موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي
مجموعة من المؤلفين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة حصل بها الباحث على درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز من جامعة الملك سعود
سلسلة الرسائل الجامعية (79) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [1] مسائل الإجماع في الطهارة
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70, 71]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. • أما بعد: فإن الأمة في أمسّ حاجتها للأسس التي بها تجتمع كلمتها، ويفرق بها بين القطعي الذي لا يجوز ولا يُقبل الخلاف فيه، وبين ما يكون للاجتهاد فيه مجال. ولذا كان من الواجب إبراز تلك الأمور التي تتفق فيها الأمة أجمع، وهي المسائل التي أجمع علماء الأمة فيها على قولٍ واحدٍ، وهي كثيرة وللَّه الحمد. ولما كانت المسائل التي حُكيَ فيها الإجماع كثيرة؛ كان منها ما هو متفق على أنها محلُّ إجماعٍ، ومنها ما هو مختلفٌ فيه. فلا بد إذًا من التدقيق في هذه المسائل -بعد جمعِها- وتمحيصِها بالطرق العلمية؛ يُحقَّق في المسائل التي حُكي فيها الإجماع، ويُدقَّق في مدى صحة عدم وجود المخالف، ثم يُنظر في المخالف -إن وجد- هل خلافه معتبر أو لا؟
مشكلة البحث
ويجب أن يُفرق أيضا في المسائل التي لا نعلم فيها مخالفًا بين الإجماع القطعي والظني، ويبيَّن نوعه، أهو لفظي أم سكوتي، ويتحقق من كل ذلك. يقول الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد، أو المنقول بعدد التواتر؛ والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد" (¬1). ولأهمية هذا الموضوع، ومدى فائدته الكبيرة ولِما يرجع على الباحث وعلى المسلمين من فائدة؛ رأيت أن أعمل بالجهد المستطاع في هذا الموضوع، وأن يكون في رسالتي لنيل درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله. ولما كانت أبواب الفقه واسعة جدًّا؛ رأيت أن أختار كتاب الطهارة، وهو أول أبواب الفقه الإِسلامي، فتكون الرسالة بعنوان: (مسائل الإجماع في الطهارة جمعًا ودراسةً). • مشكلة البحث: إن الناظر في كتب الفقه الإِسلامي يجد أن هناك كمًّا هائلًا من الإجماعات التي ينقلها العلماء في المذاهب الفقهية المختلفة، بينما يجد لبعض تلك النقول خروقًا من أقوال علماء آخرين. كما أنه في بعض تلك المسائل التي نُقل فيها الإجماع قد يجد من خالف فيها من عالم أو أكثر بعد ذلك، فهل هذا الإجماع صحيح أم أنه لم يتحقق أصلًا؟ وينبني على ذلك: هل تجوز المخالفة في تلك المسائل أو لا؟ كل هذا وذاك يحتاج إلى دراسة علمية تُبَيِّنُ الصحيح في الأمر. ومن ثم كان هذا البحث لجمع مسائل الإجماع التي حُكِيت في كتاب الطهارة ودراسة كل مسألة على حدة. * * * ¬
حدود البحث
• حدود البحث: يشتمل البحث على جميع المسائل التي نقل فيها الإجماع المتعلقة بكتاب الطهارة، وذلك عندما ينقله أحد العلماء بالصيغ التالية: 1 - الإجماع. 2 - الاتفاق. 3 - نفي الخلاف في المسألة. هذا بالإضافة إلى التمهيد الذي سيكون عن الإجماع، وما يتعلق به من الناحية الأصولية دون توسّع. أما ما يتعلق بالإجماعات في الأبواب الأخرى، أو ما يتعلق بأيِّ إجماع خاصّ؛ كإجماع الأئمة الأربعة؛ أو إجماع الخلفاء الراشدين؛ وما أشبه ذلك، فغير داخل في البحث؛ حيث إن ذلك النوع من الإجماعات لا يعتبر حجة شرعية على الصحيح. كما أن أيّ عبارة أجد أن ظاهرها يدل على قصرها على مذهب معين (كإجماع الحنفية)؛ أو بلد معين (كإجماع أهل المدينة) فهي غير داخلة في البحث؛ لأنها ليست داخلة في معنى الإجماع الاصطلاحي الذي هو حجة شرعية. والمسائل التي استطعت أن أجمعها من حكايات العلماء في هذا الباب أربعُ مائة وسبعة وستون مسألة، توصلت إليها من خلال كتب المشروع المعتمدة. فقد رأت اللجنة المشكلة للمشروع من قِبل قسم الدراسات الإِسلامية بجامعة الملك سعود أن يكون اعتماد الإجماعات من خلال ثلاثين كتابا من أهم الكتب التي تعتني بحكاية الإجماع، اختيرت بعناية اللجنة والقسم، وقد روعي فيها التنوع المذهبي وتاريخ تأليف الكتاب، وقد كان لي وجهة نظر مختلفة في اختيار بعض الكتب، حيث إنني لم أكن أرى جدوى إضافة بعض الكتب، إلا أنها فُرضت من قبل القسم، ولهم وجهة نظر أحترمها، وهي كالتالي: 1 - "الأم" للإمام الشافعي (204 هـ). 2 - "سنن الترمذي" (279 هـ). 3 - "تفسير الطبري" (310 هـ). 4 - "الإجماع" لابن المنذر (318 هـ). 5 - "مراتب الإجماع" لابن حزم الظاهري (456 هـ).
6 - "المحلى" لابن حزم. 7 - "الاستذكار" لابن عبد البر المالكي (463 هـ). 8 - "شرح السنة" للبغوي (516 هـ). 9 - "عارضة الأحوذي" لابن العربي المالكي (543 هـ). 10 - "الإفصاح" لابن هبيرة الحنبلي (560 هـ). 11 - "بدائع الصنائع" للكاساني الحنفي (587 هـ). 12 - "المغني" لابن قدامة (620 هـ). 13 - "الجامع لأحكام القرآن" (¬1) للقرطبي المالكي (671 هـ). 14 - "المجموع" للنووي الشافعي (676 هـ). 15 - "الذخيرة" للقرافي المالكي (684 هـ). 16 - "نقد مراتب الإجماع" لابن تيمية الحنبلي (728 هـ). 17 - "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، جمع الشيخ ابن قاسم. 18 - "جامع الرسائل" لابن تيمية، جمع د. محمد رشاد سالم. 19 - "مجموع الرسائل والمسائل" لابن تيمية، جمع الشيخ محمد رشيد رضا. 20 - "مختصر الفتاوى المصرية" لابن تيمية، جمع البعلي. 21 - "زاد المعاد" لابن القيم الحنبلي (751 هـ). 22 - "إعلام الموقعين" لابن القيم. 23 - "فتح الباري" لابن حجر الشافعي (852 هـ). 24 - "البناية شرح الهداية" للعيني الحنفي (855 هـ). 25 - "فتح القدير" لابن الهمام الحنفي (861 هـ). 26 - "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي (970 هـ). ¬
الدراسات السابقة
27 - "مغني المحتاج" للشربيني الشافعي (977 هـ). 28 - "سبل السلام شرح بلوغ المرام" للصنعاني (1182 هـ). 29 - "نيل الأوطار" شرح منتقى الأخبار" للشوكاني (1250 هـ). 30 - "حاشية الروض المربع" لابن قاسم الحنبلي (1392 هـ). • الدراسات السابقة: أولًا: كتاب (موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي). لمؤلفه: الشيخ سعدي أبو جيب. وهو كتاب موسوعي في الفقه بشكل عام، ويدخل فيه ضمنًا الطهارة. ويختلف عملي عن هذه الموسوعة بما يلي: 1 - اعتمد المؤلف على ستة عشر كتابا فقط (¬1)، وهي كذلك ليست موزعة على المذاهب. 2 - أنه ليس من منهج المؤلف -وفقه اللَّه- دراسة أيٍّ من تلك الإجماعات وتمحيصها، مما يؤكد الحاجة إلى الدراسة لتلك الإجماعات. 3 - ترتيب المؤلف في كتابه وفق الترتيب الهجائي، وقد رتبت مسائل الإجماع حسب أبواب الفقه الإِسلامي. 4 - أن المؤلف لا يذكر مستند الإجماع ولا دليل المخالف في المسألة. 5 - أن الشيخ سعدي أبو جيب قد جعل عمله موسوعيًّا كبيرًا، وهو مع اعترافنا له بالفضل والأسبقية بلا شك قد اعتراه بعض الزلل والخطأ، نظرًّا لطبيعة الجهد البشري، فقد وجدت له عدة أخطاء في تصوير المسائل، فمثلا انظر مسألة (809) الفقرة الثالثة، ¬
ثانيا: كتاب (إجماعات ابن عبد البر في العبادات).
وقارنها بعبارة صاحبها النووي (¬1)، حيث تجد فرقًا كبيرًا؛ إذ الإجماع على مسألة وما ذكره الشيخ مسألة أخرى. كذلك في نفس المسألة (809) الفقرة الأخيرة؛ نقل الإجماع عن ابن قدامة على مسألة، ونقل بعدها خلافًا فيها، وبعد المراجعة وجدت أن الخلاف في مسألة أخرى (¬2). 6 - أن الشيخ أبو جيب وقع في وهم غريب، وهو أنه ينقل عن ابن حزم إجماعات لم يُرد ابن حزم حكايتها، وذلك أن منهج ابن حزم في حكاية الإجماع مختلف نوعًا ما عن غيره، حيث كثيرًا ما يذكر صورًا لمسائل يستثنيها، ثم بمجموع هذه الاستثناءات يخرج بصورة مجمع عليها (¬3)، والخطأ لدى الشيخ أبو جيب؛ أنه يأخذ كل استثناء من هذه الاستثناءات، ويجعله مسألة مستقلة حكى ابن حزم الإجماع فيها، وهذا خطأ بيِّن من الشيخ أبو جيب، مع اعتذاري واعترافي له بالفضل في عمله جزاه اللَّه خيرًا (¬4). 7 - أن الشيخ أبو جيب يذكر الإجماعات اللفظية والسكوتية دون تفريق، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاثنين. ثانيًا: كتاب (إجماعات ابن عبد البر في العبادات). لمؤلفه: الدكتور عبد اللَّه بن مبارك البوصي. وهو رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية. وهذا البحث ليس في جمع مسائل الإجماع؛ لاختصاصه بعالم واحد وهو الإمام ابن عبد البر فقط، في حين أن عملنا سيكون - بإذن اللَّه - شاملًا لعددٍ من العلماء، ثم إن منهج الباحث في رسالته الاقتصارُ على لفظ الإجماع فقط، دون لفظ الاتفاق أو نفي الخلاف. بخلاف هذه الرسالة التي هي جامعة للاصطلاحات الثلاثة. مجموع المسائل التي بحثها المؤلف في كتاب الطهارة خمسين مسألة فقط، موزعة على أبواب الطهارة؛ باستثناء بابي الاستنجاء والمسح على الخفين، فلم يجد فيهما ¬
ثالثا: كتاب (أحكام الإجماع والتطبيقات عليها من خلال كتاب ابن المنذر وابن حزم).
إجماعات لابن عبد البر، وكل هذه المسائل بحثتها أيضا في رسالتي، ووقع الاتفاق في النتيجة في أغلبها، وخالفت الباحث في بعضها، وسيأتي مناقشة ذلك في ثنايا البحث. وهناك خلاف بين منهجي ومنهج الدكتور عبد اللَّه في دراسة المسائل، فهو ليس من منهجه أن يلتزم بتوثيق المسألة كتابيًّا من كتب المذاهب الفقهية المختلفة، في حال تحقق الإجماع أو عدم تحققه، بينما هذا الأمر من الخطوات المنهجية اللازمة في كل مسألة من مسائل هذه الرسالة. وهذا الكتاب من أفضل ما كتب في الباب؛ إلا أنه يلاحظ عليه الملاحظات السابقة، وأبرزها أنه مقتصر على عالم واحد وعلى لفظ الإجماع فقط، ومع ذلك فالكتاب نافع جدًّا، ولا يعيبه هذا حيث كان هذا من منهج الباحث، وقد أجاد الباحث فيه جزاه اللَّه خيرًا، بل يستحق أن يكون رسالة دكتوراه في نظري. ثالثًا: كتاب (أحكام الإجماع والتطبيقات عليها من خلال كتاب ابن المنذر وابن حزم). لمؤلفه: الشيخ خلف محمد المحمد. وهو رسالة ماجستير تشتمل على قسمين: أحدهما: دراسة نظرية للإجماع كمصدر من مصادر التشريع، وقد استغرقت هذه الدراسة أكثر الكتاب. الثاني: التطبيقات الفقهية، وفيها الأمثلة من بابي الطهارة والصلاة، من خلال كتابي "الإجماع" لابن المنذر؛ و"مراتب الإجماع" لابن حزم. ويختلف عملي عن هذا الكتاب بما يلي: 1 - أنه لم يتناول كل الإجماعات المذكورة في باب الطهارة، وذلك لأنه اعتمد ذكر إجماعات ابن المنذر، من خلال كتابه "الإجماع" فقط؛ وإجماعات ابن حزم من خلال كتابه "مراتب الإجماع" فقط. فهو مقتصر على هذين الكتابين فقط، يذكر الإجماعات فيه من باب التمثيل والتطبيق. 2 - أن نقده للإجماعات غير كافٍ، فهو يعتمد في نقد الإجماع أو تأييده على نفس
رابعا: كتاب (موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية).
الكتب التي اعتمدها مؤلف كتاب "موسوعة الإجماع" المتقدم لسعدي أبو جيب، مما يجعل النقد على الموسوعة السابقة يأتي هنا أيضًا. ويُعتذر له بأن مناقشة الإجماعات هو من باب التطبيق لمسائل الإجماع الأصولية فيما يبدو لي. في حين أن هذه الرسالة شاملة بإذن اللَّه لكتب كثيرة في شتى المذاهب والعصور حسب ما هو مبين في خطة المشروع. 3 - أنه ليس من منهج الباحث ذكر مستند الإجماع؛ ولا توثيق المسألة من كتب المذاهب الفقهية المختلفة، ولا دليل المخالف في المسألة إن وجد. 4 - أن عدد المسائل التي ذكرها الباحث ثمان وسبعون مسألة، وهو عدد قليل من مسائل الإجماع التي حُكيت في باب الطهارة. رابعًا: كتاب (موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية). لمؤلفه: د. عبد اللَّه بن مبارك البوصي وهذا الكتاب ليس إلا جمعًا لما نقله ابن تيمية فقط من الإجماعات، ولا يتعرض لغيره، وذلك على أبواب الفقه كلها، التي من ضمنها الطهارة. وأيضًا فليس من منهج المؤلف مناقشة هذه الإجماعات، والبحث عن مدى صحتها ودقتها، فهو ليس سوى جمع فقط دون أي تعليق. خامسًا: كتاب (الإجماع لابن عبد البر). لمؤلفه: فؤاد الشلهوب، وعبد الوهاب الشهري. وهذا الكتاب ليس سوى جمع لإجماعات ابن عبد البر من خلال كتابه "التمهيد" فقط على أبواب الفقه، ومن بينها الطهارة. وهو جمع فقط دون أي تعليق، كـ "موسوعة الإجماع" لابن تيمية التي سبق الكلام عنها. سادسًا: كتاب (الإجماع عند الإمام النووي من خلال شرحه لصحيح مسلم دراسة أصولية تطبيقية). لمؤلفه: علي أحمد الراشدي. وهي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
سابعا: كتاب (تحرير اتفاقات ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الاعتكاف).
وقد بذل الباحث جهدًا كبيرًا في رسالته هذه، وهي من أفضل ما كتب في الموضوع؛ إلا أنه يؤخذ عليها اقتصارها على كتاب "شرح مسلم" للنووي فقط، فالمسائل فيه ليست شاملة، حيث لم يذكر سوى خمس وأربعين مسألة فقط. ويؤخذ عليه: عدم التزام الباحث بتوثيق المسألة من الكتب الفقهية للمذاهب في المسائل التي يحكم عليها. ثم إن الباحث يبحث أحيانًا عدة مسائل في عنوان واحد. مثال ذلك: مسألة (الحائض والنفساء ليس عليهما الصلاة ولا الصوم ويجب عليهما القضاء في الصوم دون الصلاة) (¬1)، وهذا العنوان يحتوي على ثمان مسائل في الإجماع. سابعًا: كتاب (تحرير اتفاقات ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الاعتكاف). لمؤلفه: عبد اللَّه بن علي بصفر. ذكر في باب الطهارة واحدًا وخمسين مسألة. ويؤخذ عليه: أنه لا يذكر مستند الإجماع، ولا يلتزم الباحث بالنظر في الكتب من خارج المذاهب الأربعة، التي تحكي أقوال أهل العلم، كالمصنف، والأوسط، ولا بذكر من وافق على هذا القول المحكي فيه الإجماع من العلماء المستقلين، ولا ينظر في خلاف الظاهرية، فلا يوثق المسألة عند ابن حزم، وهذه الأمور تفقد الكتاب أهمية كبيرة. ثامنًا: كتاب (المسائل التي حكى فيها ابن قدامة الإجماع والتي نفى علمه بالخلاف فيها في باب الطهارة من كتابه المغني جمعًا ودراسة). لمؤلفه: أحمد بن محمد البلادي. وهو رسالة ماجستير بجامعة أم القرى. ويؤخذ عليه: أن الباحث لا يلتزم بذكر مستند الإجماع، ولا بذكر من وافق ابن قدامة في حكاية الإجماع. ¬
أهداف البحث
ولا يلتزم الباحث بالرجوع إلى كتاب "المحلى" لابن حزم، ويشير إلى قوله في الموافقة أو المخالفة إن وجد، مما يفقد البحث الشيء الكثير. ولا يلتزم أيضًا بذكر الموافقين على القول المحكي فيه الإجماع من العلماء المستقلين أو المتقدمين. والرسالة تفتقد إلى الترتيب والمنهجية الواضحة. هذا علاوةً على أن الرسالة محصورة في ابن قدامة رحمه اللَّه من خلال كتابه "المغني". • أهداف البحث: 1 - بيان تعريف الإجماع، ومكانته، وأنواعه، والألفاظ التي تعبر عنه، والألفاظ التي لها صلة به. 2 - جمع جميع المسائل التي نقل فيها الإجماع في كتاب الطهارة، من خلال الكتب المعتمدة في الدراسة. 3 - البحث عن موافقٍ لذلك الإجماع؛ ومخالفٍ له؛ ودليل خلافه. 4 - التمحيص في صحة الإجماع؛ وتحقق الشروط فيه وعدمها. 5 - بيان الراجح عند الاختلاف بين العلماء في تحقق الإجماع أو عدمه. 6 - ذكر مستند الإجماع الذي بُني عليه الإجماع. • أسئلة البحث: 1 - ما المقصود بالإجماع عند العلماء؟ وما مكانته؟ وما أنواعه؟ وما الألفاظ التي تعبر عن حكايته؟ وما الألفاظ التي لها صلة به؟ 2 - ما المسائل الفقهية التي حُكي فيها إجماع العلماء في كتاب الطهارة؟ 3 - مَنِ العلماء الذين ذكروا ذلك الإجماع؟ ومن الذين خالفوه إن وجد؟ 4 - هل شروط صحة الإجماع متحققة في ذلك الإجماع؟ 5 - ما الراجح من أقوال العلماء في تحقق الإجماع من عدمه إن وجد خلاف؟ 6 - ما المستند الشرعي الذي بُني عليه ذلك الإجماع؟
منهج البحث
• منهج البحث: سأتبع في رسالتي المنهج الاستقرائي والمنهج المقارن (¬1)، المتعارف عليه لدى المختصين في الفقه الإِسلامي بالفقه المقارن. • إجراءات البحث: أولًا: أضع عنوانًا للمسألة التي ذُكرت في الكتب المعتمدة في المشروع. ثانيًا: أشرح المسألة التي تحتاج للشرح بعد العنوان، وأُعَرِّفُ المصطلحات التي تقتضي ذلك، وأميّز المسألة عن المسائل المشتبهة بها إن وجدت، على غرار ما يجري في علم الفروق الفقهية (¬2). ثالثًا: أضع بعد ذلك عنوان: (من نقل الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) (¬3)، أذكر فيه أول من ذكر الإجماع، ثم أذكر من نقله بعده، وأراعي الترتيب الزمني في ذلك. رابعًا: أنقل نصوص العلماء في ذلك؛ إلا إن كانت متقاربة أو متشابهة، وإذا كان العالم قد نقل الإجماع عن غيره، فإنه يكتفى بنص العالم الأول، ويشار إلى أنه نقله عنه فلان. وقد أنقل بعض الاتفاقات المذهبية المطلقة من باب الاعتضاد فقط، في المسائل المبحوثة، لا استقلالا. وأنقل العبارات التي جاءت بألفاظ الإجماع الضعيفة كجميع وكافة وقول العلماء، من باب الاعتضاد أيضا. خامسًا: أضع عنوانا بعد ذلك (الموافقون على الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) أذكر فيه المذاهب التي وافقت الإجماع والعلماء المستقلين أيضًا، إن وجد. ¬
وإذا كان أحد العلماء الذين حكوا الإجماع ينتمي إلى أحد المذاهب الفقهية؛ فيكتفى به في مذهبه الفقهي، ولا يعاد ذكر موافقة مذهبه في نفس المسألة. وبالنسبة لرأي ابن حزم في الموافقة والخلاف، فإني أبحث عنه في كل مسألة؛ إذ إنه المصدر الرئيسي في معرفة آراء الظاهرية - وإن كان يخالفهم أحيانا - ولكن كثيرًا ما يحصل أن لا أجد له رأيًا، وفي هذه الحالة فإني لا أشير لذلك، بل أكتفي بعدم الإشارة إليه. سادسًا: أذكر (مستند الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) من النصوص الشرعية إن عُلم، فإن لم يظهر لي نص في المسألة ذكرت الدليل بطرق الاستنباط الأخرى. فإن كان آيةً؛ فتُذكر الآية بالنص العثماني، ثم أكتب اسم السورة ورقم الآية. أما الأحاديث النبوية؛ فأضعها داخل التنصيص تكريمًا لكلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. وفي التخريج إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بذلك، وأذكر موضعًا واحدًا عند تعدد المواضع، وأما إذا كان خارج أحدهما؛ فإني أخرجه من كتب السنن الأخرى، وأبحث عن درجته ما استطعت. وعند التخريج فإني أذكر اسم الكتاب الذي أخرج الحديث، واسم الباب، ورقم الحديث، والجزء والصفحة. ومنهجي في توثيق المستند؛ أنني إذا نقلت الدليل الاجتهادي عن أحد من العلماء فإني أوثقه، وإن لم أوثق شيئًا فهو من اجتهادي، إلا إن كان الدليل مشهورًا أو وجه الدلالة واضحًا؛ فقد لا ألتزم بالتوثيق. سابعًا: أبدأ بعد ذلك بالبحث عن ناقضٍ لهذا الإجماع؛ إما بالنص على أنه منقوض، أو حكاية خلاف في المسألة. فإذا وجدت شيئًا من ذلك أثبته وأناقشه، إن كانت المسألة تحتاج لمناقشه. يلاحظ أن الإجماعات المعتمدة هي التي تكون فيها العبارة صريحة في حكاية الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف؛ بأن لا يكون لها استثناءات في السياق؛ أو ما يدل على أنها محصورة بمذهب معين؛ أو بالجمهور. وإذا كان نفي الخلاف أو حكاية الاتفاق في سياق مذهبي؛ فإني لا أعتمدها.
وإذا كان الحال أنه لم ينقل الإجماع إلا عالم واحد أو اثنان، فإني أحاول زيادة البحث والتدقيق في المسألة من خلال التنقيب في كتب المذاهب المختلفة عن مخالف لهذا الإجماع، خاصة إذا كان العالم الذي نقل عنه الإجماع من المشهورين بالتساهل. ثامنًا: عندما يتبين سلامة الإجماع أذكر النتيجة التي توصلت إليها من خلال الدراسة. تاسعًا: عندما أجد أن الإجماع المحكي مخروق؛ فإنني أتحقق من هذا الخرق، وأذكر الخلاف المحكي في هذه المسألة، وأعزوه إلى الكتب المعتمدة في المذاهب الفقهية المختلفة. وأذكر الدليل الذي استدل به المخالف من غير مناقشة وترجيح، حسب ما تقتضيه المسألة، حيث لو تمت مناقشة الأدلة والترجيح بينها لأصبحت الرسالة ضخمة جدًّا، بحيث لا تتسع لعدة طلاب. عاشرًا: عندما أجد أنه قد حكي خرق للإجماع، فإنني أجتهد في بيان ما يترجح لي في المسألة، من حيث تحقق الإجماع أو عدم تحققه، مع بيان الأسباب التي جعلتني أختار ذلك. الحادي عشر: أذكر الإجماعات حسب الأبواب الفقهية، على ترتيب مذهب الحنابلة، من خلال كتاب "المقنع". أما ترتيب المسائل داخل الباب؛ فإني لا ألتزم ترتيبًا معينًا، وإنما أجتهد في أن تكون المسائل المتقاربة في الحكم أو الصورة بجانب بعضها. الثاني عشر: ترجمت للأعلام غير المشهورين، ترجمة مختصرة، أما المشهورون كالخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وكمشاهير الصحابة كأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، فإني لا أترجم لهم. الثالث عشر: وضعت ترقيمًا لمسائل الرسالة، وذلك بأن جعلت رقمًا للمسألة في الباب، ثم ترقيما ثانيا في الرسالة كاملةً. الرابع عشر: إذا وضعت شرطة كهذه - فما بين الشرطتين من إضافتي، وليس من كلام العالم الذي أنقل عنه.
خطة البحث
الخامس عشر: في التوثيق من الكتب التي هي جزء فقط، فإني أذكر رقم الصفحة بين قوسين مباشرة، دون ذكر حرف ص، وأما الكتب التي هي أكثر من جزء، فإني أتبع الطريقة المعهودة، وهي ذكر رقم الجزء أولًا ثم رقم الصفحة داخل القوس فقط. السادس عشر: عندما أحيل على المسائل، فإنني أحيل على عنوانها، دون الإشارة إلى رقم الصفحة، وذلك لكثرة المسائل وتغير مواضعها أثناء المراجعات أو التغيير والإضافة. • خطة البحث: وتحتوي على مقدمة، وتمهيد، وأحد عشر بابًا، وخاتمة، أذكر فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج في رسالتي، وهي حسب ما يلي: • مقدمة: تشتمل على أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة المتصلة بالموضوع، وأهداف الموضوع، وأسئلة البحث، وحدود الدراسة، ثم منهجي في البحث، وإجراءات البحث، ثم خطة البحث. • تمهيد: وهو في التعريف بالإجماع، ومكانته بين مصادر التشريع الإِسلامي، والمسائل المهمة في هذا الباب، وفيه مباحث: • المبحث الأول: تعريف الإجماع. المطلب الأول: تعريف الإجماع لغةً. المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا. • المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي. المبحث الثالث: أنواع الإجماعات، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله. المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه.
المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن. • المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع. • المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة. • المبحث السادس: مستند الإجماع. • المبحث السابع: مسائل في الإجماع، وفيه مطالب: المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف. المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة. المطلب الثالث: في حكم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة. المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية. المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع. • المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع. أبواب الدراسة في كتاب الطهارة • وهي أحد عشر بابًا: الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه. الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب الآنية. الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء. الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب السواك وسنن الوضوء. الباب الخامس: مسائل الإجماع في باب فروض الوضوء وصفته. الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين. الباب السابع: مسائل الإجماع في باب نواقض الوضوء. الباب الثامن: مسائل الإجماع في باب الغسل. الباب التاسع: مسائل الإجماع في باب التيمم.
الصعوبات التي واجهتني في البحث
الباب العاشر: مسائل الإجماع في باب إزالة النجاسة. الباب الحادي عشر: مسائل الإجماع في باب الحيض والنفاس. • الخاتمة: وأذكر فيها أهم النتائج والتوصيات. • الفهارس: وتشتمل على الآتي: 1 - فهرس الآيات حسب ترتيب السور. 2 - فهرس الأحاديث والآثار هجائيًا. 3 - فهرس الأعلام المترجم لهم هجائيًا. 4 - فهرس المذاهب والفرق هجائيًّا. 5 - فهرس غريب الألفاظ. 6 - فهرس مسائل الإجماع. 7 - فهرس المراجع. 8 - فهرس الموضوعات. • الصعوبات التي واجهتني في البحث: واجهتني في هذه الرسالة العديد من الصعوبات، أثناء إعدادي للرسالة، ومنها: 1 - عدد الكتب المعتمدة من قبل اللجنة في الالتزام بالألفاظ الدالة على الإجماع كثير، وهي ثلاثون كتابًا، بعضها في مجلدات متعددة، مما جعل البحث فيها شاقًّا جدًّا، حتى إنني في بعض مراحل البحث أصبحت أحدث نفسي بأن إنجاز هذه الرسالة يحتاج إلى عدة سنوات طويلة، ولكن بحمد اللَّه تعالى تمَّ إتمام الرسالة، فله الشكر والمنة. 2 - عدد المسائل التي بحثتها في هذه الرسالة كثير أيضًا، وهي أربع مائة وستون مسألة، وأرجو أن لا تكون كثرتها قد أثرت على مستوى الرسالة، فبطبيعة العمل
البشري النقص، فما بالك إذا كان العمل كبيرًا. 3 - الإجماعات التي يحكيها بعض العلماء في مسائل فرعية دقيقة، يصعب على الباحث الحصول على كلامٍ لأهل العلم فيها (¬1)، فضلًا عن تحقق الإجماع فيها، مما يشكك في صحة الإجماع وعدمه، وقد مرت عليّ بعض المسائل التي لم أجد لها كلامًا لبعض المذاهب، مما جعلني أتوقف عن الحكم على المسألة. 4 - عدم عثوري على مستند الإجماع في بعض المسائل، خاصة إذا لم يوجد نص، مما يضطرني أن أجتهد في الاستدلال من المعقول، أرجو أن أكون مصيبًا فيه. 5 - بعض المسائل لا أجد فيها نصًّا واضحًا للفقهاء، أو لفقهاء مذهب معين، سواء كان بالموافقة أو المخالفة، مما يجعلني أجتهد في فهم معاني كلامهم، ومحاولة القياس عليه، وقد يأخذ مني هذا الوقت الطويل، ربما أيامًا. ومع كل هذه الصعوبات التي استطعت بحمد اللَّه تعالى تجاوزها، لا أدعي الكمال في رسالتي، بل كل عمل بشري يعتريه القصور والنقص، وقد يحصل الوهم والخطأ، بذلت كل ما أستطيع في سبيل إكمال الرسالة على أحسن وجه؛ إلا أن اللَّه تعالى يأبى الكمال إلا له سبحانه وتعالى. * * * ¬
تمهيد
تمهيد وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف الإجماع. المطلب الأول: تعريف الإجماع لغة. المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا. • المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي. • المبحث الثالث: أنواع الإجماعات، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله. المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه. المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن. • المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع. • المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة. • المبحث السادس: مستند الإجماع. • المبحث السابع: مسائل في الإجماع، وفيه مطالب: المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف. المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة. المطلب الثالث: في حكم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة. المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية. المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع. • المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع.
المبحث الأول: تعريف الإجماع
المبحث الأول: تعريف الإجماع المطلب الأول: تعريف الإجماع لغة • الإجماع لغةً: مِن أجمع الأمر إذا عزم عليه، ويُقال أيضًا: أجمِع أمرك، ولا تدعه منتشرًا (¬1). قال تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: الآية 71]. يقال: أجمعوا على الأمر اتفقوا عليه (¬2). قال ابن منظور: "جمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه؛ عزم عليه، كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع، ويقال أيضًا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرًا" (¬3). وقال الفيروز آبادي في "القاموس": "الإجماع: الاتفاق. . .، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه" (¬4). وقال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": "جمع، الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا" (¬5)، فإذا تضامّت أقوال العلماء على رأي واحدٍ في المسألة، فقد أجمعوا عليه. والأجماع يقال: في أقوام متفاوتة اجتمعوا، وأجمعت كذا، وأكثر ما يقال فيما يكون جمعًا يتوصل إليه بالفكر، ويقال: أجمع المسلمون على كذا: اجتمعت آراؤهم عليه" (¬6). • فيتحصل لنا أن كلمة (أجمع) تطلق على معنيين: الأول: العزم على الشيء. ولعل مناسبة هذا المعنى للمعنى الاصطلاحي؛ أن العلماء عندما اجتمعوا على قول ¬
المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحا
واحد في المسألة، كأنهم عزموا وصمموا على هذا القول في المسألة، مما جعلهم يقولون بقول واحد غير مختلفين فيه. والثاني: الاتفاق والاجتماع. وهذا المعنى هو الأقرب ليتناسب مع المعنى الاصطلاحي للإجماع، فإذا اتفق العلماء على القول برأيٍ في المسألة واجتمعوا عليه؛ فإنهم قد أجمعوا على القول بهذا الرأي. المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا • وأما تعريف الإجماع اصطلاحًا: فقد اختلفت تعريفات العلماء في ذلك، أذكر بعضًا منها: 1 - عرفه القاضي أبو يعلى بأنه: "عبارة عمن تثبت الحجة بقوله" (¬1). 2 - عرفه الآمدي بأنه: "اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع" (¬2). 3 - عرفه ابن السبكي بأنه: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في عصرٍ على أي أمرٍ كان" (¬3). • التعريف المختار: فهو اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد وفاته على أمرٍ من أمور الدين. وهذا التعريف هو أسلم التعريفات الأصولية من الاعتراضات، وهو مأخوذ من تعريف الإمام ابن السبكي رحمه اللَّه في "جمع الجوامع" إلا أنه أضيف إليه تقييد الأمر المجمع عليه بالديني، وبهذا يكون سالمًا من الاعتراضات الواردة عليه (¬4). • شرح التعريف وبيان محترزاته: (اتفاق): هو أن تكون آراء العلماء متطابقة ومشتركة في الرأي والوجهة، سواء كان عن طريق الأقوال؛ أو الأفعال؛ أو السكوت مع كلام البعض الآخر. ¬
وبهذا يكون التعريف شاملًا لنوعي الإجماع (الصريح أو اللفظي؛ والسكوتي) (¬1). (مجتهدي): المجتهد هو: الفقيه الذي استكمل شروط الاجتهاد المعروفة في أبواب الاجتهاد في أصول الفقه (¬2). وبهذا يخرج من التعريف العوام وطلاب العلم الذين لم يستكملوا شروط الاجتهاد (¬3). (العصر): أي ذلك العصر الذي وقعت فيه تلك الحادثة، ولو خالف عالم بعد ذلك فلا عبرة بخلافه؛ لأنه خالف الإجماع. ويلاحظ هُنا أن العصر مطلق؛ أيْ في أيِّ عصرٍ كان، بخلاف من قال باشتراط حدوث الإجماع في عصر الصحابة فقط، وهم الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد رحمه اللَّه، وسيأتي مزيد من البيان لهذه المسألة في المبحث الثالث إن شاء اللَّه تعالى (¬4). وكذلك يلاحظ عدم تقييد التعريف باشتراط انقراض العصر، الذي وقعت فيه تلك الحادثة، بموت جميع العلماء الذين أفتوا في تلك الحادثة برأي موحد، بخلاف من اشترطه (¬5). ¬
(من أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-): قَيْدٌ يُخرج المجتهدين من أتباع الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فلا يُعتد بخلافهم أو إجماعهم، ولو وصلوا إلى رتبة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. (بعد وفاته): قيد يُخرج الإجماع في عصر النبوة؛ لأنه لا يتصور وقوعه في حال حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام، إذ بوجوده هو المصدر التشريعي الوحيد الناقل للوحي، فلو أقر الإجماع كان إقراره هو الحجة، ولو أنكر الإجماع كان إنكاره هو الحجة أيضًا، ولا اعتبار لهذا الإجماع الذي أنكره الرسول عليه الصلاة والسلام. ولذلك يقول الجلال المحلي: "ووجهه؛ أنه إن وافقهم فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم دونه" (¬1). (على أمر من أمور الدين): قيد يُخرج الإجماع في الأمور غير الشرعية؛ كاللغة والحساب والفلك وغير ذلك من أمور الدنيا. فالإجماع الاصطلاحي الشرعي هو ما كان في أمور الدين فقط (¬2). * * * ¬
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإسلامي
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي • مكانة الإجماع: الإجماع هو الأصل الثالث من الأصول التي تستمد منها الشريعة الأحكام، ويذكره علماء الأصول بعد الحديث عن الأصلين الأولين (الكتاب والسنة)، فهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإِسلامي. بل عند تعارض الأدلة النصية من الكتاب والسنة مع الإجماع؛ فقال بعض العلماء بتقديم الإجماع عليهما (¬1)، وذلك لعدم تصور احتمال النسخ في إجماع العلماء واتفاقهم في تلك المسألة على رأي موحد، كما هو محتمل في النصوص (¬2). ولأن الإجماع مستند في الحقيقة إلى نصوص شرعية، سواء علمناها وتوصلنا إليها من خلال المصادر المتوفرة، أم لم نتمكن من الوصول إليها، كما هو الراجح في هذه المسألة (¬3). يقول ابن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه اللَّه: "ولأن الإجماع معصوم عن مخالفته دليلًا شرعيًّا لا معارض له، ولا مزيل عن دلالته، فيتعين إذا وجدناه خالف شيئًا أَنَّ ذلك إما غير صحيح إن أمكن ذلك، أو أنه مؤول، أو نسخ بناسخ؛ لأن إجماعهم حق، فالإجماع دليل على النسخ لا رافع للحكم. . . " (¬4). ويقول أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي رحمه اللَّه: "فحكمه - أي الإجماع -: أن يُصار إليه ويُعمل به، ولا يجوز تركه بحال؛ إذ لا يتسلط على حكمه بعد ثبوته نسخ؛ لأنه لا طريق إلى النسخ بعد انقطاع الوحي، ولا نص يعارضه، ولا لنا إجماع يعارضه، بخلاف ما قلنا في النص الذي يعارضه نص آخر؛ لاجتماع نصين في زمنٍ واحد؛ لأن النصين يصدران عن عصرٍ يجتمع فيه النصان، وهو عصر النبوة، والإجماع لا يتحقق ¬
أولا: من الكتاب
في عصر النبوة، والنص لا يبقى لنا مجددًا في زمن الإجماع، فلذلك لم يتصور معارضته بنص ولا إجماع، وامتناع إجماعين في عصر واحد، ولأن الأمة معصومة في اتفاقها عن أن تُجمع على حكم ثبت فيه نص عن اللَّه سبحانه أو عن رسوله بخلاف اتفاقهم" (¬1). فالإجماع ليس دليلًا منفردًا عن الأصلين الأولين، بل هو تابع لهما من حيث كونه لا يقع إلا وله مستند شرعي علمناه أم لم نعلمه. فإذا وقع، دلّ ذلك على وجود الدليل الشرعي، وأن ذلك النص صحيح، غير مؤول ولا منسوخ، بخلاف النصوص الشرعية؛ فقد تكون محتملة التأويل، أو النسخ. وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه القول الذي يقول بأن النظر أولا إلى الإجماع، ثم النصوص، وبين أن طريقة السلف هي النظر أولًا في كتاب اللَّه تعالى، ثم في سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ثم في الإجماع (¬2). ثم نقل عن بعض المتأخرين قولهم: "يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع، فإن وجده؛ لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصًّا خالفه؛ اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نسخه! والصواب طريقة السلف" (¬3). • حجية الإجماع: هذا، وقد دلّ على حجيّة الإجماع، وكونه دليلًا يستمد منه الأحكام عدة أدلة، نذكر بعضًا منها: • أولًا: من الكتاب: 1 - قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد بالعذاب لمن شاقّ اللَّه ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين، أي: الطريق الذي اختاروه لأنفسهم. وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين وعدم مخالفتهم. ¬
ولا يصح إطلاق القول؛ بأن ذلك القول أو الفعل هو سبيل المؤمنين؛ إلا باجتماع قولهم أو فعلهم على رأي موحد (¬1). 2 - قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى وصف الأمة بأنها أمة وسط، والوسط: الخيار العدل، يدل لذلك قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} [القلم: 28]، أي: أعدلهم. واللَّه تعالى عدّلهم بقبول شهادتهم أيضًا، وشهادة الشاهد حجة، فدل ذلك على حجيّة إجماع الأمة ووجوب الأخذ به (¬2). 3 - قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأمة؛ بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن المنكر. وهذا يقتضي كون قولهم حقًّا وصوابًا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقًّا لكان ضلالًا، فإذا اجتمعوا على مشروعية شيء يكون ذلك الشيء معروفًا، وإذا اجتمعوا على عدم مشروعية شيء يكون ذلك الشيء منكرًا، فيكون إجماعهم حجة (¬3). 4 - قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. • وجه الدلالة: نهى اللَّه تبارك وتعالى في الآية عن التفرق، ولا شك أن مخالفة الإجماع تفرق، فيكون منهيًّا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته، ووجوب اتباعه (¬4). 5 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي ¬
ثانيا: من السنة
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، ولا يأمر اللَّه تعالى لأحدٍ بطاعته إلا أن يكون معصومًا عن الخطأ؛ لأنه لو لم يكن معصومًا فإن اللَّه تعالى قد أمر بطاعته فيما لو قُدِّر إقدامه على الخطأ، فدل ذلك على أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر -وهم أهل الحل والعقد من المجتهدين- عند إجماعهم وعدم تنازعهم (¬1). • ثانيًا: من السنة: 1 - قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد اللَّه على الجماعة ومن شذ شذ في النار" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة أبدًا، وأن من شذ عن الجماعة فقد شذ في النار، فدل ذلك على أن هذه الأمة أمة معصومة إن أجمعت على أمرٍ، وهذا ما يدل على أن الإجماع من أمة محمد عليه الصلاة والسلام حجة (¬3). 2 - قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن فارق الجماعة شبرًا فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه" (¬4). ¬
المبحث الثالث: أنواع الإجماع
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف المفارق -وهو المخالف- للجماعة، عندما اجتمعت الجماعة في أمرها وتوحدت، بأنه قد خلع رِبْقَة (¬1) الإسلام من عنقه، وهذا وعيد شديد لمرتكب هذا الفعل، وهو مخالفة الجماعة، فدل ذلك على وجوب اتباع الجماعة، وعدم مخالفتها ومفارقتها، وعلى اعتبار إجماعها وكونه حجة شرعية (¬2). المبحث الثالث: أنواع الإجماع المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله القسم الأول: إجماع الأمة وهو الإجماع المطلق، والمقصود منه هو أن علماء الأمة أجمعوا على رأي موحد في مسألة ما، دون التقيد بطبقة معينة؛ أو بلد معين؛ أو زمن معين. وعلماء الأمة عبارة تشمل الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم من علماء وفقهاء الأمة رحمهم اللَّه تعالى (¬3). ومما ينبغي التنبيه عليه؛ أن علماء الأمة رحمهم اللَّه تعالى لم يختلفوا إجمالًا في إمكان وقوع الإجماع وتصور ذلك؛ سوى بعض الشيعة والمعتزلة، وخلافهم هنا غير معتبر (¬4). ¬
ولا يمتنع العلم بتحقق وقوع إجماع العلماء رحمهم اللَّه تعالى عقلًا ولا عادةً، خلافًا لما فُهم من كلام الإمام الشافعي، والإمام أحمد رحمهم اللَّه تعالى، وهناك شواهد فقهية دالة على مخالفتهما لما فُهم منهما، سيأتي بعضها في ثنايا البحث بالنسبة للإمام الشافعي. ففي كلام الإمام الشافعي رحمه اللَّه ما تُوهم أنه ينفي إمكان وقوع الإجماع، وهو ليس كذلك، فالذي يدل عليه سياق كلامه في مناظرةٍ له، تحدث فيها عن نقل الإجماع، هو أنه يتشدد في النقل، وأن الإجماع الذي هو حجة شرعية لا يحصل إلا في المسائل التي يعرفها العامة من المسلمين، التي هي من الأصول المعلومة من الدين بالضرورة، وأما ما سوى ذلك مما يدور بين الخاصة من أهل العلم؛ فإنه ليس فيه إلا عدم العلم بالمخالف، وهو ليس إجماعًا عنده، واللَّه تعالى أعلم. وسأنقل بعض كلامه لأهميته، فقد قال رحمه اللَّه: "نعم، نحمد اللَّه كثيرًا في جملة الفرائض التي لا يسع جهلها، فذلك الإجماع هو الذي لو قلت: أجمع الناس؛ لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك: ليس هذا بإجماع، فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه، ودون الأصول غيرها، فأما ما ادعيت من الإجماع، حيث قد أدركت التفرق في دهرك، وتحكي عن أهل كل قرن؛ فانظره أيجوز أن يكون هذا إجماعًا" (¬1). أما الإمام أحمد فقد روى عنه أنه قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب" (¬2)، ولذلك فُهم من هذه العبارة أنه ينكر إمكان وقوع الإجماع والعلم به، وقد أجاب عنها أهل العلم (¬3). يقول الإمام أحمد رادًّا على مدعٍ للإجماع في إحدى المسائل: "هذا كذب، ما علمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: ¬
إجماع الناس" (¬1). وعلّق عليه القاضي بقوله: "قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف" (¬2). وكلامه السابق فيه إشارة على أنه يقول بوقوع الإجماع؛ إلا أنه يتشدد فيه ورعًا، ويؤكد ذلك ورود استخدامه لعبارة الإجماع في مسائل فرعية (¬3). يقول ابن القيم عن أصول الفتوى لدى الإمام أحمد: "ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا" (¬4). وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. . . ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (¬5). هذا لفظه، ونصوص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده" (¬6). * * * ¬
القسم الثاني: إجماع الصحابة
القسم الثاني: إجماع الصحابة لا شك أن أولى من يعتبر إجماعهم هم صحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذين شهدوا الوحي وعاصروه، وهم أعلم الناس بالحلال والحرام وجميع أحكام الدين -رضوان اللَّه عليهم. ولذلك يقول الزركشي: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية الإجماع، وهم أحق الناس بذلك" (¬1). ويقول الإمام الشوكاني: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف" (¬2). وقد اختلف العلماء في إجماع من بعد الصحابة هل هو حجة؛ أو لا؟ على قولين: • الأول: أن الإجماع إجماع الصحابة دون من بعدهم. وروي هذا القول عن الإمام أحمد رحمه اللَّه في إحدى الروايتين عنه، وعليه سار بعض الحنابلة والظاهرية (¬3). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: "الذي أنكره أحمد: دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين" (¬4). • دليل هذا القول: أن الإجماع يشترط فيه اتفاق الكل، وتحقق العلم بذلك، وهذا لا يحصل إلا بالمشاهدة، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان المجمعون محصورين، كما هو الحاصل في عصر الصحابة دون من بعدهم، حيث من المُحال حصر العلماء المجتهدين في العالم، ومعرفة رأي كل واحد منهم، فيبقى أن الإجماع هو إجماع ¬
الصحابة دون من بعدهم (¬1). • القول الثاني: أن الإجماع حجة في كل العصور. وهذا قول الجمهور من علماء الأمة، وهو الأقرب إلى الصواب واللَّه أعلم، وعليه درج العلماء حتى علماء الحنابلة إجمالًا، وكل أدلة حجية الاحتجاج بالإجماع دالة عليه. ويمكن أن يوجه قول الإمام أحمد رحمه اللَّه بأنه يقصد أن الإجماع مراتب؛ أعلاها إجماع الصحابة، ثم من يليهم (¬2). وحمله القاضي أبو يعلى على أنه يقصد إذا انفرد تابعيٌ أو تابعه؛ فإن الإنسان مخير في ذلك -أي في الأخذ بذلك القول أو رده (¬3). وقال الطوفي الحنبلي بأن الرواية الأخرى للإمام أحمد رحمه اللَّه وهي الموافقة للجمهور -هي المشهورة عنه، وهي التي رجحها الطوفي نفسه (¬4). وقال في "مختصره للروضة" الذي شرحه: "لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصرٍ حجة" (¬5). وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي -بعد ذكره للرواية المذكورة والخلاف في المسألة: "ولنا -وهذه عبارة تدل على اختياره لهذا القول - ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع من غير تفريق بين عصر وعصر" (¬6). • دليل الجمهور: أن الأدلة الشرعية الواردة في حجية الإجماع لم تفرق بين إجماع الصحابة ومن بعدهم، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل، والدليل غير موجود، فيبقى أن الإجماع حجة، وليس حجة في عصر دون عصر (¬7). ¬
القسم الثالث: إجماع أهل المدينة
وعلى هذا فالإجماع حجة في أي عصر كان، ولكن يمكن أن يقال بأن إجماع الصحابة أقوى درجة من إجماع من بعدهم بلا شك، فإجماعهم يدل على ثبات هذا القول وقوته أكثر مما لو اجتمع العلماء بعد عصرهم. القسم الثالث: إجماع أهل المدينة (¬1) والمقصود بهذا الإجماع: هو إجماع أهل المدينة في القرون المفضلة بعد عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيما إذا خالفهم آخرون في أمر من أمور الاجتهاد (¬2). واشتهر الإمام مالك رحمه اللَّه بالقول بهذا النوع من الإجماع، وأكْثَرَ من الاستدلال به في الفروع الفقهية (¬3). وأحصى العلامة ابن القيم رحمه اللَّه ما ورد عنه في الاستدلال بإجماع أهل المدينة بنيِّف وأربعين مسألة (¬4). وقد قسم ابن القيم رحمه اللَّه عمل أهل المدينة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يُعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم. والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم. والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم (¬5). فأما الأول: فهو بلا شك حجة؛ لأنه إما أن يكون إجماعًا لفظيًّا أو سكوتيًّا عند من يقول به. وأما الثاني: فهو محل النقاش والخلاف بين المالكية والجمهور. وأما الثالث: فليس بشيء؛ إذ أن قول البعض ليس بحجة على الآخرين. ¬
وهناك قسم قد يتوهم أن يكون نوعًا رابعًا لإجماع أهل المدينة، ولم يذكره ابن القيم رحمه اللَّه، وهو ما لو كان عمل أهل المدينة موافقًا لما كان عليه العمل في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعرفنا ذلك بطريق صحيح، فهو بهذا يرتفع ليصبح سنة تقريرية للمصطفى عليه الصلاة والسلام (¬1). فتبين أن الخلاف فيما إذا أجمع أهل المدينة على قولٍ خالفهم فيه آخرون. والصحيح -واللَّه أعلم- هو قول الجمهور، فيما اختلفوا فيه مع ما نسب إلى المالكية؛ إذ لا دليل على ما ادّعوه، بل هو قول المحققين من علماء المالكية أيضًا. • أدلة الجمهور: أولًا: قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: الآية 115]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين، وأطلق المؤمنين، بمعنى كل المؤمنين، وأهل المدينة ليسوا كل المؤمنين، فلا يوجد إجماع إذًا (¬2). ثانيا: أن من شروط الإجماع التي تجعله حجة شرعية غير متوفرة في إجماع أهل المدينة، فالاتفاق بين علماء الأمة لم يحصل، لمخالفة علماء الأمصار (¬3). • دليل المالكية: أن أهل المدينة أقوى اجتهادًا من غيرهم؛ لمشاهدتهم أحوال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعرفتهم بالوحي، وقربهم منه (¬4). • وجوابه: أن المدينة لو كانت جامعة للمجتهدين من الأمة لكان إجماعهم صحيحًا، وليست كذلك، وقول بعض الأمة ليس حجة على الآخرين (¬5). ومن علماء المالكية من قال: إنما أراد الإمام مالك بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفتهم. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬6). ¬
المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه
المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه • أولًا: الإجماع الصريح أو اللفظي: ويقصد به: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر ما، على حكم شرعي عن طريق إبداء كل منهم رأيه صراحةً (¬1). ويعرف ذلك من طريق الإبداء به قولًا، أو بالفعل، أو بأي طريقة تدل على الإقرار بذلك القول والرضا به. وهو ما سماه بعض علماء الحنفية الأصوليين بالعزيمة (¬2). وهذا القسم من الإجماع هو الذي يعتبر في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة؛ إذ لم يخالف فيه إلا من لم يحتج بالإجماع، أما الإجماع السكوتي ففي العمل به خلاف مشهور سيأتي، فهو لا يرتقي إلى مرتبة الأول مطلقًا. • ثانيًا: الإجماع السكوتي: ويقصد به: أن يعمل بعض المجتهدين في عصرٍ عملًا، أو يبدي رأيًا صريحًا في مسألة اجتهادية، ويسكت الباقي من المجتهدين بعد علمهم بذلك الرأي (¬3). وهو ما يسميه بعض علماء الحنفية بالرخصة (¬4). ولكي يكون الإجماع سكوتيًّا فيجب أن تتحقق فيه عدة شروط؛ هي: 1 - أن يكون السكوت مجردًا من جميع علامات الرضا والسخط؛ لأنه إن وجد ما ¬
يدل على الرضا كان من قبيل الإجماع الصريح لا الإجماع السكوتي، وإن وجد ما يدل على السخط لم يكن إجماعًا أصلًا. 2 - أن تبلغ المسألة جميع المجتهدين؛ لأنها إذا لم تبلغ الجميع لم يتحقق إجماع؛ لأنه لا يمكن نسبة الحكم إلى من يجهله. 3 - أن يمضي زمن يكفي للنظر والتأمل في تلك المسألة؛ لينقطع احتمال أنهم سكتوا لكونهم في مهلة النظر (¬1). واختلف العلماء في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال إجمالًا: القول الأول: أنه حجة وليس إجماعًا. القول الثاني: أنه إجماع وحجة. القول الثالث: أنه ليس بإجماع (¬2). • أدلة القول الأول: أولًا: أن سكوت الساكتين من المجتهدين دليل على موافقتهم على القول المعلن الذي اشتهر عند الناس، وإلا كان سكوتهم كتمًا للحق وما يعتقدون صحته، وهذا لا يجوز، ويجب أن ينزه علماء الأمة عن ذلك (¬3). ثانيًا: أن اشتراط التصريح بالقول من كل المجتهدين شرط صعب المنال، ومن النادر تحققه، ومن المعتاد للناس أن يفتي البعض ويسكت الباقون لعدم الحاجة، إلا أن يكونوا مخالفين لما أُفتي به، فدل ذلك على أن سكوتهم إقرار منهم (¬4). ثالثًا: أن سكوت المجتهد عن التصريح بمخالفته للرأي المعلن لا يعني بالضرورة موافقته على ذلك، ولكن عند النظر إلى عموم المجتهدين؛ فإنهم لن يسكتوا كلهم إلا وهم موافقون، ولكن لوجود احتمال مخالفة البعض دون أن يصرحوا برأيهم، لأي سببٍ كان؛ دل ذلك على أن رتبة هذا الإجماع أقل من سابقه، نظرًا لتعرضه لاحتمال ¬
المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن
النقض بالمخالفة، فكان ذلك إجماعًا قطعيًّا، وهذا حجة ظنية، واللَّه تعالى أعلم. • دليل القول الثاني: استدلوا بأدلة القول الأول، ولكنهم لم يراعوا تطرق الاحتمال إلى مخالفة البعض وسكوتهم لمراعاتهم آداب الخلاف أو أي سبب آخر، وهذا هو الجواب على استدلالهم (¬1). • دليل القول الثالث: أن قول المجتهد لا يعرف إلا من تصريحه، أو دليل على رضاه وإقراره؛ لأنه قد يسكت لرضاه، وقد يسكت لعدم اجتهاده في المسألة؛ أو توقفه؛ أو لخوفه من الجهر بالمخالفة؛ أو لأي سبب كان، وما دام قد تطرق الاحتمال بالدليل فقد سقط (¬2). • وجوابه: أن سكوت المجتهد بعد مدة يتمكن من خلالها النظر في المسألة، يدل على موافقته، وإلا لكان ذلك طعنًا في ديانته وعلمه؛ لأنه واجب عليه بيان الحق الذي يراه في المسألة، أما إذا كان يخاف من الجهر بالقول، فإنه إذا كان الخوف معتبرًا شرعًا، فإنه لا يتحقق الإجماع السكوتي؛ نظرًا لوجود أمر يضعف الظن بالموافقة، ومع كل ذلك فمثل هذه الاحتمالات هي التي تنزل مرتبة هذا الإجماع إلى الحجة الظنية دون القطعية (¬3). والظاهر -واللَّه أعلم- أن الإجماع السكوتي حجة يؤخذ به كدليل من الأدلة، ولكن ليس إجماعًا قطعيًا رافعًا للخلاف، وذلك لما ذُكر من الأدلة. المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن • القسم الأول: الإجماع القطعي: يذكر العلماء لهذا القسم عددًا من الشروط، وهي كالتالي: 1 - أن تتوفر فيه جميع شروط الإجماع؛ المتفق عليها، والمختلف فيها أيضًا (¬4)، وذلك لأنه إذا اختل شرط من الشروط، حتى لو كان مختلفًا فيه؛ فإن هناك من يقول بعدم تحقق الإجماع، فلم يكن قطعيًّا بهذا. ¬
القسم الثاني: الإجماع الظني
2 - أن يكون نقله عن المجتهدين متواترًا (¬1)؛ لأن نقله بطريق الآحاد يفيد الظن لا القطع. 3 - أن يكون الإجماع مصرحًا به من قبل المجتهدين، لا أن يكون سكوتيًّا (¬2). 4 - أن يكون منقولًا على أصلٍ من أصول الفرائض، التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة، التي يعرفها الخاصة والعامة من المسلمين (¬3). 5 - أن يكون مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا، ويجتمعون على كونه قطعيًّا؛ لأن هناك من خالف في كون الإجماع على مستند ظني حجة (¬4). هذه الشروط الخمسة متى تحققت؛ أضحى الإجماع قطعيًّا، لا تجوز مخالفته مطلقًا، ومتى تخلف أحد الشروط؛ فإن هناك من يقول بأنه إجماع ظني (¬5). وهذا النوع من الإجماع قليل، ويكون في المسائل المشهورة كوجوب الصلاة والطهارة مثلًا. • القسم الثاني: الإجماع الظني: وهو ما اختل فيه أحد الشروط السابقة في القسم الأول؛ لوجود من يخالف في حصول الإجماع، أو قطعيته في هذه الحالة. ومن صور هذا الإجماع: الإجماع السكوتي (¬6)، والإجماع بعد الخلاف (¬7)، والإجماع دون انقراض العصر (¬8)، والإجماع الذي مستنده ظنيًّا (¬9)، وغير ذلك من المسائل المختلف فيها في باب الإجماع. وهذا النوع من الإجماع هو الغالب في الإجماعات التي في هذا الكتاب، فهي في الحقيقة ليست حجة قطعية على مخالفها إنما هي الظن، واللَّه أعلم. ¬
المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع
المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع تتعدد ألفاظ الإجماع بتعدد إطلاقات العلماء الذين ينقلون ويحكون الإجماع، وباختلاف تلك الإطلاقات عن بعضها البعض. وبعد التأمل والنظر نجد أنها تأتي على مراتب متفاوتة في القوة والضعف، ويمكن أن نجملها في التقسيم الآتي -وهي مُرتّبة من حيث القوة-: • أولًا: ألفاظ الإجماع الصريحة: وهذا القسم من مراتب ألفاظ الإجماع أعلى ألفاظ الإجماع وأقواها، وله عدة عبارات وإطلاقات يستخدمها العلماء رحمهم اللَّه تعالى، وهي لفظ الإجماع ومشتقاته، كقولهم: (أجمع العلماء؛ أجمعوا؛ إجماع؛ الإجماع؛ إجماعهم؛ مجمعون؛ مجمع عليه؛ إجماع المسلمين؛ إجماع أهل العلم؛ إجماع العلماء؛ إجماع الفقهاء؛ إجماع الأمة؛ إجماع أهل الملة؛ إجماع أهل القبلة؛ إجماع السلف). وهذه الإطلاقات بعضها أقوى من بعض، وإن كانت تدل على حكاية الإجماع كلها. فمثلًا: عبارة (أجمع المسلمون) أقوى من عبارة (أجمع السلف)؛ إذ إن الأولى يدخل فيها حتى المبتدعة الذين ابتدعوا في الدين، وخرجوا عن أهل السنة، ولكن بدعتهم التي ابتدعوها لم تصل إلى حد الكفر، وقد تصل إلى حد الفسق (¬1). وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي: أن عبارة (هذا لا يصح بالإجماع) لا تعتبر دالة على الإجماع؛ وذلك لأن العبارة تدل على معنيين؛ فقد تكون دالة على وقوع الإجماع على نفي الصحة، وقد تكون دالة على نفي وقوع الإجماع على الصحة. فلو قال عالم: "الوضوء بالنبيذ لا يصح بالإجماع"، فإن المعنى يحتمل أن يكون الإجماع على عدم صحة الوضوء بالنبيذ، وقد يكون يريد أن الإجماع لم يقع على صحة الوضوء بالنبيذ. ¬
ثانيا: ألفاظ الإجماع المقيدة
وكلا الأمرين محتمل، ولا ينزل المعنى على أحدهما إلا بوجود قرينة تدل على ذلك (¬1). وقد يكون المقصود بالإجماع إجماع الأئمة الأربعة فقط، دون النظر إلى مذهب الظاهرية أو العلماء الآخرين. وهذا منهج عددٍ من العلماء، منهم على سبيل المثال: الوزير ابن هبيرة، وابن رشد في "البداية"، وغيرهما. • ثانيًا: ألفاظ الإجماع المقيَّدة: وهذا إذا كان الإجماع منسوبًا إلى عصر من العصور، كأن يقال: (أجمع الصحابة)؛ أو (أجمع التابعون)؛ أو (بإجماع أهل القرون المفضلة)، فإن هذا الإجماع صحيح، من حيث إن الإجماع معتبر، سواء كان في زمن الصحابة؛ أو من بعدهم أو في العصور المتأخرة، على التفصيل في ذلك؛ كما بيناه فيما سبق (¬2). ولكن إن قيد الإجماع بالعصر الذي يعيش فيه ذلك العالم، كأن يقول: (بإجماع العلماء في عصرنا) فإن هذا قد يفيد بوجود الخلاف في السابق، مما يفقده صحة الإجماع عند من يشترط انقراض العصر لصحة الإجماع (¬3). • ثالثًا: الألفاظ المفيدة للإجماع: كثيرًا ما يعبر العلماء عن الإجماع بلفظ الاتفاق أو نفي الخلاف بين العلماء في المسألة. ولكن يعتبر هذان اللفظان أقل درجة من الألفاظ التي تنص على الإجماع صراحة، حيث قد يكون المراد منها معاني أخرى غير إجماع العلماء الاصطلاحي، كما سنبين ذلك -بإذن اللَّه تعالى. ¬
1 - الاتفاق
1 - الاتفاق: الاتفاق مرادف للإجماع، ولذا يعرّف الإجماع بالاتفاق (¬1)، وهو من معانيه في اللغة أيضًا، يقال: أجمعوا على الأمر اتفقوا عليه (¬2). • وقد يطلق هذا اللفظ بعدة إطلاقات، منها: (اتفق العلماء؛ اتفقت الأمة؛ اتفق المسلمون؛ اتفق أهل الملة؛ باتفاق العلماء؛ بالاتفاق؛ باتفاقهم؛ متفق عليه؛ . .). وهذه العبارات تتفاوت فيما بينها، فعبارة (اتفق العلماء)، أو (اتفق المسلمون) أو نحوها؛ أقوى مما لو كانت مطلقة، مثل: (متفق عليه)؛ أو (بالاتفاق)؛ أو (باتفاقهم). فالعبارات الأولى أكثر صراحة في الدلالة على الإجماع من الأخيرة، حيث قد تكون (الأخيرة) يقصد بها الاتفاق المذهبي أو قول الجمهور من العلماء. وإن كان التعبير بالاتفاق عمومًا أقل درجة من التعبير بلفظ الإجماع. ولذلك يقول الإمام ابن حزم رحمه اللَّه: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (¬3)، عبر بهذا في آخر كلامه في كتابه "مراتب الإجماع". فقد يختار بعض العلماء لفظ الاتفاق دون الإجماع؛ وذلك لأنه لم يطمئن كثيرًا على عدم وجود مخالف. 2 - نفي الخلاف في المسألة: تستخدم عبارة نفي الخلاف عند الإطلاق للدلالة على الإجماع. وقد يحصل هذا بعدة عبارات منها: (لا خلاف في هذا بين المسلمين)؛ (بلا خلاف بين الأمة)؛ (بلا خلاف بين السلف)؛ (بلا خلاف بين الصحابة)؛ (بلا خلاف بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين الفقهاء)؛ (بلا خلاف)؛ أو مثل ¬
العبارات السابقة، ولكن النفي يكون مقيدًا بنفي العلم بالخلاف فقط، مثل: (بلا خلاف نعلمه)؛ (لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء)، وهكذا. وهذه أضعف من النوعين السابقين من عبارات نقل الإجماع، وهي أيضًا متفاوتة في القوة، فالجزم بنفي الخلاف أقوى بلا شك في نفي العلم بالخلاف؛ إذ إن نفي العلم قد يعني أنه غير متأكد من عدم وجود المخالف، وقد يكون متشككًا من ذلك. ثم إن تقييد نفي الخلاف بأنه بين العلماء أو الفقهاء أو الصحابة أو نحو ذلك أقوى وأصرح مما لو لم يقيده؛ إذ قد يفهم منه نفي الخلاف بين علماء مذهبه الفقهي الخاص. هذا وقد حصل خلاف بين أهل العلم في عبارة نفي الخلاف؛ هل تعتبر إجماعًا أو لا؟ فقيل: إن نفي الخلاف يعد إجماعًا. وهو ما يظهر من كلام ابن عبد البر، حيث استخدم عبارة نفي الخلاف، ثم استخدم لفظ الإجماع في نفس المسألة وفي نفس السياق، حيث قال: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر؛ أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (¬1). • وقيل: إن نفي الخلاف لا يعد إجماعًا. • وقيل بالتفصيل في ذلك؛ فإن كان العالم ممن يعرف الخلاف والإجماع ويحفظه؛ فإنه يُقبل منه، وإن لم يكن هذا العالم كذلك؛ فلا يقبل منه (¬2). يقول الإمام أحمد رادًّا على مدعٍ للإجماع في إحدى المسائل: "هذا كذب، ما عِلْمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس" (¬3). وعلّق عليه القاضي بقوله: "قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف" (¬4). وقد التزم بهذا الورع عدد من العلماء، منهم ابن قدامة رحمه اللَّه، فهو قليلًا ما يعبر ¬
بالإجماع، بل يعبر بعدم علمه بالخلاف. ويقول الإمام ابن القيم عن أصول فتوى الإمام أحمد، معلقًا على مسألتنا: "ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا" (¬1). وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، . .، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (¬2)، هذا لفظه، ونصوص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده" (¬3). وقد عبّر النووي بعدم الاعتداد بنفي العلم بالخلاف، فقال: "لا أعرف فيه خلافًا ولا يلزم من عدم معرفته عدم الخلاف" (¬4)، قال هذا رادًّا على قول الشيرازي بنفي العلم بالخلاف في مسألة أقل الطهر في الحيض (¬5). ولكن جرت عادة العلماء على الاعتداد بمثل هذه العبارة ونقلها، وإن لم تكن في قوة العبارة الصريحة بالإجماع (¬6). خاصة إذا تحققنا من عدم نقل الخلاف عن أحد من العلماء في المسألة، كما هو العمل في هذه الرسالة. ¬
المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة
المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة كثيرًا ما تستخدم ألفاظ الإجماع لأغراض أخرى، ليس المقصود منها حكاية الإجماع، وهي تأتي بصيغ متعددة. من هذه الصيغ: 1 - قد يُستخدم لفظ الإجماع منسوبًا ومقيدًا بأهل بلد ما، كأن يقال: (أجمع أهل المدينة)؛ أو (أهل الحجاز)؛ أو (علماء نيسابور)؛ أو غير ذلك من البلدان؛ فإن ذلك لا يكون معتبرًا، باستثناء الخلاف في إجماع أهل المدينة، وقد سبق تفصيل في ذلك (¬1)؛ إذ أن أهل بلدٍ ما ليسوا بحجة على أهل بلد آخرين، وليس هذا من الإجماع في شيء. وقد يستخدم مقيدًا بالجمهور أو الأكثر، فيقال: (أجمع الجمهور)؛ أو (اتفق الجمهور)؛ أو (لا خلاف بين جمهور العلماء)؛ أو (أجمعوا إلا أبا حنيفة أو أحمد)، كل هذه العبارات وإن كانت تستخدم ألفاظًا للإجماع أحيانًا؛ إلا أنها لا تدل عليه، بل إلى قول الأكثر والأغلب، وهو قول الجمهور، وليس إجماعًا؛ لأنه يفهم من هذه العبارات أن هناك من العلماء من خالف الجمهور في هذه المسألة. 2 - هناك الكثير من العلماء من يعبر بلفظ الاتفاق، ويقصد به الاتفاق داخل المذهب الفقهي، الذي ينتسب إليه ذلك العالم. يقول العيني: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع: نوع طاهر بالإجماع، . .، ونوع نجس بالاتفاق" (¬2)، فوصف الأول بأنه مجمع عليه، والثاني بأنه متفق عليه، فدل على تمييزه بينهما، والذي يظهر من خلال كتابه أنه يريد بالأول الإجماع الاصطلاحي، والثاني الاتفاق المذهبي. ويقول الحطّاب المالكي: "والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب، وبالإجماع إجماع العلماء" (¬3). ¬
وكذلك مصطلح نفي الخلاف من باب أولى، فقد جرت عادة بعض العلماء على استخدامه على نفي الخلاف داخل المذهب، الذي ينتمي إليه ذلك العالم (¬1). 3 - هناك عبارة (وفاقًا)، وهي في الغالب تدل على الوفاق داخل المذهب، بل لم أجد من صرح بها وهو يريد الاتفاق بمعنى الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. وأحيانًا تدل على وفاق بقية المذاهب الفقهية الأربعة غير مذهب المؤلف؛ غير أنها لا تدل على الإجماع، كما هو منهج عدد من الكتب المذهبية (¬2). 4 - هناك عبارات تدل أحيانًا على الإجماع، إلا أنها ضعيفة فيه، وغالبًا ما يقصد بها مذهب الجماهير، ومنها: (عامة أهل العلم)؛ (أهل العلم كافة)؛ (سائر العلماء)؛ (الفقهاء على كذا)؛ (جماعة أهل العلم)؛ (جميع العلماء)؛ (جميعهم)؛ (اجتمع العلماء)؛ (مجتمع عليه)؛ (اجتمعوا) (¬3)، وسأذكرها في ثنايا هذا المشروع من باب الاعتضاد فقط، وليس من باب الاستقلال. 5 - الألفاظ التي تدل على تصريح بعض المجتهدين بالإجماع وسكوت الباقين، وهذا القسم هو ما يسمى بالإجماع السكوتي، أو ما يسمى بالرخصة عند بعض علماء الحنفية، وقد سبقت الإشارة إليه فيما مضى، وشروط اعتباره، والخلاف فيه (¬4). ولهذا القسم عبارات، منها: (وهذا قول فلان من العلماء أو الصحابة ولم يعرف له مخالف)؛ أو (وهذا قول فلان، وقد اشتهر عنه هذا القول ولم ينكره أحد)، ونحو هذه العبارات. وهذه الحكاية للإجماع تعتبر حجة شرعية على الأرجح -كما سبق بيانه- يجب الأخذ بها، خاصة إذا تحققنا من عدم وجود قول مخالف، بالبحث في كتب المذاهب الفقهية المختلفة. ¬
المبحث السادس: مستند الإجماع
المبحث السادس: مستند الإجماع • المستند: هو الدليل الذي ارتكز عليه المجتهدون، الذين أجمعوا على رأيٍ واحد، في مسألة من المسائل. • ومستند الإجماع إما أن يكون نصًّا شرعيًّا، وإما أن يكون غير ذلك. فإن كان نصًّا من الكتاب أو السنة، أكسبه الإجماع رفع كل الاحتمالات التي قد تضعف دلالة النص على المسألة؛ إذ أن الإجماع ينفي كل الاحتمالات الأخرى، فلا يحتمل النسخ ولا التأويل. وإن كان ليس نصًّا، وكان ذلك من القياس (¬1)، اكتسب من الإجماع عدم المنازعة في صحته وسلامته من القادح (¬2). هذا وقد اختلف الأصوليون في مستند الإجماع؛ هل هو شرط للإجماع أم لا؟ • القول الأول: أنه يشترط للإجماع أن يكون له مستند. وهذا قول جماهير العلماء، وهو الراجح. • القول الثاني: أنه لا يشترط للإجماع أن يكون له مستند، فيجوز انعقاد الإجماع من غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب، من غير أن يكون لهم مستند، أو دليل يستندون إليه. وهذا قول ضعيف، قال به بعض أهل العلم. • دليل القول الراجح: 1 - قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. • وجه الدلالة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقول قولًا ولا يحكم حكمًا إلا بالوحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا من خلال دليل قد استندوا عليه (¬3). ¬
2 - قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. • وجه الدلالة: أن الإجماع دون مستند شرعي قول على اللَّه تعالى بغير علم، وعلماء الأمة منزهون عن ذلك (¬1). • دليل القول الثاني: استدلوا بالوقوع، كإجماع العلماء على جواز أجرة الحجام، فقالوا: إن الواقع يثبت عددًا من الإجماعات التي لا يعرف لها دليل (¬2). • وجوابه: أن عدم معرفة الدليل لا يعني عدمه، وقد لا يعرفه عالم أتى بعد الإجماع، وقد يعرفه آخر. وهناك مسألة أخرى، وهي: هل يشترط أن يكون الإجماع مستندًا على دليل قطعي، أو أنه يجوز أن يكون ظنيًّا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة (¬3) على قولين: القول الأول: أن الدليل الظني يجوز أن يكون مستندًا للإجماع، وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح. القول الثاني: أن الإجماع يجب أن يستند إلى دليل قطعي، ولا يجوز أن يستند إلى دليل ظني، وهو قول بعض أهل العلم. • دليل القول الراجح: 1 - أن الدليل الظني يوجب العمل، وإن كان لا يوجب القطع واليقين؛ إلا أن غلبة الظن توجب العمل (¬4). 2 - أن أدلة حجية الإجماع تدل على الاحتجاج بالإجماع عمومًا، ولم تفرق بين إجماع مستند لدليل قطعي وإجماع مستند لظني، فما دام وقع إجماع فإنه يكون حجة، ¬
المبحث السابع: مسائل في الإجماع
وإن كان عن دليل ظني (¬1). • دليل القول الثاني: أن الإجماع حجة شرعية توجب العلم القطعي، ولا يجوز أن يثبته إلا دليل قطعي (¬2). • وجوابه: أنا لا نسلم أن الإجماع يوجب العلم القطعي دائمًا (¬3)، بل هناك إجماعات ظنية (¬4). المبحث السابع: مسائل في الإجماع المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف إذا اختلف العلماء في عصر من العصور في مسألةٍ ما، ثم اتفقوا بعد ذلك على قولٍ واحد، فهل يكون اتفاقهم هذا إجماعًا يمنع الخلاف؛ أو لا؟ • اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين (¬5): القول الأول: أن اتفاقهم بعد الخلاف يكون إجماعًا يمنع الخلاف في المسألة، ولا تجوز مخالفته، وهو الراجح. القول الثاني: أن اتفاقهم بعد الخلاف لا يكون إجماعًا، وتجوز مخالفته. • دليل القول الراجح: أن الأدلة الموجبة لحجية الإجماع عامة في كل إجماع، سواء كان هذا الإجماع ابتداءً أو بعد الخلاف (¬6). • دليل القول الثاني: قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. ¬
المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الرد إليه وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام عند التنازع، والنزاع قد حصل، فلم يجز الانتقال عن موجب أمر الآية (¬1). • جوابه: أن الآية في المسألة الخلافية، أما وقد وقع الإجماع؛ فإن الخلاف قد رفع (¬2). ولكن يبقى أن كل الإجماعات التي وقعت بعد اختلاف ليست قطعية، وليست حجة على من يرى عدم حجية هذا الإجماع، ويجب أن يتنبه لهذا الأمر عند مناقشة المسائل التي هي من هذا القبيل. المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة إذا اختلف العلماء في مسألةٍ ما على أقوال متفاوتة، فيها الأكثر والأقل، فإن القول المُثْبِت للأقل يعتبر مجمعًا عليه، من حيث ثبوت الأقل دون نفي الزيادة، والأصوليون يبحثون مسألة الأخذ بالإجماع في إثبات القول بأقل ما قيل في المسألة، وأنا هنا لا أريد بحث هذه المسألة، فهي مسألة أصولية خلافية مشهورة (¬3)، وإنما أريد الإشارة إلى أن العلماء لم يختلفوا في أن القول بأقل ما قيل في المسألة مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الأقل، دون نفي الزيادة التي قالت بها الأقوال الأخرى. فالعلماء اختلفوا في دية اليهودي مثلًا على أقوال؛ فمنهم من قال: إنها مثل دية المسلم، وقيل: النصف، وقيل: الثلث. فالقول بلزوم الثلث مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الثلث، لا من حيث نفي الزيادة. ولذلك يقول الإمام الغزالي معلقًا على هذه المسألة: "فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة" (¬4). ويقول الآمدي: "فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه، وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه" (¬5). ¬
المطلب الثالث: في ححم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة
وقد يكون الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، بأن يُنظر في أقوال العلماء أيها أكثر أو أعلى، فيكون الإجماع على عدم الزيادة على ذلك. فالقول بأن دية اليهودي كدية المسلم، هذا أكثر ما قيل في المسألة، فلا يجوز بهذا أن يقال بأن ديته أكثر من دية المسلم بحال. يقول ابن رشد في أقل مدة الطهر: "وقيل: سبعة عشر يومًا، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب" (¬1)، فهذه الحكاية للإجماع مبنية على الإجماع على أكثر ما قيل. وقد أشرت إلى هذا المعنى؛ لأن كثيرًا من الإجماعات التي يحكيها العلماء هي من هذا القبيل، وأكثر من يتخذ هذا المنهج في حكاية الإجماع هو الإمام ابن حزم رحمه اللَّه في "مراتب الإجماع"، وستأتي مناقشة ذلك في الحديث عن منهجه إن شاء اللَّه تعالى (¬2). المطلب الثالث: في ححم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة إذا أجمع العلماء على رأي واحدٍ في مسألةٍ ما، مع مخالفة عالم أو اثنين من العلماء، فإن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، هل تعتبر إجماعية؛ أو أن هذا الخلاف ينقض الإجماع؟ وقبل أن أذكر الخلاف، فأحب أن أشير إلى مسألة مهمة في هذا الباب، وهي ما لو خالف أحدٌ الأئمةَ الأربعةَ؛ أصحابَ المذاهب، فهل يعتبر خلافه هذا داخلًا في مسألتنا؛ أو لا؟ وأهم من ذلك إذا خالف أحدهم في قولٍ مرويٍ عنه، أو وجه من الأوجه عنه. في الحقيقة لم أجد من تحدث عن هذه المسألة بخصوصها، ولكن يبدو -واللَّه تعالى أعلم- أنها ليست من أمثلة مسألتنا؛ فالإمام المتبوع كأبي حنحفة أو الشافعي إذا خالف في مسألة ما، فإن خلافه هذا ليس محصورًا به فقط، بل تبعه عليه عدد من أهل العلم من أتباعه الحنفية أو الشافعية مثلًا، وهكذا لو كان ذلك برواية عنه فقط، ويلتحق بهم خلاف أبي يوسف ومحمد بن الحسن من أئمة الحنفية، كل ذلك لأن خلافهم ¬
يعني خلاف جمع من أهل العلم من أتباعهم. ويلتحق بهذا خلاف ابن حزم رحمه اللَّه؛ لما له من أتباع قد نعلمهم وقد لا نعلمهم. أما إذا خالف أحد العلماء المستقلين أو اثنان منهم إجماعَ البقية، فما حكم هذا الخلاف؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال (¬1): • القول الأول: أن خلاف الواحد والاثنين ينقض الإجماع، ويجعله غير حجة، وهو قول الجمهور. يقول الإمام النووي: "الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحل والعقد واحد، وهذا هو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول" (¬2). • القول الثاني: أن خلاف الواحد والاثنين لا ينقض الإجماع، وهو قول بعض العلماء. • القول الثالث: أن خلاف الواحد ينقض الإجماع إذا ساغ الاجتهاد فيما ذهب إليه، بأن كان له مستند من الدليل، وهو الراجح. وكلام الإمام الشاطبي كأنه يميل إلى هذا القول، حيث يقول: "وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا" (¬3). وذكر في موضع آخر أن من الخلاف ما لا يعتد به، وذكر منه ما كان من الأقوال خطأ مخالفا لمقطوع به في الشريعة (¬4). وهو اختيار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه اللَّه فيما يظهر من كلامه (¬5). • دليل القول الراجح: 1 - قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. ¬
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، وهو موجود في هذه حالة مسألتنا، سواء كان بخلاف واحد أو أكثر، وما دام كذلك فلا إجماع (¬1). 2 - أن العقل يجوِّز الخطأ على هذه الأمة، وإنما نُفي عنها الخطأ بالشرع، والشرع نفاه عنها في حال الإجماع، وهو غير موجود هنا، فيبقى الخلاف مانعًا من حجية الإجماع (¬2). وهذا فيما إذا سوِّغ له الاجتهاد، فأما إذا لم يُسوَّغْ له الاجتهاد، بأن كان مصادمًا لنصٍّ أو لم يدل عليه دليل؛ فإنه لا ينقض الإجماع لشذوذه، بأن كان مصادمًا للنص (¬3). • دليل القول الأول: مثل ما استدل به أصحاب القول الراجح، ولكنهم لم يفصلوا فيما إذا كان الاجتهاد سائغًا أو لا. • وجوابه: أن مخالفة الواحد والاثنين فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد مثل مخالفة العامي أو أشد، فهو قد اجتهد فيما ليس له الاجتهاد فيه، فهو كالجاهل أو العامي، فلا ينبغي اعتماد اجتهاده. • دليل القول الثاني: أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر -رضي اللَّه عنه-؛ انعقدت خلافته بإجماع الحاضرين، ومعلوم أن من الصحابة من كان غائبًا، وقد اعتبر ذلك إجماعًا (¬4). • وجوابه: أن الخلافة انعقدت بمن بايع من الصحابة، وليس من شرطها الإجماع، ثم إن إجماعهم لو كان شرطًا، فإنه يشترط له حضور البقية، وهم غير موجودين (¬5). * * * ¬
المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية
المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية اختلف العلماء في خلاف الظاهرية، هل يقدح في صحة الإجماع، وينفي حجيته؛ أو لا؟ • القول الأول: أن خلاف الظاهرية لا يعتد به، ولا ينقض الإجماع. يقول أبو بكر الرازي رحمه اللَّه عن الظاهرية: "وأمثال هؤلاء لا يعتد بخلافهم، ولا يؤنس بوفاقهم" (¬1). ويقول ابن عبد البر: "فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشذ عنهم، ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم" (¬2). واختار هذا القول الإمام النووي رحمه اللَّه، وصرح به في عدة مواضع من كتبه، يقول في موضعٍ منها: "ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور، واللَّه أعلم" (¬3). وقد أنكر عليه الإمام الشوكاني رحمه اللَّه إنكارًا شديد اللهجة، لأجل هذا الأمر، فقال: "وعدم الاعتداد بخلاف داود؛ مع علمه وورعه، وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه، من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة إلى مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في حيز القلة المتبالغة، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر، وأما داود؛ فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر وحملوه عليه هي في غاية الندرة" (¬4). وهو اختيار الحافظ العراقي أيضًا، يقول رحمه اللَّه: "إن أهل الظاهر ليسوا من العلماء، ¬
ولا من الفقهاء، فلا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة العوام وعلى هذا جل الفقهاء، والأصوليين، ومن اعتد بخلافهم إنما ذلك؛ لأن من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام، فلا ينعقد الإجماع مع وجود خلافهم، والحق أنه لا يعتبر إلا خلاف من له أهلية النظر والاجتهاد، على ما يذكر في الأصول" (¬1). وهو قول ابن العربي رحمه اللَّه، حيث يقول عن قول من قال بأن غسل الرأس لا يجزئ عن المسح: "وهذا تولُّج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر، المبطل للشريعة، الذي ذمه اللَّه تعالى في قوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7]، وكما قال: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} [الرعد: 33] " (¬2). ونقل القرطبي هذه العبارة عنه (¬3). وهو قول العيني، حيث يقول: "وداود لا يعتبر خلافه في الإجماع، ولا يصح ذلك شريعة" (¬4). وقد حرصت على نقل عبارات العلماء لإثراء البحث، ولأهمية المسألة، فهي تبين أن هؤلاء العلماء لا يعتبرون خلاف الظاهرية، وبالتالي يؤثر في إجماعاتهم التي يحكونها، أو ينقلونها ويقرونها. • القول الثاني: أن خلاف الظاهرية يعتد به، ولا يُحتج بإجماعٍ خالف فيه أهل الظاهر. • دليل القول الأول: أن الظاهرية لا يعملون بالقياس، ومن شروط المجتهد معرفة القياس، فهم كالعوام، والعوام لا يعتبر قولهم في الإجماع (¬5). • وجوابه: أنه يلزمهم بهذا عدم اعتبار قول منكر العموم وخبر الواحد، ولا قائل بهذا إلا من شذّ (¬6). • دليل القول الثاني: أن علماء الظاهرية جزء من علماء الأمة، وفيهم العلماء الكبار كداود وابن حزم رحمهم اللَّه تعالى، ولا يجوز استثناؤهم من الأمة إلا أن يقال بكفرهم، وهذا لا يقول به أحد، فيجب الأخذ بقولهم. ¬
المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع
والراجح واللَّه تعالى أعلم أن خلافهم معتبر فيما إذا لم يصادم القياس الجلي، وما صادم القياس الجلي فلا عبرة به، نحو قولهم: أن البول في الماء القليل الراكد من غير المتوضئ لا يفسده، ويجوز الوضوء والشرب منه (¬1)، قالوا ذلك جمودًا على ظاهر النص، فما كان كذلك فلا يعتدّ به، وهذا جمع بين القولين، واللَّه تعالى أعلم. المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع المقصود بالخلاف في قبول قول المجتهد المبتدع: هو من كانت بدعته غير مكفرة، أما المكفرة؛ فإنه لا عبرة به بلا خلاف (¬2). اختلف العلماء في انعقاد الإجماع مع مخالفة المجتهد المبتدع (¬3)، هل يعتبر قوله ناقضًا للإجماع؛ أو لا؟ • القول الأول: أن مخالفة المجتهد المبتدع معتبرة، ولا ينعقد الإجماع دونها. • القول الثاني: أن مخالفة المبتدع غير معتبرة، وينعقد الإجماع دونها. وقد اختار هذا القول أغلب الفقهاء في كتب الفروع، ولأهمية الموضوع فسأنقل عددًا من عباراتهم هنا؛ لأنني لم أجد من وثّق كلام الأصوليين بكلام الفقهاء في المسألة، فقد يتكلم الأصوليون في المسألة، ولا يعني ذلك التزام الفقهاء بكلامهم في الفروع، وهذا مبني على منهج المتكلمين في الأصول. يقول ابن حزم في مخالفة الأزارقة (¬4) من الخوارج: "أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج في حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين ¬
أحد من أهل الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة حقهم ألا يعدوا في أهل الإسلام" (¬1). وفي مخالفة المعتزلة للإجماع يقول الكاساني: "ومنها - أي من نواقض الوضوء - النوم مضطجعًا في الصلاة أو في غيرها بلا خلاف بين الفقهاء، وحكي عن النظّام أنه ليس بحدث، ولا عبرة بخلافه لمخالفته الإجماع، وخروجه عن أهل الاجتهاد" (¬2). ويقول النووي: "وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع" (¬3)، وقال في موضع آخر، في مسألة المسح على الخفين: "وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (¬4). وهو لا يعتد بالمتكلمين أيضًا، يقول: "ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصحيح، الذي عليه جمهور أهل الأصول، من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (¬5). ويقول ابن عابدين عن الشيعة: "ولا عبرة بخلاف الرافضة" (¬6). • دليل القول الأول: 1 - قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس وحجة عليهم، لكونهم وسطًا، والوسط هو العدل، والفاسق ببدعة أو معصية ليس كذلك، فلا يعتد بهم في الإجماع (¬7). 2 - قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]. • وجه الدلالة: أن سبيل أهل الضلال والبدعة ليس سبيل المؤمنين، فلم يجز أن يكون سبيلهم معتبرًا، وهو خارج عن سبيل المؤمنين (¬8). ¬
• دليل القول الثاني: 1 - قوله تعال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. • وجه الدلالة: أن المجتهد المبتدع داخل في قوله: {الْمُؤْمِنِينَ}؛ لكونه من المسلمين المؤمنين، ولو فسق ببدعته، فلم يجز انعقاد الإجماع دونه (¬1). 2 - قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (¬2). • وجه الدلالة: أن المجتهد المبتدع داخل في الأمة، ولا يجوز انعقاد الإجماع دونه ما دام مسلمًا (¬3). والأقرب -واللَّه تعالى أعلم- هو الجمع بين القولين، وهو أن قول المبتدعة فيما خالفوا فيه أهل السنة من أقوال في الأصول غير معتبر، وكذا الفروع المبنية على بدعتهم في الأصول، وإلا انهدم الإسلام كله بحجة اعتبار قولهم. أما أقوالهم التي هي غير مبنية على خلافهم العقائدي لأهل السنة والحق؛ فإنهم يعتبرون من جملة الأمة، ويعتبر قولهم في ذلك، واللَّه تعالى أعلم (¬4). وبهذا جمعنا بين أدلة الفريقين، فالأدلة الدالة على عدم اعتبار أقوالهم؛ لبدعتهم أو فسقهم بالبدعة، نخرج بها قولهم في بِدَعِهم، والأدلة الدالة على اعتبار قولهم؛ لكونهم من الأمة، ندخل بها قولهم في غير بِدَعِهم، واللَّه تعالى أعلم. أما الشيعة والخوارج الغلاة الذين يكفرون الصحابة، فإنه لا عبرة بأقوالهم مطلقًا، وذلك لمخالفتهم لأصل الإسلام، وذلك أنهم لا يؤمنون بما نقل من السنة النبوية عن طريق الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، فالمخالفة هنا هي في أصل الإسلام، ومنهجهم في الفقه مختلف تمامًا عن أهل السنة، فهو يختلف في الأصول والفروع، وفي منهج التلقي والاتباع، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع
المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع سأتحدث في هذا المبحث عن مناهج العلماء الذين التزمت بكتبهم في بحث مسائل الإجماع في باب الطهارة، وهم من أهم العلماء الذين يعتنون بحكاية الإجماع والاهتمام به. وقبل البدء بالمناهج الخاصة بكل عالم، هناك ملاحظات عامة، تنبهت لها أثناء البحث، ومنها: 1 - أن الإجماعات التي تأتي في سياق الاستدلال والنقاش للخلاف الفقهي غالبًا ما تكون تعبيرًا عن قول الجمهور، ويظهر هذا جليًّا لدى ابن عبد البر (¬1)، والنووي (¬2)، وابن تيمية (¬3). 2 - أن الكتب المذهبية تستخدم عبارة الاتفاق ونفي الخلاف، وتقصد بذلك المذهب الفقهي الخاص، وسيأتي نقاش لهذا في ثنايا الحديث عن مناهج العلماء. 3 - أن كثيرًا من الإجماعات المبثوثة في الكتب إنما ترجع إلى عددٍ قليل من العلماء الكبار، الذين يعتنون بحكاية الإجماع، كالترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن رشد، والنووي، وابن تيمية، وأغلب الحكايات للإجماع لا تخرج عن هؤلاء رحمهم اللَّه تعالى، وأحيانا يُذكر ذلك عند النقل، وقد لا يُذكر، وتوصّلت إلى هذا بالتتبع، وسوف يأتي مزيد بيان لهذا في الحديث عن المناهج. أما مناهج العلماء في حكاية الإجماع؛ فسأتحدث عن كل عالم وحده، في الشيء الذي لاحظته من خلال كتابه الذي اعتمدته، ولا أذكر إلا ما تميز به، وسأتحدث عنهم بالترتيب حسب الوفاة: ¬
1 - الإمام الشافعي (204 هـ) من خلال كتابه "الأم"
1 - الإمام الشافعي (204 هـ) من خلال كتابه "الأم": لم أجد له إلا القليل من العبارات، وقد ورد عنه عدم اعتماده لعبارة نفي العلم بالخلاف، مع أنه استخدمها في كل عباراته التي وجدتها إلا واحدة (¬1)، وهذا لا يعني أنه يعتبرها إجماعًا، وسبق نقاش ذلك (¬2)، ولم أجده حكى إجماعًا واحدًا بلفظ الإجماع أو الاتفاق. 2 - الإمام الترمذي (279 هـ) من خلال كتابه "السنن": الترمذي كثيرًا ما يستخدم عبارة: (والعمل على هذا عند أهل العلم)، وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، إلا أنني وجدته استخدم عبارة الإجماع في موضع (¬3)، وعبارة (عامة) أحيانًا. وأقوى عباراته: الإجماع، ثم لفظ (عامة) حيث أكده بنفي الخلاف بعده، فقال في موضع: "وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء؛ لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (¬4). وقال أيضًا: "وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك، بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد" (¬5). 3 - الإمام ابن جرير الطبري (310 هـ) من خلال كتابه "جامع البيان": غالبًا ما يستخدم عبارة الإجماع، بل لم أجده استخدم غيرها، وهو من العلماء المتقدمين الذين يعتنون بنقل الإجماع، وكثيرًا ما ينقل عنه المتأخرون حكاياته للإجماع كما سيأتي. 4 - الإمام ابن المنذر (318 هـ) من خلال كتابه "الإجماع": الإمام ابن المنذر رحمه اللَّه من أشهر العلماء الذين يحكون الإجماع، وهو أول من صنف فيه كتابًا في الفروع الفقهية، وهو لا يستخدم فيه غالبًا إلا عبارة الإجماع، ¬
5 - الإمام ابن حزم (456 هـ) من خلال كتابيه "مراتب الإجماع"، و"المحلى"
واستخدم في موضعٍ من كتابه "الأوسط" عبارة (كالإجماع) (¬1)، إلا أنها لا تعني الإجماع؛ لأن الإجماع يفتقر إلى الجزم (¬2). وابن المنذر يعتبر من المتساهلين في حكاية الإجماع، ولذا يقول الإمام ابن القيم: "وهذه عادة ابن المنذر؛ أنه إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعًا" (¬3). 5 - الإمام ابن حزم (456 هـ) من خلال كتابيه "مراتب الإجماع"، و"المحلى": ابن حزم أحد أكثر العلماء شهرة في هذا المجال، حيث إنه قد صنف كتابًا في الإجماعات الفقهية، وهو مراتب الإجماع، سار فيه على أبواب الفقه كلها، يذكر ما وجده من اتفاقات فقهية فرعية. وقد بيّن كثيرًا من منهجه في مقدمة كتابه الآنف الذكر. وقد وجدت أنه في مسألةٍ حكى فيها الاتفاق في المراتب، ثم خالف هو هذا الاتفاق في "المحلى" (¬4)، وهذا لا شك أنه وهم منه رحمه اللَّه أو نسيان، وهو مما يتعرض له البشر بطبيعتهم. ثم إن ابن حزم له منهج غريب في حكاية الاتفاق في كتابه "المراتب"، وقد قسم الإجماع إلى طرفين: الأول: وهو الإجماع المعروف. الثاني: "هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه؛ فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب؛ أو لم يأثم، فسمى هذا القسم الإجماع الجازي" (¬5). وفي هذا القسم الثاني إشكال، فهو يحكي الاتفاق على مسألة، بقيود أكثر من المسألة الأصلية، ثم يقول: إن من فعل هذا فقد أدى ما عليه، ومنهجه في هذه القيود أنه يستثني بكل قيدٍ قولًا في المسألة؛ حتى يخرج خلافه منها، فهي أشبه بحكاية الخلاف في المسائل المستثناة أكثر منه حكايةً للإجماع. ¬
6 - الإمام ابن عبد البر (463 هـ) من خلال كتابه "الاستذكار"
وقد أحصيت مسألة ذكر فيها ستة وأربعين قيدًا (¬1)، كل قيد منها يشكّل مسألة مستقلة، وأكثر ما يقال عن هذه الاتفاقات التي يحكيها رحمه اللَّه أنها نوع من الإجماع على أقل ما قيل في المسألة، ولكن دون الوصف الثاني لهذا النوع من الإجماع، وهو نفي الزيادة، ومن هذا الوجه تختلف عن الإجماع على أقل ما قيل، الذي يبحثه الأصوليون. وفي رسالتي هذه لم أعتمد هذه الاتفاقات، حيث إنها في الحقيقة حكاية للخلاف في الاستثناءات لا للإجماع. والإمام ابن حزم رحمه اللَّه من أكثر العلماء اطلاعًا على الخلاف، ولذا فإن إجماعاته التي بلفظ الإجماع قليلًا ما تخطئ، وهذا يدل على تفريقه بين اللفظين، ولذلك يقول: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (¬2)، إلا أنني وجدته في مسألة استخدم العبارتين فيها (¬3). ومما يُذكر هنا أنه سبقت الإشارة إلى أن ابن حزم لا يعتبر قول المبتدعة ناقضًا للإجماع في حال مخالفتهم (¬4). 6 - الإمام ابن عبد البر (463 هـ) من خلال كتابه "الاستذكار": الإمام ابن عبد البر من العلماء الكبار، العارفين بالخلاف والاجماع، وهو ممن اشتهر عنه حكاية الإجماع، وكثيرًا ما ينقل العلماء عنه حكاياته للإجماع. ومما تميز به ابن عبد البر أن له عبارات خاصة به، واختيارات أصولية بنى عليها منهجه في ألفاظه وحكاياته للإجماع، فهو كثيرًا ما يستخدم لفظ (اجتمع العلماء) أو (مجتمع عليه)، وهي لفظة لا تدل على الإجماع الأصولي على الأظهر، فهي تدل على قول الجمهور. فقد عبر بعدها في موضعٍ بلفظ الإجماع في نفس المسألة، مما يدل على أنهما ¬
7 - الإمام البغوي (516 هـ) من خلال كتابه "شرح السنة"
مختلفتان عنده، حيث يقول: "واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع" (¬1). وكثيرًا ما يصف قول الجمهور بالإجماع، أو يقول (أجمع الجمهور)، وهذا مبني على اختياره أن قول الجمهور نوع من الإجماع. ففي مسألة الغسل من التقاء الختانين، والخلاف فيها بين الصحابة معروف، يقول: "ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين" (¬2). وسبق الإشارة إلى أن ابن عبد البر إذا حكى الإجماع في سياق الاستعراض للأقوال، والاستدلال للمسائل والنقاش لها؛ فغالبًا ما يكون إجماعه في السياق حكاية عن قول الجمهور (¬3). وقد يحكي الإجماع في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه المالكي (¬4). وسبق ذكر كونه يستخدم عبارة نفي الخلاف والإجماع في نفس المسألة، مما يدل على اعتداده بعبارة نفي الخلاف للإجماع. 7 - الإمام البغوي (516 هـ) من خلال كتابه "شرح السنة": وجدت للإمام البغوي أربع عشرة عبارة في مجال رسالتي، عشرٌ منها بلفظ الاتفاق، وأربع بلفظ (عامة) وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، وقد بحثتها اعتضادًا لا استقلالًا. وأغلبها كانت في المسائل المشهورة، التي اشتهر فيها الاتفاق، واللَّه تعالى أعلم. 8 - الإمام ابن العربي (543 هـ) من خلال كتابه "عارضة الأحوذي": العلامة ابن العربي من العلماء المتفننين في علوم شتى، وهو ممن يحفظ الخلاف ¬
9 - الإمام ابن هبيرة (560 هـ) من خلال كتابه "الإفصاح"
والإجماع، غير أنني لم أجد له سوى تسعة عشر إجماعًا في باب الطهارة، منها أحد عشر لم أجد فيها مخالفًا، وكانت حكايته متحققة، وثمانية حكاياتٍ لم يتحقق فيها ما ادعاه. وقد سبق رأيه في خلاف الظاهرية. 9 - الإمام ابن هبيرة (560 هـ) من خلال كتابه "الإفصاح": ابن هبيرة رحمه اللَّه من المشهورين بحكاية الإجماع لدى الفقهاء، ولكن الصحيح أنه لا يحكي الإجماع الاصطلاحي، الذي هو حجة لا تجوز مخالفته، وذلك لأنه ينقل إجماع الأئمة الأربعة فقط، وإذا حكى الخلاف فإنه يقتصر على خلافهم فقط. ويدل لذلك منهجه في حكاية الإجماعات، فهو لا يذكر غيرهم، ثم إنه صرح بذلك في مقدمة كتابه فقال: "رأيت أن أجعل ما أذكره من إجماع مشيرًا به إلى إجماع هؤلاء الأربعة، وما أذكره من خلاف مشيرًا إلى الخلاف بينهم" (¬1). وقد يطلق الإجماع، ويكون في مذهبه هو خلاف (¬2). ويبدو أنه لا يفرق بين الإجماع والاتفاق، ولذا نجده يذكر الإجماع ثم يستثنيه، فيقول: أجمعوا على كذا إلا أبا حنيفة، أو اتفقوا على كذا إلا مالكًا، مما يدل على عدم تفريقه بينهما (¬3). وقد بحثت له ستًّا وستين مسألة -مشتركًا مع غيره ومنفردًا- ذكرها في باب الطهارة، خمسون مسألة كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية كانت غير متحققٍ فيها الإجماع. 10 - الإمام الكاساني (587 هـ) من خلال كتابه "بدائع الصنائع": يلاحظ على الكاساني رحمه اللَّه أنه كثيرًا ما يعبر بالإجماع وهو يريد الإجماع المذهبي فيما يظهر، حيث إنه أحيانًا يتحدث عن الخلاف داخل المذهب، دون أي ذكر لغيره، في سياق حكاية الإجماع، وأحيانًا يكون يتحدث عن مسائل دقيقة، يستحيل معرفة الإجماع الصريح فيها، ثم يحكي فيها الإجماع؛ مما يدل على أنه يريد المذهب (¬4)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
11 - الإمام ابن قدامة (620 هـ) من خلال كتابه "المغني"
وهذا الأمر يتكرر في بعض كتب الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. وقد بحثت له إحدى وعشرين مسألة، ثمان مسائل كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية لم يتحقق؛ مما يؤكد ما سبق ذكره؛ من أنه يريد بالإجماع المذهبَ، واللَّه تعالى أعلم. وتعبيره رحمه اللَّه بنفي الخلاف يقصد به المذهب بلا إشكالٍ عندي، واللَّه تعالى أعلم (¬1). ومن الملاحظ على الإمام الكاساني رحمه اللَّه؛ أنه لا يذكر خلاف الإمام أحمد إلا نادرًا، ففي كتاب الطهارة كاملًا لم يذكره إلا مرة واحدة، وعدَّه من أصحاب الحديث لا من الفقهاء (¬2)، مما يدل على أنه لا يهتم بمعرفة رأيه في المسائل، وأن إجماعاته مذهبية. وسبق ذكر رأي الكاساني في خلاف المبتدعة (¬3). 11 - الإمام ابن قدامة (620 هـ) من خلال كتابه "المغني": اشتهر ابن قدامة رحمه اللَّه بورعه في ذكر الإجماع، فهو غالبًا لا يعبر بلفظ الإجماع، بل يعبر بعبارة: (لا أعلم فيه خلافًا)، وكثيرًا ما ينقلها عنه علماء المذهب الحنبلي. وفي باب الطهارة، وجدت أنه استخدم لفظ الإجماع قليلًا (¬4). وأحيانًا ينفي الخلاف في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه (¬5). وعندما يستخدم عبارة (بلا خلاف)، غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، فيظهر أنها في المذهب، ولا يريد بها النفي العام (¬6)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
12 - الإمام القرطبي (671 هـ) من خلال كتابه "التفسير"
وقد استقصيت نصف مسائل الرسالة، فوجدت أنني بحثت له ثمانٍ وخمسين مسألة، ستٌّ وثلاثون منها كانت النتيجة تحقق الإجماع فيها، والبقية فيها خلاف، والسبب في كثرة المسائل التي وُجد فيها الخلاف؛ هو أنني أوردت كل ألفاظه في البحث، بما فيها عبارة (لا خلاف) غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، مما جعل المسائل الخلافية كثيرة، واللَّه تعالى أعلم. 12 - الإمام القرطبي (671 هـ) من خلال كتابه "التفسير": القرطبي رحمه اللَّه كثيرًا ما ينقل إجماعات غيره، بإشارة أحيانًا، ودونها أخرى، فينقل عن ابن عبد البر كثيرًا، ودون إشارة غالبًا (¬1)، وينقل عن ابن المنذر (¬2)، وعن ابن جرير (¬3)، ودون إشارة أيضًا. 13 - الإمام النووي (676 هـ) من خلال كتابه "المجموع": تكاد تكون رسالتي هذه في النووي رحمه اللَّه، فهو يعتني بالإجماع كثيرًا في كتابه "المجموع"، وإن لم يحكِ أو ينقل إجماعًا في المسألة، فلا يخلو الأمر غالبًا من أن يفيد في المسألة بخلاف أو عدمه. وهو عالم متبحر في الخلاف والاستدلال له، استفدت منه كثيرًا رحمه اللَّه. وقد سبق إشارة إلى منهجه في بعض المسائل، كخلاف المبتدعة، والظاهرية، وعدم جعْله نفي العلم بالخلاف إجماعًا، واعتداده بخلاف الواحد ناقضًا للإجماع، وأن إجماعاته إذا كانت في سياق الاستدلال للخلاف غالبًا ما تكون قول الجمهور. أما عبارات النووي بنفي الخلاف؛ أو الاتفاق المجرد من قرينة العموم، فإنها مذهبية (¬4)، أما إذا قيد عبارته بأنه لا خلاف بين العلماء أو الفقهاء؛ أو باتفاق العلماء، فهو يعني الإجماع (¬5). وللتدليل على الكلام السابق، فقد قال النووي: "ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه ¬
قبوله -أي للتيمم- بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه" (¬1)، قالها بعد أن تحدث عن المذهب. وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق" (¬2)، فيدل السياق أنه يريد المذهب. وانظر مسألة: (الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه) (¬3)، حيث حكى الاتفاق في المسألة، وخالفه الجمهور. ونفى الخلاف في المسألة في "شرح مسلم"، ثم وجدت أنه في "المجموع" ينقل الخلاف فيها، مما يؤكد أنه يقصد المذهب فقط. فقد قال عن التثليث في غسل البدن: "فإذا استحب فيه -الوضوء- الثلاث؛ ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهذا شاذ متروك" (¬4). وظاهر من كلام النووي أنه يريد بعدم الخلاف أي في المذهب الشافعي، ويؤكد ذلك أنه لم يذكر شيئًا من ذلك عند بحثه للمسألة في "المجموع"، بل قال: "المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، . . " (¬5)، ثم ذكر مسألتنا، وهذا لفظ صريح بوجود الخلاف، ثم أخذ ينقل عن فقهاء المذهب الشافعي، ولم يتطرق لغيرهم، إلا أن ابن حجر (¬6)، والشوكاني (¬7) لم يتنبَّها لهذا المعنى، ولم يريَا كلامه هذا، ونقلا نفي الخلاف في المسألة، واللَّه أعلم. كما إنه نقل الإجماع في موضع، ثم حكى الخلاف في موضع آخر (¬8). ¬
14 - الإمام القرافي (684 هـ) من خلال كتابه "الذخيرة"
وقد بحثت عددًا من المسائل التي حكى فيها النووي الاتفاق، وتركتها إثراء للبحث، ولأنني بحثتها قبل أن أتوصل إلى هذه النتيجة، وبعض هذه الاتفاقات كانت في الآداب، ولم أجد فيها مخالفًا، كما في باب الاستنجاء مثلًا. وكذا بعض عبارات نفي الخلاف، مثل مسألة: (طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة). 14 - الإمام القرافي (684 هـ) من خلال كتابه "الذخيرة": القرافي رحمه اللَّه من أئمة الفقه المالكي، ولم يعتنِ في كتابه المذكور بالخلاف المقارن، إلا أنه يشير إليه أحيانًا. وقد بحثت له ثمانِ عشرة مسألة، منها خمس لم يتحقق فيها الإجماع. 15 - الإمام ابن تيمية (728 هـ) من خلال كتبه التالية: " نقد مراتب الإجماع" لابن حزم؛ "مجموع الفتاوى"؛ "جامع الرسائل"؛ "مجموعة الرسائل والمسائل"؛ "مختصر الفتاوى المصرية" (¬1). شيخ الإسلام ابن تيمية هو من أفراد زمانه في العلم ومعرفة الخلاف والوفاق، وأهم كتاب له في هذا الباب هو "نقد مراتب الإجماع لابن حزم"، فقد نقد على ابن حزم المسائل التي رأى أن حكايته للاتفاق أو الإجماع فيها غير صحيحة. وابن تيمية يستخدم عبارة (بلا نزاع) أحيانًا، والذي يظهر أنه يريد بها المذهب الحنبلي (¬2). وقد سبق ذكر منهجه في إجماعاته التي تكون في سياق الخلاف والاستدلال له، حيث غالبًا ما تكون قول الجمهور. ولذا؛ فقد وجدته حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو رحمه اللَّه (¬3) ¬
16 - الإمام ابن القيم (751 هـ) من خلال كتابيه "زاد المعاد"، و"إعلام الموقعين"
وقد بحثت له اثنتين وسبعين مسألة، منها عشرون لم يثبت فيها الإجماع، واللَّه تعالى أعلم (¬1). 16 - الإمام ابن القيم (751 هـ) من خلال كتابيه "زاد المعاد"، و"إعلام الموقعين": ابن القيم رحمه اللَّه من بحور العلم الزاخرة، وكنت آمل أن أجد له حكايات كثيرة؛ إلا أنني لم أجد له سوى ثنتين في "إعلام الموقعين"، كانت نتيجتهما تحقق الإجماع. 17 - الإمام ابن حجر (852 هـ) من خلال كتابه "فتح الباري": ابن حجر من العلماء الكبار، والحفاظ المتقنين، وهو من المطلعين على الخلاف والوفاق أيضًا، وكثيرًا ما ينقل الإجماع عن غيره، فنقل عن غيره ستًّا وثلاثين إجماعًا، بينما لم يحكِ سوى أربعة عشر إجماعًا كانت نتيجتها تحقق الإجماع، وثمانِ إجماعات لم يتحقق الإجماع فيها، فالمجموع هو اثنان وعشرون. ثم هو ينقل أحيانًا إجماعات النووي دون أن يشير لذلك (¬2). 18 - الإمام العيني (855 هـ) من خلال كتابه "البناية": العيني من علماء الحنفية الكبار، وهو من حفاظ الحديث أيضًا، ولكن كتابه "البناية" في الفقه الحنفي المذهبي، ويذكر الخلاف غالبًا، ويستدل له وينقاش. ومن منهجه أنه يفرق بين الإجماع والاتفاق في الاستعمال، فمثلًا؛ يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع؛ نوع طاهر بالإجماع، . .، ونوع نجس بالاتفاق" (¬3)، فوصف الأول بأنه مجمع عليه، والثاني بأنه متفق عليه، فدل على تمييزه بينهما، والذي يظهر من خلال كتابه؛ أنه يريد بالأول الإجماع الاصطلاحي، والثاني الاتفاق المذهبي. ويؤكد ذلك عبارته الآتية: "لو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحال. . " (¬4)، فقد حكى الخلاف بعد ذكر الاتفاق في نفس السياق، ذكر ذلك بعد نقله خلافًا بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف. ¬
19 - الإمام ابن الهمام (861 هـ) من خلال كتابه "فتح القدير"
وهو يستفيد من النووي في كتابه هذا، وينقل عنه كثيرًا، دون أن يصرح (¬1). وقد سبق ذكر رأيه في خلاف الظاهرية. بحثت له في رسالتي سبعًا وثلاثين مسألة، منها إحدى عشرة مسألة لم يثبت فيها الإجماع. 19 - الإمام ابن الهمام (861 هـ) من خلال كتابه "فتح القدير": وجدت أن ابن الهمام يعبر بالإجماع أحيانًا، ويظهر أنه يريد به المذهب بدليل السياق، فهو يناقش الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في المسألة، ثم ينقل صورة أخرى قريبة ويحكي فيها الإجماع، ويبدو أنه يريد الإجماع منهم (¬2). ووجدته ينقل حكاية الإجماع عن غيره أحيانًا دون إشارة (¬3). بحثت له ثمان مسائل، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. 20 - الإمام ابن نجيم (970 هـ) من خلال كتابه "البحر الرائق": قد يستخدم ابن نجيم مصطلح الإجماع ويريد به المذهب، ولذلك وجدته عبر به في مسألة خلافية مشهورة، حكى الإجماع فيها وحده، بينما عبر عدد من علماء الحنفية بالاتفاق، ويريدون به المذهب مما يقوّي كونه يستخدم لفظ الإجماع في المذهب (¬4). وينقل إجماعات النووي دون إشارة (¬5)، وكذا ينقل عن ابن حجر (¬6)، وابن الهمام دون إشارة أيضًا (¬7). وسبق ذكر رأي ابن نجيم في مخالفة المبتدعة. ¬
21 - الإمام الشربيني (977 هـ) من خلال كتابه "مغني المحتاج"
21 - الإمام الشربيني (977 هـ) من خلال كتابه "مغني المحتاج": لا يكاد الشربيني يذكر إجماعًا إلا وقد حكاه النووي، وينقله دون إشارة، ولم أجده انفرد بشيء من الإجماعات عن النووي، وكتابه مذهبيٌّ في الفقه الشافعي، والإجماع فيه نادر. بحثت له عشرين مسألة، منها خمس مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. وينقل أحيانًا عن ابن المنذر، والمتولي، والماوردي، خصوصًا إذا نقله عنهم النووي. 22 - الإمام الصنعاني (1182 هـ) من خلال كتابه "سبل السلام": بحثت له إحدى وعشرين مسألة، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع، ولم أجده ينقل عن غيره كثيرًا. 23 - الإمام الشوكاني (1250 هـ) من خلال كتابه "نيل الأوطار": الشوكاني رحمه اللَّه كثيرًا ما ينقل إجماعات النووي، ولكنه لا يشير غالبًا (¬1)، وينقل كثيرًا عن ابن حجر أيضًا، ودون إشارة غالبًا (¬2). وقد يحكي إجماعات خاصة به، لم أجد من حكاها غيره. وسبق ذكر رأي الشوكاني في خلاف الظاهرية. 24 - الشيخ ابن قاسم (1392 هـ) من خلال "حاشيته على الروض المربع": ابن قاسم رحمه اللَّه لم يكن له إجماعات مستقلة، بل أغلب ما يذكره من الإجماعات هي منقولة عن غيره، وكثيرًا ما ينقل إجماعات ابن المنذر، وابن هبيرة، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، والشوكاني. وكثيرًا ما ينقل إجماعات "الشرح الكبير" ويترك "المغني"؛ وذلك لأن ترتيب "الشرح" و"الروض" واحد، وأنا أعتبر نقله هذا عن ابن قدامة صاحب "المغني"، حيث إنه من المعلوم أن صاحب "الشرح" قد وضع "المغني" على "المقنع"، ونقله بعد ¬
استئذان صاحب "المغني"، وكل ما فيه فهو كلام صاحب "المغني" إلا زيادات قليلة، واللَّه تعالى أعلم. وقد يقع في الوهم رحمه اللَّه، فمثلًا؛ نقل حكاية النووي (¬1) الإجماع على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهو وهْمٌ منه، بل حكاه في مسألتين قريبتين، وهما: (جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد)، ومسألة: (فضل وضوء الرجل طاهر) (¬2). وقد ينقل ولا يشير رحمه اللَّه (¬3). * * * ¬
الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه
الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه [1 - 1] وجوب الطهارة للصلاة: الطهارة واجبة لمن أراد أداء الصلاة، وعلى ذلك إجماع المسلمين، نقل الإجماع في هذه المسألة عدد من أهل العلم (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، إذا وجد المرء إليها السبيل" (¬2). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من المسلمين، على أن صلاة التطوع لا تجزئ إلا بطهارة من وضوء، أو تيمم، أو غسل، ولا بد" (¬3). وهذا في صلاة التطوع ففي صلاة الفرض من باب أولى. ويقول أيضًا: "واتفقوا على أن كل من صلى قبل تمام فرض وضوئه، أو تيممه إن كان من أهل التيمم؛ أن صلاته باطلة، ناسيًا كان أو عامدًا، إذا أسقط عضوًا كاملًا" (¬4). الغزالي (505 هـ) حيث يقول: "ويعرف فوات الشرط، إما بالإجماع، كالطهارة في الصلاة، . . " (¬5). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول عن شرط الطهارة للصلاة: "وهي من شرائط الأداء، لا من شرائط الوجوب بإجماع الأمة" (¬6). ويقول: "وقد اجتمعت الأمة على وجوب الوضوء" (¬7). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها" (¬8). ¬
النووي (676 هـ) حيث يقول: "لأن النافلة آكد من هذه الأشياء - يريد قراءة القرآن واللبث بالمسجد -، فإنها تفتقر إلى الطهارة بالإجماع" (¬1). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "مسألة فيما تجب له الطهارتان: الغسل، والوضوء، وذلك واجب للصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فرضها ونفلها" (¬2). ويقول أيضًا: "وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة" (¬3). القرافي (684 هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على وجوب إزالة الخبث: "ولأن البول تتعلق به طهارة حدث وطهارة خبث، والأولى واجبة إجماعًا، . . " (¬4)، وهو يريد أنها واجبة لأداء الفريضة. ويقول: "ويدل على وجوب الطلب - للماء - إلى حين الصلاة، أن الوضوء واجب إجماعًا" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء عندما يقوم الإنسان للصلاة، والأمر إنما يكون للوجوب، فدل ذلك على وجوب الوضوء للصلاة (¬7). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقبل صلاة من أحدث ¬
[2 - 2] مشروعية الطهارة بالماء
حتى يتوضأ" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على مسألة الباب بالمطابقة (¬2)، فلا تقبل صلاة بغير طهور.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف، وهذه المسألة تعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة، والإجماع فيها قطعي، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 2] مشروعية الطهارة بالماء: هذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يختلف فيهما اثنان من أهل الإسلام، وقد نُقل فيها الإجماع من عددٍ من العلماء، وهناك ما يدل عليها في المسائل الأخرى، وكثير من مسائل الباب تدل عليها، إما بالتضمن (¬3) أو الالتزام (¬4). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء بالماء جائز" (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "أما من الإجماع؛ فلا يختلف اثنان من أهل الإسلام، في أن كل متوضئ؛ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه، وهكذا كل عضو في الوضوء. .، " (¬6). وهذا فيه إشارة لما نحن بصدده. ويقول أيضًا: "أجمعت الأمة على أن استعمال الماء الذي لم يُبَلْ فيه، ولا كان سؤر حائض، ولا كافر، ولا جنب، ولا من شراب، ولا من غير ذلك، ولا سؤر حيوان غير الناس، وغير ما يؤكل لحمه، ولا خالطته نجاسة، وإن لم تظهر فيه أو ظهرت، على ¬
اختلافهم فيما ينجس من حيوان أو ميت، ولا كان آجنًا متغيرًا من ذاته، وإن لم يكن من شيء حله، ولا مات فيه ضفدع ولا حوت، ولا كان فضل متوضئ من حدث أو مغتسل من واجب، ولا استعمل بعد، ولا توضأت منه امرأة ولا تطهرت منه، ولم يشمس، ولا سخن، ولم يؤخذ من بحر ولا غصب، ولا أدخل فيه القائم من نومه يده قبل أن يغسلها ثلاثًا، ولا حل فيه شيء طاهر فخالطه، غير تراب عنصره فظهر فيه، ولا بل فيه خبز، ولا توضأ فيه ولا به إنسان، ولا اغتسل، ولا وضأ شيئًا من أعضائه به - فيه الوضوء والغسل، حلوًا كان أو مرًّا، أو ملحًا أو زعاقًا، ففرض على الصحيح الذي يجده ويقدر على استعماله ما لم يكن بحضرته نبيذ. . " (¬1). ويقول أيضًا: "وأجمعوا أن من توضأ وتطهر بالماء كما وصفنا، وإن كان بحضرته نبيذ تمر فقد أدى ما عليه" (¬2). الغزالي (505 هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع" (¬3). نقله عنه النووي (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الطهارة تجب بالماء، على كل من لزمته الصلاة، مع وجوده" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7). • مستند الإجماع: الأدلة كثيرة على هذه المسألة، أكتفي باثنين: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حدد الوضوء بالماء، وحدد العدول عنه بعدم وجوده، فدل ذلك بالالتزام على وجوب الوضوء بالماء، وفيه المشروعية وزيادة، واللَّه أعلم. 2 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. . . الآية [المائدة: 6]. ¬
[3 - 3] طهارة الماء المضاف إلى مقره
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الأعضاء قبل الصلاة، والغسل لا يكون إلا بالماء؛ فدل ذلك على مشروعية الوضوء بالماء.Rأن الإجماع متحقق، وحكم المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، وأغلب المسائل في باب المياه تدل عليه بالتضمن أو الالتزام، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 3] طهارة الماء المضاف إلى مقره: المياه التي تضاف إلى مقرها التي هي فيه، وتنسب إليه، كمياه الأنهار والآبار والعيون، مياه طاهرة بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًّا" (¬1)، والمياه المضافة لمقرها هي من أنواع المياه. ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الضرب الثالث من المضاف: ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر، والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "الحكم الذي ذكره - أي صاحب "المهذب" - وهو جواز الطهارة بما نبع من الأرض مجمع عليه، إلا ما سأذكره إن شاء اللَّه تعالى في البحر وماء زمزم" (¬3). وقد كان في عبارة "المهذب" ما يلي: "وما نبع من الأرض، وماء البحار، وماء الأنهار، وماء الآبار" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء كونه طهورًا، فكل مياه الآبار والأنهار المضافة ¬
[4 - 4] الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه
لمقرها نازلة من السماء، وهي طهورة ما لم تتغير، واللَّه تعالى أعلم. 2 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: حيث لا يجوز المصير إلى التراب؛ إلا بعدم الماء، وماء الآبار ونحوها تسمى ماء، فيجب الوضوء بها، فهي إذًا طاهرة. 3 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬1). • وجه الدلالة ظاهرة من الحديث بالمطابقة على مياه الآبار، أما غيرها مما أضيف لمقره، كمياه العيون والأنهار فتدخل بالقياس، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [4 - 4] الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه: إذا حصل تغير الماء، بشيء طاهر يسقط فيه، كورق الشجر والعيدان ونحو ذلك، أو بما ينبت فيه كالطحلب والخز ونحوهما، فإن الماء يبقى على طهوريته بالإجماع (¬2). • من نقل الإجماع: ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء، مما لا ينفك عنه غالبًا، أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، إلا خلافًا شاذًّا، روي في الماء الآجن عن ابن سيرين" (¬3). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الثاني: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب والخز وسائر ما ينبت في الماء، وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء، أو تحمله الريح ¬
فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما، إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف فيها الماء، فهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه. . .، ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (¬1). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "الماء المتغير بقراره، كزرنيخ (¬2) أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه، لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه، والانفكاك عنه" (¬3). النووي (676 هـ) معلقًا على كلام الشيرازي في "المهذب" بعد أن قال: "إن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت، فإن كان مما لا يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما، جاز الوضوء به" قال النووي: "أما قوله -أولًا-: إذا تغير -أي: الماء- بما لا يمكن حفظه منه جاز الوضوء به؛ فمجمع عليه" (¬4). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فما كان من التغير حاصلًا بأصل الخلقة، أو بما يشق صون الماء عنه فطهور باتفاقهم" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية في وجه (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بأن نتوضأ بالماء، ولا نعدل عنه إلى التيمم ¬
إلا عند عدمه، وهذا الماء لا زال يطلق عليه اسم الماء؛ فوجب استعماله (¬1). 2 - أنه لا يمكن صون الماء عن مثل هذه الأشياء، فعفي عنها، كما عفي عن النجاسة اليسيرة، والعمل القليل في الصلاة (¬2). • الخلاف في المسألة: في مسألة تغير الماء بنحو الطحلب والخز والعيدان، لم أجد خلافا سوى ما نقله الحطاب، حيث نقل قولًا محكيًّا عن الإمام مالك بالكراهة فقط، إذا وجد غير ذلك الماء، وأمكن الاستغناء عنه (¬3). ووجدت المرداوي أيضًا حكاه قولًا في المذهب الحنبلي (¬4). ولكن هذا القول غير مخالف لمسألتنا في الحقيقة، فليس فيه إلا الكراهة، وهي لا تنافي الجواز، واللَّه تعالى أعلم. وأما مسألة تغيره بورق الشجر، فقد ثبت فيها الخلاف: فخالف في المسألة الشافعية في وجه (¬5)، فقالوا: هو غير طهور ولا يعفى عن هذا التغير. ويمكن أن يستدل لهذا المذهب بأن الماء قد تغير ولم يصبح ماءً مطلقًا؛ فلا يتوضأ به. وخالف الشافعية في وجه آخر (¬6)، فقالوا بأنه يفرق بين الورق الخريفي والربيعي، فالخريفي لا يضره، وأما الربيعي فيسلبه الطهورية. واستدلوا: بأن الربيعي رطوبة تخالط الماء، وتساقطه نادر فلا يعفى عنه، بخلاف الخريفي. وخالف المالكية في قول (¬7)، فقالوا بأنه يفرق بين التغير البين وغير البين؛ فإن كان التغير بَيِّنًا فيضر، وإن لم يكن كذلك فلا. ويمكن أن يستدل لهذا المذهب بأن الماء إذا تغير وأصبح التغير بَيِّنًا؛ لم يصبح ماءً مطلقًا، ولا يسوغ أن نبرر طهورية الماء بالعفو عن اليسير فالتغير بيِّن، بخلاف ما لو ¬
[5 - 5] الماء المتغير بطاهر يأخذ حكمه
كان التغير يسيرًا غير بين، واللَّه تعالى أعلم. أما الكلام عن الماء الذي تغير بمكثه، وهو الماء الآجن فقد أفردت له مسألة مستقلة؛ لأنه في الحقيقة لم يتغير بشيء آخر وإنما من نفسه بطول المكث، فكان ينبغي إفراده.Rأن الإجماع متحقق فيما دون مسألة التغير بورق الشجر؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. أما الماء الذي تغير بورق الشجر، فالإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف السابق في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 5] الماء المتغير بطاهر يأخذ حكمه (¬1): الماء الذي غيَّره شيء طاهر، كلبن أو عسل أو غيره، فإن هذا الماء يأخذ حكم ذلك الشيء الطاهر الذي غيّره، ولا تبحث المسألة في كونه مطهرًا أو لا. ولكن بشرط أن يكون التغير بحيث يزول اسم الماء عنه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله، وقال الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربته وحمأته (¬2)، وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه" (¬3). ونقل عنه القرطبي هذه العبارة بذاتها دون إشارة (¬4). ويقول: "وهذا إجماع لا خلاف فيه، إذا تغير بما غلب عليه من نجس أو طاهر: أنه غير مطهر" (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الأشياء الطاهرة، التي تنفك منه غالبًا، متى غيرت أحد أوصافه؛ فإنه طاهر عند جميع العلماء" (¬6). ¬
[6 - 6] جواز الطهارة بالماء الآجن
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: أن الأصل في الأشياء الطهارة، والماء هنا طهور، وبعد تغيره بما أضيف إليه مما هو طاهر في ذاته، فالماء بعد التغير يدور إذًا بين أمرين؛ إما أن يكون طاهرًا أو طهورًا، ولا مجال لاحتمال النجاسة، والطهور طهارة وزيادة، فالماء بعد التغير إما طاهرًا أو طهورًا، على قولين للعلماء في ذلك - ليسا محل بحثنا - (¬5)، فدل ذلك على أن الماء إما أن يكون طاهرًا، وهذا عنوان مسألتنا، أو يبقى طهورًا على أصله، وهذه طهارة وزيادة، وعلى الأمرين فهو طاهر في ذاته، وهذا عنوان مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [6 - 6] جواز الطهارة بالماء الآجِن: إذا وجد المسلم ماء آجنًا، فإنه يجوز أن يتوضأ به، بإجماع العلماء على ذلك. والآجِن: قال في "المصباح": "أجن الماء أجنًا وأجونًا من بابي ضرب وقعد: تغير؛ إلا أنه يشرب، فهو آجِن على فاعل" (¬6). وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان، من غير مخالطة شيء يغيره (¬7)، وقيل: إنه يدخل في مسألة ما تغير بالطحلب والخز ونحوه (¬8). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ): أجمعوا على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز، وانفرد ابن سيرين فقال: لا يجوز (¬9). ونقله عنه ابن قدامة (¬10)، والنووي (¬11)، وابن مفلح (¬12)، والبهوتي (¬13). ¬
ابن رشد (595 هـ) حيث إنه أدخل هذه المسألة في أفراد مسألة تغير الماء بالمخالطة لطاهر، وقد حُكي الإجماع فيها كما سبق، يقول: "وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء، مما لا ينفك عنه غالبًا؛ أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، إلا خلافًا شاذًّا روي في الماء الآجن عن ابن سيرين" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "لا تكره الطهارة بماء البحر ولا بماء زمزم ولا بالمتغير بطول المكث -وهو الآجن- ولا بالمسخن ما لم يخف الضرر لشدة حرارته سواء سخن بطاهر أو نجس، وهذه المسائل كلها متفق عليها عندنا، وفي كلها خلاف لبعض السلف" (¬2). ثم نقل بعدها حكاية الاتفاق عن ابن المنذر ونقل حكايته الخلاف عن ابن سيرين فقط. ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). ابن مفلح (884 هـ) حيث نقل عنه الرحيباني فقال: "قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه" (¬5). ولكن لم أجد هذه العبارة في "المبدع"، سوى نقله حكاية ابن المنذر للإجماع (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحسن، وقتادة، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى (¬7)، والحنفية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن الآية مطلقة، فكل ما يطلق عليه اسم الماء يتوضأ به، ولا دليل ¬
[7 - 7] الماء طاهر مطهر
على إخراج الماء الآجن من الماء المطلق (¬1). 2 - أنه لا يمكن الاحتراز منه، فأشبه المتغير بما يتعذر صونه عنه (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة ابن سيرين، والقاسم بن مخيمرة (¬3)؛ فقالوا بكراهة الوضوء من الماء الآجن. وقد حكاه المرداوي قولًا في مذهب الحنابلة بالكراهة (¬4). فالخلاف المحكي هو بالكراهة، وهي لا تنافي الجواز (¬5). وعلى فرض كون ابن سيرين يقول بعدم الجواز، كما نقل ذلك ابن المنذر عنه فيما سبق، فقد وصفه ابن رشد بالشذوذ كما سبق، ولم يتابعه على هذا القول أحدٌ من العلماء. أما مخالفة القاسم ورواية الحنابلة، فهي في الكراهة، ولم أجد من نقل القول بعدم الجواز إلا ما حكاه ابن رشد عن ابن سيرين، فلا مخالفة حقيقية إلا منه، واللَّه أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولا يضره مخالفة من خالف، كما سبق بيان ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 7] الماء طاهرٌ مطهِّر: الماء طاهر في نفسه، ومطهر لغيره، سواء من النجاسة أو من الحدث، وعلى ذلك حكى عدد من العلماء الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات، وأنه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات" (¬6). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنه مطهر لها" (¬7). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية ¬
والحكمية جميعًا" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) في سياق نقاشه لمسألة: "وقد دلت هذه المسألة على أحكام منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير، أو غير ذلك. . . " ثم قال بعد ذلك: "وهذا قول عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه؛ هو نار" (¬3)، واستثناؤه لماء البحر هنا لا يقدح في أصل الإجماع، فماء البحر أحد أفراد هذه المسألة، وسيأتي نقاشها في مسألة مستقلة إن شاء اللَّه تعالى. القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر" (¬4). النووي (676 هـ) - في سياق نقاشٍ له -: "أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع" (¬5). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وحاصله أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وعدم تنجس الماء إلا بالتغير، بحسب ما هو المراد المجمع عليه" (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: وصف اللَّه تعالى الماء بأنه طهور، وهو فعول متعدٍّ، فهو طاهر في نفسه، ومتعدٍّ مطهِّرٌ لغيره. 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬7). ¬
[8 - 8] فضل وضوء الرجل طاهر
• وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، فقد وصف الماء بأنه طهور.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، بل هي من القطعيات الشرعية، فالماء طاهر في ذاته، ومطهرٌ لغيره، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 8] فضل وضوء الرجل طاهر: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فوجد فضل وضوء رجل، فإنه يجوز له أن يتوضأ به، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬1)؛ أنه لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله في فضل وضوء الرجال إجماع من العلماء، وللَّه الحمد" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل" (¬3). وقال بعدها: "ويؤيده أنا لا نعلم أحدًا من العلماء منعها فضل الرجل" (¬4). وقال أيضًا: "وأما تطهير المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع أيضًا" (¬5). ونقله عنه بلفظ الإجماع الحافظ العراقي (¬6)، وابن حجر (¬7)، والشوكاني (¬8)، كلاهما بلفظ الاتفاق، وتعقباه أيضًا. ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وأما تطهر المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬10)، والحنابلة على الصحيح (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ¬
ميمونة (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغتسل بفضل امرأة، وهي مسألة اشتهر الخلاف فيها، ومن باب أولى جواز الاغتسال بفضل الرجل، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها كانت تغتسل مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد (¬2). • وجه الدلالة: كونها تغتسل بفضل رجل وهو النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم ينكر عليها؛ فدل على جواز ذلك (¬3)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نقل الطحاوي خلافًا في المسألة، فقال: "فذهب قوم إلى هذه الآثار (¬4)، فكرهوا أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بهذا كله" (¬5). ونقل الحطاب رحمه اللَّه قولًا بعدم جواز الوضوء بفضل الرجل (¬6)، وهو وجه ضعيف عند الحنابلة (¬7). واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن سرجس -رضي اللَّه عنه-، قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل ولكن يشرعان جميعًا" (¬8). وخالف ابن عمر، والشعبي، والأوزاعي في المسألة، فقالوا بعدم جواز الوضوء ¬
[9 - 9] جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد
بفضل الرجل، ولكن مقيدًا بما إذا كانت جنبًا (¬1). ولم يذكر لهم دليلًا.Rأن الإجماع غير متحقق، مع أن القوم الذين أبهمهم الطحاوي ليسوا معروفين، ولم يوضح مقصدهم من الكراهة، هل هي التنزيهية أو التحريمية؟ ولكن حكاية الحطاب صريحة، أزالت الشك والريبة، وقواها الوجه الضعيف عند الحنابلة، وبهما لا يتحقق الإجماع في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 9] جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد: إذا توضأ الرجل والمرأة، أو الرجال والنساء معًا في إناء واحد، فإن وضوءهم جائز بالإجماع (¬2). • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد" (¬3)، والاغتسال نوع من الطهارة، وحكمه والوضوء واحد في هذه المسألة. الطحاوي (321 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر (¬4)، والشوكاني (¬5) حكايته الإجماع في المسألة (¬6). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا في جواز توضؤ الرجلين والمرأتين معًا" (¬7). القرطبي (626 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته، ووضوئهما معًا، من إناء واحد، إلا شيئًا روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة" (¬8). ونقله عنه ابن حجر (¬9)، والشوكاني (¬10). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة واغتسالهما جميعًا من إناء واحد" (¬11). ¬
ويقول أيضًا: "وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين" (¬1). ونقله عنه العراقي (¬2)، وابن حجر (¬3)، والشوكاني (¬4)، والأخيران بلفظ الاتفاق. ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز" (¬5). ويقول أيضًا: "فأما اغتسال الرجال والنساء جميعًا من إناء واحد؛ فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا؛ فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا أو النساء دون الرجال جميعًا أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه" (¬6). ويقول: "فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده؛ فقد خرج عن إجماع المسلمين وفارق جماعة المؤمنين" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، وعكرمة، والشعبي (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنه-، قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جميعًا (¬9). • وجه الدلالة: حيث حكى ابن عمر وقوع صورة هذه المسألة في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الصحابة، ولم ينكر ذلك عليه الصلاة والسلام، فدل على صحة ذلك. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها كانت تغتسل مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد (¬10). • وجه الدلالة: أن عائشة كانت تغتسل مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد، وهذا لا يختلف عما إذا كانوا أشخاصًا أو شخصين، وهذا مطابق لمسألتنا (¬11). • الخلاف في المسألة: أما وضوء الرجل والمرأة معًا، فقد حكى ابن حزم الخلاف ¬
[10 - 10] الماء المتغير بنجاسة يأخذ حكمها
فيه (¬1) هل يجزئ أو لا؟ بخلاف ما لو كانوا أكثر من ذلك، فقد نقل الاتفاق كما سبق نقله فى بداية المسألة. أما وضوء الرجلين أو المرأتين فأكثر، فنقل ابن حجر قولًا لأبي هريرة -رضي اللَّه عنه- يخالفه، بأنه كان ينهى عنه، ونقل حكاية ابن عبد البر للخلاف عن قوم أيضًا (¬2). ونقل الحطاب رحمه اللَّه قولًا بأنه لا يتوضأ أحدهما بفضل الآخر مطلقًا، سواء كانا جميعًا أو لا (¬3). واستدلوابنهي أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- (¬4) عن ذلك.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وظاهر مما سبق أن الخلاف كان قديمًا، فقد خالف أبو هريرة -رضي اللَّه عنه-، وتبعه من تبعه، واللَّه أعلم. [10 - 10] الماء المتغير بنجاسة يأخذ حكمها: إذا تغير الماء بالنجاسة، سواء تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه؛ فإنه ينتقل من الطهورية إلى النجاسة، وسواء كان الماء قليلًا، أو كثيرًا، ما دام قد تغير. • من نقل الإجماع: الإمام الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا" (¬5). ونقله عنه البيهقي (¬6)، والنووي (¬7)، وابن حجر (¬8)، وابن قاسم (¬9). ابن جرير (310 هـ) حيث في سياق نقاش الخلاف في معنى حديث أبي سعيد الآتي بالمستند، قال: "مع إجماع جميعهم على أن الماء ينجس بغلبة لون النجاسة عليه أو ¬
طعمه أو ريحه" (¬1). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير، إذا وقعت فيه النجاسة، فغيرت للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، أنه نجس، ما دام كذلك" (¬2). ونقله عنه ابن قدامة (¬3)، والنووي (¬4)، والبهوتي (¬5)، والصنعاني (¬6)، والشوكاني (¬7). الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر، فغلبت على طعم مائها أو ريحه أو لونه، أن ماءها قد فسد" (¬8). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي حلت فيه نجاسة، فأحالت لونه أو طعمه؛ فإن شربه لغير ضرورة، والطهارة به على كل حال، لا يجوز شيء من ذلك على عظيم اختلافهم في النجاسات" (¬9). البيهقي (458 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬10) غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا، واللَّه أعلم" (¬11). ونقله عنه النووي (¬12). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "الماء لا يخلو تغيره من أن يكون بنجاسة، أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة؛ فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر، ولا مطهر" (¬13). ونقل هذه العبارة القرطبي دون إشارة (¬14). ويقول أيضًا: "وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقًا" (¬15). ويقول: "وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "الماء لا ينجسه شيء" (¬16)، يعني إلا ¬
ما غلب عليه وظهر فيه من النجاسة، بدليل الإجماع على ذلك" (¬1). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا" (¬2). ابن هبيرة (560) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة؛ نجس قل أو كثر" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه أو لونه أو ريحه، أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف؛ أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة؛ فلا خلاف فيه" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واعلم أن حديث بئر بضاعة (¬7) عام مخصوص، خص منه المتغير بنجاسة؛ فإنه نجس للإجماع" (¬8). وقال بعد نقل إجماع ابن المنذر: "ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا وغيرهم، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا، قليلًا أو كثيرًا، تغير تغيرًا فاحشًا أو يسيرًا، طعمه أو لونه أو ريحه؛ فكله نجس بالإجماع" (¬9). ونقله عنه ابن نجيم (¬10). ابن دقيق العيد (702 هـ) حيث يقول: "الاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة؛ امتنع استعماله" (¬11). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق" (¬12). ويقول أيضًا: "إذا وقع في الماء نجاسة فغيرته تنجس اتفاقًا" (¬13). ¬
ويقول أيضًا: "والماء لنجاسته سببان: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه. فالمتفق عليه: التغير بالنجاسة" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). الحافظ العراقي (806 هـ) حيث يقول: "أن الماء الجاري، وإن كان قليلًا لا تؤثر فيه النجاسة، إلا إذا غيرته، فإنه ينجس إجماعًا" (¬3). ابن الهمام (861 هـ) حيثما يقول: "وهذا لأن حقيقة الخلاف؛ إنما هو في تقدير الكثير الذي يتوقف تنجسه على تغيره، للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا به" (¬4) أي بالتغير. يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (¬5). ونقل عبارته ابن نجيم (¬6). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "ولا ينجس الماء الكثير إلا بتغير، وإن قل التغير، بنجاسة ملاقية له، للإجماع المخصص لخبر الترمذي: "الماء طهور لا ينجسه شيء (¬7) " (¬8). الحطاب (954 هـ) حيثما يقول عن النجاسة: "إن غيرت الماء؛ ضرت باتفاق، وإن لم تغيره، فيكره استعماله مع وجود غيره" (¬9). ابن نجيم (970 هـ) حيثما يقول: "اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ لا تجوز الطهارة به؛ قليلًا كان الماء أو كثيرًا؛ جاريًا كان أو غير جارٍ، هكذا نقل الإجماع في كتبنا" (¬10). الشربيني (977 هـ) حيثما يقول شارحًا لمتن "المنهاج": " (فإن غيره) أي: غير النجس الملاقي الماء القلتين، ولو يسيرًا، حسًّا أو تقديرًا فنجس بالإجماع المخصص للخبر السابق" (¬11). ¬
الحصكفي (1088 هـ) حيث يقول: "وبتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح ينجس الكثير، ولو جاريًا إجماعًا" (¬1). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وإنما حكموا بعدم طهورية ما غيرت النجاسة أحد أوصافه؛ للإجماع على ذلك" (¬2). الدسوقي (1230 هـ) حيث يقول: "أما لو علم أن المغير مما يضر؛ ضر اتفاقًا، كان الماء قليلًا أو كثيرًا" (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ خرج عن الطهورية" (¬4). ويقول أيضًا: "فما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا؛ فلا يحمل الخبث، ولا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا أن يتغير أحد أوصافه؛ فنجس بالإجماع" (¬5). ويقول أيضًا: "وأما ما دون القلتين، فإن تغير؛ خرج عن الطهارة بالإجماع" (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬7). زاد أبو أمامة الباهلي -رضي اللَّه عنه- في روايته: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (¬8). • وجه الدلالة: حيث قال عليه الصلاة والسلام: "إلا ما غلب"، أي فإنه يتنجس إذا غلبت النجاسة. ولكن الحديث ضعفه عدد من أهل العلم (¬9)، واعتدوا بالإجماع، كما صرح بذلك عدد منهم، وسبقت الإشارة إلى ذلك. ¬
[11 - 11] الماء الكثير الواقع فيه نجاسة ولم يتغير فهو طهور
2 - أن الماء إذا تغير بالنجاسة، فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، لم يصبح ماء، وانتقل إلى مسمى آخر بحسب ما غيره، فلم يجز أن يتوضأ به؛ لأنه أصبح متغيرًا بالنجاسة، وما غيرته النجاسة أصبح منها، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع في هذه المسألة متحقق بلا شك، فقد رأينا أن عددًا كبيرًا من العلماء صرح بهذا الإجماع، ولم يذكر لهم مخالف، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 11] الماء الكثير الواقع فيه نجاسة ولم يتغير فهو طهور: الماء لا يخلو حاله إذا وقعت النجاسة فيه من حالتين: إما أن يكون قليلا فتغيره النجاسة، فيأخذ حكمها. وإما أن يكون كثيرًا؛ فلا يخلو من حالتين: إما أن يتغير، فيكون حكمه حكمها. وإما أن لا يتغير، فيكون حكمه الطهارة، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع في هذه المسألة. أما تقدير الكثرة، فقد قدرها البعض بما إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه (¬1)، والبعض قدرها بما زاد عن القلتين (¬2)، وعلى العموم فتقدير الكثرة ليست مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له طعمًا أو لونًا أو ريحًا، أنه بحاله ويتطهر منه" (¬3). ونقله عنه ابن قدامة (¬4)، وابن قاسم (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة، بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما، فإنه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته" (¬6). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (¬7) أن الماء إذا غلب على ¬
النجاسات وغمرها طهرها، وكان الحكم له لا لها، ولو كان إذا اختلط بالنجاسات لحقته النجاسة ما كان طهورًا، ولا وصل به أحد إلى الطهارة، وهذا مردود بأن اللَّه عز وجل سماه طهورًا، وأجمع المسلمون على ذلك في كثيره، وإن اختلفوا في معانٍ من قليله" (¬1). ابن رشد الجد (520 هـ) حيث يقول: "لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه". نقله عنه الموَّاق (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر" (¬3). ابن قدامة (620 هـ) في حديثه عن البرك التي صنعت موردًا للحاج، يشرب منها، ويجتمع فيها ماء كثير: "فتلك لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، لا نعلم أحدًا خالف في هذا" (¬4). ابن دقيق العيد (702 هـ) حيث يقول: "لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير لا تؤثر فيه النجاسة" (¬5). ونقله عنه العراقي (¬6)، ونقل الشوكاني عبارته دون أن ينسبها إليه (¬7). العيني (855 هـ) حيث يقول: "أن هذا الحديث (¬8) عام، فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر، الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر" (¬9). الحطاب (954 هـ) حيث يقول شارحًا كلامًا للمؤلف: "يعني أن الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس، ولم يغيره؛ فإنه على طهوريته، ويعلم قدر الكثير من تحديد القليل الآتي، ثم إن هذا الكثير إن اتفقت الأمة على أنه كثير؛ فلا خلاف في طهوريته، سواء خلط بنجس أو طاهر" (¬10). ¬
[12 - 12] إذا اختلط الماء بما يوافقه في الطهورية فهو طهور
ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (¬1). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع" (¬2). محمد صديق حسن خان (1307 هـ) حيث يقول في سياق كلامٍ له: "بعد إجماعهم على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "والمصانع الكبار لا تنجس بالاتفاق إلا بالتغير" (¬4)، وهو يريد بالمصانع هنا المياه الكثيرة التي كانت موردًا للحجاج. • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى الماء طهورًا، والماء هنا مطلق، فكل ما يطلق عليه ماء فهو طاهر، حتى يتغير أحد أوصافه وينتقل مسماه، وما دام لم يتغير الماء الكثير فهو على أصله، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف الماء بأنه طهور بإطلاق، ثم أكد ذلك بأنه لا ينجسه شيء إلا ما غلب على أحد أوصافه فغير اسمه، وما دام أن الماء لم يتغير فهو على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [12 - 12] إذا اختلط الماء بما يوافقه في الطهورية فهو طهور: إذا اختلط الماء مع شيء من التراب، ولم ينقله ذلك إلى مسمى آخر، كأن أصبح طينًا؛ فإن ذلك لا يضره. وهنا قيد مهم وهو: أن لا يكون ذلك بفعل فاعل، بل الاختلاط من اللَّه تعالى دون تصرف أحد. ¬
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة، والطهورية، كالتراب إذا غير الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء". . .، ثم قال: "ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (¬1). العيني (855 هـ) حيث يقول: "كما فى أجزاء الأرض، نحو الطين والجص والنورة، فإن التوضؤ بالماء الذي اختلط بهذه الأشياء يجوز بالاتفاق، إذا كان الخلط به قليلًا" (¬2). الحطَّاب (954 هـ) حيث يقول: "أما ما ألقته الريح -يعني التراب- فإنه لا خلاف أنه لا يضر" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد جعل التراب بدلًا عن الماء فى حال عدمه، فهو طاهر مطهِّر، ولا يمكن أن ينقل الماء من طهوريته ما دام مثله في الطهورية (¬5). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمى الأرض طهورًا، والمقصود التراب، في إشارة للتيمم، فالطهور إذا خالط طهورًا لا يغير من حكمه شيئًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حُكي عن إمام الحرمين الجويني، أنه قال بأن التراب غير مطهر، وإنما علقت به إباحة بسبب الضرورة. وقد أنكر عليه ذلك النووي وأبطله (¬7). وهذا خلاف شاذ، لم أقف على من وافقه، ولا عبرة به. ¬
[13 - 13] طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة
Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، وأما خلاف إمام الحرمين فخلاف شاذ منه رحمه اللَّه، ولا ينقض الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 13] طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة: إذا كان شيء نجس قريبًا من الماء، مجاورًا له، ولكنه خارجه، ولا يمسه، فإنه لا يؤثر على طهارة الماء. • من نقل نفي الخلاف: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام الماتن: "وقوله: (كما لو تغير بجيفة بقربه) يعني: جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه، وفي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعًا، بل الماء طهور بلا خلاف" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). ابن مفلح (884 هـ) حيث يقول عن حالات التغير للماء: "أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، بغير خلاف نعلمه؛ لأنه تغير بمجاورة" (¬3)، ثم قال بعد ذكر الحالات كلها: "فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث" (¬4). ونقله عنه البهوتي (¬5). الحطاب (954 هـ) حيث يقول عن الماء: "إذا تغير بمجاورة شيء له، فإن تغيره بالمجاورة لا يسلبه الطهورية، وسواء كان المجاور منفصلًا عن الماء، أو ملاصقًا له، فالأول؛ كما لو كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة، أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير، ولا خلاف في هذا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن الماء في هذه الحالة لم يحصل له تغير، بحيث اختلطت به النجاسة فغيرته، فهو باق على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الماء هنا يصح أن يطلق عليه بأنه من الماء المطلق، وهو ما يكفي في كونه طهورًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[14 - 14] طهارة ما تغير بمجاورة دون مخالطة
[14 - 14] طهارة ما تغير بمجاورة دون مخالطة: إذا تغير الماء بمجاورة طاهر من غير مخالطة، ولم تخرج به عن كونه ماء مطلقًا، فإنه يجوز الوضوء به، وهو ماء طهور. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الضرب الثالث من المضاف: ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: . .، الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، لا يخرج به عن إطلاقه، . .، ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية في قول (¬3)، والشافعية في قول (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن هذا التغير الطارئ على الماء، لا يخرجه عن كونه ماء مطلقا؛ فيجوز التطهر به؛ لأنه ماء مطلق (¬5). 2 - أن هذا الماء تغير بالمجاورة، وهي أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه دون مخالطة، وهي متفق على أنها لا تؤثر على الماء (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬7)، والشافعية في قول (¬8)، والحنابلة في وجه (¬9)، فقالوا بأنه لا يتطهر بهذا الماء. ولم أجد لهم دليلًا إلا التعليل بالتغير، فما دام أنه تغير؛ فقد خرج عن أوصاف الماء المطلق، فلا يكون طهورًا.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، ويظهر مما سبق شهرة الخلاف وكثرته، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[15 - 15] ماء البحر طهور
[15 - 15] ماء البحر طهور: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإن ماء البحر له طهور، وعليه حُكي إجماع العلماء. • من نقل الإجماع: الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "أرأيت رجلًا بال في البحر، أينجس بوله ماء البحر؟ فإن قال: لا، قيل: ماء البحر ماء دائم، وقيل له: أفتنجس المصانع الكبار؟ فإن قال: لا، قيل: فهي ماء دائم، وإن قال: نعم، دخله عليه ماء البحر، فإن قال: وماء البحر ينجس؛ فقد خالف قول العامة مع خلافه السنة" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء، أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرض عليه ولا التفت إليه" (¬2). وقال: "فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، . . وهذا إجماع من علماء الأمصار الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى" (¬3). الباجي (474 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبد اللَّه بن عمر" (¬4). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا" (¬5)، وهذا يعني أنه يرى أن خلافهم غير معتبر، حيث حكم عليه بالشذوذ. ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (¬6). ¬
ويقول: "قد دلت هذه المسألة على أحكام، منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير أو غير ذلك. . . وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه، هو نار، وحكاه الماوردي (¬1) عن سعيد بن المسيب" (¬2). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). الحطاب (954 هـ) حيث يقول: "وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر، ولا خلاف في جواز التطهير به، وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه" (¬5). الخرشي (1101 هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر. . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (¬6). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عن أقوال الصحابة المخالفة: "ولا حجة في أقوال الصحابة، لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم- (¬8)، والحنفية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرط جواز التيمم بعدم الماء، والماء مطلق هنا، فما يطلق عليه ماء؛ يجوز التطهر به سواء كان عذبًا أو مالحًا، ومن خصص فعليه بالدليل، ¬
ولا دليل مخصص، فبقي الحكم على الأصل المبيح، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (¬1). • وجه الدلالة: حيث نص النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على طهورية ماء البحر، ولا عبرة بالاجتهاد بمقابل النص (¬2). • الخلاف في المسألة: روي الخلاف في هذه المسألة عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة -رضي اللَّه عنهم-، وأبي العالية (¬3)، وابن المسيب (¬4)، ونسب الترمذي مسألة الباب إلى أكثر الفقهاء، ثم نقل القول المخالف ونسبه لبعض الصحابة (¬5). وقد أشار ابن حزم لوجود خلاف في هذه المسألة (¬6). واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12]، فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما (¬7). وبعد طول بحث في هذه المسألة، لم أجد من قال بهذا القول غير هؤلاء الخمسة، ¬
[16 - 16] ماء السماء طهور
بل صرح ابن عبد البر بأنه لم يتابعهم أحد من علماء الأمصار (¬1)، مما يعني أن قولهم اندرس بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق في الصدر الأول بلا إشكال، ولكن هناك من قال بتحققه بعد ذلك كما سبق. وبهذا يكون قد تحقق الإجماع بعد الخلاف، وقد اختلف الأصوليون على قولين في هذه المسألة، والصحيح أنه إجماع ظني معتبر، تحرم مخالفته ويجب العمل به على من أخذ بهذا القول (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 16] ماء السماء طهور: الماء الذي ينعم اللَّه تعالى به على الناس فينزله من السماء، لا شك أنه طهور، يُتطهر وينتفع به، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على جواز الطهارة بماء السماء" (¬3). الخرشي (1101 هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر، . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]. 2 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى علل إنزال الماء من السماء للتطهير، وفي الآية ¬
[17 - 17] جواز استعمال الماء الجاري في الطهارة
الأخرى وصف الماء الذي ينزله من السماء بأنه طهور، مما يدل على طهارة ماء السماء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [17 - 17] جواز استعمال الماء الجاري في الطهارة: الماء الجاري هو ما يقابل الدائم والراكد، فإن استعماله في الوضوء جائز، وقد قيد ابن حزم المسألة بما لم تظهر في نجاسة، وهو قيد مهم. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "فأما الجاري؛ فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية في قول (¬4)، والحنابلة في قول (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. 2 - حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه-، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (¬6). • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء أنه طهور ما لم يتغير، هذا ما يدل عليه النصان السابقان، والماء الجاري غير المتغير ينطبق عليه هذا الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم. 3 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرق بين الماء الدائم والجاري، فمنع من البول في الماء الدائم لمن أراد الاغتسال، فدل بمفهوم الصفة على أن الجاري لا يتأثر (¬8). ¬
[18 - 18] الطهارة بغير الماء المطلق غير جائزة
• الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذا الاتفاق؛ بأن الشافعي في الجديد (¬1)، وأحمد في قول له (¬2) قالا: بأن الجاري كالراكد، في اعتبار القلتين؛ فينجس ما دون القلتين من الماء الجاري بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير (¬3). واستدلوا بمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (¬4)، فإنه لم يفصل فيه بين الماء الجاري والراكد؛ فدل على أن حكمهما سواء ما لم يكن قلتين (¬5).Rأن الاتفاق غير متحقق، فيما إذا كان الماء الجاري أقل من قلتين، وأما ما زاد على ذلك؛ فلم أجد فيه خلافًا، والاتفاق فيه متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 18] الطهارة بغير الماء المطلق غير جائزة: إذا توضأ الإنسان من غير الماء المطلق، بأن توضأ بشيء يطلق عليه ماء بالإضافة، كماء الورد أو ماء الشجر أو ماء العصفر، فإن هذا الوضوء غير جائز. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء" (¬6). ونقله عنه ابن قدامة (¬7)، والنووي (¬8)، وابن قاسم (¬9). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (¬10). الغزالي (505 هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، ¬
أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (¬1). نقله النووي، وتعقبه بقول ابن أبي ليلى (¬2)، وابن قاسم (¬3). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة" (¬4). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ومنها: أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة". . .، ثم قال: "فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم" (¬5). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: "اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث؛ أعني ما يطلق عليه ماء، والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص" (¬6). ونقل عبارته ابن الهمام (861 هـ) بنصها دون إشارة (¬7). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بماء الورد، لا يصير مستعملًا إجماعًا" (¬8). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬10). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الوضوء بالماء، و (ماء) هنا مطلقه، فمن لم ¬
