفَّارَةٍ وَإِذَا أَمَرْت بِالْعِيدِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَكَيْفَ لَمْ تَأْمُرْ بِهِ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِهِ وَالصَّلَاةُ تَحِلُّ فِي يَوْمِهِ؟ وَأَمَرْت بِهَا مِنْ الْغَدِ وَيَوْمُ الْفِطْرِ أَقْرَبُ مِنْ وَقْتِ الْفِطْرِ مِنْ غَدِهِ؟ (قَالَ) : فَإِنَّهَا مِنْ غَدٍ تُصَلَّى فِي مِثْلِ وَقْتِهِ، قِيلَ لَهُ: أَوْ لَيْسَ تَقُولُ فِي كُلِّ مَا فَاتَ مِمَّا يُقْضَى مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ يُقْضَى إذَا ذُكِرَ فَكَيْفَ

باب الدخول في الصيام والخلاف عليه

خَالَفْت بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ ذَلِكَ؟ ، فَإِنْ كَانَتْ عِلَّتُك الْوَقْتَ فَمَا تَقُولُ فِيهِ إنْ تَرَكْته مِنْ غَدِهِ أَتُصَلِّيهِ بَعْدَ غَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَقَدْ تَرَكْت عِلَّتَك فِي أَنْ تُصَلِّيَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَا حُجَّتُك فِيهِ؟ قَالَ رَوَيْنَا فِيهِ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: قَدْ سَمِعْنَاهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ تُضَعِّفُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ: وَإِذَا زَعَمْت أَنَّهُ ثَابِتٌ فَكَيْفَ يَقْضِي فِي غَدِهِ وَلَمْ تَنْهَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ يَقْضِي بَعْدَ أَيَّامٍ، وَإِنْ طَالَتْ الْأَيَّامُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ الْغَدِ؛ لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَأَنْ يَفْعَلَ الْمَرْءُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ ثَابِتًا، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ بِالتَّطَوُّعِ فَهَذَا خَيْرٌ أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِ أَرْجُو أَنْ يَأْجُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ فِي عَمَلِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ لَا يُصَلِّي إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا نَقُولُ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ وَلَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُئِيَ لَيْلًا لَمْ يُفْطِرْ النَّاسُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي النَّهَارِ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ: إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَوْلُنَا وَإِذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَفْطَرُوا وَقَالُوا: إنَّمَا اتَّبَعْنَا فِيهِ أَثَرًا رَوَيْنَاهُ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، فَقُلْنَا: الْأَثَرُ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ الْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا رَأَى الرَّجُلُ هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ يَصُومُ لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ فَيُفْطِرُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ شَكٌّ أَوْ يَخَافَ أَنْ يُتَّهَمَ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالصَّوْمِ. [بَابُ الدُّخُولِ فِي الصِّيَامِ وَالْخِلَافِ عَلَيْهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُجْزِي صَوْمُ رَمَضَانَ إلَّا بِنِيَّةٍ كَمَا لَا تُجْزِي الصَّلَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَاحْتُجَّ فِيهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً وَعَلَى مَا أَوْجَبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ قَبْلَ الزَّوَالِ مَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَخَالَفَ فِي هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا عَلَى النَّافِلَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَيَجُوزُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَالَفَ فِي هَذَا الْآثَارَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: لِمَ زَعَمْت أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يُجْزِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يُجْزِي صَوْمُ النَّذْرِ وَلَا صَوْمُ الْكَفَّارَاتِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَكَذَلِكَ عِنْدَك لَا تُجْزِي الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَلَا نَذْرُ الصَّلَاةِ وَلَا التَّيَمُّمُ إلَّا بِنِيَّةٍ؟ (قَالَ) : لِأَنَّ صَوْمَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ بِغَيْرِ وَقْتٍ مَتَى عَمِلَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ وَالنِّيَّةُ لِلتَّيَمُّمِ بِوَقْتٍ،

باب صوم رمضان

قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَأَمْهَلَ حَتَّى إذَا كَانَ آخَرُ شَهْرٍ مِنْهَا فَصَامَهُ لَا يَنْوِي بِهِ النَّذْرَ؟ قَالَ لَا يُجَزِّئُهُ قِيلَ: قَدْ وَقَّتَ السَّنَةَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا هَذَا الشَّهْرُ فَصَارَ إنْ لَمْ يَصُمْهُ يَخْرُجْ مِنْ الْوَقْتِ وَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ إنْ تَرَكَ الظُّهْرَ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يُكْمِلُهَا فِيهِ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعًا كَفَرْضِ الصَّلَاةِ لَا يَنْوِي الظُّهْرَ؟ قَالَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الظُّهْرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَبَيْنَ هَذَا فَرْقًا وَقَدْ اعْتَلَّ بِالْوَقْتِ فَأَوْجَدْنَا الْوَقْتَ فِي الْمَكْتُوبَةِ مَحْدُودًا وَمَحْصُورًا يَفُوتُ إنْ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ فَأَوْجَدْنَاهُ ذَلِكَ فِي النَّذْرِ ثُمَّ أَوْجَدْنَاهُ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَحْصُورَيْنِ كِلَاهُمَا عَمَلًا كَعَمَلِ الْمَكْتُوبَةِ وَعَمَلِ النَّذْرِ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْتَيْنِ فَضْلٌ لِلْمَكْتُوبَةِ وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَكْتُوبَةِ وَالنَّذْرِ مَوْضِعٌ إلَّا هَذَا الْوَقْتُ الَّذِي عَمِلَهُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَهُمَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَزَعَمَ أَنَّهُمَا لَا يُجْزِيَانِ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِمَا الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّذْرَ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ أَنَّ الْوَقْتَ مَحْصُورٌ، انْبَغَى أَنْ يَزْعُمَ هَا هُنَا أَنَّ الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّذْرَ يُجْزِيَانِ إذَا كَانَ وَقْتُهُمَا مَحْصُورًا كَمَا يُجْزِي رَمَضَانُ إذَا كَانَ وَقْتُهُ مَحْصُورًا. [بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَنْ قَالَ: لَا يُجْزِي رَمَضَانُ إلَّا بِنِيَّةٍ فَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ وَهُوَ أَسِيرٌ فَصَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ مِنْهُ وَمَنْ قَالَ يُجْزِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ غَيْرَ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ أَخْطَأَ قَوْلَهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَزَعَمَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصْبَحَ يَرَى أَنَّهُ يَوْمٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَنْوِ الْإِفْطَارَ فَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ فَأَمْسَكَ عَنْ الطَّعَامِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ فَأَمْسَكَ وَنَوَى الصِّيَامَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِيَوْمٍ مَكَانَهُ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْت بِالرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالرَّأْيِ فِيمَا عَلِمْت، وَلَكِنْ مَعَهُمْ قِيَاسٌ، فَصَحَّ فِيهِ لِمَنْ خَالَفَهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا - فِيمَا أَرَى - أَحْسَنُ وَأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إذَا كَانَ قِيَاسًا. [بَابُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ وَالسُّحُورِ وَالْخِلَافُ فِيهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الْفَجْرَ الْآخِرَ مُعْتَرِضًا فِي الْأُفُقِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَكَلَ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ " الْخَطْبُ يَسِيرٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاسْتُحِبَّ التَّأَنِّي بِالسُّحُورِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتٍ مُقَارِبٍ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْفَجْرُ طَلَعَ فَإِنِّي أُحِبُّ قَطْعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ شَيْءٌ قَدْ أَدْخَلَهُ وَمَضَغَهُ لَفَظَهُ؛ لِأَنَّ إدْخَالَهُ فَاهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا إنَّمَا يَفْطُرُ بِإِدْخَالِهِ جَوْفَهُ، فَإِنْ ازْدَرَدَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ، وَاَلَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ ذَلِكَ

الشَّيْءُ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ فِي بَعْضِ فِيهِ مِمَّا يُدْخِلُهُ الرِّيقُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي خَفِيفٌ فَلَا يَقْضِي، فَأَمَّا كُلُّ مَا عَدَا إدْخَالَهُ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِهِ فَيُفْطِرُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَالَ بَعْدُ) نُفَطِّرُهُ بِمَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ، إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى طَرْحِهِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : إلَّا أَنْ يَغْلِبَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ فَيَكُونُ مُكْرَهًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ تَعْجِيلَ الْفِطْرِ وَتَرْكِ تَأْخِيرِهِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ تَأْخِيرَهُ إذَا عَمَدَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يَرَى الْفَضْلَ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَلَمْ يُؤَخِّرُوهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ اللَّيْلَ اسْوَدَّ ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُمَا يَرَيَانِ تَأْخِيرَ ذَلِكَ وَاسِعًا لَا أَنَّهُمَا يَعْمِدَانِ الْفَضْلَ لِتَرْكِهِ بَعْدَ أَنْ أُبِيحَ لَهُمَا وَصَارَا مُفْطِرَيْنِ بِغَيْرِ أَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصْلُحُ فِي اللَّيْلِ وَلَا يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ صَائِمًا، وَإِنْ نَوَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ وَلَا يُفْطِرُهُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَاهُ قَطُّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا فُتْيَا كَثِيرٍ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» وَرُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ احْتَجَمَ صَائِمًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثَابِتًا وَلَوْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت بِهِ فَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الْحِجَامَةَ صَائِمًا لِلتَّوَقِّي كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَوْ احْتَجَمَ لَمْ أَرَهُ يُفْطِرُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ تَقَيَّأَ وَهُوَ صَائِمٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا: فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَفَعَهُ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَيْسَ بِحَافِظٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقْضِي وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِمِثْلِ قَوْلِنَا لَا يَقْضِي وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ سَاهِيًا وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ بَلْ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَثْبَتُ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ؟ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَرَ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ قَضَاءً فَرَأْيُ أَبِي هُرَيْرَةَ حُجَّةٌ فَرَّقَ بِهَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ ثُمَّ تَرَكَ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ فَهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَابِتٌ وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبُ مِمَّا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَتَرَكَ الْأَوْجَبَ وَالْأَثْبَتَ وَأَخَذَ بِاَلَّذِي هُوَ أَضْعَفُ عِنْدَهُ وَعَابَ غَيْرَهُ إذْ زَعَمَ أَنَّ الْعَمْدَ فِي الصَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ سَوَاءٌ ثُمَّ قَالَ بِمَا عَابَ فِي الصَّلَاةِ فَزَعَمَ أَنَّ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ سَوَاءٌ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ احْتَلَمَ فِي رَمَضَانَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَقْضِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَمَّ صَوْمَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَجَامِعُ فَأَخْرَجَهُ مِنْ سَاعَتِهِ أَتَمَّ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ ثَبَّتَ شَيْئًا آخَرَ أَوْ

باب الجماع في رمضان والخلاف فيه

حَرَّكَهُ لِغَيْرِ إخْرَاجٍ وَقَدْ بَانَ لَهُ الْفَجْرُ كَفَّرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَسْمَعُ: إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ ثُمَّ أَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّك لَسْت مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ جَاءَ هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ عِنْدَنَا وَفِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّهُ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الْجِمَاعَ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ وَالْجَنَابَةُ بَاقِيَةٌ بِمَعْنًى مُتَقَدِّمٍ وَالْغُسْلُ لَيْسَ مِنْ الصَّوْمِ بِسَبِيلٍ، وَإِنْ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ فَهُوَ غَيْرُ الْجِمَاعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَى مَنْ قَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وَالْقُرْءُ عِنْدَهُ الْحَيْضَةُ فَمَا بَالُ الْغُسْلِ؟ وَإِنْ وَجَبَ بِالْحَيْضِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَيْضِ فَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ إذَا وَجَبَ بِهِ حُكْمَ الْحَيْضِ كَانَ حُكْمُ الْغُسْلِ إذَا وَجَبَ بِالْجِمَاعِ حُكْمَ الْجِمَاعِ فَأَفْطَرَ وَكَفَّرَ مَنْ أَصْبَحَ جَنْبًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ فَهَذَا أَثْبَتُ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَعَلَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ كَانَتْ بِأَنْ سَمِعَ صَاحِبُهَا مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ عَلَى مَعْنَى إذَا كَانَ الْجِمَاعُ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ عَمِلَ فِيهِ بَعْدَ الْفَجْرِ كَمَا وَصَفْنَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَرَّكَتْ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتهَا لَهُ، وَإِنْ فَعَلَهَا لَمْ يُنْقَضْ صَوْمُهُ وَمَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ فَلَا بَأْسَ لَهُ بِالْقُبْلَةِ، وَمِلْكُ النَّفْسِ فِي الْحَالَيْنِ عَنْهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ شَهْوَةٍ يُرْجَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثَوَابُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُنْقَضُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ لَوْ كَانَتْ تَنْقُضُ صَوْمَهُ لَمْ يُقَبِّلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُرَخِّصْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِيهَا كَمَا لَا يُرَخِّصُونَ فِيمَا يُفْطِرُ وَلَا يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ إلَى شَهْوَةٍ فَعَلَهَا الصَّائِمُ لَهَا وَلَا غَيْرِ شَهْوَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ» ثُمَّ تَضْحَكُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ قَالَتْ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى مَا وَصَفْت، لَيْسَ اخْتِلَافًا مِنْهُمْ: وَلَكِنْ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، لِئَلَّا يَشْتَهِيَ فَيُجَامِعَ، وَبِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ السَّائِلِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ. [بَابُ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ وَالْخِلَافُ فِيهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ: إنِّي لَا أَجِدُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ كُلْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ

فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَصَبْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاجْلِسْ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ: مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي قَالَ: فَكُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَان مَا أَصَبْت» قَالَ عَطَاءٌ: فَسَأَلْت سَعِيدًا كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ؟ قَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى عِشْرِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ يُعْتِقُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ، مِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَصَابَ أَهْلَهُ فِيهِ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ تَطَوَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ فِي شَيْءٍ أَتَى بِهِ: كَفِّرْ بِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْحَاجَةَ وَلَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ قَبَضَهُ قَالَ: «كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» وَجَعَلَ لَهُ التَّمْلِيكَ حِينَئِذٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَكَهُ فَلَمَّا مَلَكَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ كَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ فَكَانَ لَهُ أَكْلُهُ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَيَحْتَمِلُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ مَتَى أَطَاقَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ، وَكَانَ هَذَا أَحَبَّ إلَيْنَا وَأَقْرَبَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ، وَيَحْتَمِلُ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ فَكَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَضَعَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَيُجْزِي عَنْهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ فِي حَالِهِ تِلْكَ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ سَاقِطَةً عَنْهُ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا كَمَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَحْتَمِلُ إذَا كَفَّرَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ بَدَلًا مِنْ الصِّيَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ مَعَ الْكَفَّارَةِ - وَلِكُلٍّ وَجِهَةٌ (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُكَفِّرَ مَتَى قَدَرَ وَأَنْ يَصُومَ مَعَ الْكَفَّارَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مَدٌّ لَا مُدَّيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مُدَّيْنِ وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُكَفِّرْ فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ يَوْمٍ غَيْرُ فَرْضِ الْمَاضِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ كَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَعُودَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَمَضَانُ كُلُّهُ وَاحِدٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: لَيْسَ فِي هَذَا خَبَرٌ بِمَا قُلْت وَالْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا مَرَّةً بِكَفَّارَةٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ يَوْمًا آخَرَ أُمِرَ بِكَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ مِرَارًا كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ قُلْنَا: وَأَيُّ شَيْءٍ الْحَجُّ مِنْ الصَّوْمِ؟ الْحَجُّ شَرِيعَةُ، وَالصَّوْمُ أُخْرَى، قَدْ يُبَاحُ فِي الْحَجِّ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَيَحْرُمُ فِي الصَّوْمِ وَيُبَاحُ فِي الصَّوْمِ اللُّبْسُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَيَحْرُمُ فِي الْحَجِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَجُّ إحْرَامٌ وَاحِدٌ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَالُهُ بِنَفْسِهِ

وَنَقْصُهُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصُومُ الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ يُفْطِرُ وَقَدْ كَمَّلَ الْيَوْمَ وَخَرَجَ مِنْ صَوْمِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِي آخَرَ فَلَوْ أَفْسَدَهُ لَمْ يُفْسِدْ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْحَجُّ مَتَى أُفْسِدَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَسَدَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْ عَمَلِهِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، الَّذِي يَقِيسُهُ بِالْحَجِّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُجَامِعَ فِي الْحَجِّ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ شَاةٌ قَبْلَ عَرَفَةَ وَيَفْسُدُ حَجُّهُ، وَبَدَنَةٌ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ. وَهَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّوْمِ لَا يَخْتَلِفُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ إنَّمَا عَلَيْهِ رَقَبَةٌ فِيهِمَا وَيَفْسُدُ صَوْمُهُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ يَوْمًا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ كَفَّرَ وَهُوَ لَوْ كَفَّرَ عِنْدَهُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْجِمَاعِ ثُمَّ عَادَ لِجِمَاعٍ آخَرَ لَمْ يُعِدْ الْكَفَّارَةَ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْحَجُّ وَاحِدٌ وَأَيَّامُ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقَةٌ، قُلْت: فَكَيْفَ تَقِيسُ أَحَدَهُمَا بِالْآخِرِ وَهُوَ يُجَامِعُ فِي الْحَجِّ فَيُفْسِدُهُ ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ هَكَذَا الصَّوْمُ وَلَا الصَّلَاةُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ فَأَقِيسُهُ بِالْكَفَّارَةِ قُلْنَا: هُوَ مِنْ الْكَفَّارَةِ أَبْعَدُ، الْحَانِثُ يَحْنَثُ غَيْرُ عَامِدٍ لِلْحِنْثِ فَيُكَفِّرُ وَيَحْنَثُ عَامِدًا فَلَا يُكَفِّرُ عِنْدَك وَأَنْتَ إذَا جَامَعَ عَامِدًا كَفَّرَ، وَإِذَا جَامَعَ غَيْرَ عَامِدٍ لَمْ يُكَفِّرْ فَكَيْفَ قِسْته بِالْكَفَّارَةِ وَالْمُكَفِّرُ لَا يُفْسِدُ عَمَلًا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يَعْمَلُ بَعْدَ الْفَسَادِ شَيْئًا يَقْضِيهِ إنَّمَا يَخْرُجُ بِهِ عِنْدَك مِنْ كِذْبَةٍ حَلَفَ عَلَيْهَا وَهَذَا يَخْرُجُ مِنْ صَوْمٍ وَيَعُودُ فِي مِثْلِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَامَعَ صَبِيَّةً لَمْ تَبْلُغْ أَوْ أَتَى بَهِيمَةً فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ جَامَعَ بَالِغَةً كَانَتْ كَفَّارَةً لَا يُزَادُ عَلَيْهَا عَلَى الرَّجُلِ، وَإِذَا كَفَّرَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ امْرَأَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ تُكَفِّرُ الْمَرْأَةُ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْخَبَرِ فِي الَّذِي جَامَعَ فِي الْحَجِّ تُكَفِّرُ الْمَرْأَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا بَالُ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي الْجِمَاعِ وَلَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا؟ قِيلَ الْحَدُّ لَا يُشْبِهُ الْكَفَّارَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدَّ يَخْتَلِفُ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْجِمَاعُ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ مَعَ افْتِرَاقِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَا نَدَّعِي إذَا فَرَّقَتْ الْأَخْبَارُ بَيْنَ الشَّيْءِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ كَمَا فَرَّقَتْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ فَقَدْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِهِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ وَهَذَا كَانَ عِنْدَنَا أَوْلَى أَنْ يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي رَمَضَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا اقْتَصَرَ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِيهِ فِي الْجِمَاعِ وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ الْبَدَلَ مِنْهُ فَكَيْفَ قَاسَ عَلَيْهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَمْ تَأْتِ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَمْ يُكَفِّرْ. وَإِنْ جَامَعَ عَلَى شُبْهَةٍ مِثْلَ أَنْ يَأْكُلَ نَاسِيًا فَيَحْسِبُ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فَيُجَامِعُ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ إذْ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ جَامَعَ عَلَى شُبْهَةٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فَمَنْ تَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ مُبَاحًا أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ فَسَادُ صَلَاتِهِ ` (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ، مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ وَلَا تَلَذُّذٍ بِهَا: فَصَوْمُهُ تَامٌّ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي رَمَضَانَ إلَّا بِمَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ أَنْ يَلْتَقِي الْخِتَانَانِ، فَأَمَّا

مَا دُونَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي فِطْرٍ فِي غَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: تَجِبُ إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ كَمَا تَجِبُ بِالْجِمَاعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِمَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: السُّنَّةُ جَاءَتْ فِي الْمُجَامِعِ، فَمَنْ قَالَ لَكُمْ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ قَالَ قُلْنَاهُ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ فَقُلْنَا: أَوْ يُشْبِهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ الْجِمَاعَ فَتَقِيسُهُمَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فِي وَجْهٍ مِنْ أَنَّهُمَا مُحَرَّمَانِ يُفْطِرَانِ فَقِيلَ لَهُمْ فَكُلُّ مَا وَجَدْتُمُوهُ مُحَرَّمًا فِي الصَّوْمِ يُفَطِّرُ قَضَيْتُمْ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ؟ قَالَ نَعَمْ. قِيلَ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ أَكَلَ طَيِّبًا أَوْ دَوَاءً؟ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قُلْنَا: وَلِمَ؟ قَالَ: هَذَا لَا يَغْذُو الْجَسَدَ قُلْنَا: إنَّمَا قِسْت هَذَا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ يُفَطِّرُ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَك مُحَرَّمٌ يُفَطِّرُ. قَالَ: هَذَا لَا يَغْذُو الْجَسَدَ، قُلْنَا وَمَا أَدْرَاك أَنَّ هَذَا لَا يَغْذُو الْبَدَنَ وَأَنْتَ تَقُولُ إنْ ازْدَرَدَ مِنْ الْفَاكِهَةِ شَيْئًا صَحِيحًا فَطَّرَهُ وَلَمْ يُكَفِّرْ وَقَدْ يَغْذُو هَذَا الْبَدَنَ فِيمَا نَرَى وَقُلْنَا قَدْ صِرْت مِنْ الْفِقْهِ إلَى الطِّبِّ، فَإِنْ كُنْت صِرْت إلَى قِيَاسِ مَا يَغْذُو فَالْجِمَاعُ يَقُصُّ الْبَدَنَ وَهُوَ إخْرَاجُ شَيْءٍ يُنْقِصُ الْبَدَنَ وَلَيْسَ بِإِدْخَالِ شَيْءٍ فَكَيْفَ قِسْته بِمَا يَزِيدُ فِي الْبَدَنِ وَالْجِمَاعُ يُنْقِصُهُ؟ وَمَا يُشْبِعُهُ وَالْجِمَاعُ يُجِيعُ؟ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الْحُقْنَةَ وَالسَّعُوطَ يُفْطِرَانِ وَهُمَا لَا يَغْذُوَانِ؟ ، وَإِنْ اعْتَلَكَ بِالْغِذَاءِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا عِنْدَك كَانَ يَلْزَمُك أَنْ تَنْظُرَ كُلَّ مَا حَكَمْت لَهُ بِحُكْمِ الْفِطْرِ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ إنْ أَرَدْت الْقِيَاسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ إنَّ هَذَا لَيَلْزَمُنَا كُلُّهُ وَلَكِنْ لِمَ لَمْ تَقِسْهُ بِالْجِمَاعِ؟ فَقُلْت لَهُ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتِقَاءَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا نَقُولُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فَقَدْ وَجَدْنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَى عَلَى رَجُلٍ إنْ أَفْطَرَ مِنْ أَمْرٍ عَمَدَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِيهِ وَبِهَذَا قُلْت: لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي جِمَاعٍ وَرَأَيْت الْجِمَاعَ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا سِوَاهُ رَأَيْت حَدَّهُ مُبَايِنًا لِحُدُودٍ سِوَاهُ وَرَأَيْت مَنْ رَأَيْت مِنْ الْفُقَهَاءِ مُجْتَمَعِينَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ إذَا أَصَابَ أَهْلَهُ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَمَضَى فِيهِ وَجَاءَ بِالْبَدَلِ مِنْهُ وَقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ الصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَاللُّبْسُ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَهُ لَمْ يُفْسِدْ حَجَّهُ غَيْرُ الْجِمَاعِ وَرَأَيْت مَنْ جَامَعَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ صَنَعَ مَا هُوَ أَقْذَرُ مِنْهُ، فَبِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ تَلَذَّذَ بِامْرَأَتِهِ حَتَّى يُنْزِلَ أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَمَا تَلَذَّذَ بِهِ دُونَ ذَلِكَ كَرِهْته وَلَا يَفْسُدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَغَيَّبَهُ أَوْ بَهِيمَةً أَوْ تَلَوَّطَ أَفْسَدَ وَكَفَّرَ مَعَ الْإِثْمِ بِاَللَّهِ فِي الْمُحَرَّمِ الَّذِي أَتَى مَعَ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا كُلِّهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يُعِيدُ صَوْمًا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَقْضِيَ وَلَا يُكَفِّرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي اللُّوطِيِّ وَمَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبْرِهَا فَقَالَ يَفْسُدُ وَقَالَ هَذَا جِمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَجْهِ الْجِمَاعِ الْمُبَاحِ وَوَافَقَهُ فِي الْآتِي لِلْبَهِيمَةِ قَالَ وَكُلُّ جِمَاعٍ، غَيْرُ أَنَّ فِي هَذَا مَعْصِيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُزَادُ عَلَيْهِ زِيدَ عَلَى الْآتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُفْسِدُ الْكُحْلُ، وَإِنْ تَنَخُّمَهُ فَالنُّخَامَةُ تَجِيءُ مِنْ الرَّأْسِ بِاسْتِنْزَالٍ وَالْعَيْنُ مُتَّصِلَةٌ بِالرَّأْسِ وَلَا يَصِلُ إلَى الرَّأْسِ وَالْجَوْفِ عِلْمِي وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ الْكُحْلَ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ الدُّهْنَ، وَإِنْ اسْتَنْقَعَ فِيهِ أَوْ فِي مَاءٍ فَلَا بَأْسَ وَأَكْرَهُ الْعَلْكَ أَنَّهُ يَجْلِبُ الرِّيقَ، وَإِنْ مَضَغَهُ فَلَا يُفْطِرُهُ وَبِذَلِكَ إنْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَلَا يَسْتَبْلِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: لِئَلَّا يَذْهَبَ فِي رَأْسِهِ، وَإِنْ ذَهَبَ فِي رَأْسِهِ لَمْ يُفْطِرْهُ، فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى الرَّأْسِ

أَوْ الْجَوْفِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ عَامِدٌ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ فَطَّرَهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ السِّوَاكَ بِالْعُودِ الرُّطَبِ وَالْيَابِسِ وَغَيْرِهِ: بُكْرَةً وَأَكْرَهُهُ بِالْعَشِيِّ لِمَا أُحِبُّ مِنْ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفَطِّرْهُ وَمَا دَاوَى بِهِ قُرْحَةً مِنْ رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ فَخَلَصَ إلَى جَوْفِهِ فَطَّرَهُ إذَا دَاوَى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ عَامِدٌ لِإِدْخَالِهِ فِي جَوْفِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَطِّرُهُ الرَّطْبُ وَلَا يُفَطِّرُهُ الْيَابِسُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ إذَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ: بِمَنْزِلَةِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ فَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ مِنْ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْزِلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سَبِيلِ الْأَكْلِ وَلَا الشُّرْبِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا يُفَطِّرَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ يُفَطِّرُ أَحَدُهُمَا وَلَا يُفَطِّرُ الْآخَرُ فَهَذَا خَطَأٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُنَزِّهَ صِيَامَهُ عَنْ اللَّغَطِ وَالْمُشَاتَمَةِ، وَإِنْ شُوتِمَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا صَائِمٌ، وَإِنْ شَاتَمَ: لَمْ يُفَطِّرْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَدِمَ مُسَافِرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ وَقَدْ كَانَ فِيهِ مُفْطِرًا وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ حَائِضًا فَطَهُرَتْ فَجَامَعَهَا لَمْ أَرَ بَأْسًا وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَا أَوْ شَرِبَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صَائِمَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ هُمَا غَيْرُ صَائِمَيْنِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا إنْ فَعَلَا وَأَكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمِصْرِ صِيَامٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إمَّا أَنْ يَكُونَا صَائِمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا، أَوْ يَكُونَا غَيْرَ صَائِمَيْنِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ هَذَا عَلَى الصَّائِمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَوَقَّى ذَلِكَ لِئَلَّا يَرَاهُ أَحَدٌ فَيَظُنُّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَبَهَتْ الشُّهُورُ عَلَى أَسِيرٍ فَتَحَرَّى شَهْرَ رَمَضَانَ فَوَافَقَهُ أَوْ مَا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَصَامَ شَهْرًا أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ صَامَ مَا قَبْلَهُ فَقَدْ قَالَ قَائِلٌ لَا يَجْزِيهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَوْ شَهْرًا بَعْدَهُ فَيَكُونُ كَالْقَضَاءِ لَهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ. وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ فَتَأَخَّاهُ أَجْزَأَهُ قَبْلُ كَانَ أَوْ بَعْدُ، كَانَ هَذَا مَذْهَبًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّى الْقِبْلَةَ، فَإِذَا عَلِمَ بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ فِي خَطَأِ عَرَفَةَ وَالْفِطْرِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ النَّاسُ فِي الْمَغِيبِ الظَّاهِرُ، وَالْأَسِيرُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُور فَهُوَ مِثْلُ الْمَغِيبِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَآخِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إذَا صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ حَتَّى يُصِيبَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ شَهْرًا بَعْدَهُ وَآخِرُ قَوْلِهِ فِي الْقِبْلَةِ كَذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ إذَا تَأَخَّى، وَإِنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ تَأَخِّيهِ بِلَا دَلَالَةٍ وَأَمَّا عَرَفَةُ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فَيُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ إنَّمَا يَفْعَلُهُ بِاجْتِمَاعِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ شَيْءٌ يَفْعَلُهُ فِي ذَاتِ نَفْسِهِ خَاصَّةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَتَمَّ صَوْمَهُ رَأَيْت إعَادَةَ صَوْمِهِ، وَسَوَاءٌ رَأَى ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ إذَا أَصْبَحَ لَا يَنْوِي صِيَامَهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَذَلِكَ لَوْ أَصْبَحَ يَنْوِي صَوْمَهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا أَرَى رَمَضَانَ يُجْزِيهِ إلَّا بِإِرَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَذْرِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْزِي إلَّا بِنِيَّةٍ فَرْقًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ مُقِيمًا نَوَى الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ الْفَجْرِ مُسَافِرًا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ مُقِيمًا (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ كُتُبِهِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ حَدِيثٌ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَفْطَرَ بِالْكَدِيدِ أَنَّهُ نَوَى صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ مُقِيمٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ الْفَجْرِ كَانَ كَأَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ حَتَّى سَافَرَ وَكَانَ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يُتِمَّ فَيَصُومُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَأَخَّى الرَّجُلُ الْقِبْلَةَ بِلَا دَلَائِلَ فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ كَانَتْ عَلَيْهِ

باب صيام التطوع

الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى حِينَ صَلَّى عَلَى الشَّكِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ نُهِيَ عَنْ صِيَامِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِي وَقَدْ يَسْمَعُ بَعْضُ النَّاسِ النَّهْيَ وَلَا يَسْمَعُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ فَيَقُولُ بِالنَّهْيِ جُمْلَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْت لَك أَنَّهُ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَافْطُرْ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ إنْسَانٌ فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى الَّذِينَ صَامُوا الْعُصَاةَ فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ لِلتَّقَوِّي لِلْعَدُوِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُحَارَبًا عَامَ نُهِيَ عَنْ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَأَبَى قَوْمٌ إلَّا الصِّيَامَ فَسَمَّى بَعْضَ مَنْ سَمِعَ النَّهْيَ الْعُصَاةَ إذْ تَرَكُوا الْفِطْرَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا قَبُولَ الرُّخْصَةِ وَرَغِبُوا عَنْهَا وَهَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا، إنَّمَا نَقُولُ يُفْطِرُ أَوْ يَصُومُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ لَهُ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» قِيلَ لَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفْت إذَا رَأَى الصِّيَامَ بِرًّا وَالْفِطْرَ مَأْثَمًا وَغَيَّرَ بِرَغْبَةٍ عَنْ الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ الْفَجْرَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ الْبَلَدِ الَّذِي يَنْوِي الْمُقَامَ بِهِ وَهُوَ يَنْوِي الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَزْمَعَ الْفِطْرَ ثُمَّ أَزْمَعَ الصَّوْمَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِهِ فِي حَضَرٍ كَانَ أَوْ فِي سَفَرٍ، وَإِنْ سَافَرَ فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا لَزِمَهُ أَنْ يَصُومَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَتَرَكَ الصَّوْمَ فَهُوَ حِينَئِذٍ يُلْزَمُ بِالْقَضَاءِ وَيُكَفَّرُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَمُوتَ فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ. [بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُتَطَوِّعُ بِالصَّوْمِ مُخَالِفٌ لِلَّذِي عَلَيْهِ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ لَا يُجْزِيهِمْ عِنْدِي إلَّا إجْمَاعُ الصَّوْمِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاَلَّذِي يَتَطَوَّعُ بِالصَّوْمِ مَا لَمْ يَأْكُلَ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَإِنْ أَصْبَحَ يُجْزِيهِ الصَّوْمُ، وَإِنْ أَفْطَرَ الْمُتَطَوِّعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَرِهْته لَهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَنَا فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَنْ يَقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِهِمَا الَّذِي أَفْطَرَتَا فِيهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ إنَّمَا حَدَّثَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَا نَعْرِفُهُ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُمَا عَلَى مَعْنَى إنْ شَاءَتَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا أَمَرَ عُمَرَ أَنْ يَقْضِيَ نَذْرًا نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ عَلَى مَعْنَى إنْ شَاءَ. قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى مَا قُلْت فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْخَبَرِ لَيْسَ فِيهِ مَا قُلْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت إنَّا خَبَّأْنَا لَك حَيْسًا فَقَالَ: أَمَا إنِّي كُنْت أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ الْقَضَاءُ إذَا خَرَجَ مِنْ الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ حِينَئِذٍ مِنْهُ لَا

باب أحكام من أفطر في رمضان

يَجُوزُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَمَلٍ عَلَيْهِ تَمَامُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالِاعْتِكَافُ وَكُلُّ عَمَلٍ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ إكْمَالِهِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَتَمَّهُ إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَطْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ أَمَرْته إذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِيهِمَا فَيَقْضِيَهُمَا مَرَّتَيْنِ دُونَ الْأَعْمَالِ؟ قُلْنَا: لَا يُشْبِهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا مَا سِوَاهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ يَمْضِي فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْفَسَادِ كَمَا يَمْضِي فِيهِمَا قَبْلَ الْفَسَادِ وَيُكَفِّرُ وَيَعُودُ فِيهِمَا؟ وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ إذَا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لَمْ يَمْضِ فِيهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَاسِدَةً بِلَا وُضُوءٍ وَهَكَذَا الصَّوْمُ إذَا أُفْسِدَ لَمْ يَمْضِ فِيهِ. أَوْ لَا تَرَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُتَطَوِّعًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَلَا يُكَفِّرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا فِي الِاعْتِكَافِ وَلَا فِي التَّطَوُّعِ فِي الصَّوْمِ؟ وَقَدْ رَوَى الَّذِينَ يَقُولُونَ بِخِلَافِنَا فِي هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ، وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَبِيهًا بِهِ فِي الطَّوَافِ. [بَابُ أَحْكَامِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ قَضَاهُنَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ مَا شَاءَ فِي ذِي الْحِجَّةِ أَوْ غَيْرِهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ مُتَفَرِّقَاتٍ أَوْ مُجْتَمَعَاتٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ مُتَتَابِعَاتٍ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ إذَا أَحْصَيْت الْعِدَّةَ فَصُمْهُنَّ كَيْفَ شِئْت (قَالَ) : وَصَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُتَتَابِعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ مَرِضَ وَسَافَرَ الْمُفْطِرُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ قَضَاهُنَّ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ فَرَّطَ وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُومَ حَتَّى يَأْتِيَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَ الرَّمَضَانَ الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ وَقَضَاهُنَّ. وَكَفَّرَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا أَطَاقَتَا الصَّوْمَ وَلَمْ تَخَافَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتَا لَا تَقْدِرَانِ عَلَى الصَّوْمِ فَهَذَا مِثْلُ الْمَرَضِ أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا بِلَا كَفَّارَةَ إنَّمَا كَكُفْرَانٍ بِالْأَثَرِ وَبِأَنَّهُمَا لَمْ تُفْطِرَا لِأَنْفُسِهِمَا إنَّمَا أَفْطَرَتَا لِغَيْرِهِمَا فَذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ لَا يُكَفِّرُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ وَيَقْدِرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ يَتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ خَبَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ لَمْ يُطِقْ الْحَجَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ عَمَلُ غَيْرِهِ عَنْهُ عَمَلَهُ نَفْسِهِ كَمَا لَيْسَ الْكَفَّارَةُ كَعَمَلِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَالُ الَّتِي يَتْرُكُ بِهَا الْكَبِيرُ الصَّوْمَ أَنْ يَكُونَ يُجْهِدُهُ الْجَهْدَ غَيْرَ الْمُحْتَمَلِ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ وَالْحَامِلُ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ زَادَ مَرَضُ الْمَرِيضِ زِيَادَةً بَيِّنَةً أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً مُحْتَمَلَةً لَمْ يُفْطِرْ وَالْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا: أَفْطَرَتْ وَكَذَلِكَ الْمُرْضِعُ إذَا أَضَرَّ بِلَبَنِهَا

الْإِضْرَارَ الْبَيِّنَ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَلَا يُفْطِرُ صَاحِبُهُ، وَالصَّوْمُ قَدْ يُزِيدُ عَامَّةَ الْعِلَلِ وَلَكِنْ زِيَادَةً مُحْتَمَلَةً وَيُنْتَقَصُ بَعْضُ اللَّبَنِ وَلَكِنَّهُ نُقْصَانٌ مُحْتَمَلٌ، فَإِذَا تَفَاحَشَ أَفْطَرَتَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ إذَا لَمْ يُطِقْ الصَّوْمَ الْفِدْيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يُطِقْهَا وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّوْمِ؟ قِيلَ لَيْسَ يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي حَالٍ تُفْعَلُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا يُطِيقُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا فَيَكُونُ بَعْضُ هَذَا بَدَلًا مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ شَيْءٌ غَيْرُ الصَّلَاةِ بَدَلًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَا الصَّلَاةُ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، فَالصَّوْمُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا إكْمَالُهُ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ حَالِ صَاحِبِهِ وَيُزَالُ عَنْ وَقْتِهِ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ كَمَا يَكُونُ بَعْضُ الصَّلَاةِ قَصْرًا وَبَعْضُهَا قَاعِدًا وَقَدْ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَكُونُ الطَّعَامُ بَدَلًا مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَرِضَ فَلَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إنَّمَا الْقَضَاءُ إذَا صَحَّ ثُمَّ فَرَّطَ، وَمَنْ مَاتَ وَقَدْ فَرَّطَ فِي الْقَضَاءِ أُطْعِمَ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ سَنَةً صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نُهِيَ عَنْ صَوْمِهَا وَهِيَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَأَيَّامُ مِنًى وَقَضَاهَا. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ صَامَهُ، وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَقَدْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ أَوْ كَانَ يَوْمَ فِطْرٍ قَضَاهُ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ الْغَدَ بِالنِّيَّةِ لِصَوْمِ يَوْمِ النَّذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أَرَهُ وَاجِبًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَفْطَرَ وَقَضَاهُ وَمَنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْفِطْرِ لَمْ يَصُمْهُ وَلَمْ يَقْضِهِ؛ لِأَنَّ لَيْسَ لَهُ صَوْمُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِهَا لَمْ تَصُمْهُ وَلَمْ تَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَصُومَهَا (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

كتاب الاعتكاف

[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] ِ أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ آخِرَ الشَّهْرِ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ إنْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ كَانَ لِي الْخُرُوجُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَلَا يَنْوِي أَيَّامًا وَلَا وُجُوبَ اعْتِكَافٍ مَتَى شَاءَ انْصَرَفَ وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَإِنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ فَمِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَإِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ فَانْهَدَمَ الْمَسْجِدُ اعْتَكَفَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَإِذَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ إلَى بَيْتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَاجَتِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَيَخِيطَ وَيُجَالِسَ الْعُلَمَاءَ وَيَتَحَدَّثَ بِمَا أَحَبَّ مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ (قَالَ) : وَلَا يَعُودُ: الْمَرِيضَ وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ إذَا كَانَ اعْتِكَافًا وَاجِبًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْمُؤَذِّنُ وَيَصْعَدَ الْمَنَارَةَ كَانَتْ دَاخِلَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَةً مِنْهُ وَأَكْرَهُ لَهُ الْأَذَانَ لِلْوَالِي بِالصَّلَاةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيبَ، فَإِنْ أَجَابَ يَقْضِي الِاعْتِكَافَ وَإِنْ أَكَلَ الْمُعْتَكِفُ فِي بَيْتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِذَا مَرِضَ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ خَرَجَ، فَإِذَا بَرِئَ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَ بُرْئِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اسْتَقْبَلَ الِاعْتِكَافَ وَإِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ انْتَقَضَ اعْتِكَافُهُ وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُعْتَكِفُ أَوْ وَطِئَ اسْتَأْنَفَ اعْتِكَافَهُ إذَا كَانَ اعْتِكَافًا وَاجِبًا بِصَوْمٍ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مُعْتَكِفَةً

قَالَ) : وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ شَهْرًا وَلَمْ يُسَمِّ شَهْرًا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَقُلْ مُتَتَابِعًا: اعْتَكَفَ مَتَى شَاءَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ مِنْ الْوَطْءِ إلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَا تُفْسِدُهُ قُبْلَةٌ وَلَا مُبَاشَرَةٌ وَلَا نَظْرَةٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ كَانَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا بِالنَّهَارِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا شَهْرًا بِالنَّهَارِ وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَذَهَبَ الشَّهْرُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا سِوَاهُ وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَاعْتَكَفَهُ إلَّا يَوْمًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ اعْتِكَافًا وَاجِبًا فَأَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ مُكْرَهًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَتَى خَلَا بَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَهُ بِحَدٍّ أَوْ دَيْنٍ فَحَبَسَهُ، فَإِذَا خَرَجَ رَجَعَ فَبَنَى وَإِذَا سَكِرَ الْمُعْتَكِفُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ إذَا كَانَ وَاجِبًا وَإِذَا

خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَةٍ فَلَقِيَهُ غَرِيمٌ لَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَكَّلَ بِهِ وَاذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يَحْبِسُهُ الطَّالِبُ عَنْ الِاعْتِكَافِ، فَإِذَا خَلَّاهُ رَجَعَ فَبَنَى وَإِذَا خَافَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْوَالِي خَرَجَ، فَإِذَا أَمِنَ بَنَى وَالِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ كَذَا وَكَذَا وَالِاعْتِكَافُ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يَعْتَكِفَ وَلَا يَنْوِي شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى الْمُعْتَكِفُ يَوْمًا فَدَخَلَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الِاعْتِكَافِ اعْتَكَفَ إلَى مِثْلِهِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ يَوْمٍ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَيَعْتَكِفُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَيَوْمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةُ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِصَوْمٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، فَإِنْ كَانَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَحَّ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ بِعَدَدِ مَا صَحَّ مِنْ الْأَيَّامِ كُلَّ

يَوْمٍ مُدًّا (قَالَ الرَّبِيعُ) : إذَا مَاتَ: وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ أُطْعِمَ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ الرَّجُلُ اللَّيْلَةَ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَالِاعْتِكَافُ يَكُونُ بِغَيْرِ صَوْمٍ فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمَ يَقْدُمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ اعْتَكَفَ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ، وَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَبْسِ قَضَاهُ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ سَمَّاهُ، فَإِذَا الشَّهْرُ قَدْ مَضَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ بِالْحَجِّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ أَتَمَّ اعْتِكَافَهُ، فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْحَجّ مَضَى لِحَجِّهِ، فَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ الْحَجِّ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَتَابِعٍ بَنَى وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ فِيمَا سِوَاهُ وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مَا عَظُمَ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَكَثُرَ أَهْلُهُ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاءُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَإِذَا جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا اعْتِكَافًا فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مَنْعُهُمْ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُمْ قَبْلَ تَمَامِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ مَنْعُهُمْ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَإِذَا جَعَلَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ نِصْفُهُ عَلَيْهِ اعْتِكَافًا أَيَّامًا فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَيَخْدُمَ يَوْمًا حَتَّى يُتِمَّ اعْتِكَافَهُ وَإِذَا جُنَّ الْمُعْتَكِفُ فَأَقَامَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى. وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ فِي الِاعْتِكَافِ كَالصَّحِيحِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ مَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الثِّيَابِ وَيَأْكُلَا مَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الطَّعَامِ وَيَتَطَيَّبَا بِمَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الطِّيبِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ الْمَائِدَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الطَّسْتِ وَلَوْ نَسِيَ الْمُعْتَكِفُ فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَيَغْسِلُهُ - فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ الْمُعْتَكِفُ نَفْسَهُ وَيُنْكِحَ غَيْرَهُ وَإِذَا مَاتَ عَنْ الْمُعْتَكِفَةِ زَوْجُهَا خَرَجَتْ، وَإِذَا قَضَتْ عِدَّتَهَا رَجَعَتْ فَبَنَتْ، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ، فَإِنْ فَعَلَتْ ابْتَدَأَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

كتاب الحج

[كِتَابُ الْحَجِّ] [بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ] ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَصْلُ إثْبَاتِ فَرْضِ الْحَجِّ خَاصَّةً فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَجَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ فَحَكَى أَنَّهُ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] مَعَ مَا ذَكَرَ بِهِ الْحَجَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْآيَةُ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَقَالَ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَهَذِهِ الْآيَةُ مَوْضُوعَةٌ بِتَفْسِيرِهَا فِي الْعُمْرَة. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] الْآيَةُ قَالَتْ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ فَحَجَّهُمْ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حُجُّوا فَقَالُوا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ عِكْرِمَةُ بِمَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُفْرٌ بِفَرْضِ الْحَجِّ وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ. وَالْكُفْرُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كُفْرٌ (أَخْبَرَنَا) : مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97] قَالَ هُوَ مَا إنْ حَجَّ لَمْ يَرَهُ بِرًّا، وَإِنْ جَلَسَ لَمْ يَرَهُ إثْمًا

كَانَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ كُفْرٌ بِفَرْضِ الْحَجِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَفَرَ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ كَافِرًا وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَا قَالَ عِكْرِمَةُ فِيهِ أَوْضَحُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَاضِحًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَمَّ فَرْضُ الْحَجِّ كُلَّ بَالِغٍ مُسْتَطِيعٍ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَا يَكُونُ غَيْرُ الْبَالِغِ إذَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ؟ قِيلَ: الِاسْتِدْلَال بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] يَعْنِي الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِئْذَانِ مِنْ الْبَالِغِينَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِمْ الْفَرْضُ فِي إيذَانِهِمْ فِي الِاسْتِئْذَانِ إذَا بَلَغُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] فَلَمْ يَأْمُرْ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بِالرُّشْدِ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْبُلُوغُ مَعَهُ وَفَرَضَ اللَّهُ الْجِهَادَ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ أَكَّدَ الْيَقِينَ «فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُجَاهِدَ وَأَبُوهُ حَرِيصٌ عَلَى جِهَادِهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أُحُدٍ ثُمَّ أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عَامَ الْخَنْدَقِ» وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مَا أَنْزَلَ جُمَلًا مِنْ إرَادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَاسْتَدْلَلْنَا بِأَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْحُدُودَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْبَالِغِينَ وَصَنَعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أُحُدٍ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِبِضْعَةِ عَشْرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَالْفَرَائِضُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ، فَإِذَا حَجَّ بَالِغًا عَاقِلًا أَجْزَأَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِحَجَّةٍ أُخْرَى إذَا صَارَ رَشِيدًا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ (قَالَ) : وَفَرْضُ الْحَجِّ زَائِلٌ عَمَّنْ بَلَغَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ عَلَى مَنْ عَقَلَهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ فَرَضَهَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَا يُخَاطِبُ إلَّا مَنْ يَعْقِلُ الْمُخَاطَبَةَ وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ، وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» ، فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، فَإِذَا حَجَّ مُفِيقًا أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ حَجَّ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ الْحَجُّ وَعَلَى وَلِيِّ السَّفِيهِ الْبَالِغِ أَنْ يَتَكَارَى لَهُ وَيُمَوِّنَهُ فِي حَجِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يُضَيِّعُ السَّفِيهُ مِنْ الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ وَلِيُّ السَّفِيهَةِ الْبَالِغَةِ (قَالَ الشَّافِعِيّ) : وَلَوْ حَجَّ غُلَامٌ قَبْلَ بُلُوغِ الْحُلُمِ وَاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ عَاشَ بَعْدَهَا بَالِغًا لَمْ يَحُجَّ لَمْ تَقْضِ الْحَجَّةُ الَّتِي حَجَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَجَّهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي مَعْنَى مَنْ صَلَّى فَرِيضَةً قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَيَكُونُ بِهَا مُتَطَوِّعًا كَمَا يَكُونُ بِالصَّلَاةِ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فِيمَا وَصَفْت فِي الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ وَالْمَمَالِيكِ لَوْ حَجُّوا وَأَنْ لَيْسَتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَوْ أُذِنَ لِلْمُلُوكِ بِالْحَجِّ أَوْ أَحَجَّهُ سَيِّدُهُ كَانَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا لَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ عَتَقَ ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَحُجَّ بَعْدَمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ (قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ كَافِرٌ بَالِغٌ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ عَمَلٌ يُؤَدَّى فَرْضًا فِي بَدَنِهِ حَتَّى يَصِيرَ إلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ (قَالَ) : وَكَانَ فِي الْحَجِّ مُؤْنَةٌ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ بِقَوْلِهِ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى

باب تفريع حج الصبي والمملوك

أَنْ لَا مَالَ لِلْعَبْدِ وَإِنَّ مَا مَلَكَ فَإِنَّمَا هُوَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يُوَرِّثُونَ الْعَبْدَ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا وَالِدِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ شَيْئًا فَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ اسْتِدْلَالًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا لِسَيِّدِهِ وَكَانَ سَيِّدُهُ غَيْرَ الْوَارِثِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَجْعَلُونَ عَلَى سَيِّدِهِ الْإِذْنَ لَهُ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبِيدَ خَارِجُونَ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ بِخُرُوجِهِمْ مِنْ اسْتِطَاعَةِ الْحَجِّ وَخَارِجٌ مِنْ الْفَرْضِ لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَحَجَّ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ لَا تُجْزِي عَنْهُ؟ قُلْت؛ لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِي عَمَّنْ لَمْ تَلْزَمْهُ قَالَ وَمِثْلُ مَاذَا؟ قُلْت مِثْلُ مُصَلِّي الْمَكْتُوبَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَصَائِمِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ إهْلَالِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ وَالْعَمَلُ عَلَى الْبَدَنِ لَا يُجْزِي إلَّا فِي الْوَقْتِ، وَالْكَبِيرُ الْفَانِي الْقَادِرُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَكَذَا الْمَمْلُوكُ وَلَا غَيْرُهُ الْبَالِغُ مِنْ الْأَحْرَارِ، فَلَوْ حَجَّا لَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ هَذَا وَعَتَقَ هَذَا وَأَمْكَنَهُمَا الْحَجُّ. [بَابُ تَفْرِيعِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ حَجٌّ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ فِي أَيِّ سِنٍّ مَا بَلَغَاهَا أَوْ اسْتَكْمَلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِذَا بَلَغَا اسْتِكْمَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ بَلَغَا الْمَحِيضَ أَوْ الْحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ (قَالَ) : وَحَسَنٌ أَنْ يَحُجَّا صَغِيرَيْنِ لَا يَعْقِلَانِ وَدُونَ الْبَالِغَيْنِ يَعْقِلَانِ يُجَرَّدَانِ لِلْإِحْرَامِ وَيَجْتَنِبَانِ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ، فَإِذَا أَطَاقَا عَمَلَ شَيْءٍ أَوْ كَانَا إذَا أُمِرَا بِهِ عَمِلَاهُ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَا كَانَ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا يُطِيقَانِهِ عُمِلَ عَنْهُمَا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّلَاةُ الَّتِي تَجِبُ بِالطَّوَافِ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَتُصَلِّي عَنْهُمَا الْمَكْتُوبَةَ؟ قِيلَ لَا، فَإِنْ قَالَ فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِالطَّوَافِ؟ قِيلَ تِلْكَ عَمَلٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَجَبَتْ بِهِ كَوُجُوبِ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِهِ وَالرَّمْيِ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ عَلَى غَيْرِ حَاجٍّ فَتُؤَدَّى كَمَا يُؤَدَّى غَيْرُهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ فَرْقٍ غَيْرِ هَذَا؟ قِيلَ نَعَمْ، الْحَائِضُ تَحُجُّ وَتَعْتَمِرُ فَتَقْضِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا وَلَا تَقْضِي الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي مَرَّتْ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا (قَالَ) : وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَفِي ذَلِكَ أَنَّ عَمَلَهُ عَنْهُ يُجْزِئُ كَمَا أَجْزَأَ عَمَلُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَمَنْ عَلِمَ هَذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَقُولَ لَا يَبْقَى مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَبْقَى مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ صَلَاةٌ جَازَ أَنْ يَبْقَى طَوَافٌ وَرَمْيٌ وَوُقُوفٌ وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بِالْكَمَالِ عَمَّنْ عَمِلَ عَنْهُ كَمَا كَانَ عَلَى الْمَعْمُولِ عَنْهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْكَمَالِ عَنْ نَفْسِهِ (قَالَ) : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ سَمِعْت مِنْهُ فِي هَذَا شَيْئًا خَالَفَ فِيهِ مَا وَصَفْت. وَقَدْ حُكِيَ لِي عَنْ قَائِلٍ أَنَّهُ قَالَ: يَعْمَلُ عَنْهُ غَيْرَ الصَّلَاةِ، وَأَصْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ هَذَا أَنَّهُ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْحَجِّ فِي حَالٍ لَمْ يَأْمُرْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ وَيَتْرُكَهَا حَيْثُ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَيْفَ إذَا تَرَكَ أَصْلَ قَوْلِهِ فِي حَالٍ يَحُجُّ الْمَرْءُ فِيهَا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ يَعْمَلُ فِيهَا شَيْئًا مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجْعَلْ الصَّلَاةَ الَّتِي تَجِبُ بِالْحَجِّ مِمَّا أُمِرَ بِعَمَلِهِ فِي الْحَجِّ غَيْرَ الصَّلَاةِ؟ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الْحُجَّةُ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ فَرْضُهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ أَنَابَ النَّاسَ عَلَى الْأَعْمَالِ أَضْعَافَهَا وَمَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ أَلْحَقَ بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فَقَالَ {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21] فَلَمَّا مَنَّ عَلَى الذَّرَارِيِّ بِإِدْخَالِهِمْ جَنَّتَهُ بِلَا عَمَلٍ كَانَ أَنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ عَمَلَ

الإذن للعبد بالحج

الْبِرِّ فِي الْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ فَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَالْحُجَّةُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَفَلَ فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ لَقِيَ رَكْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَنْ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مُسْلِمُونَ، فَمَنْ الْقَوْمُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا مِنْ مِحَفَّةٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ، وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَك أَجْرٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي السَّفْرِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أَيُّهَا النَّاسُ أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَافْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَلْيَحْجُجْ وَأَيُّمَا غُلَامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَقَدْ قُضِيَ عَنْهُ حَجُّهُ، وَإِنْ بَلَغَ فَلْيَحْجُجْ " أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ، وَتُقْضَى حَجَّةُ الْعَبْدِ عَنْهُ حَتَّى يَعْتِقَ، فَإِذَا عَتَقَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا كَمَا قَالَ عَطَاءٌ فِي الْعَبْدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَقَدْ بَيَّنَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَنَا هَكَذَا وَقَوْلُهُ: فَإِذَا عَتَقَ فَلْيَحْجُجْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَحُجَّ إذَا عَتَقَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي عُبُودِيَّتِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا يَرَوْنَ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى أَحَدٍ إلَّا مَرَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] فَذَكَرَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يُرَدِّدْ ذِكْرَهُ مَرَّةً أُخْرَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت إنْ حَجَّ الْعَبْدُ تَطَوُّعًا يَأْذَنُ لَهُ سَيِّدُهُ بِحَجٍّ لَا أَجَرَ نَفْسَهُ وَلَا حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ يَخْدُمُهُمْ؟ قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهُ إذَا عَتَقَ حَجَّ لَا بُدَّ. أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ: تُقْضَى حَجَّةُ الصَّغِيرِ عَنْهُ حَتَّى يَعْقِلَ، فَإِذَا عَقَلَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا وَالْعَبْدُ كَذَلِكَ أَيْضًا (قَالَا) : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُهُمْ: إذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ، إذَا احْتَلَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ مِثْلُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ، فَيَجْتَمِعُ الْمَمْلُوكُ وَغَيْرُ الْبَالِغِينَ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَتَفَرَّقَانِ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَجِّهِ. [الْإِذْنَ لِلْعَبْدِ بِالْحَجِّ] الْإِذْنَ لِلْعَبْدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَيْسَ لِمُبْتَاعِهِ مَنْعُهُ أَنْ يُتِمَّ إحْرَامَهُ وَلِمُبْتَاعِهِ الْخِيَارُ إذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِإِحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَبْسِهِ لِمَنْفَعَتِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ إحْرَامُهُ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّانِ إذَا أَذِنَ لَهُمَا أَبُوهُمَا فَأَحْرَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُمَا (قَالَ) : وَلَوْ أَصَابَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ فَبَطَلَ حَجُّهُ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ حَبْسُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَمْضِيَ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ مُضِيَّهُ فِي حَجٍّ صَحِيحٍ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فَمَنَعَهُ مَرَضُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ إذَا صَحَّ عَنْ أَنْ يُحِلَّ بِطَوَافٍ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي حَجٍّ فَلَمْ يُحْرِم: كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مَا لَمْ يُحْرِمْ (قَالَ) : وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ أَوْ يَقْرِنَ فَأَعْطَاهُ دَمًا لِلْمُتْعَةِ أَوْ الْقِرَانِ: لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَإِذَا مَلَّكَهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا مِلْكُهُ لِلسَّيِّدِ فَلَا

باب كيف الاستطاعة إلى الحج

يُجْزِي عَنْهُ مَا لَا يَكُونُ لَهُ مَالِكًا بِحَالٍ وَعَلَيْهِ فِيمَا لَزِمَهُ الصَّوْمُ مَا كَانَ مَمْلُوكًا، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى عَتَقَ وَوَجَدَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْحُرِّ الْوَاجِدِ وَالثَّانِي لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا الصَّوْمُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَجِّ فَأَفْسَدَهُ كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يَدَعَهُ يُتِمُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يَدَعَهُ يَقْضِيهِ، فَإِنْ قَضَاهُ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَعَلَيْهِ إذَا عَتَقَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ يَدَعَهُ يُتِمُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهُ حَبْسُهُ وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ إذَا حَبَسَهُ سَيِّدُهُ عَنْ إتْمَامِ حَجِّهِ شَاةً يُقَوِّمُهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ يُقَوِّمُ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ثُمَّ يُحِلُّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُحِلُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فَتَمَتَّعَ فَمَاتَ الْعَبْدُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا أَذِنْت لِعَبْدِك فَتَمَتَّعَ فَمَاتَ فَاغْرَمْ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا يُجْزِي الْعَبْدَ حَيًّا مِنْ إعْطَاءِ سَيِّدِهِ عَنْهُ وَمَا يُجْزِيهِ مَيِّتًا؟ فَنَعَمْ، أَمَّا مَا أَعْطَاهُ حَيًّا فَلَا يَكُونُ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ مِلْكِهِ عَنْهُ حَيًّا حَتَّى يَكُونَ الْمُعْطَى عَنْهُ مَالِكًا لَهُ وَالْعَبْدُ لَا يَكُونُ مَالِكًا، وَهَكَذَا مَا أُعْطِيَ عَنْ الْحُرِّ بِإِذْنِهِ أَوْ وَهَبَهُ لِلْحُرِّ فَأَعْطَاهُ الْحُرُّ عَنْ نَفْسِهِ قَدْ مَلَكَ الْحُرُّ فِي الْحَالَيْنِ وَلَوْ أَعْطَى عَنْ حُرٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ عَبْدٍ لَمْ يَكُنْ الْمَوْتَى يَمْلِكُونَ شَيْئًا أَبَدًا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لَهُمْ أَوْ أَوْصَى أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ وَإِنَّمَا أَجَزْنَا أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُمْ بِالْخَبَرِ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ أُمِّهِ» ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ مَا وَصَفْت لَك. [بَابُ كَيْفَ الِاسْتِطَاعَةُ إلَى الْحَجِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الِاسْتِطَاعَةُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَاجِدًا مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَكُونُ اسْتِطَاعَتُهُ تَامَّةً وَيَكُونُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ لَا يُجْزِيهِ مَا كَانَ بِهَذَا الْحَالِ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مُضْنُوًّا فِي بَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَرْكَبٍ فَيَحُجَّ عَلَى الْمَرْكَبِ بِحَالٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ أَوْ قَادِرٌ عَلَى مَالٍ يَجِدُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِبَعْضِهِ فَيَحُجَّ عَنْهُ فَيَكُونُ هَذَا مِمَّنْ لَزِمَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ كَمَا قَدَرَ، وَمَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: أَنَا مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَبْنِيَ دَارِي يَعْنِي بِيَدِهِ وَيَعْنِي بِأَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَبْنِيهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ يَتَطَوَّعُ بِبِنَائِهَا لَهُ، وَكَذَلِكَ مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَخِيطَ ثَوْبِي، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْمَلُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَيَعْمَلُهُ لَهُ غَيْرُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْحَجُّ عَلَى الْبَدَنِ وَأَنْتَ تَقُولُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْأَبَدَانِ إنَّمَا يُؤَدِّيهَا عَامِلُهَا بِنَفْسِهِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَيُصَلِّي الْمَرْءُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا وَلَا يُصَلِّي عَنْهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّوْمِ قَضَاهُ إذَا قَدَرَ أَوْ كَفَّرَ وَلَمْ يَصُمْ عَنْهُ غَيْرُهُ وَأَجْزَأَ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرَائِعُ تَجْتَمِعُ فِي مَعْنَى وَتَفْتَرِقُ فِي غَيْرِهِ بِمَا فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهَا فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَنْ يَجْهَلُوا أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَالَ: فَادْلُلْنِي عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ

سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَهَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ» قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا حَفِظْته عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَخْبَرَنِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ، وَزَادَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مِثْلُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ فَكَانَ فِيمَا حَفِظَ سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا بَيَّنَ أَنَّ أَبَاهَا إذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَنَّ جَائِزًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَأَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَرْضًا إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ غَيْرَ مُطِيقٍ لِتَأْدِيَتِهِ بِبَدَنِهِ فَالْفَرْضُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا فَرِيضَةَ عَلَى أَبِيك إذَا كَانَ إنَّمَا أَسْلَمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَقَالَ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إنَّمَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَدَعْ بَعْدَهُ فِي قَلْبِ مَنْ لَيْسَ بِالْفَهْمِ شَيْئًا فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَقَالَتْ لَهُ: أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ: كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ» وَتَأْدِيَةُ الدَّيْنِ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةَ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا عَنْهُ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَافِعَةٌ لَهُ كَمَا يَنْفَعُهُ تَأْدِيَتُهَا عَنْهُ دَيْنًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَمَنْفَعَتُهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَآثِمِ وَإِيجَابُ أَجْرِ تَأْدِيَتِهِ الْفَرْضَ لَهُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، وَلَا شَيْءَ أَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِمَّا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَنَحْنُ نَجْمَعُ بِالْقِيَاسِ بَيْنَ مَا أَشْبَهَ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَجْهٍ غَيْرِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشَدَّ مُجَامَعَةً لَهُ مِنْهُ فَيَرَى أَنَّ الْحُجَّةَ تَلْزَمُ بِهِ الْعُلَمَاءَ، فَإِذَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَالْفَرْضُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ، وَفِيهِ فَرْقٌ آخَرُ أَنَّ الْعَاقِلَ لِلصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا جَالِسًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا وَكَيْفَمَا قَدَرَ وَأَنَّ الصَّوْمَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ قَضَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَاءٍ كَفَّرَ، وَالْفَرْضُ عَلَى الْأَبَدَانِ مُجْتَمِعٌ فِي أَنَّهُ لَازِمٌ فِي حَالٍ ثُمَّ يَخْتَلِفُ بِمَا خَالَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ بِمَا يُفَرِّقُ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَعْضُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ، فَاَلَّذِي يُخَالِفُنَا وَلَا يُجِيزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ نَسِيَ فَتَكَلَّمَ فِي صَلَاةٍ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَمِنْ نَسِيَ فَأَكَلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ أَهْدَى. وَمَنْ جَامَعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَصَدَّقَ وَمَنْ جَامَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ فِيمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَعِلَّتُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا خَبَرٌ وَإِجْمَاعٌ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ عِلَّتَهُ فَلِمَ رَدَّ مِثْلَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ قَالَ: فَحُجِّي عَنْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَةٌ

باب الخلاف في الحج عن الميت

مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا فَهَلْ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَدَاءَهَا إنْ قَدَرَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَدَّاهَا عَنْهُ فَأَدَاؤُهَا إيَّاهَا عَنْهُ يُجْزِيهِ، وَالْأَدَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا لَزِمَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: «أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّيَّ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا حَجَّةٌ فَقَالَ حُجِّي عَنْ أُمِّك» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ فَقَالَ: إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عَنْهُ وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْك» وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِشَيْخٍ كَبِيرٍ لَمْ يَحْجُجْ " إنْ شِئْت فَجَهِّزْ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْك ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَهَّزَ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ رَجُلًا فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَتْ لَهُ حَالٌ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمَرْكَبِ لِلْحَجِّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ لَمْ تُجْزِ تِلْكَ الْحَجَّةُ عَنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ أَوْ صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ أَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْزِي عَنْهُ حَجُّ غَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ، فَإِذَا وَجَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَانَ مِمَّنْ فُرِضَ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ، وَمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَجٍّ فِي نَذْرٍ وَتَبَرُّرٍ فَهُوَ مِثْلُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ، يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَحُجُّهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، إذَا جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ. [بَابُ الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا نُسِبَ إلَى عِلْمٍ بِبَلَدٍ يُعْرَفُ أَهْلُهُ بِالْعِلْمِ خَالَفَنَا فِي أَنْ يُحَجَّ عَنْ الْمَرْءِ إذَا مَاتَ الْحَجَّةَ الْوَاجِبَةَ عَنْهُ إلَّا بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ وَأَعْلَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَكَابِرُ مِنْ مَاضِي فُقَهَائِهِمْ تَأْمُرُ بِهِ مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَاَلَّذِي قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ سِوَى مَا رَوَى النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَنَّهُ أَمَرَ بَعْضَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ حَدِيثًا يُخَالِفُ ابْنَ عُمَرَ فِيهَا مِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِقَوْلِ رَجُلٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِرَأْيِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ جَازَ لِأَحَدٍ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ أَنْ يُحِلَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ؟ وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ قَالَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ رَجُلٌ عَنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا اتِّبَاعُهَا بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ وَالْمَسْأَلَةُ فِي شَيْءٍ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مَا لَا يَسَعُ عَالِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِأَحَدٍ جَازَ

باب الحال التي يجب فيها الحج

عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَقَدْ يُثْبِتُ الَّذِي قَالَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْيَاءَ بِأَضْعَفَ مِنْ إسْنَادِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ النَّاسِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ بَعْضٍ وَلَهُ فِي هَذَا مُخَالِفُونَ كَثِيرٌ مِنْهَا الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَمِنْهَا بَيْعُ الْعَرَايَا، وَمِنْهَا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَأَضْعَافُ هَذِهِ السُّنَنِ، فَكَيْفَ جَازَ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ أَنْ يُثْبِتَ الْأَضْعَفَ وَيَرُدَّ عَلَى غَيْرِهِ الْأَقْوَى؟ وَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِالْقَسَامَةِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يُخَالِفُهُ فِيهَا وَأَعْطَى فِيهَا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ وَعَظِيمَ الْمَالِ، وَهُوَ لَا يُعْطِي بِهَا جُرْحًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمَالِ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ قَالَ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلَا عَرْضٌ عَلَى الْعَقْلِ فَحَدِيثُ حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ أَثْبَتُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْت وَأَحْرَى أَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ الْعَقْلِ بَعْدَمَا وَصَفْت مِنْ الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ بِمَا عَابَ مِنْ حَجِّ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ حَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ أَجْوَزَ لَهُ وَتَرَكَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فَقَالَ إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنْ لَا يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَقَدْ سَأَلْت بَعْضَ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ فَقُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُصَلَّى أَوْ يُصَامَ عَنْهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ غَيْرِ إجَارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، أَيُصَامُ أَوْ يُصَلَّى عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. وَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ فَقُلْت لَهُ: فَإِذَا كَانَ إنَّمَا أَبْطَلَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَجَازَ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ بِمَالِهِ لَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ الْوَصِيَّةَ فِيهِ كَمَا أَبْطَلَهَا؟ قَالَ أَجَازَهَا النَّاسُ قُلْت: فَالنَّاسُ الَّذِينَ أَجَازُوهَا أَجَازُوا أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ إذَا أَفْنَدَ. وَإِنْ مَاتَ بِكُلِّ حَالٍ وَأَنْتَ لَمْ تُجِزْهَا عَلَى مَا أَجَازُوهَا عَلَيْهِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَلَمْ تُبْطِلْهَا إبْطَالَك الْوَصِيَّةَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا سُنَّةٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا مَعْقُولٌ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُ خِلَافُ هَذَا كُلِّهِ وَخِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَمَا عَلِمْته إذْ قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ، وَلَا أَمَرَ بِالْحَجِّ فِي الْحَالِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَمَا عَلِمْت مَنْ رَدَّ الْأَحَادِيثَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ تَرَوَّحُوا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَيْنَا إلَى شَيْءٍ تَرَوُّحَهُمْ إلَى إبْطَالِ مَنْ أَبْطَلَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ الْآخَرِ حَيْثُ أَبْطَلَهَا وَأَشْيَاءَ قَدْ تَرَكَهَا مِنْ السُّنَنِ وَلَا شَغَبَ فِيهِ شَغَبَهُ فِي هَذَا، فَقُلْنَا لِبَعْضِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: لَنَا مَذْهَبُك فِي التَّرَوُّحِ إلَى الْحُجَّةِ بِهَذَا مَذْهَبُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَوْ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِلَا نَصَفَةٍ فَقَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت أَرَأَيْت مَا تَرَوَّحْتَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا أَهُوَ قَوْلُ أَحَدٍ يُلْزَمُ قَوْلُهُ فَأَنْتَ تُكْبِرُ خِلَافَهُ أَوْ قَوْلُ آدَمِيٍّ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَا يَدْخُلُ عَلَى الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْخَطَأِ؟ قَالَ: بَلْ قَوْلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ قُلْنَا فَتَرْكُهُ بِأَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ حَيْثُ تَرْكُهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ عِنْدَمَا قَالَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِكُمْ قُلْنَا، وَمَا زَعَمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وَنَاحِيَتِنَا بَرِئَ مِنْ أَنْ يُغْفَلَ، وَإِنَّهُمْ لِكَالنَّاسِ وَمَا يَحْتَجُّ مُنْصِفٌ عَلَى امْرِئٍ بِقَوْلِ غَيْرِهِ إنَّمَا يَحْتَجُّ عَلَى الْمَرْءِ بِقَوْلِ نَفْسِهِ. [بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْحَجُّ] ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ الْحَجِّ مَاشِيًا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَرْكَبٍ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَالرَّجُلُ فِيهِ أَقَلُّ عُذْرًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أُوجِبَهُ عَلَيْهِ لِأَنِّي لَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ الْمَشْيُ عَلَى أَحَدٍ إلَى الْحَجِّ، وَإِنْ أَطَاقَهُ غَيْرَ أَنَّ مِنْهَا مُنْقَطِعَةً وَمِنْهَا مَا يَمْتَنِعُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ تَثْبِيتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَعَدْنَا

باب الاستسلاف للحج

إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعْته يَقُولُ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ فَقَالَ الشَّعِثُ التَّفِلُ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ الْعَجُّ وَالثَّجُّ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» (قَالَ) : وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» . [بَابُ الِاسْتِسْلَافِ لِلْحَجِّ] ِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ سَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ لَمْ يَحُجَّ أَيَسْتَقْرِضُ لِلْحَجِّ؟ قَالَ: لَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ سَعَةٌ يَحُجُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَهُوَ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ وَلَكِنْ إنْ كَانَ ذَا عَرَضٍ كَثِيرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ عَرَضِهِ أَوْ الِاسْتِدَانَةُ فِيهِ حَتَّى يَحُجَّ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَقُوتُ أَهْلِهِ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ مِنْ الْحَجِّ إنْ سَلِمَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قُوتُ أَهْلِهِ أَوْ مَا يَرْكَبُ بِهِ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فَقُوتُ أَهْلِهِ أَلْزَمُ لَهُ مِنْ الْحَجِّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ حَتَّى يَضَعَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ فِي قَدْرِ غَيْبَتِهِ. وَلَوْ آجَرَ رَجُلٌ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ يَخْدُمُهُ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَعَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِضْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ بِالْإِجَارَةِ شَيْءٌ إذَا جَاءَ بِالْحَجِّ بِكَمَالِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ شَيْئًا كَمَا يَقُومُ بِأَمْرِ نَفْسِهِ إذَا جَاءَ بِمَا عَلَيْهِ وَكَمَا يَتَطَوَّعُ فَيَخْدُمُ غَيْرَهُ لِثَوَابٍ أَوْ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَوْ آجُرُ نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ إلَى أَجْرٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202] ، وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ فِي حُمْلَانِ غَيْرِهِ وَمُؤْنَتِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرٌ حَمَلَهُمْ فَقَسَمَ بَيْنَ عَوَامِّهِمْ غَنَمًا مِنْ مَالِهِ فَذَبَحُوهَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَلَكُوا مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْغَنَمِ فَذَبَحُوا مَا مَلَكُوا، وَمِنْ كَفَاهُ غَيْرُهُ مُؤْنَتَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ لَمْ يَنْتَقِضْ حَجُّهُ إذَا أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ، وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ وَيَقْبَلَ الصِّلَةَ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، الصِّلَةُ لَا تَحْرُمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إنَّمَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا السَّبِيلُ الَّذِي يُوجِبُ الْحَجَّ أَنْ يَجِدَ الْمُؤْنَةَ وَالْمَرْكَبَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ فِي وَقْتِهِ. [بَابُ حَجِّ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّبِيلَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَجِدُهُمَا وَكَانَتْ مَعَ ثِقَةٍ مِنْ النِّسَاءِ فِي طَرِيقٍ مَأْهُولَةٍ آمِنَةٍ فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَثْنِ فِيمَا يُوجِبُ الْحَجَّ إلَّا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ مِنْ النِّسَاءِ فَصَاعِدًا لَمْ تَخْرُجْ مَعَ رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُمْ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا مِنْهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ امْرَأَةٍ لَيْسَ

مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجَ مَعَهَا وَلَكِنْ مَعَهَا وَلَائِدُ وَمَوْلَيَاتٌ يَلِينَ إنْزَالَهَا وَحِفْظَهَا وَرَفْعَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلْتَحُجَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ غَيْرَ مَا ذَكَرْت؟ قِيلَ: نَعَمْ. مَا لَا يُخَالِفُنَا فِيهِ أَحَدٌ عَلِمْته مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْحَقُّ وَتَثْبُتُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى بِبَلَدٍ لَا قَاضِيَ بِهِ فَتُجْلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَلَعَلَّ الدَّعْوَى تَبْطُلُ عَنْهَا أَوْ تَأْتِي بِمَخْرَجٍ مِنْ حَقٍّ لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ إذَا كَانَتْ مَعَهَا امْرَأَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُعْتَدَّاتِ {وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1] فَقِيلَ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهَا الْخُرُوجَ مِنْ حَقٍّ لَزِمَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا وَكَانَ خُرُوجُهَا فَاحِشَةً فَهِيَ بِالْمَعْصِيَةِ بِالْخُرُوجِ إلَى غَيْرِ حَقٍّ أَلْزَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيمَا عَلِمْته أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَكُلِّ حَقٍّ لَزِمَهَا، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا لِلنِّدَاءِ كَمَا أَخْرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ مَعًا وَالْإِجْمَاعُ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْحَالِ الَّتِي هِيَ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا مِنْ خُرُوجٍ إلَى سَفَرٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ بَيْتِهَا فِي الْعِدَّةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِمَّا لَا يَلْزَمُهَا وَلَا يَكُونُ سَبِيلًا لِمَا يَلْزَمُهَا وَمَا لَهَا تَرْكُهُ، فَالْحَجُّ لَازِمٌ وَهِيَ لَهُ مُسْتَطِيعَةٌ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ وَمَعَهَا امْرَأَةٌ فَأَكْثَرُ ثِقَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ الْمَحِيضَ أَوْ اسْتَكْمَلَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَا مَالَ لَهَا تُطِيقُ بِهِ الْحَجَّ يُجْبَرُ أَبَوَاهَا وَلَا وَلِيَّ لَهَا وَلَا زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا يُحِجُّهَا بِهِ (قَالَ) : وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ الْحَجَّ مَاشِيًا وَكَانَ مِمَّنْ يُطِيقُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ وَلَا لِوَلِيِّهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ (قَالَ) : وَلَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْحَجَّ مَاشِيَةً كَانَ لِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ الْمَشْيِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا (قَالَ) : وَإِذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ قَادِرَةً بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا عَلَى الْحَجِّ فَأَرَادَ وَلِيُّهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَجِّ أَوْ أَرَادَهُ زَوْجُهَا، مَنَعَهَا مِنْهُ مَا لَمْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ إلَّا فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ، فَإِنْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا، وَإِنْ أَهَلَّتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيَتَهَا، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ: لَوْ تَطَوَّعَتْ فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ: أَنَّ عَلَيْهِ تَخَلَّيْتهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ مِمَّنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَزِمَهُ، غَيْرَ أَنَّهَا إذَا تَنَفَّلَتْ بِصَوْمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا وَلَزِمَهُ عِنْدِي فِي قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَمَنْ أُحْصِرَ فَتَذْبَحُ وَتُقَصِّرُ وَتُحِلُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَة تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا زَوْجُهَا: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَصْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَمْنَعَهَا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا كَانَ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَنَّ لَهُ تَرْكَهُ إيَّاهَا أَدَاءَ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أُجِرَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْخِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى مَعْنًى سَأَصِفُ مَا كَلَّمَنِي بِهِ وَمَنْ قَالَ قَوْلَهُ، فَزَعَمَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إذَا لَزِمَهُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فِيهِ فَتَرَكَهُ فِي أَوَّلِ مَا يُمْكِنُهُ كَانَ آثِمًا بِتَرْكِهِ، وَكَانَ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى صَلَاتِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ، وَكَانَ إنَّمَا يُجْزِئُهُ حَجُّهُ بَعْدَ أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مَقْدِرَتِهِ عَلَيْهِ قَضَاءً كَمَا تَكُونُ الصَّلَاةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ قَضَاءً، ثُمَّ أَعْطَانَا

بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الْأَوَّلُ فَتَرَكَهَا، فَإِنْ صَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ، وَفِيمَا نَذَرَ مِنْ صَوْمٍ، أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِكَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ، فَقَالَ فِيهِ كُلِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ فَأَخَّرَهُ فَهُوَ عَاصٍ بِتَأْخِيرِهِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُجْبَرُ أَبُوهَا وَزَوْجُهَا عَلَى تَرْكِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَالَهُ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُفْتِي وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ حُجَّةً إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ: نَسْأَلُك مِنْ أَيْنَ قُلْت فِي الْحَجِّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ؟ ، فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ جَازَ لَك مَا قُلْت فِي الْمَرْأَةِ؟ قُلْت: اسْتِدْلَالًا مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحُجَّةِ اللَّازِمَةِ، قَالُوا فَاذْكُرْهَا، قُلْت: نَعَمْ «نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَاجِّ وَتَخَلَّفَ هُوَ عَنْ الْحَجِّ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ لَا مُحَارِبًا وَلَا مَشْغُولًا» ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قَادِرِينَ عَلَى الْحَجِّ وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ لَمْ يَتَخَلَّفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرْضٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ إلَّا فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَدَعْ مُسْلِمًا يَتَخَلَّفُ عَنْ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَمَعَهُمْ أُلُوفٌ كُلُّهُمْ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ «وَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَقْتَيْنِ وَقَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» وَقَدْ أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَتَمَةِ حَتَّى نَامَ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَصِفُونَ صَلَّاهَا حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى شَعْبَانَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا زَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: فَصِفْ لِي وَقْتَ الْحَجِّ، فَقُلْت الْحَجُّ مَا بَيْنَ أَنْ يَجِبَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَقْضِيَهُ، فَإِذَا مَاتَ عَلِمْنَا أَنَّ وَقْتَهُ قَدْ ذَهَبَ، قَالَ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت مَا وَصَفْت مِنْ تَأْخِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجِهِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ مَعَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُمْ الْحَجُّ، قَالَ: فَمَتَى يَكُونُ فَائِتًا؟ قُلْت إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا أَوْ بَلَغَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ مِنْ الْإِفْنَادِ، قَالَ فَهَلْ يُقْضَى عَنْهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتُوجِدُنِي مِثْلَ هَذَا؟ قُلْت: نَعَمْ. يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي كُلِّ مَا عَدَا شَهْرَ رَمَضَانَ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ، كَفَّرَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَمْكَنَهُ فَتَرَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُدْرِكَهُ قَالَ: أَفَرَأَيْت الصَّلَاةَ؟ قُلْت: مُوَافِقَةٌ لِهَذَا فِي مَعْنًى، مُخَالِفَةٌ لَهُ فِي آخَرَ قَالَ: وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي تُوَافِقُهُ؟ فِيهِ قُلْت: إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتَيْنِ أَوَّلٌ وَآخَرُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ كَانَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْآخَرُ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ كَانَ آثِمًا بِتَرْكِهِ ذَلِكَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالَ: وَكَيْفَ خَالَفْت بَيْنَهُمَا؟ قُلْت: بِمَا خَالَفَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ بَيْنَهُمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي صَوْمًا وَلَا تَقْضِي صَلَاةً وَلَا تُصَلِّي وَتَحُجُّ وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ بِجِمَاعٍ أَعَادَ بِلَا كَفَّارَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ وَأَعَادَ وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ غَيْرَ كَفَّارَةِ الصِّيَامِ وَأَعَادَ؟ قَالَ: قَدْ أَرَى افْتِرَاقَهُمَا فَدَعْ ذِكْرَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِي الْمَرْأَةِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا وَلِيُّهَا أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَيْهَا وَلَا دَمَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، وَتَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ؟ قُلْت إنَّمَا أَقُولُ لَا حَجَّ عَلَيْهَا وَلَا دَمَ عَلَى مَنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْرِمُ فِيهِ وَالْإِحْرَامُ لِهَذَيْنِ جَائِزٌ بِأَحْوَالٍ أَوْ حَالٍ لَيْسَا مَمْنُوعَيْنِ مِنْهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي أَحْرَمَا فِيهِ إنَّمَا كَانَا مَمْنُوعَيْنِ مِنْهُ بِأَنَّ لِبَعْضِ

الْآدَمِيِّينَ عَلَيْهِمَا الْمَنْعَ وَلَوْ خَلَّاهُمَا كَانَ إحْرَامًا صَحِيحًا عَنْهُمَا مَعًا، فَإِنْ قَالَ: فَكَيْفَ قُلْت لَيُهْرِيقَا الدَّمَ فِي مَوْضِعِهِمَا قُلْت: نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ إذْ أُحْصِرَ، فَإِنْ قَالَ: وَيُشْبِهُ هَذَا الْمُحْصَرَ؟ قِيلَ: لَا أَحْسِبُ شَيْئًا أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحْصَرِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ حَالَاتِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى الْمُحْصَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْصَرَ مَانِعٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ بِخَوْفٍ مِنْ الْمَمْنُوعِ فَجَعَلَ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مُتَعَدِّيًا بِالْمَنْعِ، فَإِذَا كَانَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ مَانِعٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ كَانَا مُجَامِعَيْنِ لَهُ فِي مَنْعِ بَعْضِ الْآدَمِيِّينَ وَفِي أَكْثَرَ مِنْهُ، مِنْ أَنَّ الْآدَمِيَّ الَّذِي مَنَعَهُمَا، لَهُ مَنْعُهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْعَبْدِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدَعَهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِذَا مَنَعَهُ فَالْعَبْدُ كَالْمُحْصَرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَيُحِلُّ إذَا كَانَ عَبْدًا غَيْرَ وَاجِدٍ لِلدَّمِ وَمَتَى عَتَقَ وَوَجَدَ ذَبَحَ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فِي الْعَبْدِ قَالَهُ فِي الْحُرِّ يُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ وَهُوَ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَحْلِقُ وَيُحِلُّ وَمَتَى أَيْسَرَ أَدَّى الدَّمَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَإِنْ وَجَدَ الطَّعَامَ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِلَّا صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَالْعَبْدُ بِكُلِّ حَالٍ لَيْسَ بِوَاجِدٍ فَيَصُومُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَاسَهُ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَلَوْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْهَدْيُ أَوْ الطَّعَامُ، فَيُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يُحِلَّ بِدَمٍ يَذْبَحُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ حَلَّ وَذَبَحَ مَتَى وَجَدَ أَوْ جَاءَ بِالْبَدَلِ مِنْ الذَّبْحِ إذَا كَانَ لَهُ بَدَلٌ وَلَا يَحْبِسُ لِلْهَدْيِ حَرَامًا عَلَى أَنْ يُحِلَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْإِحْلَالِ، وَقَاسَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ الْهَدْيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ بَدَلَهُ غَيْرَهُ، وَجَعَلَ فِي الْكَفَّارَاتِ أَبْدَالًا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْمُحْصَرِ الدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ كَانَ شَرْطُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِبْدَالَ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَلْزَمُ وَلَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَجْعَلَ مَا أُنْزِلَ مِمَّا يَلْزَمُ فِي النُّسُكِ مُفَسَّرًا دَلِيلًا عَلَى مَا أُنْزِلَ مُجْمَلًا فَيَحْكُمُ فِي الْمُجْمَلِ حُكْمَ الْمُفَسَّرِ كَمَا قُلْنَا فِي ذِكْرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي قَتْلٍ، مِثْلُهَا رَقَبَةٌ فِي الظِّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُؤْمِنَةً فِيهِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي الشُّهُودِ حِينَ ذُكِرُوا عُدُولًا وَذُكِرُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِمْ الْعُدُولَ: هُمْ عُدُولٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَيْرِ حَيْثُ شَرَطَهُ، فَاسْتَدْلَلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَلِ حُكْمُ الْمُفَسَّرِ إذَا كَانَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْبَدَلُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ وَقَدْ يَأْتِي مَوْضِعٌ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَقُولُ هَذَا فِيهِ: هَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ أَنَّ لَازِمًا أَنْ نَقُولَ هَذَا فِي دَمِ الْإِحْصَارِ كُلَّ الْبَيَانِ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَهُوَ مُجْمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ زَوْجٍ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، تُهِلُّ بِالْحَجِّ إنْ رَاجَعَهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا مَنَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَمْرِهَا وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُتِمَّ عَلَى الْحَجِّ، وَهَكَذَا الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا الثَّيِّبُ تُحْرِمُ يُمْنَعُ وَلِيُّهَا مِنْ حَبْسِهَا وَيُقَالُ لِوَلِيِّهَا: إنْ شِئْت فَاخْرُجْ مَعَهَا وَإِلَّا بَعَثْنَا بِهَا مَعَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِسَاءَ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي سَفَرٍ أَنْ تَخْلُوَ بِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةَ مَعَهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ لَمْ تُبْطِلْ إحْرَامَهَا إذَا أَحْرَمَتْ فِي الْعِدَّةِ؟ قُلْت إذَا كَانَتْ تَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ بِحَالٍ لَمْ أُعَجِّلْ بِإِبْطَالِهِ حَتَّى أَعْلَمَ أَنْ لَا تَجِدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ. وَإِنْ أَهَلَّتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ هِيَ قَدْ أَتَى عَلَى طَلَاقِهَا لَزِمَهَا الْإِهْلَالُ وَمَنَعَهَا الْخُرُوجَ حَتَّى تُتِمَّ عِدَّتَهَا، فَإِنْ انْقَضَتْ خَرَجَتْ، فَإِنْ أَدْرَكَتْ حَجًّا وَإِلَّا حَلَّتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَا تَجْعَلُهَا مُحْصَرَةً بِمَانِعِهَا؟ قُلْت: لَهُ مَنْعُهَا إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا وَبُلُوغُهَا أَيَّامٍ يَأْتِي عَلَيْهَا لَيْسَ مَنْعُهَا بِشَيْءٍ إلَى غَيْرِهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ حَتَّى

باب المدة التي يلزم فيها الحج ولا يلزم

قِيلَ قَدْ يَعْتِقُ قَبْلَ عِتْقِهِ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ غَيْرُهُ لَهُ أَوْ لَا يُحْدِثُهُ وَلَيْسَ كَالْمُعْتَدَّةِ فِيمَا لِمَانِعِهَا مِنْ مَنْعِهَا فَلَوْ أَهَلَّ عَبْدٌ بِحَجٍّ فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ حَلَّ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَمَا يُحِلُّ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ مَضَى فِي إحْرَامِهِ، كَمَا يُحْصَرُ الرَّجُلُ بِعَدُوٍّ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُحِلَّ، فَإِنْ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى يَأْمَنَ الْعَدُوَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحِلَّ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي إحْرَامِهِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَالِكَةً لِأَمْرِهَا أَهَلَّتْ بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ، لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهَا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْعُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي مُضِيِّهَا وَلَا فِي إحْرَامِهَا فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ لِنَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَانَ مَعَهَا فِي حَجِّهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ فَلَمَّا أَهَلَّتْ هَذِهِ بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ كَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ يَمْنَعُهَا وَتَمْضِي فِي حَجِّهَا وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا حَكَى هَذَا الْقَوْلَ فِي قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ؛ فَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا الْمُحْرِمَةِ، وَهَذَا لَهُ فِي كِتَابِ الشِّغَارِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَى وَلِيِّ السَّفِيهَةِ الْبَالِغَةِ إذَا تَطَوَّعَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَكَانَ لَهَا مَالٌ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهَا مَا تَحُجُّ بِهِ إذَا شَاءَتْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَحُجُّ بِهَا أَوْ خَرَجَتْ مَعَ نِسَاءٍ مُسْلِمَاتٍ. [بَابُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْزَمُ فِيهَا الْحَجُّ وَلَا يَلْزَمُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ أَوْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ اسْتَكْمَلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ وَهُمَا غَيْرُ مَغْلُوبَيْنِ عَلَى عُقُولِهِمَا وَاجِدَانِ مَرْكَبًا وَبَلَاغًا، مُطِيقَانِ الْمَرْكَبَ، غَيْرَ مَحْبُوسَيْنِ عَنْ الْحَجِّ بِمَرَضٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَلَا عَدُوٍّ، وَهُمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَلَغَا فِيهِ قَادِرَانِ بِمَوْضِعٍ، لَوْ خَرَجَا مِنْهُ، فَسَارَا بِسَيْرِ النَّاسِ قَدْرًا عَلَى الْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا حَتَّى مَاتَا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ، وَعَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ يُجْزِئُ عَنْهُمَا لَوْ مَضَيَا فِيهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُمَا الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَا بِمَوْضِعٍ يَعْلَمَانِ أَنْ لَوْ خَرَجَا عِنْدَ بُلُوغِهِمَا، لَمْ يُدْرِكَا الْحَجَّ لِبُعْدِ دَارِهِمَا أَوْ دُنُوِّ الْحَجِّ، فَلَمْ يَخْرُجَا لِلْحَجِّ وَلَمْ يَعِيشَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ عَلَيْهِ فَيَدَعُهُ وَهُوَ لَوْ حَجَّ أَجْزَأَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَلَوْ كَانَا إذَا بَلَغَا فَخَرَجَا يَسِيرَانِ سَيْرًا مُبَايِنًا لِسَيْرِ النَّاسِ فِي السُّرْعَةِ حَتَّى يَسِيرَا مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ فِي سَيْرِ الْعَامَّةِ فِي يَوْمٍ، وَمَسِيرَةَ ثَلَاثٍ فِي يَوْمَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَسِيرَا سَيْرًا يُخَالِفُ سَيْرَ الْعَامَّةِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَوْ فَعَلَا كَانَ حَسَنًا، وَلَوْ بَلَغَا عَاقِلَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمَا مَخْرَجُ أَهْلِ بِلَادِهِمَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى عُقُولِهِمَا وَلَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِمَا عُقُولُهُمَا فِي وَقْتٍ لَوْ خَرَجَا فِيهِ أَدْرَكَا حَجًّا، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا إذَا أَتَى عَلَيْهِمَا وَقْتٌ يَعْقِلَانِ فِيهِ ثُمَّ لَمْ تَذْهَبْ عُقُولُهُمَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِمَا وَقْتٌ لَوْ خَرَجَا فِيهِ إلَى الْحَجِّ بَلَغَاهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَبَيْنَ الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ؟ قِيلَ الْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ زَائِلَةٌ فِي مُدَّتِهَا كُلِّهَا، وَالْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ الْعَاقِلِ عَلَى بَدَنِهِ غَيْرُ زَائِلَةٍ فِي مُدَّتِهِ، وَلَوْ حَجَّ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ لَا يُجْزِي عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ لَا يَعْقِلُ عَامِلُهُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] وَلَوْ حَجَّ الْعَاقِلُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَرَضِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ بُلُوغُهُمَا فِي عَامِ جَدْبٍ الْأَغْلَبُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ بِالْعَطَشِ فِي سَفَرِ أَهْلِ نَاحِيَةٍ هُمَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ عَلَفٍ مَوْجُودٍ فِيهِ، أَوْ فِي خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ

باب الاستطاعة بنفسه وغيره

لَا يَقْوَى جَمَاعَةٌ حَاجٌّ مِصْرُهُمَا عَلَيْهِ أَوْ اللُّصُوصُ كَذَلِكَ، أَشْبَهَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَرَادَ فِيهِ الْحَجَّ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لَهُ، فَيَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ الْحَجُّ بِتَغَيُّرِ هَذَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ أَوَّلَ مَا بَلَغَ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَنَحَرَ وَحَلَّ دُونَ مَكَّةَ وَرَجَعَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ حَتَّى يَمُوتَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، وَلَوْ كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الْحَائِلِ فِي الْبِرِّ، وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ، فَيَكُونُ لَهُ طَرِيقًا، أَحْبَبْت لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ، وَلَوْ بَلَغَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى عُقُولِهِمَا فَلَمْ يُفِيقَا فَتَأْتِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَعْقِلَانِ فِيهَا وَيُمْكِنُهُمَا الْحَجُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا بَلَغَا مَعًا فَمَنَعَا الْحَجَّ بِعَدُوٍّ حَائِلٍ بَيْنَ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مَعًا وَبَيْنَ الْحَجِّ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمَا مُدَّةُ وَقْتِ الْحَجِّ، يَقْدِرَانِ هُمَا وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا فِيهِ عَلَى الْحَجِّ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا يُقْضَى عَنْهُمَا إنْ مَاتَا قَبْلَ تَمَكُّنِهِمَا أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مِنْ الْحَجِّ، وَلَوْ حِيلَ بَيْنَهُمَا خَاصَّةً بِحَبْسٍ عَدُوٍّ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ غَيْرُهُمَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَا وَلَمْ يَحُجَّا كَانَ هَذَانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الِاسْتِطَاعَةُ بِغَيْرِهِمَا وَيُقْضَى الْحَجُّ عَنْهُمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حُبِسَ بِبَلَدِهِ أَوْ فِي طَرِيقِهِ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَنٍ لَا بِعِلَّةِ غَيْرِهِ وَعَاشَ حَتَّى الْحَجِّ غَيْرَ صَحِيحٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغَانِ إذَا لَمْ يَقْدِرَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ بِأَبْدَانِهِمَا وَهُمَا قَادِرَانِ بِأَمْوَالِهِمَا وَفِي نَاحِيَتِهِمَا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُهُمَا ثُمَّ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَحُجَّا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ، إنَّمَا يَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا عَلَى الْحَجِّ بِبَعْضِ مَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا خَالَفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُحْصَرِ بِمَا ذَكَرْت مِنْ عَدُوٍّ وَحَدَثٍ؟ قِيلَ ذَلِكَ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحَجِّ وَلَا إلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ غَيْرَهُ فِي مَعْنَاهُ فِي خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالْهَلَكَةِ بِالْجَدْبِ وَالزَّمِنِ وَالْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِنَفْسِهِ فَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ صَحِيحٌ غَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَحْبِسَهُ سُلْطَانٌ عَنْ حَجٍّ أَوْ لُصُوصٌ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ فَيَمُوتُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي أَقْرَبُ مِنْ الْعُذْرِ مِنْ هَذَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إذَا وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ. [بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمَّا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا» دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَطِيعَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ بِعَارِضِ كِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ أَوْ فِطْرَةِ خِلْقَةٍ، لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَرْكَبِ وَيَكُونُ مَنْ يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ، إمَّا بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ، وَإِمَّا بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ إذَا وَجَدَ، أَوْ يَأْمُرَ إنْ أُطِيعَ، وَهَذِهِ إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الرَّجُلِ يُسَلِّمُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَرْكَبِ أَوْ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ كَذَلِكَ أَوْ الْعَبْدِ يُعْتَقُ كَذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَحْمَلِ بِلَا ضَرَرٍ وَكَانَ وَاجِدًا لَهُ أَوْ لِمَرْكَبِ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى غَيْرِهِ، أَنْ يَرْكَبَ الْمَحْمَلَ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَرْكَبِ. وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَجِدُ مُطِيعًا وَلَا مَالًا، فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ بِالْبَدَنِ وَلَا بِالطَّاعَةِ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَجِمَاعُ الطَّاعَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْحَجَّ وَتَفْرِيعُهَا اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمُرَ فَيُطَاعُ بِلَا مَالٍ، وَالْآخَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يُطِيعُهُ، فَتَكُونُ إحْدَى الطَّاعَتَيْنِ، وَلَوْ تَحَامَلَ فَحَجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَرَجَوْت أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ

باب الحال التي يجوز أن يحج فيها الرجل عن غيره

يَخِفُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا إذْ أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْفَرْضَ إذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ، إذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَالْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ الْحَجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى هَذَا الَّذِي لَوْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ بِحَالٍ أَجْزَأَهُ، وَالْمَيِّتُ لَا يَكُونُ فِيهِ تَكَلُّفٌ أَبَدًا. [بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فَاحْتَمَلَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ فَرْضَيْنِ، أَحَدُهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْبَدَنِ، وَالْآخَرُ فَرْضٌ فِي الْمَالِ، فَلَمَّا كَانَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْأَبَدَانِ عَلَيْهَا لَا يَتَجَاوَزُهَا، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُصْرَفُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا بِحَالٍ، وَكَانَ الْمَرِيضُ يُصَلِّي كَمَا رَأَى، وَيَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ، وَتَحِيضُ الْمَرْأَةُ فَيَرْتَفِعُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَالْحَيْضِ، وَلَا يُجْزِي الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ صَلَاةٌ صَلَّاهَا وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تُجْزِيهَا صَلَاةٌ صَلَّتْهَا وَهِيَ حَائِضٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُمَا غَيْرُهُمَا فِي حَالِهِمَا تِلْكَ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، كَانَ هَذَا كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ، وَكُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى الْمَرْءِ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَكَانَ مَا سِوَى هَذَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجَّهُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَعْتَمِرَ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا، كَانَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ أَوْصَى رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ تَطَوُّعًا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: إنْ حَجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِوَصِيَّةٍ فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ فَاسِدَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ مِمَّا أَخَذَ عَلَيْهِ وَيَلْحَقُ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ نَقَصَهُ كَمَا يَقُولُ فِي كُلِّ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَالْآخَرُ أَنْ لَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَمَرَ الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْوَاجِبِ، دَلَّ هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ عَلَى الْأَبَدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَا لَا يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ، مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ مِثْلُ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، وَالْآخَرُ النُّسُكُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَكُونُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ إذَا صَارَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْحَجِّ، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ، وَالْمُتَطَوِّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ هِيَ الْحَالُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْ نَفْسِهِ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا فَتَطَوَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ بِكُلِّ نُسُكٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ عَمِلَهُمَا مُطِيقًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مُطِيقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَطَاءٍ قَالَ: رُبَّمَا أَمَرَنِي عَطَاءٌ أَنْ أَطُوفَ عَنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الطَّوَافَ مِنْ النُّسُكِ وَأَنَّهُ يُجْزِي أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فِي أَيِّ حَالٍ مَا كَانَ، وَلَيْسَ نَقُولُ بِهَذَا، وَقَوْلُنَا لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَالْمَعْمُولُ عَنْهُ غَيْرُ مُطِيقٍ الْعَمَلَ، بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى أَنْ يُطِيقَ بِحَالٍ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، لِمَا

باب من ليس له أن يحج عن غيره

وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ وَالْمُتَطَوَّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ (قَالَ) : وَمَنْ وُلِدَ زَمَنًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَرْكَبٍ، مُحَمَّلٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ كَانَ عَبْدًا فَعَتَقَ، أَوْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فَلَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا الْحَجُّ حَتَّى يَصِيرَ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ إجَارَةٍ، وَإِذَا أَمْكَنَهُ مَرْكَبُ مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِبَدَنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ إلَّا فِي مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ وَكَيْفَمَا قَدَرَ عَلَى الْمَرْكَبِ وَأَيِّ مَرْكَبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ (قَالَ) : وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى عَرَضَ لَهُ هَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إلَى الْحَالِ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحُجَّ فِيهَا عَمَّنْ بَلَغَهَا (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهُ، لَمْ أَرَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ فَيَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَهْرَمَ فَيُحَجَّ عَنْهُ أَوْ يَمُوتَ فَيُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَرِيضِ الْمُضْنَى وَبَيْنَ الْهَرِمِ أَوْ الزَّمِنِ؟ قِيلَ لَهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ عَلِمْته بَعْدَ هَرَمٍ لَا يَخْلِطُهُ سَقَمٌ غَيْرُهُ إلَى قُوَّةٍ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمَرْكَبِ، وَالْأَغْلَبُ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ أَنَّهُمْ كَالْهَرِمِ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّقَمِ فَنَرَاهُمْ كَثِيرًا يَعُودُونَ إلَى الصِّحَّةِ (قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ زَمِنٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ زَمَانَتُهُ، ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَذِنَّا لَهُ عَلَى ظَاهِرِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْهُ الْمَقْدِرَةُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ بِبَدَنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : وَلَوْ بَعَثَ السَّقِيمُ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ بَرِئَ وَعَاشَ بَعْدَ الْبُرْءِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَذَلِكَ الزَّمِنُ وَالْهَرِمُ (قَالَ) : وَالزَّمَنُ وَالزَّمَانَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهَا وَالْهَرَمُ، فِي هَذَا الْمَعْنَى. ثُمَّ يُفَارِقُهُمْ الْمَرِيضُ، فَلَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ وَنَأْمُرُ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ أَنْ يَبْعَثَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُمَا، فَإِنْ بَعَثَ الْمَرِيضُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَعَثَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ فِيهَا، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَبِهِ آخُذُ. وَالثَّانِي أَنَّهَا مُجْزِيَةٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ عَنْهُ حُرٌّ بَالِغٌ وَهُوَ لَا يُطِيقُ، ثُمَّ لَمْ يَصِرْ إلَى أَنْ يَقْوَى عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ. [بَابُ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عَنْ فُلَانٍ وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْهُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ " لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " وَيْحَك وَمَا شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ فَذَكَرَ قَرَابَةً لَهُ فَقَالَ " أَحَجَجْت عَنْ نَفْسِك " فَقَالَ: لَا قَالَ " فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا فَفِي ذَلِكَ دَلَائِلُ مِنْهَا مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهَا إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ، وَإِذَا أَمَرَهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ فَكَانَ فِي

باب الإجارة على الحج

الْحَالِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ وَكَانَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، فَأَبَانَ أَنَّ الْعَمَلَ عَنْ بَدَنِهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ، يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ فَيُجْزِئُ عَنْهُ وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَسَوَاءٌ مَنْ حَجَّ عَنْهُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً تَحُجُّ عَنْ رَجُلٍ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فِي الْإِحْرَامِ كُلِّهِ إلَّا اللَّبُوسَ، فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي بَعْضِهِ، فَالرَّجُلُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ حَجُّهُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ وَكُلٌّ جَائِزٌ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا كَتَبْنَا مِمَّا يُسْتَغْنَى فِيهِ بِنَصِّ الْخَبَرِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ إلَّا وَهُوَ غَيْرُ مُطِيقٍ بِبَدَنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ وَاجِبًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ذُو رَحِمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مَنْ كَانَ، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى زَادٍ وَمَرْكَبٍ، وَإِنْ كَانَ بَدَنُهُ صَحِيحًا فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَيْسَرَ قَبْلَ الْحَجِّ بِمُدَّةٍ لَوْ خَرَجَ فِيهَا لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ يُقْضَى، وَلَوْ أَيْسَرَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْحَجُّ فَأَقَامَ مُوسِرًا إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَلَمْ يَدْنُ الْوَقْتُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَهْلُ بَلَدِهِ لِمُوَافَاةِ الْحَجِّ حَتَّى صَارَ لَا يَجِدُ زَادًا وَلَا مَرْكَبًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ حَجِّهِ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَ حَجٍّ آخَرَ يُوسِرُ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، إنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَقْتُ حَجٍّ بَعْدَ بُلُوغٍ وَمَقْدِرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا مَحْبُوسًا عَنْ الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُهُ، أَوْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. [بَابُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ يَحُجُّ عَنْهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَرْكَبِ لِضَعْفِهِ وَكَانَ ذَا مَقْدِرَةٍ بِمَالِهِ وَلِوَارِثِهِ بَعْدَهُ، وَالْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ جَائِزَةٌ جَوَازُهَا عَلَى الْأَعْمَالِ سِوَاهُ، بَلْ الْإِجَارَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْبِرِّ خَيْرٌ مِنْهَا عَلَى مَا لَا بِرَّ فِيهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْإِجَارَةِ مَا أَعْطَى، وَإِنْ كَثُرَ كَمَا يَأْخُذُهَا عَلَى غَيْرِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ دَمُ الْقِرَانِ عَلَى الْأَجِيرِ وَكَانَ زَادُ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِحَجٍّ وَزَادَ مَعَهُ عُمْرَةً وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ، وَالْحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ شُرِطَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى أَنْ يَقُولَ تَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا حَتَّى يَقُولَ تُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ. فَإِذَا لَمْ يَقُلْ هَذَا فَالْإِجَارَةُ مَجْهُولَةٌ، وَإِذَا وَقَّتَ لَهُ مَوْضِعًا يُحْرِمُ مِنْهُ فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا إجَارَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ سَفَرِهِ، وَتُجْعَلُ الْإِجَارَةُ لَهُ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ، فَإِنْ أَهَلَّ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ لَمْ تُحْسَبْ الْإِجَارَةُ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَلَا إجَارَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي الْحَجِّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ حُسِبَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ مِنْ يَوْمِ أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ وَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ إذَا لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِلْحَجِّ فَتَرَكَ الْإِحْرَامَ وَالتَّلْبِيَةَ وَعَمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ أَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ إذَا قَالَ لَمْ أُحْرِمْ بِالْحَجِّ أَوْ قَالَ اعْتَمَرْت وَلَمْ أَحُجَّ أَوْ قَالَ اُسْتُؤْجِرْت عَلَى الْحَجِّ فَاعْتَمَرْت فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ فَأَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْإِجَارَةِ مُبْطِلٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ عَلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ سَفَرِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُهِلَّ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ فَفَعَلَ فَقَدْ قَضَى بَعْضَ مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِحْرَامُهُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى

أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ الْيَمَنِ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا يُجْزِيهِ إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ مِنْهُ فَيُهِلُّ عَنْهُ بِالْحَجِّ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهِلَّ فَبَلَغَ الْمِيقَاتَ فَأَهَلَّ مِنْهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِلَّا أَهَرَاقَ دَمًا، وَذَلِكَ مِنْ مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَرُدُّ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُ مَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ نَقَصَهُ، وَلَا يُحْسَبُ الدَّمُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ كَانَ وَيُجْزِئُهُ الْحَجُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُهِلَّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْهُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ، كَانَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ مِنْ الْحَجِّ وَقَدْ قِيلَ لَا أَجْرَ لَهُ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ فِي الْحَاجِّ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَسْتَوْجِبُ مِنْ الْإِجَارَةِ شَيْئًا إلَّا بِكَمَالِ الْحَجِّ وَهَذَا قَوْلٌ يُتَوَجَّهُ، وَالْقِيَاسُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ حَظًّا مِنْ الْإِجَارَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قَابِلٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْ غَيْرِهِ حَجًّا فَاسِدًا، وَإِذَا صَارَ الْحَجُّ الْفَاسِدُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ حَجَّهُ عَنْ غَيْرِهِ كَانَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَخَذَ الْإِجَارَةَ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ رَدَّهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَ فِي الْحَجِّ مَا عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ كَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِيمَا أَصَابَ وَالْإِجَارَةُ لَهُ. وَلَوْ اسْتَأْجِرْهُ لِلْحَجِّ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ ثُمَّ دَخَلَ فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ أَنَّ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ أَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى بُلُوغِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ فِي سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَلَغَ مِنْ سَفَرِهِ فِي حَجِّهِ الَّذِي لَهُ الْإِجَارَةُ حَتَّى صَارَ غَيْرَ حَاجٍّ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَجِّ وَصَارَ يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَأَهَلَّ عَنْهُ مِنْهُ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ رَجُلٍ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ عَنْهُ مِنْهُ إنْ كَانَ الْمِيقَاتُ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ بِعَيْنِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْهُ أَجْزَأَتْ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَ مِيقَاتَهُ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ الْحَجُّ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ مِنْ مَالِهِ وَرَجَعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ بِهِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِمَّا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَتَمَتَّعَ عَنْهُ فَأَفْرَدَ أَجْزَأَتْ الْحَجَّةُ عَنْهُ وَرَجَعَ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُفْرِدَ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ زَادُهُ عُمْرَةً وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمُ الْقِرَانِ وَهُوَ كَرَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فَعَمِلَهُ، وَزَادَ آخَرَ مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِهَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَقْرِنَ عَنْهُ فَأَفْرَدَ الْحَجَّ أَجْزَأَ عَنْهُ الْحَجُّ وَبَعَثَ غَيْرَهُ يَعْتَمِرُ عَنْهُ إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الْوَاجِبَةُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى

باب من أين نفقة من مات ولم يحج

عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّةٍ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَدَّ جَمِيعَ الْإِجَارَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سَفَرَهُمَا وَعَمَلَهُمَا وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَلَا يَأْتِي بِعَمَلِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ جَامِعًا بَيْنَ عَمَلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَعًا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَحَدَهُمَا عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَا مَعًا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ نَفْسِهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ عَمَلُ نَفْسِهِ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ مَيِّتٍ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ الْحَجُّ عَنْ الَّذِي نَوَى الْحَجَّ عَنْهُ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْأُجْرَةِ وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبْطِلٌ لَهَا لِتَرْكِ حَقِّهِ فِيهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ أَبَوَيْهِمَا، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا مَعًا كَانَ مُبْطِلًا لِإِجَارَتِهِ، وَكَانَ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ، لَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا كَانَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَطَلَتْ إجَارَتُهُ. وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ فَتَطَوَّعَ مُتَطَوِّعٌ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِوَصِيِّهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا لِيَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ وَلَا أَنْ يُعْطِيَ هَذَا شَيْئًا لِحَجِّهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَجَّ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا، وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ أُمِّهِ وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ لَنَذَرَ نَذْرَهُ أَبُوهُ دَلَّ هَذَا دَلَالَةً بَيِّنَةً أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُحْرِمَ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذَا كَانَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ أَكْمَلُ إحْرَامًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَإِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِ الرَّجُلِ فَأَيُّ رَجُلٍ حَجَّ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ حَجَّتْ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ، إذَا كَانَ الْحَاجُّ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. [بَابُ مِنْ أَيْنَ نَفَقَةُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ] َّ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْحَجَّةُ الْوَاجِبَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ، فَإِنْ أَوْصَى حُجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ الثُّلُثَ وَبُدِئَ عَلَى الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ إذَا أَنْزَلْت الْحَجَّ عَنْهُ وَصِيُّهُ حَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا وَلَمْ يَبْدَأْ غَيْرَهُ مِنْ الْوَصَايَا، وَمَنْ قَالَ هَكَذَا فَكَانَ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ بَدَأَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَمَنْ قَالَ هَذَا قَضَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْهُ بِأَقَلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنْ يُسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِيقَاتِهِ أَوْ قُرْبِهِ لِتَخِفَّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ رَجُلٌ مِنْ بَلَدِهِ إذَا كَانَ بَلَدُهُ بَعِيدًا إلَّا أَنْ يُبَدَّلَ ذَلِكَ بِمَا يُوجَدُ بِهِ رَجُلٌ قَرِيبٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ فِي الْحَجِّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ وَرَآهُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَقَالَهُ فِي كُلِّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَهُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِيهِ مِثْلُ زَكَاةِ الْمَالِ وَمَا كَانَ، لَا يَكُونُ أَبَدًا إلَّا وَاجِبًا عَلَيْهِ شَاءَ أَوْ كَرِهَ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ هُوَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إنَّمَا وَجَبَتْ لَهُمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَمَرَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صِنْفٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ فَجَمَعَ أَنْ وَجَبَ وُجُوبَ الْحَجِّ بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت لِلْآدَمِيّين، وَمَنْ قَالَ هَذَا بَدَأَ هَذَا عَلَى جَمِيعِ مَا مَعَهُ مِنْ الْوَصَايَا وَالتَّدْبِيرِ وَحَاصَّ بِهِ أَهْلَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَرَثَةِ إذَا جَعَلَهُ اللَّهُ وَاجِبًا وُجُوبَ

باب الحج بغير نية

مَا لِلْآدَمِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَهُ فِي الْحَجِّ إنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَّا مَرِيضًا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ مَرِيضًا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَا وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ فَأَمَّا مَا لَزِمَهُ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ أَوْصَى بِهِ فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا وَقِيلَ بَلْ لَازِمٌ وَمَا لَزِمَهُ مِنْ شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ وَهُوَ وَاجِدٌ فَقَدْ يُخَالِفُ مَا لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَخْتَلِفَانِ فِي هَذَا، وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ كُلًّا مِنْهُمَا فَأَوْجَبَ هَذَا وَأَوْجَبَ إقْرَارَ الْآدَمِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُمَا لَازِمَانِ مَعًا وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ. [بَابُ الْحَجِّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُحِبُّ أَنْ يَنْوِيَ الرَّجُلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ دُخُولِهِ فِيهِمَا كَمَا أُحِبُّ لَهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يَنْوِي أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أَوْ يَنْوِي أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ أَحْرَمَ فَقَالَ: إحْرَامِي كَإِحْرَامِ فُلَانٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عَنْهُ فَكَانَ فُلَانٌ مُهِلًّا بِالْحَجِّ كَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ حَاجًّا وَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قُلْت فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ وَغَيْرَهُ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «قَدِمَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ سِعَايَتِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَ أَهْلَلْت يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا أَتَى الْبَيْدَاءَ فَنَظَرْت مَدَّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ رَاكِبٍ وَرَاجِلٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ وَرَائِهِ كُلُّهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ يَلْتَمِسُ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْوِي إلَّا الْحَجَّ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ وَلَا يَعْرِفُ الْعُمْرَةَ فَلَمَّا طُفْنَا فَكُنَّا عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا أَهْدَيْت فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ» ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقِمْ عَلَى إحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْت، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يُحْلِلْ» ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ لَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْت مَا هَذَا؟ قَالُوا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ» ، قَالَ يَحْيَى فَحَدَّثْت بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: جَاءَتْك وَاَللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ وَالْقَاسِمُ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا يُخَالِفُ مَعْنَاهُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْت فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَالَك أَنُفِسْت: فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ قَالَتْ

وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ سَمِعُوا طَاوُسًا يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ لَا يُسَمِّي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَكِنَّنِي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْت هَدْيِي فَلَيْسَ لِي مَحِلٌ دُونَ مَحِلِ هَدْيِي فَقَامَ إلَيْهِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ أَعُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ لِأَبَدٍ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ وَدَخَلَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْت؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُوسٍ: إهْلَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْآخَرُ: لَبَّيْكَ حَجَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ فَعَقَدُوا الْإِحْرَامَ لَيْسَ عَلَى حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا قِرَانٍ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ الْقَضَاءُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَبَّى عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِالْيَمَنِ وَقَالَا فِي تَلْبِيَتِهِمَا " إهْلَالٌ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمَا بِالْمُقَامِ عَلَى إحْرَامِهِمَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ فَرِيضَةً بِعَيْنِهَا وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَيُجْزِئُ بِالسُّنَّةِ الْإِحْرَامُ، فَلَمَّا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُهِلَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَجًّا بِعَيْنِهِ وَيُحْرِمَ بِإِحْرَامِ الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ كَانَتْ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا كَانَ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُهْلِلْ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ كَانَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ هَذَا مَعْقُولًا فِي السُّنَّةِ مُكْتَفًى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت فِيهِ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْيًا لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَّصِلًا (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ إلَّا حُرٌّ بَالِغٌ مُسْلِمٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ بَالِغٌ وَلَا حُرٌّ غَيْرُ بَالِغٍ إذَا كَانَ حَجُّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُجْزِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) : وَأَمْرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ، فَيُعْتَمَرُ عَنْ الرَّجُلِ كَمَا يُحَجُّ عَنْهُ، وَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْهُ إلَّا مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَأَمَرَهُ رَجُلٌ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ فَحَجَّ عَنْهُ وَاعْتَمَرَ أَجْزَأَتْ الْمُعْتَمِرَ عَنْهُ الْعُمْرَةُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ الْحَجَّةُ، وَهَكَذَا لَوْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَاعْتَمَرَ، أَجْزَأَتْ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ الْحَجَّةُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ الْعُمْرَةُ، وَيُجْزِيهِ أَيُّ النُّسُكَيْنِ كَانَ الْعَامِلُ عَمِلَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَمِلَهُ عَنْهُ، وَلَا يُجْزِيهِ النُّسُكُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْهُ الْعَامِلُ عَنْ نَفْسِهِ. وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ أَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا وَاحِدًا يُقْرِنُ عَنْهُ وَأَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ اثْنَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ يَحُجُّ هَذَا عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ هَذَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ امْرَأَةً وَرَجُلًا (قَالَ) : وَهَذَا فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا وَصَفْت يُجْزِي رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ رَجُلٍ وَقَدْ قِيلَ إذَا أَجْزَأَ فِي الْفَرْضِ أَجْزَأَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِالْحَجِّ عَنْهُ وَقَدْ قِيلَ يَحُجُّ الْفَرْضَ فَقَطْ بِالسُّنَّةِ وَلَا يَحُجُّ عَنْهُ نَافِلَةً وَلَا يَعْتَمِرُ نَافِلَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ يَحُجُّ الْمَرْءُ عَنْ الْمَرْءِ مُتَطَوِّعًا قَالَ: إذَا كَانَ أَصْلُ الْحَجِّ مُفَارِقًا لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَانَ الْمَرْءُ يَعْمَلُ عَنْ الْمَرْءِ الْحَجَّ فَيُجْزِي عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُطِيقُ فِيهَا الْحَجَّ، فَكَذَلِكَ يَعْمَلُهُ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النُّسُكِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَطَاءٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عَطَاءٌ: طُفْ عَنِّي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ إلَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا الْمَحْجُوجُ عَنْهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ،

باب الوصية بالحج

وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَجَّ عَنْ رَجُلٍ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ هَكَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عُذِرَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ بِتَأْدِيَةِ الْفَرْضِ وَمَا جَازَ فِي الضَّرُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا، لَمْ يُجْزِ، مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ فَحَلَّ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا عُمْرَةِ نَذْرٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُمْرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ حَجًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَجَّ سُنَّةً فَلَا يَدْخُلُ فِي حَجِّ سُنَّةٍ غَيْرِهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ إهْلَالُهُ عُمْرَةً يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِهْلَالِ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَمَّا أَهَلَّ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْعُمْرَةُ فِيهِ مُبَاحَةً وَالْحَجُّ مَحْظُورًا كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُهِلِّ بِالْحَجِّ وَالْحَجُّ مُبَاحٌ لَهُ فَيَفُوتُهُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ الْحَجِّ كَانَ حَجًّا، وَابْتِدَاءُ هَذَا الْحَجِّ كَانَ عُمْرَةً، وَإِذَا أَجْزَأَتْ الْعُمْرَةُ بِلَا نِيَّةٍ لَهَا أَنَّهَا عُمْرَةٌ أَجْزَأَتْ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ وَكَانَ إهْلَالُهُ عُمْرَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا تَصْلُحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَالْحَجُّ يَفُوتُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي عَامٍ فَحَبَسَهُ مَرَضٌ أَوْ خَطَأُ عَدَدٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مَا خَلَا الْعَدُوُّ أَقَامَ حَرَامًا حَتَّى يُحِلَّ مَتَى حَلَّ، وَلَمْ تَفُتْهُ الْعُمْرَةُ مَتَى وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ فَعَمِلَ عَمَلَهَا (قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِلَا إجَارَةٍ ثُمَّ أَرَادَ الْإِجَارَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَعْتَمِرُ عَنْهُ فِي شَهْرٍ فَاعْتَمَرَ فِي غَيْرِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فِي سَنَةٍ فَحَجَّ فِي غَيْرِهَا كَانَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ وَكَانَ مُسِيئًا بِمَا فَعَلَ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ وَعَلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهِيَ عَلَى عَمَلِ الْخَيْرِ أَجْوَزُ مِنْهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِخَيْرٍ وَلَا بِرٍّ مِنْ الْمُبَاحِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحُجَّةُ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْخَيْرِ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ» (قَالَ) : وَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَالْأَثْمَانِ. [بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَحَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ أَحَدٌ يَحُجُّ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَيَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ مِمَّنْ هُوَ أَمِينٌ عَلَى الْحَجِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَرُدُّ عَنْ الْوَارِثِ وَصِيَّةً بِهَذَا إنَّمَا هَذِهِ إجَازَةٌ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَحَجُّوهُ بِكَذَا أَبْطَلَ كُلَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ لَمْ أُحِجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ يَحُجُّ بِهَا عَنْهُ، فَإِنْ حَجَّ فَذَلِكَ لَهُ وَمَا زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُحِجَّ عَنْهُ أَحَدًا لَا بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي مِنْ رَأْيِ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَأَى فُلَانٌ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ لَهُ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ إلَّا بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِفُلَانٍ رَأْيُ غَيْرِ وَارِثٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَجَزْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَجَجْت عَنْهُ رَجُلًا

بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: أَوَّلُ وَاحِدٍ يَحُجُّ عَنِّي فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَحَجَّ عَنْهُ غَيْرُ وَارِثٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ وَارِثٌ فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ يَعْتَمِرُ بِمَا شَاءَ كَانَ ذَلِكَ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا حَجَّ عَنْهُ أَوْ اعْتَمَرَ، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ لَمْ يَقْضِ ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ الْحَجَّ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْإِجَارَةَ كُلَّهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَفَاتَهُ الْحَجُّ، وَكَذَلِكَ الْفَسَادُ فِي الْعُمْرَةِ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ يَعْتَمِرُ فَاصْطَادَ صَيْدًا أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ فَعَلَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ شَيْئًا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَدَى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَكَانَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ وَانْظُرْ إلَى كُلِّ مَا كَانَ يَكُونُ حَجُّهُ لَوْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ قَاضِيًا عَنْهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ جَعَلَتْهُ قَاضِيًا عَنْ غَيْرِهِ وَلَهُ الْإِجَارَةُ كَامِلَةً فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِدْيَةُ كُلِّ مَا أَصَابَ (قَالَ) : وَهَكَذَا وَلِيُّ الْمَيِّتِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحُجّ عَنْ الْمَيِّتِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ زَادُهُ خَيْرًا لَهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ دَمُ الْقِرَانِ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ أَوْ يَعْتَمِرُ فَحَجَّ رَدَّ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَمَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ عَمِلَ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ وَالْحَجُّ غَيْرُ الْعُمْرَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ الْحَجِّ (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ عَادَ فَحَجَّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ (قَالَ) : وَلَوْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، لَمْ تَكُنْ حَجَّتُهُ كَامِلَةً عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَحَجَّ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ (قَالَ) : وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ حَاجًّا عَنْ رَجُلٍ فَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَأَتَى عَلَى مِيقَاتٍ فِي طَرِيقِهِ غَيْرَ مِيقَاتِ الرَّجُلِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَمَضَى عَلَى حَجِّهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ) : وَيُجْزِي الْحَاجَّ عَنْ الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَنْهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ كَمَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُتَطَوِّعُ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ كَالْمُسْتَأْجِرِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ يُجْزِيهِ فِي كُلِّ مَا أَجْزَأَهُ عَنْهُ كَمَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ كُلَّ مَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ إلَّا أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا يَرُدُّ إجَارَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا (قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ فَحَجَّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا وَرَدَّ الْإِجَارَةَ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْوَصِيُّ لِلْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُحِجَّ الْمَيِّتُ بَعْضَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ عَنْهُ أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أَوْ لَمْ يُوصِ، وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ فَسَوَاءٌ وَيُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ الْحَجَّةُ وَالْعُمْرَةُ الْوَاجِبَتَانِ أَوْصَى بِهِمَا أَوْ لَمْ يُوصِ كَمَا يُؤَدَّى عَنْهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْحَاجِّ اخْتَرْت أَنْ يُعْطَاهُ فُقَرَاءُ الْحَاجِّ وَلَا أَعْلَمُهُ يَحْرُمُ أَنْ يُعْطَاهُ غَنِيٌّ مِنْهُمْ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ تَطَوُّعًا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالْآخَرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنْهُ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ رَدَّ وَصِيَّتَهُ فَجَعَلَهَا مِيرَاثًا (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: حُجَّ عَنْ فُلَانٍ الْمَيِّتِ بِنَفَقَتِك، دَفَعَ إلَيْهِ النَّفَقَةَ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا، كَانَ هَذَا غَيْرَ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُجْرَةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَإِنْ حَجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ لِوَارِثٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْ الْإِجَارَةِ مَا زَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ مِنْ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ.

باب ما يؤدى عن الرجل البالغ الحج

[بَابُ مَا يُؤَدَّى عَنْ الرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحَجُّ] ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَصَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ إلَى أَنْ يَحُجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا مَقْدِرَةَ لَهُ بِذَاتِ يَدِهِ فَحَجَّ مَاشِيًا فَهُوَ مُحْسِنٌ بِتَكَلُّفِهِ شَيْئًا لَهُ الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِهِ وَحَجَّ فِي حِينٍ يَكُونُ عَمَلُهُ مُؤَدِّيًا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ يَخْدُمُهُ وَحَجَّ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ أُؤَاجِرُ نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ هَلْ يُجْزِئُ عَنِّي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202] . (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ وَغَيْرُهُ يَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ حَاجٌّ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ فِي عَامٍ أَخْطَأَ النَّاسُ فِيهِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ حَجَّهُمْ يَوْمَ يَحُجُّونَ كَمَا فِطْرُهُمْ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَأَضْحَاهُمْ يَوْمَ يُضَحُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا الظَّاهِرَ فِيمَا يَغِيبُ عَنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ رَجُلٌ أَهْلَهُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحِلَاقِ كَانَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَكَانَ حَجُّهُ تَامًّا، وَهَكَذَا لَوْ دَخَلَ عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ وَأَهْرَاقَ دَمًا، وَهَكَذَا كُلُّ مَا فَعَلَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي إحْرَامِهِ غَيْرُ الْجِمَاعِ كَفَّرَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. [بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَالْمَمْلُوكِ يَعْتِقُ وَالذِّمِّيُّ يُسْلِمُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا بَلَغَ غُلَامٌ أَوْ عَتَقَ مَمْلُوكٌ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ بِعَرَفَةَ أَوْ مُزْدَلِفَةَ فَأَحْرَمَ أَيْ هَؤُلَاءِ صَارَ إلَى هَذِهِ الْحَالِ بِالْحَجِّ ثُمَّ وَافَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَاقِفًا بِهَا أَوْ غَيْرَ وَاقِفٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ وَالْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِالْحَجِّ يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهِمَا فَرْضَ الْحَجِّ أَوْ النَّافِلَةَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُمَا ثُمَّ عَتَقَ هَذَا وَبَلَغَ هَذَا قَبْلَ عَرَفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ أَوْ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ أَيْنَ كَانَا فَرَجَعَا إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ احْتَاطَا بِأَنْ يُهْرِيقَا دَمًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ دَمٍ يُهْرِيقُهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لَيْسَ بِإِحْرَامٍ وَلَوْ أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ ثُمَّ عَتَقَ فَوَافَى عَرَفَةَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَهِيَ تَجُوزُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا مَضَى فِيهَا فَاسِدَةً وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَيُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ إذَا قَضَاهَا فَالْقَضَاءُ عَنْهُ يُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ لَمْ يَبْلُغْ: يُهِلُّ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُصِيبُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ ثُمَّ يَحْتَلِمُ بِعَرَفَةَ يَمْضِي فِي حَجِّهِ وَلَا أَرَى هَذِهِ الْحَجَّةَ مُجْزِئَةً عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ لَهُ حَجًّا فَالْحَاجُّ إذَا جَامَعَ أَفْسَدَ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ وَبَدَنَةٌ، فَإِذَا جَاءَ بِبَدَلٍ وَبَدَنَةٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (قَالَ) : وَلَوْ أَهَلَّ ذِمِّيٌّ أَوْ كَافِرٌ مَا كَانَ هَذَا بِحَجٍّ ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ عَرَفَةَ وَبَعْدَ الْجِمَاعِ فَجَدَّدَ إحْرَامًا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ دُونِهِ وَأَهْرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا فِي حَالِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا زَعَمْت أَنَّهُ كَانَ فِي إحْرَامِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، أَفَكَانَ الْفَرْضُ عَنْهُ مَوْضُوعًا؟ قِيلَ: لَا، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ

باب الرجل ينذر الحج أو العمرة

يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِرَسُولِهِ وَيُؤَدِّي الْفَرَائِضَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ أَسْلَمَ اسْتَأْنَفَ الْفَرَائِضَ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي الشِّرْكِ مِنْهَا وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتَقَامَ، فَلَمَّا كَانَ إنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الْأَعْمَالَ وَلَا يَكُونُ عَامِلًا عَمَلًا يُكْتَبُ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَانَ مَا كَانَ غَيْرَ مَكْتُوبٍ لَهُ مِنْ إحْرَامِهِ لَيْسَ إحْرَامًا وَالْعَمَلُ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ الْبَالِغِ، وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّغِيرِ: لَهُ حَجٌّ، فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَاجٌّ وَأَنَّ حَجَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَكْتُوبٌ لَهُ. [بَابُ الرَّجُلِ يَنْذُرُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً بِنَذْرٍ فَحَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ يُرِيدُ قَضَاءَ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ الَّتِي نَذَرَ، كَانَ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ الَّتِي نَوَى بِهَا قَضَاءَ النَّذْرِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةِ النَّذْرِ بَعْدَ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَقْضِ النَّذْرَ وَلَا الْوَاجِبَ قُضِيَ عَنْهُ الْوَاجِبُ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ سَعَةٌ أَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ قَضَى النَّذْرَ عَنْهُ بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِإِجَارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ يَنْوِي عَنْهُ قَضَاءَ النَّذْرِ كَانَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَضَى عَنْهُ النَّذْرَ بَعْدَهُ إذَا كَانَ إحْرَامُ غَيْرِهِ عَنْهُ، إذَا أَرَادَ تَأْدِيَةَ الْفَرْضِ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ إحْرَامِ نَفْسِهِ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي النَّذْرِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ حَجَّ عَنْهُ رَجُلَانِ هَذَا الْفَرْضَ وَهَذَا النَّذْرَ، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَجْزَأَ عَنْهُ. بَابُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: نَحْنُ نُوَافِقُكَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَجَّ تَطَوُّعًا أَوْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِلْآثَارِ وَالْقِيَاسِ فِيهِ وَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، أَفَرَأَيْتَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ النَّذْرِ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَفَرْضُ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَاجِبًا فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ إذَا نَوَى النَّذْرَ وَهُوَ وَاجِبٌ كَانَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ كَمَا قُلْته فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ غَيْرَ تَطَوُّعٍ؟ فَقُلْت لَهُ زَعَمْته بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا مِنْ حِينِ يَبْلُغُ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتُ حَجٍّ يَأْتِي عَلَيْهِ إلَّا وَفَرْضُ الْحَجِّ لَازِمٌ لَهُ بِلَا شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ النَّذْرُ لَازِمًا لَهُ إلَّا بَعْدَ إيجَابِهِ فَكَانَ فِي نَفْسِهِ بِمَعْنَى مَنْ حَجَّ تَطَوُّعًا وَكَانَ الْوَاجِبُ بِكُلِّ حَالٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّمُ مِنْ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إلَّا بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ مَا يُشْبِهُ النَّذْرَ مِنْ النَّافِلَةِ؟ قِيلَ لَهُ إذَا دَخَلَ فِيهِ بَعْدَ حَجِّ الْإِسْلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ إذَا دَخَلَ فِيهِ كَانَ فِي حُكْمِهِ فِي أَنَّهُ يُتِمُّهُ كَمُبْتَدِئِ حَجِّ الْإِسْلَامِ يَنْوِيهِ كَانَ دُخُولُهُ فِيهِ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ فَرْضًا عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ لَوْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْحَجِّ بِالطَّوَافِ وَأَمَرَهُ بِقَضَائِهِ فَقَالَ: فَإِنَّكَ رَوَيْتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ سُئِلَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَيْتُهُمَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لِمَنْ نَذَرَ حَجًّا فَحَجُّهُ قَضَاءُ النَّذْرِ وَالْحَجُّ الْمَكْتُوبُ وَقَالَ الْآخَرُ هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ

باب هل تجب العمرة وجوب الحج

فَلْيَلْتَمِسْ وَفَاءَ النَّذْرِ، فَقُلْت فَأَنْتَ تُخَالِفُهُمَا جَمِيعًا فَتَزْعُمُ أَنَّ هَذَا النَّذْرُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِمَا تُخَالِفُ؟ قَالَ وَأَنْتَ تُخَالِفُ أَحَدَهُمَا، فَقُلْتُ إنْ خَالَفْته خَالَفْته بِمَعْنَى السُّنَّةِ وَأُوَافِقُ الْآخَرَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: إنِّي لَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إذْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَلْيَلْتَمِسْ أَنْ يَقْضِيَ نَذْرَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ نَرَ عَمَلَيْنِ وَجَبَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ يَجْزِي عَنْهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا فَنَقُولُ هَذَا فِي الْحَجِّ يَنْذُرُهُ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ حَجَّةُ نَذْرِهِ فَحَجَّ مُتَطَوِّعًا فَهِيَ حَجَّةُ النَّذْرِ وَلَا يَتَطَوَّعُ بِحَجٍّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَاجِبٌ، وَإِذَا أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ مِنْ الْحَجَّةِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّا نَجْعَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْفَرْضِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَطَوَّعَ وَعَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ نَذْرٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ. [بَابٌ هَلْ تَجِبُ الْعُمْرَةُ وُجُوبَ الْحَجِّ] ِّ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعُمْرَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ: الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحَ الْحَنَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» فَقُلْت لَهُ أَثَبَتَ مِثْلُ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ هُوَ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُجَّةُ فَإِنَّ حُجَّتَنَا فِي أَنَّهَا تَطَوُّعٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ إيجَابَ الْحَجِّ إيجَابَ الْعُمْرَةِ وَأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُمِرَ بِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ عَنْ مَيِّتٍ فَقُلْت لَهُ قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا مَعًا وَفَرْضُهُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَثْبُتُ ثُبُوتُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ثُمَّ قَالَ {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] فَذَكَرَهَا مَرَّةً مَعَ الصَّلَاةِ وَأَفْرَدَ الصَّلَاةَ مَرَّةً أُخْرَى دُونَهَا فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الزَّكَاةَ أَنْ تَثْبُتَ وَلَيْسَ لَك حُجَّةٌ فِي قَوْلِك لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أُمِرَ بِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ عَنْ مَيِّتٍ إلَّا عَلَيْك مِثْلُهَا لِمَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ بِأَنْ يَقُولَ وَلَا نَعْلَمُ مِنْ السَّلَفِ أَحَدًا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا تُقْضَى عُمْرَةٌ عَنْ مَيِّتٍ وَلَا هِيَ تَطَوُّعٌ كَمَا قُلْت، فَإِنْ كَانَ لَا نَعْلَمُ لَك حُجَّةً كَانَ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هِيَ تَطَوُّعٌ وَأَنْ لَا تُقْضَى عَنْ مَيِّتٍ حُجَّةٌ عَلَيْك. (قَالَ) : وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَشْبَهَ أَنْ يَتَأَوَّلَ الْآيَةَ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] إذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا (قَالَ) : وَهَذَا قَوْلٌ يَحْتَمِلُ إيجَابَهَا إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ إيجَابَهَا وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذَهَبَ إلَى إيجَابِهَا وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَيُحْتَمَلُ تَأْكِيدُهَا لَا إيجَابُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَوْلَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةً، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَرَنَهَا مَعَ الْحَجِّ فَقَالَ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ» وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ إحْرَامَهَا وَالْخُرُوجَ مِنْهَا بِطَوَافٍ وَحِلَاقٍ وَمِيقَاتٍ، وَفِي الْحَجِّ زِيَادَةُ عَمَلٍ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ

عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لِقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَدٌ إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ مَكِّيِّينَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِرَانِ الْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ هَدْيًا وَلَوْ كَانَ أَصْلُ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا أَشْبَهَ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرِنَ الْعُمْرَةَ مَعَ الْحَجِّ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُدْخِلُ فِي نَافِلَةٍ فَرْضًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَأَكْثَرَ نَافِلَةً قَبْلَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَكْتُوبَةٍ وَنَافِلَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ بِالتَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ هَدْيٌ إذَا كَانَ أَصْلُ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا لَا يَكُونُ إلَّا تَطَوُّعًا بِحَالٍ غَيْرُ حُكْمِ مَا يَكُونُ فَرْضًا فِي حَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَائِلِهِ عَنْ الطِّيبِ وَالثِّيَابِ افْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا كُنْت فَاعِلًا فِي حَجَّتِك» (أَخْبَرَنَا) مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَلَمْ يُحَدِّثْنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ شَيْئًا إلَّا قُلْت: لَهُ أَفِي شَكٍّ أَنْتُمْ مِنْ أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: لَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً أَنْ تَقْضِيَ الْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنْ تَقْضِيَ الْعُمْرَةَ عَنْهُ، قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ فَيُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ وَيُحْفَظُ كُلُّهُ فَيُؤَدَّى بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيُجِيبُ عَمَّا يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَسْتَغْنِي أَيْضًا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ إذَا قُضِيَ عَنْهُ فَسَبِيلُ الْعُمْرَةِ سَبِيلُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا يُشْبِهُ مَا قُلْت؟ قِيلَ رَوَى عَنْهُ طَلْحَةُ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَذَكَرَ الصِّيَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً مِنْ الْإِسْلَامِ وَغَيْرَ هَذَا مَا يُشْبِهُ هَذَا» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وَجْهُ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَبَرِ فَيُؤَدَّى بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ أَوْ يُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ أَوْ يُكْتَفَى بِعِلْمِ السَّائِلِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْجَوَابِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ يَعْلَمُ السَّائِلُ بَعْدُ وَلَا يُؤَدَّى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ السَّائِلِ وَيُؤَدَّى فِي غَيْرِهِ (قَالَ) : وَإِذَا أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ فَالْمِيقَاتُ لَهَا كَالْمِيقَاتِ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّا نَنْهَى الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى الْإِحْرَامِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِ الْإِحْرَامِ الَّذِي أَفْرَدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَحُجَّ رَجُلٌ فَتَوَقَّى الْعُمْرَةَ حَتَّى تَمْضِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَانَ وَجْهًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَجَائِزٌ لَهُ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ نَمْنَعُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِإِحْرَامِ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُجْزِيه أَنْ يَقْرِنَ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ وَتَجْزِيهِ مِنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَيُهَرِيق دَمًا قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَالْقَارِنُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ الْمُتَمَتِّعِ، الْمُتَمَتِّعُ إنَّمَا أَدْخَلَ عُمْرَةً فَوَصَلَ بِهَا حَجًّا فَسَقَطَ عَنْهُ مِيقَاتُ الْحَجِّ وَقَدْ سَقَطَ عَنْ هَذَا وَأَدْخَلَ الْعُمْرَةَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ وَقَدْ أَدْخَلَهَا الْقَارِنُ، وَزَادَ الْمُتَمَتِّعُ أَنْ تَمَتَّعَ بِالْإِحْلَالِ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَلَا يَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَكْثَرِ مِنْ حَالِ الْقَارِنِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْهَدْيِ (قَالَ) : وَتُجْزِئُ الْعُمْرَةُ قَبْلَ الْحَجِّ وَالْحَجُّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ مِنْ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَإِذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَنْشَأَهُ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنْ الْمِيقَاتِ (قَالَ) : وَإِنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَأَرَادَ الْعُمْرَةَ بَعْدَ الْحَجِّ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَهَلَّ مِنْ أَيْنَ شَاءَ وَسَقَطَ عَنْهُ بِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَأَحْرَمَ بِهَا مِنْ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْ مِيقَاتِهَا، وَلَا مِيقَاتَ

باب الوقت الذي تجوز فيه العمرة

لَهَا دُونَ الْحِلِّ. كَمَا يَسْقُطُ مِيقَاتُ الْحَجِّ إذَا قَدَّمَ الْعُمْرَةَ قَبْلَهُ لِدُخُولِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَأَحَبَّ إلَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ مِنْهَا، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ اعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا وَهِيَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ» ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ اعْتَمَرَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهَا وَأَرَادَ الْمَدْخَلَ لِعُمْرَتِهِ مِنْهَا، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْت عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ فَيُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَائِشَةُ كَانَتْ قَارِنَةً فَقَضَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الْوَاجِبَتَيْنِ عَلَيْهَا، وَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْصَرِفَ بِعُمْرَةٍ غَيْرِ مَقْرُونَةٍ بِحَجٍّ، فَسَأَلَتْ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِإِعْمَارِهَا، فَكَانَتْ لَهَا نَافِلَةً خَيْرًا، وَقَدْ كَانَتْ دَخَلَتْ مَكَّةَ بِإِحْرَامٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا رُجُوعٌ إلَى الْمِيقَاتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُزَاحِمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ أَوْ مُحَرِّشٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا فَاعْتَمَرَ وَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ» ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ مُحَرِّشٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصَابَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِأَنَّ وَلَدَهُ عِنْدَنَا يَقُولُ بَنُو مُحَرِّشٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك» (أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ وَرُبَّمَا قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَائِشَةُ كَانَتْ قَارِنَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعْمَارِهَا بَعْدَ الْحَجِّ فَكَانَتْ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي شَهْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ قَبْلَ الْجِعْرَانَةِ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، فَكَانَ وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَرْبِ فَلَيْسَتْ عُمْرَتُهُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ قَضَاءً وَلَكِنَّهَا تَطَوُّعٌ، وَالْمُتَطَوِّعُ يَتَطَوَّعُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَكَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ وَلَمْ تَجُزْ هَذِهِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةٍ وَلَا عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ مِنْ الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، لَا أَنَّهُ ابْتَدَأَ عُمْرَةً فَتَجْزِي عَنْهُ مِنْ عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ [بَاب الْوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْعُمْرَةُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ مِنًى وَغَيْرَهَا مِنْ السَّنَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَلَمْ يَطْمَعْ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَإِنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَكُونَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ دُونَ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ مَعَ عُمْرَةٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَاعْتَمَرَ جَازَتْ الْعُمْرَةُ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ أَوْجَبَهُ تَبَرَّرَ أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ

قَائِلٌ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ؟ قِيلَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ فَأَدْخَلَتْ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَوَافَتْ عَرَفَةَ وَمِنًى حَاجَةً مُعْتَمِرَةً وَالْعُمْرَةُ لَهَا مُتَقَدِّمَةٌ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَكَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ وَيَحِلَّ فَهَذَا عَمَلُ عُمْرَةٍ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ حُرْمَةً أَوْلَاهَا أَنْ يَنْسَك فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا وَجْهَ لَأَنْ يُنْهَى أَحَدٌ أَنْ يَعْتَمِرَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا لَيَالِي مِنًى إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاجًّا فَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ بِمِنًى عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ مِنْ الرَّمْيِ وَالْإِقَامَةِ بِمِنًى طَافَ لِلزِّيَارَةِ أَوْ لَمْ يَطُفْ، فَإِنْ اعْتَمَرَ وَهُوَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ إحْرَامِ حَجِّهِ أَوْ خَارِجًا مِنْ إحْرَامِ حَجِّهِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ حَجِّهِ فَلَا عُمْرَةَ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِهَا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ الْبُلْدَانِ، غَيْرَ أَنَّ قَائِلًا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ كَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَتْ الْعُمْرَةُ تَصْلُحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَلَا تُشْبِهُ الْحَجَّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْحَجَّ فَاتَ إلَى قَابِلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَاسَ عَلَيْهِ وَهِيَ تُخَالِفُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ لَهُ عَائِشَةُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَمِمَّنْ دَخَلَ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً فَعَرِكَتْ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الطَّوَافِ لِلطَّمْثِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ فَكَانَتْ قَارِنَةً وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ سَأَلَتْهُ أَنْ يُعْمِرَهَا فَأَعْمَرَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكَانَتْ هَذِهِ عُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُ أَحَدٌ بَعْدَ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ يَزْعُمُ أَنْ لَا تَكُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً؟ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِمَكَّةَ فَكَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَرَّةً مِنْ الْجُحْفَةِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ قَالَ صَدَقَةٌ: فَقُلْت هَلْ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَحْيَيْت، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ اعْتَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَ نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِيمَا وَصَفْت مِنْ عُمْرَةِ عَائِشَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ وَفِي أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَيَانٌ أَنَّ الْعُمْرَةَ تَجُوزُ فِي زَمَانِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَإِذَا جَازَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَايَلَتْ مَعْنَى الْحَجِّ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَصَلُحَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَحِينَ أَرَادَهُ صَاحِبُهُ

باب من أهل بحجتين أو عمرتين

إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِغَيْرِهَا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَهَلَّ رَجُلٌ بِعُمْرَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهُ إدْخَالُ الْحَجِّ فِيهِ عَلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كَانَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَا عَلَيْهِ فِدْيَةٌ (قَالَ) : وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَمَنْ حَجَّ لَمْ يُدْخِلْ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إنْ أَقَامَ إلَى آخِرِهَا وَإِنْ نَفَرَ النَّفَرَ الْأَوَّلَ فَاعْتَمَرَ يَوْمئِذٍ لَزِمَتْهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ لِلْحَجِّ عَمَلٌ وَلَوْ أَخَّرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَلَوْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْفِرْ كَانَ إهْلَالُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ (قَالَ) : وَخَالَفَنَا بَعْضُ حِجَازِيِّينَا فَقَالَ لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، وَهَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَعَمْرَ عَائِشَةَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ وَخِلَافُ فِعْلِ عَائِشَةَ نَفْسِهَا وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَوَامِّ النَّاسِ وَأَصْلُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ قَوْلُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ تَصْلُحُ فِي كُلِّ السَّنَةِ فَكَيْفَ قَاسَهَا بِالْحَجِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ؟ وَأَيُّ وَقْتٍ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الشُّهُورِ؟ فَإِنْ قَالَ: أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِرَارًا، وَقَوْلُ الْعَامَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا. [بَابُ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ حَجَّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ حَجًّا آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي مِنْ فِدْيَةٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ (قَالَ) : وَإِكْمَالُ عَمَلِ الْحَجِّ أَنْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ طَوَافٌ وَلَا حِلَاقٌ وَلَا رَمْيٌ وَلَا مُقَامٌ بِمِنًى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ قُلْت هَذَا؟ قِيلَ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ أَنْ يَأْتِيَ بِعَمَلِهِ عَلَى كَمَالِهِ فَيُدْخِلُ فِيهِ حَرَامًا وَيَكُونُ كَمَالُهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ حَلَالًا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَبَعْدَ النَّحْرِ مِنْ كُلِّهِ بِكَمَالِهِ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْحَجَّتَيْنِ وَقُلْنَا: أَكْمَلَ إحْدَاهُمَا أَمَرْنَاهُ بِالْإِحْلَالِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ، وَلَوْ قُلْنَا لَهُ لَا تَخْرُجُ مِنْ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا إلَّا بِخُرُوجِك مِنْ الْآخَرِ بِكَمَالِهِ قُلْنَا لَهُ ائْتِ بِبَعْضِ عَمَلِ الْحَجِّ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ قَالَ وَمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؟ قِيلَ الْحِلَاقُ فَأَمَرْنَاهُ أَنْ لَا يُكْمِلَ الْحَجَّ انْتِظَارًا لِلَّذِي بَعْدَهُ وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَقِمْ فِي بَلَدِك أَوْ فِي مَكَّةَ وَلَا تُعْمِلْ لِأَحَدِ حجيك حَتَّى تُعْمِلَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَارِنِ، فَيَكُونُ إنَّمَا عَمِلَ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَبَطَلَ الْآخَرُ وَلَوْ قُلْنَا بَلْ يَعْمَلُ لِأَحَدِهِمَا وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِالْآخَرِ قُلْنَا: فَهُوَ لَمْ يُكْمِلْ عَمَلَ أَحَدِهِمَا وَأَكْمَلَ عَمَلَ الْآخَرِ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا مَا سَقَطَ عَنْهُ فِي الْآخَرِ؟ فَإِنْ قُلْت بَلْ يَحِلُّ مِنْ أَحَدِهِمَا، قِيلَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاءُ الْآخَرِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأَوَّلِ لَمْ يَدْخُلْ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِتَجْدِيدِ دُخُولٍ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ لَمْ نَعْلَمْ مِنْهُمْ اخْتِلَافًا يَقُولُونَ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ فَاتَهُ عَرَفَةُ لَمْ يَقُمْ حَرَامًا وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ ثُمَّ قَضَى الْحَجَّ الْفَائِتَ لَمْ يَجُزْ أَبَدًا فِي الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا بَعْدَ الْحَجِّ بِحَجٍّ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَمْ يَجُزْ إلَّا سُقُوطُ إحْدَى الْحَجَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ (قَالَ) : وَالْقَوْلُ فِي الْعُمْرَتَيْنِ هَكَذَا

باب الخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتين

وَكَمَالُ الْعُمْرَةِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحِلَاقُ وَأَمْرُهُمْ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَحِلَّ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحِلَاقٍ وَيَقْضِي يَدُلَّانِ مَعًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَدْ يَقْدِرُ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا إلَى قَابِلٍ وَلَا أَرَاهُمْ أَمَرُوهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ إحْرَامِهِ بِالطَّوَافِ وَلَا يُقِيمُ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ يُعْمِلُ عُمْرَةً فَلَيْسَ أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً وَلَا يَصِيرُ عُمْرَةً وَقَدْ ابْتَدَأَ حَجًّا فِي وَقْتٍ يَجُوزُ فِيهِ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْحَجُّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَدَأَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ قَالَ يَصِيرُ حَجُّهُ عُمْرَةً إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ إهْلَالِهِ بِهِ حَجًّا فَبَيَّنَ فِي كُلِّ حَالٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُدْخِلًا حَجًّا عَلَى حَجٍّ وَلَا تَكُونُ عُمْرَةٌ مَعَ حَجٍّ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ فَأَدْخَلَ عُمْرَةً عَلَى حَجٍّ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصْرِفَ الْحَجَّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ تُصْرَفَ الْعُمْرَةَ حَجًّا فَيَكُونُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَصَرَفْنَا إحْرَامَهُ إلَى الَّذِي يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا غَيْرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. [بَابُ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَخِلَافُنَا رَجُلَانِ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ لَزِمَتَاهُ فَإِذَا أَخَذَ فِي عَمَلِهِمَا فَهُوَ رَافِضٌ لِلْآخَرِ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ رَافِضٌ لِلْآخَرِ حِينَ ابْتَدَأَ الْإِهْلَالَ وَأَحْسِبُهُمَا قَالَا: وَعَلَيْهِ فِي الرَّفْضِ دَمٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُمَا مَعًا أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ أَجْمَعَ صِيَامَ يَوْمَيْنِ فَصَامَ أَحَدَهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْآخَرِ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَكَبَّرَ يَنْوِي صَلَاتَيْنِ لَمْ يَكُنْ إلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ صَلَاتَانِ مَعًا، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ إلَّا مِنْ بَعْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الْأُولَى (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى صَلَاتَيْنِ تَطَوُّعًا مِمَّا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا هَكَذَا فِي الْحَجِّ؟ مَعَ أَنَّهُ يُلْزِمُهُمَا أَنْ يَدَعَا قَوْلَهُمَا فِي الْحَجِّ، إنْ زَعَمَا أَنَّ الْحَجَّ يَصِيرُ عُمْرَةً إذَا فَاتَتْ عَرَفَةُ أَشْبَهَ أَنْ يُلْزِمَهُمَا إذَا كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجَّتَيْنِ لَازِمًا أَنْ يَقُولَا هُوَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ قَالَا يَقْضِي أَحَدُهُمَا أَوْ لَمْ يَقُولَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا قُلْنَا لَا يَقْرِنُ بَيْنَ عَمَلَيْنِ إلَّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ يُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ إذَا بَدَأَ بِالْحَجِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا نَجْمَعَ بَيْنَ عَمَلَيْنِ، فَلَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَالٍ سَلِمَ لِلْخَبَرِ فِي الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا إلَّا عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ لَا يُخَالِفُهُ وَلَا يَقِيسُ عَلَيْهِ.

باب في مواقيت الحج

[بَاب فِي مَوَاقِيتِ الْحَجّ] فِي الْمَوَاقِيتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُخْبِرْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ لِي نَافِعٌ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (قَالَ) : وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمُهِلِّ فَقَالَ سَمِعْت، ثُمَّ انْتَهَى، أُرَاهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يُسَمِّ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُرْسَلًا أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ غَيْرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ سَلَكَ نَجْدًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: فَرَاجَعْت عَطَاءً فَقُلْت: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَعَمُوا لَمْ يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْمَشْرِقِ حِينَئِذٍ، قَالَ كَذَلِكَ سَمِعْنَا أَنَّهُ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ أَوْ الْعَقِيقَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ وَلَكِنْ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُ يَأْبَى إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ مَشْرِقٍ، فَوَقَّتَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا فَاِتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنِ ذَاتِ عِرْقٍ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُرْسَلًا، وَذَاتُ عِرْقٍ شَبِيهٌ بِقَرَنٍ فِي الْقُرْبِ وَأَلَمْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ رَجَوْت أَنْ يَجْزِيَهُمْ قِيَاسًا عَلَى قَرْنٍ وَيَلَمْلَمُ، وَلَوْ أَهَلُّوا مِنْ الْعَقِيقِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ دُونِ

باب تفريع المواقيت

الْمِيقَاتِ فَلْيُهْلِلْ مِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوَاقِيتِ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانُ فِي الْمَوَاقِيتِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِّ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ يَبْدَأُ» . أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ قَالَ لِيَسْتَمْتِعْ الْمَرْءُ بِأَهْلِهِ وَثِيَابِهِ حَتَّى يَأْتِيَ كَذَا وَكَذَا لِلْمَوَاقِيتِ» ، قُلْت: أَفَلَمْ يَبْلُغْك أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا بَلَغُوا كَذَا وَكَذَا؟ أَهَلُّوا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. [بَابُ تَفْرِيعِ الْمَوَاقِيتِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ " وَلَمْ يُسَمِّ عَمْرٌو الْقَائِلَ إلَّا أَنَّا نُرَاهُ ابْنَ عَبَّاسٍ " الرَّجُلُ يُهِلُّ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ بَعْدَمَا يُجَاوِزُ أَيْنَ شَاءَ وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ أَمَرْته بِالرُّجُوعِ وَقَدْ أَلْزَمْته إحْرَامًا قَدْ ابْتَدَأَهُ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ؟ أَقُلْت ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ أَمْ خَبَرًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ قِيَاسًا؟ قُلْت: هُوَ وَإِنْ كَانَ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ أَنَّهُ فِي مَعْنَى السُّنَّةِ، فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ السُّنَّةَ الَّتِي هُوَ فِي مَعْنَاهَا، قُلْت: أَرَأَيْت إذْ وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوَاقِيتَ لِمَنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، أَلَيْسَ الْمُرِيدُ لَهُمَا مَأْمُورًا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ وَالطَّوَافِ وَالْعَمَلِ مَعَهُ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْت: افْتَرَاهُ مَأْذُونًا لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْمِيقَاتِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْرِمٍ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْت: أَفَتَرَاهُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ سَفَرِهِ حَلَالًا وَبَعْضُهُ حَرَامًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت أَفَرَأَيْت إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، أَمَا أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَعَمَلِ غَيْرِهِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَكِنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي إحْرَامٍ بَعْدَ الْمِيقَاتِ فَقَدْ لَزِمَهُ إحْرَامُهُ وَلَيْسَ بِمُبْتَدِئٍ إحْرَامًا مِنْ الْمِيقَاتِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت إنَّهُ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ كَمَا لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَأْتِ الْمِيقَاتَ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِإِحْرَامِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ وَعَمَلِ الْحَجِّ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ الَّذِي جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فِي مَعْنَى هَذَا فِي أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا ثُمَّ كَانَ بَعْدُ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَطُوفَ وَيَعْمَلَ لِإِحْرَامِهِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَى نَفْسِهِ سَفَرًا بِالرُّجُوعِ وَالزِّيَادَةُ لَا تُؤْثِمُهُ وَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قَالَ: أَفَرَأَيْت مَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ؟ قُلْت سَفَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ إحْرَامٌ وَحَالُهُ إذَا جَاوَزَ أَهْلَهُ حَالُ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ يَفْعَلُ مَا أَمَرْنَا بِهِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ

عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ: مَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْ بَيْتِهِ وَمَنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ بِثِيَابِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مِيقَاتَهُ وَلَكِنْ لَا يُجَاوِزُهُ إلَّا مُحْرِمًا يَعْنِي مِيقَاتَهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْمَوَاقِيتُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْ وَرَائِهَا وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْهَا وَلَا يُجَاوِزُهَا إلَّا مُحْرِمًا وَبِهَذَا نَأْخُذُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ: وَمَنْ أَخْطَأَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ أَوْ عَمَدَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ فَلْيُهْلِلْ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهُ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ إنْ رَجَعَ فَلْيُهْرِقْ دَمًا وَلَا يَرْجِعْ، وَأَدْنَى مَا يُهْرِيقُ مِنْ الدَّمِ فِي الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ شَاةٌ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت الَّذِي يُخْطِئُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَيَأْتِي وَقَدْ أَزِفَ الْحَجُّ فَيُهْرِيقُ دَمًا أَيَخْرُجُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَيُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ؟ قَالَ: لَا. وَلَمْ يَخْرُجْ خَشْيَةَ الدَّمِ الَّذِي يُهْرِيقُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ مَنْ أَهَلَّ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ أَمَرْنَاهُ بِالرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ نَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ بِعُذْرٍ أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا لَمْ نَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى شَيْءٍ دُونَ مِيقَاتِهِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا وَهُوَ مُسِيءٌ فِي تَرْكِهِ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَمْكَنَهُ عَامِدًا وَلَوْ كَانَ مِيقَاتُ الْقَوْمِ قَرْيَةً فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِهْلَالِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِهَا حَتَّى يُحْرِمَ وَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَتْ بُيُوتُهَا مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً أَنْ يَتَقَصَّى فَيُحْرِمُ مِنْ أَقْصَى بُيُوتِهَا مِمَّا يَلِي بَلَدَهُ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَأَحَبَّ إلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْصَاهُ وَأَقْرَبُهُ بِبَلَدِهِ وَأَبْعَدُهُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ ظُهْرًا مِنْ الْأَرْضِ فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُهِلَّ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّهْرِ أَوْ الْوَادِي أَوْ الْوَضْعُ أَوْ الْقَرْيَةُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَوْضِعَهَا فَيُهِلُّ مِنْهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْصَاهُ إلَى بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ إذَا أَتَى بِهَذَا فَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ يَقِينًا أَوْ زَادَ وَالزِّيَادَةُ لَا تَضُرُّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَرْيَةَ نُقِلَتْ فَيُحْرِمُ مِنْ الْقَرْيَةِ الْأُولَى، وَإِنْ جَاوَزَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ رَجَعَ أَوْ أَهَرَاقَ دَمًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ رَأَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْبُيُوتِ وَقَطَعَ بِهِ الْوَادِي وَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَكَ بَحْرًا أَوْ بَرًّا مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الْمَوَاقِيتِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ مُتَأَخِّيًا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحْتَاطَ فَيُحْرِمَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَهَلَّ بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ كَانَ كَمَنْ جَاوَزَهَا فَرَجَعَ أَوْ أَهَرَاقَ دَمًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَلَكَ بَحْرًا أَوْ بَرًّا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ أَحْرَمَ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَمَنْ سَلَكَ كَدَاءَ مِنْ أَهْلِ نَجِدْ وَالسَّرَاةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ قَرْنٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ثَنِيَّةَ كَدًى وَذَلِكَ أَرْفَعُ مِنْ قَرْنٍ فِي نَجْدٍ وَأَعْلَى وَادِي قَرْنٍ وَجِمَاعُ ذَلِكَ مَا قَالَ عَطَاءٌ أَنْ يُهِلَّ مَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ، إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ وَحَدِيثُ طَاوُسٍ فِي الْمَوَاقِيتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْضَحُهَا مَعْنًى وَأَشَدُّهَا غِنًى عَمَّا دُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْمَوَاقِيتِ ثُمَّ قَالَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِكُلِّ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» وَكَانَ بَيِّنًا فِيهِ أَنَّ عِرَاقِيًّا أَوْ شَامِيًّا لَوْ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً كَانَ مِيقَاتُهُ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَإِنْ مَدَنِيًّا لَوْ جَاءَ مِنْ الْيَمَنِ كَانَ مِيقَاتُهُ يَلَمْلَمَ وَأَنَّ قَوْلَهُ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ وَيَكُونُ ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَقَوْلُهُ وَأَهْلُ الشَّامِّ مِنْ الْجُحْفَةِ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ وَالْجُحْفَةُ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ لَيْسَتْ الْمَدِينَةَ وَلَا ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقَهُمْ إلَّا أَنْ يَعْرُجُوا إلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَهْلِ نَجْدٍ وَالْيَمَنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَارِجٌ مِنْ بَلَدِهِ وَكَذَلِكَ أَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أَنَّ أَهْلَ نَجْدٍ الْيَمَنِ يَمُرُّونَ بِقَرْنٍ،

باب دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة

فَلَمَّا كَانَتْ طَرِيقُهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَأْتُوا يَلَمْلَمَ وَإِنَّمَا مِيقَاتُ يَلَمْلَمَ لِأَهْلِ غَوْرِ الْيَمَنِ تُهِمّهَا مِمَّنْ هِيَ طَرِيقُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْنَ كَانُوا فَأَرَادُوا الْحَجَّ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَجَعُوا مِنْ الْيَمَنِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَرَجَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ الْمَدِينَةِ إنْ أَرَادُوا مِنْهَا الْحَجَّ إلَى يَلَمْلَمَ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مَعْقُولٌ فِيهِ وَمَعْقُولٌ فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ " وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهَا " مَا وَصَفْت وَقَوْلُهُ " مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً " أَنَّهُنَّ مَوَاقِيتُ لِمَنْ أَتَى عَلَيْهِمْ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، فَمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ يَبْدُو لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِيقَاتَهُ كَمَا يَكُونُ مِيقَاتَ أَهْلِهِ الَّذِينَ أَنْشَئُوا مِنْهُ يُرِيدُونَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ حِينَ أَنْشَئُوا مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لِأَنَّ هَذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ «وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» فَهَذِهِ إنَّمَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ فَأَرَادَ وَهُوَ مِمَّنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوبَةِ وَأَرَادَهُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْمَوَاقِيتِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ» فَهَذَا جُمْلَةُ الْمَوَاقِيتِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ الْفَرْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَرَّ بِمِيقَاتِهِ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْ الْفَرْعِ فَأَهَلَّ مِنْهُ أَوْ جَاءَ الْفَرْعُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْإِهْلَالُ فَأَهَلَّ مِنْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوَاقِيتِ، فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَتَى الطَّائِفَ لِحَاجَتِهِ عَامِدًا لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا كَذَلِكَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً حَتَّى قَارَبَ الْحَرَمَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَهَلَّ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَرَّ الْمَكِّيُّ بِمِيقَاتِ أَهْلِ مِصْرَ فَلَا يُجَاوِزْهُ إلَّا مُحْرِمًا، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ طَاوُسٌ: فَإِنْ مَرَّ الْمَكِّيُّ عَلَى الْمَوَاقِيتِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَلَا يَخْلُفْهَا حَتَّى يَعْتَمِرَ [بَابُ دُخُولِ مَكَّة لِغَيْرِ إرَادَةِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] إلَى قَوْلِهِ {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَثَابَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَوْضِعُ يَثُوبُ النَّاسُ إلَيْهِ وَيَئُوبُونَ يَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّهَابِ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ ثَابَ إلَيْهِ اُجْتُمِعَ إلَيْهِ، فَالْمَثَابَةُ تَجْمَعُ الِاجْتِمَاعَ وَيَئُوبُونَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ رَاجِعِينَ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ مِنْهُ وَمُبْتَدَئِينَ قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَذْكُرُ الْبَيْتَ. مَثَابًا لَا فِنَاءَ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا ... تَخْبُ إلَيْهِ الْيَعْمُلَاتُ الذَّوَامِلُ وَقَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ النَّصْرِيُّ:

فَمَا بَرِحَتْ بَكْرٌ تَثُوبُ وَتُدْعَى ... وَيُلْحَقُ مِنْهُمْ أَوَّلُونَ وَآخِرُ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، آمِنًا مَنْ صَارَ إلَيْهِ لَا يُتَخَطَّفُ اخْتِطَافَ مَنْ حَوْلَهُمْ وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَسَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِهَذَا إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَفَ عَلَى الْمَقَامِ فَصَاحَ صَيْحَةً عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ حَتَّى مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ بَعْدَ دَعْوَتِهِ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ دَعْوَتَهُ وَوَقَاهُ مَنْ وَافَاهُ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ دَاعِي رَبِّنَا لَبَّيْكَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] الْآيَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلَالَةُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا وَفِي الْأُمَمِ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ مَنْدُوبُونَ إلَى إتْيَانِ الْبَيْتِ بِإِحْرَامٍ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] وَقَالَ {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ مِمَّا نَدَبُوا بِهِ إلَى إتْيَانِ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا أَهَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ مِنْ الْجَنَّةِ طَأْطَأَهُ فَشَكَا الْوَحْشَةَ إلَى أَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَالِي لَا أَسْمَعُ حِسَّ الْمَلَائِكَةِ؟ فَقَالَ خَطِيئَتُك يَا آدَم وَلَكِنْ اذْهَبْ فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّةَ فَأْتِهِ فَافْعَلْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ يَفْعَلُونَ حَوْلَ عَرْشِي فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى مَوْضِعَ كُلِّ قَدَمِ قَرْيَةٍ وَمَا بَيْنَهُمَا مَفَازَةٌ فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّدْمِ فَقَالُوا بَرَّ حَجَّكَ يَا آدَم لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: «حَجَّ آدَم فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ بَرَّ نُسُكُكَ يَا آدَم لَقَدْ حَجَجْنَا قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ، وَرَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَانَ يَشُكُّ فِي إسْنَادِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُحْكَى أَنَّ النَّبِيِّينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فَإِذَا أَتَوْا الْحَرَمَ مَشَوْا إعْظَامًا لَهُ وَمَشَوْا حُفَاةً، وَلَمْ يَحْكِ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّبِيِّينَ وَلَا الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَنَّهُ جَاءَ أَحَدٌ الْبَيْتَ قَطُّ إلَّا حَرَامًا وَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَلِمْنَاهُ إلَّا حَرَامًا إلَّا فِي حَرْبِ الْفَتْحِ فَبِهَذَا قُلْنَا إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَرَمُ إلَّا حَرَامًا وَبِأَنَّ مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْبَيْتَ يَأْتِيه مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قَالَ) : وَلَا أَحْسَبُهُمْ قَالُوهُ إلَّا بِمَا وَصَفْت وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ وَجْهَ دُخُولِ الْحَرَمِ فَقَالَ {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] (قَالَ) : فَدَلَّ عَلَى وَجْهِ دُخُولِهِ لِلنُّسُكِ وَفِي الْأَمْنِ وَعَلَى رُخْصَةِ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ وَعَفْوِهِ فِيهِ عَنْ النُّسُكِ وَأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْبُلْدَان وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْبُلْدَان تَسْتَوِي لِأَنَّهَا لَا تُدْخَلُ بِإِحْرَامٍ وَإِنَّ مَكَّةَ تَنْفَرِدُ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهَا مُنْتَابًا لَهَا لَمْ يَدْخُلْهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ. . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إلَّا أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ وَمِنْ مَدْخَلِهِ إيَّاهَا لِمَنَافِعِ أَهْلِهَا وَالْكَسْبِ لِنَفْسِهِ وَرَأَيْت أَحْسَنَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ إلَى أَنَّ انْتِيَابَ هَؤُلَاءِ مَكَّةَ انْتِيَابُ كَسْبٍ لَا انْتِيَابُ تَبَرُّرٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَتَابِعٌ كَثِيرٌ مُتَّصِلٌ فَكَانُوا يُشْبِهُونَ الْمُقِيمِينَ فِيهَا، وَلَعَلَّ حَطَّابِيهِمْ كَانُوا مَمَالِيكَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالنُّسُكِ، فَإِذَا كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ عَلَى الْمَمْلُوكِ سَاقِطًا سَقَطَ عَنْهُ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ النُّسُكِ، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَفِيهِمْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الرُّخْصَةُ لَهُمْ لِمَعْنَى أَنَّ قَصْدَهُمْ فِي دُخُولِ مَكَّةَ لَيْسَ قَصْدَ النُّسُكِ وَلَا التَّبَرُّرَ وَأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ أَنَّ دُخُولَهُمْ شَبِيهٌ بِالدَّائِمِ

باب ميقات العمرة مع الحج

فَمَنْ كَانَ هَكَذَا كَانَتْ لَهُ الرُّخْصَةُ، فَأَمَّا الْمَرْءُ يَأْتِي أَهْلَهُ بِمَكَّةَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنِيِّينَ، فَأَمَّا الْبَرِيدُ يَأْتِي بِرِسَالَةٍ أَوْ زَوْرِ أَهْلِهِ وَلَيْسَ بِدَائِمِ الدُّخُولِ فَلَوْ اسْتَأْذَنَ فَدَخَلَ مُحْرِمًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ عَنْهُ ذَلِكَ، وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ خَائِفًا الْحَرْبَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ؟ قِيلَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَأَذِنَ لِلْمُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَحِلُّوا لِخَوْفِ الْحَرْبِ، فَكَانَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ أَوْلَى إنْ خَافَ الْحَرْبَ أَنْ لَا يُحْرِمَ مِنْ مُحْرِمٍ يَخْرُجُ مِنْ إحْرَامِهِ، وَدَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ لِلْحَرْبِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِعَدُوٍّ وَحَرْبٍ أَنْ يَقْضِيَ إحْرَامَهُ؟ قِيلَ: لَا، إنَّمَا يَقْضِي مَا وَجَبَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَاسِدٍ، أَوْ تَرَكَ فَلَمْ يُعْمَلْ، فَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَلَمَّا كَانَ أَصْلُهُ أَنَّ مَنْ شَاءَ لَمْ يَدْخُلْهَا إذَا قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ كَانَ أَصْلُهُ غَيْرَ قَرْضٍ فَلَمَّا دَخَلَهَا مُحِلًّا فَتَرَكَهُ كَانَ تَارِكًا لِفَضْلٍ وَأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ فَرْضًا بِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَقْضِيهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ إتْيَانُهَا لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ نَذْرٍ نَذَرَهُ فَتَرَكَهُ إيَّاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَهُ أَوْ يُقْضَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي بُلُوغِ الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ فِيهِ عَلَى الْمَرْكَبِ، وَيَجُوزُ عِنْدِي لِمَنْ دَخَلَهَا خَائِفًا مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمْرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، تَرَكَ الْإِحْرَامَ إذَا خَافَهُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْهُ فِيهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنْ الْمَدَنِيِّينَ مَنْ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَابْنُ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ وَمَعَهُ مَا وَصَفْنَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا كَمَا وَصَفْنَا مُحَارِبًا، فَإِنْ قَالَ أَقِيسُ عَلَى مَدْخَلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: أَفَتَقِيسُ عَلَى إحْصَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَرْبِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، لِأَنَّ الْحَرْبَ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا، قِيلَ: وَهَكَذَا افْعَلْ فِي الْحَرْبِ حَيْثُ كَانَتْ، لَا تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَتَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي آخَرَ. [بَابُ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَاحِدٌ وَمَنْ قَرَنَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا حَجَّةً فَذَلِكَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَإِذَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْإِحْرَامِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي إحْرَامٍ وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ الْخُرُوجَ مِنْ إحْرَامٍ قَبْلَهُ، فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا عَلَى إحْرَامٍ لَيْسَ مُقِيمًا عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الطَّوَافِ فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُحْرِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَلَا فِدْيَةٌ لِتَرْكِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ كَانَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا حَجًّا؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إحْرَامِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَقِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ: «أَهَلَّتْ عَائِشَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَضَاءُ فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً، فَكَانَتْ مُعْتَمِرَةً بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا هَدْيٌ فَلَمَّا حَالَ الْمَحِيضُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَتِهَا وَرَهِقَهَا الْحَجُّ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ قَارِنَةً» ، فَبِهَذَا قُلْنَا يُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ

وَذَكَرْت لَهُ قِرَانَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِذَا قَالَ جَائِزٌ قِيلَ أَفَيَجُوزُ هَذَا فِي صَلَاتَيْنِ أَنْ تُقْرَنَا أَوْ فِي صَوْمَيْنِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ مَا تُفَرِّقُ أَنْتَ بَيْنَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ عُمْرَةً فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيتُ وَحَفِظْتُ عَنْهُ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْعُمْرَةِ مِنْ قَضَاءٍ وَلَا فِدْيَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا زَادَ إحْرَامًا أَكْثَرَ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ زَادَ إحْرَامًا أَقَلَّ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت فَلَيْسَ بِفَرْقٍ يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُقَاسُ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ الَّذِي أَحْفَظُ عَمَّنْ سَمِعْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت، وَقَدْ يُرْوَى عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَلَا أَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ يَثْبُتُ، وَمَنْ رَأَى أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَمِرًا فَلَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِتَرْكِهَا وَمَنْ رَأَى لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ رَأَى أَنْ يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى الْحَجِّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ الْعُمْرَةَ أَنْشَأَ الْعُمْرَةَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَدْ أَجِدُهُمَا إذَا أَقَامَ عَامَهُمَا بِمَكَّةَ أَهَلَّ كَإِهْلَالِ أَهْلِ الْآفَاقِ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَوَاقِيتِهِمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ. مَا الْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْت؟ قِيلَ أَهَلَّ عَامَّةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ إذَا تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى مِنْ مَكَّةَ فَكَانَتْ الْعُمْرَةُ إذَا حَجَّ قَبْلَهَا قِيَاسًا عَلَى هَذَا وَلَمْ أَعْلَمْ فِي هَذَا خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيته، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ يُعْمِرُ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَعَائِشَةُ كَانَ إحْرَامُهَا عُمْرَةً فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَعُمْرَتُهَا مِنْ التَّنْعِيمِ نَافِلَةٌ، فَلَيْسَتْ فِي هَذَا حُجَّةٌ عِنْدَنَا لِمَا وَصَفْنَا. وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ قَبْلَهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَتْ عُمْرَتَهُ الْوَاجِبَةَ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا جَاءَ مِيقَاتُهُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا فَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مُجَزِّئَةً عَنْهُ. وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُلَبِّيَ بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ، وَإِنْ كَانَ حَلَقَ أَهَرَاقَ دَمًا، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِعُمْرَتِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُلَبِّيَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرَ أَوْ يَحْلِقَ وَيَنْحَرَ بَدَنَةً ثُمَّ يَقْضِيَ هَذِهِ الْعُمْرَةَ إذَا أَفْسَدَهَا بِعُمْرَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ مِنْ الْحَرَمِ لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ الْمُفْسِدَةِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ هَذِهِ عُمْرَةٌ وَيُهْرِيقُ دَمًا لَهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنَّهُ لَوْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الْحَجُّ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّ عِمَادَ الْحَجِّ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَذَلِكَ عَرَفَةُ وَجَمِيعُ عَمَلِ الْعُمْرَةِ سِوَى الْوَقْتِ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ مَوْضِعِ مُنْتَهَى عَمَلِهَا وَعِمَادِهِ، وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ وَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ

لِوَجْهِهِ فَيَقْصِدَ قَصْدَ نُسُكِهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْلُكَ غَيْرَ طَرِيقَةٍ مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهَا لِغَيْرِ أَمْرٍ يَنُوبُهُ أَوْ رِفْقٍ بِهِ، فَإِنْ نَابَهُ أَمْرٌ أَوْ كَانَتْ طَرِيقٌ أَرْفَقَ مِنْ طَرِيقٍ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ فِي أَنْ يَعْرُجَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي سَنَةٍ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي بَلَدِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ كَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ مُجْزِئَةً عَنْهُ لِأَنَّ وَقْتَ الْعُمْرَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَلَيْسَتْ كَالْحَجِّ الَّذِي إذَا فَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى إحْرَامِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ وَقَضَاهُ وَأَكْرَهُ هَذَا لَهُ لِلتَّعْزِيرِ بِإِحْرَامِهِ وَلَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفِيقًا ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ ثُمَّ طَافَ مُفِيقًا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَعِمَادُ الْعُمْرَةِ الْإِهْلَالُ وَالطَّوَافُ وَلَا يَضُرُّ الْمُعْتَمِرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ ذَهَابِ عَقْلِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ قَائِلٌ: لِمَ جَعَلْتَ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ؟ قُلْت لَهُ لَمَّا أُمِرَ فِي حَجِّهِ بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ مِيقَاتِهِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ مِيقَاتِهِ وَالْبَيْتِ مُحْرِمًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ أَهْلِهِ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا قُلْت لَهُ ارْجِعْ حَتَّى تَكُونَ مُهِلًّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُمِرْت أَنْ تَكُونَ مُهِلًّا بِهِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا يُشْبِهُ مِنْ دَلَالَةِ السُّنَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ قُلْت إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ لِخَوْفِ فَوْتٍ وَلَا غَيْرِ عُذْرٍ بِذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ أَهَرَاقَ دَمًا عَلَيْهِ؟ قُلْت لَهُ لَمَّا جَاوَزَ مَا وَقَّتَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرَكَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَمَالِ مَا عَلَيْهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ قَالَ فَكَيْفَ جَعَلْت الْبَدَلَ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فِي عَمَلٍ يُجَاوِزُهُ وَمُجَاوَزَتُهُ الشَّيْءَ لَيْسَ لَهُ ثُمَّ جَعَلْت الْبَدَلَ مِنْهُ دَمًا يُهْرِيقُهُ وَأَنْتَ إنَّمَا تَجْعَلُ الْبَدَلَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ شَيْئًا عَلَيْهِ فَتَجْعَلُ الصَّوْمَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةَ بِالصَّلَاةِ؟ قُلْت إنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ مُخَالِفَانِ الْحَجَّ مُخْتَلِفَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا قَالَ فَأَنَّى اخْتِلَافُهُمَا؟ قُلْت يَفْسُدُ الْحَجُّ فَيَمْضِي فِيهِ وَيَأْتِي بِبَدَنَةِ وَالْبَدَلِ وَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ فَيَأْتِي بِالْبَدَلِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيَفُوتُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَيَخْرُجُ مِنْ الْحَجِّ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ فَيَخْرُجُ الْوَقْتُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيَفُوتُهُ الْحَجُّ فَلَا يَقْضِيه إلَّا فِي مِثْلِ يَوْمِهِ مِنْ سَنَتِهِ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فَيَقْضِيهَا إذَا ذَكَرَهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَيَفُوتُهُ الصَّوْمُ فَيَقْضِيه مِنْ غَدٍ وَيُفْسِدُهُ عِنْدَنَا عِنْدَك بِقَيْءٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيَعُودُ لَهُ وَيُفْسِدُهُ بِجِمَاعٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ إنْ وَجَدَهُ وَبَدَلٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا سِوَى مَا سَمَّيْنَا فَكَيْفَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ حَيْثُ يَخْتَلِفُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ الْحُجَّةُ فِي هَذَا أَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مِيقَاتُهُ وَلَا فِي أَنَّهُ إنْ تَرَكَ الْإِهْلَالَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُهْرِيقُ دَمًا وَقَالَ أَقَلُّهُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَجُّهُ مُجْزِئُ عَنْهُ وَمِنْ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ فِيهِ أَنْ قَالُوا فِي التَّارِكِ الْبَيْتُوتَةَ بِمِنًى وَتَارِكِ مُزْدَلِفَةَ يُهْرِيقُ دَمًا، وَقُلْنَا فِي الْجِمَارِ يَدَعُهَا يُهَرِيق دَمًا فَجَعَلْنَا وَجَعَلُوا الْإِبْدَالَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ دَمًا (قَالَ) : وَإِذَا جَاوَزَ الْمَكِّيُّ مِيقَاتًا أَتَى عَلَيْهِ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ثُمَّ أَهَلَّ دُونَهُ فَمِثْلُ غَيْرِهِ يَرْجِعُ أَوْ يُهْرِيقُ دَمًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قُلْت هَذَا فِي الْمَكِّيِّ وَأَنْتَ لَا تَجْعَلُ عَلَيْهِ دَمَ الْمُتْعَةِ؟ قِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]

باب الغسل للإهلال

[بَابُ الْغُسْلِ لِلْإِهْلَالِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَحَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَلَمَّا كُنَّا بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ وَالْإِحْرَامِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ لِلرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِهْلَالَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَمَعْقُولٌ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا دَخَلَ الْمَرْءُ فِي نُسُكٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَنْ يَدْخُلَهُ إلَّا بِأَكْمَلِ الطَّهَارَةِ وَأَنْ يَتَنَظَّفَ لَهُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ إحْدَاثِ الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ وَإِذَا اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ لَا يُطَهِّرُهَا الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ فَاخْتَارَ لَهَا الْغُسْلَ كَانَ مَنْ يُطَهِّرُهُ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ أَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ لَهُ أَوْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ أَوْ أَكْثَر مِنْهُ وَإِذْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَاءَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ وَهِيَ فِي الْحَالِ الَّتِي أَمَرَهَا أَنْ تُهِلَّ فِيهَا مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ مَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ جُنُبٍ أَوْ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ أَوْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءِ أَجْزَأَ عَنْهُ الْإِحْرَامُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَدْخُلُ فِي الْإِحْرَامِ وَالدَّاخِلُ فِيهِ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ جَازَ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ كُلَّ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ كُنْت أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ، وَأَخْتَارُ لَهُ الْغُسْلَ وَمَا تَرَكْت الْغُسْلَ لِلْإِهْلَالِ وَلَقَدْ كُنْت أَغْتَسِلُ لَهُ مَرِيضًا فِي السَّفَرِ وَإِنِّي أَخَافُ ضَرَرَ الْمَاءِ وَمَا صَحِبْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فَرَأَيْته تَرَكَهُ وَلَا رَأَيْت مِنْهُمْ أَحَدًا عَدَا بِهِ أَنْ رَآهُ اخْتِيَارًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ مِنْ أَهْلِ أُفُقٍ فَخَرَجَتَا طَاهِرَتَيْنِ فَحَدَثَ لَهُمَا نِفَاسٌ أَوْ حَيْضٌ أَوْ كَانَتَا نَفْسَاوَيْنِ أَوْ حَائِضَيْنِ بِمِصْرِهِمَا فَجَاءَ وَقْتُ حَجِّهِمَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَا مُحْرِمَتَيْنِ بِتِلْكَ الْحَالِ وَإِنْ قَدَرَتَا إذَا جَاءَتَا مِيقَاتَهُمَا أَنْ تَغْتَسِلَا فَعَلَتَا، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرَا وَلَا الرَّجُلُ عَلَى مَاءٍ أَحْبَبْت لَهُمْ أَنْ يَتَيَمَّمُوا مَعًا ثُمَّ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلَا أُحِبُّ لِلنُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ أَنْ تُقَدِّمَا إحْرَامَهُمَا قَبْلَ مِيقَاتِهِمَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بَلَدُهُمَا قَرِيبًا آمِنًا وَعَلَيْهِمَا مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ طَهُورُهُمَا وَإِدْرَاكُهُمَا الْحَجَّ بِلَا مُفَاوَتَةٍ وَلَا عِلَّةٍ أَحْبَبْت اسْتِئْخَارَهُمَا لِتُطَهِّرَهَا فَتُهِلَّا طَاهِرَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا مُقِيمَتَيْنِ بِمَكَّةَ لَمْ تَدْخُلَاهَا مُحْرِمَتَيْنِ فَأَمَرَتْهُمَا بِالْخُرُوجِ إلَى مِيقَاتِهِمَا بِحَجٍّ أَحْبَبْت إذَا كَانَ عَلَيْهِمَا وَقْتٌ أَنْ لَا تَخْرُجَا إلَّا طَاهِرَتَيْنِ أَوْ قُرْبٍ تَطَهُّرِهِمَا لِتُهِلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ طَاهِرَتَيْنِ، وَلَوْ أَقَامَتَا بِالْمِيقَاتِ حَتَّى تَطْهُرَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَتْهُمَا بِالْخُرُوجِ لِعُمْرَةٍ قَبْلَ الْحَجِّ وَعَلَيْهِمَا مَا لَا يَفُوتُهُمَا مَعَهُ الْحَجُّ أَوْ مِنْ أَهْلِهَا أَحْبَبْت لَهُمَا أَنْ تُهِلَّا طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ أَهَلَّتَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مُبْتَدِئَتَيْ وَغَيْرَ مُبْتَدِئَتَيْ سَفَرٍ غَيْرَ طَاهِرَتَيْنِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَكُلُّ مَا عَمِلَتْهُ الْحَائِضُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ عَمِلَهُ الرَّجُلُ جُنُبًا وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ لَا يَعْمَلَهُ كُلَّهُ إلَّا طَاهِرًا وَكُلُّ عَمَلِ الْحَجِّ تَعْمَلُهُ الْحَائِضُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاةَ فَقَطْ. [بَابُ الْغُسْلِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ

باب دخول المحرم الحمام

إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ فَوَجَدْته يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ قَالَ فَسَلَّمْت فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت أَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إلَيْك ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُك «كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَيْهِ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اُصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَغْتَسِلُ إلَى بَعِيرٍ وَأَنَا أَسْتُرُ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ إذْ قَالَ عُمَرُ يَا يَعْلَى اُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي؟ فَقُلْت: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاَللَّهِ لَا يَزِيدُ الْمَاءُ الشَّعْرَ إلَّا شُعْثًا فَسَمَّى اللَّهَ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا تَمَاقَلُوا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ وَعُمَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَعَالَ أُبَاقِيَك فِي الْمَاءِ أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ الْجُنُبُ الْمُحْرِمُ وَغَيْرُ الْمُحْرِمِ إذَا اغْتَسَلَ دَلَّكَ جِلْدَهُ إنْ شَاءَ وَلَمْ يُدَلِّكْ رَأْسَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ لِمَ يُدَلِّكْ جِلْدَهُ إنْ شَاءَ وَلَا يُدَلِّكُ رَأْسَهُ؟ قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْدُو لَهُ مِنْ جِلْدِهِ مَا لَا يَبْدُو لَهُ مِنْ رَأْسِهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: تَمَاقَلَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَهُمَا مُحْرِمَانِ وَعُمَرُ يَنْظُرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَيَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ مِنْ غَيْرِ جَنَابَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَيُدَلِّكُ جَسَدَهُ بِالْمَاءِ وَمَا تَغَيَّرَ مِنْ جَمِيعِ جَسَدِهِ لِيُنَقِّيَهُ وَيُذْهِبَ تَغَيُّرَهُ بِالْمَاءِ وَإِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ أَفْرَغَ عَلَيْهِ الْمَاءَ إفْرَاغًا، وَأَحَبُّ إلَيَّ هَوْيُهُ إنْ لَمْ يَغْسِلْهُ مِنْ جَنَابَةٍ أَنْ لَا يُحَرِّكُهُ بِيَدَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ وَإِذَا غَسَلَهُ مِنْ جَنَابَةٍ أَحْبَبْت أَنْ يَغْسِلَهُ بِبُطُونِ أَنَامِلِهِ وَيَدَيْهِ وَيُزَايِلُ شَعْرَهُ مُزَايَلَةً رَفِيقَةً وَيُشْرِبُ الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِهِ وَلَا يَحُكَّهُ بِأَظْفَارِهِ وَيَتَوَقَّى أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ حَرَّكَهُ تَحْرِيكًا خَفِيفًا أَوْ شَدِيدًا، فَخَرَجَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الشَّعْرِ شَيْءٌ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ قَطَعَهُ أَوْ نَتَفَهُ بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي لِحْيَتِهِ لِأَنَّ الشَّعْرَ قَدْ يُنْتَتَفُ وَيَتَعَلَّقُ بَيْنَ الشَّعْرِ فَإِذَا مَسَّ أَوْ حَرَّكَ خَرَجَ الْمُنْتَتَفُ مِنْهُ وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِسِدْرٍ وَلَا خِطْمِيٍّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَجِّلُهُ فَإِنْ فَعَلَ أَحْبَبْت لَوْ افْتَدَى وَلَا أَعْلَمُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَلَا يُغَطِّسُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ إذَا كَانَ قَدْ لَبَّدَهُ مِرَارًا لِيَلِينَ عَلَيْهِ وَيُدَلِّكُ الْمُحْرِمُ جَسَدَهُ دَلْكًا شَدِيدًا إنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بَدَنِهِ مِنْ الشَّعْرِ مَا يَتَوَقَّى كَمَا يَتَوَفَّاهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَإِنْ قَطَعَ مِنْ الشَّعْرِ شَيْئًا مِنْ دَلْكِهِ إيَّاهُ فَدَاهُ. [بَابُ دُخُولِ الْمُحْرِمِ الْحَمَّامَ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ لِلْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ غُسْلٌ، وَالْغُسْلُ مُبَاحٌ لِمَعْنَيَيْنِ

باب الموضع الذي يستحب فيه الغسل

لِلطَّهَارَةِ وَالتَّنْظِيفِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَمَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُدَلِّكُ الْوَسَخَ عَنْهُ فِي حَمَّامٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي الْوَسَخِ نُسُكٌ وَلَا أَمْرٌ نُهِيَ عَنْهُ وَلَا أَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُدْخِلَ رَأْسَهُ فِي مَاءٍ سُخْنٍ وَلَا بَارِدٍ جَارٍ وَلَا نَافِعٍ. [بَابُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْغُسْلُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ لِلدُّخُولِ فِي الْإِهْلَالِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِلْوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَلِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ سِوَى يَوْمِ النَّحْرِ وَأَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ بَيْنَ هَذَا عِنْدَ تَغَيُّرِ الْبَدَنِ بِالْعَرَقِ وَغَيْرِهِ تَنْظِيفًا لِلْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ أُحِبُّهُ لِلْحَائِضِ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَاحِدٌ وَاجِبٌ، وَرَوَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بِهَا وَدَخَلَ مَكَّةَ» وَرَوَى عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَرَوَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِمَنْزِلِهِ بِمَكَّةَ حِينَ يَقْدَمُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَرَوَى عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ، أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تَغْتَسِلُ بِذِي طُوًى حِينَ تَقْدَمُ مَكَّةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَيَأْمُرَ مَنْ مَعَهُ فَيَغْتَسِلُوا. [بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ «إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلَا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : اسْتَثْنَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ أَنْ يَلْبَسَ خُفَّيْنِ وَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ فَهُمَا سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ مِنْ السَّرَاوِيلِ شَيْئًا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِقَطْعِهِ، وَأَيَّهُمَا لَبِسَ ثُمَّ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ نَعْلَيْنِ، لَبِسَ النَّعْلَيْنِ وَأَلْقَى الْخُفَّيْنِ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ إزَارًا لَبِسَ الْإِزَارَ وَأَلْقَى السَّرَاوِيلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ افْتَدَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ

باب ما تلبس المرأة من الثياب

الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشْبَعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الثِّيَابُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا أَخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ، فَسَكَتَ عُمَرُ. [بَابُ مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي النِّسَاءَ إذَا أَحْرَمْنَ أَنْ يَقْطَعْنَ الْخُفَّيْنِ حَتَّى أَخْبَرَتْهُ صَفِيَّةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي النِّسَاءَ أَنْ لَا يَقْطَعْنَ، فَانْتَهَى عَنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا تَقْطَعُ الْمَرْأَةُ الْخُفَّيْنِ، وَالْمَرْأَةُ تَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَالْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارَ وَالدِّرْعَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَضَرُورَةِ الرَّجُلِ، وَلَيْسَتْ فِي هَذَا كَالرَّجُلِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: فِي كِتَابِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ خُفَّيْنِ فَلْيَلْبَسْهُمَا قُلْت: أَتَتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ كِتَابُ عَلِيٍّ؟ قَالَ: مَا أَشُكُّ أَنَّهُ كِتَابُهُ؟ قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ فَلْيَقْطَعْهُمَا، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إزَارٌ وَلَهُ تُبَّانٌ أَوْ سَرَاوِيلُ فَلْيَلْبَسْهُمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ: لَا يُقْطَعُ الْخُفَّانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَرَى أَنْ يُقْطَعَا، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ، وَلَيْسَ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا لَمْ يُؤَدِّهِ الْآخَرُ، إمَّا عَزَبَ عَنْهُ وَإِمَّا شَكَّ فِيهِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، وَإِمَّا سَكَتَ عَنْهُ وَإِمَّا أَدَّاهُ فَلَمْ يُؤَدِّ عَنْهُ لِبَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي اخْتِلَافًا، وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ إلَّا مَا بَيَّنَّا أَنَّا نَدَعُهُ، وَالسُّنَّةُ، ثُمَّ أَقَاوِيلُ أَكْثَرِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ الْمُحْرِمَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي اللُّبْسِ وَيَفْتَرِقَانِ. فَأَمَّا مَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ فَلَا يَلْبَسُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ، وَإِذَا لَمْ يَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ لِأَنَّهُمَا طِيبٌ، فَصَبْغُ الثَّوْبِ بِمَاءِ الْوَرْدِ أَوْ الْمِسْكِ أَوْ الْعَنْبَرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي هُوَ أَطْيَبُ مِنْ الْوَرْسِ أَوْ مِثْلِهِ، أَوْ مَا يُعَدُّ طِيبًا كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَلْبَسَانِهِ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ لَوْنٌ فِي الثَّوْبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، إذَا كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ تُوجَدُ وَالثَّوْبُ جَافٌّ أَوْ رَطْبٌ، وَلَوْ أَخَذَ مَاءَ وَرْدٍ فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا فَكَانَ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ مِنْهُ وَالثَّوْبُ جَافٌّ أَوْ مَبْلُولٌ لِأَنَّهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ فِي الثَّوْبِ لَمْ يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ وَكَذَلِكَ لَوْ صَعِدَ لَهُ زَعْفَرَانٌ حَتَّى يَبْيَضَّ لَمْ يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ وَكَذَلِكَ لَوْ غُمِسَ فِي نُضُوحٍ أَوْ ضِيَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ عَصَرَ لَهُ الرَّيْحَانَ الْعَرَبِيَّ أَوْ الْفَارِسِيَّ أَوْ شَيْئًا مِنْ الرَّيَاحِينِ الَّتِي كُرِهَ لِلْمُحْرِمِ شَمُّهَا فَغَمَسَ فِي مَائِهِ لَمْ يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى كُلِّ مَا كَانَ طِيبًا لَا يَشُمُّهُ الْمُحْرِمُ فَإِذَا اُسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِأَيِّ وَجْهٍ اُسْتُخْرِجَ نِيئًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا ثُمَّ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَلَا

لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسُهُ وَمَا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ شَمَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ الَّذِي لَا يُعَدُّ طِيبًا وَلَا رَيْحَانًا مِثْلَ الْإِذْخِرِ وَالضُّرُوِّ وَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالْبَشَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ النَّبَاتِ الْمَأْكُولِ الطَّيِّبِ الرِّيحِ مِثْلَ الْأُتْرُجِّ وَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ فَعُصِرَ مَاؤُهُ خَالِصًا فَغَمَسَ فِيهِ الثَّوْبَ فَلَوْ تَوَقَّاهُ الْمُحْرِمَانِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ لَبِسَاهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنْ لَا يَتَبَرْقَعَانِ وَلَا يَلْبَسَانِ الْقُفَّازَيْنِ وَيَلْبَسَانِ مَعًا الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ مُشْبَعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْبَعٍ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَمْ يُمْنَعْ لُبْسُ الْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ لِلَوْنِهِ وَأَنَّ اللَّوْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ طِيبًا لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَلَكِنْ إنَّمَا نَهَى عَمَّا كَانَ طِيبًا وَالْعُصْفُرُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَاَلَّذِي أُحِبُّ لَهُمَا مَعًا أَنْ يَلْبَسَا الْبَيَاضَ وَأَكْرَهُ لَهُمَا كُلَّ شُهْرَةٍ مِنْ عُصْفُرٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا إنْ لَبِسَا غَيْرَ الْمُطَيَّبِ وَيَلْبَسَانِ الْمُمَشَّقَ وَكُلَّ صِبَاغٍ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَوْ تَرَكَا ذَلِكَ وَلَبِسَا الْبَيَاضَ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ، أَمَّا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ فَلِمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " يَرَاهُ الْجَاهِلُ فَيَذْهَبُ إلَى أَنَّ الصَّبْغَ وَاحِدٌ فَيَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ بِالطِّيبِ " وَأَمَّا الَّذِي لَا يُقْتَدَى بِهِ فَأَخَافُ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ حِينَ يَتْرُكُ مُسْتَحَقًّا بِإِحْرَامِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت فَالْمُقْتَدَى بِهِ وَغَيْرُ الْمُقْتَدَى بِهِ يَجْتَمِعَانِ، فَيَتْرُكُ الْعَالِمُ عِنْدَ مَنْ جَهِلَ الْعِلْمَ مُسْتَحَقًّا بِإِحْرَامِهِ، وَإِذَا رَأَى الْجَاهِلَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْعَالِمُ رَأَى مَنْ يَجْهَلُ أَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ الْجَاهِلُ إلَّا وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْعَالَمِ فَيَقُولُ الْجَاهِلُ: قَدْ رَأَيْت فُلَانًا الْعَالِمَ رَأَى مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَصَحِبَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ تُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَيَكُونُ لَهَا لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَلَا تَقْطَعْهُمَا وَتَلْبَسُهُمَا وَهِيَ تَجِدُ نَعْلَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهَا لُبْسُ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالسَّرَاوِيلِ، وَلَيْسَ الْخُفَّانِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا وَلَا أُحِبُّ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ نَعْلَيْنِ وَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَيَكُونُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ فَيَكُونُ لِلرَّجُلِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ وَيَكُونُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ بَارِزَةً تُرِيدُ السِّتْرَ مِنْ النَّاسِ أَنْ تُرْخِيَ جِلْبَابَهَا أَوْ بَعْضَ خِمَارِهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ثِيَابِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَتُجَافِيهِ عَنْ وَجْهِهَا حَتَّى تُغَطِّيَ وَجْهَهَا مُتَجَافِيًا كَالسَّتْرِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَنْتَقِبَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تُدْلِي عَلَيْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلَا تَضْرِبُ بِهِ، قُلْت وَمَا لَا تَضْرِبُ بِهِ؟ فَأَشَارَ إلَيَّ كَمَا تُجَلْبِبُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَا عَلَى خَدِّهَا مِنْ الْجِلْبَابِ فَقَالَ لَا تُغَطِّيهِ فَتَضْرِبُ بِهِ عَلَى وَجْهِهَا فَذَلِكَ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهَا وَلَكِنْ تَسْدُلُهُ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا هُوَ مَسْدُولًا، وَلَا تُقَلِّبُهُ وَلَا تَضْرِبُ بِهِ وَلَا تَعْطِفُهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، لِتُدْلِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَلَا تَنْتَقِبُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تَرْفَعُ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقٍ وَلَا تُغَطِّي جَبْهَتَهَا وَلَا شَيْئًا مِنْ وَجْهِهَا إلَّا مَا لَا يَسْتَمْسِكُ الْخِمَارُ إلَّا عَلَيْهِ مِمَّا يَلِي قِصَاصَ شَعْرِهَا مِنْ وَجْهِهَا مِمَّا يُثَبِّتُ الْخِمَارَ وَيَسْتُرُ الشَّعْرَ لِأَنَّ الْخِمَارَ لَوْ وُضِعَ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ فَقَطْ انْكَشَفَ الشَّعْرُ وَيَكُونُ لَهَا الِاخْتِمَارُ وَلَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ التَّعَمُّمُ وَلَا يَكُونُ لَهُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُهُمَا وَيَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إزَارًا فَيَلْبَسُهُ وَلَا يَقْطَعُ مِنْهُ شَيْئًا وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَيَلْبَسَانِ رَقِيقَ الْوَشْيِ وَالْعَصْبَ وَدَقِيقَ الْقُطْنِ وَغَلِيظَهُ وَالْمَصْبُوغَ كُلَّهُ بِالْمَدَرِ لِأَنَّ الْمَدَرَ لَيْسَ بِطِيبٍ وَالْمَصْبُوغَ بِالسِّدْرِ وَكُلَّ صَبْغٍ عَدَا الطِّيبِ. وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ طِيبٌ فَبَقِيَ رِيحُهُ فِيهِ لَمْ يَلْبَسَاهُ وَكَانَ كَالصَّبْغِ وَلَوْ صُبِغَ ثَوْبٌ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ فَذَهَبَ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ أَوْ الْوَرْسِ مِنْ الثَّوْبِ لِطُولِ لُبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ إذَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمَا

الْمَاءُ حَرَّكَ رِيحَهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ لَمْ يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ إذَا أَصَابَهُمَا لَمْ يُحَرِّكْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَوْ غُسِلَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَحْسَنَ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَبْقَى فِي النَّفْسِ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يُغْسَلَا رَجَوْت أَنْ يَسَعَ لُبْسُهُمَا إذَا كَانَا هَكَذَا لِأَنَّ الصِّبَاغَ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِالْغُسْلِ ذَهَابَ الرِّيحِ فَإِنْ ذَهَبَ الرِّيحُ بِغَيْرِ غُسْلٍ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَ وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الْوَرْسُ بِحَالٍ كَانَ إنْ مَسَّهُ ثُمَّ ذَهَبَ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ بَعْدَ غَسَلَاتٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ إذَا كَانَ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْحِينِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قُلْت مَوْجُودٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ صُبِغَ ثَوْبٌ بَعْدَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ بِسِدْرٍ أَوْ سَوَادٍ فَكَانَا إذَا مَسَّهُمَا الْمَاءُ لَمْ يَظْهَرْ لِلزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ رِيحٌ كَانَ لَهُ لُبْسُهُمَا وَلَوْ كَانَ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ إذَا مَسَّهُمَا الْمَاءُ يَظْهَرُ لَهُمَا شَيْءٌ مِنْ رِيحِ الزَّعْفَرَانِ أَوْ الْوَرْسِ لَمْ يَلْبَسْهُمَا وَلَوْ مَسَّ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ بَعْضَ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ حَتَّى يُغْسَلَ وَيَعْقِدَ الْمُحْرِمُ عَلَيْهِ إزَارَهُ لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاحِ الْإِزَارِ، وَالْإِزَارُ مَا كَانَ مَعْقُودًا وَلَا يَأْتَزِرُ ذَيْلَيْنِ ثُمَّ يَعْقِدُ الذَّيْلَيْنِ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَعْقِدُ رِدَاءَهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَغْرِزُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ إنْ شَاءَ فِي إزَارِهِ أَوْ فِي سَرَاوِيلِهِ إذَا كَانَ الرِّدَاءُ مَنْشُورًا فَإِنْ لَبِسَ شَيْئًا مِمَّا قُلْت لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ ذَاكِرًا عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ، افْتَدَى وَقَلِيلُ لُبْسِهِ لَهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ. فَإِنْ قَنَعَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ذَاكِرًا عَالِمًا أَوْ انْتَقَبَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ لَبِسَتْ مَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَهُ فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ وَلَا يَعْصِبُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ مِنْ عِلَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِبَاسًا. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَلْوِي الثَّوْبَ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوْ مِنْ بَرْدٍ قَالَ: إذَا لَوَاهُ مِنْ ضَرُورَةٍ فَلَا فِدْيَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَسْعَى بِالْبَيْتِ وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ عَقَدَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ إنَّمَا غَرَزَ طَرَفَيْهِ عَلَى إزَارِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ قَالَ " أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْ ثَوْبِي مِنْ وَرَائِي ثُمَّ أَعْقِدُهُ وَأَنَا مُحْرِمٌ " فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ " لَا تَعْقِدُ شَيْئًا " أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَوَشَّحَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ مِنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يَفْتَدِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُحْتَزِمًا بِحَبْلٍ أَبْرَقَ فَقَالَ انْزِعْ الْحَبْلَ مَرَّتَيْنِ» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْمُحْرِمِ: يَجْعَلُ الْمِكْتَلَ عَلَى رَأْسِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَسَأَلْته عَنْ الْعِصَابَةِ يَعْصِبُ بِهَا الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ؟ فَقَالَ: لَا الْعِصَابَةُ تَكْفِتُ شَعْرًا كَثِيرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا بَأْسَ أَنْ يَرْتَدِيَ الْمُحْرِمُ وَيَطْرَحَ عَلَيْهِ الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْفَرْوَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْبَسْهُ لِبَاسًا وَهُوَ كَالرِّدَاءِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ وَثِيَابَ غَيْرِهِ وَيَلْبَسَ غَيْرَ مَا أَحْرَمَ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْهِيُّ عَنْ لُبْسِهَا، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ " وَلْيَلْبَسْ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَمْ يُهِلَّ فِيهِ " أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْمُمَشَّقِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا أَنْ يَلْبَسَهُ وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ مَدَرَةٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ الرَّبِيعُ أَظُنُّهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَاجًا مَا لَمْ يَزُرَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ زَرَّهُ عَلَيْهِ عَمْدًا افْتَدَى كَمَا يَفْتَدِي إذَا تَقَمَّصَ عَمْدًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى

باب لبس المنطقة والسيف للمحرم

بِلُبْسِ الْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا مَا لَمْ يَجِدْ رِيحَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَمَّا الْعُصْفُرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ فَإِذَا كَانَ إذَا مَسَّهُ الْمَاءُ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ فَلَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ إذْ جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُقَالُ لَهَا تَمْلِكُ فَقَالَتْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ ابْنَتِي فُلَانَةَ حَلَفَتْ أَنَّهَا لَا تَلْبَسُ حُلِيَّهَا فِي الْمَوْسِمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ " قُولِي لَهَا إنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُقْسِمُ عَلَيْك إلَّا لَبِسْت حُلِيَّك كُلَّهُ " أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَا: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَمْسَحَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِنَّاءِ وَلَا تُحْرِمُ وَهِيَ عَفَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لَهَا (قَالَ) : إنْ اخْتَضَبَتْ الْمُحْرِمَةُ وَلَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا رَأَيْت أَنْ تَفْتَدِيَ وَأَمَّا لَوْ مَسَحَتْ يَدَيْهَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنِّي لَا أَرَى عَلَيْهَا فِدْيَةً وَأَكْرَهُهُ، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ زِينَةٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ عَنْ الْكُحْلِ الْإِثْمِدِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ قَالَ أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ تَخَشُّعٍ وَعِبَادَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْكُحْلُ فِي الْمَرْأَةِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الرَّجُلِ فَإِنْ فَعَلَا فَلَا أَعْلَمُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِدْيَةً وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَأَيُّهُمَا اكْتَحَلَ بِهِ افْتَدَى، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا رَمِدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَقَطَرَ فِي عَيْنَيْهِ الصَّبْرُ إقْطَارًا، وَأَنَّهُ قَالَ: يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ بِأَيِّ كُحْلٍ إذَا رَمَدَ، مَا لَمْ يَكْتَحِلْ بِطِيبٍ، وَمِنْ غَيْرِ رَمَدٍ، ابْنُ عُمَرَ الْقَائِلُ. [بَابُ لُبْسِ الْمِنْطَقَةِ وَالسَّيْفِ لِلْمُحْرِمِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْمِنْطَقَةَ وَلَوْ جَعَلَ فِي طَرَفِهَا سُيُورًا فَعَقَدَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ لَمْ يَضُرَّهُ وَيَتَقَلَّدُ الْمُحْرِمُ السَّيْفَ مِنْ خَوْفٍ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَيُتَنَكَّبُ الْمُصْحَفَ. [بَابُ الطِّيبِ لِلْإِحْرَامِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ «قَالَتْ عَائِشَةُ أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سَالِمٌ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت «عَائِشَةَ وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا تَقُولُ أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ سَمِعْت «عَائِشَةَ تَقُولُ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَرَمِهِ وَلِحِلِّهِ فَقُلْت لَهَا بِأَيِّ الطِّيبِ؟ فَقَالَتْ بِأَطْيَبِ الطِّيبِ» . وَقَالَ عُثْمَانُ مَا رَوَى هِشَامٌ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا عَنِّي أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْت وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مُفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ يُخْبِرَانِ عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ تَقُولُ طَيَّبْت أَبِي عِنْدَ إحْرَامِهِ بِالسُّكِّ وَالذَّرِيرَةِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ حَسَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ مُحْرِمًا وَأَنَّ عَلَى رَأْسِهِ لَمِثْلَ الرُّبِّ مِنْ الْغَالِيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الرَّجُلُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ مِنْ الطِّيبِ غَالِيَةٍ وَمُجْمَرٍ وَغَيْرِهِمَا إلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ الرَّجُلُ مِنْ التَّزَعْفُرِ وَلَا بَأْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي التَّطَيُّبِ بِمَا شَاءَتْ مِنْ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا بَعْدَ مَا يَرْمِيَانِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَحْلِقُ الرَّجُلُ وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَطَيُّبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَالَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالْمُجْمَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ وَابْتَدَأَ الطِّيبَ حَلَالًا وَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ، وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ مِنْهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الطِّيبُ دُهْنًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا أَحْرَمَ فَمَسَّ مِنْ الطِّيبِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِيَدِهِ أَوْ أَمَسَّهُ جَسَدَهُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِحُرْمَتِهِ غَيْرَ جَاهِلٍ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ، افْتَدَى. وَكُلُّ مَا سَمَّى النَّاسُ طِيبًا فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ الْأَفَاوِيهِ وَغَيْرِهَا وَكُلُّ مَا كَانَ مَأْكُولًا إنَّمَا يُتَّخَذُ لِيُؤْكَلَ أَوْ يُشْرَبَ لِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ وَيَصْلُحُ فِي الطِّيبِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَشَمِّهِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمُصْطَكَى وَالزَّنْجَبِيلِ وَالدَّارَصِينِيِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَعْلُوفٍ أَوْ حَطَبٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مِثْلَ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالْإِذْخِرِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، فَإِنْ شَمَّهُ أَوْ أَكَلَهُ أَوْ دَقَّهُ فَلَطَّخَ بِهِ جَسَدَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا دُهْنٍ، وَالرَّيْحَانُ عِنْدِي طِيبٌ، وَمَا طَيَّبَ مِنْ الْأَدْهَانِ بِالرَّيَاحِينِ فَبَقِيَ طِيبًا كَانَ طِيبًا وَمَا رُبِّبَ بِهَا عِنْدِي طِيبٌ إذَا بَقِيَ طِيبًا مِثْلَ الزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ وَالْكَاذِي وَالْبَانِ الْمَنْشُوشِ وَلَيْسَ الْبَنَفْسَجُ بِطِيبٍ إنَّمَا يُرَبَّبُ لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلطِّيبِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَشُمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَالدُّهْنَ وَالطِّيبَ؟ فَقَالَ: لَا، أُخْبِرْنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ مَا أَرَى الْوَرْدَ وَالْيَاسَمِينَ إلَّا طِيبًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا مَسَّ الْمُحْرِمُ مِنْ رَطْبِ الطِّيبِ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ افْتَدَى وَإِنْ مَسَّ بِيَدِهِ مِنْهُ شَيْئًا يَابِسًا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي يَدِهِ وَلَا لَهُ رِيحٌ كَرِهْته لَهُ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَإِنَّمَا يَفْدِي مِنْ الشَّمِّ خَاصَّةً بِمَا أَثَّرَ مِنْ الطِّيبِ مِنْ الشَّمِّ، لِأَنَّ غَايَةَ الطِّيبِ لِلتَّطَيُّبِ وَإِنْ جَلَسَ إلَى عَطَّارٍ فَأَطَالَ، أَوْ مَرَّ بِهِ فَوَجَدَ رِيحَ الطِّيبِ أَوْ وَجَدَ رِيحَ الْكَعْبَةِ مُطَيَّبَةً أَوْ مُجْمَرَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ مَسَّ خَلُوقَ الْكَعْبَةِ جَافًّا كَانَ كَمَا وَصَفْت لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَلَا يَبْقَى رِيحُهُ فِي بَدَنِهِ وَكَذَلِكَ الرُّكْنُ وَإِنْ مَسَّ الْخَلُوقَ رَطْبًا افْتَدَى وَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ أَوْ

باب لبس المحرم وطيبه جاهلا

تَلَطَّخَ بِهِ غَيْرَ عَامِدٍ لَهُ غَسَلَهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ وَلَوْ عَقَدَ طِيبًا فَحَمَلَهُ فِي خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَرِيحُهُ يَظْهَرُ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَكَرِهْته لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الطِّيبَ نَفْسَهُ وَلَوْ أَكَلَ طِيبًا أَوْ اسْتَعَطَ بِهِ أَوْ احْتَقَنَ بِهِ افْتَدَى وَإِذَا كَانَ طَعَامٌ قَدْ خَالَطَهُ زَعْفَرَانٌ أَصَابَتْهُ نَارٌ أَوْ لَمْ تُصِبْهُ فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ رِيحُهُ يُوجَدُ أَوْ كَانَ طَعْمُ الطِّيبِ يَظْهَرُ فِيهِ فَأَكَلَهُ الْمُحْرِمُ افْتَدَى وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ رِيحٌ وَلَا يُوجَدُ لَهُ طَعْمٌ وَإِنْ ظَهَرَ لَوْنُهُ فَأَكَلَهُ الْمُحْرِمُ لَمْ يَفْتَدِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ الطِّيبُ فِي الْمَأْكُولِ وَيَمَسُّ النَّارَ فَيَظْهَرُ فِيهِ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ وَيَقِلُّ وَلَا تَمَسُّهُ نَارٌ فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ وَإِنَّمَا الْفِدْيَةُ وَتَرْكُهَا مِنْ قِبَلِ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ وَلَيْسَ لِلَّوْنِ مَعْنًى لِأَنَّ اللَّوْنَ لَيْسَ بِطِيبٍ وَإِنْ حَشَا الْمُحْرِمُ فِي جُرْحٍ لَهُ طِيبًا افْتَدَى وَالْأَدْهَانُ دُهْنَانِ، دُهْنٌ طِيبٌ فَذَلِكَ يَفْتَدِي صَاحِبُهُ إذَا دَهَنَ بِهِ مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ بِالطِّيبِ وَالزَّنْبَقِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ (قَالَ) : وَدُهْنٌ لَيْسَ بِطِيبٍ مِثْلِ سَلِيخَةِ الْبَانِ غَيْرِ الْمَنْشُوشِ وَالشِّبْرِقِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالزُّبْدِ، فَذَلِكَ إنْ دَهَنَ بِهِ أَيَّ جَسَدِهِ شَاءَ غَيْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ أَوْ أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ دَهَنَ بِهِ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ افْتَدَى، لِأَنَّهُمَا فِي مَوْضِعِ الدُّهْنِ وَهُمَا يُرَجِّلَانِ وَيَذْهَبُ شَعَثُهُمَا بِالدُّهْنِ فَأَيُّ دُهْنٍ أَذْهَبَ شَعْثَهُمَا وَرَجَّلَهُمَا، بَقَّى فِيهِمَا طِيبًا أَوْ لَمْ يُبَقِّ، فَعَلَى الْمُدَّهِنِ بِهِ فِدْيَةٌ، وَلَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ بِعَسَلٍ أَوْ لَبَنٍ لَمْ يَفْتَدِ لِأَنَّهُ لَا طِيبَ وَلَا دُهْنَ إنَّمَا هُوَ يُقَذِّرُ لَا يُرَجِّلُ وَلَا يُهَنِّئُ الرَّأْسَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ قَدَمَيْهِ إذَا تَشَقَّقَتْ بِالْوَدَكِ مَا لَمْ يَكُنْ طِيبًا، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَتَشَقَّقُ رَأْسُهُ أَيَدْهُنُ الشِّقَاقَ مِنْهُ بِسَمْنٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِوَدَكٍ غَيْرِ السَّمْنِ، إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَ، فَقُلْت لَهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، قَالَ: وَلَكِنَّهُ يُرَجِّلُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنَّهُ يَدْهُنُ قَدَمَهُ إذَا تَشَقَّقَتْ بِالْوَدَكِ مَا لَمْ يَكُنْ طِيبًا فَقَالَ: إنَّ الْقَدَمَ لَيْسَتْ كَالشَّعْرِ إنَّ الشَّعْرَ يُرَجَّلُ قَالَ عَطَاءٌ: وَاللِّحْيَةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الرَّأْسِ. [بَابُ لُبْسِ الْمُحْرِمِ وَطِيبِهِ جَاهِلًا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجِعْرَانَةِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَةٌ يَعْنِي جُبَّةً وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كُنْت تَصْنَعُ فِي حَجِّك؟ قَالَ كُنْت أَنْزِعُ هَذِهِ الْمُقَطَّعَةَ وَأَغْسِلُ هَذَا الْخَلُوقَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كُنْت صَانِعًا فِي حَجِّك فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِك» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَحْرَمَ فِي قَمِيصٍ أَوْ جُبَّةٍ فَلْيَنْزِعْهَا نَزْعًا وَلَا يَشُقَّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالسُّنَّةُ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ صَاحِبَ الْجُبَّةِ أَنْ يَنْزِعَهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشَقِّهَا، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ ثُمَّ سَارَ أَمْيَالًا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَنَزَعَهَا أَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِهِ فَيُحْدِثَ إحْرَامًا؟ قَالَ: لَا، حَسْبُهُ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَهَلَّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَالْجُبَّةُ لَا تَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ مُهِلًّا، وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَحْسَبُ مَنْ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَالْإِفَاضَةِ بَلَغَهُ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ عَنْهُ وَنَزْعِ الْجُبَّةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الطِّيبِ لِأَنَّ الْخَلُوقَ كَانَ عِنْدَهُ طِيبًا وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا

رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَلِمُوهُ فَرَأَوْهُ مُخْتَلِفًا فَأَخَذُوا بِالنَّهْيِ عَنْ الطِّيبِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبِ الْجُبَّةِ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ يَحْتَمِلُ مَا وَصَفْت وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ لِأَنَّهُ طِيبٌ وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُبْقِيَ عَلَيْهِ الطِّيبَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ كَانَ كَمَا قُلْت كَانَ مَنْسُوخًا فَإِنْ قَالَ وَمَا نَسَخَهُ؟ قُلْنَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَعْرَابِيِّ بِالْجِعْرَانَةِ وَالْجِعْرَانَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ وَحَرَمِهِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ. فَإِنْ قَالَ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ عُمَرُ قُلْنَا لَعَلَّهُ نَهَى عَنْهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قَالَ أَفَلَا تَخَافُ غَلَطَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ؟ قِيلَ: هُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَلَّطُوا مِمَّنْ رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ وَرَوَى هَذَا عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَلَّطُوا مِنْ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ، وَكُلٌّ عِنْدَنَا لَمْ يَغْلَطْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ جَازَ إذَا خَالَفَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطِّيبِ أَنْ يُخَافَ غَلَطُ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ أَنْ يُخَافَ غَلَطُ مَنْ رَوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَإِذَا كَانَ، عِلْمُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطَيَّبَ وَأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ عِلْمًا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتْرَكُ بِحَالٍ إلَّا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِقَوْلِ غَيْرِهِ وَقَدْ خَالَفَ عُمَرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ يَتْرُكُ مَنْ يَكْرَهُ الطِّيبَ لِلْإِحْرَامِ وَالْإِحْلَالِ لِقَوْلِ عُمَرَ أَقَاوِيلَ لِعُمَرَ لِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَاوِيلُ لِعُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُخَالِفُ عُمَرُ لِرَأْيِ نَفْسِهِ. فَإِذَا كَانَ يُصْنَعُ هَذَا فِي بَعْضِ قَوْلِ عُمَرَ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَدَعَ السُّنَّةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْخَلْقِ اتِّبَاعَهَا لِقَوْلِ مَنْ يَفْعَلُ فِي قَوْلِهِ مِثْلَ هَذَا لَعَمْرِي لَئِنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ فَيَدَعُ السُّنَّةَ بِخِلَافِهِ فَمَا لَا سُنَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ أَضْيَقُ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ خِلَافِهِ وَهُوَ يَكْثُرُ خِلَافُهُ فِيمَا لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلِمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّائِلَ بِأَنْ يَنْزِعَ الْجُبَّةَ عَنْهُ وَيَغْسِلَ الصُّفْرَةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَفَّارَةِ قُلْنَا: مَنْ لَبِسَ مَا لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ جَاهِلًا بِمَا عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِ أَوْ نَاسِيًا لِحَرَمِهِ ثُمَّ يَثْبُتُ عَلَيْهِ أَيُّ مُدَّةٍ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ ابْتَدَأَ لُبْسَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ جَاهِلًا بِمَا عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِ أَوْ نَاسِيًا لِحَرَمِهِ أَوْ مُخْطِئًا بِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ فَيَلْبَسَهُ نَزَعَ الْجُبَّةَ وَالْقَمِيصَ نَزْعًا وَلَمْ يَشُقَّهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ قِيَاسًا عَلَيْهِ إنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الصُّفْرَةِ وَإِنْ كَانَ لِلطِّيبِ فَهُوَ أَكْثَرُ أَوْ مِثْلُهُ وَالصُّفْرُ جَامِعَةٌ لِأَنَّهَا طِيبٌ وَصُفْرَةٌ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قُلْت هَذَا فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فِي اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَلَمْ تَقُلْهُ فِيمَنْ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

باب الوقت الذي يجوز فيه الحج والعمرة

قُلْته خَبَرًا وَقِيَاسًا وَأَنَّ فِي اللُّبْسِ وَالطِّيبِ مُخَالَفَةُ حَالِهِ فِي جَزِّ الشَّعْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، فَإِنْ قَالَ: فَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَقَتَلَ الصَّيْدَ وَجَزَّ الشَّعْرَ وَهُوَ جَاهِلٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قِيلَ لَهُ الطِّيبُ وَاللُّبْسُ شَيْءٌ إذَا أَزَالَهُ عَنْهُ زَالَ فَكَانَ إذَا أَزَالَهُ كَحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْبَسَ وَيَتَطَيَّبَ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْلِفَهُ وَلَمْ يُزِلْ شَيْئًا حُرِّمَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ إنَّمَا أَزَالَ مَا أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ وَقَاتِلُ الصَّيْدِ أَتْلَفَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ إتْلَافَهُ وَجَازَ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ أَزَالَ بِقَطْعِهِ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ إزَالَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْإِزَالَةُ لِمَا لَيْسَ لَهُ إزَالَتُهُ إتْلَافٌ وَفِي الْإِتْلَافِ لِمَا نُهِيَ عَنْ إتْلَافِهِ عِوَضٌ خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا، لِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي إتْلَافِ النَّفْسِ خَطَأً مِنْ الدِّيَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي الْإِتْلَافِ كَهُوَ فِي الْإِتْلَافِ وَلَكِنَّهُ إذَا فَعَلَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ وَغَيْرَ مُخْطِئٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي قَلِيلِ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَكَثِيرِهِ عَلَى مَا وَصَفْت فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَهُ فَتَرَكَهُ عَلَيْهِ سَاعَةً وَقَدْ أَمْكَنَهُ إزَالَتَهُ عَنْهُ بِنَزْعِ ثَوْبٍ أَوْ غَسْلِ طِيبٍ افْتَدَى لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الثَّوْبَ وَالطِّيبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَهَابِ الْعُذْرِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَزْعُ الثَّوْبِ لِعِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ عَطَبٍ فِي بَدَنِهِ وَانْتَظَرَ مَنْ يَنْزِعُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَهَذَا عُذْرٌ وَمَتَى أَمْكَنَهُ نَزْعُهُ نَزَعَهُ وَإِلَّا افْتَدَى إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَا يَفْتَدِي إذَا نَزَعَهُ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ غَسْلُ الطِّيبِ وَكَانَ فِي جَسَدِهِ رَأَيْت أَنْ يَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خِرْقَةً فَبِتُرَابٍ إنْ أَذْهَبَهُ فَإِنْ لَمْ يُذْهِبْهُ فَبِشَجَرٍ أَوْ حَشِيشٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَوْ قَدَرَ فَلَمْ يُذْهِبْهُ. فَهَذَا عُذْرٌ، وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْمَاءُ غَسَلَهُ وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ بِهِ لَمْ يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ وَتَيَمَّمَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَوْ غَسَلَ الطِّيبَ غَيْرُهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ غَسَلَهُ هُوَ بِيَدِهِ لَمْ يَفْتَدِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ وَإِنْ مَاسَّهُ فَإِنَّمَا مَاسَّهُ لِيُذْهِبَهُ عَنْهُ لَمْ يُمَاسَّهُ لِيَتَطَيَّبَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُهُ، وَهَكَذَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَطِيعُ، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الذَّنْبِ لَا لِلزِّيَادَةِ، فِيهِ فَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ. [بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] إلَى قَوْلِهِ {فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِنَافِعٍ أَسَمِعْت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُسَمِّي شُهُورَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ يُسَمِّي شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ قُلْت لِنَافِعٍ: فَإِنْ أَهَلَّ إنْسَانٌ بِالْحَجِّ قَبْلَهُنَّ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ طَاوُسٌ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَيْفَ كُنْت قَائِلًا لَهُ؟ قَالَ

باب هل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال أو تكفي النية منهما

أَقُولُ لَهُ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُلَبِّيَ بِحَجٍّ ثُمَّ يُقِيمَ [بَابُ هَلْ يُسَمِّي الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ أَوْ تَكْفِي النِّيَّةُ مِنْهُمَا] ؟ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِيمَا حَكَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُلَبِّي كَافِيَةٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ مَا يُحْرِمُ بِهِ كَمَا تَكُونُ نِيَّةُ الْمُصَلِّي مَكْتُوبَةً أَوْ نَافِلَةً أَوْ نَذْرًا كَافِيَةً لَهُ مِنْ إظْهَارِ مَا يَنْوِي مِنْهَا بِأَيِّ إحْرَامٍ نَوَى، وَنِيَّةُ الصَّائِمِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ كَفَتْهُ نِيَّتُهُ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَ أَنَّ حَجَّهُ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَلْبِيَتِهِ حَجًّا قَطُّ وَلَا عُمْرَةً» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَمَّى الْمُحْرِمُ ذَلِكَ لَمْ أَكْرَهْهُ إلَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ سُنَّةً سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مَنْ بَعْدَهُ، وَلَوْ لَبَّى الْمُحْرِمُ فَقَالَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ حَجَّةً كَانَ مُفْرِدًا وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً كَانَ مُعْتَمِرًا وَلَوْ سَمَّى عُمْرَةً وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا كَانَ حَجًّا وَلَوْ سَمَّى عُمْرَةً وَهُوَ يُرِيدُ قِرَانًا كَانَ قِرَانًا إنَّمَا يَصِيرُ أَمْرُهُ إلَى النِّيَّةِ إذَا أَظْهَرَ التَّلْبِيَةَ مَعَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ لَفْظِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ لِلَّهِ خَالِصًا لَا شَيْءَ لِأَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ غَيْرُهُ فِيهِ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ دُونَ نِيَّتِهِ، وَلَوْ لَبَّى رَجُلٌ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا كَمَا لَوْ كَبَّرَ لَا يُرِيدُ صَلَاةً لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ أَكَلَ سَحَرًا لَا يُرِيدُ صَوْمًا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّوْمِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ يَوْمًا كَامِلًا وَلَا يَنْوِي صَوْمًا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَقِيَ رَكْبًا بِالسَّاحِلِ مُحْرِمِينَ فَلَبَّوْا فَلَبَّى ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ دَاخِلٌ إلَى الْكُوفَةِ وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَضِيقُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ، وَلَا يُوجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي إحْرَامٍ إذَا لَمْ يَنْوِهِ. [بَاب كَيْفَ التَّلْبِيَةُ] ُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» قَالَ نَافِعٌ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» وَذَكَرَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَمَا رَوَى جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ «كَانَتْ أَكْثَرُ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ الَّتِي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ تَلْبِيَةَ الْمُحْرِمِ لَا يَقْصُرُ عَنْهَا وَلَا يُجَاوِزُهَا» ، إلَّا أَنْ يُدْخِلَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مِثْلُهَا فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهَا تَلْبِيَةٌ وَالتَّلْبِيَةُ إجَابَةٌ. فَأَبَانَ أَنَّهُ أَجَابَ إلَهَ الْحَقِّ بِلَبَّيْكَ أَوَّلًا وَآخِرًا. أَخْبَرَنَا

باب رفع الصوت بالتلبية

سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك قَالَ حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ فَزَادَ فِيهَا لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَسِبْت أَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذِهِ تَلْبِيَةٌ كَتَلْبِيَتِهِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ لَا عَيْشُ الدُّنْيَا وَلَا مَا فِيهَا وَلَا يَضِيقُ عَلَى أَحَدٍ فِي مِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ مَعَ التَّلْبِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّلْبِيَةِ وَلَا يَصِلَ بِهَا شَيْئًا إلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعَظِّمُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ بَعْدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَ سَعْدٌ بَعْضَ بَنِي أَخِيهِ وَهُوَ يُلَبِّي يَا ذَا الْمَعَارِجِ فَقَالَ: سَعْدٌ الْمَعَارِجُ؟ إنَّهُ لِذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَوْ مَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ بِالْإِهْلَالِ» يُرِيدُ أَحَدَهُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِمَا أَمَرَ بِهِ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ الرِّجَالَ الْمُحْرِمِينَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ هُمْ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا جَهْدَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ أَصْوَاتَهُمْ فَكَأَنَّا نَكْرَهُ قَطْعَ أَصْوَاتِهِمْ وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ الرِّجَالُ فَكَانَ النِّسَاءُ مَأْمُورَاتٍ بِالسَّتْرِ فَإِنْ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمَرْأَةِ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا وَأَسْتَرُ لَهَا، فَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ وَتُسْمِعُ نَفْسَهَا. [بَابُ أَيْنَ يُسْتَحَبُّ لُزُومُ التَّلْبِيَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ كَانَ سَلَفُنَا لَا يَدَعُونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَرْبَعٍ، عِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ حَتَّى تَنْضَمَّ وَعِنْدَ إشْرَافِهِمْ عَلَى الشَّيْءِ وَهُبُوطِهِمْ مِنْ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَعِنْدَ هُبُوطِهِمْ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُشْرِفُونَ مِنْهُ وَعِنْدَ الصَّلَاةِ إذَا فَرَغُوا مِنْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا رَوَى ابْنُ سَابِطٍ عَنْ السَّلَفِ هُوَ مُوَافِقٌ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَإِذَا كَانَتْ التَّلْبِيَةُ بَرًّا أُمِرَ الْمُلَبُّونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ فَأَوْلَى الْمَوَاضِعِ أَنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِهِ مُجْتَمَعُ النَّاسِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَاضْطِمَامِ الرِّفَاقِ، وَأَيْنَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ بِمَا يَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ

باب الخلاف في رفع الصوت بالتلبية في المساجد

مِنْ طَاعَتِهِمْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَأَنَّ مَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ كَمَعْنَى رَفْعِهِ بِالْأَذَانِ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلسَّامِعِ لَهُ، يُحْدِثُ لَهُ الرَّغْبَةَ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ بِنَفْسِهِ وَلِسَانِهِ أَوْ بَعْضِهَا، وَيُؤْجَرُ لَهُ الْمُنَبِّهُ لَهُ إلَيْهِ. [بَابُ الْخِلَافِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْمَسَاجِدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَرْفَعُ الْمُلَبِّي صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمِنًى فَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ مَعْنًى يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ أَحَدٌ، إذْ حُكِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ» ، فَمَتَى كَانَتْ التَّلْبِيَةُ مِنْ الرَّجُلِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهَا وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ يَرْفَعُهَا فِي حَالٍ دُونَ حَال جَازَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ يَرْفَعُهَا حَيْثُ زَعَمْت أَنَّهُ يَخْفِضَهَا وَيَخْفِضَهَا حَيْثُ زَعَمْت أَنَّهُ يَرْفَعُهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِأَحَدٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ سَابِطٍ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدَعُونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ وَاظَبُوا عَلَيْهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَإِذَا تَحَرَّوْا اجْتِمَاعَ النَّاسِ عَلَى الطَّرِيقِ كَانَتْ الْمَسَاجِدُ أَوْلَى أَنْ يَجْهَرُوا بِذَلِكَ فِيهَا أَوْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهَا؟ أَرَأَيْت الْأَذَانَ أَيُتْرَكُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ قِيلَ وَكَذَلِكَ التَّلْبِيَةُ بِهِ أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا أَكَانَتْ التَّلْبِيَةُ تَعْدُو أَنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِهَا مَعَ الْجَمَاعَاتِ فَكُلُّ جَمَاعَةٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ أَوْ يَنْهَى عَنْهَا فِي الْجَمَاعَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْغِلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ فَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى أَوْلَى أَنْ لَا يُرْفَعَ عَلَيْهِمْ الصَّوْتُ أَوْ مِثْلِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ أَدَبًا وَإِعْظَامًا لَهَا، فَأَوْلَى الْمَسَاجِدِ أَنْ يُعَظَّمَ، الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ مِنًى لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ. [بَابُ التَّلْبِيَةِ فِي كُلِّ حَالٍ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكْثِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا وَنَازِلًا وَمُضْطَجِعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُلَبِّي الْمُحْرِمُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُلَبِّي الْمَرْءُ طَاهِرًا وَجُنُبًا وَغَيْرَ مُتَوَضِّئٍ، وَالْمَرْأَةُ حَائِضًا وَجُنُبًا وَطَاهِرًا وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ وَعَرَكَتْ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَالتَّلْبِيَةُ مِمَّا يَفْعَلُ الْحَاجُّ. [بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْقَوْلِ فِي أَثَرِ التَّلْبِيَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : اُسْتُحِبَّ إذَا سَلَّمَ الْمُصَلِّي أَنْ يُلَبِّيَ ثَلَاثًا وَاسْتُحِبَّ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُتْبِعَهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْأَلَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ وَالتَّعَوُّذَ مِنْ النَّارِ اتِّبَاعًا وَمَعْقُولًا أَنَّ الْمُلَبِّيَ وَافِدُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ مَنْطِقَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مَنْطِقُهُ بِإِجَابَةِ دَاعِي اللَّهِ وَأَنَّ تَمَامَ الدُّعَاءِ وَرَجَاءَ إجَابَتِهِ الصَّلَاةُ عَلَى

باب الاستثناء في الحج

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي إثْرِ كَمَالِ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذَ مِنْ النَّارِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ مَا يَسْأَلُ وَيَسْأَلُ بَعْدَهَا مَا أَحَبَّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ» ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَأْمُرُ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَجِّ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بضباعة بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ أَمَّا تُرِيدِينَ الْحَجَّ؟ فَقَالَتْ إنِّي شَاكِيَةٌ فَقَالَ لَهَا حِجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَتْ لِي عَائِشَةُ هَلْ تَسْتَثْنِي إذَا حَجَجْت؟ فَقُلْت لَهَا مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَتْ: قُلْ " اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت وَلَهُ عَمَدْت فَإِنْ يَسَّرْت فَهُوَ الْحَجُّ وَإِنْ حَبَسْتَنِي بِحَابِسٍ فَهِيَ عُمْرَةٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ أُعَدِّهِ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا غَيْرَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ مُحْصَرٍ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ مَالٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ تَوَانٍ وَكَانَ إذَا اشْتَرَطَ فَحُبِسَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ مَالٍ أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْبُلُوغِ حَلَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ بِلَا هَدْيٍ وَلَا كَفَّارَةِ غَيْرِهِ وَانْصَرَفَ إلَى بِلَادِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَيَحُجُّهَا وَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِشَرْطٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ وَكَانَ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ يُوَافِقُهُ فِي مَعْنَى أَنَّهَا أَمَرَتْ بِالشَّرْطِ وَكَانَ وَجْهُ أَمْرِهَا بِالشَّرْطِ إنْ حُبِسَ عَنْ الْحَجِّ فَهِيَ عُمْرَةٌ أَنْ يَقُولَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ عَنْ الْحَجِّ وَوَجَدْت سَبِيلًا إلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ فَهِيَ عُمْرَةٌ وَكَانَ مَوْجُودًا فِي قَوْلِهَا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ حَدِيثَ عُرْوَةَ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَمَلَ أَنْ يَحْتَجَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا تَقُولُ: إنْ كَانَ حَجٌّ وَإِلَّا فَهِيَ عُمْرَةٌ، وَقَالَ أَسْتَدِلُّ بِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ يَحِلُّ إلَّا بِالْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ وَلَوْ كَانَتْ إذَا ابْتَدَأَتْ أَنْ تَأْمُرَهُ بِشَرْطٍ رَأَتْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ بِغَيْرِ وُصُولٍ إلَى الْبَيْتِ أَمَرَتْهُ بِهِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ الِاشْتِرَاطَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ عَلَى الْحَاجِّ الْقَضَاءُ إذَا حَلَّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِيمَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ خِلَافَ عَائِشَةَ إذْ أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ اشْتَرَطَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فَلَا يَكُونُ لِلشَّرْطِ مَعْنًى وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ، وَلَوْ جَرَّدَ أَحَدٌ خِلَافَ عَائِشَةَ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ عُمَرَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَيَهْدِي، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إلَى إبْطَالِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ يَذْهَبُ فِي إبْطَالِهِ إلَى شَيْءٍ عَالٍ أَحْفَظُهُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَجِّ فَأَنْكَرَهُ، وَمَنْ أَبْطَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فَعَمِلَ رَجُلٌ بِهِ فَحَلَّ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَأَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ جَعَلَهُ

باب الإحصار

مُفْسِدًا وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِيمَا أَصَابَ وَأَنْ يَعُودَ حَرَامًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَقْضِيَ حَجًّا، إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ. [بَابُ الْإِحْصَارِ] [بَابُ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ] ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] الْآيَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ أَسْمَعْ مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ وَرَجَعَ حَلَالًا وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْبَيْتِ وَلَا أَصْحَابُهُ إلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَحْدَهُ وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهُ وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ أَنْ لَا يَحْلِقُوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَأَمْرَهُ وَمَنْ كَانَ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ بِفِدْيَةٍ سَمَّاهَا وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] الْآيَةَ وَمَا بَعْدَهَا يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ قَضَاءٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ قَضَاءً وَذَكَرَ فَرَائِضَ فِي الْإِحْرَامِ بَعْدَ ذِكْرِ أَمْرِهِ (قَالَ) : وَاَلَّذِي أَعْقِلُ فِي أَخْبَارِ أَهْلِ الْمَغَازِي شَبِيهٌ بِمَا ذَكَرْت مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا فِي مُتَوَاطِئِ أَحَادِيثِهِمْ أَنْ قَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِأَسْمَائِهِمْ ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ عَلِمْته وَلَوْ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ وَمَا تَخَلَّفُوا عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي تَوَاطُؤٍ أَخْبَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَمَا وَصَفْت مِنْ تَخَلُّفِ بَعْضِ مَنْ أَحُصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةِ مَوْضِعٌ مِنْ الْأَرْضِ مِنْهُ مَا هُوَ فِي الْحِلِّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّمَا نَجُرُّ الْهَدْيَ عِنْدَنَا فِي الْحِلِّ وَفِيهِ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بُويِعَ فِيهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] فَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَنَقُولُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَلَّ حَيْثُ يُحْبَسُ فِي حِلٍّ كَانَ أَوْ حَرَمٍ وَنَحَرَ أَوْ ذَبَحَ هَدْيًا. وَأَقَلُّ مَا يَذْبَحُ شَاةٌ، فَإِنْ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَجْزَأَتْهُمْ أَخْرَجُوا مَعًا ثَمَنَهَا أَوْ أَحَدُهُمْ وَوَهَبَ لَهُمْ حِصَصَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا فَذَبَحُوهَا، فَأَمَّا إنْ ذَبَحَهَا ثُمَّ وَهَبَ لَهُمْ حِصَصَهُمْ مِنْهَا فَهِيَ لَهُ وَلَا تَجْزِيهِمْ وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ إذَا خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهِ وَالْحَصْرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهِ وَالْعَدُوُّ بِحَالِهِ ثُمَّ زَالَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَكَانُوا عَلَى رَجَاءٍ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِإِذْنِ الْعَدُوِّ لَهُمْ أَوْ زَوَالِهِمْ عَنْ الْبَيْتِ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُعَجِّلُوا بِالْإِحْلَالِ وَلَوْ عَجَّلُوا بِهِ وَلَمْ يَنْتَظِرُوا جَازَ لَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَقَامَ الْمُحْصَرُ مُتَأَنِّيًا لِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ أَوْ مُتَوَانِيًا فِي الْإِحْلَالِ فَاحْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَفَعَلَهُ افْتَدَى لِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَهُوَ مُحْصَرٌ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحُدَيْبِيَةِ {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ؟ قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا السُّنَّةُ فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحِلَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْرُهُ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ فِي الْحِلِّ» فَإِنْ قَالَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْبُدْنِ {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] قِيلَ ذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَى أَنْ يَنْحَرَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَهُوَ مَحِلُّهَا فَإِنْ قَالَ فَهَلْ خَالَفَك أَحَدٌ فِي هَدْيِ الْمُحْصَرِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ فِي الْحَرَمِ» فَإِنْ قَالَ فَبِأَيِّ شَيْءٍ رَدَدْت ذَلِكَ وَخَبَرُ عَطَاءٍ وَإِنْ

كَانَ مُنْقَطِعًا شَبِيهٌ بِخَبَرِك عَنْ أَهْلِ الْمَغَازِي؟ قُلْت عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ يَذْهَبُونَ إلَى أَنْ مَحَلَّ الْهَدْيِ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ خَالَفَنَا يَقُولُ لَا يَحِلُّ الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ وَلَا مَرَضٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ الْحَرَمَ فَيُنْحَرُ فِيهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ ذِكْرِهِمْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْحَرْ إلَّا فِي الْحَرَمِ» ، فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يُبَيِّنُ مَا قُلْت؟ قُلْت: نَعَمْ إذَا زَعَمُوا وَزَعَمْنَا أَنَّ الْحَرَمَ مُنْتَهَى الْهَدْيِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ نَحَرَ فِيهِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَدْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَبْلُغْ الْحَرَمَ فَإِنْ قَالَ: وَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَحَلِّهِ هَا هُنَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إذَا أُحْصِرَ نَحْرُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ كَمَا وَصَفْت وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْإِحْصَارِ الْحَرَمُ وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ وَاسِعٌ، وَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَلَهُمَا الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ: عُمْرَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي اعْتَمَرَ بَعْدَ حَصْرِهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ الَّتِي أُحْصِرَ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُسَمَّى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةَ الْقِصَاصِ؟ فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ: إنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَاسِعٌ فَهِيَ تَقُولُ: اقْتَضَيْت مَا صُنِعَ بِي وَاقْتَصَصْت مَا صُنِعَ بِي فَبَلَغْت مَا مُنِعْت مِمَّا يَجِبُ لِي وَمَا لَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْلُغَهُ وَإِنْ وَجَبَ لِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقِصَاصِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اقْتَصَّ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَعُوهُ لَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَالَ: أَفَتَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَقُلْت: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُجَاهِدٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَهَذَا قَوْلُ رَجُلٍ لَا يَلْزَمُنِي قَوْلُهُ، قُلْت مَا زَعَمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُك لَوْلَا دَلَالَةُ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارُ أَهْلِ الْمَغَازِي وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَقَالَ قَدْ سَمِعْت مَا ذَكَرْت مِنْ السُّنَّةِ وَلَمْ تُسْنِدْ فِيهِ حَدِيثًا بَيِّنًا، فَقُلْت وَلَا أَنْتَ أَسْنَدْت فِيهِ حَدِيثًا فِي أَنَّ عُمْرَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَإِنَّمَا عِنْدَك فِيهَا أَخْبَارُهُمْ فَكَانَ لِي دَفْعُ مَا عَلِمْت وَلَمْ تُقِمْ فِيهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا مِمَّا يَثْبُتُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَمْ يَكُنْ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا مُتَوَاطِئًا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي دَفْعُك عَنْهُ بِهَذَا، لَمْ يَكُنْ لَك دَفْعِي عَنْ أَنَّهُ تَخَلَّفَ بَعْضُ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ فَقَالَ مَا يُقْنِعُنِي هَذَا الْجَوَابُ فَادْلُلْنِي عَلَى الدَّلَالَةِ مِنْ الْقُرْآنِ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] قَالَ فَمِنْ حُجَّتِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قِصَاصٌ وَالْقِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِوَاجِبٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ إنَّ الْقِصَاصَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ الْقِصَاصُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ قَالَ وَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] أَفَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ جُرِحَ أَنْ يَقْتَصَّ مِمَّنْ جَرَحَهُ أَوْ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ؟ قَالَ: لَهُ أَنْ يَعْفُوَ وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] فَلَوْ أَنَّ مُعْتَدِيًا مُشْرِكًا اعْتَدَى عَلَيْنَا كَانَ لَنَا أَنْ نَعْتَدِيَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْنَا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْت فَقُلْت فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَا وَصَفْت وَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ

مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَقَصَّهُ مِنْهُمْ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي مِثْلِ الشَّهْرِ الَّذِي رَدُّوهُ فِيهِ وَلَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ النُّسُكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْوَاجِبُ فِيهِ وَغَيْرُ الْوَاجِبِ خَبَرًا وَالْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أُحْصِرَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ وَيَحِلُّ فَإِذَا أَمِنَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى الِانْصِرَافِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا إلَّا أَنِّي إذَا أَمَرْته بِالْخُرُوجِ مِنْ إحْرَامِهِ عَادَ كَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ قَطُّ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ لَهُ إذَا كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَا صُدَّ عَنْهُ مِنْ الْبَيْتِ وَاخْتِيَارِي لَهُ فِي ذَلِكَ بِالْقُرْبِ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ لَهُ مُبَاحًا فَتَرْكُ الرُّجُوعِ كَانَ فِيهِ وَحْشَةٌ أَكْثَرُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الرَّاجِعُ مِنْ بُعْدٍ أَعْظَمَ أَجْرًا. وَلَوْ أَبَحْت لَهُ أَنْ يَذْبَحَ وَيَحْلِقَ وَيَحِلَّ وَيَنْصَرِفَ فَذَبَحَ وَلَمْ يَحْلِقْ حَتَّى يَزُولَ الْعَدُوُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحِلَاقُ وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مَحْصُورٍ وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي الذَّبْحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ لَا يَكْمُلُ إحْلَالُ الْمُحْرِمِ إلَّا بِالْحِلَاقِ، وَمَنْ قَالَ يَكْمُلُ إحْلَالُهُ قَبْلَ الْحِلَاقِ وَالْحِلَاقُ أَوَّلُ الْإِحْلَالِ قَالَ إذَا ذَبَحَ فَقَدْ حَلَّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا ذَبَحَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَوْ أُحْصِرَ وَمَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ مُتَطَوِّعًا بِهِ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْصَارِ فَلَهُ ذَبْحُهُ فِي مَكَانِهِ كَمَا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْصَرَ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحِلَّ بِالْبَيْتِ فَمَنَعَهُ فَحَلَّ دُونَهُ بِالْعُذْرِ كَانَ كَذَلِكَ الْهَدْيُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ نَحْرُهُ حَيْثُ حُبِسَ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِإِحْصَارِهِ سِوَى مَا وَجَبَ قَبْلَ أَنْ يُحْصَرَ مِنْ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَذْبَحَهُ مَكَانَهُ وَلَوْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَوْ أَخَّرَ هَدْيَهُ لِيَبْعَثَ بِهِ إذَا ذَهَبَ الْحَصْرُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي فَوْرِهِ. وَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ فَوْرِهِ كَتَأْخِيرِهِ بَعْدَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَلَوْ أُحْصِرَ وَلَا هَدْيَ مَعَهُ اشْتَرَى مَكَانَهُ هَدْيًا وَذَبَحَهُ وَحَلَّ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ مَلَكَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ فَذَبَحَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لَأَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا وَلَمْ يَجِدْ هَدْيًا مَكَانَهُ أَوْ مُعْسِرًا بِهَدْيٍ وَقَدْ أُحْصِرَ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَدْيٍ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ خَرَجَ مِمَّا عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ يَحِلُّ مَكَانَهُ وَيَذْبَحُ إذَا قَدَرَ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَذْبَحَ إلَّا بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ذَبَحَ حَيْثُ يَقْدِرُ (قَالَ) : وَيُقَالُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا هَدْيٌ، وَيُقَالُ يُجْزِئْهُ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا إطْعَامٌ أَوْ صِيَامٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الطَّعَامَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصِّيَامِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَا طَعَامًا وَإِذَا قَدَرَ أَدَّى أَيَّ هَذَا كَانَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أُحْصِرَ عَبْدٌ قَدْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْحَجِّ وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ تُقَوَّمُ لَهُ الشَّاةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَالْقَوْلُ فِي إحْلَالِهِ قَبْلَ الصَّوْمِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَحِلَّ قَبْلَ الصَّوْمِ، وَالْآخَرُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَصُومَ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُهُمَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَالرُّجُوعِ لِلْخَوْفِ أَشْبَهَ أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِالْمُقَامِ عَلَى الْخَوْفِ لِلصَّوْمِ وَالصَّوْمُ يَجْزِيهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَإِذَا أُحْصِرَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ عَدَدٌ كَثِيرٌ بِعَدُوٍّ مُشْرِكِينَ كَالْعَدُوِّ الَّذِي أُحْصِرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابُهُ فَكَانَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِهِمْ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَانَ لَهُمْ الِانْصِرَافُ لِأَنَّ لَهُمْ تَرْكُ الْقِتَالِ إلَّا فِي النَّفِيرِ أَوْ أَنْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الرُّجُوعَ عَنْهُمْ اخْتَرْت ذَلِكَ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ قِتْلَاهُمْ اخْتَرْت قِتَالَهُمْ وَلُبْسَ السِّلَاحِ وَالْفِدْيَةِ، وَإِذَا أَحُصِرُوا بِغَيْرِ مُشْرِكِينَ اخْتَرْت الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ بِكُلِّ حَالٍ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْ الْإِحْصَارِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْمُسْلِمِينَ إحْصَارٌ يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ إذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أُحْصِرَ بِمُشْرِكِينَ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ

اللَّهُ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ مُطْلَقًا لَمْ يُخَصِّصْ فِيهِ إحْصَارًا بِكَافِرٍ دُونَ مُسْلِمٍ وَكَانَ الْمَعْنَى لِلَّذِي فِي الشِّرْكِ الْحَاضِرِ الَّذِي أَحَلَّ بِهِ الْمُحْصَرُ الْخُرُوجَ مِنْ الْإِحْرَامِ خَوْفًا أَنْ يَنَالَ الْعَدُوُّ مِنْ الْمُحْرِمِ مَا يَنَالُ عَدُوُّهُ فَكَانَ مَعْقُولًا فِي نَصِّ السُّنَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْحَالِ كَانَ لِلْمُحْرِمِ عُذْرٌ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ إحْرَامِهِ بِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا فَقَالَ: إنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي أَحْلَلْنَا كَمَا أَحْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي مِثْلِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَهْلُ الشَّامِ فَرَأَى أَنَّهُمْ إنْ مَنَعُوهُ أَوْ خَافَهُمْ إنْ لَمْ يَمْنَعُوهُ أَنْ يُنَالَ فِي غِمَارِ النَّاسِ فَهُوَ فِي حَالِ مَنْ أُحْصِرَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ وَإِنْ أُحْصِرَ بِمُشْرِكِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي أَنْ يَحِلُّوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ وَكَانُوا كَغَيْرِ مُحْصَرِينَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ وَيُعْرَفُ غَدْرُهُمْ فَيَكُونُ لَهُمْ الِانْصِرَافُ إذَا كَانُوا هَكَذَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ، وَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِأَمَانِهِ بَعْدُ فَأَعْطَوْهُ أَنْ يَدْخُلَ فَيَحِلُّ عَلَى جُعْلٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، لَمْ أَرَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا فِي الْإِحْصَارِ يَحِلُّ لَهُمْ بِهِ الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَنَالَ مُشْرِكٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَخْذَ شَيْءٍ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ الصَّغَارَ وَلَوْ فَعَلُوا مَا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَرِهْته لَهُمْ كَمَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا وَهَبُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمُبَاحٌ لِلْمُحْصَرِ قِتَالُ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ الْبَيْتِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمُبَاحٌ لَهُ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فَقَاتَلَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَلَوْ قَاتَلَهُمْ الْمُحْصَرُ فَقَتَلَ وَجَرَحَ وَأَصَابَ دَوَابَّ إنْسِيَّةً فَقَتَلَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غُرْمٌ وَلَوْ قَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ لَهُمْ صَيْدًا يَمْلِكُونَهُ جَزَاهُ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ فَأَصَابَهُ جَزَاهُ بِمِثْلِهِ وَضَمِنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ بِدَارِ حَرْبٍ فَيُبَاحُ مَا فِيهَا. وَلَوْ كَانَ الْوَحْشُ لِغَيْرِ مَالِكٍ جَزَاهُ الْمُحْرِمُ بِمِثْلِهِ إنْ شَاءَ مَكَانَهُ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِدْيَةَ الرَّأْسِ فِي مَكَانِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا كَعْبًا وَجَعَلَ الْهَدْيَ فِي مَكَانِهِ وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَاقَ مِنْ الْهَدْيِ تَطَوُّعًا فِي مَكَانِهِ فَيَكُونُ حَالُ الْإِحْصَارِ غَيْرَ حَالِ الْوُصُولِ وَلَوْ كَرِهْت أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْبَيْتِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ إلَّا لَأَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ حَدَثٌ فَلَا يُقْضَى عَنْهُ وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ فَأَرَادُوا الْإِحْلَالَ ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ غَيْرَ مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرُوا فِيهِ فَكَانَ الْمُحْرِمُ يُؤَمِّلُ انْصِرَافَهُمْ وَيَأْمَنُهُمْ فِي مَكَانِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَيَّامًا ثَلَاثًا وَلَوْ زَادَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَوْ انْصَرَفَ بَعْدَ إحْلَالِهِ وَلَمْ يُتِمَّ ثَلَاثًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى انْصِرَافِ الْعَدُوِّ مُغَيَّبٌ وَقَدْ يُرِيدُونَ الِانْصِرَافَ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يُرِيدُونَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَإِنَّمَا كَانَ مُقَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ مُرَاسَلَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمُهَادَنَتَهُمْ، وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ دُونَ مَكَّةَ وَكَانَ لِلْحَاجِّ طَرِيقٌ عَلَى غَيْرِ الْعَدُوِّ رَأَيْت أَنْ يَسْلُكُوا تِلْكَ الطَّرِيقَ إنْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رُخْصَةٌ فِي الْإِحْلَالِ وَهُمْ يَأْمَنُونَ فِيهَا أَنْ يَصِلُوا إلَى الْبَيْتِ وَيَقْدِرُوا فَإِنْ كَانَتْ طَرِيقُهُمْ الَّتِي يَأْمَنُونَ فِيهَا بَحْرًا لَا بَرًّا، لَمْ يَلْزَمْهُمْ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِأَنَّهُ مَخُوفُ تَلَفٍ وَلَوْ فَعَلُوا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُمْ بَرًّا وَكَانُوا غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا إذَا كَانُوا غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ مُحْصَرِينَ بِعَدُوٍّ فَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُمْ بَرًّا يَبْعُدُ وَكَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَبَدَانِ وَكَانَ الْحَجُّ يَفُوتُهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا

باب الإحصار بغير حبس العدو

حَتَّى يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِأَنَّ أَوَّلَ الْإِحْلَالِ مِنْ الْحَجِّ الطَّوَافُ، وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا إعَادَةَ لِلْحَجِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْهُ بِعَدُوٍّ وَقَدْ جَاءُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِمَّا قَدَرُوا مِنْ الطَّوَافِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ وَعَلَيْهِمْ هَدْيٌ لِفَوْتِ الْحَجِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْقِيَاسِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ عَلَيْهِمْ حَجًّا وَهَدْيًا وَهُمْ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مِمَّنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ إذَا صَارُوا إلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ وَلِهَذَا وَجْهٌ وَلَوْ وَصَلُوا إلَى مَكَّةَ وَأُحْصِرُوا فَمُنِعُوا عَرَفَةَ حَلَّوْا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحِلَاقٍ وَذَبْحٍ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي هَذَا كَالْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا وَسَوَاءٌ الْمَكِّيُّ الْمُحْصَرُ، إنْ أَقْبَلَ مِنْ أُفُقٍ مُحْرِمًا وَغَيْرُ الْمَكِّيِّ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مَا يَجِبُ عَلَى كُلٍّ. وَإِنْ أُحْصِرَ الْمَكِّيُّ بِمَكَّةَ عَنْ عَرَفَةَ فَهُوَ كَالْغَرِيبِ يُحْصَرُ بِمَكَّةَ عَنْ عَرَفَةَ يَذْبَحَانِ وَيَطُوفَانِ وَيَسْعَيَانِ وَيَحِلَّانِ، وَالْقَوْلُ فِي قَضَائِهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ مَكَّةَ إذَا كَانَ أَهَلَّا لَهُ بِالْحَجِّ وَلَوْ أَهَلَّا مِنْ مَكَّةَ فَلَمْ يَطُوفَا حَتَّى أُخْرِجَا مِنْهَا أَوْ أَحُصِرَا فِي نَاحِيَتِهِمَا وَمُنِعَا الطَّوَافَ كَانَا كَمَنْ أُحْصِرَ خَارِجًا مِنْهَا فِي الْقِيَاسِ، وَلَوْ تَرَبَّصَا لَعَلَّهُمَا يَصِلَانِ إلَى الطَّوَافِ كَانَ احْتِيَاطًا حَسَنًا وَلَوْ أُحْصِرَ حَاجٌّ بَعْدَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ فَمَنَعَ عَمَلَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالطَّوَافَ كَانَ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَيَحِلَّ إذَا كَانَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ كُلِّهِ كَانَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ بَعْضِهِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَحَلَّ إلَّا النِّسَاءَ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُحْصَرٌ بِعَدُوٍّ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْسِكَ عَنْ الْإِحْلَالِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفَ بِهِ وَيُهْرِيقَ دَمًا لِتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ، وَدَمًا لِتَرْكِ الْجِمَارِ وَدَمًا لِتَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَتَى طَافَ بِالْبَيْتِ وَإِنْ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ بَعْدَ إحْصَارٍ ثُمَّ أَهَرَاقَ لَهُ دَمًا أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ صَيْدًا فَدَاهُ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِيَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ النِّسَاءُ فَقَطْ، لِأَنَّ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا فَعَلَ فِيهِ، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ، وَالْمَحْبُوسُ أَيَّ حَبْسٍ مَا كَانَ نَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانُوا مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَصَابُوا النِّسَاءَ قَبْلَ يَحِلُّونَ فَهُمْ مُفْسِدُونَ لِلْحَجِّ وَعَلَيْهِمْ مَعًا بَدَنَةٌ وَحَجٌّ بَعْدَ الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدُوهُ، وَإِذَا أَصَابُوا مَا فِيهِ الْفِدْيَةُ كَانَتْ عَلَيْهِمْ الْفِدْيَةُ مَا لَمْ يَحِلُّوا فَإِذَا حَلُّوا فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ. [بَابُ الْإِحْصَارِ بِغَيْرِ حَبْسِ الْعَدُوِّ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَحَبَسَهُ سُلْطَانٌ فَإِنْ كَانَ لِحَبْسِهِ غَايَةٌ يَرَى أَنَّهُ يَدْرِك مَعَهَا الْحَجَّ وَكَانَتْ طَرِيقُهُ آمِنَةً بِمَكَّةَ لَمْ يَحْلِلْ فَإِنْ أُرْسِلَ مَضَى وَإِنْ كَانَ حَبْسُهُ مَغِيبًا عَنْهُ لَا تُدْرَى غَايَتُهُ أَوْ كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ لَا يَدْرِك مَعَهَا الْحَجَّ إذَا أُرْسِلَ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إلَى بَلَدِهِ فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ كَمَا يَحِلُّ الْمُحْصَرُ وَالْقِيَاسُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ مُحْصَرٌ كَحَصْرِ الْعَدُوِّ وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا زَوْجُهَا وَمِثْلُهَا الْعَبِيدُ يُهِلُّونَ فَيَمْنَعُهُمْ سَادَتُهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الرَّجُلِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ فَيَمْنَعُهُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا: أَرَى وَاسِعًا لَهُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ الْمُحْصَرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ حَجَّةُ تَطَوُّعٍ، فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ إذَا أَهَلَّ بِهَا مَضَى فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْ وَالِدِيهِ مَنْعُهُ بَعْدَ مَا لَزِمَتْهُ وَأَهَلَّ بِهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَرَأَيْت الْعَدُوَّ إذَا كَانَ مَانِعًا مَخُوفًا فَأَذِنْت لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحِلَّ بِمَنْعِهِ أَفَتَجِدُ أَبَا الرَّجُلِ وَأُمَّهُ وَسَيِّدَ الْعَبْدِ وَزَوْجَ الْمَرْأَةِ فِي مَعْنَاهُ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هُمْ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مَانِعُونَ وَفِي أَكْثَرِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي أَنَّ لَهُمْ الْمَنْعَ وَلَيْسَ

باب الإحصار بالمرض

لِلْعَدُوِّ الْمَنْعُ وَمُخَالِفُونَ لَهُ فِي أَنَّهُمْ غَيْرُ مَخُوفِينَ خَوْفَهُ فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ جَمَعْت بَيْنَهُمْ وَهُمْ مُفْتَرِقُونَ فِي مَعْنًى وَإِنْ اجْتَمَعُوا فِي مَعْنًى غَيْرِهِ؟ قُلْت اجْتَمَعُوا فِي مَعْنًى وَارِدٍ هَؤُلَاءِ أَنَّ لَهُمْ الْمَنْعُ وَحَفِظْت عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ غَيْرَ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ كَانَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا وَحَفِظَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» فَكَانَ هَذَا عَلَى التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرِيضَةِ وَكَانَتْ إذَا لَمْ يَحِلَّ لَهَا الصَّوْمُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهَا وَإِنْ صَامَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا الصَّوْمُ وَكَانَ هَكَذَا الْحَجُّ وَكَانَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أَقْدَرَ عَلَيْهِ مِنْ زَوْجِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَكَانَ حَقُّ أَحَدِ وَالِدَيْ الرَّجُلِ أَعْظَمُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَطَاعَتُهُمَا أَوْجَبَ، فَبِهَذَا قُلْت مَا وَصَفْت. [بَابُ الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ أَسْمَعْ مُخَالِفًا مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ إحْصَارُ عَدُوٍّ فَكَانَ فِي الْحَصْرِ إذْنُ اللَّهِ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ فِيهِ بِمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الَّذِي يَحِلُّ مِنْهُ الْمُحْرِمُ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ فَرَأَيْت أَنَّ الْآيَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ عَامَّةٌ عَلَى كُلِّ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ إلَّا مَنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ ثُمَّ سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَصْرِ بِالْعَدُوِّ وَكَانَ الْمَرِيضُ عِنْدِي مِمَّنْ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ يُوَافِقُ مَعْنَى مَا قُلْت وَإِنْ لَمْ يَلْفِظُوا بِهِ إلَّا كَمَا حَدَّثَ عَنْهُمْ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، لَا حَصْرَ يَحِلُّ مِنْهُ الْمُحْصَرُ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِثْلَ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ الْمُحْصَرُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى شَيْءٍ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَمَرْوَان بْنَ الْحَكَمِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَوْا ابْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ وَأَنَّهُ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِي فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِي، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْت إلَى مَكَّةَ حَتَّى إذَا كُنْت بِالطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي فَأُرْسِلْت إلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالنَّاسُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ فِي أَنْ أَحِلَّ فَأَقَمْت عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَلْت بِعُمْرَةٍ، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ قَدِيمًا وَأَحْسَبُهُ قَدْ سَمَّاهُ وَذَكَرَ نَسَبَهُ وَسَمَّى الْمَاءَ الَّذِي أَقَامَ بِهِ الدَّثْنَةُ وَحَدَّثَ شَبِيهًا بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الْمُحْرِمُ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَيُّ مَرَضٍ مَا كَانَ، وَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ فِيمَا لَمْ يَذْهَبْ وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى دَوَاءٍ يُدَاوِي بِهِ دُووِيَ وَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَدَى عَنْهُ فِدْيَةَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ أَمَرْت الذَّاهِبَ الْعَقْلَ أَنْ يَفْتَدِيَ عَنْهُ وَالْقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ فِي حَالِ تِلْكَ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنَّمَا

يُدَاوِيه مَنْ يَعْقِلُ وَالْفِدْيَةُ لَازِمَةٌ بِأَنَّ فَاعِلَهَا يَعْقِلُ وَهِيَ عَلَى الْمُدَاوِي لَهُ فِي مَالِهِ إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُدَاوِي لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْ الْمُدَاوِي عَلَى الْمُدَاوَى وَإِنْ غَلَبَ الْمُحْرِمُ عَلَى عَقْلِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ بِإِصَابَةِ الصَّيْدِ جَزَاءٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ قَتَلَهُ لِرَجُلٍ وَالْقَاتِلُ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ وَلَوْ أَتْلَفَ لِرَجُلٍ مَالًا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَيَحْتَمِلُ حَلْقُهُ شَعْرَهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، وَأَصْلُ الصَّيْدِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ وَإِنَّمَا جُعِلَ هَذَا عُقُوبَةٌ عَلَى مَنْ أَتَاهُ تَعَبُّدًا لِلَّهِ وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ فِي حَالِ غَلَبَتِهِ وَلَيْسَ كَأَمْوَالِ النَّاسِ الْمَمْنُوعَةِ بِكُلِّ حَالٍ كَالْمُبَاحِ إلَّا فِي حَالٍ (قَالَ) : وَلَوْ أَصَابَ امْرَأَتَهُ احْتَمَلَ الْمَعْنَيَيْنِ وَكَانَ أَخَفَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إصَابَتِهِ لِامْرَأَتِهِ إتْلَافٌ لِشَيْءٍ فَأَمَّا طِيبُهُ وَلُبْسُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّا نَضَعُهُ عَنْ الْجَاهِلِ الْعَاقِلِ وَالنَّاسِي الْعَاقِلِ وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِشَيْءٍ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ مِنْ الْمَغْلُوبِ الْعَقْلِ أَنْ يُقَاسَ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِتْلَافِ شَيْءٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَرَأَيْت إذَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ كَيْفَ لَمْ تَزْعُمْ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْإِحْرَامِ كَمَا أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَيْنَ اخْتِلَافُهُمَا؟ قِيلَ يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي إلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فِي صَلَاتِهِ عَاقِلًا لَهَا وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لَهَا كُلُّهَا لِأَنَّ كُلَّهَا عَمَلٌ لَا يَجْزِيه غَيْرُهُ وَالْحَاجُّ يَجُوزُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَهُوَ جُنُبٌ وَتَعْمَلُهُ الْحَائِضُ كُلَّهُ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَقَلُّ مَا يَجْزِي الْحَاجَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَاقِلًا؟ قِيلَ لَهُ عَمَلُ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَنْ يُحْرِمَ وَهُوَ يَعْقِلُ وَيَدْخُلُ عَرَفَةَ فِي وَقْتِهَا وَهُوَ يَعْقِلُ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَإِذَا جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا بَيْنَهَا فَعَمِلَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ حَجُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي دُخُولِ عَرَفَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي مَكِّيٍّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَرِيبٍ دَخَلَهَا مُحْرِمًا فَحَلَّ ثُمَّ أَقَامَ بِهَا حَتَّى أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فَمَنَعَهُمَا مَرَضٌ حَتَّى فَاتَهُمَا الْحَجُّ يَطُوفَانِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَحْلِقَانِ أَوْ يُقَصِّرَانِ فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ حَجَّا وَأَجْزَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مُعْتَمِرَيْنِ قَطُّ إنَّمَا يَخْرُجَانِ بِأَقَلِّ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا بِعَرَفَةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَذَلِكَ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَأَخْذٌ مِنْ شَعْرِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ عَلَى مَعْنَى مَا قُلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِسَائِلِهِ: اعْمَلْ مَا يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّك مُعْتَمِرٌ وَقَالَ لَهُ اُحْجُجْ قَابِلًا وَأَهْدِ وَلَوْ انْقَلَبَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ وَكَانَ مُدْرِكًا لِلْعُمْرَةِ وَفِي أَمْرِهِ وَأَمْرِنَا إيَّاهُ بِحَجٍّ قَابِلٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ حَجٌّ وَأَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً، وَلَوْ انْقَلَبَ عُمْرَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ تَأْمُرَهُ بِحَجٍّ قَابِلٍ قَضَاءً وَكَيْفَ يَقْضِي مَا قَدْ انْقَلَبَ عَنْهُ؟ وَلَكِنْ آمُرُهُ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ فَائِتٌ لَهُ وَقَدْ جَاءَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَسَأَلَ عُمَرَ وَهُوَ يَنْحَرُ وَلَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ قَدْ دَخَلَ الْحَرَمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَلَوْ كَانَ حَجُّهُ صَارَ عُمْرَةً حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَكَانَ الْحَجُّ فَائِتًا لَأَمَرَهُ عُمَرَ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّيَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا كَقَوْلِ مَنْ قَالَ صَارَ عُمْرَةً وَإِنَّمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ صَارَ عُمْرَةً بِغَلَطٍ إلَى قَوْلِهِ يَعْنِي صَارَ عَمَلُهُ عُمْرَةً وَسَقَطَ بَعْضُ عَمَلِ الْحَجِّ إذَا فَاتَتْ عَرَفَةُ وَلَوْ كَانَ صَارَ عُمْرَةً أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةٍ

الْإِسْلَامِ وَعُمْرَةٍ لَوْ نَذَرَهَا فَنَوَاهَا عِنْدَ فَوْتِ الْحَجِّ لَهُ وَهُوَ لَا يَجْزِي مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَحُبِسَ عَنْ الْحَجِّ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ عَقْلٍ أَوْ شَغْلٍ أَوْ تَوَانٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ الْمَرَضِ فِي حِينِ يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ الْبَيْتِ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَإِنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ عَامَهُ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ لَمْ يَحْلِلْ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنْ فَاتَهُ حَجُّ عَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ حَلَّ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ، فَإِنْ كَانَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ فَأَدْرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ خَرَجَ مِنْهُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَأَدْرَكَ الْحَجَّ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَالْعُمْرَةَ فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ حَجَّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَقْرُونَيْنِ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا كَمَا إذَا فَاتَهُ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَضَائِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ وَإِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَجَاءَ بَعْدَ عَرَفَةَ لَمْ يَقُمْ بِمِنًى وَلَمْ يَعْمَلْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ شَيْئًا وَقَدْ خَرَجَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ مُفْرِدًا كَانَ أَوْ قَارِنًا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ وَحَجٌّ قَابِلٌ أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ فَأَدَّاهُ بَعْدُ أَجْزَأَ عَنْهُ كَمَا يُؤَخِّرُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَعْوَامًا فَيُؤَدِّيهَا عَنْهُ مَتَى أَدَّاهَا وَإِنْ اُضْطُرَّ قَبْلَ الْإِحْلَالِ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ إذَا كَانَ مُحْرِمًا أَوْ أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَكَانَ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْبَيْتِ كَامِلَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ فَوْتِ الْحَجِّ وَبَعْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ وَالْفَسَادُ فِيمَا فِيهِ فَسَادٌ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَائِمٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَحِلُّ بِهَدْيٍ يَبْعَثُ بِهِ فَبَعَثَ بِهَدْيٍ وَنَحْرٍ أَوْ ذَبْحٍ عَنْهُ وَحَلَّ كَانَ كَمَنْ حَلَّ وَلَمْ يَبْعَثْ بِهَدْيٍ وَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَذْبَحْ عَنْهُ حَرَامًا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ حَرَامًا بِحَالِهِ وَلَوْ صَحَّ وَقَدْ بَعَثَ بِهَدْيٍ فَمَضَى إلَى الْبَيْتِ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ وَقَدْ ذَبَحَ الْهَدْيَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْهَدْيُ عَنْهُ مِنْ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ فِدْيَةٌ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ عَمَّا لَا يَلْزَمُهُ. وَلَوْ أَدْرَكَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَحَبَسَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِإِيجَابِهِ وَلَوْ أَدْرَكَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَوْ يَذْبَحَ وَقَدْ أَوْجَبَهُ بِكَلَامٍ يُوجِبُهُ، كَانَ وَاجِبًا أَنْ يَذْبَحَ وَكَانَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَكَانَ كَمَنْ أَوْجَبَهُ تَطَوُّعًا وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهِ الْعِتْقُ فَالْعِتْقُ مَاضٍ تَطَوُّعًا، وَلَوْ لَمْ يُوجِبْ الْهَدْيَ بِكَلَامٍ وَبَعَثَ بِهِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ كَانَ مَالًا مِنْ مَالِهِ وَلَوْ لَمْ يُوجِبْهُ بِكَلَامٍ وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ وَبَعَثَ بِهِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَمَنْ قَالَ نِيَّتُهُ فِي هَدْيِهِ وَتَجْلِيلِهِ وَتَقْلِيدِهِ وَإِعْلَامِهِ أَيْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ أَعْلَمُهُ يُوجِبُهُ عَلَيْهِ كَانَ كَالْكَلَامِ بِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْعَمَلِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْعَمَلِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّينَ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ لِلْآدَمِيِّينَ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِمَّا يَكُون فِيهِ الْكَلَامُ وَقَالَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَجْزِيهِ النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ كَمَا تَجْزِيهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِفَرْضِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا حَجٍّ إلَّا أَنَّهُ نَوَاهُ وَعَمِلَهُ، وَالْمَكِّيُّ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْحِلُّ مِنْ مِيقَاتٍ أَوْ غَيْرِ مِيقَاتٍ ثُمَّ يَمْرَضُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ أَوْ يَفُوتُهُ الْحَجُّ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ مِثْلَ الْغَرِيبِ لَا يُزَايِلُهُ يَحِلُّ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ بَعْدَ حَجِّهِ الَّذِي فَاتَهُ وَأَنْ يَهْدِيَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةً.