يجد الماء المطلق فيصير للتيمم، ولم يقل: إنه يلجأ إلى غير الماء المطلق، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل الخلاف في هذه المسألة كما سبق عن ابن أبي ليلى، والأصم، وقد عقَّب الإمام النووي على نقل الغزالي للإجماع؛ بأنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه (¬2)، وعلى قول الأصم؛ بأنه لا يعتد بخلافه (¬3). ونقد ابن تيمية نقل ابن حزم للإجماع في هذه المسألة؛ بحكاية قول ابن أبي ليلى والأصم (¬4). ونقل المرداوي في "الإنصاف" قولًا عن ابن تيمية في هذه المسألة، وأنقله بنصه، حيث قال: "الطريق الثالث: أنه ينقسم -أي الماء- إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس. وهي طريقة الشيخ تقي الدين، فإن عنده أن كل ماء طاهر تحصل الطهارة به، وسواء كان مطلقًا أو مقيدًا، كماء الورد ونحوه. نقله في "الفروع" عنه في باب الحيض" (¬5). وبعد مراجعة كلام ابن مفلح في الفروع، وجدت كلامه غير دال على ذلك، وهذا هو نص كلامه: "وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده؛ فلهذا عنده الماء قسمان: طاهر طهور، ونجس" (¬6)، ثم عاد إلى الحديث عن مسائل الحيض. وهذا ليس فيه تصريح بما ذكره المرداوي رحمه اللَّه. وبعد التأمل ومراجعة كلام ابن تيمية في المسألة، وجدت أنه قال بقول قريب من هذا في مسألة مشابهة، ولعله اشتبهت عليه المسألتان. فهو يقصد إذا اختلط بالماء شيء من المائعات كالدهن والكافور ونحو ذلك، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم تختلف عما نحن بصدده (¬7)، أو اختلط بشيء من الطاهرات كالزعفران والأشنان والحمص وغير ذلك (¬8). ¬
[19 - 19] الطهارة بالمائعات سوى الماء غير جائزة
فتلك اختلفوا فيها؛ لأنها قد يشملها اسم الماء المطلق على الخلاف بينهم، ولكن هذه لا يشملها، فلا يقول إنسان لماء ورد: هذا ماء، ويسكت، وكذا ما شابهه، واللَّه أعلم (¬1). ولكن بعد مزيد من البحث وجدت أن البعلي في "الإختيارات"، قد نقل هذا القول عنه، فقال: "وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والأصم، وابن شعبان" (¬2). هذا ما نقله عنه، ولم أجد من يؤكد هذا الزعم. ونقل الإمام ابن القيم دعوى هذا الإجماع، ونقده بأنه ليس فيه إجماع، ونقل قول الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن في الخل، حيث قالوا: يجوز الوضوء بالخل (¬3). وهناك مسألة أخرى، ولكنها قد تعتبر من نواقض هذا الإجماع المحكي، وهي: ما لو سال الماء من الثمر أو الشجر بدون عصر، فقد صرح بجواز الوضوء به صاحب "الهداية" المرغيناني الحنفي، وقد تفرد بذلك (¬4). وخالف ابن حزم رحمه اللَّه في الماء الذي طُبخ فيه، كالفول والحمص والترمس واللوبيا ما دام يقع عليه اسم الماء، فيجوز الوضوء به (¬5). وخالف الحنفية أيضًا، في ماء الزعفران والصابون والأشنان، ولكن بشرط عدم سلب اسم الماء عنه (¬6).Rأن الإجماع غير متحقق؛ حيث نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وما نقل عن ابن تيمية، وكذلك قول ابن حزم، والمرغيناني، وكل ما سبق يبين وجود الخلاف في المسألة بما لا يدع مجالًا للشك، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 19] الطهارة بالمائعات سوى الماء غير جائزة: إذا أراد المسلم الوضوء، ووجد مائعًا من المائعات، فإنه لا يجوز له الوضوء به، ¬
وعليه حُكي الإجماع. وقد تشتبه هذه المسألة بالمسألة السابقة (الوضوء بغير الماء المطلق غير جائزة)، والفرق هو: أن تلك المسألة يطلق على المائع فيها اسم الماء، ولكن بالإضافة، فيقال: ماء الورد، وماء الزعفران. أما هذه المسألة، فالمقصود المائعات التي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا، إلا من حيث السيولة فقط، مثل القهوة والنبيذ واللبن. .، سواء كانت ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر (¬1). ويستثنى من هذه المسألة النبيذ، حيث وقع فيه خلاف مشهور، أما غيره من المائعات فداخل في هذه المسألة. ويؤكد هذا التقسيم أن ابن المنذر فصل هاتين المسألتين، وكذلك فقول ابن أبي ليلى السابق هو في المعتصر فقط كماء الشجر والورد ونحوهما (¬2). وقد جعلهما بعض العلماء واحدة (¬3)، ورأيت أن أفصل بينهما؛ نظرًا لاختلافهما، واللَّه تعالى أعلم. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا يجوز الاغتسال، ولا الوضوء بشيء من الأشربة سوى النبيذ" (¬4). ونقل القرطبي نحو هذه العبارة، دون أن يشير أنها لابن المنذر (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (¬6). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية، وهي زوال الحدث" (¬7). ¬
ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول "فصل: فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء؛ كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم -فيما نعلم- أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). ابن مفلح (884 هـ) حيث يقول عن الطاهر: "وهو قسمان: أحدهما غير مطهر بالإجماع، وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه، . .، والأول ثلاثة أنواع: ما خالطه طاهر فغير اسمه، بأن صار صبغًا أو خلًّا؛ لأنه أزال عنه اسم الماء، أو غلب على أجزائه فصيره حبرًا، . .، أو طبخ فيه فغيره حتى صار مرقًا كماء الباقلاء" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، والحسن، فيما حكي عنهما في اللبن (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]. 2 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الطهورية للماء المطلق، وهذه المائعات لا يقع عليها اسم الماء المطلق؛ فلا يجوز الوضوء بها؛ لأنها ليست ماء (¬7)، واللَّه أعلم. • الخلاف في المسألة: سبق النقل عن الإمام ابن القيم حيث نقد دعوى الإجماع في المسألة الماضية، وقال: ليس فيه إجماع، ونقل عن الحسن بن صالح بن حي وحميد ابن عبد الرحمن أنهما يقولان بجواز الوضوء بالخل (¬8)، وهذا نقض لدعوى الإجماع في المسألتين؛ حيث إن الخل لا يقال فيه ماء، فما يطلق عليه ماء بالإضافة يدخل من باب أولى حيث لا يطلق عليه ماء أصلًا. ونقل البعلي في "اختيارات ابن تيمية" (¬9) عنه القول بأن المائعات كلها حكمها حكم الماء، قلت أو كثرت، وهو رواية عن ¬
[20 - 20] طهارة الماء الملاقي لمحل طاهر
أحمد (¬1)، ومذهب الزهري، والبخاري (¬2)، وحكي رواية عن مالك (¬3). ووجدت كلامًا له نحوه (¬4)، غير أنه ليس فيه توضيح، هل هو يقصد أن حكمها كالماء في الوضوء والغسل، أو أنه يقصد في التنجس والطهارة؟ حيث أخذ يتحدث عن مسألة الدهن الجامد والمائع، وتنجسه من سقوط فأر وعدمه، فالكلام غير واضح، واللَّه تعالى أعلم. وعلى كل حال فالمسألة حكي فيها الخلاف، فليست محل إجماع.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف المحكي في المسألة، سواء ثبت خلاف ابن تيمية أو لا، وذلك لخلاف الحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وسبق شبهه عن ابن أبي ليلى في المعتصر، والخلاف في المطبوخ، حيث إن الخلاف هناك يجري هنا لقيام نفس العلة، فالكل ليس ماء مطلقًا، والكل من المائعات، واللَّه تعالى أعلم. [20 - 20] طهارة الماء الملاقي لمحل طاهر: الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا طاهرًا ليس بنجس فإن الماء يبقى على طهوريته، هذا ما تبينه هذه المسألة. والمقصود هنا هو: أن الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا جامدًا طاهرًا، كالإناء والكأس والصخرة والتراب ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والماء الطاهر إذا لاقى محلًا طاهرًا؛ لم ينجس بالإجماع" (¬5). ونقل ابن قاسم هذه العبارة دون إشارة (¬6). العيني (855 هـ) حيث يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع: نوع طاهر بالإجماع كالمستعمل في غسل الأعيان الطاهرة. . . " (¬7). ¬
[21 - 21] طهورية الماء المستعمل من طاهر لغير قربة
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬1)، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: هذه المسألة من البدهيات التي تدرك بالعقل، فالماء لا يقدَّم أصلًا إلا في إناء طاهر، ولا يشرب إلا في كأس ونحو ذلك. ولو قلنا بتنجسه أو عدم طهارته لهذا السبب؛ لأصبح مناقضًا للعقل، وجالبًا لمشقة كبيرة. ويمكن أن يستدل أيضًا بالآية الكريمة: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن المشروع بنص الآية عدم العدول عن الماء في الوضوء، إلا بعدم وجوده، والماء الملاقي لمحل طاهرٍ هو طاهر في الأصل، ولاقى محلًّا طاهرًا، ولم يغيِّر فيه شيئًا، ولم يستخدم في رفع حدث، ولا إقامة قربة؛ فتنطبق عليه شروط الماء الطهور؛ فكان طهورًا.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [21 - 21] طهورية الماء المستعمَل من طاهرٍ لغير قُربة: الماء الطاهر إذا استعمله إنسان في غير رفع الحدث وإقامة القربة، فإن هذا الاستعمال لا يغير من حكم الماء في شيء. وهنا قيد مهم، وهو: أن يكون هذا المستعمِلُ للماء طاهرًا غير محدث، وإلا أصبح الكلام عن المسألة الخلافية المعروفة، وهي حكم الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل (¬3). وهناك قيد آخر، وهو أن يكون الماء قليلًا، فأما ما زاد عن ذلك، فغير داخل؛ حيث إنه لا ينجس (¬4). وعبارة (لغير قربة) في عنوان المسألة؛ لكي تُخْرج أمرين: 1 - الاستعمال لإزالة الحدث. 2 - الاستعمال لإقامة قربة، حتى ولو لم يكن وضوءًا كاملًا، كمن غسل يديه بعد الاستيقاظ بنية القربة. ¬
• من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولو توضأ أو اغتسل للتبرد؛ فإن كان محدثًا؛ صار الماء مستعملًا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود إزالة الحدث، وعن محمد لا يصير مستعملًا؛ لعدم إقامة القربة، وإن لم يكن محدثًا؛ لا يصير مستعملًا بالاتفاق، على اختلاف الأصول" (¬1). ويقول أيضًا: "فإن كان طاهرًا وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد؛ لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التبرد والتنظيف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). أبو بكر الحدادي الحنفي (800 هـ) حيث يقول: "وإذا توضأ الطاهر، ولم ينوها؛ لا يصير مستعملًا إجماعًا" (¬5). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ولو توضأ متوضئ للتبرد؛ لا يصير الماء مستعملًا بالإجماع" (¬6). ونقل ابن نجيم هذه العبارة دون إشارة (¬7). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول -في سياق كلام له-: "لأن الطاهر -أي الرجل- إذا انغمس لطلب الدلو، ولم يكن على أعضائه نجاسة، لا يصير الماء مستعملًا اتفاقًا؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (¬8). الرحيباني (1243 هـ) حيث يقول: "وكاستعمال الماء في تبرد وتنظف، فلا يصير الماء مستعملًا في ذلك، ولا يكره استعماله بعد ذلك اتفاقًا" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور ¬
[22 - 22] طهارة الندى الباقي على أعضاء المتطهر
عندهم (¬1)، والشافعية (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (¬4). • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء الطهارة؛ إلا أن يتغير، وهذا الماء طاهر، ولم يستعمل في رفع حدث أو إقامة قربة، أشبه الماء الطاهر الذي غسل به ثوب طاهر (¬5). • الخلاف في المسألة: نقل الحطاب رحمه اللَّه قولًا لأصبغ؛ بأنه يترك هذا الماء ويتيمم، فإن صلى به؛ أعاد أبدًا، وقال: "وسواء عنده توضأ به الأول محدثًا أو مجددًا، أو غسل به ثوبًا طاهرًا" (¬6). ونقل السرخسي عن الطحاوي رحمه اللَّه، بأنه قال: إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملًا. وعلق عليه بقوله: "وهذا غلط منه، إلا أن يكون تأويله؛ إن كان محدثًا فيزول الحدث باستعمال الماء، وإن كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملًا" (¬7).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، أما ما نقل عن أصبغ، فلم أجد من قال بقوله، ولم يتابعه أحد من المالكية أو غيرهم، فهو شذوذ منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 22] طهارة الندى الباقي على أعضاء المتطهر: الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، حكمه أنه طاهر، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (¬8). نقله عنه ابن حجر (¬9). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في معرض استدلاله لمن قال بطهورية الماء ¬
[23 - 23] طهارة ما قطر من أعضاء المتطهر على الثياب
المستعمل: "لأنه إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ به نجاسة؛ فهو ماء طاهر بإجماع" (¬1). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإن غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب بالاتفاق" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون أبدانهم بعدما يتوضؤون (¬7). • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من البدن؛ فلِمَ لم يفعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم وجوبه؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق في طهارة الندى الباقي على العضو؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 23] طهارة ما قطر من أعضاء المتطهر على الثياب: الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، الذي يقطر من العضو على الثوب طاهر، لا يؤثر في طهارة الثوب. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقى على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (¬8). نقله عنه ابن حجر (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية في رواية (¬10)، ¬
[24 - 24] الانتفاع بالماء المستعمل في غير الطهارة
والمالكية (¬1)، والحنابلة على المشهور (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون ثيابهم عندما يصيبهم أثر من الوضوء (¬4). • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من الثوب؛ فلِمَ لم يفعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم تأثره؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو حنيفة في رواية أبي يوسف والحسن بن زياد (¬5)، والحنابلة في رواية (¬6)، فقالوا: بنجاسة ما يقطر من العضو على الثوب (¬7). وأصل هذا القول؛ عند الحديث عن الماء المستعمل، ما حكمه؟ فهناك رواية لأبي حنيفة (¬8)، ورواية لأحمد (¬9) بأنه نجس، ومن ثم يجب غسله من البدن. بل هناك رواية عن أبي حنيفة، بأن الماء المستعمل مغلَّظ النجاسة (¬10)، فلا بد إذًا من غسلها، ما دامت مغلظة النجاسة. واستدلوا بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة" (¬11). قالوا: والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نهى عنهما جميعًا، أي أنه يدل على المساواة بينهما (¬12)، فالماء المستعمل في طهارة نجس.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [24 - 24] الانتفاع بالماء المستعمل في غير الطهارة: إذا كان لدى المسلم ماء مستعملًا في طهارة، وأراد أن يستعمله في شرب أو طبخ أو غيره، فإن ذلك جائز. ¬
• من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه الماء المستعمل -منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد ونحوها، مع جوازها به بالاتفاق" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية على القول بطهارة الماء المستعمل، وعلى القول بنجاسته نجاسةً خفيفةً (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: حيث إن الآية تدل على أن الأصل في الماء الطهورية، وهذا الماء لم يتغير بحيث أصبح لا يسمى ماء، فيبقى على أصله فيكون طاهرًا، ويجوز استعماله، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الأصل في استعمال الماء الإباحة، وهذا الماء المستعمل يشمله هذا الحكم، ولا يخرج من هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل يخرجه من هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: يقول الشوكاني رحمه اللَّه: "الإجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به -أي الماء المستعمل-" (¬6). وهذا الكلام يصادم كلام النووي السابق تمامًا، ولكن -واللَّه أعلم- أن الشوكاني رحمه اللَّه لا يقصد مسألتنا، بل يقصد مسألة الماء المستعمل في الطهارة. ويظهر أيضًا أنه لا يقصد الإجماع الاصطلاحي، بل يقصد العادة، حيث جرت عادة الناس جميعهم على عدم الاستفادة من الماء الذي يسقط من اليد مثلًا بعد الوضوء، ولا يقصد الإجماع الاصطلاحي، إذ الخلاف في هذه المسألة مشهور. وحتى نتأكد من ذلك؛ فالشوكاني ساق هذا الكلام في معرض الاستدلال لأبي حنيفة ومن معه على نجاسة الماء المستعمل، ثم أجاب على أدلتهم، وأجاب عن هذا الاستدلال بقوله: "وعن الثاني -أي الدليل الثاني- بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه، لا ¬
[25 - 25] عدم جواز الوضوء بالنبيذ المشتد
لنجاسته" (¬1)، وبهذا يتأكد ما قلناه، واللَّه تعالى أعلم. خالف أبو حنيفة في رواية الحسن (¬2)، فقال بعدم جواز الانتفاع بالماء المستعمل على كل حال. وذلك لأن الماء المستعمل نجس نجاسة غليظة، وهو لا يجوز استعماله لتنجيسه الطاهر (¬3). وقد قال الحنابلة بنجاسة المستعمل في رواية (¬4)، ونص عليه أحمد في ثوب المتطهر (¬5)، غير أنهم لم يذكروا تفصيلًا لهذه الرواية.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [25 - 25] عدم جواز الوضوء بالنبيذ المشتد: القول بجواز الوضوء بالنبيذ مشهور عن أبي حنيفة رحمه اللَّه، ولكن إذا اشتد النبيذ، فأصبح مسكرًا، فإنه يتفق مع الجماهير من العلماء، فيكون إجماعًا بعدم جواز الوضوء به. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "فإن كان النبيذ مطبوخًا مشتدًّا، فلا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الوضوء به، حتى جاز من أبي حنيفة" (¬6)، وهو يريد أن أبا حنيفة خرق الإجماع، ولكن الصورة التي ذكرها ابن العربي لم يخالف فيها أبو حنيفة، بدليل كلام البابرتي، والعيني الآتيان، وهما من كبار الحنفية. البابرتي (786 هـ) حيث يقول: "وما اشتد منها، وصار مرًّا؛ لا يجوز الوضوء به بالإجماع؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا" (¬7). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "ووجه احتجاج البخاري به (¬8) في هذا الباب (¬9)، ¬
[26 - 26] الطهارة المتيقنة للماء لا تزول بالشك
أن المسكر لا يحل شربه، وما لا يحل شربه؛ لا يجوز الوضوء به اتفاقًا" (¬1). العيني (855 هـ) حيث يقول في "شرحه للهداية": "وما اشتد منه صار حرامًا، لا يجوز التوضؤ به -أي لا يجوز الوضوء به- إجماعًا؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]. 2 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قيد الوضوء بالماء، فإن لم يوجد فالتيمم، ولم يقل: توضؤوا بأي مائع آخر؛ فدل على اشتراط كون المُتوضَأ به ماء، واللَّه تعالى أعلم. 3 - حديث أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْع والمِزْر، فقيل للراوي: وما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: "كل مسكر حرام" (¬5). • وجه الدلالة: حيث إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم النبيذ، وذكر قاعدة تشمل كل ما أسكر؛ فهو داخل في نفس الحكم، فإذا كان شربه حرامًا؛ فالوضوء به من باب أولى.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [26 - 26] الطهارة المتيقنة للماء لا تزول بالشك: إذا تيقن المسلم طهارة الماء، ولكنه شك في نجاسته، فإنه يتوضأ به، ولا يعتبر الشك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (¬6)، وهذه ¬
هي الصورة الأولى. القرافي (684 هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (¬1). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول عن البئر الذي سقطت فيه ميتة ولم يُعلم ذلك: "وإن لم يعلم فقد صار الماء مشكوكًا في طهارته ونجاسته، فإذا توضؤوا منها وهم متوضئون، أو غسلوا ثيابهم من غير نجاسة، فإنهم لا يعيدون إجماعًا؛ لأن الطهارة لا تبطل بالشك" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (¬4). • وجه الدلالة: حيث جعل الأصل عدم خروج شيء، ولا ينتقل منه إلا بيقين، وهو سماع الصوت، أو وجود الريح. وهذا يؤسس لقاعدة: اليقين لا يزول بالشك، التى هى من القواعد الخمس الكلية الكبرى (¬5). فالأصل إذًا أنه طاهر، ويبقى على هذا الأصل وهو الطهارة، حتى يثبت الضد، فيكون طاهرًا إذًا (¬6).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. * * * ¬
[27 - 27] الماء المتيقن نجاسته لا تزول بالشك
[27 - 27] الماء المتيقن نجاسته لا تزول بالشك: إذا تيقن المسلم نجاسة الماء، وشك في طهارتها، فإنه لا يتوضأ بهذا الماء. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "وإن تيقن نجاسته، وشك في طهارته، لم يتوضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (¬1)، وهذه الصورة الثانية. القرافي (684 هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - أن الأصل بقاء الماء على النجاسة المتيقنة، وأما الشك فلا عبرة به (¬5). 2 - أن الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها، ووجود الأخرى وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء، فيكون أيسر من الحديث وأكثر، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وهو أن الماء على نجاسته (¬6). وهذا الدليل يصلح للمسألتين الأولى والثانية، على حد سواء.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [28 - 28] طهورية الماء غير المتيقن طهارته ولا نجاسته: إذا لم يتيقن المسلم طهارة الماء ولا نجاسته، فإنه يتوضأ بهذا الماء، والأصل طهارته. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "وإن لم يتيقن طهارته، ولا نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (¬7)، وهذه الصورة ¬
[29 - 29] المشتبه عليه في طهور وغيره يتوضأ منهما ويصلي مرة
الثالثة. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والحنابلة (¬3). • مستند الاتفاق: أن الأصل طهارة الماء، ولا ينتقل منه إلا بدليل ولا يوجد، فتبقى المسألة على هذا الأصل (¬4) وقد جعل النووي هذه المسألة كالمسألة الأولى (¬5)، فالأصل الطهارة وهي المتيقنة، فلا ينتقل منها إلى غيرها إلا بناقل متيقن (¬6).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [29 - 29] المشتبَه عليه في طهور وغيره يتوضأ منهما ويصلي مرةً: إذا اشتبه على المسلم ماء طهور بماء غير مطهر، فإنه يتوضأ من كل واحد منهما وضوءًا، ويصلي صلاة واحدة. في العنوان (طاهر وغيره)، ولم أقل: ونجس، لأنه ليس مقصودًا، فلو كان كذلك لنجس أحدهما المتوضئ، ولكن المقصود طاهر غير مطهر (¬7). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإن اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته، توضأ من كل واحد منهما وضوءًا كاملًا، وصلى بالوضوءين صلاة واحدة، لا أعلم فيه خلافًا" (¬8). ونقله عنه البهوتي (¬9). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الشافعية (¬10). أما الحنفية، فلم أستطع الوصول إلى كلام لهم في المسألة، مع طول بحث. • مستند نفي الخلاف: أن من توضأ بالإناءين أمكنه أداء فرضه بيقين، من غير حرج فيه، كما لو كان الإناءان طهورين ولم يكفه أحدهما، فإنه يستعمل الآخر، فكذلك هنا (¬11). ¬
[30 - 30] المشتبه عليه بين إناءين ووجد طهورا توضأ به
• الخلاف في المسألة: إذا كان الماء الذي بطلت طهارته من قبيل الماء المستعمل، فلا شك في انتقاض المسألة به؛ حيث بينا فيما سبق مسألة طهارة الماء المستعمل، أن لأبي حنيفة وأحمد روايتين بأن الماء نجس إذا استعمل في الوضوء (¬1)، وهناك رواية لأبي حنيفة أيضًا بأن نجاسته نجاسة مغلظة في هذه الحالة (¬2). فإن كان أحد الماءين من هذا القبيل؛ فلا اتفاق في المسألة. وقد خالف المالكية في قول لهم في مسألة الباب (¬3)، فقالوا: يتوضأ وضوءين، ولكن يصلي صلاتين. واستدلوا بالقياس على من نسي صلاة من خمس، فإنه يؤديها كلها (¬4). وخالف المالكية في قول آخر (¬5)، فقالوا: يتحرى أحدهما فيتوضأ به. واستدلوا بالقياس على التحري في الصلاة عندما تشتبه عليه جهة القبلة (¬6). وخالف المالكية في قول آخر (¬7)، فقالوا: يتيمم ويتركها، ولا يتحرى. واستدلوا بالقياس على الأخت من الرضاع إذا اختلطت بأجنبية (¬8).Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 30] المشتبه عليه بين إناءين ووجد طهورًا توضأ به: إذا اشتبه على المسلم إناءان، ووجد آخر طهورًا، فإنه يلزمه التوضؤ بالطهور، ولا يجوز له التحري والاجتهاد، ولا التيمم. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "إذا لم يجد ماء غير الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورًا غيرهما توضأ به، ولم يجز التحري، ولا التيمم، بغير خلاف" (¬9). النووي (676 هـ) حيث يقول بعد ذكر صورة المسألة، وأن فيها وجهين لدى ¬
[31 - 31] طهارة الماء الذي دون القلتين بالمكاثرة
الشافعية: "واتفقوا على أنه إذا جوزنا التحري؛ استحب تركه، واستعمال الطاهر بيقين احتياطًا" (¬1). وهو يريد اتفاق الشافعية على الأظهر، ولكن ذكرته للاعتضاد فقط. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2). أما الحنفية، فلم أجد كلامًا لهم في المسألة. • مستند نفي الخلاف: 1 - أن اليقين متوفر، وهو الماء الطهور، ولا يجوز العدول عن اليقين إلى الظن. 2 - أن من عمل باليقين فقد أسقط الفرض بيقين، بخلاف العامل بالظن، فوجب إسقاط الفرض بيقين، وبطل الاجتهاد في المسألة (¬3). • الخلاف في المسألة: كلام النووي السابق ينقض كلام ابن قدامة، ولكن فيه اتفاق على أقل ما قيل في المسألة (¬4)، فكلاهما ينص على أن الوضوء من الماء الطاهر بيقين مستحب وأفضل، ولكن الخلاف في لزوم الوضوء به. فقد خالف في هذه المسألة الشافعية في الأصح عندهم، فقالوا: بجواز الاجتهاد في هذه الحال (¬5). واستدلوا بأن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كان يسمع أحدهم الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من صحابي آخر، فيعمل به، ولا يفيده إلا الظن، ولا يلزمه أن يأتي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيسمعه منه؛ فيحصل له العلم قطعًا (¬6).Rأن نفي الخلاف فى المسألة غير متحقق؛ لوجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 31] طهارة الماء الذي دون القلتين بالمكاثرة: إذا تنجس ماءٌ، وأراد المسلم تطهيره، فإنه يضيف إليه ماءً ليكاثره، حتى يبلغ به ¬
القلتين، ثم يصبح عندئذ طاهرًا (¬1). • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "أما المسألة الأولى، وهي إذا كاثره -أي الماء المضاف إليه- فبلغ قلتين، فيصير طاهرًا مطهرًا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرًا أو نجسًا، قليلًا أو كثيرًا" (¬2). المرداوي (885 هـ) حيث يقول شارحًا لمتن "المقنع": "قوله: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهَّره، إن لم يبق فيه تغير) وهذا بلا نزاع، إذا كان المتنجس بغير البول والعذرة، إلا ما قاله أبو بكر" (¬3). الحطاب (954 هـ) حيث يقول شارحًا لكلامٍ للماتن: "يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره، فلا يخلو: إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا، فالأول طهور باتفاق" (¬4). • مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وفي لفظ: "لم ينجس" (¬5). • وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والماء النجس إذا أضيف إليه ماء طاهر، فأصبح قلتين، وزال التغير منه؛ انطبق عليه الحديث؛ فيكون دليلًا على طهارته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة فى هذه المسألة في احتمال؛ بأنه يصبح طاهرًا لا طهورًا (¬6). واستدلوا: بأنه استعمل في إزالة النجاسة، فهو ماء مستعمل. وخالف أبو بكر الحنبلي، فقال: إذا انماعت النجاسة في الماء، فهو نجس لا يطهِّر، ولا يطهَّر (¬7). وهذا في حال كون الماء المضاف طاهرًا كثيرًا، والمنجِّس له غير البول والعذرة، كما عبر بذلك المرداوي فيما سبق. ¬
[32 - 32] الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه
أما إذا كان المنجس هو البول والعذرة، فقد اختلف الحنابلة فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يطهر إلا بإضافة ما لا يمكن نزحه، وهو أكثر من قلتين (¬1). الثاني: أنه لا يطهر إلا إذا بلغ المجموع ما لا يمكن نزحه (¬2). الثالث: أن يطهر بإضافة قلتين طهورين (¬3). وبحثت عن رأي الحنفية في ذلك؛ فلم أجدهم يذكرون سوى النزح للماء (¬4)، ولم يذكروا المكاثرة بعد طول بحث، ثم وجدت الكاساني أشار إليها إشارة سريعة، ونسبها إلى الشافعية، ورد عليهم بأنه فاسد (¬5). وهم يفرقون بين المنجس المائع وغيره، فالعذرة وخرء الدجاج -مثلًا- لا يطهر الماء بالنزح كاملًا، إذا كان بئرًا، وإلا فهو نجس (¬6).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، وظاهر من عبارة النووي أنها في المذهب، فلو كان المضاف نجسًا كما قال، لزاد الخلاف في المسألة، ولو كان المضاف قليلًا لزاد الخلاف أيضًا، فهو يذكر مذهب الشافعية فقط، وقد خالفهم في ذلك عدد من أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [32 - 32] الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه: إذا تنجس ماءٌ دون القلتين، فإنه لا يطهر بأخذ بعضه؛ لأنه ينقص عن القلتين التي لا تحمل الخبث. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: (وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه (¬7)، إلا بأخذ بعضه، فإنه لا يطهر؛ لأنه ينقص عن قلتين وفيه نجاسة)، قال: "هذا الذي قاله متفق عليه" (¬8). ¬
[33 - 33] التطهر بالماء المسخن جائز
• مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وفي لفظ: "لم ينجس" (¬1). • وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، هذا منطوقه، ويدل بمفهومه على أن الماء إذا قلَّ عن ذلك؛ فإنه يحمل الخبث، فإذا نزح منه؛ فبطريق الأولى أنه لا يطهر، وأنه يحمل الخبث (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية (¬3)، والحنابلة، فقالوا: يطهر بذلك (¬4). وأما الحنفية، فيقولون: لو سقطت فأرة فقط في بئر، فإنه لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوًا وجوبًا، فهم يطهرون الماء بالنزح، ولا يذكرون نقصه عن القلتين وزيادته (¬5).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل التي تؤكد أن النووي يستخدم عبارة: الاتفاق في المذهب، إلا أن تدل قرينة أو تصريح بأنه يريد الإجماع في الحكاية، واللَّه تعالى أعلم. [33 - 33] التطهر بالماء المسخن جائز: إذا كان الماء ساخنًا، وأراد المسلم الوضوء منه، فإن تسخينه له جائز. وقال الإمام الشافعي: "لأن الماء له طهارة النار، والنار لا تنجس الماء" (¬6). • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول عن أثر الوقود في الماء: "فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك، فلا يؤثر باتفاق العلماء" (¬7). ويقول أيضًا: "وأما إذا تيقن طهارته؛ فلا نزاع فيه" (¬8). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "وأما مسألة التطهر بالماء المسخن، فاتفقوا على جوازه إلا ما روي عن مجاهد" (¬9). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق: عمر، وابن عمر، وابن عباس، ¬
[34 - 34] الماء المسخن بالنجاسة
وسلمة بن الأكوع -رضي اللَّه عنهم-، والحسن (¬1)، والحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الاتفاق: 1 - أن الماء المسخن لا يخرج عن كونه ماءً مطلقًا، فيكون على الأصل، وهو كونه طهورًا (¬5). 2 - أن عمر -رضي اللَّه عنه-، أنه كان يتوضأ بالحميم (¬6)، ولا شك أن مكانة عمر معروفة، ولو كان تسخين أثر لبلغه من كثرة ملازمته للمصطفى عليه الصلاة والسلام. • الخلاف في المسألة: سبق ذكر مخالفة مجاهد، وأنه كره الوضوء بالماء المسخن (¬7)، ولم يُفصل هل الكراهة للتنزيه أو للتحريم. وقال ابن المنذر: "وليس لكراهيته لذلك معنى" (¬8). ولم أجد من تابعه في ذلك أبدًا، ولم أجد له دليلًا، إلا أن يقال: أن الماء المسخن جدًّا قد يعوق المتوضئ من إسباغ الوضوء.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، ومخالفة مجاهد لا تضر، إذ هي شذوذ، ولم يتابعه عليها أحد، واللَّه تعالى أعلم. [34 - 34] الماء المسخن بالنجاسة: إذا سخن الماء بنجاسة، ولكن لا يتحقق وصول شيء منها للماء، فإن الماء ليس بنجس بالاتفاق. وقد اختلف في هذه المسألة، من حيث الكراهة وعدمها (¬9)، ولكن هذه ليست مسألتنا. والمسخن بالنجاسة ثلاثة أقسام: 1 - أن يتحقق وصول شيء من النجاسة إلى الماء. ¬
[35 - 35] النهي عن غمس يد المستيقظ في الإناء قبل غسلها
2 - أن لا يتحقق وصول شيء منها، ولكن الحائل غير حصين. 3 - أن لا يتحقق وصول شيء منها، والحائل حصين (¬1)، وهذه مسألتنا. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأما المسخن بالنجاسة، فليس بنجس باتفاق الأئمة، إذا لم يحصل له ما ينجسه" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - أن الماء المطلق طهور، ما لم يتيقن أنه نجس، فالأصل في المياه أنها طهورة، ما لم يأت ناقل متيقن منه، وفي هذه المسألة لم يأت هذا الناقل؛ فنبقى على الأصل أن الماء طهور، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن النجاسة هنا قد استحالت، وأصبحت دخانًا، وهي كالميتة إذا أصبحت ملحًا أو ترابًا لا أثر لها (¬7).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولكن يأتي هنا الخلاف في المسألة السابقة المحكي عن مجاهد، فهو يكره الماء المسخن مطلقًا، وقد ذكرت هناك أنه شذوذ منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم. [35 - 35] النهي عن غمس يد المستيقظ في الإناء قبل غسلها: إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء، فإنه لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول عن فوائد حديث أبي هريرة الآتي بالمستند: "هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا، وهي النهي عن غمس ¬
اليد في الإناء قبل غسلها، وهذا مجمع عليه" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المستيقظ من النوم بغسل اليدين قبل إدخالها الإناء، والأمر يتضمن النهي عن مخالفته، فدل على النهي عن غمس اليد بالإناء قبل غسلها (¬7)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب الآنية
الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب الآنية [1 - 36] تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب: آنية الذهب والفضة جاءت النصوص في تحريم استعمالها في الأكل والشرب، وقد حكى الإجماع على التحريم عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) نقل الإجماع على تحريم الشرب، في آنية الذهب والفضة، إلا عن معاوية بن قرة (¬1). نقل ذلك عنه الشوكاني (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها -أي: آنية الذهب والفضة-" (¬3). وقال أيضًا: "واختلف العلماء في الشرب، في الإناء المفضض، بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب وغيره" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن استعمال أواني الذهب، أو الفضة في المأكول، والمشروب، والطيب منهي عنه" (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وحكى أصحابنا عن داود، أنه قال: إنما يحرم الشرب، دون الأكل والطهارة وغيرهما، وهذا الذي قاله غلط فاحش، ففي حديث حذيفة، وأم سلمة (¬7) من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب كما سبق، ¬
وهذان نصان في تحريم الأكل، وإجماعٌ من قَبل داود حجةٌ عليه" (¬1). وقال بعدها: "قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول الشافعي في القديم" (¬2). ونقله عنه الصنعاني (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام، على الزوجين الذكر والأنثى" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "فيحرم استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع" (¬7). الرملي (1004 هـ) حيث يقول: "فمن المحرّم؛ الإناءُ من ذهب وفضة بالإجماع، للذكر وغيره" (¬8). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على تحريم الأكل والشرب، في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالإجماع، وأما الأكل فأجازه داود" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬10)، وابن حزم (¬11). • مستند الإجماع: 1 - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (¬12). 2 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الذي يشرب في آنية الفضة، إنما ¬
يجرجر في جوفه نار جهنم" (¬1). • وجه الدلالة: النهي في الحديثين صريح، حيث قال: "لا تشربوا"، "ولا تأكلوا". • الخلاف في المسألة: تلخص لنا من البحث السابق، مخالفة ثلاثة من العلماء، هم: الأول: معاوية بن قرة، ولم يفصل قوله من نقله، غير أني وجدته في "المصنف"، أباح الشرب بإناء الفضة (¬2). الثاني: داود الظاهري، وقد نص من نقل خلافه، أنه يحرم الشرب فقط، ويبيح الأكل وغيره، وليس له في ذلك مستند، غير أن الشوكاني تعذر له، بأنه ربما لم يبلغه الحديث (¬3)، ولم يتابعه على هذا ابن حزم، بل لم يشر لهذا القول إطلاقا (¬4). الثالث: الشافعي في قول قديم، نسبه إليه العراقيون من أصحابه، ونفاه المحققون من الشافعية، إلا أنه محكي عنه، أنه يقول بالكراهة التنزيهية فقط (¬5).Rلا بد من تفصيل المسألة، فأما الشرب في آنية الذهب؛ فلم يثبت فيه خلاف، إلا ما حكي عن الشافعي في القديم، بأنه كراهة تنزيه. ومردود عليه بالوعيد الشديد في الأحاديث، وهو لا يكون إلا في المحرم تحريمًا شديدًا. وعلى أية حال، فقد رجع عنه، ولا يعتبر قولًا له، ما دام قد رجع عنه، ولم يتابعه عليه أصحابه، ولم يفرعوا عليه، كما قال النووي (¬6). وأما الشرب في آنية الفضة؛ فأجازه معاوية بن قرة، وخلافه هنا مصادم للنص مباشرة، وأما خلاف الشافعي؛ فسبقت مناقشته. وأما الأكل فيهما فخالف داود، وخلافه مصادم للنص، وذكر النووي أنه مخالف ¬
[2 - 37] تحريم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء
للإجماع، الذي وقع قبله، ولكن لم أجد من حكى الإجماع قبل داود، فهو متوفى في سنة مائتين وسبعين للهجرة، أي: قبل ابن المنذر، وكذلك الشافعي ومعاوية، ولذا فالأقرب أن يقال: إن المسألة تحقق فيها الإجماع بعد الخلاف، وهي مسألة أصولية معروفة، والأقرب أنه يكون حجة ظنية لا إجماعًا قطعيًا، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 37] تحريم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء: تحريم الأكل والشرب في آنية النقدين يشمل الرجل والمرأة، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن هذا التحريم -الاستعمال- في حق الرجال والنساء" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستوي في تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الرجال والنساء، وهذا لا خلاف فيه" (¬2). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام، على الزوجين الذكر والأنثى" (¬3). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "فيحرم استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع" (¬4). الرملي (1004 هـ) حيث يقول: "فمن المحرّم؛ الإناءُ من ذهب وفضة بالإجماع، للذكر وغيره" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تشربوا ¬
[3 - 38] تحريم استعمال الإناء المطلي إذا أمكن فصله
في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (¬1). 2 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم" (¬2). • وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث عامة، فلم تفرق بين الجنسين، والتخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل يستثني أحدهما، فتبقى عامة (¬3). 3 - أن السبب الذي حرم استعمال آنية الذهب والفضة لأجله موجود في الجنسين، فيكون الحكم شاملا لهما (¬4).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 38] تحريم استعمال الإناء المطلي إذا أمكن فصله: إذا طلي الإناء بالذهب أو الفضة، وأمكن فصل الذهب أو الفضة عن الإناء، فإن استعمال الإناء حرام عندئذ، وقد حكى الصنعاني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "واختلفوا في الإناء المطلي بهما، هل يلحق بهما -أي: إناءي الذهب والفضة- في التحريم أو لا؟ فقيل: إن كان يمكن فصلهما حرم إجماعا؛ لأنه مستعمل للذهب والفضة" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (¬10). ¬
[4 - 39] جواز استعمال الإناء المضبب
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم الأكل والشرب في إناءي الذهب والفضة، كما في هذا الحديث وغيره، والإناء المطلي بأحدهما فيه ذهب وفضة بلا شك، وإذا أمكن فصلهما عنه، فإن الفصل واجب، وإلا سيفضي إلى التساهل في النهي، وإلى التحايل عليه، فمُنِعَ الشرب والأكل إلا بالفصل سدًّا للذريعة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: الكلام في هذه المسألة من حيث الخلاف، يقال فيه ما قيل عن الخلاف في مسألة استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، وقد سبقت، ومن خالف هناك خالف هنا من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد زمن المخالفين المتقدمين، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 39] جواز استعمال الإناء المضبب: إذا كان لدى المسلم إناء مضبب بالذهب أو الفضة، فإنه يجوز له أن يشرب ويأكل فيه، وحكى الصنعاني الإجماع على ذلك. والمضبب هو: ما أصابه شق ونحوه، فيوضع عليه صفيحة تضمه وتحفظه، وتوسع الفقهاء في إطلاق الضبة على ما كان للزينة بلا شق ونحوه (¬1). • من نقل الإجماع: الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وأما الإناء المضبب بهما، فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية في قولٍ (¬4)، والشافعية في الذهب على طريقٍ لديهم، والفضة على قولٍ (¬5)، والحنابلة في قول، على أن تكون الضبة يسيرة، وأن تكون للحاجة (¬6). ¬
• مستند الإجماع: 1 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، "أن قدح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْب (¬1) سلسلة من فضة" (¬2). • وجه الدلالة: السنة الفعلية في الفضة، وأما الذهب، فبالقياس على الفضة، والأصل استواءهما في الأحكام إلا بدليل، فإن الأصل تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة، وما دام أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رخص في الضبة في الفضة والأصل المنع، دل على عدم جريان المنع في الضبة مطلقا، ومن خصص عليه الدليل، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن هذا القدر من الذهب أو الفضة الذي على الإناء، إنما هو تابع له، والعبرة للمتبوع دون التابع، فلا عبرة بالضبة ولا حكم لها (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في طريقٍ (¬4)، بتحريم الذهب قولًا واحدًا، لحاجة ولغيرها، وفي الفضة على قول (¬5). واستدلوا بأثر عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة (¬6)، والذهب من باب أولى. وخالف المالكية في قول (¬7)، والحنابلة في قول (¬8)؛ فقالوا: لا يجوز مطلقًا. واستدلوا بأن هذا فيه سرف وخيلاء، فأشبه الذهب والفضة الخالصة (¬9). وخالف الحنابلة في قول آخر (¬10)، فقالوا: لا يجوز إذا كان كثيرًا. وذلك لما فيه من الإسراف (¬11).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[5 - 40] جواز استعمال الأواني الثمينة بسبب صنعتها
[5 - 40] جواز استعمال الأواني الثمينة بسبب صنعتها: الأواني المصنوعة التي تكون نفيسة بصنعتها، لا بجوهرها؛ كالمصنوعة من الزجاج ونحوه، استعمالها جائز بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن الصباغ (477 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬1)، والشوكاني (¬2) حكايته الإجماع على جواز استعمال الأواني الثمينة بسبب صنعتها (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية على الصحيح (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - أن العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة غير موجودة في الآنية الثمينة بصنعتها؛ لأن هذه الآنية لا يعرفها إلا خواص الناس، فلا تنكسر قلوب الفقراء؛ لأنهم لا يعرفونها، فلذلك هي جائزة لعدم علة التحريم (¬8). 2 - أن الأصل جواز استعمالها، ولا دليل ينقلها عن هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال الشوكاني: "ولم يمنعها إلا من شذ" (¬9)، وهو يريد مسألة استعمال الجواهر النفيسة، ولكن مسألتنا في النفيسة بصنعتها، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الشافعية في مسألتنا، في وجه ضعيف، حكاه أحد الشافعية غلطًا (¬10)، فقال بتحريم استعمال هذه الأواني. ¬
[6 - 41] تحريم استعمال الإناء المأخوذ بغير حق
وغلطه النووي، وحكى عدم الخلاف بين الشافعية في جواز استعمالها (¬1)، ولم يتابعه أحد من العلماء فيما توصلت إليه من أقوالهم، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما وجه الشافعية فقد سبق الكلام عليه بأنه غلط، وليس قولًا في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 41] تحريم استعمال الإناء المأخوذ بغير حق: استعمال المسلم للإناء المغصوب، أو المأخوذ بغير حق في وضوئه أو غسله محرم، وعلى ذلك نفى ابن حزم الخلاف في التحريم بين أهل الإسلام. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "فكان من توضأ بماء مغصوب؛ أو أُخذ بغير حق؛ أو اغتسل به؛ أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء، وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (¬7). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وعرضه، وماله" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل مال المسلم على أخيه المسلم حرام، إلا أن ¬
[7 - 42] طهارة جلد ما يؤكل بالذكاة
يأخذه بحق، ومن ذلك التحريم؛ أخذه لإنائه بغير حق، فكان استعماله لهذا الإناء محرم بنهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬1).Rأن نفي الخلاف في المسألة متحقق؛ لعدم وجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 42] طهارة جلد ما يؤكل بالذكاة: إذا ذكي ما يؤكل لحمه، فإن جلده طاهر، يجوز استعماله والانتفاع به. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي؛ طاهر جائز استعماله، وبيعه" (¬2). النووي (676 هـ) في سياق كلام له: "أن الأديم إنما يطلق على جلد الغنم خاصة، وذلك يطهر بالذكاة بالإجماع" (¬3). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "والذكاة علة مطهرة إجماعًا" (¬4). البابرتي (786 هـ) حيث يقول: "وتحقيقه أن الجلد الطاهر ليس مما نحن فيه - أي: من الخلاف - بالاتفاق" (¬5). ابن عابدين (1252 هـ) حيث يقول: "فحل جلد المذكاة قبل الدباغ، وبعده، حيث كان من مأكول اللحم؛ متفق عليه" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]. إلى قوله: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الذكاة سببا فى الحل، والجلد جزء من البهيمة، فينتفع بها ما دام أنها مذكاة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[8 - 43] نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ
[8 - 43] نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ: البهيمة إذا ماتت دون ذكاة، فإنها تعتبر ميتة، وهي نجسة، وجلدها مثل ذلك، وهو قبل الدبغ نجس، لا يجوز استعماله. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) معلقًا على قول الماتن: "وكل جلد ميتة، دبغ أو لم يدبغ؛ فهو نجس" حيث يقول: "لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه" (¬1). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دبغه" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (¬7)، فدل على نجاسة الميتة، وجلدها جزء منها. 2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجد شاة ميتة أُعطيتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هلا انتفعتم بجلدها؟ ". قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها"، وفي لفظ: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" (¬8). 3 - حديث عبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنهما-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط حل الانتفاع بالإهاب -وهو الجلد قبل الدبغ- ¬
[9 - 44] تحريم استعمال وسلخ جلد الإنسان
بالدبغ، أما قبل الدبغ؛ فما زال حكم الميتة منطبقًا عليه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حُكي عن الزهري قول شاذ في هذه المسألة (¬1)، بعدم اشتراط الدباغ مطلقًا، بل يجوز استعمال الجلد في اليابس والرطب، دون دباغ، ولم يُذكر له دليل على ذلك، إلا أنه مبني على طهارة الميتة عنده واللَّه أعلم، وهو قول مخالف للأدلة الصريحة الدالة على نجاسة الميتة، والجلدُ منها، ولم يتابعه على ذلك أحد، فيما اطلعت عليه (¬2).Rأن نفي الخلاف في المسألة متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، إلا ما ذكر عن الزهري، وسبق التعليق عليه، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 44] تحريم استعمال وسلخ جلد الإنسان: اللَّه تعالى كرَّم بني آدم، وجعلهم أفضل الخلق، ولذلك يحرم استعمال جلدهم وسلخه، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الدارمي (448 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬3) قوله: "لا يختلف القول أن دباغ جلود بني آدم، واستعمالها حرام" (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن جلد الإنسان، لا يحل سلخه ولا استعماله" (¬5). ونقله عنه النووي (¬6)، وابن نجيم (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "اتفق أصحابنا على تحريمه -جلد الآدمي- وصرحوا بذلك في كتبهم، منهم إمام الحرمين، وخلائق" (¬8). ويقول أيضًا: "وأما جلد الآدمي، والثوب المتخذ من شعره؛ فيحرم استعماله باللبس وبغيره بالاتفاق" (¬9)، وعبارته وإن كانت في المذهب إلا أني ذكرتها للاعتضاد. ¬
[10 - 45] استحباب تغطية الإناء
المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "ويحرم استعمال جلد الآدمي إجماعًا" (¬1). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وأما الآدمي، فقد قال بعضهم: إن جلده لا يحتمل الدباغة حتى لو قبلها طهر؛ لأنه ليس بنجس العين، لكن لا يجوز الانتفاع به، ولا يجوز دبغه؛ احترامًا له، وعليه إجماع المسلمين كما نقله ابن حزم، وقال بعضهم: إن جلده لا يطهر بالدباغة أصلا؛ احترامًا له، فالقول بعدم طهارة جلده تعظيم له؛ حتى لا يتجرأ أحد على سلخه ودبغه واستعماله" (¬2). عليش (1299 هـ) حيث يقول: "وكذا جلد الآدمي إجماعًا -أي ويحرم- لشرفه، ووجوب دفنه، ولو كافرًا" (¬3). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)} [الإسراء: 70]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى كرم الإنسان وجعله من أفضل الخلق، ومن إكرامه أنه لا تجوز إهانته والعبث بجسده، وسلخ جلده واستعماله من إهانته التي حرمها اللَّه تعالى (¬4).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [10 - 45] استحباب تغطية الإناء: إذا كان لدى الإنسان إناء فيه ماء أو لبن، فإنه يستحب له أن يغطيه، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وهذا الحكم الذي ذكره (¬5)، وهو استحباب تغطية الإناء؛ متفق عليه، وسواء فيه إناء الماء، واللبن، وغيرهما" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، ¬
[11 - 46] عدم جواز الطهارة في جلد الخنزير
والحنابلة (¬1). • مستند الاتفاق: حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أَوْك سقاءك (¬2)، واذكر اسم اللَّه، وخمِّر إناءك، واذكر اسم اللَّه، ولو أن تعرض عليه شيئًا" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بتغطية الإناء، والأمر على أقل الأحوال للاستحباب، واللَّه تعالى أعلم (¬4).Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة (¬5)، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 46] عدم جواز الطهارة في جلد الخنزير: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإنه لا يجوز له أن يتوضأ في إناء نجس، مصنوع من جلد الخنزير، وعلى هذا حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) في سياق استدلاله على عدم طهارة جلود السباع بعد الدبغ: "ولا أعلم خلافا؛ أنه لا يتوضأ في جلد الخنزير، وإن دبغ، فلما كان الخنزير حرامًا، لا يحل أكله، وإن ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها، وإن ذكيت؛ كان حرامًا أن ينتفع بجلودها، وإن دبغت، وأن يتوضأ فيها؛ قياسًا على ما أجمعوا عليه من الخنزير، إذ كانت العلة واحدة" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية عدا أبا يوسف (¬7)، وقول ¬
عند المالكية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]. 2 - قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم أكل الخنزير لما فيه من النجاسة، وما يجلبه من الأمراض، وهذا يشمل جلده لأنه جزء منه. وفي الآية الثانية: وصف اللَّه تعالى الميتة، والدم المسفوح، والخنزير بأنها رجس، والرجس هو النجس (¬4)، وما دام أن الخنزير نجس؛ فجلده تبع له. • الخلاف في المسألة: خالف داود (¬5)، وابن حزم (¬6)، وأبو يوسف (¬7)، والمالكية في قول عندهم (¬8)، في هذه المسألة، حيث يقولون بطهارة جلد الخنزير إذا دبغ، ولا يفرقون بين ما يؤكل، وما لا يؤكل، ولا غير ذلك، فكل إهاب دبغ فقد طهر عندهم بلا استثناء. واستدلوا: بعموم حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (¬9)، ولم يستثن من هذا العموم شيئا (¬10). وهناك قول محكي عن الزهري، أنه يقول: بجواز الانتفاع بالجلود دون دبغ (¬11)، وهو قول شاذ لا دليل له.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة (¬12). ¬
[12 - 47] طهارة مأكول اللحم
[12 - 47] طهارة مأكول اللحم: كل ما يؤكل لحمه من الحيوانات فهو طاهر في ذاته، وقد نفى ابن حزم وجود الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وكل ما يؤكل لحمه؛ فلا خلاف في أنه طاهر" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند نفي الخلاف: قال اللَّه تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]. • وجه الدلالة: حيث إن كل مأكولِ اللحم حلالٍ هو طيب، فقد أحله اللَّه تعالى، والطيب لا يكون نجسا، بل هو طاهر (¬6).Rأن نفي الخلاف في المسألة متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والمسألة تعتبر من البدهيات، بل من الضروريات، فلو لم يكن المأكول طاهرًا فكيف سيتم حفظ النفس، التي لا تستطيع العيش إلا به (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 48] طهارة الخيل: كان عليه الصلاة والسلام يركب الخيل، وكذلك صحابته رضوان اللَّه تعالى عليهم، وهي طاهرة باتفاق الأئمة، كما نقله ابن تيمية. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "أما مقاود الخيل ورباطها؛ فطاهر باتفاق الأئمة؛ لأن الخيل طاهرة بالاتفاق" (¬8). ¬
[14 - 49] طهارة مقاود الخيل
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح ركوب الخيل لنا، ومن لوازم الانتفاع؛ أننا سنتأثر بها، ولم يذكر اللَّه تعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام أننا نتوضأ بعدها، أو أنها نجسة، مع اقتضاء الحاجة له، مما يدل على عدمه. 2 - أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، وسائر المسلمين بعدهم، يركبون الخيل والبغال والحمير في الجهادِ، والحجِ، وسائرِ الأسفار، ولا يكاد ينفك الراكب -في مثل ذلك- عن أن يصيبه شيء من عرقها، أو لعابها، وكانوا يصلون في ثيابهم التي ركبوا فيها، ولم يعدوا ثوبين؛ ثوبًا للركوب وثوبًا للصلاة، مما يؤكد أنهم لم يكونوا يتحرزون منها، مما يعني طهارتها (¬6).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 49] طهارة مقاود الخيل: المقاود: جمع مِقْود بالكسر، الرباط الذي تقاد به الخيل (¬7)، ومن المعلوم أن المقود والرباط الذي يكون في الخيل، لا بد أن يتأثر بشيء من لعاب الخيل، أو عرقها، ولكن حكى ابن تيمية الاتفاق على طهارة مقاود الخيل ورباطها. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "أما مقاود الخيل ورباطها؛ ¬
[15 - 50] طهارة الكبد والطحال
فطاهر باتفاق الأئمة؛ لأن الخيل طاهرة بالاتفاق" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح ركوب الخيل، وهو لا يكون غالبا إلا برباط ومقود، ولو كانت ليست طاهرة لنبَّه اللَّه تعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام، وما دام لم يبيّن فالأصل طهارته، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 50] طهارة الكبد والطحال: الكبد والطحال للحيوان المأكول طاهرة، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "فالدم هنا -يريد آية البقرة- يراد به المسفوح؛ لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وإنما قاس على الكبد والطحال؛ لأنهما طاهران بالإجماع" (¬7). المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "ومنها -في سياق ذكره للدماء الطاهرة- الكبد ¬
[15 - 51] طهارة المسك
والطحال، وهما وإن، ولا خلاف في طهارتهما" (¬1)، وهي عبارة مذهبية ذكرتها للاعتضاد. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال" (¬3). • وجه الدلالة: ظاهرةٌ من الحديث، فما دام أنهما أحلَّا لنا، فالله تعالى يحل الطيبات، ويحرم الخبائث؛ فهي طيبة طاهرة إذًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 51] طهارة المسك: المسك ريح طيب يحبه الناس، وهو طاهر بإجماع المسلمين، كما حكاه عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الباجي (474 هـ) -في سياق حديثه عن طهارة المسك-: "وقد أجمع المسلمون على طهارته" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "المسك طاهر بالإجماع" (¬5). ونقله عنه ابن حجر (¬6)، وابن عابدين (¬7)، وابن قاسم (¬8). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك، إلا ما حكي عن عمر من كراهته" (¬9). ¬
الحطّاب (954 هـ) حيث يقول عن المسك: "وحكي الإجماع على طهارته" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "أطيب الطيب المسك" (¬5). • وجه الدلالة: ظاهر من الحديث، فقد وصف المسك بالطيّب، وهو لا يكون إلا لطاهر. 2 - حديث أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها قالت: "كأني أنظر إلى وَبِيص (¬6) الطيب، في مفرق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو محرم" (¬7)، وفي لفظ: "المسك" (¬8). • وجه الدلالة: السنة الفعلية من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، مما يدل على طهارته، فقد استعمله، وهو في وقت عبادة، مما يدل على طهارته، وإلا لاجتنبه عليه الصلاة والسلام. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الضحاك، فقال: إنه دم وميتة، فهو نجس عنده (¬9). ونقل عن عمر -رضي اللَّه عنه-، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وعطاء (¬10)، والحسن (¬11)، كراهتهم له. ولكن قال ابن المنذر: "لا أحسبه يصح" (¬12)، يريد عن عمر، وقال عن مخالفة ¬
غيره: "ولا نعلم تصح كراهية ذلك إلا عن عطاء" (¬1). وقد أشار ابن حجر للخلاف في المسألة، ولم ينسبه لأحد في موضع (¬2)، وأشار إليه في موضع آخر، وقال: "هو منقول عن الحسن، وعطاء، وغيرهما"، ثم قال بعد ذلك: "ثم انقرض هذا الخلاف، واستقر الإجماع على طهارة المسك، وجواز بيعه" (¬3). وفي موضع ثالث؛ حكى الإجماع فيه كما سبق، ثم نقل حكاية كراهته عن عمر (¬4). وقد حكى ابن عابدين قولا بعدم طهارته، معللا له بأن المسك من دابة حية، ولكنه لم يذكر صاحب القول، وعلق عليه بقوله: "وهذا القول لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه" (¬5). ونقل الحطاب عن المازري، أنه حكى عن طائفةٍ قولا بنجاسته، ولم يعلق عليه (¬6)، مع أنه نقل حكاية الإجماع على طهارته (¬7). ولم أجد خلافًا لدى الحنابلة في المسألة، ولكن أشكل عليَّ أن المرداوي نقل عن ابن مفلح، ما يوحي بوجود احتمال للحنابلة في المسألة. فبعد أن ذكر طهارة المسك، ولم يشر لخلاف فيه، وأشار بعدها إلى الخلاف في فأرته، قال: "قال في "الفروع": ويحتمل نجاسة المسك؛ لأنه جزء من حيوان، لكنه ينفصل بطبعه" (¬8). ولكن عندما راجعت الفروع، وجدت عبارته كالآتي: "فصل، ودود القز، والمسك، وفأرته طاهر. وقال الأزجي: فأرته طاهرة، ويحتمل نجاستها؛ لأنه جزء من حيوان حي، لكنه ينفصل بطبعه؛ كالجنين" (¬9). والكلام هنا يحتمل أمرين: الأول: أن قوله: "يحتمل نجاستها" راجع إلى الفأرة، حيث لم يشر للمسك، ¬
وتحدث بصيغة التأنيث، والمسك مذكّر، وهذا هو الأظهر، وهو الذي يتوافق مع سائر كلام الحنابلة (¬1)، ولكن يشكل عليه الآتي. الثاني: أن قولَه راجعٌ إلى المسك، كما نقل المرداوي، ويدل له أنه قال: "لأنه جزء"، ولم يقل: "لأنها"، والمرداوي إمام في المذهب ويبعد أن يفوت عليه مثل هذا. ولكن الأظهر أن المرداوي وهم في ذلك، لأن هذا الاحتمال لم يذكره غيره، ولم يُذكر له قائل، واللَّه تعالى أعلم. هذا ويمكن أن يستدل لهذا القول: بأن أصله دم، والدم نجس، وهو جزء منفصل من حيوان حي؛ فهو كالميتة.Rأن الإجماع غير متحقق، فمما سبق؛ يتبين أن الخلاف في المسألة موجود، وإن كان خلافًا ضعيفًا؛ فالإجماع لا يتحقق مع وجود المخالف، أما ما ذكره ابن حجر من أن الخلاف انقرض، وأن الإجماع استقر بعده؛ فالجواب عليه من وجهين: الأول: أن هذه مسألة أصولية مشهورة، وهي: ما إذا اختلف علماء عصر متقدم، في مسألة ما، ثم اتفق علماء عصر متأخر، في نفس المسألة؛ فهل يعتبر اتفاقهم إجماعًا شرعيًّا أو لا؟ اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين؛ بالاعتبار، وعدمه (¬2). ويكفي أنها مسألة خلافية، فمن العلماء من لا ينظر إلى المسألة من الأصل، ولا يعتبره إجماعًا، فلا يعتد بإجماع كهذا، ما دام أنه يوجد من لا يعتبره، ولكن يمكن أن يكون حجة أو دليلًا لمن يرى ذلك. الثاني: من خلال ما سبق عرضه، فيما ورد من خلافٍ في المسألة؛ يتبين أن الخلاف انتشر، والقائلون به ليسوا قلةً، وهذا يكفي في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[16 - 52] جواز البول في الآنية
[16 - 52] جواز البول في الآنية: إذا أراد المسلم أن ينام، وأعد له آنية للبول فيها، فإن ذلك جائز، وقد نفى الشوكاني علمه بالخلاف في هذه المسألة. • من نقل نفي الخلاف: الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬1) يدل على جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا" (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لعبارة البهوتي: "ويكره أيضًا بوله في إناء بلا حاجة"، قال: "لا خلاف في جوازه" (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية على الأظهر، فلم يذكروا هذا في الحديث عن المكروهات عند التبول (¬4)، والمالكية على الأظهر، حيث لم يذكوا المسألة، إلا أنهم ذكروا كراهة ذلك في الأواني النفيسة، وسكتوا على ذلك (¬5)، مما قد يدل على عدم كراهة ذلك في الأواني العادية، وصرح الشافعية بالجواز (¬6)، والحنابلة في قولٍ لهم (¬7)، ولم يذكر ابنُ قدامة غيرَه بقوله: "لا بأس"، ولم يشر إلى اختلاف الأصحاب (¬8). • مستند نفي الخلاف: حديث أميمة بنت رقيقة عن أمها -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قدح من عيدان (¬9)، تحت سريره، يبول فيه بالليل" (¬10). ¬
• وجه الدلالة: حيث فيه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه دلالة على الجواز (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في الصحيح من مذهبهم، فقالوا بكراهة البول في الإناء من غير حاجة (¬2). ولم أجد لهم دليلًا، ولكن ربما خوفًا من انتشار البول على صاحبه، ككراهة البول في الأرض الصلبة، أو لتنجيس الإناء بعده، واللَّه تعالى أعلم. ولكن القول بالكراهة لا ينافي الجواز، فلا يعتبر ناقضًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء
الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء [1 - 53] استحباب قول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عند دخول الخلاء: الخُبُث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، وهم ذكران الجن وإناثهم (¬1). وإذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يقول ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا لحديث أنس الآتي في المستند: "وقوله: (إذا دخل الخلاء) أي: إذا أراد دخوله، وكذا جاء مصرحًا به في رواية للبخاري، وهذا الذكر مجمع على استحبابه، وسواء فيه البناء والصحراء" (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن هذا الذكر: "وهذا الذكر مجمع على استحبابه" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (¬7). • وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألة الباب بالمطابقة، ففيه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لها، وهي سنة فعلية (¬8).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[2 - 54] كراهة الكلام عند التخلي
[2 - 54] كراهة الكلام عند التخلي: إذا كان الرجل في الخلاء، فإنه يكره له الكلام أثناءه، حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف، من كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه" (¬1). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬2) دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل فيه التحريم، وتعليله بمقت اللَّه عليه، أي: شدة بغضه لفاعل ذلك؛ زيادة في بيان التحريم، ولكنه ادعى في "البحر" (¬3): أنه لا يحرم إجماعًا، وأن النهي للكراهة، فإن صح الإجماع، وإلا فإن الأصل هو التحريم" (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة، الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، فإن صلح الإجماع؛ صلح للصرف، عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "أن رجلا مر ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه" (¬9). 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يخرج ¬
[3 - 55] مشروعية الاستنجاء بالماء
الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن اللَّه يمقت على ذلك" (¬1). • وجه الدلالة: في الحديث الأول: سلم الرجل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يرد عليه، ولم يتحدث معه، مما يدل على الكراهه للكلام وقت التخلي، والكراهة مأخوذة من مجرد الفعل، إذ هي غاية ما يدل عليه الفعل. أما الحديث الثاني: فقد ذكر عليه الصلاة والسلام أن من يتخلى، ويتحدث، ممقوت عند اللَّه تعالى، وهذا يدل على التحريم، لا الكراهة فحسب. ولكن يجاب عن ذلك بأن الحديث قيَّد المقت بأمرين إذا هما اجتمعا، وهما: كشف العورة لبعضهما، والتحدث لبعض. فإذا الفعل بعض موجبات المقت فهو مكروه (¬2)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 55] مشروعية الاستنجاء بالماء: إذا تخلى المسلم، فإنه يسن له أن يستنجي بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "قال اللَّه تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] فجاء النص والإجماع بأنه غسل الفرج والدبر بالماء" (¬3). العيني (855 هـ) حيث يقول معددًا سنن الوضوء، وذكر منها: "والاستنجاء بالماء، وهو كان أدبًا في عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصار سنة بعد عصره بإجماع الصحابة كالتراويح" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5)، . . . . . . . ¬
[4 - 56] جواز الاستجمار بالأحجار
والشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (¬3). • وجه الدلالة: أن أنسًا ذكر من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يستنجي بالماء، وهذا يكفي في إثبات المشروعية. • الخلاف في المسألة: نُقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استنجى بالماء. نقله الحطاب المالكي في "المواهب"، وقال: "قلت: وهذان النقلان غريبان، والمنقول عن ابن حبيب، أنه منع الاستجمار مع وجود الماء، بل لا أعرفهما في المذهب" (¬4). وقوى كونهما يقصدان الماء العذب (¬5). وهذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء (¬6). واستدلوا بكون هذا الفعل، غير موجود في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أنهم محجوجون بالأحاديث الصريحة الصحيحة في ذلك.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف من الصحابة والتابعين في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 56] جواز الاستجمار بالأحجار: إذا دخل الإنسان الخلاء، وتغوط، فإنه يشرع له أن يستجمر بالحجارة، وهذا على وجه العموم، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء ¬
بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أيضًا على أن الحجارة تزيلها - النجاسة - من المخرجين" (¬3). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع" (¬6). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "قال في "البحر" (¬7): والاستجمار مشروع إجماعًا" (¬8). ابن عابدين (1252 هـ) حيث يقول: "ولنا أن القليل عفو إجماعًا؛ إذ الاستنجاء بالحجر كاف بالإجماع" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه-، قال: "أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار" (¬11). ¬
[5 - 57] مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء
• وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بأن يأتيه بثلاثة أحجار، وهذا تشريع منه عليه الصلاة والسلام، فدل على أن هذا العمل مشروع. 2 - حديث سلمان -رضي اللَّه عنه-، قال: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (¬1). • وجه الدلالة: ظاهر من أمره عليه الصلاة والسلام بعدم الاكتفاء بدون ثلاثة أحجار، مما يدل على المشروعية وزيادة.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 57] مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء: إذا أراد الإنسان تطهير المحل، فإنه يشرع له أن يستجمر، ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حكى الكاساني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) بعد ذكره فعل الصحابة، أنهم أصبحوا يتبعون الحجارة الماء حيث يقول: "ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة، كالتراويح" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]. • وجه الدلالة: أنه لما نزلت هذه الآية في أهل قباء، سألهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شأنهم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء (¬6)، فقد ذكروا أن فعلهم الذي أثنى اللَّه تعالى عليهم به هو الجمع بين الاستجمار والاستنجاء (¬7). ¬
[6 - 58] الاستجمار بغير الحجارة
2 - أن الحجر يزيل عين النجاسة؛ فلا تصيبها يده، ثم يأتي بالماء فيطهر المحل، فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن (¬1). • الخلاف في المسألة: يأتي هنا الخلاف السابق في مسألة مشروعية الاستنجاء بالماء، ومن خالف هناك يخالف هنا بالتبع.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف المعتبر، وعلى هذا، لا يتحقق إجماع في هذه المسألة، حيث يوجد من قال بعدم شرعية الاستنجاء بالماء أصلًا، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 58] الاستجمار بغير الحجارة: إذا أراد المسلم الاستجمار، فإن استعماله للطاهر المنقي جائز، ما لم يكن طعامًا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية في قول (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة على المذهب (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - حديث سلمان -رضي اللَّه عنه-، قال: "لقد نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم" (¬7). 2 - حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتمسح بعظم أو ببعر" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد خص في هذين الحديثين هذه الأشياء؛ فيدل بمفهوم المخالفة أن ما عدا المستثنى في النصوص غير داخل في الحكم معها، بل ¬
[7 - 59] جواز الاستجمار مع وجود الماء
يجوز الاستجمار بها. 3 - أن العبرة بتنقية المحل، وأن لا يكون المنقي شيئا محترمًا، ولا نجسًا، فإذا لم يكن هذا، ولا ذاك، وكان منقيًا للمحل؛ فلا مانع من استِخدامه. • الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذه الدعوى بأن الخلاف في المسألة معروف، وأن هناك روايتين معروفتين عن أحمد (¬1)، إحداهما بأن الاستجمار بغير الحجارة لا يجزئ (¬2). ولم أجد لهم دليلًا، وقد يستدل لهذا القول بأن الوارد في النصوص، إنما هو مقتصر على ذكر الحجارة فقط؛ فيقتصر عليه. وقد وجدته قولًا للمالكية أيضًا، ونقله الحطاب عن داود، وأصبغ (¬3). وقد عللوا ذلك: بأن الاستنجاء بالأحجار رخصة؛ فيجب الاقتصار عليها (¬4).Rأن الاتفاق غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 59] جواز الاستجمار مع وجود الماء: إذا أراد الإنسان تنقية المحل، فإنه يجوز له أن يستجمر مع وجود الماء، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الجصاص (370 هـ) حيث يقول: "اتفاق الجميع على جواز صلاة المستنجي بالأحجار مع وجود الماء، وعدم الضرورة، في العدول عنه إلى الأحجار" (¬5). الباجي (474 هـ) حيث يقول: "وجميع الفقهاء على أن الاستجمار يجزي مع وجود الماء، وقال ابن حبيب: ليس الاستجمار يجزي؛ إلا مع عدم الماء، ولعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وإلا فهو خلاف الإجماع، فيما علمناه" (¬6). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء ¬
بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-" (¬2). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬4). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "تجزئ عنه"، ولم يفصل بوجود الماء، أو مع عدمه، وترك التفصيل في المقال، ينزل منزلة العموم في المقال، كما يقول الأصوليون، فيكون دليلًا على إجزاء الاستجمار، مع وجود الماء. • الخلاف في المسألة: نقل الخلاف في هذه المسألة، عن بعض المالكية منهم ابن حبيب، أنهم يقولون بأنه لا يجوز الاستجمار؛ إلا مع عدم الماء (¬6). ولكن بعد طول بحث، لم أجده ذكر عن غير ابن حبيب، بل لم ينص أحد من المالكية في هذا القول بأنه قول البعض، بل ينسبونه إلى ابن حبيب فقط، هذا فيما اطلعت عليه، ورأيته عند غيرهم ينسب إلى بعض المالكية (¬7)، بل حاول الباجي تأويل قوله؛ بأنه لعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وجعله خلاف الإجماع (¬8). ¬
[8 - 60] الاستنجاء بالماء أطيب
Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، إلا أن يعلم مخالفون غير ابن حبيب، أما خلاف ابن حبيب، فقد أوله البعض، ولم يتابعه عليه أحد، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 60] الاستنجاء بالماء أطيب: إذا تخلى الإنسان، فإن الأفضل له أن يستنجي بالماء، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وعليه العمل عند أهل العلم؛ يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الثوري، وابن المبارك؛ وإسحاق (¬3)، والحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يستنجي بالماء مع وجود الأحجار وتوفرها، فدل على أنه أطيب. 2 - أن الاستنجاء بالماء يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف والإنقاء (¬8). • الخلاف في المسألة: سبق نقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استنجى بالماء. ¬
[9 - 61] جواز الاستجمار في السفر والحضر
وسبقت مناقشة ذلك (¬1). وأن هذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والحسن (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 61] جواز الاستجمار في السفر والحضر: إذا أراد المتخلي الاستجمار، فإنه يباح له ذلك في الحضر والسفر، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: أن جميع النصوص الواردة (¬7) في الاستجمار عامة، ولم تقيد السفر دون الحضر، فتبقى على عمومها حتى يأتي مخصص، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 62] عدم وجوب الاستنجاء من النوم: إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء، فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب ¬
الاستنجاء من النوم والريح (¬1). نقله عنه البجيرمي (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول -بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (¬3). ونقله ابن قاسم (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (¬5). المتولي (478 هـ) حيث نقل عنه الشربيني (¬6) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح". ونقله عنه أيضًا الرملي (¬7)، والجمل (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ}، فأمر بالوضوء مباشرة، ولم يأمر بالاستنجاء، فدل على أنه لا يجب في كل الحالات، فإذا لم يكن موجب له فلا يجب، كما في مسألتنا. 2 - أن الوجوب من الشرع، ولم يرد بالاستنجاء هنا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ها هنا (¬11). • الخلاف في المسألة: قال النووي حيث يقول: "وحُكي عن قوم من الشيعة أنه يجب، والشيعة لا يعتد بخلافهم" (¬12). ¬
[11 - 63] عدم وجوب الاستنجاء من الريح
وهو قولٌ عند الحنابلة (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 63] عدم وجوب الاستنجاء من الريح: إذا خرج من المسلم ريحٌ، وأراد الوضوء، فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح (¬2). نقله عنه البجيرمي (¬3). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول -بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (¬5). المتولي (478 هـ) حيث نقل عنه الشربيني (¬6) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح". ونقله عنه أيضًا الرملي (¬7)، والجمل (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10). • مستند الإجماع: يستند في هذه المسألة بما استند عليه في المسألة السابقة. • الخلاف في المسألة: الخلاف المذكور في النوم يندرج هنا، وما قيل هناك يقال في ¬
[12 - 64] الحجر ذو الثلاثة أحرف يجزئ في الاستجمار
مسألتنا (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 64] الحجر ذو الثلاثة أحرف يجزئ في الاستجمار: إذا استجمر المتخلِّي بحجر له ثلاثة أحرف، فإن ذلك جائز له، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الفرغاني (593 هـ) حيث يقول: "فإنه لو استنجى بحجر، له ثلاثة أحرف؛ جاز بالإجماع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور (¬3)، والشافعية على الصحيح (¬4)، والحنابلة في المشهور (¬5). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالاستطابة بثلاثة أحجار، والمقصود هنا عدد المسحات، وليس عدد الممسوح به، ولا فرق بين أن يمسح بثلاثة أحجار، أو أن يمسح بحجر كبير، له ثلاثة أحرف (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬8)، والشافعية في وجه شاذ (¬9)، ونقل عن أبي إسحاق إبراهيم بن جابر (¬10)، والحنابلة في رواية (¬11). ¬
[13 - 65] الاستنجاء بماء زمزم مجزئ
واستدلوا (¬1) بقوله عليه السلام: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 65] الاستنجاء بماء زمزم مجزئ: إذا استنجى المتخلي بماء زمزم، فإن ذلك يجزئه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "ثم لو استنجى به -ماء زمزم- مع حرمته أجزأه إجماعًا" (¬3). ونقله النووي (¬4)، وزكريا الأنصاري (¬5). البجيرمي (1221 هـ) حيث يقول: "ولو من ماء زمزم، ويجزئ إجماعا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ماء زمزم أنها "طعام طعم" (¬10). 2 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ماء زمزم لما شُرب له" (¬11). • وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث وغيرها، تدل على بركة هذا الماء، وينبغي أن يشرف ويكرم عن استخدامه في الرذائل. ولكن إذا استخدم في الاستنجاء، لا يعني هذا أنه لا يجزئ، فهو ماء. وقد قال تبارك وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. ¬
[14 - 66] تحريم استقبال القبلة بالتخلي واستدبارها
فالأصل في الماء أنه طهور، مطهر لغيره، وأحق ما يكون ذلك في ماء زمزم. • الخلاف في المسألة: هناك مسألة خلافية، وهي حكم إزالة النجاسة بماء زمزم، اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، بين الإباحة والكراهة والتحريم (¬1). ولكن هذه ليست مسألتنا، حيث تتحدث عن الإجزاء وعدمه. وهنا إشكال! وهو: أن من قال بالتحريم، أليس معنى ذلك؛ أنه غير مجزئ؟ هذا محل نظر (¬2)، ولكن بعد البحث، وجدت أن ممن قال بالحرمة؛ نص على الإجزاء، فليس بلازم هذا الإلزام (¬3). وبعد التأمل والبحث مزيدًا، وجدت أن ممن قال بالتحريم - وهو ابن شعبان من المالكية - نُقل عنه تعليله لهذا القول بأنه مطعوم (¬4)، والمطعوم لا يجزئ الاستنجاء به، في قولٍ للعلماء (¬5)، وبالتالي فهو غير مجزئ. ولكن أنكر الحطاب كونه علل بهذا التعليل، ونقل عنه نقلًا، يفيد أنه يعلل بتكريم هذا الماء المبارك فقط (¬6).Rأن الإجماع متحقق، لعدم التأكد من وجود المخالف المعتبر، حيث من خلال ما سبق لم يثبت مخالفة أحد من العلماء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 66] تحريم استقبال القبلة بالتخلي واستدبارها: إذا أراد المسلم التخلي، فإنه يحرم عليه أن يستقبل القبلة بغائط أو بول، ولا يستدبرها (¬7). • من نقل الإجماع: ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ويحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة"، قال: "إجماعًا" (¬8). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع مجاهد، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز (¬1)، والحنفية في الاستقبال، وفي الاستدبار على رواية (¬2) (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" (¬6). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى في الحديثين عن استقبال القبلة واستدبارها بقضاء الحاجة، وهذا يدل على التحريم (¬8)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عائشة (¬9)، وابن عمر فيما رُوي عنهما، وعروة بن الزبير، وداود بن علي (¬10)، وربيعة (¬11)، فقالوا: يجوز استقبال القبلة واستدبارها. وهي رواية عن أحمد (¬12). واستدلوا (¬13) بحديث ابن عمر، وفيه: "رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة" (¬14). وخالف الحنفية في رواية (¬15)، بأنه يجوز الاستدبار دون الاستقبال. ¬
[15 - 67] عدم تحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي
واستدلوا (¬1) بحديث ابن عمر السابق (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [15 - 67] عدم تحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي: إذا أراد المسلم أن يتخلى، فإن استقباله لبيت المقدس بالتخلى ليس حرامًا، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الخطابي (388 هـ) حيث نقل عنه الشوكاني (¬3) حكايته الإجماع في هذه المسألة (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول -في معرض حديثه عن حديث النهي عن استقبال بيت المقدس بالتخلي (¬5) -: "فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه -أي: النهي-؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم من يعتد به حرّمه" (¬6). ونقله عنه الرملي (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] • وجه الدلالة: حيث نسخ في هذه الآية كون بيت المقدس قبلة للمسلمين، ولهذا لا يكره استقباله بالتخلي؛ لكونه ليس قبلة (¬11). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة عدد من أهل العلم، وقالوا: بتحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي، منهم إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والزهري (¬12)، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة (¬13). ¬
[16 - 68] جواز التخلي فيما عدا المسجد
واستدلوا بحديث معقل بن أبي معقل الأسدي -رضي اللَّه عنه-، قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط" (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 68] جواز التخلي فيما عدا المسجد: قضاء الحاجة في المسجد لا يجوز، ولا إشكال في ذلك، وأما ما عدا ذلك من المواطن؛ فالأصل فيها أنه يجوز، ولكن بدون الإخلال بالضوابط الأخرى. فمثلا؛ لا يجوز أن يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم، أو أماكن جلوسهم، أو في الماء الراكد، وسبق الحديث عنه في مسألة سابقة، وهكذا مما يؤذي الناس ويضر بهم. أما ما عدا ذلك فإنه يجوز التخلي فيه. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وإلا فقد جاء النص والإجماع، بأن البول والغائط جائز، فيما عدا المسجد" (¬2). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على هذه المسألة، وذلك لأنها أمر بدهي، ولكن هم يشيرون لها عندما يتحدثون عن الأماكن التي يكره التخلي فيها، فمعناه أن غيرها يجوز التخلي فيها. وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خذ الإداوة"، فأخذتها فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته (¬7). ¬
[17 - 69] النهي عن الاستنجاء باليمين
• وجه الدلالة: في هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشابهة، يذكر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في قضاء حاجته، ولم يذكروا عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يفرق بين مكان وآخر في الحكم، سوى الأماكن المقدسة، أو التي يكون في التخلي فيها ضرر على الناس؛ فدل ذلك على أن التخلي في أي مكان يجوز، بالضوابط والآداب المعروفة. 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (¬1). • وجه الدلالة: إن الحديث استثنى بعض الأماكن، التي يردها الناس وينتفعون بها، فدل ذلك بمفهومه على إباحة ما دون ذلك.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 69] النهي عن الاستنجاء باليمين: الاستنجاء باليمين منهي عنه في النصوص الصريحة، وقد نقل الإجماعَ فيه بعضُ العلماء، والمقصود الإجماع على أنه منهي عنه، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ كرهوا الاستنجاء باليمين" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب، لا نهي تحريم" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، ¬
[18 - 70] تحريم مباشرة الاستنجاء باليد وعدم إجزائه
والحنابلة (¬1)، وابن حزم (¬2). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (¬3). 2 - حديث سلمان الفارسي -رضي اللَّه عنه-، قال: "نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستنجي باليمين" (¬4). • وجه الدلالة: الحديث صريح بدلالة المطابقة على مسألة الباب.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 70] تحريم مباشرة الاستنجاء باليد وعدم إجزائه: إذا أراد المتخلي تنظيف المحل، فإنه يحرم عليه أن يباشره بيده مباشرة، ولا يجزئه ذلك لو فعله. • من نقل الإجماع: ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "ومحل الاختلاف -أي: الاختلاف في النهي الوارد للكراهة أو للتنزيه- حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة؛ فحرامٌ، غير مجزئ، بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى" (¬5). ونقل الصنعاني كلام ابن حجر السابق، ولكن بلفظ آخر، فقال حيث يقول: "أما لو باشر بيده فإنه حرام إجماعًا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على المسألة بصراحة غير الحنابلة، وابن حزم، أما غيرهم، فيستنبط من كلامهم الموافقة بلا ريب. وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). ¬
[19 - 71] كراهة التخلي في مساقط الثمار
• مستند الإجماع: 1 - حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الخلاء؛ فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (¬1). • وجه الدلالة: أن النهي في الحديث السابق متوجه إلى الاستنجاء باليمين، وذلك مفهوم من عرف الناس؛ أنهم لا يستنجون باليد، دون ماء أو حجر، فإذا كان من دونهما؛ فمن باب أولى. 2 - أن في الاستنجاء باليد مباشرة انتقال للنجاسة، من مكان لآخر، من دون أن يطهر أحدهما الآخر، فلا فائدة إذًا من هذا الاستنجاء.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 71] كراهة التخلي في مساقط الثمار: إذا أراد الإنسان التخلي، فإنه يكره له أن يتخلى في مساقط الثمار، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) شارحًا لقول الماتن: "ويكره أن يبول في مساقط الثمار"، حيث يقول: "هذا الذي ذكره متفق عليه، ولا فرق بين الشجر المباح والذي يملكه، ولا بين وقت الثمر وغير وقته؛ لأن الموضع يصير نجسًا، فمتى وقع الثمر تنجس، وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا، وتنبيها للأدنى على الأعلى" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (¬6). ¬
[20 - 72] استحباب البول في موضع لين
2 - حديث معاذ -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" (¬1). • وجه الدلالة: حيث ورد اللعن في الحديث على فاعل ذلك، وسواء كان اللعن من باب الإخبار عن حال الناس، أو لعن من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فهو يكفي في كون هذا الفعل منهيًا عنه. • الخلاف في المسألة: الحديث فيه ما يدل على التحريم، حيث فيه ذكر اللعن، وهو لا يكون إلا على الكبائر المحرمات (¬2). وهو قول عند الشافعية (¬3)، ووجه عند الحنابلة (¬4). ولكن هذا الرأي لا يخالف مسألتنا، فالكراهة نوعان: تنزيهية، وتحريمية، وكلاهما من قبيل المنهيات.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فليس ناقضًا للمسألة؛ لأن التحريم كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. [20 - 72] استحباب البول في موضع لين: إذا أراد الإنسان البول، فإنه يستحب له أن يختار مكانا ليِّنًا، لكي لا يرتد إليه البول. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويرتاد موضعًا للبول، فإن كانت الأرض الأصلية دقها بعود أو حجر؛ حتى لا يترشش عليه البول" حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (¬5). ¬
[21 - 73] استحباب تقديم اليسرى للخلاء واليمنى للخروج منه
ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ويستحب. . . وارتياده لبوله مكانًا رخوًا"، قال: "بالاتفاق" (¬1)، أي: على استحبابه. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (¬2)، والحنابلة (¬3). ولم أجد كلاما للحنفية، في هذه المسألة، بعد طول بحث، ولكن واللَّه تعالى أعلم أنها لا تخالف أصولهم، فهم قد قالوا: بكراهة البول واقفًا، وفي مهب الريح، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، وعللوا ذلك: بألا يعود عليه رشاش بوله؛ فيتنجس، وهي نفس علة مسألتنا، غير أني لم أجد لهم ذكرًا لمسألتنا (¬4). • مستند الاتفاق: حديث أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال، ثم قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" (¬5). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث ذكر أنه يرتاد لبوله، أي: يبحث عن مكانٍ أرضه رخوة، لا تردُّ الماء، قال العظيم آبادي: "والحديث فيه مجهول، لكن لا يضر، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك" (¬6).Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 73] استحباب تقديم اليسرى للخلاء واليمنى للخروج منه: إذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يدخل باليسرى، ويخرج باليمنى، وعلى ذلك حكى النووي الاتفاق. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى، وفي الخروج اليمنى؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لما ¬
سواه"، حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه، وهذه قاعدة معروفة، وهي أن ما كان من التكريم بدئ فيه باليمنى، وخلافه باليسار" (¬1). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (¬2)، ويبدو أنها عبارة النووي، إلا أنه لم يشرْ لذلك. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كانت يد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى" (¬6). 2 - حديث حفصة -رضي اللَّه عنها-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره لما سوى ذلك" (¬7). • وجه الدلالة: من هذين الحديثين وغيرهما كثير، تدل على استحباب تقديم اليمين في المكارم والطاهرات، وعلى العكس في الأشياء الدنية والنجاسات، فمن جملتها نأخذ هذا المعنى، فيستحب الدخول للخلاء -وهو موطن نجاسة- باليسرى، والخروج منه باليمنى، وعلى العكس في المسجد (¬8). • الخلاف في المسألة: هناك من أخرج هذا الحكم في حال كون الإنسان في الصحراء (¬9)، وهذا الخلاف لا يقدح في مسألتنا؛ لخروجه عن توصيفها؛ إذ هي ¬
[22 - 74] استحباب عدم رفع الثوب للخلاء حتى يدنو من الأرض
تتحدث عن الذهاب لمكان معروف، متخذ لهذا الشأن، وهو ما يسمى الحمام، وهي أيضًا في بعض تفصيلات المسألة، والتفصيلات دائما يدخلها الخلاف، والاتفاق غالبا في العموميات.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 74] استحباب عدم رفع الثوب للخلاء حتى يدنو من الأرض: إذا أراد الإنسان أن يتخلى، فإنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، كي لا تنكشف عورته. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) شارحًا قول الماتن: "ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" حيث يقول: "وهذا الأدب مستحب بالاتفاق وليس بواجب" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه؛ حتى يدنو من الأرض" (¬6). • وجه الدلالة: في دلالة السنة الفعلية من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والحديث -وإن كان ضعيفًا- إلا أن علة الفعل في الحديث صحيحة، وهي الستر، وعدم كشف العورة. 2 - أن عدم رفع الثوب حتى الدنوّ من الأرض أستر للخارج للخلاء، وأحفظ لعورته؛ فيكون أولى (¬7). ¬
[23 - 75] استحباب عدم إطالة القعود للخلاء
• الخلاف في المسألة: هناك روايتان لدى الحنابلة في المسألة، بين التحريم والكراهة (¬1)، لمن فعل ذلك، وعلى كلٍّ؛ فلا يخالف هذا مسألتنا؛ إذ الكراهة للضد استحباب له، والتحريم للضد إيجاب له، وهو استحباب وزيادة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [23 - 75] استحباب عدم إطالة القعود للخلاء: إذا دخل الإنسان الخلاء، فإنه يستحب له أن لا يطيل القعود فيه، ونقل النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) شارحًا قول الماتن: "ولا يطيل القعود" حيث يقول: "هذا الأدب مستحب بالاتفاق" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - لما يورثه طول القعود من مضار على الإنسان، وذكروا من ذلك أنه يورث مرض الباسور (¬6)، ووجع الكبد (¬7). وكل ما هو ضار ومهلك للإنسان فهو ممنوع منه، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. 2 - حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم، إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم، وأكرموهم" (¬8). ¬
[24 - 76] النهي عن البول فيما ينجسه البول
• وجه الدلالة: استدل الحنابلة بهذا الحديث على تحريم طول المكث في الخلاء، في أحدى الروايتين عندهم، قالوا: لما في طول المكث الزائد من كشف للعورة، دون حاجة لذلك، وكشف العورة محرم، فيكون هذا الفعل محرمًا (¬1)، والتحريم كراهة للضد وزيادة؛ فلا يعارض اتفاق مسألتنا. وهذه المسألة مبنية عندهم على مسألة كشف العورة، في خلوة دون حاجة، وفيها روايتان عندهم أيضًا (¬2).Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 76] النهي عن البول فيما ينجسه البول: البول في الماء الذي يتنجس به منهيٌ عنه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول فيمن يفرق بين الماء القليل والكثير في النهي عن البول فيه: "فإذا كان النص، بل والإجماع؛ دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول، بل تقدير الماء، وغير ذلك، فيما يشترك فيه القليل والكثير؛ كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير؛ مستقلا بالنهي" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" (¬7). • وجه الدلالة: حيث نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، وهو ما يكون احتمال تنجسه قوي، فدل ذلك على النهي عن البول فيما ينجسه البول. ¬
[25 - 77] جواز الوضوء في المسجد
Rأن الإجماع متحقق، وذلك لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 77] جواز الوضوء في المسجد: الوضوء في المسجد جائز، إلا أن يكون مؤذيًا لأحد (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) نقله عنه ابن قدامة (¬2) حيث قال: "ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدًا بوضوئه، ولم يبلّ موضع الصلاة، قال ابن المنذر: أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن جريج، وعوام أهل العلم" (¬3). ونقله عنه النووي بنحو هذه العبارة (¬4)، ونقله ابن مفلح (¬5)، والشوكاني (¬6) بلفظ الإجماع. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن جريج، والنخعي (¬7)، والحنفية (¬8)، والمالكية في قول (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة (¬11). • مستند الإجماع: 1 - أن أبا هريرة -رضي اللَّه عنه-، وُجد يتوضأ على المسجد (¬12). • وجه الدلالة: فيه فعل صحابي، وهو حجة عند عددٍ من أهل العلم (¬13). 2 - أن الأصل جواز الوضوء في المسجد، ولا دليل يمنع من ذلك، فيبقى هذا الحكم حتى يأتي الدليل الناقل، واللَّه تعالى أعلم. ¬
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول (¬1)، فقالوا: بعدم جواز الوضوء في المسجد. واستدلوا بقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36]، فواجب أن ترفع وتنزه عن أن يتوضأ فيها؛ لما يسقط فيها من غسل الأعضاء من أوساخ، ولتمضمضه فيه ومجّه (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب السواك وسنن الوضوء
الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب السواك وسنن الوضوء [1 - 78] مشروعية السواك: يشرع للمسلم أن يستاك بالسواك، وقد حكى عدد من العلماء الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "اتفقوا أن السواك لغير الصائم حسن" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث قوله: "وفضل السواك مجتمع عليه لا اختلاف فيه" (¬2). ونقله عنه العيني (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات، وعند تغير الفم" (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول عن السواك: "واتفق أهل العلم على أنه سنة مؤكدة" (¬5). ونقل ابن قاسم نحو عبارته (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فالسواك سنة ليس بواجب، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكى الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا، عن داود أنه أوجبه" (¬7). ونقله عنه الحطاب (¬8)، والشوكاني (¬9)، وابن قاسم (¬10). العراقي (806 هـ) حيث يقول: "وقد حكى بعضهم الإجماع، على أنه لا يجب" (¬11). وهذا يعني مشروعيته تضمنًا. ولذلك قال أيضًا عن حديث أبي هريرة الآتي: "والمنفي إنما هو الوجوب، دون الاستحباب اتفاقًا" (¬12). ¬
[2 - 79] استحباب السواك عند الصلاة
الحطاب (954 هـ) حيث يقول عن السواك: "لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء، والصلاة، مستحب فيهما، وأنه غير واجب" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (¬3). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دخل بيته بدأ بالسواك" (¬4). • وجه الدلالة: هذان الحديثان يدلان على استحباب السواك ومشروعيته (¬5)، ففي الأول يبين عليه الصلاة والسلام أنه لولا المشقة على الناس لأمرهم أمرًا لازمًا بالسواك للصلاة. وفي الحديث الثاني من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيث إنه كان يبتدئ بيته بالسواك، وهذه سنة فعلية، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: هناك خلاف بين العلماء في السواك للصائم، وهذه حالة خاصة، لا تخرم الإجماع العام.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 79] استحباب السواك عند الصلاة: يستحب السواك عند الصلاة، فقبل أن يتوجه إلى ربه، يستحب له أن ينظف فمه بالسواك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات" (¬6). ¬
[3 - 80] استحباب السواك عند تغير الفم
الحطاب (954 هـ) حيث يقول: "لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء، والصلاة، مستحب فيهما، وأنه غير واجب" (¬1). وهو يريد نفي الخلاف المذهبي، وذكرته للاعتضاد. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (¬4). • وجه الدلالة: ظاهرة من النص بالمطابقة.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 80] استحباب السواك عند تغير الفم: يستحب السواك في عدة مواضع، ومنها إذا تغيرت رائحة الفم، فإنه يستحب عند ذلك أن يغيرها بالسواك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات، وعند تغير الفم" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9). • مستند الاتفاق: 1 - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (¬10). ¬
[4 - 81] مشروعية الختان للرجال
2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك (¬1). • وجه الدلالة: مع تنوع الحالات التي ورد فيها فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مع السواك، إلا أنها تظهر أنه كان يتسوك عند تغير فمه، سواء كان بنوم، أو بطول خروج عن البيت فيكون البطن خاويًا، أو غير ذلك، فهي تدل بمعظمها على استحبابه عند تغير رائحة الفم، ولذا يقول الإمام الشافعي: "واستحب السواك عند كل حال يتغير فيه الفم، وعند الاستيقاظ من النوم، وأكل كل ما يغير الفم، وشربه، وعند الصلوات كلها" (¬2). 3 - ومن المعقول: فالفم عندما تتغير رائحته، فإن الآخرين يتأذون من رائحته، وكذلك الزوجة والأبناء، فكان من المناسب أن يغير رائحته بالسواك وينظفه.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 81] مشروعية الختان للرجال: الختان للرجال من سنن الإسلام الحنيف، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على مشروعيته. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ): "واتفقوا أن من ختن ابنه، فقد أصاب" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "والذي أجمع عليه المسلمون؛ الختان في الرجال، على ما وصفنا" (¬4). وقال أيضًا: "والختان من ملة إبراهيم، لا يختلفون في ذلك" (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الختان في حق الرجال" (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "إذا لم يخف عليه ضرر الختان، فعليه أن يختتن، فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة، وهو واجب عند الشافعي، وأحمد في المشهور عنه" (¬7). ¬
[5 - 82] إباحة الختان للنساء
ونقله عنه ابن قاسم (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬4). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث اعتبر الختان من الفطرة، وهو استحسان له، مما يدل على مشروعيته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحسن في المسألة (¬5)، فقال: بالترخيص فيه، فإذا أسلم الكافر لا يبالي أن لا يختتن. ويقول: أسلم الناس الأسود، والأبيض، لم يُفتش أحد منهم، ولم يختتنوا (¬6). ولكن هذا لا ينافي أن يكون يقول بالمشروعية، حيث إنه رخص فيه، والرخصة لا تكون إلا في مقابل العزيمة. وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب مطلقا (¬7)، ولكن هذا لا يعني أنه غير مشروع.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 82] إباحة الختان للنساء: الختان للنساء مباح، وقد حكى ابن حزم الاتفاق على ذلك. والحديث في هذه المسألة عن الإباحة، التي هي دون مرتبة الاستحباب، فليس المقصود أن كل العلماء قالوا: إنه مباح فحسب، فهناك من قال باستحبابه وبوجوبه، ¬
[6 - 83] مشروعية الختان للإناث
والمسألة لا تنكرها، ولكن المهم أن لا يكون هناك من يخالف الإباحة، بأن يقول: بالتحريم لختان النساء. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على إباحة الختان للنساء" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر الختان بصيغة العموم، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، مما يدل على إباحته للمرأة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل" (¬7). • وجه الدلالة: حيث في الحديث بيان أن النساء كن يختتن على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأقل أحواله الإباحة (¬8).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 83] مشروعية الختان للإناث: شرع اللَّه تعالى للإناث الختان (الخفاض)، وقد حُكي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الختان في ¬
[7 - 84] إبراهيم عليه السلام أول من اختتن
حق الرجال، والخفاض (¬1) في حق الإناث مشروع" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬6). • وجه الدلالة: حيث ذكر الختان بصيغة العموم، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، مما يدل على مشروعيته للمرأة كما هو للرجل، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 84] إبراهيم عليه السلام أول من اختتن: إبراهيم عليه الصلاة والسلام جد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو أول من سن سنة الختان، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن" (¬7). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "وكان أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن نحو قص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وأعطاه اللَّه الذكر الجميل في الدنيا، فاتفقت الأمم عليه" (¬8)، في كلامه إشارة للاتفاق، وليس صريحًا. القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على أن إبراهيم عليه الصلاة ¬
[8 - 85] تقليم الأظفار سنة
والسلام أول من اختتن" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو هريرة -رضي اللَّه عنه- (¬2)، وابن المسيب (¬3)، والشافعية (¬4). أما الحنفية والحنابلة، فقد بحثت في كتبهم كثيرًا، إلا أنني لم أجد نصًّا منهم في مسألتنا، بأن إبراهيم هو أول من اختتن. • مستند الإجماع: لم أجد ما يدل على ذلك، إلا ما ورد من الأمر باتباع ملة إبراهيم، في قوله: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]. • وجه الدلالة: الآية الكريمة كأن فيها إشارة، على أنه الأول في اتباع هذه الفطرة، حيث أمرنا باتباع ملته، وكان من ملته أنه يختتن عليه الصلاة والسلام، لما روى أبو هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اختتن إبراهيم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" (¬5) (¬6).Rكما سبق، فإنني لم أجد كلامًا للحنفية والحنابلة على مسألتنا، غير أنهم لم يذكروا مخالفة لها، ولم أجد عند غيرهم مخالفًا أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 85] تقليم الأظفار سنة: تقليم الأظفار من سنن الفطرة، وفيها إزالة للخبث من جسد الإنسان، وقد حُكي الإجماع على سنيتها. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسن" (¬7). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأما قص الأظفار، وحلق العانة؛ فمجتمع على ¬
[9 - 86] الاستحداد سنة
ذلك أيضًا" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أما تقليم الأظفار فمجمع على أنه سنة، وسواء فيه الرجل والمرأة، واليدان والرجلان" (¬2). العراقي (806 هـ) حيث يقول: "فإن قيل قد قدمتم الاتفاق، على أن حلق العانة، وتقليم الأظفار سنة، وليس بواجب" (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "قوله (¬4): (تقليم الأظفار). . . وهو سنة بالاتفاق أيضًا" (¬5). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وتقليمها سنة إجماعا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬9). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء" ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر تقليم الأظفار من سنن الفطرة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 86] الاستحداد سنة: الاستحداد: هو استعمال الحديدة في إزالة شعر العانة، وصار كناية عن حلق العانة (¬11). ¬
• من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط حسن" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأما قص الأظفار، وحلق العانة؛ فمجتمع على ذلك أيضًا، إلا أن من أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يومًا، وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما حلق العانة؛ فمتفق على أنه سنة أيضًا" (¬3). العراقي (806 هـ) حيث يقول: "الاستحداد استفعال من استعمال الحديد في حلق العانة، وهو مستحب إجماعًا" (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: " (الاستحداد) هو حلق العانة، سمِّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى، وهو سنة بالاتفاق" (¬5). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "يسن للرجل والمرأة حلقها إجماعًا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬9). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر الاستحداد من سنن الفطرة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[10 - 87] نتف الإبط سنة
[10 - 87] نتف الإبط سنة: يسن للمسلم أن ينتف إبطه، وهو من النظافة والطهارة التي جاء بها الإسلام، وحكى عدد من العلماء الاتفاق على سنيته. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسن" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما نتف الإبط؛ فمتفق أيضًا على أنه سنة" (¬2). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "قوله (¬3): (ونتف الإبط) هو سنة بالاتفاق أيضًا" (¬4). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "يسن قلع شعر إبطه إجماعًا" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬9). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عدَّ نتف الإبط من سنن الفطرة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[11 - 88] غسل البراجم سنة
[11 - 88] غسل البراجم سنة: غسل البراجم في يد المسلم سنة مستحبة. والبراجم هي: العُقد التي في ظهور الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم. ومعناه: تنظيف المواضع التي تشنج، ويجتمع فيها الوسخ (¬1). وقال العراقي: "والبراجم جمع برجمة بضمها، وهي عقد الأصابع التي في ظاهر الكف" (¬2). • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما غسل البراجم؛ فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة، غير مختصة بالوضوء" (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الاتفاق: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر غسل البراجم من سنن الفطرة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 89] حلق اللحية لا يجوز: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بإعفاء اللحية، وقد اتفق العلماء على تحريم حلق اللحية بالكلية. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلةٌ لا تجوز، وكذلك الخليفة، والفاضل، والعالم" (¬8). ¬
[13 - 90] إباحة حلق الرأس وحبسه
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الاتفاق: حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب" (¬5). وجه الدلالة من وجهين: 1 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بتوفير اللحى، والأمر يقتضي الوجوب، فكان الحلق منافيًا لمقتضى الأمر، فهو محرم، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بدأ الأمر بمخالفة المشركين، ومخالفتهم واجبة، فكأنه أمر ثانٍ على توفير اللحى، ومن خالف الأمر فقد ارتكب محرمًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: هناك من قال: يؤخذ من اللحية، وبينهم خلاف في مقدار ما يؤخذ (¬6)، ولكن هذا لا يخالف مسألتنا، فهي في حلقها بالكلية.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 90] إباحة حلق الرأس وحبسه: حلق المسلم لرأسه مباح، وكذا حبسه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "قد أجمع العلماء في جميع الآفاق على إباحة حبس الشعر، وإباحة الحلاق، وكفى بهذا حجة" (¬7). ونقله عنه ابن قدامة (¬8)، والقرطبي (¬9)، والبهوتي (¬10)، والرحيباني (¬11). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن جعفر -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم"، ثم قال: "ادعوا بني أخي"، فجيء بنا، قال: "ادعوا لي الحلاق" فأمر بنا فحلق رؤوسنا (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بحلق رؤوسهم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يأمر إلا بمباح أو أكثر، وهذا يدل على الإباحة (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف بعض الشافعية، فقالوا بأنه بدعة في غير المولود وإسلام الكافر والحج والعمرة (¬6)؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحلق رأسه إلا في النسك (¬7). وخالف أحمد في رواية بالكراهة في ذلك (¬8)، وروي عن عمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما- (¬9)، قال أحمد: كانوا يكرهون ذلك (¬10). واستدلوا بما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال في الخوارج: "سيماهم التحليق" (¬11)، فجعله علامة لهم (¬12).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[14 - 91] حلق الرأس في غير النسك ليس قربة
[14 - 91] حلق الرأس في غير النسك ليس قربة: إذا أراد إنسان أن يحلق رأسه في غير نسك، فإن فعله هذا لا يُتقرب به، ولا يسن، وحُكي الاتفاق على ذلك (¬1). • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وليس حلق الرأس في غير نسك بسنة، ولا قربة باتفاق المسلمين" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق بعض الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الإتفاق: أن المسنون والمتقرَّب به في الإسلام لا يشرع إلا أن يدل دليل على السنية أو القربة، ولا دليل على ذلك في غير النسك، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، حتى يأتي ناقل عنها (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف بعض الحنفية، وعبروا بأنه سنة (¬7). لم أجدهم ذكروا دليلًا، إلا أنهم جعلوه من باب النظافة (¬8).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 92] كراهة القزع: حلق الإنسان لبعض رأسه وتركه للبعض منهي عنه، وهو ما يسمى بالقزع (¬9)، وقد ¬
حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على كراهة القزع، إذا كان في مواضع متفرقة، إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه" (¬1). ونقله عنه ابن حجر (¬2)، والشوكاني (¬3). المرداوي (885 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام ابن قدامة في "المقنع": "قوله: (ويكره القزع) بلا نزاع، وهو أخذ بعض الرأس، وترك بعضه" (¬4). وهو يريد المذهب بلا شك، وذكرته للاعتضاد فقط. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عائشة -رضي اللَّه عنها- (¬5)، والحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن القزع، فقيل لنافع: ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض" (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن القزع، ومجرد نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدل على الكراهة؛ إذ أن النهي أتى في مقابل الجواز المطلق للحلق، فيكون للكراهة حتى تأتي قرينة على التحريم، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف بعض المالكية -فيما نقله عنهم النووي- بالقول بجوازه في الغلام (¬11)، وهو مخالف لمنصوص الإمام مالك، فقد قال: لا يعجبني ذلك في الجواري، ولا الغلمان، ووجّه ذلك بأنه قزع (¬12). ¬
[16 - 93] مشروعية الأخذ من الشارب
ولم أجد هذا القول في كتبهم.Rأن الإجماع متحقق في غير الغلمان؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. أما الغلمان: فلم أجد ما يؤكد كلام النووي في كتب المالكية، فإن صح النقل، فلا إجماع في الغلمان، وإلا فالإجماع صحيح في الغلمان أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 93] مشروعية الأخذ من الشارب: الأخذ من الشارب سنة من سنن الفطرة، وقد أجمع على ذلك العلماء. وعبرت بالأخذ؛ لأتجنب الخلاف في المسألة، فهناك خلاف هل الواجب القص؛ أو الحلق؟ وهذا العنوان يشمل الاثنين. وهناك أمر آخر وهو: أن المشروعية تشمل الاستحباب، وما فوقه (¬1)، وناقض المسألة -إن وجد- فهو من قال بالإباحة، أو ما دونها، وهذا ما سنراه في المسألة إن شاء اللَّه تعالى. • من نقل الإجماع: الجوهري (350 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن إحفاء الشارب من السنة؛ إلا مالكًا فإنه كرهه" (¬2). وهذا مبني على الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فهو يقول -مالك- بالقص، لا الإحفاء بمعنى الحلق؛ لأنه يعتبره مثلة. ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسنٌ" (¬3). ونقل عنه ابن مفلح حكاية الإجماع، حيث قال: "وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب، وإعفاء اللحية فرض" (¬4). وراجعت كلامه فوجدته نص على فرضيته، ولم يحك إجماعًا (¬5)، ولعل ابن مفلح ¬
[17 - 94] استحباب التيامن في الطهارة
اشتبه عليه كلامه في "المراتب" مع "المحلى"، وكذا حكاه ابن قاسم (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أنه لا بد للمسلم من قص شاربه، أو حلقه" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما قص الشارب، فمتفق على أنه سنة" (¬3). العراقي (822 هـ) حيث يقول: "فيه استحباب قص الشارب، وهو مجمع على استحبابه" (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول شارحًا لحديث الفطرة: "قوله: (وقص الشارب) هو سنة بالاتفاق" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬8). 2 - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى" (¬9). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكره من سنن الفطرة في الحديث الأول، والأمر به في الحديث الثاني، وهو يكفي في المشروعية، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 94] استحباب التيامن في الطهارة: إذا أراد المسلم الطهارة فإنه يستحب له أن يتيامن فيها، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن الأفضل أن ¬
يغسل اليمنى قبل اليسرى، وأجمعوا أن رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام كذلك كان يتوضأ، وكان عليه الصلاة والسلام يحب التيامن في أمره، كما في طهوره، وغسله، وغير ذلك من أموره" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وغسل الميامن قبل المياسر لا خلاف بين أهل العلم -فيما علمنا- في استحباب البداءة باليمنى" (¬2). ونقله عنه ابن حجر (¬3)، والشوكاني في "النيل" (¬4)، وابن قاسم (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واستثني منه -أي: من الترتيب- تقديم اليمين بالإجماع" (¬6). وقال أيضًا: "وتقديم اليمنى سنة بالإجماع، وليس بواجب بالإجماع" (¬7). ونقله عنه الحافظ ابن حجر (¬8)، والشوكاني في "النيل" (¬9)، وابن قاسم (¬10). العيني (855 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء أنه يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل ولبس الثوب. . " (¬11). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على استحباب البداءة بالميامن، ولا خلاف فيه" (¬12). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (¬13). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم" (¬14). ¬
[18 - 95] جواز تقديم اليد اليسرى في الطهارة
• وجه الدلالة: ظاهر من ذكر حب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للتيمن في الحديث الأول، وفي الثاني من الأمر بالبدء بالميامن، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال النووي: "وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع" (¬1). وعلى كل حال، فالقول بالوجوب لا ينافي الاستحباب في كونهما في درجة المشروعية.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 95] جواز تقديم اليد اليسرى في الطهارة: إذا أراد المسلم الوضوء، وقدم اليسرى على اليمنى، فإن وضوءه صحيح، ولا إعادة عليه بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا إعادة، على من بدأ بيساره قبل يمينه في الوضوء" (¬2). ونقله عنه النووي، وقال بعده: "وكذا نقل الإجماع فيه آخرون" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل اليمنى أنه لا إعادة عليه" (¬4). وقال أيضًا: "لأن اليمنى واليسرى لا تنازع بين المسلمين في تقديم إحداهما على الأخرى" (¬5). وقال أيضًا: "وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل يمناه أنه لا إعادة عليه" (¬6). ¬
ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "قوله (¬1): (فإذا غسل يديه)، فذكر مجموعهما، ولأجل هذا اتفق العلماء على سقوط الترتيب بينهما -أي: اليمنى واليسرى" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه" (¬3). وقال أيضًا: "ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافًا" (¬4). ونقله ابن قاسم (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وتقديم اليمنى سنة بالإجماع، وليس بواجب بالإجماع" (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه، كان تاركًا للاختيار، وكان وضوؤه صحيحًا من غير نزاع أعلمه بين الأئمة" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (¬9). • وجه الدلالة: قولها -رضي اللَّه عنها-: (يحب) يفيد الاستحباب، وأنه كان يفعل ذلك، ويحبه، ولكن لم يأمر به على الإلزام، وإلا قالت: كان يأمر، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: سبق نقل النووي في المسألة الماضية عن الشيعة (¬10) أنهم يقولون بوجوب تقديم اليمين، وأنه لا يعتد بخلافهم. ونسب المرتضى الشيعي هذا القول للشافعي فيما نقله عنه ابن حجر (¬11)، وغلطه فيها. ¬
[19 - 96] استحباب تثليث غسل أعضاء الوضوء
وبعض الشيعة نسب القول بالوجوب للفقهاء السبعة؛ وهو تصحيف من الشيعة، وهو غير صحيح أيضًا (¬1). ونسب بعض الشافعية هذا القول إلى الإمام أحمد، وهو غير صحيح أيضًا (¬2)، وقد سبق النقل عن ابن قدامة بما يخالفه، وقال الزركشي: هو منكر، وهما في حكم اليد الواحدة (¬3). ولابن حزم كلام محتمل للوجوب، حيث قال: "ولا بد في الذراعين والرجلين من الابتداء باليمين قبل اليسار كما جاء في السنة" (¬4). ولكن ذلك لم يثبت، وراجعت كلامه في صفة الوضوء، فلم يشر لذلك لا من بعيد، ولا من قريب (¬5). فلم يصرح بالوجوب، والواجب حمل كلامه على ما وافق الإجماع؛ حتى يثبت الضد (¬6).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، وقد سبق مناقشة خلاف الشيعة وعدم اعتباره في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 96] استحباب تثليث غسل أعضاء الوضوء: يستحب لمن توضأ أن يغسل أعضاءه ثلاثًا، وهذا يشمل جميع الأعضاء سوى الرأس؛ فالخلاف فيه مشهور، ولا يدخل في حديث من نقلت عنه من العلماء، في هذه المسألة. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء" (¬7). ¬
ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكملُ الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء، ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان، وهذا لا خلاف فيه" (¬1). ونفيه للخلاف هنا يحتمل كونه في مسألة الزيادة على الثلاث، وفي مسألتنا، وكونه في المسألتين معا, ولكن كونه في المسألتين أظهر، حيث إن السياق يدل لذلك، واللَّه تعالى أعلم. سند بن عنان (541 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في ثبوت فضيلة التكرار" (¬2) أي في غسل الأعضاء، فيما نقله عنه الحطاب (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة، هو مرة مرة، إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أما حكم المسألة: فالطهارة ثلاثًا ثلاثًا مستحبة في جميع أعضاء الوضوء بإجماع العلماء، إلا الرأس؛ ففيه خلاف للسلف" (¬5). ونقل عنه الشوكاني حكايته للإجماع في ذلك (¬6). المرداوي (885 هـ) حيث يقول شارحًا لعبارة "المقنع" في سنن الوضوء: "قوله: (والغسلة الثانية والثالثة) بلا نزاع" (¬7). وهو يقصد النزاع في المذهب بلا شك. ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "ومنها التثليث في حق كل واحد بالإجماع" (¬8)، وهو يريد تثليث المضمضة والاستنشاق هنا، إلا أن كلامه ينساق أيضًا على غيرها. ابن حجر الهيتمي (974 هـ) في سنن الوضوء: " (وتثليث الغسل) وذلك للإجماع على طلبه، ويحصل بتحريك اليد ثلاثًا, ولو في ماء قليل" (¬9). الصنعاني (1182 هـ) شارحًا حديث عثمان (¬10): " (دعا بوضوء) أي: بماء يتوضأ به ¬
(فغسل كله ثلاث مرات) هذا من سنن الوضوء بإتفاق العلماء" (¬1). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة" (¬2). وقال أيضًا: "وقد قدمنا أن التثليث سنة بالإجماع" (¬3). • مستند الإجماع: 1 - حديث عثمان -رضي اللَّه عنه-، أنه وصف وضوء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا (¬4). 2 - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ ثلاثًا ثلاثًا (¬5). • وجه الدلالة: ظاهر من السنة الفعلية للنبي عليه الصلاة والسلام. • الخلاف في المسألة: خالف بعض العلماء في المسألة، وقالوا بعدم المشروعية. وقد نَقَل النووي حكاية هذا القول عن بعض الشافعية (¬6)، نسبوه لبعض العلماء، وأنكر أن يكون صحيحًا، فقال: "وحكى بعض أصحابنا عن بعض العلماء أنه لا يستحب الثلاث، وعن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وكلاهما غلط، ولا يصح هذا عن أحد، فإن صح؛ فهو مردود بالأحاديث الصحيحة" (¬7)، قال هذا بعد حكايته للإجماع في المسألة كما سبق، مما يعني أنه يرى أن لا خلاف في المسألة معتبر. وحُكي عن مالك بأنه لم ير التوقيت لا بواحدة ولا بثلاث (¬8). واستدل بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، حيث الأمر بالغسل فقط، ولم يحدد (¬9). ¬
[20 - 97] التثليث في الوضوء غير واجب
ولكن المعروف عنه موافقة الجمهور، بل عنه رواية بكراهة النقض عن الثلاث (¬1). وبعد مزيد من البحث، وجدت القرافي نقل عن صاحب "الطراز" وغيره (¬2) تفسيرًا لما نقل عن مالك في ذلك، بأنه يريد به نفي الوجوب (للثلاث)، لا نفي الفضيلة، وهذا يتوافق مع قول الجمهور وللَّه الحمد. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز بمشروعية التثليث إلا في الرجلين (¬3)، وهو قول عند المالكية (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق في الرجلين، بلا إشكال، فالنقل فيها واضح؛ لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. أما بقية الأعضاء فالنقل فيها -كما سبق- غير واضح، فالنووي نفى وجود الخلاف، وغلط من نقله، وأما ما نُقل عن مالك فغير قوي أيضًا, ولولا أن من نقله غير ابن عبد البر لنفيت صحته، مع أنه سبق نقل نفيه للخلاف في المسألة، والمسألة محل إشكال عندي، ولكن الأظهر أن المسألة إجماعية، وما نقل فيها فهو شاذ إن صح؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة والصريحة، ولمخالفته الإجماع، واللَّه أعلم (¬5). [20 - 97] التثليث في الوضوء غير واجب: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه لا يجب عليه أن يغسل أعضاءه ثلاثًا، وعلى ذلك حكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث والجنابة تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد" (¬6). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما" (¬7). ¬
النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولأن فيه غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع" (¬1). ويقول: "فإن الثلاث لا تجب بالإجماع" (¬2). ويقول: "أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة" (¬3). وقال بعدها بقليل: "والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، وهو مجمع عليه، ولم يثبت عن أحد خلافه" (¬4). ونقله عنه الشوكاني (¬5). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول في سياق حديثه عن قول بعض العلماء بوجوب التثليث: "وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور (¬6)، وهو محجوج بالإجماع" (¬7). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول عن وجوب الغسلات الثلاث: "لكن انعقد الإجماع على خروج اثنتين منهما"، أي: الثانية والثالثة عن الوجوب (¬8). ونقله عنه ابن نجيم (¬9). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وأما التثليث فغير واجب بالإجماع، وفيه خلاف شاذ" (¬10). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة" (¬11). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬12). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الأعضاء، ولم يحدد عز وجل عدد الغسل، فيكفي ما يحصل به الغسل، ولو كان مرة واحدة أو مرتين (¬13). ¬
[21 - 98] إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت
2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، قال "توضأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة مرة" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ورد عنه أنه توضأ بغسل الأعضاء مرة واحدة، وهذه سنة فعلية، ولو كان التثليث واجبًا لالتزم به عليه الصلاة والسلام (¬2). • الخلاف في المسألة: نقل النووي عن بعض الشافعية حكايتهم قولًا عن بعض العلماء بوجوب التثليث، ولكنه أنكر صحته، ولم يعتبره (¬3). ونقله ابن حجر أيضًا عن بعض العلماء، وأنكره أيضًا (¬4). ونُقل عن ابن أبي ليلى مخالفته بقوله بوجوب التثليث (¬5). واستُدل (¬6) لهذا القول بظاهر حديث عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (¬7).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، فأما ما نقله النووي وابن حجر؛ فلم يذكروا عالمًا معينًا ولم يتابعهم عليه أحد، وأنكره أيضًا، مما يقوي شذوذه، وأما ابن أبي ليلى؛ فلم يثبت عنه، بالإضافة إلى مخالفة الأحاديث الصحيحة, واللَّه تعالى أعلم. [21 - 98] إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت: إذا غسل المتوضئ عضوه مرة واحدة، وكانت سابغة، فإنها مجزئة له، وعلى ذلك الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده ¬
شيء" (¬1). ابن جرير الطبري (310 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته الإجماع في المسألة (¬2). نقله عنه النووي (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن من توضأ مرة مرة، فأسبغ الوضوء؛ أن ذلك يجزيه" (¬5). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "والغسلة الواحدة إذا أوعبت تجزئ بإجماع العلماء؛ لأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد توضأ مرة مرة، ومرتين، وثلاثة، وهذا أكثر ما فعل من ذلك عليه الصلاة والسلام، وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير في الثنتين، والثلاث، إلا إن ثبت أن شيئًا من ذلك نسخ لغيره، فقف على إجماعهم فيه" (¬6). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء أن غسلة واحدة سابغة في الرجلين، وسائر الوضوء تجزئ" (¬7). وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة أن من توضأ مرة واحدة سابغة؛ أجزأه" (¬8). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الوضوء مرة مرة مسبغة في الوجه والذراعين والرجلين يجزئ" (¬9). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث والجناية تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد" (¬10). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق، كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة" (¬11). الحطاب (954 هـ) حيث يقول: "لأنا لا نعلم أن أحدًا يقول بحرمة الاقتصار عليها" (¬12)، أي: الواحدة. ¬
الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬2). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- "توضأ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة مرة" (¬3). 2 - حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ مرتين مرتين" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ بغسلة واحدة للعضو، ومرتين، وهذه سنة فعلية يجب الأخذ بها، على أنها دليل على جواز الاقتصار على غسلة واحدة، وأنها مجزئة، وأن الثلاث غير ملزمة، ولكن بشرط الإنقاء، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل عن ابن أبي ليلى أنه لا يجزئ ما دون الثلاث، نقله النووي، ثم قال: "وهذا مذهب باطل، لا يصح عن أحد من العلماء، ولو صح؛ لكان مردودًا بإجماع من قبله" (¬5). ولكن عن مالك قول بوجوب اثنتين فما فوق (¬6). وهنا كلام مشكل للحطاب، حيث قال: "أن المقتصر على الواحدة تارك للفضل، وتارك الفضل مقصر، ولا يجوز الاقتصار على الواحدة بإجماع، كما لا تجوز الزيادة على الثلاث، إذا عم بها بإجماع" (¬7). قال هذا الكلام بعد أن نقل كلامًا للقرافي، ثم قال بعده: (انتهى)، والظاهر أنه يقصد أنه كلام القرافي. وقد راجعت كلام القرافي، فوجدت الكلام السابق، ولم أجد اللاحق (¬8)، فالظاهر أن هناك تصحيفًا، أو وهمًا في دعوى الإجماع، ويحمل كلام الحطاب على الكراهة، وقال بعدها: "لأنا لا نعلم أن أحدًا يقول بحرمة الاقتصار عليها -أي: على الواحدة" (¬9)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[22 - 99] إجزاء الغسلتين إذا عمت
Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف المعتبر في المسألة (¬1)، فخلاف ابن أبي ليلى وقول مالك يكفي في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 99] إجزاء الغسلتين إذا عمت: في المسألة السابقة ناقشنا الاكتفاء بغسلة واحدة، وهنا بثنتين، ومن البديهي أن أي إجماع حكي هناك فهو شامل لهذه المسألة بالتضمن، بخلاف العكس، وهو ما انتهت إليه الدراسة هناك، فنحن نبحث الآن عن الاقتصار على ثنتين، حيث حُكي الإجماع على إجزاء الاقتصار عليها. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء" (¬2). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على أن التوضؤ مرتين يجوز، ويجزئ، ولا خلاف في ذلك" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ مرتين مرتين" (¬8). • وجه الدلالة: فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المجرد يعتبر سنة فعلية، وقد يكون بيانًا للجواز كما في مسألتنا، فمن هذا الفعل يؤخذ الجواز، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: ما قيل في مسألة إجزاء الغسلة الواحدة من خلاف ابن أبي ليلى في عدم جواز ما دون الثلاث يأتي هنا, ولكن لم يذكر له متابع من العلماء، وشكك النووي في نسبة القول إليه (¬9)، ولو صح فهو شذوذ منه رحمه اللَّه تعالى. ¬
[23 - 100] جواز المخالفة في غسل الأعضاء في عدد مرات الغسل
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 100] جواز المخالفة في غسل الأعضاء في عدد مرات الغسل: سبق الكلام عن مسألة أن التثليث في الوضوء مستحب، وأن الاقتصار على الواحدة مجزئ إذا عمّ. ولكن لو توضأ رجل، فغسل عضوًا ثلاثًا، ثم غسل آخر مرتين، فإن فعله جائز، هذا ما تتحدث عنه مسألتنا. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول شارحًا لقول صاحب "المهذب": " (خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا جاز) هذا الحكم مجمع عليه" (¬1). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ولو غسل بعض أعضاء الوضوء أكثر من بعض لم يكره" قال: "إجماعًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يلتزم بعددٍ معينٍ في وضوءٍ واحدٍ، مما يبين الجواز في ذلك، واللَّه تعالى أعلم (¬7). • الخلاف في المسألة: سبق في مناقشة مسألة الاقتصار على غسلة واحدة، والتي توصلتْ إلى عدم صحة الإجماع بإجزاء ذلك، فيكون هنا من باب أولى، إذا غسل أحد الأعضاء مرة واحدة. وأما إذا اقتصر على ثنتين، فإن الدراسة انتهت إلى صحة الإجماع في ذلك، وأن ما ¬
[24 - 101] عدم مشروعية الزيادة على الثلاث
نقل عن ابن أبي ليلى من مخالفةٍ، فإنها لم تثبت، أو أنها شاذة.Rأن الإجماع متحقق إذا لم يقتصر على غسلة واحدة لعضوٍ من الأعضاء؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وأما إذا اقتصر على غسلة واحدة، فلا إجماع على ذلك، بخلاف ما لو تردد بين غسلتين وثلاث، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 101] عدم مشروعية الزيادة على الثلاث: سبق مناقشة استحباب التثليث في غسل أعضاء الوضوء، ولكن إذا زاد على الثلاث فإن الزيادة غير مشروعة. • من نقل الإجماع: البخاري (256 هـ) حيث أشار للإجماع في هذه المسألة، فقال: "وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوز فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬1). نقله النووي عنه (¬2)، والعيني (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الزيادة على الثلاث لا معنى لها" (¬5). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكملُ الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء، ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان، وهذا لا خلاف فيه" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث، والمراد بالثلاث: المستوعبة للعضو" (¬7). ونقله الحطاب عنه (¬8)، وابن قاسم (¬9). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "كما لا تجوز الزيادة على الثلاث، إذا عم بها بإجماع". نقله الحطاب عنه (¬10). ¬________ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 63). (¬2) "المجموع" (1/ 468). (¬3) "البناية" (1/ 233). (¬4) "حاشية الروض" (1/ 175). (¬5) "مراتب الإجماع" (39). (¬6) "الاستذكار" (1/ 122). (¬7) "شرح مسلم" (3/ 109). (¬8) "مواهب الجليل" (1/ 262). (¬9) "حاشية الروض" (1/ 175). (¬10) "مواهب الجليل" (1/ 262)، وقد ناقشت هذا النقل في مسألة إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت.
ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول مجيبًا لسائل: "ما ذكره من الوسوسة في الطهارة، مثل غسل العضو أكثر من ثلاث مرات. . . هو أيضًا بدعة وضلالة باتفاق المسلمين" (¬1). وكررها في نفس الموضع، فقال: "لكونها بدعة مذمومة باتفاق المسلمين" (¬2). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4). • مستند الإجماع: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص؛ فقد أساء وظلم" (¬5). وجه الدلالة من وجهين: 1 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فمن زاد" ووصف هذا الفعل بالسوء والظلم، مما يدل على عدم المشروعية. 2 - أنه لم يأت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه غسل عضوًا أكثر من الثلاث (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه (¬7)، فقالوا: إنها خلاف الأولى، لا تكره ولا تحرم. ولم يذكروا دليلًا. وهذا القول مشكل لدي، هل ينقض أو لا؟ مع أن النووي هو ممن نقل الإجماع في المسألة، ونقل هذا الوجه (¬8)، وهو من أئمة الشافعية. ولكن الأظهر أنه ناقض؛ لأنه لا يقول بالكراهة كحدٍّ أدنى لعدم المشروعية. وهناك كلام للكاساني في المسألة، حيث قال بعدم الكراهة إذا لم يعتقد السنية في الزيادة، وكان وضوءًا على وضوء (¬9). وقد استشكله ابن عابدين، وقيده بعدم اعتقاد السنية، وأن لا يعتاد هذا (¬10). ¬
[25 - 102] تخليل الأصابع سنة
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، من خلاف وجه الشافعية وقول الكاساني، وهو - الأخير - من أئمة الحنفية المتقدمين، ولا يخلو الأمر من متابعين له، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 102] تخليل الأصابع سنة: التخليل يكون لأصابع اليدين والرجلين، ويحصل بتشبيك بعضها ببعض (¬1). ويقصد من تخليل الأصابع إيصالُ الماء إلى ما بين الأصابع، والتأكد من وصوله، والسنيّة تكون فيما إذا غلب على ظنه أن الماء يصل، ولكن إذا علم أنه لم يصل؛ فلا شك في وجوب إيصال الماء. فالتخليل في الأصل مستحب، وإيصال الماء واجب (¬2). • من نقل الاتفاق: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يخلل أصابع رجليه في الوضوء" (¬3). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه إن غسلهما وغسل مرفقيه، وخلل أصابعه بالماء، وما تحت الخاتم؛ فقد تم ما عليه في الذراعين" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن تخليلَ اللحية إذا كانت كثَّةً، وتخليلَ الأصابع سنةٌ من سنن الوضوء" (¬5). عثمان الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: "وأما تخليل الأصابع؛ فسنة إجماعًا" (¬6). أبو بكر العبادي (800 هـ) حيث يقول: "وأما تخليل الأصابع فسنة إجماعًا" (¬7). المرداوي (885 هـ) حيث يقول في تخليل أصابع الرجلين: "يستحب تخليل أصابع الرجلين بلا نزاع" (¬8)، وهو يقصد المذهب بلا شك. ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وأما تخليل الأصابع؛ فهو إدخال بعضها في بعض ¬
بماء متقاطر، ويقوم مقامه الإدخال في الماء، ولو لم يكن جاريًا؛ فسنة اتفاقًا، أعني أصابع اليدين والرجلين" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع إسحاق (¬2)، والمالكية على المشهور عندهم (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة في أصابع الرجلين، أما اليدين فعلى الصحيح عندهم (¬5). • مستند الاتفاق: حديث لقيط بن صبرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا توضأت فأسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالتخليل، ولم يحدد أصابع الرجلين أو اليدين، فهو مطلق يشمل الاثنين، فيدل على الاستحباب فيهما، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية عندهم بأنه لا يستحب تخليل الأصابع في اليدين (¬7)، وهو ظاهر من عبارة المرداوي السابقة، حيث نص على عدم النزاع في أصابع الرجلين. ولم أجد لهم عليه دليلًا, ولكن قد يستدل بأن اليدين تختلط بالماء مباشرة، فلا يحتاج لتخليلها، بخلاف الرجلين؛ إذ الغالب أن الماء يُصب عليها. وحُكي عن مالكٍ مثلُه، ولكن في اليدين، والرجلين أيضًا، وحُكي عنه الإنكار لهذا الفعل أيضًا (¬8). ¬
[26 - 103] عدم وجوب الاستنثار عند الاستيقاظ
واستدل لذلك بأن كل من نقل وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصحاح لم يذكره فيه، ولأن الماء يتخلل الأصابع بطبيعته (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، من خلاف مالك ورواية أحمد، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 103] عدم وجوب الاستنثار عند الاستيقاظ: إذا استيقظ المسلم من نومه، فإنه لا يجب عليه أن يستنثر، ويستحب له ذلك. • من نقل الاتفاق: الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول في سياق حديث له: "لأنه قد وقع الاتفاق على عدم وجوب الاستنثار عند الاستيقاظ، ولم يذهب إلى وجوبه أحد" (¬2). وقد نقل النووي رحمه اللَّه الإجماع على عدم وجوبه في الوضوء، ففي مسألتنا من باب أولى، حيث قال: "فإن التنثر لا يجب بالإجماع" (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه" (¬9). وفي لفظ: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فتوضأ؛ فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (¬10). • وجه الدلالة: حيث جاء الأمر في الرواية الأولى مطلقًا، وفي الثانية مقيدًا، ¬
[27 - 104] المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة
فيحمل المطلق على المقيد، ويكون الأمر بالاستنثار باعتبار إرادة الوضوء (¬1)، أما عند عدم ذلك فلا أمر حينئذ، ويبقى على الأصل وهو الإباحة، غير أن التعليل في الحديث (فإن الشيطان يبيت على خيشومه)، يكفي في كونه ناقلًا للاستحباب، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق، لعدم العلم بالمخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [27 - 104] المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة: المضمضة والاستنشاق من أعمال الوضوء بلا شك، وهناك خلاف في وجوبها وعدمه في الوضوء، ولكن المبالغة فيهما مسنونة. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). العيني (855 هـ) حيث يقول عن المضمضة والاستنشاق: "المبالغة فيهما سنة إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث لقيط بن صبرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا" (¬7). • وجه الدلالة: حيث في الحديث الأمر بالمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وهو ¬
[28 - 105] المبالغة في الاستنشاق غير واجبة
ما يدل على مسألتنا بالمطابقة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن المبالغة من باب التكميل للوضوء، وهي من الإسباغ، فكانت المبالغة مستحبة، سواء كانت في المضمضة أو الاستنشاق. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة ابن الزاغوني من الحنابلة، وعليه ظاهر كلام الخرقي في المضمضة فقط، فقالوا: بعدم استحباب المبالغة فيها (¬1). ولم يذكروا دليلًا، غير أنه يمكن الاستدلال بأن الحديث الوارد في الحث على المبالغة في الاستنشاق وحده؛ فيُكتفى به (¬2). وخالف ابن حزم، فقال بوجوب المبالغة (¬3)، ولدى الحنابلة خلاف في وجوب المبالغة؛ أو استحبابه، وكون الوجوب في الاثنين؛ أو في الاستنشاق فقط، وهل هي واجبة في الكبرى أو الصغرى (¬4)، غير أن هذا كله لا ينافي الاستحباب؛ فلا نناقشه كقولٍ مخالفٍ للإجماع، وهي مبحوثة في مسألة وجوب المبالغة في الاستنشاق، في هذه الرسالة.Rأن الإجماع غير متحقق في مسألة المبالغة في المضمضة؛ لوجود المخالف في المسألة، خاصة أن القول المخالف عليه ظاهر كلام الخرقي، وهو من أشهر مختصرات الحنابلة، وعليه شروح لا تحصى، واللَّه تعالى أعلم. أما مسألة المبالغة في الاستنشاق؛ فالإجماع فيها متحقق؛ لعدم وجود المخالف فيها، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 105] المبالغة في الاستنشاق غير واجبة: لا شك أن المبالغة في الاستنشاق سنة مستحبة، ولكن الأمر الوارد في الحديث (¬5) ليس للوجوب، بل هو للاستحباب، هذا ما تتحدث عنه مسألتنا. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وبالغ في ¬
[29 - 106] تقديم المضمضة على الاستنشاق سنة
الاستنشاق" محمول أيضًا على الندب؛ فإن المبالغة لا تجب بالاتفاق" (¬1). السراج الهندي (773 هـ) فقال: "والصارف له عن الوجوب -أي: حديث الأمر بالمبالغة- الاتفاق على عدمه، كما نقله السراج الهندي" (¬2). نقله ابن نجيم عنه (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (¬4)، والحنابلة على المشهور من مذهبهم (¬5). • مستند الاتفاق: حديث لقيط بن صبرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا" (¬6). • وجه الدلالة: حيث أمر بالمبالغة، ثم نهى عنها الصائم، والوجوب يستلزم عدم جواز الترك، فدل على عدم الوجوب، وبقي الاستحباب (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية لهم بأنها واجبة، وهل الوجوب مخصوص بالطهارة الكبرى أو في الكل؟ على قولين عندهم (¬8). ووافقهم على هذا ابن حزم، فقال بوجوب المبالغة لغير الصائم (¬9). واستدل بحديث: "وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا"، فحمل الأمر هنا على الوجوب (¬10).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 106] تقديم المضمضة على الاستنشاق سنة: إذا شرع المسلم في الوضوء، فإنه يسن له أن يقدم المضمضة على الاستنشاق في وضوئه (¬11). ¬
[30 - 107] استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل
• من نقل الإجماع: ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "المضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن منها تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "ثم أدخل يده، فمضىمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يمضمض ويستنشق ويستنثر بغرفة واحدة، يكرر ذلك ثلاثًا، وهذا لا يتأتى إلا أن يبدأ بالمضمضة، فلو بدأ بالاستنشاق والاستنثار لما بقي من الماء شيء ليتمضمض به، مما يدل على أنه من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذه سنة فعلية، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 107] استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل: إذا استيقظ الإنسان من نوم الليل، فإنه يستحب له أن يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلها الإناء، وذلك بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق عطاء، والأوزاعي، وإسحاق (¬7)، والحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، . . . . . . . ¬
[31 - 108] تخليل اللحية الكثيفة سنة
والشافعية (¬1)، ورواية عند الحنابلة (¬2). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر، ومن استجمر؛ فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية بالوجوب (¬4)، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن (¬5)، ونسبه الكاساني إلى قومٍ (¬6). ولكن هذا لا يتنافى مع الاستحباب، كما كررت ذلك كثيرًا، فهو غير منافٍ لمسألتنا.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 108] تخليل اللحية الكثيفة سنة: اللحية إذا كانت كثيفة تمنع وصول الماء إلى البشرة، فإنه يستحب تخليل اللحية لإيصال الماء. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن تخليلَ اللحية إذا كانت كثَّةً، وتخليلَ الأصابع سنةٌ من سنن الوضوء" (¬7). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق عثمان بن عفان، وعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأنس، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، وأبو البختري، وأبو ميسرة، وابن سيرين، والحسن، وأبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وعبد الرزاق (¬8)، . . . . . . ¬________ (¬1) "أسنى المطالب" (1/ 38)، و"مغني المحتاج" (1/ 187). (¬2) "المغني" (1/ 140). (¬3) سبق تخريجه. (¬4) "المغني" (1/ 140). (¬5) "المغني" (1/ 140). (¬6) "بدائع الصنائع" (1/ 20). (¬7) "الإفصاح" (1/ 33). (¬8) "المحلى" (1/ 281)، و"المغني" (1/ 148).