باب فوت الحج بلا حصر عدو ولا مرض ولا غلبة على العقل

[بَابُ فَوْتِ الْحَجِّ بِلَا حَصْرِ عَدُوٍّ وَلَا مَرَضٍ وَلَا غَلَبَةٍ عَلَى الْعَقْلِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا بِحَصْرِ الْعَدُوِّ وَلَا مَحْبُوسًا بِمَرَضٍ وَلَا ذَهَابِ عَقْلٍ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا فَاتَهُ مِنْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ إبْطَاءٍ فِي مَسِيرِهِ أَوْ شَغْلٍ أَوْ تَوَانٍ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَالْمَرِيضُ وَالذَّاهِبُ الْعَقْلَ يَفُوتُهُ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ الْفِدْيَةُ وَالْقَضَاءُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحِلَاقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَمَا وَجَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ، غَيْرَ أَنَّ الْمُتَوَانِي حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ آثِمٌ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ مِنْ أَثَرٍ فِيمَا قُلْت؟ قُلْت نَعَمْ، فِي بَعْضِهِ وَغَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ النَّحْرِ مِنْ الْحَاجِّ فَوَقَفَ بِحِيَالِ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ فَيَقِفُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا وَلْيَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ إنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَلْيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ ثُمَّ لِيَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا فَلْيَحْجُجْ إنْ اسْتَطَاعَ وَلْيَهْدِ فِي حَجِّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إذَا كَانَ بِالْبَادِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْم النَّحْرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْت فَإِذَا أَدْرَكَك الْحَجُّ قَابِلًا حُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنْ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ اذْهَبْ فَطُفْ وَمَنْ مَعَك وَانْحَرُوا هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَكُمْ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا ثُمَّ ارْجِعُوا فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ حُجُّوا وَأَهْدُوا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ سُلَيْمَانَ دَلَالَةٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ مُعْتَمِرٍ لَا أَنَّ إحْرَامَهُ عُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجَّ قَارِنًا حَجَّ قَارِنًا وَقَرَنَ وَأَهْدَى هَدْيًا لِفَوْتِ الْحَجِّ وَهَدْيًا لِلْقِرَانِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يُقِيمَ إلَى قَابِلٍ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ فَهَذَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ مَعْلُومَاتٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] فَأَشْبَهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ حُظِرَ الْحَجُّ فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ لَمْ تَقُلْ أَنَّهُ يُقِيمُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ إلَى قَابِلٍ؟ قِيلَ لِمَا وَصَفْت مِنْ الْآيَةِ وَالْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَمَا لَا أَعْلَمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ إلَى أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا كَانَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ حَتَّى يُكْمِلَهُ لِأَنَّا رَأَيْنَا كَذَلِكَ الْعُمْرَةَ وَكُلُّ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ كَانَ لَهُ الْمُقَامُ فِيهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا حَتَّى يُكْمِلَهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا يَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ وَبَعْضُ مَكِّيِّينَا فِي مَحْبُوسٍ عَنْ الْحَجِّ بِمَرَضٍ فَقَالُوا هُوَ وَالْمُحْصَرُ بَعْدُ وَلَا يَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَقَالَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَقِيت مِنْهُمْ وَقَالَ يَبْعَثُ الْمُحْصَرُ بِالْهَدْيِ وَيُوَاعِدُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْهَدْيِ مَعَهُ يَوْمًا يَذْبَحُهُ فِيهِ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْتَاطُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ بَعْدَ مَوْعِدِهِ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ثُمَّ يَحِلُّ وَيَعُودُ إلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إحْرَامِهِ الَّذِي فَاتَهُ وَقَالَ بَعْضُ مَكِّيِّينَا كَمَا فَاتَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بَلْ إنْ كَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجًّا وَعُمْرَةً لِأَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَةً وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَحَجًّا وَعُمْرَتَيْنِ لِأَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً. وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَةً وَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَا نُخَالِفُك فِي أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّهُ إحْصَارُ عَدُوٍّ، أَفَرَأَيْت إذْنَ اللَّهِ تَعَالَى

لِلْمُحْصَرِ بِمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ؟ ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذَّبْحَ وَالْإِحْلَالَ كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ أَنْ تَحْكُمَ لَهُ حُكْمَك لَهُ؟ فَقُلْت لَهُ الْأَصْلُ عَلَى الْفَرْضِ إتْمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ وَالرُّخْصَةِ فِي الْإِحْلَالِ لِلْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ فَقُلْنَا فِي كُلٍّ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعَهَا كَمَا لَمْ نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ نَجْعَلْ عِمَامَةً وَلَا قُفَّازَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ فَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحِصَارُ بِالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ خَائِفٌ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَغَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَخَّصَ لِمَنْ لَقِيَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَتَحَرَّفَ لِلْقِتَالِ أَوْ يَتَحَيَّزَ إلَى فِئَةٍ فَإِذَا فَارَقَ الْمُحْصَرُ مَوْضِعَهُ رَاجِعًا صَارَ إلَى حَالٍ أَحْسَنَ مِنْ حَالِهِ فِي التَّقَدُّمِ وَالْمُقَامِ لِمُزَايِلَةِ الْخَوْفِ إلَى الْأَمْنِ وَالْمَرِيضُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، لَا هُوَ خَائِفٌ بَشَرًا وَلَا صَائِرٌ بِالرُّجُوعِ إلَى أَمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ وَلَا حَالٌ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَّا رَجَاءَ الْبِرِّ وَاَلَّذِي يَرْجُوهُ فِي تَقَدُّمِهِ رَجَاؤُهُ فِي رُجُوعِهِ وَمُقَامِهِ حَتَّى يَكُونَ الْحَالُ بِهِ مُعْتَدِلًا لَهُ فِي الْمُقَامِ وَالتَّقَدُّمِ إلَى الْبَيْتِ وَالرُّجُوعِ، فَالْمَرِيضُ أَوْلَى أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، مِنْ الْعِمَامَةِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَجْهَلَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْأَصْلِ فِي إتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَنَّ الْمُسْتَثْنَى الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَقُلْنَا الْحَبْسُ مَا كَانَ كَالْعَدُوِّ جَازَ لَنَا لَوْ ضَلَّ رَجُلٌ طَرِيقًا أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَحِلَّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ، إنَّا إنَّمَا اعْتَمَدْنَا فِي هَذَا عَلَى الشَّيْءِ رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قُلْنَا. قُلْتُ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ وَاحِدٌ مِمَّنْ سَمَّيْنَا إنَّا قُلْنَا بِقَوْلِهِ أَمَا كُنْتَ مَحْجُوجًا بِهِ؟ قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْتُ أَلَسْنَا وَإِيَّاكُمْ نَزْعُمُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ اخْتَلَفَا فَكَانَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ بِالْقُرْآنِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَصِيرَ إلَى أَشْبَهِ الْقَوْلَيْنِ بِالْقُرْآنِ فَقَوْلُنَا أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ بِمَا وَصَفْتُ لَك، أَوْ رَأَيْتَ لَوْ لَمْ نَسْتَدِلَّ عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِك بِالْقُرْآنِ وَكَانَ قَوْلُنَا أَصَحَّ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْمُتَعَقَّبِ مِنْ قَوْلِك أَكَانَ قَوْلُنَا أَوْلَى أَنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ؟ قَالَ: بَلَى، إنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ قُلْت: فَهُوَ كَمَا أَقُولُ وَمَعَنَا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَلَاثَةٌ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ وَاحِدٍ، قَالَ فَأَيْنَ هُوَ أَصَحُّ؟ قُلْتُ أَرَأَيْت إذَا مَرِضَ فَأَمَرْتَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدَهُ يَوْمًا يَذْبَحُ فِيهِ عَنْهُ الْهَدْيَ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ أَلَسْتَ قَدْ أَمَرْتَهُ بِأَنْ يَحِلَّ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي لَعَلَّ الْهَدْيَ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ وَأَنْتَ تَعِيبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَأْمُرُوا أَحَدًا بِالْخُرُوجِ مِنْ شَيْءٍ لَزِمَهُمْ بِالظُّنُونِ؟ قَالَ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِظَنٍّ وَلَكِنْ بِالظَّاهِرِ قُلْت: الظَّاهِرُ فِي هَذَا ظَنٌّ، وَلَوْ خَرَجَ الظَّاهِرُ فِي هَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَنًّا كُنْتَ أَيْضًا مُتَنَاقِضَ الْقَوْلِ فِيهِ قَالَ وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْتُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي أَمْرِكَ الْمَرِيضَ بِالْإِحْلَالِ بِالْمَوْعِدِ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وَكَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَك أَنَّهُ قَدْ حَلَّ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ زَعَمْتَ أَنَّهُ إنْ بَلَغَهُ أَنَّ الْهَدْيَ عَطِبَ أَوْ ضَلَّ أَوْ سُرِقَ وَقَدْ أَمَرْتَهُ بِالْإِحْلَالِ فَحَلَّ وَجَامَعَ وَصَادَ (قَالَ) : يَكُونُ عَلَيْهِ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةُ وَيَعُودُ حَرَامًا كَمَا كَانَ قُلْتُ وَهَكَذَا لَوْ بَعَثَ الْهَدْيَ عِشْرِينَ مَرَّةً وَأَصَابَهُ مِثْلُ هَذَا قَالَ؟ نَعَمْ، قُلْتُ أَفْلَسْتَ قَدْ أَبَحْتَ لَهُ الْإِحْلَالَ ثُمَّ جَعَلْتَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فِيمَا أَبَحْتَ لَهُ وَالْفَسَادَ فِيهِ وَجَعَلْتَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ حَلَالًا أَيَّامًا وَحَرَامًا أَيَّامًا؟ فَأَيُّ قَوْلٍ أَشَدُّ تَنَاقُضًا وَأَوْلَى أَنْ يُتْرَكَ مِنْ هَذَا؟ وَأَيُّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلٍ أَوْلَى أَنْ تَرُدَّهُ الْعُقُولُ مِنْ هَذَا؟ وَقَالَ أَيْضًا فِي الرَّجُلِ تَفُوتُهُ عَرَفَةَ وَيَأْتِي يَوْمُ النَّحْرِ فَقَالَ كَمَا قُلْنَا يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ثُمَّ خَالَفَنَا فَقَالَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَمْرٌ بِالْهَدْيِ قَالَ وَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ سَنَةً فَقَالَ كَمَا قَالَ عُمَرُ: وَقَالَ قَدْ رَوَيْنَا هَذَا عَنْ عُمَرَ (قَالَ) : فَإِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبْتُمْ؟ فَقُلْتُ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ مِثْلَ قَوْلِنَ

مَنْ أَمَرَهُ بِالْهَدْيِ. قَالَ رَوَيْتُمُوهُ مُنْقَطِعًا وَحَدِيثُنَا مُتَّصِلٌ قُلْنَا فَحَدِيثُك الْمُتَّصِلُ يُوَافِقُ حَدِيثَنَا عَنْ عُمَرَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ الْهَدْيَ، وَاَلَّذِي يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِالزِّيَادَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك قَالَ لَا أُثْبِتُهُ لَك بِالْحَالِ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعًا فَهَلْ تَرْوِيه عَنْ غَيْرِ عُمَرَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا قُلْنَا مُتَّصِلًا قَالَ فَكَيْفَ اخْتَرْتَ مَا رَوَيْتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ؟ قُلْنَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَتِنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا قَالَ أَفَذَهَبْتَ فِيمَا اخْتَرْت مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ تَقْلِيدِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ لَنَا تَقْلِيدُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ ذَهَبْتَ إلَى مَا يَلْزَمُك أَنْتَ خَاصَّةً أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكَ تَرْكُ قَوْلِكَ لِقَوْلِنَا قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت لَهُ زَعَمْت أَنَّ الْحَائِضَ إذَا لَمْ تَطْهُرْ إلَى عَرَفَةَ وَهِيَ مُعْتَمِرَةٌ رَفَضَتْ الْعُمْرَةَ وَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وأهراقت لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ دَمًا وَكَانَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا ثُمَّ قُلْتُمْ هَذَا فِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ مِنْ الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ قَالَ قَدْ قُلْتُهُ فِي الْحَائِضِ وَفِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ مِنْ الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ ثُمَّ شَكَكْتُ فِي الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ وَأَنَا ثَابِتٌ عَلَى الْحَائِضِ بِمَا رَوَيْنَا فِيهَا فَقُلْت لَهُ وَلِمَ شَكَكْت هَلْ كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَهْرِيقَ دَمًا عِنْدَك إلَّا لِفَوْتِ الْعُمْرَةِ؟ قَالَ فَإِنْ قُلْت لَيْسَ لِفَوْتِ الْعُمْرَةِ؟ قُلْتُ فَقُلْ مَا شِئْتَ قَالَ لِخُرُوجِهَا مِنْ الْعُمْرَةِ بِلَا فَوْتٍ لِأَنَّهَا لَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَى الْعُمْرَةِ قُلْتُ فَمَا تَقُولُ إنْ لَمْ يُرْهِقْهَا الْحَجُّ فَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ مِنْ الْعُمْرَةِ بِدَمٍ تَهْرِيقُهُ ثُمَّ تَحُجُّ وَتَقْضِي الْعُمْرَةَ؟ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهَا، قُلْت فَهَلْ أَمَرْتَهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَّا بِفَوْتِهَا عِنْدَك وَهِيَ لَوْ أَقَامَتْ عَلَى الْعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَالْحَاجُّ عِنْدَك إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى الْحَجِّ وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ قَبْلُ يُكْمِلُهُ كَمَا خَرَجَتْ الْحَائِضُ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ تُكْمِلُهَا فَلِمَ جَعَلْتَ عَلَى الْحَائِضِ دَمًا لِخُرُوجِهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْإِحْرَامِ الَّذِي لَزِمَهَا وَلَمْ تَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى الْحَاجِّ وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ إكْمَالِ الْإِحْرَامِ الَّذِي لَزِمَهُ وَاجْتَمَعَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفِي أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ مَا خَرَجَا مِنْهُ فَكَيْفَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فِي الدَّمِ؟ . وَقُلْتُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَسِيَهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ رَمَضَانُ آخَرُ فَصَامَهُ أَنَّهُ يَصُومُ بَعْدَهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْرِ لِرَمَضَانَ الَّذِي نَسِيَ وَيَتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصَّوْمِ فِي مَوْضِعِهِ، فَالْحَاجُّ يَفُوتُهُ الْحَجُّ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَأَوْلَى أَنْ تَقُولُوا بِهِ فِيهِ وَخَالَفَنَا أَيْضًا فَقَالَ إنْ كَانَ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ حَجّ وَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَتَانِ فَقُلْتُ لَهُ أَقَلْتَ هَذَا خَبَرًا أَمْ قِيَاسًا؟ فَلَمْ يَذْكُرْ خَبَرًا نَرَاهُ وَلَا عِنْدَهُ هُوَ إذَا أَنْصَفَ حُجَّةً قَالَ قِيَاسًا، قُلْنَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ قِسْتَهُ؟ قَالَ إنَّ عُمَرَ قَالَ اعْمَلْ مَا يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ فِي حَجٍّ كَانَ أَوْ عُمْرَةٍ وَكَانَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ كَمَالَ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَعَرَفَةَ وَالْجِمَارِ وَمِنًى وَالطَّوَافُ كَمَالُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَجِّ، فَكَانَ إذَا فَاتَتْهُ عَرَفَةُ لَا حَجَّ لَهُ وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ فَقِيلَ اُخْرُجْ بِأَقَلَّ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَذَلِكَ عَمَلُ مُعْتَمِرٍ لَا أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَاجِبَةٌ فَنَوَى بِهَذَا الْحَجَّ عُمْرَةً فَفَاتَتْهُ أَيَقْضِي الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. لِأَنَّهُ عَقَدَهُ حَجًّا قُلْت فَإِذَا عَقَدَهُ حَجًّا لَمْ يَصِرْ عِنْدَك عُمْرَةً تَجْزِي عَنْهُ؟ قَالَ لَا. فَقُلْت فَمِنْ أَيْنَ زَعَمْتَ أَنَّهُ عُمْرَةٌ وَهُوَ لَا يَجْزِي عَنْهُ مِنْ عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ وَلَوْ ابْتَدَأَ بِإِحْرَامِهِ ابْتَدَأَ الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ؟ . وَقُلْتُ لَهُ وَلَوْ كَانَ صَارَ عُمْرَةً كَانَ أَبْعَدَ لِقَوْلِك أَنْ لَا تَقُولَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى الْعُمْرَةَ وَإِنَّمَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ فَقَالَ إنَّمَا قُلْته لِأَنَّ الْحَجَّ تَحَوَّلَ عُمْرَةً فَفَاتَهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَعْلَمُكَ تُورِدُ حُجَّةً إلَّا كَانَتْ عَلَيْك أَرَأَيْتَ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ مَتَى صَارَ عُمْرَةً؟ قَالَ بَعْدَ عَرَفَةَ، قُلْت فَلَوْ ابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ بَعْدَ عَرَفَةَ بِعُمْرَةٍ أَيَكُونُ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِهَا أَوْ مُحْرِمًا يَجْزِيه الْعَمَلُ عَنْهَا وَلَا يَقْضِيهَا؟ قَالَ فَنَقُولُ مَاذَا؟ قُلْتُ أَيُّهُمَا قُلْتَ فَقَدْ لَزِمَك تَرْكُ مَا

باب هدي الذي يفوته الحج

احْتَجَجْتَ بِهِ قَالَ فَدَعْ هَذَا قُلْتُ أَقَاوِيلُك مُتَبَايِنَةٌ قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْتُ رَوَيْتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ أَوْ يَحْلِقُ وَيَحُجُّ قَابِلًا وَقُلْت لَهُ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمَرَهُ بِهِ، وَرَدَتْ رِوَايَتُنَا عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْهَدْيِ، فَإِنْ قُلْتَ هِيَ مَقْطُوعَةٌ فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِي رِوَايَتِكَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِحَجٍّ قَابِلٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِعُمْرَةٍ، فَلِمَ لَا تَقُولُ: لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرِوَايَتِنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ؟ مَا أَعْلَمُك إلَّا قَصَدْتَ قَصْدَ خِلَافِهِمْ مَعًا ثُمَّ خَالَفْتَهُمْ بِمُحَالٍ فَقُلْتَ لِرَجُلٍ فَاتَهُ الْحَجُّ: عَلَيْك عُمْرَةٌ وَحَجٌّ وَهَلْ رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ فَاتَهُ شَيْءٌ فَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ وَآخَرُ مَعَهُ؟ وَالْآخَرُ لَيْسَ الَّذِي فَاتَهُ لِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ عُمْرَةٌ وَالْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِحَجٍّ. [بَابُ هَدْيِ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ] ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ يَسُوقُ هَدْيًا وَاجِبًا أَوْ هَدْيَ تَطَوُّعٍ، يَنْحَرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَا يَجْزِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْهُ مِنْ هَدْيِ الْإِحْصَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ بِوُجُوبِهِ وَالتَّطَوُّعُ بِإِيجَابِهِ، قَبْلَ أَنْ يَلْزَمَهُ هَدْيُ الْإِحْصَارِ، فَإِذَا أُحْصِرَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ سِوَاهُمَا يَحِلُّ بِهِ، فَأَمَّا مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَجْزِيهِ الْهَدْيُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحَرَمَ. [بَابُ الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ حَلَالٌ يُصِيبُ الطِّيبَ فَلَا أَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَرَكَ الِاغْتِسَالَ لِيَدْخُلَهَا حَرَامًا وَهُوَ فِي الْحَرَمِ لَا يُصِيبُ الطِّيبَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ [بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثْت عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَبِجُمْعٍ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ وَعَلَى الْمَيِّتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا رَأَى الْبَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا حَكَيْتُ وَمَا قَالَ مِنْ حَسَنٍ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

باب ما جاء في تعجيل الطواف بالبيت حين يدخل مكة

[بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حِين يَدْخُلَ مَكَّةَ] َ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ «لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ لَمْ يَلْوِ وَلَمْ يَعْرُجْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ لَوَى لِشَيْءٍ وَلَا عَرَجَ فِي حَجَّتِهِ هَذِهِ وَلَا عُمْرَتِهِ كُلِّهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَا صَنَعَ شَيْئًا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَا رَكَعَ وَلَا صَنَعَ غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى بَدَأَ بِالْبَيْتِ فَطَافَ هَذَا أَجْمَعُ فِي حَجِّهِ وَفِي عُمْرَتِهِ كُلِّهَا أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقَدِمَ الْمَسْجِدَ لَأَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَلَا يُمْنَعُ الطَّوَافَ وَلَا يُصَلِّي تَطَوُّعًا حَتَّى يَطُوفَ، وَإِنْ وَجَدَ النَّاسَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَلْيُصَلِّ مَعَهُمْ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا شَيْئًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَإِنْ جَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا يَجْلِسُ وَلَا يَنْتَظِرُهَا وَلْيَطُفْ فَإِنْ قَطَعَ الْإِمَامُ طَوَافَهُ فَلْيُتِمَّ بَعْدُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَلَا أَرْكَعُ قَبْلَ تِلْكَ الْمَكْتُوبَةِ إنْ لَمْ أَكُنْ رَكَعْت رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، إلَّا رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ إنْ لَمْ تَكُنْ رَكْعَتَهُمَا فَارْكَعْهُمَا ثُمَّ طُفْ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ غَيْرِهِمَا، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: الْمَرْأَةُ تَقْدَمُ نَهَارًا؟ قَالَ مَا أُبَالِي إنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً أَنْ تَقْدَمَ نَهَارًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِمَا قَالَ عَطَاءٌ كُلُّهُ آخُذُ لِمُوَافَقَتِهِ السُّنَّةَ فَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ أَنْ يَبْدَأَ بِشَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسِيَ مَكْتُوبَةً فَيُصَلِّيَهَا أَوْ يَقْدَمَ فِي آخِرِ مَكْتُوبَةٍ فَيَخَافُ فَوْتَهَا فَيَبْدَأُ بِصَلَاتِهَا أَوْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيَبْدَأُ بِهِمَا أَوْ نَسِيَ الْوِتْرَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ ثُمَّ يَطُوفُ فَإِذَا جَاءَ وَقَدْ مُنِعَ النَّاسُ الطَّوَافَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ إذَا مُنِعَ الطَّوَافُ، فَإِنْ جَاءَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ جَاءَ وَقَدْ تَقَارَبَتْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِيمَا أَحْبَبْتُ مِنْ التَّعْجِيلِ حِينَ يَقْدَمُونَ لَيْلًا سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ هُمْ إذَا قَدِمُوا نَهَارًا إلَّا امْرَأَةً لَهَا شَبَابٌ وَمَنْظَرٌ فَإِنِّي أُحِبُّ لِتِلْكَ تُؤَخِّرُ الطَّوَافَ حَتَّى اللَّيْلِ لِيَسْتُرَ اللَّيْلُ مِنْهَا. [بَابُ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَآهُ بَدَأَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطَوَافً وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حِينَ يَفْتَتِحُ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَلِمٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا اخْتِلَافَ أَنَّ حَدَّ مَدْخَلِ الطَّوَافِ مِنْ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَأَنَّ إكْمَالَ الطَّوَافِ إلَيْهِ، وَأُحِبُّ اسْتِلَامَهُ حِينَ يَدْخُلُ الرَّجُلُ الطَّوَافَ فَإِنْ دَخَلَ الطَّوَافَ فِي مَوْضِعٍ فَلَمْ يُحَاذِ بِالرُّكْنِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَإِنْ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِيَدِهِ مِنْ مَوْضِعٍ فَلَمْ يُحَاذِ الرُّكْنَ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ بِحَالٍ، لِأَنَّ الطَّوَافَ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ لَا عَلَى بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِذَا حَاذَى الشَّيْءَ مِنْ الرُّكْنِ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ اعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَكَذَلِكَ إذَا حَاذَى بِشَيْءٍ مِنْ الرُّكْنِ فِي السَّابِعِ فَقَدْ أَكْمَلَ الطَّوَافَ، وَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاذِي بِشَيْءٍ مِنْ الرُّكْنِ وَإِنْ اسْتَلَمَهُ، فَلَمْ يُكْمِلْ ذَلِكَ الطَّوَافَ.

باب ما يقال عند استلام الركن

[بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أُخْبِرْتُ «أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إذَا اسْتَلَمْنَا الْحَجَرَ؟ قَالَ قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَكَذَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ بَعْدُ " اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَمَا ذَكَرَ اللَّهَ بِهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ فَحَسَنٌ [بَابُ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الطَّوَافَ وَمَا يَسْتَلِمُ مِنْ الْأَرْكَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّائِفُ الطَّوَافَ بِالِاسْتِلَامِ، وَأُحِبُّ أَنْ يُقَبِّلَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَإِنْ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ قَبَّلَ يَدَهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلَهَا وَلَا يُقَبِّلُهُ لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَبَّلَ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَإِنْ قَبَّلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا آمُرُهُ بِاسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَلَوْ اسْتَلَمَهُمَا أَوْ مَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ مِنْ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَا فِدْيَةٌ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يُقْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ» فَكَذَلِكَ أُحِبُّ، وَيَجُوزُ اسْتِلَامُهُ بِلَا تَقْبِيلٍ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَلَمَهُ وَاسْتِلَامُهُ دُونَ تَقْبِيلِهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مُسَبِّدًا رَأْسَهُ فَقَبَّلَ الرُّكْنَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ إلَّا أَنْ يَرَاهُ خَالِيًا، قَالَ وَكَانَ إذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَجَدَ عَلَيْهِ عَلَى أَثَرِ كُلِّ تَقْبِيلَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنَا أُحِبُّ إذَا أَمْكَنَنِي مَا صَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الرُّكْنِ لِأَنَّهُ تَقْبِيلٌ وَزِيَادَةُ سُجُودٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا اسْتَلَمَهُ لَمْ يَدَعْ تَقْبِيلَهُ وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ تَارِكٌ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ: هَلْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ؟ قَالَ نَعَمْ رَأَيْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ قُلْت وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ حَسِبْت كَثِيرًا قُلْت: هَلْ تَدَعُ أَنْتَ إذَا اسْتَلَمْت أَنْ تُقَبِّلَ يَدَك؟ قَالَ فَلِمَ أَسْتَلِمْهُ إذًا؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ لَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: طُفْتُ مَعَ طَاوُسٍ فَلَمْ يَسْتَلِمْ شَيْئًا مِنْ الْأَرْكَان حَتَّى فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ.

الركنان اللذان يليان الحجر

[الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ] أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مَهْجُورًا» ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الَّذِي فَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَوَاهُ عُمَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ تَرْكُ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْهُمَا مَهْجُورًا، وَكَيْفَ يُهْجَرُ مَا يُطَافُ بِهِ؟ وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هِجْرَانًا لَهُمَا لَكَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِ مَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ هِجْرَانًا لَهَا [بَابُ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِلَامِ فِي الْوِتْرِ] أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكَادُ أَنْ يَدَعَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ وِتْرٍ مِنْ طَوَافِهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَلِمُوا هَذَا لَنَا خَامِسٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ الِاسْتِلَامَ فِي كُلِّ وِتْرٍ أَكْثَرُ مِمَّا أَسْتَحِبُّ فِي كُلِّ شَفْعٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ زِحَامٌ أَحْبَبْت الِاسْتِلَامَ فِي كُلِّ طَوَافٍ. [الِاسْتِلَامُ فِي الزِّحَامِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ الِاسْتِلَامَ حِينَ أَبْتَدِئُ بِالطَّوَافِ بِكُلِّ حَالٍ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يُؤْذِ وَلَمْ يُؤْذَ بِالزِّحَامِ وَيَدَعُ إذَا أُوذِيَ أَوْ آذَى بِالزِّحَامِ وَلَا أُحِبُّ الزِّحَامَ إلَّا فِي بَدْءِ الطَّوَافِ وَإِنْ زَاحَمَ فَفِي الْآخِرَةِ وَأَحْسَبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَصَبْتَ " أَنَّهُ وَصْفٌ لَهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَ فِي غَيْرِ زِحَامٍ وَتَرَكَ فِي زِحَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَصَبْتَ فِي فِعْلٍ وَتَرْكٍ إلَّا إذَا اخْتَلَفَ الْحَالُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِلَامَ فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَوْ اسْتَلَمَ وَهُوَ يُؤْذِي وَيُؤْذَى بِطَوَافِهِ لَمْ أُحِبَّهُ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا وَجَدْتَ عَلَى الرُّكْنِ زِحَامًا فَانْصَرِفْ وَلَا تَقِفْ " أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ مَنْبُوذِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا مَوْلَاةٌ لَهَا فَقَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ طُفْتُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَاسْتَلَمْتُ الرُّكْنَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ " لَا أَجَرَك اللَّهُ لَا أَجَرَك اللَّهُ تُدَافِعِينَ الرِّجَالَ؟ أَلَا كَبَّرْت وَمَرَرْت " أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ

القول في الطواف

عُثْمَانَ بْنِ مِقْسَمٍ الربي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ أَبِي يَقُولُ لَنَا " إذَا وَجَدْتُنَّ فُرْجَةً مِنْ النَّاسِ فَاسْتَلِمْنَ وَإِلَّا فَكَبِّرْنَ وَامْضِينَ " فَلَمَّا قَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدٌ آمُرُ الرِّجَالَ إذَا اسْتَلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَا يُزَاحِمُوهُنَّ وَيَمْضُوا عَنْهُنَّ لِأَنِّي أَكْرَهُ لِكُلٍّ زِحَامًا عَلَيْهِ وَأُحِبُّ إذَا أَمْكَنَ الطَّائِفُ الِاسْتِلَامَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْنِ الْحَجَرَ وَالْيَمَانِيَّ وَيَسْتَلِمَهُمَا بِيَدِهِ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ، وَأُحِبُّ إذَا أَمْكَنَهُ الْحَجَرُ أَنْ يُقَبِّلَهُ بِفِيهِ وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِيَّ بِيَدِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَمَرَتْ بِتَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَلَمْ تَأْمُرْ بِتَقْبِيلِ الْيَمَانِيِّ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ رَوَيْنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ الرُّكْنَ وَأَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ» وَرَأَيْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ يُقَبِّلُونَ هَذَا وَيَسْتَلِمُونَ هَذَا، فَإِنْ قَالَ فَلَوْ قَبَّلَهُ مُقَبِّلٌ؟ قُلْت حَسَنٌ وَأَيَّ الْبَيْتِ قَبَّلَ فَحَسَنٌ غَيْرَ أَنَّا إنَّمَا نَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ وَأَنْ نَفْعَلَ مَا فَعَلَ زِيَادَةً رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَأْمُرْ بِاسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ؟ قُلْنَا لَهُ لَا نَعْلَمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُمَا وَرَأَيْنَا أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَإِنْ قَالَ فَإِنَّا نَرَى ذَلِكَ قُلْنَا اللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا الْحُجَّةُ فِي تَرْكِ اسْتِلَامِهِمَا فَهِيَ كَتَرْكِ اسْتِلَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَيْتِ فَقُلْنَا نَسْتَلِمُ مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُ دُونَ مَا لَمْ يُرَ يَسْتَلِمُهُ وَأَمَّا الْعِلَّةُ فِيهِمَا فَنَرَى أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَكَانَا كَسَائِرِ الْبَيْتِ إذَا لَمْ يَكُونَا مُسْتَوْظَفًا بِهِمَا الْبَيْتُ فَإِنْ مَسَحَهُمَا رَجُلٌ كَمَا يَمْسَحُ سَائِرَ الْبَيْتِ فَحَسَنٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَمْسَحُ عَلَى الْأَرْكَانِ كُلِّهَا وَيَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مَهْجُورًا. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِلَامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ دُونَ الشَّامِيِّينَ» وَبِهَذَا نَقُولُ وَقَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ " لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ مَهْجُورًا " وَلَكِنْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ هِجْرَةً لِبَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْسَكَ عَمَّا أَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اسْتِلَامِهِ، وَقَدْ تَرَكَ اسْتِلَامَ مَا سِوَى الْأَرْكَانِ مِنْ الْبَيْتِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ تَرَكَهُ عَلَى أَنْ هَجَرَ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ شَيْئًا، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ طَاوُسٍ قَالَ كَانَ لَا يَدَعُ الرُّكْنَيْنِ أَنْ يَسْتَلِمَهُمَا، قَالَ: لَكِنْ أَفْضَلُ مِنْهُ كَانَ يَدَعُهُمَا أَبُوهُ [الْقَوْلُ فِي الطَّوَافِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ، «فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَهَذَا مِنْ أَحَبِّ مَا يُقَالُ فِي الطَّوَافِ إلَيَّ، وَأُحِبُّ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّهِ.»

باب إقلال الكلام في الطواف

[بَابُ إقْلَالِ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ] أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي صَلَاةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَذَهَبَ إلَى اسْتِحْبَابِ قِلَّةِ الْكَلَامِ وَقَوْلُهُ " فِي صَلَاةٍ " فِي طَاعَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إلَّا بِطَهَارَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ يَقْطَعُهُ عِنْدَهُ نَهَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ طُفْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَمَا سَمِعْت وَاحِدًا مِنْهُمَا مُتَكَلِّمًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ الْأَعْوَرِ قَالَ طُفْت مَعَ طَاوُسٍ وَكَلَّمْته فِي الطَّوَافِ فَكَلَّمَنِي، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي الطَّوَافِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ فِي الطَّوَافِ وَقَدْ بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمَ فِي الطَّوَافِ وَكَلَّمَ» ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الطَّوَافِ فَلَا يَقْطَعُ الْكَلَامُ طَوَافَهُ وَذِكْرُ اللَّهِ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْحَدِيثِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ إذَا أَبَحْتَ الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ اسْتَحْبَبْت إقْلَالَهُ وَالْإِقْبَالَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنِّي لَأُحِبُّ الْإِقْلَالَ مِنْ الْكَلَامِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمَنَازِلِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ مَنْسَكٍ إلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِتَعُودَ مَنْفَعَةُ الذِّكْرِ عَلَى الذَّاكِرِ أَوْ يَكُونُ الْكَلَامُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاحِ أَمْرِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُيُوتِ فَكَيْفَ قُرْبَ بَيْتِ اللَّهِ مَعَ عَظِيمِ رَجَاءِ الثَّوَابِ فِيهِ مِنْ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ مِنْ الْآثَارِ عَلَى مَا قُلْت؟ قُلْت: نَعَمْ. مَا ذَكَرْت لَك عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ " وَأَسْتَحِبُّ الْقِرَاءَةَ فِي الطَّوَافِ " وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَرْءُ. [بَابُ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الطَّوَافِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا بَأْسَ بِالِاسْتِرَاحَةِ فِي الطَّوَافِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِاسْتِرَاحَةِ فِي الطَّوَافِ وَذَكَرَ الِاسْتِرَاحَةَ جَالِسًا [الطَّوَافُ رَاكِبًا] أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَأَشْرَفَ لَهُمْ لِأَنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمَحَجَّتِهِ» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا فَقُلْت: لِمَ؟ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا عَلَى

باب الاضطباع

حِمَارٍ «وَطَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِفَ لِلنَّاسِ لِيَسْأَلُوهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ النَّاسِ» ، وَأَكْثَرُ مَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِنُسُكِهِ مَاشِيًا، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا إلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَإِنْ طَافَ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ. بَابُ الرُّكُوبِ مِنْ الْعِلَّةِ فِي الطَّوَافِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا أَكْرَهُ رُكُوبَ الْمَرْأَةِ فِي الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا حَمْلَ النَّاسِ إيَّاهَا فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ مِنْ عِلَّةٍ وَأَكْرَهُ أَنْ يَرْكَبَ الْمَرْءُ الدَّابَّةَ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَطَافَ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَخْبَرَ جَابِرٌ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ طَافَ رَاكِبًا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ لِيَرَاهُ النَّاسُ» وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ مِنْ شَكْوَى وَلَا أَعْلَمُهُ اشْتَكَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ، وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ طَافَ مِنْ شَكْوَى وَلَا أَدْرِي عَمَّنْ قَبِلَهُ، وَقَوْلُ جَابِرٍ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَمَّا سَبْعُهُ الَّذِي طَافَ لِمَقْدِمِهِ فَعَلَى قَدَمَيْهِ لِأَنَّ جَابِرًا الْمَحْكِيِّ عَنْهُ فِيهِ أَنَّهُ رَمَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ يَحْكِي عَنْهُ الطَّوَافَ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي رُبُعٍ وَاحِدٍ وَقَدْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّ سَعْيَهُ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ فِي طَوَافِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَهْجُرُوا بِالْإِفَاضَةِ وَأَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ» وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَيُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ. [بَابُ الِاضْطِبَاعِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ حِينَ طَافَ» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ لِيَسْعَى ثُمَّ قَالَ لِمَنْ نُبْدِي الْآنَ مَنَاكِبَنَا وَمَنْ نُرَائِي وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ؟ وَاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ لَأَسْعَيَنَّ كَمَا سَعَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي رَمَلَ مُضْطَبِعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِرِدَائِهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ وَمِنْ تَحْتِ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَكُونَ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ بَارِزًا حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةً فَإِذَا طَافَ الرَّجُلُ مَاشِيًا لَا عِلَّةَ بِهِ تَمْنَعُهُ الرَّمَلَ لَمْ أُحِبَّ أَنْ يَدَعَ الِاضْطِبَاعَ مَعَ دُخُولِهِ الطَّوَافَ وَإِنْ تَهَيَّأَ بِالِاضْطِبَاعِ قَبْلَ دُخُولِهِ الطَّوَافَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ فِي إزَارٍ وَعِمَامَةٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُدْخِلَهُمَا تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُرْتَدِيًا بِقَمِيصٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤْتَزِرًا لَا شَيْءَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَهُوَ بَادِي الْمَنْكِبَيْنِ لَا ثَوْبَ عَلَيْهِ يَضْطَبِعُ فِيهِ ثُمَّ يَرْمُلُ حِينَ يَفْتَتِحُ الطَّوَافَ فَإِنْ تَرَكَ الِاضْطِبَاعَ فِي بَعْضِ السَّبْعِ اضْطَبَعَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَضْطَبِعْ بِحَالٍ كَرِهْته لَهُ كَمَا أَكْرَهُ لَهُ تَرْكَ الرَّمَلِ فِي الْأَطْوَافِ الثَّلَاثَةِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ مِنْ سَبْعَةٍ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ خَبَبًا لَيْسَ بَيْنَهُنَّ مَشْيٌ» ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعَى فِي عُمَرِهِ كُلِّهِنَّ الْأَرْبَعِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» إلَّا أَنَّهُمْ

باب في الطواف بالراكب مريضا أو صبيا

رَدُّوهُ فِي الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَعَى أَبُو بَكْرٍ عَامَ حَجَّ؛ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا يَسْعَوْنَ كَذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالرَّمَلُ الْخَبَبُ لَا شِدَّةُ السَّعْيِ ثَلَاثَةُ أَطْوَافٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِوُقُوفٍ إلَّا أَنْ يَقِفَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ ثُمَّ يَمْضِيَ خَبَبًا، فَإِذَا كَانَ زِحَامٌ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ أَنْ يَخُبَّ فَكَانَ إنْ وَقَفَ وَجَدَ فُرْجَةً وَقَفَ، فَإِذَا وَجَدَ الْفُرْجَةَ رَمَلَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ بِفُرْجَةٍ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ أَحْبَبْت أَنْ يَصِيرَ حَاشِيَةً فِي الطَّوَافِ فَيُمْكِنَهُ أَنْ يَرْمُلَ فَإِنَّهُ إذَا صَارَ حَاشِيَةً أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْمُلَ وَلَا أُحِبُّ تَرْكَ الرَّمَلِ وَإِنْ كَانَ إذَا صَارَ حَاشِيَةً مَنَعَهُ كَثْرَةُ النِّسَاءِ أَنْ يَرْمُلَ رَمَلَ إذَا أَمْكَنَهُ الرَّمَلُ، وَمَشَى إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ سَجِيَّةَ مَشْيِهِ وَلَمْ أُحِبَّ أَنْ يَثِبَ مِنْ الْأَرْضِ وُثُوبَ الرَّمَلِ، وَإِنَّمَا يَمْشِي مَشْيًا، وَيَرْمُلُ أَوَّلَ مَا يَبْتَدِئُ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ رَمَلَ فِي الطَّوَافَيْنِ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ رَمَلَ فِي الطَّوَافِ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فِي وَقْتٍ، فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ لَمْ يَضَعْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَلَا إعَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالطَّوَافِ، وَالطَّوَافُ هُوَ الْفَرْضُ فَإِنَّ تَرَكَ الذِّكْرَ فِيهِمَا لَمْ نُحِبَّهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي بَعْضِ طَوَافٍ رَمَلَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ مَا بَيْنَ سَبْعَةٍ فَرْقَيْنِ فَرْقًا رَمَلَ فِيهِ وَفَرْقًا مَشَى فِيهِ» ، فَلَا يَرْمُلُ حَيْثُ مَشَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ لَمْ يَمْشِ حَيْثُ رَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَرْكُ الرَّمَلِ عَامِدًا ذَاكِرًا وَسَاهِيًا وَنَاسِيًا وَجَاهِلًا سَوَاءٌ لَا يُعِيدُ وَلَا يَفْتَدِي مَنْ تَرَكَهُ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُهُ لِلْعَامِدِ وَلَا مَكْرُوهَ فِيهِ عَلَى سَاهٍ وَلَا جَاهِلٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ طَوَافُ نُسُكٍ قَبْلَ عَرَفَةَ وَبَعْدَهَا وَفِي كُلِّ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ إذَا كَانَ الطَّوَافُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنْ قَدِمَ حَاجًّا أَوْ قَارِنًا فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ زَارَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَرْمُلْ؛ لِأَنَّهُ طَافَ الطَّوَافَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّمَا طَوَافُهُ بَعْدَهُ لِتَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ، وَإِنْ قَدِمَ حَاجًّا فَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَأْتِيَ " مِنًى " رَمَلَ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ بَعْدَ عَرَفَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ رَأَى مُجَاهِدًا يَرْمُلُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّك قَدْ تَقُولُ فِي أَشْيَاءَ يَتْرُكُهَا الْمَرْءُ مِنْ نُسُكِهِ يُهْرِيقَ دَمًا فَكَيْفَ لَمْ تَأْمُرْهُ فِي هَذَا بِأَنْ يُهْرِيقَ دَمًا؟ قُلْت إنَّمَا آمُرُهُ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ نَفْسَهُ قَالَ: أَفَلَيْسَ هَذَا عَمَلَ نَفْسِهِ؟ قُلْت: لَا. الطَّوَافُ الْعَمَلُ وَهَذَا هَيْئَةٌ فِي الْعَمَلِ فَقَدْ أَتَى بِالْعَمَلِ عَلَى كَمَالِهِ وَتَرَكَ الْهَيْئَةَ فِيهِ وَالسُّجُودُ وَالرُّكُوعُ الْعَمَلُ فَإِنْ تَرَكَ التَّسْبِيحَ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِعَمَلٍ يَقْضِيهِ كَمَا يَقْضِي سَجْدَةً لَوْ تَرَكَهَا أَوْ تَفْسُدُ بِهَا عَلَيْهِ صَلَاتُهُ لَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا بَلْ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْقَوْلُ عَمَلٌ وَالِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ هَيْئَةٌ أَخَفُّ مِنْ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. (قَالَ) : وَإِذَا رَمَلَ فِي الطَّوَافِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الزِّحَامُ تَحَرَّكَ حَرَكَةَ مَشْيِهِ يُقَارِبُ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ أَنْ أَقُولَ لَهُ يَقِفُ حَتَّى يَجِدَ فُرْجَةً، أَنَّهُ يُؤْذَى بِالْوُقُوفِ مَنْ خَلْفَهُ وَلَا أَطْمَعُ لَهُ أَنْ يَجِدَ فُرْجَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْمَعٍ فَازْدَحَمَ النَّاسُ لِفَتْحِ بَابِ الْكَعْبَةِ أَوْ عَارَضَ الطَّوَافَ حَيْثُ لَا يُؤْذَى بِالْوُقُوفِ مَنْ خَلْفَهُ وَيَطْمَعُ أَنْ يَنْفَرِجَ لَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَمَرْتُهُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يَنْفَرِجَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُمْكِنَهُ أَنْ يَرْمُلَ وَمَتَى أَمْكَنَهُ الرَّمَلُ رَمَلَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدْنُوَ مِنْ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ، وَإِنْ بَعُدَ عَنْ الْبَيْتِ وَطَمِعَ أَنْ يَجِدَ السَّبِيلَ إلَى الرَّمَلِ أَمَرْته بِالْبُعْدِ [بَابٌ فِي الطَّوَافِ بِالرَّاكِبِ مَرِيضًا أَوْ صَبِيًّا] وَالرَّاكِبِ عَلَى الدَّابَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا طَافَ الرَّجُلُ بِالصَّبِيِّ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرْمُلَ بِهِ، وَإِنْ طَافَ

باب ليس على النساء سعي

رَجُلٌ بِرَجُلٍ أَحْبَبْت إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَرْمُلَ بِهِ أَنْ يَرْمُلَ بِهِ وَإِذَا طَافَ النَّفَرُ بِالرَّجُلِ فِي مِحَفَّةٍ أَحْبَبْت إنْ قَدَرُوا عَلَى الرَّمَلِ أَنْ يَرْمُلُوا، وَإِذَا طَافَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا أَحْبَبْت أَنْ يَحُثَّ دَابَّتَهُ فِي مَوْضِعِ الرَّمَلِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الرِّجَالِ [بَابٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ سَعْيٌ] ٌ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ سَعْيٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً: أَتَسْعَى النِّسَاءُ؟ فَأَنْكَرَهُ نُكْرَةً شَدِيدَةً أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - النِّسَاءَ يَسْعَيْنَ بِالْبَيْتِ فَقَالَتْ " أَمَا لَكُنَّ فِينَا أُسْوَةٌ؟ لَيْسَ عَلَيْكُنَّ سَعْيٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا سَعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا اضْطِبَاعَ وَإِنْ حُمِلْنَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ حَمَلَهُنَّ رَمَلٌ بِهِنَّ وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ مِنْهُنَّ تَحْمِلُهَا الْوَاحِدَةُ، وَالْكَبِيرَةُ تُحْمَلُ فِي مِحَفَّةٍ، أَوْ تَرْكَبُ دَابَّةً، وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ مَأْمُورَاتٌ بِالِاسْتِتَارِ، وَالِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ مُفَارِقَانِ لِلِاسْتِتَارِ [بَابٌ لَا يُقَالُ شَوْطٌ وَلَا دَوْرٌ] ٌ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ شَوْطٌ دَوْرٌ لِلطَّوَافِ وَلَكِنْ يَقُولُ طَوَافٌ طَوَافَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَرِهَ مُجَاهِدٌ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] فَسُمِّيَ طَوَافًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّى جَمَاعَةً طَوَافًا. [بَابُ كَمَالِ الطَّوَافِ] ِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَلَمْ تَرَيْ إلَى قَوْمِكَ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؟ قَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك بِالْكُفْرِ لَرَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ» فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّهُ قَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَرْسَلَ عُمَرُ إلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ فَجِئْتُ مَعَهُ إلَى عُمَرَ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ الشَّيْخُ: أَمَّا النُّطْفَةُ فَمِنْ فُلَانٍ وَأَمَّا الْوَلَدُ فَعَلَى فِرَاشِ فُلَانٍ، فَقَالَ عُمَرُ " صَدَقْتَ وَلَكِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ» فَلَمَّا وَلَّى الشَّيْخُ دَعَاهُ عُمَرُ فَقَالَ " أَخْبِرْنِي عَنْ

باب ما جاء في موضع الطواف

بِنَاءِ الْبَيْتِ فَقَالَ " إنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَقَوَّتْ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ فَعَجَزُوا فَتَرَكُوا بَعْضَهَا فِي الْحِجْرِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ " صَدَقْتَ " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ مَا حُجِرَ الْحِجْرُ فَطَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَسَمِعْت عَدَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قُرَيْشٍ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ تُرِكَ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي الْحِجْرِ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَمَالُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ فَإِنْ طَافَ فَسَلَكَ الْحِجْرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ الَّذِي سَلَكَ فِيهِ الْحِجْرَ وَإِنْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَانَ كُلُّ طَوَافٍ طَافَهُ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي الْحِجْرِ أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ كَمَا لَمْ يَطُفْ، وَإِذَا ابْتَدَأَ الطَّائِفُ الطَّوَافَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ يَدَعُهُ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَطُوفُ فَإِنْ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَتَرَكَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَطَافَ فَقَدْ نَكَّسَ الطَّوَافَ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا طَافَ بِالْبَيْتِ مَنْكُوسًا، وَمَنْ طَافَ سَعَا عَلَى مَا نَهَيْتُ عَنْهُ مِنْ نَكْسِ الطَّوَافِ أَوْ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي الْحِجْرِ أَوْ عَلَى جِدَارِهِ كَانَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَطُفْ وَلَا يَخْتَلِفَانِ [بَابُ مَا جَاءَ فِي مَوْضِعِ الطَّوَافِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِكْمَالُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَوَرَاءِ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ طَافَ طَائِفٌ بِالْبَيْتِ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ مِنْ بَطْنِ الْحِجْرِ أَعَادَ الطَّوَافَ وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَعَادَ الطَّوَافَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ " وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " فَكَيْفَ زَعَمْتَ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَغَيْرِهِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، أَمَّا الشَّاذَرْوَانُ فَأَحْسَبُهُ مُنْشَأً عَلَى أَسَاسِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ مُقْتَصِرًا بِالْبُنْيَانِ عَنْ استيظافه فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ الطَّائِفُ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إنَّمَا طَافَ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَأَمَّا الْحِجْرُ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتْ الْكَعْبَةَ اسْتَقْصَرَتْ مِنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَتُرِكَ فِي الْحِجْرِ أَذْرُعٌ مِنْ الْبَيْتِ، فَهَدَمَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْتَنَاهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَهَدَمَ الْحَجَّاجُ زِيَادَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الَّتِي اسْتَوْظَفَ بِهَا الْقَوَاعِدَ، وَهَمَّ بَعْضُ الْوُلَاةِ بِإِعَادَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يَأْتِيَ وَالٍ إلَّا أَحَبَّ أَنْ يُرَى لَهُ فِي الْبَيْتِ أَثَرٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَالْبَيْتُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُطْمَعَ فِيهِ، وَقَدْ أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَوْضِعٌ لِلطَّوَافِ. [بَابٌ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ] ِّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ

باب في الطواف متى يجزئه ومتى لا يجزئه

«رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي السَّفَرِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَيُّهَا النَّاسُ أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَافْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَلْيَحْجُجْ، وَأَيُّمَا غُلَامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّهُ وَإِنْ بَلَغَ فَلْيَحْجُجْ " أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ وَتُقْضَى حَجَّةُ الْعَبْدِ عَنْهُ حَتَّى يُعْتَقَ فَإِذَا عَتَقَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا كَمَا قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَقَدْ بُيِّنَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَنَا هَكَذَا وَقَوْلُهُ فَإِذَا عَتَقَ فَلْيَحْجُجْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَحُجَّ إذَا عَتَقَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي عُبُودِيَّتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا يَرَوْنَ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى أَحَدٍ إلَّا مَرَّةً لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] [بَابٌ فِي الطَّوَافِ مَتَى يُجْزِئُهُ وَمَتَى لَا يُجَزِّئهُ] ُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَوْضِعٌ لِلطَّوَافِ فَمَنْ طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ دُونِ السِّقَايَةِ وَزَمْزَمَ أَوْ مِنْ وَرَائِهِمَا أَوْ وَرَاءِ سِقَايَاتِ الْمَسْجِدِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فَحُفَّ بِهَا الْمَسْجِدُ حَتَّى يَكُونَ الطَّائِفُ مِنْ وَرَائِهَا كُلِّهَا فَطَوَافُهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الطَّوَافِ، وَأَكْثَرُ الطَّائِفِينَ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِالنَّاسِ الطَّائِفِينَ وَالْمُصَلِّينَ. وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَطَافَ مِنْ وَرَائِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِشَيْءٍ مِنْ طَوَافِهِ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الطَّوَافِ وَلَوْ أَجَزْت هَذَا لَهُ أَجَزْت لَهُ الطَّوَافَ لَوْ طَافَهُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَلَوْ طَافَ بِالْبَيْتِ مَنْكُوسًا لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ أَوْ لَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَطُوفُ بِهِ مَنْكُوسًا لِأَنَّ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ لَوْ جَهِلَ، وَلَوْ طَافَ بِالْبَيْتِ مُحْرِمًا وَعَلَيْهِ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا يَنْوِي ذَلِكَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ وَلَا يَنْوِي بِهِ نَافِلَةً أَوْ نَذْرًا عَلَيْهِ مِنْ طَوَافِهِ كَانَ طَوَافُهُ هَذَا طَوَافَهُ الْوَاجِبَ وَهَكَذَا مَا عَمِلَ مِنْ عَمَلِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ يُرِيدُ بِهِ نَافِلَةً فَيَكُونُ فَرْضًا كَانَ فِي بَعْضِ عَمَلِهِ أَوْلَى أَنْ يَجْزِيَهُ وَلَوْ طَافَ بَعْضَ طَوَافِهِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ إكْمَالِهِ فَطِيفَ بِهِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّوَافِ لَا يَعْقِلُهُ مِنْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ عَارِضٍ مَا كَانَ أَوْ اُبْتُدِئَ بِهِ فِي الطَّوَافِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَجْزِهِ حَتَّى يَكُونَ يَعْقِلُ فِي السَّبْعِ كُلِّهِ كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَعْقِلَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا. وَلَوْ طَافَ وَهُوَ يَعْقِلُ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّوَافِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وَالطَّوَافَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا وَلَوْ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ فَرَسٍ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ وَاِتَّخَذُوا مَنْ يَحْمِلُهُمْ فَيَكُونُ أَخَفَّ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ مِنْ أَنْ يَرْكَبَ بَعِيرًا أَوْ فَرَسًا وَلَوْ طَافَ بِالْبَيْتِ فِيمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهُ مِنْ الثِّيَابِ كَانَ طَوَافُهُ مُجْزِئًا عَنْهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِيمَا لَبِسَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَكَذَا الطَّوَافُ مُنْتَقِبًا أَوْ مُتَبَرْقِعًا. [بَابُ الْخِلَافِ فِي الطَّوَافِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَجْزِي إلَّا طَاهِرًا وَأَنَّ الْمُعْتَمِرَ وَالْحَاجَّ

باب كمال عمل الطواف

إنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فَإِنْ بَلَغَ بَلَدَهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَوْ طَافَ جُنُبًا أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ مِنْ بَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ قَوْلَهُ: أَيَعْدُو الطَّوَافَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ أَنْ يَكُونَ كَمَا قُلْنَا لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إلَّا مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ أَوْ يَكُونَ كَذِكْرِ اللَّهِ وَعَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ غَيْرَ الطَّوَافِ؟ قَالَ: إنْ قُلْت هُوَ كَالصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَجْزِي إلَّا بِوُضُوءٍ قُلْت فَالْجُنُبُ وَغَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ سَوَاءٌ لِأَنَّ كُلًّا غَيْرُ طَاهِرٍ وَكُلًّا غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الصَّلَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت أَجَلْ قَالَ فَلَا أَقُولُهُ وَأَقُولُ هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ قُلْت: فَلِمَ أَمَرْتَ مَنْ طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ، وَأَنْتَ تَأْمُرُهُ أَنْ يَبْتَدِئَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت لَا يُعِيدُ قُلْت إذًا تُخَالِفُ السُّنَّةَ قَالَ فَإِنْ قُلْت إنَّمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ حَائِضٌ» . قُلْت فَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْمُشْرِكَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَالْجُنُبَ، قَالَ: فَلَا أَقُولُ هَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ إنَّهُ كَالصَّلَاةِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَلَكِنَّ الْجُنُبَ أَشَدُّ حَالًا مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ قُلْت أَوْ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا، قُلْت فَأَيُّ شَيْءٍ شِئْت فَقُلْ وَلَا تَعْدُو أَنْ تُخَالِفَ السُّنَّةَ وَقَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ الطَّاهِرِ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، أَوْ تَقُولُ لَا يَطُوفُ بِهِ إلَّا طَاهِرٌ فَيَكُونُ تَرْكُك أَنْ تَأْمُرَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَيْثُ كَانَ وَيَكُونُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ تَرْكًا لِأَصْلِ قَوْلِك [بَابُ كَمَالِ عَمَلِ الطَّوَافِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةِ أَطْوَافٍ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُكْمِلْ الطَّوَافَ، وَإِنْ طَافَ بَعْدَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ سَبْعٍ تَامٍّ بِالْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَصَدَرَ إلَى أَهْلِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ كَمَا كَانَ يَرْجِعُ فَيَبْتَدِئُ أَنْ يَطُوفَ سَبْعًا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَإِنْ كَانَ حَلَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْحِلَاقِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ وَلَا أُرَخِّصُ لَهُ فِي قَطْعِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَذَلِكَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ فَيُصَلِّيَهَا ثُمَّ يَعُودَ فَيَبْنِيَ عَلَى طَوَافِهِ مِنْ حَيْثُ قُطِعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَنَى مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قُطِعَ عَلَيْهِ مِنْهُ أُلْغِيَ ذَلِكَ الطَّوَافُ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوْ يُصِيبُهُ زِحَامٌ فَيَقِفُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا أَوْ يَعْيَا فَيَسْتَرِيحُ قَاعِدًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا أَوْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ فَيَخْرُجُ فَيَتَوَضَّأُ وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا فَعَلَ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَلَا يَبْنِيَ عَلَى طَوَافِهِ، وَقَدْ قِيلَ: يَبْنِي وَيَجْزِيهِ إنْ لَمْ يَتَطَاوَلْ فَإِذَا تَطَاوَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْزِهِ إلَّا الِاسْتِئْنَافُ وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَطُوفَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَوْضِعُ الطَّوَافِ وَيَجْزِيهِ أَنْ يَطُوفَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ حَالَ دُونَ الْكَعْبَةِ شَيْءٌ نِسَاءٌ أَوْ جَمَاعَةُ نَاسٍ أَوْ سِقَايَاتٌ أَوْ أَسَاطِينُ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَرَجَ فَطَافَ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا طَافَ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ أَجَزْتُ لَهُ أَنْ يَطُوفَ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ أَجَزْتُ لَهُ أَنْ يَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ الْجِبَالِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحَرَمِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ مِنْ آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْبَابُ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ يَأْتِي عَلَى الْبَابِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، اُعْتُدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى

باب الشك في الطواف

الطَّوَافِ وَرَجَعَ فِي بَعْضِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ [بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّوَافِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي يَشُكُّ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً فَكَانَ فِي ذَلِكَ إلْغَاءُ الشَّكِّ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّوَافِ صَنَعَ مِثْلَ مَا يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ فَأَلْغَى الشَّكَّ وَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّوَافِ سُجُودُ سَهْوٍ وَلَا كَفَّارَةٌ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي وُضُوئِهِ فِي الطَّوَافِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ وَشَكَّ مِنْ حَدَثِهِ أَجْزَأَهُ الطَّوَافُ كَمَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَدَثِهِ وَفِي شَكٍّ مِنْ وُضُوئِهِ لَمْ يَجْزِهِ الطَّوَافُ كَمَا لَا تَجْزِيهِ الصَّلَاةُ [بَابُ الطَّوَافِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ وَالرُّعَافِ وَالْحَدَثِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الطَّوَافِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا طَافَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى جَسَدِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ فِي نَعْلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا طَافَ بِتِلْكَ الْحَالِ كَمَا لَا يُعْتَدُّ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَطُفْ وَانْصَرَفَ فَأَلْقَى ذَلِكَ الثَّوْبَ وَغَسَلَ النَّجَاسَةَ عَنْ جَسَدِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتَأْنَفَ لَا يَجْزِيهِ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي نَفْسِهِ وَبَدَنِهِ وَمَا عَلَيْهِ إلَّا مَا يَجْزِيهِ فِي الصَّلَاةِ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَكَالْمُصَلِّي فِي الطَّهَارَةِ خَاصَّةً، وَإِنْ رَعَفَ أَوْ قَاءَ انْصَرَفَ فَغَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ وَالْقَيْءَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى، وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَهُ حَدَثٌ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ وَرَجَعَ فَبَنَى وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي هَذَا كُلِّهِ لَوْ اسْتَأْنَفَ (قَالَ) : وَلَوْ طَافَ بِبَعْضِ مَا لَا تَجْزِيهِ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ سَعَى أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْتَدَّ بِالسَّعْيِ حَتَّى يُكْمِلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَوْ انْصَرَفَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى هَذَا الطَّوَافَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَنْ طَافَ بِغَيْرِ كَمَالِ الطَّهَارَةِ فِي نَفْسِهِ وَلِبَاسِهِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْتَارَ إنْ قَطَعَ الطَّائِفُ الطَّوَافَ فَتَطَاوَلَ رُجُوعُهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فَإِنَّ ذَلِكَ احْتِيَاطٌ وَقَدْ قِيلَ: لَوْ طَافَ الْيَوْمَ طَوَافًا وَغَدًا آخَرَ أَجْزَأَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ. [بَابُ الطَّوَافِ بَعْدَ عَرَفَةَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَاحْتَمَلَتْ الْآيَةُ أَنْ تَكُونَ عَلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الطَّوَافَ بَعْدَ قَضَاءِ التَّفَثِ وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ عَلَى الطَّوَافِ بَعْدَ مِنًى وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ حِلَاقِ الشَّعْرِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَالتَّطَيُّبِ وَذَلِكَ قَضَاءُ التَّفَثِ وَذَلِكَ أَشْبَهَ مَعْنَيَيْهَا بِهَا؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بَعْدَ مِنًى وَاجِبٌ عَلَى الْحَاجِّ وَالتَّنْزِيلُ كَالدَّلِيلِ عَلَى إيجَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَيْسَ هَكَذَا طَوَافُ الْوَدَاعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ " مِنًى " دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الطِّيبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ

باب ترك الحائض الوداع

يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَائِضَ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ طَوَافِ الْوَدَاعِ لَا يُفْسِدُ حَجًّا، وَالْحَجُّ أَعْمَالٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْهَا شَيْءٌ إذَا لَمْ يَعْمَلْهُ الْحَاجُّ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَذَلِكَ الْإِحْرَامُ وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لِلْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ فَأَيُّ هَذَا تَرَكَ لَمْ يَجْزِهِ عَنْهُ حَجُّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِنْهَا مَا إذَا تَرَكَهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ كُلِّ إحْرَامِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ فِي عُمُرِهِ كُلِّهِ، وَذَلِكَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ إلَّا النِّسَاءَ وَأَيَّهُمَا تَرَكَ رَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ وَكَانَ مُحْرِمًا مِنْ النِّسَاءِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، وَمِنْهَا مَا يَعْمَلُ فِي وَقْتٍ فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الْوَقْتُ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَلَا بَدَّلَهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ مِثْلُ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِ " مِنًى " وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَمِنْهَا مَا إذَا تَرَكَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ لَزِمَهُ الدَّمُ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمِيقَاتِ فِي الْإِحْرَامِ وَمِثْلُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - طَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا عَمَلَانِ أُمِرَ بِهِمَا مَعًا فَتَرَكَهُمَا فَلَا يَتَفَرَّقَانِ عِنْدِي فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِدْيَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى مُزْدَلِفَةَ، وَالْجِمَارُ وَالْبَيْتُوتَةُ لَيَالِي " مِنًى "؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ قَدْ تَرَكَهُ وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: طَوَافُ الْوَدَاعِ طَوَافٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَطَوَافُ الْإِحْلَالِ مِنْ الْإِحْرَامِ طَوَافٌ مَأْمُورٌ بِهِ وَعَمَلَانِ فِي غَيْرِ وَقْتٍ مَتَى جَاءَ بِهِمَا الْعَامِلُ أَجْزَأَ عَنْهُ فَلِمَ لَمْ تَقِسْ الطَّوَافَ بِالطَّوَافِ؟ قِيلَ لَهُ بِالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالدَّلَالَةِ بِمَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَأَيْنَ الدَّلَالَةُ؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَأَرْخَصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلَا وَدَاعٍ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لِلْوَدَاعِ لَوْ كَانَ كَالطَّوَافِ لِلْإِحْلَالِ مِنْ الْإِحْرَامِ لَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَائِضِ فِي تَرْكِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ عَنْ صَفِيَّةَ: أَطَافَتْ بَعْدَ النَّحْرِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَلْتَنْفِرْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إلْزَامُهَا الْمَقَامَ لِلطَّوَافِ بَعْدَ النَّحْرِ وَتَخْفِيفُ طَوَافِ الْوَدَاعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُخَفَّفُ مَا لَا يَحِلُّ الْمُحْرِمُ إلَّا بِهِ أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ طَافَ بَعْدَ الْجَمْرَةِ وَالنَّحْرِ وَالْحِلَاقِ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَهُوَ إذَا حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ خَارِجٌ مَنْ أَحْرَمَ الْحَجَّ بِكَمَالِ الْخُرُوجِ وَمَنْ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ لَمْ يُفْسِدْهُ عَلَيْهِ مَا تَرَكَهُ بَعْدَهُ وَكَيْفَ يُفْسِدُ مَا خَرَجَ مِنْهُ؟ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ تَرْكَ الْمِيقَاتِ لَا يُفْسِدُ حَجًّا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَأَنَّ مَنْ دُونَ الْمِيقَاتِ يُهِلُّ فَيَجْزِي عَنْهُ، وَالشَّيْءُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ إذَا تَرَكَ مَا لَا يَجْزِي أَحَدًا غَيْرُ فِعْلِهِ وَقَدْ يَجْزِي عَالِمًا أَنْ يُهِلُّوا دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا كَانَ أَهْلُوهُمْ دُونَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْبَيْتُوتَةِ لَيَالِي " مِنًى " وَتَرْكَ رَمْيِ الْجِمَارِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ [بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاعَ] َ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ فَذَكَرْت حَيْضَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ

إنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ قَالَ فَلَا إذًا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ حَاضَتْ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْت إنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ فَلَا إذًا» . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ حَيْضَتَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْت: إنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ فَلْتَنْفِرْ إذًا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَقِيلَ إنَّهَا قَدْ حَاضَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلَا إذًا» . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدَمْ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ إنْ كَانَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ لَأَصْبَحَ " بِمِنًى " أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ امْرَأَةٍ حَائِضٍ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ «عَنْ طَاوُسٍ قَالَ كُنْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ قَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَتُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَلَا تُفْتِ بِذَلِكَ قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ فَرَجَعَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَضْحَكُ وَيَقُولُ مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقْت» ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ «اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَنْفِرُ، وَقَالَ زَيْدٌ لَا تَنْفِرُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ سَلْ، فَسَأَلَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَصَوَاحِبَاتِهَا قَالَ فَذَهَبَ زَيْدٌ فَلَبِثَ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَهُ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ الْقَوْلُ مَا قُلْت» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ إذَا حَجَّتْ وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ أَنْ يَحِضْنَ قَدَّمَتْهُنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَضْنَ فَإِنْ حِضْنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَنْتَظِرْ بِهِنَّ أَنْ يَطْهُرْنَ تَنْفِرُ بِهِنَّ وَهُنَّ حُيَّضٌ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يُعَجِّلْنَ الْإِفَاضَةَ مَخَافَةَ الْحَيْضِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَلَسْت إلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَمِعْته يَقُولُ «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» فَقُلْت مَا لَهُ أَمَا سَمِعَ مَا سَمِعَ أَصْحَابُهُ؟ ثُمَّ جَلَسْت إلَيْهِ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَسَمِعْته يَقُولُ زَعَمُوا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - سَمِعَ الْأَمْرَ بِالْوَدَاعِ وَلَمْ يَسْمَعْ الرُّخْصَةَ لِلْحَائِضِ فَقَالَ بِهِ عَلَى الْعَامِ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لَهُ وَلِمَنْ سَمِعَ عَامًا أَنْ يَقُولَ بِهِ فَلَمَّا بَلَغَهُ الرُّخْصَةُ لِلْحَائِضِ ذَكَرَهَا وَأَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ جَلَتْ عَائِشَةُ لِلنِّسَاءِ عَنْ ثَلَاثٍ، لَا صَدْرَ لِحَائِضٍ إذَا أَفَاضَتْ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ الصَّدْرِ وَإِذَا طَافَتْ الْمَرْأَةُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ الَّذِي يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا ثُمَّ حَاضَتْ نَفَرَتْ بِغَيْرِ وَدَاعٍ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا وَإِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْفِرَ فَعَلَيْهَا الْوَدَاعُ كَمَا يَكُونُ عَلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنْ النِّسَاءِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ كُلِّهَا قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ ثُمَّ طَهُرَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا الْوَدَاعُ، وَإِنْ طَهُرَتْ فِي الْبُيُوتِ كَانَ عَلَيْهَا الْوَدَاعُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَتْ الطُّهْرَ فَلَمْ تَجِدْ مَاءً كَانَ عَلَيْهَا الْوَدَاعُ كَمَا تَكُونُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً طَافَتْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا فَإِنْ بَدَأَتْ بِهَا الِاسْتِحَاضَةُ قُلْنَا لَهَا، تَقِفُ حَتَّى تَعْلَمَ قَدْرَ حَيْضَتِهَا وَاسْتِحَاضَتِهَا فَنَفَرَتْ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي نَفَرَتْ فِيهِ يَوْمَ طُهْرٍ كَانَ عَلَيْهَا دَمٌ لِتَرْكِ الْوَدَاعِ، وَإِنْ كَانَ يَوْمُ حَيْضٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَمٌ

باب تحريم الصيد

[بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْبَحْرُ اسْمٌ جَامِعٌ فَكُلُّ مَا كَثُرَ مَاؤُهُ وَاتَّسَعَ قِيلَ هَذَا بَحْرٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَالْبَحْرُ الْمَعْرُوفُ الْبَحْرُ هُوَ الْمَالِحُ قِيلَ نَعَمْ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَذْبُ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ قِيلَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12] فَفِي الْآيَةِ دَلَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْبَحْرَ الْعَذْبُ وَالْمَالِحُ وَأَنَّ صَيْدَهُمَا مَذْكُورٌ ذِكْرًا وَاحِدًا فَكُلُّ مَا صِيدَ فِي مَاءٍ عَذْبٍ أَوْ بَحْرٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ لِلْمُحْرِمِ حَلَالٌ وَحَلَالٌ اصْطِيَادُهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ صَيْدِ الْبَحْرِ الْحَلَالِ لِلْمُحْرِمِ لَا يَخْتَلِفُ وَمَنْ خُوطِبَ بِإِحْلَالِ صَيْدِ الْبَحْرِ وَطَعَامِهِ عَقَلَ أَنَّهُ إنَّمَا أُحِلَّ لَهُ مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أُحِلَّ كُلُّ مَا يَعِيشُ فِي مَائِهِ لِأَنَّهُ صَيْدُهُ وَطَعَامُهُ عِنْدَنَا مَا أُلْقِيَ وَطَفَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ إلَّا هَذَا الْمَعْنَى أَوْ يَكُونُ طَعَامُهُ فِي دَوَابِّ تَعِيشُ فِيهِ فَتُؤْخَذُ بِالْأَيْدِي بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ كَتَكَلُّفِ صَيْدِهِ فَكَانَ هَذَا دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ جُمْلَةِ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ مِنْ خَبَرٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صَيْدِ الْأَنْهَارِ وَقِلَاتِ الْمِيَاهِ أَلَيْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ قَالَ بَلَى وَتَلَا {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12] أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ إنْسَانًا سَأَلَ عَطَاءً عَنْ حِيتَانِ بِرْكَةِ الْقَسْرِيِّ وَهِيَ بِئْرٌ عَظِيمَةٌ فِي الْحَرَمِ أَتُصَادُ قَالَ نَعَمْ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ [بَابُ أَصْلِ مَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مِنْ الْوَحْشِ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - صَيْدَ الْبَحْرِ جُمْلَةً وَمُفَسَّرًا، فَالْمُفَسَّرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْمُجْمَلِ مِنْهُ بِالدَّلَالَةِ الْمُفَسِّرَةِ الْمُبَيِّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَلَمَّا أَثْبَتَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إحْلَالَ صَيْدِ الْبَحْرِ وَحَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ مَا كَانُوا حُرُمًا، دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا حُرُمًا، مَا كَانَ أَكْلُهُ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حُرِّمَ بِالْإِحْرَامِ خَاصَّةً إلَّا مَا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَهُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْحَلَالِ فَالتَّحْرِيمُ الْأَوَّلُ كَفَّ مِنْهُ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى مَا قُلْت وَإِنْ كَانَ بَيِّنًا فِي الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» [بَابُ قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَجْزِي الصَّيْدُ مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إيجَابُ الْجَزَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ

عَمْدًا وَكَيْفَ أَوْجَبْته عَلَى قَاتِلِهِ خَطَأً؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ: إنَّ إيجَابَ الْجَزَاءِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ عَمْدًا لَا يَحْظُرُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى قَاتِلِهِ خَطَأً فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِذَا أَوْجَبْت فِي الْعَمْدِ بِالْكِتَابِ فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْت الْجَزَاءَ فِي الْخَطَأِ؟ قِيلَ أَوْجَبْته فِي الْخَطَأِ قِيَاسًا عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قَالَ فَأَيْنَ الْقِيَاسُ عَلَى الْقُرْآنِ؟ قِيلَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قَتْلِ الْخَطَأِ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] وَقَالَ {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فَلَمَّا كَانَتْ النَّفْسَانِ مَمْنُوعَتَيْنِ بِالْإِسْلَامِ وَالْعَهْدِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمَا بِالْخَطَأِ دِيَتَيْنِ وَرَقَبَتَيْنِ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْإِحْرَامِ مَمْنُوعًا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وَكَانَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ فِيمَا قُتِلَ مِنْهُ عَمْدًا بِجَزَاءٍ مِثْلِهِ وَكَانَ الْمَنْعُ بِالْكِتَابِ مُطْلَقًا عَامًّا عَلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ وَكَانَ الْمَالِكُ لِمَا وَجَبَ بِالصَّيْدِ أَهْلَ الْحَرَمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] . وَلَمْ أَعْلَمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافًا أَنَّ مَا كَانَ مَمْنُوعًا أَنْ يُتْلَفَ مِنْ نَفْسِ إنْسَانٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ مِلْكُهُ فَأَصَابَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا فَكَانَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ فِيهِ ثَمَنٌ يُؤَدَّى لِصَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ فِيمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إلَّا الْمَأْثَمُ فِي الْعَمْدِ فَلَمَّا كَانَ هَذَا كَمَا وَصَفْت مَعَ أَشْبَاهٍ لَهُ كَانَ الصَّيْدُ كُلُّهُ مَمْنُوعًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَلَمَّا كَانَ الصَّيْدُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ فِي الْإِحْرَامِ وَكَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَكَمَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِعَدْلٍ بَالِغِ الْكَعْبَةِ كَانَ كَذَلِكَ كُلُّ مَمْنُوعٍ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَتَفَرَّقُ كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَ الْغُرْمِ فِي الْمَمْنُوعِ مِنْ النَّاسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَنْ قَالَ هَذَا مَعَك؟ قِيلَ الْحُجَّةُ فِيهِ مَا وَصَفْت وَهِيَ عِنْدَنَا مُكْتَفًى بِهَا وَقَدْ قَالَهُ مِمَّنْ قَبْلَنَا غَيْرُنَا قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] قُلْت لَهُ فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَمَضَتْ بِهِ السُّنَنُ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ رَأَيْت النَّاسَ يَغْرَمُونَ فِي الْخَطَإِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْ هَذَا؟ قِيلَ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ فَإِنْ قَالَ مَا هُوَ؟ قُلْت أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا أَوْطَآ الضَّبَّ مُخْطِئَيْنِ بِإِيطَائِهِ وَأَوْطَآهُ عَامِدَيْنِ لَهُ فَقَالَ لِي قَائِلٌ هَلْ ذَهَبَ أَحَدٌ فِي هَذَا خِلَافَ مَذْهَبِك؟ فَقُلْت: نَعَمْ قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ نَاسٍ لِحُرُمِهِ وَلَا مَرِيدًا غَيْرَهُ فَأَخْطَأَ بِهِ فَقَدْ أُحِلَّ وَلَيْسَتْ لَهُ رُخْصَةٌ وَمَنْ قَتَلَهُ نَاسِيًا لِحُرُمِهِ أَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ فَأَخْطَأَ بِهِ فَذَلِكَ الْعَمْدُ الْمُكَفَّرُ عَنْهُ مِنْ النَّعَمِ قَالَ فَمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ فَقَدْ أُحِلَّ؟ قُلْت أَحْسَبُهُ يَذْهَبُ إلَى أُحِلَّ عُقُوبَةَ اللَّهِ، قَالَ أَفَتَرَاهُ يُرِيدُ أُحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ؟ قُلْت مَا أَرَاهُ وَلَوْ أَرَادَهُ كَانَ مَذْهَبُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ خِلَافَهُ وَلَمْ يَلْزَمْ بِقَوْلِهِ حُجَّةٌ، قَالَ فَمَا جِمَاعُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الصَّيْدِ؟ قُلْت إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْعَمْدُ الَّذِي لَا يَخْلِطُهُ خَطَأٌ، وَيُكَفَّرُ الْعَمْدُ الَّذِي يَخْلِطُهُ الْخَطَأُ. (قَالَ) : فَنَصُّهُ، قُلْت يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ إنْ عَمَدَ قَتْلَهُ وَنَسِيَ إحْرَامَهُ فَفِي هَذَا خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ نِسْيَانِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ عَمَدَ غَيْرَهُ فَأَصَابَهُ فَفِي هَذَا

باب من عاد لقتل الصيد

خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ بِهِ الْقَتْلُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِحُرُمِهِ فَذَلِكَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذَاكِرًا لِحُرُمِهِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، قَالَ عَطَاءٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ عَطَاءٌ نَأْخُذُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ يُخَالِفُ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ أَحَدٌ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَلَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ خَطَأً بِحَالٍ [بَابُ مَنْ عَادَ لِقَتْلِ الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا فَحُكِمَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لِآخَرَ قَالَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمِنْ أَيْنَ قُلْته؟ قُلْت إذَا لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الثَّانِي وَكُلِّ مَا بَعْدَهُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ نَفْسًا دِيَتُهُ وَأَنْفُسًا بَعْدَهُ دِيَةٌ دِيَةٌ، فِي كُلِّ نَفْسٍ وَكَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِأَحَدٍ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِآخَرَ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا كَثِيرًا بَعْدَهُ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ فِي كُلِّ حَالٍ فَإِنْ قَالَ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا يَبْلُغُ عِلْمِي أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا مَعْنَاهُ؟ قِيلَ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا مَعْنَاهُ أَمَّا الَّذِي يُشْبِهُ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِالْعَوْدِ النِّقْمَةُ وَقَدْ تَكُونُ النِّقْمَةُ بِوُجُوهٍ، فِي الدُّنْيَا الْمَالُ وَفِي الْآخِرَةِ النَّارُ. فَإِنْ قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69] وَجَعَلَ اللَّهُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْقَتْلَ عَلَى الْقَاتِلِ عَمْدًا وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَفْوَ عَنْ الْقَاتِلِ بِالدِّيَةِ إنْ شَاءَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَجَعَلَ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي فَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النِّقْمَةَ بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا وَجَعَلَ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي فَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودَ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ النِّقْمَةَ فِي الْآخِرَةِ لَا تُسْقِطُ حُكْمَ غَيْرِهَا فِي الدُّنْيَا قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] فَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّهُمَا كُلَّمَا زَنَيَا بَعْدَ الْحَدِّ جُلِدَا فَكَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِمْ فِي الزِّنَا الْآخَرِ مِثْلُهُ فِي الزِّنَا الْأَوَّلِ وَلَوْ انْبَغَى أَنْ يُفَرِّقَا كَانَ فِي الزِّنَا الْآخَرِ وَالْقَتْلِ الْآخَرِ أَوْلَى وَلَمْ يُطْرَحْ، فَإِنْ قَالَ أَفَرَأَيْت مَنْ طَرَحَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَمْدُ مَأْثَمٍ فَأَوَّلُ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ عَمْدًا يَأْثَمُ بِهِ فَكَيْفَ حُكِمَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْت حُكْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُعْرَضَ لَهُ فِي عَمْدِ الْمَأْثَمِ فَإِذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ عَلَى أَنَّهُ عَمْدُ مَأْثَمٍ فَالثَّانِي مِثْلُهُ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا مَعَك أَحَدٌ غَيْرُك؟ قِيلَ: نَعَمْ. فَإِنْ قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ عَمْدًا: يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا قَتَلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] قِيلَ - اللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَعْنَى مَا أَرَادَ فَأَمَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَيَذْهَبُ إلَى {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لِقَتْلِ صَيْدٍ مَرَّةً فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] قَالَ عَفَا

باب أين محل هدي الصيد

اللَّهُ عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت وَقَوْلُهُ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] قَالَ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ زِيَادَةً قَالَ وَإِنْ عَمَدَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؟ قُلْت لَهُ: هَلْ فِي الْعَوْدِ مِنْ حَدٍّ يُعْلَمُ؟ قَالَ لَا. قُلْت: أَفَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِيهِ: قَالَ: لَا، ذَنْبٌ أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَفْتَدِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُعَاقِبُهُ الْإِمَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا ذَنْبٌ جُعِلَتْ عُقُوبَتُهُ فَدِيَتَهُ إلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ يَأْتِي ذَلِكَ عَامِدًا مُسْتَخِفًّا [بَابُ أَيْنَ مَحَلُّ هَدْيِ الصَّيْدِ] ِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ هَدْيٌ مِنْ مِلْكِ ابْنِ آدَمَ هَدْيًا كَانَتْ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا وَكُلُّ مَا أَهْدَى فَهُوَ بِمَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ خَفِيَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ هَذَا هَكَذَا مَا انْبَغَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ الصَّيْدُ إذَا جَزَى بِشَيْءٍ مِنْ النَّعَمِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُجْزِئَ بِمَكَّةَ فَعُلِمَ أَنَّ مَكَّةَ أَعْظَمُ أَرْضِ اللَّهِ - تَعَالَى - حُرْمَةً وَأَوْلَاهُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ الدِّمَاءِ لَوْلَا مَا عَقَلْنَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي أَنَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْحَاضِرِينَ بِمَكَّةَ، فَإِذَا عَقَلْنَا هَذَا عَنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَكَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ بِطَعَامٍ لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا بِمَكَّةَ وَكَمَا عَقَلْنَا عَنْ اللَّهِ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْعَدْلِ وَفِي مَوَاضِعَ فَلَمْ يَذْكُرْ الْعَدْلَ وَكَانَتْ الشَّهَادَاتُ وَإِنْ افْتَرَقَتْ تَجْتَمِعُ فِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِهَا اكْتَفَيْنَا أَنَّهَا كُلَّهَا بِالْعَدْلِ، وَلَمْ نَزْعُمْ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ الْعَدْلَ مَعْفُوٌّ عَنْ الْعَدْلِ فِيهِ، فَلَوْ أَطْعَمَ فِي كَفَّارَةِ صَيْدٍ بِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ وَأَعَادَ الْإِطْعَامَ بِمَكَّةَ أَوْ بِ مِنًى فَهُوَ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لِحَاضِرِ الْحَرَمِ وَمِثْلُ هَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى مُحْرِمٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ فِدْيَةِ أَذًى أَوْ طِيبٍ أَوْ لُبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ مِنْ جِهَةِ النُّسُكِ وَالنُّسُكُ إلَى الْحَرَمِ، وَمَنَافِعُهُ لِلْمَسَاكِينِ الْحَاضِرِينَ الْحَرَمَ (قَالَ) : وَمَنْ حَضَرَ الْكَعْبَةَ حِينَ يَبْلُغُهَا الْهَدْيُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الطَّعَامِ مِنْ مِسْكِينٍ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِهَا أَوْ غَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا بِحَضْرَتِهَا، وَإِنْ قَلَّ فَكَانَ يُعْطِي بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ أَجْزَأَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَسَاكِينَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَسَاكِينَ أَهْلَ مَكَّةَ دُونَ مَسَاكِينَ الْغُرَبَاءِ وَأَنْ يَخْلِطَ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ آثَرَ بِهِ أَهْلَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ الْحُضُورَ وَالْمَقَامَ لَكَانَ كَأَنَّهُ أَسْرَى إلَى الْقَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ يُذْكَرُ قَوْلُهُ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى يَتَصَدَّقُ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ بِمَكَّةَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] قَالَ فَيَتَصَدَّقُ بِمَكَّةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يُرِيدُ عَطَاءً: مَا وَصَفْت مِنْ الطَّعَامِ، وَالنَّعَمُ كُلُّهُ هَدْيٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابٌ كَيْفَ يَعْدِلُ الصِّيَامَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] الْآيَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ

قَالَ لِعَطَاءٍ مَا قَوْلُهُ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ؟ قَالَ إنْ أَصَابَ مَا عَدْلُهُ شَاةٌ فَصَاعِدًا أُقِيمَتْ الشَّاةُ طَعَامًا ثُمَّ جَعَلَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا يَصُومُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ وَبِهِ أَقُولُ وَهَكَذَا بَدَنَةٌ إنْ وَجَبَتْ وَهَكَذَا مُدٌّ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي قِيمَةِ شَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ صَامَ مَكَانَهُ يَوْمًا وَإِنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ مَا قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَأَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ صَامَ يَوْمَيْنِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ مُدًّا صَامَ مَكَانَهُ يَوْمًا أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ هَذَا الْمَعْنَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ قُلْت مَكَانَ الْمُدِّ صِيَامُ يَوْمٍ وَمَا زَادَ عَلَى مُدٍّ مِمَّا لَا يَبْلُغُ مُدًّا آخَرَ صَوْمُ يَوْمٍ؟ قُلْت قُلْته مَعْقُولًا وَقِيَاسًا، فَإِنْ قَالَ: فَأَيْنَ الْقِيَاسُ بِهِ وَالْمَعْقُولُ فِيهِ؟ قُلْت أَرَأَيْت إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَتَلَ جَرَادَةً أَنْ يَدَعَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا ثَمَرَةً أَوْ لُقْمَةً؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ مُجْزِيَةٌ لَا تُعَطَّلُ بِقِلَّةِ قِيمَتِهَا ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قِيمَتَهَا فَإِذَا بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ هَلْ يَجِدُ مِنْ الصَّوْمِ شَيْئًا يَجْزِيهِ أَبَدًا أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قُلْت فَبِذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ أَقَلَّ مَا يَجِبُ مِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ وَعَقَلْنَا وَقِسْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ لَا يَتَبَعَّضُ فَأَوْقَعَ إنْسَانٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ لَزِمَتْهُ تَطْلِيقَةٌ، وَعَقَلْنَا أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ فَلَمْ تَتَبَعَّضْ الْحَيْضَةُ نِصْفَيْنِ فَجَعَلْنَا عِدَّتَهَا حَيْضَتَيْنِ. بَابُ الْخِلَافِ فِي عَدْلِ الصِّيَامِ وَالطَّعَامِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: إذَا صَامَ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِذَا أَطْعَمَ مِنْهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ وَقَالَ هَلْ رَوَيْت فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِك شَيْئًا يُوَافِقُ قَوْلَنَا وَيُخَالِفُ قَوْلَك؟ قُلْت نَعَمْ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُولُ مَكَانَ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا فَقَالَ: وَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذْ بِقَوْلِ مُجَاهِدٍ وَأَخَذْتَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ يُطْعِمُ الْمِسْكِينَ حَيْثُ وَجَبَ إطْعَامُهُ مُدًّا إلَّا فِي فِدْيَةِ الْأَذَى فَإِنَّك قُلْت يُطْعِمُهُ مُدَّيْنِ وَلِمَ لَمْ تَقُلْ إذْ قُلْت فِي فِدْيَةِ الْأَذَى يُطْعِمُهُ مُدَّيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ يَجْمَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْك جَوَابٌ وَاحِدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَاذْكُرْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَصْلُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ نَحْنُ وَأَنْتَ وَمَنْ نَسَبْنَاهُ مَعَنَا إلَى الْفِقْهِ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ فِي تَأْدِيَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ لَا يَقُولَ إلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ وَيُعْلَمُ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثُمَّ أَحْكَامَ رَسُولِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ يَجْمَعُهُمَا مَعًا أَنَّهُمَا تَعَبُّدٌ ثُمَّ فِي التَّعَبُّدِ وَجْهَانِ فَمِنْهُ تَعَبُّدٌ لِأَمْرٍ أَبَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ رَسُولُهُ سَبَبَهُ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ فَذَلِكَ الَّذِي قُلْنَا بِهِ وَبِالْقِيَاسِ فِيمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَمِنْهُ مَا هُوَ تَعَبُّدٌ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِمَّا عَلَّمَهُ وَعَلَّمْنَا حُكْمَهُ وَلَمْ نَعْرِفْ فِيهِ مَا عَرَفْنَا مِمَّا أَبَانَ لَنَا فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدَّيْنَا الْفَرْضَ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ إلَيْهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ فِي شَيْءٍ لَهُ مَعْنًى فَنَقِيسُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قِسْنَا عَلَى مَا عَرَفْنَا وَلَمْ يَكُنْ لَنَا عِلْمٌ إلَّا مَا عَلَّمَنَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ كَمَا وَصَفْت لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّكْشِيفِ قَالَ بِغَيْرِهِ فَقِفْنِي مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ أَعْرِفُهُ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا يُعْطُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَمَا وَصَفْت لَا يُغَادِرُونَ مِنْهَا حَرْفًا وَتَخْتَلِفُ أَقَاوِيلُهُمْ إذَا فَرَّعُوا عَلَيْهَا فَقُلْت فَأَقْبَلُ مِنْهُمْ الصَّوَابَ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْغَفْلَةَ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَلَازِمٌ لِي وَمَا يَبْرَأُ آدَمِيٌّ رَأَيْته مِنْ غَفْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَلَكِنْ أَنْصِبُ لِمَا قُلْت مِثَالًا فَقُلْت: أَرَأَيْت إذْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ قُلْنَا وَقُلْت قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا وَهُوَ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَتْ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ مَيِّتًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فَكَانَ مُغَيَّبَ

الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ إذَا جَنَى عَلَيْهِ فَهَلْ قِسْنَا عَلَيْهِ مُلَفَّفًا أَوْ رَجُلًا فِي بَيْتٍ يُمْكِنُ فِيهِمَا الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ وَهُمَا مُغَيَّبَا الْمَعْنَى؟ قَالَ: لَا، قُلْت وَلَا قِسْنَا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الدِّمَاءِ؟ قَالَ: لَا قُلْت وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّا تَعَبَّدْنَا بِطَاعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ وَلَمْ نَعْرِفْ سَبَبَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ قُلْت فَهَكَذَا قُلْنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا عِمَامَةٌ وَلَا بُرْقُعٌ وَلَا قُفَّازَانِ قَالَ وَهَكَذَا قُلْنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَرْضَ وُضُوءٍ وَخُصَّ مِنْهُ الْخُفَّانِ خَاصَّةً فَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا قِيَاسَ عَلَيْهِ قُلْت وَقِسْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ إذْ قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ أَنَّ الْخِدْمَةَ كَالْخَرَاجِ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: لِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّ الْخَرَاجَ حَادِثٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمِنَهُ مِنْهُ وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَرَدْت وَدَلَالَةٌ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ سُنَّةً مَقِيسٌ عَلَيْهَا وَأُخْرَى غَيْرُ مَقِيسٍ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْقَسَامَةُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي بِالْأَمْرِ الَّذِي لَهُ اخْتَرْت أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا إلَّا فِي فِدْيَةِ الْأَذَى إذَا تَرَكَ الصَّوْمَ فَإِمَّا أَنْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا فَيَكُونُ صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ مُدٍّ فَإِنْ ثَبَتَ لَك الْمُدُّ صَحِيحٌ لَا أَسْأَلُك عَنْهُ إلَّا فِيمَا قُلْت إنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ يَقُومُ مَقَامَ إطْعَامِ مِسْكِينٍ فَقُلْت لَهُ حَكَمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى الْمُظَاهِرِ إذَا عَادَ لِمَا قَالَ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 3 - 4] فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ إمْسَاكَ الْمُظَاهِرِ عَنْ أَنْ يَأْكُلَ سِتِّينَ يَوْمًا كَإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَبِهَذَا الْمَعْنَى صِرْت إلَى أَنَّ إطْعَامَ مِسْكِينٍ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ مَعَ هَذَا؟ قُلْت نَعَمْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُصِيبَ لِأَهْلِهِ نَهَارًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ؟ قَالَ: لَا، فَسَأَلَهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ فَقَالَ لَا. فَسَأَلَهُ هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فَقَالَ: لَا، فَأَعْطَاهُ عَرَقَ تَمْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَدَّى الْمُؤَدِّي» لِلْحَدِيثِ أَنَّ فِي الْعَرَقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا قَالَ أَوْ عِشْرِينَ، وَمَعْرُوفٌ أَنَّ الْعَرَقَ يُعْمَلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِيَكُونَ الْوَسْقُ بِهِ أَرْبَعَةً فَذَهَبْنَا إلَى أَنَّ إطْعَامَ الْمِسْكِينِ مُدُّ طَعَامٍ وَمَكَانَ إطْعَامِ الْمِسْكِينِ صَوْمُ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَّا صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ كُلِّ مِسْكِينٍ فَكَمَا قُلْت، وَأَمَّا إطْعَامُ الْمِسْكِينِ مُدًّا فَإِذَا قَالَ أَوْ عِشْرِينَ صَاعًا قُلْت فَهَذَا مُدٌّ وَثُلُثٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَالَ: فَلِمَ لَا تَقُولُ بِهِ؟ قُلْت فَهَلْ عَلِمْت أَحَدًا قَطُّ قَالَ إلَّا مُدًّا أَوْ مُدَّيْنِ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَلَوْ كَانَ كَمَا قُلْت أَنْتَ كُنْت أَنْتَ قَدْ خَالَفْته وَلَكِنَّهُ احْتِيَاطٌ مِنْ الْمُحْدَثِ، وَهَذَا كَمَا قُلْت فِي الْعَرَقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَعَلَى ذَلِكَ كَانَتْ تُعْمَلُ فِيمَا أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْيَمَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَهَا مَعَايِيرَ كَالْمَكَايِيلِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا بِالتَّمْرِ، قَالَ: فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الطَّعَامِ وَإِصَابَةِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدٌ لِأَمْرٍ قَدْ عَرَفْته وَعَرَفْنَاهُ مَعَك فَأَبِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَغَيْرِهَا تَعَبُّدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ قُلْت: أَلَيْسَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الطَّعَامِ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» فَكَانَ ذَلِكَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت وَأَمَرَهُ فَقَالَ: أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت: وَقَالَ: " أَوْ اُنْسُكْ شَاةً " قَالَ: بَلَى قُلْت: فَلَوْ قِسْنَا الطَّعَامَ عَلَى الصَّوْمِ أَمَا نَقُولُ صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ إطْعَامِ مِسْكِينَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: وَلَوْ قِسْنَا الشَّاةَ بِالصَّوْمِ كَانَتْ شَاةٌ عَدْلَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْمُتَمَتِّعِ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَجَعَلَ الْبَدَلَ مِنْ شَاةٍ صَوْمَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَالَ: نَعَمْ وَقُلْت: قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] الْآيَةَ فَجَعَلَ الرَّقَبَةَ مَكَانَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: وَالرَّقَبَةُ فِي الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ مَكَانَ سِتِّينَ يَوْمًا، قَالَ: نَعَمْ وَقَدْ بَانَ أَنَّ صَوْمَ سِتِّينَ يَوْمًا أَوْلَى بِالْقُرْبِ مِنْ الرَّقَبَةِ مِنْ صَوْمِ عَشَرَةٍ وَبَانَ لِي أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ أَوْلَى بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ مِنْهُ بِإِطْعَامِ مِسْكِينَيْنِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ جُوعُ يَوْمٍ، وَإِطْعَامَ مِسْكِينٍ إطْعَامُ يَوْمٍ، فَيَوْمٌ بِيَوْمٍ أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمَيْنِ بِيَوْمٍ وَأَوْضَحُ مِنْ أَنَّهَا أَوْلَى

باب هل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعم

الْأُمُورِ بِالْقِيَاسِ قَالَ: فَهَلْ فِيهِ مِنْ أَثَرٍ أَعْلَى مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟ قُلْت: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ فَهَلْ خَالَفَك فِي هَذَا غَيْرُك مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِك؟ فَقُلْت: نَعَمْ زَعَمَ مِنْهُمْ زَاعِمٌ مَا قُلْت: مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَإِنَّهَا بِمُدِّ هِشَامٍ قَالَ فَلَعَلَّ مُدَّ هِشَامٍ مُدَّانِ فَيَكُونُ أَرَادَ قَوْلَنَا مُدَّيْنِ وَإِنَّمَا جَعَلَ مُدَّ هِشَامٍ عَلَمًا قُلْت: لَا، مُدُّ هِشَامٍ، مُدٌّ وَثُلُثٌ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مُدٌّ وَنِصْفٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَالْغَنِيُّ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ هَذَا الْقَوْلُ - إذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت - غَنِيٌّ بِمَا لَا يُعِيدُ وَلَا يُبْدِي كَيْف جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ بِمُدٍّ مُخْتَلِف؟ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ هِيَ بِمُدٍّ أَكْبَرَ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ أَضْعَافًا، وَالطَّعَامُ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا سِوَاهُ بِمُدٍّ مُحْدَثٍ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ، أَوْ رَأَيْت الْكَفَّارَاتِ إذْ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ جَازَ أَنْ تَكُونَ بِمُدِّ رَجُلٍ لَمْ يُخْلَقْ أَبُوهُ وَلَعَلَّ جَدَّهُ لَمْ يُخْلَقْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قَالَ النَّاسُ هِيَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَدْخَلَ مُدًّا وَكَسْرًا؟ هَذَا خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي الْكَفَّارَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا أَيْضًا أَنَّ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِيهِمْ أَوْسَعُ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: فَمَا قُلْت: لِمَنْ قَالَ هَذَا؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: أَرَأَيْت الَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْفَثَّ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ اللَّبَنَ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْحَنْظَلَ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْحِيتَانِ لَا يَقْتَاتُونَ غَيْرَهَا وَاَلَّذِينَ السِّعْرُ عِنْدَهُمْ أَغْلَى مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بِكَثِيرٍ كَيْفَ يُكَفِّرُونَ يَنْبَغِي فِي قَوْلِهِمْ أَنْ يُكَفِّرُوا أَقَلَّ مِنْ كَفَّارَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيُكَفِّرُونَ مِنْ الدُّخْنِ وَهُوَ نَبَاتٌ يَقْتَاتُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْجَدْبِ؟ وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ سِعْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْخَصَ مِنْ سِعْرِ أَهْلِ بَلَدٍ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُكَفِّرُ فِي زَمَانِ غَلَاءِ السِّعْرِ بِبَلَدٍ أَقَلَّ كَفَّارَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنْ كَانَ إنَّمَا زَعَمَ أَنَّ هَذَا لِغَلَاءِ سِعْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ رَأَيْت مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْئًا خُفِّفَ عَنْ أَحَدٍ أَوْ اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت: فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَارَضَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَزَعَمَ زَاعِمٌ غَيْرُ قَائِلِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: الطَّعَامُ حَيْثُ شَاءَ الْمُكَفِّرُ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ كَذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ: لَئِنْ زَعَمْت أَنَّ الدَّمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ إلَّا بِمَكَّةَ كَمَا قُلْت؛ لِأَنَّهُمَا طَعَامَانِ. قَالَ فَمَا حُجَّتُك فِي الصَّوْمِ؟ قُلْت: أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَوْمِهِ ثَلَاثٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّوْمِ مَنْفَعَةٌ لِمَسَاكِينَ الْحَرَمِ وَكَانَ عَلَى بَدَنِ الرَّجُلِ فَكَانَ عَمَلًا بِغَيْرِ وَقْتٍ فَيَعْمَلُهُ حَيْثُ شَاءَ [بَابٌ هَلْ لِمَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِغَيْرِ النَّعَمِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] إلَى قَوْلِهِ {صِيَامًا} [المائدة: 95]

فَكَانَ الْمُصِيبُ مَأْمُورًا بِأَنْ يَفْدِيَهُ وَقِيلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ بِأَنْ يَفْتَدِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا وَكَانَ هَذَا أَظْهَرَ مَعَانِيهِ، وَأَظْهَرُهَا الْأَوْلَى بِالْآيَةِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِهَدْيٍ إنْ وَجَدَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَطَعَامٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَصَوْمٌ كَمَا أَمَرَ فِي التَّمَتُّعِ وَكَمَا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَشْبَهَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِأَنْ يُكَفِّرَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى» وَجَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى الْمَوْلَى أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ وَإِنْ احْتَمَلَ الْوَجْهَ الْآخَرَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ قَالَ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ غَيْرُك؟ قِيلَ: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] قَالَ عَطَاءٌ فَإِنْ أَصَابَ إنْسَانٌ نَعَامَةً كَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ أَنْ يَهْدِيَ جَزُورًا أَوْ عَدْلَهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلَهَا صِيَامًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَجَزَاءٌ} [المائدة: 95] كَذَا وَكَذَا وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلْيَخْتَرْ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت إنْ قَدَرَ عَلَى الطَّعَامِ أَلَا يَقْدِرُ عَلَى عَدْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَ؟ قَالَ تَرْخِيصُ اللَّهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُ الْجَزُورِ وَهِيَ الرُّخْصَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا جَعَلْنَا إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّةَ شَاءَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْيَسِيرِ مَعَهُ وَالِاخْتِيَارُ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ بِنَعَمٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَطَعَامٌ، وَأَنْ لَا يَصُومَ إلَّا بَعْدَ الْإِعْوَازِ مِنْهُمَا أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] لَهُ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ، لَهُ أَيَّةُ شَاءَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ إلَّا فِي قَوْلِهِ {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِيهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعَمْرٌو فِي الْمُحَارِبِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقُولُ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ لَيْسَ هُوَ بِالْخِيَارِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَبْلُغُ فِيهِ شَاةً فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَأَمَّا {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَدْيُ الْعُصْفُورِ يُقْتَلُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ هَدْيٌ قَالَ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] عَدْلُ النَّعَامَةِ وَعَدْلُ الْعُصْفُورِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ يَخْتَارُ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عَطَاءٍ فِي هَذَا أَقُولُ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وَرُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَك» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْتُهُمَا مَعًا فِدْيَةً مِنْ شَيْءٍ أُفِيتَ قَدْ مُنِعَ الْمُحْرِمُ مِنْ إفَاتَتِهِ الْأَوَّلُ الصَّيْدُ وَالثَّانِي الشَّعْرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ مَا أَفَاتَهُ الْمُحْرِمُ سِوَاهُمَا كَمَا نَهَى عَنْ إفَاتَتِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الصَّوْمِ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ كَانَ وَاجِدًا وَغَيْرَ وَاجِدٍ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [البقرة: 196] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ لَيْسَ بِإِفَاتَةِ شَيْءٍ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ الْهَدْيَ فَمَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ فِعْلٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَيْسَ بِإِفَاتَةِ شَيْءٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ النَّعَمِ إنْ بَلَغَ النَّعَمَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِغَيْرِ النَّعَمِ وَهُوَ يَجِدُ النَّعَمَ وَذَلِكَ مِثْلُ طِيبِ مَا تَطَيَّبَ بِهِ أَوْ لُبْسِ مَا لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ أَوْ جَامَعَ أَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ أَوْ مَا مَعْنَى هَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] ؟ قُلْت: اللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ مَأْذُونٌ بِحِلَاقِ

الإعواز من هدي المتعة ووقته

الشَّعْرِ لِلْمَرَضِ وَالْأَذَى فِي الرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ يَمْرَضْ فَإِذَا جَعَلْت عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ النَّعَمَ فَقُلْت لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ النَّعَمِ مَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَأَعْوَزَ الْمُفْتَدِي مِنْ النَّعَمِ لِحَاجَةٍ أَوْ انْقِطَاعٍ مِنْ النَّعَمِ فَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى طَعَامٍ قُوِّمَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدٍّ وَإِنْ أَعْوَزَ مِنْ الطَّعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا قِسْته عَلَى هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِيهِ مَا قُلْت: فِي الْمُتَمَتِّعِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قِسْته عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ جَامَعَهُ فِي أَنَّهُ فِعْلٌ لَا إفَاتَةٌ وَفَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ بَدَنَةً عَلَى قَدْرِ عِظَمِ مَا أَصَابَ وَشَاةً دُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ يَنْتَقِلُ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِقَدْرِ عِظَمِ مَا أَصَابَ فَارَقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هَدْيَ الْمُتْعَةِ الَّذِي لَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ إذَا وَجَدَ أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَصِرْنَا بِالطَّعَامِ وَالصَّوْمِ إلَى الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَفَّارَةِ الْمُظَاهِرِ وَالْقَتْلِ وَالْمُصِيبِ أَهْلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمِنْ هَذَا تَرْكُ الْبَيْتُوتَةِ بِ مِنًى وَتَرْكُ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْخُرُوجُ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ عَرَفَةَ وَتَرْكُ الْجِمَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ [الْإِعْوَازُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَوَقْتُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] إلَى قَوْلِهِ {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنْ يَصُومَ فِي الْحَجِّ وَكَانَ مَعْقُولًا فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الصَّوْمُ، وَمَعْقُولًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ الصَّوْمُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ لَا قَبْلَهُ فِي شُهُورِ الْحَجِّ وَلَا غَيْرِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] فَإِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ حِينَ يَدْخُلُ فِي الْحَجِّ وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْحَجِّ حَتَّى يَصُومَ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَأَنْ يَكُونَ آخِرَ مَا لَهُ مِنْ الْأَيَّامِ فِي آخِرِ صِيَامِهِ الثَّلَاثَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ الْحَجِّ وَيَكُونُ فِي يَوْمٍ لَا صَوْمَ فِيهِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلْيَصُمْ أَيَّامَ مِنًى، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُشْبِهُ الْقُرْآنَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاخْتَلَفَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي وُجُوبِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حَتَّى يُوَافِيَ عَرَفَةَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ نَقُولُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمَ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ وَهَذَا قَوْلٌ يُحْتَمَلُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّوْمُ وَقْتٌ زَالَ عَنْهُ فَرْضُ الدَّمِ وَغَلَبَ عَلَى الصَّوْمِ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُومَ فِيهَا فَفَرَّطَ تَصَدَّقَ عَنْهُ مَكَانَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ حِنْطَةً؛ لِأَنَّ السَّبْعَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ، وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَ تَصَدَّقَ عَنْهُ فِي الثَّلَاثِ وَمَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ مِنْ السَّبْعِ فَتَرَكَهُ يَوْمًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ قِيَاسًا وَمَعْقُولًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ مِنًى: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ مِنًى» وَلَا نَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصَّةً إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَالَةٌ بِأَنَّ نَهْيَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى

باب الحال التي يكون المرء فيها معوزا بما لزمه من فدية

مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الصَّوْمِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ مِنًى ذَهَبَ عَلَيْهِ نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا فَلَا أَرَى أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى وَقَدْ كُنْت أَرَاهُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْت أَيَّامَ مِنًى خَارِجًا مِنْ الْحَجِّ يَحِلُّ بِهِ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ النِّسَاءُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ أَقُولَ هَذَا فِي الْحَجِّ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْهُ وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ عَمَلِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَحْتَمِلُ اللِّسَانُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ؟ قِيلَ: نَعَمْ يَحْتَمِلُهُ اللِّسَانُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ شَيْءٌ احْتِمَالًا مُسْتَكْرَهًا بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا، وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ إذَا لَمْ يَطُفْ الطَّوَافَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ مِنْ حَجِّهِ النِّسَاءُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ يَصُومُهُنَّ عَلَى أَنَّهُ صَامَهُنَّ فِي الْحَجِّ (قَالَ) : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى جَازَ فِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ وَصَوْمِهَا وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِهَا مَرَّةً كَنَهْيِهِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ مَرَّةً وَمِرَارًا [بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ الْمَرْءُ فِيهَا مَعُوزًا بِمَا لَزِمَهُ مِنْ فِدْيَةٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا حَجَّ الرَّجُلُ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يُطْعِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ أَطْعَمَ وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ وَالْهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَامَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَوْ صَامَ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صِيَامِ الْمُفْتَدِي مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فِي حَجِّهِ ذَلِكَ أَوْ عُمْرَتِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى قَالَ فِي الْمُفْتَدِي بَلَغَنِي أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ صَنَعَ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَحِلَّ إنْ كَانَ حَاجًّا أَنْ يَنْحَرَ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا بِأَنْ يَطَّوَّفَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ هَكَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ إنْ كَانَتْ الْفِدْيَةُ شَيْئًا وَجَبَتْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْتَدِيَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ إصْلَاحَ كُلِّ عَمَلٍ فِيهِ كَمَا يَكُونُ إصْلَاحُ الصَّلَاةِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ هَذَا يُفَارِقُ الصَّلَاةَ بِأَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ الْحَجِّ، وَإِصْلَاحُ الصَّلَاةِ مِنْ الصَّلَاةِ فَالِاخْتِيَارُ فِيهِ مَا وَصَفْت وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ رَجُلًا يَصُومُ وَلَا يَفْتَدِي وَقَدَّرَ لَهُ نَفَقَتَهُ فَكَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ رَأَى الصَّوْمَ يَجْزِيهِ فِي سَفَرِهِ لَسَأَلَهُ عَنْ يُسْرِهِ وَلَقَالَ آخَرُ هَذَا حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَالِكٍ إنْ كُنْت مُوسِرًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَنْظُرُ إلَى حَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْفِدْيَةِ الَّتِي لَا يَجْزِيهِ إذَا كَانَ وَاجِدًا غَيْرَهَا جَعَلْتهَا عَلَيْهِ لَا مَخْرَجَ لَهُ مِنْهَا فَإِذَا جَعَلْتهَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَدِ حَتَّى أَعْوَز كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ. وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ احْتِيَاطًا لَا إيجَابًا ثُمَّ إذَا وَجَدَ أَهْدَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ تَصَدَّقَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ فَإِنْ صَامَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ أَيْسَرَ فِي سَفَرِهِ أَوْ بَعْدُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ مَعُوزًا حِينَ وَجَبَتْ فَلَمْ يَتَصَدَّقْ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَيْسَرَ أَهْدَى وَلَا بُدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ شَيْئًا فَلَا يَبْتَدِئُ صَدَقَةً وَلَا صَوْمًا وَهُوَ يَجِدُ هَدْيًا (قَالَ) : وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَهُوَ مَعُوزٌ فِي سَفَرِهِ وَلَمْ يَفْتَدِ حَتَّى أَيْسَرَ ثُمَّ أَعْوَزَ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ لَا بُدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْهَدْيِ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى أَيْسَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ هَدْيٍ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ احْتِيَاطًا لَا وَاجِبًا، وَإِذَا جَعَلْت الْهَدْيَ دَيْنًا فَسَوَاءٌ بَعَثَ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ اشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَنَحَرَ عَنْهُ لَا يَجْزِي عَنْهُ حَتَّى يَذْبَحَ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَقْضِيهِ حَيْثُ شَاءَ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ سَفَرِهِ وَهَكَذَا كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ لَا يَجْزِيهِ إلَّا بِمَكَّةَ

فدية النعام

[فِدْيَةُ النَّعَامِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا فِي النَّعَامَةِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِيت فَبِقَوْلِهِمْ إنَّ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَبِالْقِيَاسِ قُلْنَا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ لَا بِهَذَا فَإِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ نَعَامَةً فَفِيهَا بَدَنَةٌ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ فَكَانَتْ ذَاتَ جَنِينٍ حِينَ سَمَّيْتهَا أَنَّهَا جَزَاءُ النَّعَامَةِ ثُمَّ وَلَدَتْ فَمَاتَ وَلَدُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّهُ أَغْرَمَهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَابْتَعْتهَا وَمَعَهَا وَلَدُهَا فَأَهْدَيْتهَا فَمَاتَ وَلَدُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّهُ أَغْرَمَهُ؟ قَالَ: لَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَاءً يَرَى فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَبِقَوْلِهِ نَقُولُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْجَنِينِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ بَدَنَةٌ فَأَوْجَبَتْ جَنِينًا مَعَهَا فَيُنْحَرُ مَعَهَا وَنَقُولُ فِي كُلِّ صَيْدٍ يُصَادُ ذَاتَ جَنِينٍ فَفِيهِ مِثْلُهُ ذَاتُ جَنِينٍ [بَابُ بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ] ُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَصَبْت بَيْضَ نَعَامَةٍ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي غَرِمْتهَا تُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّ بَيْضَةً مِنْ الصَّيْدِ جُزْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ صَيْدًا وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت وَقَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْضَةَ تُغَرِّمُ وَأَنَّ الْجَاهِلَ يَغْرَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافٌ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الْخَطَإِ وَبِهَذَا نَقُولُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ يُصَابُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ وَدَاخِلٌ فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ الطَّيْرِ مِثْلُ الْجَرَادَةِ وَغَيْرِهَا قِيَاسًا عَلَى الْجَرَادَةِ فَإِنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا فَقُلْت: لِلشَّافِعِيِّ: فَهَلْ تَرْوِي فِيهَا شَيْئًا عَالِيًا؟ قَالَ أَمَّا شَيْءٌ يَثْبُتُ مِثْلُهُ فَلَا، فَقُلْت: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ قِيمَتُهَا» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ فَرْخٌ؟ فَقَالَ لِي: كُلُّ مَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَلَا أَثَرَ فِيهِ مِنْ الطَّائِرِ فَعَلَيْهِ فِيهِ قِيمَتُهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ وَتُقَوِّمُهُ عَلَيْهِ كَمَا تُقَوِّمُهُ لَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ لِإِنْسَانٍ فَتُقَوَّمُ الْبَيْضَةُ لَا فَرْخَ فِيهَا قِيمَةَ بَيْضَةٍ لَا فَرْخَ فِيهَا، وَالْبَيْضَةُ فِيهَا فَرْخٌ قِيمَةَ بَيْضَةٍ فِيهَا فَرْخٌ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ بَيْضَةٍ لَا فَرْخَ فِيهَا قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الْبَيْضَةُ فَاسِدَةً؟ قَالَ: تُقَوِّمُهَا فَاسِدَةً إنْ

باب بقر الوحش وحمار الوحش والثيتل والوعل

كَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ وَتَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فِيهَا؟ قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ أَفَيَأْكُلُهَا الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصَّيْدِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا صَيْدٌ قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ فَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَكُونُ مَقْصُوصًا وَصَغِيرًا فَيَكُونُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَالْمُحْرِمُ يُجْزِئُهُ إذَا أَصَابَهُ فَقُلْت: إنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا أَوْ يُؤَوَّلُ إلَى الِامْتِنَاعِ قَالَ: وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْبَيْضَةُ إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فَرْخٌ ثُمَّ يَؤُولُ إلَى أَنْ يَمْتَنِعَ. الْخِلَافُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَخَالَفَك أَحَدٌ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: قَالَ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ قَوْمٌ إذَا كَانَ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الْبَدَنَةِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ وَبِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُجْزِهِ بِمَغِيبٍ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا يَجْزِيهِ بِقَائِمٍ قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ: فَهَلْ خَالَفَك غَيْرُهُ؟ قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَأَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْقَوْلَ فَاحْتَذَى عَلَيْهِ قُلْت: وَمَا قَالَ فِيهِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ كَمَا يَكُونُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأَمَةِ قُلْت: أَفَرَأَيْت لِهَذَا وَجْهًا؟ قَالَ: لَا. الْبَيْضَةُ إنْ كَانَتْ جَنِينًا كَانَ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مُزَايِلَةٌ لِأُمِّهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ نَفْسِهَا، وَالْجَنِينُ لَوْ خَرَجَ مِنْ أُمِّهِ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ وَهُوَ حَيٌّ كَانَتْ فِيهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ وَلَوْ خَرَجَ مَيِّتًا فَقَطَعَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنْ شِئْت فَاجْعَلْ الْبَيْضَةَ فِي حَالِ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَمَا لِلْبَيْضَةِ وَالْجَنِينِ؟ إنَّمَا حُكْمُ الْبَيْضَةِ حُكْمُ نَفْسِهَا فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ لَيْسَتْ مِنْ النَّعَمِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِقِيمَتِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَقَدْ قَالَ لِلْقَائِلِ: مَا فِي هَذِهِ الْبَيْضَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا مَأْكُولَةٌ غَيْرُ حَيَوَانٍ وَلِلْمُحْرِمِ أَكْلُهَا وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِلْمِ [بَابُ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَالثَّيْتَلِ وَالْوَعِلِ] ِ قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ أَرَأَيْت الْمُحْرِمَ يُصِيبُ بَقَرَةَ الْوَحْشِ أَوْ حِمَارَ الْوَحْشِ؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَقَرَةٌ فَقُلْت: لِلشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْت هَذَا؟ فَقَالَ قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْلَ عَلَى مُنَاظَرَةِ الْبَدَنِ فَلَمْ يَجْزِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنْ دَوَابِّ الصَّيْدِ فَإِذَا جَاوَزَ الشَّاةَ رَفَعَ إلَى الْكَبْشِ فَإِذَا جَاوَزَ الْكَبْشَ رَفَعَ إلَى بَقَرَةٍ فَإِذَا جَاوَزَ الْبَقَرَةَ رَفَعَ إلَى بَدَنَةٍ وَلَا يُجَاوِزُ شَيْءٌ مِمَّا يُؤَدِّي مِنْ دَوَابِّ الصَّيْدِ بَدَنَةً وَإِذَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ شَاةٍ ثَنِيَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ خَفَضَ إلَى أَصْغَرَ مِنْهَا فَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي دَوَابِّ الصَّيْدِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي

باب الضبع

الْأَرْوَى بَقَرَةٌ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الْإِبِلِ بَقَرَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَرْوَى دُونَ الْبَقَرَةِ الْمُسِنَّةِ وَفَوْقَ الْكَبْشِ وَفِيهِ عَضْبٌ ذَكَرًا وَأُنْثَى أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَدَاهُ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَتَلَ حِمَارَ وَحْشٍ صَغِيرًا أَوْ ثَيْتَلًا صَغِيرًا فَدَاهُ بِبَقَرَةٍ صَغِيرَةٍ وَيُفْدَى الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى (قَالَ) : وَإِذَا أَصَابَ أَرْوَى صَغِيرَةً خَفَضْنَاهُ إلَى أَصْغَرَ مِنْهُ مِنْ الْبَقَرِ حَتَّى يَجْعَلَ فِيهِ مَا لَا يَفُوتُهُ وَهَكَذَا مَا فَدَى مِنْ دَوَابِّ الصَّيْدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَ مَا أُصِيبَ مِنْ الصَّيْدِ بَقَرَةً رَقُوبًا فَضَرَبَهَا فَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا حَيًّا فَمَاتَ فَدَاهُمَا بِبَقَرَةٍ وَوَلَدِ بَقَرَةٍ مَوْلُودٍ، وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ ذَاتِ حَمْلٍ مِنْ الدَّوَابِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا وَمَاتَتْ أُمُّهُ فَأَرَادَ فِدَاءَهُ طَعَامًا يُقَوَّمُ الْمُصَابُ مِنْهُ مَاخِضًا بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ مَاخِضًا، وَيُقَوَّمُ ثَمَنُ ذَلِكَ الْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ طَعَامًا [بَابُ الضَّبُعِ] ِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ مُفْتِينَا الْمَكِّيِّينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي صِغَارِ الضَّبُعِ صِغَارُ الضَّأْنِ وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَبُعًا صَيْدًا وَقَضَى فِيهَا كَبْشًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ لَوْ انْفَرَدَ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ: «سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت أَتُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْدِي مَا يُؤْكَلُ مِنْ الصَّيْدِ دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهَا كَبْشٌ إذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ [بَابٌ فِي الْغَزَالِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَالْغَزَالُ لَا يَفُوتُ الْعَنْزَ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي

باب الأرنب

الظَّبْيِ تَيْسٌ أَعْفَرُ أَوْ شَاةٌ مُسِنَّةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَفْدِي الذُّكْرَانَ بِالذُّكْرَانِ وَالْإِنَاثَ بِالْإِنَاثِ مِمَّا أُصِيبَ وَالْإِنَاثُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْدِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَصْغُرُ عَنْ بَدَنِ الْمَقْتُولِ فَيَفْدِي الذَّكَرَ وَيَفْدِي بِاَلَّذِي يَلْحَقُ بِأَبْدَانِهِمَا. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا بِالطَّائِفِ أَصَابَ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: اهْدِ كَبْشًا أَوْ قَالَ تَيْسًا مِنْ الْغَنَمِ. قَالَ سَعِيدٌ وَلَا أَرَاهُ إلَّا قَالَ تَيْسًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ لِمَا وَصَفْت قَبْلَهُ مِمَّا يَثْبُتُ فَأَمَّا هَذَا فَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْغَزَالِ شَاةٌ [بَابُ الْأَرْنَبِ] ِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَرْنَبِ شَاةٌ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: فِي الْأَرْنَبِ شَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ مِنْ الْغَنَمِ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ شَاةٍ فَإِنْ كَانَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ أَرَادَا صَغِيرَةً فَكَذَلِكَ نَقُولُ وَلَوْ كَانَا أَرَادَا مُسِنَّةً خَالَفْنَاهُمَا وَقُلْنَا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ فِيهَا عَنَاقًا دُونَ الْمُسِنَّةِ وَكَانَ أَشْبَهَ بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مَا يُشْبِهُ قَوْلَهُمَا أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ أَوْ حَمَلٌ [بَابٌ فِي الْيَرْبُوعِ] ِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ [بَابُ الثَّعْلَبِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ [بَابُ الضَّبِّ] ِّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَأَوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا فَفَقَرَ ظَهْرَهُ فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ اُحْكُمْ فِيهِ يَا أَرْبَدُ فَقَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْلَمُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ " إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي " فَقَالَ أَرْبَدُ: أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ فَقَالَ عُمَرُ " فَذَاكَ فِيهِ ". أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الضَّبِّ شَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَ عَطَاءٌ أَرَادَ شَاةً صَغِيرَةً فَبِذَلِكَ نَقُولُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ مُسِنَّةً

باب الوبر

خَالَفْنَاهُ وَقُلْنَا بِقَوْلِ عُمَرَ فِيهِ وَكَانَ أَشْبَهَ بِالْقُرْآنِ [بَابُ الْوَبَرِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْوَبَرِ إنْ كَانَ يُؤْكَلُ شَاةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ عَطَاءٍ " إنْ كَانَ يُؤْكَلُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُفْدَى مَا يُؤْكَلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الْوَبَرَ فَفِيهِ جَفْرَةٌ وَلَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ جَفْرَةٍ بُدْنًا. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: فِي الْوَبَرِ شَاةٌ [بَابُ أُمِّ حُبَيْنٍ] ٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي السَّفَرِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِحَمَلَانٍ مِنْ الْغَنَمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي حَمَلًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهَا فَهِيَ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ يُقْضَى فِيهَا بِوَلَدِ شَاةٍ حَمَلٌ أَوْ مِثْلُهُ مِنْ الْمَعْزِ مِمَّا لَا يَفُوتُهُ. [بَابُ دَوَابِّ الصَّيْدِ الَّتِي لَمْ تُسَمَّ] َّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : كُلُّ دَابَّةٍ مِنْ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ سَمَّيْنَاهَا فَفِدَاؤُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ وَكُلُّ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ لَمْ نُسَمِّهَا فَفِدَاؤُهَا قِيَاسًا عَلَى مَا سَمَّيْنَا فِدَاءَهُ مِنْهَا لَا يُخْتَلَفُ فِيمَا صَغُرَ عَنْ الشَّاةِ مِنْهَا أَوْلَادُ الْغَنَمِ يُرْفَعُ فِي أَوْلَادِ الْغَنَمِ بِقَدْرِ ارْتِفَاعِ الصَّيْدِ حَتَّى يَكُونَ الصَّيْدُ مُجْزِيًا بِمِثْلِ بَدَنَةٍ مِنْ أَوْلَادِ الْغَنَمِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَجْزِي دَابَّةٌ مِنْ الصَّيْدِ إلَّا مِنْ النَّعَمِ وَالنَّعَمُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْإِبِلِ الْأَنْعَامُ وَلِلْبَقَرِ الْبَقَرُ وَلِلْغَنَمِ الْغَنَمُ؟ قِيلَ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا وَصَفْت فَإِذَا جَمَعْتهَا قُلْت: نَعَمًا كُلَّهَا وَأَضَفْت الْأَدْنَى مِنْهَا إلَى الْأَعْلَى وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] فَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا أَنَّهُ عَنَى الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالضَّأْنَ وَهِيَ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143] الْآيَةَ، وَقَالَ {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 144] فَهِيَ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ وَهِيَ الْإِنْسِيَّةُ الَّتِي مِنْهَا الضَّحَايَا وَالْبُدْنُ الَّتِي يَذْبَحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْوَحْشِ [فِدْيَةُ الطَّائِرِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]- إلَى قَوْلِهِ - {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] .

فدية حمام الحرم

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ إلَّا فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْهُ وَالْمِثْلُ لِدَوَابِّ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ النَّعَمَ دَوَابُّ رَوَاتِعُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّوَابُّ مِنْ الصَّيْدِ كَهِيَ فِي الرُّتُوعِ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّهَا دَوَابُّ مَوَاشٍ لَا طَوَائِرُ وَأَنَّ أَبْدَانَهَا تَكُونُ مِثْلَ أَبْدَانِ النَّعَمِ وَمُقَارِبَةً لَهَا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّيْرِ بِوَافِقٍ خَلْقَ الدَّوَابِّ فِي حَالٍ وَلَا مَعَانِيهَا مَعَانِيهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ تَفْدِي الطَّائِرَ، وَلَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ؟ قِيلَ فِدْيَتُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ ثُمَّ الْآثَارِ ثُمَّ الْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ فَإِنْ قَالَ فَأَيْنَ الِاسْتِدْلَال بِالْكِتَابِ؟ قِيلَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَدَخَلَ الصَّيْدُ الْمَأْكُولُ كُلُّهُ فِي التَّحْرِيمِ وَوَجَدْت اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمَرَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْهُ أَنْ يُفْدَى بِمِثْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الطَّائِرُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَكَانَ مُحَرَّمًا وَوَجَدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي بِقَضَاءٍ فِي الزَّرْعِ بِضَمَانِهِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْضُونَ فِيمَا كَانَ مُحَرَّمًا أَنْ يُتْلَفَ بِقِيمَتِهِ فَقَضَيْت فِي الصَّيْدِ مِنْ الطَّائِرِ بِقِيمَتِهِ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي الْكِتَابِ وَقِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَجَعَلْت تِلْكَ الْقِيمَةَ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْمِثْلَ مِنْ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ الْمَقْضِيِّ بِجَزَائِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُحَرَّمَانِ مَعًا لَا مَالِكَ لَهُمَا أُمِرَ بِوَضْعِ الْمُبْدَلِ مِنْهُمَا فِيمَنْ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَسَاكِينَ وَلَا أَرَى فِي الطَّائِرِ إلَّا قِيمَتَهُ بِالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ فِيمَا أَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [فِدْيَةُ حَمَامِ الْحَرَمُ] فِدْيَةُ الْحَمَامِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ الدَّارِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَكَّةَ فَدَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِبَ مِنْهَا الرَّوَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَلَى وَاقِفٍ فِي الْبَيْتِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ طَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَمَامِ فَأَطَارَهُ فَانْتَهَزَتْهُ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ فَلَمَّا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلْت عَلَيْهِ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ اُحْكُمَا عَلَيَّ فِي شَيْءٍ صَنَعْته الْيَوْمَ، إنِّي دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَأَرَدْت أَنْ أَسْتَقْرِبَ مِنْهَا الرَّوَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَلْقَيْت رِدَائِي عَلَى هَذَا الْوَاقِفِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ طَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَمَامِ فَخَشِيت أَنْ يُلَطِّخَهُ بِسُلْحِهِ فَأَطَرْته عَنْهُ فَوَقَعَ عَلَى هَذَا الْوَاقِفِ الْآخَرِ فَانْتَهَزَتْهُ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ فَوَجَدْت فِي نَفْسِي أَنِّي أَطَرْته مِنْ مَنْزِلَةٍ كَانَ فِيهَا آمِنًا إلَى مَوْقِعَةٍ كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ فَقُلْت: لِعُثْمَانَ كَيْفَ تَرَى فِي عَنْزٍ ثَنِيَّةٍ عَفْرَاءَ نَحْكُمُ بِهَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ إنِّي أَرَى ذَلِكَ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ قَتَلَ ابْنٌ لَهُ حَمَامَةً فَجَاءَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ اذْبَحْ شَاةً فَتَصَدَّقْ بِهَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ: أَمِنْ حَمَامِ مَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةً وَالْأُخْرَى أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالْفِدَاءِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنَّمَا يَعْنِي كُلَّهُ لَا بَعْضَهُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْحَمَامَةِ شَاةٌ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحَمَامَةٍ فَأُطِيرَتْ فَوَقَعَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ فَأَخَذَتْهَا حَيَّةً فَجَعَلَ فِيهَا شَاةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ أَصَابَ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ بِمَكَّةَ حَمَامَةً فَفِيهَا شَاةٌ، اتِّبَاعًا لِهَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ لَا قِيَاسًا.