وهو قول أبي يوسف (¬1)، وقولٌ لمالك (¬2)؛ كما وافق الشافعية على الصحيح عندهم (¬3)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬4). • مستند الاتفاق: حديث عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان يخلل لحيته" (¬5). • وجه الدلالة: النص على أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يخلل لحيته، ومجرد فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدل على الاستحباب. • الخلاف في المسألة: خالف النخعي، وابن سيرين، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (¬6)؛ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (¬7)، وهو قول لمالك (¬8)، وابن حزم (¬9)، وهو قول عند الحنابلة (¬10)، فقالوا بعدم استحباب التخليل في الوضوء. واستدلوا بحديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، قال: "ألا أخبركم بوضوء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فتوضأ مرة مرة" (¬11). وغسل الوجه مرة لا يمكن معه بلوغ الماء إلى أصول الشعر، ولا يتم ذلك إلا بترداد الغسل والعرك، مما يدل على أنه لم يكن يخلل لحيته عليه الصلاة والسلام (¬12). وهناك من قال بالوجوب، وهو مروي عن عمر، وابنه رضي اللَّه تعالى عنهما، وعطاء، وابن سابط، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير (¬13)، وهو قول لمالك (¬14)، وهو وجه عند الشافعية، واختاره المزني (¬15)، وهو قول للحنابلة (¬16)، ولكن هذا القول غير منافٍ للاستحباب، كما سبق.Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، كما هو ظاهر ¬
[32 - 109] تخليل اللحية ليس بواجب
مما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [32 - 109] تخليل اللحية ليس بواجب: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه لا يجب عليه أن يخلل لحيته، وعلى ذلك حُكي الاتفاق. • من نقل الإجماع: ابن خويز منداد حيث يقول: "إن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، إلا شيء روي عن سعيد بن جبير". نقله عنه القرطبي (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق كل من وافق على المسألة الماضية، ومن خالف أيضًا، باستثناء من قال بوجوب التخليل، ومنهم الحنفية (¬2)، وقول لمالك (¬3)، والشافعية على الصحيح من مذهبهم (¬4)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الاتفاق: حديث عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان يخلل لحيته" (¬7). • وجه الدلالة: أن الوارد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في التخليل للحية هو من فعله عليه الصلاة والسلام، ومجرد الفعل يدل على الاستحباب، ولا دليل صحيح يدل على الوجوب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عمر، وابنه رضي اللَّه تعالى عنهما، وعطاء، وابن سابط، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير (¬8)، وهو قول لمالك (¬9)، وهو وجه عند الشافعية، واختاره المزني (¬10)، وهو قول للحنابلة (¬11)؛ فقالوا بوجوب التخليل. ¬
واستدلوا بحديث أنس مرفوعًا: "كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء، فجعله تحت حنكه، وخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي" (¬1)، فهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب (¬2).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الخامس: مسائل الإجماع في باب فروض الوضوء وصفته
الباب الخامس: مسائل الإجماع في باب فروض الوضوء وصفته [1 - 110] التفريق اليسير بين غسل أعضاء الوضوء لا يضر: من توضأ وضوءه للصلاة، وفرّق بين غسل أعضاء الوضوء تفريقًا يسيرًا، فإن هذا لا يضره (¬1). • من نقل الإجماع: الغزالي (505 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬2) حكايته للإجماع في المسألة (¬3). المحاملي (415 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬4) حكايته للإجماع في المسألة. النووي (676 هـ) حيث يقول: "فالتفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). الشربيني (977 هـ) حيث يقول عن التفريق اليسير: "وأما اليسير، فلا يضر إجماعًا" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10)، وابن حزم (¬11). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هَلَك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (¬12). ¬
[2 - 111] الاقتصار على النية بالقلب مجزئ
• وجه الدلالة: حيث إن تحقيق الأوامر مربوط بالاستطاعة، والموالاة الدقيقة فيها مشقة وعسر على الناس، فكان مقتضى التيسير أن يخفف فيها ما دام أنها يسيرة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 111] الاقتصار على النية بالقلب مجزئ: إذا نوى مريدُ الوضوء بقلبه، ولم يتلفظ بالنية بلسانه، فإن فعله هذا مجزئٌ (¬1). • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه لو اقتصر على النية بقلبه أجزأ، بخلاف ما لو نطق بلسانه دون أن ينوي بقلبه" (¬2). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة، والصيام، والزكاة، والكفارات، وغير ذلك من العبادات، لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن الاقتصار على النية بالقلب: "ولو اقتصر عليه بقلبه أجزأه إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬5)، وهم لا يشترطون النية في الوضوء أصلًا؛ كما وافق المالكية (¬6)، والشافعية (¬7). • مستند الاتفاق: 1 - حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (¬8). ¬
• وجه الدلالة: حيث ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأعمال بالنيات، والنيات محلها القلب، ولم يبين في الحديث أنه يجب مع النية التلفظُ، مع الحاجة لبيانه لو كانت لازمة، فدل ترك البيان على عدم لزوم التلفظ، واللَّه تعالى أعلم. 2 - عدم وجود نص يُلزم بالتلفظ، أو حتى على استحبابه، فلم ينقل عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أصحابه، ولا أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا من أمته أن يتلفظ بالنية، ولا علَّم أحدًا من المسلمين (¬1)، ولذلك أنكره عدد من أهل العلم، منهم ابن تيمية (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف أبو عبد اللَّه الزبيري من الشافعية في هذه المسألة، فقال: لا بد من الجمع بين نية القلب ولفظ اللسان (¬3). وقال الماوردي عن هذا القول: "وهذا لا وجه له" (¬4). وخالف الشافعية في وجهٍ مشهورٍ عندهم بأن نية الصلاة تجب باللفظ والقلب معًا، وغلّطه النووي، ونَقَل عن الماوردي، أنه أشار إلى جريانه في الوضوء، وقال النووي بعده: "هو أشذّ وأضعف" (¬5). وهذا القول يعني أنه لا يجزئ إلا إذا جمع بين اللفظ بالنية والعزم بالقلب. وليس لهؤلاء دليل، وهو قول شاذ لا يدعمه دليل، وقد صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحابته بالناس، ولم يذكر أحد عنهم أنهم كانوا يتلفظون بشيء من ذلك، ولو كانوا يفعلونه لنقل، فضلًا عن أن يلتزموا به، ولم يُذكر هذا القول عن أحد من السلف، ولا ممن يعتد بقولهم، ومن نسبه للشافعي فقد غلط، كما قال النووي (¬6).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، وإن كان وجهًا مشهورًا للشافعية، إلا أنه لم يذكر عن السلف خلاف في المسألة، ولم يشتهر الخلاف إلا عند المتأخرين، فخلافهم أتى بعد الإجماع، فلا عبرة به، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[3 - 112] النية محلها القلب
[3 - 112] النية محلها القلب: النية -التي هي عبارة عن القصد للشيء- محلها القلب، وقد حكي الإجماع على ذلك (¬1). • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة، والصيام، والزكاة، والكفارات، وغير ذلك من العبادات، لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام، بل النية محلها القلب باتفاقهم" (¬2). وقال: "محل النية القلب باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا بعض المتأخرين أوجب التلفظ بها، وهو مسبوق بالإجماع" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "محل النية القلب إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7). • مستند الاتفاق: أن النية عبارة عن القصد للشيء، ومحل القصد هو القلب (¬8).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 113] استحباب النية من أول الوضوء واستدامتها: إذا توضأ المتوضئ ناويًا الوضوءَ، وكان ذلك من أول الوضوء، ثم استدام النية إلى أن فرغ من صلاته، فإن فعله مستحب ومحمود. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "الأفضل أن ينوي من أول الوضوء، ويستديم إحضار النية؛ حتى يفرغ من الوضوء، وهذا الاستحباب متفق ¬
[5 - 114] صحة طهارة من نوى عند المضمضة واستدامها إلى غسل الوجه
عليه" (¬1). • من نقل الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (¬6). • وجه الدلالة: الحديث فيه أن الأعمال تحتسب بالنيات، فإذا توضأ المسلم ناويًا الوضوء، فإن فعله ذلك محتسب له، ولذا قال الجمهور باشتراط النية في الوضوء، وأن من توضأ بلا نية لا عمل له، ولكن الجميع متفقون على أنه إذا نوى من أول الوضوء إلى آخره فقد فعل المستحب، ويكون مأجورًا على ذلك، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 114] صحةُ طهارةِ من نوى عند المضمضة واستدامها إلى غسل الوجه: إذا نوى المتوضئ عند بداية الوضوء قبل الشروع في غسل الأعضاء، واستدام النية إلى نهاية الوضوء، فإن وضوءه صحيح (¬7). • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا نوى عند المضمضة، واستدام النية، واستصحب حكمها إلى غسل أول جزء من الوجه؛ صحت طهارته" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، وقد سبق أنهم لا يرون ¬
[6 - 115] صحة وضوء الغالط في تعيين نوع الحدث
وجوب النية في الوضوء، والمالكية (¬1)، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لك امرئٍ ما نوى" (¬3). • وجه الدلالة: حيث فيه ذكر أن الأعمال تكون بالنيات، وإذا توضأ المتوضئ بنيةٍ واستدامها، فإنه يكون قد أتى بما عليه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 115] صحة وضوء الغالط في تعيين نوع الحدث: إذا توضأ متوضئ وهو يظن حدثه البول، ثم تبين أنه النوم أو غيره من النواقض، فوضوؤه هذا صحيح، ونُقل نفي الخلاف في ذلك (¬4). ويخرج من هذه المسألة من توضأ مجددًا، فبان محدثًا، حيث يوجد فيها خلاف، فمن العلماء من اشترط تحديد نية الفرض (¬5). وعلى هذا نضع قيدًا في المسألة يخرج هذه الصورة: وهو أن يكون الخطأ في تحديد نوع الحدث، لا في سبب الوضوء، فقد يكون سببه التجديد مثلًا. وهذا القيد أيضًا يخرج الطهارة للخبث، فليست داخلة في المسألة التي نحن بصددها (¬6). • من نقل الإجماع: المزني (264 هـ) حيث يقول: "ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما عليه معرفة أي الصلوات عليه؛ لوجب لو توضأ من ريح، ثم علم أن ¬
حدثه بول، أو اغتسلت امرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبًا، أو من حيض وإنما كانت نفساء؛ لم يجزئ أحدًا منهم حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه، ولا يقول بهذا أحد نعلمه" (¬1). وهذه العبارة مطلقة، ليس فيها ما يدل على أنها للمذهب فقط. نقله عنه النووي (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا نوى رفع حدث البول، ولم يكن حدثه البول، بل النوم مثلًا، فإن كان غالطًا، بأن ظن حدثه البول؛ صح وضوؤه بلا خلاف، وقد أشار المزني رحمه اللَّه إلى نقل الإجماع على هذا، فإنه قال في باب التيمم من "مختصره": ولا نعلم أحدًا منع صحة وضوء هذا الغالط، وذكر إمام الحرمين هنا في باب النية أن المزني نقل الإجماع على ذلك" (¬3). وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق" (¬4). والنووي في العبارتين لم يرد الإجماع على الأظهر، إلا أن المزني أراده على الأظهر. • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية، وهم لا يرون وجوب النية في الوضوء أصلًا، فمن باب أولى هنا (¬5) المالكية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - أن الحدث لا يتجزأ، بل هو شيء واحد مانع للصلاة، وإذا ارتفع بعضه، ارتفع كله، وزال المانع، فإذا توضأ ونوى، وأخطأ في النية، فقد أخطأ فيما لا اعتبار له، ما دام أن المنوي خطأ في درجة المبطل الحقيقي (¬8). 2 - أن الأحداث التي تنقض الوضوء تتداخل، وإذا قام عدد من المبطلات فإنه يكفيها وضوء واحد، ولم يقل أحد بتعدد الوضوء لها، وكذا ما لو أخطأ الناوي في تعيين الحدث المبطل (¬9). ¬
[7 - 116] استحباب التسمية في طهارة الحدث
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 116] استحباب التسمية في طهارة الحدث: إذا أراد المسلم الطهارة من الحدث، فإنه يستحب له أن يبدأ بالبسملة. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على استحباب التسمية لطهارة الحدث، ثم اختلفوا في وجوبها" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية في روايةٍ عندهم (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه" (¬6). 2 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "توضؤوا باسم اللَّه"، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، والقوم يتوضؤون، حتى توضؤوا من عند آخرهم، وكانوا نحو سبعين رجلًا (¬7). • وجه الدلالة: في الحديث الأول نفى الوضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه تعالى عليه، والنفي هنا مختلف فيه؛ هل هو للصحة أو للكمال؟ ولكن على كلا القولين يدل على ¬
[8 - 117] غسل الكفين قبل الوضوء غير واجب
مسألتنا بأن من لم يذكر اسم اللَّه تعالى عليه، فوضوؤه غير كامل على أقل القولين. أما الحديث الآخر: فقد ربط عليه الصلاة والسلام الوضوءَ بالتسمية، والأمر للاستحباب أو الوجوب، وكلاهما تدل لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف مالك في روايةٍ عنه، ورأى أن التسمية غير مشروعة (¬1). واستدل بأنه غير معروف لدى السلف، ولم يأت به دليل صحيح (¬2). وله رواية ثالثة: أن المتوضئ مخيرٌ بين الفعل والترك، فذكر التسمية مباحٌ إذًا (¬3). ولم يذكروا دليلًا على هذه الرواية.Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 117] غسل الكفين قبل الوضوء غير واجب: غسل الكفين لمن أراد الوضوء غير واجب على المتوضئ، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول عن غسل اليدين: "وليس ذلك بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول أثناء نقاشه لمسألة حكم المضمضة والاستنشاق: "ولأن فيه -حديث وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غسل الكفين والتكرار وغيرهما، مما ليس بواجب بالإجماع" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬8)، وظاهر كلام ابن حزم (¬9). ¬
[9 - 118] غسل الوجه فرض
• مستند الإجماع: أن غسل اليدين لم يرد ذكره في آية الوضوء، بينما ورد فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له في أحاديث صفة وضوئه، وسبق عدد منها، من دون أن يأمر به، فدل ذلك على السنية وعدم الوجوب؛ لأن مجرد فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دون أن يأمر به يدل على الاستحباب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية, فقال بوجوبه، وعدَّه في "الإنصاف" من المفردات (¬1). وذكره الحطاب قولًا عند غير المالكية (¬2). ولم يذكروا لهذا القول دليلًا ولكن يمكن أن يستدل له بأنه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الوضوء، وكونه عليه الصلاة والسلام واظب عليه يدل على الوجوب.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 118] غسل الوجه فرض: الأعضاء التي تغسل في الوضوء أربعة، منها الوجه، فلا يصح الوضوء بدون غسل الوجه، وهذه مسألة قطعية؛ لأنها واردة في القرآن صراحةً، ولإجماع أهل العلم على ذلك في الجملة، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (¬3). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن غسل الوجه من أصل منابت الشعر في الحاجبين (¬4) إلى أصول الأذنين إلى آخر الذقن فرضٌ على من لا لحية له" (¬5). وقال أيضًا: "وأما قولنا في الوجه فإنه لا خلاف في أن الذي قلنا فرض غسله قبل خروج اللحية" (¬6). ¬
ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (¬1). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء" (¬3). ونقل عنه الحطاب حكايته الإجماع على فرضية الأعضاء الأربعة (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "غسل الوجه واجب بالنص والإجماع" (¬5). وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب، والسنن المتظاهرة، والإجماع" (¬7). ويقول أيضًا: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (¬8). ونقله عنه الشوكاني (¬9). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة "المجمع عليها" أي: على فرضيتها (¬10). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "الثاني من الفروض غسل ظاهر وجهه؛ لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وللإجماع" (¬11). ¬
[10 - 119] الوجه حكمه الاستيعاب
الرملي (1004 هـ) حيث يقول: "الثاني من الفروض غسل ظاهر وجهه بالإجماع للآية" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الوجه، والأمر يقتضي الوجوب. 2 - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيث فيها ذكر غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لوجهه، ولم يترك في واحدٍ منها غسله لوجهه، مما يدل على فرضيته، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنهما-: "أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ نحو وضوئي هذا" (¬3).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه المسألة من المسائل المشهورة التي لا مجال للاجتهاد فيها، والإجماع عليها قطعي، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 119] الوجه حكمه الاستيعاب: إذا أراد المتوضئ أن يغسل وجهه، فيجب عليه أن يستوعب الوجه كله، وعلى ذلك حكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن غسل الوجه، من أصل منابت الشعر في الحاجبين (¬4) إلى أصول الأذنين إلى آخر الذقن فرضٌ على من لا لحية له" (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، . . " (¬6). ¬
[11 - 120] غسل بعض الوجه غير مجزئ
القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب وتتبع مواضعه" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الوجه، ولا يكون الإتيان بمقتضى الأمر إلا بغسل الوجه كله، وإلا فإن إتيانه بالأمر غير كامل، فدل على وجوب استيعاب الوجه؛ لأن الأمر مطلق، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [11 - 120] غسل بعض الوجه غير مجزئ: إذا غسل المتوضئ جزءًا من العضو الواجبِ غسلُه في الوضوء - وهو هنا الوجه - وترك جزءًا من العضو، فإن وضوءه غير مجزئ. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فكلٌ قد أجمع أن ما وجب غسله من ذلك؛ فلا بد من غسله كله، ولا يجزئ غسل بعضه دون بعض" (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء، ولا مسح بعضه في التيمم" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (¬6) أن من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬8). ¬
[12 - 121] ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء غير موجبة للإعادة
• مستند الإجماع: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفرٍ على قدمه، فأبصره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك"، قال: فرجع، ثم صلى" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنكر على هذا الرجل الذي ترك جزءًا من قدمه لم يغسله، مما يدل على وجوب الإسباغ، وعدم ترك أي جزء مما يجب غسله، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 121] ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء غير موجبة للإعادة: • من نقل نفي الخلاف: الشافعي (204 هـ) حيث يقول عن المضمضة والاستنشاق: "ولم أعلم اختلافًا في أن المتوضئ لو تركهما عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، وأَحمد في رواية في الوضوء (¬5)، وفي المضمضة على رواية أخرى (¬6)، وابن حزم في المضمضة (¬7). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن المضمضة والاستنشاق لم يصح بها عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر، وإنما هي فعلٌ فعَلَه عليه الصلاة والسلام، وأفعاله -صلى اللَّه عليه وسلم- ليست فرضًا؛ لأن اللَّه تعالى إنما أمرنا بطاعة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، ولم يأمرنا بأن نفعل أفعاله (¬8). 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل الكمال، كما يواظب على الأركان، وفي كتاب اللَّه تعالى أمر بتطهير أعضاء مخصوصة، والزيادة على النص لا تجوز إلا بما يثبت به النسخ (¬9). ¬
[13 - 122] الاستنثار غير واجب
• الخلاف في المسألة: خالف أحمد على المذهب (¬1) بأن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء. وخالف أحمد في رواية أخرى (¬2) ابن حزم في الاستنشاق (¬3)، فقال بوجوبه، وأن الوضوء لا يصح إلا به. واستدلوا (¬4) بحديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وإذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" (¬5).Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 122] الاستنثار غير واجب: الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بدفع النَّفَس (¬6). فإذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإنه لا يجب عليه الاستنثار. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول اللَّه، أنه قال: "إذا توضأ أحدكم فليستنثر" (¬7) دليلًا على وجوب الاستنثار، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله -ما يغني عن إكثار القول فيه" (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فإن التنثر لا يجب بالإجماع" (¬9). ونقله عنه الشوكاني (¬10). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬11)، والمالكية (¬12)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (¬13). ¬
[14 - 123] جواز المضمضة والاستنشاق من كف واحدة
• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، وفيه: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مضمض واستنشق" (¬1). • وجه الدلالة: أن عددًا ممن وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكر الاستنثار، فدل على أنه للاستحباب، وأن الاستنشاق يكفي عنه؛ لأنه لم ينقل فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نقل ابن حجر قولًا لبعض العلماء بوجوب الاستنثار، ثم قال: "وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه" (¬2)، ولعله يريد النووي في قوله. وقد خالف أحمد في رواية عنه، فقال بوجوبه (¬3)، وهو قول ابن حزم (¬4). واستدلوا بحديث: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء؛ ثم ليستنثر" (¬5)؛ حيث فيه الأمر، وهو للوجوب إلا بصارف، ولا صارف عندهم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 123] جواز المضمضة والاستنشاق من كف واحدة: إذا تمضمض واستنشق المتوضئ من كف واحدة، فإن فعله هذا جائز بلا خلاف. • من نقل نفي الخلاف: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "قال أبو عمر في حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تمضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة" (¬6). . وهو أمر لا أعلم فيه خلافًا أنه من شاء فعله" (¬7). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة (¬10). ¬
[15 - 124] غسل داخل العين غير واجب
• مستند نفي الخلاف: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه- في وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ حيث فيه: "فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات" (¬1). وفي لفظ: "من كفٍّ واحدة" (¬2). • وجه الدلالة: أن قوله في وصف وضوئه عليه الصلاة والسلام: "بثلاث غرفات" يدل على أنه يأخذ الماء مرة واحدة، ويأتي بالأفعال الثلاثة مرة واحدة، وهذا يعني أنه يفعلها بكف واحدة، واللفظ الآخر صريح في ذلك (¬3)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 124] غسل داخل العين غير واجب: الواجب على المتوضئ غسل وجهه، وبما أن العين من الوجه، فإن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجب عليه غسل داخلها (¬4). • من نقل الإجماع: الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن الوجه المفروض غسله في الوضوء ما ظهر دون ما بطن، وأن ليس على الرجل أن يغسل عينيه، ولا أن ينضح فيهما" (¬5). ابن جرير (310 هـ) حيث يقول مستدلًّا على أن ما تحت اللحية والشارب لا يغسل بعد نباتهما، ثم قال: "لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه، ثم هم مع إجماعهم على ذلك؛ مجمعون على أن غسل ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فلا يجب غسل داخل العين بالاتفاق" (¬7). ¬
[16 - 125] غسل اليدين فرض
سند بن عنان (541 هـ)، أنه قال: "لا خلاف بين أرباب المذاهب أنه لا يشرع غسل داخل العينين". نقله عنه الحطاب (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬3). • مستند الإجماع: 1 - أن جميع من ذكر وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكروا أنه عليه الصلاة والسلام غسل داخل عينيه، ولو كان واجبًا لغسله عليه الصلاة والسلام، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن في ذلك ضررًا على الإنسان، فقد ذُكر عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه عمي بسببه، والإسلام لا يأمر بضرر، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية بأنه يجب (¬4). وهو ظاهر كلام "المقنع"، كما قال المرداوي، وذكره من المفردات (¬5). وعنه رواية أخرى بأنه واجب في الغسل فقط (¬6). وذكره المرداوي من المفردات أيضًا (¬7). ولم أجد له دليلًا ولكن نُقل فعله عن ابن عمر (¬8)، وابن عباس (¬9) -رضي اللَّه عنهم-. وقد يقال: إنه من ظاهر الوجه؛ فيلزمه ما يلزم الوجه.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 125] غسل اليدين فرض: اليدان من الأعضاء الأربعة الواردة في آية الوضوء، وقد نقل الإجماع على فرضية غسلها عددٌ من أهل العلم. ¬
• من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "اختلف أهل التأويل في المرافق، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب" (¬1)، يريد غسل اليد إلى المرافق. الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (¬2). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسلَ الذراعين إلى مشدّ المرفقين فرضٌ في الوضوء" (¬3). وأقره ابن تيمية في نقده "للمراتب"، وذكر خلافًا في مسألة دخول المرفقين، وستأتي (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس؛ فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته في شيء من ذلك؛ إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (¬6). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء" (¬7). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة" (¬8). ويقول أيضًا: "ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض بالإجماع" (¬9). وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -من فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (¬10). ¬
النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (¬1). وقال أيضًا: "فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع" (¬2). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض إجماعًا" (¬3). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "هذه هي الفريضة الثانية، وهي غسل اليدين مع المرفقين، وهي ثابتةٌ أيضًا بالكتاب والسنة والإجماع" (¬4). وقال أيضًا: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي على فرضيتها (¬5). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول جوابًا على إشكال قد يرد بوجوب غسل يد واحدة ورجل واحدة فقط: "وجوب واحدة بالعبارة، والأخرى بالدلالة لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع القطعي على افتراضهما، بحيث صار معلومًا من الدين بالضرورة" (¬6). ونقله عنه الحصكفي في "الدر المختار"، وعلق عليه ابن عابدين بقوله: "أي على افتراض غسل كل واحدة من اليدين والرجلين" (¬7). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (¬8). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية والإجماع" (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. ¬
[17 - 126] دخول المرفقين في غسل اليدين
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل اليدين إلى المرافق، والأمر يقتضي الوجوب. 2 - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيها ذكر غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليديه، ولم يترك في واحدٍ منها غسلَه ليديه، مما يدل على فرضية غسلهما، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنهما-، وفيه: "ويديه إلى المرفقين ثلاثًا" (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم المخالف في المسألة، وهي من مسائل الإجماع القطعي التي لا مجال للاجتهاد فيها، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 126] دخول المرفقين في غسل اليدين: سبق ذكر مسألة فرضية غسل اليدين، ولكن هل المرفقان يدخلان في اليدين، فلا يصح الوضوء من دون غسلهما؟ نقل الإجماع في هذه المسألة عددٌ من أهل العلم بأن المرفقين تدخل في اليدين. • من نقل الإجماع: الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن المرافق مما يغسل. . . ولا يجزي في غسل اليدين أبدًا إلا أن يُؤتى على ما بين أطراف الأصابع إلى أن تُغسل المرافق" (¬2). ونقله عنه ابن حجر (¬3)، وابن نجيم (¬4)، والصنعاني (¬5)، وابن عابدين (¬6). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسل الذراعين إلى مشدِّ المرفقين؛ فرض في الوضوء" (¬7). وفي نقد ابن تيمية لهذه العبارة، نقلها بلفظ: "منتهى المرفقين" (¬8)، وهي أوضح في مسألتنا. ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (¬9). ¬
النووي (676 هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف (¬1) من وجوب غسل المرفقين، هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة؛ إلا ما حكاه أصحابنا عن زفر، وأبي بكر ابن داود" (¬2). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل اليدين مع المرفقين. . .، ودل على دخولها الآيةُ، والإجماعُ" (¬3). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وأما غسل المرافق والكعبين؛ ففرضيته بالإجماع" (¬4). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه، من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (¬5). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية، والإجماع (مع) بفتح العين وتسكن بقلة (مرفقيه). .؛ لما روى مسلم (¬6) عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. .، وللإجماع" (¬7). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عن غسل المرفقين: "واتفق العلماء على وجوب غسلهما، ولم يخالف في ذلك إلا زفر، وأبو بكر بن داود الظاهري" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، وإسحاق (¬9)، والحنفية (¬10)، والمشهور من مذهب المالكية (¬11)، والمذهب عند الحنابلة (¬12). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ¬
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: قوله: {إِلَى الْمَرَافِقِ}، و"إلى" هنا تحتمل معنيين: إما أنها بمعنى مع، وهي بهذا تدل بالمطابقة على المسألة، وإما أنها بمعنى الغاية، فالغاية تدخل إذا كان التحديد شاملًا للحد والمحدود؛ كقولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة، أو بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فإن الأصبعين والشجرتين داخلان في القطع والبيع بلا شك؛ لشمول اللفظ (¬1). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، "أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد. . .، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ" (¬2). • وجه الدلالة: أن أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- غسل اليد حتى شرع في العضد، مما يعني أنه غسل المرفقين وزيادة، وقد قال: "هكذا رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ"، وفعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له يدل على السنة المأمور بفعلها في الوضوء (¬3)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف زفرُ من الحنفية في هذه المسألة (¬4)، وهي رواية عن مالك أنكر صحتها بعض المالكية (¬5)، ورواية عن أحمد (¬6)، وهو قول أبي بكر بن داود الظاهري (¬7)، فقالوا بأن المرفقين لا يدخلان في غسل اليدين. ونقد ابن تيمية هذا الإجماع بخلاف زفر، وبعض المالكية، وداود (¬8). واستدلوا بأنه غاية في كتاب اللَّه تعالى، والغاية حد، فلا يدخل تحت المحدود، واستدلالًا بقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] (¬9)، فإن الليل لا ¬
[18 - 127] الكمال والتمام بغسل المرفقين مع اليدين
يدخل في وجوب الصيام فكذلك هنا. وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام الشافعي ثم علق على قول زفر بقوله: "فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالكٍ صريحًا" (¬1). وخالف ابن حزمٍ؛ فقال بأن غسل اليدين من دون المرفقين مجزئ (¬2). واستدل بأن "إلى" في لغة العرب تكون بمعنى الغاية، وبمعنى مع، قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} بمعنى مع أموالكم، فلما كانت تقع على هذين المعنيين وقوعًا صحيحًا مستويًا، لم يجز أن يقتصر بها على أحدهما دون الآخر، فيكون ذلك تخصيصًا لما تقع عليه بلا برهان، فوجب أن يجزئ غسل الذراعين إلى أول المرفقين بأحد المعنيين (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، أما كلام ابن حجر السابق، فغير دقيق لأمرين: الأول: أن الخلاف منقولٌ عن زفر بن الهذيل، وهو متوفى سنة 158 هـ رحمه اللَّه، فهو سابقٌ للشافعي بكثير، وعدم علم الشافعي بخلافه لا يعني عدمه. الثاني: أن الخلاف منقولٌ عن أحمد أيضًا، وهو من معاصري الشافعي، فلم يثبت الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 127] الكمال والتمام بغسل المرفقين مع اليدين: هذه المسألة تأتي وكأنها استكمالٌ للمسألة السابقة، فبعد أن ناقشنا دخول المرفقين من اليد في الوضوء، وأنه لم يثبت الإجماع فيها، أتت هذه المسألة لتجمع الفُرَقاء، فهم كلهم مجمعون على أن من غسل المرفقين؛ فقد أدى الكمال والتمام. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه إن غسلهما وغسل مرفقيه وخلل أصابعه بالماء، وما تحت الخاتم فقد تم ما عليه في الذراعين" (¬4). ¬
[19 - 128] عدم دخول العضد في غسل اليدين
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، والظاهرية (¬5). • مستند الاتفاق: ما سبق أن ذُكر في مستند المسألة السابقة. 3 - الاحتياط في الدين، فإذا فعل الإنسان الأحوط له، فقد دفع الخلاف، واستبرأ لدينه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 128] عدم دخول العضد في غسل اليدين: آية الوضوء حددت الأعضاء التي يجب غسلها، ومنها اليدان بأنهما يغسلان إلى المرفقين، فما بعد المرفقين لا يدخل في حكم ما قبله (¬6). • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول في سياق استدلاله لدخول المرفقين في غسل اليد عن حرف (إلى) في آية الوضوء: "فإن كانت بمعنى مع، فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن الآية حددت محل العضو المغسول بأنه إلى المرافق، وما دام أن الأمر محددٌ، فيجب الأخذ بتحديده في حد العضو، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[20 - 129] غسل ما فوق المرفقين والكعبين غير مستحب
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [20 - 129] غسل ما فوق المرفقين والكعبين غير مستحب: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه يستحب له أن يغسل ما فوق المرفقين والكعبين. • من نقل الإجماع: ابن بطال (449 هـ) حيث يقول عن قول أبي هريرة في استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين: "هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد اللَّه ورسوله، ولم يجاوز رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قط مواضع الوضوء فيما بلغنا". نقله عنه النووي (¬1)، والشوكاني (¬2). القاضي عياض (544 هـ) حيث يقول بعد ذكره لرأي أبي هريرة في إطالة الغرة والتحجيل: "والناس مجموعون (¬3) على خلاف هذا" (¬4). ونقله عنه الموّاق (¬5)، والشوكاني (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة في رواية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - استدل المالكية على هذا القول بأن عمل أهل المدينة على عدم إطالة الغرة، وهي غسل ما فوق المرفقين والكعبين (¬8). 2 - أن إطالة الغرة فيه زيادة على محل الفرض، والزيادة في الدين بدعة (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الشافعية (¬10)، والحنفية (¬11)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬12)، فقالوا باستحباب غسلهما. قال النووي: "هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا" (¬13). واستدلوا بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إن أمتي يأتون يوم القيامة ¬
[21 - 130] أقطع اليد لا فرض عليه
غُرًّا مُحَجَّلين (¬1) من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (¬2). وقال الشوكاني: "والتحجيل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهما مستحبان بلا خلاف" (¬3). ويبدو أنه نقل نفي الخلاف عن النووي، وهو يريد المذهب الشافعي، ولو كان يقصد الإجماع، فهو غير صحيح قطعًا، مع خلاف المالكية والحنابلة السابق، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، بل هو على خلاف قول الجمهور، وقد تأملت كلام ابن بطال فوجدت أنه لم يحكِ الإجماع في مسألتنا بعينها، وإنما يريد أن المسلمين أجمعوا على أنه لا يُتعدى ما حدّ اللَّه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا صحيح لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في هل حدّ الرسول عليه الصلاة والسلام التحجيل؛ أو أنه من فهم أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-؟ ومن هنا نشأ الخلاف. فابن بطال والقاضي عياض استدلا بالإجماع في مسألة عامة، وأنزلوه على مسألتنا، ولم يحكوا الإجماع فيها، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 130] أَقْطَعُ اليد لا فرْضَ عليه: إذا قطعت يد المسلم، وهي من أعضاء الوضوء الأربعة، فإنه لا يلزمه شيء في هذه الحالة، ويسقط عنه فرض غسل اليد. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإن كان أقطع اليد، ولم يبق من محل الفرض شيء، فلا فرض عليه"، قال معلقًا: "هذا متفق عليه" (¬4). ¬
[22 - 131] استحباب مسح الباقي من العضو المقطوع
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. • وجه الدلالة: أن أقطع اليد لا يستطيع غسل يده، لما في ذلك من التكليف بالمحال، فلم يجب ذلك؛ لأن اللَّه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم" (¬5). • وجه الدلالة: أن تحقيق هذا الأمر -وهو غسل اليد- بالنسبة للأقطع غير مستطاع، فسقط عنه هذا الفرض، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 131] استحباب مسح الباقي من العضو المقطوع: والمقصود: الباقي من العضو من غير محل الفرض؛ لأنه إن بقي شيء من محل الفرض وجب غسله بالاتفاق، على ما يأتي بيانه، فيستحب مسح هذا الباقي. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة"، قال: "كذا اتفقوا على استحباب إمساسه الماء" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنابلة (¬7). • مستند الاتفاق: لم أجد لهم مستندًا، ولكنهم عللوا بأنه حتى لا يخلو العضو من الطهارة، كما سبق. ¬
[23 - 132] وجوب مسح الباقي من محل الفرض
وعلَّل بعضهم بأنه موضع الغرة والتحجيل (¬1). • الخلاف في المسألة: لم يذكر ابن حزم هذا الاستحباب في مناقشته للمسألة، بل قال: سقط عن العضو حكمه -أي الغسل- (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. وكذا الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، فلم أجد لهم ذكرًا للمسألة بخصوصها بعد طول بحث، وذكروا مثل ما ذكر ابن حزم، فلا أدري هل هم موافقون أو مخالفون، واللَّه تعالى أعلم.Rأنني لا أجزم بشيء، فالمسألة جزئية، ولم يتحدث عنها العلماء بشكل واضح، ولم أجد من نَصَّ على هذا الاستحباب سوى من ذكرت، فهم يذكرون عدم الوجوب، ويكتفون بذلك، فهل يعني هذا أنهم لا يقولون بالاستحباب؟ من المعلوم أنه لا ينسب لساكت قولٌ، فاللَّه تعالى أعلم. والأظهر أن النووي يقصد بهذا الاتفاقِ الاتفاقَ المذهبي، وذلك يتبين من خلال الكلام التالي بعده، حيث أخذ يناقش أئمة المذهب الشافعي (¬5)، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 132] وجوب مسح الباقي من محل الفرض: إذا قطعت يد إنسان، وبقي منها من محل الفرض شيء، فإنه يبقى الحكم السابق، وهو وجوب الغسل لهذا الباقي من العضو. • من نقل نفي الخلاف: النووي (676 هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإن كان أقطع اليد، ولم يبق من محل الفرض شيء، فلا فرض عليه"، قال: "فيه احتراز مما إذا بقي من محل الفرض شيء، فإنه يجب غسله بلا خلاف" (¬6). وهو يريد هنا نفي الخلاف المذهبي بلا شك لدي. ¬
[24 - 133] عدم وجوب غسل الجلدة المتدلية
المرداوي (885 هـ) حيث يقول معددًا لثلاث مسائل: "الأولى: أن يبقى من محل الفرض شيء، فيجب غسله بلا نزاع" (¬1). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "إذا قطع بعض محل الفرض، وجب غسل ما بقي منه بلا خلاف" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (¬3). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ". . . وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (¬4). • وجه الدلالة: أن الأمر معلق بالاستطاعة، وهي هنا متحققة فيما بقي من العضو، فيجب غسله. 2 - أن الباقي من محل الفرض جزء من العضو الواجب غسله، فإذا تعذر غسل البعض بالقطع وجب غسل الباقي منه.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 133] عدم وجوب غسل الجلدة المتدلية: إذا تقلّعت جلدة من محل الفرض، ولكنها متدلية من غير محل الفرض، فإنه لا يجب غسلها. وحاصل هذه المسألة أن الاعتبار في الجلد المتقلِّع بالمحل الذي انتهى التقلع إليه، وتدلى منه، ولا ينظر إلى الموضع الذي تقلع منه. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول عن جلدة اليد: "وإن تقلعت من محل الفرض، حتى صارت متدلية من غير محل الفرض، لم يجب غسلها؛ قصيرة كانت أو طويلة بلا خلاف" (¬5). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (¬6)، ¬
[25 - 134] مسح الرأس فرض
وقول عند المالكية (¬1)، وقول عند الشافعية، واختاره النووي (¬2). • مستند نفي الخلاف: عللوا لهذه المسألة بأن الجلدة المتدلية أصبحت من غير محل الفرض، فلا يجب غسلها (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في المسألة في قولٍ (¬4)، والشافعية في قولٍ كذلك (¬5) بأنه يعتبر بأصله، فيجب غسل جلدة الساعد المتدلية من العضد، ولا يجب غسل جلدة العضد المتدلية من الساعد إذا لم تلتصق به. وعللوا بأن الاعتبار بالأصل، فإذا كانت الجلدة تغسل قبل التقلع، وما زالت موجودة، فتبقى على حكمها وتغسل، وكذلك الجلدة غير المغسولة سابقًا، تبقى على حكمها السابق، فلا تغسل (¬6).Rمن خلال المناقشة السابقة يظهر أن ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى ربما يقصد نفي الخلاف في المذهب، خصوصًا أنه لم يستخدم عبارته المعتادة في حكاية الإجماع: (لا أعلم فيه خلافًا)، فلعله يريد نفي الخلاف في المذهب، واللَّه أعلم. والنتيجة -كما يظهر- مما سبق أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 134] مسح الرأس فرض: الرأس من أعضاء الوضوء الأربعة التي لا يصح إلا بها، وهناك خلاف في الجزء المجزئ مسحُه من الرأس، وهذه ليست مسألتنا، إذ أنها في مسح الرأس عمومًا، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (¬7). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن مسح بعض الرأس بالماء غير معين ¬
لذلك البعض فرضٌ" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (¬2). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، ومع الكعبين، ومسح الرأس" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء" (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب مسح الرأس" (¬5). وقال أيضًا: "ثم يمسح رأسه، وهو فرض بغير خلاف" (¬6). وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (¬7). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ذكر تعالى أربعة أعضاء: الوجه وفرضه الغسل، واليدين كذلك، والرأس فرضه المسح اتفاقًا" (¬8). وقال أيضًا: "واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس؛ هل هو فرض أو سنة؟ بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرضٌ بالقرآن. . " (¬9). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فمسح الرأس واجب بالكتاب والسنة والإجماع" (¬10). وقال أيضًا: "وأجمعوا على وجوب مسح الرأس" (¬11). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول في حديث له عن التيمم في آية الأمر به: "لأنه لو ¬
[26 - 135] استحباب مسح الرأس كله
قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، أو امسحوا بها؛ لكان يكتفي بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس، وهو خلاف الإجماع" (¬1). يعني أن المسح للرأس متضمن للمسح باليد، وإيصال الماء إليه، وهو معنى كلام العلماء السابق. ابن مفلح -صاحب "المبدع"- (884 هـ) حيث يقول: "ثم يمسح رأسه، وهو فرض بالإجماع" (¬2). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "هذه الفريضة الثالثة من الفرائض المجمع عليها، وهي مسح الرأس" (¬3). وقال أيضًا: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي: على فرضيتها (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، والأمر يقتضي الوجوب. 2 - أحاديث صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنهما-، وفيه: "ثم مسح برأسه" (¬5). • وجه الدلالة: أن كل من ذكر صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر مسح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لرأسه، مما يدل على فرضيته.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل التي لا يجوز فيها الاجتهاد بخلافه، فهي من مسائل الإجماع القطعي، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 135] استحباب مسح الرأس كله: نقل عدد من العلماء الإجماع على استحباب مسح الرأس كاملًا، وأن من فعله فقد ¬
أدى ما عليه وأحسن في ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن من مسح جميع رأسه فأقبل وأدبر، ومسح أذنيه، وجميع شعره؛ فقد أدى ما عليه" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأما المسح بالرأس: فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله؛ فقد أحسن وعمل أكمل ما يلزمه" (¬2). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء أن من عم رأسه بالمسح؛ فقد أدى ما عليه، وأتى بأكمل شيء فيه" (¬3). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح كله، ولم يقل أحد إن مسح بعضِه سنة، وبعضِه فريضة، فدل على أن مسحه كله فريضة" (¬4). اللخمي (478 هـ) حيث نقل عنه الحطاب أنه نفى الخلاف في أنه مأمور بالجميع ابتداء -أي بمسح الجميع -، وإنما الخلاف إذا اقتصر على بعضه (¬5). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله؛ فقد أحسن وفعل ما يلزمه" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واستيعابه بالمسح مأمور به بالإجماع" (¬7). ونقله عنه الشوكاني بلفظ الاتفاق (¬8)، وابن قاسم بلفظ الإجماع (¬9). ولعل النووي يريد أنه مأمور به بالاستحباب إجماعًا، ولا شك أنه لا يريد الأمر الملزم؛ لشهرة الخلاف في المسألة. ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬10). ¬
وقال أيضًا: "ولا خلاف بين الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثًا" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). ابن عبد السلام (749 هـ) حيث نقل عنه الحطاب أنه نفى الخلاف في أنه مأمور بالجميع ابتداء -أي بمسح الجميع-، وإنما الخلاف فيما إذا اقتصر على بعضه (¬3). ابن السمعاني (617 - 618 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر قوله: "وأجاب بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو -الاستيعاب- مشروع بالاتفاق" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالمسح للرأس، وهذا اللفظ عام، ومن مسح رأسه كله فقد أتى بالواجب على أكمل وجه، فلزم استحباب ذلك، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه- في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة" (¬6). وفي رواية: "بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" (¬7). • وجه الدلالة: أن فيه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذه سنة فعلية، فقد مسح رأسه عليه الصلاة والسلام كله، حيث بدأ بمقدم رأسه؛ حتى ذهب إلى قفاه، وهذا يكفي أن يمر على الرأس كله، ولكنه ردهما أيضًا إلى المكان الذي بدأ منه، فدل على استحباب مسح الرأس كله، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[27 - 136] مسح جميع الرأس غير مراد من آية الوضوء
[27 - 136] مسح جميعِ الرأس غير مرادٍ من آية الوضوء: سبق أن ذكرنا أن مسح جميع الرأس مستحب، ونقل الإجماع على ذلك عدد من أهل العلم، ولم نجد من خالف في هذا حتى علماء الحنفية، ولكن هل مسح جميع الرأس مراد من الآية أو لا؟ فقد أجاب الإمام الكاساني بأنه غير مراد بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول مقررًا لمذهب الحنفية بالاقتصار في المسح بالناصية: "وأما وجه التقدير بالناصية؛ فلأن مسح جميع الرأس ليس بمراد من الآية بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. وجه الدلالة من وجهين: 1 - قالوا: الباء في قوله: {بِرُءُوسِكُمْ} للتبعيض؛ أي: أن من مسح بعض رأسه كأنه مسحه كله، فهو يطلق عليه أنه مسح رأسه (¬4). 2 - المسح في اللغة التي نزل بها القرآن هو غير الغسل بلا خلاف، والغسل يقتضي الاستيعاب، والمسح لا يقتضيه، فكانت الآية دالة على أنه ليس المراد غسل الجميع (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة كل من قال بوجوب مسح جميع الرأس، وهذا استدلال بالإجماع في موضع النزاع من الكاساني رحمه اللَّه. فقد خالف المالكية (¬6)، والحنابلة في هذه المسألة (¬7)، وقالوا بأن الآية دالة على مسح جميع الرأس. ¬
[28 - 137] جواز ترك مسح القليل من الرأس
وهو قول ابن عليّة (¬1). فقالوا بأن الآية تدل على ذلك من وجوه، أبرزها وجهان، هما: 1 - أن الباء في الآية للإلصاق، وليست للتبعيض (¬2)، وبهذا يبطل الاستدلال بأن مسح بعض الرأس مجزئ. 2 - الأمر في الآية يقتضي مسح الرأس؛ لأن هذا اللفظ إنما يقع حقيقةً على جميعه، دون بعضه، وقد أمر بمسح ما يتناوله الاسم؛ فيجب مسح جميعه (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، ولو كانت عبارة الكاساني غير لفظ الإجماع؛ لقلت: إنه يقصد المذهب الحنفي، ولكن وجدت أنه يستخدم عبارة الإجماع في المذهب كثيرًا (¬4)، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 137] جواز ترك مسح القليل من الرأس: إذا مسح المتوضئ رأسه، وترك قليلًا من الرأس دون مسح، واقتصر على البعض، فإن ذلك جائز. • من نقل الإجماع: العيني (855 هـ) حيث يقول: "ويدل على أنه قد أريد بها - الباء - التبعيض في الآية اتفاقُ الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح، والاقتصار على البعض" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع مَن قال بأن الواجب في غسل الرأس البعض لا الكل، وقد سبقت الإشارة لهذه المسألة، وهم: الحسن، والثوري، والأوزاعي (¬6)، والشافعية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. ¬
[29 - 138] العفو عن ترك اليسير في مسح الرأس
• وجه الدلالة: في قوله {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] فالباء هنا للتبعيض، فأي جزء من الرأس مسح؛ صح أن يُطلق عليه أنه مسح رأسه، فإذا ترك شيئًا يسيرًا غير قاصد، فلا شيء عليه من باب أولى (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية (¬2)، والحنابلة في هذه المسألة (¬3)، فقالوا بعدم جواز الاقتصار على بعض الرأس، وترك القليل منه دون مسح. وسبق الاستدلال لهذا القول (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 138] العفو عن ترك اليسير في مسح الرأس: أعضاء الوضوء أربعة، ومنها الرأس، ولا يعفى عن ترك اليسير في أيٍّ منها؛ إلا أن الرأس له حكم مختلف، فهو مبني على التخفيف، ولذا كان حكمه المسح دفعًا للمشقة، فإذا ترك اليسير منه، دون أن يكون ذلك بقصد، فإنه متجاوز عنه، بمعنى أنه لا يلزم أن يوصل الماء إلى كل شعرة في الرأس، بل إذا أمرّ يده على ظاهر رأسه كله، فإنه يجزئه ذلك، وإذا بقي شيء من الشعر لم يصله الماء، فإن ذلك عفو. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في معرض نقاشٍ له: "على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير -أي: اليسير المتروك فيمن مسح رأسه-، لا يقصد إلى إسقاطه متجاورٌ عنه، لا يضر المتوضئ" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). ¬
[30 - 139] استحسان مسح الرأس باليدين معا
• مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، والمسح يكون بفعله مرة واحدة، وهو لا يأتي بها على كل الشعر قطعًا، فتبين تبعًا أن ذلك معفو عنه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 139] استحسان مسح الرأس باليدين معًا: إذا أراد المسلم أن يمسح على رأسه في وضوئه، فإنه يستحسن أن يمسح باليدين معًا. • من نقل الإجماع: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معًا، وعلى الإجزاء إن مسح بيدٍ واحدةٍ" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه- في وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة" (¬5). • وجه الدلالة: أنه ذكر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عندما توضأ أقبل بيديه وأدبر، فذكر يديه، ولا شك أنها بذلك سنة فعلية (¬6).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 140] إجزاء مسح الرأس بيد واحدة: إذا شرع المسلم في وضوئه، وأتى للمسح على الرأس، ثم مسحه بيد واحدة، فقد أجزأه ذلك، وتم وضوؤه. ¬
[32 - 141] كراهة غسل الرأس بدل المسح
• من نقل الإجماع: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معًا، وعلى الإجزاء إن مسح بيدٍ واحدةٍ" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: أن الواجب في العضو -الرأس- هو المسح، فإذا حصل المسح بيدٍ واحدة، فقد تم المسح، وتحقق الواجب كما أمر اللَّه تعالى به، فدل على إجزاء المسح بيد واحدة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [32 - 141] كراهة غسل الرأس بدل المسح: لا شك أن مسح الرأس هو المشروع، المنصوص عليه، ولكن إذا غسله المتوضئ بدل المسح، فإن فعله هذا مكروه، وقد حكى ابن حجر الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "وقد اتُّفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح، وإن كان مجزئًا" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية؛ إذ أن لديهم قولين: بعدم الإجزاء، والكراهة، وعدم الإجزاء كراهة وزيادة (¬6)، والشافعية في وجهٍ (¬7)، والحنابلة لديهم قولان في المسألة (¬8): بإجزاء الغسل عن المسح، وعدم الإجزاء، فأما عدم الإجزاء: فهذه كراهة وزيادة، وأما القول الأول: فالأظهر أنه لا يخالف مسألتنا، حيث إن ما يقابل الإجزاء هو خلاف الأولى، وقد صرح بعضهم بالكراهة (¬9). ولم أجد للحنفية كلامًا في المسألة، ولكن وجدتهم قد عبروا بإجزاء الغسل عن المسح في الغسل، وأنه متضمن له (¬10)، إلا أن ظاهر الرواية عندهم أنه لا بد من مسح ¬
الرأس حتى في الغسل (¬1). وقال العيني بعد تفريقه بين الغسل والمسح في الوضوء: "وفيه -تفسير المسح- ثبوت المسح، والشارع أوجب المسح" (¬2). وأقرب مسألة وجدتها لمسألتنا هي مسألة ما إذا نسي المتوضئ مسح رأسه، فأصابه ماء المطر مقدار ثلاثة أصابع، فمسحه بيده، أو لم يمسحه أجزأه عن مسح الرأس، وهي تفيد أن الغسل مجزئ عن المسح، إلا أن الإجزاء يقابله خلاف الأولى أو الكراهة كما قلنا. فمما سبق نجد أن كلام الحنفية محتمل لقولين، وهو الكراهة أو خلاف الأولى، والمنع، ولهذا جعلت الكلام عن الحنفية في الموافقين؛ لأنه الأقرب دون جزمٍ؛ إذ أن المنع كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. 2 - الأحاديث التي وصفت وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذكرت أنه كان يمسح رأسه (¬3). • وجه الدلالة: أن الوارد في الشرع -سواء في الكتاب أو السنة- هو المسح للرأس، ولم يرد الغسل، وكل أمر في العبادات لم يأت به الشرع فالأصل فيه الحظر، ولكن لأن الغسل متضمن للمسح فيحمل على الكراهة فقط، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬4)، والشافعية في الوجه الثاني (¬5)، بأنه لا يكره غسل الرأس بدل المسح. واستدلوا بأن الغسل للرأس فيه مسح وزيادة، فلا يكون مكروهًا (¬6).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[33 - 142] إجزاء المسح على الناصية والعمامة
[33 - 142] إجزاء المسح على الناصية والعمامة: إذا مسح المتوضئ على الناصية والعمامة معًا، وكان ذلك لعذر، فإن فعله هذا مجزئ، ونفى ابن تيمية النزاع في ذلك. • من نقل نفي النزاع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته؛ أجزأه مع العذر بلا نزاع" (¬1). • الموافقون على نفي النزاع: وافق على نفي الخلاف أبو بكر الصديق، وعمر، وعلي، وعمرو بن أمية الضمري، وأبو ذر، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وكعب بن عجرة، وأم سلمة، وأبو موسى، وأبو أمامة الباهلي -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري (¬2)، ورُوي عن أبي الدرداء -رضي اللَّه عنه-، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، وابن المنذر (¬3)، وعلى قولٍ عند الحنفية بأنه يجوز المسح للرأس بمقدار الناصية، وقولٍ آخر عندهم بمقدار ثلاثة أصابع، وإلا فهم لا يجيزون المسح على العمامة فقط، فإذا أوفى بهذا القدر من الرأس فمجزئ عندهم، على هذا القول (¬4)، وأما المالكية، فإنهم يجيزونه مع العذر (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند نفي النزاع: 1 - حديث عمرو بن أمية -رضي اللَّه عنه-، قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على عمامته وخفيه" (¬8). 2 - حديث ثوبان -رضي اللَّه عنه-، قال: "بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (¬9) " (¬10). ¬
• وجه الدلالة: في الأحاديث السابقة ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه مسح على العمائم، أو أمر بذلك، وهذه سنة فعلية أو قولية يجب الأخذ بها. أما من اشترط المسح على الناصية مع العمامة فزادوا بأن اللَّه تعالى قال: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] والعمامة ليست رأسًا. ولأنه عضو طهارته المسح؛ فلم يجز المسح على حائل دونه، كالوجه واليد في التيمم (¬1). أما إذا مسح الناصية والعمامة؛ فقد أتى بسنة الاستيعاب عندهم. • الخلاف في المسألة: الحنفية لديهم في المسح على الرأس ثلاثة أقوال: فقيل: بمقدار الناصية، وقيل: ثلاث أصابع، وقيل: بمقدار ربع الرأس، وهو قول زفر (¬2). فعلى القول الثالث عندهم لا يجزئ المسح على الناصية فقط، وكذلك الثاني إذا كانت الناصية لا تكفي لثلاثة أصابع. واستدلوابنحو الأدلة التي ذكرتها في آخر المستند عمن يشترط المسح على الناصية، ولكنهم هنا لا يعتبرون المسح على الناصية كافيًا، بل لا بد من المسح على ربع الرأس. ولكن إذا كان ذلك لعذر، فالتفصيل؛ فإن كان بقي جزء من الرأس يمكن فيه المسح، فإنه يُمسح ويُكتفى به، ولا يمسح على العمامة، أما إذا لم يكن كذلك؛ فيمسح للعذر (¬3). وبهذا لا يكون هذا القول مخالفًا لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي النزاع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[34 - 143] مسح الأذنين عن الرأس غير مجزئ
[34 - 143] مسح الأذنين عن الرأس غير مجزئ: إذا اكتفى المتوضئ بمسح الأذنين عن مسح الرأس، فإن مسحه غير مجزئ عن مسح الرأس، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المازري (536 هـ) حيث يقول عن مسح الأذنين: "إن الأمة مجمعة على أن مسحهما لا يجزئه عن الرأس". نقله عنه القرافي (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول عن الأذنين: "الإجماع منعقد على أنه لا يجزئ مسحهما عن مسح الرأس، بخلاف أجزائه (¬2) " (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "ولا يجوز الاقتصار بالمسح على الأذنين عوضًا عن مسح الرأس بالإجماع" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، ولا يتبادر إلى الذهن من هذا الأمر إلا الرأس الذي يبدو عليه الشعر غالبًا، بدليل فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونقل هذا المعنى إلى غيره لا يجوز بغير دليل، فلا يجزئ مسحهما عن مسح الرأس، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الأذنين تبع للرأس -على قول أنهما من الرأس-، فلا يجتزأ بمسحهما عن مسح الأصل، وهو الرأس، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [35 - 144] البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس: البياض الذي يقع خلف الأذن بينه وبين منابت الشعر حوله ليس من الرأس؛ أي: ليس من الرأس المأمور بمسحه، حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. ¬
• من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) (¬1)، والقاضي أبو الطيب (450 هـ)، نقله عنهما النووي، حيث يقول: "قال الماوردي والقاضي أبو الطيب: ولأن الإجماع منعقد على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس" (¬2)، قالا ذلك استدلالًا على أن الأذنين ليسا من الرأس، فأدخلا الأذنين من باب الأولى من البياض حولهما. ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ولا يختلف أحد في أن البياض الذي بين منابت الشعر من الرأس، وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء" (¬3). نقل ابن مفلح (¬4)، والمرداوي (¬5)، والبهوتي (¬6) عن جماعة، ولم يسمِّ أحدًا، بأنهم ذكروا أنه ليس من الرأس إجماعًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬7)، والحنابلة في قولٍ عندهم (¬8). وقد بحثت عن كلامٍ للحنفية في هذه المسألة، ولكن لم أجد، ولعلهم لم يعتنوا بهذا؛ لأجل أنهم يقولون بأن غسل جزء من الرأس يكفي، واللَّه تعالى أعلم. • مستند الإجماع: أن الأصل في العبادات التوقيف على ما يأتي عن اللَّه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولم يرد عنهما دليل فيه الأمر بمسحه؛ أو من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه مسحه مع الرأس، فهذا يدل على أنه ليس من الرأس؛ إذ لو كان كذلك، لمسحه لكونه منه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في هذه المسألة، على الصحيح من المذهب، وبعضهم اقتصر عليه، وقالوا بأنه من الرأس (¬9). نقل المرداوي عن ابن تيمية، أنه قال: يجوز الاقتصار على مسحه دون الشعر، إذا قلنا: يجزئ مسح بعض الرأس، على إحدى روايات المذهب الحنبلي (¬10). ¬
[36 - 145] مشروعية مسح الأذنين
واستدلوا بالقياس على حكم الموضِحة (¬1)، حيث إن ضرب هذا المكان يعتبر من الرأس (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [36 - 145] مشروعية مسح الأذنين: مسح الأذنين سنة من سنن الوضوء، وهناك من قال بوجوبه، ولكن الجميع قالوا بأنه مشروع للوضوء، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما" (¬3)، وهو يشير إلى الخلاف في وجوبه وعدمه. ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع المسلمون طرًّا أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة، ومسح الأذنين" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا. . " (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على أن الأذنين تطهران" (¬7). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "والمراد بالداخل هنا الصماخ، وأما خارجه فلا خلاف في فرضيته" (¬8). ابن عابدين (1306 هـ) حيث يقول: "أما لو أخذ ماء جديدًا مع بقاء البلة؛ فإنه يكون ¬
[37 - 146] ترك مسح الأذنين لا يبطل الوضوء
مقيما للسنة اتفاقًا" (¬1). وهو في هذا يشير إلى الخلاف في المذهب، هل يحتاج إلى ماء جديد للمسح أو لا؟ ولكن الكلام يشير إلى أنه إذا أخذ ماء جديدًا فإنه بهذا قد حقق المسح المسنون اتفاقًا، ففيه حكاية للاتفاق الضمني في مذهبهم، على مسألتنا. • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-، وفيه قال: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه" (¬2). • وجه الدلالة: ظاهر من الحديث، حيث فيه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي سنة فعلية. 2 - الحديث الذي رواه عدد من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وفيه: "الأذنان من الرأس" (¬3). • وجه الدلالة: التصريح بأن الأذنين من الرأس، والرأس ورد التصريح فيه أنه أحد أعضاء الوضوء المجمع عليها، فيُمسح على الأذنين؛ لأنه جزء منه. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية بوجوب المسح، بل عندهم رواية بأنه عضو مستقل (¬4)، ولكن هاتين الروايتين لا تنقضان الإجماع؛ إذ أن الإجماع في المشروعية، والوجوب مشروعية وزيادة. وهناك خلاف للشيعة بعدم مشروعيته، إلا أنه لا يعتد بخلافهم (¬5).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [37 - 146] ترك مسح الأذنين لا يبطل الوضوء: سبقت مسألة مشروعية مسح الأذنين، وأن الإجماع متحقق فيها، ولكن إذا ترك المتوضئ مسح الأذنين، سواء كان الترك نسيانًا أو سهوًا أو عمدًا، فإن وضوءه ¬
صحيح (¬1). • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (310 هـ) حيث يقول: "وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما، أو غسل ما أقبل منهما على الوجه، غير مفسدٍ صلاةَ من صلى بطهْره الذي ترك فيه غسلهما" (¬2). ونقله عنه النووي، وذكر أنه حكى الإجماعَ غيرُه من العلماء (¬3)، ونقله ابن قاسم أيضًا (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن الأذنين لا يجب مسحهما" (¬5). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "وإن قلنا: إن مسحهما واجب، فتَرَكهما سهوًا وصلى، فلا يُختلف في صحة صلاته، والذي صرَفَ المتأخرين عن الإعادة إجماعُ المتقدمين على الصحة" (¬6). وهذه العبارة نأخذ منها أمرين: وجود الخلاف في الترك العمد، ونقل الإجماع على الترك سهوًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية في المشهور عندهم (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة في رواية (¬10)، وابن حزم (¬11). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] الآية. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة لم تذكر مسح الأذنين، ولو كان المسح واجبًا لذكره تبارك وتعالى؛ فدل على عدم وجوب مسحهما. 2 - أنه لم يرد نصٌ يدل على الوجوب، وأكثر من ذكر صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكر مسح الأذنين، والقول بالوجوب يحتاج ليقين، ولا وجود له؛ فدل على عدم ¬
[38 - 147] ترك مسح العنق لا يبطل الوضوء
وجوبه (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف إسحاق بن راهويه، فقال بأن من ترك مسحهما عمدًا، لم تصح طهارته، ولكن أجاب النووي عن مخالفته، بأنه محجوج بإجماع من قبله (¬2). وخالف المالكية في قولٍ غير مشهورٍ عندهم بشرط أن يكون عمدًا (¬3)، وخالف الحنابلة مطلقًا، دون التقييد بالعمد في رواية (¬4)، فقالوا بوجوب مسحهما، مما يعني عدم صحة الطهارة بدونه. وهو قول محمد بن مسلمة، وأبي بكر الأبهري (¬5). واستدلوا بالأحاديث التي تثبت فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمسح أذنيه، فما دام أنه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وضوئه، فيجب إذًا. ومنها: حديث عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-، وفيه قال: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه" (¬6).Rأن الإجماع غير متحقق فيما إذا كان الترك عمدًا؛ لوجود المخالف في المسألة، وأما كلام النووي رحمه اللَّه فغير دقيق، إذ القول بالوجوب مشهور، فالأظهر أن المسألة غير مجمع عليها. أما إذا كان سهوًا، فيبقى خلاف الحنابلة في رواية، ومن معهم، فلم يفرقوا بين العمد والسهو، وهذا يدل على شهرة الخلاف، وبهذا يكون الإجماع غير متحقق في المسألة عمومًا، واللَّه تعالى أعلم. [38 - 147] ترك مسح العنق لا يبطل الوضوء: إذا ترك المتوضئ مسح العنق، فإن وضوءه صحيح، ونقل ابن تيمية الاتفاق على المسألة. ¬
[39 - 148] غسل القدمين فرض
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ومن ترك مسح العنق، فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء، واللَّه أعلم" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - أن مسح العنق لم يرد به نصٌ من كتاب أو سنة، وقد وجد الداعي لذلك، فدل على أن ترك المسح ليس مبطلًا، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الأحاديث الواردة في فضل مسح العنق لم يصح منها شيء (¬7). 3 - أن الأصل عدم الوجوب، ما دام لم يرد الناقل عن هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [39 - 148] غسل القدمين فرض: القدمان من الأعضاء الأربعة التي وردت في نص آية الوضوء، ولكن هل فرضها الغَسل أو المسح؟ لا شك أن الصحيح هو الغَسل، كما تدل عليه الأدلة الكثيرة، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على وجوب الغسل. • من نقل الإجماع: الإمام عبد الرحمن بن أبي ليلى (83 هـ) فيما نقله عنه ابن قدامة (¬8)، وابن حجر (¬9)، والزركشي (¬10)، وابن مفلح -صاحب "المبدع"- (¬11)، ¬
والشوكاني (¬1)، وابن قاسم (¬2)، حيث قال: "أجمع أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على غسل القدمين". ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "أجمع عوام أهل العلم على أن الذي يجب على من لا خف عليه غسلُ القدمين إلى الكعبين" (¬3). الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (¬4). أبو حامد الإسفراييني (406 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به". نقله عنه النووي (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن إمساس الرجلين المكشوفتين الماء لمن توضأ فرضٌ، واختلفوا أتمسح أم تغسل" (¬6). وهذه العبارة تشير للاتفاق في إمساس الماء دون الغسل، فهي تشير للخلاف في المسألة. ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته، في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (¬7). وهذه العبارة فيها إشارة للخلاف، وقد حكى الخلاف أيضًا في موضع آخر (¬8). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "هذه سنة اتفق المسلمون عليها، قال أبو عيسى -أي: الترمذي-: لا يجوز المسح على الأقدام المجردة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري، حيث قال: هو مخير بين المسح والغسل، وقال بعض الرافضة في صفة المسح: وحُكي عن بعض أهل الظاهر أنه يجمع بينهما" (¬9). ونقله عنه القرطبي (¬10). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل ¬
اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول في فروض الوضوء: "والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4)، وابن قاسم (¬5). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "ثم يغسل قدميه كما أمره اللَّه، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك" (¬6). ونقله عنه الشوكاني (¬7). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي: على فرضيتها (¬8). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وأما غسل المرافق والكعبين ففرضيته بالإجماع" (¬9). وقال أيضًا: "فإن الإجماع انعقد على غسلهما، ولا اعتبار بخلاف الروافض" (¬10). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "الخامس من الفروض: غسل رجليه بإجماع من يعتد بإجماعه مع كعبيه" (¬11). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وبإجماع الصحابة على الغسل؛ فكانت هذه الأمور موجبة لحمل تلك القراءة -قراءة الخفض لآية الوضوء-، على ذلك الوجه النادر" (¬12). ¬
أي أن قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على {وُجُوهَكُمْ}، والنصب للمجاورة. ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وغسل الرجلين مع الكعبين واجب بالكتاب والسنة والإجماع" (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] الآية. • وجه الدلالة: حيث عطف اللَّه تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ} على {وُجُوهَكُمْ}، والأمر يقتضي الوجوب. 2 - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيث إنها أطبقت على ذكر غسله لقدميه، مما يدل على فرضية الغسل، ومنها حديث حمران مولى عثمان -رضي اللَّه عنهما-، وفيه: "ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا" (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف بعض أهل العلم في هذه المسألة، وخلافهم على ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب المسح، وهو قول محكيٌ عن علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري، وهو قول ابن حزم، وقول الشيعة الإمامية (¬3). واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم). الثاني: أنه مخير بين المسح والغسل، وهو قول محكيٌ عن الحسن، وابن جرير، وأبي علي الجُبّائي (¬4). ولم أجد له دليلًا غير أنه قد يكون مبنيًّا على العمل بأدلة الفريقين، جمعًا بينهما على أن أيَّهما مجزئ. الثالث: أن الواجب الجمع بين المسح والغسل، وهو قول محكي عن ابن عباس، ¬
[40 - 149] الغسل للقدمين مجزئ
وعكرمة، والحسن، وقتادة (¬1)، ونُسب إلى الظاهرية (¬2). واستدلوا بأن الآية فيها قراءتان: الخفض يدل على المسح، والنصب يدل على الغسل، فوجب الجمع بينهما (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، فبالنظر للأقوال السابقة نجد أن كل قولٍ منها يكفي في نقض الإجماع، والمخالفون الذين توصلت لأقوالهم عشرة من العلماء، وبينهم صحابة، بالإضافة إلى مذهب من المذاهب الفقهية، وهو الظاهرية. أما دعوى أن الصحابة رجعوا؛ فرجوعهم غير صريح، ولو ثبت ذلك فخلاف بقية التابعين يكفي في نقض الإجماع مع عدم تيقن إجماع الصحابة، واللَّه تعالى أعلم. [40 - 149] الغسل للقدمين مجزئ: إذا غسل المتوضئ قدميه، فإن ذلك يجزئه بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون أن من غسل قدميه، فقد أدى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل" (¬4). العيني (855 هـ) حيث يقول: "فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاقُ الجميع على أنه إذا غسل، فقد أدى فرضه" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] الآية. • وجه الدلالة: عطف اللَّه تعالى قولَه: {وَأَرْجُلَكُمْ} على قوله: {فَاغْسِلُوا}، ¬
[41 - 150] غسل الكعبين من القدم واجب
وهو يدل على الغسل، وأقل مؤدى الأمر الإجزاء. 2 - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذ فيها أنه عليه الصلاة والسلام غسل رجليه، وهي تدل على الإجزاء وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري فيما حُكي عنهم، وهو قول ابن حزم، والشيعة الإمامية (¬1)، فقالوا بأن الواجب المسح. واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم).Rأن الإجماع غير متحقق على الأظهر؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [41 - 150] غسل الكعبين من القدم واجب: إذا غسل المتوضئ رجليه، فإنه يلزمه غسل الكعبين، ونفى الإمام الشافعي علمه بالخلاف في المسألة. • من نقل نفي الخلاف: الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "ولم أسمع مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكر اللَّه عز وجل في الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، وأن عليهما الغسل" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في هذه المسألة من وافق على مسألة دخول المرفقين في اليدين (¬3). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} الآية [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: هو ما سبق مناقشته في مسألة دخول المرفقين في اليدين، ومعنى (إلى) فيها. ¬
[42 - 151] مشروعية الترتيب في الطهارة
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة دخول المرفقين في اليدين، فانظره هناك.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [42 - 151] مشروعية الترتيب في الطهارة: الترتيب بين الأعضاء في الطهارة مشروع، وحكى ابن هبيرة الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الترتيب والموالاة في الطهارة مشروع، ثم اختلفوا في وجوبها" (¬1). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه: . . الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا يعلم لهذا فائدةٌ غير الترتيب، والآية سيقت لبيان الواجب، فكان الترتيب مشروعًا (¬8). 2 - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنه-، أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ وضوءًا مرتبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به" (¬9). ¬
[43 - 152] مشروعية الموالاة في الطهارة
• وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ وضوءًا مرتبًا، ثم قال بأن اللَّه تعالى لا يقبل الصلاة إلا بهذه الكيفية، فكان الترتيب مشروعًا (¬1).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [43 - 152] مشروعية الموالاة في الطهارة: الموالاة بين الأعضاء في الطهارة مشروع، وحكى ابن هبيرة الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الترتيب والموالاة في الطهارة مشروع، ثم اختلفوا في وجوبها" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم على ما يظهر (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنه-، أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ على سبيل الموالاة، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ وضوءًا متواليًا، ثم قال بأن اللَّه تعالى لا يقبل الصلاة إلا بهذه الكيفية، فكانت الموالاة مشروعة (¬8). 2 - أن الأصل في العبادات التوقيف، والنبي عليه الصلاة والسلام توضأ على سبيل الموالاة، فكان الواجب في الوضوء كما توضأ عليه الصلاة والسلام مواليًا بين الأعضاء.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[44 - 153] فعل صلوات متعددة بوضوء واحد جائز
[44 - 153] فعل صلوات متعددة بوضوء واحد جائز: إذا توضأ المسلم، وصلى به صلاة، فإنه يجوز له أن يصلي صلاة أخرى بوضوئه الأول، ولا يجب عليه تجديد الوضوء ما لم يحدث، نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أحمد بن حنبل (204 هـ) حيث يقول فيمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد: "لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوؤه، ما ظننت أن أحدًا أنكر هذا". نقله عنه ابن تيمية (¬1). الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم يحدث" (¬2). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم على أن لمن تطهر للصلاة أن يصلي ما شاء بطهارته من الصلوات، إلا أن يحدث حدثًا ينقض طهارته" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وروي عن ابن عباس و. . . أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير الطهر، وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف بين الفقهاء فيه، والحمد للَّه" (¬4). وقال بعدها بقليل بعد ذكر الأدلة على المسألة: "وهذا أمر مجمع عليه فسقط القول فيه" (¬5). وقال نحو الكلام السابق في "التمهيد"، ثم قال: "وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز" (¬6). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "الثانية -أي: الفائدة الثانية-: ترك التوضؤ لكل صلاة، أصح الأحاديث المتقدمة والإجماع عليه" (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "في هذا الحديث (¬8) أنواع من العلم منها: . . . وجواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع ¬
من يعتد به" (¬1). ثم ذكر قولًا محكيًّا عن طائفة من أهل العلم بالوجوب، وعلق عليه بقوله: "وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة" (¬2). ونقله عنه ابن حجر (¬3). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "أما الحكم، وهو أن من توضأ لصلاة، صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى؛ فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ" (¬4). وقال أيضًا: "وأما القول بوجوبه؛ فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولإجماع الصحابة" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبو موسى، وجابر -رضي اللَّه عنهم-، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، والحسن، وإبراهيم النخعي، والسدّي (¬6)، والحنفية (¬7)، والحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث بريدة -رضي اللَّه عنه-، قال: "صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: صنعت شيئًا -يا رسول اللَّه- لم تكن تصنعه، فقال عليه الصلاة والسلام: "عمدا فعلته يا عمر" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ترك مداومته على الوضوء لكل صلاة؛ بيانًا للأمة بأنه مستحب، وليس بواجب (¬10). 2 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ عند كل صلاة، قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم نحدث" (¬11). ¬
• وجه الدلالة: الحديث فيه بيان أن فعل الصحابة عدم الالتزام بالتجديد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- موجود، والسكوت عن البيان وقت الحاجة غير جائز، والنبي عليه الصلاة والسلام منزّه عن ذلك؛ فدل على عدم وجوب التجديد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف البعض في مسألتنا في قولين: القول الأول: وجوب الوضوء لكل صلاة (¬1)، ونُقل عن عُبيد بن عُميْر (¬2)، ونقل ابن حجر حكايةَ ابن عبد البر له عن عكرمة، وابن سيرين (¬3)، وبعد مراجعة كلام ابن عبد البر، وجدته حكى القول عن عمر، وعن عكرمة يروي عن علي، وعن ابن سيرين، ولكن كلامه رحمه اللَّه فيه إشكال، حيث قال ابن عبد البر بعده: "وهذا معناه أن يكون الوضوء على المحدث إذا قام إلى الصلاة واجبًا، وعلى غير المحدث ندبًا وفضلًا" (¬4). حيث حمله على قول الجماهير، ولم أجد من أكّد هذا القول عنهما. وعمر -رضي اللَّه عنه- هو من سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فعله في الخندق كما سبق، بل روى عنه ابن المنذر ما يوافق الجماهير (¬5). أما علي -رضي اللَّه عنه-؛ فقال ابن تيمية بأنه لم يثبت عنه هذا القول، بل الثابت بخلاف ذلك (¬6). وقد نسبه الطحاوي إلى قومٍ، ثم نسب القول الآخر إلى أكثر العلماء (¬7). وهؤلاء استدلوا بظاهر آية الوضوء؛ إذ فيها تعليق للأمر بالوضوء على القيام للصلاة، فقالوا: يجب الوضوء لكل صلاة. وهنا فائدة؛ فقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي في القديم أنه يرى أن الآية نزلت خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، بعدما صلى الصلوات بوضوء واحد (¬8). القول الثاني: وهو منسوب للنّخعي بأنه لا يصلي بوضوئه أكثر من خمس صلوات (¬9). وليس له دليل. ¬
[45 - 154] استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة
Rأن الإجماع متحقق بعد الاختلاف، وهم على قسمين: الوجوب، والظاهر -واللَّه أعلم- أن الخلاف شاذٌ، واندرس فيما بعد، فلم يعد يُذكر عن أيٍّ من العلماء في القرون التاليةِ لعصر من نُقل عنهم الخلاف، ولم أجد من قال به من أصحاب المذاهب، فالظاهر أن الإجماع قد استقر على عدم الوجوب، كما ذكر ذلك القاضي عياض (¬1)، والنووي، وابن تيمية، وقد سبق كلامهما. أما قول النخعي، فهو قول شاذ، لا دليل عليه، ويقال فيه ما قيل في القول الآخر، واللَّه تعالى أعلم. [45 - 154] استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة: إذا أراد المسلم الصلاة، وهو على وضوءٍ سبق أن صلى به صلاة أخرى، فإنه يستحب له أن يجدد وضوءه، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (544 هـ) حيث يقول: "ولكن تجديده -أي الوضوء- لكل صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف" (¬2). أي: لم يبق بينهم من يقول بالوجوب، بل كلهم يقول بالاستحباب. نقله عنه النووي (¬3)، ونقله عن النوويِّ الشوكانيُّ (¬4). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وتجديده كل صلاة مستحب إجماعًا" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لولا أن أشق ¬
على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، أو مع كل وضوء سواك" (¬1). • وجه الدلالة: فهذا الحديث دليل على أن التجديد مستحب، وأنه غير مأمورٍ به للوجوب، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ عند كل صلاة، قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم نحدث" (¬2). • وجه الدلالة: حيث كان فعل الصحابة عدم الالتزام بالتجديد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- موجود، والسكوت عن البيان غير جائز، والنبي عليه الصلاة والسلام منزّه عن ذلك؛ فدل على استحباب التجديد، وعدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية عنه، فقال بعدم استحباب التجديد (¬3). ولم يذكروا له دليلًا، وإن كان القول عنه مشهورًا في كتبهم، ولكن قد يقال بأنه أخذه من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة الخندق، فهو لم يجدد الوضوء، مما يعني النسخ لفعله السابق. وخالف النخعي في قولٍ منسوب إليه بأنه لا يصلي بوضوئه أكثر من خمس صلوات (¬4). وليس له دليل. وخالف أحمد رواية أخرى بأنه لا يداوم على التجديد (¬5)، مما يعني كراهة المداومة، وهذا ينافي الاستحباب المطلق في مسألتنا. وخالف أحمد في قول محكيّ عنه أيضًا بأنه يكره التجديد (¬6). ولم يذكروا لهاتين الروايتين دليلًا، وربما لم يثبت لهم دليل على استحباب التجديد، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[46 - 155] تنشيف الأعضاء بعد الوضوء لا يحرم
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [46 - 155] تنشيف الأعضاء بعد الوضوء لا يحرم: تنشيف الأعضاء بعد الوضوء غير محرم، وهناك خلاف ظاهر في استحباب التنشيف أو إباحته أو كراهته، ولكن نُقل الإجماع على عدم حرمة التنشيف. • من نقل الإجماع: المحاملي (415 هـ) حيث نقل عنه النووي، فقال: "ونقل المحاملي الإجماع على أنه لا يحرم، وإنما الخلاف في الكراهة، واللَّه أعلم" (¬1). ونحو هذه العبارة نقلها العيني، ويبدو أنه نقلها عن النووي إلا أنه لم يشر (¬2). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يحرم إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس بن مالك، وبشير بن أبي مسعود -رضي اللَّه عنهم-، والحسن البصري، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، والثوري، وإسحاق (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث قيس بن سعد -رضي اللَّه عنهما-، قال: "أتانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فوضعنا له غسلًا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة وَرْسية (¬8)، فالتحف بها، فكأني أنظر إلى أثر الوَرْس على عكنه" (¬9). ¬
[47 - 156] تنشيف الأعضاء لا يستحب
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى له ملحفة ليتنشف بها ففعل، بدليل آخر الحديث؛ إذ أن قيسًا رأى أثر الورس من الملحفة بعدما تنشف منها عليه الصلاة والسلام (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الأصل في الأشياء الحل، ولا دليل ينقل التنشيف عن هذا الأصل، فيكون مباحًا ما دام أنه لم يثبت شيء يدل على التحريم (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- (¬3)، فكان ينهى عن التنشيف. واستُدل له (¬4) بحديث ميمونة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اغتسل، فأتيته بخرقة، فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده" (¬5). وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية، وروي القولان عن ابن جبير (¬6). ولكن مجرد الكراهة لا تخالف مسألتنا، إلا أن يُراد بها التحريمية، وهي غير ظاهرة من كلامهم. ووجدت ابن المنذر حكى الخلاف في المسألة ولم يدعِ فيها إجماعًا (¬7)، مع ما قيل من تساهله، وظاهر من الخلاف أنه قديم، ولا يثبت معه إجماع.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [47 - 156] تنشيف الأعضاء لا يستحب: إذا توضأ المسلم، فإن تنشيفه لأعضائه غير مستحب، وحُكي الاتفاق على ذلك. ¬
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من الوضوء، ثم اختلفوا هل يكره؟ " (¬1). نقل ابن نجيم عن الإمام (¬2) أنه قال: "وقال الإمام: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يستحب اتفاقًا" (¬4). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الاتفاق: حديث ميمونة بنت الحارث -رضي اللَّه عنها- زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، في غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده" (¬8). • وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام ردّ الخرقة، ولم يردها في الحديث، ففيه دلالة على كراهته عليه الصلاة والسلام للتنشيف، ويصرفه عن التحريم عدم وجود نهي في ذلك، ومجرد الفعل والترك لا يدل إلا على الاستحباب؛ أو الكراهة، فدل الحديث على عدم الاستحباب إن لم يكن الكراهة (¬9)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجهٍ عندهم بأنه يستحب (¬10)، ونقله ابن نجيم عن صاحب "منية المصلي" (¬11). ولم أجد لهم دليلًا، لكن هناك أحاديث وردت تدل على هذا، إلا أنها كلها ضعيفة (¬12)، منها: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كانت لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرقة يتنشف بها ¬
[48 - 157] لا إثم بتأخير الوضوء عن الحدث
بعد الوضوء" (¬1).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [48 - 157] لا إثم بتأخير الوضوء عن الحدث: إذا كان المسلم على حدث أو جنابة، فإنه لا يجب عليه الغسل أو الوضوء حتى يجب عليه الأداء وجوبًا ضيِّقًا، ولا يأثم بذلك. وهنا قيد، وهو: أن لا يكون التأخير إلا مع العزم على الأداء، ولذلك قال ابن مفلح الحنبلي في تأخير الصلاة: "ويأثم من عزم على الترك إجماعًا" (¬2). وقيد آخر، وهو: أن لا يكون التأخير لترددٍ في العزم. • من نقل الإجماع: أبو محمد الجويني (438 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء أنه إذا أجنب، أو أحدث؛ لا يجب عليه الغسل، ولا الوضوء؛ حتى يدخل وقت الصلاة بالفعل أو الزمان" (¬3). نقله عنه النووي (¬4). وبيَّن النووي مراده من هذا الإجماع، حيث قال: "هذا الذي قاله ليس مخالفًا لما سبق -الخلاف في متى يجب الوضوء-؛ لأن مراده لا يكلف بالفعل" (¬5). ومعنى كلام النووي -واللَّه أعلم- أنه لا يجب الوجوب المضيق، بمعنى أنه لا يجب وجوبًا فوريًّا إلا في وقت لا يسع إلا للقيام به، ويبينه كلامه الآتي. النووي (676 هـ) حيث يقول: "فإذا قلنا: يجب -الوضوء- بوجود الحديث، فهو ¬
وجوب موسع إلى القيام إلى الصلاة، ولا يأثم بالتأخير عن الحدث بالإجماع" (¬1). يعني أنه لا يأثم بتأخير الوضوء إلى وسط وقت الصلاة أو آخره المباح. ونقله عنه ابن قاسم دون إشارة (¬2). أبو بكر الحدَّادي العبادي (800 هـ) حيث نقله عنه ابن نجيم، فقال في سياق كلامٍ له: "لما نقله "السراج الوهاج" (¬3)، من أنه لا يأثم بالتأخير عن الحدث بالإجماع" (¬4). أي: بتأخير الوضوء عن الحدث. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جاءه جبريل عليه السلام، فقال له: "قم فصلِّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء، فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر، فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال: سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بداية الوقت ونهايته، وهو دليل الجواز في ¬
[49 - 158] جواز الوضوء قبل وقت الصلاة
التأخير إلى وقت يسع للصلاة، والوضوء إنما شرع للصلاة، فإذا جاز تأخير الأصل وهو الصلاة جاز الفرع وهو الوضوء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [49 - 158] جواز الوضوء قبل وقت الصلاة: إذا أراد المسلم أن يتوضأ قبل وقت الصلاة، فإن طهارته صحيحة، وعلى هذا الإجماع. وهذا الحكم يستثنى منه المستحاضة ومن في معناها، فإنه لا إجماع في المسألة، فهي مسألة خلافية مستقلة (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تطهر بالماء، قبل وقت الصلاة أن طهارته كاملة" (¬2). ونقله عنه النووي (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة" (¬4). الحطاب (954 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من توضأ قبل الوقت، واستتر واستقبل، ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة؛ أجزأته صلاته إجماعًا، واللَّه تعالى أعلم" (¬5). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عند الاستدلال لمن قال باشتراط دخول الوقت للتيمم: "واستدلوا بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] ولا قيام قبله -أي للتيمم-، والوضوء خصه الإجماع والسنة" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). ¬
• مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يقل: إذا قمتم إلى صلاة فرض، ولا إذا دخل وقت صلاة فرض فقمتم إليها، بل قال عز وجل: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] فعم تعالى ولم يخص، والصلاة تكون فرضًا، وتكون تطوعًا بلا خلاف، ولا يقول قائل بعدم الوضوء قبل وقت صلاة التطوع؛ فوجب عدم التفريق بينهما (¬1). 2 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح، فكأنما قدم بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (¬2). • وجه الدلالة: هذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأن الإمام يوم الجمعة لا بد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت، أو بعد دخول الوقت، وأي الأمرين كان، فتطهر هذا الرائح من أول النهار؛ كان قبل وقت الجمعة بلا شك (¬3). • الخلاف في المسألة: ذكر ابن حزم (¬4) قولًا بعدم جواز الوضوء قبل الوقت. واستدلوا (¬5) بنفس الآية السابقة، حيث فيها {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] فقيد الغسل للأعضاء بالقيام للصلاة.Rأن الإجماع غير متحقق؛ نظرًا لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[50 - 159] الماء المجزئ في الطهارة غير مقدر
[50 - 159] الماء المجزئ في الطهارة غير مقدر: الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، فعن سفينة -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" (¬1). وعن أنس -رضي اللَّه عنه-، أنه عليه الصلاة والسلام: "كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" (¬2). ولكن هذا التقدير غير ملزم، والماء المجزئ غير مقدر، وعلى هذا حُكي الإجماع، وهذا ما تبينه المسألة. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (310 هـ) حيث نقله عنه النووي (¬3) فقال -بعد ذكر المسألة-: "وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري" (¬4). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم على أن المد من الماء في الوضوء، والصاع في الاغتسال غيرُ لازم للناس" (¬5). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وجملتها تدل على أن لا توقيت فيما يكفي من الماء، والدليل على ذلك أنهم أجمعوا على أن الماء لا يكال للوضوء ولا للغسل، . . . لا يختلفون أنه لا يكال الماء لوضوء ولا لغسل، لا أعلم فيه خلافًا" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل، لا يشترط فيه قدر معين، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري" (¬7). ويقول أيضًا: "وأجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل، وهو جريان الماء على الأعضاء" (¬8). ونقله عنه ابن نجيم (¬9). ¬
محمد الخادمي (1176 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن المقدار المجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر؛ فيجزئ ما قل أو كثر، حيث وجد جري الماء على جميع الأعضاء" (¬1). ابن عابدين (1252 هـ) حيث يقول: "نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل؛ غير مقدر بمقدار" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة في المشهور (¬3). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد وقريبًا من ذلك" (¬4). 2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد" (¬5). • وجه الدلالة: من خلال ما سبق من الأحاديث، وما ورد من الأحاديث في مقدمة المسألة، نجد أن مقدار ما كان يتوضأ به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ويغتسل اختلف، ولم يداوم عليه الصلاة والسلام على مقدار معين، وفي حديث ميمونة لم يذكر قدرًا محددًا، فدل ذلك على عدم اشتراط مقدار محدد، وإنما الضابط في ذلك هو الكفاية والإسباغ (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف ابن شعبان (¬7)، فقال بأنه لا يجزئ في الوضوء أقل من مد، ولا في الغسل أقل من صاع. وحكاه ابن قدامة رحمه اللَّه قولًا في المسألة (¬8)، واستدل له ورد عليه، وقال هو محكي عن أبي حنيفة (¬9). ¬
[51 - 160] إجزاء الوضوء بالمد
وهو قول عند الحنابلة ذكره في الإنصاف (¬1). ويدل لهذا القول حديث جابر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يجزي من الوضوء المد، ومن الغسل الصاع" (¬2). حيث إن لفظ الإجزاء في الحديث يدل بمفهوم المخالفة على أن ما قل عن ذلك لا يجزئ، والحديث فيه تحديد (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق (¬4)؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [51 - 160] إجزاء الوضوء بالمد: إذا توضأ المسلم بالمد، فإن ذلك مجزئ، ونُفي الخلاف عليه، وهو ما سيتبين من مسألتنا. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ليس في حصول الإجزاء بالمد في الوضوء، والصاع في الغسل خلاف نعلمه" (¬5). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث سفينة -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد" (¬9). ¬
[52 - 161] النهي عن الإسراف في الماء عند الطهارة
2 - حديث أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد" (¬1). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على المسألة بالمطابقة، فالحديث فيه سنة فعلية للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [52 - 161] النهي عن الإسراف في الماء عند الطهارة: الإسراف في الماء عند الوضوء منهي عنه، وعلى ذلك إجماع أهل العلم. • من نقل الإجماع: البخاري (256 هـ) حيث يقول: "كره أهل العلم الإسراف فيه" (¬2). نقله عنه النووي (¬3)، والصنعاني (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر" (¬5). ونقله عنه الحطاب (¬6). ويقول أيضًا: "اتفق أصحابنا وغيرهم على ذم الإسراف في الماء في الوضوء والغسل" (¬7)، وهذا اتفاق مذهبي ذكرته للاعتضاد. ويقول: "والإسراف مكروه بالاتفاق" (¬8). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ النهر" (¬9). وهي عبارة النووي ولم ينسبها له رحمه اللَّه. ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على النهي عنه في ماء الوضوء والغسل، ولو على شاطئ النهر" (¬10). ¬
[53 - 162] إجزاء الانغماس في الماء للوضوء
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]. • وجه الدلالة: النهي في الآية عن الإسراف، ومنه الإسراف في الماء عند الوضوء. 2 - حديث سفينة -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقتصر على أقل القليل من الماء في وضوئه وغسله، فيتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، مما يدل على كراهته الإسراف، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [53 - 162] إجزاء الانغماس في الماء للوضوء: إذا انغمس المتوضئ في الماء، أو وقع فيه، أو وقف تحت ميزاب؛ فإن ذلك يجزئه عن الوضوء، وحُكي الإجماع على ذلك (¬4). • من نقل الإجماع: ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمعوا أن الجنب إذا انغمس في النهر، وتدلك فيه للغسل؛ أن ذلك يجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيديه إليه، ولا صبه عليه، وكذلك الوضوء، ولا يلزم نقل الماء إلى العضو" (¬5). ونقله عنه الموّاق (¬6)، والحطاب (¬7)، ويلاحظ أنه قيده بالدَّلْك. النووي (676 هـ) حيث يقول: "الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء، أو وقف تحت ميزاب ونوى؛ صح وضوئه وغسله" (¬8). ¬
وقال في موضع آخر: "مذهبنا أن دلك الأعضاء في الغسل، وفي الوضوء سنة ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصل به، ولم يمسه بيديه، أو انغمس في ماء كثير، أو وقف تحت ميزاب، أو تحت المطر ناويًا، فوصل شعره وبشره؛ أجزأه وضوؤه وغسله، وبه قال العلماء كافة إلا مالكًا والمزني، فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء" (¬1). والاستثناء الذي ذكره لا ينقض مسألتنا؛ إذ هو في التفصيلات، واشتراط الدلك. العيني (855 هـ) حيث يقول: "وأما أدلة الإجماع، فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية عدا أبا يوسف (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة، ولكن بشرط أن يكون جاريًا؛ أو يتحرك قليلًا في الراكد، ويمسح رأسه، ويغسل قدميه بعده (¬5). • مستند الإجماع: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي ذر -رضي اللَّه عنه-: "فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك" (¬6). • وجه الدلالة: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره بإمساس الماء، ولم يأمره بزيادة، فدل على كفاية إمساس الماء، كما في مسألتنا (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف أبو يوسف، واشترط الصب لإسقاط الفرض (¬8). وهذا القول يخالف صورتي المسألة: الانغماس والوقوع في الماء، ولا تنقض مسألة الوقوف تحت الميزاب. ولم أجدهم يذكرون له دليلًا. واشترط الحنابلة -في قول عندهم- المسح على الرأس، وعدم إجزاء الغَسل عنه، ¬
[54 - 163] وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء
فإذا لم يمسح؛ فإن وضوءه لا يصح، ولا بد بعده من غسل القدمين؛ ليتمّ الترتيب عندهم (¬1). ويستدل هنا بأن فرض الرأس المسح بنص الآية، فلم يجزِ عنه غيرُه. واشترطوا في قولٍ أن يكون الماء جاريًا؛ حيث إن الغمس غير الغسل، فالجاري فيه نوع غسل. وعندهم قولٌ بإجزاء الماء الراكد؛ بشرط تَحَرُّكِه قليلًا؛ ليقوم مقام الغسل. ولديهم قول آخر باشتراط أن يمكث قدر المدة التى يقضي فيها وضوءه؛ بناء على اشتراط الترتيب (¬2). وخالف ابن حزم، واشترط أن يتمّه مرتبًا، ونقله عن إسحاق، فيخرج رأسه أولًا، ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج رجليه (¬3). لأن الانغماس فقط ليس فيه التزام بالترتيب فلا بد من الخروج مرتبًا.Rأن الإجماع في عبارة النووي والعيني غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وكذلك عبارة ابن رشد؛ لخلاف أبي يوسف، وابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [54 - 163] وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه يجب عليه أن يمر يده على أعضاء الوضوء عند غسلها، وعلى ذلك حكى ابن بطال الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن بطال (449 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر حكايته للإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور عنهم (¬5)، والمزني (¬6). ¬
[55 - 164] نية وضوء النافلة تجزئ للفريضة
• مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، حيث قال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وادلكي جسدك بيدك" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها بدلك جسدها بيدها، والدلك هو الإمرار وزيادة، والأمر يقتضي الوجوب (¬2). 2 - الأحاديث الواردة (¬3) في وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تذكر أنه يمسح بيديه، وهذا هو الدلك الواجب، ومتابعة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في العبادات واجبة، إلا أن يدل دليل على العكس، وهو غير موجود، فدل على وجوب الدلك، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال ابن حجر: "وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار فبطل الإجماع" (¬4). فخالف الحنفية (¬5)، والمالكية في قول (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8)، فقالوا بعدم وجوب إمرار اليد في الوضوء، وهو خطأ بيّن من ابن بطال رحمه اللَّه (¬9).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، بل قول جمهور العلماء على خلاف ما ادعاه ابن بطال رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم. [55 - 164] نية وضوء النافلة تجزئ للفريضة: إذا نوى المصلي في وضوئه النافلة، فإن ذلك يجزئه ليصلي به الفرضَ، نُقل نفي الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإذا توضأ لنافلة صلى فريضة"، قال: "لا أعلم في هذه المسألة خلافًا" (¬10). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية، وهم لا يرون وجوب النية في الوضوء أصلًا، فمن باب أولى هنا (¬11)، والمالكية، ولكن بشرط أن لا ¬
[56 - 165] الحدث لا يرتفع حتى اكتمال الطهارة
تكون النية باستباحة النافلة بعينها دون غيرها، إذ فيها خلاف (¬1)؛ كما وافق الشافعية (¬2)، والحنابلة على الصحيح من المذهب على نفي الخلاف في المسألة (¬3). • مستند نفي الخلاف: مستندهم القياس؛ حيث إن النافلة تفتقر إلى رفع الحدث، ولا تصح إلا بوضوء كالفريضة؛ فكانت نيتهما واحدة، وإذا ارتفع الحدث تحقق شرط الصلاة، وارتفع المانع، فيباح له الفرض والنفل (¬4). • الخلاف في المسألة: هناك خلاف لدى الحنابلة في هذه المسألة، فهناك قول عندهم بأنه لا يجزئ وضوؤه هذا عن الفريضة، وهو قول معروف في المذهب، بل لديهم قول أنه إذا توضأ للفريضة؛ فإنه لا يجزئ للنفل (¬5). ولم أجد لهم دليلًا، ولكن يمكن أن يستدل لهم بأن النية للتعيين والتمييز، ولا بد من تمييز العبادات.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [56 - 165] الحدث لا يرتفع حتى اكتمال الطهارة: إذا غسل المتوضئ أعضاءً ولم يكمل وضوءه، فإن المنع من الصلاة باقٍ، حتى يُتم وضوءه، وعلى هذا حكى القرافي الإجماع. • من نقل الإجماع: القرافي (684 هـ) حيث يقول: "والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع الواقع، فيتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا ارتفع المنع ثبتت الإباحة، فيظهر بهذا البيان بطلان القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله؛ لأن المنع باقٍ بالإجماع حتى تكمل الطهارة" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). ¬
• مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] الآية. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر عند القيام للصلاة بغسل الأعضاء كلها، وإذا لم يتم غسلها كاملة، فإنه لم يتم الامتثال للأمر، ولم يتحقق الوضوء المجيز للصلاة، فلم يرتفع الحدث حتى يتم طهارته، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ويل للأعقاب من النار" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر الوعيد لمن لا يتم الوضوء على العضو كاملًا، فدل على وجوب إتمام الوضوء كاملًا، وأنه لا يتحقق حتى يتم الأعضاء كلها، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين
الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين [1 - 166] جواز المسح على الخفين: إذا توضأ المسلم، ثم لبس خفيه، فإنه يجوز له المسح عليهما، إذا أراد الوضوء، ويُكتفى بذلك من خَلع الخف غسل القدمين. • من نقل الإجماع: ابن المبارك (181 هـ) حيث يقول: "ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز" (¬1). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين وأحدث؛ أن له أن يمسح عليهما" (¬2). وقال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم؛ على القول به" (¬3). ونقله عنه النووي (¬4)، والعيني (¬5)، وابن قاسم (¬6). القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث يقول: "اتفق أهل العلم ومالك رحمه اللَّه على جواز المسح على الخفين" (¬7). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول عن المسح على الخفين: "فأهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك، بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان؛ إلا قوما ابتدعوا؛ فأنكروا المسح على الخفين" (¬8). وقال: "لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين، من لا يختلف عليه فيه؛ إلا عائشة، وكذلك لا أعلم أحدًا من فقهاء المسلمين روي عنه إنكار ذلك؛ إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، "مُوَطؤه" يشهد للمسح على الخفين في الحضر والسفر، وعلى ذلك جميع أصحابه وجماعة أهل السنة" (¬9). ونقله ¬
عنه الشوكاني (¬1). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "أما المسح على الخفين، فجائز عند عامة أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم" (¬2). محمد السمرقندي (615 هـ) حيث يقول في المسح على الخفين: "وثبوته بالإجماع". نقله عنه ابن عابدين (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (¬4). وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (¬5). والإجماع هنا يصب في المسح عمومًا دون التفصيل. الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فالمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة -رضي اللَّه عنهم-؛ إلا شيئًا قليلًا، رُوي عن ابن عباس -رضي اللَّه عنه- أنه لا يجوز" (¬6). وقال أيضًا: "وكذا الصحابة -رضي اللَّه عنهم-؛ أجمعوا على جواز المسح قولًا وفعلًا" (¬7). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم" (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (¬9). وعبارة "كافة" من عبارات الإجماع الضعيفة. ونقل بعد ذلك اتفاق الصحابة على الجواز (¬10). وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في ¬
السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (¬1). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءًا كاملًا، ثم لبس الخفين؛ جاز له المسح بلا نزاع" (¬2). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد ذكر في الباب الأول أن المسح على الخفين مجمع عليه بين الصحابة" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبو مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة الباهلي؛ وأبو زيد الأنصاري، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبو هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبو بكرة، وبلال، وخزيمة بن ثابت (¬4)، والمشهور عند المالكية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما (¬7). 2 - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (¬8). ¬
3 - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (¬1). • وجه الدلالة: في الأولين من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي سنة فعلية. أما الثالث؛ ففيه ذكر أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للماسح أن يعمل به يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، فيدل على مشروعيته (¬2)، وهو بالمناسبة من رواية علي رضي اللَّه تعالى عنه، خلافا لما رُوي من إنكاره للمسح على الخفين. • الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (¬3)، ورُوي عن أهل البيت (¬4)، وخالف الشيعة والخوارج أيضًا، فقالوا: لا يجوز، وحكي عن أبي بكر بن داود (¬5). ولكن ذكر ابن المبارك، أن كل من روي عنه أنه كره المسح على الخفين؛ رُوي عنه خلاف ذلك (¬6). ورُوي ذلك عن مالك، ولكن أنكر صحتَها عنه أكثرُ القائلين بقوله (¬7). واحتجوا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. فقراءة النصب تقتضي وجوب غسل الرجلين مطلقا؛ لأنه جعل الأرجل معطوفةً على الوجه واليدين، إذ حكمها الغسل، فكذا الأرجل.Rأن الإجماع غير متحقق في زمن الصحابة (¬8)؛ لوجود المخالف في المسألة من بينهم -وإن أنكر صحةَ السند إليهم بعضُ العلماء- وذلك لشهرة الخلاف في المسألة، ومالك رحمه اللَّه أنكر المسح على الخفين في بداية الأمر؛ لما رأى عمل أهل ¬
[2 - 167] اشتراط لبس الخفين على طهارة
المدينة على ذلك، مما يدل على شهرة الخلاف في المسألة (¬1)، ولكن استقر الإجماع بعد ذلك بين الفقهاء على القول بالمسح على الخفين، فلم يُذكر الخلاف بين الفقهاء بعد ذلك، لتواتر النقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا ما روي عن مالك، وقد أنكر صحةَ الرواية عنه أكثرُ أصحابه، ولم يعملوا بها (¬2)، فالإجماع في هذه المسألة من قبيل الإجماع بعد الخلاف، وهي مسألة أصولية معروفة، سبقت الإشارة لها عدة مرات، وهو حجة على الصحيح، خاصة مع ورود النصوص المتواترة في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 167] اشتراط لبس الخفين على طهارة: إذا أراد المسلم الوضوء والمسح على الخفين، فإنه يشترط لذلك أن يكون قد أدخل الخفين على طهارة (¬3). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يمسح على الخفين إلا من لبسهما على طهارة" (¬4). ونقله عنه القرافي بغير لفظه (¬5). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬6) دليل على أن المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وهذا قول عامة أهل العلم" (¬7). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولو لبس خفيه وهو محدث، ثم أحدث قبل أن يتم الوضوء، ثم أتم، لا يجوز المسح بالإجماع" (¬8). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما شرط المسح على الخفين؛ فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافًا شاذًّا، وقد روي عن ¬
ابن القاسم عن مالك" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافًا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول في نقاش له: "وجواب آخر وهو: أن المسح رخصة، واتفقوا على اشتراط الطهارة له" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول: "وإنما يُمسح على خف رجل لا حدث فيها إجماعًا" (¬5). ونقل ابن نجيم عبارته دون أن يشير (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رخص في هذا الحديث بالمسح على الخفين، وعلق تركه للأصل بأنه أدخلهما طاهرتين، فلا يجوز غيره إلا بدليل، ولا دليل على جواز المسح دون الطهارة قبله (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة مالك في روايةٍ عنه (¬10)، وروي عن داود (¬11)، فقالوا: الطهارة ليست بشرط في المسح. قالوا: المقصود في الحديث الطهارة من النجاسة (¬12)، أو الطهارة اللغوية (¬13). ولكن الرواية عن مالك رواية شذذها ابن رشد، ولم أجدها عند غيره.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهو قول روي ¬
[3 - 168] المسح على الخفين جائز في السفر
عن عالمين من مذهبين مختلفين، مما يضعف دعوى الإجماع أكثر، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 168] المسح على الخفين جائز في السفر: إذا كان المسلم في سفر، وأراد الوضوء وهو لابسٌ خفيه، فإنه يجوز له المسح على الخفين. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (¬1). وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحًا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (¬3). وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم" (¬8). • وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألتنا بالمطابقة، فقد روى صفوان -رضي اللَّه عنه- أن ¬
[4 - 169] المسح على الخفين مأخوذ من الأثر
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمرهم بأن لا ينزعوا خفافهم في السفر ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على استحباب المسح على الخفين، وهو جواز وزيادة، واللَّه تعالى أعلم (¬1). 2 - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حدد للمسافر إذا مسح خفيه ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على جواز المسح للمسافر تضمنًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة جواز المسح على الخفين ابتداءً، وما قيل هناك يقال هنا.Rأن الإجماع بعد الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد الاختلاف قبلُ، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 169] المسح على الخفين مأخوذ من الأثر: بعد أن تم بحث مسألة الإجماع على شرعية المسح على الخفين، فقد حكي الإجماع على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، وليس من القياس. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، لا من طريق القياس" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (¬8). ¬
[5 - 170] المسح على الخفين غير واجب
• وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- نص على أن الدين ليس بالرأي، والمقصود هنا القياس، بمعنى أن العبادات لا يدخلها القياس، ولذا استدل بهذا الحديث منكرو القياس (¬1)، ثم قال بأنه رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على الظاهر، وهذا استدلال منه على قوله الأول بأنه رَأَى، والواجب حينئذ الاتباع، مع أن القياس يقول بأن الباطن أولى بالمسح، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أننا لو قلنا بأنه من طريق القياس لوجب القول بالمسح على القفازين، وعلى كل ما غيب الذراعين، من غير علة ولا ضرورة، فدل على أن المسح على الخفين خصوص لا يقاس عليه ما كان في معناه (¬2).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 170] المسح على الخفين غير واجب: إذا أراد إنسان أن يتوضأ، وهو لابسٌ خفيه، فلا يجب عليه أن يمسح عليهما في وضوءه (¬3). • من نقل الإجماع: الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وظاهر قوله: (يأمرنا) (¬4) للوجوب، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره؛ فبقي للإباحة وللندب" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: غسل الرجلين ركن من أركان الوضوء، والواجب فيهما الغسل، ولكن رُخص للتيسير في المسح على الخفين، وليس أمامَنا إلا أمران؛ إما الغسل وهو الأصل، أو المسح وهو الرخصة، فإذا أوجبنا المسح فهو مقابل الأصل، ولا يمكن أن ¬
[6 - 171] المسح مرة واحدة مجزئ
يكون البدل أقوى من المبدل منه (الأصل)، وبهذا لا يقال بالوجوب. حتى من قال: إن المسح عزيمة، فيقال له: إنها عزيمة في مقابل واجب، فلا يمكن أن يقال بوجوب المسح عليه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 171] المسح مرة واحدة مجزئ: إذا مسح المتوضئ على خفيه مرة واحدة، فإن ذلك مجزئ. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئ" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). هذه المسألة لم يفردها العلماء بالكلام في كتبهم -فيما وقفت عليه- بل هي تابعة لما ذكروه في إجزاء الغسلة الواحدة في الوضوء، فالمسح قائم مقام غسل الرجل، وهي عضو من أعضاء الوضوء، وقد سبق بيان المسألة بعنوان: (إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت)، ولذا لن أكرر بحث المسألة هنا. [7 - 172] استيعاب الخف بالمسح لا يجب: إذا أراد المتوضئ أن يمسح على خفيه، فإنه لا يجب عليه استيعاب الخف بالمسح. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول عن استيعاب الخف بالمسح: "الإجماع على أنه لا يجب" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، وابن مسلمة، وجماعة من المالكية (¬5)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: أن لفظ المسح على الخفين ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مطلقًا، وفسره عليه الصلاة والسلام بفعله، حيث ورد أنه مسح على الخفين دون أن يُحدّد تحديد ¬
[8 - 173] المسح إلى الكعبين غير واجب
محدد، فيجب الرجوع إلى تفسيره، فكل ما يصح أن يقال فيه أنه مَسَحَ خفيه فهو مجزئ (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في الظاهر من المذهب (¬2)، وهو وجه عند الحنابلة (¬3)، فقالوا: يجب استيعاب الخف بالمسح. واحتجوا بأنه مسحٌ أُبدل عن غسل؛ فكان حكمه في الاستيعاب كالجبيرة (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 173] المسح إلى الكعبين غير واجب: إذا أراد المتوضئ المسح على الخفين، فإنه لا يجب عليه المسح إلى الكعبين، وحكى العيني، وابن نجيم على هذا الإجماع. • من نقل الإجماع: العيني (855 هـ) حيث يقول: "المسح إلى الكعبين غير واجب إجماعًا" (¬5). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وقال الجمهور: لم يثبت بالكتاب، وهو الصحيح بدليل قوله: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}؛ لأن المسح غير مقدر بهذا بالإجماع" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (¬11). 2 - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح ¬
[9 - 174] عدم إجزاء مسح أسفل الخف
من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (¬1). • وجه الدلالة: في الحديث الأول: ذكر أنه عليه الصلاة والسلام مسح على خفيه، ولم يقل أنه مسح على الكعبين، ولو كان واجبًا لبينه عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث الثاني: ذكر علي -رضي اللَّه عنه- أنه رأى مسح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنه مسح على ظاهر الخفين، ولم يذكر الكعبين، وكذا كل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لم يرد فيه أنه مسح كعبيه في المسح على الخفين، مما يدل على أن المسح عليهما غير واجب، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 174] عدم إجزاء مسح أسفل الخف: إذا مسح المتوضئُ الذي يريد المسح على خفيه أسفلَ الخف، واكتفى بذلك، فإن فعله هذا غير مجزئ. • من نقل الإجماع: ابن سريج (306 هـ) حيث يقول عن مسح أسفل الخف: "لا يجزئ ذلك بإجماع العلماء". نقله عنه النووي (¬2). إبراهيم بن جابر (310 هـ) فقد نقل عنه الكاساني حكايته الإجماعَ على أن الاقتصار على أسفل الخف لا يجوز (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "لا أعلم أحدًا يرى أن مسح أسفل الخف وحده يجزئ من المسح" (¬4). نقله عنه ابن قدامة (¬5)، وابن قاسم (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإنْ مَسَحَ أسفله دون أعلاه؛ لم يُجْزِهِ، لا نعلم أحَدا قال: يجزئه مسح أسفل الخف، إلا أشهب من أصحاب مالك، وبعض أصحاب الشافعي" (¬7). ¬
[10 - 175] المسح مختص بما حاذى ظاهر القدمين
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور من المذهب (¬1)، وقول عند الشافعية (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (¬4). • وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه رآه يمسح ظاهر الخف، والوضوء فعل تعبدي تجب المتابعة فيه، وأكد ذلك بقوله أن الدين ليس بالرأي، فإذا مسح غير محل الفرض، لم يجزئ مسحه كالساق، وقد ذكرنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما مسح ظاهر الخف (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة أشهب من المالكية (¬6)، وهو قول عند الشافعية، وقول أبي إسحاق المروزي (¬7)، فقالوا: بأن مسح أسفل الخف مجزئ. واحتجوا بأنه إذا كان أسفل الخف عندنا محلًّا للفرض؛ جاز الاقتصار عليه في المسح إذًا (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 175] المسح مختص بما حاذى ظاهر القدمين: إذا أراد المسلم أن يمسح على خفيه، فإنه يمسح على ما حاذى ظاهر قدميه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر القدمين" (¬9). ونقله عنه ابن قاسم (¬10). ¬
[11 - 176] المقيم يمسح مسح مسافر إذا لم يمسح حتى سافر
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والمالكية على المشهور من المذهب (¬2)، وقول عند الشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (¬6). • وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- وصف ما رأى من مسح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لخفيه، وأنه مسح ظاهرهما، وأكد على ذلك بالتعجب الذي ذكره بأن الدين ليس بالرأي، وإلا لكان مسح الباطن أولى من الظاهر، مما يفيد أن الباطن لا يمسح، فصار المسح لظاهر القدمين وما حاذاهما، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة: (عدم إجزاء مسح أسفل الخف) وهم: أشهب من المالكية (¬7)، وهو قول عند الشافعية، وقول أبي إسحاق المروزي (¬8)، حيث قالوا: بإجزاء مسح أسفل الخف عن ظاهره، فلا يكون المسح مختصًّا بما حاذى ظاهر القدمين بذلك (¬9).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 176] المقيم يمسح مسح مسافر إذا لم يمسح حتى سافر: إذا نوى المسلم السفر، وقد لبس الخفين على طهارة، ثم سافر قبل أن يمسح، فإنه يمسح مسح مسافر، سواء أحدث مقيمًا أو لا، وحكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فإن سافر قبل الحدث، أو بعد الحدث، قبل المسح، تحولت مدته إلى مدة السفر من وقت الحدث (¬10) ¬
بالإجماع" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا، في أن من لم يمسح حتى سافر؛ أنه يُتم مسْحَ المسافر" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول عن مريد المسح: "لَبَس وأحدث في الحضر، ثم سافر قبل خروج وقت الصلاة؛ فيمسح مسح مسافر أيضًا، عندنا وعند جميع العلماء، إلا ما حكاه أصحابنا عن المزني أنه مسح مقيم" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). • مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (¬5). • وجه الدلالة: أن الحديث نصَّ على أن المسافر يمسح ثلاث ليالٍ، وهو في مسألتنا حال ابتدائه بالمسح كان مسافرًا؛ فيأخذ حكم المسافر في المدة (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف مالك (¬7) في التوقيت، فقال: لا توقيت للمسح مطلقًا، ولا فرق بين المسافر وغيره. وروي عن عمر، وعقبة بن عامر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سلمة، والحسن، وعروة بن الزبير (¬8). ووجهه أنها طهارة؛ فلم تُوقت بوقت معين، كغسل الرجلين (¬9). وخالف في المسألة المزني من الشافعية (¬10)، وأحمد في رواية عنه (¬11)، فقال: يمسح مسح مقيم. وأنكر هذا القولَ عن المزنيِّ بعضُ الشافعية (¬12). وهناك قول آخر للحنابلة؛ بأنه إن مضى وقت صلاة، ثم سافر؛ أتم مسح ¬
[12 - 177] المقيم إذا سافر قبل الحدث فيمسح مسح مسافر
مقيم (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 177] المقيم إذا سافر قبل الحدث فيمسح مسح مسافر: إذا سافر المتوضئ، ولم يحدث حتى سافر، فإنه يمسح مسح مسافر بالإجماع. والفرق ظاهر بين هذه المسألة ومسألة: (المقيم يمسح مسح مسافر إذا لم يمسح حتى سافر)، حيث في مسألتنا زيادة قيد السفر وهو طاهر. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "لبس الخف في الحضر، وسافر قبل الحدث؛ فيمسح مسح مسافر بالإجماع" (¬2). ونقل نحو هذه العبارة العيني، دون أن يشير (¬3). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول عن من سافر قبل انتقاض وضوئه: "ولا خلاف في أن مدته تتحول إلى مدة المسافر" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (¬6). • وجه الدلالة: أن الحديث ينص على أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، وهذا لم يمسح إلا مسافرًا، فيأخذ حكم المسافر لعموم الحديث، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: سبق ذكر خلاف مالك في التوقيت، وأنه لا توقيت للمسح عنده (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، حيث إن مالكًا يخالف في أصل المسألة، وهو الإلزام بالتوقيت، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[13 - 178] المسافر إذا أقام يمسح مسح مقيم
[13 - 178] المسافر إذا أقام يمسح مسح مقيم: إذا مسح المسافر على خفيه، ثم أقام، فإنه يتم مسحه مسح مقيمٍ، بألا يتجاوز يومًا وليلة. • من نقل الإجماع: أبو العباس بن سريج (306 هـ) حيث يقول معلقًا على قول المزني (¬1) بقوله: "إن كان المزني يذهب إلى أن القياس هذا، ولكن ترك للإجماع أو غيره؛ فليس بيننا وبينه كبير خلاف، وإن كان يذهب إلى أنه يحكم بهذا؛ فهو خلاف الإجماع". نقله عنه النووي، ثم قال: "وهذا الذي قاله ابن سريج تصريح بانعقاد الإجماع على خلاف قول المزني" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإذا مسح مسافر أقل من يوم وليلة، ثم أقام أو قدم؛ أتم على مسح مقيم وخلع، وإذا مسح مسافر يومًا وليلة فصاعدًا، ثم أقام أو قدم خلع، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه مخالفًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، وقول عن مالك (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬6). 2 - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" (¬7)، يعني: في المسح على الخفين. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَّت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، وهذا المسافر صار مقيما، فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر. 3 - أن المسح عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا ابتدأها في السفر، ثم حضر في أثنائها، غُلّب حكم الحضر، كالصلاة (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف مالك في قول عنه، بعدم المسح في الحضر أصلًا (¬9). ¬
واستُدل له بأن رواية المسح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كانت في السفر (¬1). وخالف أيضًا في قولٍ ثانٍ عنه، بأنه لا توقيت للمسح (¬2)، ولكن أنكر صحة هذا القول عنه بعض أصحابه (¬3). ووجهه أنها طهارة فلم تتوقت بوقت معين، كغسل الرجلين (¬4). وخالف في هذه المسألة المزني (¬5)، وقال: بأنه إذا مسح يومًا وليلة؛ يمسح ثلث يومين وليلتين، وهو ثلثا يوم وليلة. واحتج لقوله بأنه "لو مسح ثم أقام في الحال؛ مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان وجب أن يمسح ثلثهما" (¬6). ومعنى استدلاله؛ أن الماسح ليوم وليلة وهو مسافر، لم يستكمل من رخصته إلا الثلث، وبقي له الثلثان، فيأخذ ثلث اليومين اللذين قد استحقهما من قبل ولم يستكملهما، فيكون حقه ثلثا يوم وليلة، واللَّه تعالى أعلم. وخالف بعض الحنابلة، فقالوا: يتم مسح مسافر؛ إن كان مسح مسافرًا فوق يوم وليلة، وشذذه بعضهم (¬7). وخالف ابن حزم بقولٍ خامس (¬8)، وقال: "إن مسح في سفر، ثم أقام أو دخل موضعه؛ ابتدأ مسح يوم وليلة؛ إن كان قد مسح في السفر يومين وليلتين فأقل، ثم لا يحل له المسح، فإن كان مسح في سفره أقل من ثلاثة أيام بلياليها وأكثر من يومين وليلتين؛ مسح باقي اليوم الثالث وليلته فقط، ثم لا يحل له المسح، فإن كان قد أتم في السفر مسح ثلاثة أيام بلياليها؛ خلع ولا بد، ولا يحل له المسح حتى يغسل رجليه" (¬9). واستدل بأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يبح المسح إلا ثلاثة أيام للمسافر بلياليها، ويومًا وليلة للمقيم، فصح أنه لم يبح لأحد أن يمسح أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، لا مقيمًا ولا مسافرًا، وإنما نهى عن ابتداء المسح، لا عن الصلاة بالمسح المتقدم (¬10)، فالعبرة ¬
[14 - 179] المسح على الخف المخروق لا يجزئ
عنده بابتداء المسح، وعدم تجاوز ثلاثة أيام. وخالف بعض الظاهرية في قول سادس (¬1)، وقالوا: "إذا مسح في سفره أقل من ثلاثة أيام بلياليها وقدم؛ استأنف مسح يوم وليلة، فإن لم يزد على ذلك حتى سافر؛ استأنف ثلاثة أيام بلياليها" (¬2). واحتج هؤلاء بظاهر لفظ الخبر في ذلك (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 179] المسح على الخف المخروق لا يجزئ: إذا مسح المتوضئ على الخف، وكان هذا الخف مخروقًا خرقًا كبيرًا، فإن المسح عليه غير جائز. وقد قيد الطحاوي هذا الخرق بأن القدمين باديان أو أكثرهما، مما يعني أن الخرق كبير. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "ولم يكن فيه حجة (¬4) في جواز المسح على النعلين، التمسنا ذلك من طريق النظر، لنعلم كيف حكمه؟ فرأينا الخفين اللذين قد جوز المسح عليهما إذا تخرقا، حتى بدت القدمان منهما أو أكثر القدمين، فكلٌ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما" (¬5). ونقله عنه ابن حجر (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: أن الواجب الذي دلت عليه النصوص في القدمين هو الغسل، ولكن أتى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رخصة بالمسح على الخفين، فالمسح بدل عن الغسل، ¬
[15 - 180] المسح على الخف المقطوع لا يجزئ
والغسل لا يكون إلا شاملا لمحل الفرض، فكان لا بد أن يكون البدل في حكم المبدل، فيكون شاملًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نقل ابن حجر عن الطحاوي الإجماع، ثم قال: "لكنه منازع في نقل الإجماع المذكور" (¬1)، ولم يذكر تفصيلًا في المسألة. وخالف ابن حزم في المسألة (¬2)، فقال بجواز المسح على ما يطلق عليه خف، حتى لو كان مخرقًا. واحتج بأن النص يشمل كل ما يطلق عليه خف، ولا دليل على إخراج الخف المخروق من الرخصة الواردة.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 180] المسح على الخف المقطوع لا يجزئ: الخف المقطوع هنا: هو الخف القصير الساق، الذي لا يستر محل الفرض (¬3). فإذا مسح المتوضئ على خفٍ مقطوع، فإن هذا المسح لا يجوز باتفاق المسلمين. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول عن الخف المقطوع: "لأن المقطوع يصير كالنعلين، فإنه ليس بخف، ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية على الأظهر، فقد قالوا: بأن القطع الكبير يمنع المسح، حتى لو كان من جهة العقب، وقد اختلفوا في تقدير المتجاوز عنه، إلا أن ذلك ليس من مسألتنا (¬6)، والمالكية في المشهور عنهم (¬7)، والشافعية (¬8). • مستند الاتفاق: 1 - أن المسح على الخفين بدل عن الغسل، والبدل يأخذ حكم ¬
المبدل، فكان لا بد من أن يكون الخف ساترًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم. 2 - والغسل إنما يكون مجزئا عندما يكون شاملًا لمحل الفرض، وإذا كان الخف غير شامل لمحل الفرض، لا يكون ممسوحا على خفٍّ ساتر لمحل الفرض، فكان لا بد إما من الترك للباقي، أو غسل الظاهر مع مسح الخف المقطوع، وهذا الجمع غير جائز؛ لأنه زيادة على المشروع، فأصبح بدعة، مما يدل على وجوب أن يكون الخف ساترًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم. 3 - أن الخف المقطوع لا يستر محل الفرض، فكان حكمه حكم النعلين (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف الأوزاعي (¬2)، وابن حزم (¬3) في الخف المقطوع، بأنه يجوز المسح عليه. وروي عن مالك أنه أجاز المسح على الخف المقطوع، واشترط مسح الظاهر من محل الفرض، إلا أن بعض أصحابه أنكر هذه الرواية عنه، وقال: إنما هي للأوزاعي (¬4). واحتجوا بأنه خف يمكن متابعة المشي فيه؛ فأشبه الساتر (¬5). والعجيب أنني وجدت أن ابن تيمية نفسه يخالف الإجماع، ويقول بجواز المسح على الخف المقطوع (¬6). رُوي عن علي -رضي اللَّه عنه- (¬7)، أنه يقول بجواز المسح على النعلين. واحتج بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" (¬8). ¬
[16 - 181] من توضأ إلا القدمين فأدخل المغسولة الخف ثم الأخرى فهو طاهر
ومن أجاز المسح على النعلين فمن باب أولى الخف المقطوعة، ولكن نقل ابن حجر تضعيف هذه الرواية من عدد من الأئمة (¬1). ثم نقل قولًا بعده بأنه إنما يجوز على النعلين إذا لبسهما على الجوربين، ويمسح عليهما (¬2).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 181] من توضأ إلا القدمين فأدخل المغسولة الخف ثم الأخرى فهو طاهر: إذا توضأ المسلم إلا أحد رجليه، ثم أدخل الرجل المغسولة الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، فإنه يكون طاهرًا. ولا يعني هذا أن هذا الإجماع على صحة المسح عليهما فيما بعد، إذ في هذه المسألة خلاف (¬3)، بل هو في صحة الطهارة فقط، كما هو ظاهر من عبارة ابن المنذر الآتية (¬4). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا توضأ إلا غسل إحدى رجليه، فأدخل المغسولة الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف؛ أنه طاهر" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: أن من توضأ وأدخل الخف في إحدى قدميه قبل غسل الأخرى فقد أتى بطهارة كاملة مرتبة، ولم يأت بما ينقضها، فوجب أن تكون صحيحة، واللَّه ¬
[17 - 182] من لبس الخف في إحدى قدميه قبل تمام الطهارة فنزعه بعدها جاز له المسح
تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 182] من لبس الخف في إحدى قدميه قبل تمام الطهارة فنزعه بعدها جاز له المسح: إذا توضأ المسلم إلا إحدى قدميه، ثم لبس الخف فيها، ثم غسل الأخرى، ثم نزع الخف من الأولى، ولبسه بعد مرة ثانية بعد تمام وضوئه، فإنه يجوز له المسح. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول عن صورة مسألتنا: "وقد أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد لبسه؛ جاز له المسح" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول، بعد غسل الرجل الثانية، ثم لبسها؛ جاز له المسح" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: أن المتوضئ إذا نزع الخف من قدمه التي قد غسلها، وغسل الأخرى، فقد أتم وضوءه، ومن ثم فقد لبس الخفين على طهارة، واستكمل شروط المسح؛ فيجوز له المسح إذًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 183] لا يُمسح على الخفين الفوقيَّيْن الملبوسين بعد الحدث: إذا لبس المتوضئ الخفين على طهارة، ثم أحدث، ثم لبس خفين آخرين فوقهما، فإنه لا يجوز له المسح عليهما بلا خلاف. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "إذا لبس خفين، ثم ¬
[19 - 184] المسح خاص بالطهارة الصغرى
أحدث، ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين (¬1)، لم يجز المسح عليهما بغير خلاف" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (¬3)، والمالكية في قول (¬4)، والشافعية على المذهب عندهم (¬5). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن من لبس الخفين الفوقيين بعد الحدث، لم يحقق شرط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة؛ فلم يجز له المسح عليهما (¬6). 2 - أن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث -هذا على قولٍ للعلماء-، وقد انعقد في الخف الأول؛ فلا يتحول إلى الخف الثاني بعد ذلك (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ عندهم (¬8)، والشافعية في وجهٍ عندهم (¬9)، فقالوا: يجوز المسح عليهما. وضعّف النووي هذا الوجه عندهم (¬10). قالوا: كما لو لبس الخف على طهارة، ثم أحدث، ثم رقع فيه رقعة (¬11). ويأتي هنا الخلاف المروي عن داود ورواية عن مالك، بعدم اشتراط الطهارة للمسح من باب أولى.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 184] المسح خاص بالطهارة الصغرى: المسح على الخفين خاص بالطهارة من الحدث الأصغر فقط، ولا يجوز في ¬
الطهارة من الحدث الأكبر بالإجماع. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول في مَعْرِض شرحٍ له: "يعني: الحدث الأصغر؛ فإن جواز المسح مختص به، ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب، ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد من العلماء" (¬2). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع" (¬3). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬4) دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل، وهو مجمع عليه" (¬5). ونقل ابن قاسم نحو عبارته دون إشارة (¬6). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث صفوان بن عسال قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا بسفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬10). • وجه الدلالة: قوله: "إلا من جنابة" يفيد بدليل الخطاب أنه كان يأمر بنزع الخفاف عندها، ولا يجيز المسح، فدل على عدم جواز المسح إلا في الحدث الأصغر، وهو ما يوافق الأصل، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن وجوب الغسل يندر، فلا يشق إيجاب غسل القدم عندئذٍ، بخلاف الطهارة ¬
[20 - 185] المسح على اللفائف والخرق لا يجوز
الصغرى فهي تتكرر كثيرًا (¬1).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [20 - 185] المسح على اللفائف والخرق لا يجوز: إذا شد مريد الوضوء على رجله لفائف أو خرق، وأراد أن يمسح عليها، فإنه لا يجوز له ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق، . . .، ولا نعلم في هذا خلافًا" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - النص الوارد في جواز المسح على الخفين لم يذكر اللفائف والخرق، بل اقتصر على الخفين والجوربين؛ فيجب الاقتصار على ما ورد عليه النص، واللَّه تعالى أعلم. 2 - من شروط المسح أن يكون الممسوح مما يثبت بنفسه، واللفافة والخرقة لا تثبت بنفسها، إنما تثبت بشدها؛ فلزم عدم المسح عليها (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية (¬6)، والحنابلة في وجه عندهم (¬7)؛ قالوا: بأن المسح على اللفائف مجزئ. واختاره ابن تيمية، ونفى وجود إجماعٍ في المسألة (¬8). واحتجوا: بأن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر؛ إما إصابة بالبرد، أو التأذي بالحفاء، أو التأذي بالجرح (¬9). ¬
[21 - 186] الترتيب في اللبس ليس شرطا للمسح
Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 186] الترتيب في اللبس ليس شرطًا للمسح: إذا لبس متوضئ خُفَّيْهِ، فلا يشترط له كي يمسح عليهما أن يلبسهما بترتيب معين. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "والترتيب في اللبس ليس بشرط بالإجماع" (¬1). ذكر هذه المسألة بعد ذكر مسألة نزع أحد الخفين. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - أن النصوص الواردة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الترخص بالمسح على الخفين لم يرد فيها ما يدل على اشتراط الترتيب في اللبس للخفين، مما يدل على عدم اشتراطه، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الترتيب بين العضوين المتشابهين -اليدين والرجلين- لا يشترط فيهما الترتيب حتى في الوضوء، فكذلك المسح، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 187] النزع لأحد الخفين موجب لنزع الآخر: إذا نزع الماسح أحد الخفين دون الآخر، ثم أحدث وأراد أن يتوضأ، فإنه يجب عليه أن ينزع الآخر ويغسل القدم. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه متى نزع أحد الخفين، وجب عليه نزع الآخر" (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك (¬1)، والحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ بالشمال، ولينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما جميعًا" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بلبس الخفين جميعًا، أو خلعهما جميعًا، وإذا كان هذا في المشي ففي الوضوء من باب أولى (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الوارد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غسله للرجلين، أو مسحه للخفين، ولم يَرِدْ أنه مسح أحدهما دون الآخر، فوجب متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وعدم ترك سنته (¬8). 3 - أن القدمين في الحكم كعضو واحد، ولهذا لا يجب ترتيب أحدهما على الآخر، فيبطل مسح أحدهما بظهور الآخر، كالرجل الواحدة (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة سفيان الثوري في رواية عنه (¬10)، والزهري (¬11)، وأبو ثور (¬12)، فقالوا: يغسل المكشوفة، ويمسح الأخرى المستورة. ولم يذكروا لهم دليلًا، ويمكن أن يقال: بأن الأصل الجواز للمسح على الخف، ولا دليل على المنع.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[23 - 188] المسح على الجوربين الرقيقين لا يجوز
[23 - 188] المسح على الجوربين الرقيقين لا يجوز: الجورب إذا كان رقيقًا، فإنه لا يجوز المسح عليه، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول عن الجوربين: "وإن لم يكونا مجلدين، ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - أن الجورب الرقيق كالجورب المكشوف، فيجب خلعه وغسل القدم، ولا يجوز المسح عليه (¬5). 2 - أن الجورب الرقيق لا يستر العضو، فلا يعتبر جوربا يُمكن المسح عليه (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه (¬7)، فقالوا: يجوز المسح على الجورب الرقيق. وقال النووي عن هذا الوجه بأنه وجه غريب ضعيف (¬8). ولم يذكروا دليلًا، ويمكن أن يقال: إن الجورب وإن كان رقيقًا فهو يطلق عليه جورب، ولا دليل على التفريق بين الرقيق والصفيق.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والوجه الذي عند الشافعية وإن كان ضعيفًا، إلا أنه قد حكاه اثنان من أئمة الشافعية (¬9)، مما يدل على شهرته، فلا ينعقد معه الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 189] جواز المسح على الجبيرة: إذا وقع للإنسان جرح أو كسر، واحتاج للجبيرة، فإنه يجوز له أن يضعها ويمسح ¬
[25 - 190] عدم جواز المسح على حائل دون القدم
عليها، وعليه حكى القرافي الإجماع. • من نقل الإجماع: القرافي (684 هـ) حيث يقول مناقشًا مسألة عدم إعادة الصلاة بالمسح على الجبيرة: "ولأن الإجماع منعقد على جواز الصلاة بالمسح على الجبيرة" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم اللَّه، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب عن جرحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبرهم بأنه كان يكفيه أن يعصب على الجرح، وهو نوع من الجبائر، وأن يمسح عليها، مما يدل على جواز المسح على الجبائر (¬6)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 190] عدم جواز المسح على حائل دون القدم: إذا أراد المسلم الوضوء، وكان على يده أو أي جزء من أعضاء وضوئه حائل، فلا يجوز المسح عليه (¬7). ¬
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا يجزئ المسح على الوقاية (¬1)، رواية واحدة، لا نعلم فيه خلافًا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أنه لا يجوز المسح على القفازين في اليدين، والبرقع في الوجه" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - أن المسح على الخفين إنما شرع دفعًا للحرج الحاصل من المشقة في نزع الخفين عند كل وضوء، ولا حرج في نزع القفازين؛ أو الوقاية (¬7). 2 - أن المسح على الخفين إنما ثبت بطريق الأثر، وهو رخصة، ولا قياس في الرخص والعبادات، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب السابع: مسائل الإجماع في باب نواقض الوضوء
الباب السابع: مسائل الإجماع في باب نواقض الوضوء [1 - 191] تعليل نواقض الوضوء: الأحداث التي جعلها الشارع تنقض الوضوء، ليست مما يعلل، وعلى ذلك اتفق الأئمة. • من نقل الاتفاف: إمام الحرمين الجويني (410 هـ) حيث يقول: "وقد اتفق الأئمة على أن اقتضاء الأحداث الوضوء ليس مما يعلل". نقله عنه النووي (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة (¬4). لم أجد من نصَّ على مسألتنا؛ غير ما ذكرت -من خلال ما يُفهم كلامهم- ولكن عدم تعليل الأحداث، يعني أنها غير معقولة المعنى، فلم يتكلم أحد عن علة كون المني موجبا للغسل، بينما البول وغيره لا يوجبه، واللَّه تعالى أعلم. وهذا في العلة كما ذكرت أما الحِكَم فهي تُتَلَمَّس ولا إشكال (¬5). • مستند الإجماع: لم أجد من ذكر لهذه المسألة دليلًا. ولكنْ يقول اللَّه تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يأمرنا بالبحث عن عللٍ لهذه الأحداث، ولم يعللها عز وجل، بل تركها غير معقولة المعنى، كسائر العبادات، وقد أمرنا بامتثال الأمر دون أن يعلل للأمر، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق فيما يظهر؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[2 - 192] الغائط ينقض الوضوء
[2 - 192] الغائط ينقض الوضوء: إذا تغوط المسلم وقد كان على وضوء، فإنه ينتقض وضوؤه، هذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر، و. . .؛ أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء" (¬1). ونقله عنه ابن قدامة (¬2)، والنووي (¬3). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول عن نقض الغائط والبول للوضوء: "وأما البول والغائط فإجماع متيقن" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، نجسًا كان أو طاهرًا. . " (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء، مما يخرج من السبيلين، من غائطٍ، وبولٍ، وريحٍ، ومذي" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا" (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أما الغائط؛ فبنص الكتاب والسنة والإجماع" (¬8). العيني (855 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين؛ كالغائط، والريح من الدبر، والبول، والمذي من القبل ناقضٌ للوضوء" (¬9). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول عن النواقض: "وبعضها بالإجماع؛ كالودي والغائط والقيح" (¬10). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عن النوم: "فأشعر ذلك؛ بأنه من نواقض ¬
[3 - 193] ما يخرج من السبيلين بالدواء ناقض
الوضوء، لا سيما بعد جعله مقترنا بالبول والغائط؛ اللذين هما ناقضان بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] الآية. • وجه الدلالة: أن اللَّه تبارك وتعالى جعل الغائط موجبا للتيمم؛ إذا لم يجد الماء؛ فدل على أنه ناقض، والأدلة في هذا كثيرة معلومة، لا تحتاج إلى بيان.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه المسألة من اليقينيات التي تُعلم من الدين بالضرورة، ومنكرها يكفر، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 193] ما يخرج من السبيلين بالدواء ناقض: إذا استعمل الإنسان الدواء لإخراج الفضلات من أيِّ السبيلين، فإن ما يخرج منهما ناقض للوضوء بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول عن ما يخرج من السبيلين: "وكذلك ما يخرجه الدواء ليس معتادًا، فيه الوضوء بإجماع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] الآية. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل ما يخرج من الغائط ناقضا، ولم يفرق بين ما يخرج بالدواء أو دونه، فكل ما يخرج ناقض، وكذا كل الأدلة التي تدل على أن الغائط والبول ناقض، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[4 - 194] البول ينقض الوضوء
[4 - 194] البول ينقض الوضوء: إذا بال المسلم، وقد كان على وضوء، فإنه ينتقض وضوؤه بالإجماع، هذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن. .، وخروجَ البول من الذكر، وكذلك المرأة، و. . .؛ أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء" (¬1). ونقله عنه ابن قدامة (¬2)، والنووي (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن البول من غير المستنكَح به (¬5)؛ . .؛ ينقض الوضوء؛ بنسيان كان ذلك أو بعمد" (¬6). ويقول أيضًا: "وأما البول والغائط فإجماع متيقن" (¬7). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرا أو معتادا، قليلا كان أو كثيرا، نجسا كان أو طاهرا. . " (¬8). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء، مما يخرج من السبيلين، من غائطٍ، وبولٍ، وريحٍ، ومذي" (¬9). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا" (¬10). ونقله عنه ابن قاسم (¬11). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما البول؛ فبالسنة المستفيضة، والإجماع، والقياس على الغائط" (¬12). العيني (855 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين؛ كالغائط، والريح من الدبر والبول، والمذي من القبل ناقضٌ للوضوء" (¬13). ¬
[5 - 195] السلس بعد الوضوء لا ينقض الوضوء
الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عن النوم: "فأشعر ذلك؛ بأنه من نواقض الوضوء، لا سيما بعد جعله مقترنا بالبول والغائط؛ اللذين هما ناقضان بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2). • مستند الإجماع: حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمرهم أن يتوضؤوا من الغائط والبول والنوم، وأن يمسحوا على الخفاف؛ فدل على أن البول من النواقض، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل القطعية التي لا مجال للخلاف فيها، وهي من المعلوم من الدين بالضرورة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 195] السلس بعد الوضوء لا ينقض الوضوء: كل من لا يستطيع حفظ الطهارة، سواء كان به سلس، أو جرح لا يرقأ، أو غير ذلك، فإنه يتوضأ ويصلي، ولا يضره ما يخرج منه بعد ذلك، ولا ينتقض وضوؤه (¬4). • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فمن لم يمكنه حفظ الطهارة مقدار الصلاة، فإنه يتوضأ ويصلي، ولا يضره ما خرج منه في الصلاة، ولا ينتقض وضوؤه بذلك باتفاق الأئمة" (¬5). وقال أيضًا: "وأما ما يخرج في الصلاة دائمًا، فهذا لا ينقض الوضوء باتفاف العلماء" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، ¬
[6 - 196] خروج المني ينقض الوضوء
والشافعية (¬1). • مستند الاتفاق: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن دم الحيض دمٌ أسود يعرف، فإذا كان ذلك؛ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمرها بإعادة الوضوء فيما لو نزل دم الاستحاضة بعد الوضوء، والسلس يقاس عليه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 196] خروج المني ينقض الوضوء: إذا خرج المني من المتوضئ؛ فإن وضوءه يبطل بذلك بالإجماع. ومسألتنا فيما إذا كان في الخروج المعتاد، أي أنه بلذة معتادة، أما لو كان بلا لذة، أو أنه بشكل غير معتاد، فليس من مسألتنا. • من نقل الإجماع: أبو بكر محمد بن داود الظاهري (297 هـ) حيث يقول: "واتفق علماء الأمة على أن خروج المني، والودي، والمذي، وتواري الحشفة في الفرج، وذهاب العقل بكل حال؛ ناقض للطهارة؛ إلا من ذهب عقله" (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن. .، وخروجَ المني، . . .، أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، نجسًا كان أو طاهرًا. . " (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء ¬
إجماعًا" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فقالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل؛ إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: نعم؛ إذا رأت الماء" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط وجوب الغسل بخروج الماء ورؤيته؛ فإذا خرج المني وجب الغسل، مما يعني أنه ناقض وزيادة (¬6)، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الماء من الماء" (¬7). • وجه الدلالة: حيث إن ماء الغُسل يجب بماء الرجل، فإذا خرج المني وجب الماء للغسل. • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في المسألة؛ فقالوا بأن خروج المني وحده لا ينقض الوضوء، بل يوجب الغسل (¬8). قالوا: لأن الخارج الواحد لا يوجب طهارتين، وهذا قد أوجب الجنابة؛ فيكون جنبًا لا محدثًا (¬9). ولكن في المحصلة؛ نجد أنهم يوجبون الغسل (¬10)، وهو وضوء وزيادة؛ فلا يكونون بهذا مخالفين في الحقيقة، وستأتي مناقشة المسألة في كون خروج المني ¬
[7 - 197] خروج الريح من الدبر ينقض الوضوء
موجب للغسل بإذن اللَّه تعالى.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 197] خروج الريح من الدبر ينقض الوضوء: إذا خرج ريحٌ من الدبر، فإن من كان متوضأً يلزمه الوضوء بعد خروجه بالإجماع. أما من كان مستنكحًا بالريح، بمعنى أن عنده سلسًا في الريح، أو كان كبيرًا ولا يستطيع رد ما فيه من الريح؛ فليس هذا من مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن. .، وخروجَ الريح من الدبر؛ . . .؛ أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء" (¬1). وقال: "وأجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدثٌ ينقض الوضوء" (¬2). ونقله عنه ابن قدامة (¬3)، والنووي (¬4). ابن بطال (444 هـ) حيث يقول: "الأحداث التي أجمع العلماء أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة، البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير". والذي ذكره أبو هريرة هو الريح (¬5). نقله عنه العراقي (¬6). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن. .، وأن الفَسْوَ والضّراط إذا خرج كل ذلك من الدبر؛ . .؛ ينقض الوضوء؛ بنسيانٍ كان ذلك أو بعمد" (¬7). وقال: "والريح الخارجة من الدبر خاصة لا من غيره؛ بصوت خرجت أم بغير صوت، وهذا أيضًا إجماع متيقن، ولا خلاف في أن الوضوء من الفسو والضراط" (¬8). ¬
أي على أنها تنقض الوضوء، إذ هذا هو عنوان المسألة التي ذكرها. ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، نجسًا كان أو طاهرًا. . " (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء، مما يخرج من السبيلين، من غائطٍ، وبولٍ، وريحٍ، ومذي" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول عن حديث أبي هريرة الآتي في المستند: "ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل، وهما مما ينقض بالإجماع" (¬4). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول عن الطهارة الصغرى: "فإن الصغرى تجب من الريح إجماعًا" (¬5). وقال: "ونقضها - الريح - متفق عليه بين المسلمين" (¬6). العيني (855 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين؛ كالغائط، والريح من الدبر، والبول، والمذي من القبل ناقضٌ للوضوء" (¬7). الكمال ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول عن دليل النقض بالريح: "ويستدل على الريح بالإجماع" (¬8). ونقل ابن نجيم نحو عبارته دون إشارة (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم -رضي اللَّه عنه-، قال: شكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع ¬
[8 - 198] الحيض حدث للنساء
صوتًا أو يجد ريحًا" (¬1). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (¬2). • وجه الدلالة: ظاهر من الحديثين؛ حيث في الأول؛ أن المصلي ينصرف من صلاته بمجرد تأكده من خروج الريح، مما يدل على إبطالها للوضوء والصلاة بالتبع. وفي الثاني؛ حيث نفى الوضوء إلا من الريح.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 198] الحيض حدثٌ للنساء: إذا حاضت المرأة، فإنها تكون محدثة، وحُكى على هذا الإجماع، وهو من الأمور القطعية؛ إذ أنه يوجب الغسل وهو أعلى من الوضوء. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن (من) (¬3) أحداث النساء الحيض" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: قوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}، فقد سمى اللَّه تعالى انقطاع الدم طهارة، ثم ¬
[9 - 199] النفاس حدث للنساء
سمح بالجماع بعد التطهير، مما يدل على أن الحيض حدث، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن كل ما يخرج من الفرج فالأصل فيه الحدث، فكيف بالشيء المنتن كالحيض، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 199] النفاس حدث للنساء: إذا نفست المرأة، فإنها تكون محدثة، وحكى ابن هبيرة الإجماع على هذا، وهو من موجبات الغسل، وهو وضوء وزيادة. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن النفاس من أحداث النساء" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: النفاس يقاس على الحيض في كل شيء، فهو دم أسود منتن كالحيض، فيأخذ أحكامه (¬5).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 200] زوال العقل ينقض الوضوء: إذا زال عقل المتوضئ بجنون أو إغماء أو غيرهما؛ فإن وضوءه ينتقض، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن. .، وزوالَ ¬
العقل بأي وجه زال العقل؛ . . .؛ أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء" (¬1). ونقله ابن قدامة في المغمى عليه (¬2)، والنووي مطلقا (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن بطال (444 هـ) حيث يقول: "الأحداث التي أجمع العلماء أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة؛ البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير". والذي ذكره أبو هريرة هو الريح (¬5). نقله عنه العراقي (¬6). نقله عنه ابن حجر (¬7). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على. .، وكذلك ذهاب العقل بسكر أو إغماء أو جنون" (¬8). وقال: "قال قوم: ذهاب العقل بأي شيء ذهب، من جنون أو إغماء أو سكر من أي شيء سكر، وقالوا: هذا إجماع متيقن" (¬9). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "زوال العقل على ضربين؛ نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل؛ فينقض الوضوء؛ يسيره وكثيره إجماعًا" (¬10). ونقله عنه ابن قاسم (¬11). النووي (676 هـ) حيث يقول عن حديث أبي هريرة الذي اكتفى بذكر الريح: "ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل، وهما مما ينقض بالإجماع" (¬12). وقال: "أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون وبالإغماء" (¬13). ويقول: "واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، وسواء كان ممكَّن المقْعدة أو غير ¬
ممكنها" (¬1). ونقل هذه العبارة الأخيرة الشوكاني (¬2)، ونقل ابن نجيم عنه الإجماع أيضًا، في المغمى عليه (¬3)، وابن قاسم (¬4). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول معددًا النواقض: "الثاني: زوال العقل؛ أي التمييز بجنون؛ أو إغماء؛ أو نحو سكر، ولو ممكنا مقعده إجماعًا" (¬5). البهوتي (1051 هـ) حيث يقول معددًا النواقض: "الثالث: زوال عقل؛ كحدوث جنون أو برسام، كثيرًا كان أو قليلًا إجماعًا" (¬6). ولم يذكر السكر في الإجماع. الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "هذا وقد ألحق بالنوم الإغماء والجنون والسكر بأي مسكر، بجامع زوال العقل، وذكر في "الشرح" (¬7): أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة، فإن صح؛ كان الدليل الإجماع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬11). • وجه الدلالة: هذا الحديث وغيره من أدلة وجوب الوضوء من النوم، تدل على وجوب الوضوء بزوال العقل، فالنوم مظنة الحدث؛ نظرًا لذهاب العقل، ومظنة الحدث آكد في الجنون والإغماء (¬12). 2 - أن من زال عقله لا يدري أحْدث أو لا، بل لا يبالي بذلك، فهو مظنة الحدث، فوجب الوضوء بعده (¬13). ¬
[11 - 201] ذهاب العقل بالسكر ينقض الوضوء
• الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم هذا الإجماع، ونقده في "المحلى"، مع أنه أحد ناقليه في كتابه "المراتب" كما سبق، حيث قال: "وليس كما قالوا، أما دعوى الإجماع فباطل، وما وجدنا في هذا عن أحد من الصحابة كلمة، ولا عن أحد التابعين، إلا عن ثلاثة نفر: إبراهيم النخعي -على أن الطريق إليه واهية- وحماد والحسن فقط، عن اثنين منهم الوضوء، وعن الثالث إيجاب الغسل" (¬1). فدليله عدم الدليل الموجب. وفي كلام محمد بن داود ما يوافق كلامه، حيث استثنى من ذهب عقله من ذهاب العقل بالنوم، وجعل النوم ناقضًا (¬2)، مما يدل على أنهم يقولون - الظاهرية - بنقض النوم دون زوال العقل، بناء على منع القياس عندهم. وقد نسب ابن رشد مسألة الباب إلى جمهور العلماء (¬3)، فهذا يوحي أنه يعلم في المسألة خلافًا، لكنه لم يذكر شيئًا، واللَّه تعالى أعلم. وقال المرداوي عبارة مناقضة للإجماع، حيث يقول: "زوال العقل بغير النوم لا ينقض إجماعًا، وينقض بالنوم في الجملة" (¬4). وراجعت الطبعة المحققة (¬5)؛ فوجدت نفس العبارة، ولعل كلمة (لا) زائدة، فهو يقصد أنه ناقض، بدليل سياق الكلام بعده، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهم الظاهرية، إلا على قول من لم يعتبرهم من الفقهاء (¬6)، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 201] ذهاب العقل بالسكر ينقض الوضوء: إذا شرب المتوضئ الخمر، وزال عقله، فإن وضوءه ينتقض، وحكي الإجماع على ذلك. وقد فصلت هذه المسألة عن سابقتها؛ لأن ذهاب العقل بالسكر من فعل الإنسان، وتلك ليست من فعله، فكان الفصل أنسب. ¬
• من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على. .، وكذلك ذهاب العقل بسكر أو إغماء أو جنون" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "زوال العقل على ضربين؛ نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل؛ فينقض الوضوء؛ يسيره وكثيره إجماعًا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، وسواء كان ممكّن المقْعدة أو غير ممكنها" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول معددًا النواقض: "الثاني: زوال العقل؛ أي التمييز بجنون؛ أو إغماء؛ أو نحو سكر، ولو ممكنا مقعده إجماعًا" (¬5). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "هذا وقد ألحق بالنوم الإغماء والجنون والسكر بأي مسكر، بجامع زوال العقل، وذكر في "الشرح" (¬6) أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة، فإن صح؛ كان الدليل الإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9). • مستند الإجماع: يُستند هنا بأدلة نقض الوضوء بزوال العقل، فالسكر يزول معه العقل، وهو مظنة الحدث مع زوال العقل، سواء كان الزوال بإرادة الإنسان أو لا؛ لأن العلة موجودة في الحالتين وهي زوال العقل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الخراسانيون من الشافعية في السكران، نقله النووي عنهم، وقال: "ولا خلاف في شيء من هذا؛ إلا وجهًا للخراسانيين أنه لا ينتقض وضوء السكران؛ إذا قلنا: له حكم الصاحي في أقواله وأفعاله" (¬10). ¬
[12 - 202] نوم المضطجع ينقض الوضوء
وقال بعده: "وهو غلط صريح، فإن انتقاض الوضوء منوط بزوال العقل، فلا فرق فيه بين العاصي والمطيع" (¬1). ولم أجد لهم دليلًا، إلا أن يستدل لهم بعدم الدليل الموجب للنقض، كما سبق في مسألة زوال العقل، واللَّه تعالى أعلم. وقد سبق نقل خلاف الظاهرية في زوال العقل عمومًا، وهو هنا يندرج أيضًا.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 202] نوم المضطجع ينقض الوضوء: إذا نام المتوضئ مضطجعًا، فإن وضوءه ينتقض، وقد حُكى الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (¬2) من الفقه؛ إيجابُ الوضوء من النوم، وهذا أمر مجتمع عليه في النائم المضطجع، الذي قد استثقل نومًا" (¬3). وقال: "حجة من ذهب مذهب المزني (¬4) في النوم حديثُ صفوان بن عسال (¬5)، مع القياس على ما أجمعوا عليه في أن غلبة النوم وتمكنه حدثٌ يوجب الوضوء" (¬6). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن نوم المضطجع، والمستند، والمتكئ ينقض الوضوء" (¬7). الكاساني (587 هـ) حيث يقول معددًا للنواقض: "ومنها النوم مضطجعًا في الصلاة، أو في غيرها بلا خلاف بين الفقهاء، وحُكي عن النظَّام أنه ليس بحدث، ولا عبرة بخلافه لمخالفته الإجماع، وخروجه عن أهل الاجتهاد" (¬8). وقال العيني: "وذكر في العارضي (¬9)، . .، قال: وأجمعوا على أن النوم المضطجع ¬
ينقض الوضوء" (¬1). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول في أثناء نقاشه للمسألة: "هذا لا يخلو إما أن تكون مقعدته زائلة عن الأرض، أو لا، فإن كانت زائلة؛ نقض بالإجماع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬3)، والصحيح من مذهب الحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬6). 2 - حديث أنسٍ: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون" (¬7). • وجه الدلالة في الحديث الأول: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ينزعوا خفافهم للوضوء من أجل النوم؛ مما يدل على أن ناقض، وفي الثاني أن الصحابة ينامون ثم يصلون بلا وضوء، وهو يخصص عموم الأول، فيجمع بين الدليلين بأن المقصود بالنوم الناقض ما كان النائم فيه مستغرقًا ومقعدته زائلة عن الأرض كالمضطجع؛ إذ أنه لا يملك نفسه عندئذ (¬8)، وهو يدل أيضًا على أن النوم ناقض، حيث إنه قال: يصلون ولا يتوضؤون، مما يعني أنه على خلاف العادة من توضؤ النائم، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عدد من أهل العلم، فروي عن أبي موسى الأشعري، وعبيدة، أنهما لم يكونا يريان النوم حدثًا (¬9). ونقله ابن حزم عن الأوزاعي، وقال: "وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وعن ابن عمر، وعن مكحول، وعبيدة السلماني" (¬10)، ثم قال: "ولقد ادعى بعضهم الإجماع على خلافه ¬
[13 - 203] النوم القليل لا ينقض الوضوء
جهلًا وجرأة" (¬1). وبعد ذكره لحديث أنسٍ: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون" (¬2)؛ قال: "لو جاز القطع بالإجماع، فيما لا يتيقن أنه لم يشذ عنه أحد؛ لكان هذا يجب أن يقطع فيه بأنه إجماع، لا لتلك الأكاذيب التي لا يبالي من لا دين له بإطلاق دعوى الإجماع فيها" (¬3). علمًا بأنه يرى بأن النوم ناقض؛ قليله وكثيره. وعن أحمد رواية توافق ما سبق في أن النوم غير ناقض مطلقًا إن ظن بقاء طهره (¬4)، وحكي عن أبي مجلز، وعمرو بن دينار، وحميد الأعرج (¬5). ونُقل عن ابن تيمية (¬6). واستدلوا بظاهر حديث أنس السابق وغيره.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 203] النوم القليل لا ينقض الوضوء: النوم الكثير ينقض الوضوء، ولكن إذا نام المتوضئ نومًا قليلًا، فإن وضوءه لا ينتقض. • من نقل الإجماع: ابن القطان (628 هـ) حيث يقول: "أجمع الفقهاء أن النوم القليل لا ينقض الوضوء؛ إلا المزني، فإنه خرق الإجماع، وجعل قليله حدثًا" (¬7). نقله عنه العيني (¬8). المهلب (433 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، ¬