فدية الجراد

[فدية الجراد] فِي الْجَرَادِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحْرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي مَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَمَلَّهُمَا وَنَسِيَ إحْرَامَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ إحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَدَخَلْت مَعَهُمْ. فَقَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ مَنْ بِذَلِكَ أَمَرَك يَا كَعْبُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ إنَّ حِمْيَرَ تُحِبُّ الْجَرَادَ قَالَ مَا جَعَلْت فِي نَفْسِك؟ قَالَ دِرْهَمَيْنِ قَالَ: بَخٍ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ اجْعَلْ مَا جَعَلْت فِي نَفْسِك (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَائِلُ مِنْهَا: إحْرَامُ مُعَاذٍ وَكَعْبٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ بِكَثِيرٍ، وَفِيهِ أَنَّ كَعْبًا قَتَلَ الْجَرَادَتَيْنِ حِينَ أَخَذَهُمَا بِلَا ذَكَاةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ قُصَّ عَلَى عُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَقَوْلُ عُمَرَ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ، أَنَّك تَطَوَّعْت بِمَا لَيْسَ عَلَيْك فَافْعَلْهُ مُتَطَوِّعًا، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَلَنَأْخُذَنَّ بِقَبْضَةٍ جَرَادَاتٍ، وَلَكِنْ وَلَوْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا رَأَى عَلَيْهِ قِيمَةَ الْجَرَادَةِ وَأَمَرَهُ بِالِاحْتِيَاطِ وَفِي الْجَرَادَةِ قِيمَتُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصِيبُهَا فِيهِ كَانَ تَمْرَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَوْمِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَوَجَدْت مَذْهَبَ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ فِي الْجَرَادَةِ أَنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا وَوَجَدْت كَذَلِكَ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ فِي دَوَابِّ الصَّيْدِ مِثْلَهُ مِنْ النَّعَمِ بِلَا قِيمَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّبُعَ لَا يَسْوَى كَبْشًا. وَالْغَزَالَ قَدْ يَسْوَى عَنْزًا وَلَا يَسْوَى عَنْزًا وَالْيَرْبُوعَ لَا يَسْوَى جَفْرَةً وَالْأَرْنَبَ لَا يَسْوَى عَنَاقًا. قَلَّمَا رَأَيْتهمْ ذَهَبُوا فِي دَوَابِّ الصَّيْدِ عَلَى تَقَارُبِ الْأَبْدَانِ لَا الْقِيَمِ لِمَا وَصَفْت وَلِأَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَزْمَانٍ شَتَّى، وَلَوْ حَكَمُوا بِالْقِيَمِ لَاخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهُمْ لِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانُ وَلَقَالُوا فِيهِ قِيمَتُهُ كَمَا قَالُوا فِي الْجَرَادَةِ وَوَجَدْت مَذَاهِبَهُمْ مُجْتَمِعَةً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي الدَّوَابِّ وَالطَّائِرِ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ فِي الدَّوَابِّ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ وَفِي الْجَرَادَةِ مِنْ الطَّائِرِ قِيمَةٌ وَفِيمَا دُونَ الْحَمَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ وَجَدْت مَذَاهِبَهُمْ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَمَامِ وَبَيْنَ الْجَرَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنْ لَيْسَ يَسْوَى حَمَامُ مَكَّةَ شَاةً وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَإِنَّمَا فِيهِ أَتْبَاعُهُمْ؛ لِأَنَّا لَا نَتَوَسَّعُ فِي خِلَافِهِمْ، إلَّا إلَى مِثْلِهِمْ وَلَمْ نَعْلَمْ مِثْلَهُمْ خَالَفَهُمْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ حَمَامِ مَكَّةَ وَمَا دُونَهُ مِنْ صَيْدِ الطَّيْرِ يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِمَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ مِنْ أَنَّ الْحَمَامَ عِنْدَهُمْ أَشْرَفُ الطَّائِرِ وَأَغْلَاهُ ثَمَنًا بِأَنَّهُ الَّذِي كَانَتْ تُؤْلَفُ فِي مَنَازِلِهِمْ وَتَرَاهُ أَعْقَلَ الطَّائِرِ وَأَجْمَعَهُ لِلْهِدَايَةِ بِحَيْثُ يُؤْلَفُ، وَسُرْعَةُ الْأُلْفَةِ وَأَصْوَاتُهُ الَّتِي لَهَا عِنْدَهُمْ فَضْلٌ لِاسْتِحْسَانِهِمْ هَدِيرَهَا، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِهَا لِأَصْوَاتِهَا وَإِلْفِهَا وَهِدَايَتِهَا وَفِرَاخِهَا وَكَانَتْ مَعَ هَذَا مَأْكُولَةً وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ مَأْكُولِ الطَّائِرِ يُنْتَفَعُ بِهِ عِنْدَهَا إلَّا لَأَنْ يُؤْكَلَ فَيُقَالُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الطَّائِرِ سَمَّتْهُ الْعَرَبُ حَمَامَةً فَفِيهِ شَاةٌ وَذَلِكَ الْحَمَامُ

الخلاف في حمام مكة

نَفْسُهُ وَالْيَمَامُ وَالْقَمَارِيُّ وَالدَّبَّاسِيُّ وَالْفَوَاخِتُ وَكُلُّ مَا أَوْقَعَتْ الْعَرَبُ عَلَيْهِ اسْمَ حَمَامَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ حَمَامُ الطَّائِرِ نَاسُ الطَّائِرِ أَيْ يَعْقِلُ عَقْلَ النَّاسِ وَذَكَرَتْ الْعَرَبُ الْحَمَامَ فِي أَشْعَارِهَا: فَقَالَ الْهُذَلِيُّ: وَذَكَّرَنِي بُكَايَ عَلَى تَلِيدٍ ... حَمَامَةَ أَنْ تَجَاوَبَتْ الْحَمَامَا وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَحِنُّ إذَا حَمَامَةُ بَطْنِ وَجٍّ ... تَغَنَّتْ فَوْقَ مَرْقَبَةٍ حُنَيْنًا وَقَالَ جَرِيرٌ: إنِّي تُذَكِّرُنِي الزُّبَيْرَ حَمَامَةٌ ... تَدْعُو بِمِدْفَعِ رَامَتَيْنِ هَدِيلًا قَالَ الرَّبِيعُ وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَقَفْت عَلَى الرَّسْمِ الْمُحِيلِ فَهَاجِنِي ... بُكَاءُ حَمَامَاتٍ عَلَى الرَّسْمِ وُقَّعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَعَ شِعْرٍ كَثِيرٍ قَالُوهُ فِيهَا، ذَهَبُوا فِيهِ إلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ أَصْوَاتِهَا غِنَاءٌ وَبُكَاءٌ مَعْقُولٌ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّائِرِ غَيْرُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَمَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُقَالُ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَمَامِ مِنْ الطَّائِرِ، فِيهِ شَاةٌ لِهَذَا الْفَرْقِ بِاتِّبَاعِ الْخَبَرِ عَمَّنْ سَمَّيْت فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَلَا أَحْسَبُهُ يُذْهَبُ فِيهِ مَذْهَبٌ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ حَمَامَةٍ مِمَّا دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا فَفِيهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَابُ فِيهِ [الْخِلَافُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةً وَمَا سِوَاهُ مِنْ حَمَامٍ غَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّائِرِ قِيمَتَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَدْخُلُ عَلَى الَّذِي قَالَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ إنْ كَانَ إنَّمَا جَعَلَهُ لِحُرْمَةِ الْحَمَامِ نَفْسِهِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْ قَتَلَ حَمَامَ مَكَّةَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ وَفِي غَيْرِ إحْرَامٍ شَاةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا شَيْءَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ إذَا قَتَلَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ وَقَتَلَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَهُ فَلَيْسَ لِحَمَامِ مَكَّةَ إلَّا مَا لِحَمَامِ غَيْرِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ جُمِعَ أَنَّهُ فِي الْحَرَمِ وَمِنْ حَمَامِ مَكَّةَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ هَذَا فِي كُلِّ صَيْدٍ غَيْرِهِ قُتِلَ فِي الْحَرَمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الصَّيْدَ يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ الْقَارِنُ فِي الْحَرَمِ كَالصَّيْدِ يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ الْمُفْرِدُ أَوْ الْمُعْتَمِرُ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ وَمَا قَالَ مِنْ هَذَا قَوْلٌ إذَا كُشِفَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ فِيهِ شَاةٌ وَلَا يَكُونُ فِي غَيْرِ حَمَامِ الْحَرَمِ شَاةٌ إذَا كَانَ قَوْلُهُ إنَّ حَمَامَ الْحَرَمِ إذَا أُصِيبَ خَارِجًا مِنْهُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَصَابَ الْمُحْرِمُ حَمَامَةً خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَإِنْ أَصَابَ مِنْ حَمَامِ الْحَرَمِ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْت قَبْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ إذَا أُصِيبَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ وَفِي غَيْرِ إحْرَامٍ فِدْيَةً وَلَا أَحْسَبُهُ يَقُولُ هَذَا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُهُ وَقَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ فِي صَيْدِ الطَّيْرِ مَذْهَبًا يُتَوَجَّهُ وَمَذْهَبُنَا الَّذِي حَكَيْنَا أَصَحُّ مِنْهُ لِمَا وَصَفْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ صِيدَ مِنْ الطَّيْرِ الْحَمَامَةِ فَصَاعِدًا شَاةٌ وَفِي الْيَعْقُوبِ وَالْحَجَلَةِ وَالْقَطَاةِ وَالْكَرَوَانُ وَالْكُرْكِيِّ وَابْنِ الْمَاءِ وَدَجَاجَةِ الْحَبَشِ وَالْخَرَبِ شَاةٌ شَاةٌ فَقُلْت: لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت الْخَرَبَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ شَيْءٍ رَأَيْته قَطُّ مِنْ صَيْدِ الطَّيْرِ أَيُخْتَلَفُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَاةٌ؟ قَالَ: لَا. كُلُّ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الطَّيْرِ كَانَ حَمَامَةً فَصَاعِدًا فَفِيهِ شَاةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ

عَلَى عَطَاءٍ لِمَا وَصَفْنَا وَأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ إذَا جَعَلَ فِي الْحَمَامَةِ شَاةً لَا لِفَضْلِ الْحَمَامَةِ وَمُبَايَنَتِهَا مَا سِوَاهَا أَنْ يَزِيدَ فِيمَا جَاوَزَهَا مِنْ الطَّائِرِ عَلَيْهَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا هَذَا إذَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بِمَا فَرَّقْنَا بِهِ بَيْنَهُمَا. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْقُمْرِيِّ وَالدُّبْسِيِّ شَاةٌ شَاةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَامَّةُ الْحَمَامِ مَا وَصَفْت، مَا عَبَّ فِي الْمَاءِ عَبًّا مِنْ الطَّائِرِ فَهُوَ حَمَامٌ، وَمَا شَرِبَهُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَشُرْبِ الدَّجَاجِ فَلَيْسَ بِحَمَامٍ. وَهَكَذَا أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ. بَيْضُ الْحَمَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي بَيْضِ حَمَامِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَبِيضُ مِنْ الصَّيْدِ الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ قِيمَتَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَمَا قُلْنَا فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ بِالْحَالِ الَّتِي يَكْسِرُهَا بِهَا، فَإِنْ كَسَرَهَا لَا فَرْخَ فِيهَا فَفِيهَا قِيمَةُ بَيْضَةٍ وَإِنْ كَسَرَهَا وَفِيهَا فَرْخٌ فَفِيهَا قِيمَةُ بَيْضَةٍ فِيهَا فَرْخٌ لَوْ كَانَتْ لِإِنْسَانٍ فَكَسَرَهَا غَيْرُهُ وَإِنْ كَسَرَهَا فَاسِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهَا لَوْ كَسَرَهَا لِأَحَدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ عَطَاءٍ. فِي بَيْضِ الْحَمَامِ خِلَافُ قَوْلِنَا فِيهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: كَمْ فِي بَيْضَةِ حَمَامِ مَكَّةَ؟ (قَالَ) : نِصْفُ دِرْهَمٍ بَيْنَ الْبَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ، وَإِنْ كَسَرْت بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ فَفِيهَا دِرْهَمٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَرَى عَطَاءً أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا الْقِيمَةَ يَوْمَ قَالَهُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَذَا فَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ: قِيمَتُهَا فِي كُلِّ مَا كَسَرْت. وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذَا حُكْمًا فِيهَا، فَلَا نَأْخُذُ بِهِ. الطَّيْرُ غَيْرُ الْحَمَامِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَمْ أَرَ الضُّوَعَ أَوْ الضِّوَعَ شَكَّ الرَّبِيعُ فَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَفِيهِ شَاةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الضُّوَعُ طَائِرٌ دُونَ الْحَمَامِ وَلَيْسَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَمَامِ فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَفِي كُلِّ طَائِرٍ أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ غَيْرَ حَمَامٍ فَفِيهِ قِيمَتُهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ أَوْ أَصْغَرَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ فِي الصَّيْدِ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ} [المائدة: 95] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَرَجَ الطَّائِرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ وَكَانَ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّحْرِيمِ فَالْمِثْلُ فِيهِ بِالْقِيمَةِ إذَا كَانَ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَرَادَةِ وَقَوْلِ مَنْ وَافَقَهُمْ فِيهَا وَفِي الطَّائِرِ دُونَ الْحَمَامِ، وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ فِي الطَّائِرِ قَوْلًا إنْ كَانَ قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمئِذٍ ثَمَنُ الطَّائِرِ فَهُوَ مُوَافِقٌ قَوْلَنَا، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ تَحْدِيدًا لَهُ خَالَفْنَاهُ فِيهِ لِلْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلِهِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ فِي الْجَرَادِ، وَأَحْسَبُهُ عَمَدَ بِهِ إلَى أَنْ يُحَدَّدَ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّدَ إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَمْرٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ أَوْ قِيَاسٍ وَلَوْلَا أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَمَامِ مَكَّةَ مَا فَدَيْنَاهُ بِشَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ وَبِذَلِكَ تَرَكْنَا عَلَى عَطَاءٍ تَحْدِيدَهُ فِي الطَّائِرِ فَوْقَ الْحَمَامِ وَدُونَهُ وَفِي بَيْضِ الْحَمَامِ وَلَمْ نَأْخُذْ مَا أَخَذْنَا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا بِأَمْرٍ وَافَقَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا لَا مُخَالِفَ لَهُ أَوْ قِيَاسًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا حَدُّ مَا قَالَ عَطَاءٌ فِيهِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ لِي عَطَاءٌ فِي الْعَصَافِيرِ قَوْلًا بَيَّنَ لِي فِيهِ وَفَسَّرَ قَالَ: أَمَّا

باب الجراد

الْعُصْفُورُ فَفِيهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ: قَالَ عَطَاءٌ وَأَرَى الْهُدْهُدَ دُونَ الْحَمَامَةِ وَفَوْقَ الْعُصْفُورِ فَفِيهِ دِرْهَمٌ قَالَ عَطَاءٌ وَالْكُعَيْتُ عُصْفُورٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمَّا قَالَ مِنْ هَذَا تَرَكْنَا قَوْلَهُ إذَا كَانَ فِي عُصْفُورٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَهُ، وَفِي هُدْهُدٍ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْحَمَامَةِ وَبَيْنَ الْعُصْفُورِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ فِي الْهُدْهُدِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْحَمَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ: فَأَمَّا الْوَطْوَاطُ وَهُوَ فَوْقَ الْعُصْفُورِ وَدُونَ الْهُدْهُدِ فَفِيهِ ثُلُثَا دِرْهَمٍ [بَابُ الْجَرَادِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْت عَطَاءً يَقُولُ سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ صَيْدِ الْجَرَادِ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ: لَا، وَنَهَى عَنْهُ قَالَ أَنَا قُلْت لَهُ: أَوْ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَإِنَّ قَوْمَك يَأْخُذُونَهُ وَهُمْ مُحْتَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: لَا يَعْلَمُونَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مُنْحَنُونَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمُسْلِمٌ أَصْوَبُهُمَا وَرَوَى الْحُفَّاظُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مُنْحَنُونَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْجَرَادَةِ يَقْتُلُهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؟ قَالَ: إذًا يَغْرَمُهَا، الْجَرَادَةُ صَيْدٌ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَلَنَأْخُذَنَّ بِقَبْضَةٍ جَرَادَاتٍ وَلَكِنْ وَلَوْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُهُ وَلَنَأْخُذَنَّ بِقَبْضَةٍ جَرَادَاتٍ إنَّمَا فِيهَا الْقِيمَةُ وَقَوْلُهُ " وَلَوْ " يَقُولُ تَحْتَاطُ فَتُخْرِجُ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْك بَعْدَ أَنْ أَعْلَمْتُك أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَيْك أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَكَعْبٌ رَوَى الْحَدِيثَ وَهُوَ مُعَادٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ عُمَرَ " دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى فِي الْجَرَادِ إلَّا قِيمَتَهُ وَقَوْلُهُ " اجْعَلْ مَا جَعَلْت فِي نَفْسِك أَنَّك هَمَمْت بِتَطَوُّعٍ بِخَيْرٍ فَافْعَلْ لَا أَنَّهُ عَلَيْك ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالدُّبَّا جَرَادٌ صِغَارٌ فَفِي الدباة مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ تَمْرَةٍ إنْ شَاءَ الَّذِي يَفْدِيهِ أَوْ لُقْمَةٍ صَغِيرَةٍ وَمَا فَدَى بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ الدُّبَّا أَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، هَا اللَّهِ إذًا فَإِنْ قَتَلْته فَاغْرَمْ قُلْت: مَا أَغْرَمُ؟ قَالَ قَدْرَ مَا تَغْرَمُ فِي الْجَرَادَةِ ثُمَّ أُقَدِّرُ قَدْرَ غَرَامَتِهَا مِنْ غَرَامَةِ الْجَرَادَةِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت: لِعَطَاءٍ: قَتَلْت وَأَنَا حَرَامٌ جَرَادَةً أَوْ دُبَّا وَأَنَا لَا أَعْلَمُهُ أَوْ قَتَلَ ذَلِكَ بَعِيرِي وَأَنَا عَلَيْهِ قَالَ: اغْرَمْ كُلَّ ذَلِكَ تُعَظِّمْ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى بَعِيرِهِ أَوْ يَقُودُهُ أَوْ يَسُوقُهُ غَرِمَ مَا أَصَابَ بَعِيرُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيرُهُ مُتَفَلِّتًا لَمْ يَغْرَمْ مَا أَصَابَ بَعِيرُهُ مِنْهُ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي جَرَادَةٍ إذَا مَا أَخَذَهَا الْمُحْرِمُ، قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ [بَيْضُ الْجَرَادِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا كَسَرَ بَيْضَ الْجَرَادِ فَدَاهُ وَمَا فَدَى بِهِ كُلَّ بَيْضَةٍ مِنْهُ مِنْ طَعَامٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَإِنْ أَصَابَ بَيْضًا كَثِيرًا احْتَاطَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَدَّى قِيمَتَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ قِيَاسًا عَلَى بَيْضِ كُلِّ صَيْدٍ

باب العلل فيما أخذ من الصيد لغير قتله

[بَابُ الْعِلَلِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الصَّيْدِ لِغَيْرِ قَتْلِهِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي إنْسَانٍ أَخَذَ حَمَامَةً يُخَلِّصُ مَا فِي رِجْلِهَا فَمَاتَتْ؟ قَالَ مَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ إذَا أَخَذَهَا لِيُخَلِّصَهَا مِنْ شَيْءٍ مَا كَانَ مِنْ فِي هِرٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ شِقِّ جِدَارٍ لَحَجَّتْ فِيهِ أَوْ أَصَابَتْهَا لَدْغَةٌ فَسَقَاهَا تِرْيَاقًا أَوْ غَيْرَهُ لِيُدَاوِيَهَا وَكَانَ أَصْلُ أَخْذِهَا لِيَطْرَحَ مَا يَضُرُّهَا عَنْهَا أَوْ يَفْعَلَ بِهَا مَا يَنْفَعُهَا لَمْ يَضْمَنْ وَقَالَ: هَذَا فِي كُلِّ صَيْدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ هُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ صَلَاحًا فَقَدْ تَلِفَ عَلَى يَدَيْهِ كَانَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ بَيْضَةُ حَمَامَةٍ وَجَدْتهَا عَلَى فِرَاشِي؟ فَقَالَ: أَمِطْهَا عَنْ فِرَاشِك قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت: لِعَطَاءٍ وَكَانَتْ فِي سَهْوَةٍ أَوْ فِي مَكَان فِي الْبَيْتِ كَهَيْئَةِ ذَلِكَ مُعْتَزِلٍ قَالَ: فَلَا تُمِطْهَا أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا تُخْرِجْ بَيْضَةَ الْحَمَامَةِ الْمَكِّيَّةِ وَفَرْخَهَا مِنْ بَيْتِك. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا قَوْلٌ وَبِهِ آخُذُ. فَإِنْ أَخْرَجَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ وَهَذَا وَجْهٌ يُحْتَمَلُ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُزِيلَ عَنْ فِرَاشِهِ إذَا لَمْ يَكْسِرْهُ فَلَوْ فَسَدَتْ بِإِزَالَتِهِ بِنَقْلِ الْحَمَامِ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَيُحْتَمَلُ إنْ فَسَدَتْ بِإِزَالَتِهِ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الْحَمَامُ لَوْ وَقَعَ عَلَى فِرَاشِهِ فَأَزَالَهُ عَنْ فِرَاشِهِ فَتَلِفَ بِإِزَالَتِهِ عَنْ فِرَاشِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ. كَمَا أَزَالَ عُمَرُ الْحَمَامَ عَنْ رِدَائِهِ فَتَلِفَ بِإِزَالَتِهِ فَفَدَاهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ جَرَادٌ أَوْ دُبَّا وَقَدْ أَخَذَ طَرِيقَك كُلَّهَا وَلَا تَجِدُ مَحِيصًا عَنْهَا وَلَا مَسْلَكًا فَقَتَلْته فَلَيْسَ عَلَيْك غُرْمٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي إنْ وَطِئْته، فَأَمَّا أَنْ تَقْتُلَهُ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ فَتَغْرَمَهُ لَا بُدَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُهُ هَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ فِي الْبَيْضَةِ تُمَاطُ عَنْ الْفِرَاشِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ قِيَاسٌ عَلَى مَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي إزَالَتِهِ الْحَمَامَ عَنْ رِدَائِهِ فَأَتْلَفَتْهُ حَيَّةٌ فَفَدَاهُ [نَتْفُ رِيشِ الطَّائِرِ] ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَا مَنْ نَتَفَ رِيشَ حَمَامَةٍ أَوْ طَيْرٍ مِنْ طَيْرِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِقَدْرِ مَا نَتَفَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ. يُقَوِّمُ الطَّائِرَ عَافِيًا وَمَنْتُوفًا ثُمَّ يَجْعَلُ فِيهِ قَدْرَ مَا نَقَصَهُ مِنْ قِيمَتِهِ مَا كَانَ يَطِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ تَلِفَ بَعْدُ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ لَا بِمَا ذَهَبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ تَلِفَ مِنْ نَتْفِهِ، وَالْقِيَاسُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا طَارَ مُمْتَنِعًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ نَتْفِهِ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الْمَنْتُوفُ مِنْ الطَّائِرِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَحَبَسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ حَيْثُ شَاءَ فَأَلْقَطَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى يَطِيرَ مُمْتَنِعًا فَدَى مَا نَقَصَ النَّتْفُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَخَّرَ فِدَاءَهُ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ فَدَاهُ احْتِيَاطًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَفْدِيَهُ حَتَّى يَعْلَمَهُ تَلِفَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَصَابَهُ فِي حَالِ نَتْفِهِ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ فِيهِ التَّالِفُ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ الِامْتِنَاعُ، وَإِنْ طَارَ طَيَرَانًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِهِ كَانَ

المحرم يقتل الصيد الصغير أو الناقص

كَمَنْ لَا يَطِيرُ فِي جَمِيعِ جَوَابِنَا حَتَّى يَكُونَ طَيَرَانُهُ طَيَرَانًا مُمْتَنِعًا وَمَنْ رَمَى طَيْرًا فَجَرَحَهُ جُرْحًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَوْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي نَتْفِ رِيشِ الطَّائِرِ سَوَاءً لَا يُخَالِفُهُ؛ فَإِنْ حَبَسَهُ حَتَّى يُجْبَرَ وَيَصِيرَ مُمْتَنِعًا قُوِّمَ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا ثُمَّ غَرِمَ فَضْلَ مَا بَيْنَ قِيمَتَيْهِ مِنْ قِيمَةِ جَزَائِهِ وَإِنْ كَانَ جَبْرَ أَعْرَجَ لَا يَمْتَنِعُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِحَالٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ رَمَى حَرَامٌ صَيْدًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ لَمْ يَدْرِ مَا فَعَلَ الصَّيْدُ فَلْيَغْرَمْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا احْتِيَاطٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَرَاهُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ فِي حَرَامٍ أَخَذَ صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَمَاتَ بَعْدَمَا أَرْسَلَهُ يَغْرَمُهُ؛ قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ إذَا لَمْ يَدْرِ لَعَلَّهُ مَاتَ مِنْ أَخْذِهِ إيَّاهُ أَوْ مَاتَ مِنْ إرْسَالِهِ لَهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذَتْهُ ابْنَتُهُ فَلَعِبَتْ بِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا فَعَلَ فَلْيَتَصَدَّقْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الِاحْتِيَاطُ أَنْ يَجْزِيَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقِيَاسِ حَتَّى يَعْلَمَهُ تَلِفَ الْجَنَادِبُ وَالْكَدْمُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ كَيْفَ تَرَى فِي قَتْلِ الْكَدْمِ وَالْجُنْدُبِ أَتَرَاهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْجَرَادَةِ؟ قَالَ: لَا. الْجَرَادَةُ صَيْدٌ يُؤْكَلُ وَهُمَا لَا يُؤْكَلَانِ وَلَيْسَتَا بِصَيْدٍ فَقُلْت: أَقْتُلُهُمَا؟ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ فَإِنْ قَتَلْتهمَا فَلَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَا لَا يُؤْكَلَانِ فَهُمَا - كَمَا قَالَ عَطَاءٌ - سَوَاءٌ. لَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَا وَإِنْ قُتِلَا فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا وَكُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يَفْدِيهِ الْمُحْرِمُ قَتْلُ الْقُمَّلِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ سَمِعْت مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قَالَ كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَخَذْت قَمْلَةً فَأَلْقَيْتهَا ثُمَّ طَلَبْتهَا فَلَمْ أَجِدْهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَى ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ قَتَلَ مِنْ الْمُحْرِمِينَ قَمْلَةً ظَاهِرَةً عَلَى جَسَدِهِ أَوْ أَلْقَاهَا أَوْ قَتَلَ قَمْلًا حَلَالٌ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَالْقَمْلَةُ لَيْسَتْ بِصَيْدٍ وَلَوْ كَانَتْ صَيْدًا كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فَلَا تُفْدَى وَهِيَ مِنْ الْإِنْسَانِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ رَأْسِهِ فَقَتَلَهَا أَوْ طَرَحَهَا افْتَدَى بِلُقْمَةٍ وَكُلُّ مَا افْتَدَى بِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا يُفْتَدَى إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ رَأْسِهِ فَقَتَلَهَا أَوْ طَرَحَهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْإِمَاطَةِ لِلْأَذَى فَكَرِهْنَاهُ كَرَاهِيَةَ قَطْعِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالصِّئْبَانُ كَالْقُمَّلِ فِيمَا أَكْرَهُ مِنْ قَتْلِهَا وَأُجِيزُ. [الْمُحْرِمُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ الصَّغِيرَ أَوْ النَّاقِصَ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمِثْلُ مِثْلُ صِفَةِ مَا قَتَلَ وَشَبَهُهُ، الصَّحِيحُ بِالصَّحِيحِ وَالنَّاقِصُ بِالنَّاقِصِ وَالتَّامُّ بِالتَّامِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ إلَّا هَذَا وَلَوْ تَطَوَّعَ فَأَعْطَى بِالصَّغِيرِ وَالنَّاقِصِ تَامًّا كَبِيرًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا

ما يتوالد في أيدي الناس من الصيد وأهل بالقرى

سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت لَوْ قَتَلْت صَيْدًا فَإِذَا هُوَ أَعْوَرُ أَوْ أَعْرَجُ أَوْ مَنْقُوصٌ فَمِثْلُهُ أَغْرَمُ إنْ شِئْت؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت: لَهُ وَوَافٍ أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: نَعَمْ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ قَتَلْت وَلَدَ ظَبْيٍ فَفِيهِ وَلَدُ شَاةٍ مِثْلُهُ أَوْ قَتَلْت وَلَدَ بَقَرَةٍ وَحْشِيٍّ فَفِيهِ وَلَدُ بَقَرَةٍ إنْسِيٌّ مِثْلُهُ. قَالَ: فَإِنْ قَتَلْت وَلَدَ طَائِرٍ فَفِيهِ وَلَدُ شَاةٍ مِثْلُهُ فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ [مَا يَتَوَالَدُ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ الصَّيْدِ وَأَهِلَ بِالْقُرَى] أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت كُلَّ صَيْدٍ قَدْ أَهِلَ بِالْقُرَى فَتَوَالَدَ بِهَا مِنْ صَيْدِ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ أَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَا تَذْبَحْهُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ وَلَا مَا وُلِدَ فِي الْقَرْيَةِ، أَوْلَادُهَا بِمَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِهَا أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى دَاجِنَةَ الطَّيْرِ وَالظِّبَاءِ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا هَذَا وَلَوْ جَازَ إذَا تَحَوَّلَتْ حَالُ الصَّيْدِ عَنْ التَّوَحُّشِ إلَى الِاسْتِئْنَاسِ أَنْ يَصِيرَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْإِنْسِيِّ جَازَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ وَأَنْ يُضَحِّيَ بِهِ وَيَجْزِي بِهِ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ وَجَازَ إذَا تَوَحَّشَ الْإِنْسِيُّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالشَّاءِ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا يَجْزِيهِ الْمُحْرِمُ لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ وَلَا يُضَحِّي بِهِ وَلَا يَجْزِي بِهِ غَيْرَهُ، وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا عَلَى أَصْلِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَكَ الْوَحْشِيُّ فِي الْوَلَدِ أَوْ الْفَرْخِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ فَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ كُلَّهُ كَامِلًا. وَأَيَّ أَبَوَيَّ الْوَلَدِ وَالْفَرْخِ كَانَ أُمًّا أَوْ أَبًا وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ أَتَانًا أَهْلِيَّةً أَوْ حِمَارٌ أَهْلِيٌّ أَتَانًا وَحْشِيَّةً فَتَلِدُ أَوْ يَعْقُوبُ دَجَاجَةً أَوْ دِيكٌ يَعْقُوبَةَ فَتَبِيضُ أَوْ تُفْرِخُ فَكُلُّ هَذَا إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ فَدَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهُ عَلَى الْمُحْرِمِ يَخْتَلِطُ بِالْحَلَالِ لَهُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ وَكُلُّ حَرَامٍ اخْتَلَطَ بِحَلَالٍ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ مِنْهُ حُرِّمَ كَاخْتِلَاطِ الْخَمْرِ بِالْمَأْكُولِ وَمَا أَشْبَهُ هَذَا، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى قَاتِلٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا أَخَلَطَهُ وَحْشِيٌّ أَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ أَوْ مَا قَتَلَ مِنْهُ وَحْشِيٌّ أَوْ إنْسِيٌّ فَدَاهُ احْتِيَاطًا وَلَمْ يَجِبْ فِدَاؤُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ قَتَلَ وَحْشِيًّا أَوْ مَا خَالَطَهُ وَحْشِيٌّ أَوْ كَسَرَ بَيْضَ وَحْشِيٍّ أَوْ مَا خَالَطَهُ وَحْشِيٌّ [مُخْتَصَرُ الْحَجِّ الْمُتَوَسِّطِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَنْ وَرَاءَ الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْمَغْرِبِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ الْيَمَنُ يَلَمْلَمُ وَأَهْلِ نَجْدِ الْيَمَنِ وَكُلِّ نَجْدٍ قَرْنٌ وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ، ذَاتُ عِرْقٍ، وَلَوْ أَهَلُّوا مِنْ الْعَقِيقِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَالْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَلَوْ مَرَّ مَشْرِقِيٌّ أَوْ مَغْرِبِيٌّ أَوْ شَامِيٌّ أَوْ مِصْرِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ كَانَتْ مِيقَاتَهُ وَهَكَذَا لَوْ مَرَّ مَدَنِيٌّ بِمِيقَاتٍ غَيْرِ مِيقَاتِهِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ بَلَدِهِ كَانَ مِيقَاتُهُ مِيقَاتَ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي مَرَّ بِهِ وَالْمَوَاقِيتُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ سَوَاءٌ (قَالَ) : وَمَنْ سَلَكَ عَلَى غَيْرِ الْمَوَاقِيتِ بَرًّا أَوْ بَحْرًا أَهَلَّ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ وَيَتَأَخَّرُ حَتَّى يُهِلَّ مِنْ جُدُرِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ وَرَائِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُهِلَّ

الطهارة للإحرام

أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْمَوَاقِيتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمُرُّ بِالْمِيقَاتِ إلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ رَجَعَ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ أَهْرَاقَ دَمًا (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الْمِيقَاتُ قَرْيَةً أَهَلَّ مِنْ أَقْصَاهَا مِمَّا يَلِي بَلَدَهُ وَهَكَذَا إذَا كَانَ الْمِيقَاتُ وَادِيًا أَوْ ظَهْرًا أَهَلَّ مِنْ أَقْصَاهُ مِمَّا يَلِي بَلَدَهُ مِنْ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْحَرَمِ وَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْ بُيُوتِهَا أَوْ مِنْ الْوَادِي أَوْ مِنْ الظَّهْرِ إلَّا مُحْرِمًا وَلَوْ أَنَّهُ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَجَاوَزَهُ لَمْ يُحْرِمْ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُحْرِمَ أَحْرَمَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَا لَهُ، وَذَلِكَ مِيقَاتُهُ وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ مِمَّا يَلِي الْحَرَمَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْ أَهْلِهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ ذَلِكَ إلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَمَا جَاوَزَهُ رَجَعَ حَتَّى يُهِلَّ مِنْ أَهْلِهِ وَكَانَ حَرَامًا فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ أَهْرَاقَ دَمًا. [الطَّهَارَةُ لِلْإِحْرَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الطَّاهِرِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْغُسْلَ لِلْإِحْرَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَأَهَلَّ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ جُنُبًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ. وَمَا كَانَتْ الْحَائِضُ تَفْعَلُهُ كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَهُ جُنُبًا وَغَيْرَ مُتَوَضِّئٍ [اللُّبْسُ لِلْإِحْرَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَجْتَمِعُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي اللَّبُوسِ فِي الْإِحْرَامِ فِي شَيْءٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي غَيْرِهِ فَأَمَّا مَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ فَلَا يَلْبَسُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِطِيبٍ وَلَا ثَوْبًا فِيهِ طِيبٌ، وَالطِّيبُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الطِّيبِ وَإِنْ أَصَابَ ثَوْبًا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَغُسِلَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ فَلَا يُوجَدُ لَهُ رِيحٌ إذَا كَانَ الثَّوْبُ يَابِسًا أَوْ مَبْلُولًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ لَوْنُهُ وَيَلْبَسَانِ الثِّيَابَ الْمُصْبَغَةَ كُلَّهَا بِغَيْرِ طِيبٍ مِثْلَ الصَّبْغِ بِالسَّدَرِ وَالْمَدْرِ وَالسَّوَادِ وَالْعُصْفُرِ وَإِنْ نَفَّضَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَلْبَسَ الْبَيَاضَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُمَا جُدُدًا أَوْ مَغْسُولَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُدُدًا وَلَا مَغْسُولَةً فَلَا يَضُرُّهُمَا وَيَغْسِلَانِ ثِيَابَهُمَا وَيَلْبَسَانِ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَمْ يُحْرِمَا فِيهِ، ثُمَّ لَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ عِمَامَةً وَلَا سَرَاوِيلَ وَلَا خُفَّيْنِ وَلَا قَمِيصًا وَلَا ثَوْبًا مَخِيطًا مِمَّا يَلْبَسُ بِالْخِيَاطَةِ مِثْلَ الْقَبَاءِ وَالدُّرَّاعَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَلَا يَلْبَسُ مِنْ هَذَا شَيْئًا مِنْ حَاجَةٍ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ وَقَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ يَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَيَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى لُبْسِ شَيْءٍ غَيْرِ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لَبِسَهُ وَافْتَدَى، وَالْفِدْيَةُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَسْكُ شَاةٍ أَوْ صَدَقَةٌ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْخِمَارَ وَالْخُفَّيْنِ وَلَا تَقْطَعُهُمَا وَالسَّرَاوِيلَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالدِّرْعَ وَالْقَمِيصَ وَالْقَبَاءَ وَحَرَمَهَا مِنْ لُبْسِهَا فِي وَجْهِهَا فَلَا تُخَمِّرُ وَجْهَهَا وَتُخَمِّرُ رَأْسَهَا. فَإِنْ خَمَّرَتْ وَجْهَهَا عَامِدَةً افْتَدَتْ وَإِنْ خَمَّرَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ عَامِدًا افْتَدَى وَلَهُ أَنْ يُخَمِّرَ وَجْهَهُ وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُجَافِيَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهَا تَسْتَتِرُ بِهِ

الطيب للإحرام

وَتُجَافِيَ الْخِمَارَ ثُمَّ تَسْدُلَهُ عَلَى وَجْهِهَا لَا يَمَسُّ وَجْهَهَا وَيَلْبَسُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْمِنْطَقَةَ لِلدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَوْقَ الثِّيَابِ وَتَحْتَهَا (قَالَ) : وَإِنْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ مَا لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَلْبَسَاهُ نَاسِيَيْنِ أَوْ تَطَيَّبَا نَاسِيَيْنِ لِإِحْرَامِهِمَا أَوْ جَاهِلَيْنِ لِمَا عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ غَسَلَا الطِّيبَ وَنَزَعَا الثِّيَابَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْطَعَةً وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ أَحْرَمْت بِعُمْرَةٍ وَعَلَيَّ مَا تَرَى فَقَالَ النَّبِيُّ مَا كُنْت فَاعِلًا فِي حَجِّك؟ قَالَ أَنْزِعُ الْمِنْطَقَةَ وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجِّك» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفَّارَةٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَأْمُرُ بَنَاتِهِ أَنْ يَلْبَسْنَ الْقُفَّازَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا تَتَبَرْقَعُ الْمُحْرِمَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ لَمْ يَقْرَبْ طِيبًا وَغَسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلَمْ يَلْبَسْ قَمِيصًا وَخَمَّرَ وَجْهَهُ وَلَمْ يُخَمِّرْ رَأْسَهُ يُفْعَلُ بِهِ فِي الْمَوْتِ كَمَا يَفْعَلُ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي الْحَيَاةِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَّ رَجُلٌ مُحْرِمٌ عَنْ بَعِيرِهِ فَوَقَصَ فَمَاتَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ مَاتَ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُهَلِّلًا أَوْ مُلَبِّيًا» قَالَ سُفْيَانُ وَأَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي جُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ «وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَلَ بِابْنٍ لَهُ مَاتَ مُحْرِمًا شَبِيهًا بِهَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَسْتَظِلُّ الْمُحْرِمُ عَلَى الْمَحْمَلِ وَالرَّاحِلَةِ وَالْأَرْضِ بِمَا شَاءَ مَا لَمْ يَمَسَّ رَأْسَهُ [الطِّيبُ لِلْإِحْرَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَوْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» ، وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَتْ بِأَطْيَبِ الطِّيبِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّهَا طَيَّبَتْ أَبَاهَا لِلْإِحْرَامِ بِالسُّكِّ وَالذَّرِيرَةِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ حَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَلَا أَعْلَمُ إلَّا وَقَدْ سَمِعْته مِنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ مُحْرِمًا وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِثْلُ الرُّبِّ مِنْ الْغَالِيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الْمُحْرِمَانِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بِأَقْصَى غَايَةِ الطِّيبِ الَّذِي يَبْقَى مِنْ غَالِيَةٍ وَنَضُوحٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ كَانَ فِي الْإِحْلَالِ وَإِنْ بَقِيَ فِي الْإِحْرَامِ شَيْءٌ فَالْإِحْرَامُ شَيْءٌ أُحْدِثَ بَعْدَهُ. وَإِذَا أَحْرَمَا فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتَطَيَّبَا وَلَا أَنْ يَمَسَّا طِيبًا فَإِنْ مَسَّاهُ بِأَيْدِيهِمَا عَامِدَيْنِ وَكَانَ يَبْقَى أَثَرُهُ وَرِيحُهُ فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ. وَسَوَاءٌ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا وَكَانَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ رِيحٌ فَلَا فِدْيَةَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَا عِنْدَ الْعَطَّارِ وَيَدْخُلَا بَيْتَهُ وَيَشْتَرِيَا الطِّيبَ مَا لَمْ يَمَسَّاهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْسَادِهِمَا، وَأَنْ يَجْلِسَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تُجَمَّرُ وَأَنْ يَمَسَّاهَا مَا لَمْ تَكُنْ رَطْبَةً فَإِنْ مَسَّاهَا وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا رَطْبَةٌ فَعَلِقَتْ بِأَيْدِيهِمَا غَسَلَا ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا

التلبية

وَإِنْ عَمَدَا أَنْ يَمَسَّاهَا رَطْبَةً فَعَلِقَتْ بِأَيْدِيهِمَا افْتَدَيَا وَلَا يَدْهُنَانِ وَلَا يَمَسَّانِ شَيْئًا مِنْ الدُّهْنِ الَّذِي يَكُونُ طَيِّبًا وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ وَالْأَدْهَانِ الَّتِي فِيهَا الْأَبْقَالُ وَإِنْ مَسَّا شَيْئًا مِنْ هَذَا عَامِدَيْنِ افْتَدَيَا وَإِنْ شَمَّا الرَّيْحَانَ افْتَدَيَا وَإِنْ شَمَّا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مَا يَكُونُ طِيبًا مِمَّا لَا يَتَّخِذُهُ النَّاسُ طِيبًا فَلَا فِدْيَةَ وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَا التُّفَّاحَ أَوْ شَمَّاهُ أَوْ الْأُتْرُجَّ أَوْ السَّفَرْجَلَ أَوْ مَا كَانَ طَعَامًا فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَإِنْ أَدْخَلَا الزَّعْفَرَانَ أَوْ الطِّيبَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ فَكَانَ يُوجَدُ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ يَصْبُغُ اللِّسَانَ فَأَكَلَاهُ افْتَدَيَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رِيحُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَلَا يَصْبُغُ اللِّسَانَ فَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فِي الطَّعَامِ وَسَوَاءٌ كَانَ نِيئًا أَوْ نَضِيجًا لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَيُدْهِنَانِ جَمِيعَ أَجْسَادِهِمَا بِكُلِّ مَا أَكَلَا مِمَّا لَيْسَ بِطِيبٍ مِنْ زَيْتٍ وَشَيْرَقٍ وَسَمْنٍ وَزُبْدٍ وَسَقْسَقٍ وَيَسْتَطِيعَانِ ذَلِكَ إذَا اجْتَنَبَا أَنْ يَدْهُنَا الرَّأْسَ أَوْ يَدْهُنَ الرَّجُلُ اللِّحْيَةَ فَإِنَّ هَذَيْنِ مَوْضِعُ الدَّهْنِ فَإِنْ دَهَنَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ الرَّأْسَ أَوْ الرَّجُلُ اللِّحْيَةَ بِأَيِّ هَذَا كَانَ افْتَدَى وَإِنْ احْتَاجَا إلَى أَنْ يَتَدَاوَيَا بِشَيْءٍ مِنْ الطِّيبِ تَدَاوَيَا بِهِ وَافْتَدَيَا (قَالَ) : وَكُلُّ مَا كَرِهْت لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُمَّهُ أَوْ يَلْبَسَهُ مِنْ طِيبٍ أَوْ شَيْءٍ فِيهِ طِيبٌ كَرِهْت لَهُ النَّوْمَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَامَ عَلَيْهِ مُفْضِيًا إلَيْهِ بِجِلْدِهِ افْتَدَى، وَإِنْ نَامَ وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. [التَّلْبِيَةُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُحْرِمَ كَانَ مِمَّنْ حَجَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يُفْرِدَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ عِنْدَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَكْفِيهِ النِّيَّةُ فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَإِنْ سَمَّى قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ (قَالَ) : وَإِنْ لَبَّى بِحَجٍّ وَهُوَ يُرِيدُ عُمْرَةً فَهُوَ عُمْرَةٌ وَإِنْ لَبَّى بِعُمْرَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا فَهُوَ حَجٌّ، وَإِنْ لَبَّى لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَيْسَ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَإِنْ لَبَّى يَنْوِي الْإِحْرَامَ وَلَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَهُ الْخِيَارُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَإِنْ لَبَّى وَقَدْ نَوَى أَحَدَهُمَا فَنَسِيَ فَهُوَ قَارِنٌ لَا يَجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَدْ جَاءَ بِالْعُمْرَةِ وَزَادَ حَجًّا، وَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَقَدْ جَاءَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَقَدْ جَاءَ بِالْقِرَانِ وَإِذَا لَبَّى قَالَ " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك " وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى هَذَا فِي التَّلْبِيَةِ حَرْفًا إلَّا أَنْ يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَيَقُولُ " لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ " فَإِنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ حَرْفًا غَيْرَ هَذَا عِنْدَ شَيْءٍ رَآهُ فَأَعْجَبَهُ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ فَإِنَّهُ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : وَيُلَبِّي قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَنَازِلًا وَجُنُبًا وَمُتَطَهِّرًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَغَيْرِهَا وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لِتُسْمِعَ نَفْسَهَا وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ وَعِنْدَ الْإِشْرَافِ، وَالْهُبُوطِ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ

الصلاة عند الإحرام

وَفِي الْأَسْحَارِ وَفِي اسْتِقْبَالِ اللَّيْلِ وَنَحْنُ نُبِيحُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ [الصَّلَاةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً ثُمَّ يَرْكَبَ رَاحِلَتَهُ فَإِذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَائِمَةً وَتَوَجَّهَتْ لِلْقِبْلَةِ سَائِرَةً أَحْرَمَ وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا فَإِذَا تَوَجَّهَ مَاشِيًا أَحْرَمَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ «فَإِذَا رُحْتُمْ مُتَوَجِّهِينَ إلَى مِنًى فَأَهِلُّوا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرَوَى «ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنَّ أَهَلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَهَلَّ فِي إثْرِ مَكْتُوبَةٍ إذَا صَلَّى أَوْ فِي غَيْرِ إثْرِ صَلَاةٍ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَيُلَبِّي الْحَاجُّ وَالْقَارِنُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي كُلِّ حَالٍ وَإِذَا كَانَ إمَامًا فَعَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَيُلَبِّي فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ وَبَعْدَمَا يَدْفَعُ وَبِالْمُزْدَلِفَةِ وَفِي مَوْقِفِ مُزْدَلِفَةَ وَحِينَ يَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَنِي «الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهُ مِنْ جَمْعٍ إلَى مِنًى فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، وَلَبَّى عُمَرُ حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ وَمَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ (قَالَ) : وَيُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَلِمٍ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَلِمٍ. (قَالَ) : وَسَوَاءٌ فِي التَّلْبِيَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ أَوْ الْمِيقَاتِ أَوْ دُونَهُ أَوْ الْمَكِّيُّ أَوْ غَيْرُهُ [الْغُسْلُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمُحْرِمُ مُتَبَرِّدًا أَوْ غَيْرَ مُتَبَرِّدٍ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَإِذَا مَسَّ شَعْرَهُ رَفَقَ بِهِ لِئَلَّا يَنْتِفَهُ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَنْقِعَ فِي الْمَاءِ وَيَغْمِسَ رَأْسَهُ اغْتَسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ " تَعَالَ أُمَاقِلُكَ فِي الْمَاءِ أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا؟ " وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَنَّ ابْنًا لِعُمَرَ وَابْنَ أَخِيهِ تَمَاقَلَا فِي الْمَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَلَمْ يَنْهَهُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ إمَّا سُفْيَانُ وَإِمَّا غَيْرُهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَمَرَ بِوَسَخٍ فِي ظَهْرِهِ فَحُكَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ [غَسْلُ الْمُحْرِمِ جَسَدَهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يُدَلِّكَ الْمُحْرِمُ جَسَدَهُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَيَحُكَّهُ حَتَّى يُدْمِيَهُ إنْ شَاءَ

ما للمحرم أن يفعله

وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُكَّ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَأُحِبُّ إذَا حَكَّهُمَا أَنْ يَحُكَّهُمَا بِبُطُونِ أَنَامِلِهِ لِئَلَّا يَقْطَعَ الشَّعْرَ وَإِنْ حَكَّهُمَا أَوْ مَسَّهُمَا فَخَرَجَ فِي يَدَيْهِ مِنْ شَعْرِهِمَا أَوْ شَعْرِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَفْتَدِيَ احْتِيَاطًا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ فِعْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّعْرُ سَاقِطًا فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَإِذَا مَسَّهُ تَبِعَهُ، وَالْفِدْيَةُ فِي الشَّعْرَةِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حِنْطَةٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَفِي الِاثْنَتَيْنِ مُدَّانِ عَلَى مِسْكِينَيْنِ وَفِي الثَّلَاثِ فَصَاعِدًا دَمٌ وَلَا يُجَاوِزُ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّعْرِ وَإِنْ كَثُرَ دَمٌ [مَا لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَجِمَ الْمُحْرِمُ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَحْلِقُ الشَّعْرَ وَكَذَلِكَ يَفْتَحُ الْعِرْقَ وَيَبُطُّ الْجُرْحَ وَيَقْطَعُ الْعُضْوَ لِلدَّوَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ احْتَاطَ إذَا قَطَعَ عُضْوًا فِيهِ شَعْرٌ افْتَدَى كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ الشَّعْرَ إنَّمَا قَطَعَ الْعُضْوَ الَّذِي لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ وَيَخْتَتِنُ الْمُحْرِمُ وَيُلْصِقُ عَلَيْهِ الدَّوَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَجَّ أَغْلَفُ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ دَاوَى شَيْئًا مِنْ قُرْحِهِ وَأَلْصَقَ عَلَيْهِ خِرْقَةً أَوْ دَوَاءً فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الرَّأْسِ فَتَكُونَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ [مَا لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ أَظْفَارِهِ وَإِنْ انْكَسَرَ ظُفُرٌ مِنْ أَظْفَارِهِ فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَ مَا انْكَسَرَ مِنْ الظُّفُرِ وَكَانَ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِبَقِيَّةِ الظُّفُرِ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْبَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهِ وَإِذَا أَخَذَ ظُفُرًا مِنْ أَظْفَارِهِ أَوْ بَعْضَ ظُفُرٍ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَإِنْ أَخَذَ ظُفُرًا ثَانِيًا أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ فَإِنْ أَخَذَ ثَلَاثَةً فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ أَهْرَاقَ دَمًا وَإِنْ أَخَذَهَا مُتَفَرِّقَةً أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ ظُفُرٍ مُدًّا وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ وَسَوَاءٌ النِّسْيَانُ وَالْعَمْدُ فِي الْأَظْفَارِ وَالشَّعْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ فَلَا يَعُودُ وَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَقْطَعَ أَظْفَارَ الْمَحِلِّ وَأَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ وَلَيْسَ لَلْمَحِلِّ أَنْ يَقْطَعَ أَظْفَارَ الْمُحْرِمِ وَلَا يَحْلِقَ شَعْرَهُ فَإِنْ فَعَلَ بِأَمْرِ الْمُحْرِمِ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُحْرِمِ رَاقِدٌ أَوْ مُكْرَهٌ افْتَدَى الْمُحْرِمُ وَرَجَعَ بِالْفِدْيَةِ عَلَى الْمَحِلِّ [بَابُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَصَيْدُ الْبَرِّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ يُؤْكَلُ وَكُلُّ مَا أُكِلَ مِنْهُ فَهُوَ صِنْفَانِ طَائِرٌ وَدَوَابُّ فَمَا أَصَابَ مِنْ الدَّوَابِّ نَظَرَ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْمَقْتُولِ مِنْ الصَّيْدِ شَبَهًا مِنْ النَّعَمِ، وَالنَّعَمُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَيُجْزَى بِهِ فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الثَّيْتَلِ بَقَرَةٌ وَفِي الْغَزَالِ عَنْزٌ وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ وَفِي صِغَارِ أَوْلَادِهَا صِغَارُ

أَوْلَادِ هَذِهِ فَإِذَا أُصِيبَ مِنْ هَذَا عَوَرٌ أَوْ مَكْسُورٌ فَدَى مِثْلَهُ أَعْوَرَ أَوْ مَكْسُورًا وَأَنْ يَفْدِيَهُ بِصَحِيحٍ أَحَبُّ إلَيَّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَضَى فِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرٍ أَوْ جَفْرَةٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ أَنَّ أَرْبَدَ أَوْطَأَ ضَبًّا فَفَزَرَ ظَهْرَهُ فَأَتَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ مَا تَرَى؟ فَقَالَ جَدْيٌ قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ فَقَالَ: عُمَرُ فَذَاكَ فِيهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي السَّفَرِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِحَمَلَانٍ مِنْ الْغَنَمِ وَالْحَمْلَانُ الْحَمَلُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ مَعِي حُكْمٌ لَحَكَمْت فِي الثَّعْلَبِ بِجَدْيٍ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صِغَارِ الصَّيْدِ صِغَارُ الْغَنَمِ وَفِي الْمَعِيبِ مِنْهَا الْمَعِيبُ مِنْ الْغَنَمِ وَلَوْ فَدَاهَا بِكِبَارٍ صِحَاحٍ مِنْ الْغَنَمِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (قَالَ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ صَيْدًا فَجَرَحَهُ فَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ أَمْ عَاشَ؟ فَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ عِنْدِي فِيهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَهُ الْجُرْحُ فَإِنْ كَانَ ظَبْيًا قُوِّمَ صَحِيحًا وَنَاقِصًا فَإِنْ نَقَصَهُ الْعُشْرَ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ مِنْ ثَمَنِ شَاةٍ، وَهَكَذَا إنْ كَانَ بَقَرَةً أَوْ نَعَامَةً، وَإِنْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ بَعْدُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ مَجْرُوحَةٌ، وَإِنْ فَدَاهُ بِصَحِيحَةٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا جَرَحَهُ فَغَابَ عَنْهُ أَنْ يَفْدِيَهُ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَسَرَهُ كَانَ هَكَذَا عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُ حَتَّى يَبْرَأَ وَيَمْتَنِعَ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ تَامَّةٌ وَلَوْ أَنَّهُ ضَرَبَ ظَبْيًا مَاخِضًا فَمَاتَ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ شَاةٍ مَاخِضٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا مِنْ قِبَلِ أَنِّي لَوْ قُلْت: لَهُ أَذْبَحُ شَاةً مَاخِضًا كَانَتْ شَرًّا مِنْ شَاةٍ غَيْرِ مَاخِضٍ لِلْمَسَاكِينِ فَإِذَا أَرَدْت الزِّيَادَةَ لَهُمْ لَمْ أَزْدَدْ لَهُمْ مَا أُدْخِلَ بِهِ النَّقْصُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنِّي أَزْدَادُ لَهُمْ فِي الثَّمَنِ وَأُعْطِيهِمُوهُ طَعَامًا (قَالَ) : وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ الَّذِي عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ جَزَاهُ إنْ شَاءَ بِمِثْلِهِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ قُوِّمَ الْمِثْلُ دَرَاهِمَ ثُمَّ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ وَإِذَا أَرَادَ الصِّيَامَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ وَلَا بِاللَّحْمِ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ بِغَيْرِ مَكَّةَ أَوْ مِنًى أَعَادَ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى وَيَجْزِيهِ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ وَبَعْدَمَا يَحِلَّ فَإِنْ صَدَرَ وَلَمْ يَجْزِهِ بَعَثَ بِجَزَائِهِ حَتَّى يَجْزِيَ عَنْهُ فَإِنْ جَزَاهُ بِالصَّوْمِ صَامَ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ فِي صِيَامِهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا جَزَاهُ وَإِذَا أَصَابَ صَيْدًا جَزَاهُ ثُمَّ كُلَّمَا عَادَ جَزَى مَا أَصَابَ فَإِنْ أَصَابَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَلَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَكْلِ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَإِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمَانِ أَوْ الْجَمَاعَةُ صَيْدًا فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ قَضَى هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَالِكٌ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْطَآ ظَبْيًا فَفَتَلَاهُ بِشَاةٍ وَأَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ وَكَانَ ثِقَةً أَنَّ قَوْمًا حُرُمًا أَصَابُوا صَيْدًا فَقَالَ لَهُمْ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْكُمْ جَزَاءٌ، فَقَالُوا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا جَزَاءٌ أَمْ عَلَيْنَا كُلِّنَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنَّهُ لَمُغَرَّرٌ بِكُمْ بَلْ عَلَيْكُمْ كُلِّكُمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ

طائر الصيد

قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّفَرِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ قَالَ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ (قَالَ) : وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَهَذَا مِثْلٌ وَمَنْ قَالَ عَلَيْهِ مِثْلَانِ فَقَدْ خَالَفَ مَعْنَى الْقُرْآنِ [طَائِرُ الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الطَّائِرُ صِنْفَانِ حَمَامٌ وَغَيْرُ حَمَامٍ، فَمَا كَانَ مِنْهُ حَمَامًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَفِدْيَةُ الْحَمَامَةِ مِنْهُ شَاةٌ اتِّبَاعًا وَأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَزَلْ بَيْنَ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّائِرِ وَتَقُولُ الْحَمَامُ سَيِّدُ الطَّائِرِ، وَالْحَمَامُ كُلُّ مَا هَدَرَ وَعَبَّ فِي الْمَاءِ وَهِيَ تُسَمِّيهِ أَسْمَاءَ جَمَاعَةِ الْحَمَامِ، وَتَفَرَّقَ بِهِ بَعْدُ أَسْمَاءٌ وَهِيَ الْحَمَامُ وَالْيَمَامُ وَالدَّبَّاسِيُّ وَالْقَمَارِيُّ وَالْفَوَاخِتُ وَغَيْرُهُ مِمَّا هَدَرَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى فِي حَمَامَةٍ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ ذَلِكَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ (قَالَ) : وَهَذَا إذَا أُصِيبَتْ بِمَكَّةَ أَوْ أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ (قَالَ) : وَمَا كَانَ مِنْ الطَّائِرِ لَيْسَ بِحَمَامٍ فَفِيهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَابُ فِيهِ قُلْت: أَوْ كُسِرَتْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ أَصَابَ جَرَادَةً فَقَالَ: يَتَصَدَّقُ بِقَبْضَةٍ مِنْ طَعَامٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلْيَأْخُذَنَّ بِقَبْضَةٍ جَرَادَاتٍ وَلَكِنْ عَلَى ذَلِكَ رَأْيٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ عُمَرُ فِي الْجَرَادَةِ تَمْرَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا فَدَى مِنْ الصَّيْدِ فَبَاضَ مِثْلُ النَّعَامَةِ وَالْحَمَامَةِ وَغَيْرِهَا فَأُصِيبَ بَيْضُهُ فَفِيهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَابُ فِيهِ كَقِيمَتِهِ لَوْ أُصِيبَ لِإِنْسَانٍ وَمَا أُصِيبَ مِنْ الصَّيْدِ لِإِنْسَانٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ قِيمَتُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لِصَاحِبِهِ وَجَزَاؤُهُ لِلْمَسَاكِينِ وَمَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا أَوْ مُعْتَمِرًا فَجَزَاؤُهُ وَاحِدٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ فِي تَبَاعُدِ الْحَرَمِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الْحَرَمِ وَكَثِيرَهُ سَوَاءٌ إذْ مُنِعَ بِهَا الصَّيْدُ، وَكُلُّ مَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إحْرَامِهِ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَدَاهُ وَخُرُوجُهُ مِنْ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ الْحَجِّ خُرُوجَانِ: فَالْأَوَّلُ الرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ فَلَوْ أَصَابَ صَيْدًا خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ جَمِيعِ إحْرَامِهِ إلَّا النِّسَاءَ وَهَكَذَا لَوْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَوْ حَلَقَ بَعْدَ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ، وَيَأْكُلُ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهَكَذَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ابْنُ أَبِي يَحْيَى أَحْفَظُ مِنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ

قطع شجر الحرم

أَنَّ مُحْرِمًا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ فَذَبَحَهُ غَيْرُهُ فَأَكَلَهُ هُوَ أَكَلَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا جَعَلَ جَزَاءَهُ بِقَتْلِهِ وَهُوَ لَمْ يَقْتُلْهُ وَقَدْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ أَوْ أَعْطَاهُ سِلَاحًا أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَكَانَ مُسِيئًا كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ كَانَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ لَا عَلَى الْآمِرِ، وَكَانَ الْآمِرُ آثِمًا (قَالَ) : وَلَوْ صَادَ حَلَالٌ صَيْدًا فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ مُحْرِمٌ أَوْ اتَّهَبَهُ فَذَبَحَهُ كَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَهُ، وَالْحَلَالُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ مِثْلُ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُهُ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَيَجْزِيهِ إذَا قَتَلَهُ. [قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ جَزَاهُ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، وَفِي الشَّجَرَةِ الصَّغِيرَةِ شَاةٌ، وَفِي الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْطَعَ الشَّجَرَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ لَيْسَ بِصَيْدٍ. [مَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصَّيْدِ صِنْفَانِ صِنْفٌ عَدُوٌّ عَادٍ، فَفِيهِ ضَرَرٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ فَيَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَيَبْدَأُ هَذَا الْمُحْرِمُ وَيَقْتُلُ صِغَارَهُ وَكِبَارَهُ؛ لِأَنَّهُ صِنْفٌ مُبَاحٌ وَيَبْتَدِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَصِنْفٌ لَا يُؤْكَلُ وَلَا ضَرَرَ لَهُ مِثْلُ الْبُغَاثَةَ وَالرَّخَمَةِ وَالْحَكَّاءِ وَالْقَطَا وَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَلَا أَعْلَمُ فِي مِثْلِ هَذَا قَضَاءً فَآمُرُهُ بِابْتِدَائِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّيْدِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا يَفْدِي الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ إلَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (قَالَ) : وَهَذَا مُوَافِقٌ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَيَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْقِرْدَانِ وَالْحَمْنَانِ وَالْحَلَمَ وَالْكَتَالَةَ وَالْبَرَاغِيثَ وَالْقُمَّلَانِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقُمَّلُ فِي رَأْسِهِ لَمْ أُحِبَّ أَنْ يُفَلَّى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إمَاطَةُ أَذَى وَأَكْرَهُ لَهُ قَتْلَهُ وَآمُرُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَإِذَا ظَهَرَ لَهُ عَلَى جِلْدِهِ طَرَحَهُ وَقَتَلَهُ. وَقَتَلَهُ مِنْ الْحَلَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: جَلَسْت إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَلَسَ إلَيْهِ رَجُلٌ لَمْ أَرَ رَجُلًا أَطْوَلَ شَعْرًا مِنْهُ فَقَالَ: أَحْرَمْت وَعَلَيَّ هَذَا الشَّعْرُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " اشْتَمِلْ عَلَى مَا دُونَ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ " قَالَ " قَبَّلْت امْرَأَةً لَيْسَتْ بِامْرَأَتِي " قَالَ " زَنَا فُوكَ " قَالَ " رَأَيْت قَمْلَةً فَطَرَحْتهَا " قَالَ " تِلْكَ الضَّالَّةُ لَا تُبْتَغَى " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُودُ بَعِيرًا لَهُ فِي طِينٍ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ الْقُرَادَ وَالْحَلَمَةَ

صيد البحر

[صَيْدُ الْبَحْرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ صَيْدٌ، فِي بِئْرٍ كَانَ أَوْ مَاءٍ مُسْتَنْقَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ بَحْرٌ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ يُصَادُ وَيُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يُمْنَعْ بِحُرْمَةِ شَيْءٍ وَلَيْسَ صَيْدُهُ إلَّا مَا كَانَ يَعِيشُ فِي أَكْثَرِ عَيْشِهِ، فَأَمَّا طَائِرُهُ فَإِنَّمَا يَأْوِي إلَى أَرْضٍ فِيهِ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ إذَا أُصِيبَ جَزَى [دُخُول مَكَّةَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي طَرَفِهَا ثُمَّ يَمْضِيَ إلَى الْبَيْتِ وَلَا يُعَرِّجَ فَيَبْدَأَ بِالطَّوَافِ، وَإِنْ تَرَكَ الْغُسْلَ أَوْ عَرَّجَ لِحَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ قَالَ " اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ فَإِذَا انْتَهَى إلَى الطَّوَافِ اضْطَبَعَ فَأَدْخَلَ رِدَاءَهُ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَرَدَّهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ حَتَّى يَكُونَ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنِ مَكْشُوفًا ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ إنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِلَامِهِ وَقَالَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ " اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَمْضِي عَنْ يَمِينِهِ فَيَرْمُلُ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ الْحِجْرِ إلَى الْحِجْرِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَشْيٌ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً فَإِنْ كَانَ الزِّحَامُ شَيْئًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَرْمُلَ فَكَانَ إذَا وَقَفَ لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَقَفَ حَتَّى يَنْفَرِجَ لَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمُلَ. وَإِنْ كَانَ يُؤْذِي أَحَدًا فِي الْوُقُوفِ مَشَى مَعَ النَّاسِ بِمَشْيِهِمْ وَكُلَّمَا انْفَرَجَتْ لَهُ فُرْجَةٌ رَمَلَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَطَرَّفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ النَّاسِ حَاشِيَةٌ ثُمَّ يَرْمُلُ فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي طَوَافٍ رَمَلَ فِي اثْنَيْنِ وَإِنْ تَرَكَهُ فِي اثْنَيْنِ رَمَلَ فِي وَاحِدٍ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثَةِ لَمْ يَقْضِ، إذَا ذَهَبَ مَوْضِعُهُ لَمْ يَقْضِهِ فِيمَا بَقِيَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي تَرْكِهِ عَامِدًا وَهَكَذَا الِاضْطِبَاعُ وَالِاسْتِلَامُ إنْ تَرَكَهُ فَلَا فِدْيَةَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَلِمَ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَلِمَ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْحِجْرَ، وَالْيَمَانِيُّ يَسْتَلِمُ الْيَمَانِيَّ بِيَدِهِ ثُمَّ يُقَبِّلُهَا وَلَا يُقَبِّلُهُ وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلُهَا وَيُقَبِّلُهُ إنْ أَمْكَنَهُ التَّقْبِيلُ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى عَيْنَيْهِ وَلَا وَجْهِهِ أَنْ يُجْرَحَ، وَأُحِبُّ كُلَّمَا حَاذَى بِهِ أَنْ يُكَبِّرَ وَأَنْ يَقُولَ فِي رَمَلِهِ " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا " وَيَقُولَ فِي الْأَطْوَافِ الْأَرْبَعَةِ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَفِي الْأُخْرَى بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ وَحَيْثُمَا صَلَّى أَجْزَأَهُ وَمَا قَرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَجْزِيهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَلَا الصَّلَاةُ إلَّا طَاهِرًا وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعٍ تَامٍّ فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ سَبْعٍ فَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُلْغِيَ سَعْيُهُ حَتَّى يَكُونَ سَعْيُهُ بَعْدَ

الخروج إلى الصفا

سَبْعٍ كَامِلٍ عَلَى طَهَارَةٍ وَإِنْ قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّوَافُ لِلصَّلَاةِ بَنَى مِنْ حَيْثُ قُطِعَ عَلَيْهِ وَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ رَعَفَ خَرَجَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى مِنْ حَيْثُ قَطَعَ وَهَكَذَا إنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الطَّوَافَ وَإِنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ فَلَمْ يَدْرِ خَمْسًا طَافَ أَوْ أَرْبَعًا؟ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَأَلْغَى الشَّكَّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنْ قَدْ طَافَ سَبْعًا تَامًّا أَوْ أَكْثَرَ [الْخُرُوجُ إلَى الصَّفَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِ الصَّفَا وَيَظْهَرَ فَوْقَهُ فِي مَوْضِعٍ يَرَى مِنْهُ الْبَيْتَ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ فَيُكَبِّرَ وَيَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا وَأَوْلَانَا وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " ثُمَّ يَدْعُو وَيُلَبِّي ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى يَقُولَهُ ثَلَاثًا، وَيَدْعُو فِيمَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِمَا بَدَا لَهُ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا ثُمَّ يَنْزِلُ يَمْشِي حَتَّى إذَا كَانَ دُونَ الْمَيْلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى عَلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ بَدَا لَهُ، ثُمَّ يَصْنَعُ عَلَيْهَا مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعًا يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ وَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا بَيْنَهُمَا مَشْيًا أَوْ سَعْيًا. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُكَبِّرْ وَلَمْ يَدْعُ وَلَمْ يَسْعَ فِي السَّعْيِ فَقَدْ تَرَكَ فَضْلًا وَلَا إعَادَةَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَفْعَلُهُ وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ دَخَلَ فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى مِنْ حَيْثُ قَطَعَ وَإِنْ رَعَفَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ لَا يَجْزِي غَيْرُهُ وَلَوْ تَرَكَهُ رَجُلٌ حَتَّى جَاءَ بَلَدَهُ فَكَانَ مُعْتَمِرًا كَانَ حَرَامًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِنْ كَانَ حَاجًّا قَدْ رَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ كَانَ حَرَامًا مِنْ النِّسَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ وَلَا يَجْزِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا سَبْعٌ كَامِلٌ فَلَوْ صَدَرَ وَلَمْ يُكْمِلْهُ سَبْعًا فَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَرَكَ مِنْ السَّابِعِ ذِرَاعًا كَانَ كَهَيْئَتِهِ لَوْ لَمْ يَطُفْ وَرَجَعَ حَتَّى يَبْتَدِئَ طَوَافًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْعَابِدِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ محيصن عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْزَأَةَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قَالَتْ: «دَخَلْت مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ ابْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ نَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَرَأَيْته يَسْعَى وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ إنِّي لَا أَرَى رُكْبَتَيْهِ وَسَمِعْته يَقُولُ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُومُ فِي حَوْضٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ بِالْبَيْتِ وَلَا

الرجل يطوف بالرجل يحمله

بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَمْشِينَ عَلَى هَيِّنَتِهِنَّ وَأُحِبُّ لِلْمَشْهُورَةِ بِالْجَمَالِ أَنْ تَطُوفَ وَتَسْعَى لَيْلًا، وَإِنْ طَافَتْ بِالنَّهَارِ سَدَلَتْ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا أَوْ طَافَتْ فِي سِتْرٍ، وَيَطُوفُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيَيْنِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَا مَحْمُولَيْنِ مِنْ عِلَّةٍ وَإِنْ طَافَا مَحْمُولَيْنِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمَا وَلَا فِدْيَةَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَهْجُرُوا بِالْإِفَاضَةِ وَأَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا وَطَافَ بِالْبَيْتِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ أَظُنُّهُ قَالَ: وَيُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ» [الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالرَّجُلِ يَحْمِلُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحْرِمًا فَطَافَ بِمُحْرِمٍ صَبِيٍّ أَوْ كَبِيرٍ يَحْمِلُهُ يَنْوِي بِذَلِكَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ طَوَافَهُ وَعَنْ نَفْسِهِ فَالطَّوَافُ طَوَافُ الْمَحْمُولِ لَا طَوَافُ الْحَامِلِ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ. [مَا يَفْعَلُ الْمَرْءُ بَعْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُعْتَمِرًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَحْبَبْت لَهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَنْحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَيَنْحَرَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُمَا نَحَرَهُ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَيَنْحَرُ الْهَدْيَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا وَإِنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ حَاجًّا أَمْسَكَ عَنْ الْحَلْقِ فَلَمْ يَحْلِقْ حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَالْحَلْقُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ أَصْلَعَ وَلَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ مَحْلُوقًا أَمَّرَ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبَيْهِ حَتَّى يَضَعَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا لِلَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّأْسِ لَا فِي اللِّحْيَةِ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقُ الشَّعْرِ وَيُؤْخَذُ مِنْ شُعُورِهِنَّ قَدْرُ أُنْمُلَةٍ وَيَعُمُّ بِالْأَخْذِ، وَإِنْ أَخَذَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الرَّأْسِ مَا كَانَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا أَجْزَأَ عَنْهُنَّ وَعَنْ الرِّجَالِ وَكَيْفَمَا أَخَذُوا بِحَدِيدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ نَتْفًا أَوْ قَرْضًا، أَجْزَأَ إذَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ أَخْذٍ، وَكَانَ شَيْءٌ مَوْضُوعًا مِنْهُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ جِمَاعِ شَعْرٍ وَذَلِكَ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا [مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ وَالْقَارِنُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلْحَاجِّ وَالْقَارِنِ أَنْ يُكْثِرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَإِذَا كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَحْبَبْت أَنْ

باب ما يفعل من دفع من عرفة

يَخْرُجَا إلَى " مِنًى " ثُمَّ يُقِيمَا بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ ثُمَّ يَغْدُوَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرَ وَذَلِكَ أَوَّلُ بُزُوغِهَا ثُمَّ يَمْضِيَا حَتَّى يَأْتِيَا عَرَفَةَ فَيَشْهَدَا الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَجْمَعَا بِجَمْعِهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ مِثْلَ مَا أَحْبَبْت لَهُمَا وَلَا يَجْهَرُ يَوْمئِذٍ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِجُمُعَةٍ وَيَأْتِي الْمَسْجِدَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الْأُولَى فَإِذَا جَلَسَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْآذَانِ وَأَخَذَ هُوَ فِي الْكَلَامِ وَخَفَّفَ الْكَلَامَ الْآخَرَ حَتَّى يَنْزِلَ بِقَدْرِ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ الْآذَانِ فَيُقِيمَ الْمُؤَذِّنُ فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ ثُمَّ يُقِيمَ الْمُؤَذِّنُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ الظُّهْرِ فَيُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْكَبَ فَيَرُوحَ إلَى الْمَوْقِفِ عِنْدَ مَوْقِفِ الْإِمَامِ عِنْدُ الصَّخَرَاتِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَيَدْعُوَ حَتَّى اللَّيْلِ، وَيَصْنَعُ ذَلِكَ النَّاسُ وَحَيْثُمَا وَقَفَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هَذَا الْمَوْقِفُ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» وَيُلَبِّي فِي الْمَوْقِفِ وَيَقِفُ قَائِمًا وَرَاكِبًا وَلَا فَضْلَ عِنْدِي لِلْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوبِ إنْ كَانَتْ مَعَهُ دَابَّةٌ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَقْوَى فَلَا يَضْعُفُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْزِلَ فَيَقُومَ وَلَوْ نَزَلَ فَجَلَسَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَحَيْثُمَا وَقَفَ مِنْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ فَسَوَاءٌ وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ فِي عَرَفَةَ حَتَّى يَكُونَ بِهِ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ أَنْ يَدْخُلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقِفْ وَلَمْ يَدْعُ فِيمَا بَيْنَ الزَّوَالِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَمَنْ لَمْ يُدْرِكَ هَذَا فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَفَرَّغَ يَوْمئِذٍ لِلدُّعَاءِ، وَلَوْ اتَّجَرَ أَوْ تَشَاغَلَ عَنْ الدُّعَاءِ لَمْ يَفْسُدْ عَلَيْهِ حَجُّهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَالْفِدْيَةُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا بَعْدَمَا تَغِيبُ الشَّمْسُ، وَلَمْ يَكُنْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ نَهَارًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَعَرَفَةُ مَا جَاوَزَ وَادِيَ عُرَنَةَ الَّذِي فِيهِ الْمَسْجِدُ، وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ وَلَا وَادِي عُرَنَةَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْقَابِلَةِ عَلَى عَرَفَةَ كُلِّهَا مِمَّا يَلِي حَوَائِطَ ابْنِ عَامِرٍ وَطَرِيقَ الْحِصْنِ فَإِذَا جَاوَزْت ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ وَإِنْ تَرَكَ الرَّجُلُ الْمُرُورَ بِ " مِنًى " فِي الْبُدَاءَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ مَرَّ بِهَا وَتَرَكَ الْمَنْزِلَ، وَلَا يَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَيَبِينُ مَغِيبُهَا [بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ أَنْ يَسِيرَ عَلَى هَيِّنَتِهِ رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا وَإِنْ سَارَ أَسْرَعَ مِنْ هَيِّنَتِهِ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا لَمْ أَكْرَهْهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُؤْذِيَ فَإِنْ أَذَى فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْلُكَ بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ، وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقَ ضَبٍّ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّيَهُمَا فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا آذَانٌ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ نِصْفُ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ صَلَّاهُمَا دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْمُزْدَلِفَةُ مِنْ حِينِ يُفْضِي مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ قَرْنَ مُحَسِّرٍ وَقَرْنُ مُحَسِّرٍ مَا عَنْ يَمِينِك وَشِمَالِك مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الْقَوَابِلِ وَالظَّوَاهِرِ وَالشِّعَابِ وَالشِّجَارِ، كُلُّهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ وَمُزْدَلِفَةُ مَنْزِلٌ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ افْتَدَى، وَالْفِدْيَةُ شَاةٌ يَذْبَحُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهَا وَأُحِبُّ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ يَقِفَ عَلَى قُزَحٍ حَتَّى يُسْفِرَ وَقَبْلَ تَطَلُّعِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَدْفَعَ وَحَيْثُمَا وَقَفَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَوْ نَزَلَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ اسْتَأْخَرَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمُزْدَلِفَةَ فَلَمْ يَنْزِلْهَا وَلَمْ يَدْخُلْهَا فِيمَا بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ افْتَدَى وَإِنْ دَخَلَهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسِيرُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى هَيِّنَتِهِ كَمَا وَصَفْت السَّيْرَ مِنْ عَرَفَةَ وَأُحِبُّ أَنْ يُحَرِّكَ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ

دخول منى

رَمْيَةِ حَجَرٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَاجْتَمَعَا فِي الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرٍ كَيْمَا نُغِيرُ. فَأَخَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - هَذِهِ وَقَدَّمَ هَذِهِ. يَعْنِي قَدَّمَ الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَخَّرَ عَرَفَةَ إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ قَالَ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَاقِفًا عَلَى قُزَحٍ وَهُوَ يَقُولُ " أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبِحُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبِحُوا " ثُمَّ دَفَعَ فَرَأَيْت فَخِذَهُ مِمَّا يَحْرِشُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ابْنُ أَبِي يَحْيَى أَوْ سُفْيَانُ أَوْ هُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَيَقُولُ: إلَيْك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُخَالِفًا دَيْنَ النَّصَارَى دِينُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يَقُولُ سَمِعْت «ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ كُنْت فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، يَعْنِي مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى» [دُخُولُ مِنًى] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ أَنْ لَا يَرْمِيَ أَحَدٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ إذَا رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَخْبَرَنَا دَاوُد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «دَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَتُوَافِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَوْمَهَا فَأَحَبَّ أَنْ تُوَافِيَهُ» . أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا وَقَدْ رَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ وَلَا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْر إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا وَيَرْمِيهَا رَاكِبًا، وَكَذَلِكَ يَرْمِيهَا يَوْمَ النَّفْرِ رَاكِبًا وَيَمْشِي فِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ رَكِبَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ قَالَ أَخْبَرَنِي قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْكِلَابِيُّ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى نَاقَتِهِ الصَّهْبَاءِ لَيْسَ ضَرْبٌ وَلَا طَرْدٌ وَلَيْسَ قِيلَ إلَيْك إلَيْك» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَ حَصَى الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَمِنْ حَيْثُمَا أَخَذَهُ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ مِنًى كُلِّهَا مِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ أَجْزَأَهُ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَخْرُجَ حَصَى الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَأَكْرَهُهُ مِنْ الْحَشِّ لِنَجَاسَتِهِ وَمِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَأَكْرَهُهُ مِنْ الْجَمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ حَصَى غَيْرِ مُتَقَبَّلٍ وَأَنَّهُ قَدْ رَمَى بِهِ مَرَّةً وَإِنْ رَمَاهَا بِهَذَا كُلِّهِ أَجْزَأَهُ. (قَالَ) : وَلَا يَجْزِي الرَّمْيُ إلَّا بِالْحِجَارَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَجَرٍ مِنْ مَرْوِ أَوْ مَرْمَرٍ أَوْ حَجَرٍ بِرَامٍ أَوْ كَذَّانَ أَوْ صَوَّانٍ أَجْزَأَهُ وَكُلُّ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَجَرٍ لَا يَجْزِيهِ مِثْلُ الْآجُرِّ وَالطِّينِ الْمَجْمُوعِ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ نِيئًا وَالْمِلْحِ وَالْقَوَارِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحِجَارَةِ، فَمَنْ رَمَى بِهَذَا أَعَادَ وَكَانَ كَمَنْ لَمْ يَرْمِ وَمَنْ رَمَى الْجِمَارَ مِنْ فَوْقِهَا أَوْ تَحْتِهَا أَوْ بِحِذَائِهَا مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَرْمِي الْجِمَارَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ وَلَا يُرْمَى مِنْهَا شَيْءٌ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ

فَإِنْ رَمَاهَا بِسِتٍّ سِتٍّ أَوْ كَانَ مَعَهُ حَصًى إحْدَى وَعِشْرُونَ فَرَمَى الْجِمَارَ وَلَمْ يَدْرِ: أَيَّ جَمْرَةٍ رَمَى بِسِتٍّ عَادَ فَرَمَى الْأُولَى بِوَاحِدَةٍ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ رَمْيَهَا بِسَبْعٍ ثُمَّ رَمَى الِاثْنَتَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَإِنْ رَمَى بِحَصَاةٍ فَأَصَابَتْ إنْسَانًا أَوْ مَحْمَلًا ثُمَّ اسْتَنَتْ حَتَّى أَصَابَتْ مَوْضِعَ الْحَصَى مِنْ الْجَمْرَةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ فَنَفَضَهَا الْإِنْسَانُ أَوْ الْبَعِيرُ فَأَصَابَتْ مَوْقِفَ الْحَصَى لَمْ تَجْزِ عَنْهُ وَلَوْ رَمَى إنْسَانٌ بِحَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ إلَّا كَحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَرْمِيَ حَتَّى يُوقِعَ حَصَاهُ فِي مَوْضِعِ الْحَصَى، وَإِنْ رَمَى بِحَصَاةٍ فَغَابَتْ عَنْهُ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ وَقَعَتْ أَعَادَهَا وَلَمْ تَجْزِ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا قَدْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَصَى، وَيَرْمِي الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالْوُسْطَى يَعْلُوهُمَا عُلُوًّا وَمِنْ حَيْثُ رَمَاهُمَا أَجْزَأَهُ وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَمِنْ حَيْثُ رَمَاهَا أَجْزَأَهُ وَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى تَقَدَّمَ عَنْهَا فَجَعَلَهَا فِي قَفَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَنَالُهُ مَا تَطَايَرَ مِنْ الْحَصَى ثُمَّ وَقَفَ فَكَبَّرَ، وَذَكَرَ اللَّهَ وَدَعَا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إلَّا أَنَّهُ يَتْرُكُ الْوُسْطَى بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَكَمَةٍ لَا يُمْكِنُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَقِفُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ مُنْقَطِعًا عَنْ أَنْ يَنَالَهُ الْحَصَى وَلَا يَصْنَعُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَصْنَعُهُ فِي أَيَّامِ مِنًى كُلِّهَا، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ، وَلَا بَأْسَ إذَا رَمَى الرِّعَاءُ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَصْدُرُوا وَيَدْعُوا الْمَبِيتَ بِ " مِنًى " وَيَبِيتُوا فِي إبِلِهِمْ وَيُقِيمُوا وَيَدْعُوا الرَّمْيَ الْغَدَ مِنْ بَعْدِ يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ يَأْتُوا بَعْدَ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ الْأَوَّلُ فَيَبْتَدِئُوا فَيَرْمُوا لِلْيَوْمِ الْمَاضِي الَّذِي أَعْيَوْهُ فِي الْإِبِلِ حَتَّى إذَا أَكْمَلُوا الرَّمْيَ أَعَادُوا عَلَى الْجَمْرَةِ الْأُولَى فَاسْتَأْنَفُوا رَمْيَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادُوا الصَّدْرَ فَقَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الرَّمْيِ، وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْإِبِلِ أَوْ أَقَامُوا بِمِنًى لَا يُرِيدُونَ الصَّدْرَ رَمَوْا الْغَدَ، وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ الْآخَرِ. (قَالَ) : وَمَنْ نَسِيَ رَمْيَ جَمْرَةٍ مِنْ الْجِمَارِ نَهَارًا رَمَاهَا لَيْلًا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَ رَمْيَ الْجِمَارِ حَتَّى يَرْمِيَهَا فِي آخِرِ أَيَّامِ مِنًى وَسَوَاءٌ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إذَا نَسِيَهُ أَوْ رَمَى الثَّلَاثَ إذَا رَمَى ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الرَّمْيِ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثُ حَصَيَاتٍ لَمْ يَرْمِ بِهِنَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ حَصَاةٌ فَعَلَيْهِ مُدٌّ، وَإِنْ بَقِيَتْ حَصَاتَانِ فَمُدَّانِ وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ فَدَمٌ وَإِذَا تَدَارَكَ عَلَيْهِ رَمْيَانِ ابْتَدَأَ الرَّمْيَ الْأَوَّلَ حَتَّى يُكْمِلَهُ ثُمَّ عَادَ فَابْتَدَأَ الْآخَرَ وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يَرْمِيَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ بِأَرْبَعَ عَشَرَةَ حَصَاةً، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ مِنًى فَلَمْ يُكْمِلْ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ افْتَدَى - كَمَا وَصَفْت -: الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ فَصَاعِدًا دَمٌ، وَلَا رَمْيَ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَرَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ الرَّمْيُ أَهْرَاقَ دَمًا وَلَوْ احْتَاطَ فَرَمَى لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ الْحَجَّ وَلَهُ الْقَطْعُ وَيَرْمِي عَنْ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ وَقَدْ قِيلَ يَرْمِي الْمَرِيضُ فِي يَدِ الَّذِي يَرْمِي عَنْهُ وَيُكَبِّرُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ صَحَّ فِي أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى مَا رَمَى عَنْهُ أَحْبَبْت ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ فَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ أَنْ يَرْمِيَ إذَا أُمِرَ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَرَمَى عَنْ غَيْرِهِ أَكْمَلَ الرَّمْيَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَادَ فَرَمَى عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُ إذَا تَدَارَكَ عَلَيْهِ رَمْيَانِ، وَأُحِبُّ إذَا رَمَى أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَرَى بَيَاضَ مَا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ وَيُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الْحَصَى نَجِسًا أَحْبَبْت غَسْلَهُ أَوْ ذَلِكَ إنْ شَكَكْت فِي نَجَاسَتِهِ لِئَلَّا يُنَجِّسَ الْيَدَ

ما يكون بمنى غير الرمي

أَوْ الْإِزَارَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَرَمَى بِهِ أَجْزَأَهُ وَيَرْمِي الْجِمَارَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجِمَارَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي تَيْمٍ يُقَالُ لَهُ مُعَاذٌ أَوْ «ابْنُ مُعَاذٍ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْزِلُ النَّاسَ بِمِنًى مَنَازِلَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: ارْمُوا ارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخَذْفُ مَا خَذَفَ بِهِ الرَّجُلُ وَقَدْرُ ذَلِكَ أَصْغَرُ مِنْ الْأُنْمُلَةِ طُولًا وَعَرْضًا وَإِنْ رَمَى بِأَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْبَرَ كَرِهْت ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةٌ [مَا يَكُونُ بِمِنًى غَيْرَ الرَّمْيِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَبْدَأَ فَيَنْحَرَهُ أَوْ يَذْبَحَهُ ثُمَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ثُمَّ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ ثُمَّ يُفِيضَ فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ مِمَّا يُعْمَلُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَا حَرَجَ وَلَا فِدْيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَطَافَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الطَّوَافِ، وَلَوْ أَخَّرَ الْإِفَاضَةَ حَتَّى تَمْضِيَ أَيَّامُ مِنًى أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَلَا وَقْتٌ لِلْعَمَلِ فِي الطَّوَافِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :: وَلَا يَبِيتُ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ إلَّا بِمِنًى وَمِنًى مَا بَيْنَ الْعَقَبَةِ وَلَيْسَتْ الْعَقَبَةُ مِنْ مِنًى إلَى بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَلَيْسَ بَطْنُ مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى وَسَوَاءٌ سَهْلُ ذَلِكَ وَجَبَلُهُ فِيمَا أَقْبَلَ عَلَى مِنًى فَأَمَّا مَا أَدْبَرَ مِنْ الْجِبَالِ فَلَيْسَ مِنْ مِنًى وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ عَنْ مِنًى إلَّا رِعَاءَ الْإِبِلِ وَأَهْلَ السِّقَايَةِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ السِّقَايَاتِ وَلَا رُخْصَةَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السِّقَايَاتِ إلَّا لِمَنْ وُلِّيَ الْقِيَامَ عَلَيْهَا مِنْهُمْ. وَسَوَاءٌ مَنْ اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ هُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ يَبِيتُوا بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْله وَزَادَ عَطَاءٌ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاتَ عَنْ مِنًى غَيْرَ مَنْ سَمَّيْت تَصَدَّقَ فِي لَيْلَةٍ بِدِرْهَمٍ وَفِي لَيْلَتَيْنِ بِدِرْهَمَيْنِ وَفِي ثَلَاثٍ بِدَمٍ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ أَكْثَرَ لَيْلِهِ بِمِنًى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَوَّلِ لَيْلِهِ أَوْ آخِرِهِ عَنْ مِنًى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يُفِضْ فَأَفَاضَ فَشَغَلَهُ الطَّوَافُ حَتَّى يَكُونَ لَيْلُهُ أَكْثَرَهُ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ كَانَ لَازِمًا لَهُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُ إنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ افْتَدَى وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا هُوَ لِزِيَارَةِ أَحَدٍ أَوْ حَدِيثِهِ، وَمَنْ غَابَتْ لَهُ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بِمِنًى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا نَافِرًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ

طواف من لم يفض ومن أفاض

وَيَرْمِيَ مِنْ الْغَدِ وَلَكِنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ نَافِرًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا مَارًّا أَوْ زَائِرًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ بَاتَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لَوْ بَاتَ أَنْ يَرْمِيَ مِنْ الْغَدِ [طَوَافُ مَنْ لَمْ يُفِضْ وَمَنْ أَفَاضَ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَدَّمَ طَوَافَهُ لِلْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا وَمَنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى فَلَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، وَالْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ أَمْرِهِمَا إلَّا أَنَّ عَلَى الْقَارِنِ دَمًا وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْمُفْرِدِ وَلِأَنَّ الْقَارِنَ قَدْ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ وَعَلَى الْمُفْرِدِ إعَادَةُ عُمْرَتِهِ، فَأَمَّا مَا أَصَابَا مِمَّا عَلَيْهِمَا فِيهِ الْفِدْيَةُ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُوَدِّعَ الْبَيْتَ وَإِنْ طَافَ بَعْدَ مِنًى، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَدَاعُ الْبَيْتِ إذَا طَافَتْ بَعْدَ مِنًى إنْ كَانَتْ حَائِضًا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا فَهِيَ مِثْلُ الرَّجُلِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تُوَدِّعَ الْبَيْتَ وَإِذَا كَانَتْ لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ مِنًى لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ وَلَيْسَ عَلَى كَرِيِّهَا، وَلَا عَلَى رُفَقَائِهَا أَنْ يَحْتَسِبُوا عَلَيْهَا، وَحَسَنٌ لَوْ فَعَلُوا. (قَالَ) : وَإِذَا نَفَرَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَ الْبَيْتَ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا - وَالْقَرِيبُ دُونَ مَا تُقْتَصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ - أَمَرْته بِالرُّجُوعِ وَإِنْ بَلَغَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعَثَ بِدَمٍ يُهْرَاقُ عَنْهُ بِمَكَّةَ فَلَوْ أَنَّهُ عَمَدَ ذَلِكَ كَانَ مُسِيئًا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفْسِدًا لِحَجِّهِ وَأَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ دَمٌ يُهْرِيقُهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ. (قَالَ) : وَلَوْ طَافَ رَجُلٌ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَسِيَ الرَّكْعَتَيْنِ الْوَاجِبَةَ حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَهَكَذَا تَقُولُ فِي كُلِّ عَمَلٍ يَصْلُحُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَالصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ حَيْثُ ذَكَرَهُمَا مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ. [الْهَدْيُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْهَدْيُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَسَوَاءٌ الْبُخْتُ وَالْعِرَابُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا فَسَمَّى شَيْئًا لَزِمَهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَمَّى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَمَنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَوْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لَيْسَ بِجَزَاءٍ مِنْ صَيْدٍ فَيَكُونُ عَدْلُهُ فَلَا يُجْزِيهِ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا الْبَقَرِ وَلَا الْمَعْزِ إلَّا ثَنِيٌّ فَصَاعِدًا وَيُجْزِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَيُجْزِي مِنْ الضَّأْنِ وَحْدَهُ الْجَذَعُ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَرَمُ لَا مَحِلَّ لِلْهَدْيِ دُونَهُ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ فَيَنْحَرُ فِيهِ هَدْيًا أَوْ يُحْصَرُ رَجُلٌ بِعَدُوٍّ فَيَنْحَرُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَا هَدْيَ إلَّا فِي الْحَرَمِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ (قَالَ) : وَالِاخْتِيَارُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَتْرُكَهُ صَاحِبُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُقَلِّدَهُ نَعْلَيْنِ ثُمَّ يُشْعِرَهُ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ. وَالْإِشْعَارُ

فِي الْهَدْيِ أَنْ يَضْرِبَ بِحَدِيدَةٍ فِي سَنَامِ الْبَعِيرِ أَوْ سَنَامِ الْبَقَرِ حَتَّى يُدْمِيَ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا يُشْعِرُ الْغَنَمَ وَيُقَلِّدُ الرِّقَاعَ وَخَرِبَ الْقِرَبِ ثُمَّ يُحْرِمُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مَكَانَهُ وَإِنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَلَا يَكُونُ مُحْرِمًا (قَالَ) : وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ رَكِبَهُ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلَ الْمُعْيَا وَالْمُضْطَرَّ عَلَى هَدْيِهِ وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ أُنْثَى فَنَتَجَتْ فَإِنْ تَبِعَهَا فَصِيلُهَا سَاقَهُ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ أَحَدًا وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فَصِيلَهَا وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَأَعْجَفَهَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا نَقَصَهَا وَكَذَلِكَ إنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يُنْهِكُ فَصِيلَهَا غَرِمَ قِيمَةَ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبَ. وَإِنْ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَوَجَّهَهَا إلَى الْبَيْتِ أَوْ وَجَّهَهَا بِكَلَامٍ فَقَالَ هَذِهِ هَدْيٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَلَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ مِنْهَا كَانَتْ زَاكِيَةً أَوْ غَيْرَ زَاكِيَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرِثُوهَا وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي الْهَدْيِ إلَى يَوْمِ يُوجَبُ، فَإِنْ كَانَ وَافِيًا ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَوَرٌ أَوْ عَرَجٌ أَوْ مَا لَا يَكُونُ بِهِ وَافِيًا عَلَى الِابْتِدَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ إذَا بَلَغَ الْمَنْسَكَ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ وَجَبَ لَيْسَ بِوَافٍ ثُمَّ صَحَّ حَتَّى يَصِيرَ وَافِيًا قَبْلَ أَنْ يُنْحَرَ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِإِبْدَالِهِ مَعَ نَحْرِهِ أَوْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَاجِبًا فَلَا يُجْزِي عَنْهُ فِيهِ إلَّا وَافٍ، وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ هَدْيٌ أَصْلُهُ تَطَوُّعٌ فَذَلِكَ إذَا سَاقَهُ فَعَطِبَ فَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَنَحَرَهُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَغْمِسَ قِلَادَتَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ يَضْرِبَ بِهَا صَفْحَتَهُ ثُمَّ يُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ تَرَكَهُ بِتِلْكَ الْحَالِ وَإِنْ عَطِبَ فَلَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ فَإِنْ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَتَرَكَ أَنْ يُذَكِّيَهُ أَوْ ذَكَّاهُ فَأَكَلَهُ أَوْ أَطْعَمَهُ أَغْنِيَاءَ أَوْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَإِنْ أَطْعَمَ بَعْضَهُ أَغْنِيَاءَ وَبَعْضَهُ مَسَاكِينَ أَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا بَقِيَ مِنْهُ غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ وَمَا أَطْعَمَ الْأَغْنِيَاءَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَدْيٌ وَاجِبٌ فَذَلِكَ إذَا عَطِبَ دُونَ الْحَرَمِ صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِمْسَاكٍ وَعَلَيْهِ بَذْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى مَسَاكِينَ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا حِينَ عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَإِذَا سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ مَعَهُ أَوْ الْقَارِنُ لِمُتْعَتِهِ أَوْ قِرَانِهِ فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ قَدِمَ فَنَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَى النَّاسِ فَرْضَيْنِ فَرْضٌ فِي الْأَبْدَانِ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ وَفَرْضٌ فِي بِالْأَمْوَالِ فَيَكُونُ قَبْلَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ الْفَرْضُ وَهَكَذَا إنْ سَاقَهُ مُفْرَدًا مُتَطَوِّعًا بِهِ وَالِاخْتِيَارُ إذَا سَاقَهُ مُعْتَمِرًا أَنْ يَنْحَرَهُ بَعْدَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْل أَنْ يَحْلِقَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَالِاخْتِيَارُ فِي الْحَجِّ أَنْ يَنْحَرَهُ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَحَيْثُمَا نَحَرَهُ مِنْ مِنًى أَوْ مَكَّةَ إذَا أَعْطَاهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَ عَلَيْهِمَا هَدْيَانِ وَاجِبَانِ فَأَخْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَدْيِ صَاحِبِهِ فَذَبَحَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ نَفْسِهِ وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِقِيمَةِ مَا بَيْنَ الْهَدْيَيْنِ حَيَّيْنِ وَمَنْحُورَيْنِ وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا وَتَصَدَّقَا بِكُلِّ مَا ضُمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكَاهُ حَتَّى فَاتَ تَصَدُّقُهُ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ

ما يفسد الحج

مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ الْهَدْيِ حَيًّا وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَدَلُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُبَدِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِجَمِيعِ ثَمَنِ هَدْيِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِثَمَنِ هَدْيِهِ هَدْيًا زَادَ حَتَّى يُبَدِّلَهُ هَدْيًا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ هَدْيَهُ فَمَنَعَ الْمَسَاكِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَوْ نَحَرَهُ بِنَاحِيَةٍ وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَهُ حَتَّى يُنْتِنَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ وَالنَّحْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهَا فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ فَلَا نَحْرَ إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ نَحَرَهُ وَأَعْطَاهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ قَضَاءً، وَيَذْبَحُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ ذَبْحَ اللَّيْلِ لِئَلَّا يُخْطِئَ رَجُلٌ فِي الذَّبْحِ أَوْ لَا يُوجَدُ مَسَاكِينُ حَاضِرُونَ فَأَمَّا إذَا أَصَابَ الذَّبْحَ وَوَجَدَ مَسَاكِينَ حَاضِرِينَ فَسَوَاءٌ وَفِي أَيِّ الْحَرَمِ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَبْلَغَهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَبْحُهُ إيَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ نَاسٍ. وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ قِيَامًا غَيْرَ مَعْقُولَةٍ فَإِنْ أَحَبَّ عَقْلَ إحْدَى قَوَائِمِهَا وَإِنْ نَحَرَهَا بَارِكَةً أَوْ مُضْطَجِعَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَإِنْ نَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ أَوْ ذَبَحَ الْإِبِلَ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ وَمَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ أَجْزَأَ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ، وَهَكَذَا مَنْ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ صَاحِبُهَا أَوْ يَحْضُرَ الذَّبْحَ فَإِنَّهُ يُرْجَى عِنْدَ سُفُوحِ الدَّمِ الْمَغْفِرَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَمَّى اللَّهَ عَلَى النَّسِيكَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي أَوْ تَقَبَّلْ عَنْ فُلَانٍ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ فَلَا بَأْسَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِ ذَبِيحَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ أَوْ لَحْمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ وَإِنَّمَا آمُرُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ التَّطَوُّعِ وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ فَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ وَاجِبًا عَلَى إنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَذَلِكَ مِثْلُ هَدْيِ الْفَسَادِ وَالطِّيبِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ وَالْمُتْعَةِ. وَإِنْ أَكَلَ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ مَا أَكَلَ مِنْهُ وَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ تَطَوُّعًا مِثْلُ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا تَطَوُّعًا أَكَلَ مِنْهُ وَأَطْعَمَ وَأَهْدَى وَادَّخَرَ وَتَصَدَّقَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَلَا يَحْبِسَ إلَّا ثُلُثًا وَيُهْدِي ثُلُثًا وَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ هَدْيَهُ وَلَمْ يُشْعِرْهُ قَارِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا مِنْ " مِنًى " أَوْ مَكَّةَ ثُمَّ يَذْبَحُهُ مَكَانَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْهَدْيِ عَمَلٌ إنَّمَا الْعَمَلُ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَالنُّسُكُ لَهُمْ وَإِنَّمَا هَذَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا سَبْعَةً وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ أَوْ مُحْصَرِينَ وَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . [مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ] َّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَصَابَ أَهْلَهُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ مُفْسِدٌ وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِحَجٍّ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ أَصَابَ أَهْلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ عَرَفَةَ فَهُوَ مُفْسِدٌ وَاَلَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ أَنْ يُغَيِّبَ الْحَشَفَةَ، لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عَبَثٍ وَلَا تَلَذُّذٍ وَإِنْ جَاءَ الْمَاءُ الدَّافِقُ فَلَا شَيْءَ وَمَا فَعَلَهُ الْحَاجُّ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا أَفْسَدَ رَجُلٌ الْحَجَّ مَضَى فِي حَجِّهِ كَمَا كَانَ يَمْضِي فِيهِ لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ فَإِذَا كَانَ قَابِلُ حَجَّ وَأَهْدَى بَدَنَةً تُجْزِي عَنْهُمَا مَعًا وَكَذَلِكَ لَوْ

الإحصار

كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَلَالًا وَهُوَ حَرَامٌ أَجْزَأَتْ عَنْهُ بَدَنَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِيَ حَرَامًا وَكَانَ هُوَ حَلَالًا كَانَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَيُحِجُّهَا مِنْ قَابِلٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ الْفَاعِلُ وَأَنَّ الْآثَارَ إنَّمَا جَاءَتْ بِبَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ تُجْزِي عَنْ كِلَيْهِمَا وَلَوْ وَطِئَ مِرَارًا كَانَ وَاحِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَهُ مَرَّةً وَلَوْ وَطِئَ نِسَاءً كَانَ وَاحِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَفْسَدَهُ مَرَّةً إلَّا أَنَّهُنَّ إنْ كُنَّ مُحْرِمَاتٍ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهُنَّ كُلَّهُنَّ ثُمَّ يَنْحَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَدَنَةً لِأَنَّ إحْرَامَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غَيْرُ إحْرَامِ الْأُخْرَى وَمَا تَلَذَّذَ بِهِ مِنْ امْرَأَتِهِ دُونَ مَا وَصَفْت مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَشَاةٌ تُجْزِيهِ فِيهِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمُفْسِدُ بَدَنَةً ذَبَحَ بَقَرَةً وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً ذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ قُوِّمَتْ الْبَدَنَةُ لَهُ دَرَاهِمَ بِمَكَّةَ وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا ثُمَّ أَطْعَمَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَنْ الطَّعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَأَعْسَرَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَفْسِهِ نَصُّ خَبَرٍ صَنَعَ فِيهِ هَكَذَا وَمَا جَاءَ فِيهِ نَصُّ خَبَرٍ فَهُوَ عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ وَلَا الْهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ وَمِنًى وَيَكُونُ الصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ فِي صِيَامِهِ. [الْإِحْصَارُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْإِحْصَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] نَزَلَتْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ «وَأُحْصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَدُوٍّ: وَنَحَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحِلِّ» ، وَقَدْ قِيلَ: نَحَرَ فِي الْحَرَمِ وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى أَنَّهُ نَحَرَ فِي الْحِلِّ؛ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] وَالْحَرَامُ كُلُّهُ مَحِلُّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَحَيْثُمَا أُحْصِرَ الرَّجُلُ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، بِعَدُوٍّ حَائِلٍ، مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، وَقَدْ أَحْرَمَ، ذَبَحَ شَاةً وَحَلَّ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَيَحُجَّهَا، وَهَكَذَا السُّلْطَانُ إنْ حَبَسَهُ فِي سِجْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا الْعَبْدُ يُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، لِأَنَّ لَهُمَا أَنْ يَحْبِسَاهُمَا وَلَيْسَ هَذَا لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ، وَلَا لِلْوَلِيِّ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ. وَلَوْ تَأَنَّى الَّذِي أُحْصِرَ رَجَاءَ أَنْ يُخَلَّى، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا يُخَلَّى حَلَّ؛ وَإِذَا حَلَّ ثُمَّ خُلِّيَ، فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ جَدَّدَ إحْرَامًا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنِّي إذَا أَذِنْت لَهُ أَنْ يَحِلَّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ شَاةً يَذْبَحُهَا لِلْفُقَرَاءِ، فَلَوْ صَامَ عَدْلَ الشَّاةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَحَلَّ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَتَى أَصَابَهُ أَذًى وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يُخَلِّيَ؛ نَحَّاهُ عَنْهُ وَافْتَدَى فِي مَوْضِعِهِ كَمَا يَفْتَدِي الْمُحْصَرُ إذَا خُلِّيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِمَا سِوَاهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَرَمِ، ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ هَدْيُهُ الْحَرَمَ. [الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ وَغَيْرِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ وَزَادَ أَحَدُهُمَا " ذَهَبَ الْحَصْرُ الْآنَ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي يَذْهَبُ إلَيَّ أَنَّ الْحَصْرَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَحِلُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ حَصْرُ الْعَدُوِّ، فَمَنْ حُبِسَ بِخَطَأِ عَدَدٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَا يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ، عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ أَوْ تَنْحِيَةُ أَذًى فَعَلَهُ

مختصر الحج الصغير

وَافْتَدَى، وَيَفْتَدِي فِي الْحَرَمِ بِأَنْ يَفْعَلَهُ وَيَبْعَثَ بِهَدْيٍ إلَى الْحَرَمِ: فَمَتَى أَطَاقَ الْمُضِيَّ مَضَى فَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَلَا وَقْتَ عَلَيْهِ، وَيَحِلُّ وَيَرْجِعُ وَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَأَدْرَكَ الْحَجَّ، فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَهَكَذَا مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَرَفَةَ إلَّا مُغْمًى عَلَيْهِ، لَمْ يَعْقِلْ سَاعَةً وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنْ طِيفَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَلَمْ يَطُفْ، وَإِنْ أَحْرَمَ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَلَمْ يُحْرِمْ، وَإِذَا عَقَلَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً، أَوْ عَقَلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ سَاعَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ. إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْقِلْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْوَقْتُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ، وَلَا يُجْزِي عَنْهُ فِي الطَّوَافِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فِي هَذَا كُلِّهِ، لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ لَا يُجْزِيهِ، قَلِيلُهُ مِنْ كَثِيرِهِ، وَعَرَفَةُ يُجْزِيهِ قَلِيلُهَا مِنْ كَثِيرِهَا، وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ. [مُخْتَصَرُ الْحَجِّ الصَّغِيرِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ سَلَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمَنْ سَلَكَ عَلَى السَّاحِلِ، أَهَلَّ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَمَنْ سَلَكَ بَحْرًا أَوْ غَيْرَ السَّاحِلِ، أَهَلَّ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُهِلَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ إلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ جَاوَزَ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ أَهْرَاقَ دَمًا، وَهِيَ شَاةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ (قَالَ) : وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَنْ يَغْتَسِلَا لِلْإِحْرَامِ وَيَأْخُذَا مِنْ شُعُورِهِمَا وَأَظْفَارِهِمَا قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا وَتَوَضَّآ أَجْزَأَهُمَا (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُهِلَّا خَلْفَ الصَّلَاةِ، مَكْتُوبَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا وَأَهَلَّا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمَا (قَالَ) : وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ ثِيَابًا كَذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمَا فِيمَا لَبِسَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ أَوْ طِيبٍ، وَيَلْبَسُ الرَّجُلُ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ، أَوْ ثَوْبًا نَظِيفًا يَطْرَحُهُ كَمَا يَطْرَحُ الرِّدَاءَ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ، وَأَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ وَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَخِيطًا وَلَا عِمَامَةً. إلَّا أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ ظَهْرِهِ طَرْحًا، وَلَهُ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ وَلَا يُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ السَّرَاوِيلَ وَالْخُفَّيْنِ وَالْقَمِيصَ وَالْخِمَارَ، وَكُلَّ مَا كَانَتْ تَلْبَسُهُ غَيْرَ مُحْرِمَةٍ إلَّا ثَوْبًا فِيهِ طِيبٌ، وَلَا تُخَمِّرُ وَجْهَهَا، وَتُخَمِّرُ رَأْسَهَا إلَّا أَنْ تُرِيدَ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا، فَتُجَافِي الْخِمَارَ، ثُمَّ تَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا مُتَجَافِيًا وَيَسْتَظِلُّ الْمُحْرِمُ وَالْمُحْرِمَةُ فِي الْقُبَّةِ وَالْكَنِيسَةِ وَغَيْرِهِمَا وَيُبَدِّلَانِ ثِيَابَهُمَا الَّتِي أَحْرَمَا فِيهَا وَيَلْبَسَانِ غَيْرَهَا (قَالَ) : وَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ غُسِّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلَمْ يَقْرَبْ طِيبًا وَكُفِّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَمْ يُقَمَّصْ وَخُمِّرَ وَجْهُهُ وَلَمْ يُخَمَّرْ رَأْسُهُ (قَالَ) : وَإِذَا مَاتَتْ الْمُحْرِمَةُ غُسِّلَتْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَقُمِّصَتْ وَأُزِّرَتْ وَشُدَّ رَأْسُهَا بِالْخِمَارِ وَكُشِفَ عَنْ وَجْهِهَا (قَالَ) : وَلَا تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ قُفَّازَيْنِ وَلَا بُرْقُعًا (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ وَالْمُحْرِمَةُ بِالْغَالِيَةِ وَالنُّضُوحِ وَالْمُجْمَرِ وَمَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَكَذَلِكَ يَتَطَيَّبَانِ إذَا رَمَيَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (قَالَ) : وَإِذَا أَخَذَا مِنْ شُعُورِهِمَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا أَهَلَّا فَإِنْ شَاءَا قَرَنَا وَإِنْ شَاءَا أَفْرَدَا الْحَجَّ وَإِنْ شَاءَا تَمَتَّعَا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ

التلبية

وَالتَّمَتُّعُ أَحَبُّ إلَيَّ (قَالَ) : وَإِذَا تَمَتَّعَا أَوْ قَرَنَا أَجْزَأَهُمَا أَنْ يَذْبَحَا شَاةً فَإِنْ لَمْ يَجِدَاهَا صَامَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّا بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَصُومَاهَا لَمْ يَصُومَا أَيَّامَ مِنًى وَصَامَا ثَلَاثَةً بَعْدَ مِنًى بِمَكَّةَ أَوْ فِي سَفَرِهِمَا وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخْتَارُ لَهُمَا التَّمَتُّعَ، وَأَيُّهُمَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَا بِهِ كَفَتْهُمَا النِّيَّةُ وَإِنْ سَمَّيَاهُ فَلَا بَأْسَ. [التَّلْبِيَةُ] ُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك " فَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَهُ مِنْ سَخَطِهِ وَالنَّارِ وَيُكْثِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَيَجْهَرُ بِهَا الرَّجُلُ صَوْتَهُ مَا لَمْ يَفْدَحْهُ وَتُخَافِتُ بِهَا الْمَرْأَةُ وَأَسْتَحِبُّهَا خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَمَعَ الْفَجْرِ وَمَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ وَالْهُبُوطِ وَالْإِصْعَادِ وَفِي كُلِّ حَالٍ أُحِبُّهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ عَلَى وُضُوءٍ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَتُلَبِّي الْمَرْأَةُ حَائِضًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَيُدَلِّك جَسَدَهُ مِنْ الْوَسَخِ وَلَا يُدَلِّك رَأْسَهُ لِئَلَّا يَقْطَعَ شَعْرَهُ وَأُحِبُّ لَهُ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَإِذَا دَخَلَهَا أَحْبَبْت لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. (قَالَ) : وَأُحِبُّ لَهُ إذَا رَأَى الْبَيْتَ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَبِرًّا " وَأَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَيَضْطَبِعَ بِثَوْبِهِ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ رِدَاءَهُ مِنْ تَحْتِ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَبْرُزَ مَنْكِبُهُ ثُمَّ يُهَرْوِلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ وَيَمْشِيَ أَرْبَعَةً وَيَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ وَلَا يَسْتَلِمَ غَيْرَهُمَا فَإِنْ كَانَ الزِّحَامُ كَثِيرًا مَضَى وَكَبَّرَ وَلَمْ يَسْتَلِمْ. (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ كَلَامُهُ فِي الطَّوَافِ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ أَوْ حَيْثُمَا تَيَسَّرَ رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَمَا قَرَأَ بِهِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ ثُمَّ يَصْعَدُ عَلَى الصَّفَا صُعُودًا لَا يَتَوَارَى عَنْهُ الْبَيْتُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " ثُمَّ يَدْعُو فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيُعِيدُ هَذَا الْكَلَامَ بَيْنَ أَضْعَافِ كَلَامِهِ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَهْبِطَ عَنْ الصَّفَا، فَإِذَا كَانَ دُونَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الَّذِي فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ عَدَا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ ثُمَّ يُظْهِرُ عَلَى الْمَرْوَةِ جَهْدَهُ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ بَدَا لَهُ ثُمَّ يَصْنَعُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا وَمَا دَعَا بِهِ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ حَتَّى يُكْمِلَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا سَبْعًا، يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ. وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَقَامَ حَلَالًا فَإِذَا أَرَادَ التَّوَجُّهَ إلَى مِنًى تَوَجَّهَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا لِلْوَدَاعِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُتَوَجِّهًا مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَتَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا مِنْهَا إلَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ حَيْثُ شَاءَ وَأَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقِفَ قَرِيبًا مِنْهُ وَيَدْعُوَ وَيَجْتَهِدَ فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ وَسَارَ عَلَى هَيِّنَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّيَ بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ ثُمَّ يَغْدُوَ فَيَقِفَ ثُمَّ يَدْعُوَ وَيَدْفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ إذَا أَسْفَرَ إسْفَارًا بَيِّنًا وَيَأْخُذَ حَصَى جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ فَيَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا بِهِنَّ، وَيَرْمِيَ مِنْ بَطْنِ الْمَسِيلِ. وَمِنْ حَيْثُ رَمَى أَجْزَأَهُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ الْحَجُّ إلَّا النِّسَاءَ وَيُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ ثُمَّ يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا فَقَدْ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا فَعَلَيْهِ

كتاب الضحايا

أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَالِهِ وَيَصْنَعَ مَا وَصَفْت غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَجْزَأَهُ إنْ طَافَ قَبْلَ مِنًى وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَاحِدًا بَعْدَ عَرَفَةَ تَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ وَلَا يَعُودُ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ قَبْلَ مِنًى فَعَلَيْهِ بَعْدَ عَرَفَةَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَفَعَلَ عَمَلَ الْحَجِّ كُلَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ الْحَائِضَ تَفْعَلُهُ إلَّا الصَّلَاةَ وَالطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا طَاهِرًا فَإِذَا كَانَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَذَبَحَ شَاةً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا وَلَمْ يَحْبِسْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً تَصَدَّقَ مِنْهَا وَأَكَلَ وَحَبَسَ وَيَذْبَحُ فِي أَيَّامِ مِنًى كُلِّهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَالنَّهَارُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ اللَّيْلِ وَيَرْمِي الْجِمَارَ أَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا وَهِيَ ثَلَاثٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَلَا يَرْمِيهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى كُلِّهَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأُحِبُّ إذَا رَمَى أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَتَقَدَّمُ عَنْ الْجَمْرَةِ الدُّنْيَا حَيْثُ يَرَى النَّاسَ يَقِفُونَ فَيَدْعُو وَيُطِيلُ قَدْرَ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى وَلَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَإِنْ أَخْطَأَ فَرَمَى بِحَصَاتَيْنِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ حَصَاةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَرْمِيَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَأْخُذَ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إلَّا مِنْ مَوْضِعٍ نَجَسٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ مِنْ الْجِمَارِ فَإِنِّي أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَيَرْمِيَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْأَنَامِلِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُطَهِّرَ الْحَصَى قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهُ وَإِنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي أَقَامَ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ يَوْمِ الثَّالِثِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَإِنْ تَتَابَعَ عَلَيْهِ رَمْيَانِ بِأَنْ يَنْسَى أَوْ يَغِيبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ عَادَ فَرَمَى رَمْيًا ثَانِيًا وَلَا يَرْمِي بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ فَإِذَا صَدَرَ وَأَرَادَ الرَّحِيلَ عَنْ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا يُوَدِّعُ بِهِ الْبَيْتَ يَكُونُ آخِرَ كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَطُفْ بَعَثَ بِشَاةٍ تُذْبَحُ عَنْهُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ إلَّا الْحَائِضُ فَإِنَّهَا تَصْدُرُ بِغَيْرِ وَدَاعٍ إذَا طَافَتْ الطَّوَافَ الَّذِي عَلَيْهَا وَأُحِبُّ لَهُ إذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ وَهُوَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك وَالْعَبْدَ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلَتْنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك حَتَّى سَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك حَتَّى أَعَنْتنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي بِالْعَافِيَةِ فِي بَدَنِي وَالْعِصْمَةِ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَحْيَيْتنِي " وَمَا زَادَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْزَأَهُ. [كِتَابُ الضَّحَايَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الضَّحَايَا سُنَّةٌ لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا وَمَنْ ضَحَّى فَأَقَلُّ مَا يُجْزِيهِ الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَلَا يُجْزِي جَذَعٌ إلَّا مِنْ الضَّأْنِ وَحْدَهَا وَلَوْ زَعَمْنَا أَنَّ الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ مَا أَجْزَأَ أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُضَحُّوا إلَّا عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ بِشَاةٍ أَوْ عَنْ كُلِّ سَبْعَةٍ بِجَزُورٍ وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ فَرْضٍ كَانَ الرَّجُلُ إذَا ضَحَّى فِي بَيْتِهِ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ ثَمَّ اسْمُ ضَحِيَّةٍ وَلَمْ تُعَطَّلْ وَكَانَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَتْرُكْ فَرْضًا. (قَالَ) : وَوَقْتُ الضَّحَايَا انْصِرَافُ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَبْطَأَ الْإِمَامُ أَوْ كَانَ الْأَضْحَى بِبَلَدٍ لَا إمَامَ بِهِ، فَقَدْرُ مَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَقْضِي صَلَاتَهُ رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إنْ أَبْطَأَ بِالصَّلَاةِ عَنْ

باب ما تجزي عنه البدنة من العدد في الضحايا

وَقْتِهَا لِأَنَّ الْوَقْتَ إنَّمَا هُوَ وَقْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مَا أُحْدِثَ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الَّذِي أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ ضَحِيَّتِهِ بِضَائِنَةٍ جَذَعَةٍ فَهِيَ تُجْزِي، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِجَذَعَةٍ غَيْرِ الضَّأْنِ فَقَدْ حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «تُجْزِيك وَلَا تُجْزِي أَحَدًا بَعْدَك» وَأَمَّا سِوَى مَا ذَكَرْت فَلَا يُعَدُّ ضَحَايَا حَتَّى يَجْتَمِعَ السِّنُّ وَالْوَقْتُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامٍ مِنًى خَاصَّةً فَإِذَا مَضَتْ أَيَّامُ " مِنًى " فَلَا ضَحِيَّةَ وَمَا ذُبِحَ يَوْمَئِذٍ فَهِيَ ذَبِيحَةٌ غَيْرُ الضَّحِيَّةِ وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِالضَّحِيَّةِ فِي أَيَّامِ " مِنًى " وَزَعَمْنَا أَنَّهَا لَا تَفُوتُ لِأَنَّا حَفِظْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هَذِهِ أَيَّامُ نُسُكٍ وَرَمَى فِيهَا كُلِّهَا الْجِمَارَ» وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ إذْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيَّامِ مِنًى نَهَوْا عَنْهَا وَنَهَوْا عَنْ الْعُمْرَةِ فِيهَا مَنْ كَانَ حَاجًّا لِأَنَّهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ حَجِّهِ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا ضَحَّى فِي يَوْمِ النَّحْرِ» فَذَلِكَ أَفْضَلُ الْأَضْحَى وَإِنْ كَانَ يُجْزِي فِيمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذِهِ أَيَّامُ نُسُكٍ» فَلَمَّا قَالَ الْمُسْلِمُونَ مَا وَصَفْنَا لَزِمَهُ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ كَالْيَوْمَيْنِ وَإِنَّمَا كَرِهْنَا أَنْ يُضَحِّيَ بِاللَّيْلِ عَلَى نَحْوِ مَا كَرِهْنَا مِنْ الْحِدَادِ بِاللَّيْلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ سَكَنٌ وَالنَّهَارَ يَنْتَشِرُ فِيهِ لِطَلَبِ الْمَعَاشِ فَأَحْبَبْنَا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى لُحُومِ الضَّحَايَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْزَلُ عَنْ الْمُتَصَدِّقِ وَأَشْبَهَ أَنْ لَا يَجِدَ الْمُتَصَدِّقُ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ لِلْحَيَاءِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ الَّذِي يَلِي الضَّحَايَا يَلِيهَا بِالنَّهَارِ أَخَفُّ عَلَيْهِ وَأَحْرَى أَنْ لَا يُصِيبَ نَفْسَهُ بِأَذًى وَلَا يُفْسِدَ مِنْ الضَّحِيَّةِ شَيْئًا وَأَهْلُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ أَهْلِ " مِنًى " فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ ضَحَّى أَحَدٌ، فَلَا ضَحِيَّةَ لَهُ. [بَابُ مَا تُجْزِي عَنْهُ الْبَدَنَةُ مِنْ الْعَدَدِ فِي الضَّحَايَا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقُولُ بِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ «عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ نَحَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانُوا مُحْصَرِينَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَلَمَّا قَالَ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] شَاةٌ، فَأَجْزَأَتْ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ مَحْصُورِينَ وَمُتَمَتِّعِينَ وَعَنْ سَبْعَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قِرَانٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّاةِ وَلَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَإِذَا مَلَكُوهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَإِذَا مَلَكُوهَا بِثَمَنٍ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ أَوْ غَيْرَهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَشُعُوبٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَإِذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَهُمْ مُتَطَوِّعُونَ بِالْفَضْلِ كَمَا تُجْزِي الْجَزُورُ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ شَاةٌ وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِفَضْلِهَا عَنْ الشَّاةِ وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْبَدَنَةُ كَانَ عَدْلُهَا سَبْعَةً مِنْ الْغَنَمِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ، وَإِذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الذَّبْحِ فَهُوَ أَمِينٌ وَلِلنَّاسِ أَنْ يَأْكُلُوهَا وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا: الْإِيمَانُ وَالصَّلَاةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ ذَبْحٍ كَانَ وَاجِبًا عَلَى مُسْلِمٍ فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ

يُوَلِّيَ ذَبْحَهُ النَّصْرَانِيَّ وَلَا أُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ ذَبَحَهُ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ لَهُ لَحْمُهُ فَذَبِيحَتُهُ أَيْسَرُ وَكُلُّ ذَبْحٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَهُ النَّصْرَانِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَإِنْ اسْتَقْبَلَ الذَّابِحُ الْقِبْلَةَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِذَا كَانَتْ الضَّحَايَا إنَّمَا هُوَ دَمٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَخَيْرُ الدِّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] اسْتِسْمَانُ الْهَدْيِ وَاسْتِحْسَانُهُ «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعَقْلُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذَا كَانَ نَفِيسًا كُلَّمَا عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُ عَلَى الْمُتَقَرِّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. الضَّحَايَا الثَّانِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الضَّحَايَا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ دُونَ هَذَا ضَحِيَّةً. وَالضَّحِيَّةُ تَطَوُّعٌ سُنَّةٌ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ تَطَوُّعٍ فَهُوَ هَكَذَا وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ إذَا كَانَ مِثْلَ الصَّيْدِ أَجْزَأَ لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ مِثْلُ مَا أُصِيبَ وَهَذَا مَكْتُوبٌ بِحُجَجِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقْتُ الْأَضْحَى قَدْرُ مَا يَدْخُلُ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ حِينَ تَحِلُّ الصَّلَاةُ وَذَلِكَ إذَا بَرَزَتْ الشَّمْسُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَإِذَا مَضَى مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ هَذَا الْوَقْتِ حَلَّ الْأَضْحَى وَلَيْسَ الْوَقْتُ فِي عَمَلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الصَّلَاةَ فَيُقَدِّمُونَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا أَوْ يُؤَخِّرُونَهَا بَعْدَ وَقْتِهَا، أَرَأَيْت لَوْ صَلَّى رَجُلٌ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَخَطَبَ وَانْصَرَفَ مَعَ الشَّمْسِ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى الضُّحَى الْأَعْلَى هَلْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْ يَحْرُمُ أَنْ يُضَحِّيَ قَبْلَ الْوَقْتِ الْآخَرِ لَا وَقْتَ فِي شَيْءٍ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا وَقْتُهُ، فَأَمَّا تَأَخُّرُ الْفِعْلِ وَتَقَدُّمُهُ عَنْ فِعْلِهِ فَلَا وَقْتَ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَهْلُ الْبَوَادِي وَأَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ لَهُمْ أَئِمَّةٌ فِي هَذَا سَوَاءٌ وَلَا وَقْتَ إلَّا بِقَدْرِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا صَلَاةُ مَنْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ فِيهَا وَقْتٌ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّرُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ فَيُضَحِّي بِالْجَلْحَاءِ، وَإِذَا ضَحَّى بِالْجَلْحَاءِ فَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ الْقَرْنِ مِنْ مَكْسُورَةِ الْقَرْنِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَرْنُهَا يُدْمِي أَوْ صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهَا فِي دَمِ قَرْنِهَا فَتَكُونُ بِهِ مَرِيضَةً فَلَا تُجْزِي مِنْ جِهَةِ الْمَرَضِ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا هَذَا وَإِنْ كَانَ قَرْنُهَا مَكْسُورًا كَسْرًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا يُدْمِي أَوْ لَا يُدْمِي فَهُوَ يُجْزِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ شَاءَ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُضَحِّيَ فِي مُصَلَّاهُ وَمَنْ شَاءَ ضَحَّى فِي مَنْزِلِهِ وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فَقَدْ عَلِمَ مَنْ مَعَهُ أَنَّ الضَّحِيَّةَ قَدْ حَلَّتْ فَلَيْسُوا يَزْدَادُونَ عِلْمًا بِأَنْ يُضَحِّيَ وَلَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُضَحُّوا، أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يُضَحِّ عَلَى حَالٍ أَوْ أَخَّرَ الضَّحِيَّةَ إلَى بَعْضِ النَّهَارِ أَوْ إلَى الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُجْزِي الْمَرِيضَةُ أَيَّ مَرَضٍ مَا كَانَ بَيِّنًا فِي الضَّحِيَّةِ وَإِذَا أَوْجَبَ الرَّجُلُ الشَّاةَ ضَحِيَّةً وَإِيجَابُهَا أَنْ يَقُولَ هَذِهِ ضَحِيَّةٌ لَيْسَ شِرَاؤُهَا وَالنِّيَّةُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا إيجَابًا فَإِذَا أَوْجَبَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهَا بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ مِنْهَا وَلَوْ أَبْدَلَهَا فَذَبَحَ الَّتِي أَبْدَلَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَذْبَحُ الْأُولَى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهَا وَمَتَى لَمْ يُوجِبْهَا فَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا أَبْدَلَهَا أَوْ لَمْ يُبَدِّلْهَا كَمَا يَشْتَرِي الْعَبْدَ يَنْوِي أَنْ يُعْتِقَهُ وَالْمَالَ يَنْوِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ هَذَا وَلَا يَتَصَدَّقَ بِهَذَا وَلَوْ فَعَلَ كَانَ خَيْرًا لَهُ (قَالَ) : وَلَا تُجْزِي الْجَرْبَاءُ وَالْجَرَبُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مَرَضٌ بَيِّنٌ مُفْسِدٌ لِلَّحْمِ وَنَاقِصٌ لِلثَّمَنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الضَّحِيَّةَ قَدْ أَوْجَبَهَا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِجَمِيعِ ثَمَنِهَا أُضْحِيَّةً

فَيُضَحِّي بِهَا فَإِنْ بَلَغَ ثَمَنُهَا أُضْحِيَّتَيْنِ اشْتَرَاهُمَا لِأَنَّ ثَمَنَهَا بَدَلٌ مِنْهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ بَلَغَ أُضْحِيَّةً وَزَادَ شَيْئًا لَا يَبْلُغُ ثَانِيَةً ضَحَّى بِالضَّحِيَّةِ وَأُسْلِكَ الْفَضْلُ مَسْلَكَ الضَّحِيَّةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ نَقَصَ عَنْ ضَحِيَّةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يُوفِيَ ضَحِيَّةً، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكُ الضَّحِيَّةِ فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ضَحِيَّةٌ مِثْلُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الضَّحَايَا سُنَّةٌ لَا يَجِبُ تَرْكُهَا فَمَنْ ضَحَّى فَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ جَذَعُ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيُّ الْمَعْزِ أَوْ ثَنِيُّ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ؛ وَالْإِبِلُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا مِنْ الْبَقَرِ وَالْبَقَرُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا مِنْ الْغَنَمِ وَكُلُّ مَا غَلَا مِنْ الْغَنَمِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا رَخُصَ وَكُلُّ مَا طَابَ لَحْمُهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا يَخْبُثُ لَحْمُهُ (قَالَ) : وَالضَّأْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْعِفْرُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ السُّودِ وَسَوَاءٌ فِي الضَّحَايَا أَهْلُ مِنًى وَأَهْلُ الْأَمْصَارِ، فَإِذَا كَانَتْ الضَّحَايَا إنَّمَا هُوَ دَمٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَخَيْرُ الدِّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج: 32] اسْتِسْمَانُ الْهَدْيِ وَاسْتِحْسَانُهُ «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» وَالْعَقْلُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ نَفِيسًا كُلَّمَا عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُ عَلَى الْمُتَقَرِّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً شَاةً وَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يُجْزِيهِمْ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَهُ أَدْنَى الدَّمِ فَأَعْلَاهُ خَيْرٌ مِنْهُ وَلَوْ زَعَمْنَا أَنَّ الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ مَا أَجْزَأَ أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُضَحُّوا إلَّا عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ بِشَاةٍ أَوْ عَنْ كُلِّ سَبْعَةٍ بِجَزُورٍ وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ فَرْضٍ كَانَ الرَّجُلُ إذَا ضَحَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ وَقَعَ اسْمُ ضَحِيَّةٍ عَلَيْهِ وَلَمْ تُعَطَّلْ، وَكَانَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَتْرُكْ فَرْضًا، وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ امْرَأَةٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَا نَفْسِهِ وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمَا لِيَظُنَّ مَنْ رَآهُمَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَلَسَ مَعَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ أَرْسَلَ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ اشْتَرُوا بِهِمَا لَحْمًا ثُمَّ قَالَ هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ كَانَ قَلَّمَا يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ إلَّا نَحَرَ فِيهِ أَوْ ذَبَحَ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَا يَعْدُو الْقَوْلُ فِي الضَّحَايَا هَذَا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً، فَهِيَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ لَا تُجْزِي غَيْرُ شَاةٍ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا مِنْ الْقَوْلِ فَلَا يَجُوزُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَوْجَبَ الضَّحِيَّةَ فَوَلَدَتْ ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا كَمَا يُوجِبُ الْبَدَنَةَ فَتُنْتِجُ فَيَذْبَحُ وَلَدَهَا مَعَهَا إذَا لَمْ يُوجِبْهَا فَقَدْ كَانَ لَهُ فِيهَا إمْسَاكُهَا، وَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَهُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ الضَّحِيَّةَ بِمِثْلِهَا وَلَا دُونِهَا مِمَّا يُجْزِي فَقَدْ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاجِبَةً فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِثْلَ مَا قُلْنَا وَيَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ وَلَا لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا لِأَنَّهُ هَكَذَا يَقُولُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ وَلَا تَعْدُو الضَّحِيَّةُ إذَا اُشْتُرِيَتْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ وَاجِبِ الْهَدْيِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَدَّلَ بِأَلْفٍ مِثْلِهَا أَوْ حُكْمُهَا حُكْمَ مَالِهِ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَهَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يَجُوزُ ضَحِيَّةً وَإِنْ كَانَ دُونَهَا وَيَحْبِسُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْجَبَ الضَّحِيَّةَ لَمْ يَجُزَّ صُوفَهَا وَمَا لَمْ يُوجِبْهَا فَلَهُ أَنْ يَجُزَّ صُوفَهَا، وَالضَّحِيَّةُ نُسُكٌ مِنْ النُّسُكِ مَأْذُونٌ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِهِ وَادِّخَارِهِ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الضَّحِيَّةِ جِلْدِهَا وَلَحْمِهَا وَأَكْرَهُ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ وَالْمُبَادَلَةُ بِهِ بَيْعٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمِنْ أَيْنَ كَرِهْت أَنْ تُبَاعَ وَأَنْتَ لَا تَكْرَهُ أَنْ تُؤْكَلَ وَتُدَّخَرَ؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَ نُسُكًا فَكَانَ اللَّهُ حَكَمَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي هِيَ نُسُكٌ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} [الحج: 28] وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْلِ الضَّحَايَا وَالْإِطْعَامِ كَانَ مَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْذُونًا فِيهِ فَكَانَ أَصْلُ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعْقُولًا أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مَالِكِهِ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا مَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ

أَوْ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ ثُمَّ رَسُولُهُ وَمَنَعْنَا الْبَيْعَ عَلَى أَصْلِ النُّسُكِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْعِ فَإِنْ قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ نَعَمْ الْجَيْشُ يَدْخُلُونَ بِلَادَ الْعَدُوِّ فَيَكُونُ الْغُلُولُ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ مَا أَصَابُوا مِنْ الْعَدُوِّ بَيْنَهُمْ وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَصَابُوا فِي الْمَأْكُولِ لِمَنْ أَكَلَهُ فَأَخْرَجْنَاهُ مِنْ الْغُلُولِ إذَا كَانَ مَأْكُولًا وَزَعَمْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَبِيعًا إنَّهُ غُلُولٌ وَإِنَّ عَلَى بَائِعِهِ رَدَّ ثَمَنِهِ وَلَمْ أَعْلَمْ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا اخْتِلَافًا أَنَّ مَنْ بَاعَ مِنْ ضَحِيَّتِهِ جِلْدًا أَوْ غَيْرَهُ أَعَادَ ثَمَنَهُ أَوْ قِيمَةَ مَا بَاعَ مِنْهُ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ فِيهِ الضَّحِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ كَمَا الصَّدَقَةُ بِلَحْمِ الضَّحِيَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَبَنُ الضَّحِيَّةِ كَلَبَنِ الْبَدَنَةِ إذَا أُوجِبَتْ الضَّحِيَّةُ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ صَاحِبُهُ إلَّا الْفَضْلَ عَنْ وَلَدِهَا وَمَا لَا يُنْهِكُ لَحْمَهَا وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، فَإِذَا لَمْ يُوجِبْ صَنَعَ مَا شَاءَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُجْزِي الْعَوْرَاءُ وَأَقَلُّ الْبَيَاضِ فِي السَّوَادِ عَلَى النَّاظِرِ كَانَ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ يَقَعُ بِهِ اسْمُ الْعَوَرِ الْبَيِّنِ وَلَا تُجْزِئُ الْعَرْجَاءُ وَأَقَلُّ الْعَرَجِ بَيِّنٌ أَنَّهُ عَرَجٌ إذَا كَانَ مِنْ نَفْسِ الْخِلْقَةِ أَوْ عَرَجٍ خَارِجٍ ثَابِتٍ فَذَلِكَ الْعَرَجُ الْبَيِّنُ. (قَالَ) : وَمَنْ اشْتَرَى ضَحِيَّةً فَأَوْجَبَهَا أَوْ أَهْدَى هَدْيًا مَا كَانَ فَأَوْجَبَهُ وَهُوَ تَامٌّ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ نَقْصٌ وَبَلَغَ الْمَنْسَكَ أَجْزَأَ عَنْهُ إنَّمَا أَنْظُرُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَى يَوْمِ يُوجِبُهُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ إلَى مَا جَعَلَهُ لَهُ فَإِذَا كَانَ تَامًّا وَبَلَغَ مَا جَعَلَهُ لَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ بِتَمَامِهِ عِنْدَ الْإِيجَابِ وَبُلُوغِهِ أَمَدَهُ وَمَا اشْتَرَى مِنْ هَذَا فَلَمْ يُوجِبْهُ إلَّا بَعْدَ مَا نَقَصَ فَكَانَ لَا يُجْزِئُ ثُمَّ أَوْجَبَهُ ذَبَحَهُ وَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُجْزِئٍ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِتَامٍّ وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الضَّحِيَّةَ فَأَوْجَبَهَا أَوْ لَمْ يُوجِبْهَا فَمَاتَتْ أَوْ ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ هَدْيِ تَطَوُّعٍ يُوجِبُهُ صَاحِبُهُ فَيَمُوتُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ بَدَلٌ إنَّمَا تَكُونُ الْأَبْدَالُ فِي الْوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ إنْ وَجَدَهَا بَعْدَمَا أَوْجَبَهَا ذَبَحَهَا وَإِنْ مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ كُلُّهَا كَمَا يَصْنَعُ فِي الْبُدْنِ مِنْ الْهَدْيِ تَضِلُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْجَبَهَا فَوَجَدَهَا، لَمْ يَكُنْ عِلَّةُ ذَبْحِهَا وَلَوْ ذَبَحَهَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الضَّحِيَّةَ فَلَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى أَصَابَهَا مَا لَا تَجُوزُ مَعَهُ بِحَضْرَةِ الذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهَا أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ ضَحِيَّةٌ وَلَوْ أَوْجَبَهَا سَالِمَةً ثُمَّ أَصَابَهَا ذَلِكَ وَبَلَغَتْ أَيَّامَ الْأَضْحَى ضَحَّى بِهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الضَّحِيَّةِ فِي الْحَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا فِيهَا وَلَيْسَ فِيمَا أَصَابَهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا شَيْءٌ يُسْأَلُ عَنْهُ أَحَدٌ إنَّمَا هِيَ حِينَئِذٍ ذَكِيَّةٌ مَذْبُوحَةٌ لَا عَيْنَ لَهَا قَائِمَةً إلَّا وَقَدْ فَارَقَهَا الرُّوحُ لَا يَضُرُّهَا مَا كَسَرَهَا وَلَا مَا أَصَابَهَا وَإِلَى الْكَسْرِ تَصِيرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا زَعَمْنَا أَنَّ الْعَرْجَاءَ وَالْعَوْرَاءَ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحِيَّةِ كَانَتْ إذَا كَانَتْ عَوْرَاءَ أَوْ لَا يَدَ لَهَا وَلَا رِجْلَ دَاخِلَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ وَإِذَا خُلِقَتْ لَهَا أُذُنٌ مَا كَانَتْ أَجْزَأَتْ وَإِنْ خُلِقَتْ لَا أُذُنَ لَهَا لَمْ تُجْزِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جُدِعَتْ لَمْ تُجْزِ لِأَنَّ هَذَا نَقْصٌ مِنْ الْمَأْكُولِ مِنْهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَوْجَبَ الرَّجُلُ ضَحِيَّةً أَوْ هَدْيًا فَذُبِحَا عَنْهُ فِي وَقْتِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأَدْرَكَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُسْتَهْلَكَ لَحْمُهَا أَجْزَأَتَا مَعًا عَنْهُ لِأَنَّهُمَا ذَكَاتَانِ وَمَذْبُوحَتَانِ فِي وَقْتٍ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي تَعَدَّى بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِمَا قَائِمَتَيْنِ وَمَذْبُوحَتَيْنِ ثُمَّ يَجْعَلُهُ فِي سَبِيلِ الْهَدْيِ وَفِي سَبِيلِ الضَّحِيَّةِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ ذَبَحَ لَهُ شَاةً وَقَدْ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يُوجِبْهَا فِي وَقْتِهَا وَأَدْرَكَهَا فَشَاءَ أَنْ تَكُونَ ضَحِيَّةً لَمْ تُجْزِ عَنْهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا قَائِمَةً وَمَذْبُوحَةً وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْبِسَ لَحْمَهَا حَبَسَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَوْجَبَهَا فَإِنْ فَاتَ لَحْمُهَا فِي هَذَا كُلِّهِ يَرْجِعُ عَلَى الذَّابِحِ بِقِيمَتِهَا حَيَّةً وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَاعَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَاجِبِ مِنْهَا ضَحِيَّةً أَوْ هَدْيًا وَإِنْ نَقَصَ عَنْ ثَمَنِهَا زَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى يُوفِيَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ زَادَ جَعَلَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ الضَّحِيَّةِ وَالْهَدْيِ حَتَّى لَا يَكُونَ حَبْسٌ مِمَّا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا وَالْجَوَابُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْجَوَابِ فِي حَاجَّيْنِ لَوْ نَحَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ صَاحِبِهِ وَمُضَحِّيَيْنِ لَوْ

كتاب الصيد والذبائح

ذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّةَ صَاحِبِهِ ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَهُ لِصَاحِبِهِ، مَا بَيْنَ قِيمَةِ مَا ذُبِحَ حَيًّا وَمَذْبُوحًا، وَأَجْزَأَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيُهُ أَوْ ضَحِيَّتُهُ إذَا لَمْ تَفُتْ وَإِنْ اسْتَهْلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ صَاحِبِهِ أَوْ ضَحِيَّتَهُ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ حَيًّا وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَدَلُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَاجُّ الْمَكِّيُّ وَالْمُنْتَوِي وَالْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِمَّنْ يَجِدُ ضَحِيَّةً سَوَاءٌ كُلُّهُمْ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ إنْ وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ كَانَ الْحَاجُّ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ وَاجِبَةً لِأَنَّهَا نُسُكٌ وَعَلَيْهِ نُسُكٌ وَغَيْرُهُ لَا نُسُكَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَبَ عَلَى النَّاسِ إلَّا بِحَجَّةٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ إلَّا بِمِثْلِهِمْ وَلَسْت أُحِبُّ لِعَبْدٍ وَلَا أُجِيزُ لَهُ وَلَا مُدَبَّرٍ وَلَا مُكَاتَبٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ أَنْ يُضَحُّوا لِأَنَّهُمْ لَا أَمْوَالَ لَهُمْ وَإِنَّمَا أَمْوَالُهُمْ لِمَالِكِيهِمْ وَكَذَلِكَ لَا أُحِبُّ لِلْمُكَاتَبِ وَلَا أُجِيزُ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَى مَالِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّهُ يَعْجِزُ فَيَرْجِعُ مَالُهُ إلَى مَوْلَاهُ وَيُمْنَعُ مِنْ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَى مَالِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُضَحِّي عَمَّا فِي الْبَطْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأُضْحِيَّةُ جَائِزَةٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا لِأَنَّهَا أَيَّامُ النُّسُكِ وَإِنْ ضَحَّى فِي اللَّيْلِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ فِي اللَّيْلِ وَيَنْحَرَ الْهَدْيَ لِمَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا خَوْفُ الْخَطَأِ فِي الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يُقَارِبُهُ أَوْ خَطَأِ الْمَنْحَرِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا يَحْضُرُونَهُ فِي اللَّيْلِ حُضُورَهُمْ إيَّاهُ فِي النَّهَارِ فَأَمَّا لِغَيْرِ هَذَا فَلَا أَكْرَهُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ أَيَّامَ مِنًى أَيَّامُ أَضْحَى كُلُّهَا؟ قِيلَ كَمَا كَانَتْ الْحُجَّةُ بِأَنَّ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَوْمَا ضَحِيَّةٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قِيلَ «نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَحَّى فِي يَوْمِ النَّحْرِ» فَلَمَّا لَمْ يَحْظُرْ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُضَحُّوا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ نَجِدْ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مُفَارِقًا لِلْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ يَنْسُكُ فِيهِ وَيَرْمِي كَمَا يَنْسُكُ وَيَرْمِي فِيهِمَا فَإِنْ قَالَ فَهَلْ فِي هَذَا مِنْ خَبَرٍ؟ قِيلَ: نَعَمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ دَلَالَةُ سُنَّةٍ. [كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ الَّذِي إذَا

باب صيد كل ما صيد به من وحش أو طير

أَشْلَى اسْتَشْلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَإِذَا فَعَلَ هَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَانَ مُعَلَّمًا يَأْكُلُ صَاحِبُهُ مَا حَبَسَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَ مَا لَمْ يَأْكُلْ فَإِذَا أَكَلَ فَقَدْ قِيلَ يُخْرِجُهُ هَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا وَامْتَنَعَ صَاحِبُهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ لِأَنَّ الْكَلْبَ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ صَاحِبُ الْكَلْبِ أَكَلَ مِنْ صَيْدِ غَيْرِ مُعَلَّمٍ وَيَحْتَمِلُ الْقِيَاسُ أَنْ يَأْكُلَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا صَارَ مُعَلَّمًا صَارَ قَتْلُهُ ذَكَاةً فَأَكَلَ مَا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ مَا كَانَ ذَكِيًّا كَمَا لَوْ كَانَ مَذْبُوحًا فَأَكَلَ مِنْهُ كَلْبٌ لَمْ يَحْرُمْ وَطَرَحَ مَا حَوْلَ مَا أَكَلَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا تَرَكْنَا هَذَا لِلْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول «فَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ثَبَتَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ لِشَيْءٍ وَإِذَا قُلْنَا هَذَا فِي الْمُعَلَّمِ مِنْ الْكِلَابِ فَأَخَذَ الْمُعَلَّمُ فَحَبَسَ بِلَا أَكْلٍ فَذَلِكَ يَحِلُّ وَإِنْ قَتَلَهُ يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ فَإِنْ حَبَسَ وَأَكَلَ فَذَلِكَ مَوْضِعُ تَرْكٍ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا فَصَارَ كَهُوَ عَلَى الِابْتِدَاءِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ كَمَا كَانَ لَا يَحِلُّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهَذَا وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ الْقِيَاسُ وَيَصِحُّ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ مُتَأَوِّلًا لَوْ ذَهَبَ فَقَالَ إنَّ الْكَلْبَ إذَا كَانَ نَجِسًا فَأَكَلَ مِنْ شَيْءٍ رَطْبٍ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِي بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ نَجَّسَهُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حَتَّى يَكُونَ آكِلًا وَالْحَيَاةُ فِيهِ وَالدَّمُ بِالرُّوحِ يَدُورُ فِيهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَدُورُ فِيهِ دَمٌ وَإِنَّمَا يُنَجِّسُ حِينَئِذٍ مَوْضِعَ مَا أَكَلَ مِنْهُ وَمَا قَارَبَهُ قَالَ الرَّبِيعُ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ وَلَوْ نَجَّسَهُ كُلَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَهُ وَيَعْصِرَهُ كَمَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ وَيَعْصِرُ فَيَطْهُرُ وَيَغْسِلُ الْجِلْدَ فَيَطْهُرُ فَتَذْهَبُ نَجَاسَتُهُ وَكَذَلِكَ تَذْهَبُ نَجَاسَةُ اللَّحْمِ فَيَأْكُلُهُ. [بَابُ صَيْدِ كُلّ مَا صِيدَ بِهِ مِنْ وَحْشٍ أَوْ طَيْرٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَعْلِيمُ الْفَهْدِ وَكُلِّ دَابَّةٍ عُلِّمَتْ كَتَعْلِيمِ الْكَلْبِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا غَيْرَ أَنَّ الْكَلْبَ أَنْجَسُهَا وَلَا نَجَاسَةَ فِي حَيٍّ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَتَعْلِيمُ الطَّائِرِ كُلُّهُ وَاحِدٌ الْبَازِي وَالصَّقْرُ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابُ وَغَيْرُهَا وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ أَنْ يُدْعَى فَيُجِيبَ وَيُسْتَشْلَى فَيَطِيرَ وَيَأْخُذَ فَيَحْبِسَ فَإِذَا فَعَلْت هَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَهِيَ مُعَلَّمَةٌ يُؤْكَلُ مَا أَخَذَتْ وَقَتَلَتْ فَإِنْ أَكَلَتْ فَالْقِيَاسُ فِيهَا كَهُوَ فِي الْكَلْبِ، زَعَمَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ أَنَّهُ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْ وَإِنْ أَكَلَتْ وَزَعَمَ إنَّهُ إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ لَا يُؤْكَلُ وَزَعَمَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلْبَ يَضْرِبُ وَالْبَازِي لَا يَضْرِبُ فَإِذَا زَعَمَ أَنَّهَا تَفْتَرِقُ فِي هَذَا فَكَيْفَ زَعَمَ أَنَّ الْبَازِيَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ حَتَّى يَكُونَ يُدْعَى فَيُجِيبَ وَيُسْتَشْلَى فَيَطِيرَ وَأَنَّهُ لَوْ طَارَ مِنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ لَمْ يُؤْكَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا؟ أَفَرَأَيْت إذَا اسْتَجَازَ فِي مُعَلَّمَيْنِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَلْ كَانَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا كَهِيَ عَلَيْهِ؟ [بَابُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ إرْسَالِ مَا يَصْطَادُ بِهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ كَلْبَهُ أَوْ طَائِرَهُ الْمُعَلَّمَيْنِ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُسَمِّيَ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ نَاسِيًا فَقَتَلَ أَكَلَ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَ قَتْلُهُمَا كَالذَّكَاةِ فَهُوَ لَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبِيحَةِ أَكَلَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ نَسِيَ وَكَذَلِكَ مَا أَصَبْت بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِك الَّذِي يَمُورُ فِي الصَّيْدِ

باب إرسال المسلم والمجوسي الكلب

[بَابُ إرْسَالِ الْمُسْلِمِ وَالْمَجُوسِيِّ الْكَلْبَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ وَالْمَجُوسِيُّ كَلْبًا وَاحِدًا أَوْ كَلْبَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ أَوْ طَائِرَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ فَأَصَابَا الصَّيْدَ ثُمَّ لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ فَلَا يُؤْكَلُ فَهُوَ كَذَبِيحَةِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا دَخَلَ فِي الذَّبِيحَةِ مَا لَا يَحِلُّ لَمْ تَحِلَّ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَانَهُ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ وَسَوَاءٌ أَنَفَذَ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ مَقَاتِلَهُ أَوْ لَمْ يَنْفُذْهَا إذَا أَصَابَهُ عَلَى قَتْلِهِ غَيْرُهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَنَّ مَقَاتِلَهُ قَدْ تُنْفَذُ فَيَحْيَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ الذَّبْحُ التَّامُّ بِالْمَذْبُوحِ مِمَّا لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ طُرْفَةَ عَيْنٍ وَمِمَّا تَكُونُ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ كَحُشَاشَةِ رُوحِ الْحَيَاةِ الَّتِي لَمْ يَتَتَامَّ خُرُوجُهُ فَإِنْ خَرَجَ إلَى هَذَا فَلَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ. [بَابُ إرْسَالِ الصَّيْدِ فَيَتَوَارَى عَنْك ثُمَّ تَجِد الصَّيْد مَقْتُولًا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ الصَّيْدَ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الْمُعَلَّمَاتِ فَتَوَارَى عَنْهُ وَوَجَدَهُ قَتِيلًا فَالْخَبَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ غَيْرُ مَا أُرْسِلَ عَلَيْهِ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: إنِّي أَرْمِي فَأُصْمِيَ وَأُنْمِي فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ " كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْت ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا أَصْمَيْتَ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ وَأَنْتَ تَرَاهُ وَمَا أَنْمَيْت مَا غَابَ عَنْك مَقْتَلُهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ وَهُوَ يَرَاهُ مِثْلَ مَا وَصَفْت مِنْ الذَّبْحِ ثُمَّ تَرَدَّى فَتَوَارَى أَكَلَهُ فَأَمَّا إنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ فَقَدْ يَعِيشُ بَعْدَمَا يَنْفُذُ بَعْضَ الْمَقَاتِلِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ عِنْدِي إلَّا هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاءَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ فَإِنِّي أَتَوَهَّمُهُ فَيَسْقُطُ كُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَقُومُ مَعَهُ رَأْيٌ وَلَا قِيَاسٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَطَعَ الْعُذْرَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَصَابَتْ الرَّمْيَةُ الصَّيْدَ وَالرَّامِي لَا يَرَاهُ فَذَبَحَتْهُ أَوْ بَلَغَتْ بِهِ مَا شَاءَتْ لَمْ يَأْكُلْهُ وَوَجَدَ بِهِ أَثَرًا مِنْ غَيْرِهَا أَوْ لَمْ يَجِدْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْتُلُهُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ وَإِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ وَلَمْ يَبْلُغْ سِلَاحُهُ مِنْهُ أَوْ مُعَلَّمُهُ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ الذَّبْحُ مِنْ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ حَيَاةٌ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَمْ يَذْبَحْهُ فَلَا يَأْكُلُهُ وَإِمْكَانُهُ أَنْ يَكُونَ مَا يُذَكِّي بِهِ حَاضِرًا وَيَأْتِي عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَا يَذْبَحُهُ لِأَنَّ الذَّكَاةَ ذَكَاتَانِ إحْدَاهُمَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَا يُذَكَّى إلَّا بِالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ وَالْأُخْرَى مَا لَمْ يُقْدَرُ عَلَيْهِ فَيُذَكَّى بِمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ ذَكَاتَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا الذَّبْحُ أَوْ النَّحْرُ فَإِنْ أَغْفَلَ السِّكِّينَ وَقَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ فَرَجَعَ لَهُ فَمَاتَ لَمْ يَأْكُلْهُ إنَّمَا يَأْكُلُهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ مِنْ حِينِ يَصِيدُهُ عَلَى ذَكَاتِهِ وَلَوْ أَجَزْنَا لَهُ أَكْلَهُ بِالرُّجُوعِ بِلَا تَذْكِيَةٍ أَجَزْنَا لَهُ إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ يَوْمًا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَإِذَا أَدْرَكْته وَمَعَك مَا تُذَكِّيهِ بِهِ فَلَمْ يُمْكِنْك مَذْبَحُهُ وَلَمْ تُفَرِّطْ فِيهِ حَتَّى مَاتَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَمْكَنَك مَذْبَحُهُ فَلَمْ تُفَرِّطْ وَأَدْنَيْت السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَضَعَهَا عَلَى حَلْقِهِ فَكُلْهُ وَإِنْ وَضَعْتهَا عَلَى حَلْقِهِ وَلَمْ تُمِرَّهَا حَتَّى مَاتَ وَلَمْ تَتَوَانَ فَكُلْهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُك فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ذَكَاتُهُ وَإِنْ أَمْرَرْتهَا فَكَلَّتْ وَمَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ مَاتَ خَنْقًا وَالذَّكَاةُ الَّتِي إذَا بَلَغَهَا الذَّابِحُ أَوْ الرَّامِي أَوْ الْمُعَلَّمُ أَجْزَأَتْ.

مِنْ الذَّبْحِ أَنْ يَجْتَمِعَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ لَا شَيْءَ دُونَ ذَلِكَ وَتَمَامُهَا الْوَدَجَيْنِ وَلَوْ قُطِعَ الْوَدَجَانِ وَلَمْ يُقْطَعْ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ لَمْ تَكُنْ ذَكَاةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَدَجَيْنِ قَدْ يُقْطَعَانِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَيَحْيَا وَأَمَّا الذَّكَاةُ فِيمَا لَا حَيَاةَ فِيهِ إذَا قُطِعَ فَهُوَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ لِأَنَّهُمَا أَظْهَرُ مِنْهُمَا فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِمَا حَتَّى اُسْتُؤْصِلَا فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ إبَانَةِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَإِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ وَسَمَّى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَرَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ رَأَى صَيْدًا وَنَوَاهُ وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ وَإِنْ أَرْسَلَهُمَا وَلَا يَرَى صَيْدًا وَنَوَى فَلَا يَأْكُلُ وَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ إلَّا مَعَ عَيْنٍ تَرَاهُ وَهَكَذَا لَوْ رَمَى صَيْدًا مُجْتَمِعًا وَنَوَى أَنَّهُ أَصَابَ أَكَلَ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ إذَا رَمَى إلَّا مَا نَوَى بِعَيْنِهِ كَانَ الْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى مِائَةِ طَيْرٍ أَوْ كَلْبًا عَلَى مِائَةِ ظَبْيٍ لَمْ يَقْتُلْهَا كُلَّهَا وَإِذَا نَوَاهَا كُلَّهَا فَأَصَابَ وَاحِدًا فَالْوَاحِدُ الْمُصَابُ غَيْرُ مَنْوِيٍّ بِعَيْنِهِ وَكَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ لَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ بِعَيْنِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ شَيْئًا لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهَا كُلَّهَا فَإِذَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِهَذَا فَاَلَّذِي نَوَى بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكُلُّ مَا أَصَابَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ حَجَرٌ أَوْ بُنْدُقَةٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ سِلَاحٍ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ فَيَكُونُ مَأْكُولًا بِالذَّكَاةِ كَمَا تُؤْكَلُ الْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ إذَا ذُكِّيَتْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ كِلَابُ الصَّيْدِ فِي غَيْرِ أَيْدِيهِمْ إلَّا أَنَّهَا تَتْبَعُهُمْ وَإِذَا اسْتَشْلَى الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ قَرِيبًا كَانَ مِنْهُ أَوْ بَعِيدًا فَانْزَجَرَ وَاسْتَشْلَى بِاسْتِشْلَائِهِ فَأَخَذَ الصَّيْدَ أَكَلَ وَإِنْ قَتَلَهُ، وَكَانَ كَإِرْسَالِهِ إيَّاهُ مِنْ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ قَدْ تَوَجَّهَ لِلصَّيْدِ قَبْلَ اسْتِشْلَاءِ صَاحِبِهِ فَمَضَى فِي سُنَنِهِ فَأَخَذَهُ فَلَا يَأْكُلْهُ إلَّا بِإِدْرَاكِ ذَكَاتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَزْجُرُهُ فَيَقِفَ أَوْ يَنْعَرِجَ ثُمَّ يَسْتَشْلِيَهُ فَيَتَحَرَّكَ بِاسْتِشْلَائِهِ الْآخَرِ فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ وَاسْتَشْلَى بِاسْتِشْلَاءٍ مُسْتَأْنَفٍ فَيَأْكُلُ مَا أَصَابَ كَمَا يَأْكُلُهُ لَوْ أَرْسَلَهُ فَيَقِفُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي سُنَنِهِ فَاسْتَشْلَاهُ فَلَمْ يَحْدُثْ عَرْجَةٌ وَلَا وُقُوفًا وَازْدَادَ فِي سُنَنِهِ اسْتِشْلَاءً فَلَا يَأْكُلُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ اسْتِشْلَاءُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِ صَاحِبِهِ مِمَّنْ تَجُوزُ ذَكَاتُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَصَيْدُ الصَّبِيِّ أَسْهَلُ مِنْ ذَبِيحَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْكَلَامُ وَالذَّكَاةُ بِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَبِيحَتِهِ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَأَتَى مِنْهُ عَلَى مَا يَكُونُ ذَكَاةً وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَكُلُّ مَنْ تَجُوزُ ذَكَاتُهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَيَهُودِيٍّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَمَى لِرَجُلٍ الصَّيْدَ أَوْ طَعَنَهُ أَوْ ضَرَبَهُ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ كَلْبَهُ فَقَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ أَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ أَوْ قَطَعَ بَطْنَهُ وَصُلْبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ النِّصْفِ أَكَلَ الطَّرَفَيْنِ مَعًا وَهَذِهِ ذَكَاتُهُ وَكُلُّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِهِ كَانَ ذَكَاةً لِكُلِّ عُضْوٍ فِيهِ وَلَكِنَّهُ لَوْ قَطَعَ مِنْهُ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ إرْبًا أَوْ شَيْئًا يُمْكِنُ لَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ سَاعَةً أَوْ مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدُ بِرَمْيَةٍ أَكَلَ مَا كَانَ بَاقِيًا فِيهِ مِنْ أَعْضَائِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ الْعُضْوَ الَّذِي بَانَ مِنْهُ وَفِيهِ الْحَيَاةُ الَّتِي يَبْقَى بَعْدَهَا لِأَنَّهُ عُضْوٌ مَقْطُوعٌ مِنْ حَيٍّ وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ أَوْ لَمْ تُدْرَكْ وَلَوْ كَانَ مَوْتُهُ مِنْ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ أَكَلَهُمَا مَعًا وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا ضَرَبَهُ فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ أَكَلَ وَإِنْ قَطَعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَكَانَ الْأَقَلُّ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ أَكَلَ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ وَلَمْ يَأْكُلْ الَّذِي يَلِي الْعَجُزَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ الَّتِي مَاتَ مِنْهَا ذَكَاةً لِبَعْضِهِ كَانَتْ ذَكَاةً لِكُلِّهِ وَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ دُونَ صَاحِبِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مِنْ حُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَخْذُهُ ذَكَاتُهُ لَا ذَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَوْ ذَكَّاهُ لَمْ يَحْرُمْ وَلَوْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ تَطُولُ حَيَاتُهُ فَذَبَحَهُ لَأَنْ يَسْتَعْجِلَ مَوْتَهُ مَا كَرِهْته وَسَوَاءٌ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ وَثَنِيٍّ لَا ذَكَاةَ لَهُ لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ فِي نَفْسِهِ فَلَا يُبَالِي مِنْ أَخْذِهِ وَسَوَاءٌ مَا كَانَ مِنْهُ يَمُوتُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَاءِ وَمَا كَانَ يَعِيشُ إذَا كَانَ مَنْسُوبًا إلَى الْمَاءِ وَفِيهِ أَكْثَرُ عَيْشِهِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَسَوَاءٌ مَا لَفَظَ الْبَحْرُ وَطَفَا مِنْ مَيْتَتِهِ وَمَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَقَدْ خَالَفْنَا بَعْضَ الْمَشْرِقِيِّينَ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ مَيِّتًا وَمَا أَخَذَهُ الْإِنْسَانُ مَيِّتًا قَبْلَ أَنْ يَطْفُوَ فَإِذَا طَفَا فَلَا

باب ما ملكه الناس من الصيد

خَيْرَ فِيهِ وَلَا أَدْرِي أَيَّ وَجْهٍ لِكَرَاهِيَةِ الطَّافِي وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَكْلِ مَا لَفَظَ الْبَحْرُ مَيِّتًا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَلَكِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَمَّى جَابِرًا أَوْ غَيْرَهُ " كَرِهَ الطَّافِي فَأَتْبَعَنَا فِيهِ الْأَثَرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْنَا لَوْ كُنْتَ تَتْبَعُ الْآثَارَ أَوْ السُّنَنَ حِينَ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ مِنْهَا بِالِاتِّبَاعِ حَمِدْنَاك وَلَكِنَّك تَتْرُكُهَا ثَابِتَةً لَا مُخَالِفَ لَهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَتَأْخُذُ مَا زَعَمْت بِرِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَرِهَ الطَّافِيَ وَقَدْ أَكَلَ أَبُو أَيُّوبَ سَمَكًا طَافِيًا وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ زَعَمْتَ الْقِيَاسَ وَزَعَمْنَا السُّنَّةَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ فَقَالَ الْوَاحِدُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا مَعَهُ الْقِيَاسُ وَعَدَدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا يُخَالِفُ كَانَ عَلَيْنَا وَعَلَيْك اتِّبَاعُ الْقَوْلِ الَّذِي يُوَافِقُ الْقِيَاسَ وَقَدْ تَرَكْته فِي هَذَا وَمَعَهُ السُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ، وَذَكَرَ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَكَلَ سَمَكًا طَافِيًا. [بَابُ مَا مَلَكَهُ النَّاسُ مِنْ الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كُلُّ مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوَحْشِ وَكَانَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْهُ شَيْءٌ قَدْ مَلَكُوهُ فَأَصَابَهُ رَجُلٌ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الظِّبَاءِ وَالْأَرْوَى وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْقَمَارِيِّ وَالدَّبَّاسِيِّ وَالْحَجَلِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَكُلُّ مَا صَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ هَذَا بِأَنْ صَادَهُ أَوْ صِيدَ لَهُ أَوْ صَارَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ صَاحِبًا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ مَلَكَهُ فَإِنْ أَخَذَهُ فَاسْتَهْلَكَهُ أَوْ بَقِيَ فِي يَدَيْهِ فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ فَالْوَرَعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَرُدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ قِيمَتَهُ وَالْحُكْمُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا عَلَيْهِ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْوَحْشِ مِثْلُ الْحَمَامِ غَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ فَهُوَ كَالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَمْلُوكًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهُ فِي الْجَبَلِ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ فَرَّخَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَفْرَاخَهُ لِمَالِكِ أُمَّهَاتِهِ كَمَا لَوْ أَصَابَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ مُبَاحَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِمَالِكٍ وَهَذَا عِنْدَنَا كَمَا وَصَفْت فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مَعْرُوفًا أَنَّهُ لِغَيْرِ مَالِكٍ فَهُوَ كَمَا وَصَفْت مِنْ الْحَجَلِ وَالْقَطَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ بُرْجَانِ فَتَحَوَّلَ بَعْضُ حَمَامِ هَذَا إلَى بُرْجِ هَذَا فَلَازِمٌ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا يَرُدُّ ضَوَالَّ الْإِبِلِ إذَا أَوَتْ إلَى إبِلِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا إلَّا بِادِّعَاءِ صَاحِبِهَا لَهَا كَانَ الْوَرَعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيمَا ادَّعَى مَا لَمْ يَعْرِفُهُ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَالْحُكْمُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى تَصْدِيقِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا وَلَا نُحِبُّ لَهُ حَبْسَ شَيْءٍ يَشُكُّ فِيهِ وَنَرَى لَهُ إعْطَاءَهُ مَا عَرَفَ وَتَأَخِّي مَا لَمْ يَعْرِفْ وَاسْتِحْلَالَ صَاحِبِهِ فِيمَا جَهِلَ، وَالْجَوَابُ فِي الْحَمَامِ مِثْلُهُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالرَّقِيقِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ سَاعَةً ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ سَاعَةِ انْفَلَتَ مِنْهُ فَأَخَذَهُ أَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا أَوْ يَكُونُ حِينَ زَايَلَ يَدًا، لَا يَمْلِكُهُ فَلَوْ أَخَذَهُ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ فَأَمَّا يَرُدُّهُ إذَا انْفَلَتَ قَرِيبًا وَلَا يَرُدُّهُ إذَا انْفَلَتَ بَعِيدًا فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ. وَإِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ مُقَلَّدًا أَوْ مُقَرَّطًا أَوْ مَوْسُومًا أَوْ بِهِ عَلَامَةٌ لَا يُحْدِثُهَا إلَّا النَّاسُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا بِمَا تَحِلُّ بِهِ ضَالَّةُ الْغَنَمِ وَذَلِكَ أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ لَا تُغْنِي عَنْ نَفْسِهَا قَدْ تَحِلُّ بِالْأَرْضِ الْمُهْلَكَةِ وَيَغْرَمُهَا مَنْ أَخَذَهَا إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا وَالْوَحْشُ كُلُّهُ فِي مَعْنَى الْإِبِلِ وَقَدْ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهَا» فَقُلْنَا كُلُّ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا بِنَفْسِهِ يَعِيشُ بِغَيْرِ رَاعِيهِ كَمَا يَعِيشُ لِلْبَعِيرِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَالْوَحْشُ كُلُّهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ الْإِنْسِيَّةُ وَبَقَرَةُ الْوَحْشِ وَالظِّبَاءُ وَالطَّيْرُ كُلُّهُ. (قَالَ) : وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْآثَارُ ثُمَّ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُجْزِي الْمُحْرِمَ مِنْ الصَّيْدِ شَيْءٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَيُجْزِي مَا كَانَ لَحْمُهُ مَأْكُولًا مِنْهُ وَالْبَازِي وَالصَّوَائِدُ كُلُّهَا لَا تُؤْكَلُ لُحُومُهَا كَمَا لَا تُؤْكَلُ لُحُومُ الْغِرْبَانِ فَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ بَازًا لِإِنْسَانٍ مُعَلَّمًا ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَقْتُلُهُ بِهَا مُعَلَّمًا كَمَا يَقْتُلُ لَهُ الْعَبْدَ الْخَبَّازَ أَوْ الصَّبَّاغَ أَوْ الْكَاتِبَ فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ فِي حَالِهِ الَّتِي قَتَلَهُ فِيهَا وَيَقْتُلُ لَهُ الْبَعِيرَ النَّجِيبَ وَالْبِرْذَوْنَ الْمَاشِيَ فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ فِي الْحَالِ الَّتِي قَتَلَهُ فِيهَا وَلَا فِدْيَةَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ وَلَوْ قَتَلَ لَهُ ظَبْيًا كَانَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَقِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ لِصَاحِبِهِ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ شَاةٍ أَوْ أَكْثَرَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ كَلْبٍ ضَارٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ فَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَقِيمَتُهُ بَيْعُ ذَلِكَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ ثَمَنُ الْمُحَرَّمِ وَالْمُحَرَّمُ لَا يَكُونُ إلَّا مَرْدُودًا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ كَمَا يَكُونُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا لَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ بِحَالٍ مَرْدُودًا وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا هَذَا أَوْ مَا قَالَ الْمَشْرِقِيُّونَ بِأَنَّ ثَمَنَهُ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ ثَمَنُ الشَّاةِ فَأَمَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ أَصْلَهُ مُحَرَّمٌ يَرُدُّهُ إنْ قَرُبَ وَلَا يَرُدُّهُ إنْ بَعُدَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَلَا يُعْذَرُ بِهِ وَلَوْ جَازَ هَذَا لِأَحَدٍ بِلَا خَبَرٍ يَلْزَمُ جَازَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ إذَا بَعُدَ وَلَا يَرُدُّهُ إذَا قَرُبَ فَإِنْ قَالَ اسْتَحْسَنْت فِي هَذَا؟ قِيلَ لَهُ وَنَحْنُ نَسْتَحْسِنُ مَا اسْتَقْبَحْت وَنَسْتَقْبِحُ مَا اسْتَحْسَنْت وَلَا يَحْرُمُ بَيْعُ حَيٍّ مِنْ دَابَّةٍ وَلَا طَيْرٍ وَلَا نَجَاسَةٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُمَا نَجِسَانِ حَيَّيْنِ وَمَيِّتَيْنِ وَلَا يَحِلُّ لَهُمَا ثَمَنٌ بِحَالٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَتَلَ كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ الْحَرَسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْخَبَرَ إذَا كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِهِ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا وَأَنَا إذَا أَغْرَمْت قَاتِلَهُ ثَمَنَهُ فَقَدْ جَعَلْت لَهُ ثَمَنًا حَيًّا وَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ فِي إحْدَى حَالَتَيْهِ كَانَ ثَمَنُهُ فِي الْحَيَاةِ مَبِيعًا حِينَ يَقْتَنِيهِ الْمُشْتَرِي لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ أُجَوِّزُ مِنْهُ حِينَ يَكُونُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لَك عَلَى نَصْرَانِيٍّ حَقٌّ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ ثُمَّ قضاكه مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ تَعْلَمُهُ لَمْ يَحِلَّ لَك أَنْ تَأْخُذَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ فِيمَا قضاكه أَوْ وَهَبَ لَك أَوْ أَطْعَمَك كَمَا لَوْ كَانَ لَك عَلَى مُسْلِمٍ حَقٌّ فَأَعْطَاك مِنْ مَالٍ غَصَبَهُ أَوْ رِبًا أَوْ بَيْعٍ حَرَامٍ لَمْ يَحِلَّ لَك أَخْذُهُ وَإِذَا غَابَ عَنْك مَعْنَاهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَالْمُسْلِمِ فَكَانَ مَا أَعْطَاك مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَطْعَمَك أَوْ وَهَبَ لَك أَوْ قَضَاك يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَسِعَك أَنْ تَأْخُذَهُ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَالْوَرَعُ أَنْ تَتَنَزَّهَ عَنْهُ وَلَا يَعْدُو مَا أَعْطَاك نَصْرَانِيٌّ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ بِحَقٍّ لَك أَوْ تَطَوُّعٍ مِنْهُ عَلَيْك أَنْ يَكُونَ حَلَالًا لَك لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ إذَا كَانَ يَسْتَحِلُّهُ مِنْ أَصْلِ دِينِهِ أَوْ يَكُونُ حَرَامًا عَلَيْك بِاخْتِلَافِ حُكْمِك وَحُكْمِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَعْطَاك مِنْ ذَلِكَ تَطَوُّعًا أَوْ بِحَقٍّ لَزِمَهُ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حَلَالًا فَحَلَالُ اللَّهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَحَرَامُهُ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَثَمَنُهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى النَّصْرَانِيِّ كَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ لَا تَقُولُ إنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ حَلَالٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْتَ لَا تَمْنَعُهُمْ مِنْ اتِّخَاذِهِ وَالتَّبَايُعِ بِهِ؟ قِيلَ قَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَى قَوْلِهِ {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] (قَالَ

باب ذبائح أهل الكتاب

الشَّافِعِيُّ) فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهَا لَهُمْ حَلَالٌ وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَنْتَ تُقِرُّهُمْ عَلَيْهَا؟ قُلْت: نَعَمْ، وَعَلَى الشِّرْكِ بِاَللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَذِنَ لَنَا أَنْ نُقِرَّهُمْ عَلَى الشِّرْكِ وَاسْتِحْلَالِهِمْ شُرْبَهَا وَتَرْكِهِمْ دِينَ الْحَقِّ بِأَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ قُوَّةً لِأَهْلِ دِينِهِ وَحُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِمَةٌ لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا وَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِيهَا حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكُلُّ مَا صَادَهُ حَلَالٌ فِي غَيْرِ حَرَمٍ مِمَّا يَكُونُ بِمَكَّةَ مِنْ حَمَامِهَا وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّيْدِ كُلِّهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُرْمَةٌ يَمْنَعُ بِهَا نَفْسَهُ إنَّمَا يُمْنَعُ بِحُرْمَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، مِنْ بَلَدٍ أَوْ إحْرَامِ مُحْرِمٍ أَوْ بِحُرْمَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَلَكَهُ مَالِكٌ، فَأَمَّا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ. [بَابُ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَحَلَّ اللَّهُ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَ طَعَامُهُمْ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ذَبَائِحَهُمْ وَكَانَتْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى إحْلَالِ ذَبَائِحِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ ذَبَائِحُهُمْ يُسَمُّونَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهِيَ حَلَالٌ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذَبْحٌ آخَرُ يُسَمُّونَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ اسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ يَذْبَحُونَهُ بِاسْمٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحِلَّ هَذَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا أُثْبِتُ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ هَكَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ صِنْفَانِ وَقَدْ أُبِيحَتْ مُطْلَقَةً؟ قِيلَ قَدْ يُبَاحُ الشَّيْءُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُرَادُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ فَإِذَا زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ نَسِيَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ وَإِنْ تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ وَهُوَ لَا يَدَعُهُ لِلشِّرْكِ كَانَ مَنْ يَدَعُهُ عَلَى الشِّرْكِ أَوْلَى أَنْ تُتْرَكَ ذَبِيحَتُهُ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لُحُومَ الْبُدْنِ مُطْلَقَةً فَقَالَ {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] وَوَجَدْنَا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَذْهَبُ إلَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ مِنْ الْبَدَنَةِ الَّتِي هِيَ نَذْرٌ وَلَا جَزَاءِ صَيْدِ وَلَا فِدْيَةٍ فَلِمَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَتَرَكْنَا الْجُمْلَةَ، لَا أَنَّهَا خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ وَلَكِنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَمَعْقُولٌ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ نَجْعَلْ عَلَيْهِ الْكُلَّ إنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْبَعْضَ الَّذِي أَعْطَى فَهَكَذَا ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى شَبِيهِ مَا قُلْنَا. [ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعْدٍ الْفُلْجَةِ مَوْلَى عُمَرَ أَوْ ابْنِ سَعْدٍ الْفُلْجَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ مَا نَصَارَى الْعَرَبِ بِأَهْلِ كِتَابٍ وَمَا تَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ وَمَا أَنَا بِتَارِكِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ أَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ " لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُمَا ذَهَبَا إلَى أَنَّهُمْ لَا يَضْبِطُونَ مَوْضِعَ الدِّينِ فَيَعْقِلُونَ كَيْفَ الذَّبَائِحُ وَذَهَبُوا إلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هُمْ الَّذِينَ أُوتُوهُ لَا مَنْ دَانَ بِهِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَبِهَذَا نَقُولُ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ وَتَأَوَّلَ {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] وَهُوَ لَوْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ

ذبح نصارى العرب

وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَوْلَى وَمَعَهُ الْمَعْقُولُ فَأَمَّا {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] فَمَعْنَاهَا عَلَى غَيْرِ حُكْمِهِمْ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي صَيْدِهِمْ مَنْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ أُكِلَ صَيْدُهُ وَمَنْ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إلَّا بِأَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ. [ذَبْحُ نَصَارَى الْعَرَبِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا خَيْرَ فِي ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا الْحُجَّةُ فِي تَرْكِ ذَبَائِحِهِمْ؟ فَمَا يَجْمَعُهُمْ مِنْ الشِّرْكِ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَإِنْ قَالَ فَقَدْ نَأْخُذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ قُلْنَا وَمِنْ الْمَجُوسِ وَلَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ. وَمَعْنَى الذَّبَائِحِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْجِزْيَةِ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ مِنْ أَثَرٍ يُفْزَعُ إلَيْهِ؟ فَنَعَمْ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ " مَا نَصَارَى الْعَرَبِ بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا تَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ " ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ثُمَّ لَمْ أَكْتُبْهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَحَدِيثُ ثَوْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؟ قِيلَ ثَوْرٌ، رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُدْرِكْ ثَوْرٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ؟ فَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ وَمَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ غَيْرُ مُثَرِّدٍ ذُكِّيَ بِهِ غَيْرِ الظُّفُرِ وَالسِّنِّ فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ الذَّكَاةُ بِهِمَا لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الذَّكَاةِ بِهِمَا. [الْمُسْلِمُ يَصِيدُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ] ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُسْلِمِ يَصِيدُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ الْمُعَلَّمِ يُؤْكَلُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّيْدَ قَدْ جَمَعَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحِلُّ بِهِمَا الصَّيْدُ وَهُمَا أَنَّ الصَّائِدَ الْمُرْسِلَ هُوَ الَّذِي تَجُوزُ ذَكَاتُهُ وَأَنَّهُ قَدْ ذَكَّى بِمَا تَجُوزُ بِهِ الذَّكَاةُ وَقَدْ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ يَحِلُّ بِهِمَا الصَّيْدُ وَسَوَاءٌ تَعْلِيمُ الْمَجُوسِيِّ وَتَعْلِيمُ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلْبِ مَعْنًى إلَّا أَنْ يَتَأَدَّبَ بِالْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ فَإِذَا تَأَدَّبَ بِهِ فَالْحُكْمُ حُكْمُ الْمُرْسِلِ لَا حُكْمُ الْكَلْبِ وَكَذَلِكَ كَلْبُ الْمُسْلِمِ يُرْسِلُهُ الْمَجُوسِيُّ فَيَقْتُلُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ حُكْمُ الْمُرْسِلِ وَإِنَّمَا الْكَلْبُ أَدَاةٌ مِنْ الْأَدَاةِ. [ذَكَاةُ الْجَرَادِ وَالْحِيتَانِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَنَّ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي يَحِلُّ أَكْلُهَا صِنْفَانِ صِنْفٌ لَا يَحِلُّ إلَّا بِأَنْ يُذَكِّيَهُ مَنْ تَحِلُّ ذَكَاتُهُ وَالصَّيْدُ وَالرَّمْيُ ذَكَاةٌ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَصِنْفٌ يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ مَيِّتُهُ وَمَقْتُولُهُ إنْ شَاءَ وَبِغَيْرِ الذَّكَاةِ وَهُوَ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ حَلَّ مَيِّتًا فَأَيُّ حَالٍ وَجَدْتُهُمَا مَيِّتًا أُكِلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَالْحُوتُ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحِلَّ مَيِّتًا لِأَنَّ ذَكَاتَهُ أَمْكَنُ مِنْ ذَكَاةِ الْجَرَادِ

ما يكره من الذبيحة

فَهُوَ يَحِلُّ مَيِّتًا وَالْجَرَادَةُ تَحِلُّ مَيِّتَةً وَلَا يَجُوزُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ فَلْيُدَلِّلْ مَنْ سَنَّ لَهُ ذَكَاةَ الْجَرَادِ أَوْ أَحَلَّ لَهُ بَعْضَهُ مَيِّتًا وَحَرَّمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ مَيِّتًا؟ مَا رَأَيْت الْمَيِّتَ يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ إلَّا الْجَرَادُ وَالْحُوتُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. أَمَّا الْمَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ أَحْسِبُهُ قَالَ - الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ والدراوردي أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: النُّونُ وَالْجَرَادُ ذَكِيٌّ. [مَا يُكْرَهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا عَرَفْت فِي الشَّاةِ الْحَيَاةَ تَتَحَرَّكُ بَعْدَ الذَّكَاةِ أَوْ قَبْلَهَا أُكِلَتْ وَلَيْسَ يَتَحَرَّكُ بَعْدَ الذَّكَاةِ مَا مَاتَ قَبْلَهَا إنَّمَا يَتَحَرَّكُ بَعْدَهَا مَا كَانَ فِيهِ الرُّوحُ قَبْلَهَا (قَالَ) : وَكُلُّ مَا عُرِفَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ثُمَّ ذُبِحَتْ بَعْدَهُ، أُكِلَتْ. [زَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي ذَبْحِ الْجَنِينِ إنَّمَا ذَبِيحَتُهُ تَنْظِيفٌ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَصْبُورَةِ الشَّاةُ، تُرْبَطُ ثُمَّ تُرْمَى بِالنَّبْلِ. [ذَبَائِحُ مَنْ اشْتَرَكَ فِي نَسَبِهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْغُلَامِ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيٌّ وَالْآخَرُ مَجُوسِيٌّ يَذْبَحُ أَوْ يَصِيدُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَا صَيْدُهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَبَوَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُسْلِمِ يَكُونُ ابْنُهُ الصَّغِيرُ عَلَى دِينِهِ وَلَا كَالْمُسْلِمَةِ يَكُونُ ابْنُهَا عَلَى دِينِهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ حَظَّ الْإِسْلَامِ إذَا شَرِكَ حَظَّ الْكُفْرِ فِيمَنْ لَمْ يَدْنُ كَانَ حَظُّ الْإِسْلَامِ أَوْلَى بِهِ، وَلَيْسَ حَظُّ النَّصْرَانِيَّةِ بِأَوْلَى مِنْ حَظِّ الْمَجُوسِيَّةِ وَلَا حَظُّ الْمَجُوسِيَّةِ بِأَوْلَى مِنْ حَظِّ النَّصْرَانِيَّةِ كِلَاهُمَا كُفْرٌ بِاَللَّهِ وَلَوْ ارْتَدَّ نَصْرَانِيٌّ إلَى مَجُوسِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيٌّ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ نَسْتَتِبْهُ وَلَمْ نَقْتُلْهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ وَمَنْ خَرَجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ قَتَلْنَاهُ إنْ لَمْ يَتُبْ فَإِذَا بَلَغَ هَذَا الْمَوْلُودُ فَدَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ يَقِيسُ الْإِسْلَامَ بِالْكُفْرِ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ تَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الْإِسْلَامُ دَخَلَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَرْتَدُّ مِنْ نَصْرَانِيَّةٍ إلَى مَجُوسِيَّةٍ وَدَخَلَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ الْحُرِّ عَبْدٌ حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ، وَوَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ حُرٌّ حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فَجُعِلَ حُكْمُ الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ حُكْمَ الْأُمِّ دُونَ الْأَبِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْمُرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ يُقْتَلُ، وَالْإِسْلَامُ غَيْرُ الشِّرْكِ وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدٌ لَمْ يَصِدْهُ مُسْلِمٌ وَلَا كِتَابِيٌّ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَلَا أَعْلَمُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا - مَجُوسِيًّا وَلَا وَثَنِيًّا - أَشَرَّ ذَبِيحَةٍ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَيُقِرَّهُ عَلَى دِينِهِ وَيَجُوزَ لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَرْبِيِّ

الذكاة وما أبيح أكله وما لم يبح

أَنْ يَدَعَهُ بِلَا قَتْلٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ هَذَا فِي الْمُرْتَدِّ فَيَحِلَّ دَمُهُ بِمَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُحَارِبِ وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَرْكُهُ كَمَا يَحِلُّ فِي الْمُحَارِبِ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَى. [الذَّكَاةُ وَمَا أُبِيحَ أَكْلُهُ وَمَا لَمْ يُبَحْ] ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الذَّكَاةُ وَجْهَانِ: وَجْهٌ فِيمَا قُدِرَ عَلَيْهِ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ وَفِيمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ الْإِنْسَانُ بِسِلَاحٍ بِيَدِهِ أَوْ رَمْيِهِ بِيَدِهِ فَهِيَ عَمَلُ يَدِهِ أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْجَوَارِحِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الْمُعَلَّمَاتِ الَّتِي تَأْخُذُ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ كَمَا يُصِيبُ السَّهْمُ بِفِعْلِهِ فَأَمَّا الْمُحْفِرَةُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاحِدًا مِنْ ذَا - كَانَ فِيهَا سِلَاحٌ يَقْتُلُ أَوْ لَمْ يَكُنْ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَصَبَ سَيْفًا أَوْ رُمْحًا ثُمَّ اضْطَرَّ صَيْدًا إلَيْهِ فَأَصَابَهُ فَذَكَّاهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لِأَنَّهَا ذَكَاةٌ بِغَيْرِ قَتْلِ أَحَدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَّتْ شَاةٌ أَوْ صَيْدٌ فَاحْتَكَّتْ بِسَيْفٍ فَأَتَى عَلَى مَذْبَحِهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ نَفْسَهَا لَا قَاتِلُهَا غَيْرُهَا مِمَّنْ لَهُ الذَّبْحُ وَالصَّيْدُ وَإِذَا صَادَ رَجُلٌ حِيتَانًا وَجَرَادًا فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ نُحَرِّمْهُ إذَا أَحْلَلْته مَيِّتًا فَالتَّسْمِيَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ سُنَّةِ الذَّكَاةِ فَإِذَا سَقَطَتْ الذَّكَاةُ حَلَّتْ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَالذَّكَاةُ ذَكَاتَانِ، فَأَمَّا مَا قُدِرَ عَلَى قَتْلِهِ مِنْ إنْسِيٍّ أَوْ وَحْشِيٍّ فَلَا ذَكَاةَ إلَّا فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ وَأَمَّا مَا هَرَبَ مِنْهُ مِنْ إنْسِيٍّ أَوْ وَحْشِيٍّ فَمَا نَالَهُ بِهِ مِنْ السِّلَاحِ فَهُوَ ذَكَاتُهُ إذَا قَتَلَهُ، وَمِثْلُهُ الْبَعِيرُ وَغَيْرُهُ يَتَرَدَّى فِي الْبِئْرِ فَلَا يُقْدَرُ عَلَى مَذْبَحِهِ وَلَا مَنْحَرِهِ فَيُضْرَبُ بِالسِّكِّينِ عَلَى أَيِّ آرَابِهِ قُدِرَ عَلَيْهِ وَيُسَمِّي وَتَكُونُ تِلْكَ ذَكَاةً لَهُ (قَالَ) : وَلَوْ حَدَّدَ الْمِعْرَاضَ حَتَّى يَمُورَ مَوَرَانَ السِّلَاحِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. [الصَّيْدُ فِي الصَّيْدِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وُجِدَ الْحُوتُ فِي بَطْنِ حُوتٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ سَبُعٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحُوتِ وَلَوْ وُجِدَ فِي مَيِّتٍ لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مَيِّتًا وَلَوْ كُنْت أُحَرِّمُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَحِلَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي بَطْنِ سَبُعٍ لِأَنَّ السَّبُعَ لَا يُؤْكَلُ وَلَا فِي بَطْنِ طَائِرٍ إلَّا إنْ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ ثُمَّ مَا كَانَ لِي أَنْ أَجْعَلَ ذَكَاتَهُ بِذَكَاةِ الطَّائِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ مِنْ الطَّائِرِ إنَّمَا تَكُونُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ ذَكَاةَ أُمِّهِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهَا وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا مَا لَمْ يُزَايِلْهَا فِي الْآدَمِيِّينَ وَالدَّوَابِّ فَأَمَّا مَا ازْدَرَدَهُ طَائِرٌ فَلَوْ ازْدَرَدَ عُصْفُورًا مَا كَانَ حَلَالًا بِأَنْ يُذَكِّيَ الْمُزْدَرَدَ وَكَانَ عَلَى مَا وَجَدَهُ أَنْ يَطْرَحَهُ فَكَذَلِكَ مَا أَصَبْنَا فِي بَطْنِ طَائِرٍ سِوَى الْجَرَادِ وَالْحُوتِ فَلَا يُؤْكَلُ لَحْمًا كَانَ أَوْ طَائِرًا لِأَنَّهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا تَقَعُ ذَكَاتُهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ لَا عَلَى مَا هُوَ مِنْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْحُوتُ لَوْ ازْدَرَدَ شَاةً، أَكَلْنَا الْحُوتَ وَأَلْقَيْنَا الشَّاةَ لِأَنَّ الشَّاةَ غَيْرُ الْحُوتِ. [إرْسَالُ الرَّجُلِ الْجَارِحَ] َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ الْجَارِحَ طَائِرًا كَانَ أَوْ دَابَّةً عَلَى الصَّيْدِ فَمَضَى ثُمَّ صَرَعَهُ فَرَأَى الصَّيْدَ أَوْ لَمْ يَرَهُ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَجَعَ عَنْ سُنَنِهِ وَأَخَذَ طَرِيقًا إلَى غَيْرِهَا فَهَذَا طَالِبٌ غَيْرُ رَاجِعٍ فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ أَكَلَ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى صَاحِبِهِ رَأَى الصَّيْدَ أَوْ لَمْ يَرَهُ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ رُجُوعِهِ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِرْسَالَ الْأَوَّلَ قَدْ انْقَضَى وَهَذَا إحْدَاثُ طَلَبٍ بَعْدَ إرْسَالٍ فَإِنْ زَجَرَهُ صَاحِبُهُ بِرُجُوعِهِ

باب في الذكاة والرمي

فَانْزَجَرَ أَوْ فِي وَقْفَةٍ وَقَفَهَا فَاسْتَقْبَلَ أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ الصَّيْدِ فَعَادَ فِي جَرْيِهِ فَقَتَلَهُ وَأَكَلَ وَكَانَ ذَلِكَ كَإِرْسَالِهِ إيَّاهُ مِنْ يَدِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَمَى الصَّيْدَ فَأَثْبَتَهُ إثْبَاتًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ أَوْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَكْسُورًا أَوْ صَغِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ فَرَمَى فَقَتَلَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَلَا يَحِلُّ هَذَا إلَّا بِالذَّكَاةِ وَالذَّكَاةُ وَجْهَانِ مَا كَانَ مِنْ وَحْشِيٍّ أَوْ إنْسِيٍّ فَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الرَّمْيِ وَالسِّلَاحِ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِذَكَاةٍ، وَمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ إلَّا بِرَمْيٍ أَوْ بِسِلَاحٍ فَهُوَ ذَكَاةٌ لَهُ. [بَابٌ فِي الذَّكَاةِ وَالرَّمْيِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ رَمَى صَيْدًا فَكَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ جَنَاحَهُ أَوْ بَلَغَ بِهِ الْحَالُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الصَّيْدُ أَنْ يَمْتَنِعَ فِيهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا فَرَمَاهُ أَحَدٌ فَقَتَلَهُ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ عَلَى الرَّامِي قِيمَتُهُ بِالْحَالِ الَّتِي رَمَاهُ بِهَا مَكْسُورًا أَوْ مَقْطُوعًا لِأَنَّهُ مُسْتَهْلِكٌ لِصَيْدٍ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ رَمَاهُ فَأَصَابَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَذَكَّى كَانَ لِلرَّامِي الْأَوَّلِ وَكَانَ عَلَى الرَّامِي الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ الرَّمْيَةُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَصَابَهُ فِيهَا وَلَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ فَأَصَابَهُ وَكَانَ مُمْتَنِعًا بِطَيَرَانٍ إنْ كَانَ طَائِرًا أَوْ بُعْدٍ، وَإِنْ كَانَ دَابَّةً، ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي فَأَثْبَتَهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَمْتَنِعَ كَانَ لِلثَّانِي وَلَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلثَّانِي لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ دُونَهُ، وَلَوْ رَمَيَاهُ مَعًا فَمَضَى مُمْتَنِعًا ثُمَّ رَمَاهُ ثَالِثٌ فَصَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ كَانَ لِلثَّالِثِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلَانِ بَعْدَ رَمْيَةِ الثَّالِثِ فَقَتَلَاهُ ضَمِنَاهُ، وَلَوْ رَمَيَاهُ مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَأَخْطَأَتْهُ إحْدَى الرَّمْيَتَيْنِ وَأَصَابَتْهُ الْأُخْرَى كَانَ الَّذِي أَصَابَتْهُ رَمْيَتُهُ ضَامِنًا وَلَوْ أَصَابَتَاهُ مَعًا أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى كَانَتْ الرَّمْيَتَانِ مُسْتَوِيَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْنِ إلَّا أَنَّهُمَا قَدْ جَرَحَتَاهُ فَأَنْفَذَتْ إحْدَاهُمَا مَقَاتِلَهُ وَلَمْ تُنْفِذْهُ الْأُخْرَى كَانَا جَمِيعًا قَاتِلَيْنِ لَهُ وَكَانَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَجْرَحُ الرَّجُلَانِ الرَّجُلَ أَحَدُهُمَا الْجُرْحَ الْخَفِيفَ وَالْآخَرُ الْجُرْحَ الثَّقِيلَ أَوْ عَدَدَ الْجِرَاحِ الْكَثِيرَةِ فَيَكُونَانِ جَمِيعًا قَاتِلَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الرَّمْيَتَيْنِ أَتَتْ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَعِيشُ مِنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ مِثْلَ أَنْ تَقْطَعَ حُلْقُومَهُ أَوْ مَرِيئَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ تَقْطَعَهُ بِاثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ أَوَّلًا ثُمَّ وَقَعَتْ الرَّمْيَةُ الْأُخْرَى آخِرًا فَإِنَّمَا رَمَى الْآخَرُ مَيِّتًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَفْسَدَ بِالرَّمْيَةِ جِلْدًا أَوْ لَحْمًا فَيَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَفْسَدَ مِنْ الْجِلْدِ أَوْ اللَّحْمِ وَيَكُونُ الصَّيْدُ لِلرَّامِي الَّذِي ذَكَّاهُ وَلَوْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ ذَكَاتَهُ أَوَّلًا وَالرَّمْيَةُ الَّتِي بَلَغَتْ ذَكَاتَهُ آخِرًا كَانَ لِلرَّامِي الْآخَرِ لِأَنَّهُ الَّذِي ذَكَّاهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّامِي الْأَوَّلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ بَعْدَمَا صَارَ لَهُ وَلَا عَلَى الَّذِي ذَكَّاهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَمَى صَيْدًا مُمْتَنِعًا لَهُ رَمْيُهُ وَلَوْ كَانَ رَمَاهُ فَبَلَغَ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِثْلُهُ وَتَحَامَلَ فَدَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ فَذَكَّاهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الَّذِي بَلَغَ بِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ مَا نَقَصَتْهُ الذَّكَاةُ إنْ كَانَتْ نَقَصَتْهُ شَيْئًا وَلَوْ أَخَذَهُ صَاحِبُ الدَّارِ وَلَمْ يُذَكِّهِ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهِ وَمَنَعَ مِنْ صَاحِبِهِ ذَكَاتَهُ وَلَوْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ لَمْ تَبْلُغْ بِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَكَانَ فِيهِ مَا يَتَحَامَلُ طَائِرًا أَوْ عَادِيًا فَدَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَأَخَذَهُ كَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَرَمَاهُ الثَّانِي فَلَمْ يُدْرَ أَبَلَغَ بِهِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا أَوْ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ جَعَلْنَاهُ

الذكاة بالحديد

بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا نَجْعَلُ الْقَاتِلَيْنِ مَعًا وَهُوَ عَلَى الذَّكَاةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ إلَى حَالٍ لَا يُقْدَرُ فِيهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ وَيَكُونُ مَقْدُورًا عَلَى ذَكَاتِهِ (قَالَ) : وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ طَائِرًا يَطِيرُ فَأَصَابَهُ أَيَّ إصَابَةٍ مَا كَانَتْ أَوْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مَا كَانَ إذَا جَرَحَتْهُ فَأَدْمَتْهُ أَوْ بَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ وَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا لَمْ نَدْرِ أَمَاتَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ بَعْدَمَا صَارَ إلَى الْأَرْضِ أُكِلَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مِمَّا أُحِلَّ مِنْ الصَّيْدِ وَأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إلَى أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا إلَّا بِالْوُقُوعِ وَلَوْ حَرَّمْنَا هَذَا خَوْفًا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ قَتَلَتْهُ حَرَّمْنَا صَيْدَ الطَّيْرِ كُلَّهُ إلَّا مَا أُخِذَ مِنْهُ فَذُكِّيَ وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ عَنْهُ حَتَّى أُخِذَ وَلَكِنَّهُ لَوْ وَقَعَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ مُتَرَدِّيًا لَا يُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يُذَكَّى حَتَّى يُحِيطَ الْعِلْمُ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَرَدَّى أَوْ تَجِدَ الرَّمْيَةَ قَدْ قَطَعَتْ رَأْسَهُ أَوْ ذَبَحَتْهُ أَوْ قَطَعَتْهُ بِاثْنَيْنِ فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَّا ذَكِيًّا فَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَوْضِعٍ فَتَرَدَّى فَمَرَّ بِحِجَارَةِ حَدَّادٍ أَوْ شَوْكٍ أَوْ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَطَعَ رَأْسَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ أَتَى عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُؤْكَلْ حَتَّى يُحِيطَ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّ إلَّا بَعْدَ مَا مَاتَ وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ بِسَهْمِهِ صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ أَوْ أَصَابَهُ فَأَنْفَذَهُ وَقَتَلَ غَيْرَهُ فَسَوَاءٌ وَيَأْكُلُ كُلَّ مَا أَصَابَ إذَا قَصَدَ بِالرَّمْيَةِ قَصْدَ صَيْدٍ يَرَاهُ فَقَدْ جَمَعَ الرَّمْيَةَ الَّتِي تَكُونُ بِهَا الذَّكَاةُ وَإِنْ نَوَى صَيْدًا وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ فَخَرَقَتْ أَوْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا يَأْكُلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا غَيْرُ ذَكَاةٍ وَوَاقِذَةٍ وَأَنَّهَا إنَّمَا قَتَلَتْ بِالثِّقَلِ دُونَ الْخَرْقِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَعَانِي السِّلَاحِ الَّذِي يَكُونُ ذَكَاةً وَلَوْ رَمَى بِمِعْرَاضٍ فَأَصَابَ بِصَفْحِهِ فَقَتَلَ كَانَ مَوْقُوذًا لَا يُؤْكَلُ وَلَوْ أَصَابَ بِنَصْلِهِ وَحَدِّهِ نَصْلُهُ مُحَدَّدٌ فَخَرَقَ أُكِلَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ سَهْمٌ إنَّمَا يُقْتَلُ بِالْخَرْقِ لَا بِالثِّقَلِ وَلَوْ رَمَى بِعَصًا أَوْ عُودٍ كَانَ مَوْقُوذًا لَا يُؤْكَلُ وَلَوْ خَسَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الْخَاسِقُ مِنْهُمَا مُحَدَّدًا يَمُورُ مَوْرَ السِّلَاحِ بِعَجَلَةِ السِّلَاحِ أُكِلَ وَإِنْ كَانَ لَا يَمُورُ إلَّا مُسْتَكْرَهًا نَظَرْت فَإِنْ كَانَ الْعُودُ أَوْ الْعَصَا خَفِيفَيْنِ كَخِفَّةِ السَّهْمِ أُكِلَتْ لِأَنَّهُمَا إذَا خَفَّا قَتَلَا بِالْمَوْرِ وَإِنْ أَبْطَآ، وَإِنْ كَانَا أَثْقَلَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مُتَبَايِنٍ لَمْ يُؤْكَلْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالثِّقَلِ فَيَكُونُ مَوْقُوذًا. [الذَّكَاةُ بِالْحَدِيدِ] الذَّكَاةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُحِبُّ الذَّكَاةَ بِالْحَدِيدِ وَأَنْ يَكُونَ مَا ذُكِّيَ بِهِ مِنْ الْحَدِيدِ مُوحِيًا أَخَفَّ عَلَى الْمُذَكَّى وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُذَكِّي بَالِغًا مُسْلِمًا فَقِيهًا وَمَنْ ذَكَّى مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَازَتْ ذَكَاتُهُ وَكَذَلِكَ مَنْ ذَكَّى مِنْ صِبْيَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِسَائِهِمْ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَكَّى بِهِ مِنْ شَيْءٍ أَنْهَرَ الدَّمَ وَفَرَى الْأَوْدَاجَ وَالْمَذْبَحَ وَلَمْ يُثَرِّدْ جَازَتْ بِهِ الذَّكَاةُ إلَّا الظُّفْرُ وَالسِّنُّ فَإِنَّ النَّهْيَ جَاءَ فِيهِمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ ذَكَّى بِظُفْرِهِ أَوْ سِنِّهِ وَهُمَا ثَابِتَانِ فِيهِ أَوْ زَائِلَانِ عَنْهُ أَوْ بِظُفْرِ سَبُعٍ أَوْ سِنِّهِ أَوْ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّفْرِ مِنْ أَظْفَارِ الطَّيْرِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ بِهِ لِنَصِّ السُّنَّةِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَمَالُ الذَّكَاةِ بِأَرْبَعٍ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي مِنْ الذَّكَاةِ اثْنَانِ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَإِنَّمَا أَحْبَبْنَا أَنْ يُؤْتَى بِالذَّكَاةِ عَلَى الْوَدَجَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا أَتَى عَلَى الْوَدَجَيْنِ فَقَدْ اسْتَوْظَفَ قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ حَتَّى أَبَانَهُمَا وَفِيهِمَا مَوْضِعُ الذَّكَاةِ لَا فِي الْوَدَجَيْنِ لِأَنَّ الْوَدَجَيْنِ عِرْقَانِ قَدْ يَسِيلَانِ مِنْ الْإِنْسَانِ ثُمَّ يَحْيَا وَالْمَرِيءُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ طَعَامُ كُلِّ خَلْقٍ يَأْكُلُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ بَهِيمَةٍ وَالْحُلْقُومُ مَوْضِعُ النَّفَسِ وَإِذَا بَانَا فَلَا حَيَاةَ تُجَاوِزُ طُرْفَةَ عَيْنٍ فَلَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ دُونَ الْمَرِيءِ لَمْ تَكُنْ ذَكَاةً لِأَنَّ الْحَيَاةَ قَدْ تَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُدَّةً وَإِنْ قَصُرَت

باب موضع الذكاة في المقدور على ذكاته وحكم غير المقدور عليه

وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ دُونَ الْحُلْقُومِ لَمْ تَكُنْ ذَكَاةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَيَاةَ قَدْ تَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُدَّةً وَإِنْ قَصُرَتْ فَلَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا مَا يَكُونُ بَعْدَهُ حَيَاةٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي اجْتِمَاعِ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ دُونَ غَيْرِهِمَا. [بَابُ مَوْضِعِ الذَّكَاةِ فِي الْمَقْدُورِ عَلَى ذَكَاتِهِ وَحُكْمُ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الذَّكَاةُ ذَكَاتَانِ فَذَكَاةُ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِيٍّ أَوْ إنْسِيٍّ الذَّبْحُ أَوْ النَّحْرُ وَمَوْضِعُهُمَا اللَّبَّةُ وَالْمَنْحَرُ وَالْحَلْقُ لَا مَوْضِعَ غَيْرُهُ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ فَذَلِكَ الذَّكَاةُ فِيهِ بِمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ الصَّيْدِ إنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ بِأَيِّ شَيْءٍ قِسْت هَذَا؟ قِيلَ قِسْته بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَقَدْ كَتَبْت ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنَّهُ أَمَرَ فِي الْإِنْسِيِّ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ إذَا قُدِرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ وَفِي الْوَحْشِيِّ بِالرَّمْيِ وَالصَّيْدِ بِالْجَوَارِحِ فَلَمَّا قُدِرَ عَلَى الْوَحْشِيِّ فَلَمْ يَحِلَّ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ الْإِنْسِيُّ كَانَ مَعْقُولًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الصَّيْدَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُذَكًّى بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَكَذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ فِي الْإِنْسِيِّ فَامْتَنَعَ امْتِنَاعَ الْوَحْشِيِّ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّهُ يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْوَحْشِيُّ الْمُمْتَنِعُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَا أَجِدُ هَذَا فِي الْإِنْسِيِّ قِيلَ وَلَا يَجِدُ فِي الْوَحْشِيِّ الذَّبْحَ فَإِذَا أَحَلْته إلَى الذَّبْحِ وَالْأَصْلُ الَّذِي فِي الصَّيْدِ غَيْرُ الذَّبْحِ حِينَ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ فَأَحَلَّ الْإِنْسِيَّ حِينَ صَارَ إلَى الِامْتِنَاعِ إلَى ذَكَاةِ الْوَحْشِيِّ فَإِنْ قُلْت لَا أُحِيلُ الْإِنْسِيَّ وَإِنْ امْتَنَعَ إلَى ذَكَاةِ الْوَحْشِيِّ جَازَ عَلَيْك لِغَيْرِك أَنْ يَقُولَ لَا أُحِيلُ الْوَحْشِيَّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ إلَى ذَكَاةِ الْإِنْسِيِّ وَأُثْبِتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَاتَهُ فِي أَيِّ حَالٍ مَا كَانَ وَلَا أُحِيلُهُمَا عَنْ حَالِهِمَا بَلْ هَذَا لِصَاحِبِ الصَّيْدِ أَوْلَى لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الصَّيْدِ خَبَرًا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا وَأَعْلَمُ فِي الْإِنْسِيِّ يَمْتَنِعُ خَبَرًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَثْبُتُ بِأَنَّهُ رَأَى ذَكَاتَهُ كَذَكَاةِ الْوَحْشِيِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ؟ ثُمَّ إذَا فَرَّقَ أَبْطَلَ الثَّابِتَ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَيُثْبِتُ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْخَبَرِ؟ (قَالَ) : وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ صَيْدًا فَأَصَابَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ أَوْ حَدِّ السِّكِّينِ فَمَارَ فِيهِ فَهُوَ كَالسَّهْمِ يُصِيبُهُ بِنَصْلِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ بِصَفْحِ السَّيْفِ أَوْ بِمِقْبَضِهِ أَوْ قَفَاهُ إنْ كَانَ ذَا قَفًا أَوْ بِنِصَابِ السِّكِّينِ أَوْ قَفَاهُ أَوْ صَفْحِهِ فَانْحَرَفَ الْحَدُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُورَ فَلَا يَأْكُلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ وَهَذَا كَالسَّهْمِ يَرْمِي بِهِ وَالْخَشَبَةِ وَالْخَنْجَرِ فَلَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّهمْ قَتَلَهُ (قَالَ) : وَإِنْ رَمَى صَيْدًا بِعَيْنِهِ بِسَيْفٍ أَوْ سَهْمٍ وَلَا يَنْوِي أَنْ يَأْكُلَهُ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ كَمَا يَذْبَحُ الشَّاةَ لَا يَنْوِي أَنْ يَأْكُلَهَا فَيَجُوزَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ شَخْصًا يَرَاهُ يَحْسِبُهُ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا أَوْ شَجَرًا أَوْ شَيْئًا فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِهِ وَلَوْ أَكَلَهُ مَا رَأَيْته مُحَرَّمًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَخْطَأَ بِشَاةٍ لَهُ فَذَبَحَهَا لَا يُرِيدُ ذَكَاتَهَا أَوْ أَخَذَهَا بِاللَّيْلِ فَحَزَّ حَلْقَهَا حَتَّى أَتَى عَلَى ذَكَاتِهَا وَهُوَ يَرَاهَا خَشَبَةً لَيِّنَةً أَوْ غَيْرَهَا مَا بَلَغَ عِلْمِي أَنْ يَكُونَ ذَا مُحَرَّمًا مَا عَلَيْهِ وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْنَا بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ إذَا أَتَى عَلَى مَا يَكُونُ ذَكَاةً إذَا لَمْ يَنْوِ الذَّكَاةَ دَخَلَ عَلَيْنَا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَخَذَ شَاةً لِيَقْتُلَهَا لَا لِيُذَكِّيَهَا فَذَبَحَهَا وَسَمَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْلُهَا وَدَخَلَ عَلَيْنَا أَنْ لَوْ رَمَى مَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الطَّائِرِ وَالدَّوَابِّ فَأَصَابَ صَيْدًا يُؤْكَلُ لَمْ يَأْكُلْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَصَدَ بِالرَّمْيَةِ قَصْدَ غَيْرِ الذَّكَاةِ وَلَا نِيَّةَ الْمَأْكُولِ وَدَخَلَ عَلَيْنَا أَنْ لَوْ أَرَادَ ذَبْحَ شَاةٍ فَأَخْطَأَ بِغَيْرِهَا فَذَبَحَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْلُهُ وَلَوْ أَضْجَعَ شَاتَيْنِ لِيَذْبَحَ إحْدَاهُمَا وَلَا يَذْبَحُ الْأُخْرَى فَسَمَّى وَأَمَرَ بِالسِّكِّينِ فَذَبَحَهُمَا حَلَّ لَهُ أَكْلُ الَّتِي نَوَى ذَبْحَهَا وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الَّتِي لَمْ يَنْوِ ذَبْحَهَا وَدَخَلَ عَلَيْنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَأَوْلَى

أَنْ يَدْخُلَ مِمَّا أَدْخَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ وَذَلِكَ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ شَاةَ غَيْرِهِ فَيُدْرِكَهَا الرَّجُلُ الْمَالِكُ لَهَا فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَابِحَهَا عَاصٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهَا وَمَالِكُهَا غَيْرُ ذَابِحٍ لَهَا وَلَا آمِرٌ بِذَبْحِهَا وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَسْتَقِيمُ يُخَالِفُ الْآثَارَ وَلَا أَعْلَمُ فِي الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ وَلَا فِي النِّيَّةِ عَمَلًا غَيْرَ الذَّكَاةِ وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ مَا تَفَاحَشَ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ غَصَبَ سَوْطًا مِنْ رَجُلٍ فَضَرَبَ بِهِ أَمَتَهُ حَدَّ الزِّنَا وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ السُّلْطَانُ فَضَرَبَ بِهِ الْحَدَّ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ مَحْدُودًا وَكَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ بِسَوْطٍ غَيْرِ مَغْصُوبٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَ فَالنِّيَّةُ أَوْلَى أَنْ لَا تَكُونَ فِي الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ تَعْمَلُ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا طَلَبَتْهُ الْكِلَابُ أَوْ الْبُزَاةُ فَأَتْعَبَتْهُ فَمَاتَ وَلَمْ تَنَلْهُ فَلَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ فِيمَا نَالَتْ لِأَنَّهَا بِمَا نَالَتْ تَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَأَتْعَبَهَا حَتَّى مَاتَتْ لَمْ يَأْكُلْهَا وَمَا أُصِيبَ مِنْ الصَّيْدِ بِأَيِّ سِلَاحٍ مَا كَانَ وَلَمْ يَمُرَّ فِيهِ فَلَا يُؤْكَلُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْ يَمُرَّ فَيُدْمِيَ أَوْ يُجَاوِزَ الْإِدْمَاءَ فَيَخْرِقَ أَوْ يَهْتِكَ وَمَا نَالَتْهُ الْكِلَابُ وَالصُّقُورُ وَالْجَوَارِحُ كُلُّهَا فَقَتَلَتْهُ وَلَمْ تُدْمِهِ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُؤْكَلَ حَتَّى يَخْرِقَ شَيْئًا لِأَنَّ الْجَارِحَ مَا خَرَقَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " الْجَوَارِحِ " وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ فِعْلَهَا كُلَّهُ ذَكَاةٌ فَبِأَيِّ فِعْلِهَا قَتَلَتْ حَلَّ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا جَائِزًا فَيَكُونُ فِعْلُهَا غَيْرَ فِعْلِ السِّلَاحِ لِأَنَّ فِعْلَ السِّلَاحِ فِعْلُ الْآدَمِيِّ وَأَدْنَى ذَكَاةِ الْآدَمِيِّ مَا خَرَقَ حَتَّى يُدْمِيَ وَفِعْلُهَا عَمْدُ الْقَتْلِ لَا عَلَى أَنَّ فِي الْقَتْلِ فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَكَاةٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ ذَكَاةٍ وَقَدْ تُسَمَّى جَوَارِحَ لِأَنَّهَا تَجْرَحُ فَيَكُونُ اسْمًا لَازِمًا وَأُكِلَ مَا أَمْسَكْنَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مَا أَمْسَكْنَ حَلَالًا بِالْإِطْلَاقِ وَيَكُونُ الْجُرْحُ إنْ جَرَحَهَا هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلَيْهَا لَا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَجْرَحْ لَمْ يُؤْكَلْ مَا قَتَلَتْ وَإِذَا أَحْرَزَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ فَرَبَطَهُ وَأَقَامَ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يُقِمْ فَانْفَلَتَ مِنْهُ فَصَادَهُ غَيْرُهُ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ وَهُوَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي أَحْرَزَهُ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا كَمَا يَمْلِكُ شَاتَه أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَهُ فِي يَدَيْهِ يَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ كَمَا يَضْمَنُ لَهُ قِيمَةَ شَاتِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ مَلَكَهُ مِلْكَ الشَّاةِ أَلَا تَرَى أَنَّ حِمَارَ الْإِنْسِيِّ لَوْ اسْتَوْحَشَ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ كَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ وَسُنَّةُ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ شَيْئًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهُ هُوَ وَلَوْ كَانَ هَرَبَ الْوَحْشِيُّ مِنْ يَدَيْهِ يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ كَانَ هَرَبُ الْإِنْسِيِّ يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ وَيُسْأَلُ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْقَوْلَ إذَا هَرَبَ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ بِهَرَبِ نَفْسِهِ يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ أَنْ يَمْلِكَهُ فَإِنْ قَالَ لَا وَكَيْفَ تَمْلِكُ الْبَهَائِمُ أَنْفُسَهَا؟ قِيلَ وَهَكَذَا لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُ مَنْ مَلَكَهَا عَلَى مَنْ مَلَكَهَا إلَّا بِإِخْرَاجِهِ إيَّاهَا مِنْ يَدِهِ وَيُسْأَلُ مَا فَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ يَدِهِ فَيَصِيرَ مُمْتَنِعًا فَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ إذَا تَقَارَبَ ذَلِكَ وَإِنْ تَبَاعَدَ كَانَ لِلْآخَرِ أَفَرَأَيْت إنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا تَبَاعَدَ كَانَ لِلْأَوَّلِ وَإِذَا تَقَارَبَ كَانَ لِلْآخَرِ مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ هَلْ هِيَ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْأَوَّلِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِذَا انْفَلَتَ كَانَ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ سَاعَتِهِ؟ وَهَكَذَا كُلُّ وَحْشِيٍّ فِي الْأَرْضِ مِنْ طَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْحُوتُ وَكُلُّ مُمْتَنِعٍ مِنْ الصَّيْدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ أَوْ رَمَاهُ فَأَبَانَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ وَلَوْ أَبَانَ نِصْفَهُ فَيَأْكُلُ النِّصْفَيْنِ وَالْيَدَ وَالرِّجْلَ وَجَمِيعَ الْبَدَنِ لِأَنَّ تِلْكَ الضَّرْبَةَ إذَا وَقَعَتْ مَوْقِعَ الذَّكَاةِ كَانَتْ ذَكَاةً عَلَى مَا بَانَ وَبَقِيَ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ أَوْ ذَبَحَهُ فَأَبَانَ رَأْسَهُ كَانَتْ الذَّكَاةُ عَلَى الرَّأْسِ وَجَمِيعِ الْبَدَنِ وَلَا تَعْدُو الضَّرْبَةُ أَوْ الرَّمْيَةُ أَنْ تَكُونَ ذَكَاةً وَالذَّكَاةُ لَا تَكُونُ عَلَى بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ لَا تَكُونُ ذَكَاةً فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَكِنَّهُ لَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا ثُمَّ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَذَكَّاهُ لَمْ

باب فيه مسائل في الذكاة

يَأْكُلْ الْعُضْوَ الَّذِي أَبَانَ لِأَنَّ الضَّرْبَةَ الْأُولَى صَارَتْ غَيْرَ ذَكَاةٍ وَكَانَتْ الذَّكَاةُ فِي الذَّبْحِ وَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْبَدَنِ وَمَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْهُ وَلَمْ يُزَايِلْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ مِنْهُ عُضْوًا ثُمَّ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَتَرَكَهَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّ الذَّكَاةَ قَدْ أَمْكَنَتْهُ فَصَارَتْ الضَّرْبَةُ الْأُولَى غَيْرَ الذَّكَاةِ؟ [بَابٌ فِيهِ مَسَائِلُ فِي الذَّكَاة] بَابٌ فِيهِ مَسَائِلُ مِمَّا سَبَقَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكُلُّ مَا كَانَ مَأْكُولًا مِنْ طَائِرٍ أَوْ دَابَّةٍ فَأَنْ يُذْبَحَ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ سُنَّتُهُ وَدَلَالَةُ الْكِتَابِ فِيهِ وَالْبَقَرُ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] وَحِكَايَتُهُ فَقَالَ {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] إلَّا الْإِبِلَ فَقَطْ فَإِنَّهَا تُنْحَرُ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بُدْنَهُ» ، فَمَوْضِعُ النَّحْرِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي السُّنَّةِ فِي اللَّبَّةِ، وَمَوْضِعُ الذَّبْحِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي السُّنَّةِ أَسْفَلُ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّكَاةُ فِي جَمِيعِ مَا يُنْحَرُ وَيُذْبَحُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ فَأَيْنَ ذَبَحَ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ فِيهِ مَا يُجْزِيهِ إذَا وَضَعَ الذَّبْحَ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ كَرِهْته لَهُ وَلَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْرَ وَالذَّبْحَ ذَكَاةٌ كُلُّهُ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ لَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الذَّكَاةُ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ " وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَزَادَ عُمَرُ وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالذَّكَاةُ ذَكَاتَانِ فَمَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَذَكَاتُهُ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لَا يَحِلُّ بِغَيْرِهِمَا إنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا وَمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَذَكَاتُهُ أَنْ يُنَالَ بِالسِّلَاحِ حَيْثُ قُدِرَ عَلَيْهِ إنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا فَإِنْ تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى مَنْحَرِهِ وَلَا مَذْبَحِهِ حَيْثُ يُذَكَّى فَطُعِنَ فِيهِ بِسِكِّينٍ أَوْ شَيْءٍ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ فَأَنْهَرَ الدَّمَ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ أُكِلَ وَهَكَذَا ذَكَاةُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، قَدْ تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ فَطُعِنَ فِي شَاكِلَتِهِ فَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ عَشِيرًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَسُئِلَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْمُتَرَدِّي يُنَالُ بِشَيْءٍ مِنْ السِّلَاحِ فَلَا يُقْدَرُ عَلَى مَذْبَحِهِ فَقَالَ: حَيْثُمَا نِلْت مِنْهُ بِالسِّلَاحِ فَكُلْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفْتِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ فِي الذَّبِيحَةِ أَنْ تُوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الذَّابِحُ فَقَدْ تَرَكَ مَا أَسْتَحِبُّهُ لَهُ وَلَا يُحَرِّمُهَا ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّخْعِ وَأَنْ تُعَجَّلَ الْأَنْفُسُ أَنْ تُزْهَقَ وَالنَّخْعُ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يَكْسِرَ قَفَاهَا مِنْ مَوْضِعِ الذَّبْحِ لِنَخْعِهِ وَلِمَكَانِ الْكَسْرِ فِيهِ أَوْ تُضْرَبَ لِيُعَجِّلَ قَطْعَ حَرَكَتِهَا فَأَكْرَهُ هَذَا وَأَنْ يَسْلُخَهَا أَوْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْهَا وَنَفْسُهَا تَضْطَرِبُ أَوْ يَمَسُّهَا بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى تَبْرُدَ وَلَا يَبْقَى فِيهَا حَرَكَةٌ فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا كَرِهْت لَهُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ عَلَى الذَّكَاةِ كَانَ مُسِيئًا وَلَمْ يُحَرِّمْهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَكِيَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ذَبَحَ رَجُلٌ ذَبِيحَةً فَسَبَقَتْهُ يَدُهُ فَأَبَانَ رَأْسَهَا، أَكَلَهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى بِالذَّكَاةِ قَبْلَ قَطْعِ الرَّأْسِ وَلَوْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا أَوْ أَحَدِ صَفْحَتَيْ عُنُقِهَا ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ مَتَى مَاتَتْ لَمْ يَأْكُلْهَا حَتَّى يَعْلَمَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا حَيِيَتْ بَعْدَ قَطْعِ الْقَفَا أَوْ أَحَدِ صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ حَتَّى وَصَلَ بِالْمُدْيَةِ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَقَطَعَهُمَا وَهِيَ حَيَّةٌ أَكَلَ وَكَانَ مُسِيئًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ جَرَحَهَا ثُمَّ ذَكَّاهَا كَانَ مُسِيئًا وَكَانَتْ حَلَالًا وَلَا يَضُرُّهُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعًا، أَقَطَعَ مَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِهَا أَوْ لَمْ يَقْطَعْهُ، إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَإِذَا وَصَلَ إلَى قَطْعِهِمَا وَفِيهَا الْحَيَاةُ كَانَتْ ذَكِيَّةً وَإِذَا لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ وَفِيهَا الْحَيَاةُ كَانَتْ مَيْتَةً وَإِذَا غَابَ ذَلِكَ عَنِّي وَقَدْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا جَعَلْت الْحُكْمَ عَلَى الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ إذَا لَمْ أَسْتَيْقِنْ بِحَيَاةٍ بَعْدُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ بِاسْمِ اللَّهِ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَالزِّيَادَةُ خَيْرٌ وَلَا أَكْرَهُ مَعَ تَسْمِيَتِهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ أَنْ يَقُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى

باب الذبيحة وفيه من يجوز ذبحه

رَسُولِ اللَّهِ بَلْ أُحِبُّهُ لَهُ وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَةٌ لَهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَهَا، وَقَدْ ذَكَرَ «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَقَدَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَاتَّبَعَهُ فَوَجَدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاجِدًا فَوَقَفَ يَنْتَظِرُهُ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ قَبَضَ رُوحَك فِي سُجُودِك فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إنِّي لَمَّا كُنْت حَيْثُ رَأَيْت لَقِيَنِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيْك صَلَّيْت عَلَيْهِ فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ بِهِ طَرِيقُ الْجَنَّةِ» (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَإِنْ ذَا لَعَجَبٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْنَا نَعْلَمُ مُسْلِمًا وَلَا نَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَلَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ أَدْخَلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ النَّهْيَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الذَّبِيحَةِ لِيَمْنَعَهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي حَالٍ لِمَعْنًى يَعْرِضُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا إيمَانًا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامًا لَهُ وَتَقَرُّبًا إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَّبَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْهُ زُلْفَى وَالذِّكْرُ عَلَى الذَّبَائِحِ كُلِّهَا سَوَاءٌ وَمَا كَانَ مِنْهَا نُسُكًا فَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي " قَالَهُ وَإِنْ قَالَ " اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك فَتَقَبَّلْ مِنِّي " وَإِنْ ضَحَّى بِهَا عَنْ أَحَدٍ فَقَالَ " تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ " فَلَا بَأْسَ هَذَا دُعَاءٌ لَهُ لَا يُكْرَهُ فِي حَالٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ «أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ فَقَالَ فِي أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَفِي الْآخَرِ اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (قَالَ الرَّبِيعُ) رَأَيْت الشَّافِعِيَّ إذَا حَضَرَ الْجَزَّارُ لِيَذْبَحَ الضَّحِيَّةَ حَضَرَهُ حَتَّى يَذْبَحَ. [بَابُ الذَّبِيحَةِ وَفِيهِ مَنْ يَجُوزُ ذَبْحُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَبْحُ كُلِّ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ امْرَأَةٍ حَائِضٍ وَصَبِيٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ذَبْحِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَكُلِّ حَلَالِ الذَّبِيحَةِ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَ نُسُكِهِ فَإِنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَاطِمَةَ أَوْ غَيْرِهَا أَحْضِرِي ذَبْحَ نَسِيكَتِك فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ذَبَحَ النَّسِيكَةَ غَيْرُ مَالِكِهَا أَجْزَأَتْ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ وَنَحَرَ بَعْضَهُ غَيْرُهُ وَأَهْدَى هَدْيًا فَإِنَّمَا نَحَرَهُ مَنْ أَهْدَاهُ مَعَهُ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَيْئًا مِنْ النَّسَائِكِ مُشْرِكٌ لَأَنْ يَكُونَ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ ذَبَحَهَا مُشْرِكٌ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ أَجْزَأَتْ مَعَ كَرَاهَتِي لِمَا وَصَفْت وَنِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا أَطَقْنَ الذَّبْحَ كَرِجَالِهِمْ وَمَا ذَبَحَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنْفُسِهِمْ مِمَّا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ أَوْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنْهُ شَحْمًا أَوْ حَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إنْ كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَكْلِهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذَا أَحَلَّ طَعَامَهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ذَبَائِحَهُمْ فَكُلُّ مَا ذَبَحُوا لَنَا فَفِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُحَرِّمُونَ فَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا إذَا ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ بِتَحْرِيمِهِمْ لَحَرُمَ عَلَيْنَا إذَا ذَبَحُوهُ لَنَا وَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ وَإِنَّمَا أُحِلَّ لَنَا طَعَامُهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَسْتَحِلُّونَ كَانُوا قَدْ يَسْتَحِلُّونَ مُحَرَّمًا عَلَيْنَا

كتاب الأطعمة

يَعُدُّونَهُ لَهُمْ طَعَامًا، فَكَانَ يَلْزَمُنَا لَوْ ذَهَبْنَا هَذَا الْمَذْهَبَ أَنْ نَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمْ الْحَلَالِ لَهُمْ عِنْدَهُمْ وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ مَعْنَاهَا مَا وَصَفْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَحَلَّ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا وَمَا حَرَّمَ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا قَبْلَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَنُسِخَ بِهِ مَا خَالَفَهُ مِنْ كُلِّ دِينٍ أَدْرَكَهُ أَوْ كَانَ قَبْلَهُ وَافْتَرَضَ عَلَى الْخَلْقِ اتِّبَاعَهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَذِنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ صَاغِرُونَ غَيْرَ عَاذِرٍ لَهُمْ بِتَرْكِهِمْ الْإِيمَانَ وَلَا مُحَرِّمٍ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحَلَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا مُحِلٍّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَوَاءٌ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ حَرْبِيِّينَ كَانُوا أَوْ مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ ذِمَّةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ ذَبِيحَةَ الْأَخْرَسِ الْمُسْلِمِ وَلَا الْمَجْنُونِ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَأَكْرَهُ ذَبِيحَةَ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَلَا أَقُولُ إنَّهَا حَرَامٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ زَعَمْتَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِي عَنْ هَذَيْنِ لَوْ صَلَّيَا وَأَنَّ ذَكَاتَهُمَا تُجْزِي؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاةِ وَالذَّكَاةِ، الصَّلَاةُ أَعْمَالٌ لَا تُجْزِي إلَّا مَنْ عَقَلَهَا وَلَا تُجْزِي إلَّا بِطَهَارَةٍ وَفِي وَقْتٍ وَأَوَّلٍ وَآخِرٍ، وَهُمَا مِمَّا لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ وَالذَّكَاةُ إنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يُؤْتَى عَلَيْهَا فَإِذَا أَتَيَا عَلَيْهَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَجْعَلَهُمَا فِيهَا أَسْوَأَ حَالًا مِنْ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ حَائِضٍ أَوْ صَغِيرَةٍ لَا تَعْقِلُ أَوْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ تُجْزِي ذَكَاتُهُ، فَقُلْت بِهَذَا الْمَعْنَى: إنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ الْإِتْيَانُ عَلَى الذَّكَاةِ. [كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَتَرْجَمَ فِيهِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَصْلُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ الْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ شَيْئَانِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ فَيَكُونُ مِنْهَا شَيْءٌ مُحَرَّمٌ نَصًّا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَيْءٌ مُحَرَّمٌ فِي جُمْلَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَارِجٌ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَمِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1] وَيَقُولُ {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] فَأَهْلُ التَّفْسِيرِ أَوْ مَنْ سَمِعْت مِنْهُ مِنْهُمْ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] يَعْنِي مِمَّا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَتُحِلُّ أَشْيَاءَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَأُحِلَّتْ لَهُمْ الطَّيِّبَاتُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثُ عِنْدَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ لَا يَجُوزُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ تَكُونَ الْخَبَائِثُ مَعْرُوفَةً عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِهَا وَالطَّيِّبَاتُ كَذَلِكَ إمَّا فِي لِسَانِهَا وَإِمَّا فِي خَبَرٍ يَلْزَمُهَا وَلَوْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَقُولَ كُلُّ مَا حَرُمَ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ وَمَا لَمْ يَنُصَّ بِتَحْرِيمٍ فَهُوَ حَلَالٌ أَحَلَّ أَكْلَ الْعَذِرَةِ وَالدُّودِ وَشُرْبِ الْبَوْلِ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُنَصَّ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا وَلَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْخَبَائِثِ الَّتِي حَرَّمُوا فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِمْ وَكَانَ هَذَا فِي شَرٍّ مِنْ حَالِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمُحَرَّمَيْنِ لِأَنَّهُمَا نَجِسَانِ يُنَجِّسَانِ مَا مَاسَّا وَقَدْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ قَبْلَ الْمَوْتِ غَيْرَ نَجِسَةٍ فَالْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ اللَّذَانِ لَمْ يَكُونَا قَطُّ إلَّا نَجِسَيْنِ أَوْلَى أَنْ يَحْرُمَا أَنْ يُؤْكَلَا أَوْ يُشْرَبَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَفِيهِ كِفَايَةٌ مَعَ أَنَّ ثَمَّ دَلَالَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ دَلَّ هَذَا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ الطَّائِرِ

وَالدَّوَابِّ كَمَا وَصَفْت دَلَّ هَذَا عَلَى أَنْ أَنْظُرَ إلَى كُلِّ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ فَيَكُونُ حَلَالًا وَإِلَى مَا لَمْ تَكُنْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ فَيَكُونُ حَرَامًا فَلَمْ تَكُنْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ كَلْبًا وَلَا ذِئْبًا وَلَا أَسَدًا وَلَا نَمِرًا وَتَأْكُلُ الضَّبُعَ فَالضَّبُعُ حَلَالٌ وَيُجْزِيهَا الْمُحَرَّمُ بِخَبَرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا صَيْدٌ وَتُؤْكَلُ، وَلَمْ تَأْكُلْ الْفَأْرَ وَلَا الْعَقَارِبَ وَلَا الْحَيَّاتِ وَلَا الْحِدَأَ وَلَا الْغِرْبَانَ فَجَاءَتْ السُّنَّةُ مُوَافِقَةً لِلْقُرْآنِ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا وَإِحْلَالِ مَا أَحَلُّوا وَإِبَاحَةِ أَنْ يُقْتَلَ فِي الْإِحْرَامِ مَا كَانَ غَيْرَ حَلَالٍ أَنْ يُؤْكَلَ ثُمَّ هَذَا أَصْلُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْكَلَ الرَّخَمُ وَلَا الْبُغَاثُ وَلَا الصُّقُورُ وَلَا الصَّوَائِدُ مِنْ الطَّائِرِ كُلِّهِ مِثْلُ الشَّوَاهِينِ وَالْبُزَاةِ وَالْبَوَاشِقِ وَلَا تُؤْكَلُ الْخَنَافِسُ وَلَا الْجُعْلَان وَلَا الْعَظَاءُ وَلَا اللُّحَكَاءُ وَلَا الْعَنْكَبُوتُ وَلَا الزَّنَابِيرُ وَلَا كُلُّ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ لَا تَأْكُلُهُ. وَيُؤْكَلُ الضَّبُّ وَالْأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَكُلُّ مَا أَكَلَتْهُ الْعَرَبُ أَوْ فَدَاهُ الْمُحْرِمُ فِي سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ، وَتُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الضَّبُعِ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْت أَتُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا يُبَاعُ لَحْمُ الضِّبَاعِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ لَا يَكُونُ إلَّا مَا عَدَا عَلَى النَّاسِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنْ السِّبَاعِ الْأَسَدُ وَالذِّئَابُ وَالنُّمُورُ فَأَمَّا الضَّبُعُ فَلَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ وَكَذَلِكَ الثَّعْلَبُ وَيُؤْكَلُ الْيَرْبُوعُ وَالْقُنْفُذُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ عَلَى أُصُولِهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا أَصْلُهُ وَحْشِيًّا وَاسْتُؤْنِسَ فَهُوَ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ كَالْوَحْشِ وَذَلِكَ مِثْلُ حِمَارِ الْوَحْشِ وَالظَّبْيِ يُسْتَأْنَسَانِ وَالْحِمَارُ يُسْتَأْنَسُ فَلَا يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ فَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَيَحِلُّ أَنْ يَذْبَحَ حِمَارَ الْوَحْشِ الْمُسْتَأْنَسِ فَيُؤْكَلُ وَمَا كَانَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْوَحْشِ، مِثْلُ الدَّجَاجِ، وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْبَقَرِ. فَتَوَحَّشَتْ فَقَتَلَهَا الْمُحْرِمُ، لَمْ يُجِزْهَا، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلْمَالِكِ، إنْ كَانَ لَهَا، لِأَنَّا صَيَّرْنَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى أُصُولِهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فِي الْوَحْشِ بَقَرٌ وَظِبَاءٌ مِثْلُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، تُخْلَقُ غَيْرَ خَلْقِ الْأَهْلِيَّةِ، شَبَهًا لَهَا مَعْرُوفَةً مِنْهَا. وَلَوْ أَنَّا زَعَمْنَا أَنَّ حِمَارَ الْوَحْشِ إذَا تَأَهَّلَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، دَخَلَ عَلَيْنَا أَنْ لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ لَمْ يُجِزْهُ. كَمَا لَوْ قَتَلَ حِمَارًا أَهْلِيًّا لَمْ يُجِزْهُ، وَدَخَلَ عَلَيْنَا فِي الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ أَنْ لَوْ تَوَحَّشَ كَانَ حَلَالًا، وَكُلُّ مَا تَوَحَّشَ مِنْ الْأَهْلِيِّ، فِي حُكْمِ الْوَحْشِيِّ، وَمَا اُسْتُؤْنِسَ مِنْ الْوَحْشِيِّ، فِي حُكْمِ الْإِنْسِيِّ: فَأَمَّا الْإِبِلُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا الْعَذِرَةُ الْيَابِسَةُ، فَكُلُّ مَا صَنَعَ هَذَا مِنْ الدَّوَابِّ الَّتِي تُؤْكَلُ، فَهِيَ جَلَّالَةٌ، وَأَرْوَاحُ الْعَذِرَةِ تُوجَدُ فِي عِرْقِهَا وَجِرَارِهَا، لِأَنَّ لُحُومَهَا تَغْتَذِي بِهَا فَتَقْلِبُهَا. وَمَا كَانَ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، أَكْثَرُ عَلَفِهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَكَانَ يَنَالُ هَذَا قَلِيلًا، فَلَا يَبِينُ فِي عِرْقِهِ وَلَا جُرُرِهِ، لِأَنَّ اغْتِذَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ بِجَلَّالٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَالْجَلَّالَةُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُحُومِهَا حَتَّى تُعْلَفَ عَلَفًا غَيْرَهُ مَا تَصِيرُ بِهِ إلَى أَنْ يُوجَدَ عِرْقُهَا وَجُرُرُهَا مُنْقَلِبًا عَمَّا كَانَتْ تَكُونُ عَلَيْهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ اغْتِذَاءَهَا قَدْ انْقَلَبَ، فَانْقَلَبَ عِرْقُهَا وَجُرُرُهَا فَتُؤْكَلُ إذَا كَانَتْ هَكَذَا. وَلَا تَجِدُ شَيْئًا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجِدَهُ فِيهَا كُلِّهَا أَبْيَنَ مِنْ هَذَا، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّ الْبَعِيرَ يُعْلَفُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَالشَّاةُ عَدَدًا أَقَلَّ مِنْ هَذَا، وَالدَّجَاجَةُ سَبْعًا. وَكُلُّهُمْ فِيمَا يُرَى إنَّمَا أَرَادَ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت، مِنْ تَغَيُّرِهَا مِنْ الطِّبَاعِ الْمَكْرُوهَةِ، إلَى الطِّبَاعِ غَيْرِ الْمَكْرُوهَةِ، الَّتِي هِيَ فِي فِطْرَةِ الدَّوَابِّ

باب ذبائح بني إسرائيل

[بَابُ ذَبَائِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ] َ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] الْآيَةَ وَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] إلَى قَوْلِهِ " لَصَادِقُونَ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْحَوَايَا مَا حَوَى الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي الْبَطْنِ، فَلَمْ يَزَلْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ - الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَغَيْرِهِمْ عَامَّةً - مُحَرَّمًا مِنْ حِينِ حَرَّمَهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَرَضَ الْإِيمَانَ بِهِ، وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَاعَةِ أَمْرِهِ، وَأَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَتُهُ، وَأَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ الَّذِي نَسَخَ بِهِ كُلَّ دِينٍ كَانَ قَبْلَهُ. وَجَعَلَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَعَلِمَ دِينَهُ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ كَافِرًا بِهِ فَقَالَ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19] فَكَانَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْزَلَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] إلَى قَوْلِهِ {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] وَأُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] إلَى قَوْلِهِ {وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] فَقِيلَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَوْزَارَهُمْ وَمَا مَنَعُوا بِمَا أَحْدَثُوا قَبْلَ مَا شُرِعَ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ خَلْقٌ يَعْقِلُ - مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابِيٌّ وَلَا وَثَنِيٌّ وَلَا حَيٌّ ذُو رُوحٍ، مِنْ جِنٍّ وَلَا إنْسٍ - بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاتِّبَاعِ دِينِهِ، وَكَانَ مُؤْمِنًا بِاتِّبَاعِهِ وَكَافِرًا بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ، وَلَزِمَ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ آمَنَ بِهِ أَوْ كَفَرَ، تَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُبَاحًا قَبْلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمِلَلِ وَأَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ وَصَفَ ذَبَائِحَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْرُمَ مِنْهَا ذَبِيحَةُ كِتَابِيٍّ وَفِي الذَّبِيحَةِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مِمَّا كَانَ حَرُمَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى مِنْ شَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا كِتَابِيٌّ لِنَفْسِهِ وَأَبَاحَهَا لِمُسْلِمٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ شَحْمِ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَلَالًا مِنْ جِهَةِ الذَّكَاةِ لِأَحَدٍ، حَرَامًا عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ مَا ذَكَرَ عَامًّا لَا خَاصًّا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلْ يَحْرُمُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذِهِ الشُّحُومِ وَغَيْرِهَا إذَا لَمْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ نُسِخَ مَا خَالَفَ دِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِينِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ، إنْ كَانَتْ الْخَمْرُ حَلَالًا لَهُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ، إذْ حُرِّمَتْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِهِ. مَا حَرَّمَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : حَرَّمَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَشْيَاءَ أَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرْت بَعْضَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ. كَانُوا يَتْرُكُونَهَا فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَالْعِتْقِ، فَيُحَرِّمُونَ أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا وَمِلْكَهَا، وَقَدْ فَسَّرْته

ما حرم بدلالة النص

فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [المائدة: 103] وَقَالَ {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَذْكُرُ مَا حَرَّمُوا {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138] إلَى قَوْلِهِ {حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 139] {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139] الْآيَةَ وَقَالَ {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمُوا. وَيُقَالُ: نَزَلَتْ فِيهِمْ {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150] فَرَدَّ إلَيْهِمْ مَا أَخْرَجُوا مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمُوا بِتَحْرِيمِهِمْ. وَقَالَ {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ الْمَيْتَةِ. وَيُقَالُ: أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] إلَى قَوْلِهِ {فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قِيلَ يَعْنِي {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] أَيْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إلَّا مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا مِنْهَا وَهِيَ حَيَّةٌ أَوْ ذَبِيحَةُ كَافِرٍ. وَذَكَرَ تَحْرِيمَ الْخِنْزِيرِ مَعَهَا وَقَدْ قِيلَ: مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إلَّا كَذَا. وَقَالَ {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا} [النحل: 114] إلَى قَوْلِهِ {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل: 115] وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مِثْلِ مَعْنَى الْآيَةِ قَبْلَهَا. [مَا حَرُمَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ] ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] فَيُقَالُ يُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ عِنْدَهُمْ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ عِنْدَهُمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَكَانَ الصَّيْدُ مَا امْتَنَعَ بِالتَّوَحُّشِ كُلُّهُ، وَكَانَتْ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صَيْدٍ، وَهُوَ يُجْزِي بَعْضَ الصَّيْدِ دُونَ بَعْضٍ. فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ مِنْ الصَّيْدِ شَيْئًا لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ كُلُّ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّيْدِ شَيْءٌ يَتَفَرَّقُ إلَّا بِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ، إمَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ يَفْدِيَ الصَّيْدَ الْمُبَاحَ أَكْلُهُ وَلَا يَفْدِيَ مَا لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ، وَهَذَا أَوْلَى مَعْنَيَيْهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصِيدُونَ لِيَأْكُلُوا، لَا لِيَقْتُلُوا، وَهُوَ يُشْبِهُ دَلَالَةَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] وَقَالَ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إبَاحَةَ صَيْدِ الْبَحْرِ لِلْمُحْرِمِ وَمَتَاعًا لَهُ، يَعْنِي طَعَامًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ حَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ مَا كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ الْغُرَابَ، وَالْحِدَأَةَ. وَالْفَأْرَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْأَسَدَ، وَالنَّمِرَ، وَالذِّئْبَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى النَّاسِ، فَكَانَتْ مُحَرَّمَةَ الْأَكْلِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، فَكَانَ مَا أُبِيحَ قَتْلُهُ مَعَهَا، يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ لِإِبَاحَتِهِ مَعَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ ضَرَرُهَا، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْلَ الضَّبُعِ، وَهُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالْفَأْرَةِ أَضْعَافًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ مَا ضَرَّ، وَلَا يَقْتُلَ مَا لَا يَضُرُّ، وَيَفْدِيهِ إنْ قَتَلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَاهُ. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَلَّ أَكْلَ لَحْمِ الضَّبُعِ، وَأَنَّ السَّلَفَ وَالْعَامَّةَ عِنْدَهُمْ

الطعام والشراب

فَدَوْهَا. وَهِيَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالْفَأْرِ. وَكُلُّ مَا لَمْ تَكُنْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَكَانَتْ تَدَعُهُ عَلَى التَّقَذُّرِ بِهِ مُحَرَّمٌ وَذَلِكَ مِثْلُ الْحِدَأِ. وَالْبُغَاثِ. وَالْعُقْبَانِ. وَالْبُزَاةِ. وَالرَّخَمِ. وَالْفَأْرَةِ. وَاللُّحَكَاءِ. وَالْخَنَافِسِ. وَالْجِعْلَانِ. وَالْعَظَاءِ. وَالْعَقَارِبِ. وَالْحَيَّاتِ. وَالذَّرِّ. وَالذِّبَّانِ. وَمَا أَشْبَهَ هَذَا. وَكُلُّ مَا كَانَتْ تَأْكُلُهُ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا نَصَّ تَحْرِيمَهُ. أَوْ يَكُونُ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلَالَةٌ. فَهُوَ حَلَالٌ. كَالْيَرْبُوعِ. وَالضَّبُعِ. وَالثَّعْلَبِ. وَالضَّبِّ وَمَا كَانَتْ لَا تَأْكُلُهُ. وَلَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهُ مِثْلُ الْبَوْلِ. وَالْخَمْرِ. وَالدُّودِ. وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَعِلْمُ هَذَا مَوْجُودٌ عِنْدَهَا إلَى الْيَوْمِ. وَكُلُّ مَا قُلْت: حَلَالٌ. حَلَّ ثَمَنُهُ. وَيَحِلُّ بِالذَّكَاةِ. وَكُلُّ مَا قُلْت حَرَامٌ. حَرُمَ ثَمَنُهُ وَلَمْ يَحِلَّ بِالذَّكَاةِ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ التِّرْيَاقِ الْمَعْمُولِ بِلُحُومِ الْحَيَّاتِ. إلَّا أَنْ يَجُوزَ فِي حَالِ ضَرُورَةٍ. وَحَيْثُ تَجُوزُ الْمَيْتَةُ. وَلَا تَجُوزُ مَيْتَةٌ بِحَالٍ. [الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ] ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وَقَالَ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ مَمْنُوعٌ مِنْ زَوْجِهَا الْوَاجِبُ الْحَقُّ عَلَيْهَا إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهَا وَأَبَاحَهُ بِطِيبِ نَفْسِهَا لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِمَالِهَا، مَمْنُوعٌ بِمِلْكِهَا، مُبَاحٌ بِطِيبِ نَفْسِهَا كَمَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَالِكًا فَمَالُهُ مَمْنُوعٌ بِهِ مُحَرَّمٌ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ بِإِبَاحَتِهِ، فَيَكُونُ مُبَاحًا بِإِبَاحَةِ مَالِكِهِ لَهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَبَيَّنَ أَنَّ سُلْطَانَ الْمَرْأَةِ عَلَى مَالِهَا، كَسُلْطَانِ الرَّجُلِ عَلَى مَالِهِ إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ وَجَمَعَتْ الرُّشْدَ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] يَدُلُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْيَتَامَى، عَلَى أَنَّ طِيبَ نَفْسِ الْيَتِيمِ لَا يُحِلُّ أَكْلَ مَالِهِ، وَالْيَتِيمُ وَالْيَتِيمَةُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى مَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ، مُخَلًّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَمَا حَلَّ لَهُ فَأُحِلُّهُ لِغَيْرِهِ، حِلٌّ، أَوْ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ، فَمَا أَبَاحَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ أَبَاحَهُ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى إبَاحَتِهِ لَهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ لِلْحَجْرِ فِي الْقُرْآنِ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] الْآيَةَ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحْلُبَن أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ فَيُنْتَقَلَ مَتَاعُهُ» ؟ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْحَائِطَ فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» وَمَا لَا يَثْبُتُ لَا حُجَّةَ فِيهِ. وَلَبَنُ الْمَاشِيَةِ

جماع ما يحل من الطعام والشراب ويحرم

أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ هَكَذَا مِنْ ثَمَرِ الْحَائِطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ يُسْتَخْلَفُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَاَلَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ أَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ مِنْهُ وَيُوجِبُونَ مِنْ بَذْلِهِ مَا لَا يَبْذُلُونَ مِنْ الثَّمَرِ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا بِهِ، وَلَمْ نُخَالِفْهُ. [جِمَاعُ مَا يَحِلُّ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَيَحْرُمُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَصْلُ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ. أَوْ أَحَلَّهُ مَالِكُهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، حَلَالٌ إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُحَرَّمَ وَيُحَرَّمَ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَكَانَ فِي مَعْنَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ يَحْرُمُ بِمَالِكِهِ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ مَالِكُهُ؟ فَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] الْآيَةَ. وَقَالَ {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] إلَى قَوْلِهِ {هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَظَرَ فِيهَا أَمْوَالَ النَّاسِ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، إلَّا بِمَا فُرِضَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَتْ بِهِ حُجَّةٌ (قَالَ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحْلُبَن أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ؟» فَأَبَانَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَا كَانَ مِلْكًا لِآدَمِيٍّ لَمْ يَحِلَّ بِحَالٍ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَأَبَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ الْحَلَالَ حَلَالًا بِوَجْهٍ، حَرَامًا بِوَجْهٍ آخَرَ، وَأَبَانَتْهُ السُّنَّةُ، فَإِذَا مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالَ الْمَرْأَةِ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهَا، وَاسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَفِي ذَلِكَ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّبَنِ الَّذِي تَخِفُّ مُؤْنَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَيُسْتَخْلَفُ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَحَرُمَ الْأَقَلُّ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ كَانَ الْأَكْثَرُ مِثْلَ الْأَقَلِّ أَوْ أَعْظَمَ تَحْرِيمًا بِقَدْرِ عِظَمِهِ، عَلَى مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ. وَمِثْلُ هَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْمَوَارِيثِ بَعْدَ مَوْتِ مَالِكِ الْمَالِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِقَرِيبٍ أَنْ يَرِثَ الْمَالَ الَّذِي قَدْ صَارَ مَالِكُهُ غَيْرَ مَالِكٍ إلَّا بِمَا مَلَكَ، كَانَ لَأَنْ يَأْخُذَ مَالَ حَيٍّ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ، أَوْ مَيِّتٍ بِغَيْرِ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ، أَبْعَدَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ بِمَالِكِهَا، مَمْنُوعَةٌ إلَّا بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَلَزِمَ خَلْقَهُ بِفَرْضِهِ، طَاعَةُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ مِمَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، طَاعَةٌ بِمَا أَوْجَبَ فِي أَمْوَالِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَطِبْ، مِنْ الزَّكَاةِ وَمَا لَزِمَهُمْ بِإِحْدَاثِهِمْ وَإِحْدَاثِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ سَنَّ مِنْهُمْ أَخْذَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي يُبَيِّنُ أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَازِمٌ بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَذَلِكَ مِثْلُ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ، فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَإِنْ لَمْ تَطِبْ بِهَا أَنْفُسُهُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَوْضُوعٌ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ، وَلَوْلَا الِاسْتِغْنَاءُ بِعِلْمِ الْعَامَّةِ بِمَا وَصَفْنَا فِي هَذَا لَأَوْضَحْنَا مِنْ تَفْسِيرِهِ أَكْثَرَ مِمَّا كَتَبْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ أَمَرَ لِرَجُلٍ بِزَرْعٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ بِإِبَاحَتِهِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ بِمَالِكِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ قِيلَ

جماع ما يحل ويحرم أكله وشربه مما يملك الناس

مَنْ مَرَّ بِحَائِطٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَا يَتَّخِذَ خُبْنَةً، وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ، لَوْ كَانَ يَثْبُتُ مِثْلُهُ عِنْدَنَا، لَمْ نُخَالِفْهُ. وَالْكِتَابُ وَالْحَدِيثُ الثَّابِتُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ مَالِ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَلَوْ اُضْطُرَّ رَجُلٌ فَخَافَ الْمَوْتَ ثُمَّ مَرَّ بِطَعَامٍ لِرَجُلٍ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، مَا يَرُدُّ مِنْ جُوعِهِ، وَيَغْرَمُ لَهُ ثَمَنَهُ، وَلَمْ أَرَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَضْلًا مِنْ طَعَامٍ عِنْدَهُ، وَخِفْت أَنْ يَضِيقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، إذَا خَافَ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ الْقَتْلَ. [جِمَاعُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ مِمَّا يَمْلِكُ النَّاسُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَصْلُ مَا يَمْلِكُ النَّاسُ مِمَّا يَكُونُ مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا، شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا، مَا فِيهِ رُوحٌ، وَذَلِكَ الَّذِي فِيهِ مُحَرَّمٌ وَحَلَالٌ، وَمِنْهُ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ حَلَالٌ، إذَا كَانَ بِحَالِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ الْآدَمِيُّونَ لَمْ يُحْدِثُوا فِيهِ صَنْعَةً خَلَطُوهُ بِمُحَرَّمٍ، أَوْ اتَّخَذُوهُ مُسْكِرًا، فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ، وَمَا كَانَ مِنْهُ سُمًّا يَقْتُلُ رَأَيْته مُحَرَّمًا، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، حَرَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ عَلَى الْآدَمِيِّينَ. ثُمَّ قَتْلَهُمْ أَنْفُسَهُمْ خَاصَّةً، وَمَا كَانَ مِنْهُ خَبِيثًا قَذِرًا فَقَدْ تَرَكَتْهُ الْعَرَبُ تَحْرِيمًا لَهُ بِقَذَرِهِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ، مَا كَانَ نَجِسًا. وَمَا عَرَفَهُ النَّاسُ سُمًّا يَقْتُلُ، خِفْت أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ رُخْصَةٌ فِي شُرْبِهِ، لِدَوَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَكْرَهُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، خَلَطَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ. وَأَخَافُ مِنْهُ عَلَى شَارِبِهِ وَسَاقِيهِ، أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا نَفْسَهُ وَمَنْ سَقَاهُ. وَقَدْ قِيلَ: يَحْرُمُ الْكَثِيرُ الْبَحْتُ مِنْهُ، وَيَحِلُّ الْقَلِيلُ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَنْفَعَ وَلَا يَبْلُغَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا، وَقَدْ سَمِعْت بِمَنْ مَاتَ مِنْ قَلِيلٍ، قَدْ بَرَأَ مِنْهُ غَيْرُهُ، فَلَا أُحِبُّهُ، وَلَا أُرَخِّصُ فِيهِ بِحَالٍ، وَقَدْ يُقَاسُ بِكَثِيرِ السُّمِّ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا أَنْ يَكُونَ يَحْرُمُ شُرْبُهُ. تَفْرِيعُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] فَاحْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1] إحْلَالَهَا دُونَ مَا سِوَاهَا، وَاحْتَمَلَ إحْلَالَهَا بِغَيْرِ حَظْرِ مَا سِوَاهَا. وَاحْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وَقَوْلُهُ {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] وَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، أَنْ يَكُونَ أَبَاحَ كُلَّ مَأْكُولٍ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهُ فِي كِتَابِهِ نَصًّا، وَاحْتَمَلَ كُلَّ مَأْكُولٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهُ بِعَيْنِهِ نَصًّا أَوْ تَحْرِيمُهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَحْرُمُ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَتَحْلِيلُ الْكِتَابِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالِانْتِهَاءِ إلَى أَمْرِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ إنَّمَا حَرُمَ بِالْكِتَابِ فِي الْوَجْهَيْنِ. فَلَمَّا احْتَمَلَ أَمْرَ هَذِهِ الْمَعَانِي، كَانَ أَوْلَاهَا بِنَا، الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ سُنَّةٍ تُعْرِبُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ أَمْرٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي اجْتِمَاعِهِمْ أَنْ يَجْهَلُوا لِلَّهِ حَرَامًا وَلَا حَلَالًا إنَّمَا يُمْكِنُ فِي بَعْضِهِمْ، وَأَمَّا فِي عَامَّتِهِمْ فَلَا، وَقَدْ وَضَعْنَا هَذَا مَوَاضِعَهُ عَلَى التَّصْنِيفِ

ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب

[مَا يَحْرُمُ مِنْ جِهَةِ مَا لَا تَأْكُلُ الْعَرَبُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَصْلُ التَّحْرِيمِ، نَصُّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ جُمْلَةُ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة: 4] الْآيَةَ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الطَّيِّبَاتُ وَالْخَبَائِثُ عِنْدَ الْآكِلِينَ كَانُوا لَهَا، وَهُمْ الْعَرَبُ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ هَذَا، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ الْأَحْكَامُ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ مِنْ خَبِيثِ الْمَآكِلِ مَا لَا يَكْرَهُهَا غَيْرُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الْآيَةَ: يَعْنِي مِمَّا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ. فِي الْآيِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: أَرَأَيْت لَوْ زَعَمْنَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُبَاحَةٌ إلَّا مَا جَاءَ فِيهِ نَصُّ خَبَرٍ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَمَّا زَعْمُنَا أَنَّ أَكْلَ الدُّودِ وَالذِّبَّانِ وَالْمُخَاطِ وَالنُّخَامَةِ وَالْخَنَافِسِ وَاللُّحَكَاءِ وَالْعَظَاءِ وَالْجِعْلَانِ وَخُشَاشِ الْأَرْضِ وَالرَّخَمِ وَالْعُقْبَانِ وَالْبُغَاثِ وَالْغِرْبَانِ وَالْحِدَأِ وَالْفَأْرِ، وَمَا فِي مِثْلِ حَالِهَا، حَلَالٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهَا؟ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَكَانَ شَيْئَانِ حَلَالَيْنِ، فَأَثْبَتَ تَحْلِيلَ أَحَدِهِمَا؟ وَهُوَ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ؟ وَطَعَامُهُ مَالِحُهُ. وَكُلُّ مَا فِيهِ مَتَاعٌ لَهُمْ يَسْتَمْتِعُونَ بِأَكْلِهِ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدُ الْبَرِّ أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِأَكْلِهِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا مَا كَانَ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحْرِمَ بِقَتْلِ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَقَتْلِ الْحَيَّاتِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لُحُومَ هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ قَتَلَهُ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ، لَمْ يُحِلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ، وَدَلَّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَأْكُلُ مِمَّا أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ فِي الْإِحْرَامِ شَيْئًا (قَالَ) : فَكُلُّ مَا سُئِلْتَ عَنْهُ، مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ فَانْظُرْ هَلْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصُّ تَحْرِيمٍ، فَأَحِلَّهُ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْحَلَالِ وَالطَّيِّبَاتِ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحِلُّونَ مَا يَسْتَطِيبُونَ. وَمَا لَمْ تَكُنْ تَأْكُلُهُ، تَحْرِيمًا لَهُ بِاسْتِقْذَارِهِ فَحَرِّمْهُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْخَبَائِثِ، خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَا أُحِلَّ لَهُمْ، مِمَّا كَانُوا يَأْكُلُونَ، وَدَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْخَبَائِثِ الَّتِي حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. فَأَثْبَتَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْت أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ سَأَلْته مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْمَكِّيِّينَ خِلَافًا. وَجُمْلَةُ هَذَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَكُونُ مِمَّا حَرَّمَتْ الْعَرَبُ عَلَى أَنْفُسِهَا مِمَّا لَيْسَ دَاخِلًا فِي مَعْنَى الطَّيِّبَاتِ، وَإِنْ كُنْت لَا أَحْفَظُ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ. وَفِي تَتَابُعِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حُجَّةٌ. وَلَوْلَا الِاخْتِصَارُ لَأَوْضَحْته بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَسَيَمُرُّ فِي تَفَارِيقِ الْأَبْوَابِ إيضَاحٌ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

تحريم أكل كل ذي ناب من السباع

[تَحْرِيمُ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ] ِ قَالَ الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّمَا يَحْرُمُ كُلُّ ذِي نَابٍ يَعْدُو بِنَابِهِ. الْخِلَافُ وَالْمُوَافَقَةُ فِي أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَتَفْسِيرُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يُوَافِقُنَا فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ مَا لِكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ لَا تُحَرِّمُهُ دُونَ مَا خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ؟ قُلْت لَهُ الْعِلْمُ يُحِيطُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَصَدَ قَصَدَ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْ السِّبَاعِ مَوْصُوفًا. فَإِنَّمَا قَصَدَ قَصْدَ تَحْرِيمِ بَعْضِ السِّبَاعِ دُونَ بَعْضِ السِّبَاعِ، كَمَا لَوْ قُلْت قَدْ أَوْصَيْت لِكُلِّ شَابٍّ بِمَكَّةَ أَوْ لِكُلِّ شَيْخٍ بِمَكَّةَ. أَوْ لِكُلِّ حَسَنِ الْوَجْهِ بِمَكَّةَ، كُنْت قَدْ قَصَدْت بِالْوَصِيَّةِ قَصْدَ صِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ. وَأَخْرَجْت مِنْ الْوَصِيَّةِ مَنْ لَمْ تَصِفْ أَنَّ لَهُ وَصِيَّتَك. قَالَ: أَجَلْ. وَلَوْلَا أَنَّهُ خَصَّ تَحْرِيمَ السِّبَاعِ. لَكَانَ أَجْمَعَ وَأَقْرَبَ. وَلَكِنَّهُ خَصَّ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ بِالتَّحْرِيمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى مِنْ عِلْمِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ. فَسَلْ عَنْ الثَّانِيَةِ. قَالَ: هَلْ مِنْهَا شَيْءٌ مَخْلُوقٌ لَهُ نَابٌ وَشَيْءٌ مَخْلُوقٌ لَا نَابَ لَهُ؟ قُلْت: مَا عَلِمْته، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَخْتَلِفُ. فَتَكُونُ الْأَنْيَابُ لِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ. فَكَيْفَ الْقَوْلُ فِيهَا؟ قُلْت: لَا مَعْنَى فِي خَلْقِ الْأَنْيَابِ فِي تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ. لِأَنِّي لَا أَجِدُ إذَا كَانَتْ فِي خَلْقِ الْأَنْيَابِ سَوَاءً شَيْئًا أَنْفِيه خَارِجًا مِنْ التَّحْرِيمِ. وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ بَعْضِهَا مِنْ التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخْرَاجُهُ. قَالَ: أَجَلْ. هَذَا كَمَا وَصَفْت. وَلَكِنْ مَا أَرَدْت بِهَذَا؟ قُلْت: أَرَدْت أَنْ يَذْهَبَ غَلَطُك إلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ فِي خَلْقِ الْأَنْيَابِ. قَالَ: فَفِيمَ؟ قُلْت: فِي مَعْنَاهُ دُونَ خَلْقِهِ. فَسَلْ عَنْ النَّابِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ عِلْمِ كُلِّ ذِي نَابٍ. قَالَ: فَاذْكُرْهُ أَنْتَ، قُلْت: كُلُّ مَا كَانَ يَعْدُو مِنْهَا عَلَى النَّاسِ بِقُوَّةٍ وَمُكَابَرَةٍ فِي نَفْسِهِ بِنَابِهِ. دُونَ مَا لَا يَعْدُو. قَالَ: وَمِنْهَا مَا لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ بِمُكَابَرَةٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْهَا؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: فَاذْكُرْ مَا يَعْدُو. قُلْت: يَعْدُو الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ. قَالَ: فَاذْكُرْ مَا لَا يَعْدُو مُكَابَرَةً عَلَى النَّاسِ. قُلْت الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَمَا أَشْبَهَهُ. قَالَ: فَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرُ مَا وَصَفْت؟ قُلْت: وَهَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي. وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مَخْلُوقٌ لَهُ نَابٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ: سَأَزِيدُك فِي تَبْيِينِهِ. قَالَ: مَا أَحْتَاجُ بَعْدَمَا وَصَفْت إلَى زِيَادَةٍ. وَلَقَلَّمَا يُمْكِنُ إيضَاحُ شَيْءٍ إمْكَانَ هَذَا قُلْت: أُوَضِّحُهُ لَك وَلِغَيْرِك مِمَّنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ مَا فَهِمْت أَوْ أُفْهِمُهُ فَذَهَبَ إلَى غَيْرِهِ. قَالَ: فَاذْكُرْهُ

أكل الضبع

[أَكْلُ الضَّبُع] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلُحُومُ الضِّبَاعِ تُبَاعُ عِنْدَنَا بِمَكَّةَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَا أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا خِلَافًا فِي إحْلَالِهَا وَفِي مَسْأَلَةِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ جَابِرًا، أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَسَأَلْته أَتُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَأَلْته: أَسَمِعْته مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِهِ، مَا كَانَ يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ. وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقْتُلُونَ الصَّيْدَ لِيَأْكُلُوهُ، لَا عَبَثًا بِقَتْلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِذَلِكَ أَشْبَاهٌ فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] أَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ أَكْلَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَمْ يَحِلَّ الذَّبِيحَةُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا، مِنْ أَنْ كَانَ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. مَا عَدَا عَلَى النَّاسِ مُكَابَرَةً. وَإِذَا حَلَّ أَكْلُ الضَّبُعِ، وَهِيَ سَبُعٌ، لَكِنَّهَا لَا تَعْدُو مُكَابَرَةً عَلَى النَّاسِ، وَهِيَ أَضَرُّ عَلَى مَوَاشِيهِمْ مِنْ جَمِيعِ السِّبَاعِ، فَأُحِلَّتْ أَنَّهَا لَا تَعْدُو عَلَى النَّاسِ خَاصَّةً مُكَابَرَةً. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إحْلَالِ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ مِمَّا لَمْ يُنَصُّ فِيهِ خَبَرٌ وَتَحْرِيمُ مَا كَانَتْ تُحَرِّمُهُ مِمَّا يَعْدُو، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ إلَى الْيَوْمِ تَأْكُلُ الضَّبُعَ، وَلَمْ تَزَلْ تَدَعْ أَكْلَ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ تَحْرِيمًا بِالتَّقَذُّرِ، فَوَافَقَتْ السُّنَّةُ فِيمَا أَحَلُّوا وَحَرَّمُوا مَعَ الْكِتَابِ، مَا وَصَفْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إنَّمَا يُجْزِي مَا أُحِلَّ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ دُونَ مَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مَا عَدَا عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَيَضْمَنُ صَاحِبُهُ بِقَتْلِهِ شَيْئًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهُ فِي الْإِحْرَامِ، مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَا وَصَفْت. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ كُلِّ سَبُعٍ لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ، مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَغَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَى الضَّبُعِ. وَمَا سِوَى السَّبُعِ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ كُلِّهَا تُؤْكَلُ مِنْ مَعْنَيَيْنِ، مَا كَانَ سَبُعًا لَا يَعْدُو. فَحَلَالٌ أَنْ يُؤْكَلَ. وَمَا كَانَ غَيْرَ سَبُعٍ، فَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ. خَارِجٌ مِنْ الْخَبَائِثِ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَمَا كَانَتْ تَدَعُهُ عَلَى مَعْنَى تَحْرِيمِهِ، فَإِنَّهُ خَبِيثُ اللَّحْمِ، فَلَا يُؤْكَلُ بِحَالٍ. وَكُلُّ مَا أُمِرَ بِأَكْلِهِ فَدَاهُ الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَهُ. وَمِثْلُ الضَّبُعِ مَا خَلَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ، وَقَدْ فَسَّرْته قَبْلَ هَذَا. [مَا يَحِلُّ مِنْ الطَّائِرِ وَيَحْرُمُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْأَصْلُ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ الطَّائِرِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحْرِمِ بِقَتْلِهِ، مِنْهُ مَا لَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى الصَّيْدِ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى

أكل الضب

الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ لِيَأْكُلَهُ. وَالْعِلْمُ يَكَادُ يُحِيطُ أَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ الصَّيْدُ الَّذِي كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَ بَعْضِ الصَّيْدِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَنْ يَأْكُلَهُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» فَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ مِمَّا أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ لِلْمُحْرِمِ. فَمَا كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمَا مِنْ الطَّائِرِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَكْلُ لَحْمِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِمَا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا أَيْضًا مِمَّا لَمْ تَكُنْ تَأْكُلُ الْعَرَبُ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا ضَرَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ سَبُعٍ وَطَائِرٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْعُقَابِ وَالنَّسْرِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْبَوَاشِقِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، مَا دَامَ يَأْخُذُ حَمَامَ النَّاسِ وَغَيْرَهُ مِنْ طَائِرِهِمْ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الطَّائِرِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ، وَدَاخِلٌ فِي مَعْنَى مَا لَا تَأْكُلُ الْعَرَبُ. وَكُلُّ مَا كَانَ لَا يَبْلُغُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لِلنَّاسِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ الطَّائِرِ، فَلَمْ تَكُنْ الْعَرَبُ تُحَرِّمُهُ إقْذَارًا لَهُ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ أَنْ يُؤْكَلَ، فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: نَرَاك فَرَّقْت بَيْنَ مَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَا نَابٍ مِنْ السَّبُعِ، مِثْلُ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ، فَأَحْلَلْت أَكْلَهَا، وَهِيَ تَضُرُّ بِأَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ ضَرَرِ مَا حَرَّمْت مِنْ الطَّائِرِ. قُلْت إنِّي وَإِنْ حَرَّمْته فَلَيْسَ لِلضَّرَرِ فَقَطْ حَرَّمْته، وَلَا لِخُرُوجِ الثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ مِنْ الضَّرَرِ أَبَحْتهَا، إنَّمَا أَبَحْتهَا بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ مَا كَانَ غَيْرَ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَأَنَّهُ أَحَلَّ الضَّبُعَ نَصًّا، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَزَلْ تَأْكُلُهَا، وَالثَّعْلَبَ. وَتَتْرُكُ الذِّئْبَ وَالنَّمِرَ وَالْأَسَدَ فَلَا تَأْكُلُهُ وَأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَزَلْ تَتْرُكُ أَكْلَ النَّسْرِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَهِيَ ضِرَارٌ، وَتَتْرُكُ مَا لَا يَضُرُّ مِنْ الطَّائِرِ فَلَمْ أُجِزْ أَكْلَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّخَمَةِ وَالنَّعَامَةِ، وَهُمَا لَا يَضُرَّانِ، وَأَكْلُهُمَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُمَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَخَارِجَانِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ. وَقَدْ قُلْت مِثْلَ هَذَا فِي الدُّودِ، فَلَمْ أُجِزْ أَكْلَ اللُّحَكَاءِ وَلَا الْعَظَاءِ وَلَا الْخَنَافِسِ، وَلَيْسَتْ بِضَارَّةٍ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَدَعُ أَكْلَهَا، فَكَانَ خَارِجًا مِنْ مَعْنَى الطَّيِّبَاتِ، دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْخَبَائِثِ عِنْدَهَا. [أَكْلُ الضَّبّ] ّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ رَوَيْتُمْ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ لَسْت آكُلُهُ وَلَا مُحَرِّمُهُ» قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ لَمْ يَرْوِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبِّ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَتَحْلِيلُهُ أَكْلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَابِتٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: لَمَّا قَالَ: «لَسْت آكُلُهُ وَلَا مُحَرِّمُهُ» دَلَّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَكْلَهُ لَا مِنْ جِهَةِ تَحْرِيمِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيمِهِ، فَإِنَّمَا تَرَكَ مُبَاحًا عَافَهُ وَلَمْ يَشْتَهِهِ. وَلَوْ عَافَ خُبْزًا أَوْ لَحْمًا أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الطِّبَاعِ، لَا مُحَرِّمًا لِمَا عَافَ فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: أَرَأَيْت إنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَحْتَمِلُ مَعْنًى غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ؟ فَزَعَمْت أَنَّهُ بَيِّنٌ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى غَيْرَهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: وَإِذَا قُلْت مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ مَعْصُومًا، قُلْت لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ التَّحْلِيلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ فَيُجِيبَ فِيهِ إلَّا أَحَلَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ. وَلَيْسَ هَكَذَا أَحَدٌ بَعْدَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ وَيَجْهَلُ، وَيَقِفُ وَيُجِيبُ، ثُمَّ لَا يَقُومُ جَوَابُهُ مَقَامَ جَوَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَمَا

أكل لحوم الخيل

الْمَعْنَى الَّذِي قُلْت قَدْ بَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِهِ؟ قُلْت: «قُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَبٌّ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا، وَلَكِنْ أَعَافُهَا لَمْ تَكُنْ بِبَلَدِ قَوْمِي فَاجْتَرَّهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَكَلَهَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ» ، وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَيْسَتْ حَرَامًا فَهِيَ حَلَالٌ، وَإِذَا أَقَرَّ خَالِدًا بِأَكْلِهَا، فَلَا يَدَعُهُ يَأْكُلُ حَرَامًا، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ إيَّاهَا أَنَّهُ عَافَهَا. لَا حَرَّمَهَا. [أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ] ِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ» ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: أَكَلْت فَرَسًا عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَوَجَدْته حُلْوًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كُلُّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الْخَيْلِ مِنْ الْعِرَابِ وَالْمَقَارِيفِ وَالْبَرَاذِينِ، فَأَكْلُهَا حَلَالٌ. [أَكْلُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ] ِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَامَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَمِعْت سُفْيَانَ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ. إحْدَاهُمَا تَحْرِيمُ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْأُخْرَى، إبَاحَةُ لُحُومِ حُمُرِ الْوَحْشِ، لِأَنَّهُ لَا صِنْفَ مِنْ الْحُمُرِ إلَّا الْأَهْلِيُّ وَالْوَحْشِيُّ، فَإِذَا قَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّحْرِيمِ قَصَدَ الْأَهْلِيَّ، ثُمَّ وَصْفُهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَحْشِيَّ مِنْ التَّحْرِيمِ وَهَذَا مِثْلُ نَهْيِهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. فَقَصَدَ بِالنَّهْيِ. قَصْدَ عَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ. فَحَرَّمَ مَا نَهَى عَنْهُ. وَحَلَّ مَا خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ سِوَاهُ. مَعَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبَاحَةُ أَكْلِ حُمُرِ الْوَحْشِ. أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقْسِمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا قَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ بَيْنَ الرُّفْقَةِ. وَحَدِيثُ طَلْحَةَ أَنَّهُمْ أَكَلُوا مَعَهُ لَحْمَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَخَلْقُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يُبَايِنُ خَلْقَ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ مُبَايَنَةً يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهَا. فَلَوْ تَوَحَّشَ أَهْلِيٌّ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَكَانَ عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلَوْ اسْتَأْهَلَ وَحْشِيٌّ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ وَكَانَ عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّحْلِيلِ. وَلَا يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ اسْتَأْهَلَ. وَلَوْ نَزَا حِمَارٌ أَهْلِيٌّ عَلَى فَرَسٍ أَوْ فَرَسٌ عَلَى أَتَانٍ أَهْلِيَّةٍ، لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ مَا نَتَجَ بَيْنَهُمَا. لَسْت أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَيِّهِمَا النَّازِي. لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُمَا. فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَكُونَ لَحْمُهُمَا مَعًا حَلَالًا. وَكُلُّ مَا عُرِفَ فِيهِ حِمَارٌ أَهْلِيٌّ مِنْ قِبَلِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ. لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ بِحَالٍ أَبَدًا. وَلَا أَكْلُ نَسْلِهِ. وَلَوْ نَزَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَلَى فَرَسٍ. أَوْ فَرَسٌ عَلَى أَتَانٍ وَحْشِيٍّ حَلَّ أَكْلُ مَا وُلِدَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا مُبَاحَانِ مَعًا. وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ غُرَابًا أَوْ ذَكَرَ حِدَأٍ أَوْ بُغَاثًا تَجَثَّمَ حُبَارَى. أَوْ ذَكَرُ حُبَارَى أَوْ طَائِرٌ يَحِلُّ لَحْمُهُ تَجَثَّمَ غُرَابًا أَوْ حِدَأً أَوْ

ما يحل بالضرورة

صَقْرًا أَوْ ثِيرَان فَبَاضَتْ وَأَفْرَخَتْ. لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ فِرَاخِهَا مِنْ ذَلِكَ التَّجَثُّمِ. لِاخْتِلَاطِ الْمُحَرَّمِ وَالْحَلَالِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ خَمْرًا لَوْ اخْتَلَطَتْ بِلَبَنٍ. أَوْ وَدَكَ خِنْزِيرٍ بِسَمْنٍ. أَوْ مُحَرَّمًا بِحَلَالٍ فَصَارَا لَا يُزِيلُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَرُمَ أَنْ يَكُونَ مَأْكُولًا. وَلَوْ أَنَّ صَيْدًا أُصِيبَ أَوْ بَيْضَ صَيْدٍ. فَأُشْكِلَتْ خِلْقَتُهُ. فَلَمْ يُدْرَ لَعَلَّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَالْآخَرُ يَحِلُّ أَكْلُهُ، كَانَ الِاحْتِيَاطُ. الْكَفَّ عَنْ أَكْلِهِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى خِلْقَتِهِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِخِلْقَتِهِ جُعِلَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ. إنْ كَانَ الَّذِي يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْلَى بِخِلْقَتِهِ أَكَلَهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَحْرُمْ أَكْلُهُ أَوْلَى بِخِلْقَتِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ. وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَنْزُوَ حِمَارٌ إنْسِيٌّ أَتَانًا وَحْشِيَّةً أَوْ أَتَانًا إنْسِيَّةً. وَلَوْ نَزَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَرَسًا أَوْ فَرَسٌ أَتَانًا وَحْشِيًّا لَمْ يَكُنْ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَإِذَا تَوَحَّشَ وَاصْطِيدَ، أُكِلَ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي صِغَارِ أَوْلَادِهِ وَفِرَاخِهِ وَبَيْضِهِ، لَا يَخْتَلِفُ. وَمَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ صَيْدٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَدَاهُ وَكَذَلِكَ يَفْدِي مَا أَصَابَ مِنْ بَيْضِهِ. وَمَا قَتَلَ مِنْ صَيْدٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. أَوْ أَصَابَ مِنْ بَيْضِهِ لَمْ يَفْدِهِ. وَلَوْ أَنَّ ذِئْبًا نَزَا عَلَى ضَبُعٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِوَلَدٍ لَا يُشْبِهُهَا مَحْضًا وَلَا الذِّئْبَ مَحْضًا يُقَالُ لَهُ السَّبُعُ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِمَا وَصَفْت مِنْ اخْتِلَاطِ الْمُحَرَّمِ وَالْحَلَالِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَتَمَيَّزَانِ فِيهِ. [مَا يَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَرُمَ وَلَمْ يَحِلَّ بِالذَّكَاةِ {وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَقَالَ {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173] إلَى قَوْلِهِ {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] وَقَالَ فِي ذِكْرِ مَا حَرَّمَ {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيَحِلُّ مَا حَرُمَ مِنْ مَيْتَةٍ وَدَمٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ وَكُلِّ مَا حَرُمَ مِمَّا لَا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ مِنْ الْخَمْرِ لِلْمُضْطَرِّ. وَالْمُضْطَرُّ الرَّجُلُ يَكُونُ بِالْمَوْضِعِ لَا طَعَامَ فِيهِ مَعَهُ وَلَا شَيْءَ يَسُدُّ فَوْرَةَ جُوعِهِ مِنْ لَبَنٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَيُبْلِغُهُ الْجُوعُ مَا يَخَافُ مِنْهُ الْمَوْتَ أَوْ الْمَرَضَ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْمَوْتَ أَوْ يُضْعِفُهُ وَيَضُرُّهُ أَوْ يَعْتَلُّ أَوْ يَكُونُ مَاشِيًا فَيَضْعُفُ عَنْ بُلُوغِ حَيْثُ يُرِيدُ أَوْ رَاكِبًا فَيَضْعُفُ عَنْ رُكُوبِ دَابَّتِهِ، أَوْ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ، فَأَيُّ هَذَا نَالَهُ فَلَهُ أَنْ. وَكَذَلِكَ يَشْرَبُ مِنْ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ الْمُسْكِرِ، مِثْلَ الْمَاءِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ آكِلُهُ إنْ أُكِلَ وَشَارِبُهُ إنْ شُرِبَ أَوْ جَمْعُهُمَا فَعَلَى مَا يَقْطَعُ عَنْهُ الْخَوْفَ وَيَبْلُغُ بِهِ بَعْضَ الْقُوَّةِ وَلَا يُبَيِّنُ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْبَعَ وَيُرْوَى، وَإِنْ أَجْزَأَهُ دُونَهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ. وَإِذَا بَلَغَ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ فَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَتُهُ، لِأَنَّ مُجَاوَزَتَهُ حِينَئِذٍ إلَى الضَّرَرِ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى النَّفْعِ. وَمَنْ بَلَغَ إلَى الشِّبَعِ فَقَدْ خَرَجَ فِي بُلُوغِهِ مِنْ حَدِّ الضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ الرِّيُّ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّدَ مَعَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ. فَإِذَا وَجَدَ الْغِنَى عَنْهُ طَرَحَهُ. وَلَوْ تَزَوَّدَ مَعَهُ مَيْتَةً فَلَقِيَ مُضْطَرًّا أَرَادَ شِرَاءَهَا مِنْهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ثَمَنُهَا، إنَّمَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا مَنْعُ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ عَلَى بَدَنِهِ لَا ثَمَنُهَا، وَلَوْ اُضْطُرَّ، وَوَجَدَ طَعَامًا، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ، وَكَانَ لَهُ أَكْلُ

الْمَيْتَةِ، وَلَوْ اُضْطُرَّ، وَمَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَحِلُّ، فَإِنْ بَاعَهُ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ بِثَمَنِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، كَانَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُغَالِيَ بِهِ وَيَدَعَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ. وَلَيْسَ لَهُ، بِحَالٍ، أَنْ يُكَابِرَ رَجُلًا عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَهُوَ يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ مِنْ شَرَابٍ فِيهِ مَيْتَةٌ أَوْ مَيْتَةٌ، وَإِنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَجِدْ مَيْتَةً وَلَا شَرَابًا فِيهِ مَيْتَةٌ، وَمَعَ رَجُلٍ شَيْءٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يُكَابِرَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَهُ. وَإِذَا كَابَرَهُ، أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ وَافِيًا، فَإِنْ كَانَ إذَا أَخَذَ شَيْئًا خَافَ مَالِكُ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ. وَإِنْ اُضْطُرَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلَى صَيْدٍ أَوْ مَيْتَةٍ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَتَرَكَ الصَّيْدَ، فَإِنْ أَكَلَ الصَّيْدَ فَدَاهُ، إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. وَإِنْ اُضْطُرَّ فَوَجَدَ مَنْ يُطْعِمُهُ أَوْ يُسْقِيهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ. وَإِذَا وَجَدَ فَقَدْ ذَهَبَتْ عَنْهُ الضَّرُورَةُ إلَّا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَنْ يَخَافَ إنْ أَطْعَمَهُ أَوْ سَقَاهُ، أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ فَيَقْتُلَهُ، فَلَهُ تَرْكُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ بِهَذِهِ الْحَالِ. وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَوَجَدَ مَعَ رَجُلٍ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا، يَعْلَمُهُ يَضُرُّهُ وَيَزِيدُ فِي مَرَضِهِ، كَانَ لَهُ تَرْكُهُ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْمَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَيْتَةُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنْ الضَّرُورَةِ وَجْهًا ثَانِيًا، أَنْ يَمْرَضَ الرَّجُلُ الْمَرَضَ يَقُولُ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ يَكُونُ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ: قَلَّمَا يَبْرَأُ مَنْ كَانَ بِهِ مِثْلُ هَذَا إلَّا أَنْ يَأْكُلَ كَذَا، أَوْ يَشْرَبَ كَذَا، أَوْ يُقَالُ لَهُ: إنَّ أَعْجَلَ مَا يُبْرِئُك أَكْلُ كَذَا أَوْ شُرْبُ كَذَا، فَيَكُونُ لَهُ أَكْلُ ذَلِكَ وَشُرْبُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ خَمْرًا إذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا أَسْكَرَتْهُ، أَوْ شَيْئًا يُذْهِبُ الْعَقْلَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّ إذْهَابَ الْعَقْلِ مُحَرَّمٌ. وَمَنْ قَالَ هَذَا، قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابَ أَنْ يَشْرَبُوا أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَأَبْوَالَهَا وَقَدْ يَذْهَبُ الْوَبَاءُ بِغَيْرِ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ، إلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ مَا هُنَالِكَ أَنْ يُذْهِبَهُ عَنْ الْأَعْرَابِ لِإِصْلَاحِهِ لِأَبْدَانِهِمْ، وَالْأَبْوَالُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ، لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا، لِأَنَّهَا تُعْطِشُ وَتُجِيعُ. وَلَا لِدَوَاءٍ لِأَنَّهَا تُذْهِبُ بِالْعَقْلِ. وَذَهَابُ الْعَقْلِ مَنْعُ الْفَرَائِضِ، وَتُؤَدِّي إلَى إتْيَانِ الْمَحَارِمِ. وَكَذَلِكَ مَا أَذْهَبَ الْعَقْلَ غَيْرُهَا. وَمَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا فَأَصَابَتْهُ ضَرُورَةٌ بِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، وَلَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ مِمَّا نَصِفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَنْ خَرَجَ عَاصِيًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِحَالٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ بِالضَّرُورَةِ، عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ وَلَا مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ. وَلَوْ خَرَجَ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَأَصَابَتْهُ الضَّرُورَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُ أَكْلُ الْمُحَرَّمِ وَشُرْبُهُ. وَلَوْ خَرَجَ غَيْرَ عَاصٍ، ثُمَّ نَوَى الْمَعْصِيَةَ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ الضَّرُورَةُ وَنِيَّتُهُ الْمَعْصِيَةُ، خَشِيت أَنْ لَا يَسَعَهُ الْمُحَرَّمُ، لِأَنِّي أَنْظُرُ إلَى نِيَّتِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، لَا فِي حَالِ تَقَدُّمَتِهَا وَلَا تَأَخَّرَتْ عَنْهَا

كتاب النذور

[كِتَابُ النُّذُورِ] [بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ] ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَلَا نَذْرَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ النَّذْرَ مَعْنَاهُ مَعْنَى عَلَيَّ أَنْ أَبَرَّ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَعْنَى أَنِّي أَثِمْت وَلَا حَلَفْت، فَلَمْ أَفْعَلْ وَإِذَا نَوَى بِالنَّذْرِ شَيْئًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَهُوَ مَا نَوَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنَّا نَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: " عَلَيَّ نَذْرٌ، إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أُكَلِّمَ فُلَانًا، يُرِيدُ هِجْرَتَهُ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. وَأَنَّهُ إنْ قَالَ: " عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أَهْجُرَهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ نَذْرَ هِجْرَتِهِ نَفْسِهَا، لَا يَعْنِي قَوْلَهُ أَنْ أَهْجُرَهُ أَوْ لَمْ أَهْجُرْهُ. فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلِيُكَلِّمَهُ، لِأَنَّهُ نَذْرٌ فِي مَعْصِيَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا أَوْ لَا يَصِلَ فُلَانًا، فَهَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ خَيْرٌ لَك مِنْ الْبِرِّ فَكَفِّرْ وَاحْنَثْ، لِأَنَّك تَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي هِجْرَتِهِ، وَتَتْرُكُ الْفَضْلَ فِي مَوْضِعِ صِلَتِهِ. وَهَذَا فِي مَعْنَى الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَهَكَذَا كُلُّ مَعْصِيَةٍ حَلَفَ عَلَيْهَا أَمَرْنَاهُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَعْصِيَةَ وَيَحْنَثَ وَيَأْتِيَ الطَّاعَةَ. وَإِذَا حَلَفَ عَلَى بِرٍّ، أَمَرْنَاهُ أَنْ يَأْتِيَ الْبِرَّ وَلَا يَحْنَثُ، مِثْلُ قَوْلِهِ " وَاَللَّهِ لَأَصُومَن الْيَوْمَ، وَاَللَّهِ لِأُصَلِّيَن كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً نَافِلَةً " فَنَقُولُ لَهُ: بِرَّ يَمِينَك وَأَطِعْ رَبَّك، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ وَكَفَّرَ. وَأَصْلُ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ، أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَطَاعَهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، وَلَمْ يُكَفِّرْ. [مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ مِنْ قَوْلِهِ: مَالِي هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ دَارِي هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُ صَدَقَةً أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذَا كَانَ عَلَى