وخالف المزني فقال: ينقض قليله وكثيره، فخرق الإجماع". نقله عنه ابن حجر (¬1). ابن بطال (449 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر حكايته الإجماع في المسألة (¬2). ابن التين حيث نقل عنه ابن حجر حكايته الإجماع في المسألة (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والصحيح من مذهب الحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: حديث أنسٍ -رضي اللَّه عنه-: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون" (¬8). • وجه الدلالة: أن الصحابة كانوا ينامون في المسجد، ثم يصلون ولا يتوضؤون، ويُفهم من الحديث أنه نوم قليل، فَهُمْ في المسجد، ولا يستطيع الإنسان أن ينام نومًا كثيرًا فيه، وبهذا يجمع بين هذا الحديث وأحاديث النقض بالنوم، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المزني كما سبق، وقال بأنه حدث، ونُقل عن إسحاق ابن راهويه (¬9)، وأبي عبيد، وابن المنذر (¬10). وهي رواية عن أحمد (¬11)، وهو قول ابن حزم (¬12). قال ابن حجر بعد حكايته الإجماعات السابقة، ونقل إنكارهم على المزني، قال: "وقد تحاملوا على المزني في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره" (¬13). واحتجوا (¬14) بعموم حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (¬15). ¬
[14 - 204] المذي ينقض الوضوء
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 204] المذي ينقض الوضوء: المذي: هو ماء لزج رقيق، يخرج عقيب الشهوة على طرف الذكر (¬1). فإذا خرج مَذْي من المتوضئ بدون أن يكون عن مرضٍ؛ فإنه ينتقض وضوؤه بالإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول بعد روايته لأحد ألفاظ حديث علي الآتي في المستند والذي فيه الأمر بالوضوء من المذي: "وهو قول عامة أهل العلم؛ من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق" (¬2). أبو بكر محمد بن داود الظاهري (297 هـ) حيث يقول: "واتفق علماء الأمة على أن خروج المني، والودي، والمذي، وتواري الحشفة في الفرج، وذهاب العقل بكل حال ناقض للطهارة؛ إلا من ذهب عقله" (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول عن المذي: "ولست أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم" (¬4). ونقله النووي عنه بلفظ الإجماع (¬5). ابن بطال (444 هـ) حيث يقول: "الأحداث التي أجمع العلماء أنها تنقض الوضوء سوى ما ذكره أبو هريرة: البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير". والذي ذكره أبو هريرة هو الريح (¬6). نقله عنه العراقي (¬7). ¬
ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "هذا الحديث (¬1) مجتمع على صحته، لا يختلف أهل العلم فيه، ولا في القول به، والمذي عند جميعهم يوجب الوضوء، ما لم يكن خارجًا عن علة أبردة أو زمانة" (¬2). ويقول: "إجماعهم على أن المذي والودي فيهما الوضوء" (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، نجسًا كان أو طاهرًا. . " (¬4). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء، مما يخرج من السبيلين، من غائطٍ، وبولٍ، وريحٍ، ومذي" (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا" (¬6). العيني (855 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين؛ كالغائط، والريح من الدبر، والبول، والمذي من القبل ناقضٌ للوضوء" (¬7). ويقول: "فإن المذي يوجب الوضوء الشرعي، ولا يكفي فيه غسل بعض الأعضاء بالإجماع" (¬8). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وأما المذي، فتقدم الكلام عليه، وأنه ناقض إجماعًا" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم- (¬10)، والشافعية (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "كنت رجلًا مذاءً، ¬
[15 - 205] الودي ينقض الوضوء
فاستحييت أن أسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" (¬1). • وجه الدلالة: حيث أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليًّا بالوضوء وغسل الذكر، والأمر يقتضي الوجوب (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل عن عمر، وابن المسيب أنهما كانا لا يريان الوضوء من المذي، ولكن لما بلغتهما السنة رجعا إليها (¬3). والثابت عنهما هو ما يوافق مسألتنا (¬4).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما ما روي عن عمر وابن المسيب، فقد روي رجوعهما أيضًا، ثم بيَّنا أن الثابت عنهم هو ما يوافق مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 205] الودي ينقض الوضوء: الودي: هو ماء أبيض، يخرج عقيب البول خاثر (¬5). فإذا خرج وَدْيٌ من المتوضئ دون أن يكون عن مرضٍ؛ فإنه ينتقض وضوؤه، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: أبو بكر محمد بن داود الظاهري (297 هـ) حيث يقول: "واتفق علماء الأمة على أن خروج المني، والودي، والمذي، وتواري الحشفة في الفرج، وذهاب العقل بكل حال ناقض للطهارة إلا من ذهب عقله" (¬6). ابن بطال (444 هـ) حيث يقول: "الأحداث التي أجمع العلماء أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير". ¬
والذي ذكره أبو هريرة هو الريح (¬1). نقله عنه العراقي (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "إجماعهم على أن المذي والودي فيهما الوضوء" (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، نجسًا كان أو طاهرًا. . " (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وجملة ذلك؛ أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا" (¬5). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول معدِّدًا النواقض: "وبعضها بالإجماع (¬6)؛ كالودي والغائط والقيح" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فاستحييت أن أسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بغسل الذكر والوضوء من المذي، مع أنه يخرج مع الشهوة، وهو أخف مما يخرج مع التخلي في النجاسة كالودي، فالودي يُتوضأ منه من باب قياس أولى، واللَّه تعالى أعلم. 2 - الودي -كما سبق- لا يخرج إلا بعد البول، وما يخرج بعد البول فهو مثله، فيأخذ حكمه في النجاسة (¬10).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[16 - 206] القهقهة لا تنقض الوضوء في غير الصلاة
[16 - 206] القهقهة لا تنقض الوضوء في غير الصلاة: القهقهة في غير الصلاة لا تنقض الوضوء بإجماع أهل العلم. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارةً، ولا يوجب وضوءًا" (¬1). الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "وأما القهقهة فإن كانت في غير الصلاة لم ينتقض الوضوء إجماعًا" (¬2). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "قياسًا على ما أجمع عليه من أن الضحك لا ينقص الوضوء في غير الصلاة، فكذلك لا يجب أن ينقضه في الصلاة، ولكنهم لا يطردون القياس" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الضحك إذا لم يكن فيه قهقهة لا يبطل الوضوء، وعلى أن القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء" (¬4). الزيلعي (762 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء" (¬5). العبادي (800 هـ) حيث نقل عنه ابن نجيم (¬6) أنه حكى الإجماع في المسألة (¬7). الخرشي (1101 هـ) حيث يقول عن ما لا ينقض الوضوء: "ومنها قهقهة بصلاة، خلافًا لأبي حنيفة، وبغيرها اتفاقًا" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء" (¬10). ¬
[17 - 207] اللذة دون اللمس للنساء لا تنقض الوضوء
• وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث بالمطابقة. 2 - أن الضحك لو كان ناقضًا، لنقض في الصلاة وغيرها كالحدث؛ لأنها صلاة شرعية؛ فلم ينقض الضحك فيها الوضوء (¬1). • الخلاف في المسألة: نقد ابن نجيم حكاية الإجماع في المسألة وقال: "فيه نظر"، ونقده بأن في المسألة ثلاثة أقوال، ونقل عن سلمة بن شداد (¬2) أنه قال بنقض الوضوء دون الصلاة بالقهقهة (¬3). ونقل قولًا آخر: أن القهقهة تنقض الوضوء والصلاة (¬4). ثم قال: "إلا أن يقال: لما كان القولان الأخيران ضعيفين كانا كالعدم" (¬5). ولكن بعد التأمل يظهر أن مسار المسألة التي ذكرها ابن نجيم مختلف؛ فهو يتحدث فيما إذا قهقه في أثناء الصلاة، وهذا قد استثنيناه في العنوان.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 207] اللذة دون اللمس للنساء لا تنقض الوضوء: إذا تلذذ متوضئ بنظرٍ لامرأةٍ أو تفكير، دون أن يلمس؛ فإنه لا ينتقض الوضوء بهذه اللذة. • من نقل الإجماع: محمد بن نصر المروزي (294 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى دون أن يلمس؛ لم يجب عليه وضوء". نقله عنه ابن عبد البر (¬6)، والقرطبي (¬7). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "لأن اللذة إذا تعرت من اللمس؛ لم توجب وضوءًا بإجماع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية في ¬
[18 - 208] لمس العضو المقطوع من المرأة لا ينقض الوضوء
المشهور (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: أن اللذة المجردة عن اللمس هي مجرد تفكير، واللَّه تعالى لا يؤاخذ بها، فإذا تلذذ بالنظر ولم يتبع ذلك أمر آخر، كاللمس أو الإمذاء، فإنه لم يحصل أي ناقض من نواقض الوضوء، والأصل بقاء طهارته إلا أن يدل دليل على الضد، وهو لا يوجد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ عندهم، فقالوا بنقض الوضوء بالنظر (¬5). ولم يجعل ابنُ حزم المسألةَ متفقًا عليها في المراتب، حيث استثناها من المسائل المتفق عليها، وإن كان لا يخالف المسألة، كما سبق الإشارة لذلك (¬6). ولم يذكروا دليلًا، ولكن لعله تغليبًا لمظنة الإمذاء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 208] لمس العضو المقطوع من المرأة لا ينقض الوضوء: إذا قُطع عضوٌ من امرأة، ومسه الرجل، فإنه لا يأخذ حكم مس المرأة عموما بلا خلاف (¬8). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة. .، ولا أعلم في هذا كله خلافًا" (¬9). ¬
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية في طريقٍ عندهم، ووجهٍ من وجهيِّ الطريق الثاني عندهم (¬3). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن العضو المقطوع قد زال اسم المرأة عنه، فلا يكون ناقضًا. 2 - أن مسَّ عضو مقطوع من المرأة يخرج عن أن يكون محلًّا للشهوة، فلا يأخذ حكم النساء. 3 - أن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك (¬4). • الخلاف في المسألة: عن الشافعي في هذه المسألة طريقان، أحد الطريقين فيه وجهان أحدهما أنه ينتقض الوضوء؛ كلمس العضو في حال الاتصال (¬5). وذلك بناءً على قولهم بنقض الوضوء بمجرد لمس المرأة ولو بدون لذة. واستدلوا بظاهر قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}. وهناك من خالف من أئمة السلف في مسألة مسّ المرأة لغير شهوة، والخلاف فيها معروف (¬6)، غير أننا لا نعلم هل يستثنون مسألتنا أو لا؟ ومنهم الشافعي، غير أننا عرفنا قوله في مسألتنا عن أصحابه، ولكن البقية لا ندري عن قولهم. وبالتالي لا نستطيع أن نجزم بنفي الخلاف في هذه المسألة دون أن نتبين استثناءها من المسألة الأم.Rأن نفي الخلاف في المسألة غير متحقق؛ لعدم التمكن من استثناء ¬
[19 - 209] مس الجنس لجنسه لا ينقض الوضوء
المخالفين لهذه المسألة من المسألة الأم التي ثبت خلافهم فيها، ولوجود الوجه المخالف عند الشافعية، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 209] مسُّ الجنس لجنسه لا ينقض الوضوء: إذا مسَّ الرجلُ الرجلَ، أو المرأةُ المرأةَ، فإنه لا ينتقض الوضوء (¬1). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة، . .، ولا بمسِّ رجل ولا صبي، ولا بمس المرأةِ المرأةَ؛ لأنه ليس بداخل في الآية ولا هو في معنى ما في الآية؛ لأن المرأة محل لشهوة الرجل شرعًا وطبعًا، وهذا بخلافه، . .، والأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، ولا أعلم في هذا كله خلافًا، واللَّه أعلم" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن هذا اللمس ليس بداخل في الآية التي فيها الأمر بالوضوء من الملامسة للنساء - على الخلاف في معنى الملامسة. 2 - أنه ليس في معنى ما في الآية؛ حيث إن المرأة محلٌ لشهوة الرجل شرعًا وطبعًا، وهذا بخلافه. 3 - أن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك (¬7).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [20 - 210] مسُّ البهيمة لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ البهيمة فإنه لا ينتقض وضوؤه (¬8). ¬
[21 - 211] مس الحرير والميتة لا ينقض الوضوء
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة، . .، ولا بمس البهيمة لذلك، . .، ولا أعلم في هذا كله خلافًا، واللَّه أعلم" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن هذا المس ليس بداخل في الآية التي تأمر بالوضوء من مس النساء، ولا مس البهيمة في معنى ما في الآية؛ لأن المرأة محل لشهوة الرجل شرعًا وطبعًا، ومس البهيمة بخلافه (¬6). 2 - أن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك (¬7).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 211] مس الحرير والمَيْتة لا ينقض الوضوء: إذا مسَّ المتوضئُ الحريرَ أو المَيْتةَ، فإنه لا ينتقض وضوؤه. وذكرت الحرير والميتة معا لسببين؛ لكون النووي ذكرهما معًا، ولكون الحرير من فضلات دودة القز، والميتة نجسة، فكلاهما يجتمع فيهما ظن التنجس بمسِّهما. • من نقل الإجماع: المزني (264 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن من مس حريرًا أو ميْتة ليس عليه وضوء، ولا غسل" (¬8). نقله النووي وقال: "هذا كلام المزني، وهو قوي، واللَّه أعلم" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬10)، والمالكية (¬11)، ¬
[22 - 212] مس الخنثى لا ينقض الوضوء
والحنابلة (¬1). هذا بناء على ما فهمته من كلامهم، وإلا فلم أجد لهم نصًّا على مسألتنا. • مستند الإجماع: أن مسَّ الحرير والميتة مما تعم به البلوى، ولا يعقل أن يكتم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيانَ مثل هذا الحكم لو كان ناقضًا فدل على أن حكمَ المسألة حكمُ الأصل، وهو أنه لا ينقض الوضوء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 212] مس الخنثى لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ خنثًا، أو مس الخنثى رجلًا أو امرأة، فإنه لا ينتقض وضوؤه بلا خلاف (¬2). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة. . .، ولا بمس خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه رجلًا ولا امرأة، ولا بمس الخنثى لرجل أو امرأة؛ لذلك، والأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، ولا أعلم في هذا كله خلافًا، واللَّه أعلم" (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5). أما المالكية، فلم أجد لهم كلامًا في المسألة، ولكن بناء على أصولهم فلديهم في مسألة مسِّ المرأة ثلاثة أقوال: بعدم النقض مطلقًا، وبالنقض مطلقًا، وبالنقض إن كان للذة، وهذا هو المشهور عندهم (¬6)، فبناء على هذا فقد يخرج عليها مثلها في الخنثى غير المشكل فقط، واللَّه تعالى أعلم. • مستند نفي الخلاف: 1 - زوال كون الخنثى من النساء، على الأخذ بالقول بتفسير الآية بأن المس هو ما دون الجماع. 2 - أن الأصل الطهارة، فلا ينتقل منها إلى غيرها إلا بيقين، وهو غير موجود، ¬
[23 - 213] اليقين بالحدث والشك في الطهارة يوجب الوضوء
فيبقى الأصل وهو الطهارة (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: لم نتبين من قول مَن قال بنقض الوضوء بلمس المرأة، هل يستثني الخنثى، خاصةً غير المشكل، وكذلك إذا مسَّ الخنثى لمن يخالف أغلبه، هل يستثنون ذلك أو لا؟ مع أن قياس قولهم يقول بطرد قولهم هنا، واللَّه تعالى أعلم.Rلم يتسنَّ لي أن أتحقق من نفي الخلاف في هذه المسألة، حيث لم أجدْ -مع طول بحثٍ في المسألة- نصًّا من المالكية في المسألة، وإن كان القول بعدم تحقق نفي الخلاف هنا هو الأظهر؛ نظرًا لما سبق أن ذكرته، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 213] اليقين بالحدث والشك في الطهارة يوجب الوضوء: إذا أحدث المتوضئ وتيقن من ذلك، ثم شك أنه متوضئ، فإنه لا يكون متوضأً بالإجماع. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "وأما إذا تيقن الحدث وشك بعده في الوضوء؛ فإنه يبني على اليقين ويتوضأ، ولا يأخذ بالشك إجماعًا" (¬2). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء، أو أيقن أنه لم يتوضأ؛ فإن الوضوء عليه واجب" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء أن شكه لا يفيد فائدة، وأن الوضوء واجب عليه" (¬4). ونقله عنه الموَّاق (¬5). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "فإن تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في إتمامها؛ فلا خلاف بين الأمة أنه يجب عليه الوضوء إجماعًا" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا تيقن الحدث، وشك هل تطهر أم لا؛ فيلزمه الوضوء بالإجماع" (¬7). وقال أيضًا: "وأما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فإنه يلزمه الوضوء بإجماع ¬
[24 - 214] العبرة في الحدث بالوقوع وليس السماع والشم
المسلمين" (¬1). ونقله عنه الشوكاني (¬2)، والمباركفوري (¬3). شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) حيث يقول: "أما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فهو محدث يلغي الشك ويبني على اليقين، لا نعلم في ذلك خلافًا" (¬4). ابن الملقن (804 هـ) حيث يقول: "لو تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ فهو محدث بالإجماع" (¬5). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام الماتن: "بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين"، قال: "لأن الحدث إذًا يقين، فلزم ما تيقن، ولغا المشكوك بإجماع المسلمين" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني -رضي اللَّه عنه-، قال: "شُكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجلُ يخيل إليه أنه يجد الشيء فى الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (¬8). • وجه الدلالة: حيث نهى الشاكَّ أن ينصرف حتى يتيقن أنه أحدث، فيبني على اليقين ويترك الشك، وهكذا فى مسألتنا، فإذا تيقن الحدث، يكون محدثًا حتى يتيقن من الضد، واللَّه تعالى أعلم. 2 - قاعدة اليقين لا يزول بالشك، هذه القاعدة الكلية، وكل الأدلة المثبتة لها تدل على مسألتنا.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 214] العبرة في الحدث بالوقوع وليس السماع والشمّ: إذا شك متوضئ في إحداثه بالريح، ولم يسمع صوتًا، ولم يشمَّ رائحة، فإنه لا ¬
ينتقض وضوؤه حتى يتيقن ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "معناه (¬1): يعلم بوجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3). ويقول: "ولأن العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث، كالقرقرة والريح، ولم يخرج منه شيء؛ لا وضوء عليه" (¬4). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ظاهر هذا (¬5) متروك بالإجماع؛ لأن في البول والغائط يجب الوضوء، وإن لم يوجد الصوت والريح" (¬6). ابن الملقن (804 هـ) حيث يقول: "معناه (¬7): يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإجماع" (¬8). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على عدم الاغتسال من انتقال المني دون خروجه: "وللإجماع على عدم الوضوء من الإحساس بالحدث، كالقرقرة والريح؛ ما لم يخرج منه شيء" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬10)، والحنابلة (¬11). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (¬12). • وجه الدلالة: حيث جعل الناقض الحدث، ولم يذكر السماع والشم، مما يدل على أن المقصود من حديث عبد اللَّه بن زيد العلم بالحدوث والتحقق من ذلك فقط، وأنه ليس على ظاهره (¬13)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[25 - 215] الأكل مما مسته النار لا ينقض الوضوء
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 215] الأكل مما مسته النار لا ينقض الوضوء: أكْل المتوضئ من شيء مسته النار لا ينقض الوضوء، وعليه الإجماع (¬1). • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والتابعين ومن بعدهم، مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ رأوا ترك الوضوء مما مست النار" (¬2). عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ) حيث يقول عن اختلاف الأحاديث في المسألة: "اختلف الأول والآخر من هذه الأحاديث، فلم يقف على الناسخ منها ببيان يحكم به، فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين، والأعلام من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في الرخصة في ترك الوضوء، مع أحاديث الرخصة" (¬3). نقله عنه النووي (¬4). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول بعد ذكر الخلاف في المسألة: "ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصة" (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار" (¬6). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما تغميض الميت، وغسله، وحمل الجنازة، وأكل ما مسته النار، والكلام الفاحش، فليس شيء من ذلك حدثًا عند عامة العلماء" (¬7). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار؛ لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واتفق جمهور ¬
فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه؛ إذ صحح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة. . " (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه، سواء مسته النار، أو لم تمسه، هذا قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعامة الفقهاء، ولا نعلم اليوم فيه خلافًا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول بعد أن ذكر خلافًا في المسألة: "ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول؛ ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار" (¬3). ونقله عنه ابن حجر (¬4)، والشوكاني (¬5). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "أما لحوم الغنم، فلا نقض بأكلها بالاتفاق، كذا قيل، ولكن حكى في "شرح السنة" وجوب الوضوء مما مست النار" (¬6). ولحوم الغنم تدخل فيما مسته النار. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وعائشة (¬7) -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبو عبيد، وداود، وابن جرير (¬8)، والحنفية (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند الإجماع: 1 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان آخرُ الأمرين من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تركَ الوضوء مما غيرت النار" (¬13). ¬
2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ" (¬1). • وجه الدلالة: ظاهرةٌ من الحديث الأول في نسخ الأحاديث الأولى، وأن الأمر استقر على عدم نقض ما مسته النار للوضوء (¬2). أما الحديث الثاني، فقد أكل عليه الصلاة والسلام ما مسته النار، ثم صلى ولم يتوضأ، وهذه سنة فعلية يجب الأخذ بها، تدل على عدم وجوب الوضوء مما مست النار، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: روي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس -رضي اللَّه عنهم- وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وأبي قلابة، وأبي مجلز، وغيرهم، أنهم قالوا: بإيجاب الوضوء مما غيرت النار (¬3). ولم يجعل ابنُ حزم المسألةَ متفقًا عليها في المراتب، حيث استثناها من المسائل المتفق عليها، وإن كان لا يخالف المسألة، كما سبق الإشارة لذلك (¬4). غير أني لم أجد من تابعهم من أهل المذاهب، ولا ممن بعدهم من أهل العلم. واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعا: "توضؤوا مما مسته النار" (¬5). وهو إما منسوخ، أو أنه في غسل اليدين بعد الأكل (¬6).Rأن الإجماع متحقق بعد عصر المخالفين الذين ذكرتهم؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعدهم، واللَّه تعالى أعلم، وهذا مبني على مسألة الإجماع على أحد القولين؛ هل يعتبر إجماع أو لا؟ وهي مسألة أصولية خلافية، وإن كان الأقرب أنه إجماع، ولكن ليس في حق من يرى أنه ليس بإجماع (¬7)، وهذا يضعف حكم مسألتنا، ¬
[26 - 216] الإيلاج ينقض الوضوء
ويجعلها في مرتبةٍ دون الإجماع الظني، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 216] الإيلاج ينقض الوضوء: المقصود بالإيلاج هو: تغييب الحشفة في فرج المرأة. ومسألتنا في إيجابه الوضوء ولو دون الإنزال، أما في إيجابه الغسل فسيأتي في باب الغسل، إن شاء اللَّه تعالى وليس من مسألتنا. • من نقل الإجماع: أبو بكر محمد بن داود الظاهري (297 هـ) حيث يقول: "واتفق علماء الأمة على أن خروج المني، والودي، والمذي، وتواري الحشفة في الفرج، وذهاب العقل بكل حال؛ ناقض للطهارة؛ إلا من ذهب عقله" (¬1). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الملامسة حدثٌ ينقض الطهارة" (¬2). وهو يقصد بالملامسة الجماع. ابن بطال (444 هـ) حيث يقول: "الأحداث التي أجمع العلماء أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير". والذي ذكره أبو هريرة هو الريح (¬3). نقله عنه العراقي (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن. .، وأن إيلاج الذكر في فرج المرأة باختيار المُولِج ينقض الوضوء، بنسيان كان ذلك أو بعمد" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم- (¬6)، والحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). ¬
[27 - 217] دم الاستحاضة ينقض الوضوء
• مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ؛ فقد وجب الغسل" (¬1). • وجه الدلالة: حيث ربط النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وجوب الغسل بأن يمس الختان الختان، ولم يربطه بالإنزال، فدل على أنه ناقضٌ للوضوء موجبٌ للغسل، وسيأتي المزيد في باب الغسل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف عددٌ من الصحابة (¬2)، فقالوا: لا يجب الغسل إلا بالإنزال. ولكن خلافهم هنا لا ينقض مسألتنا، حيث إنهم يقولون كلهم بوجوب الوضوء، ولكن لا يوجبون الغسل، وسيأتي بحث المسألة في الغسل إن شاء اللَّه تعالى.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [27 - 217] دم الاستحاضة ينقض الوضوء: دم الاستحاضة ينقض وضوء المرأة، وذلك إذا خرج الوقت، أو بدؤه بعد الوضوء والانقطاع، وحكي على ذلك الإجماع (¬3). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن دم الاستحاضة ينقض الوضوء، وانفرد ربيعة وقال: لا ينقض الطهارة" (¬4). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "السيلان -سيلان الدم كالاستحاضة والجرح- ملحق بالعدم في الوقت، بدليل أن طهارته تنتقض بالإجماع إذا خرج الوقت، وإن لم يوجد الحدث" (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل ¬
العلم، إلا في قول ربيعة" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول عن النواقض: "فالمتفق عليه انقطاع الحدث الدائم؛ كدم الاستحاضة، وسلس البول، والمذي ونحو ذلك، فإن صاحبه إذا توضأ حكم بصحة وضوئه، فلو انقطع حدثه وشفي انتقض وضوءه، ووجب وضوء جديد" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية في رواية شاذة عندهم (¬4)، وفي الرواية الثانية المشهورة عندهم، إذا كان على غير وجه السلس، بأن يكون ينقطع لأكثر الوقت، أو تقدر على رفعه، وهذه رواية المغاربة (¬5). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن دم الحيض دمٌ أسود يعرف، فإذا كان ذلك؛ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق" (¬6). • وجه الدلالة: حيث صرح بأنه إذا كان دم الاستحاضة؛ فإنها تتوضأ وتصلي. • الخلاف في المسألة: خالف هنا ربيعة -وسبق الإشارة لذلك- ومالك رحمه اللَّه في رواية العراقيين، فقال بأنه لا ينقض الوضوء مطلقًا (¬7). وعلى الرواية المشهورة عندهم، إذا كان الدم يأتي على وجه السلس، بأن يكون لأكثر الوقت، أو لا تستطيع رفعه، فإنه لا ينقض أيضًا (¬8). وبنوه على قاعدة أن غير المعتاد لا ينقض، كسلس البول عندهم. ولم أجدهم ذكروا دليلًا، غير أني وجدت الماوردي استدل لهم بحديث: "لا وضوء ¬
[28 - 218] الدم اليسير لا ينقض
إلا من صوت أو ريح" (¬1). قالوا: أي الخارج المعتاد، أما غير المعتاد فلا (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 218] الدم اليسير لا ينقض: إذا خرج دم يسير من المتوضئ، ولم يكن من أحد السبيلين، ولم يكن فاحشًا أو سائلًا، فإنه لا ينقض الوضوء. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فإن كان الدم يسيرًا، غير سائل ولا خارج، فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم، ولا أعلم أحدًا أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهدًا وحده، واللَّه أعلم" (¬3). وقال أيضًا: "ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجب الوضوء للصلاة من قليل الدم يخرج من الجسد، رعافا كان أو غيره؛ إلا ما قدمت لك عن مجاهد" (¬4). ويقول في باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف: "وأجمعوا أنه لا يمنع ذلك من أراد الصلاة على كل حال" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس، وابن عمر، وابن أبي أوفى -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب (¬6)، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، وعطاء، ومكحول، وربيعة، وداود (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة على المشهور (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- احتجم وصلى، ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه" (¬11). ¬
[29 - 219] تعدد موجبات الوضوء تتداخل
2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء، إلا أن يكون دمًا سائلًا" (¬1). • وجه الدلالة: في الأول حيث لم يتوضأ عليه الصلاة والسلام من دم الحجامة، وهي سنة فعلية، والثاني في بيان أن الدم القليل ليس فيه الوضوء (¬2). 3 - أن هذا القول روي عن عددٍ من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كما سبق (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (¬4)، وأحمد في رواية (¬5)، قالوا: ينقض الدم اليسير. وقد روى بعض أصحاب أحمد، أنه قال: ينقض حتى اليسير (¬6). ولكن قال ابن قدامة عنها بأنه لا يعرفها (¬7). واستدلوابنحو حديث سلمان -رضي اللَّه عنه-، قال: "رآني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد سال من أنفي دم، فقال: "أحدِث وضوءا" (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 219] تعدد موجبات الوضوء تتداخل: إذا أحدث متوضئٌ أحداثًا مختلفة، ونوى الوضوء منها جميعًا، فإنه يجزئه هذا عنها كلها. ¬
[30 - 220] مس الذكر بالعضد لا ينقض الوضوء
يلاحظ فيما سبق؛ قيدُ النية لها جميعا، حتى لا ندخل فى تفصيلات تخرجنا عن أصل المسألة (¬1). • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا أحدث أحداثًا متَّفقة، أو مختلفة؛ كفاه وضوء واحد بالإجماع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد" (¬7). • وجه الدلالة: حيث فيه أنه يغتسل غسلًا واحدًا بعد عدة مسببات للغسل، ويقاس عليه الوضوء من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم. 2 - الاستدلال بأحاديث وصف غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من الجنابة (¬8)، حيث فيها أنه عليه الصلاة والسلام يغتسل غسلًا واحدًا، ولم يأت حديث واحد يذكر أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل غسلين مرة واحدة، مع أنه يجب الغسل من شيئين: التقاء الختانين، والإنزال، فدل على إجزاء الغسل الواحد عن الموجبات المتعددة، وهكذا الوضوء من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 220] مس الذكر بالعضد لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ ذكرَه بعضده -وهذا متصوَّر في بعض الحالات- فإنه لا يأخذ ¬
العضدُ حكمَ الكف في نقض الوضوء بمس الذكر. وهذا بناء على القول بنقض الوضوء بمس الذكر. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول فى معرض استدلاله على كون المس بالذراع لا ينقض -وهي مسألة خلافية: "ولأنه ليس بآلة للمس، أشبه العضد، وكونه من يده يبطل بالعضد، فإنه لا خلاف بين العلماء فيه" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: حديث بُسْرة بنت صفوان -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا مسَّ أَحدكم ذكره فليتوضأ" (¬5). • وجه الدلالة: حيث قيد الحديث الأمر بالوضوء بمس الذكر، وملامسة العضد للذكر لا يقال عنها مسٌّ إذا أطلق؛ إذ الغالب أنه يكون باليد، ثم إن الشهوة لا تكون بمس العضد وإنما باليد، فيبقى مس العضد للذكر على الأصل، وهو عدم النقض، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: من سياق كلام ابن حزم، لا يتضح أنه يقول بالنقض به أو لا، حيث يقول: "ومس الرجل ذكر نفسه خاصة عمدًا، بأي شيء مسه، من باطن يده، أو من ظاهرها، أو بذراعه -حاشا مسه بالفخذ، أو الساق، أو الرجل من نفسه- فلا يوجب وضوءًا" (¬6). وهو وإن لم يُشر للعضد إلا أنه لم يستثنه، فلا يفهم كلامهم في مسألتنا شيئًا واضحًا، وكلا الاحتمالين وارد، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[31 - 221] مس الفرج بغير اليد لا ينقض الوضوء
Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما ما سبق عن ابن حزم فهو غير ظاهرٍ منه المخالفة لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 221] مس الفرج بغير اليد لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ فرجه بغير يده، فإن وضوءه لا ينتقض، وقد حُكي الاتفاق على ذلك، وذلك إذا جعلنا معنى اليد كلها بالكف والساعد. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن من مس فرجه بغير يده من أعضائه، أنه لا ينقض وضوؤه" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: حديث بُسْرة بنت صفوان -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا مسَّ أَحدكم ذكره فليتوضأ" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خصَّ مس الذكر باليد بالأمر بالوضوء، ولم يدخل غيره، والمس يطلق على المس باليد إذا أطلق، مما يدل على خصوصية النقض بالمس، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [32 - 222] لمس فرج الحيوان لا ينقض الوضوء: إذا لمس المتوضئ فرج حيوان، فإنه لا يأخذ حكم فرج الإنسان، فلا ينقض الوضوء. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء؛ حيًّا ولا ميتًا باتفاق الأئمة" (¬7). ¬
[33 - 223] مس الأنثيين لا ينقض الوضوء
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية على الصحيح من المذهب (¬3)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬4). • مستند الاتفاق: 1 - أن النص الآمر بالوضوء لِمَسِّ الذكر جاء في حق الإنسان، وليس في البهائم، ولو كان ينقض مسها لبينه عليه الصلاة والسلام؛ إذ الحاجة داعية إليه، فدل على أن مس فروجها لا ينقض، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن البهائم لا حرمة لها، بمعنى أنها ليس لها حرمات تنتهك، ولا تَعبّد عليها، فهي بهائم، فلا ينتقض وضوء من لمس فرجها (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في قولٍ عندهم (¬6)، والحنابلة في احتمالٍ عندهم (¬7)؛ قالوا بأن لمس فرج البهيمة ينقض الوضوء. قالوا: لأنها تشتهى فتأخذ حكم الإنسان (¬8).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [33 - 223] مس الأنثيين لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ أنثييه، فإن وضوءه لا ينتقض، وحكي الإجماع على ذلك. والأنثيين: الخصيتين (¬9). • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا وضوء على من مس أنثييه، سواء كان من وراء حائل، أو من غير وراء حائل" (¬10). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن، كالرُّفغ (¬11) والأنثيين والإبط، في قول عامة أهل العلم" (¬12)، ثم ذكر بعد ¬
ذلك الأقوال المخالفة، وستأتي. ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول معلقًا على استثناء البهوتي للأنثيين من النواقض: "أي لا ينقض مس الأنثيين، وهما الخصيتان إجماعًا" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: لم يأتِ نص في أن الأنثيين لهما حكم الذكر، والأصل عدم ذلك ما لم يدل دليل، ولا دليل في هذا، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ فلا يثبت الحكم فيه (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عروة (¬7)، فقال: يجب الوضوء من مس الأنثيين. ويستدل له بحديث مرسل: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ" (¬8). وخالف عكرمة (¬9)، فقال: يجب الوضوء من مس ما بين الفرجين عمومًا. ولم أجد له دليلًا.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[34 - 224] مس الرفغين لا ينقض الوضوء
[34 - 224] مس الرفغين لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئ رفغيه، فإن وضوءه لا ينتقض، وحكي الإجماع على ذلك. الرُّفغ: أصل الفخذ، وسائر المغابن، وكل موضع اجتمع فيه الوسخ فهو رفغ (¬1). • من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن؛ كالرفغ والأنثيين والإبط، في قول عامة أهل العلم" (¬2)، ثم ذكر بعد ذلك الأقوال المخالفة، وستأتي. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: لم يأتِ نص في أن الرفغين لهما حكم الذكر كذلك، والأصل أن مسهما غير ناقضٍ ما لم يدل دليل، ولا دليل في هذا، ولا مسهما في معنى المنصوص عليه؛ فلا يثبت الحكم فيه (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عروة (¬8)، عكرمة (¬9)، فقالا: يجب الوضوء من مس ما بين الفرجين عمومًا، ومنها الرفغين. ويستدل لهما بحديث مرسل: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ" (¬10).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [35 - 225] الجُشَاء لا ينقض الوضوء: إذا تجشى المسلم فإن ذلك لا ينقض وضوءه، وحكي فيه الإجماع. ¬
[36 - 226] الكلام القبيح لا ينقض الوضوء
والجُشَاء: صوت مع ريح يحصل من الفم عند حصول الشبع (¬1). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فأما الجُشَاء فلا وضوء فيه، لا نعلم فيه خلافًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - أن الجشاء لا ينبعث عن محل نجاسة، فما يخرج منه ليس ناقضًا للوضوء. 2 - أن الجشاء مما تعم به البلوى، وهو من عادة الناس وطبيعتهم، ولم يبين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه يجب منه الوضوء، وترك البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدل على أنه لا وضوء منه، وإلا لبيَّنه عليه الصلاة والسلام، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [36 - 226] الكلام القبيح لا ينقض الوضوء: إذا تلفظ متوضئ بكلمة قبيحة نحو قذف أو غيبة، فإن وضوءه لا ينتقض. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "أجمع كل من نحفظ قوله من علماء الأمصار، على أن القذف وقول الكذب والغيبة لا تنقض طهارة، ولا توجب وضوءًا" (¬8). نقله عنه النووي (¬9). ابن الصباغ (477 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أنه لا يجب الوضوء من ¬
الكلام القبيح، كالغيبة والقذف وقول الزور وغيرها" (¬1). نقله عنه النووي (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما تغميض الميت، وغسله، وحمل الجنازة، وأكل ما مسته النار، والكلام الفاحش؛ فليس شيء من ذلك حدثًا عند عامة العلماء" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أهل المدينة، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وإسحاق (¬4)، والزهري، وأبو العالية (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة على المذهب (¬7). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا اللَّه، ومن قال لغيره: تعال أقامرك؛ فليتصدق" (¬8). • وجه الدلالة: حيث إنه لم يأمر عليه الصلاة والسلام من تلفظ بشرك -وهو أعظم الكلام القبيح- أن يعيد وضوءه، فدل على أنه لا ينقض الوضوء (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية عنه غير مشهورة، بالنقض بمثل هذا (¬10). ونسبه الحطاب إلى قومٍ (¬11). وهناك عبارات عن عدد من الأئمة قد تفهم هذا القول، وإن كنت لم أرَ من نسبه لهم (¬12). ولم يجعل ابنُ حزم المسألةَ متفقًا عليها في المراتب، حيث استثناها من المسائل ¬
[37 - 227] قص الشارب والأظفار لا ينقض الوضوء
المتفق عليها، وإن كان لا يخالف المسألة (¬1). ولم أجد لهم دليلًا عليه إلا أقوال الصحابة، نحو قول عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: (يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها لأخيه! ! ) (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [37 - 227] قص الشارب والأظفار لا ينقض الوضوء: إذا قص المتوضئ شاربه، أو قلَّم أظفاره، فإنه لا ينتقض وضوؤه. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "ولا أعلم أحدًا يوجب عليه اليوم وضوءًا" (¬3)، أي: مَنْ قصَّ شاربه أو أظفاره. ونقله عنه ابن حجر بلفظ الإجماع، حيث قال: "ونقل ابن المنذر أن الإجماع استقر على خلاف ذلك -أي: قول المخالفين" (¬4). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ومن توضأ، ثم جز شعره، أو قلم ظفره، أو قص شاربه، أو نتف إبطيه؛ لم يجب عليه إيصال الماء إلى ذلك الموضع، عند عامة العلماء" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر -رضي اللَّه عنه-، والحسن، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق (¬6)، والحنابلة على المذهب (¬7)، والشافعية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (¬10). ¬
• وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر أن قص الشارب والأظفار من الفطرة، وهما بهذا سنة، ولم يذكر أنه يجب الوضوء بعدهما، مع الحاجة لهذا البيان، فدل على أنه غير مؤثر، وأنه لا ينقض الوضوء، وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عليٌّ -رضي اللَّه عنه-، ومجاهد، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان فيما رُوي عنهم، فقالوا بأن عليه أن يعيد الوضوء (¬1). وهو قول غير مشهور عند المالكية (¬2)، وقول ضعيف غير مشهور عند الحنابلة (¬3). ولم يجعل ابنُ حزم المسألةَ متفقًا عليها في المراتب، حيث استثناها من المسائل المتفق عليها، وإن كان لا يخالف المسألة، كما سبق الإشارة لذلك (¬4). وقال ابن قدامة بعد ذكره لهذه المسألة: "إلا أنه قد حكي عن مجاهد، والحكم، وحماد، في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط الوضوء، وقول جمهور العلماء بخلافهم" (¬5). فسماه قول الجمهور. واستدلوا على ذلك بأنه كخلع الخف، ينتقض معه الوضوء - على الخلاف في المسألة - واللَّه تعالى أعلم. وقال بعض العلماء بأنه يُجري عليه الماء، رُوي عن النخعي، وعطاء، والشعبي، والحكم (¬6). واختاره عبد العزيز بن أبي سلمة، واللخمي من المالكية (¬7). وروي استحبابه عن أحمد، ولم يوجبْه (¬8). وحُكي وجوبُه عن ابن جرير الطبري (¬9). وهذا القول لا يخالف مسألتنا، وإنما ذكرته للفائدة.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[38 - 228] قراءة القرآن للمحدث جائزة
[38 - 228] قراءة القرآن للمحدث جائزة: إذا أراد محدثٌ قراءة القرآن الكريم، دون أن يمسه، فإنه يجوز له ذلك. والمقصود هنا هو الحدث الأصغر. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وما أعلم خلافًا في جواز قراءة القرآن، على غير وضوء؛ ما لم يكن حدثه جنابة" (¬1). الباجي (474 هـ) حيث يقول: "وأما الحدث الأصغر فإنه لا يمنع القراءة لتكرره، ولا خلاف في ذلك نعلمه" (¬2). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "فأما قراءة القرآن عن ظهر القلب، فاتفقوا على جوازها للمحدث غير أنه لا يسجد للتلاوة" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث" (¬4). وقال أيضًا: "أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر" (¬5). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والقراءة تجور مع الحدث الأصغر، بالنص واتفاق الأئمة" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنبًا" (¬9). ¬
[39 - 229] مس المصحف بغير العضو النجس لا يحرم
• وجه الدلالة: الحديث صريح في الدلالة على مسألتنا، حيث يدل عليها بالمطابقة من السنة الفعلية. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكر اللَّه على كل أحيانه" (¬1). • وجه الدلالة: السنة الفعلية في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام كان يذكر اللَّه في كل أحيانه، ومن ذكر اللَّه تعالى قراءة القرآن، ولم يأت دليل على منع المحدث من القراءة، فتبقى على أصل الإباحة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: ذكر ابن رشد عن قومٍ قولًا بأنه لا يجوز ذلك إلا أن يتوضأ (¬2). وذكر لهم دليلًا، وهو حديث أبي جهم، قال: "أقبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه السلام" (¬3). قالوا: فلا يجوز الذكر ولا القراءة إلا بالوضوء أو ما يقوم مقامه. ولم أجد لهذا القول قائلًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، أما ما ذكره ابن رشد فلم أعلم له قائلًا، وهو شذوذ ما لم نجد له قائلا معتبرًا، خاصة أن الإجماع حكاه من هو متقدم على ابن رشد، كابن عبد البر والباجي، واللَّه تعالى أعلم. [39 - 229] مس المصحف بغير العضو النجس لا يحرم: إذا قام المتوضئ بمس المصحف بعضو ليس عليه نجاسة، وكان على أحد أعضاءه نجاسة، فإنه لا يحرم مسه ذلك. • من نقل الإجماع: القاضي أبو الطيب (450 هـ) حيث يقول: "هذا الذي قاله ¬
الصيمريُّ مردودٌ بالإجماع". نقله عنه النووي، بعد أن ذكر ما نصُّه: "وأما إذا كان على موضع من بدنه نجاسة، غير معفو عنها؛ فإن أصاب المصحف بموضع النجاسة فهو حرام بلا خلاف، وإن أصابه بغيره فوجهان، الصحيح أنه لا يحرم، وبه قطع الجمهور، وقال الصيمري: يحرم، . . .، قال القاضي أبو الطيب: هذا الذي. . " (¬1). • الموافقون على الإجماع: أما الحنفية والمالكية؛ فلم أجد لهم كلامًا في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ووافق على مسألتنا الحنابلةُ على الصحيح من المذهب (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 79]. • وجه الدلالة: أن الآية تنص أن القرآن -على الخلاف في هذه المسألة- لا يمسه إلا المتطهرون، فمن مس القرآن وهو متوضئ بعضو من أعضاءه وليس متنجسًا، فقد أدَّى ما عليه، حتى وإن كان على عضو آخر نجاسة، فهو في الحقيقة قد أتى بالواجب، وإن كان الأفضل أن يبعد هذه النجاسة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن حكم الحدث يتعدى محله، وحكم النجاسة لا يتعدى محلها (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة الصيمري من الشافعية كما سبق، وهو قول عند الحنابلة (¬4)، وقالوا بالتحريم، فلا يجوز أن يمس المصحف في هذه الحالة. واستدل الصيمري بالقياس على المنع من مس المصحف بظهره (¬5).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وإن كنت لم أجد كلام الحنفية والمالكية فيها، إلا أن خلاف الحنابلة في قولٍ يكفي في خرق الإجماع، ثم إن النووي لم يدَّعِ الإجماع في المسألة، فقد نسب القول للجمهور فقط، وقد تكون حكاية أبي الطيب في الإجماع المذهبي؛ حيث من الصعب تحقق الإجماع في مسائل تفصيلية كهذه، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[40 - 230] مس المصحف للمحدث لا يجوز
[40 - 230] مس المصحف للمحدث لا يجوز: إذا كان الإنسان على حدث، وأراد أن يمس المصحف، فلا يجوز له ذلك إلا أن يتطهر. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وعلى أصحابهم؛ بأن المصحف لا يمسه إلا الطاهر" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا يمس المصحف إلا طاهر (¬2)، يعني: طاهرًا من الحدثين جميعًا، وهو قول. . .، ولا نعلم مخالفًا لهم إلا داود فإنه أباح مسه" (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم بن محمد (¬5)، والحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 79]. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة تنص على أن القرآن لا يمسه إلا المتطهرون، فلا يجوز مسه إلا إذا كان على طهارة (¬10). 2 - حديث عمرو بن حزم، أن في كتاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إليه: "لا يمس المصحف إلا طاهر" (¬11). ¬
[41 - 231] مس المحدث كتب التفسير جائز
• وجه الدلالة: حيث يدل الحديث بالمطابقة على مسألتنا (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف الظاهرية، وابن حزم في هذه المسألة (¬2)، فقالوا بجواز قراءة القرآن للمحدث. ونقله ابن حزم عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وربيعة، وابن المسيب (¬3). قال ابن تيمية: "هذا مذهب داود وأصحابه، وابن حزم، وهذا منقول عن بعض السلف" (¬4). فنسبه لبعض السلف، ولم يدَّعِ في المسألة إجماعًا. واحتجوا بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب في كتابه آية إلى قيصر (¬5)، مع أنه كافر، مما يدل على جواز مس المصحف من غير طهارة (¬6). وخالف الحكم، وحماد (¬7)، فقالوا بجواز مسه بظاهر الكف. واحتجَّا بأن آلة المس باطن اليد، فينصرف النهي إليه دون غيره (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [41 - 231] مس المحدث كتب التفسير جائز: إذا أراد محدثٌ مسَّ كتب التفسير، فإنه يجوز له ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير" (¬9). ¬
[42 - 232] جواز اللبث في المسجد للمحدث
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية في قولٍ (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية في أحد الأوجه عندهم (¬3)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬4). • مستند الاتفاق: 1 - أن الأصل الجواز، والآية والحديث في المنع من مس المصحف إلا بالطهارة لا تنطبق على مسألتنا، حيث إن كتب التفسير ليست مصاحف، فيجوز إذًا مسُّها دون طهارة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى هرقل (¬5)، وكان فيما كتب آيات من القرآن الكريم، وهرقل على الكفر، والتفاسير هكذا فيها آيات، ولكنها ليست مصاحف، فيجوز إذًا مسها دون طهارة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية في قولٍ (¬6)، والشافعية في وجهٍ لديهم (¬7)، والحنابلة في رواية، وقيل وجه (¬8)، فقالوا بالمنع. قالوا: إنها متضمنةٌ قرآنًا كثيرًا؛ فتأخذ حكمه (¬9).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [42 - 232] جواز اللبث في المسجد للمحدث: إذا أراد المحدث أن يجلس في المسجد، دون أن يتوضأ، فإنه يجوز له ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، وسواء قعد لغرض شرعي؛ كانتظار صلاة؛ أو اعتكاف؛ أو سماع قرآن؛ أو علم آخر؛ أو وعظ، أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك، وقال ¬
[43 - 233] مس الكتابي لا ينقض الوضوء
المتولي: إن كان لغير غرض كره، ولا أعلم أحدًا وافقه على الكراهة" (¬1). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "ويجوز للمحدث اللبث فيه بإجماع المسلمين" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: علي، وأبو الدرداء، وجابر بن زيد -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحكم (¬3)، والحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: لم يُنقل أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا الصحابة -رضي اللَّه عنهم- أنهم كرهوا المكثَ في المسجد أو منعوا منه، والأصل عدم الكراهة حتى يثبت النهي عن ذلك، واللَّه أعلم (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة سعيد بن المسيب، والحسن، فقالا: يمر ولا يجلس (¬8). وكره أبو السوار أن يتعمد الرجل الجلوس في المسجد على غير وضوء (¬9). وتبعه المتولي من الشافعية، كما سبق من كلام النووي، إلا أن القول الثاني غير مخالف لمسألتنا، فهو في الكراهة فقط، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [43 - 233] مس الكتابيِّ لا ينقض الوضوء: إذا مس المتوضئُ يهوديًّا أو نصرانيًّا، فإن وضوءه لا ينتقض، وقد حكى ابن تيمية الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ومس اليهودي أو النصراني لا ينقض الوضوء باتفاق المسلمين" (¬10). ¬
• الموافقون على الاتفاق: لم أجد من صرح بالموافقة على مسألتنا، إلا أنهم يذكرون مسائل تشتمل على مسألتنا بالعموم أو من باب الأولى، فقد وافق على هذا الاتفاق الحنفية، فهم يقولون بأن نجاسة المشرك في اعتقاده لا ظاهره (¬1)، كما وافق المالكية (¬2)، والشافعية (¬3). • مستند الاتفاق: كل ما ينقض الوضوء لم يكن ناقضًا إلا بجعل الشرع له ناقضًا، وما سكت عنه اللَّه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فالأصل فيه أنه لا ينقض، وكذا مس اليهودي والنصراني فلم يرد دليل على أنه ناقض للوضوء، فيبقى على الأصل وهو عدم النقض به، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الثامن: مسائل الإجماع في باب الغسل
الباب الثامن: مسائل الإجماع في باب الغسل [1 - 234] الترتيب بين الأعضاء في الغسل لا يجب: إذا أراد المجنب الغسل، فلا يجب عليه ترتيب أعضاءه في الغسل كالوضوء. • من نقل الاتفاق: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "احتج من أجاز ذلك -أي عدم الترتيب في الوضوء - بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة" (¬1). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأما في الغسل فالبدن كعضو واحد، والعضو الواحد لا ترتيب فيه بالاتفاق" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة على المذهب (¬5). • مستند الاتفاق: قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 79]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر الجنب بالغسل بالماء، ولم يفصل في ذلك كالوضوء، ومن غسل جسده دون ترتيب فقد حقق مقتضى الأمر، وهو الغسل للبدن، مما يدل على عدم وجوب الترتيب، مع عدم الدليل الموجب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية غير مشهورةٍ عنه، فقال: يجب البداءة بالمضمضة والاستنشاق في الغسل (¬6). ولم يذكروا دليلًا، غير أنه ربما كان مبنيًّا على أحاديث اغتسال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬7)، وفيها أنه بدأ بهما بعد غسل يديه. وخالف ابن حزم في المسألة أيضًا، فقال: يجب أن ينوي البداءة بالرأس أولا، ثم الجسد (¬8). ¬
[2 - 235] وجوب الغسل بالإنزال
واحتج بأنه قد صح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" (¬1)، حيث في الحديث بدأ بغسل الرأس، فيجب البداءة به (¬2).Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 235] وجوب الغسل بالإنزال: إذا أنزل المسلم، فإنه يوجب عليه الاغتسال بالماء (¬3). • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول بعد ذكر حديث: "ومن المنيِّ الغسل" (¬4): "وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق" (¬5). نقله عنه ابن قدامة (¬6)، وابن قاسم (¬7). ابن جرير الطبري (310 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬8) وابن قاسم (¬9) أنه حكى الإجماع على وجوب الغسل بالإنزال من الرجل والمرأة (¬10). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن خروج الجنابة في نوم أو يقظة من الذكر بلذة، لغير مغلوب باستنكاح، أو مضروب، وقبل أن يغتسل للجنابة؛ فإنه ¬
يوجب غسل جميع الرأس والجسد" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف أن الماء يكون من الماء الذي هو الإنزال" (¬2). وقال: "والعلماء مجمعون على ذلك -أي: على وجوب الغسل - فيمن وجد الماء الدافق من الرجال والنساء" (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا نزل المني بشهوة وجب الغسل" (¬4). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فالجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليه، وبعضها مختلف فيه، أما المجمع عليه فنوعان: أحدهما: خروج المني عن شهوة، دفقًا من غير إيلاج، بأي سبب حصل الخروج كاللمس، والنظر، والاحتلام، حتى يجب الغسل بالإجماع" (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على وجوب الطهارة من حدثين: أحدهما: خروج المني على وجه الصحة في النوم أو اليقظة، من ذكر أو أنثى، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلًا من الاحتلام" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فخروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة، في يقظة أو في نوم، وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي، ولا نعلم فيه خلافًا" (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني" (¬8). وقال: "فالذي يوجب اغتسال الحي أربعة متفق عليها، وهي: إيلاج حشفة الذكر في فرج، وخروج المني، والحيض، والنفاس" (¬9). البابرتي (786 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في وجوب الغسل بسبب خروج ¬
المني" (¬1). ابن رسلان (805 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني". نقله عنه الشوكاني (¬2). العيني (855 هـ) حيث يقول: "فإنه إذا أنزل يجب -الغسل- بالإجماع" (¬3). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "أعلم أن الأمة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال" (¬4). وقال: "لا يجب الغسل بإنزال المذي والودي والبول بالإجماع، والإنزال عن شهوة مراد بالإجماع" (¬5). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: "وبخروج مني، . . . -أي من موجبات الغسل خروج المني- من طريقه المعتاد إجماعًا" (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، إذا رأت الماء" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرر في الحديث وجوب الاغتسال على المرأة إذا رأت الماء، ولم يذكر الجماع، فدل على وجوب الغسل بالإنزال (¬8). 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الماء من الماء" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط وجوب الماء -وهو الاغتسال- بخروج الماء (¬10).Rأن الإجماع متحقق في حق الرجل؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما المرأة فسأناقشها في المسألة التالية، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[3 - 236] وجوب الغسل على المرأة كالرجل بالإنزال
[3 - 236] وجوب الغسل على المرأة كالرجل بالإنزال: إذا أنزلت المرأة، فيجب عليها الاغتسال بالماء كالرجل، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء: أن المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل، فأنزلت أن عليها الغسل، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي" (¬1). ابن جرير الطبري (310 هـ) حيث نقل عنه النووي أنه حكى الإجماع على وجوب الغسل بالإنزال من الرجل والمرأة (¬2). ابن بطال (449 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر نفيه للخلاف في وجوبه في حق المرأة، حيث قال ابن حجر: "ونفى ابن بطال الخلاف فيه - يعني: الخلاف في وجوبه على المرأة بالإنزال" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (¬5) والذي قبله إيجاب الغسل على النساء إذا احتلمن، ورأين الماء، حكمهن في ذلك حكم الرجال في الاحتلام إذا كان معه الإنزال، وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، والحمد للَّه" (¬6). وقال: "والعلماء مجمعون على ذلك -أي: على وجوب الغسل- فيمن وجد الماء الدافق من الرجال والنساء" (¬7). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على وجوب الطهارة من حدثين: أحدهما: خروج المني على وجه الصحة في النوم أو اليقظة، من ذكر أو أنثى، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلًا من الاحتلام" (¬8). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فخروج المني الدافق بشهوة؛ يوجب الغسل من الرجل والمرأة، في يقظة أو في نوم، وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي، ولا نعلم ¬
فيه خلافًا" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني، ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلام. . .، وسواء خرج في النوم أو اليقظة، من الرجلِ والمرأةِ، العاقلِ والمجنونِ" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3). ابن رسلان (805 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني". نقله عنه الشوكاني (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬5) يدل على وجوب الغسل على الرجل والمرأة إذا وقع الإنزال، وهو إجماع إلا ما يحكى عن النخعي" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7). • مستند الإجماع: حديث أم سلمة المشهور عن المرأة التي تسأل عن الاحتلام للمرأة هل يوجب الغسل؟ وفيه: "نعم، إذا رأت الماء" (¬8). • وجه الدلالة: أن السائلة امرأة، وقد أجابها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بوجوب الغسل إذا رأت الماء، فدل على وجوب الغسل في حقها بالإنزال (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف إبراهيم النخعي في مسألة غسل المرأة بمجرد الإنزال، فقال: لا يجب على المرأة الغسل بخروج المني (¬10). وعلق عليه النووي بقوله: "ولا أظن هذا يصح عنه، فإن صح عنه فهو محجوج بحديث أم سلمة (¬11) " (¬12). ولكن جوَّد إسناده عنه ابنُ حجر (¬13). وقد اعترض ابن حجر على كلام ابن بطال السابق بوجود خلاف النخعي في وجوب ¬
[4 - 237] المحتلم الذي لم يجد بللا لا غسل عليه
الغسل على المرأة بالإنزال (¬1).Rأن الإجماع متحقق، فقد سبق ذكر خلاف النخعي في المسألة، إلا أنه لم يتابعه غيره، فيقال في خلافه أحد أمور: إما أنه يقصد إنكار كون المرأة تحتلم، ولم يقصد عدم وجوب الغسل عليها (¬2)، وبهذا: العبرة تكون بخروج الماء، فمتى تأكد إنزالها، وجب عليها الغسل عنده. أو أن النقل عنه غير صحيح، وهذا سبق الرد عليه بأن ابن حجر جود إسناده. أو أن يقال: قد خالف صريح النصوص وعلماء الأمة؛ فيكون قوله شاذًّا (¬3)، فالخلاصة أحد الأمرين: الأول أو الثالث، إن لم يصح الأول فالنتيجة تكون أن قوله شاذ، ولا عبرة به، ثم إن ثبت خلافه في المسألة، فلم يتابعه على قوله أحد، مما يدل على اندراس هذا القول، وحصول الاتفاق بعده، فتكون المسألة حينئذ من باب الاتفاق بعد الاختلاف، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 237] المحتلم الذي لم يجد بللًا لا غسل عليه: إذا نام المسلم ورأى في منامه أنه يجامع، ثم استيقظ ولم يجد بللًا، فلا يجب عليه الغسل بهذا. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وإذا رأى احتلامًا، ولم يرَ بَلَّة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم" (¬4). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم، أو جامع، ولم يجد بللًّا، أن لا غسل عليه" (¬5). ونقله عنه ابن قدامة (¬6)، والنووي (¬7)، وابن قاسم (¬8). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وهذا مجتمع عليه؛ فيمن رأى أنه يجامع ولا ينزل، أنه لا غسل عليه، وإنما الغسل في الاحتلام على من أنزل الماء، هذا ما لم يختلف فيه العلماء" (¬9). ¬
القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ومتى لم يكن إنزال، وإن رأى أنه يجامع، فلا غسل، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء كافة" (¬1). النووي (676 هـ) شارحًا كلام الماتن عندما ذكر مسألتنا بقوله: "فإن احتلم ولم يرَ المني"، حيث قال النووي: "وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه" (¬2). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "فإن الوطء فيه -النوم- من غير إنزال، لا يوجب شيئًا إجماعًا" (¬3). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "لأن الرجل لو رأى أنه جامع، وعلم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ فلم ير بللًا، لم يجب عليه الغسل اتفاقًا" (¬4). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول: "ولو تذكر الاحتلام والشهوة، ولم ير بللًا، لا يجب اتفاقًا" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومجاهد، وابن جبير، وعطاء، وقتادة (¬6)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬7). • مستند الإجماع: حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، إذا رأت الماء" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قيد الأمر بالغسل برؤية الماء، فإذا لم يُر الماء فلا غسل، واللَّه تعالى أعلم (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أحمد في رواية عنه، فقال: يجب الغسل في هذه الحالة (¬10). وخالف في رواية أخرى بأنه يجب إن وجد لذة الإنزال، وإن لم يرَ الماء (¬11). ¬
[5 - 238] من رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل
ولعل ما ورد عن ابن جبير من قوله: "إنما الغسل من الشهوة والفترة" (¬1) موافقًا لها. ولم يذكروا دليلًا، ويمكن أن يقال بأنه ربما يجف الماء، أو يكون خفيفًا، فيخفى على المحتلم، ويظن أنه لم يُنزل، فاحتياطًا قالوا بوجوب الغسل، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق (¬2)؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 238] من رأى منيَّا ولم يذكر احتلامًا فعليه الغسل: إذا استيقظ النائم، ووجد منيًّا، ولكنه لا يذكر الاحتلام، فإنه يجب عليه الغسل. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "ولإجماع الأمة على أن من استيقظ ووجد المني، ولم ير احتلامًا، أن عليه الغسل" (¬3). نقله عنه القرافي (¬4)، ونقله عن القرافيِّ الحطابُ (¬5). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "إذا استيقظ فوجد على فخذه، أو على فراشه بللًا، على صورة المذي، ولم يتذكر الاحتلام فعليه الغسل، . . .، وأجمعوا أنه لو كان منيًّا أن عليه الغسل" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإن انتبه فرأى منيًّا، ولم يذكر احتلامًا، فعليه الغسل لا نعلم فيه خلافًا" (¬7). ونقله عنه ابن قاسم (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول معلقًا على قول صاحب "المهذب": "وإن رأى المني، ولم يذكر احتلامًا؛ لزمه الغسل" قال النووي: "وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه" (¬9). ¬
[6 - 239] من رأى منيا وذكر الاحتلام فعليه الغسل
المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "فأما النائم؛ إذا رأى شيئًا في ثوبه، ولم يذكر احتلامًا ولا لذة؛ فإنه يجب عليه الغسل، لا أعلم فيه خلافًا" (¬1). وهو يقصد المذهب، فهو لا يعتني إلا بالمذهب، ولكن نقلته تعزيزًا للإجماع. • الموافقون على الإجماع: وافق على نفي الخلاف ابن عباس، وابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، والنخعي، وابن جبير، وعطاء (¬2)، وسفيان الثوري (¬3). • مستند الإجماع: حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، إذا رأت الماء" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط الأمر بالاغتسال برؤية الماء، وفي مسألتنا هذا متحقق، فوجب الغسل إذًا (¬5)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة مجاهد، والحكم، وحماد، وقتادة، وابن جبير (¬6)، فقالوا: لا يغتسل. والنقول عنهم تتفاوت في الصراحة، أصرحها ما نقل عن الحكم وحماد ومجاهد، والبقية محتملة، واللَّه تعالى أعلم. وخالف المالكية في قول غير مشهور، فقالوا بهذا القول (¬7). ولم يذكروا دليلًا، غير أنه يمكن أن يقال بأن من لم يذكر الاحتلام لا يقين لديه بموجب الغسل، ووجوب الغسل يحتاج ليقين، فلا يجب عليه الغسل.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 239] من رأى منيًّا وذكر الاحتلام فعليه الغسل: إذا رأى النائم بعد الاستيقاظ منيًّا، وتذكر أنه احتلم، فإنه يجب عليه الغسل. ¬
[7 - 240] الإيلاج يوجب الغسل
• من نقل نفي الخلاف: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول عمن رأى ماءً بعد الاستيقاظ: "فإن ذكر -أي: الاحتلام- فلا خلاف أنه يغتسل" (¬1). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول عن السكران إذا أفاق وقد وجد بللًا: "ولا يشبه النائم إذا استيقظ، فوجد على فراشه مذيًا، حيث كان عليه الغسل؛ إن تذكر الاحتلام بالإجماع" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث أم سلمة السابق، حيث فيه: "نعم، إذا رأت الماء" (¬5). • وجه الدلالة: أن الغسل واجب بالاحتلام، ورؤية الماء بنص الحديث، وهذه مسألتنا. 2 - يدل لمسألتنا أيضًا كل أدلة إيجاب الغسل بالإنزال، فهو قد أنزل هنا، وذكر الاحتلام، فوجب عليه الغسل للإنزال، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 240] الإيلاج يوجب الغسل: إذا أولج المجامع ذكره في فرج المرأة، ولم ينزل، فيجب عليه الغسل بهذا، وإن لم ينزل. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، على أنه إذا جامع الرجل امرأته في الفرج، وجب عليهما الغسل، وإن لم ينزلا" (¬6). وهذا يشير إلى عدم اعتباره الإجماع في المسألة، فقد نسبه للأكثر. ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وهو قول كل من نحفظ عنه من أهل ¬
الفتيا من علماء الأمصار، ولست أعلم اليوم بين أهل العلم فيه اختلافًا" (¬1). الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فثبت بذلك قول الذين قالوا: إن الجماع يوجب الغسل، كان معه إنزال أو لم يكن، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وعامة العلماء رحمهم اللَّه تعالى" (¬2). ابن القصار (397 هـ) حيث يقول: "وأجمع التابعون ومن بعدهم، بعد خلاف من قبلهم، على الأخذ بحديث: "إذا التقى الختانان" (¬3)، وإذا صح الإجماع بعد الخلاف؛ كان مسقطًا للخلاف". نقله عنه القرطبي (¬4). ابن خويز منداد حيث نقل عنه ابن عبد البر قوله: "إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين" (¬5). ونقله عنه الشوكاني (¬6). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وعلى هذا مذاهب أهل العلم، وبه الفتوى في جميع الأمصار فيما علمت" (¬7). ويلاحظ عدم تصريحه بالإجماع، وإنما ذكر ما عليه الفتوى والمذاهب، وسيأتي مزيد عنه في الخلاف في المسألة. ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "وانعقد الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وإن لم ينزل، وما خالف إلا داود، ولا يعبأ به، فإنه لولا الخلاف ما عرف" (¬8). وقال: "واتفقوا -الصحابة- على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وإن لم يكن إنزال" (¬9). ونقله عنه ابن الملقن (¬10)، وابن حجر (¬11)، والشوكاني (¬12). القاضي عياض (544 هـ) حيث يقول عن القول بخلاف مسألتنا: "لا نعلم من قال به من بعد خلاف الصحابة إلا ما حُكي عن الأعمش، ثم داود الأصبهاني" (¬13). نقله عنه ¬
القرطبي (¬1). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الغسل بالتقاء الختانين" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فالجنابة تثبت بأمور، بعضها مجمع عليه، وبعضها مختلف فيه، أما المجمع عليه فنوعان. . . والثاني: إيلاج الفرج في الفرج في السبيل المعتاد، سواء أنزل أو لم ينزل" (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "واتفق الفقهاء على وجوب الغسل في هذه المسألة -يعني مسألتنا- إلا ما حكي عن داود، أنه قال: لا يجب" (¬5). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "فقد أجمعت الأمة على أن رجلًا لو استكره امرأة، فمس ختانُه ختانَها، وهي لا تلتذ لذلك، أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته أن الغسلَ واجبٌ عليها" (¬6). والمسألة في المستكرهة، إلا أنها في مسألتنا من باب الأولى. النووي (676 هـ) حيث يقول: "فالذي يوجب اغتسال الحي أربعة متفق عليها وهي: إيلاج حشفة الذكر في فرج. . . " (¬7). وقال: "أعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أن لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين" (¬8). ونقل ابن نجيم هذه العبارة دون إشارة (¬9). وقال: "وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني أو إيلاج الذكر في الفرج" (¬10). ونقله عنه الشوكاني (¬11). ابن الملقن (804 هـ) حيث يقول: "إن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني، ¬
بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل. . .، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة، كعثمان، وأبيّ، ومن بعدهم، كالأعمش، وداود، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا" (¬1). الحصكفي (1088 هـ) حيث يقول: "وإن لم ينزل -بأن أولج ولم ينزل- منيًّا بالإجماع" أي: يجب وإن لم ينزل (¬2). وأقره ابن عابدين في حاشيته على كلامه (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة، والعترة، والفقهاء، وجمهور الصحابة والتابعين، ومن بعدهم" (¬4). وهذا ليس فيه حكاية إجماع صريح، إلا أن قوله: "والفقهاء" من ألفاظ الإجماع الضعيفة. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر بعد رجوعه، وعثمان، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة (¬5)، وسهل بن سعد، والنعمان بن بشير -رضي اللَّه عنهم-، وشريح، وعكرمة، وعبيدة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب عليه الغسل" (¬8)، وفي لفظ: "وإن لم ينزل" (¬9). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان، فقد وجب الغسل" (¬10). ¬
• وجه الدلالة: قال الشوكاني: "جهد وأجهد أي: بلغ المشقة، قيل: معناه كدها بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها، والمراد به هنا معالجة الإيلاج، كنى به عنها" (¬1)، فربط عليه الصلاة والسلام وجوب الختان بالجهد في الحديث الأول، وبالمس في الحديث الثاني، ولم يذكر الإنزال، فدل على عدم الحاجة إليه لوجوب الغسل، وبعد ورود اللفظ الآخر: "وإن لم ينزل" أزال الشك، وأوضح أن الإيلاج دون الإنزال موجب للغسل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف في المسألة عن عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب (¬2)، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص (¬3)، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وابن مسعود (¬4)، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن خالد، ومعاذ، ورافع بن خديج، وجمهور الأنصار -رضي اللَّه عنهم-، وعمر بن عبد العزيز (¬5)، والظاهرية (¬6). وخالف البخاري في المسألة، وقال بعد روايته أحد أدلة المخالفين: "الغسل أحوط، وذاك الآخِر، وإنما بيَّنا لاختلافهم" (¬7)، فيؤخذ من عبارته مخالفته وذكره للخلاف. ونسبه الشافعي لبعض الحجازيين (¬8). وهناك من العلماء من أنكر صحة الإجماع صراحة، كالخطَّابي، وابن حجر (¬9)، والزرقاني (¬10)، وجعلوه قول الجمهور فقط، وصححوا ثبوت الخلاف عن الأعمش، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة، وعطاء (¬11). وكذلك ابن عبد البر (¬12)، ونسبه للجمهور (¬13). ¬
[8 - 241] الإيلاج في النائمة والمستكرهة موجب للغسل
وقال: "وكيف يجوز القول بإجماع الصحابة في شيء من هذه المسألة، مع ما ذكرنا في هذا الباب - يقصد خلاف بعض الصحابة" (¬1). وهناك من حكى الخلاف في عصر الصحابة، ولم يذكر الإجماع، كالطحاوي (¬2). وهناك من العلماء من ذكر رجوع الصحابة الذين خالفوا في بداية الأمر، ومنهم علي بن المديني (¬3)، وابن أبي شيبة راويًا عن بعضهم ذلك (¬4)، وابن عبد البر (¬5)، والقاضي عياض (¬6)، والنووي (¬7)، وابن حجر (¬8). واحتج من خالف بحديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الماء من الماء" (¬9). فقالوا: الغسل بالماء لا يجب إلا بالماء، الذي هو المني (¬10)، ورُد عليهم بأنه منسوخ.Rأن الإجماع غير متحقق في عصر الصحابة، وإلا لما رأينا عددًا من التابعين خالفوا في المسألة، أما بعدهم فوجدنا من خالف من بعض أهل الظاهر والحجازيين، وخلاف البخاري وغيره، فالمسألة لم يتحقق فيها إجماع في القرون الأولى بلا إشكال عندي، ولكن بعد ذلك لم أجد من خالف من العلماء، ولا من أتباع المذاهب في المسألة، كما أشار لذلك ابن المنذر، وابن القصار، وابن عبد البر، والقاضي عياض، والنووي، وابن الملقن فيما سبق، فيقال في هذه المسألة بأنها من قبيل الاتفاق بعد الاختلاف، وسبق أن أشرنا للخلاف عند الأصوليين في هذه المسألة، إلا أنني اخترت القول بأنه إجماع ظني في حق من يختار هذا القول، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 241] الإيلاج في النائمة والمستكرهة موجب للغسل: إذا أولج الرجل في فرج امرأته وهي نائمة، أو أولج في مستكرَهة، فإنه يجب عليهما الغسل، وإن لم تقع لذة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في معرض حديثٍ له: ¬
"واحتج بالإجماع في إيجاب الغسل، وهي الطهارة الكبرى على المستكرهة والنائمة إذا جاوز الختانُ الختانَ، وإن لم تقع لذة" (¬1). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "فقد أجمعت الأمة على أن رجلًا لو استكره امرأة، فمس ختانُه ختانَها، وهي لا تلتذ لذلك، أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته، أن الغسلَ واجبٌ عليها" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان، فقد وجب الغسل" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالغسل من مس الختانين، ولم يفرق بين وجود اللذة وعدمها، فدل على عدم تأثير ذلك، ما دام أن الإيلاج قد حصل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة ابن حزم، فقال بأن عليهما الوضوء فقط، ما دامت لم تنزل (¬7). واستدل بحديث أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وأجهد نفسه، فقد وجب عليه الغسل، أنزل أو لم ينزل" (¬8). فقوله: "أجهد نفسه" هذا الإطلاق ليس إلا للمختار القاصد، ولا يسمى المغلوب أنه قعد، ولا النائم، ولا المغمى عليه" (¬9).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، حيث إن هذه المسألة تعد من فروع المسألة الأم، وهي وجوب الغسل من التقاء الختانين، وقد ¬
[9 - 242] مس الختان دون إيلاج لا يوجب الغسل
سبقت مناقشة تلك المسألة، وبيان أن الخلاف حاصل في القرون الأولى، بالإضافة لخلاف ابن حزم في مسألتنا أيضًا، وتعتبر هذه المسألة استثناءً من المسألة السابقة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 242] مسُّ الختان دون إيلاج لا يوجب الغسل: إذا مسّ ذكر الرجل فرج المرأة، دون أن يولج أو ينزل، فلا يجب عليه الغسل بهذا. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "ولو مسه من غير إيلاج ما وجب الغسل إجماعًا" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولو مسَّ الختانُ الختانَ من غير إيلاج؛ فلا غسل بالاتفاق" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها، ولم يدخله في مدخل الذكر؛ لم يجب غسلٌ بإجماع الأمة" (¬3). ويقول: "وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولجه؛ لم يجب عليه الغسل، لا عليه ولا عليها" (¬4). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "ولو حصل المس قبل الإيلاج؛ لم يجب الغسل بالإجماع" (¬5). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ولو ألصق الختان بالختان من غير إيلاج؛ فلا غسل بالاتفاق" (¬6). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "وليس المراد بالتقاء الختانين انضمامهما؛ لعدم إيجابه الغسل بالإجماع، بل تحاذيهما" (¬7). الزرقاني (1122 هـ) حيث يقول: "فلو وقع مسُّ بلا إيلاج؛ لم يجب الغسل ¬
[10 - 243] الحيض يوجب الغسل
بالإجماع" (¬1). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولجه؛ لم يجب الغسل على واحد منهما" (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "فقد انعقد الإجماع على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولجه، لم يجب الغسل على واحد منهما" (¬3). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب عليه الغسل" (¬4). • وجه الدلالة: في قوله: "ثم جهدها"، فلم يكتفِ بالجلوس، وفي بعض الألفاظ: "إذا مسّ الختان الختان ثم جهدها" فالجهد غير المس، ولا يجب الغسل إلا بالاثنين، ومن دون الجهد الذي هو الإيلاج لا يجب الغسل، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 243] الحيض يوجب الغسل: إذا حاضت المرأة، ثم طهرت، فإن الغسل يجب عليها بالإجماع، وهذا ما سنناقشه في مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول عن الحائض: "وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل لها إلا بالاغتسال" (¬5). ونقله عنه النووي (¬6)، وابن قاسم (¬7). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وجاءت الأخبار الثابتة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على وجوب الاغتسال على الحائض إذا طهرت، وأجمع أهل العلم على ذلك" (¬8). ونقله عنه النووي (¬9)، وابن قاسم (¬10). ¬
ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الدم الأسود الخارج في أيام الحيض من فرج المرأة التي من كانت في مثل سنها حاضت يوجب الغسل على المرأة" (¬1). ويقول: "وانقطاع دم الحيض في مدة الحيض، ومن جملته دم النفاس، يوجب الغسل لجميع الجسد والرأس، وهذا إجماع متيقن، من خالفه كفر عن نصوص ثابتة" (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما الحدث الثاني -أي: الحدث الموجب للغسل - الذي اتفقوا أيضًا عليه؛ فهو دم الحيض، أعني: إذا انقطع" (¬3). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس" (¬4). ونقله عنه البهوتي (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس" (¬6). ونقله عنه ابن قاسم (¬7). الزركشي (772 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك -الحيض والنفاس- في الجملة" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني: إذا اغتسلن، مَنَع الزوجَ من وطئها قبل الغسل؛ فدل على وجوبه عليها (¬10). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر ¬
[11 - 244] النفاس يوجب الغسل
الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها بالاغتسال قبل الصلاة (¬2).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والمسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، التي لا يعذر المكلف بجهلها، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 244] النفاس يوجب الغسل: إذا خرجت المرأة من النفاس، فإن الغسل عليها واجب، وقد حكى الإجماع عليه عددٌ من أهل العلم، هذا ما سنناقشه في مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬3)، والعيني (¬4)، وابن قاسم (¬5) حكايته للإجماع في المسألة (¬6). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن على النفساء الاغتسال إذا طهرت" (¬7). ونقله عنه العيني (¬8)، وابن قاسم (¬9). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وكذلك الغسل منه -النفاس- واجب بإجماع" (¬10). الكاساني (587 هـ) حيث يقول بعد ذكر دليل وجوب الغسل من الحيض: "ولا نص في وجوب الغسل من النفاس، وإنما عرف بإجماع الأمة، ثم إجماع الأمة يجوز أن يكون بناء على خبر من الباب، لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالإجماع عن نقله؛ لكون الإجماع أقوى" (¬11). ونقله عنه ابن نجيم (¬12). المرغيناني (593 هـ) حيث يقول: "وكذا النفاس بالإجماع" (¬13)، أي وكذا الخروج من النفاس يوجب الغسل بالإجماع (¬14). ¬
[12 - 245] غسل النفاس كغسل الحيض
ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). الزركشي (772 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك -الحيض والنفاس- في الجملة" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - أن دم النفاس دم حيض مجتمع، فيأخذ حكمه، ويستدل على وجوب الغسل من النفاس بأدلة الحيض (¬6). 2 - أن دم النفاس يحرم الصوم والوطء، ويسقط فرض الصلاة؛ فأوجب الغسل كالحيض، فيأخذ حكمه إذًا (¬7).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 245] غسل النفاس كغسل الحيض: إذا خرجت المرأة من النفاس، فإنها تغتسل كما تغتسل من الحيض، وعلى هذا حكى ابن حزم الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وقد صح الإجماع بأن غسل النفاس كغسل الحيض" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10)، ¬
[13 - 246] الوضوء للحائض لا يكفي للصلاة
والشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: أن دم النفاس دم حيض مجتمع، فيأخذ حكمه، فكل ما ورد من الأمر والبيان في غسل الحيض وارد في النفاس؛ لأنهما شيء واحد (¬3).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 246] الوضوء للحائض لا يكفي للصلاة: إذا طهرت الحائض، وأرادت الصلاة، فإن الوضوء لا يكفي لحِلِّ أدائها للصلاة، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطهر الذي يحل لها به الصلاة" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى منع من الوطء إلا بعد التطهر، والتطهر هو الاغتسال، والصلاة أعظم شأنًا من الوطء، فلا بد فيها من الغسل، ولا يكفي الوضوء (¬10). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" (¬11). ¬
[14 - 247] تجدد الإسلام يوجب الوضوء
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها بأن تغتسل بعد الحيض، مما يدل على لزومه، وأن الوضوء لا يكفي، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 247] تجدد الإسلام يوجب الوضوء: إذا ارتد مسلم -والعياذ باللَّه- ثم أسلم من جديد، فإنه يجب عليه الوضوء عندئذٍ. • من نقل الإجماع: سند بن عنان (541 هـ) حيث يقول عمَّن جدد إسلامه: "هو مأمور بالوضوء إجماعًا". نقله عنه القرافي (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الأوزاعي، وأبو ثور (¬2)، والحنفية (¬3)، والمالكية في المشهور (¬4)، والشافعية في وجه (¬5)، والحنابلة على الصحيح (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]. • وجه الدلالة: أن الآية تدل على أن العمل يحبطه الشرك، والطهارة عمل، فيجب أن تحبط بالشرك (¬7). 2 - أن الوضوء عبادة يفسده الحدث، فيفسده الشرك؛ كالصلاة (¬8). 3 - علَّل القرافي هذا الأمر بأنه مأمور بالصلاة التي من شرطها الطهارة، فيجب عليه تحصيل الشرط وهو الطهارة، لا أنه مؤاخذ بأمر تقدم الإسلام (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف ابن القاسم من المالكية في المسألة، وقال باستحباب الوضوء فقط (¬10). ¬
[15 - 248] الغسل يجزئ عن الوضوء
وحكى الحطاب في المسألة الخلاف، وسمى الرأي الأول بالمشهور (¬1). وخالف الشافعية على الوجه الأشهر عندهم (¬2)، والحنابلة على قول عندهم (¬3)، فقالوا بعدم وجوب الوضوء. واستدلوا بقول اللَّه تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] فحيث شرط الموت لحبوط العمل، إذًا لا تبطل الطهارة (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، أما إذا كان المقصود أنه بإسلامه ستجب عليه الصلاة، ومن ثم يجب عليه الوضوء، ففي هذه الحالة الإجماع متحقق في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 248] الغسل يجزئ عن الوضوء: إذا اغتسل الجنب، ولم يتوضأ قبل اغتساله ولا بعده، فإنه يجزئه غسله عن الوضوء (¬5). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فإن لم يتوضأ المغتسل للجنابة قبل الغسل، ولكنه عم جسده ورأسه ويديه وجميع بدنه بالغسل بالماء، وأسبغ ذلك؛ فقد أدى ما عليه، إذا قصد الغسل ونواه. . .، وهذا إجماع من العلماء لا خلاف بينهم فيه، والحمد للَّه" (¬6). ونقله عنه ابن قدامة (¬7). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "لم يختلف أحد من العلماء في أن الوضوء داخل في الغسل، وأن نية طهارة الجنابة. . . يأتي على طهارة الحدث ويقضي عليها" (¬8). ونقله الشوكاني (¬9)، وصديق خان عنه (¬10). العدوي (1189 هـ) حيث يقول: "ويجزئ -الغسل- عن الوضوء اتفاقًا" (¬11). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والشافعية في وجه (¬2)، والحنابلة على المذهب عندهم (¬3)، وابن حزم، إلا أنه اشترط أن يبدأ بالرأس ثم الجسد (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى إنما افترض على الجنب الغسل دون الوضوء (¬5)، فلم يذكر الوضوء مع الحاجة لذكره لو كان واجبًا، ولم يأتي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إيجابه، فدل على عدم وجوبه. 2 - يقول السرخسي: "والاطِّهار -يقصد في الآية- يحصل بغسل جميع البدن، ولأن مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل" (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية عنه، فقال: لا يجزئه الغسل عن الوضوء، حتى يأتي به قبل الغسل أو بعده (¬7). وهو قول أبي ثور، وداود كما سبق، وحكاه السرخسي قولًا للعلماء (¬8). واحتجوا بأنه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويجب اتباعه (¬9). وأما الشافعية، فقالوا: عندما يكون قد أحدث قبل الجنابة، فلديهم في هذه المسألة ثلاثة أوجه، والمخالف لمسألتنا منها قولان: أحدهما: أن عليه أن يجمع بين الوضوء والغسل. والثاني: أنه لا يجب عليه الجمع بينهما، ولكن يجب الترتيب في الغسل، فيكون قد توضأ بذلك (¬10). وهذان الوجهان عندهم يخالفان مسألتنا في حالة الحدث قبل الجنابة فقط. ¬
[16 - 249] الوضوء ليس واجبا في الغسل
واحتجوا بأن الوضوء والغسل حكمان مختلفان، وجبا لسببين مختلفين؛ فوجبا أن لا يتداخلا (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وقد سبق نقل كلام ابن حجر في المسألة، حيث رد نقل ابن بطال للإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 249] الوضوء ليس واجبًا في الغسل: إذا أجنب المسلم وأراد الغسل، فإنه لا يجب عليه الوضوء مع الغسل، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث حكى عنه النووي (¬2)، وابن قاسم (¬3) أنه نقل الإجماع بأن الوضوء لا يجب مع الغسل (¬4). ابن بطال (449 هـ) نقله عنه ابن حجر، حيث قال ابن حجر: "ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما بأنه لا ينوب عنه" (¬5). ونقله الصنعاني (¬6)، والشوكاني (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "الوضوء سنة في الغسل، وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حُكي عن أبي ثور وداود أنهما شرطاه" (¬8). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب" (¬9). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على عدم وجوب الوضوء في الغسل إلا داود الظاهري، فقال بالوجوب في غسل الجنابة" (¬10). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬11)، والحنابلة (¬12). ¬
[17 - 250] استحباب الوضوء قبل الاغتسال
• مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء، مما يدل على عدم وجوبه فيه (¬1). 2 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، في قوله عليه الصلاة والسلام لها: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اكتفى في الحديث بإفاضة الماء، ولم يذكر الوضوء، مما يدل على عدم وجوبه في الغسل (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف أبو ثور، وداود (¬4) في المسألة، فقالوا باشتراط الوضوء في الغسل. ولم يذكروا لهما دليلًا، إلا أنه يمكن أن يقال بأن الوارد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هديه في الغسل أنه يتوضأ فيه، فوجب أن يكون كذلك كي يكون مجزئًا.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 250] استحباب الوضوء قبل الاغتسال: إذا أراد الجنب الاغتسال، فإنه يستحب له الوضوء قبل الاغتسال. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "إلا أنهم مجمعون أيضًا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب" (¬5). ونقله عنه ابن قدامة (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "الوضوء سنة في الغسل، وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حُكي عن أبي ثور وداود أنهما شرطاه" (¬7). وقول أبي ثور، وداود وغيرهم منصبٌ على مسألة وجوب الوضوء مع الغسل، لا ¬
[18 - 251] عدم مشروعية إعادة الوضوء بعد الغسل
على الاستحباب، فخلافهم ليس معارضًا لمسألتنا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والحنابلة (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الوارد في عدد من الأحاديث، حيث في صفة اغتساله عليه الصلاة والسلام أنه يتوضأ قبل الاغتسال (¬4)، ومجرد الفعل يدل على الاستحباب، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 251] عدم مشروعية إعادة الوضوء بعد الغسل: إذا اغتسل الجنب آتيًا بالسنة في ذلك بأن توضأ ثم اغتسل، كما ورد من صفة غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنه لا يشرع له أن يعيد وضوءه بعد الغسل. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وهذا قول غير واحد من أهل العلم، أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والتابعين؛ أن لا يتوضأ بعد الغسل" (¬5). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الوضوء لا يعاد بعد الغسل؛ من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق، ومن لم يوجبها" (¬6). ونقل عنه القرافي نحوه (¬7). البغوي (516 هـ) حيث قال بعد حديث: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة" (¬8)، قال: "وهذا قول عامة أهل العلم" (¬9). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وتحصيل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده، وإذا توضأ أولًا لا يأتي به ثانيًا، فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان" (¬10). ونقله ¬
عنه ابن نجيم (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر، وحذيفة -رضي اللَّه عنهم-، وعلقمة، وابن جبير، وعكرمة (¬2)، والحنفية (¬3)، والشافعية في حالة ما لو أجنب ولم يحدث، وعلى الصحيح عندهم فيما لو أحدث أيضًا (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - أحاديث وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬6)، إذ فيها أنه لم يعد الوضوء بعد الغسل، والزيادة عليها بدعة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يتوضأ بعد الغسل" (¬7). • وجه الدلالة: وصف فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والزيادة عليه بدعة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: ورد عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه كان يتوضأ بعد الغسل (¬8). ونقل القرافي عن بعض المالكية بعد نقله الإجماع عن ابن عبد البر في المسألة بالموافقة، أنه جعل الأمر بالوضوء بعد الغسل ظاهر المذهب عندهم (¬9). وخالف الشافعية أيضًا فيما لو أحدث ثم أجنب، على وجه عندهم، بأن عليه إعادة الوضوء (¬10). وإن أحدث بعد أن أجنب؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يؤثر، فيكون كمن لم يحدث، وسبق في الموافقة. والثاني: أن يكون كمن أحدث قبل الجنابة، وسبق (¬11). ¬
[19 - 252] الإيلاج في غير الفرج والدبر لا يوجب الغسل
ففي هاتين الصورتين ثبت خلاف الشافعية فيهما، ولم يذكروا دليلًا. ولكن يمكن أن يقال بأن الوضوء والغسل واجبان لا يتداخلان، وقد وُجد الموجب لهما، فيجب لكل موجب ما أوجبه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، خصوصًا مع ورود خلاف علي -رضي اللَّه عنه-، ومع ثبوت خلاف الشافعية لم يبق إشكال، إلا في مسألة من لم يحدث مع الغسل، وهذا لا يقع إلا في صور قليلة، ولا يثبت فيها إجماع مع خلاف علي -رضي اللَّه عنه- (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 252] الإيلاج في غير الفرج والدبر لا يوجب الغسل: إذا أولج الرجل ذكره في غير الفرج والدبر، ولم ينزل، فلا يجب عليه الغسل. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬2) حكايته الإجماعَ في المسألة بعد قوله: "لو أولج ذكره في فم المرأة، وأذنها، وإبطها، وبين إليتها، ولم ينزل؛ فلا غسل" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: يستدل هنا بأدلة إيجاب الغسل بالتقاء الختانين التي سبقت، فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق وجوب الاغتسال بالتقائهما، ولم يحصل الالتقاء في مسألتنا؛ فلم يجب الغسل حتى يأتي الدليل الموجب للغسل، وهو لا يُعلم، فيبقى الأصل بعدم وجوب الغسل، واللَّه تعالى أعلم (¬8).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[20 - 253] الغسل ليس على الفور
[20 - 253] الغسل ليس على الفور: إذا أجنب المسلم، فإنه لا يجب عليه أن يغتسل فورًا من ساعته. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وغسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بإجماع المسلمين" (¬1). ونقله عنه الشوكاني (¬2). سراج الدين الهندي (773 هـ) حيث يقول: "الإجماع على أنه لا يجب الوضوء على المحدث، والغسلُ على الجنب والحائض والنفساء، قبل وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا به". نقله عنه ابن نجيم (¬3). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول بعد نقله الإجماع السابق: "فإنهم اتفقوا على عدم الإثم قبل وجوب الصلاة" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع حذيفة، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم- (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث عبد اللَّه بن أبي قيس أنه سأل عائشة: كيف كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصنع في الجنابة، أكان يغتسل قبل أن ينام؛ أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: "كل ذلك قد كان يفعل؛ ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يلتزم الفور في الغسل، فدل على عدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث عمر -رضي اللَّه عنه-، قال: يا رسول اللَّه أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضأ" (¬9). ¬
[21 - 254] النوم والأكل والجماع جائز للجنب بعد الوضوء
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز للجنب أن ينام دون أن يغتسل؛ فدل على أن الفور ليس بواجب (¬1)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: ذكر القرافي أن الفور فريضة (¬2)، ولكنه يقصد بالفور الموالاة، واللَّه تعالى أعلم (¬3).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 254] النوم والأكل والجماع جائز للجنب بعد الوضوء: إذا أراد الجنب أن ينام أو يأكل أو يجامع، وقد توضأ بعد الجنابة، فإنه يجوز له ذلك، ولا يجب عليه الغسل لذلك. والمسألة مقيدة بما إذا توضأ، وذلك لوجود الخلاف فيما لو لم يتوضأ. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "حاصل الأحاديث كلها (¬4) أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل ويشرب ويجامع قبل الاغتسال، وهذا مجمع عليه" (¬5). ونقله الشوكاني عنه (¬6). وبما أن النووي أطلق المسألة، ولم يبين كون الإجماع بعد الوضوء أو من دونه سأحمله على العموم، وأنه لم يرد التفصيل (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع حذيفة، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب (¬8)، والحنفية (¬9)، والمالكية (¬10)، والحنابلة (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند الإجماع: 1 - حديث عمر -رضي اللَّه عنه-، قال: يا رسول اللَّه, أينام أحدنا وهو ¬
[22 - 255] عدم وجوب الوضوء على الجنب للأكل والشرب
جنب؟ قال: "نعم، إذا توضأ" (¬1). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" (¬2). • وجه الدلالة: بدلالة المطابقة، فليس فيها ذكر الإلزام بالاغتسال (¬3). • الخلاف في المسألة: نقل القرافي عن بعض الشافعية مخالفتهم، ومنعهم من ذلك (¬4)، ولكن الأظهر أنه يقصد حالة ما لو لم يتوضأ، فلم أجد خلافًا لدى الشافعية في المسألة (¬5).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 255] عدم وجوب الوضوء على الجنب للأكل والشرب: إذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب، فإنه لا يجب عليه الوضوء قبل أن يفعل ذلك. • من نقل الاتفاق: الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول عن الجنب: "وأما من أراد أن يأكل أو يشرب؛ فقد اتفق الناس على عدم وجوب الوضوء عليه" (¬6). ولعله يريد بالناس هنا العلماء. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق مجاهد، وابن المسيب، والزهري، والنخعي فيما يفهم من أقوالهم (¬7)، والحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند الاتفاق: حديث عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من تعار من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد للَّه، وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى؛ قبلت ¬
[23 - 256] تكرر الجماع يكفي فيه غسل واحد
صلاته" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح الذكر الذي هو أعظم من الطعام، للمستيقظ من نومه، ولا يخلو من أن يكون يومًا جنبًا، ومع ذلك لم يأمره عليه الصلاة والسلام بأن يتوضأ، فإباحة الطعام من باب أولى (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حكى ابن سيد الناس، عن ابن عمر أنه واجب (¬3). ولم أجد من يؤكد ذلك، هناك عبارات لعدد من الصحابة والتابعين (¬4) بأن الجنب إذا أراد الطعام فإنه يتوضأ، ولكن ليس فيها التصريح بالإلزام، فهي تحتمل المشروعية فقط، وتحتمل الإلزام أيضًا، ولكن الأظهر -واللَّه تعالى أعلم- أنها ليست للإلزام؛ لأن أحدًا من العلماء لم يذكر ذلك، غير ابن سيد الناس عن ابن عمر، ولم يدعّم دعواه بالنقل عنه، فيبقى الأمر للمشروعية حتى يثبت الإلزام، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق على الأظهر؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 256] تكرر الجماع يكفي فيه غسل واحد: إذا وطئ الرجل المرأة عدة مرات، ولم يغتسل بينها، فيجزئه غسل واحد. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن من وَطِئَ مرارًا امرأةً واحدةً فغسلٌ واحدٌ يجزئ" (¬5). ونقله عنه النووي كما سيأتي. النووي (676 هـ) حيث يقول: "وكذا لو أجنب مرات بجماع امرأة واحدة، أو نسوة، أو احتلام أو بالمجموع؛ كفاه غسل بالإجماع. . . وممن نقل الإجماع فيه أبو محمد بن حزم، واللَّه تعالى أعلم" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والحنابلة (¬9). ¬
[24 - 257] عدم وجوب الغسل لمعاودة الجماع
• مستند الاتفاق: 1 - حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر بالغسل قبل المعاودة، فدل على عدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد" (¬2). • وجه الدلالة: التصريح بأنه اغتسل بغسل واحد، بعد أن طاف على نسائه، وهو يدل بالمطابقة على مسألتنا (¬3)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 257] عدم وجوب الغسل لمعاودة الجماع: إذا أراد الرجل أن يعود لجماع زوجته وهو جنب، فإنه لا يجب عليه الغسل قبل الجماع. والفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة أن الأولى في الإجزاء وعدمه لمن جامع عدة مرات، وأتى بغسل واحد، فلا يجب عليه سوى غسل واحد. أما مسألتنا فتتحدث عن الإلزام بالغسل قبل فعل الجماع. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول بعد ذكر حديث أبي رافع في الاغتسال بعد كل جماع (¬4): "ولم أعلم أحدًا قال به؛ لأنه لا يصح" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "حاصل الأحاديث كلها أنه يجوز للجنب أن ينام، ويأكل، ويشرب ويجامع قبل الاغتسال وهذا مجمع عليه" (¬6). ونقله عنه الشوكاني (¬7). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن الغسل بينهما -الجماعين- ¬
[25 - 258] استحباب الغسل لمعاودة الجماع
لا يجب" (¬1). العيني (855 هـ) حيث يقول عن الغسل بين الجماعين: "أجمع العلماء على أنه لا يجب بينهما، وإنما هو مستحب" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يطوف على نسائه بغسل واحد" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كرر الجماع دون أن يغتسل، مما يدل على عدم وجوب الغسل لمعاودة الجماع (¬5).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 258] استحباب الغسل لمعاودة الجماع: إذا أراد الجنب أن يعاود الجماع، فيستحب له أن يغتسل عند كل معاودة. • من نقل نفي الخلاف: الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬6) يدل على عدم وجوب الاغتسال، على من أراد معاودة الجماع. . . وأما الاستحباب فلا خلاف في استحبابه" (¬7). ويقول أيضًا: "والحديث (¬8) يدل على استحباب الغسل قبل المعاودة، ولا خلاف فيه" (¬9). ¬
[26 - 259] الاغتسال مرتان للمجنب لموجبين مجزئ
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنابلة (¬1)، والشافعية (¬2). أما الحنفية فلم أجد كلامًا لهم في المسألة غير استحباب الغسل للمحتلم قبل المعاودة (¬3). وأما المالكية فلم أجد لهم كلامًا في المسألة سوى أنهم يذكرون استحباب الوضوء قبل المعاودة فقط (¬4). • مستند نفي الخلاف: حديث أبي رافع -رضي اللَّه عنه-، مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف على نسائه في ليلة، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلًا، فقلت: يا رسول اللَّه لو اغتسلت غسلًا واحدًا، فقال: "هذا أطهر وأطيب" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الاغتسال عند كل جماع أطهر وأطيب، وهذا يدل على استحباب هذا الفعل (¬6)، واللَّه تعالى أعلم.Rلم أستطع الوصول لنتيجة ظاهرة، نظرًا لعدم حصولي على كلامٍ لأهل العلم من الحنفية والمالكية في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 259] الاغتسالُ مرَّتانِ للمُجنب لموجِبينِ مجزئ: إذا اجتمع على المسلم سببان يوجبان الغسل، ثم أراد الاغتسال، فاغتسل مرتين، فإن ذلك يجزئه بالاتفاق. هناك من العلماء من قال بوجوب الغسل مرتين (¬7)، فذكر ابن حزم هذه المسألة بناءً ¬
[27 - 260] غسل واحد بنية عن موجبين مجزئ
على عادته في ذكر الإجماع على أقل ما قيل في المسألة. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا إن اجتمع عليه أمران كل واحد منهما يوجب الغسل، فاغتسل لكل واحد منهما غسلًا ينويه به، ثم للآخر منهما كذلك؛ أنه قد طهر، وأدَّى ما عليه" (¬1). وقال: "واتفقوا أن من اجتمع عليه غسلان، كحائض أجنبت أو نحو ذلك، فاغتسل أو اغتسلت غسلين؛ فقد أديا ما عليهما" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). أما الحنفية فلم أجد لهم كلامًا عن المسألة، ولكن وجدت كلامهم في الوضوء بأنه يجزئ من أحداث متعددة (¬6)، وكونه اغتسل عن كل موجب فمجزئ من باب أولى، وهم لا يفرقون بينهما (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. • مستند الاتفاق: كل ما يوجب الغسل من جنابة أو حيض أو جمعة -عند من يوجبه- إذا وقع على المسلم، لزمه الاغتسال بعده، فإذا اجتمع عليه سببان، ثم اغتسل لكلٍّ منهما؛ فقد أتى بالواجب على أكمل وجه، وأتى بما أمر اللَّه تعالى من الاغتسال، فيستدل هنا بما يُستدل به على وجوب الغسل من كل سبب من أسباب وجوب الغسل، ويضاف إليه بأنه اغتسل لكل سبب، ولم يجمعها في نية واحدة، فقد أدى ما عليه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والأصل عدم الخلاف حتى يثبت، خاصة أن المسألة محكية على طريقة الإجماع على أقل ما قيل، واللَّه تعالى أعلم. [27 - 260] غسل واحد بنيةٍ عن موجِبينِ مجزئ: إذا أجنب المسلم لموجبين مختلفين، وأراد الاغتسال، فاغتسل غسلًا واحدًا عن ¬
الاثنين، فيجزئه غسله هذا. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من اغتسل ينوي الغسل للجنابة والجمعة جميعًا، في وقت الرواح؛ أن ذلك يجزئه منهما جميعًا، وأن ذلك لا يقدح في غسل الجنابة، ولا يضره اشتراك النية في ذلك، إلا قومًا من أهل الظاهر شذوا فأفسدوا الغسل إذا اشترك فيه الفرض والنفل، وقد روي مثل هذا في رواية شذت عن مالك" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلًا واحدًا، ونواهما؛ أجزأه، ولا نعلم فيه خلافًا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وكذا لو أجنب مرات بجماع امرأة واحدة أو نسوة أو احتلام أو بالمجموع؛ كفاه غسل بالإجماع، وسواء كان الجماع مباحًا أو زنى، وممن نقل الإجماع فيه أبو محمد بن حزم" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر (¬4)، ومجاهد، ومكحول، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور (¬5)، والحنفية (¬6). • مستند الإجماع: 1 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يغتسل من الجماع إلا اغتسالًا واحدًا، وهو يتضمن التقاء الختانين والإنزال غالبًا؛ فدل على عدم وجوب اغتسالين، وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام (¬7). 2 - أنهما سببان يوجبان الغسل؛ فأجزأ الغسل الواحد عنهما، كالحدث، والنجاسة (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الحسن، والنخعي (¬9)، وابن حزم (¬10)، فقالوا بوجوب غسلين لكل موجب غسل يخصه. ¬
[28 - 261] الغسل واجب من الزنى كالحلال
وحكاه ابن حزم عن جابر بن زيد، والحسن، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والحكم، وطاوس، وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وداود، والظاهرية (¬1). ولا شك أن النووي عندما نقل عن ابن حزم حكايته للإجماع في المسألة وهِمَ في ذلك، والذي حكى فيه الاتفاق هو كما في المسألتين السابقتين فقط، أما مسألتنا فخالف فيها هو. واستدلوا بقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" (¬2)، فقد صح يقينًا أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال، فإذ قد صح ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عمل واحد عن عملين أو عن أكثر (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 261] الغسل واجبٌ من الزِّنى كالحلال: إذا أجنب المسلم من الزنا، فإنه يجب عليه ما يجب من جنابة الحلال، فيغتسل كما يغتسل من الحلال. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الغسل في الإجناب من الزنى واجبٌ، كوجوبه من وطْءِ الحلال" (¬4). ونقله عنه النووي (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وكذا لو أجنب مرات بجماع امرأة. . . كفاه غسلٌ بالإجماع، وسواء كان الجماع مباحًا؛ أو زنى" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية، حيث لم يشترطوا ذلك عند حديثهم عن موجبات الغسل (¬7)، والمالكية كذلك، بل أوجبوا الغسل من وطء البهيمة (¬8)، والزنا من باب أولى، والحنابلة، حيث لم يشترطوا أن يكون الفرج مباحًا، ولم يشيروا لذلك (¬9). ¬
[29 - 262] الإنزال ثانيا للمغتسل بعد البول أو النوم أو المشي لا يوجب الغسل
• مستند الاتفاق: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة وغيرها من أدلة وجوب الغسل من الجنابة، لم تفرق بين الجنابة من الحلال والحرام، بل هي مجملة تحتمل الجميع، ولا تخصيص دون دليل، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 262] الإنزال ثانيًا للمغتسل بعد البول أو النوم أو المشي لا يوجب الغسل: إذا اغتسل من وجب عليه الغسل، بعدما بال أو نام أو مشي، ثم خرج منه مني، فلا يجب عليه الاغتسال ثانيًا. • من نقل الإجماع: الزيلعي (743 هـ) حيث يقول عن المني: "لو خرج بعدما بال أو نام أو مشى؛ لا يجب عليه الغسل اتفاقًا" (¬1). العيني (855 هـ) حيث يقول: "لو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحال. . " (¬2). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "فلو خرج بقية المني بعد البول أو النوم أو المشي؛ لا يجب الغسل إجماعًا" (¬3). وقال بعدها أيضًا: "أن المني الخارج بعد البول لا يوجب الغسل إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء، والزهري، والليث، والثوري (¬5)، والأوزاعي، والحسن (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة على الصحيح من المذهب عندهم، وعلى رواية أنه يجب الغسل إذا خرج المني قبل ¬
[30 - 263] الغسل من المذي لا يجب
البول، دون ما بعده (¬1). • مستند الإجماع: 1 - أن ما يخرج بعد البول أو النوم أو المشي يكون مذيًا، وليس بمني، فيجب الوضوء فقط (¬2). 2 - أن البول والنوم والمشي يقطع مادة الشهوة، وما يخرج من دون شهوة ليس موجبًا للغسل -على القول بعدم وجوب الغسل من الإنزال دون شهوة (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الشافعية (¬4)، وأحمد في رواية عنه (¬5)، أنه يجب الغسل مطلقًا، سواء خرج المني قبل البول أو بعده. وقد حكى العيني كما سبق الخلاف في المسألة، مما يعني أنه يقصد الاتفاق المذهبي. واحتجوا بحديث أم سليم: فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، إذا رأت الماء" (¬6). فمتى رُئِيَ الماء وجب الغسل. وخالف أحمد في رواية أخرى، أنه إن خرج المني بعد البول؛ فيجب الغسل دون ما قبله (¬7). ولم يذكروا دليلًا عليها.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 263] الغسل من المذي لا يجب: خروج المذي من ذكر الرجل غير موجب للغسل، وقد حُكي الإجماع في المسألة. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأجمع المسلمون على أن المذي والودي لا يوجبان الغسل" (¬8). ونقله عنه ابن نجيم (¬9)، وابن قاسم (¬10). ¬
ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "واستُدل بقوله عليه الصلاة والسلام: "توضأ" (¬1) على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصرح بذلك في رواية لأبي داود وغيره، وهو إجماع" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3). العيني (855 هـ) حيث يقول: "الماء من الماء (¬4) عام، يتناول المني والمذي والودي، ولم يكن إجراؤه على العموم؛ لعدم وجوب الغسل في المذي والودي بالإجماع" (¬5). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "لا يجب الغسل بإنزال المذي والودي والبول بالإجماع" (¬6). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول عن حديث علي (¬7): "ودليلٌ على أنه لا يوجب غسلًا، وهو إجماع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬9)، والحنابلة (¬10)، وابن حزم (¬11). • مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت رجلًا مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" (¬12). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمره بالاغتسال، بل أمره بالوضوء وغسل الذكر، ولو كان الاغتسال واجبًا عليه لذكره عليه الصلاة والسلام؛ فدل على عدم وجوبه (¬13). • الخلاف في المسألة: في مسألة ما لا يوجب غسلًا، استثنى ابن حزم الإمذاءَ منها، ما يدل على علمه بوجود خلافٍ في المسألة (¬14). ولعله وهم منه، حيث لم أجد من ذكر خلافًا في المسألة إطلاقا، حتى ابن حزم ¬
[31 - 264] الغسل من الودي لا يجب
نفسه لم يذكر شيئًا (¬1)، فلا حكم لهذه الإشارة حتى نتيقن من الخلاف، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 264] الغسل من الودي لا يجب: خروج الودي من الرجل لا يوجب الغسل، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه إن كان وديًا؛ لا غسل عليه" (¬3)، يريد ما يراه المستيقظ من الاحتلام. النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأجمع المسلمون على أن المذي والودي لا يوجبان الغسل" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). العيني (855 هـ) حيث يقول: "الماء من الماء عام، يتناول المني والمذي والودي، ولم يكن إجراؤه على العموم؛ لعدم وجوب الغسل في المذي والودي بالإجماع" (¬6). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "لا يجب الغسل بإنزال المذي والودي والبول بالإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: الودي سائل لا يخرج إلا بعد البول، فهو بول غليظ يأخذ حكم البول، والبول لا يوجب الغسل إجماعًا، وهو نوع منه (¬11).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة (¬12)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[32 - 265] الغسل من البول لا يجب
[32 - 265] الغسل من البول لا يجب: تبوُّلُ الإنسان غير موجبٍ للغسل بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "لا يجب الغسل بإنزال المذي والودي والبول بالإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: كل ما يذكر في كون البول ناقضًا للوضوء (¬5) يدل لمسألتنا، فالنصّ أتى بالأمر بالوضوء منه، ولم يأتِ بالأمر بالغسل، ولا يجب الغسل حتى يأتي دليل يدل لذلك، وهو غير موجود، فإذًا الغسلُ من البول غير واجب، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [33 - 266] الغسل من الكتابية كالمسلمة: جماع المسلم للكتابية كجماعه للمسلمة، فيغتسل منها كاغتساله من المسلمة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على جواز نكاح الكتابية، وأن لا غسل على زوجها منها إلا كما هو عليه من المسلمة" (¬6). • الموافقون على الإجماع: بعد طول بحث عن كلام للعلماء في المسألة؛ لم أجد من ذكرها بنصها غير ابن عبد البر، ولم أجد من خالفها، حيث من مقتضى كلامهم عدم التفريق في حكم الاغتسال من الجماع بين المسلمة والكافرة، ولو كانوا يفرقون لذكروه (¬7). ¬
[34 - 267] الغسل من الإغماء بعد الإفاقة لا يجب
• مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمر بالطهارة من الجنابة، ولم يفرق بين المسلمة وغيرها، مع الحاجة لذلك لو كان هناك فرق، فحيث لم يفرق تبين من العموم أن الحكم واحد، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كان لديهم إماء كتابيات، ولم يذكر عن أحد منهم أنه فرق في الاغتسال بين الكتابية والمسلمة، فدل على عدم التفريق، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، مع عدم الجزم بذلك، واللَّه تعالى أعلم. [34 - 267] الغسل من الإغماء بعد الإفاقة لا يجب: إفاقة المسلم من الإغماء لا يوجب عليه الغسل، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وليس في اغتسال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الإغماء - دليل على أن ذلك واجب، إذ لو كان واجبًا لأمر به، فالوضوء واجب لإجماع أهل العلم عليه، والاغتسال يستحب لفعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬1). وليس في الكلام السابق إجماع في مسألتنا، ولكن نقل عنه ابن قدامة (¬2)، والنووي (¬3) حكايته للإجماع في مسألتنا، ولم أجد سوى هذه العبارة. ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه، إذا أفاقا من غير احتلام، ولا أعلم في هذا خلافًا" (¬4). ابن الصباغ (477 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته إجماع العلماء على أن الغسل لا يجب على المغمى عليه (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، وابن حزم (¬8). ¬
[35 - 268] الغسل من الجنون إذا أفاق لا يجب
• مستند الإجماع: أن زوال العقل بالإغماء ليس موجبًا للغسل في نفسه، وإنما يخشى من أن يحدث إنزال بالاحتلام، ووجود الإنزال مشكوك فيه، فلا نزول عن اليقين بالشك، فنبقى على الأصل وهو عدم إيجاب الغسل (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه عندهم، بأن الغسل عليه واجب (¬2). ولكن وصفه النووي بالشذوذ والضعف (¬3). وهو رواية من أحمد (¬4). ولم يذكروا دليلًا، غير أنهم يشيرون إلى احتمال الإنزال بالاحتلام (¬5).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [35 - 268] الغسل من الجنون إذا أفاق لا يجب: إفاقة المسلم من الجنون لا يوجب عليه الغسل. والمسألة مع عدم احتمال الاحتلام، أما مع احتماله، أو وقوعه؛ فهي مسألة أخرى لن أتطرق إليها. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ولا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه، إذا أفاقا من غير احتلام، ولا أعلم في هذا خلافًا" (¬6). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان (¬7)، والحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية في الأصح (¬10)، والحنابلة على المشهور (¬11)، وابن حزم (¬12). • مستند نفي الخلاف: 1 - إيجاب الغسل من الجنون تكليف، والتكليف لا يثبت إلا بدليل، ولا دليل على هذا الإيجاب، فيبقى الأصل، وهو عدم وجوبه، واللَّه أعلم. ¬
[36 - 269] الغسل من العاصي لا يجب
2 - أن المجنون إذا أفاق، ولم يجد ما يحتمل كونه منيًّا، أو يشتبه بأنه احتلم؛ لم يحصل شيء موجب للغسل، فالغسل لا يجب حتى يتيقن خروج المني، والقواعد تقتضي أن لا تنتقض الطهارة إلا بتيقّن الحدث (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه عندهم، بأن الغسل عليه واجب (¬2). ولكن وصفه النووي بالشذوذ والضعف (¬3). وهو رواية من أحمد أيضًا (¬4). ولم أجد لهم استدلالًا إلا أنهم يشيرون للإنزال من المجنون. وقد قال الشافعي: "وقد قيل: قلما جُنَّ إنسان إلا أنزل، فإن كان هذا هكذا؛ اغتسل المجنون للإنزال، وإن شك فيه؛ أحببت له الاغتسال احتياطًا، ولم أوجب ذلك عليه حتى يستيقن الإنزال" (¬5).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [36 - 269] الغسل من العاصي لا يجب: إذا وقع من المسلم معصية، كالقتل؛ أو ترك الصلاة؛ أو غيرها، مما لم يأت فيها دليل خاص بوجوب الغسل بعدها، فهي غير موجبةٍ للغسل. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول رادًّا على من قاس الوطء في الدبر على الوطء في الفرج: "قيل له: بل هو معصية، فقياسها على سائر المعاصي من القتل وترك الصلاة أولى، ولا غسل في شيء من ذلك بإجماع" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬7). ولم أجد من نص على هذه المسألة من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أنهم لا يذكرون وجوب الغسل من المعاصي في موجبات الغسل، ولم أجد من ذكر ذلك بعد طول بحث (¬8). ¬
[37 - 270] الغسل من مس الحرير لا يجب
• مستند الإجماع: 1 - الأدلة جاءت بما يوجب الغسل، كوجوبه من الإيلاج؛ أو التقاء الختانين وغير ذلك، وسكتت عن الباقي، مما يعني أنه لا يوجب الغسل غيرُ ما ذكر، وبما أن المعاصي لم يأت ما يدل على إيجابها للغسل، فتكون إذًا غير موجبة له، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن عددًا من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- وقع منهم معاصٍ، ولم يأت ما يدل على أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرهم بالغسل، فدل على عدم وجوبه منها، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [37 - 270] الغسل من مس الحرير لا يجب: مس المسلم للحرير لا يوجب عليه الاغتسال بالإجماع. • من نقل الإجماع: المزني (264 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن من مسَّ حريرا؛ أو ميتة ليس عليه وضوء، ولا غسل" (¬1). نقله النووي، وقال: "هذا كلام المزني، وهو قوي، واللَّه تعالى أعلم" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). هذا ما يفهم من كلامهم، وإلا فلم أجد لهم نصًّا في مسألتنا. • مستند الإجماع: النساء في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كنَّ يلبسن الحرير، وكان بعض الرجال يلبسونه للحاجة، ومع ذلك لم يأتِ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أمر بالاغتسال من مَسِّهِ، مما يدل على عدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[38 - 271] الغسل من مس الميتة لا يجب
[38 - 271] الغسل من مس الميتة لا يجب: إذا مسّ مسلم ميتة، فإنه لا يجب عليه الغسل من ذلك (¬1). • من نقل الإجماع: المزني (264 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن من مس حريرًا؛ أو ميتة ليس عليه وضوء، ولا غسل" (¬2). نقله النووي وقال: "هذا كلام المزني، وهو قوي، واللَّه تعالى أعلم" (¬3). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على مسألتنا، ولم أجد مخالفًا فيها، إلا أنني وجدت أنهم يذكرون الاغتسال من غسل الميت فقط، ولم يشيروا إلى الغسل من مس الميتة، مما يشير إلى عدم ورود الخلاف في مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم (¬4). • مستند الإجماع: الوجوب الشرعي لا يأتي إلا من اللَّه تعالى أو من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يرد في وجوب الغسل من مس الميتة نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فيبقى على الأصل، وهو أنه لا يجب فيه غسل؛ حتى يأتي نص، واللَّه تعالى أعلم (¬5).Rأن الإجماع متحقق على الظاهر؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [39 - 272] الماء المجزئ في الغسل غير مقدر: هذه المسألة مبحوثة بعنوان: (الماء المجزئ في الطهارة غير مقدر) في باب صفة الوضوء، ولا فرق في الحديث عنها في البابين، واللَّه تعالى أعلم. [40 - 273] إجزاء الاغتسال بالصاع: إذا اغتسل الجنب بصاعٍ من الماء، فقد أجزأه ذلك، وكان آتيًا بالسنة. ¬
[41 - 274] النهي عن الإسراف في الماء عند الغسل
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ليس فى حصول الإجزاء بالمد في الوضوء، والصاع في الغسل خلافٌ نعلمه" (¬1). • الموافقون على نفى الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - عن سفينة -رضي اللَّه عنه-، أنه قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد" (¬5). 2 - عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" (¬6). • وجه الدلالة: الحديثان يدلان على المسألة بالمطابقة من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي أقوى أنواع الدلالات لدى الأصوليين على المسألة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [41 - 274] النهي عن الإسراف في الماء عند الغسل: وهذه المسألة مبحوثة في باب صفة الوضوء بعنوان: (النهي عن الإسراف في الماء عند الطهارة). [42 - 275] استحباب التيامن في الغسل: إذا أراد المسلم الاغتسالَ، فيستحب له أن يبدأ بميامنه في اغتساله. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول عن سنن الغسل: "منها؛ استصحاب النية إلى آخر الغسل، والابتداء بالأيامن، فيغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر، وهذا متفق على استحبابه" (¬7). والأظهر أن النووي يقصد الاتفاق المذهبي، كما يدل عليه السياق، واللَّه أعلم. ¬
[43 - 276] إجزاء الانغماس في الماء للغسل
الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬1) يدل على استحباب البداءة بالميامن، ولا خلاف فيه" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة؛ دعا بشيء نحو الحلاب (¬7)، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بدأ بشق رأسه الأيمن، وهذه سنة فعلية منه عليه الصلاة والسلام (¬9). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يحب التيمن فى شأنه كله، والغسل من شأنه عليه الصلاة والسلام (¬11).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [43 - 276] إجزاء الانغماس في الماء للغسل: إذا وقع من يجب عليه الغسل في ماءٍ؛ أو وقف تحت ميزابٍ، ونوى الغسل، فإن ¬
ذلك يجزئه (¬1). • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أهل العلم، وقالوا: إنِ انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ؛ أجزأه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق" (¬2). نقل ابن حزم عمَّن يرى وجوب التدلّك (¬3) للغسل قوله: "واحتج من رأى التدلك فرضًا؛ بأن قال: قد صح الإجماع على أن الغسل إذا تدلك فيه، فإنه قد تم، واختلف فيه إذا لم يتدلك، فالواجب أن لا يجزئ زوال الجنابة إلا بالإجماع" (¬4). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "إذا عم المرء نفسه بالماء أجزأه إجماعًا، إلا أن الأفضل له أن يمتثل فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمعوا أن الجنب إذا انغمس في النهر، وتدلك فيه للغسل؛ أن ذلك يجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيديه إليه، ولا صبه عليه، وكذلك الوضوء، ولا يلزم نقل الماء إلى العضو". نقله عنه الموّاق (¬6)، والحطاب (¬7)، ويلاحظ أنه قيده بالدَّلْك. النووي (676 هـ) حيث يقول: "الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء؛ أو وقف تحت ميزاب ونوى؛ صح وضوؤه وغسله" (¬8). وقال في موضع آخر: "مذهبنا أن دلك الأعضاء في الغسل وفي الوضوء سنة ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصل به، ولم يمسه بيديه؛ أو انغمس في ماء كثير؛ أو وقف تحت ميزاب؛ أو تحت المطر؛ ناويًا، فوصل شعره وبشره؛ أجزأه وضوؤه وغسله، وبه قال العلماء كافة؛ إلا مالكًا والمزني، فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء" (¬9). ¬
والاستثناء الذي ذكره لا ينقض مسألتنا؛ إذ هو في التفصيلات، واشتراط الدلك. الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "كما أن الجنب إذا انغمس في نهر، وتدلك؛ فإنه يجزئه اتفاقًا" (¬1). ويلاحظ أنه قيده بالدَّلْك أيضًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع في إجزاء الانغماس في الغسل سفيانُ الثوري، والأوزاعي، وداود (¬2)، والحنفية باستثناء أبي يوسف (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة، ولكن بشرط أن يكون جاريًا؛ أو يتحرك قليلًا في الراكد، ويمسح رأسه، ويغسل قدميه بعده (¬5)، وابن حزم فيما عدا غسل الجنابة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره بإمساس الماء، ولم يأمره بإمرار اليد، فدل على كفاية إمساس الماء، كما في مسألتنا (¬8). 2 - أن الانغماس غسل، فلا يجب إمرار اليد فيه؛ كغسل الإناء من ولوغ الكلب، حيث لا يجب فيه إمرار اليد، بل يكفي فيه الغسل (¬9). 3 - أن الانغماس في الماء مع إمرار اليد على الأعضاء هو تمامٌ للغسل، وإتيان بالأمر بالاغتسال، فيطلق عليه أنه اغتسل بالماء وتدلك، فكان ذلك مجزئا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أبو يوسف، واشترط الصبَّ لإسقاط الفرض (¬10). ولم أجد له دليلًا. وخالف ابن حزم في غسل الجنابة فقط، وقال: يجب عليه أن ينوي تقديم رأسه قبل ¬
[44 - 277] اشتراط جريان الماء على الأعضاء في الغسل
جسده (¬1). واستدل (¬2) بقوله عليه الصلاة والسلام لأم سلمة: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين" (¬3). وقد سبق ذكر خلاف الحنابلة في إجزاء الانغماس عن الوضوء، وهي أقوال جارية هنا، فتراجع هناك (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [44 - 277] اشتراط جريان الماء على الأعضاء في الغسل: إذا مسح الجنبُ بدنَه، ولم يجرِ الماء عليه، فلا يكفي ذلك في غسله، ولا ترتفع جنابته. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الجنب لو مسح بدنه بالماء، وكرر ذلك؛ لا ترتفع جنابته، بل يشترط جري الماء على الأعضاء" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن الطهارة من التطهير، وهو لا يكون بمجرد المسح. 2 - قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن الاغتسال المأمور به ظاهر فى الاستغراق بالاغتسال، وهو لا يكون بالمسح وحده (¬9). ¬
[45 - 278] مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [45 - 278] مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل: يشرع للمغتسل أن يخلل شعره بالماء، وقد نفى الشوكاني حفظه لمخالف في ذلك. • من نقل الإجماع: ابن بطال (449 هـ) حيث نقل عنه العيني (¬1) حكايته الإجماع على تخليل شعر الرأس". أي: على مشروعيته. الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬2) يدل على مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل، ولا أحفظ فيه خلافًا" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أسماء -رضي اللَّه عنها-، أنها سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن غسل الجنابة، فقال: "تأخذ ماءً، فتطهَّر، فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون (¬9) رأسها، ثم تفيض عليها الماء" (¬10). • وجه الدلالة: قوله عليه الصلاة والسلام: "فتدلكه حتى تبلغ شؤون. . . " فالدلك للشعر نوع من التخليل، وبلوغ شؤون الرأس لا يكون إلا بالتخليل (¬11)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[46 - 279] استحباب غسل البدن ثلاثا في الغسل
2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يخلل بيديه شعره؛ حتى يظن أنه قد أروى بشرته، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة (¬2).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [46 - 279] استحباب غسل البدن ثلاثًا في الغسل: إذا أراد المسلم الاغتسال، فإنه يستحب له أن يغسل بدنه ثلاثًا. • من نقل نفي الخلاف: أبو علي السنجي (427 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر بعد نقله حكاية النووي للإجماع في المسألة، حيث قال: "وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). القرطبي (656 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر (¬5) بعد نقله عن النووي والسنجي، فقال: "وكذا قال القرطبي" (¬6). ونقله عنه الشوكاني (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول عن التثليث في غسل البدن في الوضوء: "فإذا استحب فيه الثلاث؛ ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهذا شاذ متروك" (¬8). وظاهر من كلام النووي أنه يريد بعدم الخلاف أي: في المذهب الشافعي، ويؤكد ¬
ذلك أنه لم يذكر شيئًا من ذلك عند بحثه للمسألة في "المجموع"، بل قال: "المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، . . " (¬1)، ثم ذكر مسألتنا، وهذا لفظ صريح بوجود الخلاف، ثم أخذ ينقل عن فقهاء المذهب الشافعي، ولم يتطرق لغيرهم، إلا أن ابن حجر والشوكاني كأنهما لم يريانِ كلامه هكذا، واللَّه تعالى أعلم. ونقله عنه ابن حجر (¬2)، والشوكاني (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬4)، والحنابلة على الصحيح عندهم (¬5). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، في وصف غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَنَ على رأسه ثلاث حفنات. . . " (¬6). • وجه الدلالة: فى قولها: "ثلاث حفنات"، فهذه سنة فعلية منه عليه الصلاة والسلام (¬7). 2 - حديث جبير بن مطعم -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه ذُكر عنده الغسل من الجنابة، فقال: "أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفرغ على رأسه ثلاث مرات في الغسل، وهذه سنة فعلية (¬9). • الخلاف في المسألة: نقل النووي عن الماوردي خلافه في المسألة كما سبق، ولم أجده (¬10)، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الحنابلة في قولٍ، بأنه يغسل مرةً سابغة فقط (¬11). ¬
[47 - 280] بقاء أثر خضاب الحائض بعد الغسل لا يضر
ولم يذكروا دليلًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [47 - 280] بقاء أثر خضاب الحائض بعد الغسل لا يضر: إذا خضبت الحائض نفسها بخضاب يبقى أثره في اليد بعد غسله، فإنه يجوز لها ذلك. وهذا بشرط أن لا يكون متجسدًا، يمنع وصول الماء إلى بشرتها. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن للحائض أن تخضب يدها بخضاب يبقى أثره في يدها بعد غسله" (¬1). نقله عنه النووي (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها- "أنها أخرجت شعرًا من شعر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مخضوبًا" (¬7). • وجه الدلالة: أن الحناء كان يخضب به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو لا يذهب أثره إلا بعد أيام، ومع ذلك فقد خَضَب به عليه الصلاة والسلام، ولم يأمرْ بتركه، مما يدل على أنه لا يؤثر بقاء أثره، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الخضاب كان مشهورًا في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم ينه عنه عليه الصلاة والسلام، مع أنه يبقى أثره بعد غسله لأيام، مما يدل على جواز وضعه، وأنه لا يمنع الوضوء، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[48 - 281] الجنابة تحل في جميع البدن
Rأن الإجماع متحقق (¬1)؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [48 - 281] الجنابة تحل في جميع البدن: إذا أجنب المسلم، فإن الجنابة تحل في جميع بدنه؛ حتى يغتسل. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمعوا أن الجنابة تحل جميع البدن" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر" (¬6). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث فيه أن الجنابة تحت كل شعرة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الوطء الذي هو سبب الجنابة لا يكون إلا باستعمالٍ لجميع ما في البدن من القوة، حتى يضعف الإنسان بالإكثار منه، ويقوى بالامتناع، فإذا أخذ الموجبُ للجنابة جميعَ البدن؛ حَلَّت الجنابة في جميعه (¬7).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[49 - 282] وجوب غسل جميع البدن في الجنابة
[49 - 282] وجوب غسل جميع البدن في الجنابة: إذا أجنب المسلم، فإنه يجب عليه أن يغسل جميع بدنه من الجنابة، وعلى ذلك حكى الصنعاني الإجماع. • من نقل الإجماع: الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬1) دليل على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة، ولا يعفى عن شيء منه، قيل: وهو إجماع إلا المضمضة والاستنشاق، ففيها خلاف" (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "يدلك بدنه بيديه ليتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه"، قال: "إجماعًا" (¬3)، وهو يريد قوله: "وجميع بدنه". • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر" (¬7). • وجه الدلالة: الحديث يدل على أن الجنابة تحل في جميع البدن، ثم أمر بالغسل والإنقاء بعدها، مما يدل على وجوب تعميم الجسد (¬8)، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أحاديث وصف غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيث فيها أنه عمم جميع جسده بالماء، ومتابعته عليه الصلاة والسلام في الفرائض من الواجبات، فدل على وجوب التعميم، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[50 - 283] جواز الذكر للجنب
[50 - 283] جواز الذِّكر للجنب: إذا أراد الجنب أن يذكر اللَّه تعالى، قبل أن يغتسل، فإنه يجوز له ذلك. • من نقل الإجماع: البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه يجوز لهما (¬1) ذكر اللَّه تعالى بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول عن الجنب والحائض والنفساء: "فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر اللَّه تعالى، ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم، ولا يمكنهم التحرز من هذا" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على جواز التسبيح، والتهليل، والتكبير، والتحميد، والصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وغير ذلك من الأذكار، وما سوى القرآن للجنب والحائض، ودلائله مع الإجماع في الأحاديث الصحيحة مشهورة" (¬4). ويقول: "أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وذلك في التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والدعاء، وغير ذلك" (¬5). ونقله عنه الشوكاني (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكر اللَّه على كل أحيانه" (¬10). • وجه الدلالة: ومن أحيانه عليه الصلاة والسلام أنه يكون جنبًا، فدل على جواز الذكر للجنب بالسنة الفعلية (¬11). ¬
2 - حديث عمرو بن عبسة -رضي اللَّه عنه-، يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من امرئ مسلم يبيت طاهرًا على ذكر اللَّه، فيتعار من الليل، يسأل اللَّه تعالى شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه" (¬1). • وجه الدلالة: السؤال في الحديث من الذكر، وهو هنا يذكر اللَّه تعالى بعد النوم، فهو على غير طهارة وقد يكون جنبًا، ولو كان الذكر للجنب ممنوعًا لنبَّه عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ فدل ذلك على جواز الذكر للجنب (¬2). • الخلاف في المسألة: ذكر الطحاوي رحمه اللَّه قولًا عن قومٍ، أنهم قالوا: لا ينبغي لأحد أن يذكر اللَّه تعالى إلا وهو على طهارة (¬3). ولكن لم يبين قولهم؛ هل هو للكراهة أو التحريم، فاللفظ محتمل للاثنين. واستدلوا (¬4) بحديث المهاجر بن قنفذ -رضي اللَّه عنه-، أنه سلم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يتوضأ، فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه؛ قال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك؛ إلا أني كرهت أن أذكر اللَّه عز وجل إلا على طهارة" (¬5). وذكر قولًا آخر، بأنه حتى السلام لا يرده إلا على طهارة، فإذا لم يكن كذلك تيمم، ثم يرد السلام، وما سوى السلام؛ فقالوا مثل مقالة القول السابق (¬6). واستندوا إلى الحديث الذي فيه: "أن رجلا سلم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يبول، فلم يرد عليه حتى أتى حائطًا فتيمم" (¬7)، وعددٍ من الآثار عن السلف (¬8). ¬
[51 - 284] استحباب الغسل في يوم الجمعة
Rلم أستطع الوصول إلى معرفة القائلين الذين ذكرهم الطحاوي (¬1)، ولكن ذكره للقول وأدلته يدل على شهرته، والأصل عدم وقوع الإجماع حتى يتأكد من ذلك، فالأظهر أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [51 - 284] استحباب الغسل في يوم الجمعة: إذا أراد المسلم أن يذهب للجمعة، فيستحب له أن يغتسل للصلاة. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين، ويتطيب، لا خلاف في استحباب ذلك" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث سلمان الفارسي -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج لا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (¬7). 2 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم" (¬8). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديثين.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[52 - 285] الاغتسال بعد الجمعة لا يحقق السنة
[52 - 285] الاغتسال بعد الجمعة لا يحقق السنة: إذا اغتسل مسلم بعد الجمعة، وقبل الغروب، ونوى ذلك غسلًا للجمعة، فإنه لا يعتبر مؤديًا للسنة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن من اغتسل بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة؛ فليس بمغتسل للسنة، ولا للجمعة، ولا فاعل لما أُمر به" (¬1). ونقله عنه الشوكاني (¬2). قاضي خان (592 هـ) حيث يقول: "أنه لو اغتسل -أي: للجمعة - بعد الصلاة؛ لا يُعتبر بالإجماع" (¬3)، أي: لا يُعتبر أدى السنة في غسل الجمعة. نقله عنه ابن نجيم (¬4)، والحصكفي (¬5). أبو بكر محمد بن الفضل (381 هـ) حيث يقول: "والاغتسال للصلاة لا لليوم؛ لإجماعهم على أنه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر". نقله عنه الزيلعي (¬6)، وداماد (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" (¬10). وجه الدلالة من وجهين: 1 - أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة، والمقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة (¬11). 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط الأمر بالغسل بالمجيء؛ فإذا فات الغسل قبل المجيء؛ لم ¬
[53 - 286] غسل العيدين مستحب
يحصل تحقيق الأمر، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف داود، وابن حزم في المسألة، وقالوا: لو اغتسل قبل الغروب أجزأ (¬1). وهو قول إبراهيم النخعي (¬2)، وهو محكي عن الحسن بن زياد حيث يقول: إن الغسل لليوم وليس للصلاة، فجعلوا قوله في مسألتنا مخالفًا للجمهور (¬3)، إلا أن ابن نجيم رجح أنه يشترط كونه قبل الصلاة (¬4). واستدلوا بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "حق اللَّه على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام" (¬5). فالأمر في الحديث لليوم وليس للصلاة (¬6).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [53 - 286] غسل العيدين مستحب: إذا جاء يوم العيد، فإنه يستحب للمسلم الاغتسال (¬7). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول عن غسل العيدين: "واتفق الفقهاء على أنه حسن لمن فعله" (¬8). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين" (¬9). النووي (676 هـ) حيث يقول: "ومن الغسل المسنون؛ غسل العيدين، وهو سنة ¬
[54 - 287] عدم وجوب الغسل للصلاة على المستحاضة
لكل أحد بالاتفاق، سواء الرجال والنساء والصبيان" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنهم-، وابن أبي ليلى، وابن المسيب، ومجاهد، والحسن (¬2)، وعلقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وابن المنذر (¬3)، والحنفية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان يغتسل يوم الفطر والأضحى" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغتسل فى العيدين -على فرض صحة الحديث- وهذه سنة فعلية، تدل على الاستحباب (¬7). 2 - أن العيد يوم يجتمع الناس فيه للصلاة، فاستحب الاغتسال فيه؛ قياسًا على يوم الجمعة (¬8).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [54 - 287] عدم وجوب الغسل للصلاة على المستحاضة: إذا استُحيضت المرأة، وأرادت أن تصلي، فلا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: الخطابي (388 هـ) حيث يقول عن المستحاضة: "اتفق العلماء على عدم وجوب الغسل إلا أن تشك" (¬9). نقله عنه القرافي (¬10). ¬
القرافي (684 هـ) حيث يقول عن استحباب الوضوء للمستحاضة وعدم استحباب الغسل: "لأن ترك الغسل متفق عليه، وإنما الخلاف في الوضوء" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن المسيب فيما حُكي عنهم (¬2)؛ كما وافق الحنفية (¬3)، والحنابلة على المذهب (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش -رضي اللَّه عنها-، سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر المستحاضة بأن تغتسل لكل صلاة، ولو كان واجبًا لبينه لها عليه الصلاة والسلام. وفي رواية للحديث السابق: "وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها بغسل الدم، ثم الصلاة، ولم يأمرها بالاغتسال لكل صلاة، مما يدل على عدم وجوبه، والروايتان تدلان على أن الواجب هو أن تغتسل بعد انتهاء فترة الحيض، ثم تتوضأ لكل صلاة (¬8)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف علي، وابن عباس في رواية عنهما (¬9)، وابن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء (¬10)، والنخعي، وابن المسيب (¬11)، والحنابلة في رواية (¬12)؛ فقالوا: يجب الغسل لكل صلاة. واستدلوا بحديث أم حبيبة بنت جحش "أنها استحيضت في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمرها بالغسل لكل صلاة" (¬13). ¬
وخالف ابن عمر، وأنس -رضي اللَّه عنهما-، وابن المسيب، في رواية عنهم (¬1)، وسالم بن عبد اللَّه (¬2)، فقالوا: تغتسل كل ظهرِ يوم. ولم يذكروا لهم دليلًا.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب التاسع: مسائل الإجماع في باب التيمم
الباب التاسع: مسائل الإجماع في باب التيمم [1 - 288] مشروعية التيمم: إذا أراد إنسان فعل شيء يجب له الوضوء، ولم يكن لديه ماء، فإنه يشرع له التيمم بدلًا عن الماء، وعلى هذا إجماع المسلمين. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (¬1) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، مريضٌ؛ أو مسافر، وسواء كان جنبًا؛ أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء أو الخوف من استعماله" (¬4). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائزٌ، عُرف جوازه بالكتاب والسنة والإجماع" (¬5). وقال بعدها: "وعليه إجماع الأمة" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وهو -التيمم- جائز بالكتاب والسنة والإجماع" (¬7). ¬
[2 - 289] التيمم يكون بالوجه واليدين
وقال بعدها: "وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (¬2). ابن الملقن (804 هـ) حيث يقول: "وهو ثابت بالكتاب والسنة الشهيرة والإجماع" (¬3). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "ولا يَرِد كون مسح الخف بدلًا عن غسل الرجل؛ لأن الرخصة فيه -أي: التيمم- ثبتت بالإجماع" (¬4). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "وانعقد الإجماع على مشروعيته" (¬5). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] (¬6) إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع" (¬7). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع" (¬8). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر في الآية الكريمة أن من لم يجد الماء؛ فعليه بالتيمم، وهذا يدل لمسألتنا بالمطابقة. وأما من السنة؛ فالأحاديث كثيرة جدًّا، سيأتي عدد منها في المسائل القادمة، وهي تدل لتلك المسائل، ولمسألتنا بدلالة التضمّن.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 289] التيمم يكون بالوجه واليدين: أعضاء التيمم التي لا يجزئ التيمم إلا بها هي الوجه واليدان، وعليه حُكي ¬
الإجماع (¬1). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن مسحَ بعض الوجه غيرِ معين، وبعضِ الكفين كذلك، بضربة واحدة في التيمم فرضٌ" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين" (¬3)، أي: في التيمم. النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين، سواء تيمم عن الحدث الأصغر؛ أو الأكبر، سواء تيمم عن كل الأعضاء؛ أو بعضها" (¬4). ونقل عبارته ابن قاسم دون إشارة (¬5). ابن الملقن (804 هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولكنه لم يُشِرْ لذلك (¬6). الخطيب الشربيني (977 هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولم يُشِرْ لها أيضًا (¬7). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "مسح اليدين فرض إجماعًا" (¬8)، أي في التيمم. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر عند التيمم بمسح الوجه واليدين، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة. 2 - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت؛ فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك، ¬
[3 - 290] عدم مسح الكفين إلى الزندين في التيمم غير جائز
فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عندما وصف التيممَ لعمار -رضي اللَّه عنه-؛ لم يُعمِل سوى يديه ووجهه؛ فدل على أنهما عضوا التيمم، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 290] عدم مسح الكفين إلى الزندين في التيمم غير جائز: الزند: عظمات الساعد، وهو ما انحسر عنه اللحم من الذراع (¬2). فاليدان في التيمم هي من الكفين إلى الزندين، ولا يجوز التقصير عن ذلك في المسح، كما قال ابن جرير. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "والصواب من القول في ذلك أن الحد الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزندين؛ لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز" (¬3). ثم قال: "وقد أجمع الجميع على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية على المشهور (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. ¬
[4 - 291] مسح الأذنين غير لازم في التيمم
• وجه الدلالة: أن الباء في {بِوُجُوهِكُمْ} زائدة، فصار كأنه قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه، فيجب تعميمهما، كما يجب تعميمهما بالغسل؛ لقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] (¬1). 2 - أن الأمر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه واليد، وأنه يعم الكل، ولأن التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الركن، فكذا في البدل، فوجب استيعاب الكل، وعدم الاقتصار على أقل من الكف كاملًا (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف سليمان بن داود، وابن حزم (¬3)، فقالوا: بعدم وجوب الاستيعاب للكفين. قالوا: لأن الأمر لا يقتضي لغةً الاستيعاب، فيجزئ الاقتصار على البعض. وخالف أبو حنيفة في رواية (¬4)، فقال بأنه إذا يمم الأكثر من اليد جاز. ووجهه: أن هذا مسح، فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس (¬5).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [4 - 291] مسح الأذنين غير لازم في التيمم: إذا أراد المسلم أن يتيمم، فإنه لا يلزمه مسح الأذنين في التيمم، وعليه حكى النووي الإجماع. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولأن الإجماع منعقد على أن المتيمم لا يلزمه مسحهما -الأذنين-" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة ¬
[5 - 292] جواز التيمم عن الحدث الأصغر
فأجنبت؛ فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف التيمم لعمار، وليس فيه مسح الأذنين، مما يدل على عدم لزومه، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 292] جواز التيمم عن الحدث الأصغر: إذا أحدث المسلم حدثًا أصغر، ولم يجد ماء، فإنه يجوز له أن يتيمم. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (¬2) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، . . .، وسواء كان جنبًا أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (¬4). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائزٌ، عُرف جوازه بالكتاب والسنة والإجماع" (¬5). والحدث ينصرف على الأقل على الأصغر. ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن هذه الطهارة -التيمم- هي بدلٌ من هذه الطهارة الصغرى" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "وذلك لأن التيمم للحدث ¬
[6 - 293] التيمم عن الفريضة يجزئ عن النافلة
ثابت بالنص والإجماع" (¬1). ونقله عنه العيني (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فيجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع" (¬3). شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) حيث يقول: "يجوز التيمم للحدث الأصغر بغير خلاف علمناه؛ إذا وجدت الشرائط" (¬4). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر من الأسباب المبيحة للتيمم الغائطَ، وهو موجب للحدث الأصغر، فدل على أن التيمم يجوز للحدث الأصغر، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 293] التيمم عن الفريضة يجزئ عن النافلة: إذا تيمم المسلم عن الفريضة، فإنه يجوز له أنه يصلي بتيممه هذا النافلة، سواء كانت بعدها أو قبلها. • من نقل الاتفاق: البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل قبلها وبعدها" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬6)، والشافعية على الصحيح (¬7)، والحنابلة على المذهب (¬8). • مستند الاتفاق: أن فعل النافلة تطوع، فيباح له فعلها إذا نوى الفرض تبعًا، كالسنن الراتبة، وكما أنه يباح له التنفل بعد الفرض، فقبلها أيضًا (¬9). ¬
[7 - 294] بطلان طهارة التيمم بوجود الماء
• الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه (¬1)، بأنه لا يستبيح النافلة بهذا مطلقًا. ولم يذكروا دليلًا لهذا؛ إلا أنه يمكن أن يقال: بأن نية التيمم كانت للفرض، وهو عن بدل وهو الوضوء، وليس أصلًا، فلم يبح بهذه النية إلا ما نُوي لها. وخالف المالكية (¬2)، والشافعية في قول (¬3)، وأحمد في رواية (¬4)، فقالوا: لا يتطوع قبل الفريضة بنافلة إلا الراتبة. واستدلوا بأن النفل تبع للفرض، فلا يتقدم المتبوع (¬5). وخالف الحنابلة في وجه (¬6)، فقالوا: بأن كل نافلة تحتاج إلى تيمم. ولم يذكروا دليلًا لهذا؛ إلا أنه يمكن أن يقال فيه ما قيل في دليل القول الأول.Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، ومن العجيب أن البغوي شافعي والخلاف فى مذهبه أشهر، ولكن لعلها سهو منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 294] بطلان طهارة التيمم بوجود الماء: إذا تيمم المسلم، ثم وجد الماء، فإنه ينتقض تيممه ويلزمه حينئذ الوضوء بالماء. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة؛ أن طهارته تُنقض، وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي" (¬7). وقال: "وأجمعوا على أنه إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت؛ فلم يصلّ، ثم صار إلى مكان فيه ماء؛ أن عليه أن يعيد (الطهارة) (¬8)؛ لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت ¬
طهارته" (¬1). ونقله النووي عنه (¬2)، والشربيني (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء أن من تيمم بعد أن طلب الماء؛ فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة؛ أن تيممه باطل، لا يجزيه أن يصلي به، وأنه قد عاد بحاله قبل التيمم" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المحدث إذا تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة؛ أنه يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء قبل الدخول" (¬5). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "فإن وجده -الماء- قبل الشروع في الصلاة؛ انتقض تيممه عند عامة العلماء" (¬6). وقال: "ولو ظن أن ماءه قد فني، فتيمم وصلى، ثم تبين له أنه قد بقي، لا يجزئه بالإجماع؛ لأن العلم لا يبطل بالظن، فكان الطلب واجبًا" (¬7). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول أثناء استدلالٍ له: "فنظيره؛ إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه" (¬8)، أي بطلان التيمم. ونقله عنه ابن قاسم بلفظ الإجماع (¬9). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة؛ بطل تيممه، وعليه استعمال الماء" (¬10). وقال في أثناء استدلالٍ له: "بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء، وإن لم يُحْدث" (¬11). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وقد ثبت بالنص والإجماع، أنه يبطل بالقدرة على استعمال الماء" (¬12). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬1)، وابن حزم (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى عندما أباح التيمم؛ اشترط عدم وجود الماء، فدل على عدم جواز البدل بوجود الأصل المبدل منه. 2 - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل حِلَّ التيمم بعدم وجود الماء، مما يدل على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (¬5)، والشعبي (¬6)؛ فقال: لا يبطل التيمم بوجود الماء؛ ما دام أنه عندما تيمم لم يكن لديه ماء، فإن رآه في أثناء التيمم بطل. ويقول ابن حزم: "وبإحداث الغسل والوضوء يقول جمهور المتأخرين" (¬7)، يعني: أنهم يوجبون استعمال الماء عند وجوده، وهذا يدل على أنه لا يرى وجود الإجماع في المسألة. ونسب ابن رشد القول الأول للجمهور، وهذا القول إلى قوم، واستدل لهم (¬8). واستُدلّ لهذا القول بأن الطهارة بعد صحتها لا تنقض إلا بالحدث، ووجود الماء ليس بحدث (¬9). ¬
[8 - 295] التيمم يبطل بتذكر مكان الماء بعد النسيان النادر
Rأن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة بعد زمن الخلاف، فلم أجد من وافق أو تابع أبا سلمة والشعبي على قولهما هذا، والمسألة من باب الاتفاق بعد الخلاف، وقد سبق التعرض لهذه المسألة كثيرًا، واللَّه تعالى أعلم. [8 - 295] التيمم يبطل بتذكر مكان الماء بعد النسيان النادر: إذا كان لدى المسلم ماء، سواء كان معه على رأسه أو ظهره. . . أو كان في نحو مقدم رحله أو مؤخرته، ثم تيمم ناسيًا وجود الماء، فإنه لا يجزئه ذلك التيمم. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولو كان على رأسه أو ظهره ماء، أو كان معلقًا في عنقه، فنسيه فتيمم، ثم تذكر، لا يجزئه بالإجماع؛ لأن النسيان في مثل هذه الحالة نادر" (¬1). ونقل الزيلعي نفس العبارة دون الإشارة لصاحبها (¬2). ويقول الكاساني أيضًا: "وإن كان -الماء- في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر" (¬3)، أي: لا يجوز التيمم. ويقول: "وهو أنه إن كان -الماء- في مؤخر الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأنه يراه، ويبصره، فكان النسيان نادرًا" (¬4)، أي: لا يجوز التيمم. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة على المذهب (¬7). • مستند الإجماع: أن الطهارة بالماء تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان، كما لو صلَّى ناسيًا لحدثه، ثم تذكر، أو صلى الماسح، ثم بانَ له انقضاءُ مدة المسح قبل صلاته، وكذا من تذكر وجود الماء معه، فإنه يجب عليه إعادة الوضوء، ولا يجزئه ذلك التيمم لصلاته (¬8). ¬
[9 - 296] التيمم لا يرفع الحدث ولا الجنابة
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬1)، والحنابلة في رواية (¬2)، فقالوا: يجزئه تيممه ذلك. واستدلوا بأنه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء، فهو كالعادم للماء (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [9 - 296] التيمم لا يرفع الحدث ولا الجنابة: إذا تيمم المسلم من الحدث أو الجنابة، ثم وجد الماء، فإن حدثه أو جنابته لا ترتفع، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن الطهارة بالتيمم لا ترفع الجنابة، ولا الحدث إذا وجد الماء، إلا شيء روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" (¬4). نقله عنه ابن قدامة (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم لا يرفع الحدث على الاستمرار، وفائدته؛ أن المتيمم إذا رأى الماء قبل الدخول في الصلاة؛ بطل تيممه، ولزمه استعمال الماء" (¬6). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء عاد؛ جنبًا كما كان أو محدثًا" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والشافعية (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب ¬
[10 - 297] وجوب استعمال الماء للمتيمم إذا وجده
طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل جواز التيمم بما لم يجد الماء، فإذا وجده لزمه الماء، ولو كان يرفع الحدث والنجاسة؛ لما لزمه التطهير من جديد (¬2). 2 - أن المتيمم لو وجد الماء؛ لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم، إن كان جنبًا، أو محدثًا، أو امرأة حائضًا، ولو رفع الحدث؛ لاستوى الجميع فيما يلزمهم من التطهير؛ وذلك لأنهم قد تطهروا بالتيمم، مما يدل على بقاء الحدث مع إباحة العبادة (¬3). 3 - أن التيمم طهارة ضرورة، فلم ترفع الحدث؛ كطهارة المستحاضة (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف أبو سلمة بن عبد الرحمن (¬5)، فقال: يرفع الحدث الأصغر والأكبر. وحجته: أن التيمم طهارة مشروعة عن الحدث تبيح الصلاة، فترفع الحدث؛ كطهارة الماء، ما لم يحدث أو يجد الماء (¬6). خالف الزهري، وابن المسيب، والحسن (¬7)، فقالوا: يرفع الحدث الأصغر. ولم يذكروا له دليلًا.Rأن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد زمن المخالفين، فلم أجد من تابعهم من أصحاب المذاهب، أو غيرهم من العلماء، مما يدل على أن هذا القول المخالف قد اندرس، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 297] وجوب استعمال الماء للمتيمم إذا وجده: إذا وجد المتيمم الماء، فإنه يجب عليه أن يغتسل أو يتوضأ لما يستقبل. وهي قريبة من المسألة الماضية (¬8)، إلا أن بينهما فرقًا، وهو أن السابقة في حصول النقض بوجود الماء، وفي مسألتنا هذه حصول الأمر بالطهارة -غسلًا أو وضوءًا- ¬
بوجود الماء لما يستقبل، والتفريق بينهما ظاهر في كلام ابن المنذر (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت؛ فلم يصلّ، ثم صار إلى مكان فيه ماء؛ أن عليه أن يعيد الطهارة (¬2)؛ لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت طهارته" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد غلط بعض الناس في هذا المعنى عن ابن مسعود، فزعم أنه كان يرى الجنب إذا تيمم، ثم وجد الماء؛ لم يغتسل، ولا وضوء عليه حتى يحدث، وهذا لا يقوله أحد من علماء المسلمين، ولا روي عن أحد من السلف، ولا الخلف فيما علمت، إلا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولا يعرف عنه، والمحفوظ عن ابن مسعود ما وصفنا عنه" (¬4). وقال معلقًا على قول أبي سلمة: "وأما سائر العلماء، الذين هم الحجة على من خالف جميعهم؛ فقالوا في الجنب إذا تيمم، ثم وجد الماء: إنه يلزمه الغسل لما يستقبل" (¬5). ويقول في سياق استدلال له: "بدليل الإجماع على أن الجنب إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء؛ لزمه الغسل، وأن المتيمم غير الجنب، يلزمه الوضوء إذا وجد الماء" (¬6). ونقله عنه القرافي (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله، ومن بعده، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة، في أمره عليه الصلاة والسلام للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء" (¬8). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإنه قد ثبت بالنص والإجماع، أنه إذا قدر على ¬
استعمال الماء استعمله، وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابةٌ ثانية، بخلاف الماء" (¬1). ابن الملقن (804 هـ) حيث نقل نحو عبارة النووي دون إشارة كما هي عادة المتقدمين (¬2). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "فصار الأصل أنه متى قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم إجماعًا" (¬3). ونقله عنه ابن عابدين (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما يُحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره -صلى اللَّه عليه وسلم- للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء" (¬5). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن الماء: "لكن إذا وجده الجنب وجب عليه الاغتسال إجماعًا" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث عمران بن الحصين -رضي اللَّه عنه-، قال: كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر. . . "، وفيه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بالناس، فلما انفتل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من صلاته؛ إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ ". قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك"، ثم قال: وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: "اذهب فأفرغه عليك" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى المتيمم ماءً ليتوضأ؛ بعد أن تيمم، ولو كانت الطهارة بالماء بعد التيمم غيرَ واجبة؛ لما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام (¬10). ¬
[11 - 298] التيمم يبيح العبادة المتيمم لها
2 - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، وفيه: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بأن يمس بشرته بالماء عندما يجده، والأمر يقتضي الوجوب، قال ذلك بعد أن أباح التيمم لعادم الماء (¬2). • الخلاف في المسألة: الخلاف هنا كما هو في المسألة السابقة، فأبو سلمة يرى أن التيمم لا يبطل بوجود الماء مطلقًا، ولذا لا حاجة للطهارة بعد وجودها، والزهري وابن المسيب والحسن يرون عدم بطلان طهارة التيمم من الحدث الأصغر، وسبقت المناقشة هناك.Rأن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، مع ملاحظة ما قيل في نتيجة المسألة السابقة، واللَّه تعالى أعلم. [11 - 298] التيمم يبيح العبادة المتيمَّم لها: إذا تيمم المسلم، فإنه يباح له الإقدام على العبادة، وعليه حكى القرافي الإجماع. • من نقل الإجماع: القرافي (684 هـ) حيث يقول: "وإن كان المراد الثاني -المنع الشرعي من الإقدام على العبادة حتى التطهر- فقد ارتفع بالضرورة -أي: بالتيمم- فإن الإباحة ثابتة إجماعًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمرنا بالتيمم لعدم الماء، وهذا فيه إباحة للعبادة به، وأنه يقوم مقام الوضوء. 2 - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب طهور المسلم، ولو ¬
[12 - 299] رؤية الماء أثناء التيمم تبطله
إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (¬1). • وجه الدلالة: أن التراب طهور المسلم مع عدم الماء، وهذا فيه إباحة وزيادة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه المسألة أشبه بالإجماع على أقل ما قيل، فمن قال بأن التيمم رافع للحدث مطلقًا -وهو أبو سلمة ومن معه- (¬2) يقول بالإباحة وزيادة، ومن قال بأن التيمم يبطل بوجود الماء؛ فقد قال بمسألتنا أيضًا، ولا يخالف فيها أي من الطرفين، واللَّه تعالى أعلم. [12 - 299] رؤية الماء أثناء التيمم تبطله: إذا شرع مسلم بالتيمم، وفي أثنائه رأى الماء، فإنه يبطل تيممه، وعليه أن يتوضأ بالماء. • من نقل الإجماع: القاضي أبو الطيب الطبري (450 هـ) حيث نقل الإجماع على أنه إذا رأى الماء أثناء التيمم بطل تيممه. نقله عنه النووي (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: يستند في هذه المسألة بما تستند إليه مسألة وجوب استعمال الماء إذا وجد، وقد سبقت، إلا أنه يضاف هنا أنه برؤيته الماء قبل إنهائه التيمم، فهو قد رآه قبل إتمام الطهارة، وإحداثه للتيمم مع وجود الماء غير جائز، وبهذا يبطل ما استدل به المخالفون هناك -أبو سلمة ومن معه- ويدخلون في هذه المسألة من الموافقين، واللَّه تعالى أعلم (¬8).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 300] مشروعية التيمم للجنب: إذا أجنب المسلم، وتحققت فيه شروط جواز التيمم، فإنه يشرع له أن يتيمم، وعليه ¬
حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء، تيمما وصليا" (¬1). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (¬2) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (¬3). وهذا وإن كان ظاهره أنه يحكي الإجماع؛ إلا أنه بعد التأمل ليس فيه حكاية، إذ أنه قيده بمن يقول بهذه الأغسال، فهو يقصد إجماع القائلين، وليس إجماع العلماء، واللَّه أعلم (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، مريضٌ؛ أو مسافر، وسواء كان جنبًا؛ أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (¬5). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "قال بعضهم: وقد حكي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه لا يجوز -تيمم الجنب- وانعقد الإجماع بعد ذلك على جوازه بهذه النصوص (¬6) " (¬7). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول عن التيمم: "وأجمعوا على أنه يجوز للجنب بشرطه؛ كما يجوز للمحدث" (¬8). ونقل نحو عبارته ابن قاسم دون إشارة (¬9). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين، ¬