باب نذر التبرر

مَعَانِي الْأَيْمَانِ فَاَلَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ عَطَاءٌ أَنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ فِي كُلِّ مَا حَنِثَ فِيهِ سِوَى عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالْقِيَاسُ وَمَذْهَبُ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَيَحْبِسُ قَدْرَ مَا يَقُوتُهُ، فَإِذَا أَيْسَرَ تَصَدَّقَ بِاَلَّذِي حَبَسَ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِزَكَاةِ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ قَالَ صَدَقَةٌ أَوْ قَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذَا كَانَتْ عَلَى مَعَانِي الْأَيْمَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَحَنِثَ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ يَمِينًا فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ تَبَرُّرًا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي كُلِّهِ، تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُطِعْهُ» . [بَابُ نَذْرِ التَّبَرُّرِ] ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهَا مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ نَذَرَ تَبَرُّرًا أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ إنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دَمًا احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا نَذَرَ كَمَا نَذَرَ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَمٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُطِقْ شَيْئًا سَقَطَ عَنْهُ كَمَا لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا وَلَا يُطِيقُ الْقُعُودَ فَيُصَلِّي مُضْطَجِعًا. وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّلَاةِ أَنَّ النَّاسَ أَصْلَحُوا أَمْرَ الْحَجِّ بِالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّسُكِ وَلَمْ يُصْلِحُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ إلَّا بِالصَّلَاةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَمْشِي أَحَدٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا إلَّا بِذِلَّةٍ مِنْهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَحَنِثَ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ تُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْيَمِينَ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَسَمِعْت الشَّافِعِيَّ أَفْتَى بِذَلِكَ رَجُلًا فَقَالَ: هَذَا قَوْلُك أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ هَذَا قَوْلُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَعْقُولُ مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ النُّسُكِ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ وَلَا صَوْمٌ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ لِلَّهِ لَا تَكُونُ إلَّا بِفَرْضٍ يُؤَدِّيهِ مِنْ فُرُوضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّرًا يُرِيدُ اللَّهَ بِهِ فَأَمَّا مَا عَلَا عُلُوَّ الْإِيمَانِ فَلَا يَكُونُ تَبَرُّرًا وَإِنَّمَا يَعْمَلُ التَّبَرُّرَ لِغَيْرِ الْعُلُوِّ وَقَدْ قَالَ غَيْرُ عَطَاءٍ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ إذَا نَذَرَهُ مُتَبَرِّرًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّبَرُّرُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفَى اللَّهُ فُلَانًا أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ قَضَى عَنِّي دَيْنًا أَوْ كَانَ كَذَا أَنْ أَحُجَّ لَهُ نَذْرًا فَهُوَ التَّبَرُّرُ. فَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ لَمْ أَقْضِك حَقَّك فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَهَذَا مِنْ مَعَانِي الْأَيْمَانِ لَا مَعَانِي النُّذُورِ وَأَصْلُ مَعْقُولِ قَوْلِ عَطَاءٍ فِي مَعَانِي النُّذُورِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَلَا كَفَّارَةٌ فَهَذَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفَانِي أَوْ شَفَى فُلَانًا أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي أَوْ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَمَنْ قَالَ هَذَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَفِي السَّائِبَةِ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّذْرَ فِي الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةً وَكَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَفِيَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِيهِ» (أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ كَانَتْ بَنُو عَقِيلٍ

حُلَفَاءَ لِثَقِيفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ لَهُ وَكَانَتْ نَاقَتُهُ قَدْ سَبَقَتْ الْحَاجَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً، وَكَانَتْ النَّاقَةُ إذَا سَبَقَتْ الْحَاجَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تُمْنَعْ مِنْ كَلَإٍ تَرْتَعُ فِيهِ وَلَمْ تُمْنَعْ مِنْ حَوْضٍ تَشْرَبُ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ أَخَذْتنِي وَأَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك ثَقِيفٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «وَحُبِسَ حَيْثُ يَمُرُّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك كُنْت قَدْ أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ قَالَ ثُمَّ مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَاسْقِنِي فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ حَاجَتُك ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَا لَهُ فَفَادَى بِهِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْ ثَقِيفٌ وَأَمْسَكَ النَّاقَةَ» ثُمَّ إنَّهُ أَغَارَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَدُوٌّ فَأَخَذُوا سَرْحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدُوا النَّاقَةَ فِيهَا قَالَ وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَسَرُوهَا وَكَانُوا يُرِيحُونَ النَّعَمَ عِشَاءً فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى النَّعَمِ فَجَعَلَتْ لَا تَجِيءُ إلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا حَتَّى انْتَهَتْ إلَيْهَا فَلَمْ تَرْغُ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهَا فَنَجَتْ فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ قَالَ النَّاسُ الْعَضْبَاءُ الْعَضْبَاءُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنِّي نَذَرْت إنْ اللَّهُ أَنْجَانِي عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِئْسَمَا جَزَيْتهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَتَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَنْحَرَ مِثْلَهَا أَوْ تَنْحَرَهَا وَلَا تُكَفِّرَ. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ مَنْ نَذَرَ تَبَرُّرًا أَنْ يَنْحَرَ مَالَ غَيْرِهِ فَهَذَا نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ فَالنَّذْرُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَبِذَلِكَ نَقُولُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ نَذَرَ مَا لَا يُطِيقُ أَنْ يَعْمَلَهُ بِحَالٍ سَقَطَ النَّذْرُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَعْمَلَهُ فَهُوَ كَمَا لَا يَمْلِكُ مِمَّا سِوَاهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» وَكَانَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ نَذَرَتْ وَهَرَبَتْ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ لَتَنْحَرَنهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِأَنْ تَنْحَرَ مِثْلَهَا وَلَا تُكَفِّرَ فَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ مَنْ نَذَرَ تَبَرُّرًا أَنْ يَنْحَرَ مَالَ غَيْرِهِ فَهَذَا نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَالنَّذْرُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ نَقُولُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ نَذَرَ مَا لَا يُطِيقُ أَنْ يَعْمَلَهُ بِحَالٍ سَقَطَ النَّذْرُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَعْمَلَهُ فَهُوَ كَمَا لَا يَمْلِكُ مِمَّا سِوَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا مَشَى حَتَّى يَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ثُمَّ يَرْكَبَ بَعْدُ، وَذَلِكَ كَمَالُ حَجِّ هَذَا، وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا مَشَى حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَذَلِكَ كَمَالُ عُمْرَةِ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَمَشَى فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ مَاشِيًا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ إذَا فَاتَهُ هَذَا الْحَجُّ أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَهُ لَوْ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالْحَجِّ أَوْ نَاذِرًا لَهُ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ أَلَّا يُجْزِي هَذَا الْحَجُّ مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ؟ فَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَسْقُطَ وَلَا يُجْزِي مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ فَكَيْفَ لَا يَسْقُطُ الْمَشْيُ الَّذِي إنَّمَا هُوَ هَيْئَةٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فَإِنْ كَانَ نَذَرَ ذَلِكَ مَاشِيًا فَلَا يَمْشِي لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ فَإِنْ مَشَى فَإِنَّمَا مَشَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ مَاشِيًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ إذَا لَمْ يَعْتَمِرْ وَيَحُجَّ فَإِنَّمَا هُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَنَوَى بِهِ نَذْرًا أَوْ حَجًّا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ تَطَوُّعًا فَهُوَ كُلُّهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ

وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِنَذْرِهِ فَيُوفِيَهُ كَمَا نَذَرَ مَاشِيًا أَوْ غَيْرَ مَاشٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) هَذَا إذَا كَانَ الْمَشْيُ لَا يَضُرُّ بِمَنْ يَمْشِي فَإِذَا كَانَ مُضِرًّا بِهِ فَيَرْكَبُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا إسْرَائِيلَ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ وَيَتَنَحَّى عَنْ الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ بِاَلَّذِي فِيهِ الْبِرُّ وَلَا يَضُرُّ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْ تَعْذِيبِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَّهِ فِي تَعْذِيبِهِ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَمْشِي إذَا كَانَ الْمَشْيُ تَعْذِيبًا لَهُ يَضُرُّ بِهِ تَرَكَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ حَتَّى يَكُونَ نَوَى شَيْئًا يَكُونُ مِثْلُهُ بِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَشْيِ إلَى غَيْرِ مَوَاضِعِ الْبِرِّ بِرٌّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَذَرَ فَقَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى إفْرِيقِيَّةَ أَوْ الْعِرَاقِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْبُلْدَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ طَاعَةٌ فِي الْمَشْيِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَشْيُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرْتَجَى فِيهَا الْبِرُّ وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَمْشِيَ وَإِلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَمْشِيَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» وَلَا يُبَيِّنُ لِي أَنْ أُوجِبَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا يُبَيِّنُ لِي أَنْ أُوجِبَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْبِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ وَالْبِرُّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَافِلَتَيْنِ وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ وَهُوَ إذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَسْجِدِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ وَلَوْ نَذَرَ بِرًّا أَمَرْنَاهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُؤْخَذُ لِلْآدَمِيِّينَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ هَذَا عَمَلٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِهِ وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَنْحَرَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَنْحَرَ بِمَكَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْرَ بِمَكَّةَ بِرٌّ. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ بِغَيْرِهَا لِيَتَصَدَّقَ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَنْحَرَ إلَّا حَيْثُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ. وَإِنَّمَا أَوْجَبْته وَلَيْسَ فِي النَّحْرِ فِي غَيْرِهَا بِرٌّ لِأَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَسَاكِينِ بَلَدٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ. وَفِي تَرْجَمَةِ الْهَدْيِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرَاجُمِ مُخْتَصَرِ الْحَجِّ الْمُتَوَسِّطِ نُصُوصٌ تَتَعَلَّقُ بِالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ فَمِنْهَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْهَدْيُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَسَوَاءٌ الْبُخْتُ وَالْعِرَابُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا فَسَمَّى شَيْئًا لَزِمَهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَمَّى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَمَنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا لَزِمَهُ هَدْيٌ لَيْسَ بِجَزَاءٍ مِنْ صَيْدٍ، فَيَكُونُ عَدْلَهُ. فَلَا يُجْزِيهِ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا الْبَقَرِ وَلَا الْمَعْزِ، إلَّا ثَنِيٌّ فَصَاعِدًا وَيُجْزِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. وَيُجْزِي مِنْ الضَّأْنِ وَحْدَهُ الْجَذَعُ: وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَرَمُ، لَا مَحِلَّ لِلْهَدْيِ دُونَهُ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ، فَيَنْحَرَ فِيهِ هَدْيًا، أَوْ يُحْصَرَ رَجُلٌ بِعَدُوٍّ، فَيَنْحَرَ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَلَا هَدْيَ إلَّا فِي الْحَرَمِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَذُكِرَ هُنَا التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْهَدْيِ آخِرَ الْحَجِّ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَنْذُورِ وَالتَّطَوُّعِ. (قَالَ) : وَإِذَا سَاقَ

الْهَدْيَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. وَإِذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، رَكِبَهُ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلَ الْمُعْيَا وَالْمُضْطَرَّ عَلَى هَدْيِهِ. وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ أُنْثَى فَنَتَجَتْ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَصِيلُهَا سَاقَهُ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ أَحَدًا. وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فَصِيلَهَا. وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَأَعْجَفَهَا، غَرِمَ قِيمَةَ مَا نَقَصَهَا. وَكَذَلِكَ إنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يُنْهِكُ فَصِيلَهَا، غَرِمَ قِيمَةَ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبَ. وَإِنْ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَوَجَّهَهَا إلَى الْبَيْتِ، أَوْ وَجَّهَهَا بِكَلَامٍ فَقِيلَ هَذِهِ هَدْيِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَلَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ مِنْهَا، كَانَتْ زَاكِيَةً أَوْ غَيْرَ زَاكِيَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرِثُوهَا، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي الْهَدْيِ إلَى يَوْمِ يُوجِبُ، فَإِنْ كَانَ وَافِيًا، ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَوَرٌ أَوْ عَرَجٌ، أَوْ مَا لَا يَكُونُ بِهِ وَافِيًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، لَمْ يَضُرَّهُ إذَا بَلَغَ الْمَنْسَكَ. وَإِنْ كَانَ يَوْمَ وَجَبَ لَيْسَ بِوَافٍ ثُمَّ صَحَّ حَتَّى يَصِيرَ وَافِيًا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِإِبْدَالِهِ مَعَ نَحْرِهِ، أَوْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَاجِبًا، فَلَا يُجْزِي عَنْهُ فِيهِ إلَّا وَافٍ. (قَالَ) : وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ، هَدْيٌ أَصْلُهُ تَطَوُّعٌ، فَذَكَرَ فِي عَطَبِهِ وَإِطْعَامِهِ مَا سَبَقَ فِي بَابِ الْهَدْيِ (قَالَ) : وَهَدْيٌ وَاجِبٌ فَذَلِكَ إذَا عَطِبَ دُونَ الْحَرَمِ صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِمْسَاكٍ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى مَسَاكِينَ، كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا حِينَ عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. وَذَكَرَ هُنَا دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْهَدْيِ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَ عَلَيْهِمَا هَدْيَانِ وَاجِبَانِ، فَأَخْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَدْيِ صَاحِبِهِ فَذَبَحَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ نَفْسِهِ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِقِيمَةِ مَا بَيْنَ الْهَدْيَيْنِ حَيَّيْنِ وَمَنْحُورَيْنِ وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا وَتَصَدَّقَا بِكُلِّ مَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكَاهُ حَتَّى فَاتَ بِصَدَقَةٍ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ الْهَدْيِ حَيًّا، وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَدَلُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُبَدِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِجَمِيعِ ثَمَنِ هَدْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِثَمَنِ هَدْيِهِ هَدْيًا زَادَ حَتَّى يُبَدِّلَهُ هَدْيًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ هَدْيًا فَمَنَعَ الْمَسَاكِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَوْ نَحَرَهُ بِنَاحِيَةٍ وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَهُ حَتَّى يُنْتِنَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ. وَالنَّحْرُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ " مِنًى " كُلُّهَا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهَا فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ. فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ نَحَرَهُ وَأَعْطَاهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ قَضَاءً. وَيَذْبَحُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ ذَبْحَ اللَّيْلِ لِئَلَّا يُخْطِئَ رَجُلٌ فِي الذَّبْحِ أَوْ لَا يُوجَدُ مَسَاكِينُ حَاضِرُونَ. فَأَمَّا إذَا أَصَابَ الذَّبْحَ فَوَجَدَ مَسَاكِينَ حَاضِرِينَ فَسَوَاءٌ وَفِي أَيِّ الْحَرَمِ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَبْلَغَهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ ذَبْحُهُ إيَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ نَاسٍ. وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ قِيَامًا غَيْرَ مَعْقُولَةٍ وَإِنْ أَحَبَّ عَقْلَ إحْدَى قَوَائِمِهَا. وَإِنْ نَحَرَهَا بَارِكَةً أَوْ مُطْلَقَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ. وَإِنْ نَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ أَوْ ذَبَحَ الْإِبِلَ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ. وَمَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ أَجْزَأَ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ وَهَكَذَا مَنْ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ صَاحِبُهَا أَوْ يَحْضُرَ الذَّبْحَ فَإِنَّهُ يُرْجَى عِنْدَ سُفُوحِ الدَّمِ الْمَغْفِرَةُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَمَّى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّسِيكَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ قَالَ: " اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ عَنِّي أَوْ تَقَبَّلْ عَنْ فُلَانٍ " الَّذِي أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ فَلَا بَأْسَ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَكْلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْهَدْيِ. (قَالَ) : وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ. فَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ وَاجِبًا عَلَى الْإِنْسَانِ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَذَلِكَ مِثْلُ هَدْيِ الْفَسَادِ وَالطِّيبِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ وَالْمُتْعَةِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ مَا أَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّطَوُّعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَالَ) وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ هَدْيَهُ وَلَمْ يُشْعِرْهُ، قَارِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا مِنْ " مِنًى " أَوْ مِنْ " مَكَّةَ " ثُمَّ يَذْبَحُهُ مَكَانَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْهَدْيِ عَمَلٌ إنَّمَا الْعَمَلُ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَالنُّسُكُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: غُلَامِي حُرٌّ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي فِي سَاعَتِي هَذِهِ أَوْ فِي يَوْمِي هَذَا أَوْ شَاءَ أَوْ يَشَاءُ فُلَانٌ أَنْ لَا يَكُونَ حُرًّا أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنْ لَا تَكُونَ طَالِقًا فِي يَوْمِي هَذَا، أَوْ يَشَاءُ فُلَانٌ فَشَاءَ أَوْ شَاءَ الَّذِي اسْتَثْنَى مَشِيئَتَهُ. لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ حُرًّا وَلَا الْمَرْأَةُ طَالِقًا (قَالَ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا أُهْدِي هَذِهِ الشَّاةَ نَذْرًا أَوْ أَمْشِي نَذْرًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: إنِّي سَأُحْدِثُ نَذْرًا أَوْ إنِّي سَأُهْدِيهَا. فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ لِغَيْرِ إيجَابٍ. فَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعًا مِنْ الْحَرَمِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَرَمَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَةَ أَوْ مَرًّا أَوْ مَوْضِعًا قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ لَيْسَ بِحَرَمٍ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ، وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ حَجًّا وَلَمْ يُسَمِّ وَقْتًا فَعَلَيْهِ حَجٌّ، يُحْرِمُ بِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَتَى شَاءَ. وَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرُ حَجٍّ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ شَاءَ فُلَانٌ. إنَّمَا النَّذْرُ مَا أُرِيدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، لَيْسَ عَلَى مَعَانِي الْعُلُوِّ وَلَا مَشِيئَةِ غَيْرِ النَّاذِرِ. وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُهْدِيَ شَيْئًا مِنْ النَّعَمِ، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يُهْدِيَهُ. وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ مَتَاعًا لَمْ يُجْزِهِ، إلَّا أَنْ يُهْدِيَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِي هَذِهِ أَنْ يَعْقِلَهُ عَلَى الْبَيْتِ أَوْ يَجْعَلَ فِي طِيبٍ لِلْبَيْتِ. جَعَلَهُ حَيْثُ نَوَى، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ مَا لَا يُحْمَلُ، مِثْلَ الْأَرَضِينَ وَالدُّورِ، بَاعَ ذَلِكَ فَأَهْدَى ثَمَنَهُ. وَيَلِي الَّذِي نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِذَلِكَ وَتَعْلِيقُهُ عَلَى الْبَيْتِ وَتَطْيِيبُهُ بِهِ، أَوْ يُوَكِّلُ بِهِ ثِقَةً يَلِي ذَلِكَ بِهِ. وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً، لَمْ يُجْزِهِ مِنْهَا إلَّا ثَنِيٌّ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ ثَنِيَّةٌ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخَصِيُّ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا أَحَبُّهَا إلَيَّ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً أَهْدَى بَقَرَةً ثَنِيَّةً فَصَاعِدًا. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً، أَهْدَى سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ ثَنِيًّا فَصَاعِدًا، إنْ كُنَّ مِعْزَى، أَوْ جَذَعًا فَصَاعِدًا، إنْ كُنَّ ضَأْنًا. وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ عَلَى بَدَنَةٍ مِنْ الْإِبِلِ دُونَ الْبَقَرِ، فَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يُهْدِيَ مَكَانَهَا إلَّا بِقِيمَتِهَا. وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ هَدْيًا لَمْ يُسَمِّ الْهَدْيَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً وَمَا أَهْدَى مِنْ مُدِّ حِنْطَةٍ أَوْ مَا قُوتُهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هَدْيٌ، وَلَوْ أَهْدَى إنَّمَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هَدْيٌ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} [المائدة: 95] فَقَدْ يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَهُوَ صَغِيرٌ أَعْرَجُ وَأَعْمَى، وَإِنَّمَا يُجْزِيهِ بِمِثْلِهِ. أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْتُلُ الْجَرَادَةَ وَالْعُصْفُورَ، وَهُمَا مِنْ الصَّيْدِ فَيُجْزِي الْجَرَادَةَ بِتَمْرَةٍ وَالْعُصْفُورَ بِقِيمَتِهِ؟ وَلَعَلَّهُ قَبْضَةٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا كُلَّهُ هَدْيًا. وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: شَاتِي هَذِهِ هَدْيٌ إلَى الْحَرَمِ، أَوْ بُقْعَةٌ مِنْ الْحَرَمِ، أَهْدَى. وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ بَدَنَةً لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا بِمَكَّةَ، فَإِنْ سَمَّى مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ يَنْحَرُهَا فِيهِ أَجْزَأَتْهُ. وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ عَدَدَ صَوْمٍ صَامَهُ إنْ شَاءَ مُتَفَرِّقًا، وَإِنْ شَاءَ مُتَتَابِعًا (قَالَ) : وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ أَشْهُرٍ، فَمَا صَامَ مِنْهَا بِالْأَهِلَّةِ صَامَهُ، عَدَدًا مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، إنْ كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ. فَإِنْ صَامَهُ بِالْعَدَدِ، صَامَ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، صَامَهَا كُلَّهَا إلَّا رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يَصُومُ لِرَمَضَانَ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. كَمَا لَوْ قَصَدَ بِنَذْرٍ أَنْ يَصُومَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ وَلَا قَضَاءٌ، فَإِنْ نَذَرَ سَنَةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا، قَضَى هَذِهِ الْأَيَّامَ كُلَّهَا حَتَّى يُوفِيَ صَوْمَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَرَضٌ أَوْ خَطَأُ عَدَدٍ أَوْ نِسْيَانٌ أَوْ تَوَانٍ، قَضَاهُ إذَا زَعَمْت

كتاب البيوع

أَنَّهُ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، كَانَ مَنْ نَذَرَ حَجًّا بِعَيْنِهِ مِثْلَهُ، وَمَا زَعَمْت أَنَّهُ إذَا أُحْصِرَ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ أَمَرْته أَنْ يَقْضِيَهُ إنْ نَذَرَهُ فَأُحْصِرَ. وَهَكَذَا إنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ سَنَةً بِعَيْنِهَا فَمَرِضَ، قَضَاهَا إلَّا الْأَيَّامَ الَّتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ تَأْمُرُ الْمُحْصَرَ إذَا أُحْصِرَ بِالْهَدْيِ وَلَا تَأْمُرُ بِهِ هَذَا؟ قُلْت: آمُرُهُ بِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا لَمْ يُحْرِمْ فَآمُرُهُ بِالْهَدْيِ. (قَالَ) : وَإِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٍ أَوْ صَوْمِ كَفَّارَةٍ أَوْ وَاجِبٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ تَطَوُّعٍ نَاسِيًا، فَصَوْمُهُ تَامٌّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَإِذَا تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ أَفْطَرَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَلَيْسَ بِصَائِمٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ. فَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ مُتَتَابِعًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهُ. وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمٌ صَبِيحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي اللَّيْلِ وَلَمْ يَقْدُمْ فِي النَّهَارِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ صَامَهُ. وَلَوْ قَدِمَ الرَّجُلُ نَهَارًا، وَقَدْ أَفْطَرَ الَّذِي نَذَرَ الصَّوْمَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ لِأَنَّهُ نَذْرٌ، وَالنَّذْرُ لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ صِيَامَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهَذَا احْتِيَاطٌ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَائِمًا عَنْ نَذْرِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ أَنَّ جَائِزًا أَنْ يَصُومَ، وَلَيْسَ هُوَ كَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ بَعْدَ مَقْدِمِ فُلَانٍ فَقُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ الْأَوَّلِ. وَلَوْ أَصْبَحَ فِيهِ صَائِمًا مَنْ نَذْرٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَحْبَبْت أَنْ يَعُودَ لِصَوْمِ نَذْرِهِ وَقَضَائِهِ وَيَعُودُ لِصَوْمِهِ لِمَقْدِمِ فُلَانٍ. وَلَوْ أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ التَّشْرِيقِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ طَاعَةٌ فَلَا يَقْضِي مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ. وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْم الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ أَبَدًا، فَقَدِمَ فُلَانٌ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ وَصَوْمَ الِاثْنَيْنِ كُلَّمَا اسْتَقْبَلَهُ. فَإِنْ تَرَكَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ قَضَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَلَا يَصُومُ وَلَا يَقْضِيهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ وَصَامَهُ فِي رَمَضَانَ. كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ صَامَ رَمَضَانَ بِالْفَرِيضَةِ وَلَمْ يَصُمْهُ بِالنَّذْرِ وَلَمْ يَقْضِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَقَدِمَ فُلَانٌ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ صَامَهُمَا، وَقَضَى كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا وَلَا يُشْبِهُ هَذَا شَهْرَ رَمَضَانَ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَمَا أُوجِبَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ لَا شَيْءَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَكَانَ النَّاذِرُ امْرَأَةً فَكَالرَّجُلِ وَتَقْضِي كُلَّ مَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْضِهَا. وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كُلَّمَا حِضْت أَوْ أَيَّامَ حَيْضِي، فَلَيْسَ عَلَيْهَا صَوْمٌ وَلَا قَضَاءٌ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ صَائِمَةً وَهِيَ حَائِضٌ. وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ، وَمِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ لِأَنَّ هَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا الْوِتْرُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ يُجْزِيهِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ تَنَفَّلَ بِرَكْعَةٍ، «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ عَشْرِ رَكَعَاتٍ» ، وَأَنَّ عُثْمَانَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. (قَالَ الرَّبِيعُ) فَلَمَّا كَانَتْ رَكْعَةٌ صَلَاةً وَنَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَصَلَّى رَكْعَةً، كَانَتْ رَكْعَةٌ صَلَاةً بِمَا ذَكَرْنَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَأَيُّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَ أَجْزَأَ. [كِتَابُ الْبُيُوعِ]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَكَرَ اللَّهُ الْبَيْعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ فَاحْتَمَلَ إحْلَالُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْبَيْعَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَلَّ كُلَّ بَيْعِ تَبَايَعَهُ الْمُتَبَايِعَانِ جَائِزِي الْأَمْرِ فِيمَا تَبَايَعَاهُ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَهَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهِ (قَالَ) : وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْنَى مَا أَرَادَ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْجُمَلِ الَّتِي أَحْكَمَ اللَّهُ فَرْضَهَا بِكِتَابِهِ وَبَيَّنَ كَيْفَ هِيَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، أَوْ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أُرِيدَ بِإِحْلَالِهِ مِنْهُ وَمَا حُرِّمَ، أَوْ يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِمَا، أَوْ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أَبَاحَهُ إلَّا مَا حُرِّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ لَا خَفِيَ عَلَيْهِ لَبْسُهُمَا عَلَى كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَأَيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ فَقَدْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ بِمَا فَرَضَ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بُيُوعٍ تَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ بِمَا أَحَلَّ مِنْ الْبُيُوعِ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ مَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَصْلُ الْبُيُوعِ كُلِّهَا مُبَاحٌ إذَا كَانَتْ بِرِضَا الْمُتَبَايِعَيْنِ الْجَائِزَيْ الْأَمْرِ فِيمَا تَبَايَعَا إلَّا مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَرَّمٌ بِإِذْنِهِ دَاخِلٌ فِي الْمَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَمَا فَارَقَ ذَلِكَ أَبَحْنَاهُ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ إبَاحَةِ الْبَيْعِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ مَا يَجُوزُ مِنْ كُلِّ بَيْعٍ آجِلٍ وَعَاجِلٍ وَمَا لَزِمَهُ اسْمُ بَيْعٍ بِوَجْهٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ حَتَّى يُجْمِعَا أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ وَلَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَا عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَأَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ يَجِدُهُ أَوْ شَرْطٍ يَشْرِطُهُ أَوْ خِيَارِ رُؤْيَةٍ وَقَالَ لَا يَجُوزُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَصْلُ الْبَيْعِ بَيْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا بَيْعُ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى بَائِعِهَا، فَإِذَا جَاءَ بِهَا خِيَارٌ لِلْمُشْتَرِي فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى صِفَتِهِ، وَبَيْعُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى بَائِعِهَا بِعَيْنِهَا يُسَلِّمُهَا الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فَإِذَا تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ سِوَى الْعَيْنِ الَّتِي بَاعَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَانِ مُفْتَرَقَانِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ

باب بيع الخيار

[بَابٌ بَيْعُ الْخِيَارِ] ِ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ الْبَيْعَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ» قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إذَا ابْتَاعَ الْبَيْعَ فَأَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَّا وَجَبَتْ الْبَرَكَةُ فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْعِهِمَا» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ فَلَمَّا أَرَدْنَا الرَّحِيلَ خَاصَمَهُ فِيهِ إلَى أَبِي بَرْزَةَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا أَيْضًا لَمْ يَحْضُرْ الَّذِي حَدَّثَنِي حِفْظَهُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُمَا بَاتَا لَيْلَةً ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ لَا أَرَاكُمَا تَفَرَّقْتُمَا وَجَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ إذَا بَاتَا مَكَانًا وَاحِدًا بَعْدَ الْبَيْعِ (قَالَ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا وَجَبَ الْبَيْعُ خَيَّرَهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ قَالَ يَقُولُ " اخْتَرْ إنْ شِئْت فَخُذْ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ " قَالَ فَقُلْت لَهُ فَخَيَّرَهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ فَأَخَذَ ثُمَّ نَدِمَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ أَتَقْبَلُهُ مِنْهُ لَا بُدَّ؟ قَالَ لَا أَحْسَبُهُ إذَا خَيَّرَهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ إنَّكُمَا افْتَرَقْتُمَا بَعْدَ رِضًا بِبَيْعٍ أَوْ خَيَّرَ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْآثَارِ بِالْبُلْدَانِ (قَالَ) : وَكُلُّ مُتَبَايِعَيْنِ فِي سَلَفٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ صَرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ تَبَايَعَا وَتَرَاضَيَا وَلَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا أَوْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ رَدُّهُ إلَّا بِخِيَارٍ أَوْ شَرْطِ خِيَارٍ أَوْ مَا وَصَفْت إذَا تَبَايَعَا فِيهِ وَتَرَاضَيَا وَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ أَوْ كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ بِالتَّفَرُّقِ وَالْخِيَارِ (قَالَ) : وَاحْتَمَلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» مَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ وَأَوْلَاهُمَا بِمَعْنَى السُّنَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا وَالْقِيَاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ فَالْمُتَبَايِعَانِ اللَّذَانِ عَقَدَا الْبَيْعَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ فِي السُّنَّةِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا وَتَفَرُّقُهُمَا هُوَ أَنْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ كَانَ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ بِالتَّخْيِيرِ وَكَانَ مَوْجُودًا فِي اللِّسَانِ وَالْقِيَاسِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ يَجِبُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْبَيْعِ وَهُوَ الْفِرَاقُ أَنْ يَجِبَ بِالثَّانِي بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ إذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ كَانَ الْخِيَارُ تَجْدِيدَ شَيْءٍ يُوجِبُهُ كَمَا كَانَ التَّفَرُّقُ تَجْدِيدَ شَيْءٍ يُوجِبُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ بَيِّنَةٌ بِمِثْلِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَانَ مَا وَصَفْنَا أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ الْقِيَاسِ مَعَ

أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَالَ الرَّجُلُ: عَمْرَك اللَّهُ مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ» قَالَ وَكَانَ أَبِي يَحْلِفُ مَا الْخِيَارُ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ (قَالَ) : وَبِهَذَا نَقُولُ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ الْبَيْعُ بِالتَّفَرُّقِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَيَجِبُ بِأَنْ يَعْقِدَ الصَّفْقَةَ عَلَى خِيَارٍ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لَك بِسِلْعَتِك كَذَا بَيْعًا خِيَارًا فَيَقُولُ: قَدْ اخْتَرْت الْبَيْعَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ نَأْخُذُ بِهَذَا وَقَوْلُنَا الْأَوَّلُ: لَا يَجِبُ الْبَيْعُ إلَّا بِتَفَرُّقِهِمَا أَوْ تَخْيِيرِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَخْتَارُهُ (قَالَ) : وَإِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ السِّلْعَةَ وَتَقَابَضَا أَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِذَا خَيَّرَهُ وَجَبَ الْبَيْعُ بِمَا يَجِبُ بِهِ إذَا تَفَرَّقَا، وَإِنْ تَقَابَضَا وَهَلَكَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ الْخِيَارِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ فِيهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ هَلَكَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهَا وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْبِضَهَا، فَإِنْ قَبَضَهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَدِيعَةً فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا، وَإِنْ تَفَرَّقَا فَمَاتَتْ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَعَلَيْهِ ثَمَنُهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ الْخِيَارِ فَاخْتَارَ الْبَائِعُ نَقْضَ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي بَاطِلًا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَمْ يَتِمَّ لَهُ مِلْكُهُ، وَإِذَا أَعْتَقَهَا الْبَائِعُ كَانَ عِتْقُهُ جَائِزًا لِأَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ عَلَيْهِ مِلْكًا يَقْطَعُ الْمِلْكَ الْأَوَّلَ عَنْهَا إلَّا بِتَفَرُّقٍ بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ خِيَارٍ وَأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَتِمَّ فِيهِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ إذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ كَانَ لَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْمُشْتَرِي فَوَطِئَهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ الْبَائِعِ عَنْهُ فَاخْتَارَ الْبَائِعُ فَسْخَ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ فَسْخُهُ وَكَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِهَا لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَحَبْلهَا فَاخْتَارَ الْبَائِعُ رَدَّ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ وَكَانَتْ الْأَمَةُ لَهُ وَلَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا فَأَعْتَقْنَا وَلَدَهَا بِالشُّبْهَةِ وَجَعَلْنَا عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ وَلَدِهِ يَوْمَ وُلِدَ، وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ فَهِيَ أَمَتُهُ وَالْوَطْءُ كَالِاخْتِيَارِ مِنْهُ لِفَسْخِ الْبَيْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ وَكَانَ لَهُمْ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ مَا كَانَ لَهُ، وَإِنْ خَرِسَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ وَجَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فِي رَدِّ الْبَيْعِ أَوْ أَخْذِهِ فَأَيُّهُمَا فَعَلَ ثُمَّ أَفَاقَ الْآخَرُ فَأَرَادَ نَقْضَ مَا فَعَلَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَى أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْ بَهِيمَةً فَنَتَجَتْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَهُمَا عَلَى الْخِيَارِ، فَإِنْ اخْتَارَا إنْفَاذَ الْبَيْعِ أَوْ تَفَرَّقَا فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَقَعَ وَهُوَ حَمْلٌ. وَكَذَلِكَ كُلُّ خِيَارٍ بِشَرْطٍ جَائِزٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ

باب الخلاف فيما يجب به البيع

[بَابٌ الْخِلَافُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْبَيْعُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْبَيْعُ فَقَالَ: إذَا عُقِدَ الْبَيْعُ وَجَبَ وَلَا أُبَالِي أَنْ لَا يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ بَيْعٍ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت فِي هَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَهَذَا بَيْعٌ وَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ لِلْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ وَلَا أَعْرِفُ الْبَيْعَ إلَّا بِالْكَلَامِ لَا بِتَفَرُّقِ الْأَبَدَانِ فَقُلْت لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ جَاهِلٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقَالَ مِثْلَ مَا قُلْت أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَلَا أَعْرِفُ بَيْعًا حَلَالًا وَآخَرَ حَرَامًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ اسْمُ الْبَيْعِ مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ قَالَ إذْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بُيُوعٍ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْنَى مَا أَرَادَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَهُ وَلَك بِهَذَا حُجَّةٌ فِي النَّهْيِ فَمَا عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ سُنَّةً فِي الْبُيُوعِ أَثْبَتَ مِنْ قَوْلِهِ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا بَرْزَةَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْوُونَهُ وَلَمْ يُعَارِضْهُمْ أَحَدٌ بِحَرْفٍ يُخَالِفُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ نَهَى عَنْ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ، فَعَارَضَ ذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِخَبَرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافِهِ، فَنَهَيْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ عَنْ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ وَقُلْنَا هَذَا أَقْوَى فِي الْحَدِيثِ وَمَعَ مَنْ خَالَفْنَا مِثْلُ مَا احْتَجَجْت بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَأَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الرِّبَا خِلَافُ مَا رَوَيْته وَرَوَوْهُ أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةَ وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ فَإِذَا كُنَّا نُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فَنَذْهَبُ إلَى الْأَكْثَرِ وَالْأَرْجَحِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَرَى لَنَا حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَنَا أَفَمَا نَرَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ بِرِوَايَةٍ عَنْهُ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ؟ قَالَ بَلَى إنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ قُلْت فَهُوَ كَمَا أَقُولُ فَهَلْ تَعْلَمُ مُعَارِضًا لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَالِفُهُ؟ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَقُولُ إنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قُلْت وَبِهِ أَقُولُ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ عَلَى غَيْرِ مَا قُلْت، قُلْت فَاذْكُرْ لِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ فِيهِ قَالَ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فِي الْكَلَامِ قَالَ فَقُلْت لَهُ الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ مُحَالٌ لَا يَجُوزُ فِي اللِّسَانِ قَالَ وَمَا إحَالَتُهُ؟ وَكَيْفَ لَا يَحْتَمِلُهُ اللِّسَانُ؟ قُلْت إنَّمَا يَكُونَانِ قَبْلَ التَّسَاوُمِ غَيْرَ مُتَسَاوِمَيْنِ ثُمَّ يَكُونَانِ

مُتَسَاوِمَيْنِ قَبْلَ التَّبَايُعِ ثُمَّ يَكُونَانِ بَعْدَ التَّسَاوُمِ مُتَبَايِعَيْنِ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ مُتَبَايِعَيْنِ حَتَّى يَتَبَايَعَا وَيَفْتَرِقَا فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّبَايُعِ (قَالَ) : فَقَالَ فَادْلُلْنِي عَلَى مَا وَصَفْت بِشَيْءٍ أَعْرِفُهُ غَيْرَ مَا قُلْت الْآنَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت لَوْ تَسَاوَمْت أَنَا وَأَنْتَ بِسِلْعَةِ رَجُلٍ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كُنْتُمَا تَبَايَعْتُمَا فِيهَا؟ قَالَ فَلَا تَطْلُقُ مِنْ قِبَلِ أَنَّكُمَا غَيْرُ مُتَبَايِعَيْنِ إلَّا بِعَقْدِ الْبَيْعِ، قُلْت وَعَقْدُ الْبَيْعِ التَّفَرُّقُ عِنْدَك فِي الْكَلَامِ عَنْ الْبَيْعِ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت أَرَأَيْت لَوْ تَقَاضَيْتُك حَقًّا عَلَيْك، فَقُلْت وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي مَتَى أَحْنَثُ، قَالَ إنْ فَارَقْتَهُ بِبَدَنِك قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَك حَقَّك، قُلْت فَلَوْ لَمْ تَعْرِفْ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ شَيْئًا إلَّا هَذَا أَمَا دَلَّك عَلَى أَنَّ قَوْلَك مُحَالٌ وَأَنَّ اللِّسَانَ لَا يَحْتَمِلُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَا غَيْرِهِ؟ قَالَ فَاذْكُرْ غَيْرَهُ، فَقُلْت لَهُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي أَوْ حَتَّى تَأْتِيَ خَازِنَتِي مِنْ الْغَابَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَنَا شَكَكْت وَعُمَرُ يَسْمَعُ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» ، قُلْت لَهُ أَفَبِهَذَا نَقُولُ نَحْنُ وَأَنْتَ إذَا تَفَرَّقَ الْمُصْطَرِفَانِ عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ انْتَقَضَ الصَّرْفُ وَمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا لَمْ يُنْتَقَضْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قُلْت لَهُ فَمَا بَانَ لَك وَعَرَفْت مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّفَرُّقَ هُوَ تَفَرُّقُ الْأَبَدَانِ بَعْدَ التَّبَايُعِ لَا التَّفَرُّقُ عَنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّك لَوْ قُلْت تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّقَابُضِ لِبَعْضِ الصَّرْفِ دَخَلَ عَلَيْك أَنْ تَقُولَ لَا يَحِلُّ الصَّرْفُ حَتَّى يَتَرَاضَيَا وَيَتَوَازَنَا وَيَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَأْخُذُ وَيُعْطِي ثُمَّ يُوجِبَا الْبَيْعَ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ التَّقَابُضِ أَوْ مَعَهُ، قَالَ لَا أَقُولُ هَذَا، قُلْت وَلَا أَرَى قَوْلَك التَّفَرُّقَ تَفَرُّقُ الْكَلَامِ إلَّا جَهَالَةً أَوْ تَجَاهُلًا بِاللِّسَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَهُ أَرَأَيْت رَجُلًا قَالَ لَك أُقَلِّدُك فَأَسْمَعُك تَقُولُ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَك التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ وَأَنْتَ تَقُولُ إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ كَانَ الصَّرْفُ رِبًا وَهُمَا فِي مَعْنَى الْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ مُتَبَايِعَانِ، وَإِذَا تَفَرَّقَا عَنْ الْكَلَامِ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الصَّرْفُ قَالَ لَيْسَ هَذَا لَهُ، قُلْت فَيَقُولُ لَك كَيْفَ صِرْت إلَى نَقْضِ قَوْلِك؟ قَالَ إنَّ عُمَرَ سَمِعَ طَلْحَةَ وَمَالِكًا قَدْ تَصَارَفَا فَلَمْ يَنْقُضْ الصَّرْفَ وَرَأَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَاءَ وَهَاءَ» إنَّمَا هُوَ لَا يَتَفَرَّقَا حَتَّى تَقَاضَا قُلْت تَفَرَّقَا عَنْ الْكَلَامِ، قَالَ نَعَمْ: قُلْت فَقَالَ لَك أَفَرَأَيْت لَوْ احْتَمَلَ اللِّسَانُ مَا قُلْت وَمَا قَالَ مَنْ خَالَفَك أَمَا يَكُونُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ الْحَدِيثَ أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي سَمِعَ الْحَدِيثَ فَلَهُ فَضْلُ السَّمَاعِ وَالْعِلْمِ بِمَا سَمِعَ وَبِاللِّسَانِ؟ قَالَ بَلَى قُلْت فَلَمْ لَمْ تُعْطِ هَذَا ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» فَكَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَجِبَ لَهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ فَمَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ وَلِمَ لَمْ تُعْطِ هَذَا أَبَا بَرْزَةَ وَهُوَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» وَقَضَى بِهِ وَقَدْ تَصَادَقَا بِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ثُمَّ كَانَ مَعًا لِمَ لَمْ يَتَفَرَّقَا فِي لَيْلَتِهِمَا ثُمَّ غَدَوَا إلَيْهِ فَقَضَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي رَدِّ بَيْعِهِ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ تَقُولُ إنَّ قَوْلِي مُحَالٌ؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ فَمَا أَحْسَبُنِي إلَّا قَدْ اكْتَفَيْت بِأَقَلَّ مِمَّا ذَكَرْت وَأَسْأَلُكَ قَالَ فَسَلْ قُلْت أَفَرَأَيْت إذْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» أَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ إلَيْهِمَا الْخِيَارَ إلَى وَقْتَيْنِ يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ إلَى أَيِّهِمَا كَانَ؟ قَالَ لِي قُلْت فَمَا الْوَقْتَانِ؟ قَالَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْكَلَامِ، قُلْت فَمَا الْوَجْهُ الثَّانِي؟ قَالَ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا فَدَعْهُ، قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ بِعْتُك بَيْعًا وَدَفَعْتُهُ إلَيْك، فَقُلْت أَنْتَ فِيهِ بِالْخِيَارِ إلَى اللَّيْلِ مِنْ يَوْمِك هَذَا وَأَنْ تَخْتَارَ إجَازَةَ الْبَيْعِ قَبْلَ اللَّيْلِ أَجَائِزٌ هَذَا الْبَيْعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت فَمَتَى يَنْقَطِعُ خِيَارُك وَيَلْزَمُك الْبَيْعُ فَلَا يَكُونُ لَك رَدُّهُ؟ قَالَ إنْ انْقَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ أَخْتَرْ رَدَّ الْبَيْعِ انْقَطَعَ

الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ، أَوْ اخْتَرْت قَبْلَ اللَّيْلِ إجَازَةَ الْبَيْعِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ، قُلْت فَكَيْفَ لَا تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا قَطَعَ الْخِيَارَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ، دَعْهُ، قُلْت نَعَمْ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنِّي بِأَنَّك إنَّمَا عَمَدْت تَرْكَ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ الْبَيْعَ التَّفَرُّقُ أَوْ التَّخْيِيرُ كَمَا عَرَفْتُهُ فِي جَوَابِك قَبْلَهُ، فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت إنْ زَعَمْتَ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى مُدَّةٍ، وَزَعَمْتَ أَنَّهَا أَنْ يَتَفَرَّقَا فِي الْكَلَامِ، أَيُقَالُ لِلْمُتَسَاوِمَيْنِ أَنْتُمَا بِالْخِيَارِ؟ قَالَ نَعَمْ، السَّائِمُ فِي أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَدَعَ، وَالْبَائِعُ فِي أَنْ يُوجِبَ، أَوْ يَدَعَ، قُلْت أَلَمْ يَكُونَا قَبْلَ التَّسَاوُمِ هَكَذَا؟ قَالَ بَلَى، قُلْت: فَهَلْ أَحْدَثَ لَهُمَا التَّسَاوُمُ حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِهِمَا قَبْلَهُ أَوْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِهِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ؟ قَالَ لَا، قُلْت: فَيُقَالُ لِإِنْسَانٍ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِك الَّذِي لَمْ تُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا لِغَيْرِك فَالسَّائِمُ عِنْدَك لَمْ يُوجِبْ فِي مَالِهِ شَيْئًا لِغَيْرِهِ إنَّك لِتُحِيلَ فِيمَا تُجِيبُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ، قَالَ فَلِمَ لَا أَقُولُ لَك أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِك؟ قُلْت لِمَا وَصَفْت لَك، وَإِنْ قُلْت ذَلِكَ إلَى مُدَّةٍ تَرَكْت قَوْلَك، قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إلَى مُدَّةٍ فَإِذَا اخْتَارَ انْقَطَعَ خِيَارُهُ كَمَا قُلْت إذَا جَعَلْتَهُ بِالْخِيَارِ يَوْمًا، فَمَضَى الْيَوْمُ انْقَطَعَ الْخِيَارُ، قَالَ أَجَلْ وَكَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فَهُوَ إلَى مُدَّةٍ، قُلْت لَمْ أُلْزِمْهُ قَبْلَ إيجَابِ الْبَيْعِ شَيْئًا فَيَكُونُ فِيهِ يَخْتَارُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِك مَا جَازَ أَنْ يُقَالَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ إلَى مُدَّةٍ، إنَّمَا يُقَالُ، أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَبَدًا، قَالَ: فَإِنْ قُلْت الْمُدَّةُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ؟ قُلْت، وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، فَهُوَ لِغَيْرِهِ، أَفَيُقَالُ، لِأَحَدٍ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِ غَيْرِك؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا عَارَضَك بِمِثْلِ حُجَّتِك، فَقَالَ قَدْ قُلْت الْمُتَسَاوِمَانِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ مُتَبَايِعَيْنِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَك يَحْتَمِلُ تَفَرُّقَ الْأَبَدَانِ وَالتَّفَرُّقَ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا، وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَ بَيِّعَهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْهُ، وَعَلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ سِلْعَتَهُ لَهُ بِمَا اسْتَامَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهَا بِهِ إذَا تَفَرَّقَا، قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، قُلْت وَلَا لَك. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ أَفَلَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ أَمْلِكَ سِلْعَتَك وَتَمْلِكَ مَالِي ثُمَّ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الرَّدُّ بِغَيْرِ عَيْبٍ أَوْ لَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ أَبْتَاعَ مِنْك عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ نَتَفَرَّقَ، وَلَا يَجُوزُ عِتْقِي وَأَنَا مَالِكٌ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَيْسَ يَقْبُحُ فِي هَذَا شَيْءٌ، إلَّا دَخَلَ عَلَيْك أَعْظَمُ مِنْهُ، قَالَ، وَمَا ذَلِكَ؟ قُلْت أَرَأَيْت إنْ بِعْتُك عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَتَقَابَضْنَا وَتَشَارَطْنَا أَنَّا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ؟ قَالَ، فَجَائِزٌ، قُلْت وَمَتَى شَاءَ وَاحِدٌ مِنَّا نَقْضَ الْبَيْعِ نَقَضَهُ، وَرُبَّمَا مَرِضَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ سَيِّدُهُ وَانْتَفَعَ الْبَائِعُ بِالْمَالِ، وَرُبَّمَا الْمُبْتَاعُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَغِلَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِدَيْنٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ الْبَائِعُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ وَقَدْ عَظُمَتْ مَنْفَعَةُ الْمُبْتَاعِ بِمَالِ الْبَائِعِ؟ قَالَ نَعَمْ هُوَ رَضِيَ بِهَذَا، قُلْت، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّلَاثِينَ سَنَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ جَازَ، قَالَ نَعَمْ قُلْت فَإِنَّمَا جَعَلْتُ لَهُ الْخِيَارَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، أَوْ لَا يَبْلُغُ يَوْمًا كَامِلًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْوُضُوءِ أَوْ تَفَرُّقِهِمْ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَبَّحْتَهُ، وَجَعَلَتْ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ بِرَأْيِ نَفْسِك فَلِمَ تُقَبِّحُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِشَرْطِهِمَا، قُلْتُ فَمَنْ شَرَطَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ لَهُ شَرْطُهُ مِمَّنْ شَرَطَ لَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْتُ مِنْك كَيْلًا مِنْ طَعَامٍ مَوْصُوفٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ فَجَائِزٌ، قُلْتُ وَلَيْسَ لِي وَلَا لَك نَقْضُ الْبَيْعِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ؟ قَالَ لَا، قُلْتُ، وَإِنْ تَفَرَّقْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَلَيْسَ قَدْ وَجَبَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَا لَك نَقْضُهُ ثُمَّ انْتَقَضَ بِغَيْرِ رِضَا وَاحِدٍ مِنَّا بِنَقْضِهِ؟ قَالَ نَعَمْ إنَّمَا نَقَضْنَاهُ اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«نَهَى عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ» ، قُلْتُ، فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ، أَهْلُ الْحَدِيثِ يُوَهِّنُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ هَذَا دَيْنًا لِأَنِّي مَتَى شِئْتُ أَخَذْتَ مِنْكَ دَرَاهِمِي الَّتِي بِعْتُك بِهَا إذَا لَمْ أُسَمِّ لَك أَجَلًا، وَالطَّعَامُ إلَى مُدَّتِهِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، قُلْتُ وَلِمَ وَعَلَيْكَ فِيهِ لِمَنْ طَالَبَكَ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّك تُجِيزُ تَبَايُعَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْعَرَضَ بِالنَّقْدِ وَلَا يُسَمِّيَانِ أَجَلًا وَيَفْتَرِقَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَلَا تَرَى بَأْسًا وَلَا تَرَى هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا عِنْدَك احْتَمَلَ اللَّفْظُ أَنْ يُسَلِّفَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ بِشَرْطِ سِلْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا، فَيَكُونُ حَالًّا غَيْرَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَكِنَّهُ عَيْنٌ بِدَيْنٍ قَالَ: بَلْ هُوَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ قُلْتُ، فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ فَلَوْ كَانَ كَمَا وَصَفْتَ أَنَّهُمَا إذَا تَبَايَعَا فِي السَّلَفِ فَتَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بِالتَّفَرُّقِ، وَلَزِمَك أَنَّك قَدْ فَسَخْت الْعُقْدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الصَّحِيحَةَ بِتَفَرُّقِهِمَا بِأَبْدَانِهِمَا. وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَك فِي الْبُيُوعِ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى إنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْكَلَامِ، أَوْ لَزِمَك أَنْ تَقُولَ فِي الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا: إنَّ لِتُفَرِّقْهُمَا بِأَبْدَانِهِمَا مَعْنًى يُوجِبُهُ كَمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ هَذَيْنِ بِأَبْدَانِهِمَا مَعْنًى يَنْقُضُهُ وَلَا تَقُولُ هَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ، فَإِنَّا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ، الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إذَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا وَصَفْتَ لَوْ كَانَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَوْلًا يُخَالِفُهُ أَلَا يَكُونُ الَّذِي تَذْهَبُ إلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا لَمْ يُخَالِفْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَقُولُ قَدْ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ السُّنَنِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ أَفَتَرَى فِي أَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةً؟ فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ حَضَرَهُ: لَا، قُلْتُ: وَلَوْ أَجَزْتَ هَذَا خَرَجَتْ مِنْ عَامَّةِ سُنَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْكَ مَا لَا تُعْذَرُ مِنْهُ، قَالَ فَدَعْهُ، قُلْتُ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا، زَعَمَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مِثْلُ مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَهَذَا مُنْقَطِعٌ قُلْتُ وَحَدِيثُك الَّذِي رَوَيْت عَنْ عُمَرَ غَلَطٌ، وَمَجْهُولٌ، أَوْ مُنْقَطِعٌ، فَهُوَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ مَا تُرَدُّ بِهِ الْأَحَادِيثُ، قَالَ لَئِنْ أَنْصَفْنَاك مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ، فَقُلْتُ احْتِجَاجُك بِهِ مَعَ مَعْرِفَتِكَ بِمَنْ حَدَّثَهُ وَعَمَّنْ حَدَّثَهُ تَرْكُ النَّصَفَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْتُ لَهُ: لَوْ كَانَ كَمَا رَوَيْتَ، كَانَ بِمَعْنَى قَوْلِنَا أَشْبَهَ وَكَانَ خِلَافَ قَوْلِكَ كُلِّهِ، قَالَ وَمَنْ أَيْنَ؟ قُلْتُ أَرَأَيْت إذْ زَعَمْتَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا بِصَفْقَةٍ، وَإِمَّا بِخِيَارٍ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ أَفَيَجِبُ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ وَالْبَيْعُ بِغَيْرِ خِيَارٍ؟ قَالَ نَعَمْ: قُلْتُ وَيَجِبُ بِالْخِيَارِ، قَالَ تُرِيدُ مَاذَا؟ قُلْتُ مَا يَلْزَمُك قَالَ وَمَا يَلْزَمُنِي؟ قُلْتُ تَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِبُ الْخِيَارُ بِلَا صَفْقَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ عَلِمْنَا أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ كَمَا تَقُولُ فِي الْمَوْلَى يَفِيءُ أَوْ يُطَلِّقُ وَفِي الْعَبْدِ يَجْنِي يُسَلَّمُ أَوْ يُفْدَى وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ قَالَ: مَا يَصْنَعُ الْخِيَارُ شَيْئًا إلَّا بِصَفْقَةٍ تَقْدُمُهُ أَوْ تَكُونُ مَعَهُ وَالصَّفْقَةُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الْخِيَارِ فَهِيَ إنْ وَقَعَتْ مَعَهَا خِيَارٌ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ لَيْسَ مَعَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَجَبَتْ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَقَدْ زَعَمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ خِيَارٌ لَا مَعْنَى لَهُ قَالَ فَدَعْ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِعِلْمِك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّك زَعَمْتُ أَنَّ مَا ذَهَبْتُ إلَيْهِ مُحَالٌ قَالَ: فَمَا مَعْنَاهُ عِنْدَك؟ قُلْتُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا مُوَفَّقًا لَمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ

عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ وَكَانَ مِثْلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَكَانَ مِثْلَ الْبَيْعِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فَكَانَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ بَعْدَهَا تَفَرُّقٌ أَوْ خِيَارٌ قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مَا لَهُ مَعْنَى يَصِحُّ غَيْرُهَا قَالَ أَمَّا إنَّهُ لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ قُلْتُ أَجَلْ فَلِمَ اسْتَعَنْتَ بِهِ؟ قَالَ: فَعَارَضَنَا غَيْرُ هَذَا بِأَنْ قَالَ فَأَقُولُ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثَابِتَةٌ مُتَّصِلَةٌ فَلَوْ كَانَ هَذَا يُخَالِفُهَا لَمْ يَجُزْ لِلْعَالِمِ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يُزَالُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ وَيَشُدُّهُ أَحَادِيثُ مَعَهُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ يُخَالِفُ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَيْنِ مُتَبَايِعَانِ إنْ تَصَادَقَا عَلَى التَّبَايُعِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْتَارُ أَنْ يُنْفِذَ الْبَيْعَ إلَّا أَنْ تَكُونَ دَعْوَاهُمَا مِمَّا يُعْقَدُ بِهِ الْبَيْعُ مُخْتَلِفَةً تَنْقُضُ أَصْلَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ الْخِيَارَ إلَّا لِلْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ وَحَدِيثُ الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ جَعَلَ الْخِيَارَ لَهُمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي ثَمَنٍ وَلَا ادِّعَاءٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ يُفْسِدُ أَصْلَ الْبَيْعِ وَلَا يَنْقُضُهُ إنَّمَا أَرَادَ تَحْدِيدَ نَقْضِ الْبَيْعِ بِشَيْءٍ جُعِلَ لَهُمَا مَعًا وَإِلَيْهِمَا إنْ شَاءَا فَعَلَاهُ، وَإِنْ شَاءَا تَرَكَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ غَلِطَ رَجُلٌ إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا لَمْ يُجِزْ لَهُ الْخِيَارُ لَهُمَا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا مِنْ مَقَامِهِمَا، فَإِنْ قَالَ فَمَا يُغْنِي فِي الْبَيْعِ اللَّازِمِ بِالصَّفْقَةِ أَوْ التَّفَرُّقِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ؟ قِيلَ لَوْ وَجَبَ بِالصَّفْقَةِ اُسْتُغْنِيَ عَنْ التَّفَرُّقِ وَلَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَهُمَا وَمَعْنَى خِيَارِهِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ كَمَعْنَى الصَّفْقَةِ وَالتَّفَرُّقِ وَبَعْدَ التَّفَرُّقِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَ زَمَانٍ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، وَلَوْ جَازَ أَنْ نَقُولَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ وَجَازَ أَنْ يُطْرَحَ كُلُّ حَدِيثٍ أَشْبَهَ حَدِيثًا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ لِحُرُوفٍ أُخُرَ مِثْلِهِ، وَإِنْ وُجِدَ لَهُمَا مَحْمَلٌ يُخَرَّجَانِ فِيهِ فَجَازَ عَلَيْهِ لِبَعْضِ الْمَشْرِقِيِّينَ مَا هُوَ أَوْلَى أَنْ يَحُوزَ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ الْجُزَافُ بِالْكَيْلِ مِنْ جِنْسِهَا وَعَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَحَرَّمْنَا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَزَعَمْنَا نَحْنُ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَرَايَا حَلَالٌ بِإِحْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَجَدْنَا لِلْحَدِيثَيْنِ مَعْنًى يُخَرَّجَانِ عَلَيْهِ وَلَجَازَ هَذَا عَلَيْنَا فِي أَكْثَرِ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَخَالَفَنَا بَعْضُ مَنْ وَافَقَنَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ بِالتَّفَرُّقِ وَالْخِيَارِ فَقَالَ الْخِيَارُ إذَا وَقَعَ مَعَ الْبَيْعِ جَازَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَيَّرَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَمِنْ الْقِيَاسِ إذَا كَانَتْ بَيْعًا فَلَا يَتِمُّ الْبَيْعُ إلَّا بِتَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَتَفَرُّقُهُمَا شَيْءٌ غَيْرُ عَقْدِ الْبَيْعِ يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ يَجِبُ بِالْخِيَارِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ كَمَا كَانَ التَّفَرُّقُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ بَعْدَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقُ الْأَبَدَانِ وَيَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ» لِأَنِّي لَوْ كُنْتُ إذَا بِعْتُ رَجُلًا سِلْعَةً تَسْوَى مِائَةَ أَلْفٍ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا ضَرَّنِي أَنْ يَبِيعَهُ رَجُلٌ سِلْعَةً خَيْرًا مِنْهَا بِعَشْرَةٍ، وَلَكِنْ فِي نَهْيِهِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ

باب بيع الكلاب وغيرها من الحيوان غير المأكول

أَخِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا يَضُرُّ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إلَّا قَبْلَ التَّفَرُّقِ حَتَّى يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَأَخْذِهِ فِيهَا لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى الْبَائِعِ وَلَعَلَّهُ يُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ يَخْتَارُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ عَلَيْهِمَا مَعًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّ الْبَائِعَ مَنْ بَاعَ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ هَذَا جَازَ أَنْ لَا يَصِيرَ النَّاسُ إلَى حَدِيثٍ إلَّا أَحَالَهُمْ غَيْرُهُمْ إلَى حَدِيثٍ غَيْرِهِ [بَابُ بَيْعِ الْكِلَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (قَالَ) : قَالَ مَالِكٌ فَلِذَلِكَ أَكْرَهُ بَيْعَ الْكِلَابِ الضَّوَارِي وَغَيْرِ الضَّوَارِي أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مَنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطًا» قَالُوا أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: إي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ لَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ ثَمَنُهُ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَتَّخِذَهُ إلَّا صَاحِبُ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إنْ قَتَلَهُ أَخْذُ ثَمَنٍ إنَّمَا يَكُونُ الثَّمَنُ فِيمَا قُتِلَ مِمَّا يُمْلَكُ إذَا كَانَ يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ ثَمَنٌ يُشْتَرَى بِهِ وَيُبَاعُ (قَالَ) : وَلَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ إلَّا لِصَاحِبِ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ

باب الخلاف في ثمن الكلب

مَاشِيَةٍ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ صَلُحَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثْمَانٌ بِحَالٍ لَمَا جَازَ قَتْلُهَا وَلَكَانَ لِمَالِكِهَا بَيْعُهَا فَيَأْخُذُ أَثْمَانَهَا لِتَصِيرَ إلَى مَنْ يَحِلُّ لَهُ قنيتهما (قَالَ) : وَلَا يَحِلُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَمَا أُخِذَ فِي شَيْءٍ يُمْلَكُ فِيهِ بِحَالٍ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَخَّرًا أَوْ بِقِيمَتِهِ فِي حَيَاةٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ ثَمَنٌ مِنْ الْأَثْمَانِ وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِهِ وَلَوْ حَلَّ ثَمَنُهُ حَلَّ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ. (قَالَ) : وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ» وَقَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» . (قَالَ) : وَقَدْ نَصَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخِنْزِيرَ فَسَمَّاهُ رِجْسًا وَحَرَّمَهُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَخْرُجَ لَهُ ثَمَنٌ مُعَجَّلٌ وَلَا مُؤَخَّرٌ وَلَا قِيمَةٌ بِحَالٍ وَلَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيمَةٌ وَمَا لَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ مِمَّا يُمْلَكُ لَا تَحِلُّ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ ثَمَنٌ مِنْ الْأَثْمَانِ (قَالَ) : وَمَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي حَيَاتِهِ بِيعَ مِنْ النَّاسِ غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ فَلَا بَأْسَ بِابْتِيَاعِهِ وَمَا كَانَ لَا بَأْسَ بِابْتِيَاعِهِ لَمْ يَكُنْ بِالسَّلَفِ فِيهِ بَأْسٌ إذَا كَانَ لَا يَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَمَنْ مَلَكَهُ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مُعَلَّمًا فَقَتَلَهُ مُعَلَّمًا فَقِيمَتُهُ مُعَلَّمًا كَمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مُعَلَّمًا وَذَلِكَ مِثْلُ الْفَهْدِ يُعَلَّمُ الصَّيْدَ وَالْبَازِي وَالشَّاهَيْنِ وَالصَّقْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ وَمِثْلُ الْهِرِّ وَالْحِمَارِ الْإِنْسِيِّ وَالْبَغْلِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ حَيًّا، وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ. (قَالَ) : فَأَمَّا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ فَيُؤْكَلَانِ وَيُبَاعَانِ وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِمَا وَصَفْتُ يَجُوزُ فِيهِمَا السَّلَفُ إنْ كَانَ انْقِطَاعُهُمَا فِي الْحِينِ الَّذِي يُسْلَفُ فِيهِمَا مَأْمُونًا الْأَمَانَ الظَّاهِرَ عِنْدَ النَّاسِ، وَمَنْ قَتَلَهُمَا وَهُمَا لِأَحَدٍ غَرِمَ ثَمَنَهُمَا كَمَا يَغْرَمُ ثَمَنَ الظَّبْيِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَحْشِ الْمَمْلُوكِ غَيْرُهُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ وَحْشٍ مِثْلُ الْحِدَأَةِ وَالرَّخَمَةِ وَالْبُغَاثَةِ وَمَا لَا يَصِيدُ مِنْ الطَّيْرِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمِثْلُ اللُّحَكَةِ وَالْقَطَا وَالْخَنَافِسِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَأَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ شِرَاؤُهُ وَلَا بَيْعُهُ بِدَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ لَوْ حَبَسَهُ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ لَهُ قِيمَةٌ وَكَذَلِكَ الْفَأْرُ وَالْجِرْذَانُ وَالْوِزْغَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْمَنْفَعَةِ فِيهِ حَيًّا وَلَا مَذْبُوحًا وَلَا مَيِّتًا فَإِذَا اشْتَرَى هَذَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُجِيزَ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْعُ مَا انْتَفَعُوا بِهِ مَأْكُولًا أَوْ مُسْتَمْتَعًا بِهِ فِي حَيَاتِهِ لِمَنْفَعَةٍ تَقَعُ مَوْقِعًا وَلَا مَنْفَعَةَ فِي هَذَا تَقَعُ مَوْقِعًا، وَإِذَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ إذَا تَمَّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَيْنٍ تُمْلَكُ لِمَنْفَعَةٍ، كَانَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ بِحَالٍ أَوْلَى أَنْ يُنْهَى عَنْ ثَمَنِهِ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [بَابُ الْخِلَافِ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فَأَجَازَ ثَمَنَ الْكَلْبِ وَشِرَاءَهُ وَجَعَلَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ثَمَنَهُ قُلْتُ لَهُ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَرِّمُ ثَمَنَ الْكَلْبِ وَتَجْعَلُ لَهُ ثَمَنًا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؟ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَلَهَا أَثْمَانٌ يَغْرَمُهَا قَاتِلُهَا أَيَأْمُرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ مَا يَغْرَمُهُ قَاتِلُهُ وَكُلُّ مَا غَرِمَهُ قَاتِلُهُ أَثِمَ مِنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ مَا يَكُونُ مَالًا لِمُسْلِمٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْمُرُ بِمَأْثَمٍ (وَقَالَ قَائِلٌ) : فَإِنَّا إنَّمَا أَخَذْنَا أَنَّ الْكَلْبَ يَجُوزُ ثَمَنُهُ خَبَرًا وَقِيَاسًا قُلْت لَهُ فَاذْكُرْ الْخَبَرَ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ أَنَّ عُثْمَانَ أَغْرَمَ رَجُلًا ثَمَنَ كَلْبٍ قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، قَالَ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ مَقْتُولًا قِيمَةً، كَانَ حِيَالَهُ ثَمَنٌ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ (قَالَ) : فَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ ثَبَتَ هَذَا عَنْ عُثْمَانَ كُنْتَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا فِي احْتِجَاجِكَ عَلَى شَيْءٍ ثَبَتَ عَنْ

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّابِتُ عَنْ عُثْمَانَ خِلَافُهُ قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَا يَغْرَمُ مَنْ قَتَلَهُ قِيمَتَهُ؟ قَالَ فَأَخَذْنَاهُ قِيَاسًا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ صَاحِبَ الزَّرْعِ وَلَا الْمَاشِيَةِ عَنْ اتِّخَاذِهِ وَذَكَرَ لَهُ صَيْدَ الْكِلَابِ فَقَالَ فِيهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَلَمَّا رَخَّصَ فِي أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ مَمْلُوكًا كَالْحِمَارِ حَلَّ ثَمَنُهُ وَلَمَّا حَلَّ ثَمَنُهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ (قَالَ) : فَقُلْتُ لَهُ فَإِذَا أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتِّخَاذَهُ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ صَاحِبِ الصَّيْدِ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِنَا وَبِك وَبِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَّبِعَهُ فِي الْقَوْلَيْنِ فَتُحَرِّمُ مَا حَرُمَ ثَمَنُهُ وَتَقْتُلُ الْكِلَابَ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ اتِّخَاذُهَا كَمَا أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَتُبِيحُ اتِّخَاذَهَا لِمَنْ أَبَاحَهُ لَهُ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ أَوْ تَزْعُمُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا تَضَادٌّ؟ قَالَ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قُلْت أَقُولُ الْحَقَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إثْبَاتُ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا جَاءَتْ كَمَا جَاءَتْ إذَا احْتَلَمَتْ أَنْ تَثْبُتَ كُلُّهَا وَلَوْ جَازَ مَا قُلْت مِنْ طَرْحِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ جَازَ عَلَيْك مَا أَجَزْت لِنَفْسِك قَالَ فَيَقُولُ قَائِلٌ لَا نَعْرِفُ الْأَحَادِيثَ قُلْت إذَا كَانَ يَأْثَمُ بِهَا مَنْ اتَّخَذَهَا لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ اتِّخَاذَهَا وَأَقْتُلُهَا حَيْثُ وَجَدْتُهَا ثُمَّ لَا يَكُونُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُ قَالَ أَفَيَجُوزُ عِنْدَك أَنْ يَتَّخِذَهَا مُتَّخِذٌ وَلَا ثَمَنَ لَهَا؟ قُلْتُ بَلْ لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُهُ لَوْ كَانَ أَصْلُ اتِّخَاذِهَا حَلَالًا حَلَّتْ لِكُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَحِلُّ لِكُلِّ أَحَدٍ اتِّخَاذُ الْحُمُرِ وَالْبِغَالِ، وَلَكِنَّ أَصْلَ اتِّخَاذِهَا مُحَرَّمٌ إلَّا بِمَوْضِعٍ كَالضَّرُورَةِ لِإِصْلَاحِ الْمَعَاشِ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ الْحَلَالَ يُحْظَرُ عَلَى أَحَدٍ وَأَجِدُ مِنْ الْمُحَرَّمِ مَا يُبَاحُ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ (قَالَ) : وَمِثْلُ مَاذَا؟ قُلْت الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ مُبَاحَانِ لِذِي الضَّرُورَةِ فَإِذَا فَارَقَ الضَّرُورَةَ عَادَ أَنْ يَكُونَا مُحَرَّمَيْنِ عَلَيْهِ بِأَصْلِ تَحْرِيمِهِمَا وَالطَّهَارَةُ بِالتُّرَابِ مُبَاحَةٌ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِذَا وَجَدَهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ بِالتُّرَابِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الطَّهَارَةِ إنَّمَا هِيَ بِالْمَاءِ وَمُحَرَّمَةٌ بِمَا خَالَفَهُ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ بِالْإِعْوَازِ وَالسَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ وَلِذَلِكَ إذَا فَارَقَ رَجُلٌ اقْتِنَاءَ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْمَاشِيَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ اتِّخَاذُهَا قَالَ فَلِمَ لَا يَحِلُّ ثَمَنُهَا فِي الْحِينِ الَّذِي يَحِلُّ اتِّخَاذُهَا؟ قُلْتُ لِمَا وَصَفْتُ لَك مِنْ أَنَّهَا مَرْجُوعَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا ثَمَنَ لِمُحَرَّمٍ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ تَنْقَلِبْ حَالَاتُهُ بِضَرُورَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَإِنَّ إحْلَالَهُ خَاصٌّ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ قَالَ فَأَوْجِدْنِي مِثْلَ مَا وَصَفْتُ قُلْتُ أَرَأَيْتَ دَابَّةَ الرَّجُلِ مَاتَتْ فَاضْطُرَّ إلَيْهَا بَشَرٌ أَيَحِلُّ لَهُمْ أَكْلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهَا مِنْهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ إنْ سَبَقَ بَعْضُهُمْ إلَيْهَا؟ قَالَ إنْ قُلْتُ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قُلْتُ فَقَدْ حَرَّمْتَ عَلَى مَالِكِ الدَّابَّةِ بَيْعَهَا، وَإِنْ قُلْتَ نَعَمْ قُلْتُ فَقَدْ أَحْلَلْتَ بَيْعَ الْمُحَرَّمِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ: فَأَقُولُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا قُلْتُ وَلَوْ أَحْرَقَهَا رَجُلٌ فِي الْحِينِ الَّذِي أُبِيحَ لِهَؤُلَاءِ أَكْلُهَا فِيهِ لَمْ يَغْرَمْ ثَمَنَهَا قَالَ لَا، قُلْتُ فَلَوْ لَمْ يَدُلَّك عَلَى النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إلَّا مَا وَصَفْتُ لَك انْبَغَى أَنْ يَدُلَّك قَالَ أَفَتُوجِدَنِّي غَيْرَ هَذَا أَقُولُهُ؟ قُلْتُ نَعَمْ زَعَمْتُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَك خَمْرٌ حُرِّمَ عَلَيْك اتِّخَاذُهَا وَحَلَّ لَك أَنْ تُفْسِدَهَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُصَيِّرُهَا خَلًّا وَزَعَمْتَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَهْرَاقَهَا وَقَدْ أَفْسَدَهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ خَلًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ عَنْ الْمَحْرَمِ فَتَصِيرُ عَيْنًا غَيْرَهُ وَزَعَمْتَ أَنَّ مَاشِيَتَك لَوْ مُوِّتَتْ حَلَّ لَك سَلْخُهَا وَحَبْسُ جِلْدِهَا، وَإِذَا دَبَغْتهَا حَلَّ ثَمَنُهَا وَلَوْ حَرَقَهَا رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ تَدْبُغَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا قِيمَةٌ؟ قَالَ إنِّي لَا أَقُولُ هَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ إذَا صَارَتْ خَلًّا وَصَارَتْ مَدْبُوغَةً كَانَ لَهَا ثَمَنٌ وَعَلَى مَنْ حَرَقَهَا قِيمَتُهُ قُلْتُ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عِنْدَك عَيْنًا حَلَالًا لِكُلِّ أَحَدٍ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَتَصِيرُ الْكِلَابُ حَلَالًا لِكُلِّ أَحَدٍ؟ قَالَ لَا، إلَّا بِالضَّرُورَةِ أَوْ طَلَبِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْكِلَابُ بِالْمَيْتَةِ أَشْبَهُ وَالْمَيْتَةُ لَنَا فِيهَا أَلْزَمُ قُلْتُ وَهَذَا يَلْزَمُك فِي الْحِينِ الَّذِي يَحِلُّ لَك فِيهِ حَبْسُ الْخَمْرِ وَالْجُلُودِ، فَأَنْتَ لَا تَجْعَلُ

باب الربا

فِي ذَلِكَ الْحِينِ لَهَا ثَمَنًا قَالَ أَجَلْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ حَكَى أَنَّ قَائِلًا قَالَ لَا ثَمَنَ لِكَلْبِ الصَّيْدِ وَلَا الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ جُمْلَةً ثُمَّ قَالَ، وَإِنْ قَتَلَ إنْسَانٌ لِآخَرَ كَلْبًا غَرِمَ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ مَالَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ حَيًّا بِأَنَّ أَصْلَ ثَمَنِهِ مُحَرَّمٌ كَانَ ثَمَنُهُ إذَا قُتِلَ أَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ أَوْ مِثْلُ ثَمَنِهِ حَيًّا، وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ حَكَيْتُ قَوْلَهُ وَحُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَعَلَيْهِ زِيَادَةُ حُجَّةٍ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحِلَّ ثَمَنُهَا فِي الْحَالِ الَّتِي أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتِّخَاذَهَا كَانَ إذَا قُتِلَتْ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا حَلَالًا قَالَ فَقَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا أَخْصَى رَجُلٌ كَلْبَ رَجُلٍ أَوْ جَدَعَهُ؟ قُلْت إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قِيمَةٌ كَانَ فِيمَا أُصِيبَ مِمَّا دُونَ الْقَتْلِ أَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ غُرْمٌ وَيُنْهَى عَنْهُ وَيُؤَدَّبُ إذَا عَادَ [بَابُ الرِّبَا] [بَابُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ] بَابُ الرِّبَا بَابُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ قَالَ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ حَتَّى تَأْتِيَ خَازِنَتِي أَوْ خَازِنِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَنَا شَكَكْت بَعْدَمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْمَعُ فَقَالَ عُمَرُ لَا وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَبِيعُوا

الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ» قَالَ وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ أَوْ الْمِلْحَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ فِي الصَّرْفِ وَبِهَذَا تَرَكْنَا قَوْلَ مَنْ رَوَى أَنْ لَا رِبَا إلَّا فِي نَسِيئَةٍ وَقُلْنَا الرِّبَا مِنْ وَجْهَيْنِ فِي النَّسِيئَةِ وَالنَّقْدِ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَا مِنْهُ يَكُونُ فِي النَّقْدِ بِالزِّيَادَةِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَيَكُونُ فِي الدَّيْنِ بِزِيَادَةِ الْأَجَلِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْأَجَلِ زِيَادَةً فِي النَّقْدِ (قَالَ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَاَلَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَضْلَ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضِهِ يَدًا بِيَدٍ، الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ (قَالَ) : وَالذَّهَبُ وَالْوَرِقُ مُبَايِنَانِ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْمَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَالتَّحْرِيمُ مَعَهُمَا مِنْ الطَّعَامِ مِنْ مَكِيلٍ كُلِّهِ مَأْكُولٍ (قَالَ) : فَوَجَدْنَا الْمَأْكُولَ إذَا كَانَ مَكِيلًا فَالْمَأْكُولُ إذَا كَانَ مَوْزُونًا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَأْكُولَانِ مَعًا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَشْرُوبًا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ أَنْ يُبَاعَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ الْكَيْلُ مَعْلُومًا عِنْدَهُمَا بَلْ الْوَزْنُ أَقْرَبُ مِنْ الْإِحَاطَةِ لِبُعْدِ تَفَاوُتِهِ مِنْ الْكَيْلِ فَلَمَّا اجْتَمَعَا فِي أَنْ يَكُونَا مَأْكُولَيْنِ وَمَشْرُوبَيْنِ وَبَيْعًا مَعْلُومًا بِمِكْيَالٍ أَوْ مِيزَانٍ كَانَ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا فَحَكَمْنَا لَهُمَا حُكْمًا وَاحِدًا، وَذَلِكَ مِثْلُ حُكْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالنَّوَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إصْلَاحَ لَهُ إلَّا بِهِ وَالْمِلْحُ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا نُخَالِفُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ مَا نَصَّتْ السُّنَّةُ مِنْ الْمَأْكُولِ غَيْرَهُ وَكُلُّ مَا كَانَ قِيَاسًا عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا لَمْ نُخَالِفْ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَكُلُّ مَا كَانَ قِيَاسًا عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا حَكَمْنَا

لَهُ حُكْمَهَا مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَكَذَلِكَ فِي مَعْنَاهَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كُلُّ مَكِيلٍ وَمَشْرُوبٍ، بِيعَ عَدَدًا،؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا كَثِيرًا مِنْهَا يُوزَنُ بِبَلْدَةٍ وَلَا يُوزَنُ بِأُخْرَى وَوَجَدْنَا عَامَّةَ الرُّطَبِ بِمَكَّةَ إنَّمَا يُبَاعُ فِي سِلَالٍ جُزَافًا، وَوَجَدْنَا عَامَّةَ اللَّحْمِ إنَّمَا يُبَاعُ جُزَافًا وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْبَدْوِ إذَا تَبَايَعُوا لَحْمًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَتَبَايَعُوهُ إلَّا جُزَافًا وَكَذَلِكَ يَتَبَايَعُونَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ وَالزُّبْدَ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ يُوزَنُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ فِي بَيْعِ مَنْ بَاعَهُ جُزَافًا وَمَا بِيعَ جُزَافًا أَوْ عَدَدًا فَهُوَ فِي مَعْنَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلُّ مَا يَبْقَى مِنْهُ وَيُدَّخَرُ وَمَا لَا يَبْقَى وَلَا يُدَّخَرُ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ، فَلَوْ نَظَرْنَا فِي الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ وَيُدَّخَرُ فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَا يَبْقَى وَلَا يُدَّخَرُ وَجَدْنَا التَّمْرَ كُلَّهُ يَابِسًا يَبْقَى غَايَةً وَوَجَدْنَا الطَّعَامَ كُلَّهُ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الْبَقَاءَ وَوَجَدْنَا اللَّحْمَ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الْبَقَاءَ وَوَجَدْنَا اللَّبَنَ لَا يَبْقَى وَلَا يُدَّخَرُ، فَإِنْ قَالَ قَدْ يُوقَطُ قِيلَ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ الْفَاكِهَةِ الْمَوْزُونَةِ قَدْ تَيْبَسُ وَقِشْرُ الْأُتْرُجِّ بِمَا لَصِقَ فِيهِ يَيْبَسُ وَلَيْسَ فِيمَا يَبْقَى، وَلَا يَبْقَى مَعْنًى يُفَرِّقُ بَيْنَهُ إذَا كَانَ مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا فَكُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ لِتَفَكُّهٍ وَلَا تَلَذُّذٍ مِثْلَ الْأَسْبِيُوشِ وَالثُّفَّاءِ وَالْبُزُورِ كُلِّهَا، فَهِيَ، وَإِنْ أُكِلَتْ غَيْرُ

مَعْنَى الْقُوتِ فَقَدْ تُعَدُّ مَأْكُولَةً وَمَشْرُوبَةً وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمَأْكُولِ الْقُوتَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى مَا فَارَقَهُ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ لِغَيْرِ الْأَكْلِ ثُمَّ الْأَدْوِيَةُ كُلُّهَا إهْلِيلَجُهَا وإِيلِيلَجُهَا وسَقَمُونْيِهَا وَغَارِيقُونَهَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : وَوَجَدْنَا كُلَّ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ لِيَكُونَ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا يَجْمَعُهُ أَنَّ الْمَتَاعَ بِهِ لِيُؤْكَلَ أَوْ يُشْرَبَ وَوَجَدْنَا يَجْمَعُهُ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِلْمَنْفَعَةِ وَوَجَدْنَا الْأَدْوِيَةَ تُؤْكَلُ وَتُشْرَبُ لِلْمَنْفَعَةِ بَلْ مَنَافِعُهَا كَثِيرَةٌ أَكْثَرُ مِنْ مَنَافِعِ الطَّعَامِ فَكَانَتْ أَنْ تُقَاسَ بِالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَاسَ بِهَا الْمَتَاعُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْخَشَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَجَعَلْنَا لِلْأَشْيَاءِ أَصْلَيْنِ أَصْلٌ مَأْكُولٌ فِيهِ الرِّبَا وَأَصْلٌ مَتَاعٌ لِغَيْرِ الْمَأْكُولِ لَا رِبَا فِي الزِّيَادَةِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَالْأَصْلُ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالْأَصْلِ فِي الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِذَا كَانَ مِنْهُ صِنْفٌ بِصِنْفٍ غَيْرِهِ فَهُوَ كَالدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ لَا يَخْتَلِفُ إلَّا بِعِلَّةٍ وَتِلْكَ الْعِلَّةُ لَا تَكُونُ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِحَالٍ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْهُ وَهَذَا لَا يَدْخُلُ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ أَبَدًا (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ الْمَأْكُولِ فِي هَذِهِ الْحَالِ؟ قُلْت الْحُجَّةُ فِيهِ مَا لَا حُجَّةَ مَعَهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقِيسَ شَيْئًا بِشَيْءٍ مُخَالِفٍ لَهُ فَإِذَا كَانَتْ الرُّطُوبَةُ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُخَالِفُهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَوْجِدْنَا

السُّنَّةَ فِيهِ قِيلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسَّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ الْبَيْضَاءُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ فَقَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» . (قَالَ) : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيُ سَعْدٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَرِهَ الْبَيْضَاءَ بِالسَّلْتِ، فَإِنْ كَانَ كَرِهَهَا بِسُنَّةٍ فَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَعَلَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَرِهَهَا لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كَرِهَهَا مُتَفَاضِلَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَجَازَ الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا وَلَيْسَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا (قَالَ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَصْنَافُهُ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً كَالدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ لَا يَخْتَلِفُ هُوَ، وَهِيَ وَكَذَلِكَ زَبِيبٌ بِتَمْرٍ وَحِنْطَةٌ بِشَعِيرٍ وَشَعِيرٌ بِسَلْتٍ وَذُرَةٌ بِأُرْزٍ وَمَا اخْتَلَفَ أَصْنَافُهُ مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ، هَكَذَا كُلُّهُ وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

دَلَائِلُ مِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالرُّطَبِ عَنْ نُقْصَانِهِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا حَضَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ وَبِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيَمِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَبُولِ مِنْ أَهْلِهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرَ فِي مُعْتَقَبِ الرُّطَبِ فَلَمَّا كَانَ يَنْقُصُ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ بِالتَّمْرِ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ مِنْ الرُّطَبِ إذَا كَانَ نُقْصَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ وَقَدْ حَرُمَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكَانَتْ فِيهَا زِيَادَةُ بَيَانِ النَّظَرِ فِي الْمُعْتَقَبِ مِنْ الرُّطَبِ فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ لِاخْتِلَافِ الْكَيْلَيْنِ وَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْمُعْتَقَبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَهُمَا رُطَبَانِ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ فَإِذَا نَظَرَ فِي الْمُعْتَقَبِ فَلَمْ يَجُزْ رُطَبٌ بِرُطَبٍ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ وَلَا يُعْرَف كَيْفَ يَكُونَانِ فِي الْمُعْتَقَبِ وَكَانَ بَيْعًا مَجْهُولًا الْكَيْلُ بِالْكَيْلِ وَلَا يَجُوزُ الْكَيْلُ وَلَا الْوَزْنُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ

باب جماع تفريع الكيل والوزن بعضه ببعض

[بَابُ جِمَاعِ تَفْرِيعِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَعْرِفَةُ الْأَعْيَانِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الِاسْمِ الْأَعَمِّ الْجَامِعِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُهَا فَذَلِكَ جِنْسٌ، فَأَصْلُ كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ أَنَّهُ نَبَاتٌ ثُمَّ يُفَرَّقُ بِهِ أَسْمَاءُ فَيُقَالُ هَذَا حَبٌّ ثُمَّ يُفَرَّقُ بِالْحَبِّ أَسْمَاءُ وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي تُفَرَّقُ بِالْحَبِّ مِنْ جِمَاعِ التَّمْيِيزِ فَيُقَالُ تَمْرٌ وَزَبِيبٌ وَيُقَالُ حِنْطَةٌ وَذُرَةٌ وَشَعِيرٌ وَسَلْتٌ فَهَذَا الْجِمَاعُ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ التَّمْيِيزِ وَهُوَ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ هَكَذَا وَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ فِيهَا ثُمَّ هُمَا تِبْرٌ ثُمَّ يُفَرَّقُ

باب تفريع الصنف من المأكول والمشروب بمثله

بِهِمَا أَسْمَاءُ ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَالتِّبْرُ وَسِوَاهُمَا مِنْ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْحُكْمُ فِيمَا كَانَ يَابِسًا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ أَصْنَافِ الطَّعَامِ حُكْمٌ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ كَحُكْمِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ تَحْرِيمَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ ذِكْرًا وَاحِدًا وَحَكَمَ فِيهَا حُكْمًا وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَحْكَامِهَا بِحَالٍ وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [بَابُ تَفْرِيعِ الصِّنْفِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ بِمِثْلِهِ] ِ قَالَ الرَّبِيعُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْحِنْطَةُ جِنْسٌ، وَإِنْ تَفَاضَلَتْ وَتَبَايَنَتْ فِي الْأَسْمَاءِ كَمَا يَتَبَايَنُ الذَّهَبُ وَيَتَفَاضَلُ فِي الْأَسْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ قَالَ وَأَصْلُ الْحِنْطَةِ الْكَيْلُ وَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ كَيْلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ بِمِثْلِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا وَزْنًا بِكَيْلٍ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَدًا بِيَدٍ وَلَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ لَا يَخْتَلِفُ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِحِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ يَسْوَى مُدُّهَا دِينَارًا بِحِنْطَةٍ رَدِيئَةٍ لَا يُسَوَّى مُدُّهَا سُدُسَ دِينَارٍ وَلَا حِنْطَةٍ حَدِيثَةٍ بِحِنْطَةٍ قَدِيمَةٍ وَلَا حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ صَافِيَةٍ بِحِنْطَةٍ سَوْدَاءَ قَبِيحَةٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا إذَا كَانَتْ حِنْطَةُ أَحَدِهِمَا صِنْفًا وَاحِدًا وَحِنْطَةُ بَائِعِهِ صِنْفًا وَاحِدًا وَكُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ وَمَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ لَا خَيْرَ فِي مُدِّ تَمْرٍ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ وَلَا مُدِّ حِنْطَةٍ سَوْدَاءَ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ حَتَّى يَكُونَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ لَا شَيْءَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُهُمَا أَوْ يَشْتَرِي شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ صِنْفِهِ شَيْءٌ [بَابٌ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّمْرُ صِنْفٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ صَاعَ تَمْرٍ بِصَاعِ تَمْرٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا

باب ما في معنى التمر

وَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ صَاعُ أَحَدِهِمَا صِنْفًا وَاحِدًا وَصَاعُ الْآخَرِ صِنْفًا وَاحِدًا أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ كَانَ بِرَدِيءٍ وَعَجْوَةٌ بِعَجْوَةٍ أَوْ بِرَدِيءٍ وَصَيْحَانِيٌّ بِصَيْحَانِيٍّ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَكُونَ صَاعُ أَحَدِهِمَا مِنْ تَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَصَاعُ الْآخَرِ مِنْ تَمْرٍ وَاحِدٍ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَتَبَايَعَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ مَوْزُونًا فِي جِلَالٍ كَانَ أَوْ قِرَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ طُرِحَتْ عَنْهُ الْجِلَالُ وَالْقِرَبُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ وَزْنًا وَذَلِكَ أَنَّ وَزْنَ التَّمْرِ يَتَبَايَنُ فَيَكُونُ صَاعٌ وَزْنُهُ أَرْطَالٌ وَصَاعٌ آخَرُ وَزْنُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَوْ كَيْلًا كَانَ، صَاعٌ بِأَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ كَيْلًا وَهَكَذَا كُلُّ كَيْلٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِمِثْلِهِ وَزْنًا وَكُلُّ وَزْنٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِمِثْلِهِ كَيْلًا،، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَزْنَ وَجُزَافًا؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَأْمُرُ بِبَيْعِهِ عَلَى الْأَصْلِ كَرَاهِيَةَ التَّفَاضُلِ فَإِذَا كَانَ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَلَا نُبَالِي كَيْفَ تَبَايَعَاهُ إنْ تَقَابُضَاه قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا [بَابٌ مَا فِي مَعْنَى التَّمْرِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ يَابِسٍ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت فِي الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ لَا يَخْتَلِفُ فِي حَرْفٍ مِنْهُ وَذَلِكَ يُخَالِفُ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَالذُّرَةَ بِالذُّرَةِ وَالسَّلْتَ بِالسَّلْتِ وَالدَّخَنَ بِالدَّخَنِ وَالْأُرْزَ بِالْأُرْزِ وَكُلَّ مَا أَكَلَ النَّاسُ مِمَّا يُنْبِتُونَ أَوْ لَمْ يُنْبِتُوا مِثْلَ الْفَثِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَبِّ الْحَنْظَلِ وَسُكَّرِ الْعُشْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا أَكَلَ النَّاسُ وَلَمْ يُنْبِتُوا وَهَكَذَا كُلُّ مَأْكُولٍ يَبِسَ مِنْ أَسْبِيُوشٍ بِأَسْبِيُوشٍ وَثُفَّاءٍ بِثُفَّاءٍ وَصَعْتَرٍ بِصَعْتَرٍ فَمَا بِيعَ مِنْهُ وَزْنًا بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ لَمْ يُصْرَفْ إلَى كَيْلٍ وَمَا بِيعَ مِنْهُ كَيْلًا لَمْ يُصْرَفْ إلَى وَزْنٍ لِمَا وَصَفْتُ مِنْ اخْتِلَافِهِ فِي يُبْسِهِ وَخِفَّتِهِ وَجَفَائِهِ قَالَ وَهَكَذَا وَكُلُّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ شَجَرٍ أَوْ أَرْضٍ فَكَانَ بِحَالِهِ الَّتِي أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا إلَى غَيْرِهَا فَأَمَّا مَا لَوْ تَرَكُوهُ لَمْ يَزَلْ رَطْبًا بِحَالِهِ أَبَدًا فَفِي هَذَا الصِّنْفِ مِنْهُ عِلَّةٌ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا مَا أَحْدَثَ فِيهِ الْآدَمِيُّونَ تَجْفِيفًا مِنْ الثَّمَرِ فَهُوَ شَيْءٌ اسْتَعْجَلُوا بِهِ صَلَاحَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلُوهُ وَتَرَكُوهُ جَفَّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا [بَابٌ مَا يُجَامِعُ التَّمْرَ وَمَا يُخَالِفُهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالزَّيْتُونُ مَخْلُوقٌ ثَمَرَةٌ لَوْ تَرَكَهَا الْآدَمِيُّونَ صَحِيحَةً لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا زَيْتٌ وَلَمَّا عَصَرُوهَا خَرَجَتْ زَيْتًا فَإِنَّمَا اُشْتُقَّ لَهَا اسْمُ الزَّيْتِ بِأَنَّ شَجَرَتَهَا زَيْتُونٌ فَاسْمُ ثَمَرَةِ شَجَرَتِهَا الَّتِي مِنْهَا الزَّيْتُ زَيْتُونٌ فَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَهُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَيُرَدُّ مِنْهُ مَا يُرَدُّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ لَا يَخْتَلِفُ وَقَدْ يُعْصَرُ مِنْ الْفُجْلِ دُهْنٌ يُسَمَّى زَيْتُ الْفُجْلِ قَالَ وَلَيْسَ مِمَّا يَكُونُ بِبِلَادِنَا فَيُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ بِأُمِّهِ وَلَسْت أَعْرِفُهُ يُسَمَّى زَيْتًا إلَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ دُهْنٌ لَا اسْمَ لَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي بَعْضِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الزَّيْتُ وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلزَّيْتِ فِي طَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَشَجَرَتِهِ وَهُوَ زَرْعٌ وَالزَّيْتُونُ أَصْلٌ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَاَلَّذِي هُوَ أَلْيَقُ بِهِ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِأَنْ يَكُونَ زَيْتًا.

وَلَكِنْ يُحْكَمُ بِأَنْ يَكُونَ دُهْنًا مِنْ الْأَدْهَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْوَاحِدُ مِنْهُ بِالِاثْنَيْنِ مِنْ زَيْتِ الزَّيْتُونِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ رَجُلٌ أَكَلْت زَيْتًا أَوْ اشْتَرَيْت زَيْتًا عُرِفَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ زَيْتُ الزَّيْتُونِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهُ دُونَ زَيْتِ الْفُجْلِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ صِنْفٌ مِنْ الزَّيْتِ فَلَا يُبَاعُ بِالزَّيْتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالسَّلِيطُ دُهْنُ الْجُلْجُلَانِ وَهُوَ صِنْفٌ غَيْرُ زَيْتِ الْفُجْلِ وَغَيْرِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَلَا بَأْسَ بِالْوَاحِدِ مِنْهُ بِالِاثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَكَذَلِكَ دُهْنُ الْبِزْرِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا، كُلُّ دُهْنٍ مِنْهُ مُخَالِفٌ دُهْنَ غَيْرِهِ دُهْنُ الصَّنَوْبَرِ وَدُهْنُ الْحَبِّ الْأَخْضَرِ وَدُهْنُ الْخَرْدَلِ وَدُهْنُ السِّمْسِمِ وَدُهْنُ نَوَى الْمِشْمِشِ وَدُهْنُ اللَّوْزِ وَدُهْنُ الْجَوْزِ فَكُلّ دُهْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْهَانِ خَرَجَ مِنْ حَبَّةٍ أَوْ ثَمَرَةٍ فَاخْتَلَفَ مَا يَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ أَوْ تِلْكَ الْحَبَّةِ أَوْ تِلْكَ الْعُجْمَةِ فَهُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهُ خَرَجَ مِنْ حَبَّةٍ أَوْ ثَمَرَةٍ أَوْ عُجْمَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِ صِنْفِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُ بِالِاثْنَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ نَسِيئَةً لَا بَأْسَ بِدُهْنِ خَرْدَلٍ بِدُهْنِ فُجْلٍ وَدُهْنِ خَرْدَلٍ بِدُهْنِ لَوْزٍ وَدُهْنِ لَوْزٍ بِدُهْنِ جَوْزٍ، اُرْدُدْ أُصُولَهُ كُلَّهُ إلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَاحِدًا فَهُوَ صِنْفٌ كَالْحِنْطَةِ صِنْفٌ. وَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُفْتَرَقَيْنِ فَهُمَا صِنْفَانِ مُفْتَرَقَانِ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ فَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْأَدْهَانِ الْمَأْكُولَةِ وَالْمَشْرُوبَةِ لِلْغِذَاءِ وَالتَّلَذُّذِ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا كَهُوَ فِي التَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْهَانِ شَيْءٌ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ بِحَالٍ أَبَدًا لِدَوَاءٍ وَلَا لِغَيْرِهِ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الرِّبَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ وَاحِدٌ مِنْهُ بِعَشْرَةٍ مِنْهُ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً وَوَاحِدٌ مِنْهُ بِوَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِ وَبِاثْنَيْنِ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً إنَّمَا الرِّبَا فِيمَا أُكِلَ أَوْ شُرِبَ بِحَالٍ وَفِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ يَجْمَعُهَا اسْمُ الدُّهْنِ قِيلَ وَكَذَلِكَ يَجْمَعُ الْحِنْطَةَ وَالذُّرَةَ وَالْأُرْزَ اسْمُ الْحَبِّ فَلَمَّا تَبَايَنَ حِلُّ الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَيْسَ لِلْأَدْهَانِ أَصْلُ اسْمٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَ الْعَرَبِ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِمَعَانِي أَنَّهَا تُنْسَبُ إلَى مَا تَكُونُ مِنْهُ فَأَمَّا أُصُولُهَا مِنْ السِّمْسِمِ وَالْحَبِّ الْأَخْضَرِ وَغَيْرِهِ فَمَوْضُوعٌ لَهُ أَسْمَاءُ كَأَسْمَاءِ الْحِنْطَةِ لَا بِمَعَانٍ. فَإِنْ قِيلَ فَالْحَبُّ الْأَخْضَرُ بِمَعْنًى فَاسْمُهُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُ الْبُطْمُ وَالْعَسَلُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِالِاسْمِ الْمَوْضُوعِ وَاَلَّذِي إذَا لَقِيت رَجُلًا فَقُلْت لَهُ عَسَلٌ عَلِمَ أَنَّ عَسَلَ النَّحْلِ صِنْفٌ وَقَدْ سُمِّيَتْ أَشْيَاءُ مِنْ الْحَلَاوَةِ تُسَمَّى بِهَا عَسَلًا وَقَالَتْ الْعَرَبُ لِلْحَدِيثِ الْحُلْوِ حَدِيثٌ مَعْسُولٌ وَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ الْحُلْوَةِ الْوَجْهِ مَعْسُولَةُ الْوَجْهِ وَقَالَتْ فِيمَا الْتَذَّتْ هَذَا عَسَلٌ وَهَذَا مَعْسُولٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لَكِ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» يَعْنِي يُجَامِعُهَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ هُوَ الْمُسْتَحْلَى مِنْ الْمَرْأَةِ فَقَالُوا لِكُلِّ مَا اسْتَحْلَوْهُ عَسَلٌ وَمَعْسُولٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحْلَى اسْتِحْلَاءَ الْعَسَلِ قَالَ فَعَسَلُ النَّحْلِ الْمُنْفَرِدِ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُلْوِ فَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَلَى مَا وُصِفَتْ مِنْ الشَّبَهِ وَالْعَسَلُ فِطْرَةُ الْخَالِقِ لَا صَنْعَةَ لِلْآدَمِيِّينَ فِيهِ وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْحُلْوِ فَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ قَصَبٍ أَوْ ثَمَرَةٍ أَوْ حَبَّةٍ كَمَا تُسْتَخْرَجُ الْأَدْهَانُ فَلَا بَأْسَ بِالْعَسَلِ بِعَصِيرِ قَصَبِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَسَلًا إلَّا عَلَى مَا وَصَفْت فَإِنَّمَا يُقَالُ عَصِيرُ قَصَبٍ وَلَا بَأْسَ الْعَسَلُ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ وَلَا بِرُبِّ الْعِنَبِ وَلَا بَأْسَ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ بِعَصِيرِ قَصَبِ السُّكَّرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُحْدَثَانِ وَمِنْ شَجَرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ رُبِّ التَّمْرِ بِرُبِّ الْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا وَهَكَذَا كُلُّ مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ شَيْءٍ فَكَانَ حُلْوًا فَأَصْلُهُ عَلَى مَا وَصَفْت عَلَيْهِ أُصُولَ الْأَدْهَانِ مِثْلُ عَصِيرِ الرُّمَّانِ بِعَصِيرِ السَّفَرْجَلِ وَعَصِيرِ التُّفَّاحِ بِعَصِيرِ اللَّوْزِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، فَعَلَى هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ وَقِيَاسِهِ وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ صِنْفٌ بِمِثْلِهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ إنْ كَانَ يُوزَنُ وَكِيلًا إنْ كَانَ أَصْلُهُ الْكَيْلَ بِكَيْلٍ وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ مَطْبُوخٌ بِنَيْءٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا فَأَعْطَيْت مِنْهُ نَيْئًا بِمَطْبُوخٍ فَالنَّيْءُ إذَا طُبِخَ يَنْقُصُ فَيَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ فِي النَّيْءِ فَلَا يَحِلُّ

باب المأكول من صنفين شيب أحدهما بالآخر

إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ وَاحِدٌ بِآخَرَ مَطْبُوخَيْنِ مَعًا؛ لِأَنَّ النَّارَ تَبْلُغُ مِنْ بَعْضِهِ أَكْثَرَ مِمَّا تَبْلُغُ مِنْ بَعْضٍ وَلَيْسَ لِلْمَطْبُوخِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا كَمَا يَكُونُ لِلتَّمْرِ فِي الْيُبْسِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا وَقَدْ يُطْبَخُ فَيَذْهَبُ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَيُطْبَخُ فَيَذْهَبُ مِنْهُ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ مَطْبُوخٌ بِمَطْبُوخٍ لِمَا وَصَفْت وَلَا مَطْبُوخٌ بِنَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ إلَّا نَيْءٌ بِنَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا يُعْصَرُ إلَّا مَشُوبًا بِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ بِصِنْفِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا حِصَّةُ الْمَشُوبِ مِنْ حِصَّةِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ الَّذِي لَا يَحِلُّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ [بَابُ الْمَأْكُولِ مِنْ صِنْفَيْنِ شِيبَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَفِي السُّنَّةِ خَبَرٌ نَصًّا وَدَلَالَةً بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَيِّنٌ، وَمَا سِوَاهُ قِيَاسٌ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَلَا بَأْسَ بِمُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ شَعِيرٍ وَمُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ أُرْزٍ وَمُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ ذُرَةٍ وَمُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدِّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ زَبِيبٍ وَمُدِّ زَبِيبٍ بِمُدَّيْ مِلْحٍ وَمُدِّ مِلْحٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ وَالْمِلْحُ كُلُّهُ صِنْفُ مِلْحُ جَبَلٍ وَبَحْرٍ وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مِلْحٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً مِثْلُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ سَوَاءً لَا يَخْتَلِفَانِ فَعَلَى هَذَا. هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ وَكُلُّ مَا سَكَتَ عَنْهُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ بِحَالٍ أَبَدًا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ صِنْفٌ مِنْهُ بِصِنْفٍ فَهُوَ كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ صِنْفٌ بِصِنْفٍ يُخَالِفُهُ فَهُوَ كَالذَّهَبِ بِالْوَرِقِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي حَرْفٍ وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ لَازِمًا لِلْحَدِيثِ حَتَّى يَقُولَ هَذَا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْكَلَامِ فِيمَا حَلَّ بَيْعُهُ وَحُرِّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدٌ، وَإِذَا تَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا انْتَقَضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ وَالْعَسَلُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَلَا بَأْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهُ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ وَلَا مُسْتَوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا نَسِيئَةً وَلَا يُبَاعُ عَسَلٌ بِعَسَلٍ إلَّا مُصَفَّيَيْنِ مِنْ الشَّمْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْعَ غَيْرُ الْعَسَلِ فَلَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا الشَّمْعُ كَانَ الْعَسَلُ بِأَقَلَّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ وَزْنًا وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَمْعٌ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْعَسَلِ مِنْ وَزْنِ الشَّمْعِ مَجْهُولًا فَلَا يَجُوزُ مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ وَقَدْ يَدْخُلُهُمَا أَنَّهُمَا عَسَلٌ بِعَسَلٍ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَلَا خَيْرَ فِي مُدِّ حِنْطَةٍ فِيهَا قَصْلٌ أَوْ فِيهَا حِجَارَةٌ أَوْ فِيهَا زُوَانٌ بِمُدِّ حِنْطَةٍ لَا شَيْءَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ أَوْ فِيهَا تِبْنٌ؛ لِأَنَّهَا الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلَةً وَمَجْهُولَةً كَمَا وَصَفْتُ فِي الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ خَلَطَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى تَمْيِيزِهِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا خَالِصًا مِمَّا يَخْلِطُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُخْلَطُ الْمَكِيلُ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ مِثْلُ قَلِيلِ التُّرَابِ وَمَا دُقَّ مِنْ تِبْنِهِ فَكَانَ مِثْلَ التُّرَابِ فَذَلِكَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يَزِيدُ فِي الْوَزْنِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا شَابَهَ غَيْرُهُ فَبِيعَ وَاحِدٌ مِنْهُ بِوَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. وَإِنْ بِيعَ كَيْلًا بِكَيْلٍ فَكَانَ مَا شَابَهَ يَنْقُصُ مِنْ كَيْلِ الْجِنْسِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِثْلُ مَا وَصَفْت مِنْ الْحِنْطَةِ مَعَهَا شَيْءٌ بِحِنْطَةٍ

باب الرطب بالتمر

وَهِيَ مِثْلُ لَبَنٍ خَلَطَهُ مَاءٌ بِلَبَنٍ خَلَطَهُ مَاءٌ أَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا دَخَلَهُ أَوْ دَخَلَهَا مَا مَعًا مِنْ الْمَاءِ فَيَكُونُ اللَّبَنُ بِاللَّبَنِ مُتَفَاضِلًا [بَابُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الرُّطَبُ يَعُودُ تَمْرًا وَلَا أَصْلَ لِلتَّمْرِ إلَّا الرُّطَبَ فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَكَانَ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْمُعْتَقَبِ وَكَانَ مَوْجُودًا فِي سُنَّتِهِ تَحْرِيمُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَأْكُولِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ قُلْنَا بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ وَفَسَّرَ لَنَا مَعْنَاهُ فَقُلْنَا لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَظَرَ فِيهِ فِي الْمُعْتَقَبِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ أَبَدًا مِنْ أَنْ يُبَاعَ مَجْهُولَ الْكَيْلِ إذَا عَادَ تَمْرًا وَلَا خَيْرَ فِي تَمْرٍ بِتَمْرٍ مَجْهُولِي الْكَيْلِ مَعًا وَلَا أَحَدَهُمَا مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَهُمَا أَبَدًا يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ أَحَدُ التَّمْرِينِ بِالْآخَرِ وَأَحَدُهُمَا أَكْثَرُ كَيْلًا مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذَا. (قَالَ) : فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ رُطَبٌ مِنْهُ كَيْلًا بِرُطَبٍ لِمَا وَصَفْت قِيَاسًا عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَاللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَحْشِيُّهُ وَطَائِرُهُ وَإِنْسِيُّهُ لَا يَحِلُّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَيَكُونَ يَابِسًا وَيَخْتَلِفُ فَيَكُونُ لَحْمُ الْوَحْشِ بِلَحْمِ الطَّيْرِ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ وَلَا خَيْرَ فِي تَمْرِ نَخْلَةٍ بِرُطَبِ نَخْلَةٍ بِخَرْصٍ وَلَا بِتَجْرٍ وَلَا غَيْرِهِ فَالْقَسْمُ وَالْمُبَادَلَةُ وَكُلُّ مَا أُخِذَ لَهُ عِوَضٌ مِثْلُ الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ رَجُلٌ رَجُلًا رُطَبًا فِي نَخْلِهِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا يُبَادِلُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ هَهُنَا إلَّا الْعَرَايَا الْمَخْصُوصَةَ وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي يَكُونُ رَطْبًا ثُمَّ يَيْبَسُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا مَا جَازَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ نَفْسِهِ بِبَعْضٍ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ وَهَكَذَا مَا كَانَ رَطْبًا فِرْسِكٍ وَتُفَّاحٌ وَتِينٌ وَعِنَبٌ وَإِجَّاصٌ وَكُمَّثْرَى وَفَاكِهَةٌ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ رَطْبًا وَلَا رَطْبٌ مِنْهَا بِيَابِسٍ وَلَا جُزَافٌ مِنْهَا بِمَكِيلٍ وَلَا يُقَسَّمُ رَطْبٌ مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا فِي شَجَرِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا كَمَا وَصَفْت فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَهَكَذَا كُلُّ مَأْكُولٍ لَوْ تُرِكَ رَطْبًا يَيْبَسُ فَيَنْقُصُ وَهَكَذَا كُلُّ رُطَبٍ لَا يَعُودُ تَمْرًا بِحَالٍ وَكُلُّ رَطْبٍ مِنْ الْمَأْكُولِ لَا يَنْفَعُ يَابِسًا بِحَالٍ مِثْلُ الْخِرْبِزِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْفَقُّوسِ وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا كَيْلًا بِكَيْلٍ لِمَعْنًى مَا فِي الرُّطُوبَةِ مِنْ تَغَيُّرِهِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِبِطِّيخٍ بِقِثَّاءَ مُتَفَاضِلًا جُزَافًا وَوَزْنًا وَكَيْفَمَا شَاءَ إذَا أَجَزْت التَّفَاضُلَ فِي الْوَزْنِ أَجَزْت أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى الْجُزَافِ يُحَرِّمُهُ إلَّا التَّفَاضُلُ وَالتَّفَاضُلُ فِيهِمَا مُبَاحٌ وَهَكَذَا جَزَرٌ بِأُتْرُجٍّ وَرُطَبٌ بِعِنَبٍ فِي شَجَرِهِ وَمَوْضُوعًا جُزَافًا وَمَكِيلًا كَمَا قُلْنَا فِيمَا اخْتَلَفَ أَصْنَافُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُخَالِفُهُ وَفِي كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمِنْ مَشْرُوبٍ وَالرَّطْبُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُ رَطْبًا ثُمَّ يُتْرَكُ بِلَا عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْآدَمِيِّينَ يُغَيِّرُهُ عَنْ بِنْيَةِ خِلْقَتِهِ مِثْلُ مَا يُطْبَخُ فَتَنْقُصُهُ النَّارُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَذْهَبُ رُطُوبَتُهُ وَيُغَيِّرُهُ مِثْلُ الرُّطَبِ يَعُود تَمْرًا وَاللَّحْمِ يُقَدَّدُ بِلَا طَبْخٍ يُغَيِّرُهُ وَلَا عَمَلِ شَيْءٍ حُمِلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الرَّطْبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْ صِنْفِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَلَا رَطْبٌ بِرَطْبٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا كَيْلًا بِكَيْلٍ كَمَا وَصَفْت فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَمِثْلُهُ كُلُّ فَاكِهَةٍ يَأْكُلُهَا الْآدَمِيُّونَ فَلَا يَجُوزُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْ صِنْفِهَا وَلَا رَطْبٌ بِرَطْبٍ مِنْ صِنْفِهَا لِمَا وَصَفْته مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ

باب ما جاء في بيع اللحم

[بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَكَذَا اللَّحْمُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ بَيْعُ لَحْمٍ ضَائِنٍ بِلَحْمٍ ضَائِنٍ رَطْلًا بِرَطْلٍ أَحَدُهُمَا يَابِسٌ وَالْآخَرُ رَطْبٌ وَلَا كِلَاهُمَا رَطْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ اللَّحْمُ يَنْقُصُ نُقْصَانًا وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ خِلْقَتِهِ وَمَرَاعِيهِ الَّتِي يَغْتَذِي مِنْهَا لَحْمُهُ فَيَكُونُ مِنْهَا الرَّخْصُ الَّذِي يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ نُقْصَانًا كَثِيرًا وَالْغَلِيظُ الَّذِي يَقِلُّ نَقْصُهُ ثُمَّ يَخْتَلِفُ غِلَظُهُمَا بِاخْتِلَافِ خِلْقَتِهِ وَرُخْصُهُمَا بِاخْتِلَافِ خِلْقَتِهِ فَلَا يَجُوزُ لَحْمٌ أَبَدًا إلَّا يَابِسًا قَدْ بَلَغَ إنَاهُ بِيُبْسِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ كَالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَيَدًا بِيَدٍ وَلَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْوَزْنُ وَالْكَيْلُ فِيمَا بِيعَ يَابِسًا؟ قِيلَ يَجْتَمِعَانِ وَيَخْتَلِفَانِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ عَرَفْنَا حَيْثُ يَجْتَمِعَانِ فَأَيْنَ يَخْتَلِفَانِ؟ قِيلَ التَّمْرُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْيُبْسِ وَلَمْ يَبْلُغْ إنَاهُ بِيُبْسِهِ فَبِيعَ كَيْلًا بِكَيْلٍ لَمْ يَنْقُصْ فِي الْكَيْلِ شَيْئًا. وَإِذَا تُرِكَ زَمَانًا نَقَصَ فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْجُفُوفَ كُلَّمَا زَادَ فِيهِ كَانَ أَنْقَصَ لِوَزْنِهِ حَتَّى يَتَنَاهَى قَالَ وَمَا بِيعَ وَزْنًا فَإِنَّمَا قُلْت فِي اللَّحْمِ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَتَنَاهَى جُفُوفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ مُتَفَاضِلَ الْوَزْنِ أَوْ مَجْهُولًا، وَإِنْ كَانَ بِبِلَادٍ نَدِيَّةٍ فَكَانَ إذَا يَبِسَ ثُمَّ أَصَابَهُ النَّدَى رَطِبَ حَتَّى يَثْقُلَ لَمْ يُبَعْ وَزْنًا بِوَزْنٍ رَطْبًا مِنْ نَدًى حَتَّى يَعُودَ إلَى الْجُفُوفِ وَحَالُهُ إذَا حَدَثَ النَّدَى فَزَادَ فِي وَزْنِهِ كَحَالِهِ الْأُولَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يَتَنَاهَى جُفُوفُهُ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْقَوْلُ فِي اللَّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَحْمَ الْغَنَمِ صِنْفٌ وَلَحْمَ الْإِبِلِ صِنْفٌ وَلَحْمَ الْبَقَرِ صِنْفٌ وَلَحْمَ الظِّبَاءِ صِنْفٌ وَلَحْمَ كُلِّ مَا تَفَرَّقَتْ بِهِ أَسْمَاءُ دُونَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِعَةِ صِنْفٌ فَيُقَالُ كُلُّهُ حَيَوَانٌ وَكُلُّهُ دَوَابُّ وَكُلُّهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَهَذَا جِمَاعُ أَسْمَائِهِ كُلِّهِ ثُمَّ تَفَرَّقَ أَسْمَاؤُهُ فَيُقَالُ لَحْمُ غَنَمٍ وَلَحْمُ إبِلٍ وَلَحْمُ بَقَرٍ وَيُقَالُ لَحْمُ ظِبَاءَ وَلَحْمُ أَرَانِبَ وَلَحْمُ يَرَابِيعَ وَلَحْمُ ضِبَاعٍ وَلَحْمُ ثَعَالِبَ ثُمَّ يُقَالُ فِي الطَّيْرِ هَكَذَا لَحْمُ كَرَاكِي وَلَحْمُ حُبَارَيَاتٍ وَلَحْمُ حَجْلٍ وَلَحْمُ يعاقيب وَكَمَا يُقَالُ طَعَامٌ ثُمَّ يُقَالُ حِنْطَةٌ وَذُرَةٌ وَشَعِيرٌ وَأُرْزٌ وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَيَنْقَاسُ فَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الْغَنَمُ صِنْفٌ ضَأْنُهَا وَمَعْزَاهَا وَصِغَارُ ذَلِكَ وَكِبَارُهُ وَإِنَاثُهُ وَفُحُولُهُ وَحُكْمُهَا أَنَّهَا تَكُونُ مِثْلَ الْبُرِّ الْمُتَفَاضِلِ صِنْفًا وَالتَّمْرِ الْمُتَبَايِنِ الْمُتَفَاضِلِ صِنْفًا فَلَا يُبَاعُ مِنْهُ يَابِسٌ مُنْتَهَى الْيُبْسِ بِيَابِسٍ مِثْلِهِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَإِذَا جَازَ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى إلَّا أَنْ يَعْرِفَ الْمُتَبَايِعَانِ مَا اشْتَرَيَا وَبَاعَا وَلَا بَأْسَ بِهِ جُزَافًا وَكَيْفَ شَاءَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ نَسِيئَةٌ كَمَا قُلْنَا فِي التَّمْرِ بِالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ بِالذُّرَةِ وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ ثُمَّ هَكَذَا الْقَوْلُ فِي لَحْمِ الْأَنِيسِ وَالْوَحْشِ كُلِّهِ فَلَا خَيْرَ فِي لَحْمِ طَيْرٍ بِلَحْمِ طَيْرٍ إلَّا أَنْ يَيْبَسَ مُنْتَهَى الْيُبْسِ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ كَمَا قُلْنَا فِي لَحْمِ الْغَنَمِ وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ ظَبْيٍ بِلَحْمِ أَرْنَبٍ رَطْبًا بِرَطْبٍ وَيَابِسًا بِيَابِسٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَبِأَكْثَرَ وَزْنًا بِجُزَافٍ وَجُزَافًا بِجُزَافٍ لِاخْتِلَافِ الصِّنْفَيْنِ. وَهَكَذَا الْحِيتَانِ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَنْ أَقُولَ هُوَ صِنْفٌ؛ لِأَنَّهُ سَاكِنُ الْمَاءِ وَلَوْ زَعَمْته زَعَمْت أَنَّ سَاكِنَ الْأَرْضِ كُلَّهُ صِنْفٌ وَحْشِيُّهُ وَإِنْسِيُّهُ أَوْ كَانَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُنِي أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ فِي وَحْشِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الصَّيْدِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَيَوَانُ فَكُلُّ مَا تَمْلِكُهُ وَيَصِيرُ لَك فَلَا بَأْسَ بِرَطْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا بِأَرْطَالٍ مِنْ الْآخَرِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً وَلَا بَأْسَ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ وَجُزَافًا بِجُزَافٍ وَجُزَافًا بِوَزْنٍ وَلَا خَيْرَ فِي رَطْلِ لَحْمِ حُوتٍ تَمْلِكُهُ رَطْبًا بِرَطْلِ لَحْمٍ تَمْلِكُهُ رَطْبًا وَلَا أَحَدُهُمَا رَطْبٌ وَالْآخَرُ يَابِسٌ وَلَا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى يُمَلَّحَ وَيُجَفَّفَ وَيَنْتَهِي نُقْصَانُهُ وَجُفُوفُ مَا كَثُرَ لَحْمُهُ مِنْهُ أَنْ يُمَلَّحَ وَيَسِيلَ مَاؤُهُ فَذَلِكَ انْتِهَاءُ جُفُوفِهِ فَإِذَا انْتَهَى بِيعَ رَطْلًا بِرَطْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ مِنْ صِنْفٍ فَإِذَا اخْتَلَفَ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً

باب ما يكون رطبا أبدا

وَمَا رَقَّ لَحْمُهُ مِنْ الْحِيتَانِ إذَا وُضِعَ جَفَّ جُفُوفًا شَدِيدًا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ إبَّانَهُ مِنْ الْجُفُوفِ وَيُبَاعُ الصِّنْفُ مِنْهُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت قَبْلَهُ يُبَاعُ رَطْبًا جُزَافًا بِرَطْبٍ جُزَافٍ وَيَابِسٍ جُزَافٍ وَمُتَفَاضِلٍ فِي الْوَزْنِ فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ لَا يَخْتَلِفُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُقَالَ اللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ كَمَا أَنَّ التَّمْرَ كُلَّهُ صِنْفٌ وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ فِي الْحِيتَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ جَامِعٌ لِهَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ لَزِمَهُ إذَا أَخَذَهُ بِجِمَاعِ اللَّحْمِ أَنْ يَقُولَ هَذَا كَجِمَاعِ الثَّمَرِ يَجْعَلُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الثِّمَارِ صِنْفًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فَإِنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ حَالِفًا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا حَنِثَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ حِنْثَهُ بِلَحْمِ الْغَنَمِ فَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ ثَمَرًا حَنِثَ بِالزَّبِيبِ حِنْثَهُ بِالتَّمْرِ وَحِنْثَهُ بِالْفِرْسِكِ وَلَيْسَ الْأَيْمَانُ مِنْ هَذَا بِسَبِيلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْبُيُوعِ عَلَى الْأَصْنَافِ وَالْأَسْمَاءُ الْخَاصَّةُ دُونَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِعَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [بَابُ مَا يَكُونُ رَطْبًا أَبَدًا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الصِّنْفُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ الَّذِي يَكُونُ رَطْبًا أَبَدًا إذَا تُرِكَ لَمْ يَيْبَسْ مِثْلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَالْأَدْهَانِ وَاللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَنْتَهِي بِيُبْسٍ فِي مُدَّةٍ جَاءَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَبْرُدَ فَيَجْمُدَ بَعْضُهُ ثُمَّ يَعُودُ ذَائِبًا كَمَا كَانَ أَوْ بِأَنْ يَنْقَلِبَ بِأَنْ يُعْقَدَ عَلَى نَارٍ أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ يَابِسٌ فَيَصِيرُ هَذَا يَابِسًا بِغَيْرِهِ وَعَقْدِ نَارٍ فَهَذَا الصِّنْفُ خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَا يَكُونُ رَطْبًا بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُطُوبَةَ مَا يَبِسَ مِنْ التَّمْرِ رُطُوبَةٌ فِي شَيْءٍ خُلِقَ مُسْتَجْسَدًا إنَّمَا هُوَ رُطُوبَةٌ طَرَاءَةً كَطَرَاءَةِ اغْتِذَائِهِ فِي شَجَرِهِ وَأَرْضِهِ فَإِذَا زَايَلَ مَوْضِعَ الِاغْتِذَاءِ مِنْ مَنْبَتِهِ عَادَ إلَى الْيُبْسِ وَمَا وَصَفْت رُطُوبَةً مُخْرَجَةً مِنْ إنَاثِ الْحَيَوَانِ أَوْ ثَمَرِ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ قَدْ زَايَلَ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ الَّذِي هُوَ لَا يَنْقُصُ بِمُزَايَلَةِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ نَفْسُهُ وَلَا يَجِفُّ بِهِ بَلْ يَكُونُ مَا هُوَ فِيهِ رَطْبًا مِنْ طِبَاعِ رُطُوبَتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَعُودُ يَابِسًا كَمَا يَعُودُ غَيْرُهُ إذَا تُرِكَ مُدَّةً إلَّا بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُصْرَفَ بِإِدْخَالِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِخَلْطِهِ وَإِدْخَالِ عَقْدِ النَّارِ عَلَى مَا يُعْقَدُ مِنْهُ فَلَمَّا خَالَفَهُ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الرُّطُوبَةُ الَّتِي رُطُوبَتُهُ تُفْضِي إلَى جُفُوفِهِ إذَا تُرِكَ بِلَا عَمَلِ الْآدَمِيِّينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَهُ عَلَيْهِ وَجَعَلْنَا حُكْمَ رُطُوبَتِهِ حُكْمَ جُفُوفِهِ؛ لِأَنَّا كَذَلِكَ نَجِدُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ لَا مُنْتَقِلًا إلَّا بِنَقْلِ غَيْرِهِ فَقُلْنَا لَا بَأْسَ بِلَبَنٍ حَلِيبٍ بِلَبَنٍ حَامِضٍ وَكَيْفَمَا كَانَ بِلَبَنٍ كَيْفَمَا كَانَ حَلِيبًا أَوْ رَائِبًا أَوْ حَامِضًا وَلَا حَامِضَ بِحَلِيبٍ وَلَا حَلِيبَ بِرَائِبٍ مَا لَمْ يَخْلِطْهُ مَاءٌ فَإِذَا خَلَطَهُ مَاءٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ إذَا خَلَطَ الْمَاءُ أَحَدَ اللَّبَنَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غِشٌّ لَا يَتَمَيَّزُ فَلَوْ أَجَزْنَاهُ أَجَزْنَا الْغَرَرَ وَلَوْ تَرَاضَيَا بِهِ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَاءٌ وَلَبَنٌ مُخْتَلَطَانِ لَا تُعْرَفُ حِصَّةُ الْمَاءِ مِنْ اللَّبَنِ فَنَكُونُ أَجَزْنَا اللَّبَنَ بِاللَّبَنِ مَجْهُولًا أَوْ مُتَفَاضِلًا أَوْ جَامِعًا لَهُمَا وَمَا كَانَ يَحْرُمُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْتَاعَ إلَّا مَعْلُومًا كُلَّهُ كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَجِمَاعُ عِلْمِ بَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ اللَّبَنُ بِاللَّبَنِ لَمْ يَخْلِطْ وَاحِدًا مِنْهُمَا مَاءٌ وَيُرَدَّانِ خَلَطَهُمَا مَاءٌ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ اللَّبَنُ صِنْفًا وَاحِدًا إلَّا يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ لَبَنُ الْغَنَمِ مَاعِزُهُ وَضَائِنُهُ وَالصِّنْفُ الَّذِي يُخَالِفُهُ الْبَقَرُ دِرْبَانِيُّهُ وَعَرَبِيُّهُ وَجَوَامِيسُهُ وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ الَّذِي يُخَالِفُهُمَا مَعًا لَبَنُ الْإِبِلِ أَوَارِكُهَا وَغَوَادِيهَا وَمُهْرِيُّهَا وَبُخْتُهَا وَعِرَابُهَا وَأَرَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ جَائِزٌ أَنْ يُبَاعَ لَبَنُ الْغَنَمِ بِلَبَنِ الْبَقَرِ وَلَبَنُ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاضِلًا وَمُسْتَوِيًا وَجُزَافًا وَكَيْفَ مَا شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ يَدًا بِيَدٍ لَا خَيْرَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ نَسِيئَةً وَلَا خَيْرَ فِي لَبَنٍ مَغْلِيٍّ

بِلَبَنٍ عَلَى وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْإِغْلَاءَ يَنْقُصُ اللَّبَنَ وَلَا خَيْرَ فِي لَبَنِ غَنَمٍ بِأَقِطِ غَنَمٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَقِطَ لَبَنٌ مَعْقُودٌ فَإِذَا بِعْت اللَّبَنَ بِالْأَقِطِ أَجَزْت اللَّبَنَ بِاللَّبَنِ مَجْهُولًا وَمُتَفَاضِلًا أَوْ جَمَعْتهمَا مَعًا فَإِذَا اخْتَلَفَ اللَّبَنُ وَالْأَقِطُ فَلَا بَأْسَ بِلَبَنِ إبِلٍ بِأَقِطِ غَنَمٍ وَلَبَنِ بَقَرٍ بِأَقِطِ غَنَمٍ لِمَا وَصَفْت مِنْ اخْتِلَافِ اللَّبَنَيْنِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً قَالَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ زُبْدًا مِنْ غَنَمٍ بِلَبْنِ غَنَمٍ؛ لِأَنَّ الزُّبْدَ شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ وَهُمَا مَأْكُولَانِ فِي حَالِهَا الَّتِي يَتَبَايَعَانِ فِيهَا وَلَا خَيْرَ فِي سَمْنِ غَنَمٍ بِزُبْدِ غَنَمٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ السَّمْنَ مِنْ الزُّبْدِ بِيعَ مُتَفَاضِلًا أَوْ مَجْهُولًا وَهُمَا مَكِيلَانِ أَوْ مَوْزُونَانِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَتَبَايَعَانِ وَمِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الزُّبْدُ وَالسَّمْنُ فَكَانَ زُبْدُ غَنَمٍ بِزُبْدِ بَقَرٍ أَوْ سَمْنُ غَنَمٍ بِزُبْدِ بَقَرٍ فَلَا بَأْسَ لِاخْتِلَافِهِمَا بِأَنْ يُبَاعَا كَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا. قَالَ وَلَا بَأْسَ بِلَبَنٍ بِشَاةٍ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالدَّيْنُ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا قَالَ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ لَبُونًا وَكَانَ اللَّبَنُ لَبَنَ غَنَمٍ وَفِي الشَّاةِ حِينَ تَبَايَعَا لَبَنٌ ظَاهِرٌ يَقْدِرُ عَلَى حَلْبِهِ فِي سَاعَتِهِ تِلْكَ فَلَا خَيْرَ فِي الشِّرَاءِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِي الشَّاةِ لَبَنًا لَا أَدْرِي كَمْ حِصَّتُهُ مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي اشْتَرَيْت بِهِ نَقْدًا، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ نَسِيئَةً فَهُوَ أَفْسَدُ لِلْبَيْعِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَكَيْفَ جَعَلْتَ لِلَّبَنِ وَهُوَ مَغِيبٌ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ؟ قِيلَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلَّبَنِ الْمُصَرَّاةِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا اللَّبَنُ فِي الضُّرُوعِ كَاللَّوْزِ وَالْجَوْزِ الرَّائِعِ فِي قِشْرِهِ فَيَسْتَخْرِجُهُ صَاحِبُهُ إذَا شَاءَ وَلَيْسَ كَمَوْلُودٍ لَا يَقْدِرُ آدَمِيٌّ عَلَى إخْرَاجِهِ وَلَا ثَمَرَةٍ لَا يَقْدِرُ آدَمِيٌّ عَلَى إخْرَاجِهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ أَجَزْت لَبَنَ الشَّاةِ بِالشَّاةِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا اللَّبَنُ؟ قَالَ فَيُقَالُ إنَّ الشَّاةَ نَفْسَهَا لَا رِبَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ بِمَأْكُولٍ فِي حَالِهِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا إنَّمَا تُؤْكَلُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ وَالطَّبْخِ وَالتَّجْفِيفِ فَلَا تُنْسَبُ الْغَنَمُ إلَى أَنْ تَكُونَ مَأْكُولَةً إنَّمَا تُنْسَبُ إلَى أَنَّهَا حَيَوَانٌ. قَالَ وَالْآدَامُ كُلُّهَا سَوَاءٌ السَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَالشَّيْرَجُ وَالزَّيْتُ وَغَيْرُهُ لَا يَحِلُّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ صِنْفٌ وَزَيْتُ الْفُجْلِ صِنْفٌ غَيْرُهُ وَدُهْنُ كُلِّ شَجَرَةٍ تُؤْكَلُ أَوْ تُشْرَبُ بَعْدَ الَّذِي وَصَفْت وَاحِدٌ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْهُ حَلَّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَمْ يَجُزْ نَسِيئَةً وَلَا بَأْسَ بِدُهْنِ الْحَبِّ الْأَخْضَرِ بِدُهْنِ الشَّيْرَجِ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً قَالَ وَالْأَدْهَانُ الَّتِي تُشْرَبُ لِلدَّوَاءِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الصِّفَةِ دُهْنُ الْخِرْوَعِ وَدُهْنُ اللَّوْزِ الْمُرِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْهَانِ وَمَا كَانَ مِنْ الْأَدْهَانِ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ بِحَالٍ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ حَدِّ الرِّبَا وَهُوَ فِي مَعْنَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لَا رِبَا فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً وَيَحِلُّ أَنْ يُبَاعَ إذَا كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَأَمَّا مَا فِيهِ سُمٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا خَيْرَ فِي شِرَائِهِ وَلَا بَيْعِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُوضَعُ مِنْ ظَاهِرٍ فَيَبْرَأُ فَلَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ فَيُشْتَرَى لِلْمَنْفَعَةِ فِيهِ. قَالَ وَكُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْتَاعَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكِيلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَالْقَسْمُ فِيهِ كَالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسَّمَ ثَمَرُ نَخْلٍ فِي شَجَرِهِ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا وَلَا عِنَبُ كَرْمٍ وَلَا حَبُّ حِنْطَةٍ فِي سُنْبُلِهِ وَلَا غَيْرُهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ الرِّبَا وَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَلَا يُبَادَلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ قَالَ وَكَذَلِكَ لَا يَقْتَسِمَانِ طَعَامًا مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ بِالْحَزْرِ حَتَّى يَقْتَسِمَاهُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ بِحَالٍ وَلَسْت أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى حَاجَةِ رَجُلٍ إلَى ثَمَرٍ رَطْبٍ؛ لِأَنِّي لَوْ أَجَزْته رَطْبًا لِلْحَاجَةِ أَجَزْته يَابِسًا لِلْحَاجَةِ وَبِالْأَرْضِ لِلْحَاجَةِ وَمَنْ احْتَاجَ إلَى قَسْمِ شَيْءٍ لَمْ يَحْلُلْ لَهُ بِالْحَاجَةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِي أَصْلِهِ وَلَيْسَ يَحِلُّ بِالْحَاجَةِ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الضَّرُورَاتِ مِنْ خَوْفِ تَلَفِ النَّفْسِ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا أَعْلَمُهُ يَحِلُّ لِحَاجَةٍ وَالْحَاجَةُ فِيهِ وَغَيْرُ الْحَاجَةِ سَوَاءٌ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ أَجَزْت الْخَرْصَ فِي الْعِنَبِ وَالنَّخْلِ ثُمَّ تُؤْخَذُ صَدَقَتُهُ كَيْلًا وَلَا تُجِيزُ أَنْ يُقَسَّمَ بِالْخَرْصِ؟ . قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِافْتِرَاقِ مَا تُؤْخَذُ بِهِ الصَّدَقَاتُ وَالْبُيُوعُ وَالْقَسْمُ، فَإِنْ قَالَ فَافْرُقْ بَيْنَ

باب الآجال في الصرف

الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا قُلْت أَرَأَيْت رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا ثَمَرُ حَائِطٍ لِأَحَدِهِمَا عُشْرُهُ وَالْآخَرُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْعُشْرِ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَهُ مِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ أَوْ أَعْلَاهُ أَوْ أَرْدَئِهِ أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؟ ، فَإِنْ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ شَرِيكٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ رَدِيءٌ أَوْ جَيِّدٌ بِالْقَسَمِ قُلْنَا فالجعرور وَمُصْرَانُ الْفَأْرَةِ؟ ، فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَالْمُصَدِّقُ لَا يَأْخُذُ الجعرور وَلَا مُصْرَانَ الْفَأْرَةِ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَسَطَ التَّمْرِ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ خَرْصًا إنَّمَا يَأْخُذُهَا كَيْلًا وَالْمُقْتَسِمَانِ يَأْخُذَانِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَرْصًا فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الْآخَرُ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولَ الْكَيْلِ أَوْ رَأَيْت لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَنَمٌ لِأَحَدِهِمَا رُبْعُ عُشْرِهَا وَكَانَتْ مِنْهَا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ لَبُونًا وَشَاةٌ ثَنِيَّةٌ أَكَانَ عَلَى صَاحِبِ رُبْعِ الْعُشْرِ إنْ أَرَادَ الْقَسْمَ أَنْ يَأْخُذَ شَاةً ثَنِيَّةً قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ مِنْ اللَّبَنِ؟ . فَإِنْ قَالَ لَا قِيلَ فَهَذَا عَلَى الْمُصَدِّقِ أَوْ رَأَيْت لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَالْغَنَمُ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا دُونَ الثَّنِيَّةِ وَفِيهَا شَاةٌ ثَنِيَّةٌ أَيَأْخُذُهَا؟ ، فَإِنْ قَالَ لَا يَأْخُذُ إلَّا شَاةً بِقِيمَةٍ وَيَكُونُ شَرِيكًا فِي مُنْخَفِضِ الْغَنَمِ وَمُرْتَفِعِهِ قِيلَ فَالْمُصَدِّقُ يَأْخُذُهَا وَلَا يُقَاسَ بِالصَّدَقَةِ شَيْءٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَلَا الْقَسْمِ، الْمُقَاسِمُ شَرِيكٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُقَاسَمُ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُكَالُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ بِقِيمَتِهِ إذَا اخْتَلَفَ الْأَصْنَافُ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَيَكُونُ شَرِيكًا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ، وَلَا يُقَسِّمُ الرَّجُلَانِ الثَّمَرَةَ بَلَحًا وَلَا طَلْعًا وَلَا بُسْرًا وَرُطَبًا، وَلَا تَمْرًا بِحَالٍ، فَإِنْ فَعَلَا فَفَاتَتْ طَلْعًا أَوْ بُسْرًا أَوْ بَلَحًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ مَا اسْتَهْلَكَ، يَرُدُّهُ وَيَقْتَسِمَانِهِ قَالَ: وَهَكَذَا كُلُّ قَسْمٍ فَاسِدٍ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ اسْتَهْلَكَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَقِيمَةٌ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نَخْلٌ مُثْمِرَةٌ فَدَعَوَا إلَى اقْتِسَامِهَا قِيلَ لَهُمَا إنْ شِئْتُمَا قَسَمْنَا بَيْنَكُمَا بِالْكَيْلِ. قَالَ: وَالْبَقْلُ الْمَأْكُولُ كُلُّهُ سَوَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ رَجُلًا رَكِيبَ هِنْدِبًا، بِرَكِيبِ هِنْدِبًا، وَلَا بِأَكْثَرَ، وَلَا يَصْلُحُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَكِنْ رَكِيبُ هِنْدِبًا، بِرَكِيبِ جِرْجِيرٍ، وَرَكِيبُ جِرْجِيرٍ، بِرَكِيبِ سَلْقٍ، وَرَكِيبُ سَلْقٍ، بِرَكِيبِ كُرَّاثٍ، وَرَكِيبُ كُرَّاثٍ، بِرَكِيبِ جِرْجِيرٍ، إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِجَزِّ مَكَانِهِ، فَأَمَّا أَنْ يُبَاعَ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ مُدَّةً يَطُولُ فِي مِثْلِهَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ الْمَبِيعُ مِنْهُ مِنْ الْحَادِثِ الَّذِي لَمْ يُبَعْ وَلَا يُبَاعُ إلَّا جِزَّةً جِزَّةً عِنْدَ جِزَازِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْقَصَبِ. [بَابٌ الْآجَالُ فِي الصَّرْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ، أَوْ حَتَّى تَأْتِيَ خَازِنَتِي مِنْ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ، فَقَالَ عُمَرُ لَا وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَرَأْته عَلَى مَالِكٍ صَحِيحًا لَا شَكَّ فِيهِ ثُمَّ طَالَ عَلَيَّ الزَّمَانُ وَلَمْ أَحْفَظْ حِفْظًا، فَشَكَكْت فِي خَازِنَتِي أَوْ خَازِنِي؛ وَغَيْرِي يَقُولُ عَنْهُ: خَازِنِي

(أَخْبَرْنَا) ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَقَالَ: " حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ " فَحَفِظْته لَا شَكَّ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَدُلَّانِ عَلَى مَعَانٍ، مِنْهَا تَحْرِيمُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا غَائِبٌ بِنَاجِزٍ وَحَدِيثُ عُمَرَ يَزِيدُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا سُمِّيَ مِنْ الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ كَاَلَّذِي حَرُمَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفَانِ وَقَدْ ذَكَرَ عُبَادَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَاهُمَا، وَأَكْثَرَ وَأَوْضَحَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا غَيْرَ مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ وَكَذَلِكَ حَرَّمْنَا الْمَأْكُولَ وَالْمَوْزُونَ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ فِي مَعْنَى الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، بِمِثْلِ مَا عُلِمَ بِالْكَيْلِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ أَقْرَبُ مِنْ الْإِحَاطَةِ مِنْ الْكَيْلِ فَلَا يُوجَدُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مَعْنًى أَقْرَبُ مِنْ الْإِحَاطَةِ مِنْهُمَا، فَاجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِمَا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ، وَأَنَّهُمَا مَأْكُولَانِ، فَكَانَ الْوَزْنُ قِيَاسًا عَلَى الْكَيْلِ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا أُكِلَ مِنْ الْكَيْلِ وَلَمْ يُسَمَّ، قِيَاسًا عَلَى مَعْنَى مَا سُمِّيَ مِنْ الطَّعَامِ، فِي مَعْنَاهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْوَزْنُ مِنْ الْمَأْكُولِ عَلَى الْوَزْنِ مِنْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ الذَّهَبَ غَيْرُ مَأْكُولٍ، وَكَذَلِكَ الْوَرِقُ لَوْ قِسْنَاهُ عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا الْمَكِيلَ الْمَأْكُولَ، قِسْنَا عَلَى أَبْعَدَ مِنْهُ مِمَّا تَرَكْنَا أَنْ نَقِيسَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْأَبْعَدِ وَيُتْرَكَ الْأَقْرَبُ وَلَزِمَنَا أَنْ لَا نُسَلِّمَ دِينَارًا فِي مَوْزُونٍ مِنْ طَعَامٍ أَبَدًا وَلَا غَيْرِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نُسَلِّمَ دِينَارًا فِي مَوْزُونٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَا أَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ يُسَلَّمَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُسَلَّمُ فِي الْآخَرِ، لَا ذَهَبَ فِي ذَهَبٍ، وَلَا وَرِقَ فِي وَرِقٍ، إلَّا فِي الْفُلُوسِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ

باب ما جاء في الصرف

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ إنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ، فَوَزْنٌ بِوَزْنٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ، فَكَيْلٌ بِكَيْلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ وَأَصْلُهُ الْوَزْنُ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ كَيْلًا. وَلَا شَيْءٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ وَزْنًا لَا يُبَاعُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ كَيْلًا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَمْلَآنِ مِكْيَالًا، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْوَزْنِ أَوْ يُجْهَلُ كَمْ وَزْنُ هَذَا مِنْ وَزْنِ هَذَا؟ وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَزْنًا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ، إذَا كَانَ وَزْنُهَا وَاحِدًا فِي الْكَيْلِ، وَيَكُونَانِ مَجْهُولًا مِنْ الْكَيْلِ بِمَجْهُولٍ. وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي يَتَبَايَعَانِ فِيهِ حَتَّى يَتَقَابَضَا، وَلَا يَبْقَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ مِنْ الْبَيْعِ شَيْءٌ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، أَوْ كَانَ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فِي فَسَادِ الْبَيْعِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ هَذَا، وَكَانَ ذَهَبًا بِوَرِقٍ أَوْ تَمْرًا بِزَبِيبٍ، أَوْ حِنْطَةً بِشَعِيرٍ، فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، يَدًا بِيَدٍ لَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ حَتَّى يَتَقَابَضَا، فَإِنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا تَفَرُّقٌ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَسَدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ وَلَا بَأْسَ بِطُولِ مَقَامِهِمَا فِي مَجْلِسِهِمَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصْطَحِبَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا إلَى غَيْرِهِ لِيُوَفِّيَهُ؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ لَمْ يَفْتَرِقَا وَحَدُّ الْفُرْقَةِ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا وَحَدُّ فَسَادِ الْبَيْعِ، أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا وَكُلُّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَكُلَّمَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ جُزَافًا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ حَلَالًا بِالْجُزَافِ، وَكَانَتْ الزِّيَادَةُ إذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ حَلَالٌ، فَلَيْسَ فِي الْجُزَافِ مَعْنًى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَكْثَرُ؟ فَإِذَا عَمَدْت أَنْ لَا أُبَالِيَ أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ، فَلَا بَأْسَ بِالْجُزَافِ فِي أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى ذَهَبٌ فِيهِ حَشْوٌ، وَلَا مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ بِالذَّهَبِ، كَانَ الَّذِي مَعَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ، أَنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مَجْهُولٌ أَوْ مُتَفَاضِلٌ، وَهُوَ حَرَامٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهَكَذَا الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَمَعَ الْآخَرِ شَيْءٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى بِالذَّهَبِ فِضَّةٌ مَنْظُومَةٌ بِخَرَزٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّفَاضُلُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ فِضَّةً مَنْظُومَةً بِحِرْزٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّفَاضُلُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِيهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَبِيعَيْنِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَرَفَ الرَّجُلُ الدِّينَارَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَقَبَضَ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَلَمْ يَجِدْ دِرْهَمًا، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الدِّرْهَمَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ التِّسْعَةَ عَشَرَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الدِّينَارِ وَيُنَاقِصَهُ بِحِصَّةِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدِّينَارِ. ثُمَّ إنْ شَاءَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِفَضْلِ الدِّينَارِ مِمَّا شَاءَ وَيَتَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ فَضْلَ الدِّينَارِ عِنْدَهُ، يَأْخُذُهُ مَتَى شَاءَ (قَالَ الرَّبِيعُ) : قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الدِّينَارَ حَاضِرًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَرَفَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا، فَإِنْ كَانَ زَافَ مِنْ قِبَلِ السِّكَّةِ أَوْ قُبْحِ الْفِضَّةِ، فَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ، وَلَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَذَلِكَ لَهُ، شَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ. وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الصَّرْفَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، إذَا عَقَدَ عَلَى هَذَا عُقْدَةَ الْبَيْعِ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ زَافَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ نُحَاسٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ فِضَّةٍ، فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ،

مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَا اشْتَرَى، وَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ بَيْنَهُمَا. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصْرِفَ الرَّجُلُ مِنْ الصَّرَّافِ دَرَاهِمَ، فَإِذَا قَبَضَهَا وَتَفَرَّقَا، أَوْدَعَهُ إيَّاهَا، وَإِذَا صَرَفَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ صَرَفَ مِنْهُ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ وَلَا يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ ثُمَّ يُوَكِّلُ هَذَا بِأَنْ يُصَارِفَهُ وَلَا بَأْسَ إذَا صَرَفَ مِنْهُ وَتَقَابَضَا أَنْ يَذْهَبَا فَيَزِنَا الدَّرَاهِمَ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَذْهَبَ هُوَ عَلَى الِانْفِرَادِ فَيَزِنُهَا. وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الدِّينَارَ عِنْدَ رَجُلٍ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ بَاعَهُ الدِّينَارَ بِدَرَاهِمَ وَقَبَضَهَا مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهَا، وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ الرَّجُلِ دَنَانِيرُ وَدِيعَةً فَصَارَفَهُ فِيهَا وَلَمْ يُقِرَّ الَّذِي عِنْدَهُ الدَّنَانِيرُ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا حَتَّى يَكُونَ ضَامِنًا وَلَا أَنَّهَا فِي يَدِهِ حِينَ صَارَفَهُ فِيهَا فَلَا خَيْرَ فِي الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَلَا حَاضِرٍ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَلَكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَبْطُلُ الصَّرْفُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ رَهْنًا فَتَرَاضَيَا أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ الرَّهْنَ وَيُعْطِيَهُ مَكَانَهُ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ إنْ كَانَ الرَّهْنُ دَنَانِيرَ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا دَرَاهِمَ أَوْ عَبْدًا فَأَعْطَاهُ مَكَانَهُ عَبْدًا آخَرَ غَيْرَهُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَيْعٌ فَيُكْرَهُ فِيهِ مَا يُكْرَهُ فِي الْبُيُوعِ، وَلَا نُحِبُّ مُبَايَعَةَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ الرِّبَا أَوْ ثَمَنُ الْمُحَرَّمِ مَا كَانَ أَوْ اكْتِسَابُ الْمَالِ مِنْ الْغَصْبِ وَالْمُحَرَّمِ كُلِّهِ، وَإِنْ بَايَعَ رَجُلٌ رَجُلًا مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ أَفْسَخْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يَمْلِكُونَ حَلَالًا فَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَلَا نُحَرِّمُ حَرَامًا بَيِّنًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ حَرَامًا يَعْرِفُهُ، أَوْ بِثَمَنٍ حَرَامٍ يَعْرِفُهُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ، الْحَرَامُ كُلُّهُ حَرَامٌ. (وَقَالَ) : لَا يُبَاعُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ مَعَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ شَيْءٌ غَيْرُ الذَّهَبِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذَهَبٌ وَثَوْبٌ بِدَرَاهِمَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَوَاعَدَ الرَّجُلَانِ الصَّرْفَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلَانِ الْفِضَّةَ ثُمَّ يُقِرَّانِهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَتَبَايَعَاهَا وَيَصْنَعَا بِهَا مَا شَاءَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا الْفِضَّةَ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا رَجُلًا آخَرَ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِكُ ثُمَّ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ قَالَ أُشْرِكُك عَلَى أَنَّهَا فِي يَدِي حَتَّى نَبِيعَهَا لَمْ يَجُزْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ رَجُلًا ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثَوْبًا آخَرَ بِنِصْفِ دِينَارٍ حَالَّيْنِ أَوْ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ فَلَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْبَيْعَةِ الْآخِرَةِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارًا فَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَإِنْ قَالَ دِينَارًا لَا يُعْطِيهِ نِصْفَيْنِ وَلَكِنْ يُعْطِيهِ وَاحِدًا جَازَتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى وَلَمْ تَجُزْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا الشَّرْطَ ثُمَّ أَعْطَاهُ دِينَارًا وَافِيًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ذَهَبٌ مَصْنُوعٌ فَتَرَاضَيَا أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَ الْآخَرِ بِوَزْنِهِ أَوْ مِثْلِ وَزْنِهِ ذَهَبًا يَتَقَابَضَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَلَا بَأْسَ، وَمَنْ صَرَفَ مِنْ رَجُلٍ صَرْفًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ بَعْضَهُ وَيَدْفَعَ مَا قَبَضَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ أَوْ يَأْمُرَ الصَّرَّافَ أَنْ يَدْفَعَ بَاقِيَهُ إلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا حَتَّى يَقْبِضَا جَمِيعَ مَا بَيْنَهُمَا أَرَأَيْت لَوْ صَرَفَ مِنْهُ دِينَارًا بِعِشْرِينَ وَقَبَضَ مِنْهُ عَشْرَةً، ثُمَّ قَبَضَ مِنْهُ بَعْدَهَا عَشْرَةً قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَلَا بَأْسَ بِهَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ فِضَّةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَنِصْفٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ سِتَّةً وَقَالَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ بِاَلَّذِي عِنْدِي وَنِصْفٌ وَدِيعَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِأَنْ يَصْرِفَ لَهُ شَيْئًا أَوْ يَبِيعَهُ فَبَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَجَدَ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ فَلَمْ يُوَكِّلْهُ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ بِعْ هَذَا مِنْ فُلَانٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِفُلَانٍ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ بِغَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَرَفَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدِّينَارَ بِعَشْرَةٍ فَوَزَنَ لَهُ عَشْرَةً وَنِصْفًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَكَانَ النِّصْفِ نِصْفَ فِضَّةٍ إذَا كَانَ فِي بَيْعِهِ غَيْرُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا وَأَعْطَاهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ نِصْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ حَادِثٌ غَيْرُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ عَقَدَ عُقْدَةَ الْبَيْعِ عَلَى ثَوْبٍ وَنِصْفِ دِينَارٍ بِدِينَارٍ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ مَقْسُومٌ عَلَى نِصْفِ الدِّينَارِ وَالثَّوْبِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ صَرَفَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَعَجَزَتْ.