سواء تيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر، سواء تيمم عن كل الأعضاء أو بعضها" (¬1). وقال: "وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار، ومن قبلهم، على جوازه للجنب والحائض، والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا أحد من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحُكي مثله عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي، وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عنه" (¬2). ونقله عنه العيني (¬3). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وكان هو -يعني عمر بن الخطاب- وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما عمار، وأبو موسى، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء؛ لما كان معهم الكتاب والسنة" (¬4). ابن الملقن (804 هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولكنه لم يُشِرْ (¬5). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬6) يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء؛ من غير فرق بين الجنب وغيره، وقد أجمع على ذلك العلماء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا من السلف؛ إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عن ذلك" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وأبو موسى، وعمار -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر (¬8)، والحنفية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قول اللَّه تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، ثم قال تعالى: ¬
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا} عائد إلى المحدث والجنب جميعًا، بدليل السياق (¬1). 2 - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت؛ فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (¬2). • وجه الدلالة: أن عمار -رضي اللَّه عنه- أخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان جنبًا، ثم أخبره عليه الصلاة والسلام أنه كان يكفيه التيمم بضربة اليد إلى آخره، فدل على مشروعية التيمم للجنب (¬3)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة عمر، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والأسود (¬4)، فقالوا: إن الجنب لا يتيمم (¬5). وقيل إن عمر وابن مسعود رجعا، وقد سبق (¬6). وحكى ابن رشد الخلاف في المسألة، وقال عن القول الأول: "وبه قال عامة الفقهاء" (¬7). وقال ابن عبد البر: "ولم يقل بقول عمر وعبد اللَّه -يعني: ابن مسعود- في هذه المسألة أحدٌ من فقهاء الأمصار، من أهل الرأي وحملة الآثار" (¬8). وهو غير صحيح، حيث ورد القول عن غيرهم. واستدلوا: بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. فأوجب التطهر، وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ ¬
[14 - 301] مشروعية التيمم للحيض
الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وحملوا الملامسة على ما دون الجماع، وقالوا: ذكر اللَّه تعالى هنا الحدث الأصغر فقط (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق في عصر الصحابة ولا التابعين؛ لوجود المخالف في المسألة، ولكن بعد البحث لم أجد من تابعهم من الأئمة بعدهم، ولا من أرباب المذاهب، ولذا فالأظهر أن المسألة من باب الاتفاق بعد الخلاف، فهي متفق عليها بين العلماء بعد عصر التابعين، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 301] مشروعية التيمم للحيض: إذا طهرت الحائض وانقطع دمها، ولم تجد ماء، فإن التيمم يجوز لها بالإجماع، كما حكاه عدد من العلماء، وهذا ما تناقشه مسألتنا. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء، تيمما وصليا" (¬2). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (¬3) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "سئل مالك عن الحائض تطهر، فلا تجد ماء أتتيمم؟ قال: نعم، فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد الماء تيمم، وهذا إجماع كما قال مالك، لا خلاف فيه، والحمد للَّه" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار، ومَن قبلهم، على جوازه -التيمم- للجنب والحائض، والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا أحد من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحُكي مثله ¬
[15 - 302] مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء
عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي، وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عنه" (¬1). ونقله عنه العيني (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، الذي فيه؛ أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له بعد تمرغه بالتراب وهو جنب: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" (¬5)، ثم وصف له التيمم. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح له التيمم وهو جنب، والجنابة والحيض كلاهما حدث أكبر، فيقاس الحيض على الجنابة، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الحيض بعد انقطاع دمه حدث، يمكن رفعه بالغسل كالجنابة، والجنب إذا لم يجد الماء تيمم للصلاة، وغيرها من موانع الجنابة؛ فكذلك الحائض إذا لم تجد الماء تتيمم (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف في مسألتنا مَن خالف في مسألة تيمم الجنب، فالمخالفون خالفوا في التيمم من الحدث الأكبر؛ كالجنابة، والحيض، والنفاس، فالخلاف هناك يجري هنا، فليراجع هناك (¬7).Rأن الإجماع -كما سبق في مسألة الجنب- غير متحقق في العصر الأول؛ لوجود المخالف فى المسألة، ولكن الأظهر أنه تحقق بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 302] مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء: إذا أراد المسافر الوضوء، ولم يجد الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم. • من نقل الإجماع: ابن الحارث (361 هـ) حيث نقل عنه الموّاق (¬8) والحطاب (¬9) ¬
حكايته الاتفاق على جواز تيمم المسافر الذي لم يجد الماء. ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة، إذا لم يقدر على ماء أصلًا، وليس بقربه ماء أصلًا؛ أن له أن يتيمم بدل الوضوء للصلاة فقط" (¬1). وقال: "وأجمعوا أن المسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا، ولا يجد ماء ولا نبيذًا؛ فإن التيمم له بالتراب الطاهر جائز في الوضوء للصلاة، الفريضة خاصة" (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مسلم؛ مريض أو مسافر" (¬3). وقال: "التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع" (¬4). وقال: "وفي هذا الحديث التيمم في السفر، وهو أمر مجمع عليه" (¬5). الباجي (474 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في وجوب ذلك -التيمم- في السفر وإجزائه" (¬6). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين؛ للمريض وللمسافر إذا عدما الماء" (¬7). ابن الحاجب (646 هـ) حيث نقل عنه الحطاب أيضًا حكايته الاتفاق على جواز تيمم المسافر الذي لم يجد الماء (¬8). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا" (¬9). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى إلى أن يجد الماء" (¬10). ¬
[16 - 303] جواز التيمم في السفر القصير
وقال: "لا نزاع بين المسلمين أنه إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت؛ لم يجز له تأخير الصلاة، ليصليها بعد الوقت بوضوء أو غسل، بل هو الفرض" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). العيني (855 هـ) حيث يقول عن المسافة في السفر: "والبعيدة غير مانعة بالإجماع" (¬3)، أي: غير مانعة للتيمم. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نصّ على جوازه للمسافر الذي لم يجد الماء، وهذه مسألتنا. 2 - حديث عمران بن الحصين -رضي اللَّه عنه-، قال: "كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر. . . " وذكر الحديث إلى أن قال له عليه الصلاة والسلام: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أرشد المجنب لكيفية التيمم الصحيح في السفر، مما يدل على جوازه في السفر، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 303] جواز التيمم في السفر القصير: إذا سافر المسلم سفرًا قصيرًا على نحو ميل، ولم يجد الماء، فإنه يجوز له التيمم. • من نقل الإجماع: الطبري (310 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن من كان ¬
خارج المصر، على ميل أو أقل، ونيته العود إلى منزله، لا إلى سفر آخر، ولم يجد ماء؛ أنه يجوز له التيمم". نقله عنه ابن حجر (¬1). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وسواء كان السفر قريبًا أو بعيدًا، سفر طاعة كان أو سفر معصية أو مباحًا، هذا مما لا نعلم فيه خلافًا، إلا أن بعض العلماء ذكر قولًا لم ينسبه إلى أحد، وهو أن التيمم لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية على الصحيح من المذهب (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: الآية مطلقة في إباحة التيمم في السفر، فتدل بإطلاقها على إباحة التيمم في كل سفر (¬6). 2 - أن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أقبل من الجُرُف (¬7)، حتى كان بالمِربد (¬8) فتيمم وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة؛ فلم يعد الصلاة (¬9). • وجه الدلالة: أن ابن عمر تيمم في سفر لا قصر فيه، وهذا فعل صحابي، فهو إما حجة عند بعض العلماء، أو مما يستأنس به (¬10). 3 - أن السفر القصير يكثر، ويكثر عدم الماء فيه، فيحتاج إلى التيمم فيه؛ فينبغي أن يسقط به الفرض، كالطويل (¬11). ¬
[17 - 304] مشروعية التيمم للمريض العادم للماء
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬1)، وحكاه ابن قدامة (¬2)، والنووي (¬3) قولًا في المسألة، ولم يسميا القائلين، فقالوا: لا يباح إلا في السفر الطويل. وحكاه بعض الشافعية قولًا في المذهب (¬4). أشار ابن حزم للخلاف في المسألة، حيث جعل مسألتنا قيدًا للإجماع على التيمم في السفر كما سبق (¬5)، ونقل الخلاف بصراحة في النقل السابق، إلا أنه يظهر من كلامه أنه لا يعرف القائل به، ويرد عليه بأنه معروف كما يظهر من كلام المالكية وغيرهم. واحتجوا بأنه لا يجوز له القصر فلا يجوز له التيمم؛ كما لو كان في الحضر (¬6). وخالف محمد بن الحسن فيما هو دون الميل (¬7)، فلا يجوز له التيمم في هذه الحالة.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 304] مشروعية التيمم للمريض العادم للماء: إذا أراد المريض أن يقوم بما لا يباح فعله إلا بطهارة، ولم يجد الماء، فإنه يشرع له التيمم عندئذٍ (¬8). • من نقل الإجماع: ابن الحارث (361 هـ) حيث نقل عنه الموّاق (¬9) والحطاب (¬10) حكايته الاتفاق على جواز تيمم المريض الذي لم يجد الماء. ¬
ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن المريض الذي يتأذى بالماء، ولا يجد الماء مع ذلك، أن التيمم له بدل الوضوء والغسل" (¬1). وقال أيضًا: "وأجمعوا أن المريض الذي يؤذيه الماء، ولا يجده مع ذلك، أن له التيمم" (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مسلم؛ مريض أو مسافر" (¬3). وقال: "التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع" (¬4). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين؛ للمريض وللمسافر إذا عُدِما الماء" (¬5). ابن الحاجب (646 هـ) حيث نقل عنه الحطاب حكايته الاتفاق على جواز تيمم المريض الذي لم يجد الماء (¬6). القرطبي (671 هـ) حيث يقول عن المرض: "فإذا كان كثيرًا، بحيث يخاف الموت لبرد الماء، أو للعلة التي به، أو يخاف فوت بعض الأعضاء، فهذا يتيمم بإجماع، إلا ما روي عن الحسن وعطاء، أنه يتطهر وإن مات" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نصّ على جوازه للمسافر الذي لم يجد الماء، وأطلق ذلك، وهذه مسألتنا. (¬11). ¬
[18 - 305] جواز التيمم للمريض إذا خاف على نفسه أو عضوه الهلاك
2 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم علينا قتل أنفسنا، ومِنْ قَتْلها أن يغتسل أو يتوضأ المريض الذي يخشى على نفسه الهلاك، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] (¬1). 3 - حديث عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنه-، قال: "احتلمت في ليلة باردة، وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، ثم أخبرت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فضحك، ولم يقل شيئًا" (¬2). • وجه الدلالة: أن عَمرًا تيمم لخوف البرد، فيقاس عليه المريض الذي يخشى على نفسه (¬3).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [18 - 305] جواز التيمم للمريض إذا خاف على نفسه أو عضوه الهلاك: إذا خاف المريض على نفسه الهلاك أو تلف العضو إن استعمل الماء مع وجوده، فإنه يجوز له التيمم. • من نقل الإجماع: السرخسي (483 هـ) حيث يقول: "أما إذا كان -المريض- يخاف الهلاك باستعمال الماء؛ فالتيمم جائز له بالاتفاق" (¬4). العيني (855 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لو خاف على نفسه الهلاك أو على عضوه ومنفعته يباح له التيمم" (¬5). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول: "والإجماع على تخصيص حالة القدرة، حتى لا يتيمم المريض القادر على استعمال الماء"، أي: تخصيص المنع بالجواز للمريض غير ¬
القادر (¬1). ونقل ابن نجيم نحو عبارته دون إشارة (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن النوع الثاني من أنواع المرض: "الثاني: مرض يخاف معه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، فهذا يجوز له التيمم إجماعًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، والنخعي، وقتادة (¬4)، والمالكية على الظاهر (¬5)، والشافعية في الهلاك (¬6)، وأما العضو فعلى الصحيح عند الحنابلة (¬7)؛ كما وافقوا على بقية الصور (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قول اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى يأمرنا بعدم قتل أنفسنا، والتيمم مع خوف الهلاك أو العضو نوع من قتل النفس أو الإتلاف، فهو منهي عنه بالآية (¬9). 2 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: تقدير الآية {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] فعجزتم، أو خفتم من استعمال الماء، أو كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (¬10). • الخلاف في المسألة: خالف الحسن، وعطاء (¬11)، والمالكية في قولٍ غير مشهورٍ عندهم (¬12)، فقالوا: لا يجوز التيمم في المرض إلا مع عدم الماء. ¬
[19 - 306] جواز التيمم بالتراب
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] (¬1). وذكر الماوردي قولًا من أحد طريقين عن الشافعي ذكرهما (¬2)، أنه لا يجوز التيمم في خوف الشلل والشين. واستنكره النووي (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [19 - 306] جواز التيمم بالتراب: إذا أراد المسلم التيمم، فإنه يجوز له التيمم بالتراب الطيب، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز" (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز" (¬5). ونقله عنه العيني (¬6). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب" (¬7). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "مكان الإجماع مما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر، غير منقول ولا مغصوب" (¬8)، وقد ذكر تفصيلات لسنا بحاجة لها لصحة الإجماع. القرافي (684 هـ) حيث يقول: "فتلخص أن المتيمم به ثلاثة أقسام: جائز اتفاقًا، وهو التراب الطاهر" (¬9). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والتراب الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع، وفيما سواه نزاع" (¬10). ¬
الصاوي (1241 هـ) حيث يقول شارحًا كلام الماتن: "قوله: (التراب) أي: للاتفاق عليه في جميع المذاهب" (¬1)، أي: على جواز استعماله في التيمم. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: قال ابن عباس: "الصعيد: تراب الحرث"، ويقول الشافعي: "ولا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار" (¬5)، فالتراب منصوص على جواز استعماله بالآية الكريمة (¬6). 2 - حديث حذيفة -رضي اللَّه عنه-، قال عليه الصلاة والسلام: "جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر مما أبيح له طهارة التراب وتطهيره (¬8). • الخلاف في المسألة: نقل ابن المنذر خلافًا بعد حكايته الإجماع، ووصفه بالشذوذ (¬9). إلا أنه لم يذكر هذا القول، وماذا يقصد به، ولا من قال به. ونقل بعده أقوالًا لأهل العلم ليس فيها مخالف لمسألتنا (¬10).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، أما ما نقله ابن المنذر؛ فكما قيل سابقًا بأن القول غير معروف، ولا قائله معروف أيضًا، ولم يذكرْه أحدٌ من العلماء فيما رأيت، وأقل ما يقال: إنه قول شاذ غير معتبر، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[20 - 307] صحة التيمم بالرمل الذي لا يعلق باليد
[20 - 307] صحة التيمم بالرمل الذي لا يعلق باليد: إذا ضرب المتيمم بيديه أرض رمل، ولم يعلق بيديه منها شيء، فإن ذلك مجزئه. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء، وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد، ثم مسح بهما أو بها وجهه، أجزأه ذلك؛ لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد، وهو أرض رمل، فلم يعلق بيديه منها شيء، فتيمم به، أن ذلك مجزئه، لم يخالف ذلك من يجوز أن يعتد بخلافه" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف في قولٍ رجع عنه (¬2)، والمالكية على المشهور (¬3)، والشافعية في قولٍ من أحد طريقين عندهم (¬4)، وأحمد في رواية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن الصعيد الذي أمر اللَّه تعالى بالتيمم به مشتق من الصعود، وهو العلو، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أنواع الأرض، فكان التخصيص ببعض الأنواع تقييدًا لمطلق الكتاب دون دليل، فوجب البقاء على إطلاقه (¬7). 2 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (¬8). • وجه الدلالة: أن اسم الأرض التي جعلها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مكانا للتيمم يتناول جميع أنواع الأرض، فوجب بقاء هذا الإطلاق إلا بدليل، وهو غير موجود، فوجب البقاء عليه (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف أبو يوسف في قوله الأخير (¬10)، والمالكية في ¬
[21 - 308] مسح ما تحت العارضين غير واجب
قول (¬1)، والشافعية في الطريق الصحيح عندهم (¬2)، والحنابلة على المذهب عندهم (¬3)، بأن التيمم لا يكون إلا بتراب يعلق باليد. واستدلوا (¬4) بقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه: الصعيد هو التراب الخالص، فقالوا: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص، وبعضهم قال بجواز التراب المخلوط.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود وشهرة المخالفين في المسألة، ولعل ابن جرير قد وهم في النقل، أو أنه ذكر الرمل دون أن يريد حقيقته، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 308] مسح ما تحت العارضين غير واجب: إذا أراد المتيمم أن يمسح على وجهه في التيمم، فإنه لا يجب عليه أن يمسح ما تحت عارضيه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "قد أجمعوا أن ليس على المتيمم أن يمسح ما تحت عارضيه، فقضى إجماعهم في ذلك على مراد اللَّه تعالى منه" (¬5). • الموافقون على الإجماع: لم يتكلم العلماء عن حد الوجه الواجب مسحه في التيمم، في حدود ما بحثت، إلا أنهم يتكلمون عنه في باب الوضوء، وإذا كان ما تحت العارضين لا يجب غسله في الوضوء الذي يجب فيه الإسباغ؛ ففي التيمم من باب أولى. وعليه فقد وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه من المواجهة، فكل ما ¬
[22 - 309] جواز التيمم لخوف العطش للمسافر
يواجَه به فهو من الوجه، أما ما تحت العارضين فليس من الوجه؛ لأنه لا يواجه به، والتيمم بدل عن الوضوء فيأخذ حكمه (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [22 - 309] جواز التيمم لخوف العطش للمسافر: إذا كان مع المسافر ماء، ويريد أن يتطهر، ولكنه يخشى إن استعمل هذا الماء أن يعطش ويهلك، فإنه يجوز له أن يستعمل الماء في الشرب ويتيمم (¬2). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن المسافر إذا كان معه ماء، وخشي العطش؛ أنه يبقي ماءه للشرب، ويتيمم" (¬3). ونقله عنه ابن قدامة (¬4)، والنووي (¬5)، والمرداوي (¬6)، وابن قاسم (¬7). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسافر إذا كان معه -ماء-، وهو يخشى العطش؛ فإنه يحبسه فيشربه ويتيمم" (¬8). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولأن الأمة أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه، وهو بحال يخاف على نفسه العطش؛ يباح له التيمم" (¬9). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "قوله (¬10): (باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم)، مراده إلحاق خوف المرض، وفيه -التيمم لخوف المرض- اختلاف بين الفقهاء بخوف العطش، ولا اختلاف فيه" (¬11). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك، والثوري، وإسحاق (¬12)، ¬
[23 - 310] المتيمم الواجد للماء بعد الوقت لا إعادة عليه
والمالكية (¬1)، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. • وجه الدلالة: أن من خاف على نفسه العطش ممنوع من استعماله، بمنع الإلقاء بالنفس للتهلكه (¬3). 2 - أن من خاف على نفسه من العطش خائفٌ على نفسه من استعمال الماء، فأبيح له التيمم، قياسًا على المريض (¬4).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 310] المتيمم الواجد للماء بعد الوقت لا إعادة عليه: إذا صلى المسلم متيممًا، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، فإنه لا تجب عليه الإعادة (¬5). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت؛ أن لا إعادة عليه" (¬6). ونقله ابن قدامة (¬7)، والنووي (¬8)، وابن قاسم (¬9). البغوي (516 هـ) حيث يقول مستدلًّا على أن من صلى، وعلى بدنه نجاسة، وهو لا يشعر، ثم علم بها، أن لا إعادة عليه، ثم قال: "كما لو صلى بالتيمم، ثم وجد الماء لا تجب عليه الإعادة بالاتفاق" (¬10). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "إن وجده -الماء- بعد خروج الوقت؛ فلا إعادة عليه إجماعًا" (¬11). ¬
ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول بعد أن ذكر عددًا ممن يجوز لهم التيمم: "أو لخوف الضرر باستعماله، ولا إعادة على أحد من هؤلاء، ففي كثير من الضرر (¬1) لا إعادة عليه باتفاق المسلمين كالمريض والمسافر" (¬2). ويقول: "وكذلك لا إعادة إذا صلى بالتيمم باتفاقهم" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه-، أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صوَّب الذي لم يعد الصلاة، وهذا فيما لو وجد الماء قبل خروج الوقت، ومسألتنا من باب أولى (¬9). 2 - أن من تيمم بعد استكمال الشروط وصلى؛ فقد أدى فرضه كما أمره اللَّه تعالى، فلم تلزمه الإعادة إن وجد الماء، سواء في الوقت أو بعده (¬10).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[24 - 311] جواز إمامة المتطهر للمتيمم
[24 - 311] جواز إمامة المتطهر للمتيمم: إذا أمَّ المتطهرُ المتيممَ، فإنه يجوز ذلك، وصلاته صحيحة (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن لمن تطهر بالماء أن يؤم المتيممين" (¬2). نقله عنه النووي (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنه-، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك؛ فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكروا ذلك له، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ "، فقلت: ذكرت قول اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يقل شيئًا (¬9). • وجه الدلالة: أن عمرًا -رضي اللَّه عنه- صلى بأصحابه وهو متيمم، وهم متوضئون، وأقره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على ذلك، فدل على جواز إمامة المتيمم للمتوضئ، وفي مسألتنا من باب أولى. 2 - أن المتوضئ مرفوع الحدث، بخلاف التيمم، فالحدث فيه غير مرفوع، فطهارة المتطهر أعلى من المتيمم، فجازت إمامة المتوضئ للمتيمم؛ لأنه أعلى منه (¬10).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[25 - 312] التيمم قبل الوقت لا يجوز
[25 - 312] التيمم قبل الوقت لا يجوز: إذا أراد المسلم أن يتيمم قبل دخول وقت صلاة الفرض، فإنه لا يجوز له ذلك، وحُكي عليه الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في سياق استدلالٍ له: "أجمعوا أنه لا يتيمم قبل دخول الوقت" (¬1). أبو سعيد الإصطخري (328 هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "لا نناظر الحنفية في هذه المسألة؛ لأنهم خرقوا الإجماع فيها". نقله عنه النووي (¬2)، والعيني (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع داود (¬4)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قول اللَّه تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] إلى قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة تقتضي أنه يتوضأ أو يتيمم عند القيام، وخرج جواز تقديم الوضوء بفعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبقي التيمم على مقتضاه؛ لأنه تيمم وهو مستغن عن التيمم، فلم يصح، كما لو تيمم ومعه ماء (¬6). 2 - أن التيمم طهارة ضرورة، فلم يجز التيمم قبل دخول الوقت؛ كطهارة المستحاضة (¬7). 3 - أن المتيمم قبل دخول الوقت متيمم للفرض، في وقت هو مستغن عنه؛ فأشبه ما لو تيمم عند وجود الماء (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة الحنفية (¬9)، والحنابلة في رواية (¬10)، وابن حزم (¬11)، فقالوا: يجوز التيمم قبل دخول الوقت. واحتجوا بأن الصلاة جائزة بلا خلاف في أول وقتها، فإذا كان كذلك فلا يكون ¬
[26 - 313] صحة التيمم لمن غلط في تعيين نية الموجب
ذلك إلا وقد صحت الطهارة لها قبل ذلك، وهذا يدل ولا بد على جواز التيمم قبل أول الوقت (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والمسألة خلافية مشهورة، ومستبعد أن يفوت على ابن عبد البر مثل هذا الخلاف، ولعله وهم منه رحمه اللَّه، أو أنه يريد بلفظ الإجماع هذا إجماع المالكية، وهذا قوي حيث قد أشار بعدها للخلاف في المسألة عند غير المالكية (¬2)، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 313] صحة التيمم لمن غلط في تعيين نية الموجِب: إذا أراد المسلم أن يتيمم، وأخطأ في تعيين نية الحدث بين الأكبر والأصغر، فإنه يصح تيممه. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول في سياق استدلالٍ له: "أنه لو كان جنبًا، فغلط وظن أنه محدث فتيمم عن الحدث، أو كان محدثًا، فظن أنه جنب فتيمم للجنابة؛ صح بالإجماع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، وابن وهب من المالكية (¬5)، والحنابلة في قول (¬6). • مستند الإجماع: 1 - أن طهارة الحدث والجنابة واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى؛ كما أن الطهارة من البول والغائط واحدة، ويجزئهما نية واحدة (¬7). 2 - أن التيمم يفتقر إلى النية ليصير طهارة؛ إذ هو ليس بتطهير حقيقة، وإنما جُعل تطهيرًا بالشرع للحاجة، والحاجة تُعرف بالنية، ونية الطهارة تكفي أن تكون دلالةً على الحاجة (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة المالكية (¬9)، والحنابلة في المشهور عندهم (¬10)؛ فقالوا: لا تجزئ نية الحدث الأصغر عن الأكبر. ¬
[27 - 314] اشتراط عدم الماء لجواز التيمم
احتجوا بحديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (¬1)، وهذا لم ينو الجنابة؛ فلم يجزه عنها (¬2). وخالف الجصاص من الحنفية (¬3)؛ فقال: "لا بد من نية التمييز بين الحدث والجنابة". واحتج بأن التيمم للحدث والجنابة يقع على صفة واحدة؛ فلا بد من التمييز بينهما (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والذي يبدو أن النووي لم يقصد الإجماع الاصطلاحي، وإنما يقصد إجماع الشافعية، واللَّه تعالى أعلم. [27 - 314] اشتراط عدم الماء لجواز التيمم: إذا أراد المسلم فعل ما يستوجب الطهارة، ولم يجد الماء، فإنه يجوز له التيمم حينئذٍ (¬5). • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر؛ جاز له التيمم للآيةِ، والأحاديثِ الصحيحة، والإجماعِ" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الشرط الثالث -من شروط جواز التيمم-: إعواز الماء بعد الطلب، ولا خلاف في اشتراطه" (¬7). المراغي (816 هـ) حيث يقول: "أما إن وضعه بنفسه، ولم يطلبه. . . ففي الأول -يريد كلامه السابق- لم يجزئه التيمم بالإجماع"، وذلك لوجود الماء. نقله عنه العيني (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10)، وابن ¬
[28 - 315] لا أثر لتيقن وجود الماء آخر الوقت
حزم (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى اشترط الأمر بالتيمم بعدم وجود الماء، فلا يجوز التيمم إلا بعدم الماء (¬2). 2 - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترط لاستعمال التراب عدم وجود الماء، فلا يجوز التيمم إلا بعدم الماء (¬4).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهي من المسائل القطعية، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 315] لا أثر لتيقن وجود الماء آخر الوقت: إذا أراد المسلم فعل ما يستوجب الطهارة، ولم يجد الماء، ولكنه يتيقن وجوده في آخر الوقت، فإنه يجوز له التيمم، ولا اعتبار لوجوده آخر الوقت، ما دام أنه قد صلى (¬5). • من نقل الإجماع: المحاملي (415 هـ) حيث نقل الإجماع على أنه لا فرق في جواز التيمم بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه. نقله عنه النووي (¬6). الغزالي (505 هـ) حيث نقل عنه النووي أيضًا حكايته عدم الخلاف في المسألة (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولا فرق في الجواز بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة" (¬8). ¬
[29 - 316] عدم حل التيمم للحاضر الراجي لوجود الماء
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالمسارعة إلى المغفرة، ومن المسارعة إقامة الصلاة في أول الوقت، وهو لا يتم إلا بأن يتيمم، فدل على جواز التيمم في هذه الحالة (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة علي -رضي اللَّه عنه-، وعطاء (¬6)، وأبو حنيفة، وأبو يوسف في غير رواية الأصول (¬7)، والشافعي في قولٍ ضعيف عندهم (¬8)، وأحمد في رواية (¬9) بأنه لا يجوز التيمم في حالة ما إذا تيقن وصوله إلى الماء آخر الوقت. وقال النووي عن القول السابق المنسوب للشافعي: "وهو شاذ ضعيف لا تفريع عليه" (¬10). واستُدل له بأن حكم العجز عن الماء -وهو جواز التيمم- يزول عند تيقن وجود الماء في الوقت؛ فوجب الوضوء بالماء، إلا أن يتضايق الوقت (¬11).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 316] عدم حلِّ التيمم للحاضر الراجي لوجود الماء: إذا أراد الحاضرُ فعلَ ما يستوجب الطهارة، ولم يجد الماء، ولكنه يتيقن وجوده في آخر الوقت، فإنه لا يجوز له التيمم (¬12). • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما الحاضر فلا خلاف ¬
من أحد في أنه ما دام يرجو بوجود الماء قبل خروج الوقت؛ فإنه لا يحل له التيمم" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: المخالفون في المسألة السابقة (¬2)، هم الموافقون في مسألتنا هذه، فمن منع التيمم للمسافر في هذه الحالة؛ فمن باب أولى أن يمنعه هنا. وعلى هذا، وافق على نفي الخلاف في المسألة علي -رضي اللَّه عنه-، وعطاء (¬3)، وأبو حنيفة، وأبو يوسف في غير رواية الأصول (¬4)، والشافعي في قولٍ ضعيف عندهم (¬5)، وأحمد في رواية (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. 2 - حديث عمران بن الحصين -رضي اللَّه عنه-، قال: "كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر. . . "، وفيه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بالناس، فلما انفتل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" (¬7). وجه الدلالة من النصّين الكريمين: أن النص ورد في المسافر، ولم يرد في الحاضر، فوجب الالتزام به، ما دام أن التيمم بدلٌ خلافُ الأصل (¬8). • الخلاف في المسألة: هذا العنوان مبنيٌ على حكم تيمم الحاضر، فمن أجاز تيممه إذا تحققت الشروط، فلم أجد منهم تفريقًا في مسألتنا، فهم لم يستثنوه من المسألة السابقة، ولا في الكلام عن تيمم الحاضر، مما يدل على عدم التفريق (¬9). فعلى هذا خالف في المسألة من يقول بجواز تيمم الحاضر ممن وافق على المسألة السابقة، ومنهم الحنفية (¬10)، والمالكية (¬11)، والشافعية (¬12)، والحنابلة على ¬
[30 - 317] سقوط مسح الرأس والرجلين في التيمم
الصحيح (¬1). واحتج (¬2) لهم بحديث: "الصعيد الطيب طهور المسلم" (¬3). فالحديث عام للمسافر والحاضر الذي لم يجد الماء، ولا دليل على التفريق.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 317] سقوط مسح الرأس والرجلين في التيمم: إذا أراد المسلم أن يتيمم، فليس عليه أن يمسح رأسه ورجليه. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأما سقوط مسح الرأس والرجلين وسائر الجسد في التيمم؛ فإجماعٌ متيقن" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: أن التيمم عبادة محضة، ولا تصح إلا إذا كانت موافقة لسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكل ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام ليس فيه أنه مسح الرأس والرجلين في التيمم (¬9)، فوجب الالتزام بها، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [31 - 318] عدم وجوب مسح ما وراء المرفقين: إذا أراد المتيمم أن يمسح، فإنه لا يجب عليه أن يمسح على ما وراء المرفقين. • من نقل نفي الخلاف: الخطابي (388 هـ) حيث يقول: "لم يختلف أحد من أهل ¬
العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين" (¬1)، أي في التيمم. نقله عنه النووي (¬2)، والشوكاني (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، وفيه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف لعمار التيمم، ولم يذكر مسح ما وراء المرفقين، بل ذكر الكفين فقط. 2 - أن كل ما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس فيه أنه مسح ما وراء المرفقين في التيمم، فوجب الالتزام به. • الخلاف في المسألة: خالف الزهري في المسألة، فقال: يمسح إلى الآباط (¬8). وقال النووي: "ما أظنه يصح عنه" (¬9)، وهناك رواية عن الزهري أخرى موافقة لمسألتنا (¬10). واحتج بأن اللَّه تعالى أمر بمسح اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع إلى الآباط، ولولا ذكر المرافق غاية للأمر بالغسل في باب الوضوء؛ لوجب غسل هذا المحدود، والغاية ذكرت في الوضوء دون التيمم (¬11).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، وأما خلاف الزهري، فلم يتابعْه أحد، ولم يصح عنه، ولمخالفته النصوص الشرعية، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[32 - 319] وجوب استيعاب الوجه في التيمم
[32 - 319] وجوب استيعاب الوجه في التيمم: إذا أراد المتيمم أن يمسح وجهه، فإنه يجب عليه أن يستوعب جميع وجهه. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول عن مسح الوجه: "وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه" (¬1). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب وتتبع مواضعه" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "وقد أجمع المسلمون على أن الوجه يستوعب في التيمم؛ كالوضوء" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية في رواية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. وجه الدلالة من وجهين: أ - أن الباء زائدة، فصار كأنه قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه؛ فيجب تعميمهما، كما يجب تعميمهما بالغسل (¬6). ب - أن الأمر بالمسح في التيمم تعلق باسم الوجه، وهو مطلق يعم كل الوجه، فوجب مسحه كله (¬7). 2 - أن التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الركن، فكذا في البدل وهو التيمم؛ فوجب استيعاب الوجه كله (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف أبو داود في المسألة (¬9)، وابن حزم (¬10)، فقال: يجزئه ¬
[33 - 320] جواز التيمم لمن خاف من البرد
مسح بعض الوجه. ولم يذكروا دليلًا، ولكن قد يقال: إن مسح بعض الوجه هو الواجب؛ لأن الواجب في الأمر المطلق هو أقل ما يصدق عليه، فإذا مسح بعضه صدق عليه أنه مسح وجهه، فأجزأ مسح البعض، واللَّه تعالى أعلم. وخالف أبو حنيفة في رواية (¬1)؛ فقال: يجب مسح الأكثر فقط. ووجهها: أن هذا مسح، فلا يجب فيه الاستيعاب؛ كمسح الرأس (¬2). وخالف ابن مسلمة (¬3)، فقال: يجوز ترك اليسير. ولم يذكر له دليل غير أنه يستدل له بأدلة العفو عن اليسير العامة.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [33 - 320] جواز التيمم لمن خاف من البرد: إذا أراد المسلم فعل ما يستوجب الطهارة، وخشي على نفسه من البرد، فإنه يجوز له أن يتيمم (¬4). • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، أو الخوف من استعماله" (¬5). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإن كان عادمًا للماء، أو يتضرر باستعماله لمرض، أو برد، أو غير ذلك، وهو محدثٌ أو جنب؛ يتيمم الصعيد الطيب، وهو التراب؛ يمسح به وجهه ويديه ويصلي، ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء" (¬6). وقال: "فإن التيمم لخشية البرد جائز باتفاق الأئمة" (¬7). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنيفة (¬8)، والمالكية (¬9)، ¬
[34 - 321] جواز التيمم لخوف خروج الوقت
والشافعية (¬1). • مستند الاتفاق: 1 - قول اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]. 2 - قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمرنا بعدم قتل النفس، ومن خشي الهلاك من البرد إن استعمل الماء، ثم استعمله فقد قتل نفسه؛ فدل على جواز التيمم (¬2). 3 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح لنا التيمم مع عدم وجود الماء، ومن عدم وجوده عدم القدرة على استعماله، فبخوف الهلاك من البرد تنتفي القدرة (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، وعطاء، والحسن (¬4)، فقالوا: لا يتيمم، وإن مات. ويحتج لهم بأنه واجد للماء، ومن وجده لم يتحقق لديه شرط عدم الماء، فوجب استعماله، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق غير متحقق لدى المتقدمين، ولكن بعد عصرهم لم يذكر موافق لهم، وأصحاب المذاهب لم يذكروا متابعا لهم، مما يدل على اندراس الخلاف في المسألة، فلعل المسألة من باب الاتفاق بعد الخلاف، واللَّه تعالى أعلم. [34 - 321] جواز التيمم لخوف خروج الوقت: إذا استيقظ المسلم في أول الوقت، وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت، فإنه يصلي بالتيمم في الوقت، نقل ابن تيمية الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول عن المجنب: "بدليل أنه إن استيقظ في الوقت، وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت؛ فإنه يصلي بالتيمم في الوقت بإجماع المسلمين، ولا يصلي بعد خروج الوقت بالغسل" (¬5). ¬
وقال: "ومن كان مستيقظًا في الوقت، والماء بعيد منه، لا يدركه إلا بعد الوقت؛ فإنه يصلي في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الأوزاعي، والثوري (¬3)، وزفر، وبعض الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، ووجه شاذ عند الشافعية (¬6)، والحنابلة في رواية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، في أوقات الصلاة، وفيه عندما صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أول الوقت وآخره، قال له جبريل عليه السلام: "ما بين هذين الوقتين وقت" (¬8). • وجه الدلالة: أن وقت الصلوات محدد بما بين أول وقت الصلاة إلى نهايته، ولا يجوز التأخير عنه، وقد شرع لنا التيمم عند الحاجة إليه؛ فلزم العمل به ما دام أنه به ستؤدى الصلاة في وقتها. 2 - أن أوقات الصلاة محددة بالشرع، ولها حرمة يجب مراعاتها، فالصلاة فيها لازمة بأي حال، فإذا علم الإنسان أنه لا يصل للماء في الوقت؛ لزمه التيمم والأداء في الوقت (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (¬10)، والشافعية (¬11)، والحنابلة على المذهب عندهم (¬12)، فقالوا: لا يجوز التيمم في هذه الحالة. واستدلوا بعموم أدلة اشتراط عدم وجود الماء لصحة التيمم (¬13).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[35 - 322] كل ناقض للوضوء ناقض للتيمم
[35 - 322] كل ناقض للوضوء ناقض للتيمم: إذا تيمم المسلم، وأتى بناقض من نواقض الوضوء، فإن تيممه ينتقض بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل، الذي هو الوضوء أو الطهر" (¬2). المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "وأما مبطلات الوضوء فيبطل التيمم عن الحدث الأصغر بما يبطل الوضوء بلا نزاع" (¬3)، وهو يريد المذهب، ولكن ذكرته للاعتضاد. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: التيمم طهارة بدل عن الماء، وكل ما ينقض طهارة الماء التي هي الأصل ينقض التيمم الذي هو البدل والفرع، إذ أن ما يبطل الأصل يبطل البدل.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [36 - 323] صحة طهارة من تيمم لكل صلاة: إذا تيمم المسلم لكل صلاة، فإن طهارته وصلاته تكون صحيحة بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه إن تيمم لكل صلاة؛ فقد صلاها بطهارة" (¬6). وقال: "واتفقوا إن تيمم كما ذكرنا بعد دخول الوقت وطلب الماء؛ فله أن يصلي صلاة واحدة" (¬7). ¬
[37 - 324] جواز التيمم للنافلة
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: هذه المسألة مبنية على مسألة الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، فمن العلماء من قال: يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات ما لم يحدث، ومنهم من قال: يصلي ما شاء في وقت واحد، ومنهم من قال: يصلي صلاة واحدة بتيممه، وهو أشد الأقوال، وعليه بنى ابن حزم حكايته الإجماع، وهو كثيرًا ما يذكر هذا النوع من الإجماعات. ولا يمكن ذكر مستند لهذا النوع من الإجماعات، لأن الاستدلال له كما هو ينقض الإجماع، فإذا استدللنا له بأدلة من قال بأشد الأقوال؛ لم يرضَ بها القول الأخف، وهكذا العكس، إلا أن يقال: إنه إذا فعل ذلك فقد خرج من الخلاف وأخذ بالاحتياط، واللَّه أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [37 - 324] جواز التيمم للنافلة: إذا أراد المسلم أن يتنفل، ولا ماء لديه، فيجوز له التيمم للنافلة عندئذٍ. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ولهذا يصلي النافلة بالتيمم باتفاق المسلمين" (¬5). وقال في سياق استدلال له: "وإن أراد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجبًا؛ فقد غلط، فإن هذا خلاف السنة وخلاف إجماع المسلمين، بل يتيمم للواجب، ويتيمم للمستحب" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول عن مسألة: "-إذا- نوى بتيممه استباحة نافلة معينة ¬
[38 - 325] التيمم يكون بالطيب الطاهر
أو مطلقة؛ فالصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي، وأطبق عليه الأصحاب وسائر العلماء، أن تيممه صحيح" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، ومكحول، والزهري، وربيعة، والثوري (¬2)، والليث، وداود (¬3)، والحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين" (¬7). 2 - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (¬8). • وجه الدلالة: أن هذين الحديثين يدلان على جواز التيمم للمسلم، وهما عامان ولا مخصص لهما، فدل على جواز التيمم للنافلة إلا بمخصص، وهو غير موجود (¬9). 3 - أن النافلة جوزت إلى غير القبلة للحاجة والتخفيف؛ فالتيمم أولى؛ لأنه بدل (¬10). • الخلاف في المسألة: خالف أبو مخرمة في المسألة، فقال: لا يتيمم إلا للمكتوبة (¬11). وخالف الشافعية في قولٍ غير مشهور لهم (¬12)؛ فقالوا: لا يصح التيمم للنفل مفردًا، وإنما يصح تبعًا للفرض (¬13). ووجهه: أن التيمم إنما جوز للضرورة، ولا ضرورة للنفل (¬14).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [38 - 325] التيمم يكون بالطيب الطاهر: شرع اللَّه تعالى التيمم للمسلمين، وأمرهم بأنهم إذا لم يجدوا الماء أن يتيمموا ¬
[39 - 326] الأرض الخبيثة ليست بطهور
صعيدًا طيبًا، والطيب يعني: الطاهر، ولا يحصل التيمم إلا بالطاهر الطيب. • من نقل الإجماع: المرغيناني (593 هـ) حيث يقول عن الطيب في آية التيمم: "والطيب يحتمل الطاهر فحمل عليه؛ لأنه أليق بموضع الطهارة؛ أو هو مراد الإجماع" (¬1). قال ابن الهمام شارحًا كلامه: "وأما قوله: (والطيب) يحتمل الطاهر، فحمل عليه، ففيه أن مجرد كون اللفظ يحتمل معنى لا يوجب حمله عليه، فالمعول عليه كون الطيب مرادًا به الطاهر بالإجماع" (¬2). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "والطيب الطاهر بالإجماع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. 2 - حديث حذيفة -رضي اللَّه عنه-، قال عليه الصلاة والسلام: "جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا" (¬6). • وجه الدلالة: أن الاحتمال في معنى الطيب في الآية (¬7) يبينه وصف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- التربة بالطهور، فالطهارة بالتيمم تكون استفعالًا من التربة، ولا يمكن أن توصف بأنها طهور؛ إلا وهي تحمل هذه الصفة من الطهورية، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [39 - 326] الأرض الخبيثة ليست بطهور: إذا كانت الأرض نجسة، فلا يجوز التيمم منها، وعليه الإجماع. ¬
[40 - 327] عدم إجزاء التيمم بالنجس
• من نقل نفي الخلاف: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما قوله -يريد أبا يوسف- سماه طيبًا -أي: التراب- فنعم، لكن الطيب يستعمل بمعنى الطاهر، وهو الأليق ههنا؛ لأنه شرع مطهرًا، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر، مع أن معنى الطهارة صار مرادًا بالإجماع" (¬1). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإنه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور" (¬2). العيني (855 هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "لأن الطيب أريد به الطاهر في النص"، يقول: "بالإجماع؛ إذ طهارة التراب شرط عند الأئمة الأربعة" (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على هذا الاتفاق المالكية (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند نفي الخلاف: حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (¬6). • وجه الدلالة: مفهوم المخالفة في الحديث، فكل أرض خبيثة نجسة ليست بطهور (¬7).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [40 - 327] عدم إجزاء التيمم بالنجس: إذا تيمم المسلم بغير طاهر، فإنه لا يجزئه تيممه ذلك بالإجماع. • من نقل الاتفاق: الغزالي (505 هـ) حيث نقل عدم جواز التيمم بالتراب النجس عن العلماء كافة. نقله عنه النووي (¬8). ¬
ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول معلقًا على قول صاحب المتن: "وإن كان ما ضرب بيديه غير طاهر؛ لم يجزه" قال: "لا نعلم في هذا خلافًا" (¬1). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ومكان الإجماع على المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، والفضة، والياقوت، والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات" (¬2). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "فتلخص أن المتيمم به ثلاثة أقسام: . .، وغير جائز اتفاقًا، وهو المعادن والتراب النجس" (¬3). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ألا ترى أنه لو كان التراب المنبت نجسًا؛ لم يجز التيمم به إجماعًا" (¬4). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: قوله "طيبًا"، فَقَيَّدَ التيمم بالصعيد الطيب، مما يدل بالمخالفة على عدم جوازه بغيره (¬5). 2 - أن التيمم طهارة شرعت بدل طهارة الماء، فلم يجز التيمم بغير طاهر، كما أن الوضوء لا يجوز بغير طاهر (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الأوزاعي في التيمم بتراب المقابر (¬7). ولكن القول بدون تفصيل، فهو يحتمل أنه يريد غير المنبوشة، وعلى هذا وافقه عدد من العلماء، وهم لا يجيزون التيمم بالنجس (¬8)، وعليه فلا يخرق مسألتنا ما دام أن المخالفة لم تثبت، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[41 - 328] هبة ثمن الماء لمن لا يجدها غير لازمة
Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [41 - 328] هبة ثمن الماء لمن لا يجدها غير لازمة: إذا لم يجد المسلم ماءً، ووهب له ثمنه، فلا يلزمه أن يقبله. • من نقل الإجماع: إمام الحرمين الجويني (478 هـ) حيث نقل الإجماع على أن الذي لم يجد الماء، لو وهب له ثمن الماء لم يلزمه قبوله. نقله عنه النووي (¬1)، وابن قاسم (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولو وهب له ثمن الماء، لم يلزمه قبوله بالاتفاق" (¬3). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "ولو وهب ثمنه، . .، فلا يجب قبوله بالإجماع" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: أن قبول ثمن الماء في هذه الحالة فيه منة عليه، ولما فيه من الذلة له، وهي من عدم القدرة التي لم يكلفنا اللَّه معها شيئًا (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية (¬10)، فقالوا: يلزمه قبول الثمن. وحجتهم: أنه قادر على الماء في هذه الحالة، فلزمه أن يقبل الثمن ويتوضأ.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[42 - 329] جواز تيمم الجماعة من موضع واحد
[42 - 329] جواز تيمم الجماعة من موضع واحد: إذا تيمم جماعة من المسلمين من موضع واحد، فيجوز لهم ذلك، وتيممهم صحيح. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "ويجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد بغير خلاف" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - أنه يجوز أن يتوضأ جماعة من حوض واحد، فكذا التيمم من موضع واحد بجامع الطهارة في كلٍّ (¬5). 2 - أن التراب المتيمَّم به لم يصر مستعملًا بهذا؛ إذ التيمم إنما يتأدى بما التزق بيده، لا بما فضل؛ كالماء الفاضل في الإناء بعد وضوء الأول (¬6).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [43 - 330] وجود الماء النجس لا يمنع التيمم: إذا وجد المسلم ماءً نجسًا، ولم يجد غيره، فإنه لا يتوضأ به، ولا يمنعه من أن يتيمم. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "فإن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم إجماعًا" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬8)، والشافعية (¬9)، ¬
[44 - 331] لا يصح التيمم إلا بنية
والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: 1 - أن الطهارة من التطهير والتنظيف، والوضوء بالماء النجس يخالف المقصود من الطهارة، فليس أمامه إلا التيمم لمن لا يجد غير الماء النجس. 2 - أن واجد الماء النجس كالعادم للماء في الحكم؛ إذ لا فائدة منه في الطهارة ولا الشرب، فوجب التيمم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [44 - 331] لا يصح التيمم إلا بنية: إذا أراد المسلم التيمم، فإنه يجب عليه أن ينوي التيمم. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن النية شرط في صحة التيمم" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "لا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصح إلا بنية، غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، أنه يصح بغير نية، وسائر أهل العلم على إيجاب النية فيه" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على نفي الخلاف ربيعة، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر (¬4)، والحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (¬9). • وجه الدلالة: أن الأعمال إنما تكون بالنيات، فما لم يكن بنية ليس بعمل، فوجب تعيين النية في التيمم. 2 - أن التيمم ليس بطهارة حقيقية، وإنما جُعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا تشترط له الحاجة ليصير ¬
[45 - 332] المسافر إذا ظن عدم الماء في رحله وتيمم وصلى ثم وجده يعيد الصلاة؟
طهارة، فلا تشترط له النية (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الأوزاعي، والحسن بن صالح (¬2)، وزفر (¬3)؛ فقالوا: لا تشترط النية في التيمم. ووجهه: أن التيمم خلفٌ (¬4)، والخلف لا يخالف الأصل في الشروط، ثم الوضوء يصح بدون النية، كذا التيمم (¬5).Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [45 - 332] المسافر إذا ظن عدم الماء في رحله وتيمم وصلى ثم وجده يعيد الصلاة؟ إذا ظن المسافر عدم الماء في رحله، ثم تيمم وصلى، ثم وجده في رحله، فهل يجب عليه إعادة الصلاة، أو لا؟ هذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: السغناقي (711 هـ) حيث يقول بعد عبارة الماتن: "والمسافر إذا نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم ذكر الماء، لم يعدها" (¬6)، قال: "قيَّد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز بالإجماع يعيد الصلاة". نقله عنه العيني (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في قول (¬8)، والشافعية على القول الأصح (¬9)، والحنابلة على الصحيح (¬10). • مستند الإجماع: 1 - أن من تيمم بعد ظنه عدم الماء في رحله، ثم وجده بعد الصلاة مفرطٌ، فهو تيمم والماء موجود عنده، فوجب عليه إعادة الصلاة (¬11). 2 - أن الطهارة بالماء واجبة، ولا تسقط بالظن مع التمكن من العلم، فوجب على من عمل بالظن، ثم تبين خلافه الإعادة، فيعيد الصلاة إذا وجد الماء في رحله (¬12). ¬
[46 - 333] إجزاء التيمم للمسافر إذا وضع غيره الماء في رحله ولم يعلم
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (¬1)، والشافعية على قول (¬2)، والحنابلة في رواية (¬3)، فقالوا: يجزئه تيممه ذلك، ولا يعيد. واحتجوا بعدم تقصيره، وأنه مع النسيان غير قادر على الاستعمال (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [46 - 333] إجزاء التيمم للمسافر إذا وضع غيرُه الماءَ في رحله ولم يعلم: إذا أراد المسافر أن يصلي، وبحث عن الماء فلم يجده، ثم تيمم وصلى، وبعد ذلك وجد الماء في رحله، بعد أن وضعه غيره فيه دون علمه؛ فإنه يجزئه تيممه هذا. • من نقل الإجماع: المراغي (816 هـ) حيث يقول معددًا لعدد من الصور: "أو وضعه خلافه أو جيرانه، وهو لا يعلم. . .، وفي الثاني - يعني: الصورة الماضية - يجوز بالإجماع". نقله عنه العيني (¬5). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولو وضع غيره في رحله ماء، وهو لا يعلم به، فتيمم وصلى، ثم علم، لا رواية لهذا أيضًا، وقال بعض مشايخنا: إن لفظ الرواية في "الجامع الصغير" يدل على أنه يجوز بالإجماع" (¬6). السغناقي (710 هـ) حيث يقول: "فإنه لو وضعه غيره، وهو لا يعلم به؛ يجزئه بالإجماع". نقله عنه العيني (¬7). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "لو وضعه غيره، ولو عبده أو أجيره، بغير أمره لا يعيد اتفاقًا" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬9)، والشافعية على الأصح (¬10)، والحنابلة في وجه (¬11). ¬
[47 - 334] أقطع اليدين يتيمم إذا لم يجد من يوضئه ووجد من ييممه
• مستند الإجماع: 1 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال بأن الخطأ مرفوع عن الأمة، ومن الخطأ أن يصلي الإنسان متيممًا وهو لا يدري أن في رحله ماء (¬2). 2 - أن المرء مخاطب بفعله، ولا يخاطب بفعل الغير، ومن وُضع في رحله ماء، فهو ليس من فعله (¬3). • الخلاف في المسألة: نقد العيني دعوى الإجماع هذه، وقال: ليست بصحيحة (¬4). خالف الشافعية على قولٍ من أحد الطريقين عندهم (¬5)، والحنابلة على الصحيح (¬6)، فقالوا بعدم الإجزاء، ووجوب الإعادة للصلاة. ويمكن أن يحتج له بأن الماء قريب منه، وتبين إمكان استعماله.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [47 - 334] أقطع اليدين يتيمم إذا لم يجد من يوضئه ووجد من ييممه: إذا لم يجد أقطع اليدين من يوضئه، ووجد من ييممه، فإن التيمم يلزمه في هذه الحالة. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وإن وجد من ييممه، ولم يجد من يوضئه، لزمه التيمم؛ كعادم الماء إذا وجد التراب، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا" (¬7). ¬
[48 - 335] لا يجوز التيمم بالمعادن
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية على الصواب عندهم (¬3). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أسقط التكليف على ما ليس في وسع الإنسان، ومن لم يستطع الوضوء، ويستطيع التيمم، فإنه يقوم بما يستطيع من التيمم، فمن كان أقطع اليدين، ولم يجد من يوضئه، ووجد من ييممه، فإنه يتيمم؛ لأنه استطاعته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أبو الخير يحيى بن سالم صاحب "البيان" من الشافعية (¬4)، فقال بأنه لا يتيمم، بل يصلي على حاله. وقال النووي عن هذا القول: "وهذا شاذ ومنكر" (¬5).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، أما ما ذكره النووي من معارضة صاحب "البيان"، فقد أجاب عنه النووي بأنه شاذ ومنكر، ولم يتابعه أحد عليه، فهو خطأ ولا يُنقض بمثله، واللَّه تعالى أعلم. [48 - 335] لا يجوز التيمم بالمعادن: إذا أراد المسلم أن يتيمم، فلا يجوز له أن يتيمم بالمعادن التي تنطبع (¬6). • من نقل الإجماع: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ومكان الإجماع على المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، والفضة، والياقوت، والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات" (¬7). ونقله عنه العيني (¬8). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن ما ينطبع، كالحديد والنحاس ¬
والرصاص لا يسمى صعيدًا، ولا يجوز التيمم به" (¬1). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "فتلخص أن المتيمَّم به ثلاثة أقسام: . .، وغير جائز اتفاقًا، وهو المعادن والتراب النجس" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية في قول (¬4)، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. • وجه الدلالة: أمره تعالى بالمسح يقتضي أن يمسح بما له غبار يعلق بعضه بالعضو، والمعادن لا غبار لها؛ فلم يجز التيمم بها (¬6). 2 - حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق الصلاة على الأرض، ثم نزل في التيمم إلى التراب، فلو جاز التيمم بجميع الأرض لما نزل عن الأرض إلى التراب (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول (¬9)، وابن حزم (¬10) في المسألة، فقالوا: يجوز التيمم بها إذا كانت ما زالت على الأرض، فالتيمم بها جائز. وأشار ابن حزم للخلاف في المسألة، باستثناء المعادن من الاتفاق بين العلماء (¬11). ووجهه: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. إذ أن الصعيد ما صعد على وجه الأرض، وهو يشمل كل ذلك، فيجوز التيمم بها ما ¬
[49 - 336] التيمم على الأطعمة ممنوع
دامت على الأرض (¬1). وخالف الأوزاعي، والثوري (¬2)، والحنابلة في قول (¬3)؛ فقالوا: يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض. واحتجوا بأن الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [49 - 336] التيمم على الأطعمة ممنوع: إذا أراد المسلم أن يتيمم على الأطعمة، فإنه لا يجوز، وقد حكى القرطبي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "ومكان الإجماع على المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، والفضة، والياقوت، والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالتيمم بالصعيد، وليس الطعام منه، فلا يجوز التيمم به إلا بدليل يجوز ذلك، ولا يوجد، فدل على عدم جواز التيمم بالطعام، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (¬9). ¬
[50 - 337] التيمم على الرماد لا يجوز
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف التراب بأنه طهور، يُتطهر به بدلًا عن الماء، ولا دليل على أن الطعام يقوم مقامه كذلك، فدل على عدم جواز التيمم بالطعام، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [50 - 337] التيمم على الرماد لا يجوز: إذا أراد المسلم أن يتيمم على الرماد، فإنه لا يجوز له ذلك بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "ولا يجوز التيمم بالرماد بالإجماع؛ لأنه من أجزاء الخشب" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. 2 - حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (¬5). • وجه الدلالة: أن النصين الكريمين السابقين جعلا التيمم على الصعيد أو التراب، وأما الرماد ففيه تدخل البشر بالحرق، وليس ترابًا، فلم يجز التيمم به (¬6)، واللَّه أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. * * * ¬
الباب العاشر: مسائل الإجماع في باب إزالة النجاسة
الباب العاشر: مسائل الإجماع في باب إزالة النجاسة [1 - 338] غسل النجاسة مأمور بها: إذا أراد المسلم أن يصلي فإنه يجب عليه أن يزيل النجاسة عنه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "غسل النجاسة واجتناب المحرمات فرض بلا خلاف" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثياب والبدن، وألا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب" (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الأبدان، ثم الثياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة؛ لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]. • وجه الدلالة: حيث أمر اللَّه تعالى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بتطهير ثيابه، والثياب غير القلوب عند العرب، وهي لغة القرآن، فدل ذلك على أن غسل النجاسة مأمور بها (¬7). 2 - أحاديث أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لغسل دم الحيض (¬8)، إذ فيها الأمر بغسل النجاسة، مما يدل على أن غسل النجاسة مأمور به. 3 - حديث أبي السمح -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يغسل من بول الجارية، ¬
[2 - 339] إزالة النجاسة من الثياب مأمور بها
ويرش من بول الغلام" (¬1). • وجه الدلالة: حيث أمر بغسل النجاسة وتطهيرها. 4 - فيما يخص المساجد فيستند لحديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما قضى بوله أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذنوب من ماء فأهريق عليه" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بغسل مكان النجاسة في المسجد، وهو موضع الصلاة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [2 - 339] إزالة النجاسة من الثياب مأمور بها: إذا وقعت نجاسة في الثوب فإن المصلي مأمور بإزالتها، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثياب والبدن، وألا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الأبدان، ثم الثياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة؛ لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة" (¬4). ¬
[3 - 340] النجاسة تزول بالماء
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: حديث أبي السمح -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بإزالة البول في الحديث، سواء بالرش أو الغسل، وهذا الأمر عام في البدن والثياب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة المالكية على المشهور عندهم (¬5) أن غسلها سنة مؤكدة. وقد رأى الحطاب أن الخلاف في مذهبهم هنا لفظي، حيث إنهم متفقون على أن من صلى عامدًا ذاكرًا للنجاسة أن صلاته باطلة في الوقت (¬6). وقد استدلوا بأنه لا دليل على وجوب غسل الثياب (¬7).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف المنسوب للمالكية، فقد سبق الجواب عنه، وأنه خلاف لفظي، ولذا من حكى الإجماع في مسألتنا هما اثنان من كبار علماء المالكية، وهم أعرف بمذهبهم، واللَّه تعالى أعلم. [3 - 340] النجاسة تزول بالماء: النجاسة إذا عوملت بالماء فإنها تزول، ويطهر المحل به إذا ذهب أثرها، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل موضع النجاسات متبعًا بالماء حتى لا يبقى لها أثر ولا ريح فقد أنقى وطهر" (¬8). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات، ¬
وأنه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات" (¬1). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنه مطهر لها" (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول عن أنواع ما يحصل به التطهير: "منها الماء المطلق، ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعًا" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما الشيء الذي يزال به، فإن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال -يقصد: البدن والثوب والمسجد" (¬4). ويقول أيضًا: "واتفقوا على أن الغسل عام لجميع أنواع النجاسات، ولجميع محال النجاسات" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول في سياق نقاشٍ له: "أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع" (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول في سياق كلام له: "لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع" (¬7). ابن القيم (751 هـ) حيث يقول: "إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس، فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأن النجاسة تزول بالماء حِسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع" (¬8). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "قوله: (يطهر البدن والثوب بالماء) وهذا بالإجماع" (¬9). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول عن النجاسة: "فتزول بالماء حِسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع" (¬10). ¬
[4 - 341] الحدث لا يرفعه إلا الماء
• مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: وَصَف اللَّه تعالى الماء بأنه طهور، وهو فعول متعدي، فهو طاهر في نفسه، ومتعدٍّ مطهرٍ لغيره (¬1). 2 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة وعَنَزَة (¬2)، فيستنجي بالماء" (¬3). • وجه الدلالة: ذكر أنس من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يستنجي من النجاسة بالماء، وهذا نوع من إزالة النجاسة، وهي سنة فعلية.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [4 - 341] الحدث لا يرفعه إلا الماء: إذا أحدث المتوضئ، وأراد رفع الحدث، فلا يرفعه إلا الماء، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الغزالي (505 هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (¬4). نقله عنه النووي (¬5). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الحدث لا يرفعه على الإطلاق إلا الماء" (¬6). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدلَّ دليلٍ على أن الطهور هو المطهر" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الماء هو الأصل في الطهارة، ولم يبح الانتقال ¬
[5 - 342] إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية
لغيره إلا لعدمه، مما يدل على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء. 2 - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى الماء طهورًا، ولم يسمِّ غيره بالطهور، إلا ما ورد في التراب، ولاستعماله شروط من أهمها: عدم الماء أو الضرورة، وهذا يدل على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 342] إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية: • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "الإجماع على إزالة النجاسات من الأبدان والثياب بغير نية" (¬2). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية" (¬3). ونقله عنه النووي (¬4)، وابن قاسم (¬5). الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "فأما طهارة النجس فلا تفتقر إلى نية إجماعًا" (¬6). نقله عنه النووي (¬7). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية" (¬8). وكان ذكر قبلها مباشرة أن غسل النجاسة من العبادات المعقولة المعنى. القرطبي (671 هـ) حيث يقول مستدلًّا للحنفية في قولهم في نية الوضوء: "قياسًا على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية" (¬9). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ومن قال -من أصحاب الشافعي وأحمد- إنه ¬
يعتبر فيها النية، فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته الأئمة الأربعة" (¬1). ونقله الحطَّاب عن أربعة من أهل العلم: عن ابنِ القصار (397 هـ)، وابنِ الصلاح (643 هـ) بلفظ الإجماع، وابنِ بشير (القرن السادس)، وابنِ عبد السلام (749 هـ) بلفظ الاتفاق (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3). • مستند الإجماع: أن إزالة النجاسة من باب التروك، فهي كترك المحرمات؛ كالزنا واللواط والربا وسائر ما أمر باجتنابه، كذا في إزالة النجاسة؛ إذ أنها شيءٌ طارئٌ على الأصل (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول عندهم نقله القرافي، بأنها شرط للإزالة (¬5). وقال به بعض الشافعية في وجهٍ عندهم، فقالوا: إنها تفتقر إلى النية (¬6). وحُكي عن ابن سريج -ونفاه البعض عنه- وعن أبي سهل الصعلوكي (¬7). وهو قولٌ عند الحنابلة (¬8). واستدلوا بالقياس على طهارة الحدث، فكما تشترط النية في طهارة الحدث، فكذا في طهارة النجس (¬9). واستدل له القرافي بأنه مبني على أن الإزالة من باب المأمورات لا التروك (¬10). وخالف الحنابلة في قول ثالث أنه إن كانت النجاسة على البدن فالنية شرط، وإلا فلا (¬11). وليس على هذا دليل. ¬
[6 - 343] النجاسة لا تعامل بالمائعات غير المزيلة لها
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، فمما سبق تبينت شهرةُ القول المخالف في المسألة، وأنه ليس مقتصرًا على أتباع مذهب واحد فقط، بل له قائلون متفرقون بين المذاهب، واللَّه تعالى أعلم. [6 - 343] النجاسة لا تعامل بالمائعات غير المزيلة لها: إذا وقعت نجاسة على المحل، وأُريد إزالتها، فإنها لا تعامل بالمائعات التي لا تزيلها، وقد نفي ابن قدامة الخلاف في أنها لا تزال لها (¬1). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فأما ما لا يزيل كالمرق واللبن؛ فلا خلاف في أن النجاسة لا تزال به" (¬2). ونقل ابن قاسم نحو عبارته دون إشارة (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفى الخلاف الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند نفي الخلاف: لم أجد نصًّا في ذلك، ولكن يمكن الاستدلال بالمعقول: فإزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة، فما دام أنه لا بد من إزالتها، فإنها تزال بما يمكنه إزالتها به من المياه أو غيرها من المائعات التي تزيل النجاسة -على قول الحنفية (¬7). وأما محاولة إزالتها بما لا يمكنه إزالتها فهو نوع من العبث. ¬
[7 - 344] نجاسة رجيع الآدمي
فوجب إذًا الالتزام في الإزالة بأحد أمرين: إما بالماء، أو بالمائعات المزيلة للنجاسة - على قول الحنفية. • الخلاف في المسألة: لم أجد خلافًا على أصل المسألة، وهي أن ما لا يزيل النجاسة لا يزال به، ولكن وجدت خلافًا في أحد مثالي ابن قدامة، وهو اللبن؛ إذ فيه قول مخالف عند الحنفية، ذكره أبو بكر العبادي بأنه يزال به (¬1). ويمكن أن يستدل له بأنه يمكن الإزالة به.Rأن نفي الخلاف في المسألة متحقق -سوى ما ذكرت من الخلاف عند الحنفية في أحد أفراد المسألة وهو اللبن- وذلك لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [7 - 344] نجاسة رجيع الآدمي: ما يخرج من الآدمي من غائط فإنه نجس، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن بول ابن آدم إذا كان كثيرًا ولم يكن كرؤوس الإبر، وغائطه نجس" (¬2). ويقول أيضًا -في معرض حديث له: "إننا إن لم نجد نصًّا على تحريم الأبوال جملة، والأنجاء جملة، وإلا فلا يحرم من ذلك شيء، إلا ما أُجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعِه، إلا بول الصبي الرضيع" (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول شارحًا للمتن: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس، يعني: ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا" (¬5). ¬
[8 - 345] نجاسة غائط الكبير والصغير لا فرق بينها
النووي (676 هـ) حيث يقول: "ويغني عنه (¬1) الإجماع على نجاسة الغائط" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3). • مستند الإجماع: أن الشرع المطهر قد أمر بأن يُتطهر بالماء من الغائط، أو أن يُمسح بالحجر، وأن لا يكون أقل من ثلاثة أحجار، وأن يُزال بالماء إذا وقع على البدن أو الثوب أو المصلى، وكل ما ورد من نصوص في باب الاستنجاء تدل على نجاسة الغائط، وإلا لما أمرنا بذلك، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [8 - 345] نجاسة غائط الكبير والصغير لا فرق بينها: لا فرق بين غائط الآدمي الصغير والكبير في النجاسة، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولا فرق بين غائط الصغير والكبير بالإجماع" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: أن النصوص الواردة في الطهارة من الغائط، والدالة على نجاسته لم تفرق بين الكبير والصغير، مما يدل على شمولهما بالحكم دون فرق، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [9 - 346] نجاسة بول الآدمي الكبير الذي يأكل الطعام: ما يخرج من الإنسان من البول نجس، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. ¬
ويجب تحديد الإنسان هنا بمن يأكل الطعام، فالصغير والصغيرة اللذان لا يأكلان الطعام لا يدخلان في الحديث هنا، ففي نجاسة بولهما خلاف ليس هذا محله (¬1). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على نجاسة البول" (¬2). ونقله عنه النووي (¬3)، والعيني (¬4). الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كلٌ قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة، فكانت أبوالهم -باتفاقهم- محكومًا لها بحكم دمائهم، لا بحكم لحومهم" (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن بول ابن آدم، إذا كان كثيرًا ولم يكن كرؤوس الإبر، وغائطه نجس" (¬6). ويقول أيضًا - في معرض حديث له: "إننا إن لم نجد نصًّا على تحريم الأبوال جملة، والأنجاء جملة، وإلا فلا يحرم من ذلك شيء، إلا ما أُجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه" (¬7). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس" (¬8). السرخسي (483 هـ) حيث يقول: "والتقدير بالدرهم فيما اتفقوا على نجاسته، كالخمر، والبول، وخرء الدجاج" (¬9). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "اتفقت الأمة على نجاسة البول في الجملة" (¬10). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعِه، إلا بول الصبي الرضيع" (¬11). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول شارحًا للمتن: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس، يعني: ما خرج من السبيلين، ¬
كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين" (¬2). الحافظ العراقي (806 هـ) حيث يقول: "فيه (¬3) نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع من العلماء، إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس" (¬4). وهذا الاستثناء منه لا يخرم الإجماع؛ لأننا سبق وأن أخرجنا هذه الصورة من مسألتنا. العيني (855 هـ) حيث يقول: "بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد" (¬5). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "والحديث فيه (¬6) دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع" (¬7). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬8) يدل على نجاسة البول من الإنسان، ووجوب اجتنابه، وهو إجماع" (¬9). وقال أيضًا: "واستدل بحديث الباب (¬10) أيضًا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه" (¬11). • مستند الإجماع: حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، قال: "جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما قضى بوله أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذنوب من ماء فأهريق عليه" (¬12). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بإهراق الماء عليه فدل على نجاسته، ولو لم يكن ¬
[10 - 347] نجاسة بول الصغير الذي يأكل الطعام كالكبير
كذلك لما أمر بصب الماء عليه (¬1). • الخلاف في المسألة: يقول الخرشي في "شرحه على خليل": "فأما بول الآدمي غير الأنبياء فقد اختلف المذهب فيه، والمشهور نجاسته" (¬2)، قال ذلك بعد أن ذكر خليل نجاسة بول وعذرة الآدمي (¬3). وهذا في البول، أما الغائط فنقل العدوي في "حاشيته على الخرشي" عدم الخلاف فيه (¬4). ثم استبعد العدوي وجود الخلاف في الكبير، ونقل وجوده في البول الذي زالت رائحته، والمريض الذي لا يستقر الماء في بطنه، وينزل بصفته (¬5). ولم يحك المِوَّاق خلافًا عن مالك في ذلك، أثناء شرحه لنفس الموضع من كلام خليل في أن البول نجس (¬6)، وكذا الحطاب في "شرحه" (¬7)، وعليش في "شرحه" (¬8). ويقول الباجي -بعد أن قرر نجاسة بول الصبي: "هذا مذهب مالك في بول الصبي والجارية، سواء أكلا الطعام أو لم يأكلاه" (¬9). ولذا يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن الخلاف متحقق فعلًا، ولكن في الصغير والصغيرة اللذان لم يأكلا الطعام.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [10 - 347] نجاسة بول الصغير الذي يأكل الطعام كالكبير: بول الطفل الصغير الذي فطم عن ثدي أمه وأصبح يأكل الطعام، فإن بوله نجس بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على أن كل صبي يأكل الطعام، ولا يرضع نجس، كبول أبيه" (¬10). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعِه، إلا ¬
[11 - 348] نجاسة بول الرجل والمرأة بلا فرق
بول الصبي الرضيع" (¬1)، فقد استثنى الرضيع فقط. العيني (855 هـ) حيث يقول: "وبول الكبير والصغير سواء عند سائر العلماء، إلا ما يروى عن داود أن بول الصغير طاهر" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: أن الصبي الذي يأكل الطعام كالكبير لا فرق بينهما إلا في الحجم، وإذا قيل بطهارة بول الصغير الذي لا يأكل، فإن ذلك عائد إلى أنه يشرب الحليب فقط، وأما من يأكل الطعام فهو كالكبير في هذا، فوجب أن يكون حكمهما واحد، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [11 - 348] نجاسة بول الرجل والمرأة بلا فرق: المسألة الماضية كانت تتحدث عن حكم بول الآدمي في ذاته، وهنا النص على أنه لا فرق في نجاسة البول بين الرجل والمرأة، وقد أجمع العلماء على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة" (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأيضًا فقد جاء القرآن والسنة والإجماع المتيقن بإفساد علتكم هذه، وإبطال قياسكم هذا؛ لصحة كل ذلك بأن لا تقاس أبوال النساء ونجوهن على ألبانهن في الطهارة والاستحلال" (¬6). أي أن أبوالهن عكس ألبانهن في الطهارة، وهذا في بول النساء ونجوهن خاصة. • مستند الإجماع: أن كل النصوص الدالة على نجاسة البول ليس فيها ما يدل على التفريق بين الرجل والمرأة، وهما مقصودان في التشريع معًا، إلا أن يأتي استثناء، ولا استثناء في ذلك، فدل على أنه لا فرق بينهما في مسألتنا.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[12 - 349] نجاسة المذي
[12 - 349] نجاسة المذي: المذي: هو ماء لزج رقيق، يخرج عقيب الشهوة، على طرف الذكر (¬1)، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على نجاسته. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (¬2). ويقول أيضًا: "وإنما النجاسة في الميتة، وفيما ثبتت معرفته عند الناس من النجاسات المجتمع عليها، والتي قامت الدلائل على نجاستها، كالبول، والغائط، والمذي، والخمر" (¬3). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على نجاسة المذي والودي كالدم" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي" (¬5). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن المذي نجس" (¬6). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على أن المذي نجس" (¬7). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "والمذي نجس إجماعًا" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والحنابلة على المشهور (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "كنت رجلًا مذاء، فأمرت المقداد ¬
[13 - 350] نجاسة الودي
أن يسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فسأله فقال: "توضأ، واغسل ذكرك" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر عليًّا بالوضوء وغسل الفرج من خروج المذي، مما يعني نجاسته ووجوب تطهير موضعه. 2 - أن المذي خارج من سبيل الحدث كالبول، ولا يُخلق منه طاهر كالمني، فهو كالبول فيأخذ حكمه (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا بطهارة المذي (¬3). ونسب ابن قدامة هذا القول -طهارة المذي- لابن عباس (¬4). وعللوا لهذا القول بأنه ليس من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب، وأن المذي جزء من المني؛ لأن سببهما جميعًا الشهوة، ولأنه خارج تخلله الشهوة، أشبه المني (¬5).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 350] نجاسة الودي: الودي هو: ماء أبيض، يخرج عقيب البول خاثر (¬6)، وقد حُكي الإجماع على نجاسته. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (¬7). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على نجاسة المذي والودي كالدم" (¬8). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "يعني ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة، نذكرها إن شاء اللَّه تعالى" (¬9)، ثم ذكر خلافًا في المذي، مما يعني عدم حكايته لنفي ¬
[14 - 351] طهارة ما يرشح من الحيوان المأكول
الخلاف فيه، وذكر الودي، ولم يذكر خلافًا فيه (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي" (¬2). الشربيني (977 هـ) حيث يقول في سياق ذكره لأنواع الأنجاس: " (وودي). . قياسًا على ما قبله، وإجماعًا" (¬3). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وأما الودي فنجس إجماعًا" (¬4). • مستند الإجماع: 1 - أن الودي يقاس على البول، فحكمه وحكم البول سواء؛ لأنه خارج من مخرج البول، وجارٍ مجراه دون شهوة (¬5). 2 - أن الودي يخرج عقب البول، لا عقب الشهوة، مما يدل على أنه تبع له، فيأخذ حكمه. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا بأنه طاهر (¬6). وعللوا ذلك بالقياس على المني (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [14 - 351] طهارة ما يرشح من الحيوان المأكول: ما يرشح من الحيوان مأكول اللحم، من ريق ودمع وعرق ولبن طاهر، وقد حُكي الاتفاق في المسألة. • من نقل الاتفاق: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: ما أكل لحمه، فالخارج منه ثلاثة أنواع: . . . الثاني: طاهر، وهو الريق، والدمع، والعرق، واللبن، فهذا لا نعلم فيه خلافًا" (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما قوله -الماتن-: (كرطوبات البدن)، فمعناه: ¬
[15 - 352] طهارة بول مأكول اللحم
أنها طاهرة بالاتفاق، وهو كما قال" (¬1)، ثم نفى الخلاف بعدها أيضًا، ونص على الدمع اللعاب والعرق والمخاط (¬2). وعبارته تدل على المذهب، وذكرتها للاعتضاد. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4). • مستند الاتفاق: أن ما يرشح من الحيوان المأكول ليس له اجتماع واستحالة في باطن الجسد، وإنما يرشح رشحًا، فيكون حكمه حكم الحيوان المنفصل عنه، فما دام أنه مأكولًا فما رشح عنه فهو طاهر (¬5).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [15 - 352] طهارة بول مأكول اللحم: بول مأكول اللحم ليس كبقية الأبوال، فهو طاهر، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على طهارته. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث نقل عنه ابن تيمية، أنه نقل القول بطهارة أبوال ما يؤكل لحمه عن عامة السلف (¬6). والذي وجدته من كلامه: "وأجمعوا أن الصلاة في مرابض الغنم جائزة، وانفرد الشافعي، فقال: إذا كان سليمًا من أبوالها" (¬7). ونقله ابن قدامة عنه هكذا (¬8)، وقال أيضًا: "وهو إجماع، كما ذكر ابن المنذر" (¬9)، أي: في الصلاة في مرابض الغنم. ¬
ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وقد ذكرنا عن ابن المنذر وغيره، أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها -أبوال مأكول اللحم- ومن المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، والثوري، والنخعي (¬2)، وداود، والظاهرية بإطلاق سوى الآدمي (¬3)، وقد نسبه الترمذي إلى أكثر أهل العلم (¬4)، وهو وجه للشافعية (¬5)، والمالكية (¬6)، والمشهور من مذهب الحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- (حديث العرنيين) الذي فيه: "أمر لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذَوْدٍ (¬8) وراعٍ، ورخص لهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرهم بأن يشربوا من أبوال الابل، مما يدل على طهارتها. 2 - حديث أنسٍ أيضًا: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي في المدينة حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم" (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي في مرابض الغنم، وهي الأماكن التي تربض فيها وتستريح، وينتج غالبا عن ذلك أنها تبول وتتبرز فيها، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يصلي فيها، مما يدل على أنها طاهرة (¬11). ¬
• الخلاف في المسألة: حكى ابن تيمية نفسه عن الشافعي، أنه قال بأن أبوال الأنعام وأبعارها نجسة (¬1). ولكنه أجاب عنه بأنه لم يعرف هذا القول عن أحد قبله، مما يجعله مخالفًا للإجماع (¬2). وهذا القول -أي: بالنجاسة- هو مذهب أبي حنيفة (¬3)، والشافعي (¬4)، وهو رواية عن أحمد (¬5)، وقول الحسن البصري (¬6)، وابن حزم (¬7). واستدلوا بقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] والعرب تستخبث هذا (¬8). وبأنه داخل في عموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- كما في حديث ابن عباس: "تنزهوا من البول" (¬9). ولأنه رجيع، فكان نجسًا كرجيع الآدمي (¬10). وهناك قول ثالث بطهارة البول دون الروث، وهو قول الليث، ومحمد بن الحسن (¬11). واحتجوا بحديث العرنيين، وأخذوا به فيما ورد به وهو البول، دون الروث (¬12).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وعدد منهم من المتقدمين، ونسبه الترمذي للجمهور، وهذا يدل على وجود الخلاف، مما يبطل ¬
[16 - 353] نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه
دعوى الإمام ابن تيمية، وقد يكون لا يقصد الإجماع الاصطلاحي كما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [16 - 353] نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه: روث ما لا يؤكل لحمه أنواع؛ فالكلب والخنزير ناقشتهما في مسألة مستقلة، والهرة وما دونها في الخلقة كذلك، وما لا نفس له سائلة فلا يدخل أيضًا؛ لوجود الخلاف فيه، أما ما عداهما من سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار ونحوها؛ فهذه كلها تدخل في مسألتنا، وحكى عدد من العلماء الإجماع على نجاسة روثها. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما العذرات وخرء الدجاج والبط، فنجاستها غليظة بالإجماع" (¬1). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن روث ما لا يؤكل لحمه نجس إلا أبا حنيفة، فإنه يرى أن ذرق سباع الطير، كالباز والصقر والباشق ونحوه طاهر" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة" (¬3). الخرشي (1101 هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي؛ فإنه نجس اتفاقًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية، في غير خرء سباع الطير، ما لم يكن فاحشًا (¬5)، والحنابلة على المذهب (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، قال: "أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا رِكْس" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علل نجاسة الروث بأنه ركس، ولم يستجمر به؛ فكان ¬
[17 - 354] نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه
نجسًا، مع أنه يمكن أن يكون روث حيوان مأكول، وحينئذ يحكم في مسألتنا من باب أولى (¬1). 2 - القياس على نجاسة روث الإنسان، مع أن الإنسان أطهر منها، فهي نجسة من باب أولى. • الخلاف في المسألة: خالف أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية عنه، في خرء سباع الطير، فقالا بأنه لا يضر ما لم يكن كثيرًا فاحشًا (¬2). وقال محمد بن الحسن وأبو يوسف في رواية بأن نجاسته مغلظة ما لم يكن قدر درهم (¬3). قالوا: لما في التحرز منه من المشقة. وخالف النخعي، وداود (¬4)، وأحمد في رواية مشهورة عنه في هذه المسألة أيضًا بأن أرواث ما لا يؤكل لحمه وأبوالها طاهرة (¬5). وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها (¬6). واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل في الأرواث النجاسة فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [17 - 354] نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه: بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات نجس، وحكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع" (¬8). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل ¬
لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات، التي لا يؤكل لحمها، فنجس عندنا، وعند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة" (¬2). العيني (855 هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فينجس عند العلماء قاطبة، كالأئمة الأربعة وغيرهم، إلا ما نقل عن النخعي أنه طاهر، وحكى ابن حزم عن داود أن الأبوال والأرواث طاهرة من كل حيوان، إلا الآدمي، وهذا في نهاية الفساد" (¬3). الخرشي (1101 هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي فإنه نجس اتفاقًا" (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم الخبائث، والأبوال من الخبائث، ومنها ما يخرج من الحيوانات التي لا تؤكل، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الأصل في الأبوال النجاسة، ومنها أبوال ما لا يؤكل، ولا دليل على إخراجها من هذا الأصل. • الخلاف في المسألة: خالف النخعي، وداود (¬5)، وأحمد في رواية مشهورة عنه بأن أبوال ما لا يؤكل لحمه طاهرة (¬6). وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها (¬7). واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل فيها النجاسة، فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[18 - 355] جواز التداوي بأبوال الإبل
[18 - 355] جواز التداوي بأبوال الإبل: سبقت مناقشة طهارة أبوال مأكول اللحم، ومنها الإبل، ونناقش الآن حكم التداوي ببول الإبل إذْ نُفي الخلاف في المسألة. وهنا قيد لا بد منه، وهو أن التداوي هنا للضرورة، وإلا أصبحت المسألة خلافية. • من نقل نفي الخلاف: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ولست أعلم مخالفًا في جواز التداوي بأبوال الإبل" (¬1). الحطّاب (954 هـ) حيث يقول: "يجور التداوي بشرب بول الأنعام بلا خلاف" (¬2). وكلامه يشمل الإبل وغيره، وهو يقصد -واللَّه تعالى أعلم- الخلاف في المذهب عندهم. • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف محمد بن الحسن للتداوي وغيره (¬3)، وأبو يوسف للتداوي فقط (¬4)، كما وافق المالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند نفي الخلاف: حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- (حديث العرنيين)، حيث "أمر لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذَوْدٍ وراعٍ، ورخص لهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرهم بأن يتداووا من أبوالها، وقد كانوا مَرِضوا من جوِّ المدينة، فأوصاهم عليه الصلاة والسلام بأن يتداووا بها، مما يدل على جواز التداوي بها. • الخلاف في المسألة: خالف أبو حنيفة، فقال بعدم جواز التداوي وغيره (¬10)، ¬
[19 - 356] نجاسة بول الكلب
الشافعية -في وجه عندهم- (¬1)، وقال عنه النووي بأنه شاذ (¬2)، أنه لا يجوز التداوي بشيء من النجاسات مطلقًا، وقد علمنا أنهم يرون نجاسة أبوال مأكول اللحم (¬3). وظاهر كلامٍ لأحمد أنه لا يجوز (¬4). قالوا: لأنه نجس -عند الحنفية ووجه الشافعية-، أو مستخبث عند غيرهم، وقد سبق بحث حكم أبوال مأكولة اللحم، من حيث الطهارة وعدمها، وقولهم هنا مبني على رأيهم هناك فتراجع هناك.Rأن نفي الخلاف في المسألة غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 356] نجاسة بول الكلب: بول الكلب نجس، حُكي الإجماع على ذلك، وسنناقش هذا في مسألتنا هذه. • من نقل الإجماع: البيهقي (458 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على نجاسة بولها -الكلاب-" (¬5). ونقله عنه النووي رحمه اللَّه (¬6). ابن المنيِّر (683 هـ) حيث نقل عنه ابن حجر أنه نقل الاتفاق على نجاسة بول الكلب" (¬7). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "ورُدّ (¬8) بأن البول مجمع على نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد (¬9) حجة يعارض بها الإجماع" (¬10). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬11)، . . . . . . . . ¬
والمالكية (¬1)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات" (¬4). • وجه الدلالة: أن الطهارة إنما تكون عن حدث، أو نجس، ولا حدث على الإناء، فتعين أن يكون ذلك لنجاسته (¬5)، وإذا كان هو نجس العين فبوله من باب أولى. • الخلاف في المسألة: من قال بطهارة الكلب، ويقول بطهارة بول غير المأكول فلا بد أن يصرح برأيه في الكلب، وإلا فهو داخل في عموم قوله، ولم أجد منهم تصريحًا، وهو قول عند المالكية (¬6)، ورواية عند الحنابلة (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. وقد يستدل لهذا القول بحديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك" (¬8). وتعقب ابن حجر قول ابن المنير السابق بأن من يقول: أن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر، يقدح في نقل الاتفاق، لا سيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، ونقله عن ابن وهب (¬9)، وقد سبق ذكر لهذا القول ومن قال به. أما أكل الكلب (¬10)، فالمشهور من المذهب عند المالكية أن الذكاة لا تعمل فيه ¬
[20 - 357] نجاسة الدم المسفوح
فيكون ميتة، وهو محرم الأكل (¬1). وهناك قول عندهم بكراهة أكله (¬2)، وعليه فمن أكله فهو غير آثم، وهو ممن يؤكل لحمه، فيدخل في بول مأكول اللحم، الطاهر عند المالكية.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [20 - 357] نجاسة الدم المسفوح: الدم المسفوح: هو الدم السائل (¬3)، ويقال: سفح الماء إذا انصب فهو مسفوح (¬4). فإذا كان الدم مسفوحًا، فإنه يكون نجسًا، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. وهناك مستثنيات في هذه المسألة، لا تدخل فيما نحن بصدده، وبما أنه قد يشتبه على القارئ دخولها؛ فسأذكرها وهي: 1 - الدم اليسير. 2 - دم عروق المأكول. 3 - دم السمك. 4 - دم البق والذباب ونحوه، مما لا نفس له سائلة. 5 - دم الشهيد. 6 - الكبد والطحال. 7 - المسك. 8 - العلقة التي يخلق منها الإنسان، والحيوان الطاهر. فهذه الدماء المستثناة، منها ما هو متفق على طهارته، ومنها ما اشتهر الخلاف فيها، ولذا فهي خارجة عما نحن بصدده (¬5). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الكثير من الدم، أيَّ دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس" (¬6). ويقول أيضًا: "فإن الدم الذي في أعلى القدر، إن كان أحمر ظاهرًا فهو بلا شك مسفوح، ولا خلاف في تحريمه" (¬7)، ونفيه للخلاف هنا منصب على الدم المسفوح، ¬
وليس الكلام السابق. ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس" (¬1). ويقول أيضًا: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس" (¬2). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: . . . وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي، انفصل من الحي، أو الميت، إذا كان مسفوحًا، أعني كثيرًا" (¬3). ويقول أيضًا: "اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس" (¬4). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس" (¬5). ويقول أيضًا: "ذكر اللَّه تعالى الدم ها هنا مطلقًا، وقيده في الأنعام بقوله: "مسفوحا" وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعًا" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب "الحاوي" عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر" (¬7). وحكى الشوكاني عنه الإجماع في دم الحيض (¬8). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "والدم المسفوح نجس إجماعًا" (¬9). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "والدم نجس اتفاقًا" (¬10). العيني (855 هـ) حيث يقول: "ونجاسته مجمع عليها بلا خلاف، وهو حجة قطعية، والمراد من الدم الدم المسفوح" (¬11). ويقول: "وفيه (¬12) دلالة على نجاسة الدم، وهو إجماع المسلمين" (¬13). ¬
ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع" (¬1). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) في سياق ذكره للنجاسات: "ودم إجماعًا" (¬2)، أي أن الدم نجس إجماعًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (¬4)، فدل على أن الدم المسفوح نجس. 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للمستحاضة: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (¬5). 3 - حديث أسماء -رضي اللَّه عنها-، قالت: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع به؟ قال: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالغسل في الحديث الأول، ولا يغسل إلا النجس، وفي الثاني أمر بالحت، ثم القرص، ثم النضح، مما يدل على نجاسة الدم (¬7). • الخلاف في المسألة: سبقت الإشارة إلى نقل النووي لخلاف بعض المتكلمين، ثم علق هو بعد ذلك بقوله: "ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصحيح، الذي عليه جمهور أهل الأصول، من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (¬8). ¬
[21 - 358] دم الحيض نجس
ولكن خالف في هذه المسألة محمد صديق حسن خان، وقال بنجاسة دم الحيض فقط، وأما ما عدا ذلك فهو على البراءة الأصلية عنده (¬1). واستدل بأن الأدلة فيها مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة، أو المساوية (¬2). وهو الأظهر من كلام الشوكاني، فلم يذكر في النجاسات سوى دم الحيض (¬3)، ولكن لم أجد له نصًّا صريحًا بموافقته لهذا القول. وقد قوى هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه اللَّه، مقيدًا بألا يكون الدم خارجًا من أحد السبيلين (¬4).Rالحقيقة أن المسألة مشكلة عندي (¬5)، وذلك لأنني لم أجد مخالفًا من المتقدمين، إلا ما ذكره النووي من مخالفة بعض المتكلمين دون تسمية، وهو من أهل القرن السابع، ثم لما وجدت مخالفة من ذكرت قبلُ من المتأخرين، ولسمو منزلتهم العلمية لم أستطع أن أجزم بعدم اعتبار مخالفتهم، ولذا أقول بأن المسألة محل إشكال عندي، خاصة وأني لم أجد مخالفًا متقدمًا، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 358] دم الحيض نجس: دم الحيض الذي يخرج من المرأة نجس، وهو نوع خاص من الدماء، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث نقل عنه الشوكاني حكايته الإجماع في دم الحيض (¬6). القرافي (684 هـ) حيث يقول عن دم الحيض: "وهو نجس إجماعًا" (¬7). ¬
[22 - 359] الدم القليل غير المسفوح متجاوز عنه
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والحنابلة (¬2)، وابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: يستند هنا بما استند به في نجاسة الدم، وقد ذكرت هناك حديثين في دم الحيض، فهي دالة على مسألتنا من باب أولى.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والخلاف الذي سبق ذكره في الدم لا يظهر أنه جارٍ في مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. [22 - 359] الدم القليلُ غيرُ المسفوحِ متجاوزٌ عنه: سبقت مناقشة نجاسة الدم، ولكن إذا كان الدم قليلًا غير مسفوح، فإنه متجاوز عنه. • من نقل الاتفاق: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام؛ لإجماع الجميع على ذلك" (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس، وأن القليل من الدم الذي لا يكون جاريًا مسفوحًا متجاوز عنه" (¬5). ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "يسير الدم يعفى عنه اتفاقًا من علمائنا من غير تجديد" (¬6)، أي: تجديد للوضوء، وعبارته هذه في الاتفاق في المذهبي، وأوردتها للاعتضاد. ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر، فيبقى الدم خطوطًا (¬7)، وهذا لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). ¬
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب، وابن جبير، وطاوس (¬1)، والحنفية (¬2)، ورواية عند المالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - أن أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- لم يكن يرى بالقطرتين من الدم في الصلاة بأسًا (¬6). 2 - أن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دمٍ، فحكه بين إصبعيه، ثم صلى، ولم يتوضأ" (¬7). • وجه الدلالة: حيث إنه فعل صحابي، وهو من الأدلة في قولٍ للعلماء، ولم يريا في اليسير شيئًا. 3 - أن التحرز من يسير الدم فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كما هو معلوم من القواعد الكلية. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة زفر (¬8)، ورواية عن مالك (¬9)، وأحمد في رواية عنه (¬10)، أنه لا يعفى عن يسير شيءٍ من النجاسات. وهو ظاهر كلام ابن حزم، فهو لا يفرق بين المسفوح وغيره، ويرى تحريم حتى الدم الذي يظهر على اللحم من العروق، وهو قليل (¬11). واستدلوا بعموم الأدلة الدالة على نجاسة الدم، حيث لم يفرق بين القليل ¬
[23 - 360] العفو عن دم البراغيث في البدن والثياب
والكثير (¬1).Rأن الاتفاق في المسألة غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [23 - 360] العفو عن دم البراغيث في البدن والثياب: إذا وقع على بدن الإنسان أو ثوبه دم برغوث، فإنه يتجاوز عنه، وعلى ذلك حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "وأما المعفو عن يسيره من النجاسات، فدم البراغيث للإجماع السلف عليه" (¬2). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، ورواية عند المالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: أن التحرز عن يسير النجاسات ومنها دم البراغيث أمر شاق، ويصعب التحرز منه، وربما أن الغالب في الإنسان أنه لا يدري عنه، والمشقة تجلب التيسير، فكان التجاوز عن دم البراغيث من التيسير الذي يأمر به الشرع، واللَّه أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من قال بعدم العفو عن يسير شيءٍ من النجاسات، وهم زفر (¬8)، ورواية عن مالك (¬9)، وأحمد في رواية عنه (¬10)، وهو ظاهر ¬
[24 - 361] جميع النجاسات بمثابة الدم
كلام ابن حزم (¬1)، كما سبق في مسألة التجاوز في قليل الدم. حيث إن دم البراغيث من يسير النجاسات.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [24 - 361] جميع النجاسات بمثابة الدم: • من نقل الإجماع: الخطابي (388 هـ) حيث يقول: "في هذا الحديث (¬2) دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، لا فرق بينه وبينها إجماعًا" (¬3). نقله عنه ابن حجر (¬4)، والشوكاني (¬5). كلام الإمام الخطابي غير دقيق، فالنجاسات أنواع، منها ما هو معفو عن يسيرها، كالدم ونحوه، ومنها ما لا يعفى عنه، كالعذرة على الثوب - مثلًا" (¬6). ولذا يقول الخرقي: "ولا يعفى عن يسير من النجاسات، إلا الدم، وما تولد منه من القيح والصديد" (¬7). وكذلك فمن المعلوم أن النجاسات أنواع، منها مغلظة ومخففة، ومنها عينية وحكمية، فالحكم العام كهذا غير دقيق. وحكاية الإجماع بالتعميم هكذا من دون تخصيص مسألة محددة قلّما يتحقق؛ إذ يدخل تحت هذا التعميم العديد من الصور والمسائل، فإذا كان الإجماع يصعب تحققه في مسألة بعينها، فكيف بعدة مسائل مشتركة. فكلامه يحتمل عدة مسائل لا ندري أيتها يريد، ولذا لا نستطيع بحث مسألة كهذه، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[25 - 362] نجاسة الخنزير
[25 - 362] نجاسة الخنزير: لا شك في تحريم أكل الخنزير، فقد نص القرآن على تحريمه، ولكن هل هو طاهر أو نجس؟ حكى عدد من العلماء الإجماع على نجاسته، وهي مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث نقل النووي (¬1)، والشربيني (¬2) أنه حكى الإجماع على نجاسة الخنزير في كتاب "الإجماع"، إلا أنني لم أجده فيه. ووجدت في "الأوسط" (¬3) ما نصه: "وأجمع أهل العلم على تحريم الخنزير، والخنزير محرم بالكتاب، والسنة، واتفاق الأمة"، وليس فيه تصريح بأنه على النجاسة. ونقله عنه ابن قاسم (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن لحم الميتة. . . وأن لحم الخنزير، وشحمه، وودكه، وغضروفه، ومخه، وعصبه حرام كله، وكل ذلك نجس" (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات: فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: . . . وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته. . . " (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وحكم الخنزير حكم الكلب -أي: في النجاسة- لأن النص وقع في الكلب، والخنزير شر منه وأغلظ؛ لأن اللَّه تعالى نص على تحريمه، وأجمع المسلمون على ذلك، وحرم اقتناؤه" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والشافعية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} الآية [المائدة: 3]. 2 - قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} الآية [الأنعام: 145]. ¬
[26 - 363] نجاسة لبن الكلب وما تولد منه
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص في أكثر من موضع في القرآن الكريم على تحريم الخنزير، بينما لم يحصل ذلك في الكلب، ومع ذلك كان نجسًا، فالخنزير من باب أولى. وفي الآية الثانية وصف اللَّه تعالى الميتة، والدم المسفوح، والخنزير بأنها رجس، والرجس هو النجس (¬1). 3 - ومن المعقول: فإن الكلب قد يجوز اقتناؤه في بعض الحالات، بينما لا يجوز ذلك في الخنزير بحال، فدل على أنه أشد من الكلب في التحريم والنجاسة (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في نجاسة الخنزير، فهم يقولون بحرمة شرب لبنه (¬3)، وأن لبنه نجس (¬4)، وأن الذكاة لا تعمل فيه، ويحرم أكله إجماعًا (¬5). إلا أن المذهب عندهم هو طهارة الخنزير في حالة الحياة (¬6). ولم أجد لهم دليلًا غير أن لديهم قاعدة: أن كل حي طاهر، سواء كان بحريًّا، أو بريًّا، أو متولدًا من عذرة، أو كلبًا، أو خنزيرًا (¬7). ويمكن أن يقال: أنهم تمسكوا بدليل أن الأصل في الحيوانات الطهارة، ولا ناقل عندهم عنها. ولذا يقول النووي: "وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته" (¬8)، مع أنه لم يقل بطهارته.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [26 - 363] نجاسة لبن الكلب وما تولد منه: لبن الكلب وما تولد منه نجس، حكى النووي الاتفاق على ذلك. ¬
• من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول معددًا لأنواع الألبان: "والثاني: لبن الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، وهو نجس بالاتفاق" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنابلة (¬3). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (¬4). • وجه الدلالة: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، وإذا كان هذا في ولوغه، فما يخرج منه أشد، وكل شيء نجس ما خرج منه من لبن أو غيره، فهو تبع لذاته. • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (¬5)، والشافعية في قول (¬6)، في الصغير من الغنم، إذا رُبيَ بلبن الكلبة، فقالوا بأنه لا يتأثر بذلك. وعللوا قولهم بأن لحمه لا يتغير بذلك (¬7). وأما المالكية، فهم يخالفون في أصل المسألة، إذ أنهم يقولون: بطهارة الكلب (¬8)، ولكن المشهور من المذهب عندهم؛ أن الذكاة لا تعمل فيه فيكون ميتة، وهو محرم الأكل (¬9). وهناك قول عندهم بكراهة أكله فقط (¬10)، واللبن من باب أولى. وهذا مبني على طهارته، ولم أجد لهم استدلالًا على هذا القول، ولكن يستدل له بما يستدلون عليه في طهارة الكلب، وهو قول اللَّه تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا ¬
[27 - 364] نجاسة لبن الخنزير وما تولد منه
اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]. ووجه ذلك حيث أجاز الأكل من صيد الكلب، مع أنه قد يكون أكل شيئًا من الصيد، وسال لعابه عليه، والقرآن مقدم على آحاد السنة (¬1).Rأن الاتفاق متحقق في لبن الكلب؛ لوجود المخالف في المسألة، وكذا في مسألة المتغذي من لبنه؛ لوجود المخالف فى المسألة أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [27 - 364] نجاسة لبن الخنزير وما تولد منه: لا شك في تحريم لبن الخنزير؛ إذ أنه جزء منه، وهو محرم بنص القرآن الكريم، وقد حكى النووي الاتفاق على نجاسة اللبن وما تولد منه. • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول معددًا لأنواع الألبان: "والثاني: لبن الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، وهو نجس بالاتفاق" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بغسل ولوغ الكلب، مما يدل على نجاسته، وإذا كان ذلك في الكلب ففي الخنزير من باب أولى؛ إذ أن الخنزير لا يجوز اقتناؤه، وهو محرم بنص القرآن، فدل ذلك على نجاسته، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[28 - 365] وجوب غسل الإناء بولوغ الكلب
[28 - 365] وجوب غسل الإناء بولوغ الكلب: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله بعد ذلك، وقد حكى العيني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: العيني (855 هـ) حيث يقول: "وقد انعقد الإجماع على وجوب غسل الإناء بولوغه" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في قول (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر من ولغ الكلب في إنائه أن يغسله، والأمر المطلق يدل على الوجوب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول بأن هذا الغسل مندوب (¬6). قال الباجي: "ووجه الندب: أنه حيوان؛ فلم يجب غسل الإناء من ولوغه" (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [29 - 366] إجزاء غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا والثامنة بالتراب: إذا ولغ الكلب في إناءٍ، ثم غسل أثره بالماء سبعًا، ثم بالتراب ثامنة، فقد طهر الإناء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "طهور ¬
[30 - 367] وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا
إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (¬1). 2 - حديث عبد اللَّه بن مغفل المزني -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فاغسلوه سبع مرار، وعفروه الثامنة في التراب" (¬2). • وجه الدلالة: حيث فيهما الأمر بغسل ولوغ الكلب سبع مرات، وفي الثاني ذكر غسله بالتراب في الثامنة، وهو أقصى ما ورد في المسألة، فمن غسل سبع مرات والثامنة بالتراب فقد طهر الإناء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف، وهو من باب الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 367] وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإن الواجب أن يغسل الإناء سبعًا، كل واحدة منهن واجبة، وعلى ذلك حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن جميع الغسلات واجب" (¬3). ذكر رحمه اللَّه هذا الكلام في معرض استدلاله للشافعية بوجوب سبع غسلات. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (¬6). • وجه الدلالة: الأمر بغسل الإناء، والأمر يدل على الوجوب، إلا بقرينة صارفة على الصحيح، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول بأن هذا الغسل مندوب (¬7). ¬
[31 - 368] غسل الإناء من ولوغ الكلب لا يكون بنفس الماء
قال الباجي: "ووجه الندب: أنه حيوان؛ فلم يجب غسل الإناء من ولوغه" (¬1). وخالف الحنفية (¬2)، فقالوا: إن الواجب الغسل حتى يغلب على الظن طهارته، ولو بمرة واحدة. وهذا القول ينقض كلام ابن عبد البر السابق، والعجيب أنه ذكر قول أبي حنيفة بعده بقليل (¬3). واستدلوا بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- في أحد ألفاظه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، في الكلب يلغ في الإناء، قال: "يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا" (¬4)، وبالقياس على سائر النجاسات (¬5). وخالف الحنابلة في رواية (¬6)، وداود (¬7) أن الواجب الغسل ثمان مرات، إحداهن بالتراب. واستدلوا بلفظ: "وعفروه الثامنة بالتراب" (¬8). وهذا القول لا ينقض في الحقيقة؛ لأنه يريد أن الغسلات كلها واجبة على القولين؛ من قال بوجوب الثمان والسبع، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [31 - 368] غسل الإناء من ولوغ الكلب لا يكون بنفس الماء: إذا ولغ الكلب في إناء فيه ماء، فإنه لا يغسل بنفس الماء المولوغ فيه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في سياق استدلاله للشافعية: ¬
[32 - 369] غسل الإناء من ولوغ الكلب واجب عند الاستعمال
"واحتجوا بالإجماع على أنه لا يجوز أن يغسل الإناء بذلك الماء -أي: الماء الذي ولغ فيه الكلب-" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية إذا انفصلت متغيرة (¬3)، والحنابلة على الصحيح (¬4). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالاراقة، وذلك يدل على عدم جواز الانتفاع به، مع الحاجة لذلك، فدل على نجاسة هذا الماء، والماء النجس لا يغسل به الإناء؛ لأنه سينجسه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف هنا مالك في رواية عنه، فقال بجواز غسل هذا الإناء بهذا الماء (¬6). وقالوا بهذا القول، بناء على القول بأن الغسل للتعبد لا للنجاسة، وهو المشهور من مذهب المالكية (¬7)، فالماء طاهر عندهم، والغسل للتعبد فقط. وقياس قول رواية عند الحنابلة هو هذا القول، فلديهم رواية بطهارة سؤر الكلب، إلا أنه يغسل تعبدًا (¬8). وخالف الشافعية فيما إذا انفصلت الغسالة غير متغيرة، فلديهم قول بأنها طاهرة (¬9).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [32 - 369] غسل الإناء من ولوغ الكلب واجب عند الاستعمال: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله عند الاستعمال، أما إذا لم يرد استعماله ¬
[33 - 370] طهارة أثر الكلب بالغسل سبعا والثامنة بالتراب
فلا يجب. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) في سياق استدلاله للشافعية: "وقد أجمعوا أنه لا يلزم غسله، إلا عند الاستعمال" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة على الصحيح (¬4). • مستند الإجماع: أن الغسل للإناء واجب لنجاسة سؤر الكلب، فلم يجب الغسل، إلا عند إرادة الاستعمال لذلك الإناء، وإلا لوجب قتل كل الكلاب؛ نظرًا لما تحمله من نجاسة، وهذا لا يقول به أحد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية هنا أيضًا، في قولٍ لهم، فقالوا: بل يجب عند الولوغ (¬5). واستدلوا: بأن الغسل تعبد، كما هو المشهور عندهم، وسبق ذكره، فيجب عند الولوغ؛ لأن العبادة لا تؤخر (¬6). وهو قياس قول رواية عند الحنابلة أيضًا، فلديهم رواية بطهارة سؤر الكلب -سبقت الإشارة لها- إلا أنه يغسل تعبدًا (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [33 - 370] طهارة أثر الكلب بالغسل سبعًا والثامنة بالتراب: إذا غُسل أثر الكلب بالماء سبعًا، وعُفر بالثامنة فإنه يطهر، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر ¬
[34 - 371] غسل الإناء من أثر الكلب ثمانيا غير واجب
الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)؛ الحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بغسل الإناء سبع مرات وتعفيره بالتراب، فمن فعل ذلك سبعًا، وعفر بالتراب ثامنة، فقد استكمل التطهير.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [34 - 371] غسل الإناء من أثر الكلب ثمانيًا غير واجب: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله سبعًا، وأما الثامنة فغير واجبة بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وفي بعضها -الروايات-: "وعفروا الثامنة بالتراب" (¬7)، وذلك غير واجب بالإجماع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو هريرة، وابن عباس، وعروة ابن الزبير، وطاوس، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر (¬9)، والمالكية (¬10)، والشافعية (¬11)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬12)، وابن حزم (¬13). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات، أولاهن بالتراب" (¬14). ¬
[35 - 372] طهارة أثر الخنزير بالغسل سبعا
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالغسل سبعًا، وأن تكون أولاهن بالتراب، فدل على وجوب السبع فقط (¬1)، وأما رواية التعفير بالثامنة؛ فمنسوخة عند الحنفية (¬2)، أو أن المقصود: أن يكون التعفير مصاحبًا للسابعة (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف الحسن، والحنابلة في رواية (¬4)، ورواية عن داود (¬5)؛ فقالوا: يجب غسله ثمانيًا، إحداهن بالتراب. واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (¬6). وأجاب عنه ابن قدامة، بأنه: "يحمل هذا الحديث على أنه عدَّ التراب ثامنة؛ لأنه وإن وجد مع إحدى الغسلات، فهو جنس آخر، فيجمع بين الخبرين" (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [35 - 372] طهارة أثر الخنزير بالغسل سبعًا: إذا غُسل أثر الخنزير بالماء سبعًا، وعُفر بالثامنة بالتراب، فإنه يطهر، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10)، والشافعية (¬11)، والحنابلة (¬12). ¬
[36 - 373] عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة
• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (¬1). • وجه الدلالة: هذا نص في ولوغ الكلب، وبما أن الخنزير أشد في النجاسة؛ فيقاس عليه.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [36 - 373] عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة: إذا ولغ الهر في الإناء، فإن غسله لا يجب. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "فإن ظاهره (¬2) يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، ولا يجب ذلك بالإجماع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو يوسف (¬4)، والمالكية (¬5)، والحنابلة (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم" (¬8). • وجه الدلالة: الحديث فيه التصريح بعدم نجاستها، ثم وصفها بأنها من الطوافين، ومن لوازم الطوافة وجود السؤر منها، فهذا يدل على عدم وجوب غسل ولوغها؛ لأنها طاهرة، ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر بذلك (¬9). ¬
[37 - 374] غسل أثر الهر
• الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف هنا عن أبي هريرة، وابن عمر -رضي اللَّه عنهما- في إحدى الروايتين عنه، وسعيد بن المسيب، والحسن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن (¬1)، فقالوا بوجوب غسله. وكلام ابن حزم السابق، فيه إشارة إلى الخلاف في المسألة، ويدل على أن هناك من خالف في غسل أثر الهر أقل من ذلك، إلا أنه يعني أنه لم يقل أحد بأزيد من ذلك، فهو من باب الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، وهذان النقلان عن النووي وابن حزم فيهما شيء من التعارض، ولذا ذكرتهما سويًّا، وإن كانا على مسألتين. ولكن ما نقل عن أبي حنيفة ومحمد، فيه قولان؛ بين كراهة سؤر الهر وتحريمه، والأصح أنهما يقولان بالكراهة التنزيهية فقط، وإن كان هناك من قوى كون قولهما التحريمية، إلا أن الأقوى كونه للتنزيه (¬2)، والناقض لمسألتنا القول بالتحريم، حيث معه يجب الغسل. وهو قول طاوس وعطاء، إلا أنهما قالا بأن غسل ولوغه كالكلب (¬3). واستدلوا: بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر غسل مرة" (¬4).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [37 - 374] غسل أثر الهر: إذا ولغ الهر في الإناء، وغُسل سبعًا، والثامنة بالتراب، فقد طهر الإناء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (¬5). ¬
[38 - 375] نجاسة القيح
وقال أيضًا: "واتفقوا أن من غسل أثر السنور؛ فقد طهر" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات" (¬7). وفي رواية: "وعفروه الثامنة بالتراب" (¬8). • وجه الدلالة: أن الكلب إذا غسل أثره سبعًا والثامنة بالتراب، فقد طهر، والهر نوع من السباع، فمن غسل أثر ولوغه، فقد طهر الإناء من باب أولى، واللَّه أعلم. 2 - حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف الهرة بما يوصف به الأطفال، وأنها ليست بنجس، فإذا ولغت في الإناء، وغسلناه سبعًا، فإنه يطهر بلا شك (¬10).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [38 - 375] نجاسة القيح: القيح الذي يخرج من الإنسان نجس، وقد نفى النووي الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: النووي (676 هـ) حيث يقول: "القيح نجس بلا خلاف" (¬11). ¬
[39 - 376] نجاسة ماء القروح المتغير
ونقله عنه ابن قاسم (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة على المشهور (¬4). • مستند نفي الخلاف: أن أصل القيح الدم، لكنه استحال فصار نتنًا، فإذا كان الدم نجسًا، فهذا دم فاسد منتن؛ فهو من باب أولى أن يكون نجسًا (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة ابن حزم (¬6)، وأحمد في رواية عنه (¬7)، وحكي عن الحسن (¬8)، فقالوا بطهارة القيح، وحكاه المرداوي عن ابن تيمية (¬9). واستدل ابن حزم بحديث أبي هريرة: "إن المؤمن لا ينجس" (¬10). وما كان طاهرًا كله -أي المسلم- فبعضه من باب أولى (¬11). أما الحنابلة؛ فلم يذكروا دليلًا، ولكن نقل المرداوي عن ابن تيمية، أنه قال بأنه لم يثبت دليل على نجاسته (¬12)، مما يعني أنه يستدل بأن الأصل طهارته، ولا ناقل عنها.Rأن نفي الخلاف في المسألة غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [39 - 376] نجاسة ماء القروح المتغير: ماء القروح إذا تغير فإنه نجس، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. ومن عنوان المسألة يتبين أنها مقيدة بالتغير، وضابط ذلك: هو الرائحة، فإن كان له ¬
رائحة؛ فهو متغير، وإلا فلا (¬1)، أو أن يتغير بنجاسة (¬2)، وقد يطلق عليه صديد (¬3). • من نقل الاتفاق: النووي (676 هـ) حيث يقول: "ماء القروح المتغير نجس بالاتفاق" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة على المشهور (¬8). • مستند الاتفاق: 1 - ماء القروح لا يخرج ويتحلل إلا بعلة، فهو كالقيح (¬9). 2 - ولأنه يستحيل ويتجمع في داخل الجسم، ثم يخرج، فهو كغيره مما يخرج من الجسم من النجاسات، كالدم والبول ونحوهما (¬10). • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية، وابن حزم في القيح، فقالوا: بطهارته كما سبق (¬11)، وهو أشد نتنًا من ماء القروح، فمن باب أولى مخالفتهم هنا. أما الحنابلة؛ فلجماعة منهم قول بأن ماء القروح، إن تغير بنجس؛ فهو نجس، وإلا فلا (¬12)، مما يعني طهارة المتغير عندهم، إلا إن تغير بنجاسة. وتخريجًا على رواية طهارة القيح؛ فلا ينجسه إلا نجاسة خارجة، كدم ظاهر، أو بول ونحوه.Rأن الاتفاق غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[40 - 377] طهارة سؤر الآدمي
[40 - 377] طهارة سؤرِ الآدميِّ: سؤر الآدمي طاهر، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، طاهرًا أو جنبًا، وقد حكى الإجماع عدد من العلماء في هذه المسألة. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال، مسلمًا كان أو مشركًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، طاهرًا أو نجسًا، حائضًا أو جنبًا، إلا في حال شرب الخمر" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على طهارة آسار المسلمين، وبهيمة الأنعام" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: طاهر في نفسه، وسؤره، وعرقه، وهو ثلاثة أضرب: الأول: الآدمي، فهو طاهر، وسؤره طاهر، سواء كان مسلمًا أم كافرًا، عند عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن النخعي، أنه كره سؤر الحائض، وعن جابر بن زيد، لا يتوضأ منه" (¬3). أبو بكر الحدادي العبادي (800 هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه، ويدخل فيه الجنب والحائض والنفساء والكافر، إلا سؤر شارب الخمر، ومن دمي فوهُ، إذا شرب على فورهما فإنه نجس" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-: "كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي عليه الصلاة والسلام، فيضع فاه على موضع فيّ" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يضع فمه في موضع فيّ عائشة -رضي اللَّه عنها-؛ فهذا يدل على طهارة سؤرها؛ إذ لو لم يكن كذلك لما فعله عليه الصلاة والسلام، وهو يدل على ¬
طهارة سؤر الحائض وغيرها من باب أولى. 2 - أن الآدمي طاهر في ذاته، وسؤره تابع له، وليس مما يخرج من مخرج النجاسة، فهو طاهر. • الخلاف في المسألة: ذكر ابن نجيم قولًا بكراهة سؤر المرأة للرجل والعكس، ولكنه برره؛ بأن ذلك إنما هو في الشرب، لا الطهارة (¬1). كما ذكر ذلك أيضًا ابن عابدين (¬2). وبهذا لا يكون لهذا القول تأثير في مسألتنا. وهناك كلام في الحائض وسيأتي في مسألة مستقلة. وخالف المالكية في لعاب النائم، فقالوا: إن كان من الفم؛ فطاهر، وإن كان من المعدة؛ فينظر: إن كان متغيرًا وفيه نتن؛ فنجس، وإلا طاهر (¬3). وقيل: إن كان الرأس على مخدة؛ فاللعاب من الفم، وإلا فمن المعدة؛ فيكون نجسًا (¬4). ولم يذكروا دليلًا، ولا تعليلًا، إلا أنه يفهم من تقييدهم بالتغير، أنهم يعللون به، فاللعاب أو السؤر بعد التغير أصبح نجسًا، كالماء المتغير، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الحنابلة في رواية (¬5) في سؤر الكافر، فقالوا: سؤره نجس مطلقًا، وهو ظاهر كلام ابن حزم (¬6). ولم أجد استدلالًا لهم، ويمكن أن يستدل لهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، وهو ما استدل به ابن حزم (¬7). ولديهم رواية أخرى، بأنه إن لَابَسَ النجاسة غالبًا، أو تدين بها، أو كان وثنيًّا، أو مجوسيًّا، أو يأكل الميتة النجسة؛ فسؤره نجس (¬8). ولم أجد استدلالًا لهم على هذه الرواية أيضًا، غير أنه من قيود الرواية يمكن القول بأن العلة هي خشية أن يكون عليه نجاسة فينقلها (¬9)، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[41 - 378] طهارة سؤر الحائض
Rأن الإجماع متحقق في سؤر الآدمي المسلم غير النائم، لعدم وجود المخالف في المسألة، وإلى هذا أشار ابن رشد في حكايته، حيث قيده بالمسلمين، ومن عادة الناس في هذا الأمر؛ أنهم يتبادلون الآنية للشرب والاستعمال، من دون نظر وتدقيق في السؤر من حيث وجوده وعدمه، واللَّه تعالى أعلم. أما سؤر الكافر؛ فقد ثبت فيه الخلاف، كما سبق، فلا إجماع، وكذلك النائم وقد سبق تفصيله، والنوم خلاف الأصل والمعتاد، فلا يقدح هذا في الإجماع، واللَّه أعلم. [41 - 378] طهارة سؤر الحائض: سؤر الحائض طاهر، وهو من سؤر الآدمي الذي سبق بحثه بلا شك، ولكن لما أُفردت من بعض العلماء بحكاية الإجماع، التزمت بإفرادها بمسألة مستقلة. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي ذلك، فقال بعد قوله: "وسؤرها وعرقها -أي الحائض - طاهران": "وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا" (¬1). ونقله ابن مفلح (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال، مسلمًا كان أو مشركًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، طاهرًا أو نجسًا، حائضًا أو جنبًا، إلا في حال شرب الخمر" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول عن الحائض: "وسؤرها وعرقها طاهران، وهذا كله متفق عليه، وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا، ودلائله في الأحاديث الصحيحة ظاهرة مشهورة" (¬4). أبو بكر الحدادي العبادي (800 هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه، ويدخل فيه الجنب والحائض والنفساء والكافر، إلا سؤر شارب الخمر، ومن دمي فوه، إذا شرب على فورهما فإنه نجس" (¬5). ¬
[42 - 379] طهارة سؤر مأكول اللحم
الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬1) يدل على أن ريق الحائض طاهر، ولا خلاف فيه فيما أعلم، وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب، ولا أعلم فيه خلافًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العَرْق (¬6) وأنا حائض، فأناوله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيضع فاه على موضع فيّ" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يضع فاه على موضع فيّ عائشة -رضي اللَّه عنها- وهي حائض، مما يدل على طهارة سؤرها، وإلا لم يفعله عليه الصلاة والسلام، أو بيّن وجوب الطهارة بعده (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف النخعي في سؤر الحائض، وقال بكراهته (¬9). وزاد جابر بن زيد بأنه لا يتوضأ منه، ولعله يقصد التحريم (¬10). ولم أجد دليلًا لهذا القول. والقول الأول ليس مناقضًا لمسألتنا، إلا أن يقصد الكراهة التحريمية، وهي تحتاج إلى قرينة، ولا توجد، فيبقى القول على التنزيه.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وأما خلاف جابر بن زيد فشذوذ لم يتابعه أحد، مع أنه لم يصرح بالنجاسة، واللَّه تعالى أعلم. [42 - 379] طهارة سؤر مأكول اللحم: سؤر مأكول اللحم من الحيوانات طاهر، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ¬
طهارته. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن سؤر ما أكل لحمه طاهر، ويجوز شربه، والوضوء به" (¬1). ونقله عنه ابن قدامة في "المغني" (¬2)، وابن قاسم (¬3). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف في أنه طاهر" (¬4)، قال ذلك بعد حديثه عن لعاب المؤمنين. ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن سؤر ما يؤكل لحمه من البهائم طاهر مطهر" (¬5). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال. . .، وكذا سؤر ما يؤكل لحمه من الأنعام والطيور، إلا الإبل الجلالة، والبقرة الجلالة، والدجاجة المخلاة؛ لأن سؤره متولد من لحمه، ولحمه طاهر" (¬6). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على طهارة آسار المسلمين وبهيمة الأنعام" (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وإن كان طاهرًا -الحيوان- وهو سائر الحيوانات؛ فهو -السؤر- طاهر بلا خلاف" (¬8). أبو بكر الحدادي العبادي (800 هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه. . .، وكذا سؤر مأكول اللحم طاهر كلبنه، إلا الإبل الجلالة، وهي تأكل العذرة" (¬9). ¬
[43 - 380] طهارة لبن الآدمي
الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "والحديث (¬1) دليل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع" (¬2)، وكلامه هنا عن اللعاب، وهو أصل السؤر، فما يقال في السؤر يقال في اللعاب من باب أولى. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (¬3). • مستند الإجماع: 1 - عمرو بن خارجة -رضي اللَّه عنه-، قال: "خطبنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى، وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي" (¬4). • وجه الدلالة: أن لعاب الراحلة كان يسيل على كتف عمرو، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب فوقه، ولو كان لعابها نجسًا لأخبره عليه الصلاة والسلام، وما دام أنه لم يخبره بذلك دل على الطهارة (¬5)، واللَّه تعالى أعلم. 2 - البهائم المأكولة اللحم لحمها يؤكل وهو طاهر، وإذا كان كذلك؛ فسؤرها طاهر من باب أولى؛ لأن سؤره متولد من لحمه، ولحمه طاهر (¬6).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذا باستثناء الجلالة، وهي غير داخلة في مسألتنا، نظرًا لأكلها النجاسة، واللَّه تعالى أعلم. [43 - 380] طهارة لبن الآدمي: لبن الأدمية طاهر، وهو جزء من الآدمية، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الغزالي (505 هـ) (¬7) حيث نقل عنه النووي (¬8)، وابن قاسم (¬9) حكايته الإجماع على طهارة لبن الآدمي. المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "لبن الآدمي والحيوان المأكول طاهر، بلا ¬
[44 - 381] طهارة لبن مأكول اللحم
نزاع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحسن، وإبراهيم (¬2)، والحنفية (¬3)، والمالكية (¬4). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى كرم بني آدم، ومن التكريم أنه طاهر في ذاته، ولا شك أن غذاءه طاهر، وإلا لأصبح الآدمي غير طاهر به، لأنه هو الذي ينبته، وكل آدمي نبت من اللبن الآدمي ولا بد، فدل ذلك على طهارة لبن الآدمي، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الأنماطي من الشافعية في المسألة (¬5)، وقال بنجاسة لبن الآدمية. وقال عنه النووي: "وهذا ليس بشيء، بل هو خطأ ظاهر" (¬6). ولم أجد من تابع على هذا القول، وهو كما قال النووي بأنه خطأ.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وأما مخالفة الأنماطي فهي خطأ أو شذوذ، ولا عبرة بمخالفته، واللَّه تعالى أعلم. [44 - 381] طهارة لبن مأكول اللحم: لبن ما أكل لحمه من البهائم طاهر، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: ما أكل لحمه، فالخارج منه ثلاثة أنواع: . . . الثاني: طاهر، وهو الريق، والدمع، والعرق، واللبن، فهذا لا نعلم فيه خلافا" (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "الألبان أربعة أقسام: أحدها: لبن مأكول اللحم، كالإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والظباء، وغيرها من الصيود وغيرها، وهذا طاهر بنص القرآن، والأحاديث الصحيحة، والإجماع" (¬8). ¬
ويقول: "وأما اللبن، فطاهر من مأكول اللحم بالإجماع" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "لبن الآدمي والحيوان المأكول طاهر، بلا نزاع" (¬3). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "لا (درّ) حيوانٍ مباحٍ أكلُه بالدال المهملة أي: لبنه لِمَنِّ اللَّه تعالى علينا به، بقوله: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66] الآية، وللإجماع" (¬4). قوله: (لا درّ حيوان) أي لا يشمل الكلام السابق، الذي ذكره في فصل بيان النجاسات وإزالتها، بل هو طاهر، كما هو ظاهر من السياق. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)؛ المالكية (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)} [النحل: 66]. 2 - قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)} [المؤمنون: 21]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص على كون اللبن سائغًا للشاربين، وذكره تعالى على صيغة المدح، وذلك لا يكون إلا في طاهر، هذا فيما يخص الآية الأولى. أما الآية الثانية -وهذا الاستدلال ينطبق أيضًا على الأولى- فقد قال تعالى: {نُسْقِيكُمْ}، ولا يسقينا اللَّه تعالى إلا طاهرًا حلالًا، وله الحمد والمنة (¬8).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[45 - 382] طهارة بيض مأكول اللحم
[45 - 382] طهارة بيض مأكول اللحم: البيض الذي يخرج من الحيوانات مأكولة اللحم، حكمه أنه طاهر. وهنا شرط وهو: أن يخرج من الأم، في حال الحياة، وإلا فلا بد أن يكون متصلبًا حتى يُحكم بطهارته (¬1). • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: أن البيض جزء من الحيوان المأكول اللحم، وهو طاهر بلا شك، والبيض ناتج عنه، فتكون طاهرة مباحة الأكل (¬7)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في هذه المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [46 - 383] طهارة صوف مأكول اللحم ووبره: صوف الحيوان مأكول اللحم حلال اتخاذه، وهو طاهر بالإجماع. ولكن المسألة التي نقل فيها الإجماع فيها شرطان؛ هما: 1 - أن يكون من حيوان مأكول اللحم، كما هو ظاهر من العنوان. 2 - أن يكون الجزُّ أثناء حياة هذا الحيوان (¬8). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها، وأوبارها، وأصوافها؛ جائز إذا أخذ ذلك وهي حية" (¬9). ونقله عنه ابن ¬
حجر (¬1). إمام الحرمين الجويني (458 هـ) حيث يقول: "وكان القياس نجاسته، كسائر أجزاء الحيوان المنفصلة في الحياة، ولكن أجمعت الأمة على طهارتها؛ لمسيس الحاجة إليها في ملابس الخلق، ومفارشهم". نقله عنه النووي (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "ولإجماعهم على الصوف من الحي؛ أنه طاهر" (¬3). ويقول أيضًا: "وأجمع العلماء على أن جز الصوف عن الشاة، وهي حية حلال" (¬4). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الشعر، إذا قطع من الحي؛ أنه طاهر" (¬5). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وأيضًا؛ فإن الأصل كونها -شعر الميتة- طاهرة قبل الموت بإجماع" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا جُز شعر، أو صوف، أو وبر من مأكول اللحم؛ فهو طاهر بنص القرآن، وإجماع الأمة" (¬7). ويقول أيضًا: "الأصل أن ما انفصل من حي؛ فهو نجس، ويستثنى الشعر المجزوز من مأكول اللحم في الحياة، والصوف، والوبر، والريش؛ فكلها طاهرة بالإجماع" (¬8). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف، إذا جز من الحيوان، كان حلالًا طاهرًا؛ علم أنه ليس مثل اللحم" (¬9). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول عن شعر الحيوان المأكول: "كجزه. .؛ إجماعًا" (¬10). قال المرداوي معلقًا على ذلك: "أن ظاهر قوله بعد ذلك: (كجزه إجماعًا)؛ أن ¬
[47 - 384] العضو المنفصل من الحيوان الحي نجس
الإجماع عائد إلى شعر الحيوان الطاهر، الذي لا يؤكل، وليس الأمر كذلك، وإنما الإجماع عائد إلى شعر الحيوان المأكول" (¬1). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "فإن الأصل كونها -شعر الميتة- طاهرة قبل الموت بإجماع" (¬2). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: "إلا شعر المأكول؛ فطاهر إجماعًا، وكذا الصوف والوبر والريش، سواء أنتف، أم جزّ، أم تناثر" (¬3). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "إلا شعر أو صوف أو ريش أو وبر المأكول؛ فطاهر بالإجماع، ولو نتف منها، أو انتتف" (¬4). ونقل عنه هذه العبارة البجيرمي بنصها في "حاشيته على شرح الخطيب" (¬5). الرملي (1004 هـ) حيث يقول: "إلا شعر المأكول؛ فطاهر بالإجماع في المجزوز، . .، وصوفه ووبره وريشه مثله، سواء انتُتف منه أم انتَتف" (¬6). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكرها في سياق النعم، التي يسديها للبشر، ووصفها تعالى بأنها {أَثَاثًا وَمَتَاعًا}، ولم يكن يقل ذلك، لولا أنها غير مباحة الاستعمال، وطاهرة. يقول الإمام القرطبي: "أذن اللَّه تعالى بالانتفاع بصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، كما أذن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها" (¬7).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [47 - 384] العضو المنفصل من الحيوان الحي نجس: إذا انفصل عضو من حيوان حي، فإنه يكون نجسًا كالميتة، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك. ¬
• من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول بعد روايته لحديث أبي واقد الآتي في المستند: "والعمل على هذا عند أهل العلم" (¬1). ونقله عنه النووي (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وإن كان المبان جزءًا فيه دم، كاليد والأذن والأنف ونحوها، فهو نجس بالإجماع" (¬3). ونقله ابن نجيم عنه (¬4)، وابن عابدين (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "العضو المنفصل من حيوان حي؛ كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك نجسٌ بالإجماع" (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأيضًا؛ فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان، لما أبيح أخذه في حال الحياة، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن قوم يجبون أسنمة الإبل وألياف الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت" رواه أبو داود وغيره (¬7)، وهذا متفق عليه بين العلماء" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬10). • مستند الإجماع: حديث أبي واقد الليثي -رضي اللَّه عنه-، قال: قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة وهم يجبّون (¬11) أسنمة الابل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (¬12). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف ما قطع من البهيمة وهي حية بأنه ميتة، وهذا ¬
[48 - 385] طهارة المسلم حيا
يدل على مسألتنا بالمطابقة (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [48 - 385] طهارة المسلم حيًّا: المسلم إذا كان حيًّا، فإنه طاهر بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "هذا الحديث (¬2) أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، فأما الحي؛ فطاهر بإجماع المسلمين" (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وحديث الباب (¬4) أصل في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، أما الحي؛ فإجماع" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ثم جئت؛ فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: يا رسول اللَّه كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس" (¬10). • وجه الدلالة: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن المؤمن لا ينجس"، فإذًا هو طاهر بدليل الخطاب، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [49 - 386] طهارة بدن الجنب: إذا أجنب المسلم، فإن بدنه طاهر بالإجماع، حكاه عدد من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) إذْ نقل عنه النووي حكايته للإجماع في ¬
المسألة (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (¬2). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدنَ الجنب طاهرٌ، وعرقَه طاهرٌ، والثوبَ الذي يكون فيه عرقُه طاهرٌ، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع؛ لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (¬3). ويقول: "وأيضًا فبدن الجنب طاهر بالنص والإجماع" (¬4). ويقول: "ولا نزاع بين المسلمين أن الجنب لو مس مغتسلًا؛ لم يقدح في صحة غسله" (¬5). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول: "وبدن الجنب طاهر بالإجماع" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ثم جئت؛ فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: يا رسول اللَّه كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: "سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس" (¬10). 2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قدم إليه بعض نسائه قصعة؛ ليتوضأ منها، فقالت: إني غمست يدي فيها وأنا جنب، فقال: "الماء لا يجنب" (¬11). ¬
[50 - 387] طهارة بدن الحائض
• وجه الدلالة: في كلا النصين "إن المؤمن لا ينجس"، و"الماء لا يجنب"، دلالة على أن الجنابة شيء معنوي لا حسي، وأن المؤمن طاهر في ذاته، ولو كان على جنابة، أو كانت المرأة حائضًا (¬1). • الخلاف في المسألة: قال النووي: "حكى أصحابنا عن أبي يوسف، أن بدن الحائض نجس، فلو أصابت ماء قليلًا نجسته، وهذا النقل لا أظنه يصح عنه، فإن صح فهو محجوج بالإجماع" (¬2)، وذكره عنه في "المغني" (¬3)، و"الشرح الكبير" (¬4) في بدن الجنب أيضًا. وقد ذكره البابرتي كذلك في الجنب، قياسًا على قوله في الحائض، وضعّف القول لمقابلته النص (¬5)، غير أني لم أجد لهذا القول مزيد ذكر في الكتب الأخرى، مما يقوي كلام النووي السابق.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود خلاف أبي يوسف، وهو يُعد علمًا عند الحنفية، أشبه الرواية أو القول عند المذاهب الأخرى، ولا يخلو من أتباع له في هذه المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [50 - 387] طهارة بدن الحائض: إذا حاضت المرأة، فإن حكم بدنها لا يتغير، فهو طاهر بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه ابن مفلح (¬6)، والبهوتي (¬7) حكايته للإجماع في المسألة. ابن المنذر (318 هـ) نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (¬9). ¬
[51 - 388] الجنب والحائض إذا مس ماء قليلا فهو باق على طهارته
ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدنَ الجنب طاهرٌ، وعرقَه طاهرٌ، والثوبَ الذي يكون فيه عرقُه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع؛ لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي اللَّه عنها-، تقول: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: "تَحُتُّهُ، ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (¬5) • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر الحائض بغسل دم الحيض من ثوبها، ولم يأمرها بغسل الثوب كله (¬6)، مع أنه لا بد من إصابته بشيء من السؤر والعرق، ومع ذلك لم يأمرها، فدل على أنه طاهر، ومن باب أولى أن يكون البدن طاهرًا. • الخلاف في المسألة: يجري في مسألتنا هذه ما قيل في بدن الجنب، من حكاية خلاف أبي يوسف، وهو في مسألتنا هذه آكد.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [51 - 388] الجنب والحائض إذا مس ماءً قليلًا فهو باقٍ على طهارته: إذا غمس الجنب أو الحائض اليد في ماء قليل، فإن الماء باقٍ على طهارته، وحُكي الإجماع على ذلك (¬7). • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الجنب، والحائض، والمشرك، إذا غمس كل واحد منهم يده في إناء، فيه ماء قليل؛ فإن الماء باق على طهارته" (¬8). ¬
[52 - 389] طهارة عرق الجنب وسؤره
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية فيما إذا كان الغمس لحاجة (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬5). • وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام عمّ ولم يخص، فلا يحل تخصيص ماء بالمنع لم يخصه نص آخر؛ أو إجماع متيقن، فيبقى الماء على طهوريته لعدم المانع (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية في المسألة، فيما إذا أدخل يده لغير حاجة، سواء أدخلها للتبرد؛ أو غير ذلك (¬7). قالوا: لأنه يصير بذلك ماءً مستعملًا (¬8).Rأن الإجماع متحقق فيما إذا كان الغمس لحاجة؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما إذا كان لغير حاجة؛ فقد خالف الحنفية كما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [52 - 389] طهارة عرق الجنب وسؤره: إذا أجنب المسلم فإن عرقه وسؤره يبقى على طهارته، وحكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر. . . (¬9)، وكذلك الحائض" (¬10). ونقله عنه ابن قدامة (¬11)، والنووي (¬12). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فلا خلاف بين العلماء في طهارة عرق الجنب، وعرق الحائض" (¬13). ¬
البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على طهارة عرق الجنب والحائض" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول بعد ذكر إجماع ابن المنذر: "ثبت ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وغيرهم من الفقهاء. . .، وكل ذلك قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يحفظ عن غيرهم خلافهم" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (¬3). ويقول أيضًا: "وسؤرها وعرقها طاهران، وهذا كله متفق عليه، وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا ودلائله في الأحاديث الصحيحة ظاهرة مشهورة" (¬4). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عائشة، وابن عمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وابن جبير، وعطاء؛ مكحول، والشعبي، والنخعي (¬6)، والحنفية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ثم جئت؛ فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: يا رسول اللَّه كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: "سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس" متفق عليه (¬9). 2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قدم إليه بعض نسائه قصعة؛ ليتوضأ منها، فقالت: إني غمست يدي فيها وأنا جنب، فقال: "الماء لا يجنب" (¬10). • وجه الدلالة: في كلا النصين "إن المؤمن لا ينجس"، و"الماء لا يجنب"، دلالة ¬
[53 - 390] طهارة عرق الحائض
على أن الجنابة شيء معنوي لا حسي، وأن المؤمن طاهر في ذاته، ولو كان على جنابة، أو كانت المرأة حائضًا، إذ أن الإنسان لا يخلو من تعرق في أعضائه، وقد ينتقل شيء من السؤر إلى القصعة، ومع ذلك لم يمنع عليه الصلاة والسلام من الوضوء منها، مما يدل على طهارة السؤر والعرق، للحائض والجنب (¬1). • الخلاف في المسألة: الكلام في هذه المسألة تبع لمسألة بدن الجنب، وقد سبق ذكر ما روي عن أبي يوسف، في بدن الجنب والحائض، ولم أجد من حكى خلافًا مستقلا في هذه المسألة عند الحنفية، إلا بالموافقة.Rأن الإجماع متحقق، لعدم ثبوت الخلاف المعتبر في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [53 - 390] طهارة عرق الحائض: إذا حاضت المرأة، فإن عرقها وسؤرها طاهر، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع في المسألة. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي ذلك، فقال بعد قوله: "وسؤرها وعرقها -أي الحائض - طاهران": "وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا" (¬2). ونقله ابن مفلح (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر. . . (¬4)، وكذلك الحائض" (¬5). ونقله عنه ابن قدامة (¬6)، والنووي (¬7). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فلا خلاف بين العلماء في طهارة عرق الجنب، وعرق الحائض" (¬8). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على طهارة عرق الجنب والحائض" (¬9). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول بعد ذكر إجماع ابن المنذر: "ثبت ذلك عن ابن ¬
عمر، وابن عباس، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وغيرهم من الفقهاء، وقالت عائشة: عرق الحائض طاهر، وكل ذلك قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يحفظ عن غيرهم خلافهم" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (¬2). ويقول أيضًا: "وسؤرها وعرقها طاهران، وهذا كله متفق عليه، وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا، ودلائله في الأحاديث الصحيحة ظاهرة مشهورة" (¬3). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (¬4). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على أن ريق الحائض طاهر، ولا خلاف فيه فيما أعلم، وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب، ولا أعلم فيه خلافًا" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عائشة، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وعطاء؛ مكحول، والشعبي (¬6)، والحنفية (¬7)، وابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي اللَّه عنها-، تقول: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن دم الحائض يصيب الثوب، فقال: "تحتّه، ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر الحائض بغسل دم الحيض من ثوبها، ولم يأمرها ¬
[54 - 391] طهارة الميسر والأنصاب والأزلام
بغسل الثوب كله (¬1)، مما يعني أن عرقها طاهر، إذ يلزم من لبسها له التعرق، كعادة الناس، وكونه لم يأمرها؛ دل على طهارته (¬2). • الخلاف في المسألة: الكلام هنا كما قيل في مسألة عرق الجنب، من خلاف أبي يوسف فيها، فليراجع هناك.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم ثبوت الخلاف المعتبر في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [54 - 391] طهارة الميسر والأنصاب والأزلام: الميسر هو: القمار (¬3)، وهو شيء معنوي، لا معنى لحكاية الإجماع عليه. والأنصاب هي: الأصنام، وقيل: النرد والشطرنج (¬4). والأزلام هي: القِداح (¬5). • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "واحتج أصحابنا بالآية الكريمة -أي على نجاسة الخمر- قالوا: ولا يضر قرن الميسر، والأنصاب، والأزلام بها، مع أن هذه الأشياء طاهرة؛ لأن هذه الثلاثة خرجت بالإجماع، فبقيت الخمر على مقتضى الكلام" (¬6). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "أما الخمر، فلقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90]، والرجس في عرف الشرع، هو: النجس، صدَّ عما عداها الإجماعُ، فبقيت هي" (¬7)، يريد الخمر. ونقلها عنه ابن حجر الهيتمي (¬8). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "ولقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90]، خرجت الثلاثة المقرونة معها بالإجماع، فبقيت هي" أي الخمر (¬9). ¬
[55 - 392] نجاسة الخمر
ويبدو أن الثلاثة استفادوا الإجماع من كلام النووي، واللَّه تعالى أعلم. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)؛ أما الحنابلة فلم أجد لهم كلامًا في المسألة. • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90]. • وجه الدلالة: أن الرجس قد يطلق على الخبيث من الأشياء (¬3)، فمثلًا: قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، والأوثان مكونة في الغالب من الحجارة التي في الأرض، وهي ككسب الحجام أيضًا، فهو خبيث، ولكن لا يعني أنه نجس. والآية ليس فيها صراحة، بنجاسة هذه الأشياء، فتبقى على الأصل حتى يثبت الضد. يقول الجصاص في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]: "إطلاق اسم النجس على المشرك؛ من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه، كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نجسًا. . .، وكذلك الرجس، والرجز. . . قال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]، وقال في وصف المنافقين: {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة: 95] فسماهم رجسًا كما سمى المشركين نجسًا" (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم (¬5) في المسألة، وقال: هي نجسة، ومن صلى وهو حامل لها بطلت صلاته. واستدل بحمل الآية على ظاهرها.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [55 - 392] نجاسة الخمر: حرم اللَّه تعالى الخمر في كتابه، ووصفه بأنه رجس، وهو نجس، وقد حكى عدد ¬
من العلماء الإجماع على نجاسته. • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حيث نقل عنه النووي (¬1)، والشربيني (¬2)، وابن حجر الهيتمي (¬3) حكايته للإجماع في المسألة (¬4). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وإنما النجاسة في الميتة، وفيما ثبتت معرفته عند الناس، من النجاسات المجتمع عليها، والتي قامت الدلائل على نجاستها، كالبول، والغائط، والمذي، والخمر" (¬5). الغزالي (505 هـ) حيث حكى الإجماع على نجاستها (¬6). نقله عنه النووي (¬7)، وابن قاسم (¬8). ابن رشد (595 هـ) حيث نقل عنه ابن قاسم أنه قال: "اتفق المسلمون على نجاسة الخمر إلا خلافًا شاذًّا" (¬9)، والذي وجدته أنه قال: "وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين" (¬10). أبو جسامة (¬11) حيث نقل الإجماع على نجاستها. نقله عنه العيني (¬12). العيني (855 هـ) حيث يقول: "قد انعقد الإجماع على نجاستها، وداود لا يعتبر خلافه في الإجماع، ولا يصح ذلك شريعة" (¬13). ابن مفلح (884 هـ) حيث يقول: "والخمر يخمر العقل؛ أي: يغطيه ويستره وهي نجسة إجماعًا" (¬14). نقله عنه ابن قاسم (¬15). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90]. ¬
[56 - 393] طهارة النبيذ غير المشتد
قالوا: والرجس هو النجس، بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، فقد وصف اللَّه تعالى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بنفس الوصف، وهي نجسة بالإجماع (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف ربيعة، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، وهو وجه عند الشافعية ضعفه النووي (¬2)، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين (¬3)، وداود (¬4)، فقالوا بأن الخمر طاهر وليس بنجس. ورجح هذا القول الصنعاني (¬5)، والشيخ ابن عثيمين رحمه اللَّه (¬6). واستدلوا: بأن الخمور لما حُرمت؛ سُفكت في الأسواق والطرقات في المدينة، ولو كانت نجسة؛ لما فعل ذلك الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، ولنهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما نهى عن التخلي في الطرقات (¬7). وهناك قول مخالف أيضًا، بالتفريق بين الخمر المحترمة -كالتي تكون لأهل الذمة بالشروط الشرعية- وغيرها، وهو وجه للشافعية، وحكم عليه النووي بالشذوذ (¬8). وقد يستدل لهذا: بأن الخمر هنا محترمة، وتملكها غير ممنوع لهم، من حيث الأصل، فما دام أنه غير ممنوعة؛ فليست محرمة لذاتها، فهي غير رجس ولا نجس، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [56 - 393] طهارة النبيذ غير المشتد: النبيذ إذا لم يشتد، ولم يصر مسكرًا، فإنه طاهر يجوز شربه، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما القسم الثاني من النبيذ؛ فهو ما لم يشتد، ولم يصر مسكرًا، وذلك كالماء الذي وضع فيه حبات تمر، أو زبيب، ¬
[57 - 394] طهارة الخمر المتخللة بنفسها
أو مشمش، أو عسل، أو نحوها؛ فصار حلوًا، وهذا القسم طاهر بالإجماع، يجوز شربه وبيعه، وسائر التصرفات فيه" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه، والغد، وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة؛ شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شرب من النبيذ الذي لم يشتد، وهو لا يشرب إلا طاهرًا مباحًا، فدل على طهارة النبيذ غير المشتد (¬6).Rأن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [57 - 394] طهارة الخمر المتخللة بنفسها: إذا تخللت الخمر بنفسها، ولم تتخلل بفعل أحد، فإنها تطهر حينئذ، وحكى الإجماع عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: القاضي عبد الوهاب (422 هـ) أنه حكى الإجماع في هذه المسألة (¬7). نقله النووي عنه (¬8). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "واحتجوا بالإجماع، على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها طهرت وطابت" (¬9). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت خلًّا، من غير معالجة الآدمي طهرت" (¬10). ¬
الكاساني (587 هـ) حيث يقول عن الخمر: "إذا تخللت بنفسها؛ يحل شرب الخل، بلا خلاف" (¬1)، والشرب طهارة وزيادة. ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها؛ جاز أكلها" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فأما إذا انقلبت بنفسها، فإنها تطهر وتحل، في قول جميعهم" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنها إذا انقلبت بنفسها خلًّا؛ طهرت" (¬5). (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأيضًا؛ فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلًّا، بفعل اللَّه تعالى، صارت حلالًا طيبة" (¬7). ويقول مصرحًا بلفظ الإجماع: "فإن المسلمين أجمعوا أن الخمر إذا بدأ اللَّه بإفسادها وتحويلها خلًّا؛ طهرت" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم الإدام الخل" (¬11). • وجه الدلالة: إذا كان الخل حلالًا، فهو بيقين غير الخمر المحرمة، وإذا سقطت ¬
عن العصير الحلال صفات العصير، وحلت فيه صفات الخمر؛ فليست تلك العين عصيرًا حلالًا، بل هي خمر محرمة، وإذا سقطت عن تلك العين صفات الخمر المحرمة، وحلت فيها صفات الخل الحلال، فليست خمرًا محرمة، بل هي خل حلال. وهكذا كل ما في العالم، إنما الأحكام على الأسماء، فإذا بطلت تلك الأسماء بطلت تلك الأحكام المنصوصة عليها، وحدثت لها أحكام الأسماء التي انتقلت إليها، فللصغير حكمه، وللبالغ حكمه، وللميت حكمه (¬1). 2 - قول عمر -رضي اللَّه عنه-، أنه خطب فقال: "لا يحل خل من خمر قد أُفسدت، حتى يبدأ اللَّه إفسادها، فعند ذلك يطيب الخل" (¬2). • وجه الدلالة: في قوله: "أفسدت"، إذ معناها: خللت، فإذا بدأ اللَّه تخليلها، دون تدخل إنساني؛ فهي عند ذلك طيب (¬3). 3 - أنها إذا انقلبت بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، فطهرت، كالماء إذا زال تغيره بمكثه (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في قول غير مشهور (¬5)، وحكاه النووي عن سحنون المالكي (¬6)، وحكاه في "المدونة" عن سحنون، والحسن البصري (¬7)، فقالوا: لا يطهر الخمر بتخلله مطلقًا. ولم أجد له دليلًا عندهم، غير أنه يمكن أن يستدل بحديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، أنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت "المائدة"، سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسول اللَّه، إنه ليتيم؟ قال: "أهريقوه" (¬8). ¬
[58 - 395] النجاسة الرطبة في ذيل الثوب وأسفل الخف لا تطهر بالجر
• وجه الدلالة: أن الخمر محرم، وهو نجس العين، وقد وجب إراقته، فبقاؤه محرم، وما بني على باطل فهو باطل. خالف الحنابلة في قول غير مشهور أيضًا (¬1)، فقالوا بعدم تطهير نبيذ التمر خصوصًا بتخلله بنفسه. وعللوا هذا القول: بأنه فيه ماء (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، ويجب التنبيه إلى أن النووي عندما نقل الإجماع السابق، وحكى قول سحنون، عقب عليه بأنه محجوج بإجماع من قبله (¬3)، ولكن هذا الكلام غير صحيح؛ إذ أوردت خلاف الحنابلة، وما نُقل عن الحسن، واللَّه تعالى أعلم. [58 - 395] النجاسة الرطبة في ذيل الثوب وأسفل الخف لا تطهر بالجر: إذا وقعت نجاسة رطبة في ذيل الثوب أو أسفل الخف، فإن هذا الجر على الأرض لا يكفي في إزالة النجاسة، وقد حكي الإجماع في المسألة. • من نقل الإجماع: أبو سليمان الخطابي (388 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬4). نقله عنه النووي (¬5). الغزالي (505 هـ) أنه حكى "الإجماع أنها - المرأة - لو جرت ثوبها على نجاسة رطبة فأصابته؛ لم يطهر بالجر على مكان طاهر" (¬6). نقله عنه النووي (¬7). النووي (676 هـ) حيث يقول: "إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة رطبة، فدلكه بالأرض، فأزال عينها وبقي أثرها؛ نظر، إن دلكها وهي رطبة؛ لم يجزئه ذلك، ولا تجوز الصلاة فيه بلا خلاف" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، وهو قول عند ¬
المالكية (¬1)، ورواية عند الحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: 1 - أن النجاسة إذا كانت رطبة، حين جرها أو مسحها، تنتشر ولا تزول، بل تنتقل إلى الأجزاء الأخرى (¬3). 2 - أن النجاسة إن كانت يابسة وأزيلت؛ فإنها تزول بالكلية، لأنها قد تجمعت، أما إن كانت رطبة، فإن العين وإن زالت، إلا أن الرطوبات باقية، مما يوجب إزالتها بالماء. • الخلاف في المسألة: خالف أبو يوسف (¬4)، وقول لبعض المالكية (¬5)، ورواية عند الحنابلة (¬6)، فقالوا: إنه يجزئ الجر والدلك، ولا فرق بين النجاسة اليابسة والرطبة، ما دام أن أثرها ورائحتها قد زالت. واستدلوا: بأنه ظاهر الخبر، حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى؛ فإن التراب له طهور" (¬7). ولأنه محل اجتُزئ فيه بالمسح، فجاز في حال رطوبة الممسوح، كمحل الاستنجاء، ولأن رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت قبل الدلك، فيعفى عنها إذا جفت به، كالاستجمار (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، ولعل النووي في النقل الثاني يقصد نفي الخلاف داخل مذهبه، ويدل لذلك كثرة الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[59 - 396] النجاسة اليابسة تزول بالمسح من النعل وأسفل الثوب
[59 - 396] النجاسة اليابسة تزول بالمسح من النعل وأسفل الثوب: إذا علق نجاسة بالنعل أو الخف، أو في أسفل الثوب، وكانت يابسة، فإن مسحها أو فركها بالتراب أو الأرض تطهير للمحل، وقد حكى ابن رشد الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن. . .، وأن المسح. . .، ويجوز في الخفين، وفي النعلين من العشب اليابس، وكذلك ذيل المرأة الطويل؛ اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس" (¬1). ويقول: "وقوم لم يجيزوه -الفرك- إلا في المتفق عليه، وهو المخرج (¬2)، وفي ذيل المرأة، وفي الخف، وذلك من العشب اليابس، لا من الأذى غير اليابس" (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية في المني اليابس خاصة (¬4)، ووافق في غيره من النجاسات -على قولهم في المني- أبو حنيفة وأبو يوسف (¬5)، والشافعية على قول في صحة الصلاة، دون طهارة الخف (¬6)، والحنابلة في رواية (¬7). • مستند الاتفاق: 1 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قلت: يا رسول اللَّه إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر، فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يطهره ما بعده" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاب على أم سلمة بأن تطهير ذيل الثوب بالجر على الأرض، وهو مطابق لمسألتنا (¬9). 2 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله ¬
[60 - 397] المني اليابس في الثوب يطهره الحت
الأذى؛ فإن التراب له طهور" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أن تطهير النجاسة التي تعلق بالنعل تكون بالتراب، أي: بالمشي عليه، وهذا مطابق لمسألتنا (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف محمد بن الحسن في غير المني من النجاسات عندهم، كالعذرة وغيرها (¬3)، فقال: لا بد من الغسل. وخالف الشافعية (¬4)، فقالوابنجاسة الخف، ولكن هل يعفى عن هذه النجاسة في الصلاة فتصح؟ لديهم قولان؛ الأول ذكرته في الموافقة، والثاني: قالوا: لا تصح (¬5). وخالف الحنابلة في رواية (¬6)، فقالوا: يجب الغسل مطلقًا، سواء كانت رطبة أو يابسة. ولم يذكروا دليلًا، ويقال بأن إزالة النجاسة واجبة، وما دام أن النجاسة قد تلبست بالثوب أو النعل، فإنه يجب إزالتها بالغسل لتيقن الإزالة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [60 - 397] المني اليابس في الثوب يطهره الحت: إذا علق المني في الثوب، وكان يابسًا، فإنه يطهر بالحتِّ، وقد حكى الكاساني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وإن كانت يابسة -النجاسة-. . .، وإن كان لها جرم كثيف، فإن كان منيًّا؛ فإنه يطهر بالحت بالإجماع" (¬7)، وهذا مبني على نجاسة المني عند الحنفية (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (¬9)، وهو رواية عن ¬
أحمد (¬1)، وابن حزم (¬2). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فركًا، فيصلي فيه" (¬3). وفي لفظ: "لقد كنت أحكه يابسًا بظفري من ثوبه" (¬4). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث من فعل عائشة -رضي اللَّه عنها-، وإقرار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لفعلها. 2 - ولأنه شيء غليظ لزج، لا يتشرب في الثوب إلا برطوبته، ثم تنجذب تلك الرطوبة بعد الجفاف، فلا يبقى إلا عينه، وأنها تزول بالفرك بخلاف الرطب؛ لأن العين - وإن زالت بالحت - فأجزاؤها المتشربة في الثوب قائمة، فبقيت النجاسة (¬5). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية (¬6)، فقالوا: يجزئ في يابسه من الرجل دون المرأة. ولم يذكروا دليلًا على هذا، ولكن ربما اكتفاء بما ورد في حق جناب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأن هذا للرجال فقط. وخالف عمر، وأبو هريرة، وأنس -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب (¬7)، والأوزاعي، والثوري (¬8)، والمالكية (¬9)، ورواية عن أحمد (¬10)، فقالوا: لا يجزئ فركه وحتُّه مطلقا، ولا بد من الغسل. وهذا مبني على نجاسة المني، وقد استدلوا على ذلك بحديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، وفيه عن المني: "كنت أغسله من ثوب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬11). قالوا. والمني نجس فيجب غسله. ¬
[61 - 398] غسل المني من الثوب جائز
Rأن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، وربما أن الكاساني يقصد إجماع أهل مذهبه، ولا يقصد الإجماع الاصطلاحي، وأقول هذا لشهرة الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [61 - 398] غسل المني من الثوب جائز: إذا وقع مني على الثوب، فإن غسله جائز، ونفى الشوكاني الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "يجوز غسل المني من الثوب، وهذا مما لا خلاف فيه" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند نفي الخلاف: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، عن المني: "كنت أغسله من ثوب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬7). • وجه الدلالة: حيث فيه النص على غسل المني من ثوب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذه سنة فعلية تدل على الجواز وأكثر.Rأن نفي الخلاف في المسألة متحقق، وهذه المسألة من البدهيات؛ إذ أن غسل المتفق على طهارته، كالطيب والتراب يجوز، فكيف بما كان مستقذرًا، والخلاف فيما هو فوق الجواز، من الندب والوجوب، ولا يُعلم مخالف للجواز في هذه المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
[62 - 399] وجوب رش بول الآدمي
[62 - 399] وجوب رش بول الآدمي: إذا بال الصبي الذي لم يأكل على الثوب، فإن رش بوله واجب، حكى البيهقي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: البيهقي (458 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على نجاسة بولها -الكلاب- ووجوبِ الرش على بول الآدمي" (¬1). ونقله النووي عنه، ولكن بلفظ "الصبي" بدل "الآدمي" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الإجماع: 1 - حديث أم قيس بنت محصن "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول اللَّه، فأجلسه رسول اللَّه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله" (¬8). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "أتي رسول اللَّه بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" (¬9). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نضح أو رش بول الصبي في الحديثين، مما يدل على أنه قام بالتطهير، والمصلي مأمور بإزالة النجاسة عمومًا، وهذا بول يجب تطهيره، والنبي عليه الصلاة والسلام قام بالتطهير، فلزم متابعته، واللَّه تعالى أعلم (¬10). ¬
[63 - 400] الجلالة إذا حبست تطيب
• الخلاف في المسألة: خالف ابن القاسم من المالكية (¬1) بعض الحنابلة (¬2) في المسألة، فقالوا بأن بول الصبي طاهر، وعليه فلا يجب رشُّه وجوبًا. قالوا بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يغسل بول الصبي، فدل على طهارته، وما كان طاهرًا لا يجب غسله (¬3).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [63 - 400] الجلَّالة إذا حُبست تطيب: الجلالة هي: البهيمة التي تأكل العذرة (¬4)، ولا شك أن الحيوان يتأثر بما يأكله، فالذي يأكل النجاسة يتأثر بها، فهي تستحيل بداخله، وتختلط بلحمه، ولذا نهى عليه الصلاة والسلام عن أكلها كما سيأتي، ولكن إذا حبست الجلالة حتى تطيب، فإنها تزول نجاستها. • من نقل الاتفاق: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وتزول الكراهة بحبسها -أي الجلالة- اتفاقًا" (¬5). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإن الجلالة التي تأكل النجاسة، قد نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبنها، فإذا حبست حتى تطيب؛ كانت حلالًا باتفاق المسلمين" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة (¬10)، وابن حزم (¬11). • مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما-، قال: "نهى رسول ¬
[64 - 401] الأصل في الأعيان الطهارة
اللَّه عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأُدُم (¬1) ولا يركبها الناس حتى تُعلف أربعين ليلة" (¬2). • وجه الدلالة: حيث قال: "حتى تعلف. . " وحتى هنا للانتهاء، فإذا علفت أربعين انتهى النهي، وأصبحت طيبة، فإذا حبست من النجاسة وأكلت الطيب مدة -على الخلاف في تقدير المدة- فإنها تصبح طيبة.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [64 - 401] الأصل في الأعيان الطهارة: كثيرًا ما يتردد في عبارة الفقهاء؛ أن الأصل في الأشياء الطهارة، فقد حكى ابن تيمية الاتفاق على ذلك. والأظهر أن هذه مسألة أصولية (¬3)، تبحث في كتب الأصولِ، لا الفروعِ، ويبحثونها تحت مسألة الأفعال والأعيان المنتفع بها، قبل ورود الشرع بحكمها (¬4). • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، . . . . . . ¬
والحنابلة (¬1)، وعدد من الأصوليين (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. • وجه الدلالة: حيث فيها أن ما خلقه اللَّه تعالى في الأرض فهو لنا، ويحل الانتفاع به، حتى يرد دليل يغير هذا الأصل. 2 - قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا} [الأنعام: 145]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل - في هذه الآية - أن الأصل في هذه الأشياء الإباحة، إلا ما استثني، وغيرها ينطبق عليه هذا الأصلُ بالقياس. • الخلاف في المسألة: هذه المسألة الأصولية مسألة خلافية مشهورة، وإن كان المشهورُ الأخذَ بالقول السابق، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، أو الطهارة. فقد خالف عدد من العلماء: بأن الأصل في الأعيان والأفعال التوقف (¬3). واستدلوا: بأن المباح: ما أذن فيه صاحب الشرع، والمحظور: ما حرمه. فإذا لم يوجد دليل في مسألة معينة بحظر أو إباحة؛ فليس أمامنا إلا التوقف؛ لأن طريق الإباحة والحظر لم يوجد (¬4). وخالف بعض العلماء: بأن الأصل فيها الحظر والتحريم (¬5). ¬
[65 - 402] عدم نجاسة الشجر والزرع والأرض الميتة
واستدلوا: بأن هذه الأشياء ملك للَّه تعالى، والانتفاع بملك الغير قبيح، قياسًا على ملك المخلوق (¬1).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [65 - 402] عدم نجاسة الشجر والزرع والأرض الميتة: الشجر والزرع نعمة من نعم اللَّه تعالى علينا، فمنها نأكل ونتغذى، وهي من الطيبات التي أباحها اللَّه لنا، ولكن إذا ماتت ويبست؛ فإنها تستمر على طهارتها باتفاق المسلمين. وكذا الأرض التي فيها يُزرع، والتي منها خلقنا، وإليها نعود، ومنها نعود تارة أخرى، إذا ماتت. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإن الشجر والزرع إذا يبس؛ لم ينجس باتفاق المسلمين، وقد قال اللَّه تعالى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [النحل: 65]، وقال: "اعلموا أن اللَّه يحيي الأرض بعد موتها"، فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين" (¬2). • الموافقون على الإجماع: من الصعب بمكان؛ أن تجد نصوصًا خاصة بهذه المسألة؛ لأنها افتراضية، فهي من البدهيات، ولكن هي داخلة في حكم الجمادات والأعيان، وبهذا أو بنصهم على طهارتها أثناء الكلام، على أنها مسألة مسلَّمةٌ؛ نصل إلى رأي العلماء فيها. فقد وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى خلق لنا ما في الأرض ليكون عونًا لنا فيها على ¬
[66 - 403] نجاسة الميتة وأجزائها
الحياة، والأصل في المخلوقات الطهارة ما لم تستثنى، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الميتة لا تحرم إلا لأنها تفسد بموتها، وتفقد خاصية الحركة والحياة، أما الجمادات -ومنها الأشجار والزرع والأرض- فليست كذلك؛ فلا تقاس عليها، بل هي طاهرة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [66 - 403] نجاسة الميتة وأجزائها: الميتة تطلق على البهائم المباحة الأكل، إذا ماتت دون تذكية شرعية، وتطلق أحيانا على عموم الحيوانات (¬1). • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن لحمَ الميتة، وشحمَها، ووَدَكَها (¬2)، وغضروفَها، ومخَّها، وأن لحمَ الخنزير. . حرامٌ كله، وكل ذلك نجس" (¬3). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات: فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتةِ الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي. . . " (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول بعد حديثه عن ميتة السمك والجراد: "وأما باقي الميتات فنجسة، ودليلها الإجماع" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الاتفاق: 1 - قوله تعالى: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ. . .} [البقرة: 173]. ¬
[67 - 404] نجاسة سلى الذبيحة الميتة
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم الميتة بإطلاق، ويدخل تبعا الشحمُ، والمخ، والودك، والغضروف، وقد قرنها تبارك وتعالى بالدم ولحم الخنزير النجسيْنِ، مما يدل على أن حكمهم واحد. 2 - حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (¬1). • وجه الدلالة: أن جلد الميتة نجس، إلا أن يدبغ، وهو ظاهر على البدن، فالباطن من لحم وشحم ونحوهما من باب أولى.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [67 - 404] نجاسة سلى الذبيحة الميتة: السَّلَى: الغشاء الذي يكون فيه الولد في بطن أمه، من غير الإنسان، ويطلق عليه المشيمة أيضًا (¬2). والسلى هنا يأخذ حكم حاملته من حيث النجاسة وعدمها؛ لأنه تبع لها. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "فإن قيل: فالسلى لحم من ذبيحة المشركين، وذلك نجس، وذلك باتفاق" (¬3). أما مستند الاتفاق، وتوثيقُ المسألةِ، فلا يختلف عن المسألة السابقة (نجاسة الميتة وأجزائها)؛ إذ أن السلى جزءٌ رطبٌ من الأم - الميتة - وليس صلبًا كالعظام ونحوها، فيأخذ حكمَ لحمِ الميتة.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [68 - 405] طهارة السمك والجراد إذا ماتا: السمك والجراد يشتركان في أنه لا يتصور تذكيتهما كالبهائم، فمن يسر الإسلام أنهما لا ذكاة لهما. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث يقول: "فالسمك والجراد إذا ماتا؛ ¬
[69 - 406] طهارة القرد
طاهران بالنصوص والإجماع" (¬1). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "وأما ميتة السمك والجراد؛ فللإجماع على طهارتهما" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على حل ميتة البحر، ومنها السمك، ومن المعلوم أن حل الأكل طهارة وزيادة. 2 - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالطحال والكبد" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على حل ميتة الجراد والحوت، وهو طهارة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة, واللَّه أعلم. [69 - 406] طهارة القرد: القرد له أنياب يمكن أن يقاتل بها، وهو يعد من السباع، ولذا يشمله الحكم الذي ينطبق على السباع؛ لأنه منها، فهو ليس بنجس. • من نقل الاتفاق: ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "القرد ليس بنجس اتفاقًا" (¬9). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية، وفي جواز أكله عندهم ¬
قولان (¬1). • مستند الاتفاق: 1 - النجاسة حكم شرعي، ولا تطلق على شيء إلا بدليل شرعي، ولم يدل على نجاسة القرد دليل؛ فيبقى على الأصل وهو الطهارة. 2 - أن مسَّ القرود، قد يتعرض له الناس كثيرًا، ولو كانت نجسة لنجست ما يلامسها، ولو كان كذلك لبينه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وقته، لحاجة الناس إليه، وترك البيان عند الحاجة لا يجوز (¬2)، فدل على أنها على الأصل وهو الطهارة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (¬3)، والحنابلة (¬4)، فقالوابنجاسة القرد، وكل ما لا يؤكل من الطير والسِّباع، مما هو فوق الهر خلقةً. واستدل الحنفية على نجاستها بنجاسة سؤرها؛ لما روي عن ابن عمر وعمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما-، أنهما وردا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، أترد السباع ماءكم هذا. فمال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنه: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (¬5). فقالوا: لولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله؛ لما نهاه عن ذلك (¬6). أما الحنابلة فلم أجد لهم دليلًا؛ إلا وصفَهم له بأنه خبيث ومستقبح، وقولهم بتحريم أكله لأنه سبع (¬7). وكأن ابن حزم يميل إلى هذا القول -نجاسة القرد- وإن لم يصرح به، إلا أنه يشبهه بالخنزير، وأنه من الخبائث، فقد يفهم منها أنه يقول بنجاسته (¬8)، واللَّه أعلم. ¬
[70 - 407] غسالة النجاسة المتغيرة نجسة
Rأن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [70 - 407] غسالة النجاسة المتغيرة نجسة: النجاسة إذا غسلت بالماء، وانفصل الماء متغيرًا بها، فهو نجس يأخذ حكمها (¬1)، وهنا قيد مهم، وهو أن ينفصل الماء متغيرًا. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "والمنفصل من غسالة النجاسة، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينفصل متغيرًا بها؛ فهو نجس إجماعًا؛ لأنه متغير بالنجاسة، فكان نجسًا، كما لو وردت عليه" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فغسالة النجاسة، إن انفصلت متغيرة الطعم، أو اللون، أو الريح بالنجاسة؛ فهي نجسة بالإجماع" (¬3). ونقل عبارته ابن قاسم دون إشارة (¬4). الحافظ العراقي (806 هـ) حيث يقول: "فيه (¬5) أن غسالة النجاسة طاهرة. .، فإن تغيرت؛ كانت نجسة إجماعًا" (¬6). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي عن الماء النجس: "أو انفصل عن محل نجاسة متغيرًا"، قال: "أي: فينجس بمجرد الملاقاة بالإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬10). زاد أبو أمامة الباهلي -رضي اللَّه عنه- في روايته: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (¬11). ¬
[71 - 408] المحل النجس لا يطهر بالماء القليل إذا تغير
• وجه الدلالة: الحديث ينص على أن الماء في الأصل طهور، لا ينجسه شيء، ولكن إذا غلب على ريحه، أو طعمه، أو لونه نجاسة، فإن الماء في هذه الحالة يأخذ حكم ما غيَّره، فإن غيَّرته نجاسة أخذ حكمها، هذا هو مفهوم الحديث، وغسالة النجاسة يرد عليها هذا الكلام، فإذا تغيرت الغسالة بالنجاسة المغسولة؛ فإنها تتنجس، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الماء إذا غسل به النجاسة، فقد انتقلت إليها؛ إذ لا يخلو كل ماء غسل به نجاسة عن نجاسة، فأوجب تنجيسها للماء (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [71 - 408] المحل النجس لا يطهر بالماء القليل إذا تغير: إذا أدخل المحل النجس في إناء أو إجانة (¬2)، فغسله فيها، وتغير الماء، فإن المحل لم يطهر. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "إذا أدخل المحل النجس في إجانة، وهي القصعة، فغسلها فيها، فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا، . .، هذا إن كان الماء يسيرًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة في أحد الوجهين عندهم (¬6). • مستند الإجماع: أن الماء الذي تغير بالنجاسة، أصبح نجسًا، والنجس لا يرفع النجاسة؛ إذ نجس في ذاته، فلا يطهر المحل النجس (¬7)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف ابن سريج في المسألة (¬8)، وقال: إن قصد إزالة النجاسة لم ينجس الماء، وطهر المحل. ¬
[72 - 409] المحل النجس يطهر بالماء الكثير
وخالف الحنابلة في أحد الوجهين (¬1)، فقالوا: هو طاهر. ولم أجد دليلًا، للقولين.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [72 - 409] المحل النجس يطهر بالماء الكثير: إذا أدخل المحل النجس في ماء كثير، وغسله فيه، فإنه يطهر بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن العربي (543 هـ) حيث يقول: "إذا أدخل المحل النجس في إجانة، وهي القصعة فغسلها فيها، فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا، . .، هذا إن كان الماء يسيرًا، فإن كان كثيرًا طهر المحل إجماعًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (¬6). • وجه الدلالة: أن الماء إذا كان كثيرًا، فإنه لا يحمل الخبث ولا ينجس، فإذا أدخل المحل النجس فيه، فإنه يطهر؛ لأنه أدخل في ماء طاهر، لم يتأثر بإدخال النجاسة، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [73 - 410] النجس يطهر بالغسل في الماء الجاري: إذا غسل المحل النجس في الماء الجاري، فإنه يطهر بلا خلاف. وتعبيره بالماء الجاري دون تقييد يدخل فيه الكثير والقليل. • من نقل نفي الخلاف: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما طريق التطهير ¬
بالغسل، فلا خلاف في أن النجس يطهر بالغسل في الماء الجاري" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬2)، والشافعي في القديم (¬3)، والحنابلة في رواية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬5). • وجه الدلالة: عموم الحديث، فهو يدخل فيه الماء الجاري، فلا ينجس حتى يتغير، وإذا غسل في المحل النجس طهر (¬6). 2 - أن الأصل طهارة الماء الجاري، ولو أدخل فيه المحل النجس، ما لم يتغير، وإذا كان كذلك فإن المحل النجس يطهر إذا زالت النجاسة (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في المشهور (¬8)، والحنابلة في رواية، هي المذهب عندهم (¬9)، فقالوا: الماء الجاري كالراكد، فإن كان قلتين دفع النجاسة إن لم تغيره، وإلا فإنه ينجس بوقوع النجاسة فيه، فلا يطهر المحل النجس حينئذ. واستدلوا بحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (¬10)، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا فلم يفرق الحديث (¬11). وخالف الشافعية في قول آخر (¬12)، وقالوا بالفرق بين النجاسة الجامدة والمائعة إذا سقطت في الماء الجاري القليل، فإذا كانت مائعة مستهلكة لا ينجس الماء، وإذا كانت جامدة فإنه ينجس، فلا يطهر المحل النجس إذًا. لأن المائعة تختلط وتستحيل مع الماء، بخلاف الجامدة.Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[74 - 411] العفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء
[74 - 411] العفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء: إذا استجمر المسلم، فإن الأثر الباقي بعد إنقاء المحل معفو عنه، وقد نفى ابن قدامة الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها، في ثلاثة مواضع أحدها: محل الاستنجاء، يعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء، واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أباح لنا الاستنجاء بالأحجار، وهي لا تزيل النجاسة بالكلية، بل يبقى أثر لاصق لا يزيله إلا الماء، ومع ذلك أباح لنا الاستنجاء، فدل على أن هذا الأثر معفو عنه، واللَّه تعالى أعلم (¬5).Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [75 - 412] إراقة المائع الواقع فيه نجاسة: إذا وقعت نجاسة في مائع قليل، فإن المائع يجب أن يراق، ولا ينتفع به، وعليه حكى ابن حجر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حجر (852 هـ) حيث يقول في ترجيح القول بأن النهي عن إضاعة المال مخصوص بالأمر بإراقة المتنجس: "ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة، من قليل المائعات، ولو عظم ثمنه" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية، والحنابلة في قول (¬7). ¬
• مستند الإجماع: 1 - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن الفأرة تموت في السمن، فقال: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (¬1). • وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بعدم الاقتراب منه، وهو ما يعني عدم الاستفادة منه وإراقته، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أنه لا يشق حفظ المائع من النجاسة، وإن كثر، بل العادة حفظه (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)؛ فقالوا: بل ينتفع به ولا يراق. واستدلوا: بأن نجاسته لم تكن لعينه، بل لمجاورة النجاسة إياه، كالثوب المتنجس (¬5). خالف ابن حزم في المسألة (¬6)، وقال: إن الحكم مرتبط بالتغير، فإذا تغير المائع بالنجاسة يجتنب ويراق، وإلا فينتفع به. وهناك رواية عن أحمد، وهو قول الزهري وغيره، أن المائعات لها حكم الماء، فلا تتنجس إلا بالتغير، واستظهر ابن تيمية هذا القول (¬7). واستدلوا: بأن الحرج في الماء أقل في العادة من الأشربة والأطعمة، فإن في نجاستها من المشقة، والحرج، والضيق، ما لا يخفى على الناس، وقد عُلم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، فإذا لم ينجسوا الماء الكثير رفعًا للحرج؛ فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة، والحرج في هذا أشق (¬8). يظهر مما سبق، أن الإجماع واقع داخل مذهب الشافعية فقط، والعجيب أن ابن حجر نفسه أشار إلى الخلاف في موضع آخر (¬9). ¬
[76 - 413] السمن الجامد إذا وقعت فيه نجاسة يطهر بإزالتها
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [76 - 413] السمن الجامد إذا وقعت فيه نجاسة يطهر بإزالتها: إذا وقع الفأر الميت أو غيرها من النجسات في السمن الجامد أو مثله، فإن طرح الفأر وما حوله يكفي في التطهير. • من نقل الاتفاق: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك؛ أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد" (¬1). ونقله عنه ابن حجر بلفظ الاتفاق (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الاتفاق: حديث ميمونة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن فأرة وقعت في سمن، فماتت فيه، فسئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها، فقال: "ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر بأن يلقى السمن كله، بل قيده بما حول النجاسة فقط، مما تأثر بالمجاورة، والأكل لا يقال للسمن المائع، بل هو للجامد فقط، فهو المفهوم من الحديث، فما دام أن النجاسة لم تسر في كل السمن، أو الطعام الجامد أيًّا كان؛ فإن النجاسة تلقى وما حولها، ويبقى الباقي طاهرًا، ويؤخذ من قوله {وَكُلُوا} [البقرة: 187] التصريح بإباحة أكله وطهارته (¬8).Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[77 - 414] السنور كالفأر إذا وقع في السمن الجامد
[77 - 414] السنور كالفأر إذا وقع في السمن الجامد: إذا وقع السنور في السمن الجامد، فإنه يأخذ حكم الفأرة إذا وقعت، بأن يلقى السنور وما حوله، ويؤكل الباقي، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك؛ أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد" (¬1). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: القياس على الفأرة، فإذا رخص عليه الصلاة والسلام في الفأرة الميتة في السمن الجامد، وأمر بنزعها وما حولها مما تأثر بها، وأكل الباقي، فإن السنور من باب أولى؛ إذ ليس من عادة السنور أكل النجاسات كالفأرة، فما دام أن النجاسة لم تنتشر في السمن، وأننا ألقينا المتنجس، فإن العلة حينئذ واحدة، ويجب العمل بالقياس، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم (¬6) في المسألة، ورأى الاقتصار على الفأر في ذلك، وأن الحكم لا يشمل غيرها، بل يجب طرح الكل عندئذٍ. وقال ذلك بناء على رأيه في منع القياس (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهي مبنية على اعتبار قول الظاهرية وعدم اعتباره، فمن لم يعتبره كالنووي، رأى تحقق الإجماع، والصحيح أن خلافهم معتبر، وأنهم جزء من علماء الأمة لا بد من اعتبار أقوالهم، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[78 - 415] غسل النجاسة يقدم على الحدث إذا لم يكف الماء
[78 - 415] غسل النجاسة يقدم على الحدث إذا لم يكف الماء: إذا اجتمع نجاسة وحدث، ومع المسلم ماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإنه يغسل النجاسة ويتيمم. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما، غسل النجاسة وتيمم للحدث، . . .، ولا نعلم فيه خلافًا" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية عدا رواية عن أبي يوسف (¬2)، والمالكية في قول (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - أن التيمم للحدث ثابت بنص الشارع والإجماع، ومختلف فيه للنجاسة، فوجب تقديم المختلف فيه دفعًا للخلاف (¬5). 2 - أنه لا بدل في الشرع لغسل الجنابة، بخلاف الحدث فبدل غسله بالماء غسله بالتراب (¬6). 3 - أن صرف الماء إلى النجاسة يجعله مصليًّا بطهارتين؛ حقيقية وهي غسل النجاسة، وحكمية وهي التيمم، فكان أولى من الصلاة بطهارة واحدة وهي الوضوء مع بقاء النجاسة (¬7). • الخلاف في المسألة: خالف حماد بن أبي سليمان (¬8)، ورواية عن أبي يوسف (¬9)، والمالكية في قول (¬10) في المسألة، فقالوا: يتوضأ ولا يغسل النجاسة. • ووجهه: أن الحدث أغلظ النجاستين؛ بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة في الجملة للضرورة، ولا جواز لها مع الحدث بحال (¬11). ¬
[79 - 416] النجاسة إذا زادت عن قدر الدرهم تغسل
Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [79 - 416] النجاسة إذا زادت عن قدر الدرهم تغسل: النجاسة إذا كانت على الإنسان، وزادت عن قدر الدرهم، فإن إزالتها واجبة بالإجماع (¬1). • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وهذا كله، إذا لم يتعد النجس المخرج، فإن تعداه؛ ينظر إن كان المتعدي أكثر من قدر الدرهم؛ يجب غسله بالإجماع" (¬2). العيني (855 هـ) حيث يقول: "وما جاوز موضع الفرج، وزاد على قدر الدرهم؛ فإنه يغسل إجماعًا، ولا تكفيه الأحجار" (¬3). ابن الهمام (861 هـ) حيث يقول عن تخصيص قدر الدرهم من النجاسة بالتجاوز عنه: "فيخص أيضًا قدر الدرهم بنص الاستنجاء بالحجر؛ لأن محله قدره، . .؛ أو بدلالة الإجماع عليه" (¬4). ونقله عنه ابن نجيم دون إشارة (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بعموم تطهير الثياب، والبدن يدخل بالأولى، فيجب تطهير النجاسة على البدن أو الثوب (¬9). 2 - عموم أدلة إزالة النجاسة، فهي تدل على وجوب إزالتها من البدن، وما زاد عن ¬
[80 - 417] الطاهر من الأشياء
قدر الدرهم، فإنه كثير يجب إزالته قطعًا بدلالة النصوص، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [80 - 417] الطاهر من الأشياء: الشيء الذي لا يعرف طهارته أو نجاسته، وليس عليه نجاسة حسية أو حكمية، فإنه يكون طاهرًا. وهذه المسألة عامة ليس فيها تفصيل، ولم تتعرض لماهيَّة النجاسة -مثلًا- ولا ماهيَّة هذا الشيء الطاهر، فهي مطلقة، ولذا يصعب أن تجد من يتحدث عن مثل هذا الإطلاق من أهل العلم، ولكنه مفهوم من كلامهم ومن تفصيلاتهم. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن ما لم يكن بولًا، ولا رجيعًا، حاشا ما خرج من برغوث، أو نحل، أو ذباب، ولا خمرًا، ولا ما تولد منها ولامسه، ولا ما أخذ منها، ولا ما أخذ من حيٍّ، حاشا الصوف، والوبر، والشعر، مما يؤكل لحمه، ولا كلبًا، ولا حيوانًا لا يؤكل لحمه من سبع، أو غيره، ولا لعاب ما لا يؤكل، ولا صديدًا، ولا قيئًا، ولا قيحًا، ولا دمًا، ولا بصاقًا، ولا مخاطًا، ولا قلسًا، ولا ما مسه شيء من كل ما ذكرنا؛ فإنه طاهر" (¬1). وهذه العبارة من ابن حزم هي أشبه بحكاية الخلاف في المستثنيات التي ذكرها رحمه اللَّه منها بحكاية الاتفاق في المسألة، ولكن ذكرتها تتميمًا لعبارة الشوكاني الآتية، وبيانًا لمحترزاتها. الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية، ولا حكمية؛ يسمى طاهرًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من تحدث عن نفس المسألة مباشرة، وإنما بالتبع، وهي لا شك مفهومة من كلامهم. وبالتالي نقول: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، ¬
والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. . . " الحديث (¬2). • وجه الدلالة: أن الأصل في الأشياء الطهارة، ما لم يتبين عليها أثر نجاسة، ولذلك قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فالأصل فيما على هذه الأرض الطهارة حتى يثبت الضد، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ¬
الباب الحادي عشر: مسائل الإجماع في باب الحيض والنفاس
الباب الحادي عشر: مسائل الإجماع في باب الحيض والنفاس [1 - 418] دماء الرحم إما حيض أو نفاس أو عرق: الدماء التي تخرج من رحم المرأة لا تخرج عن ثلاثة؛ إما أن تكون حيضًا، أو نفاسًا، أو استحاضة -دم عرق- وحكى الإجماع على هذا عدد من العلماء، وهذا ما سنناقشه في مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن للدماء الظاهرة من الأرحام ثلاثة أحكام: أحدها: دم الحيض، . .، والثاني: دم النفاس عند الولادة، . .، والدم الثالث: دمٌ ليس بعادة، ولا طبع للنساء، ولا خلقة معروفة منهن، وإنما هو عرق انقطع وسال دمه" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم حيض، وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض، . .، ودم نفاس، وهو الخارج مع الولد" (¬2). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام، في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها، فمن ذلك، الحيض المعروف، . .، والثاني من الدماء: دم النفاس عند الولادة، . .، والثالث من الدماء: دمٌ ليس بعادة، ولا طبع منهن، ولا خلقة، وإنما هو عرق انقطع" (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: من الصعب جدًّا أن نأتي بمستند في مثل هذه المسألة، ولكن نقول: إن الدم الخارج من رحم المرأة، إما أن يكون أسود، أو مميزًا للمرأة بأنه ¬
[2 - 419] الدفعة من الدم الأسود أيام الحيض حيض
حيض، ومثله النفاس بعد الولادة في الحكم، وإما أن يكون ملونًا - على الخلاف في لون دم الاستحاضة - أو غير مميز للمرأة أنه حيض أو لا، فيكون دم عرق وهو الاستحاضة، وعلى هذا أتت النصوص بأحكامٍ خاصةٍ لكل صنف من هذه الدماء، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [2 - 419] الدفعة من الدم الأسود أيام الحيض حيض: إذا نزل من المرأة دم حيضٍ أيام حيضتها، ثم انقطع قبل أن يتم يومًا أو ليلة، فإن هذا الدم يعتبر -حين يأتيها- حيضةً، وذلك قبل أن ينقطع، هذه مسألتنا (¬1). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول أثناء مناقشة له: "ثم نسألهم عمن رأت الدم في أيام حيضتها: بماذا تفتونها؟ فلا يختلف منهم أحد في أنها حائض ولا تصلي ولا تصوم، فنسألهم: إن رأت الطهر إثرها؟ فكلهم يقول: تغتسل وتصلي، فظهر فساد قولهم، وكان يلزمهم إذا رأت الدم في أيام حيضتها ألا تفطر، ولا تدع الصلاة، وألا يحرم وطؤها؛ إلا حتى تتم يوما وليلة، في قول من يرى ذلك أقل الحيض، . .، فإذ لا يقولون بهذا، ولا يقوله أحد من أهل الإسلام؛ فقد ظهر فساد قولهم، وصح الإجماع على صحة قولنا" (¬2). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "أجمع الفقهاء على أن يأمروا المبتدأة بالدم بترك الصلاة في أول ما ترى الدم" (¬3). الباجي (474 هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "أجمعنا على وجوب ترك الصلاة بأول ما ترى من الدم" (¬4). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يعرف بالدفعة من الدم، في وقت إمكان الحيض" (¬5). ¬
[3 - 420] رؤية الدم ساعة ثم انقطاعه ليس حيضا
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬1)، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ردًّا على سائلةٍ: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل إقبال الحيضة -الدم- حيضًا، وفي مسألتنا كذلك، فهي عندما ترى الدم لا تدري أنه سينقطع أو لا (¬4).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [3 - 420] رؤية الدم ساعة ثم انقطاعه ليس حيضًا: إذا رأت المرأة الدم ساعة، ثم انقطع، فلا يعتبر ذلك حيضًا بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنها لو رأت الدم ساعة وانقطع؛ لا يكون حيضًا". نقله عنه النووي (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الإجماع: أن أقل الحيض غير محدود شرعًا، فوجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، وقد ثبت الوجود في يوم وليلة، ولم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضًا بحال (¬9). • الخلاف في المسألة: خالف مالك (¬10)، وابن حزم (¬11) في المسألة، فقالوا: هو حيض، حيث إنهم يقولون: لا حد لأقل الحيض. قال النووي بعد نقله عن ابن جرير: "وهذا الإجماع الذي ادعاه غير صحيح، فإن مذهب مالك أن أقل الحيض يكون دفعة فقط" (¬12). ¬
[4 - 421] الحيض لا يكون أزيد من سبعة عشر يوما
• واحتجوا: بأن النص ورد بأن دم الحيض أسود يعرف، وما عداه ليس حيضًا، ولم يخص عليه السلام لذلك عدد أوقات من عدد، بل أوجب برؤيته أن لا تصلي ولا تصوم (¬1). وخالف ابن تيمية في المسألة، حيث أرجع أقل الحيض إلى عادة المرأة، فلو كانت المرأة تحيض كمسألتنا فهو حيضها (¬2). ويحتج له بالعرف، فإذا كانت هذه عادتها فهي حيضتها.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [4 - 421] الحيض لا يكون أزيد من سبعة عشر يومًا: إذا حاضت المرأة أكثر من سبعة عشر يومًا، فإنه لا يكون حيضًا بالإجماع (¬3). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الحيض لا يكون أزيد من سبعة عشر يومًا" (¬4). ويقول: "وكان ما زاد على ذلك -أي سبعة عشر يومًا- إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الأوزاعي، وداود (¬6)، والحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة على المذهب (¬10). • مستند الإجماع: لم يأتِ توقيتٌ من الشرع في أكثر مدة الحيض (¬11)، وقد صح النص بأن الحيض قد يكون دمًا أسود وليس حيضًا (¬12)، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل ¬
[5 - 422] أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما
عن مدة الحيض، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا، فوجب جعلها أكثر مدة للحيض (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في قول (¬2)، بزيادة أكثر الحيض ليلة، فيكون سبعة عشر يومًا وليلة. ولم أجد لهم دليلًا، ولكن ربما استندوا إلى وقوع ذلك، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع غير متحقق في سبعة عشر يومًا، وإنما هو متحقق في سبعة عشر يومًا وليلة؛ لوجود المخالف في المسألة، ولكن لا يعني هذا أنه يمكن الاستدلال بالمسألة، على إثبات أن أكثر مدة الحيض سبعة عشر يومًا، كما فعل ابن حزم (¬3)، وإنما مساق المسألة على عدم وجود من قال بأن مدة الحيض قد تزيد على سبعة عشر يومًا، فهي من باب الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [5 - 422] أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا: إذا حاضت المرأة أكثر من خمسة عشر يومًا، فلا يقول أحد من العلماء بأن هذا حيض (¬4). • من نقل الإجماع: الداودي حيث يقول: "اتفقوا على أن أكثره خمسة عشر يومًا". نقله عنه ابن حجر (¬5). ونقله ابن حزم مبهمًا، حيث قال: "وأما من قال: خمسة عشر يومًا؛ فإنهم ادعوا الإجماع على أنه لا يكون حيض أكثر من ذلك" (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ ¬
[6 - 423] أقل الطهر خمسة عشر يوما
فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: الآية تقتضي حمل الحيض على كل أذى من جنسه، إلا ما خصه الدليل، ولا دليل في مسألتنا (¬1). 2 - أن العادة والعرف تدل على أن أكثر ما يقع هو خمسة عشر يومًا، فوجب الرجوع إليها (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف الأوزاعي، وداود (¬3)، والحنابلة على قول (¬4)، وابن حزم (¬5) في المسألة، فقالوا: أكثره سبعة عشر يومًا. وخالف الحنابلة في قول آخر (¬6)، بزيادة أكثر الحيض ليلة، فيكون سبعة عشر يومًا وليلة. وقال ابن حزم عن هذه الدعوى للإجماع: "وهذا باطل" (¬7). • واحتجوا: بوقوع ذلك، وأن المسألة عائدة للعرف (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق (¬9)؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [6 - 423] أقل الطهر خمسة عشر يومًا: إذا طهرت المرأة، فإن أقل مدة طهرها خمسة عشر يومًا، هذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: المحاملي (415 هـ) حيث يقول: "أقل الطهر خمسة عشر يومًا بالإجماع". نقله عنه النووي (¬10). القاضي أبو الطيب (450 هـ) حيث يقول: "أجمع الناس أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا". نقله عنه النووي (¬11)، والعيني (¬12). الشيرازي (476 هـ) حيث يقول: "وأقل طهر فاصل بين الدمين خمسة عشر يومًا لا ¬
أعرف فيه خلافًا" (¬1). نقله عنه العيني (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول بعد أن قرر القول بنحو مسألتنا: "ولنا، إجماع الصحابة على ما قلنا" (¬3)، وهو يريد الإجماع السكوتي (¬4). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "وأقل الطهر خمسة عشر يومًا بإجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الثوري، وأبو ثور (¬6)، والنخعي (¬7)، والحسن بن صالح، وعطاء (¬8)، والمالكية في قول (¬9)، والحنابلة في رواية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث حمنة بنت جحش -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم اللَّه، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن" (¬11). • وجه الدلالة: أن الشهر يدور بين الحيض والطهر، ووجب أن يكون الطهر أكثر من الحيض؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثبت في هذا الحديث الست أو السبع حيضًا، وجعل بقية الشهر طهرًا، فدل على أن الطهر يكون أكثر (¬12). 2 - أن ما لم يقيده الشارع، يترك للعادة والعرف، وأقل ما ثبت وجوده خمسة عشر يومًا، فوجب الأخذ به (¬13). • الخلاف في المسألة: قال النووي عن قول المحاملي وأبي الطيب: "مردود غير ¬
مقبول" (¬1). وأما قول الشيرازي؛ فحمله على نفي الخلاف في المذهب (¬2). خالف مالك في رواية (¬3)، وأحمد في رواية (¬4)، وإسحاق (¬5)، والأوزاعي (¬6)، وابن حزم (¬7)، وقال: لا حد لأقله. واحتجوا بقول ابن عباس (¬8)، وأن الطهر يعود للعرف والعادة (¬9). وخالف سعيد بن جبير (¬10)، وأحمد في رواية (¬11)، بأنه ثلاثة عشر يومًا. واحتجوا بأثر عن علي -رضي اللَّه عنه- (¬12). وخالف يحيى بن أكثم (¬13)، وأبو حازم القاضي، وأبو عبد اللَّه البلخي (¬14)، بأن أقله تسعة عشر يومًا. وهذا مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، فبقي تسعة عشر أو عشرون - على تمام الشهر ونقصانه (¬15). وخالف قوم بأنه سبعة عشر يومًا (¬16). بل قال ابن رشد: "وقيل سبعة عشر يومًا، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب" (¬17). وخالف مالك في رواية (¬18)، بأن أقله خمسة أيام. وخالف مالك في رواية (¬19)، بأن أقله عشرة أيام. ولم أجد لهما دليلًا. ¬
[7 - 424] لا حد لأكثر الطهر
Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [7 - 424] لا حد لأكثر الطهر: إذا طهرت المرأة، فلا حدَّ لأكثر طهرها، وعلى ذلك حكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ولا حد لأقل الطهر، ولا لأكثره، فقد يتصل الطهر باقي عمر المرأة فلا تحيض، بلا خلاف من أحد، مع المشاهدة لذلك" (¬1). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "وأما أكثر الطهر؛ فلا غاية له، حتى إن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة؛ فإنها تعمل ما تعمل الطاهرات، بلا خلاف بين الأئمة" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "ولا حد لأكثره بالإجماع" (¬3). ويقول: "أجمع العلماء على أن أكثر الطهر لا حد له" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "وأكثر الطهر لا حد له إجماعًا" (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والطهر بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم" (¬7). ابن حجر (852 هـ) حيث نقل عنه ابن قاسم حكايته للإجماع في المسألة (¬8). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "ولا حد لأكثر الطهر بالإجماع" (¬9). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: " (ولا حد لأكثره) إجماعًا" (¬10). • مستند الإجماع: 1 - أن الشرع لم يأتِ بتحديد في المسألة، فوجب الرجوع إلى عادة النساء، ومن عادتهن أنه لا حد لأكثره، بل ذكر النووي عن أبي الطيب أنه يعرف امرأة صحيحة تحيض يومًا وليلة في السنة فقط، فلا حد لأكثر الطهر (¬11)، واللَّه أعلم. ¬
[8 - 425] الحائض لا تصلي
2 - أن الطهارة في بنات آدم أصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض، وجب بناء الحكم على الأصل، وإن طال (¬1).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [8 - 425] الحائض لا تصلي: إذا حاضت المرأة، فإن الصلاة لا تجب عليها أثناء الحيض. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن عليها اجتناب كل الصلوات فرضها ونفلها" (¬2). نقله عنه النووي (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض" (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم أيام حيضها، ولا يطؤها زوجها في فرجها ولا في دبرها" (¬5). وقال: "أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة، حقهم ألا يُعَدُّوا في أهل الإسلام" (¬6). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "فبان بذلك أن الحائض لا تصلي، وهذا إجماع" (¬7). وقال: "وهذا نص ثابت عنه عليه الصلاة والسلام (¬8)، في أن الحيض يمنع من الصلاة، وهذا إجماع من علماء المسلمين، نقلته الكافة، كما نقلته الآحاد العدول، ولا مخالف فيه إلا طائفة من الخوارج، يرون على الحائض الصلاة" (¬9). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن فرض الصلاة ساقط عن ¬
الحائض مدة حيضها، وأنه لا يجب عليها قضاؤه" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء؛ أحدها: فعل الصلاة ووجوبها" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث أشار إلى الإجماع بعد أن ذكر عددًا من الأحكام التي يوجبها الحيض، قال: "ومنها أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، . . .، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة" (¬3). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬4): أن الحائض لا تصلي، وهو إجماع من كافة العلماء، إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على أنه يحرم عليها -الحائض- الصلاة فرضها ونفلها" (¬6). نقله عنه ابن نجيم (¬7). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "الحيض والنفاس قال في "التلقين" (¬8): يمنعان أحد عشر حكمًا: وجوب الصلاة، وصحة فعلها؛ . .، أما الأول والثاني؛ فبالإجماع" (¬9). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "كما يحرم على الحائض الصلاة والصيام بالنص والإجماع" (¬10). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: " (يمنع صلاة وصوما) أي: الحيض يمنع صلاة وصومًا لإجماع المسلمين على ذلك" (¬11). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "الحيض، وهو دم طبيعة، يمنع الطهارة له، . .، والصلاة (ع) (¬12)، ولا تقضيها (ع") (¬13). أي ويمنع الصلاة. المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، ¬
وهذا بلا نزاع، ولا تقضيها إجماعًا" (¬1). منلا خسرو (885 هـ) حيث يقول: "فثبت به حكم الصلاة عبارةً، وحكم الوطء والصوم دلالةً؛ لانعقاد الإجماع على أن دم الرحم يمنع الصلاة، والصوم، والوطء" (¬2). داماد (1078 هـ) حيث يقول: "يمنع الصلاة والصوم؛ للإجماع عليه" (¬3). الزرقاني (1122 هـ) حيث يقول: " (فاتركي الصلاة) (¬4) تضمن نهي الحائض عن الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع" (¬5). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "يتضمن (¬6) نهي الحائض عن الصلاة، وتحريم ذلك عليها، وفساد صلاتها، وهو إجماع" (¬7). ويقول: "وهو إخبار (¬8) يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجبان عليها، وهو إجماع في أنهما لا يجبان حال الحيض" (¬9). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن الحائض لا تصلي" (¬10). ويقول: "والحديث يدل على عدم وجوب الصوم والصلاة على الحائض حال حيضها، وهو إجماع" (¬11). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق, ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" (¬12). • وجه الدلالة: أن فاطمة -رضي اللَّه عنها- قالت: (أفأدع الصلاة)، يعني تفعل في الاستحاضة كالحيض، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا"، فدل بالمفهوم أنها تدع الصلاة ¬
[9 - 426] الحائض لا تقضي الصلاة
للحيض (¬1). 2 - سئلت عائشة -رضي اللَّه عنها-، ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: "أحرورية أنت؟ " فقالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت عائشة: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬2). • وجه الدلالة: أن عائشة -رضي اللَّه عنها- ذكرت أنهنّ كنَّ لا يؤمرن بقضاء الصلاة، مما يدل على عدم وجوبها عليهن (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة بعض طوائف الخوارج (¬4)، ولا عبرة بخلافهم؛ لمخالفتهم النص والإجماع.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [9 - 426] الحائض لا تقضي الصلاة: إذا طهرت المرأة الحائض، فإنه لا يلزمها قضاء الصلاة المفروضة، وحكي على هذا الإجماع. • من نقل الإجماع: الزهري (125 هـ) حيث يقول: "اجتمع الناس عليه" أي: على عدم قضاء الحائض للصلاة. نقله عنه ابن حجر (¬5). الشافعي (204 هـ) حيث يقول: "في هذا دلائل على أن فرض الصلاة في أيام الحيض زائل عنها، فإذا زال عنها وهي ذاكرة عاقلة مطيقة؛ لم يكن عليها قضاء الصلاة، وكيف تقضي ما ليس بفرض عليها بزوال فرضه عنها، قال: وهذا مما لا أعلم فيه مخالفًا" (¬6). الترمذي (297 هـ) حيث يقول: "وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء؛ لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي ¬
الصوم، ولا تقضي الصلاة" (¬1). ونقله عنه النووي (¬2). ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬3). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن قضاء ما تركت من الصلاة في أيام حيضها غير واجب عليها" (¬4). ونقله عنه النووي (¬5)، وابن حجر (¬6)، والشوكاني (¬7). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئًا من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت لها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد" (¬8). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "والأمة مجمعة على ذلك، وعلى أن الحائض بعد طهرها لا تقضي صلاة أيام حيضها، لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين" (¬9). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "وهذا قول عامة أهل العلم أن الحائض إذا طهرت تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكذلك النفساء" (¬10). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن فرض الصلاة ساقط عن الحائض مدة حيضها، وأنه لا يجب عليها قضاؤه" (¬11). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء؛ أحدها: فعل الصلاة ووجوبها، أعني: أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها بخلاف الصوم" (¬12). القرافي (684 هـ) حيث يقول: "أن الحائض تنوي القضاء إجماعًا" (¬13). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (¬14). ¬
النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة، فلا تقضي إذا طهرت" (¬1). وقال: "وأما الحائض والنفساء، فلا صلاة عليهما، ولا قضاء بالإجماع" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: " (وتقضيه دونها) أي: تقضي الصوم دون الصلاة، . .، وعليه انعقد الإجماع" (¬4). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "الحيض، وهو دم طبيعة، يمنع الطهارة له، . .، والصلاة (ع) (¬5)، ولا تقضيها (ع) " (¬6). أي: ويمنع الصلاة، ولا تقضيها إجماعًا. المرداوي (885 هـ) حيث يقول: "ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وهذا بلا نزاع، ولا تقضيها إجماعًا" (¬7). ابن حجر (852 هـ) حيث يقول بعد حكاية خلاف سمرة في المسألة (¬8): "لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره" (¬9). ونقله عنه الشوكاني (¬10). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: " (فتقضيه دونها) أي: فتقضي الصوم لزومًا دون الصلاة، . .، وعليه انعقد الإجماع" (¬11). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة، . .، وانعقد الإجماع على ذلك" (¬12). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول في خلاف الخوارج في المسألة: "والخوارج لا يستحقون المطاولة والمقاولة، لا سيما في مثل هذه المقالة الخارقة للإجماع، الساقطة عند جميع المسلمين بلا نزاع" (¬13). ¬
[10 - 427] الحائض لا تصوم أثناء الحيض
ابن عابدين (1252 هـ) حيث يقول: "لأن في قضاء الصلاة حرجًا بتكررها في كل يوم، وتكرر الحيض في كل شهر، بخلاف الصوم؛ فإنه يجب في السنة شهرًا واحدًا، وعليه انعقد الإجماع" (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع النخعي، والشعبي، ومجاهد (¬2). • مستند الإجماع: سئلت عائشة -رضي اللَّه عنها-: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: "أحرورية أنت؟ " فقالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت عائشة: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬3). • وجه الدلالة: أن عائشة -رضي اللَّه عنها- ذكرت أنهن لم يكنَّ يؤمرن بالقضاء، وهذا يدل على عدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم (¬4). • الخلاف في المسألة: خالف سمرة بن جندب -رضي اللَّه عنه- في المسألة، إذ كان يأمر يالقضاء، ولكن أنكرت عليه أم سلمة -رضي اللَّه عنها- (¬5)، ولعله رجع عن قوله، حيث لم يشتهر عنه. وخالف الخوارج في المسألة أيضًا، ولكن خلافهم هنا لا يعتد به، كما أشار لذلك عدد من أهل العلم، منهم الإمام ابن عبد البر (¬6)، والإمام النووي (¬7)، والشوكاني (¬8).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة. أما خلاف سمرة؛ فقد سبق أن أم سلمة أنكرت عليه، وهي أعلم منه بمثل هذا، ولم يشتهر عنه هذا القول، ولم يوافقه أو يتابعه عليه أحد، ولمخالفته النصوص الصريحة، واللَّه تعالى أعلم. [10 - 427] الحائض لا تصوم أثناء الحيض: إذا حاضت المرأة، فإنه لا يجوز لها الصيام بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن عليها اجتناب ¬
كل الصلوات؛ فرضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام؛ فرضه ونفله". نقله عنه النووي (¬1). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم أيام حيضها" (¬2). وقال: "أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة، حقهم ألا يُعَدُّوا في أهل الإسلام" (¬3). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لا خلاف في شيء من ذلك" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن فرض الصوم غير ساقط عنها مدة حيضها؛ إلا أنه محرم عليها الصوم في حال الحيض، ويجب عليها قضاؤه" (¬5). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء. . .، والثاني: أنه يمنع فعل الصوم لا قضاءه" (¬6). ابن قدامة (620 هـ) حيث أشار إلى الإجماع بعد أن ذكر عددًا من الأحكام التي يوجبها الحيض، قال: "ومنها أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، . . .، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة" (¬7). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام، في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها، فمن ذلك: الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر، تعلوه حمرة، تترك له الصلاة والصوم، لا خلاف في ذلك" (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأجمعت الأمة على تحريم الصوم على الحائض والنفساء، وعلى أنه لا يصح صومها" (¬9). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "كما يحرم على الحائض الصلاة والصيام بالنص ¬
والإجماع" (¬1). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: " (يمنع صلاة وصومًا) أي: الحيض يمنع صلاة وصوما لإجماع المسلمين على ذلك" (¬2). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "ويمنع الحيض أيضًا الصوم (ع) وتقضيه (ع) " (¬3). منلا خسرو (885 هـ) حيث يقول: "فثبت به حكم الصلاة عبارةً، وحكم الوطء والصوم دلالةً لانعقاد الإجماع على أن دم الرحم يمنع الصلاة، والصوم، والوطء" (¬4). زكريا الأنصاري (926 هـ) حيث يقول: "يحرم على المرأة به -أي بالحيض-. .، مع زيادة تحريم الصوم، وعدم صحته للإجماع" (¬5). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "ويحرم به أي: بالحيض، . . .، وثانيها الصوم للإجماع على تحريمه، وعدم صحته" (¬6). داماد (1078 هـ) حيث يقول: "يمنع الصلاة والصوم؛ للإجماع عليه" (¬7). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وهو إخبار (¬8) يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجبان عليها، وهو إجماع في أنهما لا يجبان حال الحيض" (¬9). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على عدم وجوب الصوم والصلاة على الحائض حال حيضها، وهو إجماع" (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، الذي فيه: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" (¬11). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم أثناء الحيض. ¬
[11 - 428] الحائض تقضي الصوم
2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬1). • وجه الدلالة: أن عائشة -رضي اللَّه عنها- ذكرت أنهنَّ كنَّ يؤمرْنَ بقضاء الصوم، يعني: بعد الطهر، مما يعنى أنهن يمنعن من الصلاة والصوم أثناء الحيض.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [11 - 428] الحائض تقضي الصوم: إذا حاضت المرأة في رمضان، فإن قضاء هذا الصوم الذي يفوتها وهي حائض فرض لازم عليها بالإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (297 هـ) حيث يقول: "وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (¬2). ونقله عنه النووي (¬3). ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬4). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن عليها قضاء ما تركت من الصوم في أيام حيضتها" (¬5). ونقله عنه النووي (¬6)، والشوكاني (¬7)، وابن قاسم (¬8). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئًا من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت لها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد" (¬9). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لا خلاف في شيء من ذلك" (¬10). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "وهذا قول عامة أهل العلم أن الحائض إذا طهرت ¬
تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكذلك النفساء" (¬1). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن فرض الصوم غير ساقط عنها مدة حيضها؛ إلا أنه محرم عليها الصوم في حال الحيض، ويجب عليها قضاؤه" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأجمعت الأمة أيضًا على وجوب قضاء صوم رمضان عليها" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "ويمنع الحيض أيضًا الصوم (ع)، وتقضيه (ع) " (¬7). الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: " (وتقضيه دونها) أي: تقضي الصوم دون الصلاة، وعليه انعقد الإجماع" (¬8). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: " (فتقضيه دونها) أي: فتمضي الصوم لزومًا دون الصلاة، وعليه انعقد الإجماع" (¬9). الشربيني (977 هـ) حيث يقول: "ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة، وانعقد الإجماع على ذلك" (¬10). البهوتي (1051 هـ) حيث يقول: "وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة إجماعًا" (¬11). ابن عابدين (1252 هـ) حيث يقول: "لأن في قضاء الصلاة حرجًا بتكررها في كل يوم، وتكرر الحيض في كل شهر، بخلاف الصوم؛ فإنه يجب في السنة شهرًا واحدًا، ¬
[12 - 429] دم النفاس كالحيض في كل ما يمنع
وعليه انعقد الإجماع" (¬1). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬2). • وجه الدلالة: أن عائشة -رضي اللَّه عنها- ذكرت أنهن كنّ يؤمرن بالقضاء، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة (¬3). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬4). • وجه الدلالة: أن عائشة -رضي اللَّه عنها-، ذكرت أنه كانت تقضي رمضان، وأنها كانت لا تستطيع أن تتم القضاء إلا في شعبان، مما يدل على أنها واجب عليها، وإلا لما سمته قضاءً، ولما حرصت أن تقضي قبل رمضان.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [12 - 429] دم النفاس كالحيض في كل ما يمنع: إذا نفست المرأة، فإنه يمنعها النفاس مما يمنع منه الحيض. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد" (¬6). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "دم النفاس عند الولادة، وحكمه في الصلاة كحكم دم الحيض بإجماع" (¬7). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن النفاس من أحداث النساء، وأنه ¬
يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه" (¬1). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "فإنهم أجمعوا على أنه دم نفاس، وأن حكمه حكم الحيض في منعه الصلاة، وغير ذلك من أحكامه" (¬2). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا" (¬3). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكرناه من أن النفساء لها حكم الحائض لا خلاف فيه" (¬4). وهو يقصد هنا المذهب، كما يدل له السياق، وذكرته للاعتضاد فقط. ابن حجر الهيثمي (974 هـ) حيث يقول: "ويحرم به ما حرم بالحيض، حتى الطلاق إجماعًا" (¬5). الشربيني (977 هـ) حيث يقول عن النفاس: "ويحرم به ما حرم بالحيض بالإجماع" (¬6). القنوجي (1307 هـ) حيث يقول: "وهو أي: النفاس كالحيض في تحريم الوطء، وترك الصلاة، والصيام، ولا خلاف في ذلك، . . .، وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض، وهو في النفاس بإجماع كذلك" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف (¬9) فطمثت (¬10) فدخل عليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا أبكي فقال: "ما لك لعلك نفست؟ " فقالت: نعم. قال: "هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (¬11). ¬
[13 - 430] تحريم الوطء حال الحيض
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمى الحيض نفاسًا، فدل على أنه مثله في الحكم (¬1). 2 - أن دم النفاس هو دم الحيض، إنما امتنع خروجه مدة الحمل لكونه ينصرف إلى غذاء الحمل، فإذا وضع الحمل، وانقطع العرق الذي كان مجرى الدم، خرج من الفرج، فيأخذ حكمه، كما لو خرج من الحائض (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم في الطواف (¬3)، فقال: يجوز للنفساء الطواف. واحتج بأن النهي ورد في الحائض، ولم يرد في النفساء (¬4). ويرد عليه بحديث عائشة السابق، وهو الذي احتج به رحمه اللَّه.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، فيما عدا الطواف بالبيت؛ لمخالفة ابن حزم في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [13 - 430] تحريم الوطء حال الحيض: إذا حاضت المرأة، وأراد زوجها الاستمتاع منها، فلا يجوز له الوطء في الفرج ما دامت حائضا. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "ثم إذا حاضت، حرم عليه الجماع في فرجها، وحل له منها ما فوق الإزار باتفاقهم" (¬5). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الحائض لا تصلي، . . .، ولا يطؤها زوجها في فرجها ولا في دبرها" (¬6). ويقول: "واتفقوا على أن من وطئ مَن بزّ الدم الأسود ما بين ثلاثة أيام إلى سبعة أيام، في أيام الحيض المعهود، ولم تر بعد ذلك شيئًا غيره؛ فقد وطئ حرامًا" (¬7). ¬
ويقول: "أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة، حقهم ألا يُعَدُّوا في أهل الإسلام" (¬1). الباجي (474 هـ) حيث يقول: "فأما الوطء في الفرج، في وقت الحيض؛ فلا خلاف في منعه، فمن فعل ذلك؛ فقد أثم" (¬2). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "اتفق أهل العلم على تحريم غشيان الحائض" (¬3). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه يحرم وطء الحائض في الفرج، حى ينقطع حيضها" (¬4). ابن رشد (595 هـ) حيث يقول: "واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء؛ . . .، والرابع: الجماع في الفرج" (¬5). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما" (¬6). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة" (¬7). ويقول: "فالمراد به (¬8): اعتزال وطئهن، ومنع قربان وطئهن؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬9)، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بمعناه، مع الإجماع" (¬10). ونقله عنه ابن قاسم (¬11). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة" (¬12). ابن مفلح (763 هـ) حيث يقول: "والوطء (ع) " (¬13)، أي: إجماعًا. ¬
العيني (855 هـ) حيث يقول بعد ذكر آية الحيض: "هذا نهي عن القربان في حالة الحيض؛ فيقتضي التحريم، فلا يجوز الجماع، وعليه إجماع المسلمين واليهود والمجوس، بخلاف النصارى" (¬1). ابن نجيم (970 هـ) حيث يقول: "أما حرمة وطئها عليه؛ فمجمع عليها" (¬2). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "فأما لو جامع وهي حائض؛ فإنه يأثم إجماعًا" (¬3). الشوكاني (1250 هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على حكمين: تحريم النكاح، وجواز ما سواه، أما الأول، فبإجماع المسلمين، وبنص القرآن العزيز، والسنة الصريحة" (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قول اللَّه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة قد نصت على الأمر باعتزال النساء في المحيض، ثم أكد ذلك بالنهي عن قربانهن حتى يطهرن، مما يدل على تحريم الوطء أثناء الحيض (¬5). 2 - حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم؛ لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزل اللَّه عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] إلى آخر الآية، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أباح للصحابة أن يستمتعوا من أزواجهم بكل شيء إلا النكاح، مما يدل على المنع من ذلك (¬7). ¬
[14 - 431] تحريم الوطء حال النفاس
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [14 - 431] تحريم الوطء حال النفاس: إذا نفست المرأة، فإنه يحرِّم عليها الوطء، وعليه حكي الإجماع (¬1). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد" (¬2) ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن النفاس من أحداث النساء، وأنه يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه" (¬3). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا" (¬4). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ووطء النفساء كوطء الحائض حرام باتفاق الأئمة" (¬5). وقال: "أما وطؤها قبل أن ينقطع الدم؛ فحرام باتفاق الأئمة" (¬6). ابن حجر الهيتمي (974 هـ) حيث يقول: "ويحرم به -النفاس- ما حرم بالحيض، حتى الطلاق إجماعًا" (¬7). القنوجي (1307 هـ) حيث يقول: "وهو، أي: النفاس، كالحيض في تحريم الوطء، وترك الصلاة، والصيام، ولا خلاف في ذلك، . . .، وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض، وهو في النفاس بإجماع كذلك" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬9)، والمالكية (¬10). ¬
[15 - 432] جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة
• مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنها قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت فدخل علي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا أبكي فقال: "ما لك لعلك نفست" فقالت: نعم. قال: "هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمى الحيض نفاسا، مما يدل على أنه يأخذ حكمه، واللَّه تعالى أعلم. 2 - حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كانت النفساء تقعد على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد نفاسها أربعين يوما" (¬2). • وجه الدلالة: أن النساء في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كنّ يقعدن، أي: أنهن يقعدن عن الصلاة والصيام والوطء وكل ما يحرم من الدم، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [15 - 432] جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة: إذا حاضت المرأة، وأراد الزوج الاستمتاع منها، فيجوز له أن يباشرها فيما فوق السرة ودون الركبة. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل النووي عنه حكايته للإجماع على مسألتنا (¬3). أبو حامد الإسفراييني (406 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬4). المحاملي (415 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬5). ¬
ابن الصباغ (477 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬1). الغزالي (505 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬2). البغوي (516 هـ) حيث يقول: "أما مخالطة الحائض ومضاجعتها ومباشرتها فوق الإزار، فغير حرام بالاتفاق" (¬3). العبدري (493 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (¬4). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أما ما سواه -يعني: المباشرة فيما بين السرة والركبة- فمباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين" (¬6). ويقول: "المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة، بالذكر؛ أو القبلة؛ أو المعانقة؛ أو اللمس؛ أو غير ذلك، وهو حلال باتفاق العلماء، وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئا منها بشيء منه؛ فشاذ منكر غير معروف، . . .، بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده" (¬7). ونقل الشوكاني العبارة الأخيرة (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وعائشة، وأم سلمة، وابن جبير، والشعبي، وأبو قلابة؛ النخعي، وعكرمة، وابن المسيب، والحكم، والحسن، وعبيدة في رواية (¬9)، والحنفية (¬10)، والمالكية (¬11). • مستند الإجماع: 1 - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬12). • وجه الدلالة: أن النهي إنما هو مقتصر على الجماع، أما دون ذلك فليس فيه ¬
[16 - 433] جواز وطء الحائض والنفساء إذا طهرت واغتسلت
شيء (¬1). 2 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه يأمرني فأتَّزر فيباشرني وأنا حائض" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يباشر عائشة -رضي اللَّه عنها-، وأدنى المباشرة صورة مسألتنا، فدل على جوازها (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف عبيدة السلماني كما سبق، فقال: لا يجوز أي نوع من المباشرة أثناء الحيض، ولكن الذي وجدته أنه موافق على مسألتنا (¬4)، وكما سبق من كلام النووي أن هذا القول غير معروف، وأقل أحواله أنه شاذ، مخالف لما قبله وبعده، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [16 - 433] جواز وطء الحائض والنفساء إذا طهرت واغتسلت: إذا طهرت المرأة من الحيض، ثم اغتسلت، فإنه يجوز للزوج الاستمتاع منها بالوطء حينئذ. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن من لا ترى دمًا، ولا كدرة، ولا صفرة، ولا استحاضة، ولا غير ذلك، بعد أن تغتسل كلها بالماء؛ فوطؤها حلال لمن هي فراش له، ما لم يكن هنالك مانع من صوم، أو اعتكاف، أو إحرام، أو ظهار" (¬5). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول في النفساء: "وإذا انقطع الدم واغتسلت؛ قرأت القرآن وصلَّت بالاتفاق" (¬6)، أي: أنها تأخذ أحكام الطاهر حينئذ. الزيلعي (743 هـ) حيث يقول: "خلاف إنهاء الحرمة -أي: حرمة الوطء- بالغسل الثابت بقراءة التشديد فهو مخرج منه -الخلاف- بالإجماع" (¬7). ونقله عنه ابن الهمام ¬
دون إشارة (¬1)، ونقله ابن نجيم عن ابن الهمام (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: الآية فيها قراءتان بالتخفيف والتشديد، فقراءة التشديد صريحة في اشتراط الغسل، وقراءة التخفيف يستدل بها من وجهين: أحدهما: أن معناها أيضًا يغتسلن، وهذا شائع في اللغة فيصار إليه، جمعًا بين القراءتين. والثاني: أن الإباحة معلقة بشرطين؛ أحدهما: انقطاع دمهن، والثاني: تطهّرهن وهو اغتسالهن، وما علق بشرطين لا يباح بأحدهما (¬6).Rعبارة ابن حزم في هذه المسألة يجعلها من مسائل الإجماع على أكثر ما قيل، فمن العلماء من اشترط صورة مسألتنا، ومنهم من قال: إذا طهرت من أكثر زمن الحيض، وذهب وقت صلاة؛ جاز الوطء، وإن لم تغتسل. فابن حزم رحمه اللَّه كعادته يصوّر المسائل بأكثر ما قيل فيها، ثم يجعلها متفقًا عليها، وهذا خطأ منهجي في نظري واللَّه أعلم؛ إذ أن من نظر في مسألتنا ظن أن العلماء متفقين على وجوب الغسل للوطء مطلقًا. والعبارة التي ذكرها ابن تيمية، وابن الهمام هي الأصوب، فصورة مسألتنا هي الصوره التي يكون الإنسان قد خرج من الخلاف إذا التزم بها، وهذا ما عناه ابن الهمام، رحمهم اللَّه جميعًا. فعلى عبارة ابن حزم تكون النتيجة على اعتبار مسائل الإجماع على أكثر ما قيل، فالاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما على عدم اعتبار هذه المسألة، ¬
[17 - 434] تحريم الوطء للحائض قبل الغسل
وهو القول الأقرب كما سبق الإشارة لذلك؛ فلا اعتبار لما ذكره. أما عبارة ابن تيمية، والزيلعي، فالإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [17 - 434] تحريم الوطء للحائض قبل الغُسل: إذا طهرت المرأة من الحيض، ولم تغتسل بعد، فلا يجوز لزوجها أو سيدها أن يطأها حتى تغتسل. • من نقل الإجماع: أحمد بن محمد المرُّوذِي (275 هـ) حيث يقول: "لا أعلم في هذا خلافا" يريد مسألتنا. نقله عنه ابن قدامة (¬1). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وإذا بطلت الروايات التي رويت عن عطاء، وطاوس، ومجاهد (¬2)، كان المنع من وطء من قد طهرت من المحيض، ولما تطهر بالماء؛ كالإجماع من أهل العلم، إلا ما قد ذكرناه من منع ذلك، ولا نجد أحدا ممن قد يعد قوله خلافًا قابلهم، إلا بعض من أدركنا من أهل زماننا، ممن لا أن يقابل عوام أهل العلم به" (¬3). نقله عنه النووي (¬4)، وابن قدامة (¬5)، وابن قاسم (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الزهري، وربيعة، والثوري، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وعطاء، ومجاهد في الرواية الأصح عنهما (¬7)، والحنفية، فيما إذا انقطع دمها لأقل من أكثر مدة الحيض مع تمام العادة (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: الآية تدل على مسألتنا من وجهين: ¬
[18 - 435] تحريم الوطء للحائض إذا طهرت حتى تغسل فرجها أو تتوضأ
الأول: قوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] يعني: إذا اغتسلن، هكذا فسره ابن عباس. الثاني: أن اللَّه تعالى قال في الآية: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] فأثنى عليهم بالتطهّر، فيدل على أنه فِعْلٌ منهم أثنى عليهم به، وفعلهم هو الاغتسال دون انقطاع الدم؛ إذ أن انقطاع الدم ليس فعلًا لهم، فشرط لإباحة الوطء شرطين: انقطاع الدم، والاغتسال، فلا يباح إلا بهما (¬1). • الخلاف في المسألة: خالف طاوس، وعطاء، ومجاهد (¬2)؛ قالوا: يجوز أن يطأها بعد الوضوء. واحتجوا: بأن المنع في قوله: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222] في الحائض، والتي انقطع دمها ليست حائضًا، فوجب التفريق في الحكم (¬3). وقال الظاهرية، وابن حزم (¬4) بقولهم، وزادوا الجواز بعد غسل الفرج. وأشكل عليَّ قول ابن مفلح: "وإن انقطع الدم أبيح فعل الصوم، . . .، وكذا الوطء عنده في الأصح، . . .، ولم يبح الباقي قبل غسلها" (¬5). إذ أن ظاهره الجواز، وهو مخالف لكلام غيره من الحنابلة، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الحنفية (¬6) فيما إذا انقطع دمها لتمام أكثر مدة الحيض، أو مر عليها بعد الانقطاع وقت صلاة؛ فلا يشترطون الغُسل، وسيأتي مزيد بيان لهذا الكلام بإذن اللَّه.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [18 - 435] تحريم الوطء للحائض إذا طهرت حتى تغسل فرجها أو تتوضأ: إذا طهرت المرأة من الحيض، فلا يجوز للزوج الوطء قبل أن تغسل المرأة فرجها. ¬
والوضوء مستلزم لغسل الفرج أيضًا في هذه الحالة. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "أجمعوا على تحريم الوطء حتى تغسل فرجها، وإنما الخلاف بعد غسله" (¬1). نقله عنه النووي (¬2). ويقول: "وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ "حتى يطَّهَّرن" بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن؛ لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر" (¬3)، ثم بين الخلاف في الطهارة المجيزة، وأقل الأقوال هو غسل الفرج. ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الحائض إذا رأت الطهر، ما لم تغسل فرجها أو تتوضأ؛ فوطؤها حرام" (¬4). القرطبي (671 هـ) حيث يقول: "لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر" (¬5)، وهي نحو عبارة ابن جرير، ولكن دون إشارة. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية، فيما إذا انقطع دمها لأقل من أكثر مدة الحيض مع تمام العادة (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9)، والظاهرية (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن قربان النساء بعد الحيض حتى يطهرن، بالتخفيف والتشديد - قراءتان - وأقل معاني التطهير أن تغسل فرجها أو تتوضأ، فدل ¬
[19 - 436] جواز الوطء بعد انقطاع الدم وقبل انتهاء العادة
على وجوب غسل الفرج قبل الجماع -القربان- أو الوضوء، واللَّه تعالى أعلم (¬1). 2 - واستدل الظاهرية بنفس الآية الكريمة. • وجه الدلالة: قوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] معناه حتى يحصل لهن الطهر، الذي هو عدم الحيض، وقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] هو صفة فعلهن، وكل ما ذكرنا -من الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج- يسمى في الشريعة وفي اللغة تطهُّرًا وطهُورًا وطهْرًا، فأي ذلك فعلت فقد تطهرت (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية فيما إذا انقطع دمها لتمام أكثر مدة الحيض، أو مر عليها بعد الانقطاع وقت صلاة؛ فلا يشترطون الغُسل، ولم أجد من نصّ منهم على وجوب غسل الفرج، أو الوضوء، مع اقتضائه؛ حيث إنهم لا يشترطون الغسل في هذه الحالة، ووجدت أنهم يذكرون قول داود بإيجاب غسل الفرج من الدم، بعد انقطاعه لحل الوطء في هذه المسألة، إلا أنهم لا ينصون على وجوب غسل الفرج، بل يطلقون جواز الوطء، واستحباب الاغتسال قبله (¬3)، وقد نقد ابن تيمية كلام ابن حزم هذا بقول أبي حنيفة السابق، وقال بعده: "وإن لم تغتسل، ولم تتوضأ، ولم تغسل فرجها" (¬4)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق فيما إذا انقطع دمها لأدنى من أقل الحيض، أو أقل من تمام العادة، غير متحقق فيما سوى ذلك؛ لوجود المخالف في المسألة، وعلى كل حال؛ فمسألتنا هي من باب الإجماع على أقل ما قيل في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [19 - 436] جواز الوطء بعد انقطاع الدم وقبل انتهاء العادة: إذا انقطع الدم من المرأة دون عشرة أيام، ودون تمام العادة، وفوق ثلاثة أيام -أقل الحيض عند الحنفية- فيجوز لزوجها أن يطأها، وتأخذ حكم الطاهر. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث حكى في مسألة انقطاع الدم دون عشرة أيام، ودون تمام العادة، وفوق ثلاثة أيام: "الإجماع على أنها تغتسل وتصلي، ¬
[20 - 437] منع الحائض والنفساء من الطواف بالبيت
ولا يحرم وطؤها" (¬1). نقله عنه ابن نجيم (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬3)، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قول اللَّه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى وجب أن يزول الحيض، وفي مسألتنا ذهب الأذى، فوجب أن يزول حكم الحيض (¬5). 2 - استدلوا بقول ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: "أما ما رأت الدم البحراني؛ فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل" (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية في المسألة (¬7)، فقالوا: لا يجوز وطؤها حتى لو اغتسلت. واحتجوا: بأن لأن العود في العادات غالب فكان الاحتياط في الاجتناب (¬8).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [20 - 437] منع الحائض والنفساء من الطواف بالبيت: إذا حاضت المرأة، وأرادت الطواف بالبيت، فلا يجوز لها ذلك حتى تطهر (¬9). • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء". نقله عنه النووي (¬10)، وابن قاسم (¬11). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل ¬
الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة، حقهم ألا يعدوا في أهل الإسلام" (¬1). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "وفيه من الفقه (¬2): أن الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم خلافًا فيه" (¬3). ويقول: "فهذا ما لا خلاف فيه أيضًا؛ أن الحائض لا تطوف بالبيت" (¬4). ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه يحرم عليها الطواف بالبيت" (¬5). النووي (676 هـ) حيث نقل عنه ابن نجيم حكايته للإجماع في المسألة (¬6). والذي وجدته أنه نقل حكاية ابن جرير للإجماع ولم يحكه هو (¬7). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "وأما الطواف؛ فلا يجوز للحائض بالنص والإجماع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وأبو العالية (¬9)، والحنفية (¬10)، والشافعية (¬11). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (¬12). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عائشة عن الطواف، وكانت حائضًا، مما يدل على المنع من الطواف للحائض (¬13). 2 - حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول اللَّه، إن صفية قد حاضت، فقال عليه ¬
[21 - 438] عدم صحة الطواف من الحائض والنفساء
الصلاة والسلام: "لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن بالبيت؟ " قلن: بلى، قال: "فاخرجن" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عبر بقوله: "لعلها تحبسنا"، مما يدل على أنها ممنوعة من الطواف، ثم أكد ذلك بأنه لم يبح لها الطواف مع الحيض، واللَّه تعالى أعلم (¬2). • الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم في النفساء (¬3)، فقال: يجوز لها الطواف. واحتج بأن النهي ورد في الحائض، ولم يرد في النفساء.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، أما خلاف ابن حزم في النفساء؛ فغير معتبر؛ لمخالفته النص الصريح، وللإجماع قبله، ولعدم متابعته على قوله، واللَّه تعالى أعلم. [21 - 438] عدم صحة الطواف من الحائض والنفساء: إذا طافت الحائض أو النفساء بالبيت، فلا يصح منهما الطواف حتى تطهر. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يصح منها طواف مفروض، ولا تطوع". نقله عنه النووي (¬4). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬5) دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض، وهذا مجمع عليه" (¬6). ونقله عنه العراقي (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬11). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "اصنعي ما يصنع ¬
[22 - 439] صحة مناسك الحج من الحائض والنفساء إلا الطواف
الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عائشة وهي حائض أن تطوف، والنهي يقتضي الفساد، فدل على أن الطواف غير صحيح (¬2). 2 - أن الطواف يفتقر إلى الطهارة، والطهارة لا تصح من الحائض، فلا يصح الطواف إذًا (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية (¬4)، أن الطواف يصح مع التقصير في الواجب، ويجبره بدم. واختار ابن تيمية أنه يصح بعذر، بلا دم (¬5). واحتجوا: بأنه لم ينقل أحد عنه أنه أمر الطائفين بالوضوء، ولا باجتناب النجاسة، كما أمر المصلين بالوضوء (¬6).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [22 - 439] صحة مناسك الحج من الحائض والنفساء إلا الطواف: إذا أرادت المرأة الحج، ثم حاضت، فإنه يصح منها الحج -غير الطواف- وهي حائض، ولا فرق بينها وبين الطاهر إلا في الطواف. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه". نقله عنه النووي (¬7). الصنعاني (1182 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬8) دليل على أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مجمع عليه" (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬10)، والمالكية (¬11)، ¬
[23 - 440] تحريم لبث الحائض في المسجد
والشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر عائشة -رضي اللَّه عنها-، بأن تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف، و (ما) في الحديث من الصيغ التي تدل على العموم، فتشمل كل أفعال الحج إلا الطواف، فدل على أن الحائض تصح منها أفعال الحج إلا الطواف، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [23 - 440] تحريم لبث الحائض في المسجد: إذا حاضت المرأة، فلا يجوز لها اللبث في المسجد بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه يحرم عليها اللبث في المسجد" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والشافعية (¬8)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (¬9). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (¬10). • وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألتنا بالمطابقة (¬11). ¬
[24 - 441] جواز تناول الحائض للشيء من المسجد
• الخلاف في المسألة: خالف داود (¬1)، وابن حزم في المسألة (¬2)، وقال: يجوز للحائض والنفساء أن يلبثا في المسجد. واحتج بعدم الدليل المانع، وأن الأصل الجواز، ولأن المؤمن لا ينجس (¬3). وخالف الحنابلة في قول (¬4)، فقالوا: يجوز إذا توضأت وأمنت التلويث. واحتجوا بأن الوضوء يخفف الحدث (¬5). وخالف محمد بن مسلمة (¬6)، فقال: يجوز لها اللبث إذا استثفرت، وأمنت تنجيس المسجد، بناء على أن المسلم لا ينجس (¬7).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [24 - 441] جواز تناول الحائض للشيء من المسجد: إذا أرادت الحائض أن تتناول الشيء من المسجد، فيجوز لها ذلك بلا خلاف. ومسألتنا مقتصرة على إن أمنت الحائض من تلويث المسجد. • من نقل نفي الخلاف: الترمذي (279 هـ) حيث يقول بعد ذكر حديث عائشة الآتي، في باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد: "وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك، بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد" (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على نفي الخلاف ابن مسعود، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، وابن المسيب، وابن جبير، والحسن (¬9)، وزيد بن أسلم (¬10)، والشافعية على الصحيح (¬11)، والحنابلة على المذهب (¬12). ¬
[25 - 442] مؤاكلة الحائض جائزة
وكل من خالف في مسألة المنع من اللبث في المسجد، فهو موافق في مسألتنا من باب أولى، وهم داود (¬1)، وابن حزم في المسألة (¬2)، ومحمد بن مسلمة (¬3). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: قال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ناوليني الخُمْرة (¬4) من المسجد"، قالت: قلت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر عائشة أن تأتيه بالخمرة من المسجد وهي حائض، وهذا هو التناول للشيء في مسألتنا، مما يدل على الجواز (¬6). • الخلاف في المسألة: خالف الثوري وإسحاق (¬7)، وزيد بن أسلم (¬8)، والحنفية (¬9)، والمالكية (¬10)، والشافعية في وجه (¬11)، والحنابلة في قول (¬12)؛ فقالوا: لا يجوز. واحتجوا (¬13): بعموم حديث "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (¬14)، ولغلظ حدث الحائض (¬15).Rأن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [25 - 442] مؤاكلة الحائض جائزة: إذا حاضت المرأة، فيجوز أن يُؤكل معها، وعليه الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول عن مؤاكلتها: "وهو قول أهل ¬
العلم، لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسًا" (¬1). ونقله عنه الشوكاني (¬2). ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته للإجماع، بعد قوله: "لا تكره مؤاكلة الحائض، . .، " (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن له -الزوج- مؤاكلتها ومشاربتها" (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول بعد العبارة السابقة: "وهذا كله متفق عليه" (¬6)، ولعله يريد الاتفاق المذهبي. ابن سيد الناس (734 هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وهذا مما أجمع الناس عليه"، وهو يريد بالناس هنا العلماء، وإلا فلا قيمة لإجماع العامة. ونقله عنه الشوكاني (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض فأناوله النبي فيضع فاه على موضع فيّ" (¬11). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأكل ويشرب مع عائشة وهي حائض، مما يدل على مسألتنا بالسنة الفعلية بالمطابقة (¬12). 2 - حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم؛ لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزل اللَّه عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]. إلى آخر الآية، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬13). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على إباحة كل شيء إلا النكاح، و"شيء" نكرة في سياق الإثبات، أكدت بكل، تدل على العموم، حتى يثبت مانع، مما يدل على جواز ¬
[26 - 443] جواز الطبخ والعجن للحائض
مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [26 - 443] جواز الطبخ والعجن للحائض: إذا حاضت المرأة، وأرادت أن تطبخ أو تعجن، فيجوز لها ذلك بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته لإجماع المسلمين في المسألة، بعد قوله: "ولا تمتنع من فعل شيء من الصنائع، ولا من الطبخ والعجن والخبز" (¬1). النووي (676 هـ) حيث قال بعد قوله: "ولا تمتنع من فعل شيء من الصنائع، ولا من الطبخ والعجن والخبز" قال: "وهذا كله متفق عليه" (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح كل شيء للحائض إلا النكاح، ولو كان الطبخ والعجن ممنوعًا عليها؛ لبينه عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أو غيره، وما دام لم يمنع منه فهو جائز، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [27 - 444] جواز الذكر للحائض والنفساء: إذا حاضت المرأة أو نفست، فإنه يجوز لها أن تذكر اللَّه تعالى وهي على تلك الحال. • من نقل الإجماع: البغوي (516 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه يجوز لهما (¬7) ¬
ذكر اللَّه تعالى بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها" (¬1). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول عن الجنب والحائض والنفساء: "فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر اللَّه تعالى، ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم، ولا يمكنهم التحرز من هذا" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على جواز التسبيح، والتهليل، والتكبير، والتحميد، والصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وغير ذلك من الأذكار، وما سوى القرآن للجنب والحائض، ودلائله مع الإجماع في الأحاديث الصحيحة مشهورة" (¬3). وقال: "وأجمع العلماء على جواز التسبيح، والتهليل، وسائر الأذكار؛ غير القرآن، للحائض والنفساء" (¬4). ويقول: "أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وذلك في التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والدعاء، وغير ذلك" (¬5). ونقله عنه الشوكاني (¬6). ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "والحائض لا يستحب لها شيء من ذلك، ولا يكره الذكر بدونه -الطهارة- عند أحد من العلماء؛ للسنة المتواترة في ذلك" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، وابن حزم (¬10). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكر اللَّه على كل أحيانه" (¬11). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يذكر اللَّه تعالى في كل أحواله، ومن أحواله الجنابة، ويقاس عليها الحيض بالنسبة للنساء، واللَّه تعالى أعلم. ¬
[28 - 445] الطهارة من الحيض بالجفوف والقصة البيضاء
2 - أن ذكر اللَّه تعالى فعل خير مندوب إليه، مأجور فاعله، فمن ادعى المنع فيه في بعض الأحوال كالحيض؛ كلف أن يأتي بالبرهان، ولا برهان ضد ما ذكرنا (¬1). • الخلاف في المسألة: سبق ذكر قولين مخالفين في مسألة جواز الذكر للجنب، وهما جاريان في مسألتنا: أولهما: أنه لا يجوز الذكر إلا على طهارة مطلقًا. والثاني: أنه لا يجوز كذلك، حتى السلام لا يرده إلا بطهارة، وإذا لم يكن على طهارة، ولا ماء حوله؛ فيتيمم ويرد السلام (¬2).Rلم يتبين لي في هذه المسألة شيء، فلم يذكر أحد من العلماء خلافًا في المسألة سوى ما ذكره الطحاوي، ولم يبين من هم القائلون، وإلى أي مذهب ينتمون؟ وبعد البحث لم أجد من ذكرهم سواه، ولذا لم أصل لنتيجة، واللَّه تعالى أعلم. [28 - 445] الطهارة من الحيض بالجفوف والقصة البيضاء: إذا رأت الحائض القصة البيضاء، وجف فرج المرأة من الدم، فإنها تكون طاهرًا، وعليه حكي الإجماع. والقصة البيضاء: هو الماء الأبيض الذي يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض (¬3). ومسألتنا تتحدث عن الطهارة بالأمرين معًا: الجفوفِ، والقصةِ البيضاء. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول في سياق استدلالٍ له على قولٍ لداود: "فلن يزول ما أجمعوا عليه -الحيض- إلا بالإجماع، وهو النقاء بالجفوف، والقصة البيضاء" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والشافعية (¬6)، ¬
[29 - 446] القصة البيضاء طهر صحيح
والحنابلة (¬1)، وابن حزم (¬2). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنه كان النساء يبعثن إليها بالدُّرْجة (¬3) فيها الكُرْسُف (¬4)، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" (¬5). • وجه الدلالة: الحديث فيه فتوى من عائشة -رضي اللَّه عنها-، في أن الطهر يكون بالقصة البيضاء، وهي أعرف الناس فيما يخص النساء؛ لقربها من جناب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والجفوف أكثر نقاء من القصة من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم (¬6).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [29 - 446] القصة البيضاء طهر صحيح: إذا رأت الحائض القصة البيضاء، فإنها تكون قد طهرت طهرًا صحيحًا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن القصة البيضاء المتصلة شهرًا غير يوم طهرٌ صحيح" (¬7). الاستثناء في العبارة السابقة يبدو واللَّه أعلم أنه غير مقصود، ولم أجد له معنى، ويؤكده عدم تكراره في العبارة الآتية (¬8). يقول في سياق استدلال له: "لما كانت القصة البيضاء طهرًا، وليست حيضًا بإجماع" (¬9). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق مكحول، وعطاء (¬10)، ¬
[30 - 447] كل نقاء ليس طهرا مستقلا للملفقة في العدة والطلاق
والحنفية (¬1)؛ والمالكية في المشهور (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أنه كان النساء يبعثن إليها بالدُّرْجة فيها الكُرْسُف، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" (¬5). • وجه الدلالة: أن الحديث فيه فتوى من عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن الطهر يكون بالقصة البيضاء، وهي -كما سبق- أعرف الناس فيما يخص النساء. • الخلاف في المسألة: خالف ابن حبيب (¬6)، فقال: لا تطهر المرأة إلا بالجفوف، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء. واحتج بأن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون نقاء كالقصة، ثم ينقطع، فالقصة علامة قرب الطهر، وليست الطهر (¬7). ولكن وجدت أن ابن رشد نقل عن ابن حبيب أنه يرى الطهر بالقصة أو الجفوف، أيهما وقع (¬8)، وبهذا لا يكون مخالفًا لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. وخالف المالكية في قولٍ (¬9)، بأن من كانت عادتها الطهر بالجفوف، فرأت القصة، أنها لا تطهر حتى ترى الجفوف، فلا تكون القصة بهذا طهرًا في هذه المسألة. قالوا: لأن الجفوف أبلغ من القصة في النقاء والطهر (¬10).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وقد عبر ابن رشد باختلاف الفقهاء في المسألة (¬11)، واللَّه تعالى أعلم. [30 - 447] كل نقاء ليس طهرًا مستقلًّا للملفَّقة في العدة والطلاق: إذا كانت المرأة تحيض يومًا وتطهر يومًا باستمرار، فإن كل طهر من الأطهار ¬
[31 - 448] انقطاع الدم ساعة كاتصاله
المتكررة ليس طهرًا مستقلًّا في العدة والطلاق، وإن قلنا بأنه طهر صحيح -على الخلاف في ذلك. والتلفيق: هو ضم الدم إلى الدم اللذيْنِ بينهما طهر، وجعلهما حيضًا واحدًا (¬1). • من نقل الإجماع: الغزالي (505 هـ) حيث يقول: "ولا خلاف أنها لو رأت يومًا دمًا ويومًا نقاءً وهكذا على التعاقب فلا يجعل كل يوم طهرًا كاملًا" (¬2). نقله عنه النووي بلفظ الإجماع (¬3). المتولي (478 هـ) حيث يقول: "إذا قلنا بالتلفيق؛ فلا خلاف أنه لا يجعل كل دم حيضًا مستقلًّا، ولا كل نقاء طهرًا مستقلًّا" (¬4). نقله عنه النووي (¬5). النووي (676 هـ) حيث يقول في سياق استدلالٍ له: "ويدل عليه الإجماع على أنها لو كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا، على الاستمرار؛ لا يجعل كل نقاء طهرًا مستقلًّا كاملا" (¬6). ويقول: "ولا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنيًّا" (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: أن من كانت تحيض يومًا، ثم تطهر يومًا، ثم تحيض يومًا وهكذا؛ فإنها لم تحقق أقل زمن الطهر، ولذا لا يعتبر كل نقاء طهرًا مستقلًّا (¬11).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [31 - 448] انقطاع الدم ساعة كاتصاله: إذا حاضت المرأة، ثم انقطع دمها ساعة من الزمن، فإن حكمها أنها كمن اتصل ¬
دمها، وعلى هذا حكى الطحاوي الإجماع، والعبارة عامة، فسآخذها على عمومها دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الطحاوي (321 هـ) حيث يقول: "قد أجمعوا أنه لو انقطع ساعة أو نحوها، أنه كدم متصل" (¬1). نقله عنه ابن عبد البر (¬2). المرغيناني (593 هـ) حيث يقول: "والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض، فهو كالدم المتوالي (¬3)، . .، ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة في رواية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قول عائشة -رضي اللَّه عنها- للنساء اللاتي يبعثن إليها بالدُّرْجة (¬8) فيها الكُرْسُف (¬9)، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" (¬10). • وجه الدلالة: أن عائشة أمرت النساء بعدم التعجل، وانقطاع الدم ساعة ثم رجوعه كثيرًا ما يحصل، فلزم عدم التعجل في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الدم كثيرًا ما يجري مرة وينقطع أخرى، فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه القليل، كما لو انقطع أقل من ساعة (¬11). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية (¬12)، فقالوا: الطهر ساعة يكفي في ثبوت الطهر، إلا أن ترى ما يدل على خلافه. ¬
[32 - 449] المسح بفرصة المسك غير واجب
واحتجوا بقول (¬1) ابن عباس: "أما ما رأت الدم البحراني، فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة، فلتغتسل" (¬2).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [32 - 449] المسح بفرصة المسك غير واجب: إذا طهرت المرأة من الحيض، وأرادت الغسل، فإن المسح بفرصة مسك غير واجب، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن حزم. والفِرْصة هي: قطعة قطن أو خرقة، تستعملها المرأة في مسح دم الحيض (¬3). • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن تتطهر بالفرصة المذكورة (¬4) -وهي القطعة- وأن تتوضأ بها، وإنما بعثه اللَّه تعالى مبينًا ومعلمًا، فلو كان ذلك فرضًا، لعلمها عليه السلام كيف تتوضأ بها، أو كيف تتطهر، فلما لم يفعل؛ كان ذلك غير واجب، مع صحة الإجماع جيلًا بعد جيل، على أن ذلك ليس واجبًا" (¬5). نقله عنه ابن مفلح (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬7)؛ والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند الإجماع: أن التطهر المأمور به هو الذي يكون بالماء أو التراب، أما غير ذلك؛ فليس فيه الوجوب، ولم يأتِ دليل بالوجوب، واللَّه تعالى أعلم (¬11).Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. ¬
[33 - 450] الدم الأسود حيض
[33 - 450] الدم الأسود حيض: دم المرأة يختلف، فمنه الأسود، ومنه الأحمر، ومنه الأصفر، فأما الأسود فهو حيض بلا شك، ونُقل عليه الإجماع، وممن نقله: ابن حزم، والكاساني، وابن قدامة كما سيأتي. • من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الدم الأسود المحتوم حيض فصيح، إذا ظهر في أيام الحيض، ولم يتجاوز سبعة أيام، ولم ينقص من ثلاثة أيام" (¬1). وقال: "وقد صح النص، والإجماع، واللغة، على أن الدم الأسود حيض" (¬2). الكاساني (587 هـ) حيث يقول: "أما لونه -أي الحيض- فالسواد حيض بلا خلاف" (¬3). ابن قدامة (620 هـ) حيث يقول: "فالأسود حيض بلا خلاف" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق المالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن دم الحيض دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عرّف الحيض بأنه دم أسود، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [34 - 451] الدم الخارج بعد الولادة دم نفاس: إذا خرج الدم بعد ولادة المرأة؛ فإن هذا الدم دم نفاس، وقد نقل ابن حزم الإجماع ¬
[35 - 452] دم النفاس إذا دام سبعة أيام فهو نفاس
على ذلك، وهذه هي مسألتنا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن المرأة إذا وضعت آخر ولد في بطنها؛ فإن ذلك الدم الظاهر منها بعد خروج ذلك الولد الآخر دمُ نفاس لا شك فيه، تجتنب فيه الصلاة والصيام والوطء" (¬1). ويقول: "ودم النفاس: هو الخارج إثر وضع المرأة آخر ولد في بطنها؛ لأنه المتفق عليه" (¬2). النووي (676 هـ) حيث يقول: "فأما الدم الخارج بعد الولادة، فنفاس بلا خلاف" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول مستدلًّا على أن الدم الذي يهراق بعد ولادة الطفل التوأم الثاني نفاس، قال: "وللاتفاق على أن الدم المهراق بعد الولادة نفاس" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، والحنابلة (¬8). • مستند الاتفاق: لم أجد من استدل للمسألة، ولكن برجوعنا لمعنى الكلمة اللغوي، نجد أن أصل كلمة النفاس مشتقة من تنفَّس الرحم؛ أو خروج النفْس بمعنى الولد، فإذا حصل هذا فقد تحقق النفاس، وهذا متحقق في حال خروج الدم بعد الولادة، فالرحم تنفس الولد والدم، والنفس -الولد- خرجت مع الولادة، فيكون الحال أنها في نفاس (¬9)، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [35 - 452] دم النفاس إذا دام سبعة أيام فهو نفاس: إذا نفست المرأة، ودام نفاسها سبعة أيام، فإن هذه المدة تكون نفاسًا، وعلى هذا نقل ابن حزم الاتفاق، وهذه مسألتنا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن دم النفاس إذا دام ¬
سبعة أيام، فهو نفاس" (¬1). ويقول بعد سياق خلاف العلماء في أكثر النفاس، وبعد تقريره أن أكثر النفاس سبعة أيام: "وأما نحن؛ فلا نقول إلا بما أجمع عليه، من أنه دم يمنع مما يمنع منه الحيض، فهو حيض" (¬2). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الاتفاق: بنى ابن حزم هذا الاتفاق على مسألة الاتفاق على أقل ما قيل، فأقل ما قيل في أكثر النفاس هو قول ابن حزم، فهو يقول بأن أكثره سبعة أيام (¬7)، وبهذا حكى هذا الاتفاق، وقد سبق بيان لهذه المسألة كثيرًا، ولا يمكن أن نستدل لها، لأن المسألة في الحقيقة ليس فيها اتفاق على مسألة واضحة، فهو لم يدعِ أن العلماء اتفقوا على أن أكثر النفاس سبعة أيام مثلًا، وإنما معنى كلامه أن أقل ما قال به العلماء في أكثر النفاس هو سبعة أيام. وقد استدل رحمه اللَّه بالقياس على الحيض، وجعل النفاس حيضًا؛ فيأخذ حكمه، وهو عنده أن أكثره سبعة أيام (¬8). ولكن استدلالنا هذا هو على قول من الأقوال، فهل هذا الدليل يصلح أن يكون مستندًا لإجماعٍ؟ فمن قال: إن أكثر الحيض أربعون -كما سيأتي- لا يتأتى له هذا الدليل! ومن ثم نؤكد أن إجماعات ابن حزم أكثرها في الحقيقة ليست إجماعًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والمسألة من باب الاتفاق على أقل ما قيل كما سبق، وقد سبق بيان لهذه المسألة كثيرًا، واللَّه أعلم. * * * ¬
[36 - 453] النفساء تدع الصلاة أربعين يوما
[36 - 453] النفساء تدع الصلاة أربعين يوما: إذا نفست المرأة، فإنها تجلس أربعين يومًا، وعلى هذا حكى الترمذي الإجماع، وهذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: الترمذي (279 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والتابعين ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا؛ إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي" (¬1). نقله عنه ابن قدامة (¬2)، والشوكاني (¬3). أبو عبيد (224 هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وعلى هذا جماعة الناس". نقله عنه ابن قدامة (¬4)، والنووي (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وأنس، وأم سلمة -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، وإسحاق (¬6)، وابن المبارك (¬7)، والحنفية (¬8)، والحنابلة على المذهب (¬9)، والمزني (¬10). • مستند الإجماع: حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كانت النفساء تجلس على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعين يومًا" (¬11). • وجه الدلالة: أن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- روت أن النفاس على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أربعين يومًا، ولم يأتِ أنهم زادوا عن ذلك، فوجب التقيّد بما ورد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الشعبي، ومعمر، وابن جريج (¬12) في المسألة، فقالوا: لا حد لأكثر النفاس، بل تنتظر حتى أكثر ما تنتظر به امرأة واختاره ابن تيمية (¬13). ¬
[37 - 454] النفاس لا يكون أكثر من خمسة وسبعين يوما
ويحتج لهم بأنه لم يأت دليل صريح في تحديد أكثره، فنرجع للواقع، وهو أنها تتنفس حتى ينقطع دمها، ما دام الدم ينزل. وخالف قتادة، وعطاء، والثوري (¬1) في المسألة، فقالوا: تجلس حسب عادة نسائها. ويحتج لهم بأن الشرع لم يحدد، فنرجع للعادة والعرف. وخالف الأوزاعي (¬2) في المسألة، فقال: تجلس عن الغلام ثلاثين ليلة، وعن الجارية أربعين. ولم أجد له دليلًا. وخالف الحسن (¬3) في المسألة، فقال: تجلس خمسين. ولم أجد له دليلًا. وخالف عطاء، والشعبي (¬4)، والحجاج بن أرطاة، وأبو ثور، وداود (¬5)، والمالكية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة في رواية (¬8)، فقالوا: تجلس ستين يومًا، وروي عن مالك أنه رجع عنه إلى القول بالأخذ بعادة النساء، وقول أصحابه الأول (¬9). واحتجوا بأن الاعتماد في هذا الباب على الوجود، وقد ثبت الوجود في الستين (¬10).Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، ويلاحظ أن الترمذي حكى أقوالًا بأكثر من الأربعين، ولم يحك دونها، مما يدل واللَّه تعالى أعلم أن مسألتنا من باب الإجماع على أقل ما قيل، في نظر الترمذي رحمه اللَّه، واللَّه أعلم. [37 - 454] النفاس لا يكون أكثر من خمسة وسبعين يومًا: إذا اتصل الدم بعد الولادة أكثر من خمسة وسبعين يومًا، فإن هذا الدم ليس نفاسًا، ¬
[38 - 455] دفعة دم النفاس إذا انقطعت ولم تعد فهو طهر
وعلى هذا حكى ابن حزم الاتفاق، وهذه مسألتنا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "واتفقوا أنه -النفاس- إن اتصل أزيد من خمسة وسبعين يومًا؛ فليس دم نفاس" (¬1). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5). • مستند الاتفاق: أن عادة النساء في النفاس لا تتجاوز خمسة وسبعين يومًا، في أكثر ما قيل في المسألة، فإذا زاد الدم على هذا؛ دل على أنه مرض أو دم عرق، فلا يكون نفاسًا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسأدة، والمسألة من باب الاتفاق على أكثر ما قيل -كما هو ظاهر- واللَّه تعالى أعلم. [38 - 455] دفعة دم النفاس إذا انقطعت ولم تَعُدْ فهو طهر: إذا خرجت دفعة من الدم في نفاس المرأة، ثم انقطعت، ولم تعد، فإنها تعتبر طاهرا، تصلي وتصوم، وعلى هذا حكى ابن حزم نفي الخلاف في المسألة. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: "ولم يختلف أحد في أن دم النفاس إن كان دفعة، ثم انقطع الدم، ولم يعاودها؛ فإنها تصوم، وتصلي، ويأتيها زوجها" (¬6). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8)، والشافعية (¬9)، والحنابلة (¬10). • مستند نفي الخلاف: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ردًّا على ¬
[39 - 456] المحيض في قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] هو دم الحيض
سائلةٍ: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربط الاغتسال بإدبار الحيضة، وكذلك دم النفاس، فإذا أدبر فقط طهرت، واللَّه تعالى أعلم. 2 - أن الدم إذا انقطع ولم يعُد، فإنه علامة صريحة على الطهر، فما دام أنه انقطع؛ فبمَ نمنعها من الصلاة ونحوها وقد طهرت.Rأن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [39 - 456] المحيض في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] هو دم الحيض: • من نقل الإجماع: الماوردي (450 هـ) حيث يقول: "أما قوله سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، فالمحيض في هذا الموضوع (¬2) عبارة عن دم المحيض باتفاق أهل العلم" (¬3). نقله عنه النووي بلفظ الإجماع (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬5)، والمالكية (¬6)، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: أن اللَّه تعالى أتبع هذا السؤال بالجواب، ورد بقوله: {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]، والأذى صفة لنفس الحيض، وليس صفة للموضع الذي فيه، ولا للزمان (¬8). • الخلاف في المسألة: خالف ابن العربي، وقال: يصح أن يفسر المحيض على ثلاثة أشياء: الحيض، وزمان الحيض، ومكان الحيض (¬9). قال ذلك بناء على أن اللغة تحتمل كل هذه المعاني. ¬
[40 - 457] دم المستحاضة لا يأخذ حكم الحيض
ويكون تقدير الآية بتفسير المحيض بالحيض: ويسألونك عن منع الحيض. يكون تقدير الآية مجازًا بتفسيره بزمان الحيض: ويسألونك عن الوطء في زمان الحيض. وعلى تفسيره بالمكان؛ يكون التقدير مجازًا: ويسألونك عن الوطء في موضع الحيض حالة الحيض (¬1). وذكره القرطبي قولا (¬2)، وهذا يدل على أنه قول مشهور.Rأن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [40 - 457] دم المستحاضة لا يأخذ حكم الحيض: إذا استحيضت المرأة، فإنها لا تأخذ حكم الحائض. • من نقل الإجماع: ابن جرير (310 هـ) حيث حكى الإجماع على أنها تقرأ القرآن، وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر (¬3). نقله عنه النووي (¬4)، وابن قاسم (¬5). ابن المنذر (318 هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم على التفريق بينهما، قالوا: دم الحيض مانع من الصلاة، ودم الاستحاضة ليس كذلك، ودم الحيض يمنع الصيام والوطء، والمستحاضة تصوم وتصلي، وأحكامها أحكام الطاهر" (¬6). ابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: "والثالث من الدماء: دم ليس بعادة، ولا طبع منهن، ولا خلقة، وإنما هو عرق، انقطع سائل دمه، لا انقطاع له إلا عند البرء منه، فهذا حكمه أن تكون المرأة فيه طاهرًا، لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء، واتفاق من الآثار المرفوعة" (¬7). القرطبي حيث نقل عبارة ابن عبد البر دون أن ينسبها إليه (¬8). النووي (676 هـ) حيث يقول: "وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة ¬
القرآن، ومس المصحف، وحمله، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها؛ فهي في كل ذلك كالطاهرة، وهذا مجمع عليه" (¬1). العيني (855 هـ) حيث يقول: "فإن الإجماع على أن دم العرق لا يمنع الصلاة، والصوم، والوطء، بخلاف دم الرحم؛ فإنه يمنع منها، فكما لم يمنع هذا الدم الصلاة على أنه عرق؛ فلا يمنع الصوم والوطء بدلالة الإجماع" (¬2). الزرقاني (1099 هـ) حيث يقول: "وفيه (¬3)؛ أن حكم المستحاضة حكم الطاهرة في الصلاة وغيرها، كصيامٍ، واعتكاف، وقراءة، ومس مصحف، وحمله، وسجود تلاوة، وسائر العبادات، وهذا أمر مجمع عليه" (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: 1 - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا إن ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعتبر الاستحاضة حيضًا، وأمرها بالصلاة معها. 2 - حديث حمنة بنت جحش -رضي اللَّه عنها-، قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أستفتيه، فقال: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح وتصلين" قال: "وهو أعجب الأمرين إلي" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز لها الصلاة والصيام في أثناء الاستحاضة، مما يدل على أنها لا تأخذ حكم الحيض. ¬
[41 - 458] دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة
Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [41 - 458] دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة: إذا استُحيضت المرأة، فإن الصلاة لا تسقط عنها، ولا تمنعها الاستحاضة، وقد حُكي الإجماع على هذا. • من نقل الإجماع: المرغيناني (593 هـ) حيث يقول: "ودم الاستحاضة كالرعاف الدائم لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطء، لقوله عليه الصلاة والسلام: "توضئي وصلي. . . " (¬1)، وإذا عُرف حكم الصلاة (¬2) ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع" (¬3). قال البابرتي معلقًا على الكلام السابق: "وتقريره؛ أجمع المسلمون على وجوب الصلاة، وهو يوجب وجوب الصوم، وحل الوطء بطريق الأولى" (¬4). وخلاصة ذلك أن المرغيناني حكى الإجماع في الصلاة، ويريد إدخال الصوم والوطء فيه بالأولى، فلا يكون قد حكى الإجماع في الحقيقة إلا في الصلاة. ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: "ولأن المستحاضة، ومن به سلس البول ونحوهما، يطوف ويصلي باتفاق المسلمين" (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬6)، والشافعية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن فاطمة بنت أبي حبيش -رضي اللَّه عنها-، سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" (¬10). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المستحاضة بأن تغتسل بعد مضي قدر أيام حيضها ¬
[42 - 459] المستحاضة يجوز لها الطواف
وتصلي، مما يدل على أن الاستحاضة لا تمنع الصلاة. وفي رواية للحديث السابق: "وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها بغسل الدم فقط، بعد أن يذهب قدر حيضتها وتصلي، وهو يدل لما في مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [42 - 459] المستحاضة يجوز لها الطواف: إذا استحيضت المرأة وتوضأت، فإنه يجوز لها الطواف، إذا أمنت من تلطيخ الحرم. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على جواز الطواف لغير المتوضئ: "ولأن المستحاضة، ومن به سلس البول ونحوهما، يطوف ويصلي باتفاق المسلمين" (¬2). ابن القيم (751 هـ) حيث يقول: "والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقا" (¬3). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الاتفاق: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، في المستحاضة، وفيه "ثم اغتسلي وصلي" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المستحاضة أن تصلي، والطواف نوع من الصلاة، والنص جاء بوجوب الطهارة للصلاة، ومع ذلك أمرت بالصلاة، والطواف من باب ¬
[43 - 460] لا كفارة في وطء المستحاضة
أولى، فجاز لها الطواف، واللَّه تعالى أعلم.Rأن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [43 - 460] لا كفارة في وطء المستحاضة: إذا وطئ الرجل امرأته وهي مستحاضة، فإن الكفارة لا تجب. • من نقل الإجماع: ابن قاسم (1392 هـ) حيث يقول معلقًا على قول البهوتي: "ولا توطأ المستحاضة إلا مع خوف العنت منه أو منها, ولا كفارة فيه"، قال: "إجماعًا" (¬1)، يريد عبارة "ولا كفارة فيه". • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4). حيث قالوا: بجواز الوطء للمستحاضة، وعدم وجوب الكفارة من باب أولى. • مستند الإجماع: 1 - وجوب الكفارة في الوطء لا يأتي إلا من الشرع، ولم يرد بإيجابها في حق المستحاضة، فلا تجب إلا بالورود (¬5). 2 - المستحاضة ليست في معنى الحائض؛ لما بينهما من الاختلاف، فلا يجب في حقها ما وجب في الحائض (¬6). • الخلاف في المسألة: حكي عن عائشة، والنخعي، والحكم، وابن سيرين (¬7)، وسليمان بن يسار، والزهري (¬8)؛ المنع من وطء المستحاضة، ولم أجد لهم شيئًا في الكفارة، وإيجابها محتمل مع قولهم بالمنع، ولكني لم أجد من صرح بذلك منهم، واللَّه تعالى أعلم. ولكني لم أجد من صرح بذلك منهم.Rالأظهر أن الإجماع غير متحقق، حتى نتحقق من موافقة المانعين لوطء المستحاضة؛ لأن الإجماع لا يثبت إلا بالتحقق، وهنا لم نتحقق، واللَّه تعالى أعلم. ¬
سلسلة الرسائل الجامعية (69) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [2] مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
المقدمة إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. • أما بعد: إن نعم اللَّه على هذه الأمة تترى، وآلاءه لا تعد ولا تحصى، ومما فضلها اللَّه عز وجل به على سائر الأمم، أن جعل إجماع علمائها على أمر من أمور دينها معصوما من الخطأ والزلل؛ ليحفظ اللَّه به الدين، وتبقى هذه الملة ما بقيت السماوات والأرض، لا يضرها كيد الكائدين، ولا تحريف الضالين، ولا انتحال المبطلين (¬1). ولا يخفى على أحد مكانة الإجماع، ومنزلته من الدين، فهو المصدر الثالث من مصادر التشريع، منه تؤخذ الأحكام، وبه يعمل الناس، وقد أشار إلى ذلك أئمة الهدى ممن سلف من هذه الأمة، وبيَّنوا عظم شأنه، وخطورة مخالفته، وضرورة معرفته، بل لا يبلغ المجتهد درجة الاجتهاد حتى يكون على دراية ومعرفة به، حتى يقيه من الوقوع في الزلل والشذوذ. ومما يجلي الموضوع، ويوضح أهميته، أن من العلماء من جعل الإجماع مقدمًا على أخبار الآحاد لتطرق الاحتمال إليها من نسخ، أو تأويل، أو خطأ وأشباهها، وقد بيَّن ذلك أبو محمد بن قتيبة (¬2) حين قال: [ونحن نقول: إن الحق ¬
يثبت عندنا بالإجماع أكثر من ثبوته بالرواية؛ لأن الحديثَ قد تعترضُ فيه عوارضُ من السهو والإغفال، وتدخل عليه الشبه والتأويلات والنسخ، ويأخذه الثقة عن غير الثقة، وقد يأتي بأمرين مختلفين وهما جميعًا جائزان، كالتسليمة الواحدة والتسليمتين، وقد يحضر الصحابي الأمر يأمر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا، ثم يأمر بخلافه ولا يحضره، فينقل لنا الأمر الأول ولا ينقل لنا الثاني؛ لأنه لا يعلمه، والإجماع سليم من هذه الأسباب كلها] (¬1). ومما يزيد في خطورة الموضوع، أن من خالف الإجماع القطعي وحاد عنه وهو عالم به، فإنه على خطر في دينه، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (¬2): [والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما ثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره] (¬3). ولذا كان لزامًا على أهل العلم والدين أن يظهروا هذا الدليل، ويعلنوه للناس، حتى لا يقع الزيغ والانحراف عن الجادة الحقة، والطريقة السوية. ولو نظرنا في اهتمام العلماء بأدلة الشرع، لوجدنا عنايتهم فائقة في الدليلين الأصليين: الكتاب والسنة، فتجد الأدلة مبثوثة في كتبهم، مبسوطة في ثنايا بحوثهم، فكتاب اللَّه محفوظ بحفظ اللَّه له، وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وحي من اللَّه، فهو لا ينطق عن الهوى، وقد هيأ اللَّه لها رجالًا كانت لهم عناية فائقة بها، جمعًا ¬
مشكلة البحث
وترتيبًا، تصنيفًا وتبويبًا، صحة وضعفًا، جرحا وتعديلًا. . .، وهذا واضح من خلال الكتب المصنفة في السنة من الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات والأجزاء، وكتب التراجم والرجال، والجرح والتعديل وغيرها مما هو خادم في هذا الباب. ومثلهما الدليل الثالث، لكنه لم يحظ بالعناية كما حظي سابقاه، فجاءت عنايتهم به عابرة من خلال كتبهم، ولم يفردْه بالتصنيف إلا النوادر من العلماء لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وأصبح المتأخرون ينقلون عن المتقدمين حكايتهم له نقلا من غير تمحيص ولا تدقيق، وهذا هو الغالب. ولذا كانت الحاجة ماسة إلى دراسة هذه الإجماعات وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقطعيها من ظنيها، فوقع نظري على أن تكون أطروحة الدكتوراه في خدمة جانب من جوانب الموضوع، وهو دراسة الإجماعات الواردة في كتاب المعاملات المالية، واقتصرت على جزء منه نظرا لطوله، واخترت أن يكون هذا الجزء هو فاتحة أبواب المعاملات وهي عقود المعاوضات، فكان عنوان الأطروحة (مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية، جمعا ودراسة). • مشكلة البحث: لا بد لكل بحث من مشكلات تعتريه، تعليق البحث والباحث، وهذا البحث أُجمل مشكلاته في النقاط التالية: أولًا: أن المسائل التي حُكِي فيها الإجماع كثيرة جدًّا، وهذا يعني طول البحث وتشعب طرقه مما يتطلب جهدا كبيرًا، ووقتًا كثيرًا. ثانيًا: قلة الكتب التي تحكي الإجماع، فعلى كثرة كتب الفقه وتنوع مذاهبها إلا أن التي تعتني بنقل الإجماع قليلة، وهذا يتطلب من الباحث التعرف على الكتب التي تحكي الإجماع وانتقاءها دون غيرها، ومثله التعرف على الكتب التي تنقل من غيرها واستبعادها. ثالثًا: مناهج العلماء في مسائل الإجماع متباينة، فمنهم: من لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين، ويحكي الإجماع في المسألة، ومنهم من يعتد بخلاف الواحد، وينفي الإجماع معه، وهذا يتطلب أيضًا جهدًا مضاعفًا في التعرف على مناهجهم
حدود البحث
الأصولية في تقرير الإجماع قبل النقل من كتبهم الفقهية. • حدود البحث: من المعلوم أن الألفاظ التي تدل على الإجماع ليست قليلة، ولو أدرجت ضمن البحث لازداد طولا وتشعبًا، لكن الباحث اقتصر على أبرز الألفاظ في نقل الإجماع، وهي تتمثل في: 1) لفظة [الإجماع] وما تصرف منها. 2) وكذلك لفظة [الاتفاق] وما تصرف منها. 3) نفي الخلاف في المسألة، وهو قولهم: [لا أعلم خلافا في المسألة] ونحوها من العبارات التي تدل على هذا المعنى. وسيكون البحث شاملا للإجماعات التي قصدها العلماء حين عرَّفوا الإجماع، وهو الإجماع الأصولي المنطوق به لفظا فقط، دون غيره من سائر الإجماعات: كإجماع الخلفاء الأربعة، أو الأئمة الأربعة، أو الصحابة، أو أهل المدينة، أو السكوتي، أو الإجماع المذهبي، أو أهل بلد معين، أو نحوها من أنواع الإجماع، سواء وجد الباحث ذلك عن طريق التصريح به من قبل العلماء، أو قامت قرينة من القرائن على أن العالم أراد به نوعا من أنواع الإجماع، والدراسة ستكون مقصورة على عقود المعاوضات المالية فقط دون غيرها من أبواب الفقه، أما الإجماعات اللغوية أو الحديثية وغيرها من الإجماعات التي يذكرها الفقهاء، فإن الباحث لا يتعرض لها. وقد جمع الباحث الإجماعات التي يذكرها العلماء صراحة، أو ينقلونها عن غيرهم من غير نقد؛ إذ يعد هذا قرينة على الموافقة والإقرار. أما ما ينقله العالم من الإجماع بصيغة التمريض، ولم ينسبه إلى أحد، فلا يدخل في البحث، كقولهم: [حُكي إجماعا] و [منهم من حكى الإجماع] ونحوها من العبارات. وكذلك إذا نقله ثم نقل بعده الخلاف، أو تعقَّبه، فلا أدرجه ضمن البحث. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن الباحث ربما يتجوز في ذكر بعض الإجماعات
أولا: الكتب المتخصصة في نقل الإجماع
خاصة المذهبية منها إذا كان ذلك عن طريق التبع لا الاستقلال، فغاية ما هنالك أن الحاكي للإجماع اختصر لنا قول مذهبه. وقد قامت اللجنة المختصة بالمشروع، والمشكَّلة من قبل القسم مشكورة، باختيار الكتب التي تقوم عليها دراسة الباحث، مراعية في ذلك عناية العالم بالإجماع واهتمامه بحكايته، مع النظر في اختلاف المذاهب، وتفرق الأزمنة، وهي مرتبة على النحو التالي: أولًا: الكتب المتخصصة في نقل الإجماع: 1) الإجماع لابن المنذر (¬1) (318 هـ). 2) مراتب الإجماع لابن حزم (¬2) (456 هـ). 3) الإفصاح إلى معاني الصحاح لابن هبيرة (¬3) (560 هـ). 4) نقد مراتب الإجماع لابن تيمية (¬4) (728 هـ). ¬
ثانيا: المذهب الحنفي
ثانيًا: المذهب الحنفي: 1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (¬1) (587 هـ). 2) البناية في شرح الهداية للعيني (¬2) (855 هـ). 3) فتح القدير شرح الهداية لابن الهمام (¬3) (861 هـ). ¬
ثالثا: المذهب المالكي
4) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (¬1) (970 هـ). ثالثًا: المذهب المالكي: 1) الاستذكار لابن عبد البر (¬2) (463 هـ). 2) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لابن العربي (¬3) (543 هـ). 3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (¬4) (671 هـ). 4) الذخيرة للقرافي (¬5) (684 هـ). ¬
رابعا: المذهب الشافعي
رابعًا: المذهب الشافعي: 1) الأم للإمام الشافعي (204 هـ). 2) شرح السنة للبغوي (¬1) (516 هـ). 3) المجموع شرح المهذب للنووي (¬2) (676 هـ). 4) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (¬3) (852 هـ). 5) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني (¬4) (977 هـ). ¬
خامسا: المذهب الحنبلي
خامسًا: المذهب الحنبلي: 1) المغني لابن قدامة (¬1) (620 هـ). 2) مجموع فتاوى ابن تيمية (728 هـ) جمع: عبد الرحمن القاسم (¬2) وابنه محمد. 3) جامع الرسائل لابن تيمية، جمع: د. محمد رشاد سالم. 4) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية، جمع الشيخ: محمد رشيد رضا. 5) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، جمع: البعلي (¬3). 6) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (¬4) (751 هـ). 7) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية. ¬
سادسا: المذاهب الأخرى
8) حاشية الروض المربع لعبد الرحمن القاسم (1392 هـ). سادسًا: المذاهب الأخرى: 1) جامع الترمذي للإمام الترمذي (¬1) (279 هـ). 2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (¬2) (310 هـ). 3) المحلى لابن حزم (456 هـ). 4) سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام للصنعاني (¬3) (1182 هـ). 5) نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار للشوكاني (¬4) (1250 هـ). ¬
أهمية الموضوع
• أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع في النقاط التالية: أولًا: قلة الأحاديث الواردة في كتاب البيوع، بالنسبة لكتاب العبادات، وقد جمع أحد الإخوة الأحاديث في كتاب البيوع من الكتب التسعة، فلم تتجاوز الخمسمائة حديث فقط (¬1)، وهذا يعني أهمية إبراز الدليل الثالث، حتى يستفاد منه في قضايا المعاملات ونوازلها المعاصرة. ثانيًا: تسهيل الوصول إلى الدليل الثالث من أدلة الشريعة المتفق عليه، وتقريبه بين يدي الأمة الإِسلامية، خاصة العلماء منهم الذين إليهم مردُّ الفتوى في الدين؛ إذ إن من شروط بلوغ درجة الاجتهاد أن يكون المجتهد على بصيرة بمواطن الإجماع والخلاف. ثالثًا: تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين، وقطع دابر التعصب الذي فشا بين المذاهب الأربعة المعتبر؛ إذ مسائل الإجماع التي اتفقت عليها الأمة كثيرة وليست قليلة، ولا يخفى أن من الخلاف ما فرق جمع الأمة، وشتت شملها، وأفسد رأيها، وسلط أعداءها عليها، فبالإجماع تتحد الصفوف، وتجتمع الكلمة، ويَلْتم الشعث، ويندحر التعصب. رابعًا: ظهر في هذا الزمان أناس نسبوا أنفسهم للعلم وأهله، وليس لهم من الفقه إلا رسمه، ولا لهم من العلم إلا اسمه، فأخذوا يبحثون في كتب الفقهاء ما يوافق أهواءهم، ويحقق شهواتهم، فنظروا في الأقوال الشاذة، وأظهروها للناس على أنها أقوال قال بها علماء متقدمين، بل تعدى الأمر إلى أن يصبغ هذا بصبغة الدين، وأنه من المرونة التي تتسم بها هذه الشريعة الغراء، من غير النظر في صحة الأقوال وعدمها، أو موافقتها للدليل، أو مخالفتها للإجماع، وهذا أدهى وأمر، فكل يؤخذ منه ويرد إلا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والتعبد للَّه إنما هو بالنصوص الشرعية لا بأقوال الفقهاء، وتتبعُ الشواذ من طرائق أهل البدع والإلحاد، وليس هذا من سمت أهل الحق والاستقامة في شيء. ¬
أسباب اختيار البحث
فلعل هذا البحث أن يَسدَّ الطريق عليهم، ويغلق المنافذ التي ولجوا منها للوصول إلى هذه الثغرات. • أسباب اختيار البحث: ترجع أسباب اختيار الباحث للبحث إلى أمور أهمها: أولًا: عدم وجود دراسات سابقة تجمع بين الشمول والتمحيص متخصصة في هذا الباب. ثانيًا: قلة الكتب المؤلفة في هذا الباب عند المتقدمين، وهذا البحث يجمع شتات ما تفرق في بطون الكتب من الإجماعات المتناثرة فيها، فيكون هذا من المساهمة في إبراز هذا الدليل للعلماء والمتعلمين، وتقريب مسائله، حتى يسهل الوصول إليها بعيدا عن العناء والمشقة. ثالثًا: أنه بمعرفة الإجماع يجعل الأمة كلها تقف على دليل من الأدلة القطعية التي لا تجوز لهم مخالفته، فلا يتعدوا حَدَّه، ولا يتجاوزوا رسمه، إذا نظروا في المسائل والنوازل. رابعًا: إعانة الباحثين على تحرير محل النزاع في المسائل الفقهية، وذلك لا يتم إلا بمعرفة مواطن الإجماع في المسألة. خامسًا: هذا البحث يُعرَّف الباحث بالإجماعات الصحيحة من الضعيفة، وكذلك الإجماعات المذهبية من الإجماعات المرادة بالمعنى الأصولي؛ إذ المسائل التي حُكي فيها الإجماع كثيرة جدًّا، لكن ليس كل ما حُكي فيه الإجماع يعتبر إجماعًا صحيحًا، لذا فلا غرابة في مقولة أبي إسحاق الإسفراييني (¬1) حين يقول: [نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة. وبهذا يُردُّ قول الملحدة: إن هذا الدين كثير الاختلاف؛ إذ لو كان حقًّا لما اختلفوا فيه. فنقول: ¬
الدراسات السابقة
أخطأت، بل مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، ثم لها من الفروع التي يقع عليها الاتفاق منها وعليها، وهي صادرة عن مسائل الإجماع التي هي أصول أكثر من مائة ألف مسألة، يبقى قدر ألف مسألة هي من مسائل الاجتهاد، والخلاف في بعضها يحكم بخطأ المخالف على القطع، وبفسقه، وفي بعضها ينقض حكمه، وفي بعضها يتسامح، ولا يبلغ ما بقي من المسائل التي تبقى على الشبهة إلى مائتي مسألة] (¬1). سادسًا: معرفة قول جماهير العلماء يعتبر من الأهمية بمكان، ولذا جعله بعض الأصوليين مرجحًا من المرجحات (¬2)، ولا شك أن الإجماع إن لم يكن صحيحًا فهو قول جماهير العلماء، وينبغي لطالب العلم أن يتهيب مخالفته إلا بحجة وبرهان. • الدراسات السابقة: لم تكن هذه الموسوعة التي يشترك فيها الباحث مع زملائه في هذا البحث بدعة لم يُسْبقوا إليها، بل ثمة دراسات كثيرة في هذا الموضوع سبقت هذا المشروع، والدراسات التي وقف عليها الباحث في هذا سارت على طريقتين، هما: الطريقة الأولى: التخصص في عالم معين، والباحثون على هذه الطريقة لهم اتجاهان: الاتجاه الأول: جمع الإجماعات التي تكلم عنها العالم مع دراستها صحة وضعفًا، وذكر من خالف الإجماع، وتحقيق الخلاف في المسألة، ومن هؤلاء الذي وقفت على بحوثهم: 1) إجماعات ابن عبد البر، من الأيمان والنذور إلى كتاب البيوع لعبد الرحمن الموجان، رسالة دكتوراه مقدمة في جامعة أم القرى. 2) إجماعات ابن عبد البر في البيوع والنكاح وفرقه من كتابه التمهيد جمعا ودراسة، لمحمد بن عبد اللَّه بن عتيق، رسالة ماجستير مقدمة في قسم الثقافة ¬
الإِسلامية في كلية التربية بجامعة الملك سعود. 3) تحرير اتفاقات ابن رشد، من كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد [أحكام الأسرة والمعاملات المالية عدا الوصايا] لمحمد عبد الرحيم الخالد، رسالة ماجستير مقدمة في جامعة أم القرى. 4) إجماعات الإمام النووي في شرح مسلم، لعلي الراشدي، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى. ويمكن إجمال المآخذ على هذه الطريقة، ومن كتب فيها في النقاط التالية: أولًا: عدم ذكر الموافقين للإجماع من المذاهب الأخرى الذين لم يَذْكُروا الإجماع في المسألة، وتوثيق ذلك من كتب المذاهب، وهذا من شأنه أن يوقف القارئ على أقوال العلماء في المسألة، فلربما اختلفت وجهات النظر في فهم القول ومعرفته. ثانيًا: الاقتصار على عالم واحد في دراسة المسائل، وهذا فيه بُعْد عن الشمولية في بحث المسائل، وربما يكون فيه جانب إيجابي وهو التعرف على منهج العالم واستخلاص النتائج الدقيقة في بيان منهجه في حكاية الإجماع، وألفاظه التي يستخدمها في حكايته للإجماع، والتفريق بينها. ثالثًا: الاقتصار على تحرير كلام المذاهب الأربعة فقط دون من عداهم، ودون النظر في مستند الإجماع، وهذا ما وقع للرسالة الثالثة. رابعًا: فوات كثير من الإجماعات التي ينقلها العالم على الباحث، وهذا ما وقع للأول منهم. الاتجاه الثاني: الاقتصار على ذكر الإجماعات التي حكاها العالم فقط، ومن هؤلاء: 1) موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية، للدكتور/ عبد اللَّه بن مبارك البوصي. جمع فيها جميع المسائل التي حكى فيها شيخ الإسلام الإجماع في مسائل الفقه، ورتب أبوابها على ترتيب متأخري الحنابلة، وقد جمعها من أكثر من خمسين مجلدًا من كتب شيخ الإسلام.
2) الإجماع لابن عبد البر، لفؤاد الشلهوب وعبد الوهاب الشهري. وقد جمعا إجماعات ابن عبد البر في كتاب التمهيد فقط. ويمكن إجمال الملاحظات على هذه الطريقة ومن كتب فيها في النقاط التالية: أولًا: أن حظ أصحابها منها إنما هو الجمع فقط، دون التمحيص والتدقيق، والنظر في صحة الإجماع من عدمه. ثانيًا: عدم الاهتمام بمسائل كثيرة تخدم الإجماع في المسألة المنقولة، كتصوير المسألة وبيان المراد منها، وذكر مستند الإجماع، والموافقين والمخالفين للإجماع ونحو ذلك. ثالثًا: مع اهتمام الأول بهذا الجمع إلا أنه فاته إجماعات كثيرة لم ينقلها عن ابن تيمية في كتبه. الطريقة الثانية: الجمع المطلق لمجموعة من العلماء: وهذا -حسب علمي القاصر- لم أجد من فعله إلا اثنين: الأول: الحافظ ابن القطان في كتاب سماه [الإقناع في مسائل الإجماع] جمع الإجماعات فيه من أربعة وعشرين كتابًا من كتب المتقدمين، بعضها لا يُعرفُ له وجود، وقد سُجل تحقيق الكتاب في رسالتي ماجستير في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية، ومنهج التحقيق عند الباحِثَين إنما هو توثيق الإجماع من المذاهب الأربعة، من غير النظر في صحة الإجماع وعدمه (¬1). الثاني: الأستاذ سعدي أبو حبيب في كتاب أسماه [موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي] وقد جمع جمعا مباركا، استخلصها من ستة عشر كتابًا من الكتب التي رأى أنها تعتني بالإجماع (¬2). ¬
أهداف البحث
وأجمل المآخذ على هذه الطريقة ومن كتب فيها في الأمور التالية: الأول: أن حظهما من التصنيف إنما هو الجمع فقط، ولم يُعْملا القلم في التحرير والتدقيق والنقد لما نقلاه من المسائل. الثاني: التصرف في نقل عبارات العلماء، فلم يكن نقلهم نقلا نصيا؛ ولذا وقع لهم بعض القصور في نقل المسائل. الثالث: التكرار في المسائل وهذا عند ابن القطان، فهو ينقل عن العالم من كتابه، ثم ينقل عن العالم الآخر، فربما تكرر الإجماع عند الثاني وهكذا. الرابع: أن الأول منهما نقل عن كتاب متخصص في نقل النوادر الفقهية، ولم يكن في نقل الإجماعات (¬1). الخامس: أن الثاني عَدَّ من الإجماع ما يذكره الترمذي في جامعه من قوله: [العمل على هذا عند أهل العلم] وهذه العبارة لم يقصد منها المؤلف حكاية الإجماع في المسألة كما سيأتي. ولذا سيكون العمل في هذا البحث جامعًا بين الطريقتين، وهما: الأولى: جمع المسائل التي حُكِي فيها الإجماع من كتب الفقهاء. الثانية: تحرير هذا الإجماع بالنظر في ثبوته من عدمه، وذكر مستنده، وبيان المخالف في المسألة وتأثير المخالفة فيها. ولا شك أن هذا يحتاج إلى جهد مضاعف، وأوقات كبيرة، وقبل هذا وبعده عون اللَّه وتوفيقه. • أهداف البحث: أما الهدف الكلي العام للبحث فهو: تقريب المصدر الثالث من مصادر الشريعة المتفق عليها بين يدي الأمة، وذلك من خلال جمع المسائل التي حُكي ¬
أسئلة البحث
فيها الإجماع، ثم تمييز الصحيح من الضعيف منها، تقريبًا مرتبًا حسب الأبواب الفقهية. أما الأهداف الجزئية فهي إجمالًا ما يلي: 1) جمع المسائل التي حكي فيها الإجماع في عقود المعاوضات، من خلال الكتب التي أُقرت من قبل اللجنة المشرفة على المشروع، ودراسة صحتها من عدمه. 2) ذكر مستند الإجماع في مسائل الباب من الكتاب والسنة، وسائر الأدلة الأخرى المختلف فيها. 3) التعرف على ألفاظ العلماء في حكايتهم للإجماع في المسألة. 4) معرفة أقوال جماهير العلماء. 5) الاطلاع على الأقوال الشاذة التي لا يُعتد بها، وتعتبر مخالفة للإجماع. 6) هذا البحث يجمع للباحث بين علمي الوسيلة والغاية، وهما: الفقه وأصوله، ذلك أن طبيعة البحث تتطلب النظر في القواعد الأصولية المنضبطة، ومن ثم الخوض في غمارها بين الكتب الفقهية، ومثل هذا يُمكَّن الباحث من الملكة الفقهية، والدربة العلمية، في الجمع بين التأصيل والتطبيق. • أسئلة البحث: من خلال النظر في البحث فإن الباحث قد أجاب على عدة أسئلة، أهمها: س: ما المسائل التي حُكِي فيها الإجماع بين العلماء في عقود المعاوضات؟ س: ما مستند الإجماع في هذه المسائل؟ س: ما صحة الإجماع في مسائل البحث المبحوثة؟ س: ما الطريقة العلمية المناسبة في التمييز بين الأقوال الشاذة والمعتبرة التي خالفت الإجماع؟ س: ما الكتب التي تعتني بذكر الإجماع ابتداءً، وكذلك نقلا عن الآخرين؟ س: ما طرائق العلماء في الإجماع، سواء كان في نقله، أو في التفريق بين ألفاظه؟
منهج البحث
• منهج البحث: الناظر في هذا البحث يجد أن الباحث يحتاج إلى الجمع بين طريقتي البحث المعتمدة، وهما: الطريقة الاستقرائية، والطريقة الاستنتاجية. فأولًا: يعتمد استقراء النصوص المتصلة بالموضوع استقراءً تامًا، ثم تصنيفها وترتيبها حسبما يقتضيه التحليل العلمي. ثم ثانيًا: التحليل العلمي لهذه النصوص، ويعني الفحص والاختبار لهذه المادة العلمية والتوصل إلى النتائج بإقرار ما كان صحيحا مناسبًا، وإلغاء ما كان ضعيفًا غير مناسب (¬1). • إجراءات البحث: أما إجراءات البحث التي سار عليها الباحث فكما يلي: الأول: الكتابة في الموضوع ذاته وتكون على النحو التالي: أولًا: يقوم الباحث بحصر جميع الإجماعات الواردة في الكتب المقررة، وهي ثلاثون كتابا -سبق تسميتها-، ومن ثَم ترتيبها على حسب الأبواب الفقهية في عقود المعاوضات المالية، وقد سار الباحث في ترتيب المسائل داخل الأبواب على ما كتبه متأخروالحنابلة، وأعتمد كتاب الروض المربع إذ هو المشهور عند متأخريهم، إلا نزرا يسيرا منها، وهي المسائل التي لم يَنص عليها الحنابلة في كتبهم، واحتاج الباحث إلى بحثها لكونها في كتب لا يمكن استدراكها في البحوث الأخرى، كالمسائل التي ذكرها ابن المنذر وابن حزم وابن هبيرة، وغيرهم في كتبهم المفردة للإجماع. ثانيًا: أضع عنوانا مناسبا للمسألة، يكون شاملا لها. ثالثًا: أشرع بعد هذا ببيان المراد من المسألة التي حكي فيها الإجماع، وهذا يشمل تعريف المصطلحات الواردة في عنوان المسألة من جهة اللغة والاصطلاح، ثم تصوير المسألة والاقتصار عليه من غير بيان المسائل الأخرى ¬
المشابهة، أو ذكر تقسيمات متابعة للمسألة إلا عند الحاجة لذلك، مع مراعاة أن العلماء قد يتفاوتون في حكاية الإجماع فمنهم: الذي يذكره مختصرا، ومنهم الذي يسترسل في ذكر قيود وفروع له، فأراعي ذلك في شرح المسألة. والمقصود بالاصطلاح عند إطلاقه إنما هو اصطلاح الفقهاء، والتنبيه عليه هنا من أجل الاستغناء عن ذكره في ثنايا البحث. رابعًا: بعد هذا أذكر من نقل الإجماع في المسألة، فأذكر اسم العالم، ثم تاريخ وفاته، ثم أنقل نص عبارته التي حكى فيها الإجماع، وقد تكون العبارة في معرض كلام له لا يستقيم الكلام إلا بذكر ما يوضحها، فأذكر ما يوضح المراد إما قبل إيراد كلامه، أو أثناء الكلام لكني أميز التوضيح بوضعه بين شرطتين وأفتتحه بكلمة [أي] للدلالة على أن الكلام من الباحث، وألتزم بنقل الإجماع عن العلماء ترتيبَهم الزمني حسب وفاتهم. خامسًا: أذكر من نقل الإجماع عن العالم، فإن نص أحد العلماء على أنه نقله عن عالم آخر، فإني أذكر بعد هذا أن فلانا نقله من الأول، وإلا فإني أنقل عبارة العالم حتى وإن كانت بالنص، من أجل أن يتعرف القارئ الكريم على مناهج العلماء في النقل والاستفادة من بعضهم، وطرقهم في ذلك، وتصرفهم في العبارة في بعض الأحيان، ولا شك أن النقل أوكد وأوثق في موافقة الإجماع. سادسًا: أذكر من وافق العلماء الذين نقلت عنهم الإجماع من المذاهب الأخرى الذين لا ينتمي إليهم العلماء المنقول عنهم الإجماع، فمثلا: إذا انفرد ابن عبد البر بحكاية الإجماع في المسألة، فإني أذكر المذاهب الأخرى التي لا ينتمي إليها ابن عبد البر وهي المذهب الحنفي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، وأذكر المسألة عند ابن حزم من المذهب الظاهري إذا وجدتها صراحة، وإلا فلا، إلا في القليل النادر من المسائل الظاهرة التي يعلم قوله فيها وإن لم ينص عليه مبينا ذلك في الحاشية، واقتصرت على ذكر المذاهب الأربعة دون ذكر مذاهب الصحابة والتابعين وأتباعهم، وغيرهم من العلماء المستقلين عن المذاهب؛ وذلك لأن القول الذي حُكي فيه الإجماع هو الأصل، فذكرهم استكثار لا حاجة له. فإن وجدت المسألة في المذهب منصوصا عليها، فالحمد للَّه، وإلا فإني
الثاني: الهوامش
أجتهد في إلحاق المسألة بنظائرها من مسائل المذهب وما يشبهها من الفروع الفقهية، وأنبه على هذا في الحاشية. سابعًا: أذكر مستند الإجماع في المسألة من الكتاب والسنة إن كان، وإلا فمن أدلة الاستنباط الأخرى المعتبرة عند العلماء، هذا كله إذا وجدت العلماء قد استدلوا به، وإلا فإني أجتهد في استنباط الأدلة للإجماع، وعلامة ذلك في البحث عدم التوثيق وهذا من حيث الأصل، ولا أستقصي بذكر جميع الأدلة، وإنما اقتصر على الدليلين والثلاثة حتى لا يخرج البحث عن المقصود، ولا أزيد على هذا إلا إذا كانت المسألة ذات فروع متعددة. ثامنًا: أذكر القول المخالف للإجماع المحكي في المسألة، ثم أذكر دليله إن وجد وإلا فأجتهد في استنباط دليل له، ثم بعد هذا أُثني بذكر نقد القول إن كان، وذلك ببيان ضعفه، أو شذوذه إن وافق القاعدة، سواء نص على ذلك عالمٌ، أو كان اجتهادا من الباحث. تاسعًا: أذكر نتيجة الإجماع المحكي في المسألة هل ثبت أم لا؟ مع بيان التعليل باختصار، وهي بحسب اجتهاد الباحث واطلاعه. عاشرًا: وحَّد الباحث العناوين المندرجة تحت المسألة، فجعلها كلها بلفظ الإجماع سواء كان الإجماع بلفظ الاتفاق أو بنفي الخلاف. الحادي عشر: قام الباحث بترقيم المسائل ترقيما تسلسليا، ووضع رقمين لكل مسألة، رقم بحسب ورودها في البحث، وآخر بحسب ورودها في المبحث أو المطلب. الثاني: الهوامش: 1) عزوت الآيات إلى سورها مع ذكر رقمها. 2) خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها في كتب السنة المعتمدة، فإذا كان الحديث في الكتب الستة، فإني أذكر رقم الحديث أو الأثر، ثم رقم الجزء، والصفحة، فإذا كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما فأكتفي بتخريجه منهما فقط ولا أزيد، وإلا فأُخرج الحديث من المصادر الأخرى مع نقل كلام العلماء المتقدمين الذين يعتمد عليهم في نقد الحديث وبيان درجته صحة وضعفا،
الثالث: الخاتمة
ولا ألتزم هذا في الآثار. 3) وثقت أقوال الفقهاء من الكتب المعتمدة في كل مذهب، وجمعت توثيق المذاهب في فقرة الموافقين على الإجماع، حسب ترتيبهم الزمني في حاشية واحدة، طلبا للاختصار في الحواشي، وعادة الباحث عند توثيق الكتب ألا يذكر معلومات الكتاب اكتفاء بما سيذكر في قائمة المراجع إلا في الكتب المتشابهة. 4) عرفت بالمصطلحات الأصولية والفقهية التي ترد في صلب البحث، موثقة من مصادرها ومراجعها المعتمدة. 5) بينت معاني الألفاظ اللغوية الغريبة التي ترد في البحث مع توثيقها من كتب معاجم اللغة المعتمدة. 6) في حالة النقل من كتاب يشتمل على جزء واحد، فقد ذكرت الصفحة مسبوقة بحرف الصاد هكذا (ص: ). 7) ترجمت باختصار لكل علم يرد في صلب البحث ترجمة تتضمن: اسمه، ونسبه، ومذهبه الفقهي، وشهرته، وأهم مؤلفاته، وتاريخ مولده ووفاته، مع ذكر مصادر ترجمته. واقتصرت في التراجم على غير المشهورين، فالخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، والمعاصرون، ومشاهير الصحابة -وهم الذي كثرت روايتهم لحديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحوهم أشهر من أن أترجم لهم. الثالث: الخاتمة: دونت فيها أهم نتائج البحث وتوصياته التي خلصت إليها في البحث، وجعلتها على هيئة عناصر مرقومة، راعيت فيها دقة الصياغة والإيجاز، بحيث تعطي صورة واضحة عن البحث. الرابع: الفهارس، وتتضمن ما يلي: 1) فهرس المصادر والمراجع. 2) فهرس الموضوعات. هذه هي إجراءات البحث التي التزمها الباحث في بحثه، وبذل وسْعه في السير
خطة البحث
عليها، وما ندَّ عنها، فهي غفلة الذهن المكدود، أو الضرورة التي ليس عنها محيد. • خطة البحث: وتحتوي على مقدمة، وتمهيد، وثمانية أبواب، وخاتمة، وهي على النحو التالي: المقدمة: وقد بينت فيها مشكلة البحث، ثم حدوده وأهميته، ومن بعدها أسباب اختياره، والدراسات السابقة، ثم أهدافه وأسئلته ومنهجه، ويأتي بعدها إجراءاته وخطته. أما التمهيد: وفيه الدراسة التأصيلية لبعض مسائل الإجماع. ويشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته. المبحث الثالث: أنواع الإجماع، وتحته مطلبان: المطلب الأول: أنواع الإجماع باعتبار ذاته. المطلب الثاني: أنواع الإجماع باعتبار قوته. المبحث الرابع: شروط الإجماع. المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر. المبحث السادس: القول الشاذ أحكامه وضوابطه. المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع. أما أبواب الدراسة في عقود المعاوضات المالية، فيندرج تحتها ثمانية أبواب: الباب الأول: مسائل الإجماع في أسباب التملك والكسب. الباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب البيع، ويندرج تحته ستة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع.
الصعوبات التي واجهت الباحث
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في باب الصرف. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب بيع الأصول والثمار. الفصل السادس: مسائل الإجماع في باب السلم. الباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة. الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة. الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة. الباب السادس: مسائل الإجماع في كتاب الصلح. الباب السابع: مسائل الإجماع في كتاب المسابقة. الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة. أما الخاتمة فأبرزت فيها أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها من خلال رحلة البحث. • الصعوبات التي واجهت الباحث: لا يخفى أن البحوث العلمية متفاوتة في الكم والكيفية، وليست على درجة واحدة، وكل بحث تعتريه مشاكل وصعوبات تعليق البحث والباحث، وفي هذا البحث مرت على الباحث بعض الصعوبات، أذكر أبرزها: أولًا: أن البحث متعلق بالمعاملات التي هي أدق أبواب الفقه على الإطلاق، وكانت تمر بالباحث مسائل يمكث فيها الليالي ذوات العدد في فهمها، ومعرفة المراد منها، وتمييزها عما يشبهها من المسائل. ثانيًا: كثير من المسائل التي مرت بالباحث مسائل متعلقة بتفريعات المذاهب، وفي أحيان كثيرة لا يجد الباحث هذه الفروع في المذاهب الأخرى، مما يجعله يبحث عن تخريج أو قياس على هذا الفرع، ومثل هذا لا يخفى فيه قدر الطاقة والجهد المبذولين فيه على الممارس له.
شكر وعرفان
ثالثًا: طول البحث وتشعب فروعه، فالمسائل المبحوثة تربو على الثلاثمائة وستين مسألة، والباحث جاوز الوقت المعتاد للبحث، ووقته وجهده وطاقته كلها مصروفة إلى هذا البحث، واللَّه يعلم الحال، وإليه المرد والمآل. ومع هذه الصعاب إلا أن أفضال ربي علي لا تعدُّ ولا تحصى، فلولا فضله وتوفيقه على عبده الضعيف لبقي البحث حبيسا، وسُلِب الباحث توفيقا. • شكر وعرفان: في ختام هذه المقدمة أحمد ربي على نعمه العظام، وفضائله الجسام، أن يسر لي السبيل، وسهل علي الطريق، فلولا فضل ربي لما كان هذا البحث قد تم، ولا كان هذا الخير قد عم، ولا أملك إلا أن أمثتل قول النبي الصالح سليمان عليه السلام {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (¬1). ومن باب "لا يشكرُ اللَّه من لا يشكرُ الناس" (¬2)، فإني أكتب صفحات الشكر لجامعة الملك سعود التي أتاحت لي فرصة المواصلة والبحث في قسم الثقافة الإِسلامية، بكلية التربية. ثم أُثني بصاحب الخلق العالي، والأدب الضافي، المشرف على البحث، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحيم صالح يعقوب، فقد كانت له آثار ظاهرة، وبصمات واضحة على البحث والباحث، فالباحث مدين له بالفضل والإحسان في بحثه ما بقي في الحياة. ثم أثلث بذي الرأي المُسدد، والقول الموفق، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد اللَّه ابن إبراهيم الناصر، فقد كانت له آثار لا تُنسى، وأفضال لا تُجحد، في إعدادات البحث ومقدماته، بل ما استقام مشروع البحث على عوده، ولا استوى على سوقه إلا باهتمامه وحرصه، فله مني الثناء، وله علي الدعاء. ¬
ثم أعرج على بقية أعضاء لجنة المناقشة، وهم فضيلة شيخي الأستاذ الدكتور/ خالد بن علي المشيقح، وفضيلة شيخي الأستاذ الدكتور/ حسن بن عبد الغني أبو غدة، وفضيلة الشيخ الدكتور/ بله الحسن عمر، فأشكر لهم قبولهم المناقشة، وتكبدهم قراءة الرسالة. وأختم كلمات الشكر لكل من أسدى إلي معروفا، أو أهدى إلي خيرا، فأهل الفضل علي كثير، وحقهم علي عظيم، فاللهم اجزهم عني خير الجزاء وأوفاه، وأعظم البر وأعلاه. وأخيرا أستغفر اللَّه مما زلَّ به القلم، أو طغى به الفِكر، ورحم اللَّه عبدا أقال العَثرة، وستر العَيبة، وأسدى النصيحة، وأخفى النقيصة. واللَّه أعلم وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبها علي بن عبد العزيز بن أحمد الخضيري يوم الاثنين الموافق 9/ 3/ 1429 هـ
التمهيد: الدراسة التأصيلية لبعض مسائل الإجماع
التمهيد: الدراسة التأصيلية لبعض مسائل الإجماع وتحته عدة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته. المبحث الثالث: أنواع الإجماع. المبحث الرابع: شروط الإجماع. المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر. المبحث السادس: القول الشاذ أحكامه وضوابطه. المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع. * * *
المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح
المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح أولًا: تعريفه في اللغة: أصل الكلمة الجيم والميم والعين يدل على ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع، ومنه قوله تعالى: {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} (¬1). ويقال: وأَجْمعت كذا، أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يُتوصل إليه بالفكرة، نحو {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} (¬2) وقال تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} (¬3) ويقال: أجمع المسلمون على كذا، أي: اجتمعت آراؤهم عليه (¬4). والإجماع: الإحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وأجمعت على الخروج، ويقال: أجمعت الرأي، وأزمعته، وعزمت عليه، كلها بمعنى، وفي الحديث: "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" (¬5) أي: إحكام النية والعزيمة (¬6). ثانيًا: تعريفه في الاصطلاح عرف العلماء الإجماع بعدة تعاريف مختلفة؛ نظرا لاختلاف العلماء في كثير ¬
بيان شرح التعريف ومحترزاته
من المسائل المتعلقة بأركان الإجماع، وشروطه، وأحكامه (¬1). وسأكتفي بذكر أجمع التعاريف في بيان معنى الإجماع الأصولي، وهو: اتفاق مجتهدي الأمة، بعد وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في عصر على أيِّ أمر كان (¬2). بيان شرح التعريف ومحترزاته (¬3): [اتفاق] أي: الاشتراك في الرأي أو الاعتقاد، سواء أدلَّ عليه الجميع بأقوالهم جميعا، أم بأفعالهم جميعا، أم يقول البعض وفعل البعض -وهذا يشمل أنواع الإجماع الصريح- أم يقول البعض أو فعله مع سكوت البعض الآخر -وهذا يشمل الإجماع السكوتي- (¬4). [مجتهدي] المجتهد: هو الذي يبذل وُسْعه في طلب الظن بحكم شرعي على وجه يُحِس معه بالعجز من المزيد عليه (¬5). [الأمة] المراد بها: أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- الذين آمنوا به واتبعوه في أي زمان كان. وخرج بهذه الألفاظ السابقة: 1) اتفاق المقلدين والعوام. 2) اتفاق بعض المجتهدين. 3) اتفاق المجتهدين من غير هذه الأمة. فكل هؤلاء لا يعد اتفاقهم إجماعا يحتج به (¬6). ¬
[بعد وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-] وهذا يخرج الاتفاق الذين يكون في حياته؛ فإنه لا عبرة به، يقول الرازي (¬1): [الإجماع إنما ينعقد دليلا بعد وفاة الرسول عليه السلام؛ لأنه ما دام عليه السلام حيا لم ينعقد الإجماع من دونه. . .، ومتى وجد قوله فلا عبرة يقول غيره] (¬2). [في أي عصر] أي: أن الاتفاق يحصل في أي زمن كان، سواء كان في زمان الصحابة، أم في زمن من بعدهم (¬3). والمقصود أن يتفق العلماء كلهم على أمر ثم ينقرض زمانهم ولم يخالف أحد منهم. [على أيِّ أمر كان] وهذا قيد يدخل فيه: 1) الأمر الديني: كأحكام الطهارة، والصلاة، والمعاملات، ونحوها. 2) الأمر الدنيوي: كترتيب الجيوش، والحروب، وتدبير أمور الرعية، ونحوها. 3) الأمر العقلي: كحدوث العالم. 4) الأمر اللغوي: يكون الفاء للترتيب والتعقيب (¬4). وهذه الأمور الثلاثة الأخيرة المراد منها ما له صلة بالحكم الشرعي، وعليه فيكون الإجماع فيها ليس مقصودا لذاتها بل لما يلزم منها (¬5). فلا حاجة لتقييد التعريف بالأمر الديني إذا كان هذا هو المراد. ¬
المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته
المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته • أولًا: مكانة الإجماع: 1) الإجماع حجة قاطعة، ودليل ظاهر من أدلة الشريعة، بل هو ثالث الأدلة المتفق عليها بعد كتاب اللَّه، وسنة النبي عليه السلام، كما دل عليه كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- إلى شريح القاضي (¬1) حين قال له: [اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون] وفي رواية: [فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به] (¬2). وما جاء عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- أنه قال: [من عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب اللَّه، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، فليقض بما قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه] (¬3). وفي هذا رد على ما جاء عن بعض المتأخرين من الرجوع أولا للإجماع، فإن ¬
وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا يخالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وهو رد على الطائفة الأخرى التي تقول بأن الإجماع نفسه ينسخ النص، وهذا كله مخالف لمنهج السلف الصالح (¬1). وهذا مراد منه الإجماع الظني، أما الإجماع القطعي فهو مقدم على غيره من الأدلة؛ لأن غاية ما في الأمر هو تقديم النصوص القطعية الثبوت والدلالة على النصوص الظنية الثبوت أو الدلالة، لا أنه تقديم للإجماع على النص (¬2). 2) والإجماع دليل تبعي وليس استقلاليا، فهو تابع للكتاب والسنة؛ لأن مرده إليهما، فلا بد له من مستند يرجع إليه، سواء عُلم هذا المستند أم لا فإذا ثبت دل على رفع الاحتمال، والتأويل، والتخصيص، والنسخ في النصوص الشرعية، وكان هذا سبيلا من سبل رفع الجهد عن المجتهد في النظر والاستنباط (¬3). 3) والمنكر للإجماع، أو المخالف له بعد علمة به، وقيام الحجة عليه، يعد متبعا لسبيل غير المؤمنين، وفي هذا يقول ابن حزم: [ومن خالفه -أي: الإجماع - بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك، فقد استحق الوعيد المذكور في الآية] (¬4). يقصد ما جاء في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} (¬5). ومن جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وهو: ما يعرفه الخواص والعوام من غير تشكيك: كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا والخمر، فهذا كافر قطعا؛ لأن جحده يستلزم تكذيب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. ومن جحد المجمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص، حتى وإن كان منصوصا عليه: كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف، واستحقاق بنت الابن السدس ¬
ثانيا: حجية الإجماع
مع بنت الصلب، فإنه لا يكفر جاحده (¬1). • ثانيًا: حجية الإجماع: اتفق أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أن الإجماع حجة شرعية، يجب اتباعه، والمصير إليه (¬2). يقول ابن حزم: [اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء الإسلام حجة، وحجة مقطوع به في دين اللَّه عز وجل] (¬3). ويستدل لهذا بعدة أدلة من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: الدليل الأول: قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} (¬4). • وجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: منازعته ومخالفته فيما جاء عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد جعل اللَّه كلا من المشاقة واتباع غير المؤمنين موجبا للعقاب؛ لأنه عطفهما على بعض بالواو المفيدة للتشريك في الحكم، فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما، كما حرمت مشاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذ لو لم يكن محرما لما جمع بين الحرام والمباح في الوعيد، وإذا حرُم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب تجنُّبه باتباع سبيلهم؛ لأنه لا واسطة بينهما, ولزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة (¬5). ¬
• الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (¬1). • وجه الدلالة من الآية من وجهين: الأول: أن اللَّه تبارك وتعالى عَدَّلهم بقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حجة؛ إذ لا معنى لقبول شهادته إلا كون قوله حجة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن إجماع الأمة حجة يجب العمل بمقتضاه وهو المطلوب. الثاني: أنه تعالى جعل شهادتهم حجة على الأمم السابقة في الآخرة، كما جعل شهادة الرسول حجة علينا حينئذ، فيكون قولهم في الأحكام في الدنيا حجة أيضًا، قياسا على قولهم في الآخرة؛ لأنه لا معنى لكون الإجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم (¬2). الدليل الثالث: قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (¬3). • وجه الدلالة من وجهين: الأول: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم جنس دل على استغراق العموم، وعلى ذلك تكون الآية إخبارا من اللَّه عن أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، وصِدْق خبر اللَّه يستلزم أنهم إذا نهوا عن شيء علمنا أنه منكر، وإذا أمروا بشيء علمنا أنه معروف، فكان نهيهم وأمرهم حجة يجب اتباعه. الثاني: أن النهاية في الخيرية الموصوفة بها الأمة تقتضي أن يكون ما أجمعوا عليه حقا؛ لأنه لو لم يكن حقا كان ضلالا؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، والحق ¬
ومن السنة
واجب الاتباع، فيكون إجماعهم على الحق واجبَ الاتباع (¬1). ومن السنة: يستدل على الإجماع من سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بجملة الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة، وبيان فضلها، وتعظيم شأنها، والإخبار بعصمتها عن الخطأ، ومنها (¬2): الدليل الأول: ما جاء في حديث عمر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فمن أراد بحبوحة (¬3) الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد" (¬4). الدليل الثاني: ما جاء في حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- على ضلالة" (¬5). الدليل الثالث: ما جاء في حديث أبي ذر (¬6) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ¬
"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبقة (¬1) الإسلام من عنقه" (¬2). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: قال الشافعي: [إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس -إن شاء اللَّه-] (¬3). وها هنا مسألتان (¬4): المسألة الأولى: أن هذه النصوص أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم وثبتت ¬
العصمة لهم، وبناء عليه فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر؛ لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط (¬1). المسألة الثانية: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة أو عصر من بعدهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر (¬2). ¬
كما لا يصح الاحتجاج لإبطال إجماع غير الصحابة بصعوبةٍ، أو تعذرِ وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة لتفرق المجتهدين في الآفاق وانتشارهم في الأقطار، إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة وتعذر إمكانه. أما حجية الإجماع فأمر آخر، فلا بد من التفريق بين حصول الإجماع وإمكان ¬
وقوعه، وبين حجيته في كل عصر، وليس بين الأمرين تلازم. فالأول محل نظر بين العلماء: إذ منع بعضهم وقوع إجماع بعد عصر الصحابة (¬1)، ونقل البعض الآخر الإجماع في عصر الصحابة وفي عصر من بعدهم. والثاني وهو حجية الإجماع: فلا شك أن الدليل الشرعي قاطع في ثبوت حجية الإجماع مطلقا في كل عصر. * * * ¬
المبحث الثالث: أنواع الإجماع
المبحث الثالث: أنواع الإجماع الإجماع له أنواع متعددة، وأنواعه مختلفة باختلاف اعتباره: • المطلب الأول: أنواع الإجماع باعتبار ذاته: وينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: الإجماع الصريح: هو عبارة عن اتفاق كل مجتهدي الأمة المحمدية في عصر من العصور على حكم شرعي لواقعة، بأن يبدي كل واحد منهم رأيه صراحة، أو يبين بعضهم الحكم قولا، ويفعل البقية على ذلك القول، وهذا حجة قاطعة بلا نزاع كما مر. القسم الثاني: الإجماع السكوتي: هو أن يعمل بعض المجتهدين عملا، أو يبدي رأيا في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب فيها، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء رأيه بالموافقة أو بالمخالفة بعد علمهم سكوتا مجردا عن أمارات الرضا والسخط، مع مضي زمن يكفي للبحث والنظر (¬1). ومثله الإجماع الاستقرائي، وهو: أن يُسْتَقرأ أقوال العلماء في مسألة، فلا يُعْلم خلاف فيها (¬2). وقد اختلف العلماء في هذا النوع من أنواع الإجماع، فأقول: تحرير محل النزاع: أولًا: لا خلاف بين العلماء القائلين بحجية الإجماع في أن الإجماع السكوتي حجة فيما تعم به البلوى، إذا اشتهر الحكم المجمع عليه، وتكرر السكوت من مجتهدي عصر الإجماع؛ لأن السكوت مرة بعد أخرى يحصِّل علما ضروريا ¬
سبب الخلاف بين العلماء
بالرضا بذلك القول، كما أن العادة تحيل السكوت في كل مرة من غير رضا به. ثانيًا: لا خلاف بين العلماء أنه ليس بحجة، إذا حصل السكوت بعد استقرار المذاهب؛ لأن الظاهر أنهم سكتوا اعتمادا على معرفة مذهبهم في تلك المسألة من قبل، مثل أن يسكت الحنفي عن مذهب الشافعي. ثالثًا: إذا كان السكوت من المجتهد مقترنا بما يدل على الرضا بالقول المشتهر، فهو إجماع بلا نزاع، وإن كان مقترنا بما يدل على السخط، فليس بإجماع. رابعًا: محل النزاع فيما إذا كان السكوت في غير ما تعم به البلوى، ولم يكن هناك مانع من إبداء الرأي، وكان السكوت قبل استقرار المذاهب، ومضت مدة تكفي للنظر والتأمل بعد الفتوى أو القضاء، وكانت المسألة اجتهادية تكليفية، وعُلِم أن القول قد بلغ جميع علماء العصر (¬1). سبب الخلاف بين العلماء: سبب الخلاف راجع إلى أن السكوت محتمل للرضا وعدمه، فمن رجح جانب الرضا وجزم به قال: إنه حجة قاطعة، ومن رجح جانب الرضا, ولم يجزم به، قال: إنه حجة ظنية، ومن رجح جانب المخالفة، قال: إنه لا يكون حجة (¬2). الخلاف والأدلة في المسألة: اختلف العلماء في هذا الإجماع على عدة أقوال، أبرزها: القول الأول: أنه حجة وإجماع. وهو قول جماهير العلماء (¬3). واستدلوا على قولهم بعدة أدلة، أهمها: الدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد منهم على رأيه ¬
صراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبدا؛ لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬1) والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعا وحجة. الدليل الثاني: الوقوع: وذلك أن المجتهدين من التابعين إذا حدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكما لها في نص، ووجدوا قولا فيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر وسكت بقية الصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يُجوِّزون العدول عن ذلك القول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه. الدليل الثالث: أنه قد وقع الإجماع على أن السكوت عن رضا معتبر في المسائل الاعتقادية، فيقاس عليها المسائل الاجتهادية؛ لأن الحق في الموضعين واحد (¬2). القول الثاني: أنه ليس بإجماع ولا حجة. وهذا القول نسبه إلى الإمام الشافعي كثير من الشافعية، وهو اختيار الغزالي (¬3) والرازي وابن حزم (¬4). ¬
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: قصة ذي اليدين (¬1) لما قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر -رضي اللَّه عنهما- وقال: "أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟ " (¬2). • وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلا لاكتفى به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، لكنه سأل أبا بكر وعمر، فدل على أن السكوت لا يدل على الرضا. وأجيب عنه: أن الصحابة إنما سكتوا اكتفاء بما قاله ذو اليدين؛ لكونهم مثله في عدم العلم (¬3). الدليل الثاني: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت؛ لأنه لم يجتهد في المسألة، أو اجتهد ولكنه لم يتوصل فيها إلى حكم معين، أو وصل إلى حكم معين لكنه لم يعلنه تقية ومخافة، أو يسكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا، وغيرها من الاحتمالات وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، ولا ينسب له كلام في هذه الحالة ما لم يصرح به، ويعلنه للناس. وأجيب عن هذا الدليل: أنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد رأيه مدة يستطيع من خلالها التفكر في المسألة؛ فإن سكوته يدل على رضاه بذلك الرأي المعلن؛ فيكون حجة وإجماعا. أما هذه الاحتمالات فهي احتمالات عقلية، وليس حقيقية، فليس من عادة العلماء السكوت على قول الحق خشية من سطوة أحد من الناس، وليس هذا ¬
الإجابة والمناقشة
ديدنهم في النوازل التي تنزل. ونوقشت هذه الإجابة: بأن الواقع يرد هذه الإجابة، ويجعل هذه الاحتمالات حقيقة وواردة عند المجتهدين، ولا يمكن إنكارها. القول الثالث: أنه حجة، وليس بإجماع. قال به بعض الشافعية، وهو اختيار الآمدي (¬1) (¬2). ودليل هذا المذهب: أن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة، فيكون قول ذلك المجتهد المعلن مع سكوت الباقين من المجتهدين عن الإنكار حجة يجب العمل به، كخبر الواحد والقياس. وإنما لم نقل: إنه إجماع؛ لأن سكوت الباقين من المجتهدين يحتمل عدة احتمالات قد سبقت في الدليل الثاني للقول الثاني، ومع وجود الاحتمال فإنه يضعف الاستدلال به، وجعله إجماعا. الإجابة والمناقشة: قد سبقت الإجابة عن هذه الاحتمالات ومناقشتها عند إيراد الدليل (¬3). الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلة القائلين به، وضعف أدلة القائلين بالقولين الآخرين ومناقشتها. ¬
المطلب الثاني: أنواع الإجماع باعتبار قوته
تنبيه: المتأمل للإجماعات التي يحكيها العلماء، يجد أن غالبها مردُها إلى هذا النوع من أنواع الإجماع، سوى نزر يسير منها، وهي الإجماعات القطعية التي هي معلومة من الدين بالضرورة، فالعالم إما أن ينقل الإجماع عن عالم آخر، أو ينقله ابتداء، ونعلم أنه لم يستنطق العلماء الذين في زمانه واحدا واحدا، أو يتتبع أقوالهم وإنما غاية ما في الأمر أنه لم يطلع على المخالف في المسألة، ويرى اشتهارها بين العلماء، ولم يعلم أحدا خالف من المتقدمين من العلماء، فيحكيه ابتداء، خاصة إذا علمنا أن الإجماع الذي يذكره الأصوليون بشروطه المعروفة يَصْعب وقوعه، ويقِل حدوثه؛ لصعوبة تحقق الشروط مجتمعة، وهذا يؤدي إلى عدم الاستفادة بأصل الإجماع، ويفتح أبوابا من الشر عظيمة، يقول د. عمر الأشقر: [فَتَح القول بهذا النوع من الإجماع -يقصد الذي يذكره الأصوليون- بابَ شر على المسلمين، فبعض ضعاف النفوس الذين يريدون أن يلبِسوا على المسلمين دينهم، يجادلون وينازعون في قضايا مسلَّمة عند جمهور الأمة، وعندما يُواجهون ويحاورون، يقولون: إن هذه المسائل خلافية، ليس فيها إجماع، اثبتوا لي أن جميع علماء الأمة ذهبت هذا المذهب، أو قالت بهذا القول! ! فإذا لم نستطع إثبات ذلك، جعل هذا الرجل عدم قدرتنا على تلبية طلبه ذريعة لمخالفته ما سار عليه جمهور علماء الأمة، كما هو حادث في هذه الأيام] (¬1). • المطلب الثاني: أنواع الإجماع باعتبار قوته: وهو بهذا الاعتبار على قسمين: القسم الأول: الإجماع القطعي، وهو ما توفرت فيه الشروط التالية: الشرط الأول: أن تتوفر فيه شروط الإجماع كافة، المتفق عليها والمختلف فيها. الشرط الثاني: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن يصرح البعض، ويعمل البعض الآخر على وفق القول المصرح به. الشرط الثالث: أن ينقل إلينا هذا القول وهذا التصريح نقلا متواترا. ¬
فإذا توفرت هذه الشروط مجتمعة أصبح الإجماع قطعيا، وهو لا يكون إلا في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإجماع الصحابة المنقول بالتواتر خاصة (¬1). القسم الثاني: الإجماع الظني، وهو: ما اختل فيه شرط من شروط الإجماع القطعي. ويدخل في هذا النوع صور من مسائل الإجماع التي يذكرها العلماء، منها: الإجماع السكوتي والاستقرائي، الاتفاق بعد الخلاف، الاتفاق دون انقراض العصر، الإجماع الذي يكون مستنده ظنيا، وأشباهها من المسائل التي لا تدخل في القسم الأول (¬2). وعامة الإجماعات ظنية، لا يحكم بقطعيتها، لعدم توفر الشروط فيها. * * * ¬
المبحث الرابع: شروط الإجماع
المبحث الرابع: شروط الإجماع يشترط للإجماع جملة من الشروط أذكر أهمها (¬1): الشرط الأول: أن يكون للإجماع مستند. والمستند هو: الدليل الذي يعتمد عليه المجتهدون فيما أجمعوا عليه، وهذا شرط عند جماهير العلماء، بل قال الآمدي: [اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا على مأخذ ومستند يوجب اجتماعها عليه، خلافًا لطائفة شاذة. . .] (¬2). ويؤيد قول الجمهور عدة أدلة، منها: الدليل الأول: قياس علماء الأمة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكما أنه لا يتكلم إلا بوحي، كما وصفه اللَّه بقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (¬3) فكذلك علماء الأمة -وهم أقل منزلة منه- أولى ألَّا يتكلموا إلا بدليل. الدليل الثاني: أنه لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهذا محال، وما أدى إلى المحال فهو محال، ولا يخفى أن اشتراط الاجتهاد مجمع عليه. الدليل الثالث: أن الإجماع بغير مستند قول في الدين بغير علم، وقد نهى اللَّه سبحانه وتعالى عن ذلك فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} (¬4) (¬5). ¬
الشرط الثاني: أن يكون الإجماع صادرا من جميع مجتهدي العصر
الشرط الثاني: أن يكون الإجماع صادرا من جميع مجتهدي العصر: وهذا يعني أنه إذا خالف واحد أو اثنان فإن اتفاق الباقين غير معتبر. وقد اختلف العلماء في هذا الشرط على قولين، هما (¬1): القول الأول: أنه لا بد من اتفاق الجميع على المسألة، وهذا قول جماهير العلماء (¬2) (¬3). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: الأدلة السابقة التي في حجية الإجماع، وهي دالة على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على الجميع، وليس على الأكثر، ولا يطلق عليه إلا بقرينة. الدليل الثاني: وقوع اتفاق الأكثر في زمن الصحابة مع مخالفة الأقل لهم، فقد سوغوا لهم الاجتهاد بلا نكير، فلو كان اتفاق الأكثر إجماعا يلزم غيرهم أن يأخذوا به لأنكروا عليهم، وبادروا بتخطئتهم، كما وقع في مخالفة ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في بعض مسائل الربا والفرائف، وأما ما يوجد منهم من الإنكار في هذه الصورة فلم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة في المأخذ، ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون منقولا إلى زماننا، بل ربما ظهر أن ما ذهب إليه الأقل هو ¬
المعوَّل عليه فيما بعد، كما وقع في قتال الردة (¬1). القول الثاني: أن مخالفة الواحد والاثنين لا تؤثر في الإجماع. وهذا قول ابن جرير الطبري، وأبي بكر الجصاص (¬2)، وبعض المعتزلة (¬3)، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (¬4). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأمة على مبايعة أبي بكر -رضي اللَّه عنه- بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك، ومن المعلوم أن بعض الصحابة خالف في ذلك، فلو لم يكن اتفاق الأكثر إجماعا لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع. وأجيب عن هذا الدليل: بعدم التسليم بما ذكر، حيث إن خلافة أبي بكر وقعت باتفاق الصحابة، فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم ينكر ذلك، وما نُقل عن تأخر بعضهم إنما كان لعذر خاص، ثم نقل عنه المبايعة صراحة. الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد الإجماع أصلا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه (¬5). الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ وذلك لقوة أدلته، ¬
الشرط الثالث: أن يكون المجمعون عدولا
وضعف أدلة القول الثاني. الشرط الثالث: أن يكون المجمعون عدولًا: والعدالة، هي: ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (¬1). وقد اختلف العلماء في اشتراط هذا الشرط على قولين، بعد اتفاقهم على أن الكافر الأصلي لا عبرة بمخالفته أبدا (¬2): القول الأول: أن العدالة شرط في الإجماع، فلا يقبل قول الفاسق مطلقا. وهو قول الجمهور (¬3). واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: أن الأدلة على حجية الإجماع تتضمن العدالة، خاصة قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (¬4) إذ معنى الوسط هو: العدل. الدليل الثاني: أن غير العدل أوجب اللَّه التوقف في أخباره بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (¬5) واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فيجب التوقف في قوله، وإذا وجب التوقف في قبول إخباره، لم يحكم بقبول خبره (¬6). القول الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين إذا بلغوا درجة الاجتهاد. وهو ¬
الشرط الرابع: أن يسبق الإجماع خلاف مستقر بين العلماء.