الدَّرَاهِمُ فَتَسَلَّفَ مِنْهُ دَرَاهِمَ فَأَتَمَّهُ جَمِيعَ صَرْفِهِ فَلَا بَأْسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ جُزَافًا مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الصَّرَّافِ بِذَهَبٍ وَازِنَةً ثُمَّ تَبِيعَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِذَهَبٍ وَازِنَةً أَوْ نَاقِصَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيْعَتَيْنِ غَيْرُ الْأُخْرَى قَالَ الرَّبِيعُ لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهُ فِي الْبَيْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَتِمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَمَا حَرَّمَ مَعَهُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْمَكِيلُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مَعَ الذَّهَبِ كَيْلًا بِكَيْلٍ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِأَقَلَّ مِنْهُ وَزْنًا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ مَعْرُوفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَالْمَعْرُوفُ لَيْسَ يُحِلُّ بَيْعًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، فَإِنْ كَانَ وَهَبَ لَهُ دِينَارًا وَأَثَابَهُ الْآخَرُ دِينَارًا أَوْزَنَ مِنْهُ أَوْ أَنْقَصَ فَلَا بَأْسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا السَّلَفُ، فَإِنْ أَسْلَفَهُ شَيْئًا ثُمَّ اقْتَضَى مِنْهُ أَقَلَّ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ بِهِبَةِ الْفَضْلِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَطَوَّعَ لَهُ الْقَاضِي بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ ذَهَبِهِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَعَانِي الْبُيُوعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ سَلَفٌ ذَهَبًا فَاشْتَرَى مِنْهُ وَرِقًا فَتَقَابَضَاهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ حَالًّا، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ذَهَبٌ إلَى أَجَلٍ فَجَاءَهُ بِهَا وَأَكْثَرَ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ عَادَةً أَوْ غَيْرَ عَادَةٍ، وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ لِرَجُلٍ وَلِلرَّجُلِ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ فَحَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِلَّ فَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا حَلَّ فَجَائِزٌ، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ فَلَا يَجُوزُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ذَهَبٌ حَالًّا فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ عَلَى غَيْرِ بَيْعٍ مُسَمًّى مِنْ الذَّهَبِ فَلَيْسَ بِبَيْعٍ وَالذَّهَبُ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا دَرَاهِمُ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ مِنْهَا أَوْ دِينَارَيْنِ فَتَقَابَضَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَكْرَى مِنْ رَجُلٍ مَنْزِلًا إلَى أَجَلٍ فَتَطَوَّعَ لَهُ الْمُكْتَرِي بِأَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ حَقِّهِ مِمَّا أَكْرَاهُ بِهِ وَذَلِكَ ذَهَبٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ تَطَوَّعَ لَهُ بِأَنْ يُعْطِيَهُ فِضَّةً مِنْ الذَّهَبِ وَلَمْ يَحِلَّ الذَّهَبُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَمَنْ حَلَّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ فَأَخَّرَهَا عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ أَوْ آجَالٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْعِدٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ، وَمَنْ سَلَفَ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ بَاعَ بِهَا ثُمَّ أَبْطَلَهَا السُّلْطَانُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلُ فُلُوسِهِ أَوْ دَرَاهِمِهِ الَّتِي أَسَلَفَ أَوْ بَاعَ بِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الْفُلُوسِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا وَمَنْ أَسَلَفَ رَجُلًا دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهَا بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ دَرَاهِمِهِ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ وَلَا نِصْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ اسْتَسْلَفَهُ نِصْفَ دِينَارٍ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا فَقَالَ خُذْ لِنَفْسِك نِصْفَهُ وَبِعْ لِي بِدَرَاهِمَ فَفَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارِ ذَهَبٍ، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ بِعْهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ خُذْ لِنَفْسِك نِصْفَهُ وَرُدَّ عَلَيَّ نِصْفَهُ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا أَسْلَفَهُ دَرَاهِمَ لَا نِصْفَ دِينَارٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ رَجُلًا ثَوْبًا فَقَالَ أَبِيعُكَهُ بِعِشْرِينَ مِنْ صَرْفِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ صَرْفَ عِشْرِينَ ثَمَنٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِصِفَةٍ وَلَا عَيْنٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ مُنَجَّمَةً أَوْ دَرَاهِمُ فَأَرَادَ أَنْ يَقْبِضَهَا جُمْلَةً فَذَلِكَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَأَعْطَاهُ شَيْئًا يَبِيعُهُ لَهُ غَيْرَ ذَهَبٍ وَيَقْبِضُ مِنْهُ مِثْلَ ذَهَبِهِ فَلَيْسَ فِي هَذَا مِنْ الْمَكْرُوهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْضِيك إلَّا بِأَنْ تَبِيعَ لِي وَمَا أُحِبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلْقَاضِي، وَمَنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ دِينَارٌ فَكَانَ يُعْطِيهِ الدَّرَاهِمَ تَتَهَيَّأُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ مُصَارَفَةٍ حَتَّى إذَا صَارَ عِنْدَهُ قَدْرُ صَرْفِ دِينَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَارِفَهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ إيَّاهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ بَاعَهُ إيَّاهَا فَلَا بَأْسَ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِالدَّرَاهِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ مِنْ الدِّينَارِ وَإِنَّمَا هِيَ حِينَئِذٍ سَلَفٌ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا دَرَاهِمَ، وَإِذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ مَقْرُونَةً بِغَيْرِهَا خَاتَمًا فِيهِ فَصٌّ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ حِلْيَةٌ لِلسَّيْفِ أَوْ مُصْحَفٌ أَوْ سِكِّينٌ فَلَا يُشْتَرَى بِشَيْءٍ مِنْ الْفِضَّةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا

حِينَئِذٍ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ مَجْهُولَةِ الْقِيمَةِ وَالْوَزْنِ وَهَكَذَا الذَّهَبُ وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ مَعَ سَيْفٍ اُشْتُرِيَ بِذَهَبٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَهَبٌ اُشْتُرِيَ بِفِضَّةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ لَمْ يُشْتَرَ بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَاشْتُرِيَ بِالْعَرَضِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى شَيْءٌ فِيهِ فِضَّةٌ مِثْلُ مُصْحَفٍ أَوْ سَيْفٍ وَمَا أَشْبَهَهُ بِذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ صَرْفًا وَبَيْعًا لَا يُدْرَى كَمْ حِصَّةُ الْبَيْعِ مِنْ حِصَّةِ الصَّرْفِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي شِرَاءِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ فِضَّةً لَا يُدْرَى كَمْ هِيَ لَا يَعْرِفُهَا الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي وَتُرَابُ الْمَعْدِنِ وَالصَّاغَةِ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِشَيْءٍ وَمَنْ أَسَلَفَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَصْرِفَهَا مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَفَعَلَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ حِينَ أَسَلَفَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ وَيَتَرَادَّانِ، وَالْمِائَةُ الدِّينَارِ عَلَيْهِ مَضْمُونَةٌ؛ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دِينَارًا أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ فَرَضِيَ الَّذِي لَهُ الدِّينَارُ بِثَوْبٍ مَكَانَ الدِّينَارِ أَوْ طَعَامٍ أَوْ دَرَاهِمَ فَلِلْقَاضِي عَلَى الْمُقَضَّى عَنْهُ الْأَقَلُّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ قِيمَةُ مَا قَضَى عَنْهُ وَمَنْ اشْتَرَى حُلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ عَلَى أَنْ يُقَاصُّوهُ مِنْ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. (قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) : مَعْنَاهَا عِنْدِي أَنْ يَبِيعَهُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ وَأَنْ لَا يُقَاصُّوهُ عِنْدَ الصَّفْقَةِ ثُمَّ يُقَاصُّوهُ بَعْدُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى أَوَّلًا حُلِيًّا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ إلَى أَجَلٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَأَلَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ فِضَّةً لِيُشْرِكَهُ فِيهِ وَيَنْقُدَ عَنْهُ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعَانِ مِنْ الْبُيُوعِ يُحِلُّهُمَا مَا يُحِلُّ الْبُيُوعَ وَيُحَرِّمُهُمَا مَا يُحَرِّمُ الْبُيُوعَ، فَإِنْ وَلَّى رَجُلٌ رَجُلًا حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ أَشْرَكَهُ فِيهِ بَعْدَمَا يَقْبِضُهُ الْمَوْلَى ويتوازناه وَلَمْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ، وَإِذَا كَانَتْ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّنَانِيرُ فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِنْهَا فَالْفَضْلُ لِلْمُعْطِي إلَّا أَنْ يَهَبَهُ لِلْمُعْطَى وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدَعَهُ عَلَى الْمُعْطِي مَضْمُونًا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ أَوْ يَأْخُذَ بِهِ مِنْهُ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لَوْ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ بِعَيْنِهِ وَلَا قَضَاءٍ، وَإِنْ أَعْطَاهُ أَقَلَّ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ فَالْبَاقِي عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ بِهِ شَيْئًا مِمَّا شَاءَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ بِدِينَارٍ فَوَجَدَ دِينَارَهُ نَاقِصًا فَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا وَافِيًا، وَإِنْ تَنَاقَضَا الْبَيْعَ وَبَاعَهُ بَعْدَمَا يَعْرِفُ وَزْنَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهُ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ يُنْقِصَهُ بِقَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا الْمُشْتَرِي. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَضَاءُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فَإِذَا كَانَتْ لِلرَّجُلِ عَلَى رَجُلٍ ذَهَبٌ فَأَعْطَاهُ أَوْ وَزَنَ مِنْهَا مُتَطَوِّعًا فَلَا بَأْسَ وَكَذَلِكَ إنْ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَقَبِلَ مِنْهُ أَنْقَصَ مِنْهَا وَهَذَا لَا يَحِلُّ فِي الْبُيُوعِ وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا فَقَالَ اقْبِضْ نِصْفًا لَك وَأَقِرَّ لِي النِّصْفَ الْآخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ فَأَتَاهُ بِدِينَارٍ فَقَضَاهُ نِصْفًا وَجَعَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي سِلْعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مَوْصُوفَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَلَا بَأْسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الثَّوْبَ بِدِينَارٍ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَّ الدِّينَارُ أَخَذَ بِهِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً إلَى شَهْرَيْنِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَهُوَ حَرَامٌ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ مِنْ قِبَلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَشَرْطَيْنِ فِي شَرْطٍ وَذَهَبٍ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ وَمَنْ رَاطَلَ رَجُلًا ذَهَبًا فَزَادَ مِثْقَالًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الْمِثْقَالَ مِنْهُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْعَرَضِ نَقْدًا أَوْ مُتَأَخِّرًا بَعْدَ أَنْ يَكُون يَصِفُهُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَهُ مِنْهُ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا إذَا قَبَضَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَإِنْ رَجَحَتْ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ صَاحِبُ الْفَضْلِ مِنْهُمَا فَضْلَهُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ الصَّفْقَةِ الْأُولَى، فَإِنْ نَقَصَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ فَتَرَكَ صَاحِبُ الْفَضْلِ فَضْلَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا جَمَعَتْ صَفْقَةُ الْبَيْعِ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ مِثْلُ تَمْرٍ بُرْدِيٍّ وَتَمْرِ عَجْوَةٍ بَيْعًا مَعًا بِصَاعَيْ تَمْرٍ وَصَاعٍ مِنْ هَذَا بِدِرْهَمَيْنِ وَصَاعٍ مِنْ هَذَا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَقِيمَةُ الْبُرْدِيِّ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْعَجْوَةِ سُدُسُ الِاثْنَيْ

عَشَرَ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ صَاعُ الْبَرْنِيِّ وَصَاعُ الْعَجْوَةِ بِصَاعَيْ لَوَّنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ اللَّوْنِ فَكَانَ الْبَرْنِيُّ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ صَاعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ بِسُدُسِ صَاعَيْنِ فَلَا يَحِلُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَرْنِيَّ بِأَكْثَرَ مِنْ كَيْلِهِ وَالْعَجْوَةَ بِأَقَلَّ مِنْ كَيْلِهَا وَهَكَذَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ كَانَ مِائَةَ دِينَارٍ مَرْوَانِيَّةً وَعَشَرَةً مُحَمَّدِيَّةً بِمِائَةِ دِينَارٍ وَعَشْرَةٍ هَاشِمِيَّةً فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قِيَمَ الْمَرْوَانِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيَمِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَهَذَا الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي هَذَا فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَاطِلَ الدَّنَانِيرَ الْهَاشِمِيَّةَ التَّامَّةَ بِالْعِتْقِ النَّاقِصَةَ مِثْلًا بِمِثْلٍ فِي الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ لِهَذِهِ فَضْلُ وَزْنِهَا وَهَذِهِ فَضْلُ عُيُونِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ذَهَبٌ بِوَزْنٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِوَزْنِهَا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَدًا بِيَدٍ وَأَقْصَى حَدٍّ يَدًا بِيَدٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ بَيْعُهُمَا إنْ كَانَا تَبَايَعَا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْمُوَازَنَةُ أَنْ يَضَعَ هَذَا ذَهَبَهُ فِي كِفَّةٍ وَهَذَا ذَهَبَهُ فِي كِفَّةٍ فَإِذَا اعْتَدَلَ الْمِيزَانُ أَخَذَ وَأَعْطَى، فَإِنْ وَزَنَ لَهُ بِحَدِيدَةٍ وَاتَّزَنَ بِهَا مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ إلَّا كَاخْتِلَافِ ذَهَبٍ فِي كِفَّةٍ وَذَهَبٍ فِي كِفَّةٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا أَحْسَبُهُ يَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجَزْته؟ قِيلَ كَمَا أُجِيزَ مِكْيَالًا بِمِكْيَالٍ، وَإِذَا كِيلَ لَهُ مِكْيَالٌ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ آخَرُ، وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ ذَهَبًا بِذَهَبٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا شَاءَ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَاقِيلَ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ مَثَاقِيلَ أَفْرَادٍ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا وَلَا أَقَلُّ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَا بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ عِتْقٍ فَقَضَاهُ شَرًّا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا أَوْ وَزْنِهَا فَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ هَذَا مُتَطَوِّعًا لَهُ بِفَضْلِ عُيُونِ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِهِ وَهَذَا مُتَطَوِّعٌ لَهُ بِفَضْلِ وَزْنِ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا عَنْ شَرْطٍ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ الْقَضَاءِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حِينَئِذٍ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ إلَّا وَزْنًا مِنْ الذَّهَبِ مَعْلُومٌ رُبْعٌ أَوْ ثُلُثٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ حِينَئِذٍ الثَّوْبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِينَارٍ أَوْ ثُلُثَيْ دِينَارٍ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَهُ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمٍ وَلَا دِينَارٍ إلَّا مُدَّ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ حِينَئِذٍ مَجْهُولٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا وَدِرْهَمًا يَرَاهُ وَثَوْبًا وَمُدَّ تَمْرٍ يَرَاهُ بِدِينَارٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا وَذَهَبًا يَرَاهُ فَلَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِيهِ صَرْفًا وَبَيْعًا لَا يَدْرِي حِصَّةَ الْبَيْعِ مِنْ حِصَّةِ الصَّرْفِ فَأَمَّا إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا وَمُدَّ تَمْرٍ بِدِينَارٍ يَرَاهُ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ كُلُّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ دِينَارًا إلَّا دِرْهَمًا وَلَكِنْ يُسَلِّمُ دِينَارًا يَنْقُصُ كَذَا وَكَذَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ ابْتَاعَ بِكَسْرِ دِرْهَمٍ شَيْئًا فَأَخَذَ بِكَسْرِ دِرْهَمِهِ مِثْلَ وَزْنِهِ فِضَّةً أَوْ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ بِنِصْفِ دِينَارٍ مَتَاعًا فَدَفَعَ دِينَارًا وَأَخَذَ فَضْلَ دِينَارِهِ مِثْلَ وَزْنِهِ ذَهَبًا أَوْ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ سَوَاءٌ وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يَحْرُمُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَسَوَاءٌ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ قَلِيلٌ مِنْ الدِّينَارِ أَوْ كَثِيرٌ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُصَارِفَ الرَّجُلُ الصَّائِغَ الْفِضَّةَ بِالْحُلِيِّ الْفِضَّةَ الْمَعْمُولَةَ وَيُعْطِيهِ إجَارَتَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِالْفَصِّ إلَى الصَّائِغِ فَيَقُولُ لَهُ اعْمَلْهُ لِي خَاتَمًا حَتَّى أُعْطِيَك أُجْرَتَك وَقَالَهُ مَالِكٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِائَةَ دِينَارٍ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهَا بِمَكَّةَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَوْ غَيْرِ أَجَلٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا سَلَفَ وَلَا بَيْعَ، السَّلَفُ مَا كَانَ لَك أَخْذُهُ بِهِ وَعَلَيْك قَبُولُهُ وَحَيْثُ أَعْطَاكَهُ وَالْبَيْعُ فِي الذَّهَبِ مَا يَتَقَابَضَاهُ مَكَانَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصِحَّ هَذَا لَهُ فَلْيُسَلِّفْهُ ذَهَبًا، فَإِنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا إلَى مَوْضِعٍ فَقَبِلَ فَقَبَضَهَا فَلَا بَأْسَ وَأَيُّهُمَا أَرَادَ أَنْ

باب في بيع العروض

يَأْخُذَهَا مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ وَسَوَاءٌ فِي أَيِّهِمَا كَانَ لَهُ فِيهِ الْمُرْفَقُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَمَنْ أَسَلَفَ سَلَفًا فَقَضَى أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ مَعًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ السَّلَفِ وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدًا وَلَمْ يَحْلِفْ وَالْغَرِيمُ يَجْحَدُ ثُمَّ سَأَلَهُ الْغَرِيمُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمَالِ إلَى سَنَةٍ، فَإِنْ قَالَ لَا أُقِرُّ لَك بِهِ إلَّا عَلَى تَأْخِيرٍ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَالَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَأَكْرَهُهُ لِلْغَرِيمِ [بَابٌ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَمَّا «الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّعَامِ مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَلَا مَعْنًى يُعْرَفُ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ أَنِّي إذَا ابْتَعْت مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَبْتَاعُ مِنْهُ عَيْنًا أَوْ مَضْمُونًا، وَإِذَا ابْتَعْت مِنْهُ مَضْمُونًا فَلَيْسَتْ بِعَيْنٍ وَقَدْ يُفْلِسُ فَأَكُونُ قَدْ بِعْت شَيْئًا ضَمَانُهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَيْته مِنْهُ وَإِنَّمَا بِعْته قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي تَصَرُّفِي وَمِلْكِي تَامًّا وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَبِيعَ مَا لَا أَمْلِكُ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ عَيْنًا فَلَوْ هَلَكَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَإِذَا بِعْتهَا وَلَمْ يَتِمَّ مِلْكُهَا إلَيَّ بِأَنْ يَكُونَ ضَمَانُهَا مِنِّي بِعْته مَا لَمْ يَتِمَّ لِي مِلْكُهُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يَتِمَّ لِي مِلْكُهُ وَمَعَ هَذَا أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَيْته مِنْهُ فَإِذَا بِعْتُ، بِعْتُ شَيْئًا مَضْمُونًا عَلَى غَيْرِي، فَإِنْ زَعَمْت أَنِّي ضَامِنٌ فَعَلَيَّ مِنْ الضَّمَانِ مَا عَلَى دُونِ مَنْ اشْتَرَيْت مِنْهُ أَرَأَيْت إنْ هَلَكَ ذَلِكَ فِي يَدِي الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ أَيُؤْخَذُ مِنِّي شَيْءٌ؟ ، فَإِنْ قَالَ لَا، قِيلَ فَقَدْ بِعْت مَا لَا تَضْمَنُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا أَضْمَنُ. وَإِنْ قِيلَ بَلْ أَنْتَ ضَامِنٌ فَلَيْسَ هَكَذَا بَيْعُهُ كَيْفَ أَضْمَنُ شَيْئًا قَدْ ضَمِنْته لَهُ عَلَى غَيْرِي؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا شَيْءٌ مِمَّا وَصَفْت دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى الطَّعَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وَقَالَ {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] فَكُلُّ بَيْعٍ كَانَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ جَائِزٌ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي جَمِيعِ الْبُيُوعِ إلَّا بَيْعًا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يَدًا بِيَدٍ وَالْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ فِي مَعْنَى الْمَأْكُولِ فَكُلُّ مَا أَكَلَ الْآدَمِيُّونَ وَشَرِبُوا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ إنْ كَانَ وَزْنًا فَوَزْنٌ، وَإِنْ كَانَ كَيْلًا فَكَيْلٌ يَدًا بِيَدٍ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَجَمِيعُ الْمَأْكُولِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْعَرَايَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَأْكُولِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِمَّا لَيْسَ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضِ الرِّبَا فَلَا بَأْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهُ بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً، وَإِذَا جَازَ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَلَا بَأْسَ بِجُزَافٍ مِنْهُ بِجُزَافٍ وَجُزَافٍ بِمَعْلُومٍ وَكُلُّ مَا أَكَلَهُ الْآدَمِيُّونَ دَوَاءٌ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَأْكُولِ مِثْلُ الْإِهْلِيلِجِ وَالثُّفَّاءِ وَجَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ (قَالَ) : وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا أَكَلَتْهُ الْبَهَائِمُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ الْآدَمِيُّونَ مِثْلُ الْقَرَظِ وَالْقَضْبِ وَالنَّوَى وَالْحَشِيشِ وَمِثْلُ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ مِثْلُ الْقَرَاطِيسِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا وَمِثْلُ الْحَيَوَانِ فَلَا بَأْسَ بِفَضْلِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً تَبَاعَدَتْ أَوْ تَقَارَبَتْ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ الْبُيُوعِ وَخَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَدَاخِلٌ فِي نَصِّ إحْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ بَعِيرًا لَهُ بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ بِالرَّبَذَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَاعَ بَعِيرًا يُقَالُ لَهُ عُصَيْفِير بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إلَى أَجَلٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ وَإِنَّمَا نَهَى مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ بَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ شَكَّ الرَّبِيعُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ شَكَكْت عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ بَيْعِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا هُمْ فَكَانُوا يَتَبَايَعُونَ الدِّرْعَ بِالْأَدْرَاعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالْبَعِيرِ بِالْبَعِيرَيْنِ مِثْلِهِ وَأَكْثَرَ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً فَإِذَا تَنَحَّى عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى مَا لَا يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَالنَّقْدُ مِنْهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ. وَلَا بَأْسَ بِاسْتِسْلَافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ إلَّا الْوَلَائِدَ وَإِنَّمَا كَرِهْت اسْتِسْلَافَ الْوَلَائِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَسْلَفَ أَمَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْنِهَا فَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْنِهَا وَجَعَلْته مَالِكًا لَهَا بِالسَّلَفِ جَعَلْته يَطَؤُهَا وَيَرُدُّهَا وَقَدْ حَاطَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثُمَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ الْفُرُوجَ فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ وَالنِّكَاحُ حَلَالٌ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْلُوَ بِهَا رَجُلٌ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ وَلَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ غَيْرَهَا جَعَلَ الْأَمْوَالَ مَرْهُونَةً وَمَبِيعَةً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمَرْأَةَ هَكَذَا حَتَّى حَاطَهَا فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهَا بِالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ فَفَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمِ الْفُرُوجِ وَغَيْرِهَا بِمَا فَرَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ غَنَمًا بِدَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّتْ الدَّنَانِيرُ فَأَعْطَاهُ بِهَا غَنَمًا مِنْ صِنْفِ غَنَمِهِ أَوْ غَيْرِ صِنْفِهَا فَهُوَ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا وَلَا تَكُونُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فِي مَعْنَى مَا اُبْتِيعَ بِهِ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَ وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ بِصِفَةٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالسَّلَفُ فِيهَا اشْتِرَاءٌ لَهَا وَشِرَاؤُهَا غَيْرُ اسْتِلَافِهَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْوَلَائِدِ وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُسَلِّفِ مَأْمُونًا فِي الظَّاهِرِ أَنْ يَعُودَ. وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّفَ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا نِتَاجِ مَاشِيَةٍ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ وَلَا يَكُونُ، وَمَنْ سَلَّفَ فِي عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ فَلَمَّا حَلَّ أَجَلُهُ سَأَلَهُ بَائِعُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بِعَرَضٍ كَانَ ذَلِكَ الْعَرَضُ مُخَالِفًا لَهُ أَوْ مِثْلَهُ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ. وَإِذَا سَلَّفَ الرَّجُلُ فِي عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَ لَهُ الْمُسَلِّفُ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ فَلَا بَأْسَ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُعَجِّلَهُ لَهُ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ وَلَا فِي أَنْ يُعَجِّلَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ الْمُسَلِّفُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ يُحْدِثَانِهِ غَيْرُ الْبِيَعِ الْأُولَى وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي سَلَّفَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ يُحْدِثُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ مِثْلَ شَرْطِهِمَا أَوْ أَكْثَرَ فَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ أَقَلَّ مِنْ شَرْطِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ كَمَا أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ بَعْدَ مَحِلِّهِ جَازَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ عَلَى شَرْطٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُهُ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهُ وَكَذَلِكَ لَا يَأْخُذُ بَعْضَ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ وَعَرَضًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ بَعْضُهُ وَمَنْ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ فَأَتَاهُ الْمُسَلِّفُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ بِأَرْفَعَ مِنْ شَرْطِهِ فَلَهُ قَبْضُهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ شِرَاءُ مَا لَمْ يُعْلَمْ كَأَنَّهُ سَلَّفَهُ عَلَى صَاعٍ إلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَيَشْتَرِيَ هَذَا شِرَاءً جَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ شِرَاءُ مَا لَمْ يُعْلَمْ كَأَنَّهُ سَلَّفَهُ عَلَى صَاعِ عَجْوَةٍ جَيِّدَةٍ فَلَهُ أَدْنَى الْجَيِّدِ فَجَاءَهُ بِالْغَايَةِ مِنْ الْجَيِّدِ وَقَالَ زِدْنِي شَيْئًا فَاشْتَرَى مِنْهُ الزِّيَادَةَ وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَا هِيَ كَيْلٌ زَادَهُ فَيَزِيدُهُ وَلَا هِيَ مُنْفَصِلَةٌ مِنْ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ إذَا زَادَهُ اشْتَرَى مَا لَا يَعْلَمُ وَاسْتَوْفَى مَا لَا يَعْلَمُ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَوْ أَسَلَفَهُ فِي عَجْوَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَيْحَانِيًّا مَكَانَ الْعَجْوَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ الْعَجْوَةِ بالصيحاني قَبْلَ أَنْ تُقْبَضْ وَقَدْ «نَهَى

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ» . وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ سَلَّفَ فِيهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ أَدْنَى مِنْ شَرْطِهِ وَأَعْلَى مِنْ شَرْطِهِ إذَا تَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جِنْسٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا سَلَّفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَيْعُ مَا اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (قَالَ) : وَلَا يَأْخُذُ إذَا سَلَّفَ فِي جَيِّدٍ رَدِيئًا عَلَى أَنْ يَزْدَادَ شَيْئًا وَالْعِلَّةُ فِيهِ كَالْعِلَّةِ فِي أَنْ يَزِيدَهُ وَيَأْخُذَ أَجْوَدَ، وَإِذَا أَسَلَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي عَرَضٍ فَدَفَعَ الْمُسَلَّفُ إلَى الْمُسَلِّفِ ثَمَنَ ذَلِكَ الْعَرَضِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ وَيَقْبِضَهُ كَرِهْت ذَلِكَ فَإِذَا اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ بَرِئَ مِنْهُ الْمُسَلِّفُ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ إذَا تَصَادَقَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي كُلِّ مَا أَسَلَفَ فِيهِ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ إذَا حَلَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِصِفَةٍ نَقْدًا وَقَدْ قَالَ هَذَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَإِذَا سَلَّفَ رَجُلٌ فِي صُوفٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَلِّفَ فِيهِ إلَّا بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَلِّفَ فِيهِ عَدَدًا لِاخْتِلَافِهِ وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ فِيهَا بِأَنْ يُعْطِيَهُ الْبَائِعُ شَيْئًا أَوْ يُعْطِيَهُ الْمُشْتَرِي نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى ازْدِيَادٍ وَلَا نَقْصٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ فَسْخُ بَيْعٍ وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا فَاسْتَقَالَهُ عَلَى أَنْ يُنْظِرَهُ بِالثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّظِرَةَ ازْدِيَادٌ وَلَا خَيْرَ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا تَأْخِيرَ فِي كِرَاءٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَكَذَا إنْ بَاعَهُ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ فَلَمْ يَقُلْهُ إلَّا عَلَى أَنْ يُشْرِكَهُ الْبَائِعُ وَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْعٌ وَهَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَلَكِنَّهُ إنْ شَاءَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي النِّصْفِ أَقَالَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالسَّلَفِ وَغَيْرِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ، فَإِذَا تَفَرَّقَا أَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَاخْتَارَ الْبَيْعَ فَقَدْ انْقَطَعَ الْخِيَارُ وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ بَعْضَ مَا سَلَّفَ فِيهِ وَأَقَالَ الْبَائِعَ مِنْ الْبَاقِي فَلَا بَأْسَ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ حَيَوَانًا أَوْ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَأَعْطَاهُ نِصْفَ رَأْسِ مَالِهِ وَأَقَالَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَهُ بِلَا زِيَادَةٍ ازْدَادَهَا وَلَا نُقْصَانٍ يَنْقُصُهُ فَلَا بَأْسَ. (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْبُيُوعِ إلَّا ثَلَاثَةٌ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنِهَا حَاضِرَةً وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ فَإِذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِيهَا وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُبَاعَ الْعَيْنُ الْغَائِبَةُ بِصِفَةٍ وَلَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُدْرَكُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَيَبْتَاعُ الرَّجُلُ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ وَأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ قَبْلَ أَنْ تُدْرَكَ فَلَا تَكُونُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَيَبْتَاعُ الرَّجُلُ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ وَأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ قَبْلَ أَنْ تُدْرَكَ فَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً وَالْبَيْعُ الثَّالِثُ صِفَةٌ مَضْمُونَةٌ إذَا جَاءَ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَتْ مُشْتَرِيَهَا وَيُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ. (قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) : الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَيَعْمَلُ بِهِ أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعَانِ بَيْعُ عَيْنٍ حَاضِرَةٍ تُرَى أَوْ بَيْعُ مَضْمُونٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا (قَالَ الرَّبِيعُ) : قَدْ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَيْعِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ وَزَعَمَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَكِنَّهُ زَعْمٌ تَبِعَ الْأَثَرَ وَمَحْمُودٌ مِنْهُ أَنْ يَتْبَعَ الْأَثَرَ الصَّحِيحَ فَلَمَّا سَأَلَ عَنْ الْأَثَرِ إذَا هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ امْرَأَتِهِ عَالِيَةَ بِنْتِ أَنْفَعَ أَنَّهَا دَخَلَتْ مَعَ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَذَكَرَتْ لِعَائِشَةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ بَاعَ شَيْئًا إلَى الْعَطَاءِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ بِهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يَتُوبَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ رَوَاهُ عَنْ امْرَأَتِهِ فَقِيلَ فَتَعْرِفُ امْرَأَتَهُ بِشَيْءٍ يُثْبِتُ بِهِ حَدِيثَهَا فَمَا عَلِمْته قَالَ شَيْئًا فَقُلْت تَرُدُّ حَدِيثَ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ مُهَاجِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْفَضْلِ

بِأَنْ تَقُولَ: حَدِيثُ امْرَأَةٍ وَتَحْتَجُّ بِحَدِيثِ امْرَأَةٍ لَيْسَتْ عِنْدَك مِنْهَا مَعْرِفَةٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ زَوْجَهَا رَوَى عَنْهَا وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ مَنْ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ هَلْ كَانَ أَكْثَرُ مَا فِي هَذَا إلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَعَائِشَةَ اخْتَلَفَا؛ لِأَنَّك تَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لَا يَبِيعُ إلَّا مَا يَرَاهُ حَلَالًا لَهُ وَرَأَتْهُ عَائِشَةُ حَرَامًا وَزَعَمْت أَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ قَوْلِ زَيْدٍ فَكَيْفَ لَمْ تَذْهَبْ إلَى قَوْلِ زَيْدٍ وَمَعَهُ الْقِيَاسُ وَأَنْتَ تَذْهَبُ إلَى الْقِيَاسِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ فَتَتْرُكُ بِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ؟ قَالَ أَفَلَيْسَ قَوْلُ عَائِشَةَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ زَيْدٍ؟ قِيلَ مَا تَدْرِي لَعَلَّهَا إنَّمَا خَالَفَتْهُ فِي أَنَّهُ بَاعَ إلَى الْعَطَاءِ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ بِهَا فَلَعَلَّهَا لَمْ تُخَالِفْهُ فِيهِ قَطُّ لَعَلَّهَا رَأَتْ الْبَيْعَ إلَى الْعَطَاءِ مَفْسُوخًا وَرَأَتْ بَيْعَهُ إلَى الْعَطَاءِ لَا يَجُوزُ فَرَأَتْهُ لَمْ يَمْلِكْ مَا بَاعَ وَلَا بَأْسَ فِي أَنْ يُسْلِفَ الرَّجُلُ فِيمَا لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ، وَإِذَا أَرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلْعَةَ فَقَالَ اشْتَرِ هَذِهِ وَأُرْبِحْك فِيهَا كَذَا فَاشْتَرَاهَا الرَّجُلُ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَاَلَّذِي قَالَ أُرْبِحْك فِيهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَحْدَثَ فِيهَا بَيْعًا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَهَكَذَا إنْ قَالَ اشْتَرِ لِي مَتَاعًا وَوَصَفَهُ لَهُ أَوْ مَتَاعًا أَيَّ مَتَاعٍ شِئْت وَأَنَا أُرْبِحْك فِيهِ فَكُلُّ هَذَا سَوَاءٌ يَجُوزُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَيَكُونُ هَذَا فِيمَا أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ بِالْخِيَارِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا وَصَفْتُ إنْ كَانَ قَالَ أَبْتَاعُهُ وَأَشْتَرِيهِ مِنْك بِنَقْدٍ أَوْ دَيْنٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَيَكُونَانِ بِالْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الْآخَرِ، فَإِنْ جَدَّدَاهُ جَازَ، وَإِنْ تَبَايَعَا بِهِ عَلَى أَنْ أَلْزَمَا أَنْفُسَهُمَا الْأَمْرَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَبَايَعَاهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ الْبَائِعُ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى مُخَاطَرَةِ أَنَّك إنْ اشْتَرَيْتَهُ عَلَى كَذَا أُرْبِحْك فِيهِ كَذَا، وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَقَبَضَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ وَإِلَى أَجَلٍ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُعَيَّنَيْنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنَيْنِ. وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ فَتَسَوَّمَ بِهَا الْمُبْتَاعُ فَبَارَتْ عَلَيْهِ أَوْ بَاعَهَا بِوَضْعٍ أَوْ هَلَكَتْ مِنْ يَدِهِ فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا أَوْ يَهَبَهَا كُلَّهَا فَذَلِكَ إلَى الْبَائِعِ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الثَّمَنَ لَهُ لَازِمٌ، فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ اللَّازِمِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَتْرُكْ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا عَنْ عَادَةٍ اعْتَادَهَا أَوْ غَيْرِ عَادَةٍ وَسَوَاءٌ أَحْدَثَا هَذَا فِي أَوَّلِ بَيْعَةٍ تَبَايَعَا بِهِ أَوْ بَعْدَ مِائَةِ بَيْعَةٍ لَيْسَ لِلْعَادَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا مَعْنًى يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَكَذَلِكَ الْمَوْعِدُ، إنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ عَقَدَ الْبَيْعَ عَلَى مَوْعِدٍ أَنَّهُ إنْ وَضَعَ فِي الْبَيْعِ وَضَعَ عَنْهُ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ تَفْسُدُ الْبُيُوعُ أَبَدًا وَلَا النِّكَاحُ وَلَا شَيْءٌ أَبَدًا إلَّا بِالْعَقْدِ فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا صَحِيحًا لَمْ يُفْسِدْهُ شَيْءٌ تَقَدَّمَهُ وَلَا تَأَخَّرَ عَنْهُ كَمَا إذَا عَقَدَا فَاسِدًا لَمْ يُصْلِحْهُ شَيْءٌ تَقَدَّمَهُ وَلَا تَأَخَّرَ عَنْهُ إلَّا بِتَجْدِيدِ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ الدِّينَارَ عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ إلَّا أَنْ يَبِيعَ الطَّعَامَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُعْطِيَهُ مَا بَاعَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ وَلَوْ بَاعَهُ إلَى شَهْرٍ وَلَمْ يَشْرِطْ فِي الْعَقْدِ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لَهُ إنْ بِعْتَهُ أَعْطَيْتُك قَبْلَ الشَّهْرِ، كَانَ جَائِزًا وَكَانَ مَوْعِدًا، إنْ شَاءَ وَفَّى لَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَتَّى يَكُونَ فِي الْعَقْدِ، وَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ طَعَامًا سَمَّى الثَّمَنَ إلَى أَجَلٍ وَالطَّعَامُ نَقْدٌ وَقَبَضَ الطَّعَامَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الطَّعَامَ بِحَدَاثَةِ الْقَبْضِ وَبَعْدَ زَمَانٍ إذَا صَارَ مِنْ ضَمَانِهِ مِنْ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَبِنَقْدٍ وَإِلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ الْآخِرَةَ غَيْرُ الْبَيْعَةِ الْأُولَى، وَإِذَا سَلَّفَ رَجُلٌ فِي الْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ الَّذِي يَتَغَيَّرُ إلَى أَجَلٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُهُ فَإِذَا حَلَّ أَجَلُهُ جُبِرَ عَلَى قَبَضَهُ وَسَوَاءٌ عَرَضَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ بِسَاعَةٍ أَوْ بِسَنَةٍ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الرِّضَا بِقَبْضِهِ فَلَا بَأْسَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ بِسَنَةٍ أَوْ بِسَاعَةٍ. وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِ غَائِبًا عَنْهُ وَالْمُشْتَرِي يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَهُوَ

باب في بيع الغائب إلى أجل

مَضْمُونٌ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ مِنْ عَيْبٍ وَمِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَسَوَاءٌ وُصِفَ لَهُ أَوْ لَمْ يُوصَفْ إذَا اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ وَهُوَ شِرَاءُ عَيْنٍ وَلَوْ جَاءَ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ رَآهُ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَسَوَاءٌ أَدْرَكْتهَا بِالصِّفَةِ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَجَاءَهُ بِالصِّفَةِ لَزِمَتْ الْمُشْتَرِيَ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَذَلِكَ أَنَّ شِرَاءَهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَوْ وَجَدَ تِلْكَ الصِّفَةَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهَا إذَا أَعْطَاهُ صِفَةً غَيْرَهَا وَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ شِرَاءِ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ الْأَعْيَانُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَوِّلَ الشِّرَاءَ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُبْتَاعُ وَالصِّفَاتُ يَجُوزُ أَنْ تُحَوَّلُ صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا إذَا أَوْفَى أَدْنَى صِفَةٍ وَيَجُوزُ النَّقْدُ فِي الشَّيْءِ الْغَائِبِ وَفِي الشَّيْءِ الْحَاضِرِ بِالْخِيَارِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ بِسَبِيلٍ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الشَّيْءَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ تَطَوَّعَ بِالنَّقْدِ فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا اشْتَرَى وَلَمْ يُسَمِّ أَجَلًا فَهُوَ بِنَقْدٍ وَلَا أُلْزِمُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا اشْتَرَى، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ أَوْ الْعَبْدَ وَقَدْ رَآهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ وَأَبْرَأ الْبَائِعَ مِنْ عَيْبٍ بِهِ ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ فَقَالَ قَدْ زَادَ الْعَيْبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَلَا تُبَاعُ السِّلْعَةُ الْغَائِبَةُ عَلَى أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ فَعَلَى صَاحِبِهَا مِثْلُهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ لِغَائِبٍ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ تَقَعُ الصَّفْقَةُ، فَإِنْ قَالَ أَشْتَرِيهَا مِنْك إلَى شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ أَقْبِضُ السِّلْعَةَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْبِضُهَا فِي يَوْمِهِ وَيَقْبِضُهَا بَعْدَ شَهْرٍ وَأَكْثَرَ. [بَابٌ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ إلَى أَجَلٍ] ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا لَهُ غَائِبًا بِذَهَبٍ دَيْنًا لَهُ عَلَى آخَرَ أَوْ غَائِبَةً عَنْهُ بِبَلَدٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا وَدَفَعَهُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَيُرْضِيَ الْآخَرَ بِحَوَالَةٍ عَلَى رَجُلٍ فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ وَيَقُولُ: خُذْ ذَهَبِي الْغَائِبَةَ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْهَا فَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ لَهَا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا أَجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَبَيْعٌ بِغَيْرِ مُدَّةٍ وَمُحَوَّلًا فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَتَى حَائِكًا فَاشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى مَنْسَجِهِ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ بَعْضُهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، نَقَدَهُ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُخْرِجُ بَاقِيَ الثَّوْبِ وَهَذَا لَا بَيْعُ عَيْنٍ يَرَاهَا وَلَا صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الدَّارِ حَاضِرَةً وَغَائِبَةً وَنَقْدِ ثَمَنِهَا، وَمُذَارَعَةً وَغَيْرَ مُذَارَعَةٍ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ. (قَالَ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ بِالْخِيَارِ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ حَتَّى يَرُدَّ السِّلْعَةَ كَمَا أَخَذَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا مَعًا، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ فَلَيْسَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الْخِيَارُ أَنْ يَرُدَّ إنَّمَا يَرُدُّ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ. (قَالَ) : وَبَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزٌ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً فَلِلْمُشْتَرِي قَبْضُهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَضْعُهَا لِلِاسْتِبْرَاءِ وَيَسْتَبْرِئُهَا الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ، وَإِذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ وَفِي مِلْكِهِ، وَإِذَا حَالَ الْبَائِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ يَسْتَبْرِئُهَا فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَضَعُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي فِيهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَائِعِ حَتَّى يَرُدَّهَا الْمُشْتَرِي أَوْ يَتَفَاسَخَا الْبَيْعَ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِالْخِيَارِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى رِضَا الْمَبِيعِ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ رَضِيَ الْمَبِيعُ لَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ جَعَلَ الرَّدَّ إلَى غَيْرِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ وَكِيلًا بِرَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ فَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ عَنْ أَمْرِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً عَلَى رِضَا غَيْرِهِ كَانَ لِلَّذِي شُرِطَ لَهُ الرِّضَا الرَّدُّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ حَتَّى يَقُولَ قَدْ

باب ثمر الحائط يباع أصله

اسْتَأْمَرْتُ فَأُمِرْتُ بِالرَّدِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا بَعْدَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ إلَى سَنَةٍ وَتَتْلَفُ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطَ رُكُوبَهَا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ (قَالَ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطَ عِقَاقَهَا وَلَوْ قَالَ هِيَ عَقُوقٌ وَلَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ وَلَدَ جَارِيَتِهِ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ رَضَاعَهُ وَمُؤْنَتَهُ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ سَنَةٍ فَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا لِلْمُشْتَرِي فَضْلُ الرَّضَاعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ وَقْعٌ لَا يَعْرِفُ حِصَّتَهُ مِنْ حِصَّةِ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا مِنْ الْبَائِعِ كَانَ عَيْنًا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ وَيَكُونُ دُونَهَا وَبَيْعٌ وَإِجَارَةٌ [بَابُ ثَمَرِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ] ُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِيهِ دَلَالَاتٌ إحْدَاهَا لَا يُشْكَلُ فِي أَنَّ الْحَائِطَ إذَا بِيعَ وَقَدْ أُبِّرَ نَخْلُهُ فَالثَّمَرَةُ لِبَائِعِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا مُبْتَاعُهُ فَيَكُونُ مِمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ. (قَالَ) : وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْحَائِطَ إذَا بِيعَ وَلَمْ يُؤَبَّرْ نَخْلُهُ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ حَدَّ فَقَالَ «إذَا أُبِّرَ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ» فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ حُكْمَهُ إذَا لَمْ يُؤَبَّرْ غَيْرُ حُكْمِهِ إذَا أُبِّرَ وَلَا يَكُونُ مَا فِيهِ إلَّا لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي لَا لِغَيْرِهِمَا وَلَا مَوْقُوفًا فَمَنْ بَاعَ حَائِطًا لَمْ يُؤَبَّرْ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ شَرْطٍ اسْتِدْلَالًا مَوْجُودًا بِالسُّنَّةِ (قَالَ) : وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ فَحْلِ نَخْلٍ أَوْ فُحُولٍ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ إنَاثُ النَّخْلِ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَمَنْ بَاعَ فَحْلًا قَبْلَ أَنْ تُؤَبَّرَ إنَاثُ النَّخْلِ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي (قَالَ) : وَالْحَوَائِطُ تَخْتَلِفُ بِتِهَامَةَ وَنَجْدٍ وَالسَّقِيفِ فَيَسْتَأْخِرُ إبَارُ كُلِّ بَلَدٍ بِقَدْرِ حَرِّهَا وَبَرْدِهَا وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إبَّانِهَا فَمَنْ بَاعَ حَائِطًا مِنْهَا لَمْ يُؤَبَّرْ فَثَمَرُهُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ أُبِّرَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ لَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ نَخْلُ الرَّجُلِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ فِي حِظَارٍ وَاحِدٍ أَوْ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ حِظَارٍ فَبَدَا صَلَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُ، حَلَّ بَيْعُهُ وَلَوْ كَانَ إلَى جَنْبِهِ حَائِطٌ لَهُ آخَرُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَبَدَا صَلَاحُ حَائِطِ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ إلَى جَنْبِهِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُ ثَمَرِ حَائِطِهِ بِحُلُولِ بَيْعِ الَّذِي إلَى جَنْبِهِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُرَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ وَأَقَلُّ الْإِبَارِ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ الْإِبَارُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَنَّهُ قَدْ أُبِّرَ كَمَا أَنَّهُ إذَا بَدَا صَلَاحُ شَيْءٍ مِنْهُ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ وَاسْمُ أَنَّهُ قَدْ أُبِّرَ فَيَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا يُنْتَظَرُ آخِرُهُ بَعْدَ أَنْ يُرَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِهِ. (قَالَ) : وَالْإِبَارُ التَّلْقِيحُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ طَلْعِ الْفَحْلِ فَيُدْخِلُهُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ طَلْعِ الْإِنَاثِ مِنْ النَّخْلِ فَيَكُونُ لَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ صَلَاحًا (قَالَ) : وَالدَّلَالَة بِالسُّنَّةِ فِي النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يُؤَبَّرَ وَبَعْدَ الْإِبَارِ فِي أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ مِثْلُ الدَّلَالَةِ بِالْإِجْمَاعِ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ وَذَاتِ الْحَمْلِ مِنْ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ كُلَّ ذَاتِ

حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ الْبَهَائِمِ بِيعَتْ فَحَمْلُهَا تَبَعٌ لَهَا كَعُضْوٍ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ بِلَا حِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزَايِلْهَا، وَمَنْ بَاعَهَا وَقَدْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ غَيْرُهَا، وَهُوَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ، وَكَانَتْ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُخَالِفُ الثَّمَرُ لَمْ يُؤَبَّرْ الْجَنِينَ فِي أَنَّ لَهُ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَلَيْسَتْ لِلْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَوْلَا مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ لَمَا كَانَ الثَّمَرُ قَدْ طَلَعَ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَطْعِهِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَجَرِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُبَاحًا مِنْهُ وَالْجَنِينُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ حَتَّى يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلَا يُبَاحُ لِأَحَدٍ إخْرَاجُهُ وَإِنَّمَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا حَيْثُ اجْتَمَعَا فِي بَعْضِ حُكْمِهِمَا بِأَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ فِي الثَّمَرِ لَمْ يُؤَبَّرْ كَمَعْنَى الْجَنِينِ فِي الْإِجْمَاعِ فَجَمْعُنَا بَيْنَهُمَا خَبَرًا لَا قِيَاسًا إذْ وَجَدْنَا حُكْمَ السُّنَّةِ فِي الثَّمَرِ لَمْ يُؤَبَّرْ كَحُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا فِيهِ تَمْثِيلًا لِيَفْقَهَهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَى شَيْءٍ بَلْ الْأَشْيَاءُ تَكُونُ لَهُ تَبَعًا. (قَالَ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ أَصْلَ حَائِطٍ، وَقَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُ إنَاثِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ فَأَخَّرَ إبَارَهُ وَقَدْ أُبِّرَ غَيْرُهُ مِمَّنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا تَأَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْإِبَارِ وَظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ وَرُئِيَتْ بَعْدَ تَغْيِيبِهَا فِي الْجُفِّ قَالَ، وَإِذَا بَدَأَ فِي إبَارِ شَيْءٍ مِنْهُ كَانَ جَمِيعُ ثَمَرِ الْحَائِطِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ كَمَا يَكُونُ إذَا رُئِيَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَائِطِ الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ لَمْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ. (قَالَ) : وَالْكُرْسُفُ إذَا بِيعَ أَصْلُهُ كَالنَّخْلِ إذَا خَرَجَ مِنْ جَوْزِهِ وَلَمْ يَنْشَقَّ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا انْشَقَّ جَوْزُهُ فَهُوَ لِلْبَائِعِ كَمَا يَكُونُ الطَّلْعُ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّمَرَةَ لِلْبَائِعِ إذَا أَبَّرَ فَكَيْفَ قُلْت يَكُونُ لَهُ إذَا اسْتَأْبَرَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَبَّرْ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا مَعْنَى لِلْإِبَارِ إلَّا وَقْتَهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُوجِبُ الثَّمَرَةَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا بِأَنْ يَأْبُرَهَا، فَاخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي انْبَغَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي شَيْئًا قَدْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَانْبَغَى إنْ تَصَادَقَا أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَرُ كُلِّ نَخْلَةٍ أَبَّرَهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ ثَمَرُ نَخْلَةٍ لَمْ يَأْبُرْهَا. (قَالَ) : وَمَا قُلْت مِنْ هَذَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي السُّنَّةِ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَذَلِكَ إذَا احْمَرَّ أَوْ بَعْضُهُ، وَذَلِكَ وَقْتٌ يَأْتِي عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَائِطًا مُثْمِرًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُبْتَاعُ الثَّمَرَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْبَائِعُ الثَّمَرَ وَلَمْ يَذْكُرَاهُ فَلَمَّا ثَبَتَ الْبَيْعُ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَرِ فَاحْتُكِمَا فِيهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى بِالثَّمَرِ لِلَّذِي لَقَّحَ النَّخْلَ لِلْبَائِعِ» (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْعَبْدِ لَهُ الْمَالُ وَفِي النَّخْلِ الْمُثْمِرِ يُبَاعَانِ وَلَا يَذْكُرَانِ مَالَهُ وَلَا ثَمَرَهُ هُوَ لِلْبَائِعِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ إنْسَانًا بَاعَ رَقَبَةَ حَائِطٍ مُثْمِرٍ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَرَةَ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي أَوْ عَبْدًا لَهُ مَالٌ كَذَلِكَ فَلَمَّا ثَبَتَ الْبَيْعُ قَالَ الْمُبْتَاعُ إنِّي أَرَدْت الثَّمَرَ قَالَ لَا يُصَدَّقُ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ؟ قَالَ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ نَوَى فِي نَفْسِهِ أَنَّ مَالَهُ لَا يُعْتَقُ مَعَهُ فَمَالُهُ كُلُّهُ لِسَيِّدِهِ وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فِي الثَّمَرَةِ وَالْعَبْدِ. (قَالَ) : وَإِذَا بِيعَتْ رَقَبَةُ الْحَائِطِ وَقَدْ أُبِّرَ شَيْءٌ مِنْ نَخْلِهِ فَثَمَرَةُ ذَلِكَ النَّخْلِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُ مَا لَمْ

يُؤَبَّرْ وَلَمْ يَطْلُعْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ ثَمَرَةِ ذَلِكَ النَّخْلِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ كَمَا يَكُونُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ (قَالَ) : وَلَوْ أُصِيبَتْ الثَّمَرَةُ فِي يَدَيْ مُشْتَرِي رَقَبَةِ الْحَائِطِ بِجَائِحَةٍ تَأْتِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَرَةِ الْمُصَابَةِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَلَمْ لَا يَرْجِعْ بِهَا وَلَهَا مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةٌ؟ قِيلَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا جَازَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تُبَاعُ مُنْفَرِدَةً لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا حَتَّى تَحْمَرَّ فَلَمَّا كَانَتْ تَبَعًا فِي بَيْعِ رَقَبَةِ الْحَائِطِ حَلَّ بَيْعُهَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ رَقَبَةِ الْحَائِطِ وَنَخْلِهِ الَّذِي يَحِلُّ بَيْعُ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ وَكَانَتْ مَقْبُوضَةً لِقَبْضِ النَّخْلِ وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ بِهَا كَالْمُصِيبَةِ بِالنَّخْلِ، وَالْمُشْتَرِي لَوْ أُصِيبَ بِالنَّخْلِ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهَا كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ، فَإِنْ ابْتَاعَ رَجُلٌ حَائِطًا فِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ كَانَ لَهُ مَعَ النَّخْلِ أَوْ شَرَطَهُ بَعْدَمَا أُبِّرَ، فَكَانَ لَهُ بِالشَّرْطِ مَعَ النَّخْلِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أُصِيبَ بَعْضُ الثَّمَرِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ كَمَا اشْتَرَى، أَوْ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِحَسَبِ ثَمَنِ الْحَائِطِ أَوْ الثَّمَرَةِ فَيَنْظُرَكُمْ حِصَّةُ الْمُصَابِ مِنْهَا؟ فَيُطْرَحُ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِائَةً وَالْمُصَابُ عُشْرَ الْعُشْرِ مِمَّا اشْتَرَى طُرِحَ عَنْهُ دِينَارٌ مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ لَا مِنْ قِيمَةِ الْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ خَرَجَ مِنْ عُقْدَةِ الْبَيْعِ بِالْمُصِيبَةِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ بِعَيْنِهِ مِنْ نَبَاتٍ، أَوْ نَخْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَمَا أُصِيبَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَقَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ إلَيْهِ كَمَا اشْتَرَى بِكَمَالِهِ أَوْ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا وَكَانَ فِي أَصْلِ الْمِلْكِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ خِيَارٌ. (قَالَ) : وَهَكَذَا الثَّمَرُ يُبْتَاعُ مَعَ رَقَبَةِ الْحَائِطِ، وَيُقْبَضُ فَتُصِيبُهُ الْجَائِحَةُ فِي قَوْلِ مَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ الَّذِي حَكَيْتُ فِيهِ قَوْلًا يُخَالِفُهُ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ بِالنَّقْصِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الثَّمَرَةِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا مَعَ الْحَائِطِ وَجَعَلْتُمْ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ وَلَمْ تُجِيزُوهَا عَلَى الِانْفِرَادِ؟ قِيلَ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنْ قَالَ فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الدَّارِ بِطُرُقِهَا وَمَسِيلِ مَائِهَا وَأَفْنِيَتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ قِيلَ أَجَزْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا تَبَعٌ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ بِيعَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ عَلَى الِانْفِرَادِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ يَكُونُ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْبَيْعِ وَهُوَ أَنَّ بَعْضًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ؟ قِيلَ بِمَا وَصَفْنَا لَك، فَإِنْ قَالَ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعَبْدُ يُبَاعُ؟ قُلْت نَعَمْ فِي مَعْنًى وَيُخَالِفُهُ فِي آخَرَ، فَإِنْ قَالَ فَمَا الْمَعْنَى الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ فِيهِ؟ قِيلَ إذَا بِعْنَاك عَبْدًا بِعْنَاكَهُ بِكَمَالِ جَوَارِحِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَلَوْ بِعْنَاك جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِهِ تَقْطَعُهَا أَوْ لَا تَقْطَعُهَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، فَهِيَ إذَا كَانَتْ فِيهِ جَازَتْ، وَإِذَا أُفْرِدَتْ مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا عَذَابًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِمُشْتَرِيهِ وَلَوْ لَمْ تُقْطَعْ وَهَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ الْعَبْدُ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الطُّرُقِ وَالثَّمَرِ، وَفِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ تَفْرِيقُ الثَّمَرِ وَقَطْعُ الطُّرُقِ وَلَا يَحِلُّ قَطْعُ الْجَارِحَةِ إلَّا بِحُكْمِهَا. (قَالَ) : وَجَمِيعُ ثِمَارِ الشَّجَرِ فِي مَعْنَى ثَمَرِ النَّخْلِ إذَا رُئِيَ فِي أَوَّلِهِ النُّضْجُ حَلَّ بَيْعُ آخِرِهِ، وَهُمَا يَكُونَانِ بَارِزَيْنِ مَعًا وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُرَى فِي أَوَّلِهِمَا النُّضْجُ (قَالَ) : وَتُخَالِفُ الثِّمَارُ مِنْ الْأَعْنَابِ وَغَيْرِهَا النَّخْلَ فَتَكُونُ كُلُّ ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بَارِزَةً تُرَى فِي أَوَّلِ مَا تَخْرُجُ كَمَا تُرَى فِي آخِرِهِ لَا مِثْلُ ثَمَرِ النَّخْلِ فِي الطَّلْعَةِ يَكُونُ مَغِيبًا وَهُوَ يُرَى يَكُونُ بَارِزًا فَهُوَ فِي مَعْنَى ثَمَرَةِ النَّخْلِ بَارِزًا فَإِذَا بَاعَهُ شَجَرًا مُثْمِرًا فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ قَدْ فَارَقَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا فِي الشَّجَرِ، كَمَا يَكُونُ الْحَمْلُ مُسْتَوْدَعًا فِي الْأَمَةِ ذَاتِ الْحَمْلِ (قَالَ) : وَمَعْقُولٌ فِي السُّنَّةِ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكُهَا فِي شَجَرِهَا إلَى أَنْ تَبْلُغَ الْجُذَاذَ وَالْقِطَافَ وَاللِّقَاطَ مِنْ الشَّجَرِ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إلَّا

السَّقْيُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَخْلِيَةُ الْبَائِعِ وَمَا يَكْفِي الشَّجَرَ مِنْ السَّقْيِ إلَى أَنْ يُجَذَّ وَيُلْقَطَ وَيُقْطَعَ، فَإِنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا أُصِيبَ بِهِ الْبَائِعُ فِي ثَمَرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ شَيْئًا فَسَأَلَهُ تَسْلِيمَ مَا بَاعَهُ (قَالَ) : وَإِنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فَكَانَ الثَّمَرُ يَصْلُحُ تُرِكَ، حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لَمْ يَمْنَعْهُ صَاحِبُهُ مِنْ قَطْعِهِ وَلَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَمَا هُوَ، وَلَوْ قَطَعَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ صَلَاحُ ثَمَرِهِ فَإِذَا ذَهَبَ ثَمَرُهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَاءِ (قَالَ) : وَإِنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فَكَانَ بَقَاءُ الثَّمَرَةِ فِي النَّخْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّجَرِ الْمَسْقَوِيِّ يَضُرُّ بِالنَّخْلِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي بِهِ ذَلِكَ الْمَاءُ، فَإِنْ قَالُوا لَيْسَ يَصْلُحُ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ انْقِطَاعِ الْمَاءِ إلَّا قَطْعُ ثَمَرِهِ عَنْهُ وَإِلَّا أَضَرَّ بِقُلُوبِ النَّخْلِ ضَرَرًا بَيِّنًا فِيهَا أَخَذَ صَاحِبُهُ بِقَطْعِهِ إلَّا أَنْ يَسْقِيَهُ مُتَطَوِّعًا وَقِيلَ قَدْ أُصِبْت وَأُصِيبَ صَاحِبُ الْأَصْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ مُصِيبَتِك، فَإِنْ قَالُوا هُوَ لَا يُضَرُّ بِهَا ضَرَرًا بَيِّنًا، وَالثَّمَرُ يَصْلُحُ إنْ تُرِكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَطْعُهُ خَيْرًا لَهَا تُرِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، فَإِنْ قَالُوا لَا يَسْلَمُ الثَّمَرُ إلَّا إنْ تُرِكَ أَيَّامًا تُرِكَ أَيَّامًا حَتَّى إذَا بَلَغَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ يُهْلَكُ، فَلَوْ قِيلَ اقْطَعْهُ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَك وَلِصَاحِبِك كَانَ وَجْهًا، وَلَهُ تَرْكُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّخْلِ ضَرَرًا بَيِّنًا، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ عِنَبٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلُهُ أَدَعُ عِنَبِي فِيهِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ أَوْ سَفَرْجَلٌ، أَوْ تُفَّاحٌ، أَوْ غَيْرُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْقِطَافُ، وَاللِّقَاطُ وَالْجُذَاذُ أَخَذَ بِجُذَاذِ ثَمَرِهِ قِطَافُهُ، وَلِقَاطُهُ، وَلَا يَتْرُكُ ثَمَرَهُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَصْلُحَ فِيهِ الْقِطَافُ، وَالْجُذَاذُ، وَاللِّقَاطُ (قَالَ) : وَإِنْ اخْتَلَفَ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْمُشْتَرِي فِي السَّقْيِ حَمَلَا فِي السَّقْيِ عَلَى مَا لَا غِنَى بِالثَّمَرِ، وَلَا صَلَاحَ إلَّا بِهِ، وَمَا يَسْقِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَمْوَالِ أَمْوَالَهُمْ فِي الثِّمَارِ عَامَّةً لَا مَا يَضُرُّ بِالثَّمَرِ، وَلَا مَا يَزِيدُ فِيهِ مِمَّا لَا يَسْقِيهِ أَهْلُ الْأَمْوَالِ إذَا كَانَتْ لَهُمْ الثِّمَارُ (قَالَ) : فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ تِينًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ شَجَرٍ تَكُونُ فِيهِ الثَّمَرَةُ ظَاهِرَةً، ثُمَّ تَخْرُجُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْخَارِجَةُ ثَمَرَةَ غَيْرِهَا مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، فَإِنْ كَانَتْ الْخَارِجَةُ الْمُشْتَرَاةُ تُمَيَّزُ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَحْدُثُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا الْبَيْعُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ الْخَارِجَةَ الَّتِي اشْتَرَى يَتْرُكُهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُمَيَّزُ مِمَّا يَخْرُجُ بَعْدَهَا مِنْ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنْ الثَّمَرَةِ الدَّاخِلَةِ فِي الصَّفْقَةِ، وَالْبُيُوعُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعْلُومَةً (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَلِلشَّافِعِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ إنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَا يَتَمَيَّزُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي اخْتَلَطَتْ بِثَمَرِ الْمُشْتَرِي يُسَلِّمُهُ لِلْمُشْتَرِي فَيَكُونُ قَدْ صَارَ إلَيْهِ ثَمَرُهُ وَالزِّيَادَةُ إذَا كَانَتْ الْخَارِجَةُ غَيْرَ الَّتِي تَطَوَّعَ بِهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَلْقُطَ الثَّمَرَةَ أَوْ يَقْطَعَهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَمَا حَدَثَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ لِلْبَائِعِ وَإِنَّمَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ إذَا تُرِكَ ثَمَرَتُهُ فَكَانَتْ مُخْتَلِطَةً بِثَمَرَةِ الْمُشْتَرِي لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهَا (قَالَ) : وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا أَرْضًا فِيهَا شَجَرُ رُمَّانٍ، وَلَوْزٍ وَجَوْزٍ، وَرَانِجٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا دُونَهُ قِشْرٌ يُوَارِيه بِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ كَمَا وَصَفْت مِنْ الثَّمَرِ الْبَادِي الَّذِي لَا قِشْرَ لَهُ يُوَارِيهِ إذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ، وَذَلِكَ أَنَّ قِشْرَ هَذَا لَا يَنْشَقُّ عَمَّا فِي أَجْوَفِهِ، وَصَلَاحُهُ فِي بَقَائِهِ إلَّا أَنَّ صِنْفًا مِنْ الرُّمَّانِ يَنْشَقُّ مِنْهُ الشَّيْءُ فَيَكُونُ أَنْقَصَ عَلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَحَ لَهُ أَنْ لَا يَنْشَقَّ؛ لِأَنَّهُ أَبْقَى لَهُ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي ثَمَرِ الشَّجَرِ غَيْرِ النَّخْلِ مِنْ الْعِنَبِ وَالْأُتْرُجِّ وَغَيْرِهِ لَا يَخَافُهُ وَالْقَوْلُ فِي تَرْكِهِ إلَى بُلُوغِهِ كَالْقَوْلِ فِيهَا وَفِي ثَمَرِ النَّخْلِ لَا يُعَجِّلُ مَالِكُهُ عَنْ بُلُوغِ صَلَاحِهِ وَلَا يَتْرُكُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِمَالِكِهِ إذَا بَلَغَ أَنْ يَقْطِفَ مِثْلَهَا أَوْ يَلْقُطَ وَالْقَوْلُ فِي شَيْءٍ إنْ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي التِّينِ لَا يَخْتَلِفُ وَكَذَلِكَ فِي ثَمَرِ كُلِّ شَجَرٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْبَاذِنْجَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّجَرِ الَّذِي يَثْبُتُ أَصْلُهُ وَعَلَامَةُ الْأَصْلِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْكُرْسُفِ وَغَيْرِهِ، وَمَا كَانَ إنْمَاءُ ثَمَرَتِهِ

مَرَّةً، فَمِثْلُ الزَّرْعِ. (قَالَ) : وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ، فَالزَّرْعُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَإِذَا حُصِدَ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى لَهُ أُصُولٌ فِي الْأَرْضِ تُفْسِدُهَا فَعَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ نَزْعُهَا عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ إنْ شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ قَالَ وَهَكَذَا إذَا بَاعَهُ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ يُحْصَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً. (قَالَ) : فَأَمَّا الْقَصَبُ فَإِذَا بَاعَهُ أَرْضًا فِيهَا قَصَبٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ فَلِمَالِكِهِ مِنْ الْقَصَبِ جِزَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ (قَالَ) : وَكُلُّ مَا يُجَزُّ مِرَارًا مِنْ الزَّرْعِ فَمِثْلُ الْقَصَبِ فِي الْأَصْلِ وَالثَّمَرِ مَا خَرَجَ لَا يُخَالِفُهُ. (قَالَ) : وَإِذَا بَاعَهُ أَرْضًا فِيهَا مَوْزٌ قَدْ خَرَجَ فَلَهُ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَوْزِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَا خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ الشَّجَرِ الَّذِي بِجَنْبِ الْمَوْزِ وَذَلِكَ أَنَّ شَجَرَةَ الْمَوْزِ عِنْدَنَا تَحْمِلُ مَرَّةً وَيَنْبُتُ إلَى جَنْبِهَا أَرْبَعٌ فَتُقْطَعُ وَيَخْرَجُ فِي الَّذِي حَوْلَهَا (قَالَ) : فَإِذَا كَانَ شَجَرُ الْمَوْزِ كَثِيرًا وَكَانَ يَخْرُجُ فِي الْمَوْزِ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَوْمَ وَفِي الْأُخْرَى غَدًا وَفِي الْأُخْرَى بَعْدَهُ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ مَا كَانَ مِنْهُ خَارِجًا عِنْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ مِمَّا خَرَجَ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ أَوْ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي التِّينِ وَمَا تَتَابَعَ ثَمَرَتُهُ فِي الْأَصْلِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهُ أَبَدًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْزَةَ الْحَوْلِيَّ يَتَفَرَّقُ وَيَكُونُ بَيْنَهُ أَوْلَادُهُ بَعْضُهَا أَشَفُّ مِنْ بَعْضٍ فَيُبَاعُ وَفِي الْحَوْلِيِّ مِثْلُهُ مَوْزٌ خَارِجٌ فَيُتْرَكُ لِيَبْلُغَ وَيَخْرُجَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَوْلَادِهِ بِقَدْرِ إدْرَاكِهِ مُتَتَابِعًا، فَلَا يَتَفَرَّقُ مِنْهُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ عُقْدَةُ الْبَيْعِ مِمَّا حَدَثَ بَعْدَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ وَالْبَيْعُ مَا عُرِفَ الْمَبِيعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ فَيُسَلَّمُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ حَقُّهُ (قَالَ) : وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ ثَمَرَةُ مِائَةِ شَجَرَةِ مَوْزٍ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ثِمَارَهَا تَخْتَلِفُ وَيُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ ذِي ثَمَرٍ وَزَرْعٍ. (قَالَ) : وَكُلُّ أَرْضٍ بِيعَتْ بِحُدُودِهَا فَلِمُشْتَرِيهَا جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ مَا وَصَفْت مِمَّا لَهُ ثَمَرَةٌ بَعْدَ ثَمَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَجَرٍ وَزُرُوعٍ مُثْمِرَةٍ وَكُلِّ مَا يَثْبُتُ مِنْ الشَّجَرِ وَالْبُنْيَانِ وَمَا كَانَ مِمَّا يَخِفُّ مِنْ الْبُنْيَانِ مِثْلُ الْبِنَاءِ بِالْخَشَبِ فَإِنَّمَا هَذَا مُمَيَّزٌ كَالنَّبَاتِ وَالْجَرِيدِ فَهُوَ لِبَائِعِهِ إلَّا أَنْ يُدْخِلَهُ الْمُشْتَرِي فِي صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لَهُ بِالشِّرَاءِ (قَالَ) : وَكُلُّ هَذَا إذَا عَرَفَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ مَا فِي شَجَرِ الْأَرْضِ مِنْ الثَّمَرِ وَفِي أَدِيمِ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ (قَالَ) : فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ غَائِبَةً عِنْدَ الْبَيْعِ عَنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ عَنْ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَوَجَدَ فِي شَجَرِهَا ثَمَرًا قَدْ أُبِّرَ وَزَرْعًا قَدْ طَلَعَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إذَا عَلِمَ هَذَا إنْ كَانَ قَدْ رَأَى الْأَرْضَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَرَضِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ نَقْصًا بِانْقِطَاعِ الثَّمَرَةِ عَنْهُ عَامَهُ ذَلِكَ وَحَبَسَ شَجَرَهُ بِالثَّمَرَةِ وَشَغَلَ أَرْضَهُ بِالزَّرْعِ وَبِالدَّاخِلِ فِيهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ ثَمَرَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ لِتَعَاهُدِ ثَمَرَتِهِ وَلَا يَمْنَعُ مَنْ يُصْلِحُ لَهُ أَرْضَهُ مِنْ عَمَلٍ لَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَجَازَ الْبَيْعَ، وَإِنْ أَحَبَّ رَدَّهُ. (قَالَ) : وَإِذَا اشْتَرَى وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَرِهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَرْضًا فِيهَا حَبٌّ قَدْ بَذَرَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي فَالْحَبُّ كَالزَّرْعِ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُشْتَرِي بِالصَّفْقَةِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَهُوَ يَنْمِي نَمَاءَ الزَّرْعِ فَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي لَك الْخِيَارُ، فَإِنْ شِئْت فَأَخِّرْ الْبَيْعَ وَدَعْ الْحَبَّ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُحْصَدَ كَمَا تَدَعُ الزَّرْعَ، وَإِنْ شِئْت فَانْقُضْ الْبَيْعَ إذَا كَانَ يَشْغَلُ أَرْضَك وَيَدْخُلُ عَلَيْك فَيَهَابُهُ مَنْ لَيْسَ عَلَيْك دُخُولُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُسَلِّمَ الزَّرْعَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَقْلَعَهُ عَنْهُ وَيَكُونُ قَلْعُهُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْأَرْضِ، فَإِنْ شَاءَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زِيدَ خَيْرًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ هَذَا كَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ وَوِلَادِ الْجَارِيَةِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرِ فَأَمْرٌ لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ هُوَ شَيْءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ شَاءَ، لَا شَيْءَ اسْتَوْدَعَهُ الْآدَمِيُّونَ الشَّجَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَأَدْخَلُوهُ فِيهَا وَمَا خَرَجَ مِنْهُ فِي عَامِهِ خَرَجَ فِي أَعْوَامٍ بَعْدَهُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ خِلْقَةَ الشَّجَرِ كَذَلِكَ وَالْبَذْرُ يُنْثَرُ فِي الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَسْتَوْدِعُهُ الْآدَمِيُّونَ الْأَرْضَ وَيُحْصَدُ فَلَا يَعُودُ إلَّا أَنْ يُعَادَ فِيهَا غَيْرُهُ وَلَمَا رَأَيْت مَا كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ مِنْ

مَالٍ وَحِجَارَةٍ وَخَشَبٍ غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ كَانَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ فِي أَنَّ الْبَائِعَ يَمْلِكُهُ إلَّا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَضَعَهُ الْبَائِعُ غَيْرَ الْأَرْضِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ لَا يُخْرِجُ زَرْعَهُ كَمَا يُخْرِجُ مَا دَفَنَ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَخَشَبٍ؟ قِيلَ دَفَنَ تِلْكَ فِيهَا لِيُخْرِجَهَا كَمَا دَفَنَهَا لَا لِتَنْمِي بِالدَّفْنِ. وَإِذَا مَرَّ بِالْمَدْفُونِ مِنْ الْحَبِّ وَقْتٌ فَلَوْ أَخْرَجَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ لِقَلْبِ الْأَرْضِ لَهُ وَتِلْكَ لَا تُقَلِّبُهَا فَأَمَّا وَلَدُ الْجَارِيَةِ فَشَيْءٌ لَا حُكْمَ لَهُ إلَّا حُكْمَ أُمِّهِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُعْتَقُ وَلَا يُقْصَدُ قَصْدُهُ بِعِتْقٍ فَيُعْتَقُ وَتُبَاعُ وَلَا يُبَاعُ فَيَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ حُكْمُ عُضْوٍ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِاخْتِلَافِ الزَّرْعِ فِي مَقَامِهِ فِي الْأَرْضِ وَإِفْسَادِهِ إيَّاهَا (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِيَ أَنَّ لَهُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي بَاعَهُ بَذْرًا سَمَّاهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ فَاشْتَرَى عَلَى ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَعَلَيْهِ أَنْ يَدَعَهُ حَتَّى يَصْرِمَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ مِنْ الزَّرْعِ تَرَكَهُ حَتَّى يَصْرِمَهُ ثُمَّ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَصْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ قَلْعُهُ وَلَا قَطْعُهُ. (قَالَ) : وَإِنْ عَجَّلَ الْبَائِعُ فَقَلَعَهُ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهُ لِيَسْتَخْلِفَهُ وَهُوَ كَمَنْ جَذَّ ثَمَرَةً غَضَّةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ أُخْرَى حَتَّى تَبْلُغَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ إلَّا مَرَّةً فَتَعَجَّلَهَا فَلَا يَتَحَوَّلُ حَقُّهُ فِي غَيْرِهَا بِحَالٍ وَالْقَوْلُ فِي الزَّرْعِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُصْرَمُ إلَّا مَرَّةً أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُ الْأَصْلَ فَيَكُونُ الْأَصْلُ مَمْلُوكًا بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأَرْضُ وَلَا يَكُونُ هَذَا مَمْلُوكًا بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهَا. (قَالَ) : وَمَا كَانَ مِنْ الشَّجَرِ يُثْمِرُ مِرَارًا فَهُوَ كَالْأَصْلِ الثَّابِتِ يُمْلَكُ بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأَرْضُ، وَإِنْ بَاعَهُ وَقَدْ صَلُحَ وَقَدْ ظَهَرَ ثَمَرُهُ فِيهِ فَثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ كَمَا يَكُونُ النَّخْلُ الْمُلَقَّحُ (قَالَ) : وَذَلِكَ مِثْلُ الْكُرْسُفِ إذَا بَاعَهُ وَقَدْ تَشَقَّقَ جَوْزُ كُرْسُفِهِ عَنْهُ فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ كَمَا تَشَّقَّقُ الطَّلْعَةُ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ حِينَ يُلَقَّحُ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَشَقَّقَ مِنْ جَوْزِ كُرْسُفِهِ شَيْءٌ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي وَمَا كَانَ مِنْ الشَّجَرِ هَكَذَا يَتَشَقَّقُ ثَمَرُهُ لِيَصْلُحَ مِثْلَ النَّخْلِ وَمَا كَانَ يَبْقَى بِحَالِهِ فَإِذَا خَرَجَتْ الثَّمَرَةُ فَخُرُوجُهُ كَتَشَقُّقِ الطَّلْعِ وَجَوْزِ الْكُرْسُفِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي. (قَالَ) : وَمَا أَثْمَرَ مِنْهُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَبِيعَ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهَا فَإِذَا انْقَضَتْ فَمَا خَرَجَ بَعْدَهَا مِمَّا لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي الْأَصْلُ مَعَ الْأَرْضِ وَصِنْفٌ مِنْ الثَّمَرَةِ فَكَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ حَتَّى لَا يَنْفَصِلُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَهُوَ فِي شَجَرِهِ فَكَانَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي مَا حَدَثَ، فَإِنْ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَى بِمَا لَمْ يُشْتَرَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ إلَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ كُلَّهَا فَيَكُونُ قَدْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَزِيَادَةً أَوْ يَتْرُكَ الْمُشْتَرِي لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ لَهُ حَقَّهُ (قَالَ) : وَمَنْ أَجَازَ هَذَا قَالَ هَذَا كَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا جُزَافًا فَأَلْقَى الْبَائِعُ فِيهِ طَعَامًا غَيْرَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْهُ وَزَادَهُ مَا أَلْقَاهُ فِي طَعَامِهِ فَلَمْ يَظْلِمْهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ شَيْئًا مِمَّا بَاعَهُ وَزَادَهُ الَّذِي خَلَطَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْمَبِيعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ قَالَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَتْرُكُ فِيهِ الْمُبْتَاعُ حَقَّهُ هَذَا كَرَجُلٍ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا جُزَافًا فَأَلْقَى الْمُشْتَرِي فِيهِ طَعَامًا ثُمَّ أَخَذَ الْبَائِعُ مِنْهُ شَيْئًا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ مِنْ الطَّعَامِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَتْرُكَ لَهُ حَقَّهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ فَإِنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً إلَّا أَنَّ فِيهَا خِيَارًا لِلْمُشْتَرِي فَأُجِيزُهَا وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي تَرْكُ رَدِّهَا بِخِيَارِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ، وَإِنْ وَقَعَ صَحِيحًا قَدْ اخْتَلَطَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنْهُ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ مِمَّا لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ. (قَالَ) : وَالْقَصَبُ وَالْقِثَّاءُ وَكُلُّ مَا كَانَ يُصْرَمُ مَرَّةً بَعْدَ الْأُخْرَى مِنْ الْأُصُولِ فَلِلْمُشْتَرِي مِلْكُهُ كَمَا يَمْلِكُ النَّخْلَ إذَا اشْتَرَى الْأَصْلَ وَمَا خَرَجَ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةٍ مَرَّةً فَتِلْكَ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ وَمَا بَعْدَهَا لِلْمُشْتَرِي، فَأَمَّا الْقَصَبُ فَلِلْبَائِعِ أَوَّلَ صِرْمَةٍ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ بَعْدَهَا لِلْمُشْتَرِي فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ وَهَكَذَا الْبُقُولُ كُلُّهَا إذَا

باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار

كَانَتْ فِي الْأَرْضِ فَلِلْبَائِعِ مِنْهَا أَوَّلُ جِزَّةٍ وَمَا بَقِيَ لِلْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْلَعَهَا مِنْ أُصُولِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تُجَزُّ جِزَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ تُنْبِتُ بَعْدَهَا جُزَّتْ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأُصُولِ تُمْلَكُ بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأُصُولُ، مِنْ شِرَاءِ رَقَبَةِ الْأَرْضِ. (قَالَ) : وَمَا كَانَ مِنْ نَبَاتٍ فَإِنَّمَا يَكُونُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ كَالزَّرْعِ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ ثُمَّ لِصَاحِبِهِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مِمَّا لَمْ يُنْبِتْهُ النَّاسُ وَكَانَ يَنْبُتُ عَلَى الْمَاءِ فَلِصَاحِبِهِ فِيهِ مَالُهُ فِي الزَّرْع، وَالْأَصْلُ يَأْخُذُ ثَمَرَةَ أَوَّلِ جِزَّةٍ مِنْهُ إنْ كَانَتْ تُنْبِتُ بَعْدَهَا وَيُقْلِعُهُ مِنْ أَصْلِهِ إنْ كَانَ لَا يَنْفَعُ بَعْدَ جِزَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ. (قَالَ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا أَرْضًا أَوْ دَارًا فَكَانَ لَهُ فِيهَا خَشَبٌ مَدْفُونٌ أَوْ حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ لَيْسَتْ بِمَبْنِيَّةٍ إنْ مَلَكَ الْمَوْضُوعَ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْئًا إنَّمَا يَمْلِكُ الْأَرْضَ بِمَا خُلِقَ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِنْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ وَمَا كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ أَوْ مُسْتَوْدَعٍ فِيهَا فَهُوَ لِبَائِعِهِ، وَعَلَى بَائِعِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنْهُ (قَالَ) : فَإِنْ نَقَلَهُ عَنْهُ كَانَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ حَتَّى تَعُودَ مُسْتَوِيَةً لَا يَدَعُهَا حُفَرًا (قَالَ) : وَإِنْ تَرَكَ قَلْعَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَرَادَ قَلْعَهُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يَحْصُدَ الزَّرْعَ ثُمَّ يَقْلَعُهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ خَشَبٌ أَوْ حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ ثُمَّ غَرَسَ الْأَرْضَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَاعَهُ الْأَصْلَ ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْحِجَارَةِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْحِجَارَةُ أَوْ الْخَشَبُ تَضُرُّ بِالْغِرَاسِ وَتَمْنَعُ عُرُوقَهُ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْأَخْذِ أَوْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ يُنْقِصُ غَرْسَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُ الْغِرَاسَ وَلَا يَمْنَعُ عُرُوقَهُ وَكَانَ الْبَائِعُ إذَا أَرَادَ إخْرَاجَ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْضِ قَطَعَ مِنْ عُرُوقِ الشَّجَرِ مَا يَضُرُّ بِهِ قِيلَ لِبَائِعِ الْأَرْضِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَدَعَ هَذَا وَبَيْنَ رَدِّ الْبَيْعِ، فَإِنْ أَحَبَّ تَرْكَهُ لِلْمُشْتَرِي تَمَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي لَك الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَقْلَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَا أَفْسَدَ عَلَيْك مِنْ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ [بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيِّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ قِيلَ وَمَا تَزْهُو؟ قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ

بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ» ، قَالَ عُثْمَانُ فَقُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ مَتَى ذَاكَ؟ قَالَ طُلُوعُ الثُّرَيَّا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ قَالَ الرَّبِيعُ أَظُنُّهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الثَّمَرَ مِنْ غُلَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَ، وَكَانَ لَا يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُلَامِهِ رِبًا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت أَخَصَّ جَابِرٌ النَّخْلَ أَوْ الثَّمَرَ؟ قَالَ بَلْ النَّخْلَ وَلَا نَرَى كُلَّ ثَمَرَةٍ إلَّا مِثْلَهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ لَا يُبْتَاعُ الثَّمَرُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَسَمِعْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا تُبَاعُ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُطْعَمَ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيع) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ، وَفِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَائِلُ، مِنْهَا أَنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الثَّمَرِ الَّذِي أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ وَدَلَالَةُ إذْ قَالَ «إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي تُتْرَكُ حَتَّى تَبْلُغَ غَايَةَ إبَّانِهَا إلَّا أَنَّهُ نَهَى عَمَّا يُقْطَعُ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُقْطَعُ مِنْهَا لَا آفَةَ تَأْتِي عَلَيْهِ تَمْنَعُهُ إنَّمَا مَنْعُ مَا يُتْرَكُ مُدَّةً تَكُونُ فِيهَا الْآفَةُ وَالْبَلَحُ وَكُلُّ مَا دُونَ الْبُسْرِ يَحِلُّ بَيْعُهُ لِيُقْطَعَ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْبُيُوعِ دَاخِلٌ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ الْبَيْعِ. (قَالَ) : وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ لِيُتْرَكَ حَتَّى يَبْلُغَ إبَّانَهُ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُبَاعَ حَتَّى يَبْلُغَهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْ الرُّطَبِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت إنْ كَانَ مَعَ الرُّطَبِ بَلَحٌ كَثِيرٌ؟ قَالَ نَعَمْ سَمِعْنَا إذَا أُكِلَ مِنْهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ الْحَائِطُ تَكُونُ فِيهِ النَّخْلَةُ فَتُزْهَى فَيُؤْكَلُ مِنْهَا قَبْلَ الْحَائِطِ، وَالْحَائِطُ بَلَحٌ قَالَ حَسْبُهُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ فَلْيَبِعْ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ وَكُلُّ ثَمَرَةٍ كَذَلِكَ لَا تُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهَا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت مِنْ عِنَبٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَخْلُصُ وَيَتَحَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ أَيُبْتَاعُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ لَا وَلَا شَيْءَ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ كُلُّ شَيْءٍ تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا يُؤْكَلُ مِنْ خِرْبِزٍ أَوْ قِثَّاءٍ أَوْ بَقْلٍ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ النَّخْلِ قَالَ سَعِيدٌ إنَّمَا يُبَاعُ الْبَقْلُ صِرْمَةً صِرْمَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالسُّنَّةُ يُكْتَفَى بِهَا مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مَعَهَا غَيْرُهَا فَإِذَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَضًّا كُلُّهُ فَأَذِنَ فِيهِ إذَا صَارَ مِنْهُ أَحْمَرُ أَوْ أَصْفَرُ» فَقَدْ أَذِنَ فِيهِ إذَا بَدَا فِيهِ النُّضْجُ وَاسْتُطِيعَ أَكْلُهُ خَارِجًا مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ بَلَحًا وَصَارَ عَامَّتُهُ مِنْهُ وَتِلْكَ الْحَالُ الَّتِي أَنْ يَشْتَدَّ اشْتِدَادًا يَمْنَعُ فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْعَاهَةِ لِغِلَظِ نَوَاتِهِ فِي عَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْهُ مَبْلَغَ الشِّدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدَّ فَكُلُّ ثَمَرَةٍ مِنْ أَصْلٍ فَهِيَ مِثْلُهُ لَا تُخَالِفُهُ إذَا خَرَجَتْ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ يَرَى مَعَهَا كَثَمَرَةِ النَّخْلِ يَبْلُغُ أَوَّلُهَا أَنْ يُرَى فِيهِ أَوَّلُ النُّضْجِ حَلَّ بَيْعُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ كُلِّهَا وَسَوَاءٌ كُلُّ ثَمَرَةٍ مِنْ أَصْلٍ يَثْبُتُ أَوْ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى ثَمَرِ النَّخْلِ إذَا كَانَتْ كَمَا وُصِفَتْ تَنْبُتُ فَيَرَاهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ لَا يَنْبُتُ بَعْدَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ وَكَانَتْ ظَاهِرَةً لَا كِمَامَ دُونِهَا تَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تُرَى كَثَمَرَةِ

النَّخْلَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ فَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ الْحِنَّاءُ وَالْكُرْسُفُ وَالْقَضْبُ؟ قَالَ نَعَمْ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ الْقَضْبُ يُبَاعُ مِنْهُ؟ قَالَ لَا إلَّا كُلُّ صِرْمَةٍ عِنْدَ صَلَاحِهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ تُصِيبُهُ فِي الصِّرْمَةِ الْأُخْرَى عَاهَةٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ إنْسَانًا سَأَلَ عَطَاءً فَقَالَ الْكُرْسُفُ يُجْنَى فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ؟ فَقَالَ لَا إلَّا عِنْدَ كُلِّ إجْنَاءَةٍ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ زِيَادًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْكُرْسُفِ تَبِيعُهُ فَلَقَةً وَاحِدَةً قَالَ يَقُولُ: فَلَقَةً وَاحِدَةً إجْنَاءَةً وَاحِدَةً إذَا فَتَحَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ زِيَادٌ وَاَلَّذِي قُلْنَا عَلَيْهِ إذَا فَتَحَ الْجَوْزُ بِيعَ وَلَمْ يُبَعْ مَا سِوَاهُ قَالَ تِلْكَ إجْنَاءَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا فَتَحَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ مِنْ هَذَا كَمَا قَالَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى السُّنَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَكُلُّ ثَمَرَةٍ تُبَاعُ مِنْ الْمَأْكُولِ إذَا أُكِلَ مِنْهَا وَكُلُّ مَا لَمْ يُؤْكَلْ فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يُنْزَعَ بِيعَ، قَالَ وَكُلُّ مَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ مِثْلُ الْقَضْبِ فَهُوَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إلَّا جِزَّةً عِنْدَ صِرَامِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَصْلِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ إلَّا عِنْدَ قَطْعِهِ لَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْقَضْبِ وَالْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ وَالْقَصْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَتَفْتِيحُ الْكُرْسُفِ أَنْ تَنْشَقَّ عَنْهُ قِشْرَتُهُ حَتَّى يَظْهَرَ الْكُرْسُفُ وَلَا يَكُونُ لَهُ كِمَامٌ تَسْتُرُهُ، وَهُوَ عِنْدِي يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى تَرْكِ تَجْوِيزِ مَا كَانَ لَهُ كِمَامٌ تَسْتُرُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قُلْت لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْقَضْبُ إلَّا عِنْدَ صِرَامِهِ؟ فَصِرَامُهُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُتْرَكُ الثَّمَرُ بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ قِيلَ الثَّمَرَةُ تُخَالِفُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِ شَجَرَتِهِ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ إنَّمَا يَتَزَايَدُ فِي النُّضْجِ وَالْقَضْبُ إذَا تُرِكَ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَمَيَّزُ مِنْ أَصْلِ شَجَرَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا يُرَى، وَإِذَا «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، وَهِيَ تُرَى كَانَ بَيْعُ مَا لَمْ يُرَ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَحْرَمَ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُرَى، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى قَضْبًا طُولُهُ ذِرَاعٌ أَوْ أَكْثَرُ فَيَدْعُهُ فَيَطُولُ ذِرَاعًا مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ فَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي أَخَذَ مِثْلَ مَا اشْتَرَى مِمَّا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْأَرْضِ بَعْدُ وَمِمَّا إذَا خَرَجَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَإِذَا تُرِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ مَا يَنْفَعُهُ وَلَيْسَ فِي الثَّمَرَةِ شَيْءٌ إذَا أُخِذَتْ غَضَّةً. (قَالَ) : وَإِذَا أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ فِي الْقَضْبِ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَانَ أَنْ يُبَاعَ الْقَضْبُ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ صِرْمَتَيْنِ أُبْطِلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ وَمِثْلُ بَيْعِ جَنِينِ الْأَمَةِ وَبَيْعِ النَّخْلِ مُعَاوَمَةً وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَعَنْ أَنْ يَحُوزَ مِنْهُ مِنْ الثَّمَرَةِ ثَمَرَةً قَدْ رُئِيَتْ إذَا لَمْ تَصِرْ إلَى أَنْ تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ (قَالَ) : فَأَمَّا بَيْعُ الْخِرْبِزِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ فَلِلْخِرْبِزِ نُضْجٌ كَنُضْجِ الرُّطَبِ فَإِذَا رُئِيَ ذَلِكَ فِيهِ جَازَ بَيْعُ خِرْبِزِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَمَّا الْقِثَّاءُ فَيُؤْكَلُ صِغَارًا طَيِّبًا فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ أَوْ عِظَمُ بَعْضِهِ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى تَتَلَاحَقَ صِغَارُهُ إنْ شَاءَ مُشْتَرِيهِ كَمَا يُتْرَكُ الْخِرْبِزِ حَتَّى تَنْضُجَ صِغَارُهُ إنْ شَاءَ مُشْتَرِيهِ وَيَأْخُذُهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ كَمَا يَأْخُذُ الرُّطَبَ وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُبَاعُ الْخِرْبِزِ وَلَا الْقِثَّاءُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُمَا وَيَجُوزُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا فَيَكُونَ لِصَاحِبِهِمَا مَا يُنْبِتُ أَصْلَهُمَا يَأْخُذُ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهُمَا فَإِنْ دَخَلَهُمَا آفَةٌ بِشَيْءٍ يَبْلُغُ الثُّلُثَ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي. (قَالَ) : وَهَذَا عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي لَمْ أَكُنْ أَحْسِبُ أَحَدًا يَغْلَطُ إلَى مِثْلِهَا، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» لِئَلَّا تُصِيبَهَا الْعَاهَةُ فَكَيْفَ لَا يَنْهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ قَطُّ وَمَا تَأْتِي الْعَاهَةُ عَلَى شَجَرِهِ وَعَلَيْهِ فِي أَوَّلِ خُرُوجِهِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ مِنْ مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا وَمِنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَمِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَمْلِكْ وَتَضْمِينِ صَاحِبِهِ وَغَيْرِ وَجْهٍ فَكَيْفَ لَا يَحِلُّ مُبْتَدَأُ بَيْعِ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُمَا

كَمَا لَا يَحِلُّ بَيْعُ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَقَدْ ظَهَرَا وَرُئِيَا وَيَحِلُّ بَيْعُ مَا لَمْ يُرَ مِنْهُمَا قَطُّ وَلَا يُدْرَى يَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ وَلَا إنْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَلَا كَمْ يَنْبُتُ أَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ النَّخْلِ قَدْ بَدَأَ صَلَاحُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ فَيَكُونُ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ كُلِّ ثَمَرَةٍ وَبَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا لَمْ يَجُزْ فِي الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ إلَّا ذَلِكَ وَلَيْسَ حِمْلُ الْقِثَّاءِ مَرَّةً يُحِلُّ بَيْعَ حِمْلِهِ ثَانِيَةً وَلَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ بَعْدُ وَلِحِمْلِ النَّخْلِ أَوْلَى أَنْ لَا يَخْلُفَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَعْطَشُ وَأَقْرَبُ مِنْ حِمْلِ الْقِثَّاءِ الَّذِي إنَّمَا أَصْلُهُ بَقْلَةٌ يَأْكُلُهَا الدُّودُ وَيُفْسِدُهَا السُّمُومُ وَالْبَرْدُ وَتَأْكُلُهَا الْمَاشِيَةُ وَيَخْتَلِفُ حِمْلُهَا وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ شِرَاءُ أَوْلَادِ الْغَنَمِ وَكُلِّ أُنْثَى وَكَانَ إذَا اشْتَرَى وَلَدَ شَاةٍ قَدْ رَآهُ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَلَدَهَا ثَانِيَةً وَلَمْ يَرَهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَوْ رَأَيْت إذَا جَنَى الْقِثَّاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَلْفَ قِثَّاءٍ وَثَانِيَةً خَمْسَمِائَةٍ وَثَالِثَةً أَلْفًا ثُمَّ انْقَطَعَ أَصْلُهُ كَيْفَ تُقَدَّرُ الْجَائِحَةُ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ؟ أَعَلَى ثُلُثِ اجْتِنَائِهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ بِكَمْ؟ أَوْ أَكْثَرَ بِكَمْ؟ أَوْ رَأَيْت إذَا اخْتَلَفَ نَبَاتُهُ كَانَ يَنْبُتُ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي بَلَدٍ وَفِي بَلَدٍ وَاحِدٍ مَرَّةً أَكْثَرَ مِنْهُ فِي بَلَدٍ مِرَارًا كَيْفَ تُقَدَّرُ الْجَائِحَةُ فِيهِ؟ وَكَيْفَ إنْ جَعَلْنَا لِمَنْ اشْتَرَاهُ كَثِيرَ حِمْلِهِ مَرَّةً أَيَلْزَمُهُ قَلِيلُ حِمْلِهِ فِي أُخْرَى إنْ كَانَ حِمْلُهُ يَخْتَلِفُ؟ وَقَدْ يَدْخُلُهُ الْمَاءُ فَيَبْلُغُ حِمْلُهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَيُخْطِئُهُ فَيَقِلَّ عَمَّا كَانَ يُعْرَفُ وَيَتَبَايَنُ فِي حِمْلِهِ تَبَايُنًا بَعِيدًا؟ قَالَ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا ظَهَرَ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ قُلْت أَفَتَقُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ أَقُولُ قُلْت وَكَذَلِكَ تَقُولُ لَوْ اشْتَرَيْت صَدَفًا فِيهِ اللُّؤْلُؤُ بِدَنَانِيرَ فَإِنْ وَجَدْت فِيهِ لُؤْلُؤَةً فَهِيَ لَك، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ؟ قَالَ نَعَمْ هَكَذَا أَقُولُ فِي كُلِّ مَخْلُوقٍ إذَا اشْتَرَيْت ظَاهِرَهُ عَلَى مَا خُلِقَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَلَا شَيْءَ لِي قُلْت وَهَكَذَا إنْ بَاعَهُ هَذَا السُّنْبُلَ فِي التِّبْنِ حَصِيدًا؟ قَالَ نَعَمْ وَالسُّنْبُلُ حَيْثُ كَانَ قُلْت وَهَكَذَا إذَا اشْتَرَى مِنْهُ بَيْضًا وَرَائِجًا اشْتَرَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا أَوْ جَيِّدًا فَهُوَ لَهُ؟ قَالَ لَا أَقُولُهُ قُلْت إذًا تَتْرُكُ أَصْلَ قَوْلِك قَالَ فَإِنْ قُلْت اجْعَلْ لَهُ الْخِيَارَ فِي السُّنْبُلِ مِنْ الْعَيْبِ؟ قَالَ قُلْت وَالْعَيْبُ يَكُونُ فِيمَا وَصَفْت قَبْلَهُ وَفِيهِ. (قَالَ) : فَإِنْ قُلْت أَجْعَلُ لَهُ الْخِيَارَ قُلْت فَإِذًا يَكُونُ لِمَنْ اشْتَرَى السُّنْبُلَ أَبَدًا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِيهِ خِفَّةَ الْحِمْلِ مِنْ كَثْرَتِهِ وَلَا يَصِلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِمُؤْنَةٍ لَهَا إجَارَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيَّ كَانَتْ عَلَيَّ فِي بَيْعِ لَمْ يُوفِنِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى صَاحِبِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَلِي الْخِيَارُ إذَا رَأَيْت الْخِفَّةَ فِي أَخْذِهِ وَتَرْكِهِ لِأَنِّي ابْتَعْت مَا لَمْ أَرَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَبَدًا بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ كَمَا وَصَفْت. (قَالَ) : فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ وَافَقَهُ قَدْ غَلِطْت فِي هَذَا وَقَوْلُك فِي هَذَا خَطَأٌ قَالَ وَمِنْ أَيْنَ؟ قَالَ أَرَأَيْت مَنْ اشْتَرَى السُّنْبُلَ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَتَرَاهُ أَرَادَ كِمَامَهُ الَّتِي لَا تَسْوَى دِينَارًا كُلُّهَا؟ قَالَ فَنَقُولُ أَرَادَ مَاذَا؟ قَالَ أَقُولُ أَرَادَ الْحَبَّ قَالَ فَنَقُولُ لَك أَرَادَ مُغَيَّبًا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَنَقُولُ لَك أَفَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَنَقُولُ لَك فَعَلَى مَنْ حَصَادُهُ وَدِرَاسُهُ؟ قَالَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ فَنَقُولُ لَك فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّهُ أَيَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ؟ قَالَ لَا وَلَهُ رَدُّهُ مِنْ عَيْبٍ وَغَيْرِ عَيْبٍ قَالَ فَنَقُولُ لَك فَإِنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ تُهْلِكُهُ قَبْلَ يَحْصُدَهُ؟ قَالَ فَيَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ جُزَافٌ مَتَى شَاءَ أَخَذَهُ كَمَا يُبْتَاعُ الطَّعَامُ جُزَافًا فَإِنْ خَلَّاهُ وَإِيَّاهُ فَهَلَكَ كَانَ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ أَرَاك حَكَمْت بِأَنَّ لِمُبْتَاعِهِ الْخِيَارَ كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا ابْتَاعَ بَزًّا فِي عَدْلٍ لَمْ يَرَهُ وَجَارِيَةً فِي بَيْتٍ لَمْ يَرَهَا أَرَأَيْت لَوْ احْتَرَقَ الْعَدْلُ أَوْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ وَقَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَيَكُونُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ أَوْ الْقِيمَةُ؟ قَالَ فَلَا أَقُولُ وَأَرْجِعُ فَأَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَرَاهُ الْمُشْتَرِي وَيَرْضَاهُ قَالَ فَقُلْت لَهُ فَعَلَى مَنْ مُؤْنَتُهُ حَتَّى يَرَاهُ الْمُشْتَرِي؟ قُلْت أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى مُغَيَّبًا أَلَيْسَ عَلَيْهِ عِنْدَك أَنْ يُظْهِرَهُ؟ قَالَ بَلَى قُلْت أَفَهَذَا عَدْلٌ مُغَيَّبٌ؟ قَالَ فَإِنْ قُلْته؟ قُلْت أَفَتَجْعَلُ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ مِنْ قَمْحٍ فِي غِرَارَةٍ أَوْ بِزِفَّيْ عَدْلٍ وَإِحْضَارِ عَبْدٍ غَائِبٍ كَمِثْلِ مَا فِيهِ مُؤْنَةُ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ؟ قَالَ لِعَلَيَّ أَقُولُهُ قُلْت فَاجْعَلْهُ كَهُوَ قَالَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَيْسَ كَهُوَ وَإِنَّمَا أَجَزْنَاهُ بِالْأَثَرِ قُلْت وَمَا الْأَثَرُ؟ قَالَ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت أَيَثْبُتُ قَالَ لَا وَلَيْسَ فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ حُجَّةٌ قَالَ وَلَكِنَّا نُثْبِتُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قُلْنَا، وَهُوَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لَيْسَ كَمَا تُرِيدُ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْمُغَيَّبَةِ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهَا قَالَ وَكُلُّ ثَمَرَةٍ كَانَتْ يَنْبُتُ؟ مِنْهَا الشَّيْءُ فَلَا يُجْنَى حَتَّى يَنْبُتَ مِنْهَا شَيْءٌ آخَرُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا أَبَدًا إذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنْ النَّبَاتِ الْأَوَّلِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ بِأَنْ يُؤْخَذَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَكُلُّ ثَمَرَةٍ وَزَرْعٍ دُونَهَا حَائِلٌ مِنْ قِشْرٍ أَوْ كِمَامٍ، وَكَانَتْ إذَا صَارَتْ إلَى مَالِكِيهَا أَخْرَجُوهَا مِنْ قِشْرَتِهَا وَكِمَامِهَا بِلَا فَسَادٍ عَلَيْهَا إذَا أَخْرَجُوهَا فَاَلَّذِي اخْتَارَ فِيهَا أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا وَلَا مَوْضُوعِهِ لِلْحَائِلِ دُونَهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا حُجَّةُ مَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ فِيهِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُجَّةُ فِيهِ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُجِيزُ أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ لَحْمَ شَاةٍ، وَإِنْ ذُبِحَتْ إذَا كَانَ عَلَيْهَا جِلْدُهَا مِنْ قَبْلِ مَا تَغِيبُ مِنْهُ وَتُغَيِّبُ الْكِمَامُ الْحَبَّ الْمُتَفَرِّقَ الَّذِي بَيْنَهُ حَائِلٌ مِنْ حَبِّ الْحِنْطَةِ وَالْفُولِ وَالدُّخْنِ وَكُلِّ مَا كَانَ فِي قَرْنٍ مِنْهُ حَبٌّ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ حَائِلٌ مِنْ الْحَبِّ أَكْثَرَ مِنْ تَغْيِيبِ الْجِلْدِ لِلَّحْمِ وَذَلِكَ أَنَّ تَغَيُّبَ الْجِلْدِ لِلَّحْمِ إنَّمَا يَجِيءُ عَنْ بَعْضِ عَجَفِهِ وَقَدْ يَكُونُ لِلشَّاةِ مِجَسَّةٌ تَدُلُّ عَلَى سَمَانَتِهَا وَعَجَفِهَا وَلَكِنَّهَا مِجَسَّةٌ لَا عِيَانَ وَلَا مِجَسَّةَ لِلْحَبِّ فِي أَكْمَامِهِ تَدُلُّ عَلَى امْتِلَائِهِ وَضَمْرِهِ وَذَلِكَ فِيهِ كَالسَّمَانَةِ وَالْعَجَفِ وَلَا عَلَى عَيْنِهِ بِالسَّوَادِ وَالصُّفْرَةِ فِي أَكْمَامِهِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي الْحَبِّ وَلَا يَكُونُ هَذَا فِي لَحْمِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ الَّتِي فِيهَا حَائِلَةٌ دُونَ تَغَيُّرِ اللَّحْمِ بِمَا يُحِيلُهُ كَمَا تُحَوَّلُ الْحَبَّةُ عَنْ الْبَيَاضِ إلَى السَّوَادِ بِآفَةٍ فِي كِمَامِهَا، وَقَدْ يَكُونُ الْكِمَامُ يَحْمِلُ الْكَثِيرَ مِنْ الْحَبِّ وَالْقَلِيلَ وَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْنِ الْحَبَّةُ وَلَا حَبَّةَ فِي الْآخَرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُمَا يَرَيَانِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَمُخْتَلِفُ حَبِّهِ بِالضَّمْرَةِ وَالِامْتِلَاءِ وَالتَّغَيُّرِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَدْ تَبَايَعَا بِمَا لَا يَعْرِفَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ أَجِدْ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَأْخُذُوا عُشْرَ الْحِنْطَةِ فِي أَكْمَامِهَا وَلَا عُشْرَ الْحُبُوبِ ذَوَاتِ الْأَكْمَامِ فِي أَكْمَامِهَا وَلَمْ أَجِدْهُمْ يُجِيزُونَ أَنْ يَتَبَايَعُوا الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا لِاخْتِلَافِ الْأَكْمَامِ وَالْحَبِّ فِيهَا فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِ عُشْرِهَا فِي أَكْمَامِهَا وَإِنَّمَا الْعُشْرُ مُقَاسَمَةٌ عَمَّنْ جَعَلَ لَهُ الْعُشْرَ وَحَقَّ صَاحِبِ الزَّرْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَامْتَنَعُوا مِنْ قِسْمَتِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا فِي سُنْبُلِهَا أَشْبَهَ أَنْ يَمْتَنِعُوا بِهِ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ أَجِدْهُمْ يُجِيزُونَ بَيْعَ الْمِسْكِ فِي أَوْعِيَتِهِ وَلَا بَيْعَ الْحَبِّ فِي الْجُرُبِ وَالْغَرَائِرِ وَلَا جَعَلُوا لِصَاحِبِهِ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَلَمْ يُرَ الْحَبُّ وَلَوْ أَجَازُوهُ جُزَافًا فَالْغَرَائِرُ لَا تَحُولُ دُونَهُ كَمِثْلِ مَا يَحُولُ دُونَهُ أَكْمَامُهُ وَيَجْعَلُونَ لِمَنْ اشْتَرَاهُ الْخِيَارَ إذَا رَآهُ وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْحَبِّ فِي أَكْمَامِهِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْخِيَارَ إلَّا مِنْ عَيْبٍ وَلَمْ أَرَهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ الْحِنْطَةِ فِي التِّبْنِ مَحْصُودَةً وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَهَا قَائِمَةً انْبَغَى أَنْ يُجِيزَ بَيْعَهَا فِي التِّبْنِ مَحْصُودَةً وَمَدْرُوسَةً وَغَيْرَ مُنَقَّاةٍ، وَانْبَغَى أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ حِنْطَةٍ وَتِبْنٍ فِي غِرَارَةٍ فَإِنْ قَالَ لَا تَتَمَيَّزُ الْحِنْطَةُ فَتُعْرَفُ مِنْ التِّبْنِ فَكَذَلِكَ لَا تَتَمَيَّزُ قَائِمَةً فَتُعْرَفُ فِي سُنْبُلِهَا فَإِنْ قَالَ فَأُجِيزُ بَيْعَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَزَرْعِهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْحِنْطَةَ وَتِبْنَهَا وَسُنْبُلَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُجِزْ بَيْعَ حِنْطَةٍ فِي تِبْنِهَا وَحِنْطَةٍ فِي تُرَابٍ وَأَشْبَاهَ هَذَا. . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ زَكَاةَ حِمْلِ النَّخْلِ بِخَرْصٍ لِظُهُورِهِ وَلَا حَائِلَ دُونَهُ وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِخَرْصٍ وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ رَطْبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكْ عِلْمُهُ كَمَا يُدْرَكُ عِلْمُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ مَعَ أَشْيَاءَ شَبِيهَةٍ بِهَذَا (قَالَ) : وَبَيْعُ التَّمْرِ فِيهِ النَّوَى جَائِزٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُشْتَرَى الْمَأْكُولَ مِنْ التَّمْرِ ظَاهِرٌ وَأَنَّ النَّوَاةَ تَنْفَعُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ النَّوَى مِنْ التَّمْرِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّمْرَةَ إذَا جُنِيَتْ مَنْزُوعَةَ النَّوَى تَغَيَّرَتْ بِالسَّنَاخِ وَالضَّمْرِ فَفَتَحَتْ فَتْحًا يُنْقِصُ لَوْنَهَا وَأَسْرَعَ إلَيْهَا الْفَسَادُ وَلَا يُشْبِهُ الْجَوْزَ وَالرُّطَبَ مِنْ الْفَاكِهَةِ الْمُيَبَّسَةِ وَذَلِكَ أَنَّهَا إذَا رُفِعَتْ فِي قُشُورِهَا فَفِيهَا رُطُوبَتَانِ رُطُوبَةُ النَّبَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَرُطُوبَةٌ لَا تُزَايِلُهَا مِنْ لِينِ الطِّبَاعِ لَا يُمْسِكُ تِلْكَ

الرُّطُوبَةَ عَلَيْهَا إلَّا قُشُورُهَا فَإِذَا زَايَلَتْهَا قُشُورُهَا دَخَلَهَا الْيُبْسُ وَالْفَسَادُ بِالطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقِلَّةِ الْبَقَاءِ وَلَيْسَ تُطْرَحُ تِلْكَ الْقُشُورُ عَنْهَا إلَّا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا بِالْأَكْلِ وَإِخْرَاجِ الدُّهْنِ وَتَعْجِيلِ الْمَنَافِعِ وَلَمْ أَجِدْهَا كَالْبَيْضِ الَّذِي إنْ طُرِحَتْ قِشْرَتُهُ ذَهَبَ وَفَسَدَ وَلَا إنْ طُرِحَتْ، وَهِيَ مُنْضَجٌ لَمْ تَفْسُدْ وَالنَّاسُ إنَّمَا يَرْفَعُونَ هَذَا لِأَنْفُسِهِمْ فِي قِشْرِهِ وَالتَّمْرُ فِيهِ نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ يَتَبَايَعُونَهُ وَلَيْسَ يَرْفَعُونَ الْحِنْطَةَ وَالْحُبُوبَ فِي أَكْمَامِهَا وَلَا كَذَلِكَ يَتَبَايَعُونَهُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَلَا قُرَاهُمْ وَلَيْسَ بِفَسَادٍ عَلَى الْحُبُوبِ طَرْحُ قُشُورِهَا عَنْهَا كَمَا يَكُونُ فَسَادًا عَلَى التَّمْرِ إخْرَاجُ نَوَاهُ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرَّانِجِ وَمَا أَشْبَهَهُ يُسْرِعُ تَغَيُّرُهُ وَفَسَادُهُ إذَا أُلْقِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَادُّخِرَ وَعَلَى الْجَوْزِ قِشْرَتَانِ قِشْرَةٌ فَوْقَ الْقِشْرَةِ الَّتِي يَرْفَعُهَا النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَعَلَيْهِ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا.: وَيَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْقِشْرَةُ الَّتِي إنَّمَا يُرْفَعُ، وَهِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ بِغَيْرِ الْعُلْيَا وَلَا يَصْلُحُ بِدُونِ السُّفْلَى، وَكَذَلِكَ الرَّانِجُ وَكُلُّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ، وَقَدْ قَالَ غَيْرِي يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا إذَا يَبِسَ فِي سُنْبُلِهِ، وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ أَجَازَهُ وَرَوَى فِيهِ شَيْئًا لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ عَمَّنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ ابْنِ سِيرِينَ وَلَوْ ثَبَتَ اتَّبَعْنَاهُ وَلَكِنَّا لَمْ نَعْرِفْهُ ثَبَتَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْقِيَاسِ إلَّا إبْطَالُهُ كُلُّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرَّانِجِ وَكُلِّ ذِي قِشْرَةٍ يَدَّخِرُهُ النَّاسُ بِقِشْرَتِهِ مِمَّا إذَا طُرِحَتْ عَنْهُ الْقِشْرَةُ ذَهَبَتْ رُطُوبَتُهُ وَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَيُسْرِعُ الْفَسَادُ إلَيْهِ مِثْلُ الْبَيْضِ وَالْمَوْزِ فِي قُشُورِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا فَرْقُ بَيْنَ مَا أَجْزَتْ فِي قُشُورِهِ وَمَا لَمْ تُجِزْ مِنْهُ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ هَذَا لَا صَلَاحَ لَهُ مَدْخُورًا إلَّا بِقِشْرَةٍ وَلَوْ طُرِحَتْ عَنْهُ قِشْرَتُهُ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُدَّخَرَ وَإِنَّمَا يَطْرَحَ النَّاسُ عَنْهُ قِشْرَتَهُ عِنْدَمَا يُرِيدُونَ أَكْلَهُ أَوْ عَصْرَ مَا عُصِرَ مِنْهُ وَلَيْسَتْ تُجْمَعُ قِشْرَتُهُ إلَّا وَاحِدَةً مِنْهُ أَوْ تَوْأَمًا لِوَاحِدٍ وَأَنَّ مَا عَلَى الْحَبِّ مِنْ الْأَكْمَامِ يُجْمَعُ الْحَبُّ الْكَثِيرُ تَكُونُ الْحَبَّةُ وَالْحَبَّتَانِ مِنْهَا فِي كِمَامٍ غَيْرِ كِمَامِ صَاحِبَتِهَا فَتَكُونُ الْكِمَامُ مِنْهَا تُرَى وَلَا حَبَّ فِيهَا وَالْأُخْرَى تُرَى وَفِيهَا الْحَبُّ ثُمَّ يَكُونُ مُخْتَلِفًا أَوْ يُدَقُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ تُضْبَطُ مَعْرِفَتُهُ كَمَا تُضْبَطُ مَعْرِفَةُ الْبَيْضَةِ الَّتِي تَكُونُ مِلْءَ قِشْرَتِهَا وَالْجَوْزَةُ الَّتِي تَكُونُ مِلْءَ قِشْرَتِهَا وَاللَّوْزَةُ الَّتِي قَلَّمَا تَفْصُلُ مِنْ قِشْرَتِهَا لِامْتِلَائِهَا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فَسَادُهُ بِتَغَيُّرِ طَعْمِهِ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ لَا شَيْءَ فِيهِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا رَدَّ مُشْتَرِيهِ بِمَا كَانَ فَاسِدًا مِنْهُ عَلَى بَيْعِهِ وَكَانَ مَا فَسَدَ مِنْهُ يُضْبَطُ وَالْحِنْطَةُ قَدْ تَفْسُدُ بِمَا وَصَفْت وَيَكُونُ لَهَا فَسَادٌ بِأَنْ تَكُونَ مُسْتَحْشِفَةً وَلَوْ قُلْت أَرُدُّهُ بِهَذَا لَمْ أَضْبِطْهُ وَلَمْ أَخْلُصْ بَعْضَ الْحِنْطَةِ مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مُخْتَلِطَةً وَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَاحِدٌ يُعْرَفُ فَسَادُهُ إلَّا وَحْدَهُ فَيَرُدُّ مَكَانَهُ وَلَا يُعْرَفُ فَسَادُ حَبِّ الْحِنْطَةِ إلَّا مُخْتَلِفًا وَإِذَا اخْتَلَطَ خَفِيَ عَلَيْك كَثِيرٌ مِنْ الْحَبِّ الْفَاسِدِ فَأَجَزْت عَلَيْهِ بَيْعَ مَا لَمْ يَرَ وَمَا يَدْخُلُهُ مَا وَصَفْت

باب الخلاف في بيع الزرع قائما

[بَابُ الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ قَائِمًا] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَخَالَفَنَا فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا بَعْضُ النَّاسِ اجْتَمَعُوا عَلَى إجَازَتِهَا وَتَفَرَّقُوا فِي الْحُبُوبِ فِي بَعْضِ مَا سَأَلْنَاهُمْ عَنْهُ مِنْ الْعِلَّةِ فِي إجَازَتِهَا فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ أَتُجِيزُهَا عَلَى مَا أَجَزْت عَلَيْهِ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اشْتَرَيْتهَا فِيهِ أَوْ حَاضِرَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَائِبَةً عَنْ نَظَرِ الْمُشْتَرِي بِغِرَارَةٍ أَوْ جِرَابٍ أَوْ وِعَاءٍ مَا كَانَ أَوْ طَبَقٍ؟ قَالَ لَا وَذَلِكَ أَنِّي لَوْ أَجَزْتهَا لِذَلِكَ الْمَعْنَى جَعَلْت لَهُ الْخِيَارَ إذَا رَآهَا قُلْت فَبِأَيِّ مَعْنًى أَجَزْتهَا؟ قَالَ بِأَنَّهُ مَلَكَ السُّنْبُلَةَ فَلَهُ مَا كَانَ مَخْلُوقًا فِيهَا إنْ كَانَ فِيهَا خَلْقٌ مَا كَانَ الْخَلْقُ وَبِأَيِّ حَالٍ مَعِيبًا وَغَيْرَ مَعِيبٍ كَمَا يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ فَيَكُونُ لَهُ وَلَدَانِ كَانَ فِيهَا وَكَانَتْ ذَاتَ وَلَدٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ أَوْ كَانَ نَاقِصًا أَوْ مَعِيبًا لَمْ أَرُدَّهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ خِيَارًا، فَقُلْت لَهُ أَمَّا ذَوَاتُ الْأَوْلَادِ فَمَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ قَصْدَ أَبْدَانِهِنَّ يُشْتَرَيْنَ لِلْمَنَافِعِ بِهِنَّ وَمَا وَصَفْت فِي أَوْلَادِهِنَّ كَمَا وَصَفْت وَفِي الشَّجَرِ كَمَا وَصَفْت أَفِي السُّنْبُلَةِ شَيْءٌ يُشْتَرَى غَيْرُ الْمَغِيبِ فَيَكُونُ الْمَغِيبُ لَا حُكْمَ لَهُ كَالْوَلَدِ وَذَاتِ الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ وَمَا تَعْنِي بِهَذَا؟ قُلْت أَرَأَيْت إذَا اشْتَرَيْت ذَاتَ وَلَدٍ أَلَيْسَ إنَّمَا تَقَعُ الصَّفْقَةُ عَلَيْهَا دُونَ وَلَدِهَا؟ فَكَذَلِكَ ذَاتُ حِمْلٍ مِنْ الشَّجَرِ فَإِنْ أَثْمَرَتْ أَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ كَانَ لَك بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ إلَّا حُكْمَ أُمِّهِ، وَلَا لِلثَّمَرِ إلَّا حُكْمُ شَجَرِهِ وَلَا حِصَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا لَمْ يَنْقُصْ الثَّمَنُ، وَإِنْ كَانَ مُثْمِرًا كَثِيرًا وَسَالِمًا أَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْ مَعِيبًا فَلِلْمُشْتَرِي أَفَهَكَذَا الْحِنْطَةُ عِنْدَك فِي أَكْمَامِهَا؟ قَالَ فَإِنْ قُلْت نَعَمْ؟ قُلْت فَمَا الْبَيْعُ؟ قَالَ فَإِنْ قُلْت مَا تَرَى؟ قُلْت فَإِنْ لَمْ أَجِدْ فِيمَا أَرَى شَيْئًا قَالَ يَلْزَمُنِي أَنْ أَقُولَ يَلْزَمُهُ كَالْجَارِيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ وَلَيْسَ كَهِيَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى الْأَمَةُ لَا حَمْلُهَا وَالْمُشْتَرَى الْحَبُّ لَا أَكْمَامُهُ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ هُنَا وَمُخَالِفٌ لِلْجَوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّ ادِّخَارَ الْحَبِّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَكْمَامِهِ وَادِّخَارِ اللَّوْزِ وَشَبَهِهِ بِقِشْرِهِ فَهَذَا يَدْخُلُهُ مَا وَصَفْت وَلَيْسَ يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَكِنَّا اتَّبَعْنَا الْأَثَرَ، قُلْت: لَوْ صَحَّ لَكُنَّا أَتْبَعَ لَهُ

باب بيع العرايا

[بَابُ بَيْعِ الْعَرَايَا] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَعَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ «عَنْ إسْمَاعِيلَ الشَّيْبَانِيِّ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ بِعْتُ مَا فِي رُءُوسِ نَخْلِي بِمِائَةِ وَسْقٍ إنْ زَادَ فَلَهُمْ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِمْ فَسَأَلْت ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذَا إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْن أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» ، شَكَّ دَاوُد قَالَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَوْ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَإِمَّا غَيْرُهُ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَتَبَايَعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَتَبَايَعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. (قَالَ) : وَحَدِيثُ سُفْيَانَ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْت سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» . (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَحَادِيثُ قَبْلَهُ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَرَايَا دَاخِلَةً فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْمُزَابَنَةِ وَخَارِجَةً مِنْ أَنْ يُبَاعَ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِالْكَيْلِ فَكَانَتْ دَاخِلَةً فِي مَعَانٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا كُلِّهَا خَارِجَةً مِنْهُ مُنْفَرِدَةً بِخِلَافِ حُكْمِهِ إمَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالنَّهْيِ قَصْدَهَا وَإِمَّا بِأَنْ أَرْخَصَ فِيهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالْمَعْقُولُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبْتَاعَ بِتَمْرٍ مِنْ النَّخْلِ مَا يَسْتَجْنِيهِ رُطَبًا كَمَا يَبْتَاعُهُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْحَلَالِ أَوْ يُزَايِلُ مَعْنَى الْحَرَامِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» خَبَرٌ أَنَّ مُبْتَاعَ الْعَرِيَّةِ يَبْتَاعُهَا لِيَأْكُلَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا رُطَبَ لَهُ فِي مَوْضِعِهَا يَأْكُلُهُ غَيْرُهَا وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْحَائِطِ هُوَ الْمُرَخِّصُ لَهُ أَنْ يَبْتَاعَ الْعَرِيَّةَ لِيَأْكُلَهَا كَانَ لَهُ حَائِطُهُ مَعَهَا أَكْثَرَ مِنْ الْعَرَايَا فَأَكَلَ مِنْ حَائِطِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ إلَى أَنْ يَبْتَاعَ الْعَرِيَّةَ الَّتِي هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى مَا وَصَفْت مِنْ النَّهْيِ (قَالَ) : وَلَا يَبْتَاعُ الَّذِي يَشْتَرِي الْعَرِيَّةَ بِالتَّمْرِ الْعَرِيَّةَ إلَّا بِأَنْ تُخْرَصَ الْعَرِيَّةُ كَمَا تُخْرَصُ لِلْعُشْرِ فَيُقَالُ فِيهَا الْآنَ، وَهِيَ رُطَبُ كَذَا وَإِذَا تَيْبَسُ كَانَ كَذَا وَيَدْفَعُ مِنْ التَّمْرِ مَكِيلَةَ حِرْزِهَا تَمْرًا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ دَفْعِهِ فَسَدَ الْبَيْعُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ تَمْرٌ بِتَمْرٍ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ وَهَذَا مُحَرَّمٌ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعِ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. (قَالَ) : «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ تُبَاعَ الْعَرَايَا إلَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا» دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا رَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَالْبُيُوعِ غَيْرُهُ كَانَ بَيْعُ خَمْسَةٍ وَدُونَهَا

وَأَكْثَرَ مِنْهَا سَوَاءً وَلَكِنَّهُ أَرْخَصَ لَهُ فِيهِ بِمَا يَكُونُ مَأْكُولًا عَلَى التَّوَسُّعِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ وَمَنْعُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْحَائِطِ الْمُرَخِّصُ لَهُ خَاصَّةً لَأَذَى الدَّاخِلَ عَلَيْهِ الَّذِي أَعْرَاهُ وَكَانَ إنَّمَا أَرْخَصَ لَهُ لِتَنْحِيَةِ الْأَذَى كَانَ أَذَى الدَّاخِلِ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِثْلَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَذَاهُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَإِذَا حَظَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَزِمَهُ الْأَذَى إذَا كَانَ قَدْ أَعْرَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. (قَالَ) : فَمَعْنَى السُّنَّةِ وَاَلَّذِي أَحْفَظُ عَنْ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيت مِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَرَايَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِمَنْ ابْتَاعَهَا مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ فِي مَوْضِعِهَا مِثْلُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا حَتَّى يَقْبِضَ النَّخْلَةَ بِثَمَرِهَا وَيَقْبِضَ صَاحِبُ النَّخْلَةِ التَّمْرَ بِكَيْلِهِ. (قَالَ) : وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَهَا بِجُزَافٍ مِنْ التَّمْرِ.: ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضِ الْجُزَافِ وَإِذَا بِيعَتْ الْعَرِيَّةُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ غَيْرِ التَّمْرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا حَتَّى يَتَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَهُوَ حِينَئِذٍ مِثْلُ بَيْعِ التَّمْرِ بِالْحِنْطَةِ وَالْحِنْطَةِ بِالذُّرَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْعَرَايَا إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ. (قَالَ) : وَإِذَا ابْتَاعَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَمْ أَفْسَخْ الْبَيْعَ وَلَمْ أُقَسِّطْ لَهُ، وَإِنْ ابْتَاعَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فُسِخَتْ الْعُقْدَةُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَرَايَا كُلِّهِمْ يَبْتَاعُونَ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الِافْتِرَاقِ لِلتَّرْخِيصِ لَهُ أَنْ يَبْتَاعَ هَذِهِ الْمَكِيلَةَ وَإِذَا حَلَّ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ وَكَانَ حَلَالًا لِمَنْ ابْتَاعَهُ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ حَائِطِهِ. (قَالَ) : وَالْعَرَايَا مِنْ الْعِنَبِ كَهِيَ مِنْ التَّمْرِ لَا يَخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا يُخْرَصَانِ مَعًا. (قَالَ) : وَكُلُّ ثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِثْلِ الْفِرْسِكِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْإِجَّاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُخَالِفَةً لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخْرَصُ لِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا وَالْحَائِلِ مِنْ الْوَرَقِ دُونَهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تَجُوزَ بِمَا وَصَفْت وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ هِيَ، وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كَانَ مَذْهَبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : فَإِذَا بِيعَتْ الْعَرَايَا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَتَقَابَضَا وَالْمَعْدُودُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ وَمَوْزُونٌ يَحِلُّ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ وَمَوْجُودٌ مَنْ يَزِنُهُ وَيَكِيلُهُ وَإِذَا بِيعَتْ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ مَوْصُوفٍ بِمِثْلِ ثَوْبٍ مِنْ جِنْسٍ يُذْرَعُ.: وَخَشَبَةٍ مِنْ جِنْسٍ يُذْرَعُ وَحَدِيدٍ مَوْصُوفٍ يُوزَنُ وَصُفْرٍ وَكُلِّ مَا عَدَا الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ مِمَّا تَقَعُ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الْعَرِيَّةَ وَسَمَّى أَجَلًا لِلثَّمَنِ كَانَ حَلَالًا وَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِيهَا كَهُوَ فِي طَعَامٍ مَوْضُوعٍ اُبْتِيعَ بِعَرَضٍ وَقَبَضَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْعَرَضَ إمَّا كَانَ حَالًّا فَكَانَ لِصَاحِبِهِ قَبْضُهُ مِنْ بَيْعِهِ مَتَى شَاءَ وَإِمَّا كَانَ إلَى أَجَلٍ فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ مِنْهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْأَجَلِ. (قَالَ) : وَلَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ جُزَافًا لِاتِّبَاعِ عَرِيَّةِ النَّخْلِ بِتَمْرِهِ جُزَافًا وَلَا بِتَمْرِ نَخْلَةٍ مِثْلِهَا وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ إلَّا الْعَرَايَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ فِيهَا يَقُومُ مَقَامَ الْكَيْلِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُبَاعُ تَمْرُ نَخْلَةٍ جُزَافًا بِثَمَرِ عِنَبَةٍ وَشَجَرَةٍ غَيْرِهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِ هَذَا عَلَى بَعْضٍ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَحَلَّهَا فَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا أَنَّهَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا بِمَا وَصَفْت فَالْخَبَرُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِإِطْلَاقِ إحْلَالِهَا وَلَمْ يَحْظُرْهُ عَلَى أَحَدٍ فَنَقُولُ يَحِلُّ لَك وَلِمَنْ كَانَ مِثْلَك كَمَا قَالَ فِي الضَّحِيَّةِ بِالْجَذَعَةِ تُجْزِيك وَلَا تُجْزِي غَيْرَك وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَيْتَةَ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهَا إلَّا لِلْمُضْطَرِّ، وَهِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَشْبَهَ إذْ «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَافِرًا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى مُقِيمٍ أَنْ يَمْسَحَ» ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْفَرَائِضِ قَدْ نَزَلَتْ بِأَسْبَابِ قَوْمٍ فَكَانَ لَهُمْ وَلِلنَّاسِ عَامَّةً إلَّا مَا بَيَّنَ