مذهب الجويني (¬1)، والإسفراييني، والشيرازي (¬2)، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب الحنبلي (¬3) (¬4). ودليلهم، قالوا: إن أدلة حجية الإجماع عامة، ولم تشترط عدالة المجتهد، فاشتراطها تخصيص بلا دليل. وأجيب عن ذلك: بأن الأدلة قد اشترطت ذلك وإن لم يكن هذا صراحة، ثم هذا الفاسق لا يؤمن عصيانه في الإجماع كما يعصي في غيره (¬5). الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني والإجابة عليها. الشرط الرابع: أن يسبق الإجماع خلاف مستقر بين العلماء. ويدخل في هذا الشرط خلاف العلماء في مسألة اختلاف الصحابة أو الأولين ¬
في مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون أو المتأخرون على أحد قولي الصحابة أو الأولين: القول الأول: أن إجماع المتأخرين إجماع صحيح، وتحرم مخالفته. وهو قول أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأبي بكر القفال (¬1)، وأبي الخطاب من الحنابلة (¬2). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن النصوص الدالة على حجية الإجماع عامة، يدخل فيها أيُّ إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه خلاف أم لا. الدليل الثاني: القياس على اتفاق الصحابة على مسألة بعد اختلافهم فيها: فهذا إجماع صحيح، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما اتفاق بعد اختلاف (¬3). القول الثاني: أنه لا يكون إجماعا صحيحا، وعليه فتجوز مخالفته. قال به الشيرازي، والجويني، والغزالي، والآمدي من الشافعية، وأبو يعلى (¬4) من الحنابلة (¬5). ¬
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} (¬1). • وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إليه عند التنازع، ولو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني، للزم الرد إلى الإجماع، وهذا مخالف لما أوجب اللَّه. وأجيب عنه: أن وجوب الرد إلى اللَّه مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل الإجماع زال هذا الوجوب، ثم إن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا على هذا الحكم المستند إلى الكتاب والسنة. الدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين فإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع. وأجيب عنه: بعدم التسليم على أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان؛ لأن كلا من الفريقين لا يُجَوِّز الأخذ إلا بقوله فقط، دون قول الفريق الآخر (¬2). الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني والإجابة عنها، وكذلك لو قيل بالقول الثاني، لضعفت الإجماعات وندرت، لأن كثيرا من الإجماعات وقعت بعد خلاف سبقها. * * * ¬
المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر
المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر أهل الظاهر: هم أتباع داود بن علي (¬1)، وإليه ينسب المذهب. وقد اختلف العلماء في الاعتداد بقول الظاهرية على أقوال: القول الأول: عدم الاعتداد بقولهم مطلقا. وعلى هذا القول جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين (¬2). قالوا: لأنهم نفوا القياس الذين قَبلته الأمة وأجمعت عليه (¬3)، ومن أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له، ويكون حكمهم كالشيعة في الفروع، فلا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، ولا يلتفت إلى أقوالهم، ولا ندُل مستفتيا عليهم. ثم إن النصوص الشرعية لا تفي بعشر معشار ما يحتاجه الناس، فلو جمد الناس على ظواهر النصوص، لوقع لهم خلل وقصور في معاملاتهم التي يحتاجونها (¬4). وأجيب عن ذلك: أن القول بنفي القياس هو قول أدى إليه اجتهادهم، كما أدى القول عند المثبتين إلى إثباته (¬5). ¬
القول الثاني: الاعتداد بقولهم في الوفاق والخلاف. وهذا قال به القاضي عبد الوهاب (¬1)، والأستاذ أبو منصور البغدادي (¬2)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، كما نسبه إليهم ابن الصلاح (¬3) (¬4). وهؤلاء قالوا: ما اعتددنا بخلافهم؛ لأن مفردات المسائل عندهم حجة، ولكن لأن أقوالهم مثل أقوال غيرهم من العلماء، فيها السائغ، وبعضها القوي، وبعضها ساقط لا يُعتد به، ويلزم من لم يعتد بخلافهم ألَّا يعتد بخلاف من ينفي المرسل، ويمنع العموم، ومن حمل الأمر على غير الوجوب، وغيرها من المسائل الأصولية ولا قائل بهذا، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، ¬
وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي. ويشهد لهذا أيضا ما كان عليه العمل عند المتقدمين الذين أدركوا إمام المذهب أبا سليمان داود بن علي، فإن مذهبه كان مشهورا، بل مما يزيد في شهرته أنه كان في بغداد، حاضرة العالم، ومعقل العلم والعلماء، ولم يُذْكر إنكار العلماء عليه، لا في فتاويه، ولا في دروسه، ولا في تآليفه، وقد عاصره علماء أجلاء، وشيوخ كبار، بل كانوا يذكرونه بالعلم والخير، ولما سُئل الطبري وابن سريج (¬1) عن كتاب ابن قتيبة في الفقه، أين هو عندكم؟ فقالا: [ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد (¬2)، فإذا أردت الفقه: فكتب الشافعي وداود ونظرائهما]. وكذلك العلماء من بعدهم، بل كانوا يتجالسون ويتناظرون فيما بينهم، ويبرز كل واحد منهم حجته، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان، بل أبلغ من ذلك أنهم ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديما وحديثا، وهذا دليل على اعتبار قولهم وخلافهم، وإلا فلا فائدة من ذلك (¬3). القول الثالث: التفصيل: الاعتداد بقوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وقوله: لا ربا إلا في ستة الأصناف المنصوص عليها، فخلافه فيها غير معتد به؛ لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه. وهذا القول اختاره الأبياري (¬4)، وابن الصلاح من ¬
الشافعية (¬1). ويمكن أن يستدل لهم: بأن هؤلاء من علماء الأمة، ولا يمكن الإجماع إلا بقول الجميع دون استثناء أحد منهم، فيؤخذ بقولهم ويعتد به إلا ما كان مبنيا على الأمر الذي خالفوا فيه إجماع العلماء وهو ترك العمل بالقياس، وإلا فليس من العدل والإنصاف أن يطرح قولهم جملة وتفصيلا، ولا يعتد به، لترك القياس، فيترك قولهم الذي كان مبنيا على المخالفة فقط. الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الثالث؛ لسلوكه طريق العدل والإنصاف تجاه هؤلاء العلماء. وقفتان لا بد منهما: الأولى: الذي ظهر للباحث من خلال البحث أن ظاهر صنيع كثير من العلماء الذين يعتنون بنقل الخلاف بين المذاهب أنهم يعتدون بخلاف الظاهرية؛ وذلك لذكر خلافهم في بطون كتبهم، لكن إذا جاءت مسائل الإجماع فإنهم يحكون الإجماع ولا ينظرون إلى خلافهم، ومثلها المسائل التي انفردوا بها وهي من غرائبهم فإنهم لا يذكرونهم أصلا، أو يذكرونهم ويردون عليهم. الثاني: أن مذهبهم كسائر المذاهب التي لم يُعْتنى بها، وأصبحت كالمندثرة، فلم يبق من آثارهم شيء يُعَول عليه، إلا ما ذكره ابن حزم في "المحلى"، وابن حزم أحد أفرادهم لكنه خالفهم في مسائل ليست قليلة، وأقول: لعل من أسباب عدم الاعتداد بقولهم والتهجم على مذهبهم، ما عرف عن ابن حزم من حدة لسانه وتهكمه بالعلماء، فربما كان هذا سببا في هجران أقوالهم وعدم الالتفات إليها، خاصة وأنه لا يعرف القول بعدم الاعتداد بقولهم إلا في زمن ابن حزم، كما يفهم من دليل القول الثاني. ¬
المبحث السادس: القول الشاذ: أحكامه وضوابطه
المبحث السادس: القول الشاذ: أحكامه وضوابطه (¬1) أولًا: تعريفه: • تعريفه في اللغة: هو ما انفرد به عن الجمهور وندر، أو الخارج عن الجماعة، وما خالف القاعدة أو القياس، ومن الناس: خلاف السوي، وكل شيء منفرد فهو شاذ (¬2). • وفي الاصطلاح: التفرد بقول مخالف للحق بلا حجة معتبرة (¬3). ثانيًا: استعمال الفقهاء لهذه اللفظة: هذه اللفظة بهذا المعنى استعملها الفقهاء في أمرين: الأول: الحكم على القول بالشذوذ بالنسبة للمذهب. مثال ذلك: ما قال ابن تيمية: [وفي المذهب خلاف شاذ يشترط الإشهاد على إذنها] (¬4). وهذا القسم ليس عليه الكلام؛ لأنه ربما يكون شاذا في مذهب، معتبرا في مذهب آخر له دليله وحظه من النظر. الثاني: الحكم على القول بالشذوذ بالنسبة لأقوال العلماء عموما، أو بالنسبة إلى الحق والصواب. ¬
ثالثا: ضوابط في معرفة القول الشاذ
مثال ذلك: قال ابن عبد البر: [وروي عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في الجدة أيضا قول شاذ أجمع العلماء على تركه] (¬1). ثالثًا: ضوابط في معرفة القول الشاذ: الأول: أن يكون القول على خلاف النصوص الصريحة الصحيحة. الثاني: أن يكون القول مسبوقا بإجماع. الثالث: أن ينفرد به صاحبه، ولم يتابعه عليه أحد، وضعف مأخذه فيه. الرابع: أن يكون القول لم يجر عليه عمل العلماء وهجروه. الخامس: أن يكون مخالفا لأصول الشريعة وقواعدها العامة. ولا يعرف هذه القواعد أو يحكم بها في الأصل إلا العلماء الذين علا كعبهم، ورسخت أقدامهم، وارتفع شأنهم في العلم. رابعًا: حكاية القول الشاذ: الأصل في حكاية الأقوال الشاذة التي ليس عليها أثارة من علم، والاشتغال بها وبردها، مضيعة للوقت والجهد، وهو من باب التكلف والخوض فيما لا طائل تحته (¬2)، وفيه تسويد للصفحات من غير فائدة. إلا أنه متى اشتهر القول الشاذ، وسارت به الركبان، وتعلق به أهل الأهواء، أو خُشي من ذلك، فإن في ذكره وبيان ضعفه، إسقاط له، وإعذار إلى اللَّه تعالى، كالحديث الموضوع. وهذا هو ظاهر صنيع العلماء في نقلهم للشذوذات التي وقعت، كما أنهم أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليبطلوا ما فيها. يقول الشاطبي (¬3): [فأما المخالف للقطعي، فلا إشكال في اطِّراحه، ولكن ¬
العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا للاعتداد به] (¬1). وعلى هذا متى تبين شذوذ القول، فلا يصح أن يُعَد خلافا في المسألة، ولا يخرق الإجماع المحكي فيها، ولو صدر ممن هو من أهل الاجتهاد، فضلا عن أن يصدر من صاحب هوى، أو متزبب (¬2). يقول الشاطبي: [لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاده، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع، كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل، أو عدم مصادفته فلا، فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها] (¬3). ويقول القرافي: [كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين اللَّه] (¬4). ويقول العز بن عبد السلام (¬5): [والضابط في هذا أن مأخذ المخالفة إن كان في ¬
المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع
غاية الضعف والبعد عن الصواب فلا نظر إليه، ولا التفات عليه، إذا كان ما اعتمد عليه لا يصح نصبه دليلا شرعا، ولا سيما إذا كان مأخذه مما ينقض الحكم بمثله] (¬1). المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع هذا المبحث معقود لبيان جملة من الملاحظات والفوائد والتنبيهات التي سجلها الباحث أثناء رحلته مع البحث، تمثل طريقة العلماء في تعاملهم مع الإجماع، وحكايتهم له، وبيان مناهجهم فيه، فإلى بيانها في النقاط التالية: أولًا: أن مردَّ حكاية الإجماع إلى جملة من العلماء هم الذين اعتنوا به وأكثروا منه، منهم: ابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن قدامة، وابن تيمية، ومن عداهم فالغالب عليهم النقل عنهم. ثانيًا: أن غالب الكتب المذهبية التي تعتني بذكر المذهب، ولا تذكر غيره، لا تنقل الإجماعات المرادة بالمعنى الأصولي، وإذا ذكرت إجماعا فإما أن يكون نقلا عن عالم آخر، أو يراد منه الإجماع المذهبي. ثالثًا: أن ألفاظ الإجماع متفاوتة في استعمالات العلماء، فليست كلها على درجة واحدة، فأعلاها كلمة [أجمع] وما تصرف منها، ثم [اتفق] وما تصرف منها، ثم ما يُذكر من نفي الخلاف في المسألة (¬2). ¬
ويلاحظ أن الكتب المذهبية تستخدم كلمة [اتفاقا] كثيرا، ويقصدون بها الاتفاق المذهبي، وليس الاتفاق المقارن. رابعًا: قد يَنص العالم على مراده بالإجماع وهذا قليل، منهم ابن هبيرة، وقد لا ينص وهم أكثر العلماء (¬1). خامسًا: أما الترمذي: فلم أجد له إجماعا في الأبواب المدروسة في البحث، وما يذكره البعض من أن مراده حين يقول: [العمل على هذا عند أهل العلم] يقصد به الإجماع، فهذا -كما يظهر للباحث- غير صحيح؛ وذلك لعدة قرائن تظافرت تدل على عدم صحة هذا المقصود، سأذكرها مع بعض الأمثلة على سبيل الاختصار، منها: الأولى: أنه يحكي هذه العبارة ثم يحكي بعدها خلاف العلماء، أو ينقلها عن غيره ثم يحكي معها الخلاف، وهذه أقوى القرائن؛ إذ لو أراد بها الإجماع لما حكى الخلاف في المسألة. من أمثلة ذلك: يقول: [والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر ¬
أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق (¬1)، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين] (¬2). وكذلك يقول: [والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب اللَّه، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به، وكرهه بعضهم وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت، قال أحمد بن حنبل: وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه"، فإذا أذن فأرجو أن الإذن في الكل، ولم ير به بأسا إذا أذن له أن يصلي به] (¬3). ويقول أيضا: [على هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه، ويُروى عن إبراهيم النخعي (¬4) أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة] (¬5). ويقول أيضا لما ذكر انصراف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن يمينه وعن يساره بعد انقضاء الصلاة: [وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء: إن شاء عن ¬
يمينه، وإن شاء عن يساره، وقد صح الأمران عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره] (¬1). ومثال الحالة الثانية: ما ذكره حين قال: [اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد: فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذكر عن بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع واختار أن يمشي على تؤدة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي] (¬2). الثانية: أنه يورد هذه العبارة في أحايينَ كثيرة في بعض المسائل الخلافية التي الخلاف فيها ظاهر منتشر، يجزم معه القارئ عدم خفائه على الإمام الترمذي. مثال ذلك: لما أورد حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهض في الصلاة على صدور قدميه". قال بعده: [حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه] (¬3). ويقصد بهذا عدم شرعيةِ جلسة الاستراحة، والخلاف في هذه المسألة سلفي معروف (¬4)، بل الترمذي نفسه ذكر قبل هذا الحديث الذي يدل على شرعية جلسة الاستراحة، ثم قال: [العمل على هذا عند بعض أهل العلم] (¬5). وكذلك لما أورد حديث عبد اللَّه بن زيد (¬6) في صفة الاستسقاء قال بعده: ¬
[حديث عبد اللَّه بن زيد حديث حسن صحيح، وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق] (¬1). والخلاف في المسألة قديم معروف (¬2). وكذلك لما أورد حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في قتل اللائط في البهيمة وقتلها معه، قال: [والعمل على هذا عند أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق] (¬3). والخلاف في المسألة مشهور (¬4). الثالثة: أنه لو كان مراده الإجماع لما حكى الإجماع صراحة في مواضع متفرقة من كتابه، فلما غاير بين الألفاظ دلَّ على اختلاف المراد (¬5). الرابعة: أنه يغاير في استعمال هذه العبارة أحيانا كثيرة فيقول: [عند أكثر أهل العلم] ويقول أيضا: [عند بعض أهل العلم]، مما يتعذر معه حمله على معنى ¬
الإجماع، وهذا أشهر من أن يُمثَّل له. هذه بعض القرائن التي تدل على عدم قصده بهذه العبارة الإجماع في المسألة، ومعرفة معناها يحتاج إلى استقراء تام لجامعه، حتى يعرف المراد، ويفهم على ما أراد. سادسًا: أما الإمامان: الشافعي والطبري؛ فلم أجد لهما من الإجماعات إلا القليل، وقد حكى كل واحد منهما ستة إجماعات، ولم ينقلا أو يَنْقل عنهما أحد شيئًا من الإجماعات. سابعًا: أما ابن المنذر: فهو بحق إمام أهل الإجماع، وعمدة كثير ممن ينقل الاتفاق، وعنه ينقل المتأخرون، وبكلامه يصدرون، فهو ابن بجدتها، ولا ينبئك مثل خبير، يقول ابن تيمية: [عليه اعتماد كثير من المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف. . .] (¬1). ويقول ابن القيم: [وهو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف. . .] (¬2). وقد حكى خمسين إجماعا، منها أربعون مسألة نقلها عنه العلماء، ونقل هو عن غيره مسألتين فقط. غالبا ما يحكي الإجماع باللفظ الصريح في كتابه الإجماع، أما في كتاب الإشراف فيقول في الغالب في نفس المسائل المذكورة في كتاب الإجماع: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم] وهذا من ورعه واحتياطه في ذكر الإجماع. أحيانا إذا قال: [أجمع عوام أهل العلم] فإنه يحكي بعدها الخلاف، فهناك مخالفون لكنهم قلة، كما فعل في مسألة: إجارة الأرض بالذهب والفضة. أحيانا يحكي الإجماع في المسألة، ثم يذكر من خالف فيها من العلماء، كما في مسألة: ملكية ثمر النخل، ومسألة الأخذ بالشفعة للصبي. وهذا ربما يكون راجعا إلى أنه يرى أن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرق الإجماع (¬3). ¬
يغلب على ظن الباحث أنه لم يؤلف كتاب الإجماع استقلالا، وإنما هو مُسْتل من كتاب الإشراف، حتى إنه سار في ترتيب الإجماعات على ما هو مذكور في الإشراف حذو القذة بالقذة. ثامنًا: أما ابن عبد البر: فهو إمام موسوعي، لا يُشَق له غبار في معرفة مواطن الخلاف والإجماع بين العلماء، مشهود له بذلك، حتى عُدت بعض كتبه من نوادر الكتب التي إليها مرد العلم والفقه في الدين (¬1). وقد حكى سبعة وأربعين إجماعا، منها عشرون مسألة نقلها عنه غيره، ولم ينقل عن غيره شيئا. وقد عُرف عنه اهتمامه بحكاية الإجماع ودقة نقله فيه، فهو يُميِّز بين ألفاظ الإجماع، ويُغَاير بينها، إذا لزم الأمر، فإذا قال [أجمعوا على كذا] ليس كما لو قال: [أجمع الفقهاء]، أو [بلا خلاف بين العلماء] ونحوها من العبارات. من غريب ما يذكر أنه وإن كان إماما مبرزا في العلم، إلا أن أزهد الناس في النقل عنه هم علماء مذهبه، فلا تكاد تجدهم ينقلون عنه إلا قليلا، ولذا حاز قصب السبق في النقل عنه أئمة المذاهب الأخرى. ¬
تاسعًا: ابن حزم: لا يخفى -كما مر- أن مذهبه لا يرى الاعتداد بالإجماع إلا بالإجماعات القطعية، أو التي وقعت وانتشرت انتشارا ظاهرا في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بحيث لا يتخلف عن معرفتها أحد من الصحابة (¬1). وقد حكى ثلاثة وخمسين إجماعا، منها ثلاث وثلاثون مسألة نقلها عنه غيره، ولم ينقل عن أحد شيئًا. كل الإجماعات التي حكاها في كتابه مراتب الإجماع، حكاها بلفظ الاتفاق، دون غيرها من سائر الألفاظ، إلا في مسألتين من مسائل السبق، وهما: إخراج السبق من الإمام، وإخراجه من أحد المتسابقَين، فقد حكاهما بنفي العلم في الخلاف. من عادته أنه يُحاج المذاهب الأخرى بإجماعات الصحابة ولا يعتد هو بها. وقد ذكر في خاتمة كتابه المراتب أنه يفرق بين الألفاظ في حكاية الإجماع، فقال: [وليعلم القارئُ لكلامنا، أن بين قولنا لم يجمعوا وبين قولنا لم يتفقوا فرقا عظيما] (¬2) ثم ختم الكتاب ولم يذكر هذا الفرق. ذكر في كتابه مراتب الإجماع [وإنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه ألبتة، الذي يعلم كما يعلم أن صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان، وأن الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأخبر أنه وحي من اللَّه، وأن في خمس من الابل شاة، ونحو ذلك] (¬3). ولم يلتزم شرطه في الكتاب، ولو التزمه لم يبق من كتابه إلا النزر اليسير من المسائل، بل تجده يحكي الاتفاق في مراتب الإجماع، ويخالفه هو في كتابه المحلى، كما في مسألة: اشتراط الخيار ثلاثة أيام بلياليها. أو أحيانا ينقل الخلاف هو في المسألة، كما في مسألة: اشتراط المشتري مال الرقيق. ¬
أحيانا ينقل الصورة الصحيحة في المسألة، فيذكر لها قيودا كثيرة مما يتفق عليها العلماء ويحكي فيه الاتفاق، وربما تكثر قيودها حتى تتجاوز صفحة كاملة (¬1). عاشرًا: أما ابن هبيرة: فقد نص في المقدمة على أنه اقتصر في حكاية الاتفاق على المذاهب الأربعة فقال: [. . . رأيت أن أجعل ما أذكره من إجماع مشيرا به إلى إجماع هؤلاء الأربعة] (¬2). ويظهر أنه مقصوده المشهور في المذاهب، ولذا كثرت مخالفته لروايات مذهبه المذهب الحنبلي، كما في: مسألة العتق في زمن الخيار، والسلم في المكيلات والموزونات، وحمل الثمن على غالب نقد البلد، وبيع أمهات الأولاد، وشراء المصحف، وخيار المجلس في العقود الجائزة. وقد حكى تسعة وستين إجماعا، منها خمس وعشرون مسألة، نقلها عنه العلماء، ولم ينقل عن غيره إجماعا. كثيرا ما يحكي الاتفاق في المنهيات بلفظ الكراهة لا التحريم، وأحيانا لا يكون أحد من أهل العلم يقول بالكراهة، كما في مسألة: البيع بعد النداء يوم الجمعة، وبيع العنب ممن يتخذه خمرا، وبيع عسب الفحل. وربما يتبعها بلفظة تدل على التحريم، فيقول: [اتفقوا على كراهة التسعير للناس، وأنه لا يجوز]. فإما أن يكون مقصوده الكراهة التحريمية، أو يكون من باب الاحتياط في حكاية الإجماع. الحادي عشر: أما ابن قدامة: إمام حنبلي بارز، مغنيه أغنى عن كثير من الكتب، وقد حكى مائة وواحد وأربعين إجماعا، منها تسع وثلاثون مسألة نقلها عنه العلماء، ونقل تسعا وعشرين ¬
مسألة عن غيره. لا يجزم بحكاية الإجماع إلا في المسائل الظاهرة المشتهرة، أو التي ينقلها عن غيره، وفي الغالب ينقل عن ابن المنذر. ما عدا ذلك فإنه ينفي علمه بالخلاف، اتباعا لسنة إمامه الإمام أحمد كما سبق ذكر ذلك عنه. والحنابلة مرد إجماعاتهم التي ينقلونها -في الغالب- إليه، فمثلا شمس الدين ابن قدامة، وابن مفلح، والبهوتي، والقاسم، وغيرهم لا يتعدون ما يذكره ابن قدامة. أما شمس الدين ابن قدامة، فلا يخفى أنه نقل كتاب المغني على كتاب المقنع ولم يُضفْ إليه إلا القليل، لكنه نقل إجماعات لم ينقلها الموفق أبو محمد في مغنيه انظر على سبيل المثال: (11/ 34، 49، 130، 175، 289، 375) وكذا (14/ 193، 266، 312). وكذلك لم ينقل إجماعا ذكره الموفق في مغنيه كما في مسألة: استئجار الأرض التي ماء دائم للزرع والغرس (¬1). كثير من الحنابلة ينقل عن شمس الدين؛ لأنه رتب كتابه على ترتيب متأخري الحنابلة فسَهُلَ الرجوع إليه أكثر من الكتاب الأم وهو المغني. الثاني عشر: أما النووي: فهو إمام الشافعية في زمانه، وله أثر على المذهب لا ينكر، وقد حكى اثنين وسبعين إجماعا، منها عشر مسائل نقلت عنه، وإحدى عشرة مسألة نقلها عن غيره. ومن الملاحظ أنه إذا حكى الإجماع بلفظ الإجماع ففي الغالب يقصد به الإجماع الأصولي. ¬
أما إذا حكاه بلفظ نفي الخلاف، ففي الغالب يقصد به الإجماع المذهبي، ولذا كثيرا ما يسبقها بلفظ: [قال أصحابنا] أو [عندنا]، وهذا هو الأكثر عنده في كتاب المجموع فهو مليء بالإجماعات المذهبية، بل لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب منه. ونادرا ما يحكي الإجماع بلفظ الاتفاق، فلم ترد في القسم الذي بحثه الباحث إلا في موضعين، انظرها في المجموع (9/ 287، 466). الثالث عشر: أما القرافي: فقد حكى ثلاثة عشر إجماعا، منها مسألة واحدة نقلها عن غيره، ولم ينقل أحد من العلماء عنه. وهو ينفي الخلاف في المسائل كثيرا، وإذا نفاه بهذا اللفظ فمقصوده الخلاف المذهبي. إذا حكى الإجماع بهذا اللفظ فهو في الغالب يقصد منه الإجماع بالمعنى الأصولي. كثيرا ما يحكي الإجماع في القواعد الفقهية والأصولية في كتاب الذخيرة (¬1). الرابع عشر: أما ابن تيمية: فهو عالم نحرير، وجهبذ خبير، لم يُر مثله في زمانه، كما شهد بذلك القاصي والداني، كان له اطلاع واسع على الخلاف في زمن قلَّ فيه معرفة الخلاف، ولذا اتهم بمخالفة الإجماع في جملة من المسائل. وله اهتمام واسع بنقل الإجماع، ولذا استقل بنقل جملة منها، فقد حكى ستة وشين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلت عنه، وأربع استفادها من غيره، وفي الغالب يذكر الإجماعات في معرض المحاجَّة والمناقشة لأقوال المخالفين لمذهبه الذي يرجحه. ولوفرة علمه فقد انتقد جملة من الإجماعات المحكية في المسائل. الخامس عشر: الإجماعات التي يحكيها علماء الحنفية هي أكثر الإجماعات ¬
بالنسبة للمذاهب الأخرى، لكن لا يفرح بها كثيرا؛ لأنهم غالبا ما يريدون بها الإجماع المذهبي لا الإجماع بالمعنى الأصولي، وقد درس الباحث في بحثه الإجماعات التي حكاها: الكاساني، والعيني، وابن الهمام، وابن نجيم. أما الكاساني: فقد حكى أربعة وأربعين إجماعا، نُقلت عنه مسألتان، ولم ينقل عن غيره مسألة واحدة. أما العيني: فقد حكى أربعة وتسعين إجماعا، منها ثماني عشر نقلها عن غيره، ولم ينقل أحد عنه. أما ابن الهمام: فقد حكى سبعة وخمسين إجماعا، منها تسع مسائل نقلت عنه، وواحدة نقلها هو عن غيره. أما ابن نجيم: فقد حكى ثمانية وعشرين إجماعا، منها خمس مسائل نقلت عنه، ونقل هو خمس مثلها عن العلماء. وهم غالبا ما يوردون الإجماع بلفظه الصريح، وهذا الذي جعل إجماعاتهم أقل الإجماعات أهمية من بين سائر المذاهب، فلذا لم ينقل الإجماع عنهم أحد من المذاهب الأخرى، ولم ينقلوا هم عن غيرهم إلا القليل. وأوثقهم في حكاية الإجماع ابن الهمام والعيني، وما يورده الأول بصيغة الاتفاق فيقصد به غالبا علماء المذهب، وقد جاء هذا ظاهرا في مسألة: الزيادة المتصلة وأثرها في رد العين المعيبة، فقد ذكر الاتفاق، ثم ذكر خلاف المذاهب. السادس عشر: أما ابن العربي: فهو من علماء المالكية، وخرج عن مذهبه في مسائل كثيرة، وقد حكى تسعة عشر إجماعا، منها ست نقلت عنه، ولم ينقل عن غيره شيئا. السابع عشر: أما القرطبي: فقد حكى تسعة وعشرين إجماعا، نقل منها أربع عشرة مسألة، ولم يَنقل عنه أحد من العلماء، ولعل سبب ذلك أن كتابه كتاب تفسير وليس كتاب فقه؛ ولذا لم يَنقل عنه أحد. الثامن عشر: أما البغوي وابن حجر والشربيني:
فهؤلاء من علماء الشافعية، ولم يكن لهم إلا إجماعات قليلة. أما البغوي فقد حكى ستة إجماعات، نقل العلماء عنه إجماعا واحدا، ولم ينقل هو عن أحد شيئا. أما ابن حجر فقد حكى ثلاثة وثلاثين إجماعا، منها ثلاث عشرة مسألة نقلها عن غيره، ونُقِل عنه عشر مسائل. أما الشربيني: فقد حكى تسعة وعشرين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلها عن غيره، ولم يَنقل عنه أحد من العلماء. التاسع عشر: أما الصنعاني والشوكاني: فقد استفادا كثيرا من ابن حجر في كتابه فتح الباري، فربما نقلا عنه شرح أحاديث بأكملها، ولذا فهما لم ينفردا بذكر إجماعات إلا شيئا يسيرا، وإن لم يذكرا ذلك. أما الصنعاني: فقد حكى سبعة وعشرين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلها عن غيره. أما الشوكاني: فقد حكى سبعة وثلاثين إجماعا، منها إحدى وعشرون مسألة نقلها عن غيره، ونُقِلت عنه مسألة واحدة. والشوكاني مذهبه في الإجماع أنه لا يعتد به إلا على سبيل الاعتضاد لا الاعتماد (¬1)، ولذا فهو ناقل للإجماع، وليس موردا له ابتداء، وقد نقل إجماعات كثيرة عن علماء مذهب بلده، وهم الزيدية (¬2) (¬3). ¬
العشرون: أما عبد الرحمن القاسم: فقد حاول أن يحوي في حاشيته إجماعات من سبقه، فهو ينقل عن الأئمة، وغالبا ينسب ذلك لهم، وقد لا ينسبه أحيانا، وعلى كثرة الإجماعات التي حكاها إلا أنه نادرا ما ينفرد بذكر إجماع. وقد حكى أربعة عشر ومائة إجماع، منها أربعة وسبعون نقلها عن غيره. * * * ¬
التمهيد
التمهيد من عوائد أهل العلم تقسيم الفقه إلى عدة أبواب، وهي: العبادات، والمعاملات، والنكاح، والحدود والجنايات، والقضاء. ويختلف ترتيبهم لهذه الأبواب مع اتفاقهم على تقديم الأول وهو العبادات. ومثله ترتيبهم للفصول داخل هذه الأبواب، ولكل وجهة هو موليها في الترتيب بحسب اجتهاده، وفي داخل كل مذهب اختلاف أيضًا في التقديم والتأخير في بعض الفصول الفقهية، وفي كل زمن يجتهد علماؤه في الترتيب الذي يرون أنه أوفق في جمع الأبواب المتشابهة والمتماثلة، فترتيب المتأخرين يختلف عن المتقدمين، وهذا الاهتمام من العلماء وإن كان في الأمور الشكلية إلا أن له أثرا على الأمور الجوهرية، فلا تتم الاستفادة من المسائل الفقهية حقا إلا إذا كانت مرتبة ترتيبا سهل المأخذ، قريب المنزع، موافقا للمنطق، متصورا في الذهن، متفقا مع العقل. وفي زماننا حدث ما حدث في الأزمنة السابقة خاصة مع ظهور فقه النظريات. وتظهر المباينة -لمن سبق- في التقسيم جلية في فقه المعاملات على وجه الخصوص، على أنك لا تكاد تجد تقسيما ينتظم جميع الأبواب المتشابهة ويسلم من النقد. والذي سار عليه الباحث في التقسيم بعد إقرار القسم له، هو تقسيم فقه المعاملات إلى عدة أقسام: الأول: عقود المعاوضات: ويندرج تحتها الأبواب التالية: البيع والإجارة والمساقاة والمزارعة والجعالة والصلح والمسابقة والشفعة. الثاني: عقود الإرفاق والاستيثاق: ويندرج تحتها الأبواب التالية: القرض والدين والحوالة والضمان والرهن. الثالث: عقود الاستحفاظ: ويندرج تحتها الأبواب التالية: العارية والوديعة
الرابع: عقود الشركة والاطلاقات
واللقطة. الرابع: عقود الشركة والاطلاقات: ويندرج تحتها الأبواب التالية: الشركة والوكالة والولاية والوصاية. الخامس: عقود التبرعات: ويندرج تحتها الأبواب التالية: الوصية والوقف والهبة. السادس: عقود المحرمات المالية: ويندرج تحتها الأبواب التالية: الربا والغصب وأكل المال بالباطل. السابع: عقود متفرقة: ويندرج تحتها الأبواب التالية: الحجر والقسمة. وكان من نصيب الباحث القسم الأول وهو عقود المعاوضات المالية، وأُدرج معها أسباب التملك والكسب المتضمنة لأحكام إحياء الموات؛ لأنه لا ينتظمها قسم من الأقسام السابقة، ومن المناسب جعله فاتحة المعاملات؛ إذ هو تحصيل للمال بسبب مباح، فكان سابقا للمعاوضات التي بين طرفين. * * *
الباب الأول: مسائل الإجماع في أسباب التملك والكسب
الباب الأول: مسائل الإجماع في أسباب التملك والكسب 1] مشروعية إحياء الموات: • المراد بالمسألة: الإحياء: من الحياة وهو: ضد الموت، وأحياه جعل الشيء حيا (¬1). الموات: من الموت، وأصل الكلمة وهو الميم والواو والتاء يدل على ذهاب القوة من الشيء (¬2)، والموات والمَوَتان، هو: كل أرض ليس لها مالك، ولا بها ماء، ولا عمارة، ولا ينتفع بها إلا أن يُجرى إليها ماء، أو تُستنبط فيها عين، أو يحفر لها بئر (¬3). وإحياء الموات في اصطلاح الفقهاء، هو: التسبب للحياة النامية في الأرض التي ليس لها مالك. ببناء، أو غرس، أو حرث، أو سقي، أو نحو ذلك (¬4). وهو بهذا المعنى مشروع بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العمراني (¬5) (558 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز إحياء الموات ¬
والتملك به] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [عامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه] (¬2). نقله عنه البهوتي (¬3)، والرحيباني (¬4) (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (¬6) (682 هـ) يقول: [عامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه] (¬7). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (¬8). ¬
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (¬1) (كان حيا: 780 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن الأرض الميتة يجوز إحياؤها] (¬2). • الأسيوطي (¬3) (880 هـ) يقول: [اتفق العلماء -رضي اللَّه عنهم- على أن الأرض الميتة يجوز إحياؤها] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (¬5) (884 هـ) يقول: [والأصل في جوازه قبل الإجماع. . .] (¬6). • زكريا الأنصاري (¬7) (926 هـ) يقول: [الأصل فيه -أي: إحياء الموات- قبل الإجماع. . .] (¬8). ¬
• ابن حجر الهيتمي (¬1) (974 هـ) يقول: [وأجمعوا عليه في الجملة] (¬2). • الشربيني (977 هـ) يقول: [الأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬3). • الرملي (¬4) (1004 هـ) يقول: [وأجمعوا عليه في الجملة] (¬5). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [عامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه] (¬6). ويقول أيضًا: [الأصل فيه السنة والإجماع في الجملة] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬8). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أعمر أرضا ليست لأحد ¬
2] تحريم إحياء الأرض المملوكة لمعين
فهو أحق" (¬1). الثاني: عن سعيد بن زيد (¬2) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" (¬3). الثالث: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر" (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. 2] تحريم إحياء الأرض المملوكة لمعين: • المراد بالمسألة: إذا كانت الأرض مملوكة لشخص معين، وكان ملك الشخص لها عن طريق الشراء أو الهبة أو نحوها من طرق التملك، عدا الإحياء، فإنه لا يجوز إحياؤها، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن ما عرف ملكا لمالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه وملكه لأحد غير أربابه] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة، والمرداوي (¬2)، وعبد الرحمن القاسم (¬3). • العمراني (558 هـ) يقول: [موات قد كان جرى الملك عليه لمسلم ثم مات، أو غاب وخربت الأرض، وصارت كالموات، فإن كان المالك لها معروفا، فهذا لا يجوز إحياؤه، بلا خلاف] (¬4). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ما جرى عليه ملك مالك، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما له مالك معين، وهو ضربان: أحدهما: ما مُلك بشراء أو عطية، فهذا لا يملك بالإحياء، بغير خلاف] (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ما جرى عليه ملك، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما له مالك معين، وهو ضربان: أحدهما: ما ملك بشراء أو عطية، فهذا لا يملك بالإحياء، بغير خلاف] (¬6). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [فإن علم أنه جرى عليه ملك بشراء أو عطية، فلا، بغير خلاف نعلمه] (¬7). ¬
3] جواز إحياء الأرض غير المملوكة
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل شرط الإحياء عدم ملكية الأرض لأحد، فإذا كانت مملوكة لأحد فلا يصح الإحياء. الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه، خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (¬3). • وجه الدلالة: أن من أحيا أرضا وهي مملوكة، فإن إحياءه يعد اعتداء على حق الغير، يتعرض به العبد إلى العقوبة من اللَّه (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] جواز إحياء الأرض غير المملوكة: • المراد بالمسألة: من شروط إحياء الأرض الموات أن تكون الأرض غير مملوكة لأحد، فإذا كانت غير مملوكة، ولم يوجد فيها أثر ملك كعمارة أو زرع ونحوهما، صح إحياؤها بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز إحياء الأرض الميتة العاديَّة] (¬5). . . . . . ¬
نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [جملته أن الموات قسمان: أحدهما: ما لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، هذا يملك بالإحياء، بغير خلاف بين القائلين بالإحياء (¬2)] (¬3). نقله عنه البهوتي، والرحيباني، وابن ضويان (¬4) (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وجملة ذلك: أن الموات قسمان: أحدهما: ما لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء، بغير خلاف بين القائلين بالإحياء] (¬6). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (¬7). • المرداوي (885 هـ) يقول: [إن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، ملك بالإحياء بلا خلاف] (¬8). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [أن يكون من الموات التي لا يختص بها أحد، وهذا أمر متفق عليه] (¬9). ¬
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(فمن أحياها) أي: الأرض الموات ملكها) بإجماع العلماء القائلين بملك الأرض الموات بالإحياء] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" (¬3). • وجه الدلالة: أن الأرض الميتة إنما سميت ميتة لعدم الملك والإحياء لها. الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العباد عباد اللَّه، والبلاد بلاد اللَّه، فمن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له، وليس لعرق ظالم حق" (¬4). الثالث: عن طاوس (¬5) قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عاديُّ الأرض للَّه ولرسوله، ثم لكم من بعد، فمن أحيا شيئًا من موتان الأرض فله رقبتها" (¬6). ¬
4] ليس لمن استعان بهم المحيي نصيب في ملك الأرض
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] ليس لمن استعان بهم المحيي نصيب في ملك الأرض: • المراد بالمسألة: من يريد إحياء أرض موات، واستعان بمن يعينه على إحيائها، سواء كانت الإعانة بأجرة أم لا، وسواء كان المعينون له من خَدَمه أو قومًا متعاونين معه وكان من نيتهم إعانته على الإحياء، فإن الرجل ينفرد بملك الأرض المحياة، دون من كان معه، وليس لهم حق في الأرض، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من استعمل في إحياء الأرض أُجراء، أو رقيقه، أو قوما استعانهم، فأعانوه طوعا، ونيتهم إعانته، والعمل له، أن تلك الأرض له لا للعاملين فيها] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2) (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
5] تحريم إحياء أو إقطاع الأرض التي فيها مصالح أهل القرية
الأول: من المعلوم بالضرورة أن الواحد لا يستطيع أن يقوم بالإحياء بنفسه، بل لا بد من أحد يعينه على عمله؛ وذلك لوجود المشقة، خاصة في زماننا هذا ومع تطور العلم وتغير الأحوال، ومع هذه الضرورة لم يذكر الشارع فيها شيئًا، فدل على أنه لو استأجر أحدا فليس للأجير من الملك شيء، ومن باب أولى كذلك من أعانه من غير أجرة. الثاني: أن الشارع لم يجعل من شروط الإحياء أن يقوم بالإحياء بنفسه، فسكوته دليل على بقاء الأمر على الأصل وهو الإباحة. الثالث: القياس على الوكيل في الوكالة: فكما أنه يُنَفِّذ ما وكله به المُوَكِّل، وليس له حق في المشاركة في الحق الذي وُكِّل عليه، فكذلك المعينون للمحي في إحياء الموات.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 5] تحريم إحياء أو إقطاع الأرض التي فيها مصالح أهل القرية: • المراد بالمسألة: الأرض التي تكون مجاورة للقرية، ولأهلها منافع بها، كأن تكون مرعى لماشيتهم، ومحتطبا لهم، أو يكون فيها طرقهم، أو إليها مسيل مائهم، وما أشبه ذلك، فهذه لا يجوز إحياؤها، ولا يجوز للإمام إقطاعها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لا يجوز له إقطاع. . .، مسارح القوم التي لا غنى لهم عنها لإبلهم ومواشيهم] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الأرض إذا كانت أرض ملح، أو ما فيه للمسلمين منفعة، فلا يجوز للمسلم أن ينفرد بها] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ما تعلق بمصالح القرية: كفنائها، ومرعى ماشيتها، ومحتطبها، وطرقها، ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء، ولا نعلم فيه ¬
أيضًا خلافا بين أهل العلم] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ما تعلق بمصالح القرية، كفنائها، ومرعى ماشيتها، ومحتطبها، وطرقها، ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء، لا نعلم فيه أيضًا خلافا بين أهل العلم] (¬3). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه: كطرقه، وفنائه، ومسيل مائه، ومرعاه، ومحتطبه، وحريمه، لم يملك بالإحياء بغير خلاف نعلمه] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عمرو بن عوف (¬7) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحيا مواتا من الأرض في غير حق مسلم فهو له، وليس لعرق ظالم حق" (¬8). • وجه الدلالة: أن الحديث قيد جواز الإحياء في غير حق مسلم، فدل مفهومه أن ¬
ما كان في حق مسلم فلا يجوز فيه الإحياء، فيدخل فيه ما قارب العمران، وما تعلقت به مصالح القرية (¬1). الثاني: عن قيلة بنت مخرمة (¬2) -رضي اللَّه عنها- قالت: قدمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: فتقدم صاحبي -تعني: حريث بن حسان (¬3) وافد بكر بن وائل (¬4) - فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول اللَّه، اكتب بيننا وبين بني تميم (¬5) بالدهناء (¬6) أن لا يجاوزها إلينا منهم أحد إلا مسافر أو مجاور، فقال: "اكتب له يا كلام بالدهناء" فلما رأيته قد أمر له بها، شَخَص (¬7) بي وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول اللَّه، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك، إنما هي هذه الدهناء ¬
6] تحريم إحياء وإقطاع أراضي المعادن الظاهرة
عندك: مُقَيَّدُ الجمل (¬1)، ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال: "أمسك يا غلام! صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتَّان (¬2) " (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما علم أن الأرض التي أقطعه إياها فيها منافع أهل القرية ومصالحهم رد ذلك، ولم يُمْضه له. الثالث: أن ما قارب العمران وتعلقت به مصالح القرية، يكون من مصلحة ذات المملوك، ولذا فإنه يعطى حكمه (¬4)، وذلك جريا على القاعدة: أن ما قارب الشيء فإنه يأخذ حكمه (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. 6] تحريم إحياء وإقطاع أراضي المعادن الظاهرة: • المراد بالمسألة: الإقطاع في اللغة: مصدر أقطعه إذا ملَّكه، أو أذن له في التصرف بالشيء (¬6). وفي اصطلاح الفقهاء: تسويغ الإمام من مال اللَّه شيئًا لمن يراه أهلا لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو: أن يخرج منها شيئًا لمن يحوزه، إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته مدة (¬7). ¬
المعادن الظاهرة هي: ما كان جوهرها المستودع فيها بارزا، والمؤونة إنما تكون في تحصيلها (¬1). والمقصود هنا: أن المعادن الظاهرة: كالملح، والماء، والكبريت، والقِير (¬2)، والمومياء (¬3)، والنِفط (¬4)، والكحل، والبِرام (¬5)، والياقوت، ومقاطع الطين، ونحوها، لا يجوز تملكها بالإحياء، ولا يجوز للإمام إقطاعها، ولا يحق لأحد من الناس تحجيرها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على الأرض إذا كانت أرض ملح. . .، فلا يجوز للمسلم أن ينفرد بها] (¬6). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [المعادن الظاهرة. . .، ينتابها الناس، وينتفعون بها: كالملح، والماء، والكبريت، والقير، والمومياء، والنفط، والكحل، ¬
والبرام، والياقوت، ومقاطع الطين، وأشباه ذلك، لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس، ولا احتجازها دون المسلمين. . .، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [المعادن الظاهرة. . .، ينتابها الناس، وينتفعون بها: كالملح، والماء، والكبريت، والقِير، والمومياء، والنِّفط، والكحل، والبرام، والياقوت، ومقاطع الطين، وأشباه ذلك، لا يملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعه لأحد من الناس، ولا احتجازه دون المسلمين. . .، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(لا يجوز للإمام أن يقطع ما لا غنى بالمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها) ولا نعلم فيه خلافا] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ولا تملك المعادن الظاهرة كالملح والقار. . .، والنفط. . .، والكحل والجص بالإحياء. . .، وليس للإمام إقطاعه، بغير خلاف علمناه] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبيض بن حمَّال (¬7) -رضي اللَّه عنه- أنه وفد إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاستقطعه الملح الذي ¬
بمأرب (¬1)، فقطعه له، فلما ولَّى، قال رجل في المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدّ (¬2)، قال: فانتزعه منه (¬3). الثاني: أن هذه المعادن تتعلق بها مصالح المسلمين العامة، فلم يجز إحياؤها، ولا إقطاعها، كمشارع الماء، وطرقات المسلمين (¬4). الثالث: قال ابن عقيل (¬5): [هذا من مواد اللَّه الكريم، وفيض جوده الذي لا غناء عنه، فلو ملكه أحد بالاحتجاز، ملك منعه، فضاق على الناس، فإن أخذ العوض عنه أغلاه، فخرج عن الموضع الذي وضعه اللَّه من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة] (¬6).Rالإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
7] الغرس والزرع في إحياء الأرض الموات
7] الغرس والزرع في إحياء الأرض الموات: • المراد بالمسألة: إذا جاء شخص إلى أرض موات وأراد إحياءها، فغرس فيها غرسا، أو زرع فيها زرعا، فإن فعله هذا يعد أبلغ علامة على الإحياء، فيحكم له بملك الأرض، بلا خلاف بين العلماء (¬1). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [فإن غرسها -أي: الأرض التي يراد إحياؤها- أو زرعها، فهو أبلغ في إحيائها، وهو ما لا خلاف فيه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على إحاطة الحائط على الأرض: فكما أن هذه علامة شرعية قد جاءت بها السنة، كما في حديث سمرة بن جندب (¬4) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحاط حائطا على أرض فهي له" (¬5). فكذلك الغرس والزرع، بل هما من ¬
8] جواز التصرف في النصيب الذي يؤخذ من النهر غير المملوك
باب أولى؛ لتحقق معنى الإحياء فيهما أكثر من بناء الحائط. الثاني: أن من شروط ملك الأرض إحياءها، والإحياء لا بد له من علامة يعرف بها، وأبلغ علامة ظاهرة في معرفته هي الزرع والغرس في الأرض.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] جواز التصرف في النصيب الذي يؤخذ من النهر غير المملوك: • المراد بالمسألة: إذا كان ثمة نهر صغير غير مملوك لأحد، ووضع عليه دولابا يغرف منه، فإنه يجوز له أن يسقي بنصيبه أيَّ أرض شاء، سواء كانت هذه الأرض لها رسم في الشرب أو ليس لها رسم، ما لم يضق الماء على من كان له رسم في هذا الشرب، كل هذا لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك، جاز أن يسقي بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشِّرب منه، بغير خلاف نعلمه] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وإن كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك، جاز أن يسقي بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشرب منه، بغير خلاف نعلمه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). ¬
9] حريم البئر والعين في الأرض الموات
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا الماء لما كان صاحبه قد استحق الانتفاع منه، كان له التصرف فيه بما شاء، سواء استفاد هو منه، أو أفاده لغيره، كما لو انفرد به من أصله (¬1). الثاني: القياس على من حاز الماء إلى رحله أو إنائه، فله حق التصرف فيه بما شاء، فكذلك الماء الذي غرفه بدولابه له حق التصرف فيه بما شاء.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] حريم البئر والعين في الأرض الموات: • المراد بالمسألة: حريم الشيء هي: حقوقه ومرافقه التي حوله وأطرافه، وتسميته بالحريم؛ لأن التصرف به والانتفاع منه لغير مالكه حرام وممنوع (¬2). والمقصود هنا: أن المحيي للبئر والعين يملكهما مع حريمهما المحيطة بهما، فإذا ملكهما فلا يحق لأحد الاعتداء على ملكه ولا على حريمه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) يقول: [لا خلاف في أن من حفر بئرا في أرض الموات، يكون لها حريم، حتى لو أراد أحد أن يحفر في حريمه، له أن يمنعه. . .، وكذلك العين لها حريم بالإجماع] (¬3). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن مغفل (¬2) -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا (¬3) لماشيته" (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حريم البئر البدي (¬5) خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية (¬6) خمسون ذراعا، وحريم العين السائحة (¬7) ثلاثمائة ذراع، وحريم عين الزرع ستمائة ذراع" (¬8). ¬
10] منع الإمام من التصرف في الأرض المحياة التي ليس فيها معادن
• وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل لكل بئر حريما محددة بحسب الحاجة، فدل على أن أصل الحريم مشروع، وإن اختلفت الأحاديث في التحديد.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] منع الإمام من التصرف في الأرض المحياة التي ليس فيها معادن: • المراد بالمسألة: من شروط الإحياء: أن تكون الأرض مواتا لا يملكها أحد من الناس، فإذا أحيا الأرض شخص، وليس فيها معادن، فإنها تكون ملكه، ولا يجوز للإمام أن ينتزعها منه، ولا كذلك أن يقطعها شخص آخر، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من ملك أرضا محياة ليست معدنا، فليس للإمام أن ينتزعها منه، ولا أن يُقطعها غيره] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سعيد بن زيد -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضا ميتة ¬
11] منع تحجير الأرض بغير إقطاع الإمام
فهي له" (¬1). • وجه الدلالة: هذا الحديث وما جاء في معناه، يدل دلالة صريحة على أن المحيي يملك الأرض بالإحياء، فإذا ملكها لم يكن لأحد أن يعتدي عليها لا الإمام ولا غيره. الثاني: أن أموال الناس معصومة، وحقوقهم محفوظة، لا يجوز الاعتداء عليها بغير حق، ولا يحل منها شيء إلا ما طابت به أنفسهم، وهذا الحكم يستوي فيه الحكام وغيرهم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 11] منع تحجير الأرض بغير إقطاع الإمام: • المراد بالمسألة: التحجير في اللغة مشتق من الحجر وهو: المنع (¬2). وسمي التحجير بذلك؛ لأنه إذا عَلَّم في موضع الموات علامة، فكأنه منع من إحياء ذلك فسمي فِعْله تحجيرا (¬3). وفي الاصطلاح هو: ضرب حدود حول ما يريد إحياءه (¬4). وقيل: معناه أعم من ذلك وهو: الشروع في إحياء الأرض الموات، مثل: أن يدير حول الأرض ترابا أو أحجارا، أو يحيطها بجدار صغير، أو يحفر بئرا لم يصل إلى مائها، أو يسقي شجرا مباحا، ويصلحه ولم يركبه (¬5). والمقصود هنا: أنه إذا حجَّر شخص أرضا، والإمام لم يقطعه إياها، وهو لا يريد إحياءها، فإن تصرفه هذا لا يجوز باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أنه لا يجوز لأحد أن يتحجر أرضا بغير ¬
12] منع إقطاع الإمام المرافق العامة
إقطاع الإمام، فيمنعها -أي: المحجر- ممن يحييها -أي: ممن يريد إحياءها- ولا يحييها هو] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: ما جاء عن عمر -رضي اللَّه عنه- "أنه جعل التحجير ثلاث سنوات، فإن تركها حتى تمضي ثلاث سنين، فأحياها غيره، فهو أحق بها" (¬4). • وجه الدلالة: أن التعرض لأموال الناس بغير حق، أمر منكر وباطل، وعمر أجاز للغير أن يتعرض للمتحجر إذا لم يحي الأرض، فدل على أن تحجُّره غير صحيح، بل باطل لا حرمة له. فهذا رأي الفاروق عمر -رضي اللَّه عنه- في قضاء عام، يعد مظنة للانتشار والاشتهار، ولم يعلم إنكار أحد من الصحابة عليه. الثاني: أن المقصود من الإحياء هو عمارة الأرض والاستفادة منها، فإذا لم يتحقق المقصود فإنه يمنع من العمل، فالذي يتحجر الأرض وهو لا يريد الإحياء قد منع غيره من الاستفادة من الأرض.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 12] منع إقطاع الإمام المرافق العامة: • المراد بالمسألة: المرافق: واحدها مَرفق، بفتح الميم، وكسر الفاء وفتحها (¬5)، والمرفق من الأمر هو: ما ارتفقت به، وانتفعت منه، ومنه مرافق ¬
الدار وهي: مصاب الماء ونحوها، كخلائها وسطحها (¬1). والمرافق العامة هي: ما ينتفع به الناس جميعا، كالطرقات، والحدائق، والمساجد ونحوها (¬2). وهذه المرافق العامة التي يستفيد منها الناس وينتفعون بها، لا يجوز للإمام أن يقطعها إقطاع تملك لأحد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الصباغ (¬3) (477 هـ) يقول: [وأجمعوا على منع إقطاع المرافق العامة]. نقله عنه ابن حجر الهيتمي، والشربيني، والرملي (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
13] تحريم تحجير وإقطاع المياه المباحة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبيض بن حمال -رضي اللَّه عنه- أنه وفد إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاستقطعه فأقطعه الملح، فلما أدبر، قال رجل: يا رسول اللَّه أتدري ما أقطعته؟ إنما أقطعته الماء العد، قال: فرجع فيه (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رد ما أقطعه لأبيض بن حمال لما علم أن المكان المقطع، فيه منفعة لعامة الناس وهو من المعادن الظاهرة، فمن باب أولى إذا كان من مرافقهم التي يرتفقونها في القرية. الثاني: ما جاء أن رجلا قال لعمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: [إن قِبَلنا أرضا بالبصرة ليست من أرض الخراج، ولا تَضرُّ بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعينها أتخذ فيها قضبا لخيلي فافعل؟ ] قال: فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري (¬2): [إن كانت كما يقول فأقطعها إياه] (¬3). • وجه الدلالة: أن عمر لما علم أن إقطاعه الأرض ليس فيه مضرة على المسلمين أجاز ذلك، فدل على أن انتفاء المضرة قيد في الجواز. الثالث: أن ما كان من مرافق أهل البلدة فهو حق أهل البلدة، وفي الإقطاع اعتداء عليهم، وإبطال لحقهم (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] تحريم تحجير وإقطاع المياه المباحة: • المراد بالمسألة: المياه المباحة هي: المياه غير المملوكة لأحد. والمقصود ¬
هنا: مياه الأودية الكبار: كالنيل، والفرات، ودجلة، وسيحون وجيحون وأشباهها، ومياه العيون الكائنة في الجبال والمتحدرة من الأراضي الموات، وكذا سيول الأمطار، هذه كلها الناس في الاستفادة منها على حد سواء، ولا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها لأحد من الناس، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • أبو الطيب الطبري (¬1) (450 هـ) يقول: [والمياه المباحة من الأودية، والعيون في الجبال ونحوها من الموات، وسيول الأمطار يستوي الناس فيها، لا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها إجماعا]. نقله عنه الشربيني (¬2). • ابن الصباغ (477 هـ) يقول: [والمياه المباحة من الأودية، والعيون في الجبال ونحوها من الموات، وسيول الأمطار يستوي الناس فيها، لا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها إجماعا]. نقله عنه الشربيني (¬3). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [(المياه المباحة) بأن لم تملك (من الأودية): كالنيل والفرات (والعيون) الكائنة (في الجبال) ونحوها من الموات، وسيول الأمطار (يستوي الناس فيها). . .، لا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها إجماعا] (¬4). • الشربيني (977 هـ) يقول: [المياه المباحة من الأودية: كالنيل، والفرات، والعيون في الجبال وغيرها، وسيول الأمطار، يستوي الناس فيها. . .، فلا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها بالإجماع] (¬5). ¬
• الرملي (1004 هـ) يقول: [(والمياه المباحة) بأن لم تملك (من الأودية): كالنيل والفرات ودجلة (والعيون) الكائنة (في الجبال) ونحوها من الموات، وسيول الأمطار (يستوي الناس فيها). . .، فلا يجوز لأحد تحجرها، ولا للإمام إقطاعها بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: غزوت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار" (¬3). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" (¬4). • وجه الدلالة من الحديثين: أن أولى ما يدخل في الماء المياه المباحة التي لم ¬
14] تقسيم ماء النهر أو السيل الذي يتشاح الناس عليه
تكن مملوكة لأحد، والحديث جاء عاما لم يفرق بين ما كان من قبل الإمام أو غيره، فيبقى على عمومه (¬1). الثالث: القياس على المعادن الظاهرة: فكما أنه ليس للإمام أن يُقْطعها لأحد، فكذلك المياه المباحة، بجامع وجود الضرر على الناس في تملكها، أو تخصيص أحد بها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 14] تقسيم ماء النهر أو السيل الذي يتشاح الناس عليه: • المراد بالمسألة: الماء الجاري الذي يجري من الأنهار الصغيرة، أو التي يستفيدها الناس من الأمطار، إذا تشاح الناس عليه، واختلفوا فيه، ولم يكن أحد منهم أقدم في المكان من الآخر، فإنه يقسم بينهم، وطريقة القسمة بينهم: أن يبدأ من في أول طريق الماء، فيأخذ نصيبه منه حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسله إلى من يليه، حتى يمر على الجميع، وإذا لم يفضل منه شيء فإن الآخر ليس له منه نصيب، وليس له حق المطالبة، وهذه القسمة لا خلاف فيها بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه، ويتشاحون في مائه، أو سيلا يتشاح فيه أهل الأرض الشاربة منه، فإنه يبدأ من في أول النهر، فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء، أو عن الثاني، أو عمن يليهم فلا شيء للباقين. . .، وهذا قول فقهاء المدينة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬2). نقله عنه العيني (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه، ويتشاحون في مائه، أو سيلا يتشاح فيه أهل الأرضين الشاربة منه، فإنه يبدأ من في أول النهر، فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل إلى الذي ¬
يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء، أو عن الثاني، أو عمن يليهم فلا شيء للباقين. . .، وهذا قول فقهاء المدينة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه، ويتشاحون في مائه: كنهر الشام، أو مسيلا يتشاح فيه أهل الأرضين الشاربة منه، فيبدأ بمن في أول النهر فيسقى ويحبس الماء حتى يصل إلى الكعبين، ثم يرسل إلى الثاني فيفعل كذلك، حتى تنتهي الأراضي كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء، أو عن الثاني، أو عن من يليهما، فلا شيء للباقين. . .، ولا نعلم فيه خلافا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الزبير (¬4) -رضي اللَّه عنهما- أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في شراج (¬5) الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للزبير: "اسق يا ¬
زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك! فتلوَّن وجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (¬1) (¬2). الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى في السيل المهزور (¬3) أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل" (¬4). الثالث: أن الأعلى أرضه قريبة من فوهة النهر فهو أسبق إلى الماء، فكان أولى به، كمن سبق إلى المشرعة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * * ¬
الباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب البيع
الباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب البيع وفيه ستة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في باب الصرف. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب بيع الأصول والثمار. الفصل السادس: مسائل الإجماع في باب السلم. * * *
الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع
الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع 1] مشروعية البيع وحكمه: • المراد بالمسألة: البيع في اللغة: ضد الشراء، وهو إعطاء المثمن وأخذ الثمن، ففيه معنى المبادلة بين طرفين، ويطلق على الشراء، فهو من ألفاظ الأضداد (¬1). • وفي الاصطلاح: تمليك عين مالية، أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي، من غير ربا ولا قرض (¬2). والمقصود به هنا: أن البيع بهذه الصورة مباح مشروع من حيث الأصل، وأنه أحد أسباب الملك، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (¬3) (450 هـ) يقول: [الأصل في إحلال البيوع: كتاب اللَّه، وسنة ¬
نبيه، وإجماع الأمة. . .، وأما إجماع الأمة: فظاهر من غير إنكار بجملته] (¬1). • الغزالي (505 هـ) يقول: [واجتمعت الأمة على كونه سببا لإفادة الملك] (¬2). نقله عنه النووي (¬3). • السمرقندي (¬4) (539 هـ) يقول: [اعلم: أن البيع مشروع، عرفت شرعيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] (¬5). • العمراني (558 هـ) يقول: [والبيع جائز، والأصل في جوازه: الكتاب والسنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جوازه] (¬6). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز البيع] (¬7). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة] (¬8). • النووي (676 هـ) يقول: [أما الحكم الذي ذكره المصنف وهو جواز البيع، فهو مما تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري] (¬9). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز البيع ¬
في الجملة] (¬1). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [ثبت جوازه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. . .، وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه، وأنه أحد أسباب الملك] (¬2). • الزركشي (¬3) (772 هـ) يقول: [وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك. . .، وأما الإجماع: فبنقل الأثبات] (¬4). • البابرتي (¬5) (786 هـ) يقول: [وجوازه ثابت بالكتاب. . .، والسنة. . .، وبالإجماع فإنه لم ينكره أحد من الملبِّين وغيرهم] (¬6). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز البيع] (¬7). • العيني (855 هـ) يقول: [. . . فدليل جوازه الكتاب. . .، والسنة. . .، وإجماع الأمة، فإنه منعقد على جواز البيع] (¬8). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وشرعية البيع: بالكتاب. . .، والسنة. . .، والإجماع منعقد عليه] (¬9). ¬
• الأسيوطي (880 هـ) يقول: [والأصل في جوازه: الكتاب والسنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جوازه] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬2). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [الأصل فيه قبل الإجماع آيات. . .] (¬3). • حطاب (¬4) (954 هـ) يقول: [والإجماع على جوازه من حيث الجملة] (¬5). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [أما دليله: فالكتاب والسنة والإجماع والمعقول] (¬6). • الشربيني (977 هـ) يقول: [الأصل في الباب قبل الإجماع آيات. . .] (¬7). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل في الباب قبل الإجماع. . .] (¬8). • البهوتي (1051 هـ) يقول: [والبيع جائز بالإجماع] (¬9). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (¬10) (1078 هـ) يقول: [ومشروعية ¬
البيع. . .، وبإجماع الأمة وبالمعقول] (¬1). • الحصكفي (¬2) (1088 هـ) يقول: [وثبوته: بالكتاب والسنة والإجماع والقياس] (¬3). • علي حيدر (¬4) (1353 هـ) يقول: [قد أجمع الأئمة على مشروعية البيع، وأنه أحد أسباب التملك] (¬5). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [والإجماع معلوم في الجملة] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (¬8). الثاني: من السنة: قد توارد على هذا الحكم أنواع السنة الثلاثة: القولية والفعلية والتقريرية. ¬
2] منع الفصل بين الإيجاب والقبول
فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بُعِث والناس يتبايعون فيما بينهم، فأقرهم عليه من غير إنكار، بل إنه -صلى اللَّه عليه وسلم- باع واشترى، فقد جاء عنه أنه باع حِلْسا (¬1) وقَدَحا (¬2) (¬3)، واشترى من جابر بعيرا (¬4)، ثم إنه حث على الكسب الطيب كما في حديث رافع بن خديج (¬5) -رضي اللَّه عنه- أنه سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] منع الفصل بين الإيجاب والقبول: • المراد بالمسألة: من أركان البيع: الصيغة. وهي قائمة على الإيجاب من البائع، والقبول من المشتري، فإذا أوجب البائع البيع، وطال الفصل، والمشتري لم يقبل، وانشغلا بكلام أجنبي عن العقد، فإن العقد غير سائغ إذا قبل المشتري بعدها، بلا نزاع بين العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ومثل هذه الوقوف -أي: الوقوف بين المعطوفات في كتاب اللَّه التي يفصلها التحزيبات الموجودة في المصحف العثماني - لا يسوغ في المجلس الواحد إذا طال الفصل بينهما بأجنبي، ولهذا لو ألحق بالكلام: عطف، أو استثناء، أو شرط، ونحو ذلك، بعد طول الفصل بأجنبي، لم يسغ، باتفاق العلماء. ولو تأخر القبول عن الإيجاب، بمثل ذلك بين المتخاطبين، لم يسغ ذلك، بلا نزاع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العقد إذا طال الفصل فيه بين الإيجاب والقبول انقطعت فائدة الكلام فيه، ويعد لا ارتباط فيه بينهما، كالاستثناء والشرط وخبر المبتدأ الذي لا يتم ¬
3] عدم انعقاد البيع الذي تقدم فيه الإيجاب على القبول بلفظ الاستفهام
الكلام إلا بذكر طرفه الآخر (¬1). الثاني: أن طول الفصل بينهما، يدل على إعراض المشتري عن العقد، وعدم رغبته في إتمام البيع، وإذا قبل بعد طول المدة لربما اختل جانب الرضا من الطرف الآخر، فلزم إعادة العقد من أصله (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن العربي من المالكية، فقال بجواز تأخير القبول عن الإيجاب حتى وإن طالت المدة، إلا ما يتطرق في أثناء ذلك إلى السلعة من فساد يلحق عينها، أو حَطٍّ يُدرِكُ قيمتها (¬3). ويفهم من هذا القيد الذي ذكره: أن التأخير لا يضر، حتى وإن تغيَّر المجلس. ودليله على هذا الرأي: أن الأدلة جاءت مطلقة من غير تحديد مدة بين القبول والإيجاب، فما دام أنهما وقعا، على أي صفة كان، فالعقد تام وصحيح (¬4). ولم أجد من وافقه على هذا الرأي.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 3] عدم انعقاد البيع الذي تقدم فيه الإيجاب على القبول بلفظ الاستفهام: • المراد بالمسألة: الصيغة المشتملة على الإيجاب والقبول ركن من أركان البيع، والأصل تقدم الإيجاب على القبول، فإذا حدث العكس وكان بصيغة الاستفهام، فإن البيع لا يصح ولا ينعقد إلا إذا رد المشتري بالقبول بعد هذا، بلا خلاف بين العلماء. وصورة ذلك: أن يقول المشتري للبائع: أتبيعني هذه السلعة بألف ريال؟ فيقول البائع: بعتك، فلا بد أن يقول المشتري: قبلت. ¬
• من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولا ينعقد بصيغة الاستفهام بالاتفاق، بأن يقول المشتري للبائع: أتبيع مني هذا الشيء بكذا؟ أو ابعته مني بكذا؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد ما لم يقل المشتري: اشتريت] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [فأما إن تقدم -أي: القبول على الإيجاب- بلفظ الاستفهام، مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك، لم يصح بحال. نص عليه أحمد، وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم] (¬2). • النووي (676 هـ) يقول: [أما إذا قال المشتري: أتبيعني عبدك بكذا؟ أو قال: بعتني بكذا، فقال: بعت، لا ينعقد البيع بلا خلاف، إلا أن يقول بعده: اشتريت] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فأما إن تقدم -أي: القبول على الإيجاب- بلفظ الاستفهام، مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك، لم يصح بحال. نص عليه أحمد، وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم] (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الاستفهام سؤال الإيجاب والقبول، وليس إيجابا وقبولا بنفسه، ولذا يُعد البيع هنا قد فَقَد أحد ركني الصيغة وهو القبول، فلم ينعقد (¬5). الثاني: أن هذه الصيغة تعتبر مساومة وليست إيقاعا للعقد، وفرق بين المساومة والعقد (¬6). ¬
4] لزوم اتحاد المجلس في عقد البيع
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية فقالوا: إن البيع بلفظ الاستفهام صحيح ومنعقد (¬1). وخالف أيضا ابن حزم من الظاهرية، وقال: لا يجوز البيع إلا بلفظ البيع، أو بلفظ الشراء، أو بلفظ التجارة، أو بلفظ يُعبَّر به في سائر اللغات عن البيع. ولم يذكر صيغة معينة ولا صفة معينة فدل على أنه يرى جواز البيع بأي لفظ دال عليه (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: القياس على النكاح: فكل ما كان إيجابا وقبولا في عقد النكاح، كان إيجابا في البيع (¬3). الثاني: أن الشارع لم يَحدَّ ألفاظا معينة عند التبايع، وما لم يحده الشرع فمرده إلى العرف، وكل لفظ دال على البيع تراضيا عليه، فإنه ينعقد عليه البيع، فيدخل فيه هذه الصيغة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 4] لزوم اتحاد المجلس في عقد البيع: • المراد بالمسألة: إذا صدر الإيجاب من البائع في مجلس لم يكن المشتري حاضرا فيه، فإن العقد لا يتم حتى وإن وافق المشتري على العقد بعد ذلك، بإجماع العلماء، ما لم يكن ثمة وكيل عن المشتري حاضر في المجلس وقَبِل عنه، أو كان العقد مكتوبا إلى المشتري، أو أرسل إليه رسولا في ذلك. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [إذا أوجب أحدهما البيع، والآخر غائب، ¬
فبلغه، فقبل، لا ينعقد، بأن قال: بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا فبلغه فقبل، ولو قبل عنه قابل ينعقد، والأصل في هذا: أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس، ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالإجماع، إلا إذا كان عنه قابل، أو كان بالرسالة، أو بالكتابة] (¬1). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [من قال: بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا، وبلغه الخبر، فقبل، لا يصح؛ لأن شطر العقد لا يتوقف فيه، بالإجماع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن تغير مجلس الإيجاب عن القبول يُعد فاصلا طويلا، والفاصل الطويل يخرج الثاني عن أن يكون جوابا عن الأول (¬4). الثاني: أن أحدا لا يَعدُّ الكلام متصلا إذا تباعد وقته، فكيف إذا اختلف مجلسه، فحال القبول مع الإيجاب كحال المستثنى مع المستثنى منه، وحال الشرط مع المشروط، وحال الخبر مع المبتدأ، لا يتم أحدهما إلا أن يرتبط بالآخر قريبا منه (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
5] جواز البيع بلفظ الهبة
5] جواز البيع بلفظ الهبة: • المراد بالمسألة: الهبة في اللغة هي: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض (¬1). وتطلق كذلك على إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه، سواء كان مالا أو غير مال (¬2). • وفي الاصطلاح: تمليكُ جائزِ التصرفِ مالا معلوما أو مجهولا تعذر علمه، موجودا مقدورا على تسليمه، غير واجب فى الحياة، بلا عوض، بما يعد هبة عرفا (¬3). والمقصود هنا: لو باع البائع السلعة بلفظ الهبة، وقرنها بذكر العوض، فقال: وهبتك هذه الدار، بمائة ألف ريال، فإن هذا يُعَدُّ بيعا، فيأخذ أحكامه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [لو قال: وهبت لك هذه الدار، أو هذا العبد، بثوبك هذا، فبيعٌ بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لو قال: وهبت لك، أو وهبت لك هذه الدار، أو هذا العبد، بثوبك هذا، فرضي، فهو بيع بالإجماع] (¬5). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [لو قال: وهبتك، أو وهبت لك هذه الدار، بألف درهم، أو قال: هذا العبد، بثوبك هذا، فرضي، كان بيعا إجماعا] (¬6). • الحموي (¬7) (1098 هـ) يقول: [إذا قال: وهبت لك هذه الدار بألف، وهذا ¬
العبد بثوبك هذا، فرضي، كان بيعا إجماعا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وهو مشهور مذهب الشافعية، وكذا مشهور مذهب الحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وذلك أن اللَّه ذكر البيع مطلقا في كتابه، ليس له حد في اللغة، ولا في الشرع، فيرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالخطاب إفهام المعاني، فأيُّ لفظ دل عليه مقصود العقد انعقد به، وهذه الصيغة يقصد منها البيع، فتعد بيعا، وإن اختلف لفظها (¬3). الثاني: أن صورة الهبة الشرعية ليس فيها عوض، فإذا شُرط ذلك في العقد علم أن مقصود العاقد ليس ذات اللفظ، وإنما معناه، وإعمال كلامه أولى من إهماله (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه عندهم، والحنابلة في رواية، وابن حزم من الظاهرية، وقالوا: بأنه لا ينعقد البيع إذا كان بلفظ الهبة (¬5). ¬
6] لزوم التراضي في البيع بين المتعاقدين
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن العبرة في الألفاظ بظواهرها؛ إذ إن الصيغ موضوعة لإفادة المعاني، وتفهيم المراد منها عند إطلاقها، فلا تترك ظواهرها؛ لأن هذا يؤدي إلى ترك استعمال الألفاظ (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 6] لزوم التراضي في البيع بين المتعاقدين: • المراد بالمسألة: الرضا هو: قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه (¬2). • والمقصود هنا: أن حلَّ أموال الناس إنما هو منوط بالتراضي بين المتعاقدين، بإجماع العلماء، مع توفر الأركان والشروط، وانتفاء الموانع. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول [. . . والنص، والإجماع المتيقن، قد بيَّنا بأنه لا يخرج عن ملك البائع إلا ما رضي بإخراجه عن ملكه] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [الأصل المجتمع عليه: أنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه، وأن التجارة لا تجوز إلا عن تراض] (¬4). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [الأصل المتفق عليه: تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬2). الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما البيع عن تراض" (¬3). الثالث: عن أبي حميد الساعدي (¬4) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم اللَّه عز وجل مال المسلم على المسلم" (¬5). • وجه الدلالة: كل هذه الأدلة تدل على أن الرضا لا بد منه في التعاقد بين الطرفين، وأن الإكراه إذا كان بغير حق فإنه مانع من العقد. ¬
7] تحريم بيع وشراء المكره بغير حق وعدم لزومه
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 7] تحريم بيع وشراء المكره بغير حق وعدم لزومه: • المراد بالمسألة: الإكراه هو: حمل الغير على ما لا يرضاه من قول أو فعل، ولا يختار مباشرته لو تُرِك ونفسه (¬1). • والمقصود بالمسألة: أنه إذا أُكره مكلف على البيع أو الشراء، وكان الإكراه بغير حق، فإن الفعل لا يجوز، والعقد الذي عقده المُكْرَه غير لازم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • المهلب (¬2) (435 هـ) يقول: [أجمع العلماء أن الإكراه على البيع والهبة، لا يجوز]. نقله عنه ابن بطال (¬3)، وابن حجر (¬4). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [قال سحنون (¬5): أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور، لا يجوز. وقال الأُبْهري (¬6): إنه ¬
إجماع] (¬1). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [قال سحنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور، لا يجوز. وقال الأُبْهري: إنه إجماع] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) لما سُئِل عن أناس صُودرت أملاكهم وبيعت، فذهبوا إلى من آلت إليه أملاكهم، فاشتروها منه، فقال: [. . . وبيع المكره بغير حق، بيع غير لازم، باتفاق المسلمين. فلو قُدِّر مع ذلك أن المشتري أُكره على الشراء منه -أي: البائع -، وأدَّاه الثمن عنه، فأعطاه البائع الثمن الذي أداه عنه، لوجب تسليم المبيع إليه، باتفاق المسلمين، فكيف والمشتري لم يكره على الشراء، والبائع قد بذل له الثمن الذي أداه عنه، فليس للمشتري والحالة هذه، مطالبته بزيادة على ذلك، باتفاق الأئمة، ولا مطالبته برد الأعيان التي كانت ملكه] (¬3). ويقول أيضا: [المكره بغير حق، لا يلزم بيعه، ولا إجارته، ولا إنفاذه، باتفاق المسلمين] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
8] صحة بيع المكلف الحر الرشيد
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أنه إذا لم يكن التعاقد عن تراض من الطرفين، فإن المال يُعد من أكل أموال الناس بالباطل، وهذا حال المكرَه (¬2). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرِهوا عليه" (¬3). • وجه الدلالة: أن الحديث دليل على أن الإكراه من عوارض الأهلية التي يُرفَع عن المكلف فيها الحرج، فلا يترتب على الفعل أثره (¬4). الثالث: القياس على كلمة الكفر التي يتلفظ بها المسلم وهو مكره، فكما أنه غير مؤاخذ بها فكذلك هنا، بجامع الإكراه بغير حق في كل منهما (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] صحة بيع المكلف الحر الرشيد: • المراد بالمسألة: من كان مكلفا -وهو: البالغ العاقل- وهو حر غير عبد، ¬
صالح غير فاسق، رشيد غير سفيه، مختار في تصرفه غير مكره، وليس وكيلا عن غيره، فإن تصرفه بالبيع والشراء صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من كان بالغا عاقلا حرا عدلا في دينه، حسن النظر في ماله، أنه لا يحجر عليه، وأن كل ما أنفذه مما يجوز إنفاذه في ماله، فهو نافذ] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا أنه يصح البيع من كل بالغ عاقل مختار مطلق التصرف] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬5). • وجه الدلالة: جعل اللَّه من شرط التجارة الرضا، ومن كان بالغا، عاقلا، مختارا، فإنه يصح بيعه؛ لأن رضاه صادر من أهله، وواقع في محله. الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" (¬6). ¬
9] بطلان بيع المجنون والمغمى عليه
• وجه الدلالة: أن قلم التكليف رفع عن هؤلاء الثلاثة دون غيرهم، فدل على أن تصرفات غيرهم الأصل أنها محمولة على الصحة والجواز.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] بطلان بيع المجنون والمغمى عليه: • المراد بالمسألة: زوال العقل: قد يكون من عند اللَّه من غير تصرف المخلوق، وقد يكون بتسبب الآدمي، فمن زال عقله بالكلية، من غير تسبب الآدمي: كالمجنون، فإن بيعه وابتياعه باطل، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [أما المجنون فشراؤه باطل، ولا يقف على إجازة الولي إجماعا] (¬1). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الذي لُبِسَ في عقله - بغير السكر - باطل، وكذلك ابتياعه] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [المجنون ليس له قول حسا ولا شرعا، باتفاقٍ من العلماء] (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يصح بيع المجنون] (¬5). ¬
ابن بزيزة (¬1) (662 هـ) يقول: [لم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل]. نقله عنه الصاوي (¬2) والدسوقي (¬3) (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [وأما المجنون: فلا يصح بيعه بالإجماع، وكذلك المغمى عليه] (¬5). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وأما المجنون الذي رفع عنه القلم. . .، لا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه ولا شراؤه] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" (¬8). ¬
10] بطلان بيع من لم يصل سن البلوغ
الثاني: أن أهلية المتصرف شرط في انعقاد التصرف، والأهلية لا تثبت بدون العقل، فلا يثبت الانعقاد بدونه. الثالث: أن البيع قول يعتبر له الرضا، والرضا لا يصح من غير المكلف. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن عرفة (¬1) من المالكية، فقال: إن عقد المجنون حال جنونه، ينظر له السلطان بالأصلح في إتمامه وفسخه، إن كان مع من يلزمه عقده (¬2). فعقد المجنون على رأيه موقوف على إجازة السلطان. واستدل لقوله: بالقياس على من جُنَّ في أيام الخيار، فالسلطان ينظر له بالأصلح (¬3). وهو قول لم أجد من وافقه عليه من العلماء.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 10] بطلان بيع من لم يصل سن البلوغ: • المراد بالمسألة: الصبي: إما أن يكون مميزا أو غير مميز. ومعنى التمييز: أن يفهم الخطاب، ويَرُدّ الجواب، وهو في البيع: أن يكون على دراية أن البيع سالب للملك، والشراء جالب له، وأن يكون من مقاصد متاجرته الربح، ويعرف الغبن اليسير من الفاحش (¬4). فأما غير المميز: فقد رفع عنه قلم التكليف، فلا كلام فيه. ¬
أما المميز: فإذا تصرف من دون إذن وليه ببيع أو شراء، ولم يكن ذلك ضرورة، فإن تصرفه باطل، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع من لم يبلغ، لما لم يؤمر به، ولا اضطر إلى بيعه لِقُوته، باطل، وأن ابتياعه كبيعه في كل ذلك] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ. . . " (¬4). الثاني: أن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به التصرف؛ لخفائه، وتزايده تزايدا خفي التدريج، فجعل الشارع له ضابطا، وهو البلوغ، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة. الثالث: أن البيع قول يعتبر له الرضا، فلم يصح من غير الرشيد، كالإقرار (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية جاءت عن الإمام أحمد: بأنه يصح ¬
11] تحريم بيع الوصي مال نفسه على الصغير الذي لم يكن له فيه نفع ظاهر وكذا شراؤه
تصرف المميز، لكن في الشيء اليسير (¬1). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن أبا الدرداء (¬2) اشترى من صبي عصفورا وأطلقه (¬3). الثاني: أن الحكمة في الحجر عليه، هو خوف ضياع ماله بتصرفه، وهذا مفقود في الشيء اليسير (¬4).Rصحة الإجماع في بطلان تصرف الصبي المميز في الشيء الكثير، أما الشيء اليسير فلا؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 11] تحريم بيع الوصي مال نفسه على الصغير الذي لم يكن له فيه نفع ظاهر وكذا شراؤه: • المراد بالمسألة: الوصي هو: من يعهد إليه الأب أو الجد أو القاضي، بالتصرف بعد موت الأب أو الجد، فيما كان له التصرف فيه في حياته من شؤونه: كقضاء ديونه واقتضائها، ورد المظالم والودائع، واستردادها، وتنفيذ وصاياه، والولاية على أولاده الذين له الولاية عليهم من أطفال ومجانين وسفهاء، والنظر في أموالهم، بحفظها والتصرف فيها بما لهم فيه الحظ (¬5). وهذا الوصي لا يجوز له أن يبيع مال نفسه على الصبي -الذي هو وصي عليه- وليس له أن يشتري مال الصبي لنفسه، إذا لم يكن للصبي في هذا البيع والشراء منفعة ظاهرة، تتحقق فيها مصلحة له، وهذا أمر مجمع عليه. ¬
• من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأما الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير، أو اشترى مال الصغير لنفسه، فإن لم يكن فيه نفع ظاهر، لا يجوز بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الوصي متهم على المحاباة في البيع والشراء من الصبي، فربما زاد في سعر البيع عليه، ونقص في سعر الشراء منه، فلذا مُنع سدا لهذا الباب (¬3). الثاني: أن الوصي مأمور بالنظر في المصلحة في التعامل مع الصبي الذي تولاه، فإذا باع واشترى من نفسه شيئا، لم يكن فيه منفعة ظاهرة للصبي، كان ذلك تعديا منه على المأمور به، والمتعدي يوقف عنده حده، ويمنع من تصرفه. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، وقالوا: يكره للوصي أن يشتري شيئا من تركة الميت، فإن فعل نظر الحاكم فيه، فإن وجد في شرائه مصلحة لليتيم، بأن اشترى ذلك المبيع بقيمته أمضاه، وإلا رده، ويستثنى من ذلك الشيء القليل الذي انتهت إليه الرغبات بعد شهرته للبيع في سوقه، فيجوز اشتراؤه للوصي (¬4). واستدل هؤلاء: بأن الوصي مثله مثل غيره في الشراء من تركة الميت، لكن لما كان متهما بالمحاباة لنفسه كره ذلك ولم يحرم (¬5). ¬
12] صحة تصرف المرأة بالبيع والشراء
Rصحة الإجماع على النهي عن شراء الوصي من مال الصبي، والخلاف إنما هو هل النهي على التحريم أو على الكراهة؟ 12] صحة تصرف المرأة بالبيع والشراء: • المراد بالمسألة: إذا أرادت المرأة أن تبيع أو تبتاع، وهي جائزة التصرف -أي: بالغة رشيدة حرة- فإن تصرفها صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن بطال (449 هـ) يقول: [والأمة مجمعة على أن المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها، جاز لها أمرها أن تبيع وتشتري، وليس لزوجها عليها في ذلك اعتراض] (¬1). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن المرأة الحرة العاقلة البالغة، كالرجل في كل ما ذكرنا] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في المسألة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على الرجل: فما جاز في حق الرجل، جاز في حق المرأة، بجامع أن كلا منهما مكلف. الثاني: أنه لو قيل: بعدم جوازه للمرأة لكان فيه مشقة عظيمة، خاصة المرأة التي لم يكن لها وليٌّ، وتحتها أيتام، ولا عائل لهم. الثالث: أن الأصل في النصوص الشرعية أنها تكون للمكلفين من الرجال ¬
13] اشتراط الإباحة في عقد البيع
والنساء على حد سواء ولا فرق، إلا ما ورد الدليل فيه بالتخصيص.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] اشتراط الإباحة في عقد البيع: • المراد بالمسألة: من شروط عقد البيع: أن يكون المعقود عليه يباح الانتفاع به شرعا، فإذا كانت العين المعقود عليها محرمة في الشريعة، فلا يجوز العقد عليها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [اتفقوا أن بيع جميع الشيء الحاضر الذي يملكه بائعه كله ملكا صحيحا. . .، ولم يكن المبيع. . . محرما، فبيعه. . . جائز] (¬1). • المازري (¬2) (536 هـ) يقول: [إن كانت سائر منافعه محرمة صار هو القسم الأول الذي لا منفعة فيه: كالخمر والميتة، وإن كانت سائر منافعه -أي: المعقود عليه - محللة، جاز بيعه إجماعا، كالثوب والعبد، والعقار، والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال] (¬3). نقله عنه الحطاب (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا تناولت صفقة البيع مباحا، فإنه جائز، وإذا تناولت المحظور كالخمر، لم يجز] (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [كل عين مملوكة يجوز اقتناؤها، والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع. . .، وسواء في ذلك ما كان طاهرا كالثياب، والعقار، وبهيمة الأنعام، والخيل، ¬
والصيود، أو مختلفا في نجاسته، كالبغل، والحمار، لا نعلم في ذلك خلافا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬3). • وجه الدلالة: أن هذه الآية عامة في تحريم كل مال كان باطلا، فيدخل في ذلك ما جاء الشارع بتحريمه، وأما ما عدا ذلك مما حصل بالتجارة عن تراض فهو مباح (¬4). الثاني: عن المغيرة بن شعبة (¬5) -رضي اللَّه عنه- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات. وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (¬6). • وجه الدلالة: أن مما كرهه اللَّه عز وجل إضاعة المال، ويدخل في الإضاعة كل ما أنفق من المال في غير وجهه المأذون فيه شرعا، فدل على أن المبايعة فيما أباح اللَّه جائزة لا حرج فيها، وما كان محرما فهو داخل في إضاعة المال الممنوعة (¬7). ¬
14] تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 14] تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن: • المراد بالمسألة: البغي: يطلق على جنس من الفساد، يقال: بَغت المرأة، وهي تبغي بِغاءً، إذا فَجَرَتْ، ووقعت في الزنا (¬1). والمقصود بمهر البغي: هو ما تعطاه المرأة على الزنا (¬2). وسماه مهرا لكونه على صورة المهر الشرعي (¬3). والحلوان: أصله من الحلو، ويطلق ويراد به: العطية، يقال: حلوت الرجل حُلْوَانا، إذا أعطيته (¬4). والكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر، عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار (¬5). والمقصود بحلوان الكاهن: هو ما يعطاه من الأجر، والرشوة على كهانته (¬6). وسبب تسميته وتشبيهه بالشئ الحلو، من جهة أنه يأخذه سهلا بلا كلفة، ولا في مقابلة مشقة (¬7). والمراد هنا: أن ما تأخذه المرأة على الزنا، وما يأخذه الكاهن على كهانته، هو من الكسب المحرم الذي لا يجوز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مهر البغي حرام، وهو على ما فسره مالك، لا خلاف في ذلك. . .، وكذلك لا خلاف في حلوان الكاهن، أنه ما يعطاه على كهانته] (¬8). ويقول أيضا: [فأما مهر ¬
البغي. . .، فمجتمع على تحريمه. . .، وأما حلوان الكاهن، فمجتمع أيضا على تحريمه] (¬1). نقله عنه النفراوي (¬2)، ونقل عنه ابن القيم، والزرقاني (¬3) الإجماع على حلوان الكاهن (¬4). • البغوي (516 هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن] (¬5). نقله عنه النووي (¬6). • المازري (536 هـ) يقول: [ولا خلاف في حرمة ما يأخذه الكاهن]. نقله عنه الأُبّي (¬7)، والزرقاني (¬8). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [ومهر البغي، فلا خلاف في تحريمه] (¬9). ويقول أيضا: [وأما حلوان الكاهن. . .، فمحرم بإجماع الأمة] (¬10). ¬
• القاضي عياض (544 هـ) يقول: [أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن]. ويقول أيضا: [ولم يختلف في حرمة مهر البغي]. نقل عنه العبارة الأولى النووي (¬1)، ونقل العبارة الثانية الأُبّي (¬2). • أبو العباس القرطبي (¬3) (656 هـ) يقول: [المهر والحلوان محرمان بالإجماع] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة، بالنهي عن إتيان الكهان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان؛ وهو حرام بإجماع المسلمين]. ويقول أيضا: [أما مهر البغي. . .، وهو حرام بإجماع المسلمين] (¬5). • ابن دقيق العيد (¬6) (702 هـ) يقول لما تكلم عن حديث أبي مسعود (¬7) في ¬
النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن: [والإجماع قائم على تحريم هذين] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وصناعة التنجيم، وأخذ الأجرة عليها، وبذلها، حرام بإجماع المسلمين] (¬2). • الزركشي (772 هـ) لما تكلم عن كسب الحجام، وذكر الأدلة على منعه، ومنها حديث رافع بن خديج الذي فيه النهي عن ثمن الكلب والبغي والحجام، ذكر من قرائن المنع أنه اقترن بمهر البغي المتفق على تحريمه فقال: [وقد قارنه بما لا نزاع في تحريمه] (¬3). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي. . .، حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع] (¬4). نقله عنه الشوكاني، والمباركفوري (¬5) (¬6). ¬
• العيني (855 هـ) يقول: [ومهر البغي حرام إجماعا]. ويقول أيضا: [مهر البغي. . .، مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين المسلمين] (¬1). • السنوسي الحسيني (¬2) (895 هـ) يقول لما تكلم عن معنى حلوان الكاهن: [ولا خلاف في حرمته] (¬3). • المناوي (¬4) (1031 هـ) يقول: [ومهر البغي. . .، حرام إجماعا] (¬5). • الزرقاني (1122 هـ) يقول لما تكلم عن معنى مهر البغي: [وهو حرام إجماعا] (¬6). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وأجمع العلماء على تحريم حلوان الكاهن] (¬7). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [ومهر البغي. . .، هو مجمع على تحريمه] (¬8). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
15] اشتراط الانتفاع بالمبيع
الأول: عن أبي مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (¬1). الثاني: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث" (¬2). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن، وسمى كسبهما كسبا خبيثا، وهذا دليل على التحريم والمنع. وكذلك إذا حرم اللَّه شيئا حرم ثمنه، فالبغاء والكهانة لا شك في تحريمهما في الشرع، فما أخذ عليهما فهو محرم مثلهما.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 15] اشتراط الانتفاع بالمبيع: • المراد بالمسألة: من شروط العين المباعة: إمكانية الانتفاع بها نفعا حسيا وشرعيا، وهذا الشرط لا خلاف فيه بين العلماء. وقد اختلف تعبير العلماء لهذا الشرط: فالمالكية والشافعية عبروا عنه بما ذكر. والحنفية والحنابلة عبروا عنه بكون العين مالا (¬3). • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [شروط المبيع خمسة، إحداها: أن يكون منتفعا به، وهذا شرط لصحة البيع، بلا خلاف] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬5). ¬
16] جواز بيع الحيوان المملوك
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن تبايع ما لا منفعة فيه يعتبر من أكل المال بالباطل. الثاني: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعَ وهات. وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال، ومن إضاعته إنفاقه فيما لا نفع فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 16] جواز بيع الحيوان المملوك: • المراد بالمسألة: الحيوان الذي حازه المكلف وملكه، وهو مما ينتفع به منفعة شرعية، سواء كانت المنفعة في الحال أو في المآل: كالصيد والحفظ والحراسة والقتال والركوب ونحوها، فإنه يجوز بيعه بإجماع العلماء، إلا ما استثني، مثل الكلب والنحل والخنزير. • من نقل الإجماع: • الكرخي (¬3) (340 هـ) يقول: [أما الفيل فأجمعوا على جواز بيعه]. نقله عنه العيني (¬4). ¬
• ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الحيوان المتملك، ما لم يكن كلبا، أو سنورا، أو نحلا، أو ما لا ينتفع به، جائز] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وزعم القائلون بهذا القول -وهو جواز أكل لحم الخيل- أنه ليس في السكوت عن ذكر الإذن في الخيل، دليل على أن ما عدا الركوب والزينة لا يجوز، ألا ترى أنه لم يذكر البيع والتصرف، وإنما ذكر الركوب والزينة لا غير، وجائز بيعها، والتصرف فيها، وفي ثمنها، بإجماع] (¬3). ويقول أيضا: [. . . بدليل إجماعهم على بيع الهر، والسباع، والفهود المتخذة للصيد، والحمر الأهلية] (¬4). • الكاساني (587 هـ) يقول: [ويجوز بيع الفيل، بالإجماع] (¬5). نقله عنه ابن نجيم، وابن عابدين (¬6) (¬7). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وما ذكراه يبطل بالبغل والحمار، فإنه لا خلاف في إباحة بيعهما] (¬8). • النووي (676 هـ) يقول: [قال أصحابنا: الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي، قسمان: قسم ينتفع به فيجوز بيعه: كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال ¬
والحمير والظباء والغزلان والصقور والبزاة والفهود والحمام والعصافير والعُقاب، وما ينتفع بلونه: كالطاوس، أو صوته: كالزرزور والببغاء والعندليب، وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل، فكل هذا وشبهه، يصح بيعه بلا خلاف] (¬1). ويقول: [. . . والبغل والحمار الأهلي، فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالإجماع] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [كل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع. . .، وسواء في ذلك ما كان طاهرا. . .، أو مختلفا فى نجاسته: كالبغل والحمار، لا نعلم في ذلك خلافا] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [. . . بخلاف البغل والحمار، فإن بيعهما جائز، باتفاق المسلمين] (¬4). • الحداد (¬5) (800 هـ) يقول: [ويجوز بيع الهر، بالإجماع] (¬6). • العيني (855 هـ) لما تكلم عن الخلاف في بيع النحل بين أنه على القول بالجواز، لا يؤثر فيه عدم جواز أكلها، وقاسه على بيع الحمار والبغل، فقال: [كالبغل والحمار، فإن بيعهما يجوز، بلا خلاف] (¬7). • الموافقون على الإجماع: ¬
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (¬2). • وجه الدلالة: أن اللَّه أباح البيع إباحة مطلقة، فيبقى الإطلاق على إطلاقه إلا ما استثناه الدليل، فيدخل في الإباحة جميع الحيوانات المملوكة التي ينتفع بها. الثاني: أن ما لا ينتفع به يعد من أكل المال بالباطل الذي نهانا اللَّه عنه في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في بعض أجزاء المسألة بعض العلماء: فالحنفية: خالفوا في الفيل، ففي رواية عن محمد بن الحسن (¬4) أنه نجس العين، وعليه فلا يجوز بيعه (¬5). والحنابلة: خالفوا في الفيل، وسباع البهائم: كالفهد والنمر ونحوها، حتى وإن كان فيها منفعة، ففي رواية اختارها أبو بكر (¬6) وابن أبي موسى (¬7): أنه لا ¬
يجوز بيعها (¬1). واستدل هؤلاء: بالقياس على الكلب، فكما أنه لا يجوز بيعه، فكذلك السباع، بجامع النجاسة في كل منهما (¬2). واختلف العلماء في الهرة على قولين: القول الأول: عدم جواز بيعها. قال به: أبو هريرة وجابر بن عبد اللَّه وجابر بن زيد (¬3) ومجاهد (¬4) وطاوس والحسن (¬5)، وهو قول ابن القاص (¬6) من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو بكر وابن أبي موسى وابن القيم وابن ¬
رجب (¬1)، وهو قول الظاهرية (¬2). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: ما جاء أن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- سئل عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: "زجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك". وفي رواية: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسنور" (¬3). القول الثاني: التفصيل: إن كان المقصود من بيعه الانتفاع بجلده، أو الانتفاع به حيا، فهذا جائز، أما إن قصد الانتفاع بلحمه، فلا يجوز بيعه على القول بتحريم أكله، ومكروه على القول بكراهة أكله. قال به المالكية (¬4). واستدلوا لقولهم: أن مرد الأمر إلى الطهارة وعدمها، فجلده طاهر ينتفع به في اللباس والصلاة به وعليه. أما إن كان المقصود لحمها للأكل فالكراهة؛ لكراهة أكل لحوم السباع على المشهور (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة، إلا ما استثني من سباع البهائم والفيل والهرة، وذلك لعدم الاطلاع على المخالف في غيرها. ¬
17] جواز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع
17] جواز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع: • المراد بالمسألة: اتخاذ الكلب المعلَّم لأنْ يَصيد به ما يَقتات به، أو يستفيد منه في حفظ الماشية والحرث -ما لم يكن أسود بهيما أو عقورا- جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [وأما الحاجة التي تجوز الاقتناء -أي: اقتناء الكلب- لها، فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء، وهي: الزرع والماشية والصيد، وهذا جائز بلا خلاف] (¬1). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة] (¬2). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه، ما لم يحصل الاتفاق على قتله، وهو الكلب العقور] (¬3). نقله عنه الشوكاني (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [وأما اقتناء الكلب للصيد، والزرع، والبيوت، والمواشي، فيجوز بالإجماع] (¬5). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وأما اقتناؤه للصيد، وحراسة الماشية، والبيوت، والزرع، فيجوز بالإجماع] (¬6). نقله عنه ابن نجيم، والشلبي (¬7) (¬8). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [وأما اقتناء ¬
الكلب للصيد، أو لحفظ الزرع، أو المواشي، أو البيوت، فجائز بالإجماع] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [ويحرم اقتناؤه. . .، إجماعا، ولو لحفظ البيوت، إلا كلب صيد، أو ماشية، أو حرث، فيباح] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (¬4). • وجه الدلالة: أن من الجوارح المكلبة الكلب، وقد أباح اللَّه لنا صيد المعلم منها، وقرن صيده بالحلال الطيب، فدل على إباحة اقتنائه للصيد (¬5). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اتخذ كلبا -إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع- انتقص من أجره كل يوم قيراط" (¬6). الثالث: عن سفيان بن أبي زهير (¬7) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من اقتنى كلبا، لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط" قال: آنت سمعت هذا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: إي ورب هذا المسجد (¬8). ¬
• وجه الدلالة: أن الشارع استثنى من اقتناء الكلب هذه الحالات الثلاث، فدل على جوازها، وبقاء ما عداها على الأصل وهو الحرمة. • المخالفون للإجماع: أولًا: خالف في مسألة جواز اقتناء الكلب للزرع: ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وقال: بتحريمه، وقد نسب ذلك له ابن عبد البر رحمه اللَّه (¬1)، وفي هذه النسبة نظر، لأمور: الأول: لم أجد من نسبه إليه غيره، بل لم أجد عن ابن عمر رواية تدل على هذه النسبة. الثاني: لعل ابن عبد البر نسب هذا القول لابن عمر، لمَّا روى الحديث في الباب، ولم يذكر من ضمن الاستثناء كلب الحرث أو الأرض، وكان ينسبها لأبي هريرة، فيقول: [وقال أبو هريرة: أو كلب حرث] وجاء في حديث أبي هريرة السابق، قال الزهري (¬2): فذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: [يرحم اللَّه أبا هريرة! كان صاحب زرع]. وهذا لا يدل على أنه لا يرى استثناء كلب الزرع من التحريم، وإنما يدل على شيئين: 1) تَثبُّت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- في نسبة ذلك إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهو لم يسمعها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما من أبي هريرة. 2) مقصود ابن عمر حين نسبه إلى أبي هريرة، أن من كان مهتما بشيء، فإنه سيكون ضابطا له أكثر من غيره، وأبو هريرة كان مهتما بالحرث، ويدل لهذا حين قال: وكان صاحب حرث (¬3). ¬
18] تحريم بيع القرد الذي لا ينتفع به
وهذا هو الأليق بفقه ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، حتى لا ينسب إلى الشذوذ بمخالفته الإجماع، خاصة أني لم أجد من قال بهذا القول من المتقدمين، ولا من المتأخرين. الثالث: جاء عن ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من اتخذ كلبا -إلا كلب زرع أو غنم أو صيد- ينقص من أجره كل يوم قيراط". فأثبت ابن عمر هنا الزرع في الحديث (¬1). ثانيًا: ما ذكره الحنفية: العيني وابن الهمام وغيرهما في الإجماع من ذكر البيوت، واقتناء الكلب لحفظ البيوت والدور، مما اختلف فيه العلماء، فقد قال بمنعه: المالكية في المشهور عنهم، والشافعية في رواية مرجوحة عندهم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (¬2). واستدل هؤلاء: بأن النص إنما ورد في هذه الثلاثة فقط، دون غيرها، فيبقى غيرها على الأصل وهو التحريم.Rصحة الإجماع في جواز اقتناء الكلب للأمور الثلاثة، وهي: الصيد وحفظ الماشية والزرع؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 18] تحريم بيع القرد الذي لا ينتفع به: • المراد بالمسألة: القرد من السباع التي مُسِخت أمة على شكله (¬3)، وقد ينتفع به ¬
للحراسة والحفظ ونحوها، وهو مما يقبل التعليم إذا عُلِّم (¬1)، فإذا كان منتفعا به لهذه المنافع ونحوها، فإنه يجوز بيعه وشراؤه، وإذا لم يكن منتفعا به، فإنه لا يجوز بيعه ولا ابتياعه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطحاوي (¬2) (321 هـ) يقول: [وقد اتفقوا على أن ما لا منفعة فيه من الحيوان لا يجوز بيعه: كالرخم والحدأة والقرد والذئب والزنابير] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولم يختلفوا في القرد والفأر، وكل ما لا منفعة فيه، أنه لا يجوز بيعه، ولا شراؤه، وأكل ثمنه] (¬4). ويقول أيضًا: [لا أعلم بين العلماء خلافا أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه] (¬5). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وأبو عبد اللَّه القرطبي، وبرهان الدين ابن مفلح، والمواق (¬6) (¬7). ¬
• ابن رشد الجد (¬1) (520 هـ) يقول: [فأما ما لا يصح ملكه، لا يجوز بيعه بإجماع: كالحُرِّ، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك] (¬2). • المتيطي (¬3) (570 هـ) يقول: [ما لا يصح ملكه، لا يصح بيعه إجماعا: كالحر، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك]. نقله عنه الحطاب (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي، قسمان: قسم ينتفع به فيجوز بيعه: كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والظباء والغزلان والصقور والبزاة والفهود والحمام والعصافير والعقاب، وما ينتفع بلونه: كالطاوس، أو صوته: كالزرزور والببغاء والعندليب، وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل، فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف] (¬5). ويقول أيضًا: [الأعيان الطاهرة المنتفع بها، التي ليست حرا، ولا موقوفا، ولا أم ¬
ولد، ولا مكاتبة، ولا مرهونا، ولا غائبا، ولا مستأجرة، يجوز بيعها بالإجماع. . .، سواء المأكول، والمشروب، والملبوس، والمشموم، والحيوان المنتفع به: بركوبه أو صوته أو صوفه أو دره أو نسله: كالعندليب والببغاء، أو بحراسته: كالقرد، أو بركوبه: كالفيل، أو بامتصاصه الدم وهو العلق] (¬1). • مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (¬2). • وجه الدلالة: هذه الآية قاعدة في هذا الباب، فكل ما لا منفعة فيه ولا فائدة، فأخذ المال عليه من باب أكل أموال الناس بالباطل، الذي نهى اللَّه جل جلاله عنه، فدل على أن القرد إذا كان لا منفعة فيه فيدخل في أكل أموال الناس بالباطل، وإلا فإنه يبقى على الأصل وهو الإباحة. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنفية وقد اختلفت الرواية عندهم عن الإمام: الرواية الأولى: اختارها الحسن (¬3) وصححها عامة علمائهم أنه يجوز بيعه، وقالوا: بأنه إن لم يكن منتفعا به بذاته، فيمكن الانتفاع بجلده. الرواية الثانية: اختارها أبو يوسف (¬4) وصححها الكاساني أنه لا يجوز بيعه، وقالوا: بأنه غير منتفع به شرعا، وهو لا يشترى للانتفاع بجلده عادة بل للتلهي به ¬
وهذا القصد محرم شرعا (¬1). ولما ذكر ابن عابدين هذا القول عقب عليه قائلا: [وظاهره أنه لولا قصد التلهي به لجاز بيعه] (¬2). فدل على أن محل الخلاف عندهم ليس محلا واحدا، وإنما هو معلق بوجود النفع عندهم، فمتى وجد جاز بيعه وشراؤه. أما الحنابلة فقد اختلف المذهب عندهم، بناء على الاختلاف في تفسير مقولة الإمام أحمد حين قال: [أكره بيع القرد]. فمنهم من قال بتقييد هذه العبارة، وحمل الكراهة على القرد الذي لا منفعة فيه. وعلى هذا التفسير عامة الأصحاب، ولذا أجازوا مبايعته؛ لأنه ينتفع به في الحراسة. ومنهم من قال بإطلاق الكراهة، سواء كان منتفعا به أم لا، وهذا قياس قول أبي بكر، وابن أبي موسى، واختاره ابن عبدوس (¬3) (¬4). وخالف في هذا أيضًا: ابن حزم من الظاهرية، ولم ينص على هذه المسألة بعينها، وإنما ذكر قاعدة في هذا الباب: بأن ما كان محرما أكله فمحرم بيعه (¬5)، وبيّن في موضع آخر: أن القرد محرم أكله، فدل على أن مذهبه تحريم مبايعته مطلقا (¬6). وبهذا التقرير يتبين أن المخالفة، إنما هي رواية عند الحنابلة، وقال به ابن ¬
19] إباحة اتخاذ السنور
حزم.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 19] إباحة اتخاذ السنور: • المراد بالمسألة: السِّنور، ويسمى: الهر، من الحيوانات الطوافة في بيوت الناس، واتخاذها واستعمالها للحاجة وغيرها، من غير قصد المتاجرة بها بالبيع والشراء، جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن اتخاذ السِّنور مباح] (¬1). نقله عنه النووي (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عُذِّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار فيها، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (¬4). ¬
20] جواز شراء المصحف
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنكر عمل هذه المرأة تعذيبها للهرة، ولو كان اتخاذ الهر محرما لأنكره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليها، بل إنه ذكر أن أحد أوجه الإحسان لهذه الهرة إطعامها عند حبسها. الثاني: عن أبي قتادة (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تكلم في الحديث عن طهارة سؤر الهرة، وبين أن سبب ذلك هو كثرة دخولها على الناس، ولو كان اتخاذها محرما لبين ذلك لأمته.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها. 20] جواز شراء المصحف: • المراد بالمسألة: إذا أراد شراء المصحف -وهو المشتمل على كلام اللَّه- من المسلم، فإن شراءه جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن شراء المصحف جائز] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المصحف] (¬5). ¬
• الأسيوطي (880 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المصحف] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬3). • وجه الدلالة: هذه الآية أفادت بعمومها أن الأصل في البيوع أنها على الإباحة، ما لم يأت نص بالتحريم، فيدخل في هذا بيع المصحف، وإذا كان بيعه مباحا فمن باب أولى الشراء (¬4). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللَّه" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أن أخذ الأجرة على كتاب اللَّه جائز، وهذا عام فيشمل البيع والشراء جميعا (¬6). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن شراء المصحف مكروه. وهذا قال به: عمر وابن مسعود وأبو هريرة وجابر وعَبيدة السلماني (¬7). . . . . . ¬
وابن سيرين (¬1) وشريح ومسروق (¬2) وعبد اللَّه بن زيد (¬3) وعلقمة (¬4) والنخعي (¬5)، ¬
21] صحة بيع العين الطاهرة
وهو رواية عند الحنابلة (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن المقصود من الشراء كلام اللَّه، وواجب صيانته عن الابتذال، وفي إجازة شرائه تسبب لذلك، ومعونة عليه، ولذا قيل بالكراهة (¬2). القول الثاني: أن شراءه محرم. روي عن عمر (¬3)، وهو رواية عند الحنابلة (¬4). ولعلهم يستدلون: بالقياس على البيع، فكما أن البيع محرم، فكذلك الشراء.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 21] صحة بيع العين الطاهرة: • المراد بالمسألة: العين الطاهرة التي لم تخالطها النجاسة، يجوز بيعها إذا توفرت معها باقي الشروط، ولم يكن ثمة مانع يمنع البيع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع العين الطاهرة صحيح] (¬5). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [بيع العين الطاهرة صحيح بالإجماع] (¬6). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [بيع العين الطاهرة صحيح بالإجماع] (¬7). ¬
22] بطلان بيع الحر
• القونوي (¬1) (978 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع العين الطاهرة صحيح] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه! أرأيت شحوم الميتة، فإنها: يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: "لا هو حرام" (¬5). • وجه الدلالة من الدليلين: أن اللَّه جل جلاله جعل الأصل في البيوع الحل، ثم جاءت السنة باستثناء بعض أنواع البيوع المحرمة، كما في حديث جابر؛ وذلك لتحقق النجاسة في بعضها، فدل على أن ما كان طاهرا فإنه باق على الأصل وهو الإباحة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 22] بطلان بيع الحُرِّ: • المراد بالمسألة: معلوم أن الناس إما أحرار وإما عبيد، والعبيد يعتبرون أموالا ¬
يباعون ويشترون، بخلاف الأحرار فليسوا بأموال، ومن باع حرا من بني آدم، عالمًا متعمدًا، فالبيع باطل بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الحر باطل] (¬1). • الطحاوي (322 هـ) يقول: [. . . وهذا -أي: بطلان بيع الحر - قول أهل العلم جميعا] (¬2). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع أحرار بني آدم، في غير التفليس، لا يجوز] (¬3). نقله عنه ابن القطان (¬4). • البيهقي (¬5) (458 هـ) لما روى حديث سُرَّق (¬6) في قصة بيع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له لما إدَّان من الناس وكثر دينه (¬7)، تكلم عن ضعفه وجعل من قرائن ضعفه الإجماع، فقال: [وفي إجماع العلماء على خلافه. . .] (¬8). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [من السنة المجتمع عليها: أن لا يباع ¬
الحر] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الحر، لا يجوز بيعه، ولا يصح] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع الحر، ولا ما ليس بمملوك، ولا نعلم في ذلك خلافًا] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [بيع الحر، باطل بالإجماع] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع الحر، ولا ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها وملكها، لا نعلم في ذلك خلافًا] (¬5). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [استقر الإجماع على المنع] (¬6) يقصد بيع الحر. نقله عنه الشوكاني (¬7). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [. . وكذا بيع الحر، مجمع على تحريمه] (¬8). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" (¬9). • وجه الدلالة: أن اللَّه توعد هؤلاء الثلاثة بالوعيد الشديد، ومنهم: الذي باع الحر وأكل ثمنه، وهذا يفيد تغليظ التحريم، بل عده بعض العلماء من كبائر ¬
الذنوب (¬1). والسبب في التغليظ أن المسلمين أكفاء في الحرية، فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح اللَّه له، وألزمه الذل الذي أنقذه اللَّه منه، قال ابن الجوزي (¬2): [الحر عبدُ اللَّه، فمن جنى عليه، فخصمه سيده] (¬3). الثاني: ما جاء عن الزهري أنه قال: [كانت تكون على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ديون على رجال، ما علمنا حرًّا بيع في دين] (¬4). • المخالفون للإجماع: قد حكي الخلاف في المسألة عن بعض الصحابة والتابعين، فممن حكي عنه الخلاف: عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، فقد جاء أن رجلا باع نفسه، فقضى عمر بأنه عبد، وجعل ثمنه في سبيل اللَّه (¬5). وكذا جاء عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قال: [إذا أقر على نفسه بالعبودية، فهو عبد] (¬6). وذكر ابن حزم عن زرارة بن أوفى (¬7) أنه باع حرا في دين. ¬
وأخرج ابن حزم عن إبراهيم النخعي فيمن ساق إلى امرأته رجلا حرا، فقال إبراهيم: [هو رهن بما جعل فيه، حتى يفتك نفسه]. وقال: [وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قولة غريبة، لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار] (¬1). هذه الأدلة كلها استدل بها ابن حزم على نقض الإجماع في المسألة، وهو ممن وافق الإجماع ولم يخالفه. ويمكن الإجابة عنها بما يلي: فأما أثر عمر، فعنه عدة أجوبة: 1) الأثر فيه إقرار الرجل على نفسه بالبيع، ولأجل هذا حكم عمر عليه بالعبودية؛ لأن الحر لا يباع. 2) ثم إن الرجل هو الذي باع نفسه، ولم يكن أحد اعتدى عليه فباعه، وفرق بين الأمرين. 3) وقد جاء عن عمر ما يخالف ذلك، فقد أخرج مالك في الموطأ أن رجلا من جهينة (¬2) كان يسبق الحاج فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: [أما بعد أيها الناس: فإن الأسيفع (¬3) -أسيفع جهينة- رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا، فأصبح قد رِينَ به، فمن كان له عليه دين، فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين: فإن أوله هَمٌّ، وآخره حرب] (¬4). ¬
4) ومما يدل على ضعف ما جاء عن عمر، ما جاء عن الزهري -وقد مر في مستند الإجماع- وهو يحكي ما عليه الأمر في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنَّى لعمر أن يخالف ما كان عليه الأمر في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. وأما ما جاء عن علي -رضي اللَّه عنه-، فعنه عدة أجوبة: 1) أن ظاهر الأثر إنما هو في مسألة الإقرار بالعبودية، وليس في مسألة بيع الحر. 2) ويدل لهذا أن ابن أبي شيبة (¬1) في المصنف بوب عليه بقوله: [الحر يقر على نفسه بالعبودية] (¬2). 3) ثم على التسليم بأنه في بيع الحر، فإنه محمول على عدم العلم بالحرية، وهذا خارج محل النزاع (¬3). 4) وقد أورده ابن حجر بصيغة التمريض، فكأنه مال إلى ضعفه. أما ما ذكر عن ابن أوفى: فلم أجد له إسنادا، وذكره ابن حزم بلا إسناد، ولم أجد من ذكره قبل ابن حزم، فمثل هذا لا يخرق الإجماع، خاصة وأنه نقل عن عالم مشهور، بل عن قاض في بلد من البلاد المعروفة، فَحقُّ مثل هذا أن يروى في الدواوين المشهورة. أما ما جاء عن النخعي: فلا يُفْهم منه ما فهمه ابن حزم، وكأن النخعي حكم بذلك من باب العقوبة لهذا الرجل. أما ما ذكر عن الشافعي: فقد ذكر علماء المذهب العارفين به، بأنها رواية لم يذكرها أكثر الأصحاب (¬4)، فرواية لم يذكرها الأكثر لا يعتبر بها، ولو ثبتت لعدت شاذة. ¬
23] تحريم بيع أمهات الأولاد
Rصحة الإجماع في المسألة، ولا عبرة بما نقل من الخلاف، ولو صح لكان شاذًا، أو يقال: استقر الأمر على الإجماع -كما أشار إليه ابن حجر- (¬1). 23] تحريم بيع أمهات الأولاد: • المراد بالمسألة: أم الولد هي: الأمة التي ثبت نسب ولدها من مالك لها، كلها أو بعضها (¬2). ولا يجوز بيعها إذا أصبحت أم ولد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • محمد بن الحسن (189 هـ) حين سئل عن قاض حكم بجواز بيع أم الولد بعد موت مولاها؟ فقال: [إني أبطل قضاءه؛ لأن الصحابة كانت اختلفت فيه، ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم على أنها حرة لا تباع، ولا تورث، لم يختلف في ذلك أحد من قضاة المسلمين وفقهائهم في جميع الأمصار إلى يومنا هذا، ولم يكن اللَّه تعالى ليَجْمع أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- على ضلالة] (¬3). • الباجي (¬4) (474 هـ) يقول لما ذكر المسألة: [والدليل على ذلك: إجماع الصحابة، روى الشعبي (¬5) عن عَبيدة السلماني قال: خطبنا علي بن أبي طالب ¬
-رضي اللَّه عنه- فقال: رأى أبو بكر رأيا، ورأى عمر رأيا، عتق أمهات الأولاد، حتى مضيا لسبيلهما، ثم رأى عثمان ذلك، ثم رأيت أنا بعدُ بيعهن في الدين، فقال عَبيدة: فقلت لعلي: رأيك ورأي أبي بكر وعمر وعثمان في الجماعة أحب إلينا من رأيك بانفرادك في الفرقة، فقبل مني وصدقني (¬1). فوجه الدليل: أنه أخبره أن رأي أبي بكر وعمر وعثمان بالمنع من بيعهن كان في وقت جماعة، ولم يخالفوا فيه فثبت أنه إجماع، ووجه آخر: أنه قال: رأيي في بيعهن في الدين خاصة، فهذا يقتضي انفراده بهذا القول، ثم صدقه وقبل منه في إثبات القول الأول، فتجدد بذلك الإجماع أيضًا في زمن علي -رضي اللَّه عنه-] (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن أم الولد لا يجوز بيعها] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول لما أثبت رجوع علي وابن عباس: [قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم للَّه بحجته، ولو جاز ذلك في بعض العصر، لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق، خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم، كما هو حجة على غيره] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [وإجماع التابعين فمن بعدهم على تحريم بيعها. . .، وحينئذ يستدل بهذا الثابت عن عمر بالإجماع على نسخ الأحاديث الثابتة في جواز بيع أم الولد] (¬5). ¬
• الزركشي (772 هـ) لما ذكر الأثر الذي جاء فيه ما وقع لعبيدة السلماني مع علي قال: [وهذا دليل الإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) لما أورد المسألة، وذكر الأحاديث الدالة على عتق أمهات الأولاد قال بعدها: [إذا كان أقل ما يوجبه اللفظ ثبوت استحقاقه الحرية على وجه لازم، فالمجاز -وهو تحريم بيعها- مراد منه، بالإجماع] (¬2). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن أمهات الأولاد لا تباع، وهذا مذهب السلف والخلف من فقهاء الأمصار، إلا ما يحكى عن بعض الصحابة، وقال داود: يجوز بيع أمهات الأولاد] (¬3). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [وقد قام الإجماع على عدم صحة بيعها] (¬4). • الشربيني (977 هـ) يقول: [وقد قام الإجماع على عدم صحة بيعها] (¬5). • الرملي (1004 هـ) يقول: [أجمع التابعون فمن بعدهم عليه -أي: تحريم بيعها] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لأم إبراهيم (¬8) حين ولدته: ¬
"أعتقها ولدها" (¬1). • وجه الدلالة: في هذا دليل على استحقاق أم الولد العتق بعد ولادتها، وذلك يمنع البيع (¬2). الثاني: عن عبيدة قال: خطب علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- الناس، فقال: شاورني عمر عن أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى بها عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال عبيدة: فرأى عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأى علي وحده (¬3). • وجه الدلالة: أن هذا قضاء عمر ومعه علي -رضي اللَّه عنهما-، وكان ذلك في زمان عمر والصحابة متوافرون، وهو قضاء عام للناس، وليس حكما خاصا فيما بينهما، ولم يذكر أن أحدا من الصحابة قد اعترض على هذا القضاء. الثالث: عن بريدة بن الحصيب (¬4) -رضي اللَّه عنه- قال: كنت جالسا عند عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- إذ سمع صائحة، فقال: "يا يرفأ! (¬5) انظر ما هذا الصوت؟ " فانطلق فنظر، ثم جاء، فقال: جارية من قريش تباع أمها، قال: فقال عمر: "أدع لي"، أو قال: "عليَّ بالمهاجرين والأنصار"، قال: فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، قال: فحمد اللَّه عمر وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- القطيعة؟ " قالوا: لا، قال: "فإنها قد أصبحت فيكم فاشية"، ¬
ثم قرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)} (¬1) ثم قال: "وأيُّ قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم، وقد أوسع اللَّه لكم! " قالوا: فاصنع ما بدا لك، قال: فكتب في الآفاق أن لا تباع أم حُر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل (¬2). • المخالفون للإجماع: قد خالف في هذه المسألة جماعة من الصحابة ومن بعدهم، منهم: أبو بكر وعلي وجابر وأبو سعيد وابن الزبير وابن عباس (¬3)، ثم قتادة (¬4) من بعدهم (¬5)، وداود إمام أهل الظاهر (¬6)، ونُقِل هذا عن الشافعي في القديم (¬7)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية (¬8). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حي، ما نرى بذلك بأسا". وفي لفظ: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد ¬
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يُنْكر ذلك علينا" (¬1). الثاني: أن الأمة مجمعة على أنها تباع قبل أن تحمل بولدها، ثم اختلفوا إذا وضعت، فالواجب بحق النظر ألَّا يزول حكم ما أجمعوا عليه مع جواز بيعها وهي حامل إلا بإجماع مثله إذا وضعت، ولا إجماع ها هنا (¬2). أما ما جاء عن علي -رضي اللَّه عنه- فقد ذكر بعض العلماء رجوعه عن هذا، فقد جاء عن عبيدة السلماني، قال: [بعث إليَّ علي -رضي اللَّه عنه- وإلى شريح، أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أبغض الاختلاف] (¬3). وكذلك ابن عباس وابن الزبير -رضي اللَّه عنهم-، فقد جاء عنهما أنها تعتق وتكون في نصيب ابنها (¬4). وأما أبو بكر: فالذي جاء عنه هو حديث جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا" (¬5). فهذا ليس فيه أنه رأي أبي بكر، وإنما كان في زمانه كما في زمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومثل هذا يؤيد ما قاله جمع من العلماء بأنه كان في أول الإسلام ثم نسخ، ولذا لم يشتهر النسخ في أول الأمر، حتى جاء عمر ثم بيَّنه للناس. ومعلوم أن زمان أبي بكر كان قصيرا وجلُّه كان في محاربة المرتدين (¬6). وكذلك جابر -رضي اللَّه عنه- ظاهر النص عنه أنه ناقل لما كان في الزمانين، وليس هذا رأيه. ¬
أما أبو سعيد: فقد ضعف النقل عنه: النسائي (¬1)، والعقيلي (¬2). أما ما جاء عن الإمام الشافعي: فالثابت عنه أنه يرى عدم بيعهن، وقد نص على هذا في خمسة عشر موضعا من كتابه (¬3). وما نقل عنه إنما هو مجرد نقل وتمثيل، وليس بقول (¬4). أما ما جاء عن الإمام أحمد: فقد روى ابنه صالح (¬5) قال: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: [أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-]. وقال في رواية إسحاق بن منصور (¬6): [لا يعجبني بيعهن]. قال أبو الخطاب: [فظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة]. فجعل هذه رواية ثانية عن أحمد. ¬
24] جواز بيع المدبر تدبيرا مقيدا
والظاهر أن هذه ليست برواية مخالفة لقوله: [إنهن لا يبعن]، في الروايات الأخرى؛ لأمور: الأول: أن السلف رحمة اللَّه عليهم، ومنهم الإمام أحمد، كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا، وهذا اصطلاح كان ظاهرا عندهم، ومن المعلوم أن الاصطلاح المتعارف عليه في التفريق بين التحريم والكراهة لم يستقر إلا بعدهم. الثاني: أنه متى كان التحريم والمنع مصرحا به في سائر الروايات عن الإمام، وجب حمل اللفظ المحتمل، على المصرح به، ولا يجعل ذلك اختلافا، خاصة إذا كان معارضا لقول عامة العلماء (¬1). أما ما جاء عن قتادة فلم أجد من نسبه إليه إلا الشوكاني.Rهذا المسألة من عُضَل المسائل، التي يصعب على الباحث الجزم فيها بشيء، خاصة وأن أئمة كبارا ممن عُنوا بحكاية الإجماع لم يذكروه في هذه المسألة، بل نصوا على الخلاف: كابن المنذر وابن عبد البر (¬2)، والجزم برجوع الصحابة يحتاج إلى يقين، وعلى سبيل المثال: الإمام أحمد استدل بفعل علي، ولو ثبت عنده رجوعه، لم يذكره. 24] جواز بيع المدبر تدبيرا مقيدا: • المراد بالمسألة: التدبير: تعليق العتق دبر الحياة، سمي تدبيرا من لفظ الدبر، وقيل: لأنه دبَّر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، وتحصيل أجر عتقه. وهذا عائد إلى الأول؛ لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضًا؛ إذ هو نظر في عواقب الأمور وإدبارها (¬3). والتدبير منه ما هو مطلق، وصورته أن يقول: إذا متُّ فأنت حر، وأشباه هذا اللفظ. ومنه ما هو مقيد، وصورته أن يقول: إن متُّ من مرضي هذا، أو من سفري ¬
هذا فأنت حر، أو قال: إن مت إلى عشر سنين، أو بعد موت فلان. والمدبر تدبيرا مقيدا إذا باعه سيده، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [ويباع المدبر المقيد، بالإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [أما المقيد -أي: المدبر منهم- فجواز بيعه، اتفاق] (¬2). • عبد الرحمن المعروف -رضي اللَّه عنهما-[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [قيدنا بالمطلق -أي: عدم جواز بيع المدبر-؛ لأن بيع المقيد جائز اتفاقا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث" (¬5). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، ¬
لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه (¬1) بثمانمائة درهم، فدفعها إليه (¬2). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديث الأول يدل على المنع من بيع المدبر، والثاني يدل على الإباحة، فيفرق بين الحالتين، ويحمل على التفريق بين المطلق فيمنع، والمقيد فيباح (¬3). الثالث: القياس على الموصى بعتقه: فكما أنه يجوز بيعه، فكذلك المدبر تدبيرا مقيدا، بجامع أن كلا منهما معلق على أمر لا يُدرى هل يقع أو لا؟ . • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: القول الأول: جواز بيع المدبر عموما، من غير تفريق بين المطلق والمقيد منه. وهذا القول قال به: عائشة -رضي اللَّه عنها- (¬4) ومجاهد وطاوس وعمر بن عبد العزيز (¬5) وإسحاق وأبو ثور (¬6). . . . . . ¬
وداود وعثمان البَتِّي (¬1) وعمرو بن دينار (¬2) وعطاء (¬3) (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة في المشهور عنهم (¬6)، وابن حزم (¬7). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬8). • وجه الدلالة: أن الأصل في البيوع أنها على الإباحة إلا ما دل الدليل على استثنائه. الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باع المدبر (¬9). ¬
الثالث: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه بثمانمائة درهم، فدفعها إليه (¬1). القول الثاني: عدم جواز بيع المدبر عموما. قال به: ابن عمر وزيد بن ثابت (¬2) وشريح والشعبي وابن المسيب (¬3) وسالم (¬4) (¬5) والنخعي والثوري (¬6) والأوزاعي (¬7). . . . . . . . ¬
والزهري وابن سيرين (¬1)، وهو رواية عند الحنابلة (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث" (¬3). الثاني: القياس على أم الولد: فلا يجوز بيعها، بجامع أن كلا منهما استحق العتق بموت سيده (¬4). القول الثالث: جواز بيعه إذا احتاج إلى بيعه. قال به: عطاء بن أبي رباح والحسن (¬5)، وقتادة وطاوس (¬6)، وهو رواية عند الحنابلة (¬7). استدل هؤلاء: بحديث جابر الذي في مستند الإجماع، وقالوا: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- باعه لما كان الرجل محتاجا، ليس له مال غيره (¬8). القول الرابع: التفريق بين العبد والأمة، فالعبد يجوز بيعه دون الأمة. وهذا القول رواية عند الحنابلة (¬9). واستدل هؤلاء: بأن في جواز بيع الأمة إباحة لفرجها، وتسليط مشتريها على وطئها، مع وقوع الخلاف في بيعها وحلها، بخلاف المدبر (¬10). القول الخامس: لا يباع المدبر إلا من نفسه، أو من رجل يُعَجِّل عتقه. قال به: الأوزاعي (¬11)، وابن سيرين (¬12)، لكنه لم يذكر إلا الحالة الأولى. ¬
25] تحريم بيع العين المتنجسة التي لا تقبل التطهير
القول السادس: يكره بيعه، إلا إذا أعتقه الذي ابتاعه، فإنه يجوز حينئذ. قال به الليث بن سعد (¬1) (¬2). واستدل هؤلاء: بالقياس على بيع الفضولي: فإذا أعتقه المشتري تبين أن البيع صحيح وإلا فلا، فإنه لو بطل البيع من الأول لما صح العتق؛ لأنه لا يكون إلا في ملك، ولو صح من الأول لم ينقلب باطلا بكون المشتري لم يعتقه (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 25] تحريم بيع العين المتنجسة التي لا تقبل التطهير: • المراد بالمسألة: العين المائعة، غير الدهن، وهي طاهرة في ذاتها، ثم لاقتها النجاسة، ولا يمكن تطهيرها: كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحوها، لا يجوز بيعها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [إذا كانت العين الطاهرة المتنجسة بملاقاة النجاسة مائعة، فينظر: إن كانت لا يمكن تطهيرها: كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحو ذلك، لم يجز بيعها بلا خلاف. . .، ونقلوا فيه إجماع المسلمين] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة في المشهور عنهم (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ميمونة (¬1) -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبا فلا تقربوه" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بعدم قربان الذائب الذي وقعت عليه النجاسة، ولو جاز بيعه والانتفاع به لما أمر بذلك، الذي يعد إضاعة للمال. الثاني: أنه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة، فلم يجز بيعه، كالأعيان النجسة (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في المسألة على قولين: القول الأول: جواز بيع المائعات المتنجسة. قال به: الحنفية والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية، وقال به الزهري والبخاري (¬4) وابن حزم من ¬
الظاهرية (¬1). واستدلوا بما يلي: الأول: عن ميمونة -رضي اللَّه عنها- أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه" (¬2). • وجه الدلالة: أن سائر المائعات تأخذ حكم السمن، فإذا جاز أكلها، جاز بيعها من باب أولى (¬3). الثاني: القياس على الثوب المتنجس، فكما أنه يجوز بيعه بإجماع، فكذلك هنا (¬4). القول الثاني: جواز بيع المائعات لكافر يعلم نجاستها دون المسلم. وهذا القول رواية عند الحنابلة (¬5). ودليلهم: أن الكفار يعتقدون حله، ويستبيحون أكله، فلا يمنعون من بيعه (¬6).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
26] جواز بيع العين الجامدة المتنجسة
26] جواز بيع العين الجامدة المتنجسة: • المراد بالمسألة: العين الطاهرة في أصلها، والتي وقعت عليها نجاسة عارضة، ولم يستتر شيء منها بالنجاسة (¬1)، وهي جامدة ليست مائعة؛ كالثوب والبساط والجلود والأواني وأشباهها، يجوز بيعها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [إذا كانت العين متنجسة بعارض، وهي جامدة؛ كالثوب والبساط والسلاح والجلود والأواني والأرض وغير ذلك، جاز بيعها بلا خلاف. . .، ونقلوا فيه إجماع المسلمين] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
27] تحريم بيع الدم المسفوح
الأول: أن البيع يتناول الثوب وهو في أصله طاهر، وإنما جاورته النجاسة (¬1)، ولا يؤثر ذلك عليه، ولو قيل بالمنع لكان فيه تضييعا للمال، وهو محرم شرع. الثاني: أن الأصل في البيع أنه على الإباحة، ما لم يثبت التحريم، والتحريم ثبت في النجسة، ولم يثبت في المتنجسة، فتبقى على أصل الإباحة، وهو إنما باع الثوب المتنجس، لا النجاسة التي فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 27] تحريم بيع الدم المسفوح: • المراد بالمسألة: المراد بالدم هنا: هو الدم المسفوح، وهو محرم البيع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم ما حرم اللَّه: من الميتة والدم والخنزير] (¬2). ويقول أيضًا: [وثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ثمن الدم، وأجمع أهل العلم على القول به] (¬3). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة (¬4). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وجميع العلماء على تحريم بيع الدم والخمر] (¬5). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [فأما ما لا يصح ملكه، فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (¬6). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [وهو حرام إجماعا - أعني: بيع الدم، وأخذ ¬
ثمنه -] (¬1). نقله عنه الشوكاني (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) لما ذكر من أسباب الفساد في العقد، كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج، منها: بيع الدم، ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال: [وأما الإجماع -أي: على: تحريم بيعها- فظاهر] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (¬5). • وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل قد حرم هذه الأشياء، وظاهر التحريم أنه في الأكل والشرب، فإذا كان هذا محرما، فإن من لازمه تحريم ثمنه كما دل على ذلك صريح السنة، وقد جاء في حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء، فضحك، فقال: "لعن اللَّه اليهود - ثلاثا - إن اللَّه حرم عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه" (¬6). الثاني: عن أبي جحيفة (¬7) -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الدم، وثمن ¬
28] تحريم بيع الميتة
الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور" (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها. 28] تحريم بيع الميتة: • المراد بالمسألة: الميتة: بفتح الميم، هي ما زالت عنها الحياة لا بذكاة شرعية (¬2). والمقصود هنا: الميتة التي زالت عنها الحياة، ولم تكن مما أباحها الشارع: كالسمك والجراد، ولا مما لا تحله الحياة منها: كالشعر والصوف والوبر والأعظم والسن والقرن، فإنه لا يجوز بيعها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم بيع الميتة]، وقال بعده كذلك: [وأجمعوا على تحريم ما حرم اللَّه من الميتة والدم والخنزير] (¬3). نقله عنه: ابن بطال، وابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر، والشوكاني (¬4). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام] (¬5). نقله عنه العيني (¬6). • الغزالي (505 هـ) لما ذكر أن من شروط المعقود عليه: الطهارة، تكلم عن الخلاف في بيع السرجين، ثم قال: [ومعتمد المذهب: الإجماع على بطلان بيع ¬
الخمر والجيفة. . .] (¬1). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [فأما ما لا يصح ملكه، فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (¬2). • ابن رشد الحفيد (¬3) (595 هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر. . .، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) لما ذكر من أسباب الفساد في العقد، كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج منها: بيع الميتة، ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال: [وأما الإجماع -أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (¬5). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(والميتة لا يصح بيعها) بالإجماع] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو ¬
29] تحريم بيع الخمر
بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند ذلك: "قاتل اللَّه اليهود، إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (¬1). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه" (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 29] تحريم بيع الخمر: • المراد بالمسألة: إذا تولى المسلم بيع الخمر بنفسه، سواء كان لنفسه أو لغيره، فإن فعله محرم، وبيعه غير صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الخمر، غير جائز] (¬3). نقله عنه ابن قدامة، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر (¬4). • ابن حزم (456 هـ) حكاه بعد أن ذكر صفة البيع الصحيح المتفق عليه، وذكر قيوده قال في ضمنها: [ولم يكن المبيع. . . محرما] (¬5) فيدخل في المحرم الخمر. • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [هذا إجماع من المسلمين كافة عن كافة، أنه لا يحل لمسلم بيع الخمر، ولا التجارة في الخمر] (¬6). وقال أيضًا: [وجميع ¬
العلماء على تحريم بيع الدم والخمر] (¬1). • الباجي (474 هـ) لما ذكر أثر ابن عمر في رجال من أهل العراق سألوه فقالوا: إنا نبتاع من ثمر النخيل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فمنع من ذلك عبد اللَّه بن عمر (¬2) يقول: [ولا خلاف نعلمه في منعه] (¬3). • الغزالي (505 هـ) حين تكلم عن اشتراط الطهارة في المعقود عليه، ذكر الخلاف في مسألة بيع الأعيان النجسة، وجعل من أدلة المذهب عليها هذا، فقال: [ومعتمد المذهب: الإجماع على بطلان بيع الخمر والجيفة] (¬4). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [فأما ما لا يصح ملكه، فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر، وأنها نجسة إلا خلافا شاذا في الخمر أعني: في كونها نجسة] (¬6). نقله عنه ابن الشاط (¬7) (¬8). • النووي (676 هـ) يقول: [فيه -أي: حديث أبي سعيد الذي في مستند الإجماع- تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه] (¬9). ¬
30] تحريم بيع الخنزير وشراؤه
• ابن الهمام (861 هـ) يقول لما ذكر أن من أسباب الفساد في العقد كون أحد العوضين محرما ذكر نماذج، منها: الخمر، ثم استدل على التحريم بالنص ثم قال: [وأما الإجماع -أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها، خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "حرمت التجارة في الخمر" (¬2). الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بالمدينة، قال: "يا أيها الناس، إن اللَّه تعالى يُعرِّض بالخمر، ولعل اللَّه سيُنْزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء؛ فليبعه، ولينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع" قال: فاستقبل الناس بما كان عنده منها في طريق المدينة، فسفكوها (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 30] تحريم بيع الخنزير وشراؤه: • المراد بالمسألة: الخنزير حيوان من الحيوانات النجسة، المحرم أكلها، فلا يصح بيعه ولا شراؤه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الخنزير وشراءه حرام] (¬4). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة (¬5). ¬
• ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [فأما ما لا يصح ملكه، فلا يصح بيعه بإجماع؛ كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (¬1). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر. . .، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة، وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة] (¬2). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير] (¬3). نقله عنه الشوكاني (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) لما ذكر أن من أسباب الفساد في العقد كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج منها: بيع الخنزير، ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال: [وأما الإجماع -أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (¬7). الثاني: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. . . " (¬8). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم الخمر ¬
31] تحريم بيع شعر الخنزير
وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه" (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 31] تحريم بيع شعر الخنزير: • المراد بالمسألة: شعر الخنزير إذا جُزَّ جزا ولم يُقْطع، فإنه لا يجوز بيعه، باتفاق الأئمة. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا يجوز بيع شعر الخنزير) باتفاق الأئمة] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في رواية عندهم، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (¬4). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" (¬5). الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعن اللَّه اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وأن اللَّه -تبارك وتعالى- إذا حرم أكلة شيء حرم ثمنه" (¬6). ¬
وجه الدلالة من الأدلة السابقة: أن الشارع الحكيم قد حَرَّم الخنزير، وجعله رجسا نجسا، فيبقى التحريم على عموم أجزائه كلها، والشعر منها، وما كان حراما فإن ثمنه حرام أيضًا، فلا يجوز بيعُ ولا ابتياع أي جزء من أجزائه (¬1). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: القول الأول: جواز بيع شعر الخنزير. هذا هو المشهور من مذهب المالكية (¬2). واستدل هؤلاء: بالقياس على صوف الميتة: فكما أنه يجوز بيعه والانتفاع به، فكذلك شعر الخنزير، وذلك أن كلا منهما نجس، وأمكن الانتفاع بجزء منه لا أثر للنجاسة فيه (¬3). القول الثاني: الترخيص في شرائه وكراهة بيعه. قال به الأوزاعي (¬4)، وأبو الليث (¬5) من الحنفية (¬6). واستدل هؤلاء: بالحاجة إليه، وذلك أن الأساكفة (¬7) يستفيدون منه؛ إذ خرز ¬
32] تحريم بيع هوام الأرض
النعال والخفاف لا يتأتى إلا به، فكان موضع حاجة، فجاز شراؤه، دون بيعه؛ لانعدام الحاجة فيه (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 32] تحريم بيع هوام الأرض: • المراد بالمسألة: الهوام: جمع هامَّة، والهامَّة: الدابة. والهميم: دواب هوام الأرض. والهوام: ما كان من خشاش الأرض، نحو: العقارب وما أشبهها، الواحدة هامة؛ لأنها تَهم، أي: تدب. وتطلق الهوام على الحيات، وكل ذي سم يقتل سمه. وأما ما لا يقتل ويسم، فهو السوام، مثل: الزنبور، والعقرب، وأشباهها. وتطلق الهامة: على غير ذوات السم القاتل، ويدل عليه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لكعب ابن عجرة (¬2): "أيؤذيك هوام رأسك" (¬3) أراد بها: القمل. سماها هوام؛ لأنها تدب في الرأس، وتهم فيه. وتطلق الهوام على غير ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل: كالحشرات (¬4). • والمقصود بالمسألة: أن كل ما يطلق عليه هوام الأرض، وهي مما ثبت عدم نفعها، فإن بيعها محرم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكرخي (340 هـ) يقول: [وأجمعوا أن بيع هوام الأرض لا يجوز: ¬
الحيات، والعقارب، والوزغ، والعظاية، والقنافذ، والجعل، والضب، وهوام الأرض كلها]. نقله عنه العيني، والشلبي (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [والاتفاق على عدم جواز بيع ما سواهما -أي: النحل ودود القز- من الهوام: كالحيات، والعقارب، والوزغ، والعظاية، والقنافذ، والجعل، والضب] (¬2). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [قيد بالنحل والدود؛ لأن ما سواهما من الهوام: كالحيات، والعقارب، والوزغ، والقنافذ، والضب، لا يجوز بيعه اتفاقا] (¬3). • الحصكفي (1088 هـ) يقول: [(ويباع دود القز) أي: الإبريسم (وبيضه) أي: بزره، وهو بزر الفيلق الذي فيه الدود (والنحل) المحرز. . .، (بخلاف غيرهما من الهوام) فلا يجوز اتفاقا: كحيات وضب] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (¬6). • وجه الدلالة: أن أخذ العوض على ما لا منفعة فيه، يعد من أكل أموال الناس بالباطل، وهو ضرب من ضروب السفه التي ينهى عنها، ومنها بيع هوام الأرض (¬7). ¬
33] تحريم بيع جلود الميتة قبل الدبغ وإباحته بعدها
الثاني: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعَ وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (¬1). • وجه الدلالة: أن من أعظم أوجه إضاعة المال، إنفاقه فيما لا منفعة فيه، ومنها مبايعة هوام الأرض. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية، فقالوا بالتفصيل: يجوز بيع الحشرات التي يباح أكلها؛ كالضب واليربوع وأم حبين وابن عرس والدلدل والقنفذ والوبر. أما التي يحرم أكلها، فلا يجوز (¬2). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن الأكل منفعة من المنافع، بل هي أعظم المنافع، فما دام أن له منفعة فيصح مبايعته، وما عداه فيبقى على التحريم؛ لانعدامها.Rصحة الإجماع في طرف من المسألة، وهو المنع من الحشرات التي لا يحل أكلها؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها، أما ما يحل أكلها فلا يصح فيها الإجماع؛ لثبوت الخلاف عند الشافعية. 33] تحريم بيع جلود الميتة قبل الدبغ وإباحته بعدها: • المراد بالمسألة: الدبغ: ما يدبغ به الجلد، وهو: معالجته بمادة ليلين ويزول ما به من رطوبة ونتن (¬3). وجلد الميتة -وهي: ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية- قبل دباغته لا يجوز بيعه، أما بعدها فيجوز، وهذان أمران أجمع عليهما العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) لما ذكر الخلاف عن الزهري، وأجاب عنه: بأنهما ¬
قولان متكافئان فيسقطان، قال بعده: [. . . ويثبت تحريم الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ باتفاق أهل العلم، إذ لا نعلم أحدا أرخص في ذلك، إلا ما اختلف فيه عن الزهري] (¬1). ومن وجوه الانتفاع البيع. • الطحاوي (321 هـ) يقول: [لم نجد عن أحد من العلماء جواز بيع جلود الميتة قبل الدباغ] (¬2). • الجصاص (370 هـ) يقول: [اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل الدباغ] (¬3). ومن صور الانتفاع البيع. • النووي (676 هـ) يقول: [لا يجوز بيع الجلد النجس بالاتفاق] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا يجوز بيعه قبل الدبغ، لا نعلم فيه خلافا] (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ) أي: ولا يجوز بيعها قبل الدباغة. وقيد بقوله: قبل أن تدبغ؛ لأن بعد الدبغ يجوز، بلا خلاف بين الفقهاء] (¬6). ¬
• ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ). . .، ولا خلاف في هذا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (¬3). • وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل حرم الميتة في كتابه، فكان ذلك واقعا على اللحم والجلد جميعا، وجاءت سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالترخص في جلد الشاة الميتة بعد الدباغ، فوجب استثناء ذلك من جملة التحريم، وبقي حكم الجلد قبل الدباغ على الأصل وهو التحريم (¬4). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة (¬5) -رضي اللَّه عنها- فقالت: يا رسول اللَّه ماتت فلانة، تعني الشاة، قال: "فلولا أخذتم مَسْكها؟ ". فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما قال اللَّه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} (¬6) الآية، فإنه لا بأس بأن تدبغوه فتنتفعوا به". قالت: فأرسلت إليها، فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قِرْبة، حتى تخرَّقت (¬7). ¬
• وجه الدلالة: قال الطحاوي: [ففي هذا الحديث أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما سألته عن ذلك، قرأ عليها الآية التي نزل فيها تحريم الميتة، فأعلمها بذلك أن ما حرم عليهم بتلك الآية من الشاة حين ماتت إنما هو الذي يطعم منها إذا ذكيت لا غير، وأن الانتفاع بجلودها إذا دبغت، غير داخل في ذلك الذي حرم منها] (¬1). وإذا جاز الانتفاع بها جاز بيعها. الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه" (¬2). • وجه الدلالة: أن الميتة الأصل فيها التحريم، فيكون ثمنها محرما، ويستثنى منه ما استثناه الدليل، وهو جلدها المدبوغ. • المخالفون للإجماع: هذه المسألة يمكن جعلها على قسمين: الأول: بيع جلود الميتة قبل الدبغ: وهذه خالف فيها الليث بن سعد (¬3)، والزهري (¬4)، ورواية عن الإمام مالك (¬5)، قالوا بجواز البيع. واستدل هؤلاء قالوا: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن في الانتفاع بجلود الميتة، والانتفاع عام يدخل فيه البيع (¬6). الثاني: بيع جلود الميتة بعد الدبغ: فالمشهور عند المالكية (¬7)، والقول القديم ¬
عن الشافعي (¬1)، ورواية عند الحنابلة (¬2)، وقال به إبراهيم النخعي من التابعين (¬3)، وهو القول بمنع بيعها (¬4). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن الجلد جزء من الميتة، فلا يكون قابلا للعوض، أخذا من النصوص الدالة على تحريم ثمنه وبيعه (¬5). الثاني: أنه حرم التصرف فيه بالموت، ثم رخص في الانتفاع به، فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم (¬6). أما ما جاء في القسم الأول: فالليث والزهري فهو وإن كان المشهور عنهما هذا، إلا أن لهم أقوالا ثابتة توافق الإجماع، وإذا جاء عن الإمام قولان متقابلان، لا يعلم الناسخ من المنسوخ، ولا الأول من الآخر، فالقاعدة أن يسقط عنه القولان، كما قرر ذلك ابن المنذر رحمه اللَّه (¬7). وما جاء عن الإمام مالك، فقد حكم عليه ابن عبد البر بالشذوذ، والشاذ لا يعتد به (¬8). ¬
34] بطلان البيع بالميتة والدم
Rصحة الإجماع في تحريم بيع جلود الميتة قبل الدبغ؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة فيها؛ ولذا حكى الاتفاق من ذَكَر هذه الأقوال: كابن المنذر والطحاوي. أما بيع جلود الميتة بعد الدبغ، فلا يصح فيه الإجماع، وذلك لثبوت الخلاف فيها. 34] بطلان البيع بالميتة والدم: • المراد بالمسألة: إذا جعل الميتة -وهي: التي زالت عنها الحياة بغير ذكاة شرعية- أو الدم المسفوح، ثمنا لسلعة أيَّا كانت هذه السلعة، فإن البيع باطل، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(البيع بالميتة والدم باطل) لا فاسد، بإجماع علماء الأمصار] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
35] تحريم بيع ما ليس عند العاقد
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن جعل الميتة والدم ثمنا في البيع، يعد من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنها نجسة، ولا يحصل بها منفعة للمسلم، أو تحصل منفعة يسيرة، فتكون كأنها غير منتفع بها أصلا (¬2). الثاني: القياس على تحريم بيع الميتة والدم: فكما أن بيع الميتة والدم محرم -وهو أمر مجمع عليه بين العلماء- فكذلك جعلها ثمنا، بل هو من باب أولى. الثالث: أن ركن البيع الذي هو المالية منعدم في هذا العقد، فإن الميتة والدم لا تعدان مالا عند أحد ممن له دين سماوي (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 35] تحريم بيع ما ليس عند العاقد: • المراد بالمسألة: المشتري إذا أراد سلعة، ولم تكن عند البائع، وأراد البائع أن يبيعه سلعة معينة، غير موصوفة في الذمة، ليست له، ولم يملكها بعدُ، والغالب عدم وجودها عنده، فإنه لا يجوز له هذا البيع بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الجصاص (370 هـ) يقول عند تفسير قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4): [ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو: بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر والمجاهيل، وعقد البيع على المحرمات من الأشياء] (¬5). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده، وهو ¬
أن يبيعه شيئا ليس عنده، ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها، ليمضي ويشتريها ويسلمها. . .، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(ولا يجوز بيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه) رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حكيم بن حزام (¬6) -رضي اللَّه عنه- قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قلت: يا رسول اللَّه، يأتيني الرجل يسألني بيع ما ليس عندي أبيعه منه، ثم ابتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك" (¬7). ¬
36] بطلان بيع المرء ما لا يملكه
الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" (¬1). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع ما ليس عند البائع، والنهي في الأصل أنه على التحريم (¬2). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن بيع ما ليس عند العاقد من باب بيوع الغرر، ووجه الغرر فيها: أن البائع ليس على ثقة في الحصول على السلعة، بل قد تحصل له، وقد لا تحصل (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 36] بطلان بيع المرء ما لا يملكه: • المراد بالمسألة: إذا أراد المرء بيع عين من الأعيان، وليست موصوفة في الذمة، ولم تكن هذه العين مملوكة له، ولم يكن الذي تولى البيع الحاكم بحكم ولايته في قضاءِ حق أوجبه القضاء، أو وجد مالا ولم يعثر على مالكه، فإن بيعه باطل، باتفاق العلماء. ويدخل في هذه المسألة، ما إذا باع ملك غيره بغير إذنه، ولم يجزه مالك العين. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع المرء ما لا يملك، ولم يجزه ¬
مالكه، ولم يكن البائع حاكما، ولا متنصفا من حق له أو لغيره، أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه، فإنه باطل] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [أما بيع نصيب الغير: فلا يصح إلا بولاية، أو وكالة، وإذا لم يجزه المستحق، بطل باتفاق الأئمة] (¬2). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [وأجمعنا على أنه لو باع عينا حاضرة غير مملوكة له لا يجوز] (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(فإن باع ملك غيره، بغير إذنه، لم يصح) بالاتفاق] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللَّه، يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي ما أبيعه، ثم أبتاعه من السوق، فقال: "لا تبع ما ليس عندك" (¬6). الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذرٍ إلا فيما تملك" (¬7). ¬
37] صحة بيع العبد المأذون له
• وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق صحة البيع على الملك، فدل على أنه شرط من شروطه، وما ليس عند المرء فإنه لا يملكه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 37] صحة بيع العبد المأذون له: • المراد بالمسألة: العبد المكلف إذا أذن له سيده فى المتاجرة، فإنه يجوز له ذلك، في حدود ما أذن له، من غير زيادة أو نقصان، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن العبد العاقل البالغ المأذون له في التجارة، جائز له أن يبيع ويشتري، فيما أذن له فيه مولاه] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الكاساني (587 هـ) يقول: [. . . ينفذ بيع العبد المأذون، بالإجماع] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأما العبد المأذون له، فيصح تصرفه في قدر ما أذن له فيه، لا نعلم فيه خلافا] (¬4). • الرافعي (¬5) (623 هـ) يقول: [وإن أذن له سيده فى التجارة تصرف بالإجماع] (¬6). نقله عنه الشربيني (¬7). • الرملي (1004 هـ) يقول: [وإن أُذِن له في التجارة -من السيد أو من يقوم ¬
38] بطلان عقد الفضولي الذي تولى طرفي العقد
مقامه- تصرف بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العبد محجور عليه لحظ سيده، فملكه بيده، فإذا أذن له سيده، زال الحجر عنه. الثاني: أنه لا يمكن ثبوت الملك له، فليس أهلا للملك إلا إذا أذن له سيده (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 38] بطلان عقد الفضولي الذي تولى طرفي العقد: • المراد بالمسألة: الفضولي هو: من لم يكن وليَّا، ولا وصيَّا، ولا أصيلا، ولا وكيلا في العقد (¬4). والفضولي إذا تولى العقد عن الطرفين من دون أن يكون وكيلا عنهما أو عن أحدهما، فقال: بعت السلعة من فلان، وقبلتها عن فلان، فأجاز مالك السلعة البيع، وأجاز المشتري الشراء، فإن ذلك لا يجوز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما، فأجازا، لم يجز بالإجماع] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬6). ¬
39] ملك المشتري المبيع بالعقد
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه لا يصلح أن يكون الواحد عاقدا من الجانبين في باب البيع، وذلك لأن للبيع حقوقا متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة، فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسَلِّما ومتسلما، طالبا ومطالبا، وهذا محال، فكيف إذا كان فضوليا، فهذا من باب أولى. الثاني: القياس على الوكيل في الوكالة: فكما أنه لا يجوز أن يكون شخصا واحدا وكيلا من الجانبين، فكذلك لا يجوز أن يكون عاقدا من الجانبين، بجامع أن كلا منهما يترتب عليه حقوقا متضادة، مُحَال اجتماعها (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 39] ملك المشتري المبيع بالعقد: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان، وتم الإيجاب والقبول بينهما، فإن ملك المشتري للعين يكون من حين العقد، بإجماع العلماء، ما لم يكن ثمة خيار لهما، أو لأحدهما، أو كان بينهما خيار المجلس. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ويملك المشتري المبيع بالعقد، ويصح عتقه قبل القبض، إجماعا فيهما] (¬2). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والمرداوي (¬3). ¬
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(ومن اشترى مكيلا ونحوه، وهو الموزون والمعدود والمذروع، صح البيع، ولزم بالعقد حيث لا خيار) أي: لزم بالبيع؛ لتمام شروطه، وملك بالعقد إجماعا، حيث لا خيار لهما، أو لأحدهما إلى أمد، ولا خيار مجلس، كباقي المبيعات، وسواء احتاج لحق توفية أو لا، إلا ما يوجب الرد بنحو عيب] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيّن أنه إذا اشترى أحد طعاما، فإنه يُنهى عن التصرف به في البيع إلا بعد قبضه، فدل على أن ملكه له تام قبل القبض. الثاني: أن العقد عقد معاوضة يوجب الملك، فانتقل الملك فيه بنفس العقد، كالنكاح. الثالث: أن العقد قد تمت أركانه وهي: الإيجاب والقبول والعاقدان، فتترتب ¬
40] تحريم بيع بقاع المناسك
آثاره، وأعظمها ملك المشتري للمعقود عليه. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، وقالوا: بأن ملك المشتري لا يثبت بالعقد، بل حتى يوفي البائع حقه (¬1). ويستدل لهؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن العقد لا يستقر إلا بقبض المبيع، ولذا لو تلف المبيع قبل قبضه، فإنه يكون من ضمان البائع لا المشتري، فلا يملكه المشتري إلا بعد قبضه.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 40] تحريم بيع بقاع المناسك: • المراد بالمسألة: البقاع والأراضي التي تؤدى عليها مناسك الحج، مثل منى وعرفة ومزدلفة، وكذلك موضع السعي ونحوها، لا تجوز مبايعتها ولا إجارتها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عقيل (513 هـ) يقول: [والخلاف -أي: في بيع رباع مكة وإجارتها- في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك كموضع السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف]. نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). ¬
41] جواز بيع العقار
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن مسيكة عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قلنا: يا رسول اللَّه، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال: "لا! منى مناخ من سبق" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منع أن يوضع له شيء يظله في هذه البقعة، وعلل ذلك بأنها لمن سبق فلا يملكها أحد، فدل على عدم جواز أن يحتجز الواحد شيئا في مثل هذه البقاع، فيكون البيع من باب أولى. الثاني: القياس على المساجد: فكما أنه لا يجوز بيعها؛ لأنها أوقاف غير مملوكة، فكذلك بقاع المناسك المقدسة (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 41] جواز بيع العقار: • المراد بالمسألة: العقار في اللغة: كل ملك ثابت له أصل، من دار، أو أرض، أو نخل، أو ضيعة ونحوها، ومنه قيل: عُقْر الدار، أي: أصلها (¬3). وفي اصطلاح الفقهاء: ما له أصل ثابت لا يمكن نقله ولا تحويله. فلا يدخل في هذا البناء والشجر، فهي من المنقولات، إلا إذا كانت على وجه التبع (¬4). وقيل: هو الأرض وما يتصل بها (¬5). فيدخل فيه البناء والشجر. ¬
ويراد بالمسألة: إذا أراد أن يبيع عقارا يملكه، سواء كانت أرضا، أم دارا، أم شجرة، ولم يكن هذا بمكة، وكذا لم يكن من الأراضي التي فتحها المسلمون عَنْوة، وأوقفها الإمام على مصالح الإسلام، ولم يقسمها بين المجاهدين: كأرض العراق والشام ومصر، فإن هذا جائز، ولا شيء فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع المرء عقاره، من الدور والحوائط والحوانيت -ما لم يكن العقار بمكة- فهو جائز. واتفقوا أن بيع العقار، من المزارع والحوائط غير المشاعة جائز، ما لم يكن أرضَ عَنْوة غير أرضٍ مقسومة] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4). • وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله قد أباح البيع مطلقا، فدل على أن الأصل في المبايعات الإباحة، ما لم يأت نص بالمنع، فيدخل في هذا العقار. ¬
42] جواز بيع المحوز من الماء والكلأ والمعادن وتحريم المباح منها
الثاني: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن اللَّه أضاف الديار إلى المهاجرين الذين أخرجوا منها، والإضافة في الأصل تقتضي الملك، فإذا ثبت لهم تملك الديار التي هي من العقار في مكة، فغيرها من باب أولى (¬2). الثالث: أن الأصل في الأراضي أنها للتمليك، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لعارض شرعي: كالوقف، ونحوه (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 42] جواز بيع المحوز من الماء والكلأ والمعادن وتحريم المباح منها: • المراد بالمسألة: الماء والكلأ والمعادن من الحقوق المشتركة بين الناس، لا يجوز بيعها إذا كانت في الأرض المباحة، بإجماع العلماء. أما إذا حازها أحد إلى إنائه، أو رحله، أو أخذه، فإنه يعتبر قد ملكه، وإذا ملكه فقد حل له بيعه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الماء من سيل النيل والفرات، جائز] (¬4). ¬
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك، وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم] (¬1). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [أما بيع الماء: فالمسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلا، فقد ملكه، وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون والفيافي التي ليست بمملوكة، فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك، بلا خلاف بين أهل العلم] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [أما الماء الذي يكون بالأرض المباحة، والكلأ الذي يكون بها، فهذا لا يجوز بيعه باتفاق العلماء] (¬4). • شمس الدين الأسيوطي (880 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الماء من سيل النيل والفرات جائز] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬6). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لأن يحتزم أحدكم حُزمة من حطب، فيحملها على ظهره، فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا يعطيه أو يمنعه" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز البيع لمن أخذ الحطب من الفلاة، والحطب من الكلأ المباح الذي لا يملكه أحد، فدل على أن من حاز المباح فقد ملكه، وجاز له بيعه. الثاني: ما جاء أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "نهى عن بيع الماء إلا ما حُمِل منه" (¬2). الثالث: وهو استدلال بالعرف: يقول ابن قدامة: [وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار ببيع الماء في الروايا، والحطب، والكلأ، من غير نكير] (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: القول الأول: لا يملك الماء بحال حتى وإن أحرزه إلى إنائه، وإنما يكون هو أولى به من غيره، وإذا كان لا يملك فلا يجوز له بيعه. وهذه هي الرواية الثانية عند الشافعية، واختارها ابن عقيل من الحنابلة (¬4). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الماء، والنهي عن بيعه حتى لا يقع ملكه لأحد، بل يكون حقا مشاعا بين الناس أجمعين. القول الثاني: لا يجوز بيع الماء بحال من الأحوال، وله أن يملكه إذا أحرزه إلى ساقيته ونحوها، وإذا رده انتفى ملكه له. أما بيع الكلأ فيجوز بيعه مطلقا. ¬
وهذا رأي ابن حزم من الظاهرية (¬1). واستدل ابن حزم على قوله بعدة أدلة، منها: الأول: عن إياس بن عبد المزني (¬2) -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الماء" (¬3). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في النهي، فلا يفرق بين المحرز وغيره. الثاني: أما بيع الكلأ، فلأنه مال من مال صاحب الأرض، وكل ما تولد من مال المرء فهو من ماله، كالولد من الحيوان، والثمر، والنبات، واللبن، والصوف (¬4). القول الثالث: كراهة بيع الكلأ كله. قال به الحسن البصري وعكرمة (¬5) (¬6). أما الرواية عند الشافعية: فقد حكم عليها النووي بأنها غلط ظاهر (¬7). وأما رأي ابن عقيل: فهو خرَّجه على أن النهي عن بيع الماء يمنع التمليك (¬8)، ولا عبرة بالتخريج إذا خالف الإجماع (¬9). ¬
43] صحة بيع العين الحاضرة المرئية
أما رأي الحسن وعكرمة: فلعله محمول -إن صح عنهما- على الذي لم يحرز. أما رأي ابن حزم: فلم أجد من وافقه عليه مطلقا.Rصحة الإجماع في المنع من بيع الماء والكلأ في الأرض المباحة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما مسألة بيع ما حازه أو أخذه البائع إلى رحله، فكذلك الإجماع فيها صحيح، وإن وجد الخلاف فيها؛ وذلك لشذوذه فيها. 43] صحة بيع العين الحاضرة المرئية: • المراد بالمسألة: العين التي يراد بيعها: إما أن تكون حاضرة في مجلس العقد، أو تكون غائبة، فإذا كانت حاضرة مرئية من قبل المتعاقدين، فإن البيع صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الضِّياع (¬1) والدور، التي يعرفها البائع والمشتري بالرؤية حين التبايع، جائز] (¬2). ويقول أيضا: [بيع الحاضر المرئي المقلّب بمثله، أو بدنانير، أو دراهم حاضرة، مقبوضة، أو إلى أجل مسمى، أو حالة في الذمة، فمتفق على جوازه] (¬3). نقل عبارته الأولى ابن القطان (¬4). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول لما ذكر كلام الإمام مالك في بيع الحاضر: [لا خلاف فيه إذا اشتري على وجهه بعد النظر إليه، وقد حلب اللبن، وجنى التمر] (¬5). ¬
44] جواز الغرر اليسير وتحريم الكثير
• ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على صحة بيع العين الحاضرة التي يراها البائع والمشتري حالة العقد] (¬1). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [المبيعات على نوعين: مبيع حاضر مرئي، فهذا لا خلاف في بيعه. . .] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر" (¬4). • وجه الدلالة: أن العين إذا كانت حاضرة مرئية في مجلس العقد، فإنها تكون قد سلمت من أهم قوادح البيع، وهو الغرر الذي نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه. الثاني: أن رؤية المشتري للسلعة حين الشراء أبلغ في معرفتها على حقيقتها، فيكون قد دخل على بينة وبصيرة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 44] جواز الغرر اليسير وتحريم الكثير: • المراد بالمسألة: الغرر لغة هو: الخطر والخديعة، وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة (¬5). • وفي الاصطلاح: ما هو مجهول العاقبة، فلا يُدْرى أيكون أم لا؟ (¬6). ¬
• ويقصد بالمسألة: أن ما جهلت عاقبته من البيوع، فلا يدرى أيقع أم لا؟ فيقال: إن دعت الحاجة إلى ارتكابه، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا جاز البيع، واغتفر ما فيه من الغرر، أما إذا كان كثيرا فلا يغتفر فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الجصاص (370 هـ) يقول عند تفسير قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬1): [ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم، فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو: بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر والمجاهيل] (¬2). • القاضي عبد الوهاب (422 هـ) يقول: [ولا خلاف أن يسيره لا يمنع صحة البيع، وأن ما تدعوا الحاجة إليه منه معفو عنه، وأن الذي يُمنع ما زاد على ذلك] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا يختلفون في جواز قليل الغرر] ويقول أيضا: [وكثير الغرر لا يجوز بإجماع، وقليله متجاوز عنه] (¬4). نقل العبارة الأولى ¬
ابن القطان (¬1). • الباجي (474 هـ) يقول: [معنى بيع الغرر -واللَّه أعلم- ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه، وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع، فإنه لا يكاد يخلو عقد منه] (¬2). • المازري (536 هـ) يقول: [وقد رأينا العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر، وأجمعوا على صحة بعضها، واختلفوا في بعضها، فيجب أن يبحث عن الأصل الذي يعرف منه اتفاقهم واختلافهم، فنقول: إنا لما رأيناهم أجمعوا على منع بيع الأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء، ثم رأيناهم أجمعوا على جواز بيع الجبة وإن كان حشوها مغيبا عن الأبصار، ولو بيع حشوها على انفراده لم يجز. . .، قلنا: يجب أن يفهم عنهم أنهم منعوا بيع الأجنة لمعظم غررها وشدة خطرها، وأن الغرر فيها مقصود يجب أن يفسد العقود، ولما رأيناهم أجمعوا على جواز المسائل التي عددناها قلنا: ليس ذلك إلا أن الغرر فيها نزر يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه] (¬3). نقله عنه الزرقاني (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [ولا خلاف بين العلماء في أن يسير الغرر لغو معفو عنه] (¬5). ولما أورد حديث أبي هريرة - المذكور في مستند الإجماع - قال بعده: [وأجمعت عليه الأمة] (¬6). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الغرر. . .، باطل] (¬7). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬8). ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز] (¬9). نقله عنه الشوكاني (¬10). ¬
• أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [وبيع الغرر: هو البيع المشتمل على غرر مقصود؛ كبيع الأجنة، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك، فأما الغرر اليسير الذي ليس بمقصود، فلم يتناوله هذا النهي؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد، والدار مشاهرة (¬1) ومساناة (¬2)، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء، قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده. . . هو أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة وكان الغرر حقيرا جاز البيع، وإلا فلا] (¬4). ويقول أيضا: [والأصل أن بيع الغرر باطل. . .، والمراد: ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه، فأما ما تدعوا الحاجة، ولا يمكن الاحتراز عنه؛ كأساس الدار، وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر، وذكر أو أنثى، وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن، ونحو ذلك، فهذا يصح بيعه بالإجماع، ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير، منها: أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة، وإن لم ير حشوها، ولو باع حشوها منفردا لم يصح. وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام] (¬5). نقله عنه أبو زرعة العراقي (¬6)، ¬
والمباركفوري (¬1). • القرافي (684 هـ) يقول: [الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا: كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعا: كأساس الدار، وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه: هل يلحق بالأول أو الثاني؟ ] (¬2). الخرشي (¬3) (1101 هـ) يقول: [والغرر ثلاثة أقسام: ممتنع إجماعا: كطير الهواء، وسمك الماء، وجائز إجماعا: كأساس الدار المبيعة، وحشو الجبة المغيبة، ونقص الشهور وكمالها في إجارة الدار ونحوها، واختلاف الاستعمال في الماء في دخول الحمام، والشرب من السقاء، ومختلف في إلحاقه بالأول أو بالثاني؟ ] (¬4). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [قد يحتمل ببعض الغرر فيصح معه البيع، إذا دعت إليه الحاجة: كالجهل بأساس الدار، وكبيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، فإن ذلك مجمع عليه. وكذا على جواز إجارة الدار والدابة شهرا، مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وقدر مكثهم، على جواز الشراب قي السقاء بالعوض مع الجهالة. وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون، والطير في ¬
الهواء] (¬1). • الدردير (¬2) (1201 هـ) يقول: [(واغتفر غرر يسير) إجماعا (للحاجة). . .، فخرج بقيد اليسارة الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬3). • عليش (1299 هـ) يقول: [(واغتفر). . . إجماعا (غرر). . . (يسير) للضرورة. . .، فخرج بقيد اليسير الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر ما يستثنى من رؤية المبيع مما لا يعد غررا: [ويستثنى ما يدخل تبعا، وما يتسامح بمثله: إما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه، أو تعيينه: كأساسات البنيان، والقطن المحشو في الجبة؛ وذلك بالإجماع] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬7). ¬