باب العرية

اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أُحِلَّ لِمَعْنَى ضَرُورَةٍ أَوْ خَاصَّةٍ. (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ عَرِيَّةً أَنْ يَطْعَمَ مِنْهَا وَيَبِيعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ ثَمَرَتَهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فِي الْمَوْضِعِ مَنْ لَهُ حَائِطٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِمُوَافَقَةِ ثَمَرَتِهَا أَوْ فَضْلِهَا أَوْ قُرْبِهَا؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ عَامٌّ لَا خَاصٌّ إلَّا أَنْ يُخَصَّ بِخَبَرٍ لَازِمٍ. (قَالَ) : وَإِنْ حَلَّ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ شِرَاؤُهَا حَلَّ لَهُ هِبَتُهَا وَإِطْعَامُهَا وَبَيْعُهَا وَادِّخَارُهَا وَمَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ الْمَالِ فِي مَالِهِ وَذَلِكَ أَنَّك إذَا مَلَكْت حَلَالًا حَلَّ لَك هَذَا كُلُّهُ فِيهِ وَأَنْتَ مَلَكْت الْعَرِيَّةَ حَلَالًا. (قَالَ) : وَالْعَرَايَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا أَحَدُهَا وَجِمَاعُ الْعَرَايَا كُلُّ مَا أُفْرِدَ لِيَأْكُلَهُ خَاصَّةً وَلَمْ يَكُنْ فِي جُمْلَةِ الْبَيْعِ مِنْ ثَمَرِ الْحَائِطِ إذَا بِيعَتْ جُمْلَتُهُ مِنْ وَاحِدٍ وَالصِّنْفُ الثَّانِي.: أَنْ يَخُصَّ رَبُّ الْحَائِطِ الْقَوْمَ فَيُعْطِيَ الرَّجُلَ ثَمَرَ النَّخْلَةِ وَثَمَرَ النَّخْلَتَيْنِ وَأَكْثَرَ عَرِيَّةً يَأْكُلُهَا وَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمِنْحَةِ مِنْ الْغَنَمِ يَمْنَحُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الشَّاةَ أَوْ الشَّاتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا وَيَنْتَفِعَ بِهِ وَلِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا وَيُتْمِرَهُ وَيَصْنَعَ فِيهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ. (قَالَ) : وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنْ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ حَائِطِهِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا وَيُهْدِيَهُ وَيُتْمِرَهُ وَيَفْعَلَ فِيهِ مَا أَحَبَّ وَيَبِيعَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ فَتَكُونُ هَذِهِ مُفْرَدَةً مِنْ الْمَبِيعِ مِنْهُ جُمْلَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُصَّدِّقَ الْحَائِطِ يَأْمُرُ الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ حَائِطِهِمْ قَدْرَ مَا يَرَاهُمْ يَأْكُلُونَ وَلَا يَخْرُصُهُ لِيَأْخُذَ زَكَاتَهُ، وَقِيلَ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَدَعُ مَا أَعْرَى لِلْمَسَاكِينِ مِنْهَا فَلَا يَخْرُصُهُ وَهَذَا مَوْضُوعٌ بِتَفْسِيرِهِ فِي كِتَابِ الْخَرْصِ [بَابُ الْعَرِيَّةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْعَرِيَّةُ الَّتِي «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْعِهَا أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرُّطَبَ يَحْضُرُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَعِنْدَهُمْ فُضُولُ تَمْرٍ مِنْ قُوتِ سَنَتِهِمْ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْتَرُوا الْعَرِيَّةَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» وَلَا تَشْتَرِي بِخَرْصِهَا إلَّا كَمَا «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُخْرَصَ رُطَبًا» فَيُقَالُ مَكِيلَتُهُ كَذَا وَيَنْقُصُ كَذَا إذَا صَارَ تَمْرًا فَيَشْتَرِيهَا الْمُشْتَرِي لَهَا بِمِثْلِ كَيْلِ ذَلِكَ التَّمْرِ وَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَلَا يَشْتَرِي مِنْ الْعَرَايَا إلَّا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِشَيْءٍ مَا كَانَ فَإِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ الْبَيْعُ وَسَوَاءٌ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي شِرَاءِ الْعَرَايَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْعَرَايَا تَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهَا جُزَافٌ بِكَيْلٍ وَتَمْرٌ بِرُطَبٍ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْعَرَايَا لَيْسَتْ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ وَلَكِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِيهَا جُمْلَةً عَامَّ الْمَخْرَجِ يُرِيدُ بِهِ الْخَاصَّ وَكَمَا نَهَى عَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَكَانَ عَامَّ الْمَخْرَجِ وَلَمَّا أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ لِلطَّوَافِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَمَرَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا، فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ ذَلِكَ الْعَامَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْ أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ لَزِمَتْهُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَكَمَا قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَقَضَى بِالْقَسَامَةِ وَقَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِجُمْلَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَاصًّا وَأَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ وَالْقَسَامَةُ

باب الجائحة في الثمرة

اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا أَرَادَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِي الْقَسَامَةِ يَحْلِفُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَالْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِدِ يَحْلِفُ وَيَسْتَوْجِبَانِ حُقُوقَهُمَا وَالْحَاجَةُ فِي الْعَرِيَّةِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تَكُونُ الْعَرَايَا إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ كُلَّهُ عَرَايَا إذَا كَانَ لَا يَبِيعُ وَاحِدًا مِنْهُمْ إلَّا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. [بَابُ الْجَائِحَةِ فِي الثَّمَرَةِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَمِعْت سُفْيَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرًا فِي طُولِ مُجَالَسَتِي لَهُ لَا أُحْصِي مَا سَمِعْته يُحَدِّثُهُ مِنْ كَثْرَتِهِ لَا يُذْكَرُ فِيهِ أَمْرٌ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ لَا يَزِيدُ عَلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ حُمَيْدٌ يَذْكُرُ بَعْدَ بَيْعِ السِّنِينَ كَلَامًا قَبْلَ وَضْعِ الْجَوَائِحِ لَا أَحْفَظُهُ فَكُنْت أَكُفُّ عَنْ ذِكْرِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ الْكَلَامُ وَفِي الْحَدِيثِ أَمْرٌ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ «ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَالَجَهُ وَأَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ، فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هُوَ لَهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ سُفْيَانُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ مَا حَكَيْت فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْهُ سُفْيَانُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِوَضْعِهَا عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ بِالصُّلْحِ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ بِالصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا حَضًّا عَلَى الْخَيْرِ لَا حَتْمًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ غَيْرُهُ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْحَدِيثُ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَيِّهِمَا أَوْلَى بِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا أَنْ نَحْكُمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى النَّاسِ بِوَضْعِ مَا وَجَبَ لَهُمْ بِلَا خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَثْبُتُ بِوَضْعِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَمْرَةَ مُرْسَلٌ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ مُرْسَلًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عَمْرَةَ كَانَتْ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا تُوضَعَ الْجَائِحَةُ لِقَوْلِهَا قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا» وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ الْجَائِحَةَ لَكَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ حَلَفَ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ قِيلَ هَذَا يَلْزَمُك أَنْ تُؤَدِّيَهُ إذَا امْتَنَعْت مِنْ حَقٍّ فَأُخِذَ مِنْك بِكُلِّ حَالٍ. (قَالَ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا نَحْكُمُ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا. (قَالَ) : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ وَهَنَ حَدِيثُهُ بِمَا وَصَفْت وَثَبَتَتْ السُّنَّةُ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ وَضَعَتْ كُلَّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أُصِيبَ مِنْ السَّمَاءِ بِغَيْرِ جِنَايَةِ أَحَدٍ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يُوضَعَ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا وَلَا يُوضَعُ مَا دُونَ الثُّلُثِ فَهَذَا لَا خَبَرَ وَلَا قِيَاسَ وَلَا مَعْقُولَ. (قَالَ) : وَلَوْ صِرْت إلَى وَضْعِ الْجَائِحَةِ مَا كَانَتْ الْحُجَّةُ فِيهَا إلَّا اتِّبَاعَ الْخَبَرِ لَوْ ثَبَتَ وَلَا أَقُولُ قِيَاسًا عَلَى الدَّارِ إذَا تَكَارَاهَا سَنَةً أَوْ أَقَلَّ فَأَقْبَضَهَا عَلَى الْكِرَاءِ فَتَنْهَدِمُ الدَّارُ وَلَمْ يَمْضِ مِنْ السَّنَةِ إلَّا يَوْمٌ أَوْ قَدْ

مَضَتْ إلَّا يَوْمٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ إلَّا إجَارَةُ يَوْمٍ أَوْ يَجِبُ عَلَيَّ إجَارَةُ سَنَةٍ إلَّا يَوْمٌ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَى مَنْفَعَةِ الدَّارِ مَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيَّ فَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الدَّارِ بِانْهِدَامِهَا يَجِبُ عَلَيَّ كِرَاءُ مَا لَمْ أَجِدْ السَّبِيلَ إلَى أَخْذِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَجْعَلَ ثَمَرَةَ النَّخْلِ قِيَاسًا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ وَأَنْتَ تُجِيزُ بَيْعَ ثَمَرِ النَّخْلِ فَيُتْرَكُ إلَى غَايَةٍ فِي نَخْلِهِ كَمَا تُجِيزُ أَنْ يَقْبِضَ الدَّارَ وَيَسْكُنَهَا إلَى مُدَّةٍ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّارُ تُكْتَرَى سَنَةً ثُمَّ تَنْهَدِمُ مِنْ قَبْلِ تَمَامِ السَّنَةِ مُخَالَفَةً لِلثَّمَرَةِ تُقْبَضُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سُكْنَاهَا لَيْسَ بِعَيْنٍ تُرَى إنَّمَا هِيَ بِمُدَّةٍ تَأْتِي فَكُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا يَمْضِي بِمَا فِيهِ، وَهِيَ بِيَدِ الْمُكْتَرِي يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَالثَّمَرَةُ إذَا اُبْتِيعَتْ وَقُبِضَتْ وَكُلُّهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّمَا يَرَى تَرْكَهُ إيَّاهَا اخْتِيَارًا لِتَبْلُغَ غَايَةً يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَخْذُهُ قَبْلَهَا وَقَدْ يَكُونُ رُطَبًا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ وَبَيْعُهُ وَتَيْبِيسُهُ فَيَتْرُكُهُ لِيَأْخُذَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَرُطَبًا لِيَكُونَ أَكْثَرَ قِيمَةً إذَا فَرَّقَهُ فِي الْأَيَّامِ وَأَدْوَمَ لِأَهْلِهِ فَلَوْ زَعَمْت أَنِّي أَضَعُ الْجَائِحَةَ بَعْدَ أَنْ يَرْطُبَ الْحَائِطُ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ وَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يُقْطَعَ كُلُّهُ فَيُبَاعَ رُطَبًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْقَصَ لِمَالِكِ الرُّطَبِ أَوْ يَيْبَسُ تَمْرًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْقَصَ عَلَى مَالِكِهِ زَعَمْت أَنِّي أَضَعُ عَنْهُ الْجَائِحَةَ، وَهُوَ تَمْرٌ وَقَدْ تَرَكَ قَطْعَهُ وَتَمْيِيزَهُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ إحْرَازُهُ وَخَالَفْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ الَّتِي إذَا تَرَكَ سُكْنَاهَا سَنَةً لَزِمَهُ كِرَاؤُهَا كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ سَكَنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الدَّارِ بِمَا وَصَفْت جَازَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْطُبْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَقْتَ مَنْفَعَتِهَا وَالْحِينُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يُتْمِرَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَا يَرْطُبُ فَيَخْتَلِفَانِ. (قَالَ) : وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَلَوْ صِرْت إلَى الْقَوْلِ بِهِ صِرْت إلَى مَا وَصَفْت مِنْ وَضْعِ قَبْضَةٍ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا لَوْ ذَهَبَ مِنْهُ كَمَا أَصِيرُ إلَى وَضْعِ كِرَاءِ يَوْمٍ مِنْ الدَّارِ لَوْ انْهَدَمَتْ قَبْلَهُ وَكَمَا أَصِيرُ إلَى وَضْعِ قَبْضَةِ حِنْطَةٍ لَوْ ابْتَاعَ رَجُلٌ صَاعًا فَاسْتَوْفَاهُ إلَّا قَبْضَةً فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ الْكَثِيرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ الْقَلِيلُ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَوْ صِرْت إلَى وَضْعِهَا فَاخْتَلَفَا فِي الْجَائِحَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ تُصِبْك الْجَائِحَةُ أَوْ قَدْ أَصَابَتْك فَأَذْهَبَتْ لَك فَرْقًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ أَذْهَبَتْ لِي أَلْفَ فَرْقٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةُ بِمَا ذَهَبَ لَهُ. (قَالَ) : وَجِمَاعُ الْجَوَائِحِ كُلُّ مَا أَذْهَبَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةِ آدَمِيٍّ. (قَالَ) : وَيَدْخُلُ عَلَى مَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَرَةَ زَعْمٌ وَأَنَّ جِنَايَةَ الْآدَمِيِّينَ جَائِحَةٌ تُوضَعُ؛ لِأَنِّي إذَا وَضَعْت الْجَائِحَةَ زَعَمْت أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ إلَّا إذَا قَبَضْت كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْكِرَاءَ إلَّا مَا كَانَتْ السَّلَامَةُ مَوْجُودَةً فِي الدَّارِ، وَهِيَ فِي يَدَيَّ وَكَانَ الْبَائِعُ ابْتَاعَ مَهْلَك الثَّمَرَةِ بِقِيمَةِ ثَمَرَتِهِ أَوْ يَكُونُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ أَوْ لَا يُوضَعَ وَيَبِيعَ مَهْلَك ثَمَرَتِهِ بِمَا أُهْلِكَ مِنْهَا كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي عَبْدٍ ابْتَاعَهُ فَجَنَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَهَذَا قَوْلٌ فِيهِ مَا فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ لَا تُوضَعَ الْجَائِحَةُ؟ قِيلَ نَعَمْ فِيمَا رُوِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ «نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ وَيَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» وَلَوْ كَانَ مَالِكُ الثَّمَرَةِ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَ مَا اُجْتِيحَ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا كَانَ لِمَنْعِهِ أَنْ يَبِيعَهَا مَعْنًى إذَا كَانَ يَحِلُّ بَيْعُهَا طَلْعًا وَبَلَحًا وَيُلْقَطُ وَيُقْطَعُ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا فِي الْحِينِ الَّذِي الْأَغْلَبُ فِيهَا أَنْ تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمُشْتَرِي فِي بَيْعٍ لَمْ يَغْلِبْ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنُ مَا أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ فَجَازَ الْبَيْعُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى السَّلَامَةِ مَا ضَرَّ ذَلِكَ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ. (قَالَ) : وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجَّةٌ وَأَمْضَى الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ رُوِيَ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ أَوْ تَرْكِ وَضْعِهَا شَيْءٌ عَنْ بَعْضِ

باب في الجائحة

الْفُقَهَاءِ؟ قِيلَ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا قَوْلٌ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ فَإِنْ قِيلَ فَأَبِنْهُ قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ قَالَ مَا أَرَى إلَّا أَنَّهُ إنْ شَاءَ لَمْ يَضَعْ قَالَ سَعِيدٌ يَعْنِي الْبَائِعَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ بَاعَ حَائِطًا لَهُ فَأَصَابَتْ مُشْتَرِيَهُ جَائِحَةٌ فَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنْهُ وَلَا أَدْرِي أَيَثْبُتُ أَمْ لَا؟ قَالَ وَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ فَلَا يَضَعُهَا إلَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ قَبْضَهَا قَبْضٌ إنْ كَانَتْ السَّلَامَةُ وَلَزِمَهُ إنْ أَصَابَ ثَمَرَ النَّخْلِ شَيْءٌ يَدْخُلُهُ عَيْبٌ مِثْلُ عَطَشٍ يَضْمُرُهُ أَوْ جَمْحٍ يَنَالُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي أَخْذِهِ مَعِيبًا أَوْ رَدِّهِ فَإِنْ كَانَ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدَرَ عَلَيْهِ رَدَّهُ، وَإِنْ فَاتَ لَزِمَهُ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَقَالَ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيُرَدُّ مَا بَقِيَ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعِيبًا فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ بَعْدَ الْعَيْبِ.: رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ غَيْرُ الْعَيْبِ. (قَالَ) : وَلَعَلَّهُ يَلْزَمُهُ لَوْ غَصَبَ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا أَوْ تَعَدَّى فِيهَا عَلَيْهِ وَالٍ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَقَتِهِ.: أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا لَمْ يَقْبِضْهُ أَوْ عَبِيدًا قَبَضَ بَعْضَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضْ بَعْضًا حَتَّى عَدَا عَادٍ عَلَى عَبْدٍ فَقَتَلَهُ أَوْ غَصَبَهُ أَوْ مَاتَ مَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ وَلِلْبَائِعِ اتِّبَاعُ الْغَاصِبِ وَالْجَانِي بِجِنَايَتِهِ وَغَصْبِهِ وَمَاتَ الْعَبْدُ الْمَيِّتُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَكَانَ شَبِيهًا أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ الْمَبِيعُ فِي شَجَرِهِ الْمَدْفُوعِ إلَى مُبْتَاعِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى مِنْهُ لَا يَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ يُؤْخَذَ بِأَمْرِهِ مِنْ شَجَرِهِ كَمَا يَكُونُ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فِي بَيْتٍ أَوْ سَفِينَةٍ كُلَّهُ عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ فَمَا اسْتَوْفَى الْمُشْتَرِي بَرِئَ مِنْهُ الْبَائِعُ وَمَا لَمْ يَسْتَوْفِ حَتَّى يُسْرَقَ أَوْ تُصِيبَهُ آفَةٌ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ عَيْبٍ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهِ أَوْ رَدِّهِ. (قَالَ) : وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ أَنْ يَضَعَهَا مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أَتْلَفَهَا وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ تَلِفَ مِنْهَا شَيْءٌ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ أَوْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَرْطُبْ النَّخْلُ عَامَّةً فَإِذَا أَرْطَبَهُ عَامَّةً حَتَّى يُمْكِنَهُ جِدَادُهَا لَا يَضَعُ مِنْ الْجَائِحَةِ شَيْئًا. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَرْطَبَتْ عَلَيْهِ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ انْبَغَى أَنْ لَا يَضَعَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبْضِهَا وَوُجِدَ السَّبِيلُ إلَى الْقَبْضِ بِالْجِدَادِ فَتَرَكَهُ إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَجُدَّهُ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ أَصْلُ قَوْلِهِ فِيهَا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَضْمُونَةٌ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا خَصْلَتَانِ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي وَيَكُونَ الْمُشْتَرِي قَادِرًا عَلَى قَبْضِهَا بَالِغَةً صَلَاحَهَا بِأَنْ تُرَطَّبَ فَتُجَدَّ، لَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ عِنْدِي قَوْلٌ غَيْرُ هَذَا وَمَا أُصِيبَ فِيهَا بَعْدَ إرْطَابِهِ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي. (قَالَ) : وَهَذَا يَدْخُلُهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَابِضٌ قَادِرٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَإِنْ لَمْ يُرَطَّبْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُرَطَّبَ كَانَ قَطْعَ مَالِهِ وَلَزِمَهُ جَمِيعُ ثَمَنِهِ. [بَابٌ فِي الْجَائِحَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الثَّمَرَ فَقَبَضَهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَسَوَاءٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِفَّ أَوْ بَعْدَ مَا جَفَّ مَا لَمْ يَجُدَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْجَائِحَةُ ثَمَرَةً وَاحِدَةً أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَبَضَهَا وَكَانَ مَعْلُومًا أَنْ يَتْرُكَهَا إلَى الْجِدَادِ كَانَ فِي غَيْرِ مَعْنَى مَنْ قَبَضَ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا مَا قَبَضَ كَمَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعَامَ كَيْلًا فَيَقْبِضُ بَعْضَهُ وَيَهْلَكُ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَيَضْمَنُ مَا قَبَضَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إذَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَيْهَا إنْ شَاءَ قَطَعَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا فَمَا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ الْبَائِعِ فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا

باب الثنيا

الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَضْمَنُ الْبَائِعُ الثُّلُثَ إنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَأَكْثَرَ وَلَا يَضْمَنُ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنَّمَا هُوَ اشْتَرَاهَا بَيْعَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَهَا قَبْضًا وَاحِدًا فَكَيْفَ يَضْمَنُ لَهُ بَعْضَ مَا قَبَضَ وَلَا يَضْمَنُ لَهُ بَعْضًا؟ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ رَجُلٌ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَهْلِكَ الْمَالُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ الْجَائِحَةُ أَوْ قَالَ إذَا هَلَكَ سَهْمٌ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا إلَّا مَا وَصَفْنَا؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجَائِحَةُ مِنْ الْمَصَائِبِ كُلِّهَا كَانَتْ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ الْآدَمِيِّينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْجَائِحَةُ فِي كُلِّ مَا اشْتَرَى مِنْ الثِّمَارِ كَانَ مِمَّا يَيْبَسُ أَوْ لَا يَيْبَسُ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي كُلِّ شَيْءٍ اُشْتُرِيَ فَيُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ أَوَانَهُ فَأَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ دُونَ أَوَانِهِ فَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ وَضَعَهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا لَمْ يُقْبَضْ بِكَمَالِ الْقَبْضِ وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَتْرُكَهَا إلَى الْجُذَاذِ ثُمَّ انْقَطَعَ الْمَاءُ وَكَانَتْ لَا صَلَاحَ لَهَا إلَّا بِهِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَخَلَهَا فَإِنْ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَخَلَهَا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ مَا أَخَذَ مِنْهَا بِحِصَّتِهِ مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطٍ فَالسَّقْيُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلثَّمَرَةِ إلَّا بِهِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّقْيِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْقِي الْبَائِعُ لَمْ يُنْظَرْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُسْأَلُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ قَالُوا لَا يَصْلُحُهُ مِنْ السَّقْيِ إلَّا كَذَا جَبَرْت الْبَائِعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا فِي هَذَا صَلَاحُهُ، وَإِنْ زِيدَ كَانَ أَزْيَدَ فِي صَلَاحِهِ لَمْ أُجْبِرْ الْبَائِعَ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى صَلَاحِهِ وَإِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ عَلَيْهِ السَّقْيَ.: فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا أَبْطَلْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ. [بَابُ الثُّنْيَا] (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو بَاعَ حَائِطًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْإِفْرَاقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثَمَرًا أَوْ تَمْرًا أَنَا أَشُكُّ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك حَائِطِي إلَّا خَمْسِينَ فَرْقًا أَوْ كَيْلًا مُسَمًّى مَا كَانَ؟ قَالَ لَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَإِنْ قُلْت هِيَ مِنْ السَّوَادِ سَوَادِ الرُّطَبِ قَالَ لَا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ، قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك نَخْلِي إلَّا عَشْرَ نَخَلَاتٍ أَخْتَارُهُنَّ قَالَ لَا إلَّا أَنْ نَسْتَثْنِيَ أَيَّهنَّ هِيَ قَبْلَ الْبَيْعِ تَقُولُ هَذِهِ وَهَذِهِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَخْلَهُ أَوْ عِنَبَهُ أَوْ بُرَّهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ سِلْعَتَهُ مَا كَانَتْ عَلَى أَنِّي شَرِيكُك بِالرُّبْعِ وَبِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك ثَمَرَ حَائِطِي بِمِائَةِ دِينَارٍ فَضْلًا عَنْ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ؟ فَقَالَ لَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ نَفَقَةَ الرَّقِيقِ مَجْهُولَةٌ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ فَمِنْ ثَمَّ فَسَدَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا قَالَ عَطَاءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَمَا قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَإِنْ اشْتَرَى حَائِطًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ فَالثَّمَنُ مُسَمًّى غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَإِذَا

باب صدقة الثمر

بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَاسْتَثْنَى مَكِيلَةً مِنْهُ فَلَيْسَ مَا بَاعَ مِنْهُ بِمَعْلُومٍ وَقَدْ يَكُونُ يَسْتَثْنِي مُدًّا وَلَا يَدْرِي كَمْ الْمُدُّ مِنْ الْحَائِطِ أَسَهْمٌ مِنْ أَلْفٍ أَمْ مِائَةُ سَهْمٍ أَمْ أَقَلُّ أَمْ أَكْثَرُ فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ كَيْلًا لَمْ يَكُنْ مَا اشْتَرَى مِنْهُ بِجُزَافٍ مَعْلُومٍ وَلَا كَيْلٍ مَضْمُونٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَقَدْ تُصِيبُهُ الْآفَةُ فَيَكُونُ الْمُدُّ نِصْفَ ثَمَرِ الْحَائِطِ وَقَدْ يَكُونُ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهُ حِينَ بَاعَهُ وَهَكَذَا إذَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهُنَّ أَوْ يَتَشَرَّرُهُنَّ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْخِيَارِ وَالشِّرَارِ النَّخْلُ بَعْضُهُ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ بَعْضٍ وَخَيْرًا مِنْهُ بِكَثْرَةِ الْحِمْلِ وَجَوْدَةِ الثَّمَرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْحَائِطِ نَخْلًا لَا بِعَدَدٍ وَلَا كَيْلٍ بِحَالٍ وَلَا جُزْءًا إلَّا جُزْءًا مَعْلُومًا وَلَا نَخْلًا إلَّا نَخْلًا مَعْلُومًا. (قَالَ) : وَإِنْ بَاعَهُ الْحَائِطَ إلَّا رُبْعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ أَوْ الْحَائِطَ إلَّا نَخَلَاتٍ يُشِيرُ إلَيْهِنَّ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَثْنِ فَكَانَ الْحَائِطُ فِيهِ مِائَةَ نَخْلَةٍ اسْتَثْنَى مِنْهُنَّ عَشْرَ نَخَلَاتٍ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى تِسْعِينَ بِأَعْيَانِهِنَّ وَإِذَا اسْتَثْنَى رُبْعَ الْحَائِطِ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْحَائِطِ وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ بِالرُّبْعِ كَمَا يَكُونُ رِجَالٌ لَوْ اشْتَرَوْا حَائِطًا مَعَ شُرَكَاءَ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنْ الْحَائِطِ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَوْا مِنْهُ. (قَالَ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِأَلْفٍ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا فَإِنَّمَا بَاعَهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْحَائِطِ فَإِنْ قَالَ: أَسْتَثْنِي ثَمَرًا بِالْأَلْفِ بِسِعْرِ يَوْمِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ غَيْرَ مَعْلُومٍ لِلْبَائِعِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا مَنْ بَاعَ رَجُلًا غَنَمًا قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ أَوْ بَقَرًا أَوْ إبِلًا فَأُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْهَا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا اشْتَرَى كَامِلًا أَوْ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَكِنْ إنْ بَاعَهُ إبِلًا دُونَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَلَى الْبَائِعِ صَدَقَةُ الْإِبِلِ الَّتِي حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدِهِ وَلَا صَدَقَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهَا. (قَالَ) : وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ يَبِيعُ الرَّجُلَ الْعَبْدَ قَدْ حَلَّ دَمُهُ عِنْدَهُ بِرِدَّةٍ أَوْ قَتْلِ عَمْدٍ أَوْ حَلَّ قَطْعُ يَدِهِ عِنْدَهُ فِي سَرِقَةٍ فَيُقْتَلُ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ أَوْ يُقْطَعُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إمْسَاكِهِ؛ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي الْأَبْدَانِ مُخَالِفَةٌ نَقْصَ الْعَدَدِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي كَيْلًا مُعَيَّنًا كَانَ هَكَذَا إذَا كَانَ نَاقِصًا فِي الْكَيْلِ أَخَذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ فِيهِ الْبَيْعَ وَلَوْ قَالَ أَبِيعُك ثَمَرَ نَخَلَاتٍ تَخْتَارُهُنَّ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ يَفْسُدُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعُ ثَمَرٍ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَهُوَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَبِيعُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا مَعْلُومًا؟ [بَابُ صَدَقَةِ الثَّمَرِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الثَّمَرُ يُبَاعُ ثَمَرَانِ ثَمَرٌ فِيهِ صَدَقَةٌ وَثَمَرٌ لَا صَدَقَةَ فِيهِ فَأَمَّا الثَّمَرُ الَّذِي لَا صَدَقَةَ فِيهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ لَا عِلَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَأَمَّا مَا بِيعَ مِمَّا فِيهِ صَدَقَةٌ مِنْهُ فَالْبَيْعُ يَصِحُّ بِأَنْ يَقُولَ أَبِيعُك الْفَضْلَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا عَنْ الصَّدَقَةِ وَصَدَقَتُهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ إنْ كَانَ يُسْقَى بِنَضْحٍ فَيَكُونُ كَمَا وَصَفْنَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ بَاعَهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَائِطِ أَوْ تِسْعَةَ أَعْشَارِ ثَمَرِهِ وَنِصْفَ عُشْرِ ثَمَرِهِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك ثَمَرَ حَائِطِي هَذَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ فَضْلًا عَنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ لَك إنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَاعَهُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَسَكَتَ عَمَّا وَصَفْت مِنْ أَجْزَاءِ الصَّدَقَةِ وَكَمْ قَدْرُهَا كَانَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ مَا جَاوَزَ الصَّدَقَةَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِ الْكُلِّ وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْكُلِّ أَوْ

تِسْعَةُ أَعْشَارٍ وَنِصْفُ عُشْرِ الْكُلِّ أَوْ يَرُدُّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ كُلُّ مَا اشْتَرَى وَالثَّانِي إنْ شَاءَ أَخَذَ الْفَضْلَ عَنْ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ إنَّ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَاعَهُ مَا مَلَكَ وَمَا لَمْ يَمْلِكْ فَلَمَّا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ حَرَامَ الْبَيْعِ وَحَلَالَ الْبَيْعِ بَطَلَتْ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ بَائِعُ الْحَائِطِ الصَّدَقَةُ عَلَيَّ، لَمْ يَلْزَمْ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَكِيلَتِهَا ثَمَرًا مِنْ غَيْرِهَا قَالَ وَكَذَلِكَ الرُّطَبُ لَا يَكُونُ ثَمَرًا؛ لِأَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ الرُّطَبِ فَإِنْ صَارَ السُّلْطَانُ إلَى أَنْ يَضْمَنَ عُشْرَ رُطَبِهِ ثَمَرًا مِثْلَ رُطَبِهِ لَوْ كَانَ يَكُونُ تَمْرًا أَوْ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي بَعْدَهَا رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ الشِّرَاءُ فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى قَبْلَ هَذَا فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى مِنْ ثَمَرِ حَائِطٍ فِيهِ الْعُشْرُ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ عُشْرُهُ رُطَبًا وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يَأْخُذُ عُشْرَ ثَمَنِ الرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ فِيهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى الْكُلِّ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَلَهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ كُلِّهِ. (قَالَ) : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ الْمُتَبَايِعَانِ مَعًا أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الثَّمَرَةِ فَإِنَّمَا اشْتَرَى هَذَا وَبَاعَ هَذَا الْفَضْلَ عَنْ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمَا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ إنْ بِعْت ثَمَرَك وَلَمْ تَذْكُرْ الصَّدَقَةَ أَنْتَ وَلَا بَيْعَك فَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُبْتَاعِ قَالَ إنَّمَا الصَّدَقَةُ عَلَى الْحَائِطِ قَالَ هِيَ عَلَى الْمُبْتَاعِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ: إنْ بِعْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُخْرَصَ أَوْ بَعْدَمَا يُخْرَصُ؟ قَالَ نَعَمْ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُبْتَاعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قَالَا مِنْ هَذَا كَمَا قَالَا إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي عَيْنِ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ فَحَيْثُمَا تَحَوَّلَ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ وَرِثَ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ الْحَائِطِ وَكَذَلِكَ لَوْ وُهِبَ لَهُ ثَمَرُهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. (قَالَ) : وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا شَيْءٌ آخَرُ: إنَّ الثَّمَرَةَ إذَا وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ بَاعَهَا فَالصَّدَقَةُ فِي الثَّمَرَةِ وَالْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مَالَهُ وَمَا لِلْمَسَاكِينِ فِي أَخْذِ غَيْرِ الصَّدَقَةِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّ الْبَيْعِ. (قَالَ) : وَأَمَّا إذَا وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَرِثَ الثَّمَرَةَ عَنْ أَحَدٍ وَقَدْ أُوجِبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ أَوْ لَمْ تَجِبْ فَهَذَا كُلُّهُ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ بِتَفْرِيعِهِ. (قَالَ) : وَقَدْ قَالَ غَيْرُ مَنْ وَصَفْت قَوْلَهُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْمُبْتَاعِ. (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ لِلْوَالِي أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ الثَّمَرَةِ فَلَمْ تَخْلُصْ الثَّمَرَةُ لَهُ كُلُّهَا، وَإِنْ قَالَ يُعْطِيهِ رَبُّ الْحَائِطِ ثَمَرًا مِثْلَهَا فَقَدْ أَحَالَ الصَّدَقَةَ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَالْعَيْنُ مَوْجُودَةٌ. (قَالَ) : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَإِنَّمَا يَقُولُ هُوَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ دِينَارًا مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَصُنُوفِ الصَّدَقَةِ. (قَالَ) : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ صَدَقَةٌ وَالشَّرْطُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ فَبِهَذَا أَقُولُ، وَبِهَذَا اخْتَرْت الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ فِيمَا لَا صَدَقَةَ فِيهِ وَغَيْرُ لَازِمٍ فِيمَا فِيهِ الصَّدَقَةُ إذَا عُرِفَتْ عَرَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مَا يَبِيعُ هَذَا وَيَشْتَرِي هَذَا. (قَالَ) : وَإِذَا سَمَّى الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الصَّدَقَةَ وَعَرَّفَاهَا فَتَعَدَّى عَلَيْهِ الْوَالِي فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْوَالِي كَالْغَاصِبِ فِيمَا جَاوَزَ الصَّدَقَةَ وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْغَاصِبِ فَمَنْ لَمْ يَضَعْ الْجَائِحَةَ قَالَ هَذَا رَجُلٌ ظَلَمَ مَالَهُ وَلَا ذَنْبَ عَلَى بَائِعِهِ فِي ظُلْمِ غَيْرِهِ وَقَدْ قَبَضَ مَا ابْتَاعَ وَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا غَيْرُ تَامَّةِ الْقَبْضِ يُشْبِهُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بِقَدْرِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ وَيُخَيِّرُهُ بَعْدَ الْعُدْوَانِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ أَوْ أَخْذِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ كَمَا بَاعَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْمَظْلَمَةِ لَيْسَتْ بِجَائِحَةٍ قِيلَ وَمَا مَعْنَى الْجَائِحَةِ؟ أَلَيْسَ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ - فَالْمَظْلَمَةُ

باب في المزابنة

إتْلَافٌ فَإِنْ قَالَ مَا أَصَابَ مِنْ السَّمَاءِ قِيلَ أَفَرَأَيْت مَا ابْتَعْت فَلَمْ أَقْبِضْهُ فَأَصَابَهُ مِنْ السَّمَاءِ شَيْءٌ يُتْلِفُهُ أَلَيْسَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ؟ فَإِنْ قَالَ بَلَى قِيلَ فَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَأَنَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ أَفْسَخَ الْبَيْعَ أَوْ آخُذَهُ وَأَتْبَعَ الْآدَمِيَّ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلْت مَا أَصَابَ مِنْ السَّمَاءِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى مَا أَصَابَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ أَوْ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّك فَسَخْت بِهِ الْبَيْعَ، وَإِنْ قَالَ إذَا مَلَكْته فَهُوَ مِنْك، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْك بِالثَّمَرَةِ قَدْ ابْتَعْتهَا وَقَبَضْتهَا فَهِيَ أَوْلَى أَنْ لَا تُوضَعَ عَنِّي بِتَلَفٍ أَصَابَهَا. [بَابٌ فِي الْمُزَابَنَةِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالْمُحَاقَلَةُ اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيع) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَسَأَلْت عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ كَالْمُزَابَنَةِ فِي التَّمْرِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ مَا الْمُحَاقَلَةُ قَالَ الْمُحَاقَلَةُ فِي الْحَرْثِ كَهَيْئَةِ الْمُزَابَنَةِ فِي النَّخْلِ سَوَاءٌ بِيعَ الزَّرْعُ وَبِالْقَمْحِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ أَفَسَّرَ لَكُمْ جَابِرٌ فِي الْمُحَاقَلَةِ كَمَا أَخْبَرْتنِي قَالَ نَعَمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْصُوصًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ» وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بِمِائَةِ فَرْقِ حِنْطَةٍ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ التَّمْرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِمِائَةِ فَرْقٍ وَالْمُخَابَرَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا تُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ» . أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَ الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ سَمِعْت مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَبَرًا أَخْبَرَنِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْهُ فِي الصُّبْرَةِ قَالَ حَسِبْت قَالَ فَكَيْفَ تَرَى أَنْتَ فِي ذَلِكَ فَنَهَى عَنْهُ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُبَاعَ صُبْرَةٌ بِصُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ لَا تُعْلَمُ مَكِيلُهُمَا أَوْ تُعْلَمُ مَكِيلَةُ إحْدَاهُمَا وَلَا تُعْلَمُ مَكِيلَةُ الْأُخْرَى أَوْ تُعْلَمُ مَكِيلَتُهُمَا جَمِيعًا هَذِهِ بِهَذِهِ وَهَذِهِ بِهَذِهِ قَالَ لَا إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ مَا الْمُزَابَنَةُ قَالَ التَّمْرُ فِي النَّخْلِ يُبَاعُ بِالتَّمْرِ فَقُلْت إنْ عُلِمَتْ مَكِيلَةُ التَّمْرِ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ إنْسَانٌ لِعَطَاءٍ أَفَبِالرُّطَبِ قَالَ سَوَاءٌ التَّمْرُ وَالرُّطَبُ ذَلِكَ مُزَابَنَةٌ. قَالَ

الشَّافِعِيُّ وَبِهَذَا نَقُولُ إلَّا فِي الْعَرَايَا الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا قَالَ وَجِمَاعُ الْمُزَابَنَةِ أَنْ تَنْظُرَ كُلَّ مَا عَقَدْت بَيْعَهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ رِبًا فَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ يُعْرَفُ كَيْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ جُزَافًا لَا يُعْرَفُ كَيْلُهُ وَلَا جُزَافَ مِنْهُ بِجُزَافٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا كَانَ جُزَافًا بِجُزَافٍ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْكَيْلِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ جُزَافًا بِمَكِيلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِيهِمَا عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَكُونَا إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنِ فَكُلُّ مَا عُقِدَ عَلَى هَذَا مَفْسُوخٌ. (قَالَ) : وَلَوْ تَبَايَعَا جُزَافًا بِكَيْلٍ أَوْ جُزَافًا بِجُزَافٍ مِنْ جِنْسِهِ ثُمَّ تَكَايَلَا فَكَانَا سَوَاءً كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَنَّهُ كَيْلٌ بِكَيْلٍ. (قَالَ) : وَلَوْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى أَنْ يَتَكَايَلَا هَذَيْنِ الطَّعَامَيْنِ جَمِيعًا بِأَعْيَانِهِمَا مِكْيَالًا بِمِكْيَالٍ فَتَكَايَلَاهُ فَكَانَا مُسْتَوِيَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مُتَفَاضِلَيْنِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلَّذِي نَقَصَتْ صُبْرَتُهُ الْخِيَارَ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ كَيْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ بَعْضُهُ حَرَامٌ وَبَعْضُهُ حَلَالٌ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْقَوْلُ الَّذِي حَكَيْت ضَعِيفٌ لَيْسَ بِقِيَاسٍ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا نَقَصَ مِمَّا لَا رِبَا فِي زِيَادَةِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَأَمَّا مَا فِيهِ الرِّبَا فَقَدْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْكُلِّ فَوُجِدَ الْبَعْضُ مُحَرَّمًا أَنْ يُمْلَكَ بِهَذِهِ الْعُقْدَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ بَيْعَةٍ وَفِيهَا حَرَامٌ؟ . (قَالَ) : وَمَا وَصَفْت مِنْ الْمُزَابَنَةِ جَامِعٌ لِجَمِيعِهَا كَافٍ مِنْ تَفْرِيعِهَا، وَمِنْ تَفْرِيعِهَا أَنْ أَبْتَاعَ مِنْك مِائَةَ صَاعِ تَمْرٍ بِتَمْرٍ مِائَةُ نَخْلَةٍ لِي أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ.: فَهَذَا مَفْسُوخٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رُطَبٌ بِتَمْرٍ وَجُزَافٌ بِكَيْلٍ مِنْ جِنْسِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ آخُذَ مِنْك تَمْرًا لَا أَعْرِفُ كَيْلَهُ بِصَاعِ تَمْرٍ أَوْ بِصُبْرَةِ تَمْرٍ لَا أَعْرِفُ كَيْلَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مُحَرَّمُ الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُبَحْ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ. (قَالَ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي الْحِنْطَةِ وَكُلُّ مَا فِي الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ الرِّبَا. (قَالَ) : فَأَمَّا ثَمَرُ نَخْلٍ بِحِنْطَةٍ مَقْبُوضَةٍ كَيْلًا.: أَوْ صُبْرَةُ تَمْرٍ بِصُبْرَةِ حِنْطَةٍ أَوْ صِنْفٍ بِغَيْرِ صِنْفِهِ جُزَافٍ بِكَيْلٍ أَوْ كَيْلٍ بِجُزَافٍ يَدًا بِيَدٍ مِمَّا لَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ. (قَالَ) : فَأَمَّا الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ وَعِنْدَهُ صُبْرَةُ تَمْرٍ لَهُ أَضْمَنُ لَك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعِشْرِينَ صَاعًا فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ صَاعًا فَلِي فَإِنْ كَانَتْ عِشْرِينَ فَهِيَ لَك، وَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ عِشْرِينَ فَعَلَيَّ إتْمَامُ عِشْرِينَ صَاعًا لَك فَهَذَا لَا يَحِلُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي وَصَفْت قَبْلَ هَذَا وَهَذَا بِالْمُخَاطَرَةِ وَالْقِمَارِ أَشْبَهُ وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ بِسَبِيلٍ لَيْسَ الْمُزَابَنَةُ إلَّا مَا وَصَفْت لَا تُجَاوِزْهُ. (قَالَ) : وَهَذَا جِمَاعُهُ، وَهُوَ كَافٍ مِنْ تَفْرِيعِهِ، وَمِنْ تَفْرِيعِهِ مَا وَصَفْت فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عُدَّ قِثَّاءَك أَوْ بِطِّيخَك هَذَا الْمَجْمُوعَ فَمَا نَقَصَ مِنْ مِائَةٍ فَعَلَيَّ تَمَامُ مِائَةٍ مِثْلِهِ وَمَا زَادَ فَلِي أَوْ اقْطَعْ ثَوْبَك هَذَا قَلَانِسَ أَوْ سَرَاوِيلَاتٍ عَلَى قَدْرِ كَذَا، فَمَا نَقَصَ، مِنْ كَذَا وَكَذَا قَلَنْسُوَةٌ أَوْ سَرَاوِيلُ فَعَلَيَّ وَمَا زَادَ فَلِي أَوْ اطْحَنْ حِنْطَتَك هَذِهِ فَمَا زَادَ عَلَى مُدِّ دَقِيقٍ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ فَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلْمُزَابَنَةِ وَمُحَرَّمٌ مِنْ أَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، لَا هُوَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ، وَلَا هُوَ شَيْءٌ أَعْطَاهُ مَالِكُ الْمَالِ الْمُعْطَى، وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَيُؤَخَّرُ فِيهِ أَوْ يُحْمَدُ وَلَا هُوَ شَيْءٌ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَلَا عَلَى وَجْهِ خَيْرٍ مِنْ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِثَمَرِ نَخْلَةٍ بِثَمَرِ عِنَبَةٍ أَوْ بِثَمَرِ فِرْسِكَةٍ كِلَاهُمَا قَدْ طَابَتْ كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ أَوْ فِي شَجَرَةٍ أَوْ بَعْضُهُ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ إذَا خَالَفَهُ وَكَانَ الْفَضْلُ يَحِلُّ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ حَالًّا وَكَانَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ

باب وقت بيع الفاكهة

دَخَلَتْ النَّسِيئَةُ فَسَدَ أَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ الْبَيْعُ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ فِي رَأْسِهَا بِثَمَرِ شَجَرَةِ فِرْسِكٍ فِي رَأْسِهَا أَوْ يَبِيعَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ فِي رَأْسِهَا بِفِرْسِكٍ مَوْضُوعٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ يَبِيعَ رُطَبًا فِي الْأَرْضِ بِفِرْسِكٍ مَوْضُوعٍ فِي الْأَرْضِ جُزَافًا. (قَالَ) : وَجِمَاعُهُ أَنْ تَبِيعَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ صِنْفِهِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْت. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَانَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَحِلَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ وَلَا رَطْبٌ يَبِسَ بِرَطْبٍ إلَّا الْعَرَايَا خَاصَّةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَفْقَةٍ شَيْئًا مِنْ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا فِي الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ صُبْرَةَ تَمْرٍ مَكِيلَةً أَوْ جُزَافًا بِصُبْرَةِ حِنْطَةٍ مَكِيلَةً أَوْ جُزَافًا وَمَعَ الْحِنْطَةِ مِنْ التَّمْرِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّفْقَةَ فِي الْحِنْطَةِ تَقَعُ عَلَى حِنْطَةٍ وَتَمْرٍ بِتَمْرٍ وَحِصَّةُ التَّمْرِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِقِيمَتِهَا وَالْحِنْطَةُ بِقِيمَتِهَا وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا كَيْلًا بِكَيْلٍ. [بَابُ وَقْتِ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقْتُ بَيْعِ جَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ أَوَّلِهِ الشَّيْءُ وَيَكُونُ آخِرُهُ قَدْ قَارَبَ أَوَّلَهُ كَمُقَارَبَةِ ثَمَرِ النَّخْلِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا حَلَّ بَيْعُ ثَمَرَتِهِ الْخَارِجَةِ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالشَّجَرُ مِنْهُ الثَّابِتُ الْأَصْلِ كَالنَّخْلِ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا فِي شَيْءٍ سَأَذْكُرُهُ يُبَاعُ إذَا طَابَ أَوَّلُهُ الْكُمَّثْرَى وَالسَّفَرْجَلُ وَالْأُتْرُجُّ وَالْمَوْزُ وَغَيْرُهُ إذَا طَابَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فَبَلَغَ أَنْ يَنْضُجَ بِيعَتْ ثَمَرَتُهُ تِلْكَ كُلُّهَا قَالَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ التِّينَ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ يَنْبُتُ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَوْمَ ثُمَّ يُقِيمُ الْأَيَّامَ ثُمَّ يَنْبُتُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِرَارًا وَالْقِثَّاءُ وَالْخِرْبِزُ حَتَّى يَبْلُغَ بَعْضُهُ وَفِي مَوْضِعِهِ مِنْ شَجَرِ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ شَيْءٌ فَكَانَ الشَّجَرُ يَتَفَرَّقُ مَعَ مَا يَخْرُجُ فِيهِ، وَلَمْ يُبَعْ مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ مِنْهُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَيَأْخُذُ مُشْتَرِيهِ كُلَّهُ أَوْ مَا حُمِلَ مِمَّا لَمْ يَشْتَرِ فَإِنْ بِيعَ، وَهُوَ هَكَذَا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ عَلَى مَا بَاعَ فَيَكُونُ قَدْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ وَزَادَهُ قَالَ فَيُنْظَرُ مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ فِي مِثْلِ مَا وَصَفْت مِنْ التِّينِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ يَخْرُجُ الشَّيْءُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ شَجَرِهِ فَإِذَا تُرِكَ فِي شَجَرِهِ لِتَتَلَاحَقَ صِغَارُهُ خَرَجَ مِنْ شَجَرِهِ شَيْءٌ مِنْهُ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي التِّينِ إنْ اُسْتُطِيعَ تَمْيِيزُهُ جَازَ مَا خَرَجَ أَوَّلًا وَلَمْ يَدْخُلْ مَا خَرَجَ بَعْدَهُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْبَيْعُ بِمَا وَصَفْت قَالَ، وَإِنْ حَلَّ بَيْعُ ثَمَرَةٍ مِنْ هَذَا الثَّمَرِ نَخْلٍ أَوْ عِنَبٍ أَوْ قِثَّاءٍ أَوْ خِرْبِزٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَتُهَا الَّتِي تَأْتِي بَعْدَهَا بِحَالٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا لَمَّا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» كَانَ بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ أَوْلَى فِي جَمِيعِ هَذَا. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ مُعَاوَمَةً، قَالَ فَإِذَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ وَالتَّمْرِ بَلَحًا شَدِيدًا لَمْ تُرَ فِيهِ صُفْرَةٌ» ؛ لِأَنَّ الْعَاهَةَ قَدْ تَأْتِي

باب ما ينبت من الزرع

عَلَيْهِ كَانَ بَيْعُ مَا لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ مِنْ قِثَّاءٍ أَوْ خِرْبِزٍ أُدْخِلَ فِي مَعْنَى الْغَرَرِ، وَأَوْلَى أَنْ لَا يُبَاعَ مِمَّا قَدْ رُئِيَ فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِهِ وَكَيْفَ يَحْرُمُ أَنْ يُبَاعَ قِثَّاءٌ أَوْ خِرْبِزٌ حِينَ بَدَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَدْ رَوَى رَجُلٌ أَنْ يُبْتَاعَ وَلَمْ يُخْلَقْ قَطُّ؟ وَكَيْفَ أُشْكِلَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْعٌ أَبَدًا أَوْلَى بِالْغَرَرِ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ؟ الطَّائِرُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالْجَمَلُ الشَّارِدُ، أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ فِيهِ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ قَدْ خُلِقَ وَقَدْ يُوجَدُ وَهَذَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ. وَقَدْ يُخْلَقُ فَيَكُونُ غَايَةً فِي الْكَثْرَةِ، وَغَايَةً فِي الْقِلَّةِ وَفِيمَا بَيْنَ الْغَايَتَيْنِ مَنَازِلُ. أَوْ رَأَيْت إنْ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاسُ؟ أَبِأَوَّلِ حِمْلِهِ فَقَدْ يَكُونُ ثَانِيهِ أَكْثَرَ وَثَالِثُهُ فَقَدْ يَخْتَلِفُ وَيَتَبَايَنُ فَهَذَا عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ بِمَعْنَى السُّنَّةِ وَالْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا وَالْمَعْقُولِ، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ مِنْ عُيُوبِهِ أَكْثَرُ مِمَّا حَكَيْنَا وَفِيمَا حَكَيْنَا كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَالَ) : فَكُلُّ مَا كِيلَ مِنْ هَذَا أَوْ وُزِنَ أَوْ بِيعَ عَدَدًا كَمَا وَصَفْت فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا يَحِلُّ التَّمْرُ مِنْهُ بِرُطَبٍ وَلَا جُزَافٌ مِنْهُ بِكَيْلٍ وَلَا رُطَبٌ بِرُطَبٍ عِنْدِي بِحَالٍ وَلَا يَحِلُّ إلَّا يَابِسًا بِيَابِسٍ، كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ مَا يُوزَنُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ عَدَدٌ لِعَدَدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَصْلًا إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ رَطْبًا يَشْتَرِي بِصِنْفِهِ رَطْبَ فِرْسِكٍ بِفِرْسِكٍ، وَتِبْنٍ بِتِبْنٍ، وَصِنْفٍ بِصِنْفِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبِعْهُ كَيْفَ شِئْت يَدًا بِيَدٍ، جُزَافًا بِكَيْلٍ، وَرَطْبًا بِيَابِسٍ، وَقَلِيلَهُ بِكَثِيرِهِ، لَا يَخْتَلِفُ هُوَ، وَمَا وَصَفْت مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَخْتَلِفُ هُوَ وَثَمَرُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فِي الْعَرَايَا، وَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ سِوَى النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ الْعَرِيَّةُ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ بَيْعُ الْعَرَايَا مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ تِينَةٍ فِي رَأْسِهَا بِمَكِيلَةٍ مِنْ التِّينِ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ تِينَةٍ فِي رَأْسِهَا بِثَمَرٍ مِنْهَا يَابِسٍ مَوْضُوعٍ بِالْأَرْضِ وَلَا فِي شَجَرِهِ أَبَدًا جُزَافًا وَلَا كَيْلًا وَلَا بِمَعْنًى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ لَمْ تُجِزْهُ؟ قُلْت؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَنَّ الْخَرْصَ فِي التَّمْرِ، وَالْعِنَبِ وَفِيهِمَا أَنَّهُمَا مُجْتَمَعَا التَّمْرِ لَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ الْإِحَاطَةَ وَكَانَ يَكُونُ فِي الْمِكْيَالِ مُسْتَجْمَعًا كَاسْتِجْمَاعِهِ فِي نَبْتِهِ كَانَ لَهُ مَعَانٍ لَا يَجْمَعُ أَحَدَ مَعَانِيهِ شَيْءٌ سِوَاهُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي الْمِكْيَالِ فَمِنْ فَوْقِ كَثِيرٍ مِنْهُ حَائِلٌ مِنْ الْوَرِقِ وَلَا يُحِيطُ الْبَصَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْكُمَّثْرَى وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْأُتْرُجُّ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُهُ فَلَا يَجْتَمِعُ فِي مِكْيَالٍ وَكَذَلِكَ الْخِرْبِزِ، وَالْقِثَّاءُ، وَهُوَ مُخْتَلِفُ الْخَلْقِ لَا يُشْبِهُهُمَا وَبِذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعْ فِي الْمِكْيَالِ وَلَا يُحِيطُ بِهِ الْبَصَرُ إحَاطَتَهُ بِالْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ وَلَا يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ يَكُونُ مَكِيلًا يُخْرَصُ بِمَا فِي رُءُوسِ شَجَرِهِ لِغِلَظِهِ وَتَجَافِي خِلْقَتِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا بِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنْ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ إذَا خَالَفَهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ شَيْئًا فيستعريه ابْتَاعَهُ بِغَيْرِ صِنْفِهِ ثُمَّ اسْتَعْرَاهُ كَيْفَ شَاءَ. [بَابُ مَا يَنْبُتُ مِنْ الزَّرْعِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بَعْضُهُ مَغِيبٌ فِيهَا وَبَعْضُهُ ظَاهِرٌ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ بَيْعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا الظَّاهِرُ مِنْهُ يُجَزُّ مَكَانَهُ، فَأَمَّا الْمَغِيبُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَرَقُهُ الظَّاهِرُ مُقْطَعًا مَكَانَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي دَاخِلِهِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ كُلِّهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْعُ نَبَاتٍ، وَبَيْعُ النَّبَاتِ بَيْعُ الْإِيجَابِ وَذَلِكَ لَوْ أَجَزْت بَيْعَهُ لَمْ أُجِزْهُ إلَّا عَلَى أَحَدِ مَعَانٍ إمَّا عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ فَتِلْكَ إذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهَا أَوْ تَرْكِهَا، فَلَوْ أَجَزْت الْبَيْعَ عَلَى هَذَا فَقَلَعَ جَزَرَةً أَوْ فُجْلَةً، أَوْ بَصَلَةً،

باب ما اشتري مما يكون مأكوله داخله

فَجَعَلْت لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ كُنْت قَدْ أَدْخَلْت عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرًا فِي أَنْ يُقْلِعَ مَا فِي رَكِيبِهِ وَأَرْضِهِ الَّتِي اشْتَرَى ثُمَّ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ فَيَبْطُلُ أَكْثَرُهُ عَلَى الْبَائِعِ. (قَالَ) : وَهَذَا يُخَالِفُ الْعَبْدَ يُشْتَرَى غَائِبًا وَالْمَتَاعَ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدْ يَرَيَانِ فَيَصِفُهُمَا لِلْمُشْتَرِي مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَشْتَرِيَهُمَا ثُمَّ يَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرٌ فِي رُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي لَهُمَا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِيمَا قُلِعَ مِنْ زَرْعِهِ وَلَوْ أَجَزْت بَيْعَهُ عَلَى أَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ كَانَ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْمُخْتَلِفُ الْخِلْقَةِ فَكَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَ وَأَلْزَمْته مَا لَمْ يَرْضَ بِشِرَائِهِ قَطُّ، وَلَوْ أَجَزْته عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ عَلَى صِفَةٍ مَوْزُونًا كُنْت أَجَزْت بَيْعَ الصِّفَاتِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ وَإِنَّمَا تُبَاعُ الصِّفَةُ مَضْمُونَةً. (قَالَ) : وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَوْصُوفٍ مَوْزُونٍ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ جَازَ السَّلَفُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ يَأْتِي بِهِ حَيْثُ شَاءَ لَا مِنْ أَرْضٍ قَدْ يُخْطِئُ زَرْعَهَا وَيُصِيبُ فَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَيْعٌ إلَّا بِصِفَةِ مَضْمُونٍ مَوْزُونٍ أَوْ حَتَّى يُقْلَعَ فَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي. (قَالَ) : وَلَا يُشْبِهُ الْجَوْزَ، وَالْبَيْضَ وَمَا أَشْبَهَهُ هَذَا لَا صَلَاحَ لَهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْبُلُوغِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْهُ وَيُبَاعُ مَا لَا يَبْقَى مِثْلُ الْبَقْلِ، وَذَلِكَ لَا صَلَاحَ لَهُ، إلَّا بِبَقَائِهِ فِي قِشْرِهِ، وَذَلِكَ إذَا رُئِيَ قِشْرُهُ اُسْتُدِلَّ عَلَى قَدْرِهِ فِي دَاخِلِهِ وَهَذَا لَا دَلَالَةَ عَلَى دَاخِلِهِ، وَإِنْ رُئِيَ خَارِجُهُ قَدْ يَكُونُ الْوَرَقُ كَبِيرًا وَالرَّأْسُ صَغِيرًا وَكَبِيرًا. [بَابُ مَا اُشْتُرِيَ مِمَّا يَكُونُ مَأْكُولُهُ دَاخِلَهُ] ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ اشْتَرَى رَانِجًا، أَوْ جَوْزًا، أَوْ لَوْزًا، أَوْ فُسْتُقًا أَوْ بَيْضًا فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا أَوْ مَعِيبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ وَالرُّجُوعَ بِثَمَنِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَالرُّجُوعَ بِثَمَنِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْبِهِ وَفَسَادِهِ، وَصَلَاحِهِ إلَّا بِكَسْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ قَصْدُهُ بِالْبَيْعِ دَاخِلَهُ فَبَائِعُهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ. (قَالَ) : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْكَاسِرِ أَنْ يَرُدَّ الْقِشْرَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ قُلْت إنْ كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ كَمَا يَسْتَمْتِعُ بِقِشْرِ الرَّانِجِ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا سِوَاهُ أَوْ يَرُدُّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُقِيمَ قِشْرُهَا فَكَانَتْ لِلْقِشْرِ قِيمَةٌ مِنْهُ وَدَاخِلُهُ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ وَطَرَحَ عَنْهُ حِصَّةَ مَا لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ قِشْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ بِالْبَاقِي وَلَوْ كَانَتْ حِصَّةُ الْقِشْرِ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي إنَّهُ إذَا كَسَرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ، وَيَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ فَاسِدًا، وَبَيْضُ الدَّجَاجِ كُلُّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَإِذَا كَسَرَهُ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا بَيْضُ النَّعَامِ فَلِقِشْرَتِهِ ثَمَنٌ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ قِشْرَتَهَا رُبَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ دَاخِلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ قِشْرَتَهَا صَحِيحَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا غَيْرَ فَاسِدَةٍ وَقِيمَتِهَا فَاسِدَةً، وَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَرُدُّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى سِرِّهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَفْسَدَهَا بِالْكَسْرِ، وَقَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَسْرٍ لَا يُفْسِدُ، فَيَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلَا يَرُدُّهَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الْقِثَّاءُ وَالْخِرْبِزُ وَمَا رَطُبَ فَإِنَّهُ يَذُوقُهُ بِشَيْءٍ دَقِيقٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ عُودٍ فَيُدْخِلُهُ فِيهِ فَيَعْرِفُ طَعْمَهُ إنْ كَانَ مُرًّا أَوْ كَانَ الْخِرْبِزُ حَامِضًا فَلَهُ رَدُّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نَقْبِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا فَسَادَ فِي النَّقْبِ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ لَا يَرُدُّهُ

مسألة بيع القمح في سنبله

إلَّا كَمَا أَخَذَهُ بِأَنْ يَقُولَ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ الْفَسَادِ وَقِيمَتِهِ فَاسِدًا. (قَالَ) : وَلَوْ كَسَرَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَفَاسِدًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَكْسُورًا. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ طَعْمُهُ مِنْ ثُقْبِهِ صَحِيحًا لَيْسَ كَالْجَوْزِ لَا يَصِلُ إلَى طَعْمِهِ مِنْ نَقْبِهِ وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ رِيحُهُ لَا طَعْمُهُ صَحِيحًا فَأَمَّا الدُّودُ فَلَا يُعْرَفُ بِالْمُذَاقَةِ فَإِذَا كَسَرَهُ وَوَجَدَ الدُّودَ كَانَ لَهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ رَدُّهُ، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي الرُّجُوعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ. وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ هَذَا شَيْئًا رَطْبًا مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ فَحَبَسَهُ حَتَّى ضَمُرَ وَتَغَيَّرَ وَفَسَدَ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَاسِدًا بِمَرَارَةٍ أَوْ دُودٍ كَانَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ مِنْ شَيْءٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي فَسَادِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَيْضِ يُقِيمُ عِنْدَ الرَّجُلِ زَمَانًا ثُمَّ يَجِدُهُ فَاسِدًا وَفَسَادُ الْبَيْضِ يَحْدُثُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ] ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قُلْت لِلشَّافِعِيِّ إنَّ عَلِيَّ بْنَ مَعْبِدٍ رَوَى لَنَا حَدِيثًا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ بَيْعَ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ إذَا ابْيَضَّ» ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ قُلْنَا بِهِ فَكَانَ الْخَاصُّ مُسْتَخْرَجًا مِنْ الْعَامِّ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَبَيْعُ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَى، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّارِ وَالْأَسَاسِ لَا يُرَى، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الصُّبْرَةِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ أَجَزْنَا ذَلِكَ كَمَا أَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ هَذَا خَاصًّا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَامٍّ وَكَذَلِكَ نُجِيزُ بَيْعَ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ إذَا ابْيَضَّ إنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ كَمَا أَجَزْنَا بَيْعَ الدَّارِ وَالصُّبْرَةِ. [بَابُ بَيْعِ الْقَصَبِ وَالْقِرْطِ] ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَصَبِ لَا يُبَاعُ إلَّا جِزَّةً أَوْ قَالَ صِرْمَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْقُرْطُ إلَّا جِزَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ بُلُوغِ الْجِزَازِ وَيَأْخُذُ صَاحِبُهُ فِي جِزَازِهِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ جِزَازُهُ فِيهِ مِنْ يَوْمِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اشْتَرَاهُ ثَابِتًا عَلَى أَنْ يَدَعَهُ أَيَّامًا لِيَطُولَ أَوْ يَغْلَطَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَانَ يَزِيدُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَلَا خَيْرَ فِي الشِّرَاءِ، وَالشِّرَاءُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ لِلْبَائِعِ وَفَرْعَهُ الظَّاهِرَ لِلْمُشْتَرِي. فَإِنْ كَانَ يَطُولُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ إلَى مَالِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَيَمْلِكُهُ كُنْت قَدْ أَعْطَيْت الْمُشْتَرِيَ مَا لَمْ يَشْتَرِ، وَأَخَذْت مِنْ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَبِعْ مِنْهُ أَعْطَيْته مِنْهُ شَيْئًا مَجْهُولًا - لَا يُرَى بِعَيْنٍ وَلَا يُضْبَطُ بِصِفَةٍ وَلَا يَتَمَيَّزُ مَا لِلْبَائِعِ فِيهِ مِمَّا لِلْمُشْتَرِي فَيَفْسُدُ مِنْ وُجُوهٍ. (قَالَ) : وَلَوْ اشْتَرَاهُ لِيَقْطَعَهُ فَتَرَكَهُ وَقَطْعُهُ لَهُ مُمْكِنٌ مُدَّةً يَطُولُ فِي مِثْلِهَا كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا إذَا كَانَ عَلَى مَا شُرِطَ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَنْ يَدَعَهُ لِمَا وَصَفْت مِمَّا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً جُزَافًا وَشَرَطَ لَهُ أَنَّهَا إنْ انْهَالَ لَهُ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ لِلْبَائِعِ لَمْ يَبِعْهَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَا اشْتَرَى لَا يَتَمَيَّزُ وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ مِمَّا لَمْ يَشْتَرِ فَيُعْطِي مَا اشْتَرَى وَيَمْنَعُ مَا لَمْ يَشْتَرِ، وَهُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَائِعُ شَيْءٍ قَدْ كَانَ

وَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَهَذَا الْبَيْعُ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِي فَسَادِهِ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ أَبِيعُك شَيْئًا إنْ نَبَتَ فِي أَرْضِي بِكَذَا فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ أَوْ نَبَتَ قَلِيلًا لَزِمَك الثَّمَنُ مِنْك مَفْسُوخًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَبِيعُك شَيْئًا إنْ جَاءَنِي مِنْ تِجَارَتِي بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَزِمَك الثَّمَنُ. (قَالَ) : وَلَكِنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ كَمَا وَصَفْت وَتَرَكَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَيَّامًا وَقَطَعَهُ يُمْكِنُهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَدَعَ لَهُ الْفَضْلَ الَّذِي لَهُ بِلَا ثَمَنٍ أَوْ يَنْقُضُ الْبَيْعَ. (قَالَ) : كَمَا يَكُونُ إذَا بَاعَهُ حِنْطَةً جُزَافًا فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ لَهُ، فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُسَلِّمَ مَا بَاعَهُ وَمَا زَادَ فِي حِنْطَتِهِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ لِاخْتِلَاطِ مَا بَاعَ بِمَا لَمْ يَبِعْ. (قَالَ) : وَمَا أَفْسَدْتُ فِيهِ الْبَيْعَ فَأَصَابَ الْقَصَبَ فِيهِ آفَةٌ تُتْلِفُهُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ وَمَا أَصَابَتْهُ آفَةٌ تُنْقِصُهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ مَا نَقَصَتْهُ وَالزَّرْعُ لِبَائِعِهِ وَعَلَى كُلِّ مُشْتَرٍ شِرَاءً فَاسِدًا أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ أَوْ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَهُ وَضَمَانُهُ إنْ تَلِفَ وَضَمَانُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ فِي كُلِّ شَيْءٍ

باب حكم المبيع قبل القبض وبعده

[بَابُ حُكْمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ] ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ أَمَّا «الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ: الطَّعَامُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا كَائِنًا مَا كَانَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَاعَ مَا لَمْ يَقْبِضْ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَرْوِي بَعْضُ النَّاسِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا وَرِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ» ، وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامَهُ كَيْلًا فَقَبَضَهُ أَنْ يَكْتَالَهُ وَمَنْ ابْتَاعَهُ جُزَافًا فَقَبَضَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُنْقَلُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَامَ جُزَافًا فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَاعُوهُ فِيهِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ» ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا لِئَلَّا يَبِيعُوهُ قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَلَكَ طَعَامًا بِإِجَازَةِ بَيْعٍ مِنْ

الْبُيُوعِ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَمَنْ مَلَكَهُ بِمِيرَاثٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى غَيْرِهِ بِثَمَنٍ، وَكَذَلِكَ مَا مَلَكَهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ وَجْهِ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ إنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى غَيْرِهِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ إذَا فَاتَ، وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَبِيعُهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَلَا يَبِيعُهَا الَّذِي يَشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهَا لَمْ يَقْبِضْ، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ لَهُ عَلَى بَائِعِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ إيَّاهَا بِهِ حَتَّى يَقْبِضَهَا أَوْ يَرُدَّ الْبَائِعُ إلَيْهِ الثَّمَنَ، وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا فَكَتَبَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ قَابِضًا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ وَكِيلُ الْمُبْتَاعِ غَيْرِ الْبَائِعِ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ طَعَامًا فَابْتَاعَهُ ثُمَّ وَكَّلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بِنَقْدٍ لَا بِدَيْنٍ حَتَّى يُبِيحَ لَهُ الدَّيْنَ فَهُوَ جَائِزٌ كَأَنَّهُ هُوَ ابْتَاعَهُ وَبَاعَهُ، وَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ قَالَ قَدْ بِعْته مِنْ غَيْرِي فَهَلَكَ الثَّمَنُ أَوْ هَرَبَ الْمُشْتَرِي فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ، وَلَا يَكُونُ

ضَامِنًا لَوْ هَرَبَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَفْلَسَ أَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ فَهَلَكَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمِينٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَبَاعَهُ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَلَا يَكِيلُهُ لَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَحْضُرَ النَّصْرَانِيُّ أَوْ وَكِيلُهُ فَيَكْتَالُهُ لِنَفْسِهِ. (قَالَ) : وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ ثُمَّ بَاعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ بِعَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَ طَعَامًا بِصِفَةٍ وَنَوَى أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ وَكَانَ عَلَى الصِّفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا يُعْطِيَهُ إيَّاهُ، وَلَوْ هَلَكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ صِفَةِ طَعَامِهِ الَّذِي بَاعَهُ (قَالَ) : وَمَنْ سَلَفَ فِي طَعَامٍ أَوْ بَاعَ طَعَامًا فَأَحْضَرَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ اكْتِيَالِهِ مِنْ بَائِعِهِ وَقَالَ أَكْتَالُهُ لَك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، فَإِنْ قَالَ: أَكْتَالُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي حَضَرْت لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ كَيْلًا فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يَكْتَالَهُ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَيَكُونُ لَهُ زِيَادَتُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ، وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ» فَيَكُونَ لَهُ زِيَادَتُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ

طَعَامًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَحَلَّ عَلَيْهِ الطَّعَامُ فَجَاءَ بِصَاحِبِهِ إلَى طَعَامٍ مُجْتَمِعٍ فَقَالَ: أَيُّ طَعَامٍ رَضِيت مِنْ هَذَا اشْتَرَيْت لَك فَأَوْفَيْتُك. كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ رَضِيَ طَعَامًا فَاشْتَرَاهُ لَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ بِكَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَهُ فَبَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ كَالَهُ لَهُ بَعْدُ جَازَ، وَلِلْمُشْتَرِي لَهُ بَعْدَ رِضَاهُ بِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ صِفَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا إنَّمَا يَلْزَمُهُ بَعْضُ الْقَبْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَلَّ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَلَا يُعْطِي الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ ثَمَنَ طَعَامٍ يَشْتَرِي بِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا لِنَفْسِهِ مُسْتَوْفِيًا لَهَا قَابِضًا لَهَا مِنْهَا وَلِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ. وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَخَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ قَضَاهُ رَجُلًا مِنْ سَلَفٍ أَوْ أَسْلَفَهُ آخَرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَلَا يَبِيعُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَارَ إنَّمَا يَقْبِضُ عَنْ الْمُشْتَرِي كَقَبْضِ وَكِيلِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ بِيَدِهِ ثَمَرٌ فَبَاعَهُ وَاسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْهُ بِعَيْنِهِ فَالْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى الْمَبِيعِ لَا عَلَى الْمُشْتَرَى وَالْمُسْتَثْنَى عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ لَمْ يُبَعْ قَطُّ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ إنَّمَا يَبِيعُهُ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَصْلُحُ السَّلَفُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمُسْلَفُ إلَى الْمُسْلِفِ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ وَحَتَّى يَكُونَ السَّلَفُ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ بِمِكْيَالٍ عَامَّةٍ يُدْرَكُ عِلْمُهُ وَلَا يَكُونُ بِمِكْيَالٍ خَاصَّةٍ إنْ هَلَكَ لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهُ أَوْ بِوَزْنٍ عَامَّةٍ كَذَلِكَ وَبِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَيِّدٍ نَقِيٍّ وَإِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ وَيُسْتَوْفَى فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونُ مِنْ أَرْضٍ لَا يُخْطِئُ مِثْلُهَا أَرْضٍ عَامَّةٍ لَا أَرْضٍ خَاصَّةٍ وَيَكُونُ جَدِيدًا طَعَامَ عَامٍ أَوْ طَعَامَ عَامَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ وَلَا أَرْدَأُ مَا يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ فَإِنَّ الرَّدِيءَ يَكُونُ بِالْغَرَقِ وَبِالسُّوسِ وَبِالْقِدَمِ فَلَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الطَّعَامِ حَالًّا وَآجِلًا، إذَا حَلَّ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ بِصِفَةٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ حَالًّا، أَوْ إلَى أَنْ يَحِلَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ سَلَّفَ رَجُلٌ دَنَانِيرَ عَلَى طَعَامٍ إلَى آجَالٍ مَعْلُومَةٍ بَعْضُهَا قَبْلَ بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدِي حَتَّى يَكُونَ الْأَجَلُ وَاحِدًا وَتَكُونُ الْأَثْمَانُ مُتَفَرِّقَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي إلَى الْأَجَلِ الْقَرِيبِ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ، وَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرِي عَلَى مِثْلِ مَا أَجَازَ عَلَيْهِ ابْتِيَاعَ الْعُرُوضِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْعُرُوضِ الْمُتَفَرِّقَةِ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ الْمُتَفَرِّقَةَ نَقْدٌ وَهَذَا إلَى أَجَلٍ، وَالْعُرُوضُ شَيْءٌ مُتَفَرِّقٌ وَهَذَا مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلَانِ طَعَامًا مَضْمُونًا مَوْصُوفًا حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الثَّمَنُ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ طَعَامًا مَوْصُوفًا مَضْمُونًا عِنْدَ الْحَصَادِ وَقَبْلَ الْحَصَادِ وَبَعْدَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ طَعَامِ أَرْضٍ بِعَيْنِهَا غَيْرَ مَوْصُوفٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا. (قَالَ) : وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ مِنْ الْأَنْدَرِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ قَبْلَ أَنْ يُذَرِّيَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الطَّعَامِ إلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ بِعَيْنِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِي الْفَدَادِينَ الْقَمْحِ وَلَا فِي الْقُرْطِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلًا فِي طَعَامٍ يَحِلُّ فَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يُحِيلَ صَاحِبَ الطَّعَامِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِثْلُهُ مِنْ بَيْعٍ ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ نَفْسُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَلَكِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَكِيلًا يُقْبَضُ لَهُ الطَّعَامُ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدَيْهِ كَانَ أَمِينًا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ قَضَاءً جَازَ. (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ طَعَامًا فَحَلَّ فَأَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيْعٌ وَالْإِحَالَةُ بَيْعٌ مِنْهُ لَهُ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ بِطَعَامٍ عَلَى غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا بِكَيْلٍ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي بِكَيْلِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ، وَإِذَا قَبَضَ الطَّعَامَ فَالْقَوْلُ فِي كَيْلِ الطَّعَامِ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ نُقْصَانًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا أَوْ زِيَادَةً قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، وَسَوَاءٌ

اشْتَرَاهُ بِالنَّقْدِ كَانَ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ أُجِزْ هَذَا لِمَا وَصَفْت مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنِّي أُلْزِمُ مَنْ شَرَطَ لِرَجُلٍ شَرْطًا مِنْ كَيْلٍ أَوْ صِفَةٍ أَنْ يُوَفِّيَهُ شَرْطَهُ بِالْكَيْلِ وَالصِّفَةِ فَلَمَّا شَرَطَ لَهُ الْكَيْلَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُوَفِّيَهُ شَرْطَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلِمَ لَا يَبْرَأُ كَمَا يَبْرَأُ مِنْ الْعَيْبِ؟ قِيلَ لَوْ كَانَ تَصْدِيقُهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْعَيْبِ فَشَرَطَ لَهُ مِائَةً فَوَجَدَ فِيهِ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَمَا يَشْتَرِطُ لَهُ السَّلَامَةَ فَيَجِدُ الْعَيْبَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ كَيْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَزْنًا إلَّا أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَيَسْتَقْبِلَ بَيْعًا بِالْوَزْنِ وَكَذَلِكَ لَا يَأْخُذُهُ بِمِكْيَالٍ إلَّا بِالْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَكِيلُهُ بِمِكْيَالٍ مَعْرُوفٍ مِثْلِ الْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ إنَّمَا أَخَذَهُ بِالْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ وَاحِدًا أَوْ مِنْ طَعَامَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَرْطِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ بَدَلًا قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي لَهُ وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيْعِ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى أَهُوَ مِثْلُ مَا لَهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ فَحَلَّتْ فَأَعْطَاهُ الْبَائِعُ حِنْطَةً خَيْرًا مِنْهَا بِطِيبِ نَفْسِهِ أَوْ أَعْطَاهُ حِنْطَةً شَرًّا مِنْهَا فَطَابَتْ نَفْسُ الْمُشْتَرِي فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ وَلَيْسَ هَذَا بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ، وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهُ مَكَانَ الْحِنْطَةِ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ صِنْفًا غَيْرَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ هَذَا بَيْعَ طَعَامٍ بِغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَهَكَذَا التَّمْرُ وَكُلُّ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّعَامِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ طَيِّبَةٌ بِهِ نَفْسُهُ مِثْلَ طَعَامِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ فَلَا بَأْسَ، وَلَسْت أَجْعَلُ لِلتُّهْمَةِ أَبَدًا مَوْضِعًا فِي الْحُكْمِ إنَّمَا أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ فِي قَمْحٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنِّي أَخَذْت غَيْرَ الَّذِي أَسْلَفْت فِيهِ، وَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَإِنْ قِيلَ هُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَقَدْ أَخَذْت مَجْهُولًا مِنْ مَعْلُومٍ فَبِعْت مُدَّ حِنْطَةٍ بِمُدِّ دَقِيقٍ وَلَعَلَّ الْحِنْطَةَ مُدٌّ وَثُلُثُ دَقِيقٍ وَيَدْخُلُ السَّوِيقُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ فَحَلَّ فَسَأَلَ الَّذِي حَلَّ عَلَيْهِ الطَّعَامُ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ أَنْ يَبِيعَهُ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ لِيَقْبِضَهُ إيَّاهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ إنْ عَقَدَا عَقْدَ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّا لَا نُجِيزُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَى رَجُلٍ فِيمَا يَمْلِكُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ أَنْ يَصْنَعَ فِيهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِتَامٍّ، وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ بِلَا شَرْطٍ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ فَقَضَاهُ إيَّاهُ فَلَا بَأْسَ، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا غَيْرَ الطَّعَامِ، وَلَوْ نَوَيَا جَمِيعًا أَنْ يَكُونَ يَقْضِيهِ مَا يَبْتَاعُ مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ عَقْدُ الْبَيْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ لَهُ بِعْنِي طَعَامًا بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ حَتَّى أَقْضِيَك فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَانَ الْبَيْعُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ فَقَبَضَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الَّذِي قَضَاهُ إيَّاهُ بِنَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ وَبَرِئَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ، وَلَوْ حَلَّ طَعَامُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: اقْضِنِي عَلَى أَنْ أَبِيعَك فَقَضَاهُ مِثْلَ طَعَامِهِ أَوْ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَكَانَ هَذَا مَوْعِدًا وَعَدَهُ إيَّاهُ إنْ شَاءَ وَفَّى لَهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ خَيْرًا مِنْ طَعَامِهِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ فَضْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

باب النهي عن بيع الكراع والسلاح في الفتنة

[بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : تَعَالَى أَصْلُ مَا أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ لَمْ أُبْطِلْهُ بِتُهْمَةٍ وَلَا بِعَادَةٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَأَجَزْته بِصِحَّةِ الظَّاهِرِ وَأَكْرَهُ لَهُمَا النِّيَّةَ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ لَوْ أُظْهِرَتْ كَانَتْ تُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَكَمَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَ السَّيْفَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ بِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى بَائِعِهِ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَرَاهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْتُلُ بِهِ وَلَا أُفْسِدُ عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْعَ، وَكَمَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ مِمَّنْ يَرَاهُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا وَلَا أُفْسِدُ الْبَيْعَ إذَا بَاعَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ حَلَالًا، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ خَمْرًا أَبَدًا، وَفِي صَاحِبِ السَّيْفِ أَنْ لَا يَقْتُلَ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَكَمَا أُفْسِدُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ. وَلَوْ نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَقْدًا صَحِيحًا، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يُمْسِكَهَا إلَّا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ أُفْسِدْ النِّكَاحَ إنَّمَا أُفْسِدُهُ أَبَدًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ. [بَابُ السُّنَّةِ فِي الْخِيَارِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الطَّعَامِ كُلِّهِ جُزَافًا مَا يُكَالُ مِنْهُ وَمَا يُوزَنُ وَمَا يُعَدُّ، كَانَ فِي وِعَاءٍ أَوْ غَيْرِ وِعَاءٍ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي وِعَاءٍ فَلَمْ يُرَ عَيْنُهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : رَجَعَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَلَا بَيْعُ الشَّيْءِ الْغَائِبِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ جُزَافًا عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ وَجَدَهُ مَصْبُوبًا عَلَى دُكَّانٍ أَوْ رَبْوَةٍ أَوْ حَجَرٍ كَانَ هَذَا نَقْصًا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ نِصْفِ الثِّمَارِ جُزَافًا وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِنِصْفِهَا شَرِيكًا لِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَلَا يَجُوزُ إذَا أَجَزْنَا الْجُزَافَ فِي الطَّعَامِ نَسِيئَةً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يَجُوزَ الْجُزَافُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَقِيقٍ وَمَاشِيَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا رَآهُ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ الْآخَرِ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَبِهًا (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَبْتَاعُ مِنْك جَمِيعَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ، وَإِنْ قَالَ أَبْتَاعُ مِنْك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ، أَوْ عَلَى أَنْ أُنْقِصَك مِنْهَا إرْدَبًّا فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنِّي لَا أَدْرِي كَمْ قَدْرُهَا فَأَعْرِفُ الْإِرْدَبَّ الَّذِي نَقَصَ كَمْ هُوَ مِنْهَا، وَالْأَرَادِبُ الَّتِي زِيدَتْ كَمْ هِيَ عَلَيْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ أَبْتَاعَ مِنْك جُزَافًا وَلَا كَيْلًا وَلَا عَدَدًا وَلَا بَيْعًا كَائِنًا مَا كَانَ عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْك مُدًّا بِكَذَا، وَعَلَى أَنْ تَبِيعَنِي كَذَا، بِكَذَا حَاضِرًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَائِبًا، مَضْمُونًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَضْمُونٍ، وَذَلِكَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَمِنْ أَنِّي إذَا اشْتَرَيْت مِنْك عَبْدًا بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَبِيعَك دَارًا بِخَمْسِينَ فَثَمَنُ الْعَبْدِ مِائَةٌ وَحِصَّتُهُ مِنْ الْخَمْسِينَ مِنْ الدَّارِ مَجْهُولَةٌ، وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الدَّارِ خَمْسُونَ وَحِصَّتُهُ مِنْ الْعَبْدِ مَجْهُولَةٌ، وَلَا خَيْرَ فِي الثَّمَنِ إلَّا مَعْلُومًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ كَيْلَهُ ثُمَّ انْتَقَضَ مِنْهُ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَةُ مَا انْتَقَصَ فَلَا أَكْرَهُ لَهُ بَيْعَهُ جُزَافًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ حَالًّا مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ إذَا تَقَابَضَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ غَيْرِ صِنْفِهِ، وَلَا أُجِيزُهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ خَاصَّةً فَأَمَّا بِغَيْرِ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفِهِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ أَوْ مِثْلَهُ إذَا طَابَا بِذَلِكَ نَفْسًا وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْقَرْضِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّعَامِ

غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ أَكْثَرَ إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مِنْ صِنْفِهِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ، إذَا طَابَ بِذَلِكَ نَفْسًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا مَوْصُوفًا فَيَحِلُّ فَيَسْأَلُهُ رَجُلٌ أَنْ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَتَقَاضَى ذَلِكَ الطَّعَامَ فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا إذَا كَانَ إنَّمَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ السَّلَفَ أَوْ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا كَانَ أَوَّلًا وَكِيلًا لَهُ وَلَهُ مَنْعُهُ السَّلَفَ وَالْبَيْعَ وَقَبْضَ الطَّعَامِ مِنْ يَدِهِ وَلَوْ كَانَ شَرَطَ لَهُ أَنَّهُ إذَا تَقَاضَاهُ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ سَلَفًا وَلَا بَيْعًا وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي التَّقَاضِي (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ قَائِمٌ فَقَالَ: وَلِّنِي حَصَادَهُ وَدِرَاسَهُ ثُمَّ أَكْتَالُهُ فَيَكُونُ عَلَيَّ سَلَفًا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا خَيْرٌ وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ إنْ حَصَدَهُ وَدَرَسَهُ وَلِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَخْذُ الطَّعَامِ مِنْ يَدَيْهِ، وَلَوْ كَانَ تَطَوَّعَ لَهُ بِالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ ثُمَّ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَسَوَاءٌ الْقَلِيلُ فِي هَذَا وَالْكَثِيرُ فِي كُلِّ حَلَالٌ وَحَرَامٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا فَشَرَطَ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَهُ مِثْلُ مَا أَسْلَفَهُ إنْ اسْتَهْلَكَ الطَّعَامَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الطَّعَامَ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فَلَهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ لَا يَذْكُرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَأَعْطَاهُ خَيْرًا مِنْهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ أَعْطَاهُ شَرًّا مِنْهُ فَتَطَوَّعَ هَذَا بِقَبُولِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَلَهُ مِثْلُ سَلَفِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا عَلَى أَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ آخَرَ كَانَ هَذَا فَاسِدًا وَعَلَيْهِ أَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَسْلَفَهُ فِيهِ. (قَالَ) : وَلَوْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَتَقَاضَاهُ الطَّعَامَ أَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَ لَهُ طَعَامًا فَسَأَلَ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ إنْ شِئْت فَاقْبِضْ مِنْهُ طَعَامًا مِثْلَ طَعَامِك بِالْبَلَدِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ لَك أَوْ أَسْلَفْته إيَّاهُ فِيهِ، وَإِنْ شِئْت أَخَذْنَاهُ لَك الْآنَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ دَعَا إلَى أَنْ يُعْطِيَ طَعَامًا بِذَلِكَ الْبَلَدِ فَامْتَنَعَ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ طَعَامًا مَضْمُونًا لَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا رَأَيْت لَهُ الْقِيمَةَ فِي الطَّعَامِ يَغْصِبُهُ بِبَلَدٍ فَيَلْقَى الْغَاصِبَ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ أَنِّي أَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ مَا اُسْتُهْلِكَ لِرَجُلٍ فَأَدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ أَعْطَيْته الْمِثْلَ أَوْ الْعَيْنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَلَا عَيْنٌ أَعْطَيْته الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَالْمِثْلُ عَدَمًا فَلَمَّا حَكَمْت أَنَّهُ إذَا اسْتَهْلَكَ لَهُ طَعَامًا بِمِصْرَ فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَكَّةَ فَلَقِيَهُ بِمِصْرَ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ حَقِّهِ أَنْ يُعْطَى مِثْلَهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَا فِي الْحَمْلِ عَلَى الْمُسْتَوَى فَكَانَ الْحُكْمُ هَذَا أَنَّهُ لَا عَيْنَ وَلَا مِثْلَ لَهُ أَقْضِي بِهِ وَأُجْبِرُهُ عَلَى أَخْذِهِ فَجَعَلْته كَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَأَعْطَيْته قِيمَتَهُ إذَا كُنْت أُبْطِلُ الْحُكْمَ لَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ كَانَ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا أُجْبِرَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى أَخْذِهِ وَلَا دَفْعِهِ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي ضَمِنَهُ وَضَمِنَ لَهُ فِيهِ هَذَا، وَلَا أَجْعَلُ لَهُ الْقِيمَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَأُجْبِرُهُ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فَيَقْبِضَهُ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَأُؤَجِّلُهُ فِيهِ أَجَلًا فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَإِلَّا حَبَسْتُهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَكِيلِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : السَّلَفُ كُلُّهُ حَالٌّ سَمَّى لَهُ الْمُسْلَفُ أَجَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَإِنْ سَمَّى لَهُ أَجَلًا ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْمُسْلِفُ قَبْلَ الْأَجَلِ جُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى أَجَلٍ قَطُّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ مَا كَانَ يَتَغَيَّرُ بِالْحَبْسِ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ إيَّاهُ بِالصِّفَةِ قَبْلَ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَيَتَغَيَّرَ عَنْ الصِّفَةِ عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فَيَصِيرَ بِغَيْرِ الصِّفَةِ،

وَلَوْ تَغَيَّرَ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ جَبَرْنَاهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ طَعَامًا غَيْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ يَتَكَلَّفُ مُؤْنَةً فِي خَزْنِهِ وَيَكُونُ حُضُورُ حَاجَتِهِ إلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَكُلُّ مَا كَانَ لِخَزْنِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ كَانَ يَتَغَيَّرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَكُلُّ مَا كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا مُؤْنَةَ فِي خَزْنِهِ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا جُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّ بِمَا تَحِلُّ بِهِ الْبُيُوعُ وَيَحْرُمُ بِمَا تَحْرُمُ بِهِ الْبُيُوعُ فَحَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ حَلَالًا فَهُوَ حَلَالٌ وَحَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ حَرَامًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْإِقَالَةُ فَسْخُ الْبَيْعِ فَلَا بَأْسَ بِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا إبْطَالُ عُقْدَةِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا وَالرُّجُوعُ إلَى حَالِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا. (قَالَ) : وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَسَأَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ خَمْسِينَ إرْدَبًّا وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ فِي خَمْسِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فِي الْمِائَةِ كَانَتْ الْخَمْسُونَ أَوْلَى أَنْ تَجُوزَ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْمِائَةَ كَانَتْ الْخَمْسُونَ أَوْلَى أَنْ يَقْبِضَهَا، وَهَذَا أَبْعَدُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَالْبَيْعُ وَالسَّلَفُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْعُقْدَةُ عَلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَذَلِكَ أَنْ أَقُولَ أَبِيعُك هَذَا لِكَذَا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي كَذَا، وَحُكْمُ السَّلَفِ أَنَّهُ حَالٌّ فَيَكُونُ الْبَيْعُ وَقَعَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَهَذَا الْمُسْلَفُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطُّ إلَّا طَعَامٌ وَلَمْ تَنْعَقِدْ الْعُقْدَةُ قَطُّ إلَّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَتْ الْعُقْدَةُ صَحِيحَةً، وَكَانَ حَلَالًا لَهُ أَنْ يَقْبِضَ طَعَامَهُ كُلَّهُ وَأَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي كُلِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَهُ وَيَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ بَيْنَهُ فِي بَعْضِ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ هَذَا الْمَعْرُوفُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلًا دَابَّةً أَوْ عَرَضًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَانَتْ الدَّابَّةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَوْ فَائِتَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْإِقَالَةُ بَيْعًا لِلطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إقَالَتُهُ فَيَبِيعُهُ طَعَامًا لَهُ عَلَيْهِ بِدَابَّةٍ لِلَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَلَكِنَّهُ كَانَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَفَسْخُ الْبَيْعِ إبْطَالُهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ كَانَتْ الدَّابَّةُ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً فَهِيَ مَضْمُونَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إذَا كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَقَالَ رَجُلًا فِي طَعَامٍ وَفَسَخَ الْبَيْعَ وَصَارَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ مَضْمُونَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا سَلَفًا فِي شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ سَلَفٍ أَوْ كَانَتْ لَهُ فِي يَدَيْهِ دَنَانِيرُ وَدِيعَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا سَلَفًا فِي شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، وَمَنْ سَلَّفَ مِائَةً فِي صِنْفَيْنِ مِنْ التَّمْرِ وَسَمَّى رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَرَادَ أَنْ يُقِيلَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ بَيْعَتَانِ مُفْتَرِقَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهَذَا بَيْعٌ أَكْرَهُهُ، وَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرِي، فَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يُقِيلَ مِنْ الْبَعْضِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا جَمِيعًا صَفْقَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِقِيمَةٍ وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ أَبِيعَك تَمْرًا بِعَيْنِهِ وَلَا مَوْصُوفًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبْتَاعَ مِنِّي تَمْرًا بِكَذَا، وَهَذَانِ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ؛ لِأَنِّي لَمْ أَمْلِكْ هَذَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَّا وَقَدْ شَرَطْت عَلَيْك فِي ثَمَنِهِ ثَمَنًا لِغَيْرِهِ فَوَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَحِصَّةٌ فِي الشَّرْطِ فِي هَذَا الْبَيْعِ مَجْهُولَةٌ وَكَذَلِكَ وَقَعَتْ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي، وَالْبُيُوعُ لَا تَكُونُ إلَّا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلًا فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ فَاقْتَضَى مِنْهُ عَشَرَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْعَشَرَةَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُ أَوْ مَا أَخَذَ وَيُقِيلُهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ تَمَّتْ الْإِقَالَةُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ أَنِّي لَا أَرُدُّهُ عَلَيْك إلَّا أَنْ تَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَنَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ فَسَلَّفَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ رَجُلًا غَيْرَهُ دَنَانِيرَ فِي طَعَامٍ فَسَأَلَهُ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فِي سَلَفِهِ أَوْ يَجْعَلَهَا لَهُ تَوْلِيَةً فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ بَيْعٌ وَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَدَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْآجِلِ وَالْحَالِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ

باب بيع الآجال

مِائَةَ إرْدَبِّ طَعَامٍ فَقَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَائِعُ الْمُوفِي أَنْ يُقِيلَهُ مِنْهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ الْكُلِّ وَلَا يُقِيلُهُ مِنْ الْبَعْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ نَفَرًا اشْتَرَوْا مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا فَأَقَالَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا كَيْلًا فَلَمْ يَكِلْهُ وَرَضِيَ أَمَانَةَ الْبَائِعِ فِي كَيْلِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَائِعُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ قَبْلَ كَيْلِهِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَابِضًا حَتَّى يَكْتَالَهُ، وَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُوَفِّيَهُ الْكَيْلَ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَهُ الْكُلَّ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكَيْلِهِ، وَالْقَوْلُ فِي الْكَيْلِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَعْرِفُ الْكَيْلَ فَأَحْلِفُ عَلَيْهِ، قِيلَ لِلْبَائِعِ ادَّعِ فِي الْكَيْلِ مَا شِئْت، فَإِذَا ادَّعَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إنْ صَدَّقْته فَلَهُ فِي يَدَيْك هَذَا الْكَيْلُ، وَإِنْ كَذَّبْته فَإِنْ حَلَفْت عَلَى شَيْءٍ تُسَمِّيهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْيَمِينِ، وَإِنْ أَبَيْت فَأَنْتَ رَادٌّ لِلْيَمِينِ عَلَيْهِ حَلَفَ عَلَى مَا ادَّعَى وَأَخَذَهُ مِنْك. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّ فِيهِ مَا يَحِلُّ فِي الْبُيُوعِ وَيَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الْبُيُوعِ فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَشْرَكَ فِيهِ رَجُلًا أَوْ يُوَلِّيهِ إيَّاهُ فَالشَّرِكَةُ بَاطِلَةٌ وَالتَّوْلِيَةُ، وَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَاكْتَالَ بَعْضَهُ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ بَعْضِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلًا فِي طَعَامٍ فَاسْتَغْلَاهُ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ أَنَا شَرِيكُك فِيهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَقَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ وَغَابَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَدِمَ الْبَائِعُ فَاسْتَقَالَهُ وَزَادَهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِقَالَةَ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُجَدِّدَ فِيهِ بَيْعًا بِذَلِكَ فَجَائِزٌ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ بَيْعٌ مُحْدَثٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا حَاضِرًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ طَعَامًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ طَعَامًا فَاسْتُحِقَّ رَجَعَ بِالثَّمَنِ لَا بِالطَّعَامِ؟ وَهَكَذَا إنْ أَحَالَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ قَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِيهِ كُلِّهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ابْتَاعَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ طَعَامًا حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ يُعْطِيَ بِالنِّصْفِ ثَوْبًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ عَرَضًا فَالْبَيْعُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ بَاعَ طَعَامًا بِنِصْفِ دِرْهَمِ الدِّرْهَمِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا يَكُونُ نِصْفُهُ لَهُ بِالثَّمَنِ وَيَبْتَاعُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ طَعَامًا أَوْ مَا شَاءَ إذَا تَقَابَضَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ بَيْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَيْسَتْ فِي الْعُقْدَةِ الْأُولَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا بِدِينَارٍ حَالًّا فَقَبَضَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الدِّينَارَ ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدِينَارٍ فَقَبَضَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَقْبِضْ الدِّينَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ الدِّينَارُ قِصَاصًا مِنْ الدِّينَارِ، وَلَيْسَ أَنْ يَبِيعَ الدِّينَارَ بِالدِّينَارِ فَيَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَلَكِنْ يُبْرِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ الدِّينَارِ الَّذِي عَلَيْهِ بِلَا شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. [بَابُ بَيْعِ الْآجَالِ] ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْلُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ ذَهَبَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ أَنَّهُمْ رَوَوْا أَنْ عَالِيَةَ بِنْتِ أَنْفَعَ أَنَّهَا

سَمِعَتْ عَائِشَةَ أَوْ سَمِعَتْ امْرَأَةَ أَبِي السَّفَرِ تَرْوِي «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَنْ بَيْعٍ بَاعَتْهُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِكَذَا وَكَذَا إلَى الْعَطَاءِ ثُمَّ اشْتَرَتْهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ نَقْدًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَ مَا اشْتَرَيْت وَبِئْسَ مَا ابْتَعْت، أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يَتُوبَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ تَكُونُ عَائِشَةُ لَوْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا عَنْهَا عَابَتْ عَلَيْهَا بَيْعًا إلَى الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا تُجِيزُهُ، لَا أَنَّهَا عَابَتْ عَلَيْهَا مَا اشْتَرَتْ مِنْهُ بِنَقْدٍ وَقَدْ بَاعَتْهُ إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ شَيْئًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ كَانَ أَصْلُ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّا نَأْخُذُ بِقَوْلِ الَّذِي مَعَهُ الْقِيَاسُ، وَاَلَّذِي مَعَهُ الْقِيَاسُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَجُمْلَةُ هَذَا أَنَّا لَا نُثْبِتُ مِثْلَهُ عَلَى عَائِشَةَ مَعَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ لَا يَبِيعُ إلَّا مَا يَرَاهُ حَلَالًا، وَلَا يَبْتَاعُ مِثْلَهُ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ شَيْئًا أَوْ ابْتَاعَهُ نَرَاهُ نَحْنُ مُحَرَّمًا، وَهُوَ يَرَاهُ حَلَالًا لَمْ نَزْعُمْ أَنَّ اللَّهَ يُحْبِطُ مِنْ عَمَلِهِ شَيْئًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ الْقِيَاسُ مَعَ قَوْلِ زَيْدٍ؟ قُلْت أَرَأَيْت الْبَيْعَةَ الْأُولَى أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ بِهَا عَلَيْهِ الثَّمَنُ تَامًّا؟ فَإِنْ قَالَ بَلَى، قِيلَ: أَفَرَأَيْت الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ أَهِيَ الْأُولَى؟ فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ: أَفَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِنَقْدٍ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، قِيلَ: فَمَنْ حَرَّمَهُ مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالَ: كَأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ السِّلْعَةُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا دَيْنًا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، قِيلَ إذَا قُلْت: كَانَ لِمَا لَيْسَ هُوَ بِكَائِنٍ، لَمْ يَنْبَغِ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْك، أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَكَانَ بَاعَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ دَيْنًا وَاشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ أَوْ بِمِائَتَيْنِ نَقْدًا؟ فَإِنْ قَالَ: جَائِزٌ، قِيلَ: فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَخْطَأْت كَانَ ثَمَّ أَوْ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ دَيْنًا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ نَقْدًا. فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا اشْتَرَيْت مِنْهُ السِّلْعَةَ، قِيلَ فَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ أَوَّلًا وَلَا تَقُولُ كَانَ لِمَا لَيْسَ هُوَ بِكَائِنٍ، أَرَأَيْت الْبَيْعَةَ الْآخِرَةَ بِالنَّقْدِ لَوْ انْتَقَضَتْ أَلَيْسَ تُرَدُّ السِّلْعَةُ وَيَكُونُ الدَّيْنُ ثَابِتًا كَمَا هُوَ فَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ بَيْعَةٌ غَيْرُ تِلْكَ الْبَيْعَةِ؟ فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا اتَّهَمْته، قُلْنَا هُوَ أَقَلُّ تُهْمَةً عَلَى مَالِهِ مِنْك، فَلَا تَرْكَنْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خَطَأً ثُمَّ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَهَذَا بَيْعٌ وَلَيْسَ بِرِبًا، وَقَدْ رُوِيَ إجَازَةُ الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا أَنْ لَا يُبَاعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ قَدْ يَتَأَخَّرُ وَيَتَقَدَّمُ، وَإِنَّمَا الْآجَالُ مَعْلُومَةٌ بِأَيَّامٍ مَوْقُوتَةٍ أَوْ أَهِلَّةٍ وَأَصْلُهَا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، فَقَدْ وَقَّتَ بِالْأَهِلَّةِ كَمَا وَقَّتَ بِالْعِدَّةِ وَلَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ مَوَاقِيتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ الزَّمَانُ وَيَتَقَدَّمُ وَلَيْسَ تَسْتَأْخِرُ الْأَهِلَّةُ أَبَدًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، فَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ فَقَبَضَهَا وَكَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ أَوْ بِدَيْنٍ كَذَلِكَ أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ سَاوَى الْعَرَضَ مَا شَاءَ أَنْ يُسَاوِيَ، وَلَيْسَتْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْبَيْعَةِ الْأُولَى بِسَبِيلٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْبَيْعَةُ الْأُولَى إنْ كَانَتْ أَمَةً أَنْ يُصِيبَهَا أَوْ يَهَبَهَا أَوْ يُعْتِقَهَا أَوْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ غَيْرَ بَيْعِهِ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ نَسِيئَةً؟ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَمَنْ حَرَّمَهَا عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهَا؟ وَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ؟ وَهَذَا إنَّمَا تَمَلَّكَهَا مِلْكًا جَدِيدًا بِثَمَنٍ لَهَا لَا بِالدَّنَانِيرِ الْمُتَأَخِّرَةِ؟ أَنَّ هَذَا كَانَ ثَمَنًا لِلدَّنَانِيرِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَكَيْفَ إنْ جَازَ هَذَا عَلَى الَّذِي بَاعَهَا لَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدٍ لَوْ اشْتَرَاهَا؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ كُلُّهُ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ وَإِذَا بِعْت مِنْهُ صِنْفًا بِصِنْفِهِ، فَلَا يَصْلُحُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، إنْ كَانَ كَيْلًا فَكَيْلٌ، وَإِنْ كَانَ وَزْنًا فَوَزْنٌ، كَمَا لَا تَصْلُحُ الدَّنَانِيرُ بِالدَّنَانِيرِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَا تَصْلُحُ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً

كَمَا يَصْلُحُ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا.: وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَجَازَ الْفَضْلُ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ جُزَافًا بِجُزَافٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْجُزَافِ أَنْ يَكُونَ مُتَفَاضِلًا وَالتَّفَاضُلُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ فَكَانَ لِلْآدَمِيِّينَ فِيهِ صَنْعَةٌ يَسْتَخْرِجُونَ بِهَا مِنْ الْأَصْلِ شَيْئًا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمٌ دُونَ اسْمٍ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ الصَّنْعَةُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ إلَى دَنَانِيرَ فَجَعَلَهَا طَسْتًا أَوْ قُبَّةً أَوْ حُلِيًّا مَا كَانَ لَمْ تَجُزْ بِالدَّنَانِيرِ أَبَدًا إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَكَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ إلَى تَمْرٍ فَحَشَاهُ فِي شَنٍّ أَوْ جَرَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا نَزَعَ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُبَاعَ بِالتَّمْرِ وَزْنًا بِوَزْنٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ بِالْوَزْنِ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي أَصْلِ الْكَيْلِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ حِنْطَةٌ بِدَقِيقٍ.: ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ الْحِنْطَةِ مِنْ الدَّقِيقِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الدَّقِيقِ الَّذِي بِيعَ بِهَا وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا بِمَعْلُومٍ مِنْ صِنْفٍ فِيهِ الرِّبَا، وَكَذَلِكَ حِنْطَةٌ بِسَوِيقٍ.: وَكَذَلِكَ حِنْطَةٌ بِخُبْزٍ، وَكَذَلِكَ حِنْطَةٌ بِفَالُوذَجٍ إنْ كَانَ نَشَا سععه مِنْ حِنْطَةٍ وَكَذَلِكَ دُهْنُ سِمْسِمٍ بِسِمْسِمٍ وَزَيْتٌ بِزَيْتُونٍ لَا يَصْلُحُ هَذَا لِمَا وَصَفْت، وَكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ التَّمْرُ الْمَنْثُورُ بِالتَّمْرِ الْمَكْبُوسِ.: ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّمْرِ الْكَيْلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بِعْت شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ فَلَا يَصْلُحُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَا بِعْت مِنْهُ صِنْفًا وَاحِدًا جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا، وَيَكُونُ مَا اشْتَرَيْت مِنْهُ صِنْفًا وَاحِدًا، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَكُونَ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ مِمَّا اشْتَرَيْته بِهِ، وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ خَمْسِينَ دِينَارًا مَرْوَانِيَّةً وَخَمْسِينَ حَدَبًا بِمِائَةٍ هَاشِمِيَّةً وَلَا بِمِائَةٍ غَيْرَهَا، وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ صَاعَ بَرْدِيٍّ وَصَاعَ لَوْنٍ بِصَاعَيْ صَيْحَانِيٍّ وَإِنَّمَا كَرِهْت هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَيَكُونُ ثَمَنُ صَاعِ الْبَرْدِيِّ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَثَمَنُ صَاعِ اللَّوْنِ دِينَارًا، وَثَمَنُ صَاعِ الصَّيْحَانِيِّ يَسْوَى دِينَارَيْنِ، فَيَكُونُ صَاعُ الْبَرْدِيِّ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ صَاعَيْ الصَّيْحَانِيِّ وَذَلِكَ صَاعٌ وَنِصْفٌ وَصَاعُ اللَّوْنِ بِرُبْعِ صَاعَيْ الصَّيْحَانِيِّ وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ صَيْحَانِيٍّ فَيَكُونُ هَذَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا، وَهَكَذَا هَذَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَكُلِّ مَا كَانَ فِيهِ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ يَكُونُ رَطْبًا ثُمَّ يَيْبَسُ فَلَا يَصْلُحُ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ» فَنَظَرَ فِي الْمُعْتَقَبِ فَكَذَلِكَ نَنْظُرُ فِي الْمُعْتَقَبِ فَلَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَيَبَّسَا اخْتَلَفَ نَقْصُهُمَا فَكَانَتْ فِيهِمَا الزِّيَادَةُ فِي الْمُعْتَقَبِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَأْكُولٍ لَا يَيْبَسُ إذَا كَانَ مِمَّا يَيْبَسُ فَلَا خَيْرَ فِي رُطَبٍ مِنْهُ بِرُطَبٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا عَدَدًا بِعَدَدٍ، وَلَا خَيْرَ فِي أُتْرُجَّةٍ بِأُتْرُجَّةٍ وَلَا بِطِّيخَةٍ بِبِطِّيخَةٍ وَزْنًا وَلَا كَيْلًا وَلَا عَدَدًا، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً، وَلَا بَأْسَ بِأُتْرُجَّةٍ بِبِطِّيخَةٍ وَعَشْرِ بِطِّيخَاتٍ وَكَذَلِكَ مَا سِوَاهُمَا، فَإِذَا كَانَ مِنْ الرُّطَبِ شَيْءٌ لَا يَيْبَسُ بِنَفْسِهِ أَبَدًا مِثْلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ فَلَا بَأْسَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، إنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ فَوَزْنًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ فَكَيْلًا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَفَاضُلَ فِيهِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الصِّنْفَانِ، وَلَا خَيْرَ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ حَتَّى يَكُونَ يَنْتَهِي يُبْسُهُ، وَإِنْ انْتَهَى يُبْسُهُ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُ أَشَدُّ انْتِفَاخًا مِنْ بَعْضٍ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا انْتَهَى يُبْسُهُ كَيْلًا بِكَيْلٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ مَغِيبٌ مِثْلُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَمَا يَكُونُ مَأْكُولُهُ فِي

دَاخِلِهِ فَلَا خَيْرَ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَدَدًا وَلَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا، فَإِذَا اخْتَلَفَ فَلَا بَأْسَ بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَأْكُولَهُ مَغِيبٌ وَأَنَّ قِشْرَهُ يَخْتَلِفُ فِي الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ فَلَا يَكُونُ أَبَدًا إلَّا مَجْهُولًا بِمَجْهُولٍ، فَإِذَا كُسِرَ فَخَرَجَ مَأْكُولُهُ فَلَا بَأْسَ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَإِنْ كَانَ كَيْلًا فَكَيْلًا، وَإِنْ كَانَ وَزْنًا فَوَزْنًا، وَلَا يَجُوزُ الْخُبْزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.: عَدَدًا وَلَا وَزْنًا وَلَا كَيْلًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ رَطْبًا فَقَدْ يَيْبَسُ فَيَنْقُصُ، وَإِذَا انْتَهَى يُبْسُهُ فَلَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُكْتَالَ وَأَصْلُهُ الْكَيْلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَزْنًا؛ لِأَنَّا لَا نُحِيلُ الْوَزْنَ إلَى الْكَيْلِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْلُهُ الْوَزْنُ وَالْكَيْلُ بِالْحِجَازِ، فَكُلُّ مَا وُزِنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصْلُهُ الْوَزْنُ وَكُلُّ مَا كِيلَ فَأَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلَةِ أَوْ النَّخْلَ بِالْحِنْطَةِ فَتَقَابَضَا فَلَا بَأْسَ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجَلَ فِيهِ، وَإِنِّي أَعُدُّ الْقَبْضَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَبْضًا كَمَا أَعُدُّ قَبْضَ الْجُزَافِ قَبْضًا إذَا خَلَّى الْمُشْتَرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لَا حَائِلَ دُونَهُ فَلَا بَأْسَ فَإِنْ تَرَكْته أَنَا فَالتَّرْكُ مِنْ قِبَلِي وَلَوْ أُصِيبُ كَانَ عَلَيَّ؛ لِأَنِّي قَابِضٌ لَهُ وَلَوْ أَنِّي اشْتَرَيْته عَلَى أَنْ لَا أَقْبِضَهُ إلَى غَدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنِّي إنَّمَا اشْتَرَيْت الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ، وَهَكَذَا اشْتِرَاؤُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ اشْتَرِيهِ بِهِمَا عَلَى أَنْ أَقْبِضَهُ فِي غَدٍ أَوْ بَعْدَ غَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي غَدٌ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَلَا يُوجَدُ، وَلَا خَيْرَ فِي اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بِاللَّبَنِ الْمَضْرُوبِ.: ؛ لِأَنَّ فِي الْمَضْرُوبِ مَاءً فَهُوَ مَاءٌ وَلَبَنٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فَأُخْرِجَ زُبْدُهُ لَمْ يَجُزْ بِلَبَنٍ لَمْ يُخْرَجْ زُبْدُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ مِنْ نَفْسِ جَسَدِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي تَمْرٍ قَدْ عُصِرَ وَأُخْرِجَ صَفْوُهُ بِتَمْرٍ لَمْ يُخْرَجْ صَفْوُهُ كَيْلًا بِكَيْلٍ.: مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِذَا لَمْ يُغَيَّرْ عَنْ خِلْقَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ اللَّبَنُ بِاللَّبَنِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ إذَا خُلِطَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَاءٌ بِشَيْءٍ قَدْ خُلِطَ فِيهِ مَاءٌ وَلَا بِشَيْءٍ لَمْ يُخْلَطْ فِيهِ مَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَلَبَنٌ بِلَبَنٍ مَجْهُولٍ، وَالْأَلْبَانُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَجُوزُ لَبَنُ الْغَنَمِ بِلَبَنِ الْغَنَمِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَلَيْسَ لَبَنُ الظِّبَاءِ مِنْهُ، وَلَبَنُ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْجَوَامِيسِ وَالْعِرَابِ وَلَيْسَ لَبَنُ الْبَقَرِ الْوَحْشِ مِنْهُ، وَيَجُوزُ لَبَنُ الْإِبِلِ بِلَبَنِ الْإِبِلِ الْعِرَابِ وَالْبُخْتِ.: ، وَكُلُّ هَذَا صِنْفٌ: الْغَنَمُ صِنْفٌ، وَالْبَقَرُ صِنْفٌ، وَالْإِبِلُ صِنْفٌ، وَكُلُّ صِنْفٍ غَيْرُ صَاحِبِهِ فَيَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً، وَيَجُوزُ أَنَسِيُّهُ بِوَحْشِيِّهِ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ لُحُومُهُ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً، وَيَجُوزُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ إذَا اخْتَلَفَ، وَرَطْبٌ بِرَطْبٍ، وَيَابِسٌ، بِيَابِسٍ، فَإِذَا كَانَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِثْلُ لَحْمِ غَنَمٍ بِلَحْمِ غَنَمٍ لَمْ يَجُزْ رَطْبٌ بِرَطْبٍ وَلَا رَطْبٌ بِيَابِسٍ، وَجَازَ إذَا يَبِسَ فَانْتَهَى يُبْسُهُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَزْنًا، وَالسَّمْنُ مِثْلُ اللَّبَنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي مُدِّ زُبْدٍ وَمُدِّ لَبَنٍ بِمُدَّيْ زُبْدٍ وَلَا خَيْرَ فِي جُبْنٍ بِلَبَنٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ اللَّبَنِ جُبْنٌ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ اللَّبَنُ وَالْجُبْنُ فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُخْرِجَ زُبْدُ اللَّبَنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ بِزُبْدٍ وَسَمْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا زُبْدَ فِي اللَّبَنِ وَلَا سَمْنَ، وَإِذَا لَمْ يُخْرَجْ زُبْدُهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ بِسَمْنٍ وَلَا زُبْدٍ، وَلَا خَيْرَ فِي الزَّيْتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً، وَلَا بَأْسَ بِزَيْتِ الزَّيْتُونِ بِزَيْتِ الْفُجْلِ، وَزَيْتِ الْفُجْلِ بِالشَّيْرَجِ مُتَفَاضِلًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الْعِنَبِ إلَّا سَوَاءٌ، وَلَا بَأْسَ بِخَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ التَّمْرِ، وَخَلِّ الْقَصَبِ؛ لِأَنَّ أُصُولَهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. وَإِذَا كَانَ خَلٌّ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْمَاءِ مِثْلُ خَلِّ التَّمْرِ وَخَلِّ الزَّبِيبِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمَاءَ يَكْثُرُ وَيَقِلُّ، وَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا اخْتَلَفَ، وَالنَّبِيذُ الَّذِي لَا يُسْكِرُ مِثْلُ الْخَلِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالشَّاةِ الْحَيَّةِ الَّتِي لَا لَبَنَ فِيهَا حِينَ تُبَاعُ بِاللَّبَنِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهَا إنْ

كَانَ فِيهَا لَبَنٌ حِينَ تُبَاعُ بِاللَّبَنِ؛ لِأَنَّ لِلَّبَنِ الَّذِي فِيهَا حِصَّةً مِنْ اللَّبَنِ الْمَوْضُوعِ لَا تُعْرَفُ، وَإِنْ كَانَتْ مَذْبُوحَةً لَا لَبَنَ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِهَا بِلَبَنٍ وَلَا خَيْرَ فِيهَا مَذْبُوحَةً بِلَبَنٍ إلَى أَجَلٍ وَلَا بَأْسَ بِهَا قَائِمَةً لَا لَبَنَ فِيهَا بِلَبَنٍ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ بِطَعَامٍ؛ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ غَيْرُ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِمَا سَمَّيْتَ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ بِأَيِّ طَعَامٍ شِئْت إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِنْ الطَّعَامِ وَلَا مِمَّا فِيهِ رِبًا وَلَا بَأْسَ بِالشَّاةِ لِلذَّبْحِ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالشَّاةِ بِاللَّبَنِ إذَا كَانَتْ الشَّاةُ لَا لَبَنَ فِيهَا، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْعَرَضِ بِالطَّعَامِ، وَالْمَأْكُولُ كُلُّ مَا أَكَلَهُ بَنُو آدَمَ وَتَدَاوَوْا بِهِ حَتَّى الْإِهْلِيلَجِ وَالصَّبِرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالذَّهَبِ وَكُلُّ مَا لَمْ يَأْكُلْهُ بَنُو آدَمَ وَأَكَلَتْهُ الْبَهَائِمُ فَلَا بَأْسَ بِبَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ وَإِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إذَا اخْتَلَفَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ سَوَاءٌ، يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِيهِ، وَيَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ أَجْنَاسُ الْحِيتَانِ فَلَا بَأْسَ بِبَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ لَحْمُ الطَّيْرِ إذَا اخْتَلَفَ أَجْنَاسُهَا وَلَا خَيْرَ فِي اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالْمَالِحِ وَالْمَطْبُوخِ. وَلَا بِالْيَابِسِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يَجُوزُ الطَّرِيُّ بِالطَّرِيِّ وَلَا الْيَابِسُ بِالطَّرِيِّ حَتَّى يَكُونَا يَابِسَيْنِ أَوْ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَجْنَاسُهُمَا فَيَجُوزَ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَيْفَ كَانَ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْيَمَامَ مِنْ الْحَمَامِ فَلَا يَجُوزُ لَحْمُ الْيَمَامِ بِلَحْمِ الْحَمَامِ مُتَفَاضِلًا. وَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، إذَا انْتَهَى يُبْسُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْحَمَامِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مُتَفَاضِلًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُبَاعُ اللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَانَ مِنْ صِنْفِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ قَالَ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَوَجَدْت جَزُورًا قَدْ جُزِرَتْ فَجُزِّئَتْ أَجْزَاءً كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا بِعَنَاقٍ فَأَرَدْت أَنْ أَبْتَاعَ مِنْهَا جُزْءًا فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَأُخْبِرْت عَنْهُ خَيْرًا قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَوَاءٌ كَانَ الْحَيَوَانُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَوَاءٌ اخْتَلَفَ اللَّحْمُ وَالْحَيَوَانُ أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي اللَّحْمِ إذَا دَفَعْت مَا سُلِّفْت فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ شَيْئًا وَتُسَمِّي اللَّحْمَ مَا هُوَ وَالسَّمَانَةُ وَالْمَوْضِعُ وَالْأَجَلُ فِيهِ، فَإِنْ تَرَكْت مِنْ هَذَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ فِيهِ إلَّا وَاحِدًا فَإِذَا كَانَ الْأَجَلُ فِيهِ وَاحِدًا ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فِي كُلِّ يَوْمٍ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَ لَحْمِ ضَأْنٍ قَدْ حَلَّ لَحْمَ بَقَرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ، قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِي الرُّءُوسِ. وَلَا فِي الْجُلُودِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ لِلْجُلُودِ عَلَى ذَرْعٍ وَأَنَّ خِلْقَتَهَا تَخْتَلِفُ فَتَتَبَايَنُ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ وَأَنَّهَا لَا تَسْتَوِي عَلَى كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَلَا يَجُوزُ السَّلَفُ فِي الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَوِي عَلَى وَزْنٍ وَلَا تُضْبَطُ بِصِفَةٍ فَتَجُوزُ كَمَا تَجُوزُ الْحَيَوَانَاتُ الْمَعْرُوفَةُ بِالصِّفَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُشْتَرَى إلَّا يَدًا بِيَدٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الطَّرِيِّ مِنْ الْحِيتَانِ إنْ ضُبِطَ بِوَزْنٍ وَصِفَةٍ مِنْ صِغَرٍ وَكِبَرٍ وَجِنْسٍ مِنْ الْحِيتَانِ مُسَمًّى لَا يَخْتَلِفُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَحِلُّ فِيهَا فَإِنْ أَخْطَأَ مِنْ هَذَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ فِي الرَّقِيقِ وَالْمَاشِيَةِ وَالطَّيْرِ إذَا كَانَ تُضْبَطُ صِفَتُهُ وَلَا يَخْتَلِفُ فِي الْحِينِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْتَحْيَا أَوْ مِمَّا لَا يُسْتَحْيَا فَإِذَا حَلَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَهُوَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ اُبْتِيعَ لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيلَ مِنْ أَصْلِ الْبَيْعِ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الشَّاةَ وَيَسْتَثْنِيَ شَيْئًا مِنْهَا جِلْدًا وَلَا غَيْرَهُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

فِي السَّفَرِ أَجَزْنَاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى هَذَا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَخَذَ مَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَفَاتَ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ اللَّحْمِ يَوْمَ أَخَذَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلَّفَ رَجُلٌ فِي لَبَنِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا، سَمَّى الْكَيْلَ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّفَ فِي طَعَامِ أَرْضٍ بِعَيْنِهَا، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَنَمٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا فَلَا بَأْسَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ غَيْرِ أَرْضٍ بِعَيْنِهَا فَلَا بَأْسَ. (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّفَ فِي لَبَنِ غَنَمٍ بِعَيْنِهَا الشَّهْرَ وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّفَ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا زَرْعٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ السَّلَفُ بِالصِّفَةِ إلَّا فِي الشَّيْءِ الْمَأْمُونِ أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ لَبَنُ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا شَهْرًا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْغَنَمَ يَقِلُّ لَبَنُهَا وَيَكْثُرُ وَيَنْفُذُ وَتَأْتِي عَلَيْهِ الْآفَةُ وَهَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ قَطُّ وَبَيْعُ مَا إذَا خُلِقَ كَانَ غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى حَدِّهِ بِكَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَبِغَيْرِ صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمَقَاثِي بُطُونًا، وَإِنْ طَابَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ رُئِيَ فَحَلَّ بَيْعُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْبُطُونِ لَمْ يُرَ، وَقَدْ يَكُونُ قَلِيلًا فَاسِدًا وَلَا يَكُونُ وَكَثِيرًا جَيِّدًا وَقَلِيلًا مَعِيبًا وَكَثِيرًا بَعْضُهُ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ إلَّا عَلَى عَيْنٍ يَرَاهَا صَاحِبُهَا أَوْ بَيْعٌ مَضْمُونٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِصِفَةٍ يَأْتِي بِهَا عَلَى الصِّفَةِ وَلَا يَحِلُّ بَيْعٌ ثَالِثٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَكْتَرِيَ الرَّجُلُ الْبَقَرَةَ وَيَسْتَثْنِيَ حِلَابَهَا؛ لِأَنَّ هَهُنَا بَيْعًا حَرَامًا وَكِرَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعَامَ الْحَاضِرَ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ بِالْبَلَدِ وَيَحْمِلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ، أَمَّا أَحَدُهَا إذَا اسْتَوْفَاهُ بِالْبَلَدِ خَرَجَ الْبَائِعُ مِنْ ضَمَانِهِ وَكَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي حَمْلُهُ فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْبَلَدَ الَّذِي حَمَلَهُ إلَيْهِ لَمْ يَدْرِ، كَمْ حِصَّةُ الْبَيْعِ مِنْ حِصَّةِ الْكِرَاءِ؟ فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا وَالْبَيْعُ لَا يَحِلُّ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْحَامِلِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَيْهِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ بِبَلَدٍ فَاسْتَوْفَاهُ وَلَمْ يَخْرُجْ الْبَائِعُ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَا أَعْلَمُ بَائِعًا يُوَفِّي رَجُلًا بَيْعًا إلَّا خَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ ثُمَّ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ ثَانِيَةً، فَبِأَيِّ شَيْءٍ ضَمِنَ بِسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَصْبٍ فَهُوَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ ضَمِنَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَهَذَا شَيْءٌ وَاحِدٌ بِيعَ مَرَّتَيْنِ وَأُوفِيَ مَرَّتَيْنِ وَالْبَيْعُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا مَرَّتَيْنِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا خَيْرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ الرِّبَا فِي الْفَضْلِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ السَّمْنَ أَوْ الزَّيْتَ وَزْنًا بِظُرُوفِهِ، فَإِنْ شُرِطَ الظَّرْفُ فِي الْوَزْنِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا وَزْنًا عَلَى أَنْ يُفْرِغَهَا ثُمَّ يَزِنَ الظَّرْفَ فَلَا بَأْسَ وَسَوَاءٌ الْحَدِيدُ وَالْفَخَّارُ وَالزُّقَاقُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا يَرَاهُ فِي بَيْتٍ أَوْ حُفْرَةٍ أَوْ هُرْيٍ أَوْ طَاقَةٍ فَهُوَ سَوَاءٌ فَإِذَا وُجِدَ أَسْفَلُهُ مُتَغَيِّرًا عَمَّا رَأَى أَعْلَاهُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ أَوْ تَرْكِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ الْعَيْبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ كَثُرَ ذَلِكَ أَوْ قَلَّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» فَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ لِلرَّجُلِ وَطَلَعَتْ الثُّرَيَّا وَاشْتَدَّتْ النَّوَاةُ وَاحْمَرَّ بَعْضُهُ أَوْ اصْفَرَّ، حَلَّ بَيْعُهُ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ إلَى أَنْ يُجَدَّ وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي الْحَائِطِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، وَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِيمَا حَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا حَوْلَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَائِطُ نَخْلًا كُلُّهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّخْلُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ نَخْلًا وَعِنَبًا أَوْ نَخْلًا وَغَيْرَهُ مِنْ الثَّمَرِ فَبَدَا صَلَاحُ صِنْفٍ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الصِّنْفُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ

صَلَاحُهُ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا كَانَ الْمُشْتَرَى مِنْهُ تَحْتَ الْأَرْضِ مِثْلُ الْجَزَرِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ شِرَاءُ مَا ظَهَرَ مِنْ وَرَقِهِ؛ لِأَنَّ الْمَغِيبَ مِنْهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَكُونُ وَلَا يَكُونُ وَيَصْغُرُ وَيَكْبُرُ وَلَيْسَ بِعَيْنٍ تُرَى فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَلَا مَضْمُونٍ بِصِفَةٍ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَلَا عَيْنٍ غَائِبَةٍ فَإِذَا ظَهَرَتْ لِصَاحِبِهَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ وَلَا أَعْلَمُ الْبَيْعَ يَخْرُجُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ قَائِمًا خَبَرٌ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَجَازَهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْحَالِ الَّتِي أَجَازَهُ فِيهَا وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْحَالِ الَّتِي تُخَالِفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مَغِيبٌ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَفْسُدُ وَيَصْلُحُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ حِنْطَةٍ فِي جِرَابٍ وَلَا غِرَارَةٍ وَهُمَا كَانَا أَوْلَى أَنْ يَجُوزَا مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقَصِيلِ إلَّا عَلَى أَنْ يُقْطَعَ مَكَانَهُ إذَا كَانَ الْقَصِيلُ مِمَّا يُسْتَخْلَفُ، وَإِنْ تَرَكَهُ انْتَقَضَ فِيهِ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْقَصِيلُ مِمَّا لَا يَسْتَخْلِفُ وَلَا يَزِيدُ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا بَيْعُهُ إلَّا عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ مَكَانَهُ فَإِنْ قَطَعَهُ أَوْ نَتَفَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتِفْهُ فَعَلَيْهِ قَطْعُهُ إنْ شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالثَّمَرَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى أَصْلَهُ وَمَتَى مَا شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُقْلِعَهُ عَنْهُ قَلَعَهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ حَتَّى تَطِيبَ الثَّمَرُ فَلَا بَأْسَ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ مِنْ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ. (قَالَ) : وَإِذَا ظَهَرَ الْقُرْطُ أَوْ الْحَبُّ فَاشْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ مَكَانَهُ فَلَا بَأْسَ وَإِذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهَا مَتَى شَاءَ رَبُّ النَّخْلِ، وَإِنْ تَرَكَهُ رَبُّ النَّخْلِ مُتَطَوِّعًا فَلَا بَأْسَ وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي وَمَتَى أَخَذَهُ بِقَطْعِهَا قَطَعَهَا فَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَلَا خَيْرَ فِي الشِّرَاءِ فَإِنْ قَطَعَ مِنْهَا شَيْئًا فَكَانَ لَهُ مِثْلُ رَدِّ مِثْلِهِ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ رَدَّ قِيمَتَهُ وَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ وَلَا خَيْرَ فِي شِرَاءِ التَّمْرِ إلَّا بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالْأَجَلُ الْمَعْلُومُ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ مِنْ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ هِلَالِ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَى الْعَطَاءِ وَلَا إلَى الْحَصَادِ وَلَا إلَى الْجِدَادِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: 282] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] فَلَا تَوْقِيتَ إلَّا بِالْأَهِلَّةِ أَوْ سِنِي الْأَهِلَّةِ. (قَالَ) : وَلَا خَيْرَ فِي بَيْعِ قَصِيلِ الزَّرْعِ كَانَ حَبًّا أَوْ قَصِيلًا عَلَى أَنْ يُتْرَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَبَرٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ اشْتَرَى نَخْلًا فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَتْ فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ اشْتَرَطَهَا الْمُبْتَاعُ فَجَائِزٌ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا فِي نَخْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ اشْتَرَطَهَا الْبَائِعُ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ تَرَكَ لَهُ كَيْنُونَةَ الثَّمَرَةِ فِي نَخْلِهِ حِينَ بَاعَهُ إيَّاهَا إذَا كَانَ اسْتَثْنَى عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا فَإِنْ اسْتَثْنَى عَلَى أَنْ يُقِرَّهَا فَلَا خَيْرَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مُقَرَّةً إلَى وَقْتٍ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهَا الْآفَةُ قَبْلَهُ وَلَوْ اسْتَثْنَى بَعْضَهَا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلنِّصْفِ مَعْلُومًا فَيَسْتَثْنِيَهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ ثُمَّ إنْ تَرَكَهُ بَعْدُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِثْلُ الْبَيْعِ يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيَفْسُدُ فِيهِ مَا يَفْسُدُ فِيهِ. (قَالَ) : وَإِذَا أُبِّرَ مِنْ النَّخْلِ وَاحِدَةٌ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَبَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ فَثَمَرُهَا لِلْمُبْتَاعِ كَمَا إذَا طَابَ مِنْ النَّخْلِ وَاحِدَةٌ يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطِبْ الْبَاقِي مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطِبْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ وَلَا شَيْءَ مِثْلُ ثَمَرِ النَّخْلِ أَعْرِفُهُ إلَّا الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي أَكْمَامِهِ كَمَا يَخْرُجُ الطَّلْعُ فِي أَكْمَامِهِ ثُمَّ يَنْشَقُّ فَإِذَا انْشَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ كَالنَّخْلِ يُؤَبَّرُ وَإِذَا انْشَقَّ النَّخْلُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ فَهِيَ كَالْإِبَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يُبَادِرُونَ بِهِ إبَارَتَهُ إنَّمَا يُؤَبَّرُ سَاعَةَ يَنْشَقُّ وَإِلَّا فَسَدَ فَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّمَرِ شَيْءٌ يَطْلُعُ فِي أَكْمَامِهِ ثُمَّ يَنْشَقُّ فَيَصِيرُ فِي انْشِقَاقِهِ فَهُوَ كَالْإِبَارِ فِي النَّخْلِ وَمَا كَانَ مِنْ الثَّمَرِ يَطْلُعُ كَمَا هُوَ لَا كِمَامَ عَلَيْهِ أَوْ يَطْلُعُ عَلَيْهِ كِمَامٌ ثُمَّ لَا يَسْقُطُ كِمَامُهُ فَطُلُوعُهُ كَإِبَارِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فَإِذَا بَاعَهُ رَجُلٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَالثَّمَرَةُ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ تَحْتَ الْأَرْضِ أَوْ فَوْقَهَا بَلَغَ

أَوْ لَمْ يَبْلُغْ فَالزَّرْعُ لِلْبَائِعِ وَالزَّرْعُ غَيْرُ الْأَرْضِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَكِيلَةً، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَةَ قَدْ تَكُونُ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا يَعْرِفُهُ وَلَا الْبَائِعُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ جُزَافٍ بَاعَهُ شَيْئًا إلَّا مَا لَا يُدْخِلُهُ فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ مِثْلُ نَخَلَاتٍ يُسْتَثْنَيْنَ بِأَعْيَانِهِنَّ فَيَكُونُ بَاعَهُ مَا سِوَاهُنَّ أَوْ ثُلُثٌ أَوْ رُبْعٌ أَوْ سَهْمٌ مِنْ أَسْهُمِ جُزَافٍ فَيَكُونُ مَا لَمْ يُسْتَثْنَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ وَمَا اُسْتُثْنِيَ خَارِجًا مِنْهُ فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ جُزَافًا لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ كَيْلًا مَعْلُومًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ حِينَئِذٍ لَا يَدْرِي مَا بَاعَ وَالْمُشْتَرِي لَا يَدْرِي مَا اشْتَرَى، وَمِنْ هَذَا أَنْ يَبِيعَهُ الْحَائِطَ فَيَسْتَثْنِيَ مِنْهُ نَخْلَةً أَوْ أَكْثَرَ لَا يُسَمِّيهَا بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي اسْتِثْنَائِهَا إلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهَا حَظًّا مِنْ الْحَائِطِ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ؛ وَهَكَذَا الْجُزَافُ كُلُّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَبِيعَ رَجُلًا شَيْئًا ثُمَّ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهُ خَارِجًا مِنْ الْبَيْعِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ كَمَا وَصَفْت، وَإِنْ بَاعَهُ ثَمَرَ حَائِطٍ عَلَى أَنَّ لَهُ مَا سَقَطَ مِنْ النَّخْلِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْهَا قَدْ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ أَرَأَيْت لَوْ سَقَطَتْ كُلُّهَا أَتَكُونُ لَهُ؟ فَأَيُّ شَيْءٍ بَاعَهُ إنْ كَانَتْ لَهُ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ سَقَطَ نِصْفُهَا أَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؟ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا كَمَا وَصَفْت. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِ رَجُلٍ وَقَبَضَهُ مِنْهُ وَتَفَرَّقَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ الدَّارَ وَفِيهَا نَخْلٌ قَدْ طَابَ ثَمَرُهُ عَلَى أَنَّ لَهُ الثَّمَرَةَ فَلَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ كِرَاءٌ وَبَيْعٌ وَقَدْ يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ وَيَبْقَى ثَمَرُ الشَّجَرِ الَّذِي اشْتَرَى فَيَكُونُ بِغَيْرِ حِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومًا وَالْبُيُوعُ لَا تَجُوزُ إلَّا مَعْلُومَةَ الْأَثْمَانِ فَإِنْ قَالَ قَدْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ وَالْعَبْدَيْنِ وَالدَّارَ وَالدَّارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً؟ قِيلَ نَعَمْ فَإِذَا انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ الْمُشْتَرَيَيْنِ انْتَقَضَ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ مَمْلُوكُ الرِّقَابِ كُلِّهِ وَالْكِرَاءُ لَيْسَ بِمَمْلُوكِ الرَّقَبَةِ إنَّمَا هُوَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا وَيَكْتَرِيَ دَارًا تَكَارَى الدَّارَ عَلَى حِدَةٍ وَاشْتَرَى الثَّمَرَةَ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ حَلَّ فِي شِرَاءِ الثَّمَرَةِ مَا يَحِلُّ فِي شِرَاءِ الثَّمَرَةِ بِغَيْرِ كِرَاءٍ وَيَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِيهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحَائِطَيْنِ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ اسْتَوَيَا أَوْ اخْتَلَفَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا ثَمَرٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا تَمْرٌ فَكَانَ التَّمْرُ مُخْتَلِفًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ الثَّمَرُ قَدْ طَابَ أَوْ لَمْ يَطِبْ، وَإِنْ كَانَ ثَمَرُهُ وَاحِدًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : إذَا بِعْتُك حَائِطًا بِحَائِطٍ وَفِيهِمَا جَمِيعًا ثَمَرٌ فَإِنْ كَانَ الثَّمَرَانِ مُخْتَلِفَيْنِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ كَرْمٌ فِيهِ عِنَبٌ أَوْ زَبِيبٌ بِحَائِطِ نَخْلٍ فِيهِ بُسْرٌ أَوْ رُطَبٌ بِعْتُك الْحَائِطَ بِالْحَائِطِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَائِطًا بِمَا فِيهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَائِطَانِ مُسْتَوِيَيْ الثَّمَرِ مِثْلُ النَّخْلِ وَنَخْلٌ فِيهِمَا الثَّمَرُ فَلَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنِّي بِعْتُك حَائِطًا وَثَمَرًا بِحَائِطٍ وَثَمَرٍ وَالثَّمَرُ بِالثَّمَرِ لَا يَجُوزُ. (قَالَ الرَّبِيعُ) : مَعْنَى الْقَصِيلِ عِنْدِي الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ قَدْ سَنْبَلَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُسَنْبِلْ وَكَانَ بَقْلًا فَاشْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ فَلَا بَأْسَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خ