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الغرر وهو محمول على الكثير دون القليل، وذلك لاتفاق العلماء على جواز بعض البيوع التي فيها غرر يسير، مما يُحتاج إليه ولا يمكن التحرز منه. الثاني: أن الغرر لا يسلم منه بيع، ثم إنه لا يمكن الإحاطة بكل المبيع، لا بنظر ولا بصفة، والأغلبُ في العامِّ السلامة، إن لم يكن في تلك كان في آخر؛ لأجل هذا جاز في اليسير دون الكثير (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن سيرين فقد ثبت عنه بإسناد صحيح أنه قال: [لا أعلم ببيع الغرر بأسا] (¬2). ورُوي عن شريح أنه كان لا يرى بأسا ببيع الغرر، إذا كان علمهما فيه سواء (¬3). ولعلهم يستدلون بالعموم وهو: أن البيع قد توفرت فيه الشروط والأركان، فيبقى على أصل الإباحة. وأجيب عن قولهما بعدة أجوبة منها: أولًا: لعله لم يبلغهما النهي الوارد في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. ثانيًا: لعل مقصودهما ما كان الغرر فيه يسيرا. ونوقش هذا الجواب: أنه يمنع من توجيه ذلك ما جاء عن ابن سيرين أنه قال: [لا بأس ببيع العبد الآبق، إذا كان علمهما فيه واحدا]. فهذا يدل على أنه يرى بيع الغرر إن سلم في المآل (¬4). ثالثًا: أن يقال بأن هذا القول شاذ لا يعتد به؛ لمخالفته الصريحة لسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. ¬
45] جواز بيع الأعمى الذي كان بصيرا
45] جواز بيع الأعمى الذي كان بصيرا: • المراد بالمسألة: الذي يرى السلعة بعينه وهو مبصر، ثم يصاب بالعمى بعد ذلك، في مدة لا تتغير فيها العين غالبا، فإن عقده جائز، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول بعد أن ذكر الخلاف في بيع من هو أعمى وقت العقد: [أما إذا كان بصيرا، فعَمِي بعد ذلك، لا خلاف في جواز بيعه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على المبصر: فكما أنه يصح بيعه، فكذلك المبصر الذي عمي، وذلك لتوفر الشروط وانتفاء الموانع، خاصة وأنه مطلع على السلعة عارف بها كمعرفة المبصر. الثاني: الاستدلال بالقياس على العرف، وهو: أن الناس منذ الصدر الأول وهم يتبايعون العميان ويبيعونهم، ولم يظهر لهم مُنْكِر، خاصة وأن منهم صحابة: كابن عمر، وابن عباس، والعباس (¬3) -رضي اللَّه عنهم- وغيرهم، ولم يثبت عن أحد إنكار ذلك ¬
46] فساد بيع العبد الآبق والجمل الشارد
عليهم، فدل على جواز عقودهم، فإذا جاز عقد من كان أعمى ولم يطلع على العين، جاز عقد من اطلع على العين وعَرَفها، ثم عَمي من باب أولى (¬1). الثالث: أن العاقد الذي عمي، قد عرف السلعة بالرؤية التي هي أقوى علامات معرفة العين، فلم يبق غرر ولا جهالة عنده، ولذا صح عقده (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 46] فساد بيع العبد الآبق والجمل الشارد: • المراد بالمسألة: إذا أبق العبد من سيده، وكذا إذا شرد الجمل من مالكه، ولم يعلما مكانهما، وكانا مقصودين بالبيع، ولم يكونا في يد المشتري أو يدعي معرفتهما؛ فإنه لا يجوز للسيد ولا للمالك، بيع العبد والجمل، والعقد لو وقع فإنه فاسد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمع علماء المسلمين أن مبتاع العبد الآبق، والجمل الشارد، وإن اشترط عليه البائع أنه لا يرد الثمن الذي قبضه منه، قَدِر على العبد أو الجمل، أو لم يقدر، أن البيع فاسد مردود] (¬3). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [الآبق إذا لم يكن عند المشتري، لا يجوز بيعه باتفاق الأئمة الأربعة. . .] ثم تكلم بعده عن الحديث - وهو حديث أبي سعيد الخدري وسيأتي في مستند الإجماع - وكلام العلماء على تضعيفه وقال بعده: [وعلى كل حال، فالإجماع على ثبوت حكمه، دليل على أن هذا المضَعَّف بحسب الظاهر، صحيح في نفس الأمر] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} (¬1). • وجه الدلالة: أن العبد إذا أبق، والبعير إذا شرد، فإن صاحبه إذا باعه إنما يبيعه مخاطرة، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير، فإن حصل له، قال البائع: قمرتني وأخذت مالي بثمن قليل، وإن لم يحصل، قال المشتري: قمرتني وأخذت الثمن بلا عوض، وهذه هي سورة الميسر الذي حرمه اللَّه في الآية، وذكر أنه سبب لإيقاع العداوة والبغضاء (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن الغرر الذي نهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو ما كان مجهول العاقبة، فلا يدرى أيحصل أم لا؟ فيدخل في ذلك العبد الآبق، والجمل الشارد؛ لأنه لا يدرى هل يجده المشتري أم لا؟ . الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن بيع الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن شراء العبد وهو آبق، والنهي في الأصل ¬
يقتضي التحريم. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: جملة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- فقد ثبت عنه أنه اشترى بعيرا وهو شارد (¬1). وممن خالف أيضا: شريح، وابن سيرين، والشعبي، وطاوس، والبتي، وأبو بكر بن داود (¬2)، وابن حزم وقال بأنه مذهب أصحابه من الظاهرية (¬3)، وكذا ذكره الحسن عن أبي حنيفة (¬4)، كل هؤلاء يرون جواز بيع العبد الآبق، إذا كان علمهما فيه واحد. وهؤلاء يستدلون بدليل عقلي، وهو: أن كل ما صح ملكه عليه وعرفت صفاته، فإنه يصح تصرفه فيه بأي لون من ألوان التصرف، فالعبد الآبق، والبعير الشارد، ملك البائع عليهما صحيح، فيصح بيعه لهما (¬5). ¬
47] بطلان بيع المعدوم
Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 47] بطلان بيع المعدوم • المراد بالمسألة: المعدوم في اللغة: أصل الكلمة يدل على فقدان الشيء وذهابه، فهو ضد الموجود (¬1). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي للكلمة. والمقصود هنا: أن المعدوم الذي لم يوجد بعد، وربما يوجد في المستقبل، أن بيعه باطل لا يصح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [فبيع المعدوم، باطل بالإجماع] (¬2). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [المعدوم لا يصح بيعه، بالإجماع في الجملة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬5). ¬
• وجه الدلالة: أن المعدوم لا يملك البائع تسليمه للمشتري، وهذا غرر ومخاطرة لا يجوز مع مثله البيع. الثاني: أن هذا لون من ألوان القمار؛ إذ بيع المعدوم قائم على الوكس والشطط، فإن العين إذا أمكن المشتري تسلُّمها فيكون قد قَمَر البائع، وإن لم يمكنه ذلك فيكون قد قمره البائع في البيع. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن تيمية وابن القيم، وقالوا بجواز بيع المعدوم في بعض الأحوال، فليس النهي عاما في كل معدوم (¬1)، وقسموه إلى ثلاثة أقسام: الأول: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقا، وهو السلم. الثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه، وهو نوعان: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه: بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، ولكن جاز بيعها تبعا للموجود. والنوع المختلف فيه؛ كبيع المقاثي والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان. الثالث: معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوما بل لكونه غررا، منه: بيع حبل الحبلة. واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: يقول ابن القيم: [ليس في كتاب اللَّه، ولا في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع لا العلم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودا أو معدوما] (¬2). ¬
48] بطلان بيع الطائر في الهواء
الثاني: يقول أيضا: [الشرع صحيح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد] (¬1).Rعدم صحة الإجماع في مسألة النهي عن بيع المعدوم؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، والمقصود من عدم الصحة في المسألة هو تعميم النهي عن بيع المعدوم، فالعلماء قاطبة كما ذكر ابن القيم أجازوا بعض صور بيع المعدوم، وهو مراد من حكى الإجماع في المسألة، فهم يوافقون على هذه المسائل. 48] بطلان بيع الطائر في الهواء: المراد بالمسألة: الطائر إذا كان يطير في الهواء، وهو غير محبوس في مكان، وعلم أنه لا يرجع، فإن بيعه محرم ولا يصح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • المازري (536 هـ) يقول: [أجمعوا على منع بيع الأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء] (¬2). نقله عنه الزرقاني (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا باع طائرا في الهواء، لم يصح، مملوكا أو غير مملوك. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء] (¬5). نقله عنه أبو زرعة العراقي (¬6). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع الطير في الهواء، مملوكا كان أو لا. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬7). ¬
• القرافي (684 هـ) يقول: [الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا: كالطير في الهواء. . . .] (¬1). • الخرشي (1101 هـ) يقول: [والغرر ثلاثة أقسام: ممتنع إجماعا: كطير الهواء] (¬2). • النفراوي (125 هـ) يقول: [وأما السمك فى الماء، أو الطير فى الهواء، فممتنع إجماعا] (¬3). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء] (¬4). • العدوي (¬5) (1189 هـ) يقول: [وأما السمك فى الماء، والطير فى الهواء، فممتنع إجماعا] (¬6). • الدردير (1201 هـ) يقول: [(واغتفر غرر يسير) إجماعا (للحاجة). . .، فخرج بقيد اليسارة الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬7). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [ومن جملته -أي: بيع الغرر-: بيع الطير في الهواء، وهو مجمع على ذلك] (¬8). • عليش (1299 هـ) يقول: [(واغتفر). . . إجماعا (غرر). . . (يسير) ¬
للضرورة. . .، فخرج بقيد اليسير الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(ولا طير في هواء) أجمعوا على النهي عنه] (¬2) • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬4). • وجه الدلالة: أن من بيع الغرر: بيع الطائر إذا كان في الهواء، فهو مجهول العاقبة، لا يُدرى عن حصوله شيء. الثاني: أن بيع الطائر في الهواء قد اختل فيه شرطان من شروط البيع، وهما: القدرة على تسليمه، فقد يقدر عليه وقد لا يقدر، وكذا عدم الملك إذا لم يكن يملكه، فإذا كان كذلك، فهو بيع باطل لفقده هذين الشرطين. الثالث: أنه إن قدر عليه فيكون المشتري قد قمر البائع؛ حيث أخذ ماله بدون قيمته، وإن لم يقدر عليه، كان البائع قد قمر المشتري، وفي كل منهما أكل مال بالباطل؛ فهو قمار (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فقال: يجوز بيع الطائر في الهواء إذا كان مملوكا (¬6). ¬
49] بطلان بيع المجهول
واستدل لقوله: أن من شروط البيع الملك، وليس من شروطه أن يكون في يده، وليس في صريح الأدلة ما يدل على المنع من بيعه في هذه الحالة. ولم أجد من وافقه على هذا الرأي.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 49] بطلان بيع المجهول: • المراد بالمسألة: من شروط المبيع: أن يكون معلوما للمتعاقدين، وعليه: فإذا كان مجهولا لهما أو لأحدهما، جهالة تمنع التسليم والاستلام، فالبيع غير صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الشافعي (204 هـ) يقول: [والبيع في السنة والإجماع، لا يجوز أن يكون مجهولا عند واحد منهما، فإن لم يجز بأن يجهله أحد المتبايعين، لم يجز بأن يجهلاه معا] (¬1). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [اتفقت الأمة على أنه لا يجوز إلا بيع معلوم بمعلوم بأيِّ طريق من طرق العلم وقع] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [بيع المجهول، لا يصح إجماعا] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [لا خلف لأحد، أن جهالة المبيع تمنع الجواز] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [وبيع المجهول، لا يصح إجماعا] (¬5). ¬
50] صحة رؤية بعض الدار والأرض إذا وقفا على جزء منها
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬2). • وجه الدلالة: أن الرضا لا يوجد مع الجهالة، وإنما يقع التراضي على ما كان معلوما، وعليه فما كان مجهولا فلا يحل بيعه؛ إذ هو من أكل أموال الناس بالباطل. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن من صور الغرر، وجود الجهالة في المبيع (¬4). الثالث: أن جهالة المبيع تمنع من تسليمه وتسلمه، وتؤدي إلى تنازع المتبايعين، ويصير العقد بها غير مفيد، وكل عقد يؤدي إلى النزاع فهو فاسد (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 50] صحة رؤية بعض الدار والأرض إذا وقفا على جزء منها: • المراد بالمسألة: الدار: اسم لما أُدِير عليه الحدود من الحائط، ويشمل البيوت والمنازل والصحن غير المسقف (¬6). فإذا أراد بيع الدار، ورآها المتعاقدان ووقفا على بيت منها، أو أراد بيع الأرض ووقفا على طرف منها، فإن البيع صحيح، حتى وإن لم يطَّلع المشتري على الباقي، بلا خلاف بين العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لو رأيا دارا، ووقفا في بيت منها، أو أرضا، ووقفا في طرفها، وتبايعاها، صح بلا خلف، مع عدم المشاهدة للكل في الحال] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لو رأيا دارا ووقفا في بيت منها، أو أرضا ووقفا على طرفها، وتبايعاها، صح بلا خلاف، مع عدم المشاهدة للكل في الحال] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [إذا رُؤي من المبيع ما يدل على ما لم يُر، جاز البيع باتفاق المسلمين، في مثل بيع العقار والحيوان] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية في رواية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الدار شيء واحد، إذا رأى جزءا منها فكأنه رآها كلها (¬5). ¬
51] فساد بيع حبل الحبلة
الثاني: أن المقصود من رؤية المبيع هو العلم بحاله، وإذا كانت أجزاؤه لا تتفاوت غالبا، فلا حاجة لرؤية باقيه. • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: القول الأول: المالكية على المشهور عندهم: قالوا: إن المتقوم لا بد من رؤية جميعه، ولا يكفي رؤية بعضه، ويدخل في المتقوم الدور والأراضي (¬1). القول الثاني: الشافعية قالوا: إذا كان المبيع مما يستدل برؤية بعضه على باقيه، فيكفي رؤية بعضه، وهذا يدخل فيه الأراضي، أما الدور فقد نصوا على أنه لا بد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران والمستحم والبالوعة (¬2). ويمكن أن يستدل لمن قال بأنه لا بد من رؤية الجميع: بأن رؤية جميع المبيع والوقوف عليه، أبعد عن الوقوع في الجهالة والغرر، التي يَتْبعها الخصومة والمنازعة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل عذر ابن قدامة في هذا أنه لم يذكر المسألة ابتداء، وإنما ذكرها في معرض الاستدلال على مسألة أخرى. 51] فساد بيع حبل الحبلة: • المراد بالمسألة: هذا البيع من البيوع التي كان أهل الجاهلية يبتاعونها بينهم، وقد اختلف العلماء في تفسيره على عدة أقوال، أشهرها قولان: القول الأول: هو أن يبتاع الرجل الجزور بثمن مؤجل إلى أن تنتج الناقة، وتنتج التي في بطنها. وهذا هو الذي فسره به ابن عمر راوي الحديث، وهو قول المالكية، والشافعية، فيكون سبب النهي هو: الجهالة في الأجل (¬3). ¬
القول الثاني: هو بيع ما سوف يحمله الحمل بعد أن يولد، ويحمل ويلد، وهو نتاج النتاج. وهو قول الحنفية، ومشهور مذهب الحنابلة، فتكون العلة في المنع هي: الجهالة والعدم (¬1). وهو وإن كان القول الأول أقوى من الثاني، إلا أن كلا من التفسيرين يجعلان هذا النوع من البيوع الفاسدة والمنهي عنها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على فساد بيع حبل الحبلة. . . .] (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول بعد أن ذكر تفسير حبل الحبلة: [ولا خلاف بين العلماء أن البيع إلى مثل هذا من الأجل لا يجوز، وقد جعل اللَّه الأهلة مواقيت للناس، ونهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن البيع إلى مثل هذا من الأجل، وأجمع المسلمون على ذلك] (¬3). • الماوردي (450 هـ) يقول: [وأيُّ التأويلين -يقصد بيع نتاج الناقة الحامل أو جعل الأجل في البيع مقدرا بنتاج الناقة- فالبيع فيه باطل؛ لأن حكم البيع في التأويلين متفق عليه، وإن اختلف المراد به] (¬4). • البغوي (516 هـ) يقول: [والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن بيع نتاج النتاج لا يجوز] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول بعد أن ذكر جملة من بيوع الجاهلية، ومنها: حبل الحبلة: [فهذه كلها بيوع جاهلية، متفق على تحريمها] (¬6). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [حبل الحبلة: قد فسره ابن عمر في الحديث، وهذه البيوع كانت بيوعا في الجاهلية، نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها. . .، فمتى وقع شيء منها، فهو فاسد لا يصح بوجه، ولا خلاف أعلمه في ذلك] (¬7). ¬
• النووي (676 هـ) يقول: [اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول]. ويقول بعد أن ذكر الخلاف في تفسير حبل الحبلة: [. . . وعلى التقديرين، البيع باطل، بالإجماع] (¬1). • ابن الشاط (723 هـ) يقول بعد أن ذكر أن الغرر منقسم إلى ثلاثة أقسام من جهة الجهالة: [الأول: كثير ممتنع إجماعا: كالطير في الهواء، ومن ذلك جميع البيوع التي نهي عنها -صلى اللَّه عليه وسلم-: كبيع حبل الحبلة] (¬2). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول بعد ذكر الخلاف في تفسير حبل الحبلة: [البيع المذكور بالتفاسير الثلاثة الأولى، متفق على بطلانه] (¬3). • شمس الدين الأسيوطي (880 هـ) يقول: [وأجمعوا على منع بيع حبل الحبلة] (¬4). • ابن عابدين (1252 هـ) يقول: [اعلم أن البيع بأجل مجهول، لا يجوز إجماعا] (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها" (¬6). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬7). • وجه الدلالة: أن من الغرر الجهالة، سواء كانت الجهالة في الأجل، أو في المبيع ذاته، فيدخل فيه النهي عن بيع حبل الحبلة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
52] بطلان بيع المضامين والملاقيح
52] بطلان بيع المضامين والملاقيح: • المراد بالمسألة: اختلف العلماء في تفسير المضامين والملاقيح على أقوال: القول الأول: المضامين هي: ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح هي: ما في أصلاب الفحول. وهذا قال به الإمام مالك (¬1). القول الثاني: المضامين هي: ما في أصلاب الفحول، والملاقيح هي: ما في بطون الإناث. وهذا قال به أبو عبيدة (¬2)، وأبو عبيد، والأزهري (¬3)، والجوهري (¬4)، وجماهير العلماء، وأهل اللغة (¬5). القول الثالث: أن المضامين والملاقيح بمعنى واحد، وهي: ما في بطون النوق من الأجنة. قال به ابن خطيب الدهشة (¬6) (¬7). وهو ضعيف؛ لأنه قرن ¬
بينهما، ولو كانا بمعنى واحد لكان تكرارا. وأيا كان الراجح من القولين الأولين فالحكم واحد فيهما جميعا، وهو تحريم بيعهما، بإجماع العلماء. والمقصود بما في أصلاب الفحول هو: بيع ما يتكون عن ضرابه، كأن يقول: أبيعك ما يتكون من ماء فحلي هذا في بطن ناقتي هذه. وبهذا يتبين الفرق بينه وبين بيع عسب الفحل المنهي عنه، وهو قول أكثر العلماء (¬1). ومما ينبغي أن يشار إليه هنا: أن ما في بطون الأنعام يسمى أيضا بالمجر، فهو: شراء ما في بطن الناقة، أو بيع الشيء بما في بطنها (¬2). وعلى هذا فيدخل حكمه في المسألة معنا، سواء نص من حكى الإجماع عليه أم لا. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على فساد بيع. . .، ما في بطن الناقة، وبيع المجر. . .، وأجمعوا على فساد بيع المضامين والملاقيح] (¬3). ويقول أيضا لما ذكر النهي عن بيع المجر: [والبيع في هذا باطل، لا أعلمهم يختلفون فيه] (¬4). نقل عبارته الأولى: ابن قدامة، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني (¬5). • الماوردي (450 هـ) يقول: [وأما بيع الحمل في بطن أمه فباطل؛ لأنه غرر. . . على أنه متفق عليه] (¬6). نقله عنه النووي (¬7). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وقد روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه نهى عن بيع ¬
المجر، وهو: بيع ما في بطون الإناث، ونهى عن المضامين والملاقيح (¬1)، وأجمعوا أنه بيع لا يجوز] (¬2). ويقول أيضا: [جعل مالك استثناء البائع للجنين كاشترائه له لو كان، وقد أجمعوا أنه لا يجوز شراؤه] (¬3). ويقول أيضا: [اتفق العلماء على أن بيع ما في بطون الإناث لا يجوز] (¬4). ويقول لما ذكر الخلاف في تفسير معناهما: [وأيُّ الأمرين كان، فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك كله لا يجوز في بيوع الأعيان، ولا في بيوع الآجال] (¬5). • الباجي (474 هـ) يقول: [ولا خلاف بين الفقهاء في الحكم، أنه لا يجوز أن يباع ما في بطن الناقة من جنين، ولا ما في ظهر هذا الفحل] (¬6). • المازري (536 هـ) يقول: [أجمعوا على منع بيع الأجنة] (¬7). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع المضامين -وهو: بيع ما في بطون الأنعام- وبيع الملاقيح -وهو: بيع ما في ظهورها-. . .، باطل] (¬8). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول بعد أن ذكر بعض بيوع الجاهلية، وذكر منها المضامين والملاقيح: [فهذه كلها بيوع جاهلية، متفق على تحريمها] (¬9). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [بيع الحمل في البطن دون الأم، ولا خلاف في فساده] (¬10). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول بعد أن ذكر الخلاف في تفسير المضامين والملاقيح: [وأيُّ الأمرين كان: فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز] (¬11). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [بيع الحمل في البطن، فاسد بلا ¬
خلاف] (¬1). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول بعد أن ذكر أربعة أقوال في تفسير حبل الحبلة، وكان الثالث منها: بيع ما في بطون الأنعام: [البيع المذكور بالتفاسير الثلاثة الأولى متفق على بطلانه] (¬2)، وقال أيضا: [أجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون] (¬3). • شهاب الدين الأسيوطي (880 هـ) يقول: [وأجمعوا على فساد بيع المضامين والملاقيح] (¬4). • المرداوي (885 هـ) يقول: [بيع الحمل في البطن نهى الشارع عنه، فلا يصح بيعه إجماعا] (¬5). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [والحديث -أي: حديث أبي هريرة في النهي عن بيع المضامين والملاقيح- دليل على عدم صحة بيع المضامين والملاقيح. . .، وهو إجماع] (¬6). ويقول أيضا: [بيع ما في بطون الحيوان، وهو مجمع على تحريمه] (¬7). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [فيه -أي: حديث أبي سعيد في النهي عن شراء ما في بطون الأنعام- دليل على أنه لا يصح شراء الحمل، وهو مجمع عليه] (¬8). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(ولا يباع حمل في بطن) إجماعا] (¬9). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬10). ¬
53] بطلان بيع الحصاة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة" (¬1). الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "أنه نهى عن بيع المَجْر" (¬2). الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع" (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 53] بطلان بيع الحصاة: • المراد بالمسألة: هذا البيع لون من ألوان البيوع التي كانوا يتبايعونها في الجاهلية، وقد اختلف العلماء في بيان معناه على عدة أقوال: الأول: أن يلقي حصاة على أثواب، فأي ثوب وقع عليه كان هو المبيع بلا تأمل، ولا رَويَّة، ولا خيار بعد ذلك. وهذا المعنى ذكره الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). الثاني: أن يقول البائع للمشتري: بعتك من هذه الأرض من محل وقوفي أو وقوف فلان إلى ما تنتهي إليه رمية هذه الحصاة بكذا. نص على هذا التفسير ¬
المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقيده الأولون، بأن يقع البيع على اللزوم (¬1). الثالث: أن يقول البائع: إذا رميت هذه الحصاة، فهذا الثوب مبيع منك بعشرة، أي: يجعل الرمي صيغة البيع. وهذا وجه من التفسير قال به الشافعية (¬2). الرابع: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا بكذا، على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع ولزم. وهذا ذكره المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). الخامس: وصورته: أن يقول البائع للمشتري: ارم بالحصاة، فما خرج ووجد من أجزاء تلك الحصاة التي تكسرت كان لي بعدده دنانير أو دراهم. أو يقول المشتري للبائع: ارم بالحصاة، فما خرج من أجزائها المتفرقة حال رميها، كان لك بعدده دنانير أو دراهم. ويحتمل أيضا عندهم أن يكون المراد بالحصاة الجنس، أي: يقول البائع للمشتري: خذ جملة من الحصى، في كفك أو كفيك، وحركه مرة أو مرتين -مثلا- فما وقع فلي بعدده دراهم أو دنانير. وهذا التفسير ذكره المالكية (¬4). وهذه التفاسير وإن اختلفت في ألفاظها إلا أنها متفقة في المعنى، ومرد هذا المعنى إلى أن هذا البيع من البيوع التي مبنية على الجهالة والغرر والقمار، وما كان كذلك فإنه ينهى عنه أيا كانت صفته، وما وقع منه فهو باطل، باتفاف العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الحصاة. . .، باطل] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ومن البيوع المنهي عنها: بيع الحصاة. . .، لا نعلم فيه خلافا] (¬6). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(ولا بيع الحصاة. . .) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذه المبايعات] (¬7). ¬
54] تحريم بيع الثوب في طيه
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬2). • وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل جعل من شرط التجارة وجود الرضا من الطرفين حال التعاقد، وإلا فإنه يكون من أكل أموال الناس بالباطل، وبيع الحصاة قد انعدم الرضا فيه إما من الطرفين كما في بعض صوره، أو من أحدهما. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الحصاة، والنهي للتحريم، ويقتضي فساد المنهي عنه إذا كان راجعا إلى ذاته.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 54] تحريم بيع الثوب في طيه: • المراد بالمسألة: إذا أراد بيع الثوب وكان مطويا - وهو الذي لا يظهر منه إلا ظاهره - ولم ينظر إليه، أو كان مما يوضع في جراب فلا يظهر منه شيء، فإنه لا يجوز له بيعه من دون وصف ولا رؤية، عند جميع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وأما بيع الثوب في طيه دون أن ينظر إليه، فلا يجوز عند الجميع] (¬4). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والقول الجديد عند الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬2). • وجه الدلالة: أن من الغرر أن يبيع الثوب وهو لا يعرف وصفه ولا جنسه، ولم يكن رآه من قبل. الثاني: القياس على الملامسة؛ فإذا نهي عن الملامسة وهي: لمس الثوب ولمَّا يتبين ما فيه ويعرف حقيقته، فمن باب أولى بيعُ الثوب في طَيِّه الذي لم ينظر إليه أصلا (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في القديم، وقالوا: إذا قال: بعتك الثوب المَرَوي الذي في كمي. فإنه يصح ويثبت له الخيار. فالذي في كمه لم يره ولم يوصف له. واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: الأول: ما جاء أن عثمان -رضي اللَّه عنه- ابتاع من طلحة بن عبيد اللَّه (¬4) -رضي اللَّه عنه- أرضا ¬
55] جواز بيع الجنين مع أمه
بالمدينة ناقلة بأرض له بالكوفة، فلما تباينا ندم عثمان، ثم قال: بايعتك ما لم أره، فقال طلحة: إنما النظر لي، إنما ابتعت مغيبا، وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت، فجعلا بينهما حكما، فحكما جبير بن مطعم (¬1) -رضي اللَّه عنه- فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبا (¬2). الثاني: أنه عقد على عين، فجاز مع الجهل بصفته، كالنكاح (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 55] جواز بيع الجنين مع أمه: • المراد بالمسألة: بيع ذات الحمل من الدواب -سواء كانت آدمية أو غيرها- وهي حامل، من غير ذكرٍ لحملها في العقد، جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الشافعي (204 هـ) يقول: [والدلالة بالسنة في النخل قبل أن يؤبر، وبعد الإبار في أنه داخل في البيع، مثل الدلالة بالإجماع في جنين الأمة وذات الحمل من البهائم، فإن الناس لم يختلفوا في أن كل ذات حمل من بني آدم ومن البهائم، بيعت فحملها تبع لها كعضو منها، داخل في البيع، بلا حصة من الثمن] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [إذا باع حاملا بيعا مطلقا، دخل الحمل في البيع بالإجماع] (¬5). ¬
• الشربيني (977 هـ) يقول: [(ولو باع حاملا) حملها له (مطلقا) من غير تعرض لدخول أو عدمه (دخل الحمل في البيع) تبعا لها، بالإجماع] (¬1). • الجاوي (¬2) (1316 هـ) يقول: [ولو باع حاملا مطلقا، من غير تعرض لدخول وعدمه، دخل الحمل في البيع، إن كان مالكهما متحدا، إجماعا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيع الثمرة مع أصلها، وكذا اللبن في الضرع مع بيع الشاة، والنوى مع بيع التمر، وأساسات الحيطان في بيع الدار، كلها جائزة، بجامع أنها حصلت تبعا في البيع ولم تكن مقصودة، فيحتمل الغرر والجهالة فيها، ويُغْتفرُ في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال (¬5). ¬
56] بطلان بيع اللبن في الضرع
الثاني: القياس على سائر أطراف الأم: فلا يحتاج إلى ذكرها، وتدخل في البيع، والحمل يعد جزءا منها (¬1). الثالث: أن الناس ما زالوا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وبعلمه، يتبايعون إناث الضأن والبقر والخيل والمعز والإبل والإماء والظباء -حوامل وغير حوامل- ويغنمون كل ذلك، ويقتسمونهن، ويتوارثونهن ويقتسمونهن كما هن، ولم يأت نص قط بأن للأولاد حكما آخر قبل الوضع، فدل على أن بيع الحامل بحملها جائز كما هو، ما لم تضعه (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 56] بطلان بيع اللبن في الضرع: • المراد بالمسألة: اللبن إذا كان في الضرع، ولم ينفصل عن البهيمة، فإن بيعه على هذا الوجه مطلقا من غير تحديد، منهي عنه، ولو وقع فهو باطل غير صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [والحديث -أي: حديث أبي سعيد المذكور في مستند الإجماع- اشتمل على ست صور منهي عنها. . .، والثانية: اللبن في الضروع، وهو مجمع عليه] (¬3). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [قوله: "وعن بيع ما في ضروعها" هو أيضا مجمع على عدم صحة بيعه قبل انفصاله. . .، إلا أن يبيعه منه كيلا، نحو أن يقول: بعت منك صاعا من حليب بقرتي، فإن الحديث يدل على جوازه] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وهو الصحيح عند الشافعية، والحنابلة، وهو رأي ابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن اللبن ما دام أنه في الضرع، وقيد الجواز بالكيل، وهذا يدل على أنه لا بد من خروجه؛ إذ لا يعرف الكيل إلا بعد خروجه. الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أو يباع صوف على ظهر، أو سمن في لبن، أو لبن في ضرع" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ذلك، والنهي في الأصل أنه على التحريم، ويقتضي فساد المنهي عنه. الثالث: أن البيع على هذه الصفة فيه جهالة كبيرة في الصفة والمقدار؛ أما الصفة: فانتفاخ الضرع ربما يكون لبنا أو يكون لحيما (¬3)، واللبن قد يكون صافيا وقد يكون كدرا لا ينتفع به. أما المقدار: فإن اللبن في العروق ينصب إلى الضرع وقت الحلب فيختلط المبيع بغيره، وربما الشاة تدر فيستطيع المشتري حلبها، وربما ترفس وتمتنع من الحلب ولا تدر، فلا يتمكن من حلبها، والمشتري ربما يستقصى في الحلب والبائع يطالبه بأن يترك داعية اللبن، كل هذا وغيره من الجهالة التي تفضي إلى المنازعة بينهما، وهو بلا شك غرر ينهى عن مثله ¬
الشارع (¬1). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في المسألة على عدة أقوال: القول الأول: المالكية: قالوا بجواز بيع اللبن في الضرع بشروط سبعة، هي: 1) أن يكون لبن شياهٍ كثيرة، أما إن كان لبن شاة أو شاتين فكرهه مالك إلا أن يكون كيلا، كل قسط بكذا وكذا. 2) أن تكون متساوية في اللبن. 3) أن يكون قد عرف وجه حلابها. 4) أن يشرع في أخذ اللبن بعد العقد. 5) أن يعجل الثمن. 6) أن يكون الشراء في إبان الحلاب. 7) أن يكون الشراء لأجلٍ لا ينقص اللبن قبله (¬2). القول الثاني: وجه عند الشافعية: قالوا بالجواز إذا حلب شيئا من اللبن فأراه إياه، ثم قال: بعتك رطلا مما في الضرع (¬3). وعندهم وجه بجواز ما لو قَبَضَ قدرا من الضرع ثم أحكم شده، وقال: أبيعك هذا القدر المقبوض (¬4). القول الثالث: اختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: يجوز بيع اللبن في الضرع إذا كان موصوفا في الذمة، وكان من شاة أو بقرة معينة (¬5). ¬
القول الرابع: قال به سعيد بن جبير (¬1)، ومحمد بن مسلمة (¬2)، قالوا: بجواز بيع اللبن في الضرع مطلقا (¬3). القول الخامس: قال به الحسن البصري، وطاوس، ومجاهد، قالوا: بالكراهة لهذا البيع، ونقل عن طاوس الكراهة إلا أن يكون كيلا محددا (¬4). واستدل المخالفون بعدة أدلة (¬5)، منها: الأول: عن أبي البختري (¬6) قال: سألت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن السلم في النخل ¬
57] جواز بيع الحيوان الذي في ضرعه لبن
فقال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الثمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز". وسألت ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- فقال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع النخل حتى يَأكل أو يُؤكل، وحتى يوزن، قلت: وما يوزن؟ قال رجل عنده: حتى يحرز" (¬1). • وجه الدلالة: قال: ابن القيم: [وقد دل على جوازه نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه. . .، فإذا أسلم إليه في كيل معلوم، من لبن هذه الشاة، وقد صارت لبونا، جاز، ودخل تحت قوله: ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا بكيل أو وزن. فهذا إذنٌ لبيعه بالكيل والوزن معينا أو مطلقا؛ لأنه لم يفصِّل، ولم يشترط سوى الكيل والوزن، ولو كان التعيين شرطا لذكره] (¬2). الثاني: القياس على استئجار الظئر لإرضاع الولد، فكما أنه يجوز فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما معلوم القدر والصفة في العادة. الثالث: أن حلب اللبن معلوم في الغالب مقداره، وإن اختلفت الأيام فيه، فهو اختلاف يسير، والغرر اليسير معفو عنه (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 57] جواز بيع الحيوان الذي في ضرعه لبن: • المراد بالمسألة: حين يريد البائع بيع الحيوان الذي يملكه، وفي ضرعه لبن لا يُعلم مقداره، ولم يشترطه أو يذكره أحدهما في البيع، فإن البيع صحيح بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه ¬
لبن، وإن كان اللبن مجهولا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (¬3). • وجه الدلالة: أن الحديث دليل على جواز بيع بهيمة الأنعام التي يكون في ضرعها لبن؛ إذ المنهي عنه هو حبس اللبن في ضرعها مدة، تدليسا على المشتري (¬4). الثاني: القياس على بيع الثمرة قبل بدو الصلاح مع أصلها، وكذا النوى في التمر مع التمر، وأساسات الحيطان مع الدار، كل هذه جائزة؛ لأنها بيعت مع أصلها، ولم تكن مقصودة في البيع فاغتفرت الجهالة فيها، ثم إنه يغتفر في التبعية ¬
58] جواز بيع المسك
ما لا يغتفر في الاستقلال (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 58] جواز بيع المسك: • المراد بالمسألة: المسك: لون من ألوان الطيب، يؤخذ من بعض فصائل الغزلان التي لها أنياب، يجتمع في صرتها الدم، فيؤذيها، فتندفع إلى صخور حادة، فتحتك بها، فينفجر منها على تلك الصخور، ويؤخذ من هذه الأماكن بعد جفافه، ويوضع في نوافج تحفظه، ومنهم من يصطاده، ويقطع هذه السرة التي يجتمع فيها، تبقى زمانا حتى تستحيل الرائحة الخبيثة إلى رائحة طيبة، والأول أجود وأذكى رائحة (¬2). والمسك الذي هو الطيب الخالص الذي لم يخلط مع غيره، يجوز بيعه، إذا كان خارجا عن وعائه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [المسك طاهر، ويجوز بيعه، بلا خلاف، وهو إجماع المسلمين] (¬3). نقله عنه المناوي، وابن عابدين (¬4). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واستقر الإجماع على طهارة المسك، وجواز بيعه] (¬5). ¬
• العيني (855 هـ) يقول: [واستقر الإجماع على طهارته، وجواز بيعه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء: كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص في هذا على أن حامل المسك قد تشتري منه المسك، ولو كان بيعه حراما لما ذكره أو مثَّل به عليه السلام (¬4). الثاني: عن أم سلمة (¬5) -رضي اللَّه عنها- قالت: لما تزوجني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إني قد ¬
59] جواز بيع الصوف المنفصل عن الحيوان
أهديت إلى النجاشي (¬1) حُلَّة، وأواقي مسك، ولا أُراه إلا قد مات، وسترد الهدية، فإن كان كذلك فهي لك" قالت: فكان كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات النجاشي، وردت الهدية، فدفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، ودفع الحلة، وسائر المسك إلى أم سلمة (¬2). • وجه الدلالة: أن ما جازت هديته، جاز بيعه، كسائر المملوكات (¬3). الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر امرأة من بني إسرائيل حشت خاتمها مسكا، والمسك أطيب الطيب" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سماه أطيب الطيب واستعمله، فدل على طهارته، وما كان طاهرا جاز استعماله ومبايعته.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 59] جواز بيع الصوف المنفصل عن الحيوان: • المراد بالمسألة: الصوف للغنم هو: كالشعر للمعز والوبر للإبل (¬5). إذا جُزَّ وانفصل عن الغنم، فإن بيعه جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز بيع الصوف المنفصل عن ¬
60] منع بيع عسب الفحل
الحيوان] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬3). • وجه الدلالة: هذه الآية تفيد أن الأصل في البيع أنه على الحل، ما لم يأت دليل يدل على المنع، فيدخل فيها بيع الصوف المنفصل عن الحيوان. الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أو يباع صوف على ظهر، أو سمن في لبن، أو لبن في ضرع" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الصوف، وقيد النهي بما إذا كان على ظهر البهيمة، فدل بمفهومه على جوازه إذا كان منفصلا عنها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 60] منع بيع عسب الفحل: • المراد بالمسألة: عَسْب الفحل يطلق في أصل اللغة: على ضرابه وعلى مائه، ثم أُريد به الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، وهذا من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وهذا مستعمل عند العرب، كما قالوا للمزادة راوية، وإنما الراوية البعير الذي يستقى عليه. وكأنه سمي عسبا؛ لأن الفحل يركب العسيب إذا سَفِد (¬5). ¬
ويطلق في اصطلاح الفقهاء على معنيين، هما: الأول: كراء الفحل للضراب. الثاني: بيع ضراب الفحل أو مائه (¬1). ولعل المراد بالمسألة المعنى الأول دون الثاني؛ إذ لم يحك الإجماع إلا ابن هبيرة وقد فسره بالمعنى الأول. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع عسب الفحل، وهو: أن يستأجر فحل الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو غيرها لينزو على الإناث، مكروه] (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عَسْب الفحل" (¬3). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث" (¬4). الثالث: أن بيع الضراب أو إجارته يترتب عليه عدة محاذير، منها: أن ضرابه غير معلوم، ثم هو غير مقدور على تسليمه، وكذا أيضا غير متقوم، وكل واحدة من هذه كافية في تحريمه (¬5). • المخالفون للإجماع: هذه المسألة وقع الخلاف فيها بين العلماء على أقوال (¬6): ¬
القول الأول: قول الحنفية، وابن حزم من الظاهرية: أن بيع عسب الفحل وإجارته على التحريم (¬1). القول الثاني: قول المالكية: إن كان يعطيه ثمنا على أن يحمل فحله على ناقة المشتري مدة غير محددة، إلى أن تحمل مثلا، فهذا لا يجوز. وإذا استأجره على أن ينزيه على ناقته أكواما معدودة يسيرة تتأتى منه في وقت أو أوقات فلا بأس في هذا. وحملوا النهي الوارد على الحالة الأولى، أو على التنزيه (¬2). والكراهة قال بها من الصحابة: أبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب (¬3) (¬4). القول الثالث: قول الشافعية: إن كان الثمن على أنه بيع فهو باطل قطعا، وإن كان على أنه إجارة فعندهم روايتان: الأصح أنه لا يصح. والثانية: أنه يجوز مع الكراهة (¬5). القول الرابع: قول الحنابلة: لا يجوز بيع عسب الفحل وهو ضرابه بلا نزاع عندهم، أما إجارته: فالمشهور والذي عليه أكثر الأصحاب عدم الجواز أيضا، وخرج أبو الخطاب وجها بالجواز، وهو احتمال عند ابن عقيل (¬6). وقال به -أي: ¬
61] بطلان بيع الملامسة والمنابذة
الجواز- من التابعين: الحسن وابن سيرين (¬1). استدل من قال بالجواز بعدة أدلة، منها: الأول: أن العقد إنما يكون على منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء يكون تابعا لها، ثم إن الغالب حصوله عقب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر لحصول اللبن في بطن الصبي (¬2). الثاني: القياس على الإعارة: فكما أنه تجوز إعارة الفحل للنزو، فكذلك إجارته، بجامع المنفعة في كل منهما (¬3). واستدل من قال بالكراهة بدليل عقلي، وهو: أن الحاجة تدعو إلى هذه المنفعة؛ إذ ليس كل الناس يملك الفحل، وربما لا يجده إلا بأجرة، فأبيح لذلك، وهي منفعة مقصودة (¬4).Rأما مسألة بيع ماء الفحل فهذه لم يقع فيها خلاف بين العلماء، أما مسألة إجارة ضرابه فهذه لا يصح الإجماع فيها؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. وربما قصد ابن هبيرة بالاتفاق هو على أقل ما قيل في المسألة، وهذا لا يتأتى أيضا لوجود من قال بالجواز. 61] بطلان بيع الملامسة والمنابذة: • المراد بالمسألة: هذان البيعان من بيوع الجاهلية التي كانوا يتعاملون بها، وقد اختلف العلماء في تفسيرها على عدة أقوال: الأول: أن يجعلا اللمس والنبذ بيعا من دون صيغة، مثاله في الملامسة: يكون الثوب مطويا، فيقول البائع للمشتري: إذا لمسته فقد وجب البيع، اكتفاء بلمسه عن الصيغة. ومثاله في المنابذة: أيُّ ثوب أنبذه إليك فقد وجب البيع بيننا بعشرة. ¬
وهذا ذكره الحنفية والشافعية والحنابلة (¬1). الثاني: أن يبيعه شيئا على أنه متى لمسه أو نبذه إليه لزم البيع، وانقطع خيار المجلس وغيره. وهذا ذكره الشافعية (¬2). الثالث: في الملامسة: أن يلمس ثوبا مطويا، أو في ظلمة، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، اكتفاء بلمسه عن رؤيته، أو يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. وفي المنابذة: أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر، ولا ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه، أو ينبذه إليه بلا تأمل، على جعل النبذ بيعا. وهذا ذكره المالكية والشافعية (¬3). الرابع: أن المراد بالمنابذة: هو بيع الحصاة. وهو تأويل عند الشافعية (¬4). والتفسير الثالث أقعد باللفظين؛ لأنها مفاعلة فتستدعي وجود الفعل من الجانبين، وهو أقرب للتفاسير الواردة عن الصحابة (¬5). وأيًّا كان المراد فإن المعاني الأربعة كلها منهي عنها، فاسدة لو وقعت، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الحصاة، والملامسة، والمنابذة باطل] (¬6). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬7). ¬
• ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [أما بيع الملامسة: فكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه، وهذا مجمع على تحريمه]. ثم عدد بيوع الجاهلية وذكر منها المنابذة وقال بعدها: [فهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول لما ذكر كلام الخرقي (¬2) في عدم جواز بيع الملامسة والمنابذة: [لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذين البيعين] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع الملامسة. . .، ولا بيع المنابذة. . . لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذه المبايعات] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر معنى الملامسة: [وأجمعوا على تحريمه]. ولما ذكر معنى المنابذة قال: [وأجمع العلماء على تحريمه] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (¬7). ¬
• وجه الدلالة: أن اللَّه أمر باجتناب الميسر، والميسر هو القمار (¬1)، وبيع الملامسة والمنابذة فيه معني القمار، وذلك بأنه لا يدري ما يقع عليه البيع هل هو مساوٍ للثمن أو أقل منه أو أكثر؟ وهذا هو معنى القمار (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الملامسة والمنابذة" (¬3). الثالث: عن أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبستين، وعن بيعتين: الملامسة والمنابذة" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن هاتين البيعتين، والنهي للتحريم، ويقتضي فساد المنهي عنه. • المخالفون للإجماع: على التفسير الأول للملامسة والمنابذة وهو جعل اللمس والنبذ بيعا من دون صيغة، قال بعض الشافعية أنه يجيء في هذه الصورة الخلاف في بيع المعاطاة، فإنهما مع قرينة البيع هي نفس المعاطاة (¬5). وبيع المعاطاة وقع فيه الخلاف على قولين في المذهب: الأول: أنه غير منعقد. وهو المذهب. الثاني: أنه صحيح ومنعقد. وهو المعمول به، وعليه الفتوى (¬6). وبناء على الخلاف في المعاطاة فإنه يُخرَّج عليه الخلاف في صورة المسألة معنا، ويكون الخلاف فيها على القولين السابقين. واستدل هؤلاء: بأن اللَّه أحل البيع، ولم يثبت في الشرع لفظ له، فوجب ¬
62] تحريم بيع ضربة القانص
الرجوع إلى العرف، فكل ما عدَّه الناس بيعا فهو بيع شرعا (¬1). ويقال بأن هذا تخريج، والتخريج لا يخرق الإجماع، خاصة وأنه لم يقل به إلا قلة من علماء الشافعية.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. قد يشكل في هذه المسألة أن المعنى لم يتفق عليه العلماء، فكل مذهب له تفسير ربما لا تذكره المذاهب الأخرى؟ ! ويقال في الجواب: إنه بالنظر إلى أصول المذاهب في هذه المسألة، نجد أنهم متفقون على علة الحكم، وهي وجود الغرر والجهالة والقمار، وكل هذه المعاني متفق عليها بين الجميع. 62] تحريم بيع ضربة القانص: • المراد بالمسألة: القانص: الصائد، والقنَّاص: الصيَّاد (¬2)، وصورته هنا أن يقول: اضرب هذه الشبكة للاصطياد، فما أخذته، فهو لك بكذا (¬3). ويقال: ضربة الغائص، والغوص: النزول تحت الماء، ويقال للذي يغوص على الأصداف في البحر فيستخرجها: غائص وغوَّاص (¬4). وصورته: أن يقول له: أغوص في البحر غوصة بكذا، فما أخرجته، فهو لك (¬5). وبعض العلماء جعل القانص أعم من الغائص، فيشمل صائد صيد البر والبحر، والغائص صائد صيد البحر فقط، وبعضهم خص القانص بصائد البر، والغائص بصائد البحر (¬6). والمقصود أن هذا اللون من ألوان البيع، لا خلاف بين العلياء على تحريمه. ¬
• من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [لا يجوز بيع ما يخرج من ضربة القانص -أي: الصياد بالشبكة - ولا خلاف فيه لأحد] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن من الغرر البيع على ضربة القانص، بل الغرر يتجلى في هذه الصورة في أعلى درجاته، فهو قد يحصل على صيد في هذه الضربة وقد لا يحصل، وإذا حصل فربما يكون قليلا وربما كان كثيرا، فيكون سببا للمنازعة. الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص" (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
63] منع بيع السمك في الماء
63] منع بيع السمك في الماء: • المراد بالمسألة: السمك إذا كان في الماء، وكان الماء كثيرا، بحيث لا يمكن اصطياده وإمساكه بسهولة، فهو ممنوع من بيعه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • المازري (536 هـ) يقول: [أجمعوا على منع بيع الأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء] (¬1). نقله عنه الزرقاني (¬2). • الخرشي (1101 هـ) يقول: [والغرر ثلاثة أقسام: ممتنع إجماعا؛ كطير الهواء، وسمك الماء. . .] (¬3). • النفراوي (1125 هـ) يقول: [وأما السمك فى الماء، أو الطير في الهواء، فممتنع إجماعا] (¬4). • العدوي (1189 هـ) يقول: [وأما السمك في الماء، والطير في الهواء، فممتنع إجماعا] (¬5). • الدردير (1201 هـ) يقول: [(واغتفر غرر يسير) إجماعا (للحاجة). . .، فخرج بقيد اليسارة الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬6). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [ومن جملة بيع الغرر: بيع السمك في الماء، كما في حديث ابن مسعود، ومن جملته بيع الطير في الهواء، وهو مجمع على ذلك] (¬7). • عليش (1299 هـ) يقول: [(واغتفر). . . إجماعا (غرر). . . (يسير) ¬
للضرورة. . .، فخرج بقيد اليسير الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن من بيع الغرر: بيع السمك في الماء، فهو مجهول العاقبة، لا يُدرى عن حصوله شيء. الثاني: عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر" (¬4). الثالث: أن بيع السمك في الماء قد اختل فيه ثلاثة شروط من شروط البيع، وهي: القدرة على تسليمه، فقد يقدر عليه وقد لا يقدر، وكذا الملك إذا لم يكن ¬
يملكه، وكذا العلم بالمبيع، فهو مجهول بالنسبة له كجهالة اللبن في الضرع، والنوى في التمر، فإذا كان كذلك فهو بيع باطل لفقده هذه الشروط (¬1). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: القول الأول: يصح بيع السمك في الآجام (¬2). قال به عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى (¬3) (¬4). واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن يقدر على تسليمه ظاهرا، أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في كيله ووزنه ونقله (¬5). القول الثاني: يصح بيع السمك في الماء إذا كان مملوكا. قال به ابن حزم من الظاهرية (¬6). واستدل ابن حزم بدليل عقلي، وهو: أن بيع ما لا يملك يعد من الغرر البيِّن، ومن أكل أموال الناس بالباطل المحرم شرعا، أما ما يملكه فله حق التصرف فيه بأي لون من ألوان التصرف، وليس من ¬
64] تحريم بيع البيض في الدجاج والنوى في التمر
شروط البيع أن تكون العين بيده.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، ومما يؤيد هذا عدم حكاية من عرف عنهم الاهتمام بالإجماع له؛ كابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة والنووي وغيرهم، ولو كان ثابتا عندهم لذكروه. 64] تحريم بيع البيض في الدجاج والنوى في التمر: • المراد بالمسألة: إذا كان عنده دجاج، وأراد أن يبيع البيض الذي تحمله دون الدجاج، أو كان عنده تمر وأراد أن يبيع النوى الذي بداخله دون التمر، فإنه لا يجوز أن يفردهما بالبيع دون أصلهما، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) لما ذكر تحريم بيع ما تجهل صفته، ذكر بعض الأمثلة عليها فقال: [ومن ذلك: البيض في الدجاج، والنوى في التمر، لا يجوز بيعهما. . .، ولا نعلم في هذا خلافا نذكره] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬2). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(ولا نوى في تمره) بلا خلاف] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذه المسألة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
65] جواز بيع النوى داخل التمر مع التمر
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن الرضا لا يمكن أن يوجد مع الجهالة، وإنما يقع التراضي على ما علم وعرف، فإذ لا سبيل إلى معرفة صفات البيض وهو في الدجاج، والنوى وهو في التمر، فلا سبيل إلى التراضي به، وإذا كان كذلك فلا يحل بيعه، فيدخل في أكل أموال الناس بالباطل (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن من صور الغرر وجود الجهالة في المبيع، فالبيض والنوى كلاهما لا تعرف صفته، ولا مقداره، وهما يحتملان الوجود والعدم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 65] جواز بيع النوى داخل التمر مع التمر: • المراد بالمسألة: إذا أراد البائع أن يبيع التمر بعد بدو صلاحه، فإنه يجوز له أن يبيعه مع النوى الذي بداخله، من غير أن ينص عليه، أو يفرده بالبيع عنه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع النوى داخل التمر مع التمر، ¬
66] جواز الاستثناء من الثمن إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه
جائز] (¬1). ويقول أيضا: [وقد أجمعوا وصحت السنن المجمع عليها على جواز بيع التمر، والعنب، والزبيب، وفيها النوى، وأن النوى داخل في البيع] (¬2). نقل عبارته الأولى ابن القطان (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى يزهو". قيل: وما يزهو؟ قال: "يحمارّ ويصفار" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح بيع التمر بعد ظهور الزهو فيه، من غير أن يستثني منه شيء، فدل على إباحة بيع النوى مع التمر. الثاني: أن الناس لا زالوا في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وبعلمه يتبايعون التمر على هذه الصفة، من غير إنكار (¬6). الثالث: أن التمر خلقه اللَّه هكذا مع النوى، فما دام أن النوى بداخله لم يبع استقلالا، فإنه لا محظور فيه، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 66] جواز الاستثناء من الثمن إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه: • المراد بالمسألة: إذا استثنى البائع من الثمن شيئا، وكان المستثنى من جنس ¬
المستثنى منه، كاستثناء الدنانير من الدنانير ونحوها، فإن هذا جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن للرجل أن يبيع سلعته بدينار إلا قيراطا، وبدينار ودرهم] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الباجي (474 هـ) لما تكلم عن جواز استثناء من باع ثوبا بخمسة دنانير غير ربع دينار يقول: [. . . بمنزلة ما لو قال: بعتك هذا الثوب بخمسة دنانير إلا دينارا، فدفع إليه ثلاثة دنانير وأخذ دينارا، فلا خلاف في جواز ذلك] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثنيا، إلا أن تعلم" (¬5). ¬
67] جواز استثناء المبيع المعلوم وتحريم المجهول
• وجه الدلالة: أن الاستثناء في البيع إذا كان معلوما فإن البيع صحيح، فيدخل في هذا الاستثناء إذا كان من جنس المستثنى منه. الثاني: أن المستثنى يجوز إفراده بالبيع، وما جاز إفراده بالبيع جاز استثناؤه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 67] جواز استثناء المبيع المعلوم وتحريم المجهول: • المراد بالمسألة: الاستثناء في البيع لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون الاستثناء معلوما، والمبيع بعده معلوما، يمكن فصله عن المستثنى منه بغير ضرر، فإذا كان كذلك، وكان محرزا، فإن هذا جائز. مثل أن يقول: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر المعينات، أو يقول: بعتك هذه الدار إلا ربعها. الثاني: أن يكون الاستثناء مجهولا، والمبيع بعده مجهولا، فإنه لا يجوز، مثل أن يقول: بعتك هذه الثمرة إلا قوت سنتي، أو قوت غلماني (¬1). وكلا الحالتين مجمع عليها بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الإمام الشافعي (204 هـ) لما أورد عن عطاء جملة من الآثار، منها ما جاء عن ابن جريج (¬2) أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك حائطي إلا خمسين فرقا، أو كيلا مسمى ما كان؟ قال لا، قال ابن جريج: فإن قلت: هي من السواد سواد الرطب؟ قال: لا. ومنها ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك نخلي إلا عشر نخلات أختارهن؟ قال: لا، إلا أن نستثني أيهن هي قبل البيع تقول هذه وهذه. وكذلك ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال لعطاء: أيبيع الرجل نخله أو عنبه أو بره أو عبده أو سلعته ما كانت على أني شريكك بالربع وبما كان من ذلك؟ قال: لا بأس ¬
بذلك. وكذلك ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك ثمر حائطي بمائة دينار، فضلا عن نفقة الرقيق؟ فقال: لا، من قبل أن نفقة الرقيق مجهولة ليس لها وقت، فمن ثم فسد. يقول لما أورد هذه الآثار عن عطاء: [ما قال عطاء من هذا كله كما قال -إن شاء اللَّه- وهو في معنى السنة والإجماع] (¬1). • الماوردي (450 هـ) يقول: [أن يقول: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر بعينها، فهذا بيع جائز باتفاق العلماء. . .، أن يكون الاستثناء مجهولا والمبيع بعده مجهولا. . .، فالمشاع: أن يقول: بعتك هذه الثمرة إلا قوت نفسي، أو إلا ما يأكله عبيدي، فهذا باطل باتفاق] (¬2). • ابن حزم (456 هـ) يقول [الحلال في ذلك: أن يستثني من الجملة إن شاء أيَّ جملة كانت: حيوانا أو غيره، أو من الثمرة: نصف كل ذلك مشاعا، أو ثلثي كل ذلك، أو أكثر، أو أقل، جزءا مسمى منسوبا مشاعا في الجميع. أو يبيع جزءا كذلك من الجملة مشاعا، أو يستثني منها عينا معينة محوزة -كثرت أو قلت- فهذا هو الحق الذي لا خلاف من أحد في جوازه] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا بين فقهاء الأمصار أنه لا يجوز لأحد أن يستثني ثمر نخلات معدودات، من حائط رجل، غير معينات، يختارها من جميع النخل، وكذلك لا يجوز ذلك عندهم في ألوان النخيل، ولا في الثياب، ولا في العبيد، ولا في شيء من الأشياء] (¬4). نقله عنه ابن القطان (¬5). • الباجي (474 هـ) يقول: [استثناء الرجل من حائطه في البيع عدد نخلات، يكون على ثلاثة أوجه، أحدها: أن يعينها، وذلك لا خلاف في جوازه] (¬6). • القاضي عياض (544 هـ) يقول بعد أن تحدث عن الثنيا في البيع: [فأما النخلات المعينات، بلا خلاف في جواز استثنائه] (¬7). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا باع حائطا، واستثنى منه ¬
نخلة بعينها، جاز] (¬1). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأجمعوا من هذا الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه، واستثناء نخلات معينات، منه. . .، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يستثني من حائط له عدة نخلات غير معينات، إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا استثنى نخلة، أو شجرة بعينها، جاز ولا نعلم في ذلك خلافا] (¬3). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلا مجهولا من الثمرة، على أن يُعيَّن ذلك بعد البيع، فذلك ممنوع فاسد باتفاق] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة، صح البيع باتفاق العلماء] (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فإن استثنى معينا من ذلك جاز. . .، لا نعلم في هذا خلافا] (¬6). • ابن تيمية (728 هـ) يقول في معرض كلامه عن الشروط في العقود: [فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، وجوَّز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضا استثناء بعض التصرفات] (¬7). ويقول أيضا: [أجمع المسلمون -فيما أعلمه- على جواز استثناء الجزء الشائع، مثل: أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها. واستثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ضرر، مثل: أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها، أو الثياب أو العبيد، أو الماشية التي قد رأياها، إلا شيئا منها قد عيَّناه] (¬8). ¬
• تقي الدين السبكي (¬1) (756 هـ) يقول: [أن يكون الاستثناء معلوما، والمبيع بعده معلوما، وهذا على ضربين: مشاع ومحدد، فالمحدد: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر بعينها، فهذا جائز بالاتفاق، . . . أن يكون الاستثناء مجهولا، والمبيع بعده مجهولا، وهو ضربان: مشاع ومحدد، فالمشاع: كقوله: بعتك هذه الثمرة إلا قوت سنتي، أو قوت غلماني، باطل اتفاقا] (¬2). • الأُبِّي (827 هـ) يقول لما ذكر أن لبيع الثنيا صورا: [الأولى: أن يستثني من الحائط نخلات معينة، فيجوز باتفاق قَلَّت أو كثرت. . .، الثانية: أن يستثني نخلات يختارها، فلا يجوز باتفاق]. نقله عنه السنوسى (¬3) وزاد صورة فقال: [أن يستثني بعضها مجهولا، فكذلك لا يجوز باتفاق] (¬4). • ابن نجيم (970 هـ) لما ذكر مسألة استثناء أرطال معلومة عند شراء النخل يقول: [فإن استثنى جزءا: كربع وثلث، فإنه صحيح اتفاقا] (¬5). نقله عنه ابن عابدين (¬6). ¬
• عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [فإن استثنى جزءا كربع وثلث، فإنه صحيح اتفاقا] (¬1). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [أن يبيع أشجارا أو أعنابا ويستثني واحدة معينة، فإن ذلك يصح اتفاقا] (¬2). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [إن كان الذي استثناه معلوما، نحو: أن يستثني واحدة من الأشجار، أو منزلا من المنازل، أو موضعا معلوما من الأرض، صح بالاتفاق] (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه متى كان المستثنى معلوما، يعرفانه، صح البيع] (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المحاقلة (¬5) والمزابنة (¬6) والمخابرة (¬7) والثُّنيا إلا أن تعلم" (¬8). ¬
68] منع إفراد أطراف الحيوان الحي بالعقد
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الاستثناء في البيع إذا كان مجهولا، فإذا زالت الجهالة، وعلم المستثنى عاد الأمر إلى الإباحة. الثاني: أن المستثنى لا يجوز إفراده بالبيع، فلا يجوز استثناؤه؛ وذلك للجهالة في المعقود عليه، والجهالة تمنع من انعقاد البيع (¬1). وهذا بخلاف المستثنى المعلوم فإنه يجوز إفراده بالبيع، فيجوز استثناؤه. • المخالفون للإجماع: جاءت المخالفة عن ابن عمر فقد جاء عنه أنه باع ثمرته بأربعة آلاف، واستثنى طعام الفتيان (¬2). وهذا الاستثناء معين، لكنه مجهول القدر. وقد أجيب عنه: أن هذا -إذا ثبت عنه- محمول على أنه استثنى نخلا معينا، بقدر طعام الفتيان؛ إذ لا يتصور منه المخالفة لصريح سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬3). وخالف في جواز الاستثناء في البيع مطلقا فقال بالمنع: جابر بن زيد حين سئل عن الرجل يبيع البيع، ويستثني بعضه؟ قال: لا يصلح ذلك (¬4). ولعله لم يبلغه الخبر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في جواز الاستثناء المعلوم، أو يكون محمولا على الاستثناء المجهول، وهو الذي يشهد له ظاهر الأثر.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 68] منع إفراد أطراف الحيوان الحي بالعقد: • المراد بالمسألة: إذا باع حيوانا مأكولا يستباح ذبحه، واستثنى أطرافه: رأسه، أو يده، أو رجله، فإنه لا يصح هذا الاستثناء، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وأطراف الحيوان، لا تفرد بالعقد إجماعا] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في رواية، والشافعية، والحنابلة في رواية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ما لا يصح إفراده بالعقد ابتداء، لا يصح استثناؤه من العقد، كاستثناء الحمل (¬2). الثاني: أن فيه لونا من ألوان الغرر: فهو إن كان استثناؤه لهذا الطرف بجلده، فما تحت الجلد مُغيَّب، وإن كان لم يستثنه بجلده، فإنه لا يدري بأي صفة يخرج له بعد كشط الجلد عنه (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، وهي: القول الأول: جواز إفراد الأطراف بالاستثناء. قال به المالكية، وهو مشهور مذهب الحنابلة، وقال به الحسن بن حي (¬4) والليث (¬5). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثُّنيا إلا أن ¬
69] جواز بيع ما كان عليه قشرتان
تعلم" (¬1). والاستثناء هنا معلوم. الثاني: أنه يُعد استثنى عضوا معينا معلوما، فلم يضره ما عليه من الجلد، كشراء الحب في سنبله، والجوز في قشره (¬2). القول الثاني: التفريق في الاستثناء بين ما له قدر وقيمة -أي: يسقط له بعض الثمن- وبين ما ليس كذلك، فإن كان المستثنى له قدر وقيمة واشترط ذبحه، فلا يجوز الاستثناء على المشهور، وإلا فيجوز. وهذا رواية عند المالكية (¬3). واستدل هؤلاء: بأنه إن كان استثناؤه بجلده، فما تحت الجلد مغيب، وإن كان لم يستثنه بجلده، فإنه لا يَدري بأيِّ صفة يخرج له بعد كشط الجلد عنه (¬4)، أما ما ليس له قيمة فهو يسير غير مؤثر، فيعفى عنه. القول الثالث: التفريق بين المسافر والحاضر، فإن كان مسافرا، فلا بأس بهذا الاستثناء، وإن كان حاضرا، فلا خير فيه. وهذه الرواية هي التي نص عليها الإمام مالك في المدونة (¬5). واستدل هؤلاء على التفريق فقالوا: إذا استثنى البائع في السفر الرأس ونحوه، فإن هذه ليس لها عند المشتري قيمة وثمن، بخلاف ما إذا كان في الحضر (¬6).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 69] جواز بيع ما كان عليه قشرتان: • المراد بالمسألة: من الثمار ما يكون له قشرتان أو كُمَّان، قشر ملاصق بالمقصود منه، وهي القشرة السفلى، وأخرى فوقه، وهي القشرة العليا: كالجوز واللوز والباقلا ونحوها، فإذا نزعت عنه القشرة العليا، فإنه يجوز بيعه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن ما له قشرتان: كاللوز والجوز، ¬
70] جواز بيع ما له قشر واحد يفسد بإخراجه منه
فنزعت القشرة العليا، أن بيعه حينئذ جائز] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • النووي (676 هـ) يقول: [يجوز بيع الباقلا في القشر الأسفل، بلا خلاف، وسواء كان أخضر أو يابسا]. ويقول أيضا: [وأما ما له كمامان، يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل؛ كالجوز واللوز والرانج، فيجوز بيعه في القشر الأسفل، بلا خلاف] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل النهي إلى غاية، فما بعد هذه الغاية فإنه يجوز مطلقا، فيدخل في هذا المستور بالقشرة السفلى. الثاني: أن المقصود منه هو ما في باطنه، ولا يمكن بقاء صلاحه وحفظه إلا ببقاء ظاهره وهو قشره، فبقاء القشرة السفلى من مصلحته، فيجوز للحاجة (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 70] جواز بيع ما له قشر واحد يفسد بإخراجه منه: • المراد بالمسألة: إذا كان المبيع له قشر واحد، إذا طُرِح عنه ذهبت رطوبته، ¬
وتغير طعمه، وأسرع إليه الفساد: كالبيض والرمان والموز ونحوها، فإنه يجوز بيعه على حاله من غير رؤيةِ مقصوده وهو ما بداخله، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع كل ما له قشر واحد يفسد إذا فارق، جائز في قشره: كالبيض وغيره] (¬1). ويقول أيضا: [وأجمعوا على جواز بيع البيض كما هو، وإنما الغرض منه ما في داخله، ودخل القشر في البيع بلا خلاف من أحد] (¬2). نقل عبارته الأولى ابن القطان (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [إذا كان الشيء مما لا يستدل برؤية بعضه على الباقي، فإن كان المرئي صوانا -بكسر الصاد وضمها- كقشر الرمان والبيض والقشر الأسفل من الجوز واللوز وقشر البندق ونحوه، كالخشكنان، كفى رؤيته، وصح البيع، بلا خلاف. ولا يصح بيع لب الجوز واللوز ونحوهما بانفراده، ما دام في قشره، بلا خلاف]. ويقول أيضا: [ولو كان للثمر والحب كمام لا يزال إلا عند الأكل: كالرمان ونحوه كالعلس، جاز بيعه في كمامه أيضا، بلا خلاف] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [يجوز بيع ما مأكوله في جوفه: كالرمان، والبيض، والجوز، لا نعلم فيه خلافا] (¬5). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [بيع ما يكون قشره صَوْنا له: كالعنب والرمان والموز والجوز واللوز في قشره الواحد، جائز باتفاق الأئمة] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬7). ¬
71] اشتراط الثمن لصحة البيع
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها" (¬1). • وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث إباحة بيعها بعد بدو صلاحها مطلقا، فيدخل في ذلك ما كان مستورا بقشر، أو غير مستور. الثاني: أن المقصود منه هو ما في باطنه، ولا يمكن بقاء صلاحه وحفظه إلا ببقاء ظاهره وهو قشره، والقشر من أصل خلقته، فالحاجة تدعو لبقائه. الثالث: أنه من المشقة رؤية مقصوده، فعُفِيَ عنه. الرابع: أنه قدر يسير جرى تسامح الناس عليه في العادة، وليس فيه غرر يَفُوت به مقصودٌ معتبر (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 71] اشتراط الثمن لصحة البيع: • المراد بالمسألة: الثمن في اللغة: هو العوض عما يباع، وكل ما يحصل عوضا عن شيء فهو ثمنه (¬3). ويطلق في اصطلاح الفقهاء على معنيين، هما: الأول: ما يكون بدلا للمبيع، ويتعلق بالذمة. وهذا المعنى في مقابل المبيع. الثاني: العوض الذي تراضى عليه المتعاقدان. وهذا المعنى في مقابل القيمة (¬4). والمعنى الموافق للمسألة هو الأول، فإذا عقد البيع على عين، فلا بد من الثمن الذي يقابل هذه العين، باتفاق العلماء. ¬
72] فساد المبيع المجهول الثمن
• من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع لا يجوز إلا بثمن] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب، وهو: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4). • وجه الدلالة: أن صورة البيع التي أباحها اللَّه جل جلاله هي: مبادلة مال بمال، فإذا لم تحصل المبادلة لم يتم البيع، وإذا أُخِذ المبيع في البيع من دون عوض، فإنه يختل أمر لازم وهو العوض، فيبطل العقد بهذا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 72] فساد المبيع المجهول الثمن: • المراد بالمسألة: معلوم أن من أركان البيع الثمن، فإذا تعاقد المتعاقدان بنفسيهما من غير توكيل، فلا بد أن يكون الثمن في العقد معلوما، وإلا -بأن كان الثمن مجهولا- فالبيع فاسد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من باع سلعته بثمن مجهول غير معلوم، ولا مسمى، ولا عينا قائما، أن البيع فاسد] (¬5). ¬
• ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [والسنة المجتمع عليه، أنه لا يجوز الثمن إلا معلوما] (¬1). • النووي (676 هـ) يقول: [فلو قال: بعتك هذا بدراهم، أو بما شئت، أو نحو هذه العبارات، لم يصح البيع بلا خلاف] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [(والأثمان المطلقة لا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة. . .، هذا هو الأصل) أي: في كتاب البيوع، بالإجماع] (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [معرفة الثمن شرط لصحة البيع، بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬6). • وجه الدلالة: أن من صور الغرر المنهي عنه أن يكون الثمن مجهولا. الثاني: أن الجهالة في الثمن تكون مفضية إلى المنازعة والخصومة، خاصة إذا وُجِد في المبيع عيب وأراد أحدهما الرد (¬7). الثالث: أن الثمن أحد العوضين، فاشتُرط العلم به، كالمبيع. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في رواية ضعيفة عندهم، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية (¬8). وقالوا بأنه إذا لم يعلم الثمن فإن العقد صحيح، ¬
73] صحة بيع السلعة برقمها المعلوم للمتعاقدين
ويرجع فيه إلى ثمن المثل. واستدلوا لقولهم بعدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، وكنت على بَكْر صعب، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمر: "بعنيه؟ " فابتاعه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو لك يا عبد اللَّه تصنع به ما شئت" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بايع عمر، ولم يسأله عن الثمن (¬2). الثاني: الإجماع العملي كما قال ابن تيمية: [وعلى هذا عمل المسلمين دائما، لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحَّام اللحم، ومن الفامي الطعم، ومن الفاكهي الفاكهة، ولا يقدرون الثمن، بل يتراضون بالسعر المعروف، ويرضى المشتري بما يبيع به البائع لغيره من الناس] (¬3). الثالث: القياس على النكاح: فكما أنه لا يشترط فيه ذكر المهر، ويرجع فيه إلى مهر المثل، فكذلك البيع، بل هو أولى؛ لأن اللَّه اشترط العوض في النكاح، ولم يشترطه في إعطاء الأموال (¬4).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 73] صحة بيع السلعة برقمها المعلوم للمتعاقدين: • المراد بالمسألة: الرقم في اللغة هو: الكتابة والختم (¬5). يقال: التاجر يرقم الثياب، أي: يُعلِّمها بأن ثمنها كذا (¬6). وفي الاصطلاح هو: علامة يعرف بها مقدار ما يقع به البيع من الثمن (¬7). والمقصود هنا: أنه إذا باع السلعة بناء على الرقم الموجود عليها، وكان ¬
المشتري جاهلا بالرقم الذي هو الثمن، ثم علم به قبل لزوم البيع سواء كان في المجلس، أو قبله، فإن البيع صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [ولو قال: بعتك هذه السلعة برقمها. . .، فإن كانا عالمَين بقدره، صح البيع بلا خلاف] (¬1). • البابرتي (786 هـ) يقول: [فإذا قال: بعتك هذا الثوب برقمه، وقبل المشتري من غير أن يعلم المقدار، انعقد البيع فاسدا، فإن علم المشتري قدر الرقم في المجلس، وقبله، انقلب جائزا بالاتفاق] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [فإن قال: بعتك هذا الثوب برقمه، وقبل المشتري، من غير أن يعلم المقدار، انعقد البيع فاسدا، فإن علم المشتري قدر الرقم في المجلس، وقبله، انقلب جائزا بالاتفاق] (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [إن علم المتعاقدان الرقم، صح البيع، بلا خلاف] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عموم ما جاء في الكتاب والسنة من أن الأصل إباحة البيع، ولا يرتفع هذا الأصل إلا لدليل، ولا دليل على المنع هنا. الثاني: أن العاقِدَين إذا كانا على علم بالثمن، فقد تحقق شرط البيع وهو العلم به، وارتفع الجهل، فيلزم التصحيح. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: طاوس بن كيسان فقد جاء عنه أنه كره بيع الرقم، ¬
74] جواز الحلول والتأجيل في ثمن المبيع
وقال: [إني أكره أن أُزيِّن سلعتي بالكذب] (¬1). وهذه المقولة محمولة على أحد أمرين: الأول: تحمل على أن مراده الرقم الذي يجهله المتعاقدان أو أحدهما. الثاني: تحمل على أن مراده أن يشتري السلعة ثم يزيد على ثمن الشراء ويضع الزيادة مرقومة عليه، ويبيعها مرابحة على هذا الرقم، ولا يبين أن ما وضعه عليها غير ما اشتراها به، وهذا أظهر في مراده؛ لأنه قال: أكره أن أزين سلعتي بالكذب، والبيع بالرقم لا مدخل للكذب فيه. وهذا المراد جاء صريحا عن بعض الأئمة كالإمام مالك (¬2) ونافع (¬3) وربيعة وإبراهيم (¬4). وكذا خالف في المسألة ابن حزم من الظاهرية، فقال بعدم الجواز (¬5). ويظهر -واللَّه أعلم- أن مراده محمول على ما حُمِل عليه مراد طاوس.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم أو شذوذ الخلاف فيها. واللَّه أعلم. 74] جواز الحلول والتأجيل في ثمن المبيع: • المراد بالمسألة: الثمن الذي يكون بدلا عن المبيع يجوز أن يكون حالا، ويجوز أن يكون مؤجلا، لكن يشترط في الأجل أن يكون معلوما، وأن لا يكون طويلا طولا خارجا عن العادة، وكذلك لا يكون المبيع مما يؤكل أو يشرب، وهذا الأمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: ¬
• ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من باع معلوما من السلع، بمعلوم من الثمن، إلى أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز] (¬1). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [والعلماء مجمعون على جواز البيع بالنسيئة] (¬2). نقله عنه ابن حجر (¬3). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن الابتياع بدنانير أو دراهم حالة أو في الذمة، غير مقبوضة، أو بهما إلى أجل محدود بالأيام، أو بالأهلة، أو الساعات، أو الأعوام القمرية، جائز، ما لم يتطاول الأجل جدا، وما لم يكن المبيع مما يؤكل أو يشرب] (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز البيع بالثمن الحال والمؤجل] (¬5). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع، بثمن معلوم، إلى أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز] (¬6). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [الأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن، والكفيل، والضمين، والتأجيل، والخيار ثلاثة أيام، ونقد غير نقد البلد] (¬7). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬8). ¬
75] حمل الثمن على غالب نقد البلد إذا أطلق
• العيني (855 هـ) لما ذكر كلام صاحب الهداية وهو [ويجوز البيع بثمن حال ومؤجل] قال معلقا: [وعليه إجماع العلماء] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول بعد أن ذكر كلام صاحب الهداية وذكر الأدلة على المسألة: [وعلى كل ذلك انعقد الإجماع] (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬3). • وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله أطلق حل البيع، ولم يُفصِّل في شيء، فدل على أن الأصل الجواز، حتى يدل الدليل على المنع، فيدخل في ذلك الثمن سواء كان حالا أو مؤجلا (¬4). الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترى طعاما من يهودي إلى أجل، ورهنه درعا من حديد" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجل الثمن ولم يدفعه إلى اليهودي، فدل فعله على الجواز (¬6). الثالث: القياس على السلم: فكما أنه يجوز تأجيل أحد العوضين في السلم وهو المثمن، فكذلك يجوز في البيع وهو الثمن، بجامع أن كلا منهما ركن في العقد.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 75] حمل الثمن على غالب نقد البلد إذا أطلق: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان على سلعة، وأطلقا الثمن عن نقد البلد وعن وصفه بعد تحديد مقداره، وكان في البلد عدة أنواع من النقود يتعامل الناس ¬
بها، وهي متفاوتة في القيمة والرواج، وأحدها هو الغالب في التعامل، فإنه يحمل عليه، ويصح البيع وإن لم يذكر، باتفاق العلماء. مثال ذلك: لو قال: بعتك هذه السيارة بألف ريال، وأطلق، وكان في البلد الريال السعودي والإماراتي واليماني، أخذت الألف من العملة الغالبة. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول: [وقد اتفق العلماء على حكم، وهو: إذا باع الرجل سلعة بدينار، فإنه يقضى له بغالب نقد البلد، ولا ينظر إلى سائر النقود المختلفة] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا أطلق البيع بالثمن، ولم يعين النقد، انصرف إلى غالب نقد البلد] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه الغالب هو المتعارف عليه، فيحمل الكلام عند الاطلاق عليه، والمعلوم بالعرف كالمعلوم بالنص (¬5). فإن كان إطلاق اسم الدراهم في العرف يختص بها مع وجود دراهم غيرها، فهو تخصيص الدراهم بالعرف القولي، وهو من أفراد ترك الحقيقة بدلالة العرف، وإن كان التعامل بها في الغالب كان من تركها بدلالة العادة، وكل منهما العمل به واجب تحريا للجواز (¬6). ¬
76] جواز بيع الجزاف
الثاني: الأصل في كلام المكلف الإعمال وعدم الإهدار، فإذا أبطلنا كلام العاقد في هذه الحالة أهملنا كلامه ولم نعمله، مع إمكان إعماله وتصحيح فعله (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم ليست هي المذهب، وقالوا بأنه إذا أطلق الثمن في البيع فإنه يفسد ولا يصح (¬2). ولعلهم يستدلون: أن عدم التعيين في هذه الحالة يعد لونا من ألوان الجهالة في العقد، فلا يصح معها البيع، كالجهالة في تحديد المبيع.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 76] جواز بيع الجزاف: • المراد بالمسألة: الجزاف: مثلث الأول والكسر فيه أفصح، وهو أخذ الشيء مجازفة، وهو: الحدس في البيع والشراء (¬3). • وفي الاصطلاح: بيع ما يكال، أو يوزن، أو يعد جملة، بلا كيل، ولا وزن، ولا عدّ (¬4). ويراد بالمسألة هنا: أن بيع العين -سواء كانت من الطعام أو من غيره- المشاهدة للمتبايعين، وهما يجهلان قدر كيلها أو وزنها أو عدها، وعلم منهما اعتياد الحزر والتقدير، جائز ولا شيء فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وبيع الطعام جزافا في الصبرة ونحوها، أمر مجتمع على إجازته، وفي السنة الثابتة في هذا الحديث دليل على إجازة ذلك، ولا ¬
أعلم فيه اختلافا. . .، بل قد وردت السنة في إجازة بيع الطعام جزافا، ولم تختلف العلماء في ذلك] (¬1). • الباجي (474 هـ) يقول: [وأما أن يبيعه جزافا: فإن ذلك جائز، ولا خلاف فيه] (¬2). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [وأما المكيل والموزون من الطعام، فلا خلاف بين العلماء في جوازه جزافا] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬4). نقله عنه ابن حجر العسقلاني، والعيني، والصنعاني، والشوكاني (¬5). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [بيع العين جزافا، جائز بالسنة والإجماع] (¬6). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(ولو بيع الشيء تقديرا: كثوب وأرض ذرعا، وحنطة كيلا، أو وزنا، اشترط) في قبضه (مع النقل) في المنقول (ذرعه) إن بِيعَ ذرعا بأن كان يذرع (أو كيله) إن بيع كيلا بأن كان يكال (أو وزنه) إن بِيع وزنا بأن كان يوزن، أو عَدِّه إن بيع عدا بأن كان يعد؛ لورود النص في الكيل. . .، وليس بمعتبر -أي: الكيل- في بيع الجزاف إجماعا] (¬7). • الرملي (1004 هـ) يقول: [(ولو بيع الشيء تقديرا: كثوب وأرض ذرعا وحنطة كيلا أو وزنا) ولبن عدا (اشترط) في قبضه (مع النقل ذرعه) في الأول (أو كيله) في الثاني (أو وزنه) في الثالث، أو عده في الرابع؛ لورود النص في ¬
الكيل. . .، وليس بمعتبر في بيع الجزاف بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نبيعه حتى ننقله من مكانه" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهاهم عن بيع الطعام إلا بعد نقله، ولم ينهاهم عن بيعه جزافا، فدل على أن ذلك جائز، وأنه كان مشتهرا عندهم (¬4). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل شركة لم تقسم: ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع، ولم يؤذنه، فهو أحق به" (¬5). • وجه الدلالة: أن الشفعة في الذي لم يقسم تعد صورة من صور بيع الجزاف؛ إذ العين معلومة لديهما، لكنها مجهولة القدر على وجه التحديد. الثالث: أن الشارع أباح بيع الثمر على الشجر بعد بدو صلاحه، وهذا دليل على جواز بيع الجزاف، إذ هما يعلمان المبيع، ويجهلان القدر على وجه التحديد (¬6). الرابع: أن بيع الصبرة معلوم بالرؤية، ويتأتى فيه الحزر، ويقل فيه الغرر، ولا يظهر فيه القصد إلى المخاطرة والمغابنة، فصح بيعه، قياسا على الثياب والحيوان (¬7). ¬
77] بطلان بيع المعلوم والمجهول صفقة واحدة
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في الأصح عندهم في بيع الصبرة دون غيرها، وقالوا بأن بيع الصبرة مع جهل المتعاقدين صحيح، لكنه مكروه (¬1). ودليلهم على هذا: أن بيع الصبرة على هذه الصفة مجهول القدر على الحقيقة، ومثل هذه الجهالة ربما تفضي إلى المنازعة والمخاصمة (¬2).Rصحة الإجماع على جواز بيع الجزاف؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما حكم بيع الصبرة جزافا فقد وقع الخلاف بين الجمهور والشافعية بين الإباحة والكراهة كما تبين. 77] بطلان بيع المعلوم والمجهول صفقة واحدة: • المراد بالمسألة: إذا جمع في صفقة واحدة بين مبيع معلوم ومجهول يتعذر معرفة قيمته مطلقا، كأن يقول: بعتك هذه الدابة وما في بطن هذه الدابة الأخرى، ويسمي ثمنا واحدا لهما جميعا، فإن العقد باطل فيهما بكل حال، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أن يبيع معلوما ومجهولا، كقول: بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف. فهذا البيع باطل بكل حال، ولا أعلم في بطلانه خلافا] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يبيع معلوما ومجهولا، كقولك: بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا. فهذا بيع ¬
باطل بكل حال، ولا أعلم في بطلانه خلافا] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [باع معلوما ومجهولا يتعذر علمه، فلا يصح بغير خلاف نعلمه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية على المشهور عندهم، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط، فالجهالة لحقت العقد بأكمله (¬4). الثاني: أن العقد وقع التراضي فيه بين الطرفين على المعلوم والمجهول جميعا، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما؛ لوجود الجهالة في الثمن، الذي يختل به شرط من شروط العقد، وإذا أُجيز العقد كانت الصفقة صحيحة فاسدة في وقت ¬
78] بطلان الصفقة التي جمع فيها بين ما هو مال وما ليس بمال
واحد، ولا يمكن اجتماع النقيضين في محل واحد، وإذا فصلا انتفى التراضي بينهما، فلم يبق إلا إبطالهما معا. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية في قول، والشافعية في قول أيضا، وقالوا: يصح العقد في المعلوم بقسطه من الثمن، دون المجهول (¬1). ويستدل لهؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن الفساد بقدر المفسِد؛ لأن الحكم يثبت بقدر العلة، والمفسِد خص أحدهما، فلا يُعَمم الحكم مع خصوص العلة، والجهالة في الثمن جهالة نسبية، يمكن ارتفاعها بالرجوع إلى ثمن المثل في كل منهما.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 78] بطلان الصفقة التي جمع فيها بين ما هو مال وما ليس بمال: • المراد بالمسألة: إذا اتحدت الصفقة ولم تتعدد بين شيئين في عقد واحد، أحدهما قابل للبيع دون الآخر، ولم يكن متقوما، ولا سُمي ثمن كل منهما في العقد، فإن العقد باطل بالإجماع. مثال ذلك: لو باعه هذا العبد وهذا الحر، أو هذا العصير وهذا الخمر، أو هذه الميتة وهذه الذبيحة، بكذا وكذا. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو جمع بين ما هو مال، وبين ما ليس بمال في البيع بأن جمع بين حر وعبد، أو بين عصير وخمر، أو بين ذكيَّة وميتة، وباعهما صفقة واحدة، فإن لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن، لم ينعقد العقد أصلا بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [قوله: (ومن جمع بين حر وعبد، أو شاة ذكية وميتة، بطل البيع فيهما) سواء فصل ثمن كل واحد، أو لم يفصل (وهذا عند أبي ¬
حنيفة رحمه اللَّه تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما اللَّه: إن سمى لكل واحد منهما جاز في العبد) بما سمى له، وكذا في الذكية، وإذا لم يسم، بطل بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الصفقة واحدة، وقد فسدت في أحدهما فلا تصح في الآخر. والدليل على أن الصفقة واحدة: أن لفظ البيع والشراء لم يتكرر، والبائع واحد، والمشتري واحد، وقد فسدت في أحدهما بيقين؛ لخروج الحر والخمر والميتة عن حليَّة البيع بيقين، فلا يصح في الآخر؛ لاستحالة كون الصفقة الواحدة صحيحة وفاسدة. الثاني: أن في تصحيح العقد في أحدهما تفريق الصفقة على البائع قبل التمام؛ لأنه أوجب البيع فيهما، فالقبول في أحدهما يكون تفريقا (¬3). الثالث: أنه إذا اجتمع حلال وحرام، غلب جانب الحرام، كما رُوي عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- (¬4). الرابع: أنه اختل شرط من شروط البيع وهو جهالة العوض، فالذي يقابل ¬
79] صحة بيع ما لا تتساوى أجزاؤه من العدديات والذرعيات
الحلال مجهولٌ عوضه، فلا يصح العقد عليه (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم اختارها الأكثر، قالوا: يصح العقد فيما يصح إفراده بالبيع، ويبطل فيما عداه (¬2). واستدل هؤلاء: بأن ما يصح بيعه مفردا، كأنه باعه مستقلا عن الآخر، فلا يؤثر فيه انضمام غيره إليه.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 79] صحة بيع ما لا تتساوى أجزاؤه من العدديات والذرعيات: • المراد بالمسألة: إذا أراد أن يبيع شيئا مما لا تتساوى أجزاؤه مما كان عدديا أو مذروعا جملة، وقد بيَّن الكمية المباعة، أو جملة الثمن، فإن البيع صحيح باتفاق العلماء. مثال ذلك، أن يقول: بعتك هذا الثوب، وهو عشرة أذرع، كل ذراع بعشرة ريالات، أو يقول: بعتك هذا الثوب، بمائة ريال، كل ذراع بعشرة ريالات. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [قال: بعتك هذه القطيع، كل شاة بدرهم، أو هذا الثوب، كل ذراع بدرهم، ولم يُبيِّن عدد الغنم، ولا الذراعين، ولا جملة الثمن، فسد في الكل عند أبي حنيفة، أما إذا سُمي أحدهما، فيصح بالاتفاق] (¬3). • مولى خسرو (885 هـ) يقول: [لو بيَّن جملة الذرعان، ولم يبين جملة الثمن، كما إذا قال: بعت هذا الثوب، وهو عشرة أذرع، كل ذراع بدرهم، أو بين جملة الثمن، ولم يُبيِّن جملة الذرعان، كما إذا قال: بعت هذا الثوب، بعشرة دراهم، كل ذراع بدرهم، فالبيع جائز اتفاقا] (¬4). ¬
• ابن نجيم (970 هـ) يقول: [إذا قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم، كل ذراع بدرهم، فإنه جائز في الكل اتفاقا] (¬1). نقله عنه ابن عابدين (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في المشهور عندهم، والحنابلة (¬3). يستند الإجماع: يستند الإجماع على عدة أدلة، منها: الأول: أنه ببيان جملة الذرعان أو العدد صار الثمن معلوما، وببيان جملة الثمن صار جملة الذرعان أو العدد معلومة، فيكون بهذا قد ارتفعت الجهالة عن الثمن والمثمن (¬4). الثاني: القياس على بيع المرابحة: فيما لو كان رأس ماله اثنان وسبعون فأراد بيعه مرابحة، فقال: أعطني على كل ثلاثةَ عشرَ درهمٌ، فكذلك هنا، بجامع أن كلا منهما لا يعلم ثمنه على التفصيل في الحال (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في رواية عندهم غير مشهورة، فقالوا: لو باع ما لا تتساوى أجزاؤه كل ذراع بعشرة، وقد علما جملة ذُرْعانها، فإنه لا يصح البيع (¬6). ¬
80] بطلان بيع القطيع من الغنم المحدد قيمة جزء منها غير منفرد
واستدل هؤلاء: بأن جملة الثمن مجهولة، وهي تمنع صحة البيع (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 80] بطلان بيع القطيع من الغنم المحدد قيمة جزء منها غير منفرد: • المراد بالمسألة: إذا أراد أن يبيع قطيعا من الغنم معيَّنًا - والغنم مما لا تتساوى أجزاؤها على وجه العموم - وحدّد له قيمة جزء من القطيع غير منفرد، فقال له: بعتك هذا القطيع كل شاتين، أو ثلاث منه بخمسمائة ريال، فإن البيع يعتبر فاسدا لا يصح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [لو قال: بعت منك هذا القطيع من الغنم، كل شاتين بعشرين درهما، فالبيع فاسد في الكل بالإجماع] (¬2). نقله عنه ابن نجيم (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [إذا قال: بعتك عشرة من هذه الأغنام بمائة درهم، وعلم عدد الشياه، فلا يصح البيع، بلا خلاف] (¬4). • الحداد (800 هـ) يقول: [لو قال: بعتك هذا القطيع كل شاتين منه بعشرين درهما، وسمى جملته مائة، لا يجوز البيع في الكل بالإجماع] (¬5). نقله عنه ابن عابدين (¬6). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [لو اشترى الرجل غنما، أو بقرا، أو عدل زطي، كل اثنين من ذلك بعشرة دراهم، فهو باطل إجماعا] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة (¬8). ¬
81] صحة بيع المشاع
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ثمن كل واحدة من الشاتين مجهول؛ لأنه لا يعرف حصة كل شاة منها من الثمن إلا بعد ضم شاة أخرى إليها، ولا يعلم أية شاة يضم إليها ليعلم حصتها؛ لأنه إن ضم إليها أردأ منها كانت حصتها أكثر، وإن ضم إليها أجود منها كانت حصتها أقل؛ لذلك فسد البيع (¬1). الثاني: أن الشياه مما لا تتساوى أجزاؤها، ثم إنّ تفاوت الأثمان يتبع تفاوت الأجزاء، ولذا لا يمكن تمييزها إلا إذا انفردت.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 81] صحة بيع المشاع: • المراد بالمسألة: المشاع: ما يحتوي على حصص شائعة: كالنصف والربع والسدس والعشر وغير ذلك من الحصص السارية إلى كل جزء من أجزاء المال، منقولا كان أو غير منقول، وقد سميت الحصة السارية في المال المشترك شائعة؛ لعدم تعيُّنها في أي قسم من أقسام المال المذكور. ويطلق على الحصة المشتركة غير المقسَّمة (¬2). ¬
فإذا كان ثمة ملك غير مقسَّم، لاثنين فأكثر، وحصصهم شائعة بينهم كالنصف أو الثلث ونحوها، أو مذكورة بالأسهم: كسهم من عشرة أسهم ونحوها، وأراد أحدهم بيع حصته، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (¬1) (حدود: 480 هـ) يقول: [وبيع المشاع يجوز من غير شريكه بالإجماع، سواء كان مما يحتمل القسمة، أو لا يحتمل القسمة]. نقله عنه العيني، والشلبي (¬2). • الكاساني (587 هـ) يقول: [لو باع عشرة أسهم من مائة سهم، جاز بالإجماع] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [يجوز بيع المشاع، كنصف من عبد، أو بهيمة، أو ثوب، أو خشبة، أو أرض، أو شجرة، أو غير ذلك، بلا خلاف، سواء كان مما ينقسم أم لا، كالعبد والبهيمة؛ للإجماع] (¬4). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [يجوز بيع المشاع، باتفاق المسلمين] (¬5). • البابرتي (786 هـ) يقول: [وشراء عشرة أسهم من مائة سهم، جائز بالاتفاق] (¬6). • الحداد (800 هـ) يقول: [وإن اشترى عشرة أسهم من مائة سهم، جاز إجماعا] (¬7). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وبيع الشائع جائز اتفاقا، كما في بيع عشرة ¬
أسهم من مائة سهم] (¬1). نقله عنه الشلبي (¬2). • مولى خسرو (885 هـ) يقول: [(صح بيع عشرة أسهم من مائة سهم من دار) إجماعا] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وبيع الشائع جائز اتفاقا] (¬4). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [(وصح بيع عشرة أسهم) أو أقل أو أكثر (من مائة سهم من دار) أو غيرها، بالاتفاق] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشفعة في كل شرك: ربعة أو حائط، لا يصلح له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن باع فهو أحق به حتى يؤذنه" (¬7). • وجه الدلالة: قال ابن عبد البر: [وفي قضاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في المشاع بعد تمام البيع، دليل على جواز بيع المشاع، وإن لم يتغير، إذا علم السهم والجزء، والدليل على صحة تمام البيع في المشاع، أن العهدة إنما تجب على المبتاع] (¬8). ¬
82] منع البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة
الثاني: أن الجزء المشاع جزء معلوم لكلا المتعاقدين، فارتفعت عنه الجهالة والغرر، فصح التعاقد عليه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 82] منع البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة: • المراد بالمسألة: التعاقد على البيع بعد ظهور الإمام وأذان المؤذن الأذان الثاني من يوم الجمعة، ممن تلزمهما الجمعة منهي عنه، ما لم يكن ثمة ضرورة أو حاجة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) لما تكلم عن تفسير قوله تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬1) قال: [وهذا مجمع على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع] (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية البيع في وقت النداء يوم الجمعة] (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وهذا أمر مجمع عليه -فيما أحسب- أعني: منع البيع عند الأذان الذي يكون بعد الزوال والإمام على المنبر] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر حكم البيع ممن تلزمه الجمعة بعد النداء الثاني: [واتفقوا على كراهته] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬1). وجه الدلالة من وجهين: 1) أن اللَّه جل جلاله أمر بالسعي عند المناداة، وهذا يقتضي أن من تشاغل عن السعي بأي أمر فقد خالف أمر اللَّه الذي أمر به. 2) أن اللَّه نهى عن البيع بعد النداء، والنهي يقتضي التحريم (¬2). الثاني: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحرم التجارة عند الأذان، ويحرم الكلام عند الخطبة، ويحل الكلام بعد الخطبة، وتحل التجارة بعد الصلاة" (¬3). الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: [لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى للصلاة، فإذا قضيت فاشتر وبع] (¬4).Rصحة الإجماع في النهي عن البيع بعد النداء الثاني من يوم الجمعة لمن تلزمه؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
83] تحريم بيع العنب لمن يتخذه خمرا
83] تحريم بيع العنب لمن يتخذه خمرا: • المراد بالمسألة: حين يبيع البائع العنب، ويعلم أن المشتري قصد من هذا الشراء أن يتخذ هذا العنب خمرا، فإن هذا البيع منهي عنه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه يكره أن يباع العنب لمن يتخذه خمرا] (¬1). • الصنعاني (1182 هـ) يقول لما ذكر حديث بريدة "من حبس العنب أيام القطاف. . . " (¬2): [والحديث دليل على تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرا؛ لوعيد البائع بالنار، وهو مع القصد محرم إجماعا] (¬3). • الشوكاني (1250 هـ) يقول لما ذكر حديث بريدة: [قوله: "حبس" وقوله: "أو ممن يعلم أن يتخذه خمرا" يدلان على اعتبار القصد والتعمد للبيع إلى من يتخذه خمرا، ولا خلاف في التحريم مع ذلك] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر مسألة بيع العصير ممن يتخذه خمرا: [وهو مع القصد، محرم إجماعا] (¬5). مستند الإجماع (¬6): يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬7). • وجه الدلالة: أن من أوجه الإعانة على الإثم والعدوان التي نهى اللَّه عنها، بيع ¬
العنب ممن يعلم أنه سيتخذه خمرا (¬1). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد! إن اللَّه عز وجل قد لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبايعها، وساقيها، ومسقيها" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن في هذا الحديث أن لعنة اللَّه حقت على كل من كانت له صلة في الخمر، سواء كانت مباشرة، أو بتسبب، أو بإعانة، أو نحو هذا، وبائعها ممن يعلم أنه يتخذها خمرا يعد كالبائع لها مباشرة، وهو يعين على ذلك، وكذلك يتسبب في نشرها، بل إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعن حتى العاصر الذي عصر العصير ليتخذه خمرا؛ لأنه أعان بفعله عليها (¬3). الثالث: عن بريدة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا، فقد تقحَّم (¬4) النار على بصيرة" (¬5). • وجه الدلالة: أن من فعل هذا وهو حبس العنب إلى أن يحين وقت القطاف، وكان مقصده حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا، فإنه مستحق للوعيد الشديد لفساد مقصده. الرابع: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ¬
الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول اللَّه: وهل يشتم الرجل والديه؟ ! قال: "نعم! يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (¬1). • وجه الدلالة: قال أبو العباس القرطبي: [دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشرع منزلة الشيء في المنع، فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرا] (¬2). • المخالفون للإجماع: هذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: الجواز. وهذا قال به: الزهري، والثوري، والنخعي، والحسن، وعطاء في قول عنه (¬3)، وأبو حنيفة (¬4). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أنه لا فساد في قصد البائع؛ إذ قصده التجارة فيما هو حلال لاكتساب الربح، والمحرم هو قصد المشتري حين يتخذه خمرا، فيكون الوزر عليه لا على البائع {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (¬5) وهذا كبيع الجارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها في غير المأتى (¬6). ¬
الثاني: أن المعصية لا تقوم بعينه حين عقد البيع، فهو عنب حلال البيع، والمعصية إنما كانت بعد تغيره، والتغير يكون بعد وقوع العقد، فيبقى أن العقد وقع على مباح، فيحل (¬1). القول الثاني: أنه على الكراهة. وهذا قال به: طاوس (¬2)، وكذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (¬3)، وهو قول عند المالكية (¬4)، ونص عليه الإمام الشافعي (¬5). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن كل عقد كان صحيحا في الظاهر فإنه لا يبطل بالتهمة، ولا بالعادة بين المتبايعين، وتكره لهما النية التي لو ظهرت في العقد لأفسدته (¬6). الثاني: أن فيه إعانة على المعصية، والإعانة عليها مكروهة (¬7). القول الثالث: أنه على التحريم. وهذا هو المذهب عند المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬8). وقد تقدمت أدلتهم في مستند الإجماع.Rعدم صحة الإجماع في المسألة، سواء كان على القول بالكراهة أو ¬
84] تحريم بيع السلاح لأهل الحرب
التحريم؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، خاصة القول بالجواز، فهو ناقض للإجماعين. 84] تحريم بيع السلاح لأهل الحرب: • المراد بالمسألة: أهل الحرب -وهم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين، ولا عهدهم (¬1) - إذا دخلوا بلاد المسلمين بعقد استئمان، فإن بيع السلاح عليهم حرام، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [وأما بيع السلاح لأهل الحرب، فحرام بالإجماع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬4). • وجه الدلالة: من أعظم الإعانة على الإثم والعدوان بيع السلاح على أهل الحرب؛ إذ الأصل أنهم يستعملونه في التقوِّي على المسلمين، والاعتداء عليهم (¬5). ¬
85] جواز شراء المسلم للعبد المسلم والكافر
الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعن اللَّه الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمول إليه، وآكل ثمنها" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْصر اللعن على شارب الخمر، وإنما عَدَّاه على كل من كان سببا فيها، فدل على أن كل من كان سببا في معصية وأعان عليها فإنه شريك في الإثم، كالذي يعطي السلاح لأهل الحرب (¬2)، وقد بوب البيهقي على هذا الحديث بقوله: [باب كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي اللَّه عز وجل به] (¬3). الثالث: أنه عقد على عينٍ يُعْصى اللَّه سبحانه وتعالى بها، فلم يصح، كإجارة الأمة للزنى والزمر (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 85] جواز شراء المسلم للعبد المسلم والكافر: • المراد بالمسألة: إذا أراد المسلم أن يشتري عبدا رقيقا فإن ذلك جائز لا إشكال فيه، لا فرق في ذلك بين أن يكون العبد مسلما أو كافرا، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المسلم للعبد المسلم والكافر] (¬5). ¬
86] تحريم التفريق بين الوالدة وولدها الذي لم يميز
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬2). • وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله بيَّن أن الأصل في البيع أنه على الإباحة، فيبقى هذا الأصل حتى يأتي الصارف الذي يصرفه إلى غيره، فيدخل فيه شراء المسلم للعبد سواء كان مسلما أو كافرا. الثاني: قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (¬3). • وجه الدلالة: هذه الآية بيَّن اللَّه عز وجل فيها أن المحرمات مفصلة في شريعتنا، فإذا لم نجد الأمر مذكورا في المحرمات فهو على الأصل باق على الإباحة، فيدخل في هذا المسألة معنا. الثالث: أن على هذا عمل المسلمين من لدن الصدر الأول إلى الزمان القريب، في شراء العبيد، فمنهم المسلم ومنهم الكافر وهو الأصل فيهم، ولم يظهر النكير من أحد من العلماء.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 86] تحريم التفريق بين الوالدة وولدها الذي لم يميز: • المراد بالمسألة: التفريق بين الأرقاء إذا كان بين الوالدة وولدها الصغير الذي لم يميِّز، في المبايعات، وهما مملوكان لشخص واحد، فإنه محرم، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على ما ثبت به الخبر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "من فرق بين الوالدة وولدها، فرَّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" (¬1) إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين] (¬2). نقله عنه المواق، وابن القطان، وميارة (¬3) (¬4). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [ومن هذا الباب: التفرقة بين الوالدة وولدها، وذلك أنهم اتفقوا على منع التفرقة في المبيع بين الأم وولدها] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز. هذا قول مالك في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي فيه] (¬6). • النووي (676 هـ) يقول: [قال الشافعي والأصحاب رحمهم اللَّه تعالى: يحرم التفريق بين الجارية وولدها الصغير، بالبيع والقسمة والهبة ونحوها، بلا خلاف] (¬7). • العيني (855 هـ) يقول: [(فإن فرق -أي: السيد بين الوالدة وولدها- كره ذلك، وجاز العقد) الكراهةُ بالإجماع] (¬8). • الرملي (1004 هـ) يقول: [ويحرم على من ملك جارية وولدها. . .، ¬
التفريق بين الأم الرقيقة. . .، والولد الرقيق الصغير المملوكين لواحد بنحو بيع. . .، أو هبة، أو قرض، أو قسمة، بالإجماع] (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي أيوب الأنصاري (¬2) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من فرَّق بين الوالدة وولدها، فرَّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" (¬3). الثاني: عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- "أنه باع جارية وولدها، ففرَّق بينهما، فنهاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، وردَّ البيع" (¬4).Rصحة الإجماع في النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولكن وقع الخلاف بين العلماء، هل النهي على التحريم أم على الكراهة؟ الجمهور على التحريم، والحنفية على الكراهة (¬5). ¬
87] جواز التفريق بين ذوي الأرحام المحرمة إذا كانوا بالغين
87] جواز التفريق بين ذوي الأرحام المحرمة إذا كانوا بالغين: • المراد بالمسألة: إذا كان عند بائعٍ عبدان بينهما رحم محرمة: كأن يكون ولد وأمه أو أبوه، أو أخ وأخوه أو أخته ونحوهم، وكانا كبيرين أدركهما سن البلوغ وهما عاقلان صحيحان، فإنه يجوز التفريق بينهما في البيع، بأن يبيعهما لاثنين، أو يبيع أحدهما ويُبْقي الآخر، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن الفرقة بين ذوي الأرحام المحرمة، إذا كانوا كلهم بالغين عقلاء أصحاء غير زَمْنى، جائزة] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وهو رواية عند الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سلمة بن الأكوع (¬4) -رضي اللَّه عنه- قال: غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر أمَّره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أَمَرَنا أبو بكر فعرَّسْنا، ثم شنَّ الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، وينظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة (¬5)، عليها قشع ¬
من آدم - قال: القشع: النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقْتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة، وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في السوق فقال: "يا سلمة: هب لي المرأة؟ " فقلت: يا رسول اللَّه واللَّه لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا، ثم لقيني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الغد في السوق، فقال لي: "يا سلمة: هب لي المرأة للَّه أبوك؟ " فقلت: هي لك يا رسول اللَّه، فوالله ما كشفت لها ثوبا. فبعث بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة (¬1). • وجه الدلالة: أنه فُرِّق بين المرأة وابنتها، وأقر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا التفريق ولم ينكره، بل جعل البنت فداء لأسرى المسلمين بمكة. فحمل العلماء هذا على أن البنت كانت كبيرة، ولذا جاز التفريق، ومما يدل على كبرها أن سلمة ذكر أنه لم يكشف لها ثوبا، ولو كانت صغيرة لم يكن ثمة حاجة لذكره؛ لأن مثلها لا يكشف لها ثوب. الثاني: عن عبادة بن الصامت (¬2) -رضي اللَّه عنه- يقول: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يفرق بين الأم وولدها". فقيل: يا رسول اللَّه إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل أمدا لمنع التفريق وهو البلوغ والحيض، فدل على أن ما بعده لا حرج فيه. • المخالفون للإجماع: اختلاف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: ¬
88] النهي عن بيع وشراء وسوم المسلم على أخيه المسلم
القول الأول: تحريم التفريق بعد البلوغ. وهو قول: ابن عبد الحكم (¬1) من المالكية، ومشهور مذهب الحنابلة (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن أبي أيوب الأنصاري -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها، فرق بينه وبين أحبته يوم القيامة" (¬3). • وجه الدلالة: أن الحديث جاء عاما، ولم يفرق بين ما كان قبل البلوغ ولا بعده، فيبقى على عمومه. الثاني: أن الوالدة تحتاج إلى ولدها الكبير، وتتضرر بمفارقته، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما (¬4). القول الثاني: كراهة التفريق. قال به الشافعية (¬5). واستدل هؤلاء بتعليل، وهو: ما يترتب على التفريق بينهما من التشويش والتفرقة، والآثار السيئة، ولذا يقال بالكراهة لا التحريم (¬6).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 88] النهي عن بيع وشراء وسوم المسلم على أخيه المسلم: • المراد بالمسألة: صورة البيع على البيع: أن يكون البيع وقع بالخيار، فيأتي في ¬
مدة الخيار رجل فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أحسن منه. وصورة الشراء على الشراء: أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. وصورة السوم على السوم: أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، بعد أن ركن كل منهما للآخر، ولم يتعاقدا بعد، فيقول آخر للبائع: أنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن. أو يقول للمشتري: أنا أبيعه منك بأقل (¬1). فإذا وقعت صورة من هذه الصور، فإن هذا الفعل منهي عنه، وصاحبه آثم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الجوهري (¬2) (حدود: 350 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم الرجل] (¬3). نقله عنه ابن القطان (¬4). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [كلهم يكرهون أن يسوم الرجل على سوم أخيه، أو يبيع على بيعه، بعد الركون والرضا] (¬5). ويقول أيضا: [ولا خلاف بينهم في كراهية بيع الرجل على بيع أخيه المسلم، وسومه على سوم أخيه المسلم] (¬6). • الباجي (474 هـ) يقول لما ذكر تفسير الإمام مالك لمعنى البيع على البيع والسوم على السوم: [وهو على ما قال، ولا خلاف فيه] (¬7). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع السائم على سوم أخيه، ¬
وبيعه على بيع أخيه، مكروه] (¬1). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) في جوابه على سؤال رجل اشترى على شراء أخيه، فنقض البائع البيع الأول، وباع للثاني عندما دفع له أكثر من الأول قال: [الذي فعله البائع غير جائز، بإجماع المسلمين. . .، وهذا البائع لم يترك البيع الأول لكونه معتقدا تحريمه، لكن لأجل بيعه للثاني، ومثل هذا حرام، بإجماع المسلمين] (¬3). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: [تحريم البيع على بيع أخيه. . .، وهو مجمع عليه. . .، وفي معناه الشراء على شراء أخيه. . .، وهو مجمع على منعه أيضا]. ويقول أيضا: [والسوم على السوم متفق على منعه، إذا كان بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، وإنما يحرم ذلك إذا حصل التراضي صريحا] (¬4). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء. . .، وهو مجمع عليه. . .، وأما السوم. . .، فإن كان ذلك صريحا، فلا خلاف في التحريم] (¬5). نقله عنه الشوكاني، وعبد الرحمن القاسم (¬6). • المرداوي (885 هـ) يقول معلقا على كلام صاحب المقنع في النهي عن البيع على البيع والشراء على الشراء: [وهذا بلا نزاع فيهما] (¬7). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء على تحريم هذه الصور كلها، وأن فاعلها عاص] (¬8). ¬
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر صورة بيع المسلم على أخيه المسلم: [واتفق أهل العلم على كراهته] (¬1). ويقول أيضا: [(ويحرم أيضا شراؤه على شرائه) بلا خلاف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا" (¬5). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه" (¬6). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن البيع على البيع، ويقاس عليه الشراء على الشراء، ونهى عن السوم على السوم، والنهي في الأصل أنه على ¬
89] النهي عن سوم المسلم أو الذمي على سوم الذمي
التحريم.Rصحة الإجماع في المسألة وهو النهي عن هذه الصور الثلاث التي نص عليها العلماء، ومن الملاحظ أن من العلماء من ذكر الكراهة، ومنهم من نص على التحريم، ولا يمكن الجزم بحكاية الإجماع على التحريم إلا إذا قلنا بأن الكراهة التي ذكرها العلماء المراد بها التحريمية، وهذا هو الظاهر، فالعلماء الذين ذكروا الكراهة، وهم ابن عبد البر وابن هبيرة وعبد الرحمن القاسم، علماء مذاهبهم كلهم ينصون على التحريم ولم يذكروا الكراهة، ولم أجد من نص على الكراهة إلا الحنفية، وقد تقدم المراد بهذا عندهم. 89] النهي عن سوم المسلم أو الذمي على سوم الذمي: • المراد بالمسألة: إذا رضي الذمي بثمن كان بينه وبين البائع في سلعة وركن إليه، فجاء مسلم أو ذمي آخر، وعرض على البائع مثل الثمن الذي عرضه الأول أو أكثر منه، فإن هذا منهي عنه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطحاوي (321 هـ) يقول: [قال الأوزاعي: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه، ولا نعلم أحدا قال بذلك غير الأوزاعي. . .، واتفقوا على كراهة سوم الذمي على الذمي] (¬1). • الجوهري (حدود: 350 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم الرجل ولا الكتابي الذمي، إلا الأوزاعي، فإنه أباحه له على سوم الذمي] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمع العلماء على كراهة سوم الذمي على سوم المسلم، وعلى سوم الذمي، إذا تحاكموا إلينا] (¬4). ¬
ويقول أيضا: [قد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي] (¬1). ويقول أيضا: [لا أعلم خلافا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه، وأنه والمسلم في ذلك سواء، إلا الأوزاعي، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه] (¬2). ويقول أيضا: [وأجمع الفقهاء أيضا على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في سومه إلا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه. . .، وإذا أطلق الكلام على المسلمين، دخل أهل الذمة، والدليل على ذلك اتفاقهم على كراهية سوم الذمي على الذمي، فدل على أنهم مرادون] (¬3). نقل العبارة الأخيرة أبو زرعة العراقي (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [ومن غريب الفقه أن الأوزاعي يقول: يجوز مساومة المسلم على الذمي. . .، وسائر العلماء على منعه] (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القاعدة الفقهية: أن كل حكم بين مسلم وذمي، فإنه يكون على حكم الإسلام، فيدخل في ذلك سومه على سوم الذمي (¬1). الثاني: أن لهم عهدًا وذمة، ومن العهد أن لا يرزأوا في أبدانهم ولا في أموالهم، ولا في أولادهم، ومن الرزء السوم عليهم (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في مسألة سوم المسلم على الذمي جماعة من العلماء، وقالوا: يجوز سوم المسلم على الذمي، وهم: الأوزاعي (¬3)، وابن حربويه (¬4) من الشافعية (¬5)، والحنابلة في المنصوص عنهم (¬6). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يستام الرجل على ¬
90] صاحب السلعة أحق بالسوم
سوم أخيه". وفي لفظ: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (¬1). • وجه الدلالة: أن هذه الألفاظ صريحة في قصر النهي على المسلم خاصة، ويفهم منه عدم دخول الذمي في الحكم. الثاني: أن الذمي ليس كالمسلم، فحرمته ليست كحرمته؛ ولذا لم تجب إجابة دعوته للوليمة، ولا كذلك أن ينصحه، ونحوها من الحقوق، فلا يصح أن يُلْحق في الحكم به (¬2).Rصحة الإجماع في النهي عن سوم الذمي على سوم الذمي إذا تحاكموا إلينا؛ وذلك لعدم الاطلاع على المخالف فيها. وعدم صحة الإجماع في النهي عن سوم المسلم على سوم الذمي؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 90] صاحب السلعة أحق بالسوم: • المراد بالمسألة: السوم في اللغة: الكلمة تدل على طلب الشيء وابتغائه (¬3). يقال: سام البائع السلعة سوما، أي: عرضها للبيع، وطلبها بثمن يذكره. وسام المشتري المبيع واستامه: طلب شراءه بالثمن الذي تقرر به البيع (¬4). والتساوم بين اثنين: أن يعرض البائع سلعته بثمن ما، ويطلبها الآخر بثمن دونه (¬5). ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي. ويراد بالمسألة هنا: أن صاحب السلعة المالك لها، إذا أراد بيع سلعته، وعرضها لهذا الغرض، فإنه أحق بسوم سلعته، ممن يطلبون سلعته، وذلك بأن يذكر لهم سعرها الذي يَرْغبه لها، بلا خلاف بين العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن بطال (449 هـ) يقول: [لا خلاف بين الأمة أن صاحب السلعة أحق الناس بالسوم فى سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلا له، أو لمن وكله على البيع] (¬1). نقله عنه ابن حجر، والعيني (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا بني النَّجار (¬4) ثامنوني بحائطكم هذا" قالوا: لا واللَّه! لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أراد أن يشتري من بني النجار أرضا يتخذها مسجدا له بعد مهاجره إلى المدينة، ساوم أهلها عليها، وطلب منهم أن يخبروه بالثمن على سبيل المساومة، فيذكر لهم ثمنا يختاره ثم يقع التراضي عليه والتعاقد، وهذا يدل على أن الأفضل هو البدء بما بدأ به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو أمره لهم بالبدء بالسوم (¬6). الثاني: أن صاحب السلعة أعرف بسلعته بمدخلها ومخرجها، وما فيها ¬
91] جواز بيع المزايدة
وعليها، فكان من الحكمة والعقل أن يبدأ هو بذكر الثمن قبل طُلَّابها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 91] جواز بيع المزايدة: • المراد بالمسألة: بيع المزايدة هو: أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعم، حتى تقف على آخر زائد فيها، فيأخذها (¬1). وهو جائز لا كراهة فيه، بإجماع العلماء. ويطلق عليه بعض الفقهاء: بيع الفقراء، وبيع من كسدت بضاعته (¬2). • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد] (¬3). نقله عنه ابن حجر، والصنعاني (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [والمزايدة مباحة بالإجماع] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة] (¬6). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وهذا أيضا إجماع، فإن المسلمين ¬
يبيعون في أسواقهم بالمزايدة] (¬1). نقله عنه ابن ضويان (¬2). • ابن النجار (¬3) (972 هـ) يقول: [وهذا إجماع، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (¬4). • البهوتي (1051 هـ) يقول: [فأما المزايدة في المناداة فجائز إجماعا، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (¬5). • عبد الرحمن البعلي (¬6) (1192 هـ) يقول: [وأما المزايدة في المناداة قبل الرضا، فجائزة بالإجماع] (¬7). • الرحيباني (1243 هـ) يقول: [و (لا) يحرم (زيادة في مناداة) قبل الرضا إجماعا، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬9). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باع حِلسا وقَدَحا، وقال: "من يشتري هذا الحلس والقدح؟ " فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ " فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- باع الحلس والقدح مزايدة، ولم يقتصر على السوم الأول من الرجل الأول، فدل فعله على الجواز. الثاني: أن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة في كل زمان ومكان من غير نكير (¬2). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: الأول: كراهة بيع المزايدة مطلقا. وهذا قال به: إبراهيم النخعي، وأيوب السختياني (¬3) وعامر الشعبي، وعقبة (¬4) (¬5). ¬
واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث سفيان بن وهب (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهى عن بيع المزايدة" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع المزايدة، وأقل أحوال النهي الكراهة. الثاني: جواز بيع المزايدة في المواريث والمغانم فقط. وهذا قال به: الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول (¬3)، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه (¬4). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: ما جاء عن زيد بن أسلم (¬5) قال: سئل ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن بيع المزايدة فقال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر إلا الغنائم ¬
92] جواز بيع الحاضر للحاضر والبادي للبادي
والمواريث" (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل عذر من حكى الإجماع في المسألة، إما أنه حكاه في معرض الاستدلال لمسألة أخرى، فيقع التجوز في الحكاية، كما هو ظاهر صنيع ابن عبد البر، أو كانت حكايته من باب حكاية الإجماع السكوتي، والخلاف في الاحتجاج به ظاهر ومعروف، كما يظهر من صنيع ابن قدامة، أما الباقون فهم نقلة عن غيرهم، خاصة ممن عرف عنهم العناية بالفقه المذهبي دون غيره. واللَّه أعلم. 92] جواز بيع الحاضر للحاضر والبادي للبادي: • المراد بالمسألة: الحاضر: ضد البادي، والحاضرة ضد البادية. والحاضر: من كان من أهل الحضر (¬2)، وهو ساكن الحاضرة، وهي: المدن والقرى والريف، وهي أرض فيها -عادة- زرع وخصب. والبادي: ساكن البادية، وهي: ما عدا ما ذكر من المدن والقرى والريف. وهو الذي عليه الجمهور (¬3). وقيل: إن البادية يشمل المقيم في البادية، وكل من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء أكان بدويا، أم كان من قرية، أو أي بلدة أخرى. وهو قول عند المالكية، ورأي الحنابلة (¬4). وبعض المالكية يعبر عن البادي بالعمودي، والعمودي هو: البدوي، نسبة إلى عمود؛ لأن البدو يسكنون الخيام. ويراد بالمسألة: أن الحاضر إذا باع حاضرا مثله، والبادي إذا باع باديا مثله، ¬
فإن البيع بينهما جائز إذا توفرت شروطه وأركانه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [اتفقوا أن بيع الحاضر للحاضر، والبادي للبادي جائز] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها" (¬4). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ " قال: لا يكون له سمسارا (¬5). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الحاضر للبادي، فدل على أن بيع الحاضر للحاضر، والبادي للبادي صحيح وتام.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
93] جواز تولي البادي البيع لنفسه
93] جواز تولي البادي البيع لنفسه: • المراد بالمسألة: البادي: - وهو من سكن البادية، أو من دخل البلدة من غير أهلها، على القول الآخر -إذا قدم بالسلعة، وقام بالبيع بنفسه، فإن البيع جائز لا إشكال فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560) يقول: [واتفقوا على أن بيع البادي لسلعة نفسه، جائز] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" (¬3). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ " قال: لا يكون له سمسارا (¬4). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الحاضر للبادي، فدل على أن بيع البادي لنفسه صحيح وتام، بل هو الأصل، بناء على العلة التي من أجلها وقع النهي. ¬
94] بطلان البيعتين في بيعة
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 94] بطلان البيعتين في بيعة: • المراد بالمسألة: هذه المسألة قد اختلف العلماء في بيان صورتها على أقوال عدة، كل يتأول في بيان المعنى المراد منها على ما يوافق مذهبه (¬1)، وإليك بيان هذه الأقوال: الأول: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم نقدا، أو بخمسة عشر نسيئة إلى سنة، فيقبل المشتري من غير تعيين لأحد الثمنين. قال بهذا التفسير: الثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وابن حزم من الظاهرية (¬2). الثاني: أن يقول: بعتك بستاني هذا بكذا على أن تبيعني دارك بكذا. قال بهذا التفسير: الحنفية، والشافعية في القول الآخر لهم، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). الثالث: أن يقول له: بعتك هذا بعشرة دنانير على أن تعطيني بها صرفها كذا دراهم. قال به: الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، والشافعي في قول آخر لهما، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن حزم (¬4). الرابع: أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة. وهي نفس بيع العينة. اختار هذا التفسير ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة (¬5). ¬
وقد جاء في موطأ الإمام مالك أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد، حتى أبتاعه منك إلى أجل. فسئل عن ذلك عبد اللَّه بن عمر، فكرهه ونهى عنه. قال ابن عبد البر: [هذا الحديث عند مالك فيه وجهان: أحدهما: العينة. والثاني: أنه من باب بيعتين في بيعة؛ لأنها صفقة جمعت بيعتين أصلها البيعة الأولى] (¬1). وظاهر هذا أنه يقول بالتفريق بين العينة، وبين البيعتين في بيعة. الخامس: أن يقول: بعني سلعتك هذه بدينار نقدا، أو بشاة موصوفة إلى أجل، ويقع التفرق بينهما على لزوم البيع من غير تعيين لأحدهما. قال بهذا التفسير الإمام مالك (¬2). السادس: أن يتبايعا سلعتين بثمنين مختلفين على أنه تلزمه إحدى البيعتين، مثل: أن يتبايعا هذا الثوب بدينار، والثوب الآخر بدينارين على أن المشتري يختار أحدهما. أو سلعة واحدة بثمنين مختلفين، مما يجوز أن يُحَوَّل بعضها في بعض. مثل: بعتك هذا السلعة بدينار وثوب، أو ثوب وشاة. قال به الإمام مالك (¬3). السابع: أن يقول رجل لآخر: اشتر لي، أو اشتر السلعة نقدا بكذا، أو بما اشتريتها به، وبعها مني بكذا إلى أجل. فيكون داخلا في بيع ما ليس عند البائع. ذكر هذا التفسير المالكية (¬4). الثامن: أن يقول: بعني هذا التمر الصيحاني عشرة آصع بدينار، والعجوة خمسة عشر بدينار. قال به الإمام مالك (¬5). التاسع: هو أن يسلفه دينارا في قفيز بر إلى شهر، فإذا حل الأجل وطالبه بالبر، قال: بعني القفيز الذي لك عليّ بقفيزين إلى شهرين. فهذا بيع ثان قد دخل على ¬
البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيرد أوكسهما، وهو الأول، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مربيين. هذا التفسير قال به الخطابي (¬1) لما ذكر رواية: "فله أوكسهما أو الربا" (¬2) قال: [فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه] (¬3). ثم ذكره. فالمعنى -كما ترى- قد وقع الخلاف فيه بين العلماء، وبعض هذه الأقوال هي في حقيقتها صور كما هو ظاهرٌ مِن ذِكْر بعض العلماء لها، كابن حزم مثلا. أما التفاسير التي جاءت عن الإمام مالك ومن وافقه فيجمعها ما ذكره ابن رشد في تعريف البيعتين في بيعة حين قال: [تناول البيع مبيعين، لا يتم مع لزومه للمتبايعين أو لأحدهما إلا في أحد المبيعين] (¬4). ويدخل فيه الصحيح والفاسد، ولذا أجاز الإمام مالك بعض هذه الصور. والمقصود هنا: أن ما جاء في حديث أبي هريرة يُعدُّ من الأمور المنهي عنها، وإذا وقعت فهي باطلة شرعا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيعتين في بيعة باطل] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [فأما المنطوق به في الشرع، فمنه: نهيه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .، عن بيعتين في بيعة. . .، فهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها] (¬6). • النووي (676 هـ) يقول لما ذكر ما جاء عن الشافعي في تفسير البيعتين في ¬
95] صحة شراء السلعة التي باعها بأقل من ثمنها في غير مجلس العقد
بيعة من تفسيرين لها: [وعلى التقديرين: البيع باطل بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيعتين في بيعة" (¬3). وفي رواية: قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (¬4). الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع وسلف، وعن بيعتين في صفقة واحدة، وعن بيع ما ليس عندك" (¬5). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيعتين في بيعة، والنهي يقتضي تحريم المنهي عنه، وبطلانه كذلك.Rصحة الإجماع في النهي عن بيعتين في بيعة، وأنه إذا وقع يعد باطلا. أما المعنى فقد تبين وقوع الخلاف فيه بين المذاهب كما سبق. 95] صحة شراء السلعة التي باعها بأقل من ثمنها في غير مجلس العقد: • المراد بالمسألة: إذا باع سلعة ولم يقبض ثمنها، ثم اشتراها من المشتري بأقل ¬
من ثمنها الذي باعها عليه، وهي على حالها لم تتغير، ولم يكن ذلك في مجلس العقد، بل بعد مدة منه، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واستدل أيضا -أي: الشافعي- على جواز العينة بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها، ممن اشتراها منه بعد مدة، فالبيع صحيح] (¬1). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وأيد ما ذهب إليه الشافعي -أي: في تجويزه العينة- بأنه قد قام الإجماع على جواز البيع من البائع بعد مدة، لا لأجل التوصل إلى عوده إليه بالزيادة] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4). • وجه الدلالة: أن الآية دليل على أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة ما لم يأت نص بالتحريم، وهو كذلك في مسألتنا، فليس ثمة نص على تحريمها، فتبقى على الأصل. ¬
96] جواز بيع المشتري السلعة من البائع بمثل الثمن أو أكثر منه
الثاني: أن البائع ما دام أنه لم يشتر السلعة في مجلس العقد، بل وجد المشتري يبيعها في السوق، فإن الربا غير متحقق في العقد، وعليه فيكون حاله حال الرجل الأجنبي إذا أراد شراء السلعة، ولا فرق. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة جماهير العلماء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، فقالوا: لا يجوز للبائع أن يشتري السلعة ممن اشترها منه بأقل من ثمنها نقدا مطلقا، سواء كان في مجلس العقد أو بعد مدة، ما دامت العلقة موجودة بين البائع والمشتري (¬1). ويستدل لهؤلاء بدليل من المعقول وهو: أن شبهة العينة لا زالت قائمة، ولا فرق بين أن يكون شراء البائع للسلعة في مجلس العقد أو بعده، فالتواطؤ ليس شرطا في تحقيق معنى العينة المحرمة، وما كان شبهة فهو ملحق بالحقيقة، سدا للذريعة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 96] جواز بيع المشتري السلعة من البائع بمثل الثمن أو أكثر منه: • المراد بالمسألة: إذا اشترى البائع من المشتري السلعة، لكن بمثل ما اشتراها منه أو أكثر، فإن البيع جائز، بإجماع العلماء، سواء كان قبل نقد الثمن في البيع الأول، أو بعده. • من نقل الإجماع: • الجصاص (370 هـ) لما أورد أثر سعيد بن المسيب حين سئل عن رجل باع طعاما من رجل إلى أجل، فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه. فقال: هو ربا. قال: [ومعلوم أنه أراد شراءه بأقل من الثمن الأول؛ إذ لا ¬
خلاف أن شراءه بمثله أو أكثر منه جائز] (¬1). • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو اشترى ما باع بمثل ما باع، قبل نقد الثمن، جاز بالإجماع. . .، وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [واعلم أن شراء ما باع بأقل مما باع، قبل نقد الثمن لا يجوز عندنا. . .، وبعد نقد الثمن يجوز عندنا أيضا، وبالمثل أو الأكثر يجوز بالإجماع، سواء كان قبل نقد الثمن أو بعده] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأصل في المعاملات الإباحة، بنص القرآن كما قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬5) ولا يَحْرمُ إلا ما حرمه اللَّه كما أخبر عن ذلك فقال: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (¬6) وهذه المعاملة قد توفرت فيها شروط البيع وأركانه، وانتفت موانعه، فتبقى على الأصل الذي جعله اللَّه في كتابه (¬7). الثاني: أن المقصود من المنع إنما هو من أجل الذريعة إلى الربا، وهي منتفية هنا إذا باعه بأكثر أو مثل ما اشتراها به (¬8).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
97] جواز بيع السلعة المباعة نسيئة بعد نقد الثمن بأقل منه
97] جواز بيع السلعة المباعة نسيئة بعد نقد الثمن بأقل منه: • المراد بالمسألة: لو اشترى سلعة بألف ريال، سواء كانت حالة أو مؤجلة، ثم قبض المشتري السلعة، وقبض البائع الثمن، وبعدها باعها على البائع بأقل من ثمنها الذي اشتراها به، فإن البيع جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة، فقبضها، ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن) بمثل أو أكثر جاز. . .، وقيد بقوله: نقد الثمن؛ لأن ما بعده يجوز بالإجماع بأقل من الثمن] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن البيع في هذه الصورة قد تمت شروطه وأركانه، ولم يقم مانع من الموانع يمنع صحته، فبقي على الأصل وهو الجواز. الثاني: أن الخوف في هذه الصورة أن يكون ذريعة إلى الربا، فإذا كان البائع اشترى السلعة من المشتري بعد قبض الثمن فقد انتفى محظور الربا هنا، وعاد ¬
98] جواز بيع المشتري السلعة للبائع بعرض أقل مما اشتراها منه
البيع كأنه بيع جديد مستقل، كما لو كان المشتري أجنبيا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 98] جواز بيع المشتري السلعة للبائع بعرض أقل مما اشتراها منه: • المراد بالمسألة: العرْض، -بالراء الساكنة- وهو: كل ما ليس بنقد من المتاع (¬1). • والمقصود بالمسألة: إذا باع المشتري السلعة على البائع بأقل مما اشتراها منه، لكن البيع كان بعروضٍ وليس بنقود، كأن تكون ثيابا وأقمشة ونحوها، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن اشتراها بعرْض، أو كان بيعها الأول بعرْض، فاشتراها بنقد جاز، وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافا] (¬2). نقله عنه المرداوي، وعبد الرحمن القاسم (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فإن اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز، ولا نعلم فيه خلافا] (¬4). نقله عنه المرداوي (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [(ومن اشترى جارية بألف درهم، حالة أو نسيئة، فقبضها، ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول، لا يجوز البيع الثاني. وقال الشافعي: يجوز؛ لأن الملك) أي: ملك المشتري (قد تم فيها) أي: في الجارية (بالقبض، فصار البيع من البائع ومن غيره سواء، وصار) أي: حكم هذا (كما لو باع بمثل الثمن الأول، أو بالزيادة) من الثمن الأول (أو بالعرض) يعني: باعها منه بالعرض قبل نقد الثمن، وقيمة العرض أقل من قيمة الألف، ¬
99] جواز التورق من أجل التجارة والانتفاع والقنية
يجوز بالإجماع] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [إذا اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد، جاز بغير خلاف نعلمه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة إذا توفرت الشروط والأركان، وانتفت الموانع، كما هو الحال في هذه المسألة. الثاني: أن التحريم إنما كان من أجل شبهة الربا، وقد انتفت هذه الشبهة هنا؛ إذ لا ربا بين الأثمان والعروض (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 99] جواز التورق من أجل التجارة والانتفاع والقنية: • المراد بالمسألة: التورق: مأخوذ من الورق، وهو في الأصل: يطلق على الخير والمال (¬5)، ويراد بالوَرِق: الدراهم المضروبة من الفضة، وقيل: الفضة سواء كانت مضروبة أم غير مضروبة (¬6). ¬
• وفي الاصطلاح: أن يشتري من يحتاج مالا سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالة، ثم يبيعها على أجنبي نقدا (¬1). وهذا المصطلح اختص به الحنابلة من بين المذاهب، وبقيت المذاهب يذكرون صورة التورق ضمن صُور العينة (¬2). • والمقصود بالمسألة: إذا احتاج المشتري إلى شراء سلعة، ولم يكن عنده نقد حاضر، فاشتراها بأكثر من قيمتها مؤجلة، وكان قصده ذات السلعة: إما من أجل القنية، أو الانتفاع بها، وذلك مثل: أن يشتري بيتا ليسكنه، أو سيارة ليركبها، أو طعاما ليأكله، أو المتاجرة بها، كأن يشتري قمحا ليتجر به في بلد آخر، أو لينتظر به زيادة السوق، وخلا من قصد ذات الدراهم، فإن هذا جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ولو كان مقصود المشتري الدرهم، وابتاع السلعة إلى أجل، ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا يسمى: التورق، ففي كراهته عن أحمد روايتان، والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك فيما أظن. بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع، أو القنية، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل، بالاتفاق] (¬3). ويقول أيضا: [المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل والشرب واللبس والركوب، وغير ذلك. الثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها، فهذان نوعان جائزان بالكتاب والسنة والإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬1). • وجه الدلالة: أن هذه الآية تفيد أن الأصل في المبايعات أنها على الإباحة ما لم يرد دليل بالمنع، وهو كذلك في المسألة معنا لم يرد دليل بمنعها (¬2). الثاني: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (¬3). • وجه الدلالة: أن هذا المعاملة نوع من المداينات التي تدخل في عموم هذه الآية (¬4). الثالث: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬5). • وجه الدلالة: أن اللَّه حرم أكل أموال الناس إلا ما وقع عليه التراضي بينهم، وهذا البيع بهذه الصورة واقع على هذا الوجه، فهو داخل في هذا العموم (¬6). ¬
100] تحريم التسعير إذا لم تدع الحاجة إليه
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 100] تحريم التسعير إذا لم تدع الحاجة إليه: • المراد بالمسألة: التسعير في اللغة: مأخوذ من السعر، وهو: تقويم السلع بثمن لا يتجاوزه (¬1). • وفي الاصطلاح: أن يقوم ولي الأمر بتحديد أسعار الحاجيات، وإجبار أربابها على بيعها بالسعر المحدد (¬2). فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر -إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق- فهذا إلى اللَّه، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها في هذه الحالة لا يجوز باتفاق العلماء (¬3). • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية التسعير للناس، وأنه لا يجوز] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن بن قاسم (¬5). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل] (¬6). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬8). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن من أكره على بيع ماله بدون رضا منه، فقد أُكِل ماله بالباطل، ومن وقع الإجبار له أن يبيع بسعر لا يرضاه في تجارته فقد سلب الرضا الذي هو حق له في كتاب اللَّه (¬2). الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا، فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (¬3). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رجلا جاء فقال: يا رسول اللَّه، سَعِّر، فقال: "بل أدعو" ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه سَعِّر، فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع! وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس لأحد عندي مظلمة" (¬4). ¬
101] وجوب التسعير عند حصر البيع في أناس معينين
وجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه عليه السلام لم يُسعِّر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني: أنه علل بكونه مظلمة، والظلم حرام (¬1).Rصحه الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 101] وجوب التسعير عند حصر البيع في أناس معينين: • المراد بالمسألة: إذا اتفق الناس على ألَّا يبيع نوعا من السلع إلا أناس محددين، وكل من أراد بيع تلك السلعة، فلا بد أن يبيع عن طريقهم، فهنا يجب على ولي الأمر أن يلزم هؤلاء بالشراء من الناس بقيمة المثل، ويلزمهم بالبيع على الناس بقيمة المثل كذلك، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول بعد أن ذكر الحالة الأولى التي يرى وجوب التسعير فيها: [وأبلغ من هذا: أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره، إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد، فها هنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. . .، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا، أو لا يشتروا، إلا بثمن المثل] (¬2). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني (¬3). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنهم إذا كانوا قد منعوا غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سُوِّغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا، أو يشتروا بما اختاروا، كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال. وظلما للمشترين منهم. والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم، أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في هذه الحالة فيه رفع للظلم. الثاني: القياس على الإكراه بحق في البيع: فكما أنه يجوز في بعض الحالات من مثل قضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة وأشباهها، فكذلك هنا إذا ترتب عليه مصلحة (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية على الصحيح عندهم، ووافقهم ابن حزم من ¬
102] جواز ادخار القوت للنفقة
الظاهرية، والشوكاني، وقالوا بأن التسعير حرام بكل أنواعه وصوره، ولا يجوز للإمام فعله بحال من الأحوال (¬1). و• دليلهم: عموم حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال الناس: يا رسول اللَّه سَعِّر لنا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه هو القابض الباسط الرزاق المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه عز وجل وليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ولا مال" (¬2).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 102] جواز ادخار القوت للنفقة: • المراد بالمسألة: القوت الذي يَدَّخره المرء لنفسه أو عياله مما يحتاجه من النفقة عليهم طوال عامه، وهو من القوت المأخوذ من أرضه ومزرعته، لا مما اشتراه من السوق، لا يعد من الاحتكار المنهي عنه، بل هو جائز لا حرج فيه، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • المهلب (¬3) (435 هـ) يقول: [فيه -أي: حديث عمر الذي في مستند الإجماع- دليل على جواز ادَّخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحُكْرة، وأن ما ضمَّه الإنسان من زرعه، أو جدَّ من نخله وثمره، وحبسه لقوته لا يسمى حُكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء]. نقله عنه العيني (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [أن يكون المحتكر للطعام من مال نفسه، أو كسب يده. . .، فالحكرة جائزة بلا خلاف] (¬5). ¬
• القاضي عياض (544 هـ) يقول: [ولا خلاف بين الفقهاء في جواز ادِّخار ما يرفعه الرجل من أرضه وزراعته، مما لم يشتره من السوق] (¬1). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [ولا خلاف في أن ما يدّخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز ولا بأس به] (¬2). نقله عنه الحطاب (¬3). • ابن رسلان (¬4) (844 هـ) يقول: [ولا خلاف في أن ما يدَّخره الإنسان من قوت، وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به]. نقله عنه الشوكاني، والعظيم آبادي (¬5) (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "أعطى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وَسْق (¬8): ثمانين وسقا من تمر، ¬
103] تحريم الاحتكار المضر بالناس
وعشرين وسقا من شعير، فلما ولي عمر قَسْم خيبر، خيَّر أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام، فاختلفن" (¬1). الثاني: عن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل اللَّه" (¬2). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ادَّخر قوت أولاده سنة كاملة من حقه من الفيء وليس مما اشتراه من السوق، فدل على جواز الادخار، وأنه ليس من الاحتكار المنهي عنه. الثالث: أن الادخار حبس لقوت نفسه، وليس قصد صاحبه المتاجرة به، فلا تعلق للآخرين به، ولا ضرر عليهم فيه، فيبقى على الأصل وهو الإباحة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 103] تحريم الاحتكار المضر بالناس: • المراد بالمسألة: الحكر في اللغة، هو: الحَبْس والإمساك والجمع، والحُكْرة هي: حبس الطعام منتظرا لغلائه (¬3). وفي الاصطلاح، هو: شراء ما يحتاجه الناس من طعام ونحوه، وحبسه انتظارا لغلائه وارتفاع ثمنه (¬4). إذا حبس البائع من السلع ما يؤدي إلى الضرر بالناس، وإيقاع الضيق عليهم، وكان مقصده البيع بأعلى الأسعار، فإنه قد وقع فيما حرم اللَّه عليه، وإن لم يكن فيه ضرر على الناس فهذا مباح، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن الحُكْرة المُضِرة بالناس غير جائزة] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [لا خلاف أنه لا يجوز احتكار شيء من الطعام ولا غيره، في وقت يُضرّ احتكاره فيه بالناس، من طعام وغيره، من كتان وحناء وعصفر] (¬3). نقله عنه المواق (¬4). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [ما لا يضر بالناس شراؤه واحتكاره، لا يُخَطَّأ مشتريه، بالاتفاق] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء، فقد برئ من اللَّه، وبرئ اللَّه منه" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قيد الوعيد على الاحتكار بقصد المغالاة من ¬
104] مشروعية الإشهاد على البيع
المحتكِر، وهذا يدل على التحريم إذا قصد به الإضرار بالناس. الثاني: عن معمر بن عبد اللَّه (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحتكر إلا خاطئ"، فقلت لسعيد بن المسيب: فلم تحتكر؟ قال: كان معمر يحتكر (¬2). • وجه الدلالة: أن تصرف معمر يدل على أن الذي كان يفعله غير الذي روى فيه النهي؛ لأنه لو كان هو لكان فيه تناقضا بين الفعل والرواية، فدل على أنه أراد نوعا خاصا من الاحتكار، وهو الذي يُضر بالناس (¬3). الثالث: عن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من احتكر على المسلمين طعاما، ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس" (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 104] مشروعية الإشهاد على البيع: • المراد بالمسألة: من أراد البيع أو الابتياع فإنه يشرع له أن يشهد على عقده رجلين، أو رجل وامرأتين، بل هو المندوب في حقه، وإذا لم يشهد على ذلك فإن العقد تام وصحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • الجصاص (370 هـ) يقول: [ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية -أي: آية الدين- ندب وإرشاد ¬
إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح، والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب] (¬1). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من باع نقدا وأشهد ببينة عدل. . .، أو باع أو أقرض إلى أجل وأشهد كذلك، وكتب بذلك وثيقة، أنه قد أدى ما عليه، واتفقوا أنه إن باع أو أقرض إلى أجل أو نقدا، ولم يشهد ولا كتب، أن البيع والقرض صحيحان] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • الكاساني (587 هـ) يقول لما ذكر الخلاف في الإشهاد على النكاح: [ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود، ليس بشرط، ولكنه مندوب إليه ومستحب] (¬4). • شهاب الدين القليوبي (¬5) (1069 هـ) يقول: [وصَرَفَه -أي: الأمر بالإشهاد الذي في آية الدين- عن وجوب الإجماع، وهو أمر إرشاديٌّ، لا ثواب فيه، إلا لمن قصد به الامتثال] (¬6)، نقله عنه الجمل (¬7)، والبجيرمي (¬8) (¬9). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (¬2). • وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بالإشهاد عند التبايع، وأقل أحوال الأمر الندب (¬3)، والصارف له هو الدليل الآتي (¬4). الثاني: عن عمارة بن خزيمة (¬5) أن عمه حدثه (¬6) وهو من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، لا يشعرون أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ¬
فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين سمع نداء الأعرابي: "أوليس قد ابتعته منك؟ " قال الأعرابي: لا واللَّه ما بعتك، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بلى قد ابتعته" فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، قال خزيمة (¬1): أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على خزيمة، فقال: "بم تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول اللَّه، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يشهد على بيعه، ولو كان واجبا لأشهد منذ بداية العقد، ثم مع عدم إشهاده فإنه عد البيع صحيحا ولم يبطله لما أنكر الأعرابي، فدل على أن من لم يشهد فإن بيعه تام وصحيح. الثالث: أن الأمة نقلت خلفا عن سلف عقود المبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا، وذلك منقول من عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى يومنا هذا. ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها لورد النقل به متواترا مستفيضا، ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أن الأمر مندوب غير واجب (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة جماعة من السلف، فقالوا بوجوب الإشهاد على البيع، ¬
105] جواز وقوع البيع في غير المسجد
منهم: أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، والضحاك (¬1)، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وابن جرير الطبري، وهو قول الظاهرية، وقول عند الحنفية (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: الآية التي استدل بها الجمهور، وقالوا: بأن الأمر فيها للوجوب، جريا على الأصل في باب الأمر (¬3). الثاني: القياس على النكاح: فكما أنه واجب فيه، فكذلك البيوع، بجامع المعاوضة في كل منهما (¬4).Rصحة الإجماع على مشروعية الإشهاد على البيع، وكذلك على من باع أو ابتاع ولم يشهد فإن العقد صحيح؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما الإجماع على أن الإشهاد على الندب فلا يصح؛ لثبوت الخلاف فيها. وعليه فتكون عبارة ابن حزم أدق في حكاية الإجماع. 105] جواز وقوع البيع في غير المسجد: • المراد بالمسألة: إذا وقع التبايع بين المتبايعين في أي مكان خارج المسجد، فإن العقد جائز وصحيح، إذا توفرت باقي الشروط والأركان، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع الصحيح إذا وقع في غير المسجد ¬
جائز] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تُنْشَد فيه ضالة، وأن يُنْشد فيه شعر" (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشد ضالة، فقولوا: لا رد اللَّه عليك ضالتك" (¬5). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن البيع والابتياع في المسجد، وأمر بالدعاء على من فعله، ¬
فدل على أنه إذا وقع البيع خارج المسجد، فإنه صحيح ولازم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ لعدم المخالف فيها. * * *
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع 1] عدم لزوم شروط العاقدين بعد لزوم العقد: • المراد بالمسألة: إذا اشترط العاقدان أو أحدهما شرطا من الشروط الجائزة بعد أن تم العقد بينهما، وصار لازما لهما، فإنه غير مؤثر على البيع، ولا يكون ملزما لهما، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (457 هـ) يقول: [واتفقوا أن كل شرط وقع بعد تمام البيع فإنه لا يضر البيع شيئًا] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل عقلي، وهو: أن البيع قد تم بشروطه وأركانه بدون هذا الشرط، فإذا شرط أحدهما شرطا بعد ¬
2] مشروعية اشتراط المتعاقدين شرطا من مقتضيات العقد أو فيه مصلحة لهما
تمام العقد، فإنه يختل أحد شروط العقد وهو الرضا، فالطرف الثاني دخل ورضي بالعقد بدون هذا الشرط، وربما لا يرضى به، واللَّه تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] مشروعية اشتراط المتعاقدين شرطا من مقتضيات العقد أو فيه مصلحة لهما: • المراد بالمسألة: الشروط التي تصدر من المتعاقدين في البيوع، لا تخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الشرط الصادر من أحد المتعاقدين من مقتضيات العقد، أي: واجب بالعقد من غير اشتراط: كاشتراط تسليم المبيع، وقبض الثمن، وخيار المجلس، والتصرف في المبيع، ونحوها، لا فرق بين أن يكون شرطا واحدا في العقد أو يجمع بين شرطين منهما. الحالة الثانية: أن يكون الشرط الصادر من أحد المتعاقدين فيه مصلحة لهما: كاشتراط الخيار مدة معينة، أو الرهن، أو تأجيل الثمن مدة محددة. أو يكون اشتراط صفة معينة مقصودة في المبيع: كاشتراط أن يكون العبد صانعا أو كاتبا ونحوها. فهاتان الحالتان من الشروط متفق على جواز اشتراطهما، أما الأولى فاشتراطها غير مؤثر في العقد وجودا وعدما. أما الثانية: فيلزم الوفاء بها من قبل المشترط عليه. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (544 هـ) يقول: [الشروط المقارنة للبيع، ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من مقتضى العقد: كالتسليم، وجواز التصرف في المبيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه. . .]. نقله عنه العيني (¬2). ¬
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: ما هو من مقتضى العقد: كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكما، ولا يؤثر في العقد. الثاني: تتعلق به مصلحة العاقدين: كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة. أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع: كالصناعة والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا] (¬1). • النووي (676 هـ) يقول: [الشرط خمسة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى العقد: بأن باعه بشرط خيار المجلس، أو تسليم المبيع، أو الرد بالعيب، أو الرجوع بالعهدة، أو انتفاع المشتري كيف شاء، وشبه ذلك، فهذا لا يفسد العقد بلا خلاف. . . الضرب الثاني: أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد لكن فيه مصلحة للعاقد: كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة، ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خياطا، أو كاتبا ونحوه، فلا يبطل العقد أيضا بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط] (¬2). نقله عنه الشوكاني (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(وهي -أي: الشروط- ضربان: صحيح، وهو ثلاثة أنواع، أحدها: شرط مقتضى البيع: كالتقابض، وحلول الثمن ونحوه، فلا يؤثر فيه. الثاني: شرط من مصلحة العقد: كاشتراط صفة في الثمن، كتأجيله، أو الرهن، أو الضمين، أو صفة في المبيع نحو: كون العبد كاتبا، أو خصيا، أو صانعا، أو مسلما، والأمة بكرا، والدابة هملاجة (¬4)، والفهد صيودا) فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به. . .، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا] (¬5). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [قوله: (ثم جملة الأمر فيه) أي: في الشرط (أنه ¬
إما أن يقتضيه العقد) كشرط أن يحبس المبيع إلى قبض الثمن ونحوه فيجوز؛ لأنه مؤكد لموجب العقد. أو لا يقتضيه، لكن ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له: كشرط الأجل في الثمن، والمثمن في السلم، وشرط في الخيار، فكذلك هو صحيح؛ للإجماع على ثبوته شرعا رخصة] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [إن كان الشرطان المجموعان من مقتضى البيع، كاشتراط حلول الثمن، مع تصرف كل منهما فيما يصير إليه، صح بلا خلاف] (¬2). ويقول أيضا: [وكل شرط لا ينافي مقتضى العقد، لا ينافي البيع، بالاتفاق] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم، ما وافق الحق منها" (¬5). • وجه الدلالة: هذا الحديث أصل في إباحة الشروط بين المتعاقدين ما لم يكن ¬
3] صحة اشتراط المشتري صفة مقصودة في المبيع
الشرط محرما في الشرع، فيدخل فيه ما إذا كان الشرط من مقتضى العقد، أو فيه مصلحة للمتعاقدين (¬1). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فدعا لي وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله. قال: "بعنيه بوقية (¬2) "، قلت: لا. ثم قال: "بعنيه" فبعته بوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي. فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك" (¬3). • وجه الدلالة: أن جابر اشترط نفعا معلوما في المبيع، وأقره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم ينكر عليه شرطه، فإذا جاز اشتراط نفع معلوم من قبل أحد المتعاقدين، فمن باب أولى جواز اشتراط ما فيه مصلحة للمتعاقدين. الثالث: أن اشتراط ما هو من مقتضى العقد إنما هو تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه؛ ولذا كان وجوده كعدمه، لا تأثير له على العقد (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] صحة اشتراط المشتري صفة مقصودة في المبيع: • المراد بالمسألة: إذا اشترط المشتري في المبيع صفة مقصودة، ملائمة للعقد، مما لا يعد المبيع بعد فقدها معيبا، فإن البيع والشرط صحيحان، وملزمان للطرفين، وإذا فقد المشروط في السلعة فإن للمشتري حق الفسخ، باتفاق ¬
العلماء. مثال ذلك: أن يشترط في الفهد أن يكون صيودا، وفي الدابة أن تكون هملاجة، ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا اشترى فهدا على أنه صيود، ودابة على أنها هملاجة، صح البيع] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة، مما لا يعد فقده عيبا، صح اشتراطه، وصارت مستحقة، يثبت له خيار الفسخ عند عدمها، مثل: أن يشترط مسلما، فيبين كافرا، أو يشترط الأمة بكرا أو جعدة أو طباخة، أو ذات صنعة، أو لبن، أو أنها تحيض، أو يشترط في الدابة أنها هملاجة، أو في الفهد أنه صيود، وما أشبه هذا، فمتى بان خلاف ما اشترطه، فله الخيار في الفسخ، والرجوع بالثمن، أو الرضا به، ولا شيء له، لا نعلم بينهم في هذا خلافا] (¬2). • النووي (676 هـ) يقول: [أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد لكن فيه مصلحة للعاقد: كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة، ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خياطا أو كاتبا ونحوه، فلا يبطل العقد أيضا بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [أجمع الفقهاء المعروفون -من غير خلاف أعلمه من غيرهم- أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه: كاشتراط كون العبد كاتبا، أو صانعا، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك، شرط صحيح] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم، ما وافق الحق منها" (¬1). • وجه الدلالة: هذا الحديث أصل في إباحة الشروط بين المتعاقدين ما لم يكن الشرط محرما في الشرع، فيدخل فيه ما إذا شرط أحدهما منفعة مقصودة في المبيع (¬2). الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" (¬3). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: ["من اشترط شرطا" أي: مشروطا، وقوله: "ليس في كتاب اللَّه" أي: ليس المشروط في كتاب اللَّه، فليس هو مما أباحه اللَّه، كاشتراط الولاء لغير المعتق، والنسب لغير الوالد. . .، ونحو ذلك مما لم يبحه اللَّه بحال، ومن ذلك تزوج المرأة بلا مهر، ولهذا قال: "كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" وهذا إنما يقال إذا كان المشروط يناقض كتاب اللَّه وشرطه، فيجب تقديم كتاب اللَّه وشرطه، ويقال: "كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" وأما إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص اللَّه على حله، بل سكت عنه، فليس هو مناقضا ¬
لكتاب اللَّه وشرطه، حتى يقال: كتاب اللَّه أحق وشرطه أوثق، فقوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب اللَّه" أي: مخالفا لكتاب اللَّه. وسواء قيل: المراد من الشرط المصدر أو المفعول، فإنه متى خالف أحدهما كتاب اللَّه خالفه الآخر، بخلاف ما سكت عنه. فهذا أصل] (¬1). فدل هذا الحديث على أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما خالف كتاب اللَّه. الثالث: أن رغبات المتبايعين مختلفة متباينة، فلو لم يصح اشتراط ذلك لفاتت الحكمة التي شرع لأجلها البيع (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فقال بمنع الاشتراط في هذه الحالة (¬3). ولابن حزم رأي في الشروط عموما، خالف فيه عامة العلماء، فهي على البطلان عنده إلا ما دل الدليل على إباحته، وهي سبعة شروط فقط، هي: الأول: اشتراط الرهن فيما تبايعاه إلى أجل مسمى. الثاني: اشتراط تأخير الثمن إن كان دنانير أو دراهم إلى أجل مسمى. الثالث: اشتراط أداء الثمن إلى الميسرة، وإن لم يذكرا أجلا. الرابع: اشتراط صفات في المبيع التي يتراضيانها معا، ويتبايعان ذلك الشيء على أنه بتلك الصفة. الخامس: اشتراط أن لا خلابة. السادس: بيع العبد أو الأمة، فيشترط المشتري مالهما أو بعضه مسمى معينا، أو جزءا منسوبا مشاعا في جميعه، سواء كان مالهما مجهولا كله، أو معلوما كله، أو معلوما بعضه مجهولا بعضه. السابع: بيع أصول نخل فيه ثمرة قد أبرت قبل الطيب أو بعده، فيشترط المشتري الثمرة لنفسه أو جزءا معينا منها، أو مسمى مشاعا في جميعها (¬4). ¬
4] بطلان الشرط الذي ينافي مقصود العقد
ولم أجد له سلفا في هذه المسألة، بل وحتى موافق له من المتأخرين.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف. 4] بطلان الشرط الذي ينافي مقصود العقد: • المراد بالمسألة: الشرط الذي يخالف ما من أجله تعاقد المتعاقدان، يعد شرطا باطلا، باتفاق العلماء، وذلك مثل: أن يبيعه السلعة بشرط ألَّا يبيعها، أو ألَّا يتصرف فيها، أو أن يوقفها، أو أن يبيعه طعاما بشرط أن لا يأكله، ونحوها، لا فرق بين أن يكون شرطا واحدا أو أكثر من شرط في العقد. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ومن الأصول المجتمع عليها عند الفقهاء، أنه لا يجوز أن يشترط على البائع في عقد الصفقة، منعه من التصرف في ثمن ما باعه، ولا على المبتاع مثل ذلك فيما ابتاعه] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشُرِط فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين، بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطل، بالاتفاق] (¬2). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان] (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان ليسا من مقتضى البيع، ولا من مصلحته] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
5] منع اشتراط تأخير تسليم البيع في بيوع الأعيان إلى أجل لا يؤمن فيه هلاكه
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن في اشتراط البائع ما ينافي مقصود العقد، تحجيرا على المشتري في السلعة التي اشتراها، وعدم حصول منفعة مقصودة من الاشتراط، فكأنه بهذا تَصرَّف في ملك المشتري بغير حق (¬1). الثاني: أن في اشتراط ما ينافي المقصود بالعقد الجمع بين المتناقضين؛ لأن المقصود من العقد إطلاق تصرف المشتري في العين المباعة، واشتراط مثل هذا يناقض هذا المقصود، ومثل هذا تناقض تنزه عنه الشريعة، ويأباه ذوو العقول المستقيمة (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 5] منع اشتراط تأخير تسليم البيع في بيوع الأعيان إلى أجل لا يؤمن فيه هلاكه: • المراد بالمسألة: الشروط من المتعاقدين مختلفة باختلاف الشرط الذي يكونان قد تواضعا عليه، فإذا اشترط أحدهما في بيع من بيوع الأعيان وليست الديون، أن يتأخر في تسليم العين إلى أجل لا يؤمن معه هلاك العين قبله، فإنه لا يجوز هذا الشرط، سواء كان الثمن دينا أو نقدا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا أنه لا يجوز شراء عين مرئية، غير مأمون هلاكها، بشرط تأخير قبضها إلى أجل لا يؤمن قبله ذهابها. . .، وقد أجمعوا أن من شرط بيع الأعيان، تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد صفقة فيه، نقدا كان الثمن أو دينا] (¬3). ويقول أيضا: [وقد أجمعوا أنه من اشترى شيئا من الحيوان معينا، واشترط ألا يسلمه إلا بعد شهر أو نحوه، أن ذلك لا يجوز] (¬4). ¬
نقل الجملة الأولى ابن القطان (¬1). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها: تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصفقة] (¬2). نقله عنه ابن الشاط (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- في قصة بريرة (¬5) وفيه، قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الناس، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيّن أن كل شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، والشروط التي تخالف مقتضى العقد ليست في كتاب اللَّه، فيدخل فيها اشتراط عدم تسليم المبيع في بيوع الأعيان؛ إذ أن مقتضى العقد التسليم، والتأجيل ¬
6] بطلان البيع بشرط السلف
ينافيه (¬1). الثاني: أن التأجيل في الأعيان لا منفعة فيه للبائع، إذ هي موجودة في الحالين على صفة واحدة، والعقد يوجب تسليمها، فلا فائدة في تأخيرها (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] بطلان البيع بشرط السلف: • المراد بالمسألة: يراد بالسلف هنا: القرض، وقد جاء تفسير هذه المسألة عن إمامين: الأول: الإمام مالك، حيث يقول: [أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا، على أن تسلفني كذا وكذا] (¬3). وإذا وقع مثل هذا فإنه في الغالب تقع الزيادة في ثمن المبيع، بسبب القرض. الثاني: الإمام أحمد، حيث يقول: [أن يقرضه قرضا، ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه في الثمن] (¬4)، ويتضح ذلك بالمثال: حين يقول الرجل للآخر: أقرضك مائة ريال إلى سنة، على أن تشتري مني هذه السلعة بمائة، وهي لا تساوي إلا خمسين ريالا. وما ذكره الإمام أحمد هو عكس ما ذكره الإمام مالك، وهذا من اختلاف التنوع وليس التضاد، فالمراد واحد وهو الجمع بين البيع والقرض، وإجماع العلماء منعقد على تحريم أن يقع البيع من البائع ويشترط القرض في العقد ولو وقع فإن العقد باطل. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولا خلاف بين الفقهاء بالحجاز والعراق أن البيع إذا انعقد على أن يسلف المبتاع البائع سلفا، مع ما ذكر من ثمن السلعة، أو سلف البائع المبتاع مع سلعته المبيعة سلفا ينعقد على ذلك، والصفقة بينهما أن ¬
البيع فاسد عندهم؛ لأنه يصير الثمن بالسلف مجهولا، والسنة المجتمع عليه أنه لا يجوز الثمن إلا معلوما] (¬1). ويقول أيضا: [أجمع العلماء على أن من باع بيعا على شرط سلف يسلفه أو يستسلفه، فبيعه فاسد مردود] (¬2). نقل عنه العبارة الأولى ابن القطان (¬3). • الباجي (474 هـ) يقول لما ذكر نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع وسلف (¬4): [وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك] (¬5). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف، وهو أن يبيع السلعة على أن يسلفه سلفا، أو يقرضه قرضا] (¬6). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬7). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [ومن المسموع في هذا: نهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع وسلف، اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة] (¬8). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه، أو شَرَط المشتري ذلك عليه، فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬9). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف] (¬10). • القرافي (684 هـ) يقول: [إجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين] (¬11). ابن جزي (¬12) (741 هـ) يقول: [البيع باشتراط السلف من أحد المتبايعين، وهو ¬
لا يجوز بإجماع، إذا عزم مشترطه عليه] (¬1). الحطاب (954 هـ) يقول: [واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (¬4). الثاني: أن هذا ذريعة إلى الربا المحرم شرعا، فهو قد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لم يقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك (¬5). الثالث: أنه إنما أقرضه على أن يحابيه في الثمن، فيدخل الثمن في حد الجهالة (¬6)، فإذا سقط الشرط صار الباقي من المبيع ما يقابله من الثمن مجهولا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
7] صحة الشرط الذي ثبت بالسنة والإجماع
7] صحة الشرط الذي ثبت بالسنة والإجماع: • المراد بالمسألة: أَيُّ شرط يشترطه المتعاقدان، وهو ثابت بالسنة أو مجمع عليه بين العلماء، ولم يرد ذكره في كتاب اللَّه، فهو شرط صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول في معرض كلامه على معنى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس في كتاب اللَّه": [الشرط الذي ثبت جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ". . . أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬3). وجه الدلالة في الحديث من وجهين: الأول: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أن الشروط التي ليست في كتاب اللَّه شروط باطلة، فدل بالمفهوم أن الشروط التي جاءت في كتاب اللَّه تعد شروطا صحيحة، يجب الوفاء بها، والمقصود بكتاب اللَّه حكم اللَّه -كما مر تقريره- فيدخل في هذا الشروط التي نصت السنة على جوازها، أو أجمع العلماء عليها. ¬
8] بطلان الشروط التي تخالف كتاب الله في العقد
الثاني: أن هذه الشروط جاءت في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأجمع العلماء عليها، وقد جاء في كتاب اللَّه الأمر باتباع السنة، واتباع سبيل المؤمنين، فتدخل ضمنا في كتاب اللَّه (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] بطلان الشروط التي تخالف كتاب اللَّه في العقد: • المراد بالمسألة: الشروط التي تكون بين المتعاقدين، إذا كان الشرط يخالف حكم اللَّه الذي جاء به، سواء في كتابه، أو في سنة نبيه عليه السلام، ويتضمن تحليل ما حرم اللَّه، أو تحريم ما أحل اللَّه، فإن هذا الشرط باطل، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن بطال (449 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن من اشترط في البيع شروطا لا تحل، أنه لا يجوز شيء منها] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وهذا الحديث الشريف المستفيض -أي: حديث عائشة في قصة بريرة- الذى اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف، أو العتق، أو الهبة، أو البيع، أو النكاح، أو الإجارة، أو النذر، أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه اللَّه على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى اللَّه عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة، باتفاق المسلمين، في جميع العقود: الوقف، وغيره] (¬3). ويقول أيضا: [فمتى كان الشرط يخالف شرط اللَّه ورسوله، كان باطلا. . .، وإذا وقعت هذه الشروط، وفَّي منها بما أمر اللَّه به ورسوله، ولم يوفِّ منها بما نهى اللَّه عنه ورسوله، وهذا متفق عليه بين المسلمين] (¬4). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ". . . أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬2). • وجه الدلالة: أن الحديث نص على أن الشروط التي ليست على حكم اللَّه، فهي باطلة، حتى وإن كثرت. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسلمون عند شروطهم، ما وافق الحق من ذلك" (¬3). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على أن الشروط التي توافق الحق هي التي يجب الوفاء بها، والتي لا توافقه لا يجوز الوفاء بها، وهذا يفسر معنى "كتاب اللَّه" في الحديث السابق. ¬
9] بطلان الشرط المحرم من أحد المتعاقدين
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] بطلان الشرط المحرم من أحد المتعاقدين: • المراد بالمسألة: إذا اشترط أحد المتعاقدين شرطا في العين محرما شرعا، مثل: أن يشترط في الجارية أن تكون مغنية، أو صانعة للخمر، فإن الشرط باطل، باتفاق المسلمين. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [اشتراط كونها -أي: الجارية المباعة- تصنع الخمر والنبيذ شرط باطل، باتفاق المسلمين] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬3). • وجه الدلالة: أن أخذ الجارية على هذا الشرط فيه إقرار لها على هذه المعصية، وإعانة لها على الإثم والعدوان، خاصة وأنها من المعاصي التي يتعدى ضررها على الآخرين (¬4). الثاني: أن الشرط في ذاته محرم شرعا، فلا يجوز اشتراطه، كما لا يجوز له التعاقد عليه استقلالا، مثل: أن يشتري عصيرا لعمله خمرا، أو سلاحا ليقاتل به المسلمين (¬5). ¬
10] بطلان اشتراط الولاء عند بيع العبد
الثالث: القياس على الشرط الذي يخالف مقتضى العقد، فإذا كان فاسدا باتفاق العلماء، فمن باب أولى الشرط الذي يكون محرما بالشرع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] بطلان اشتراط الولاء عند بيع العبد: • المراد بالمسألة: الولاء هو: ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه، أو سبب عقد الموالاة (¬1). والعرب في الجاهلية كانت تبيع الولاء وتهبه، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، وجعلَ الولاءَ كالنسب (¬2). ويراد بالمسألة: أن البائع إذا باع العبد، وشرط على المشتري، فقال له: إن أعتقته فإن الولاء يكون لي، فإن الشرط باطل، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) حين ذكر مسألة شراء الشيء الفاسد، وذكر قول أبي حنيفة في التفريق بين ما ليس بمال عند أحد؛ كالميتة والدم، فإنه لا يملكه، ولا يصح تصرفه، وبين ما ليس كذلك، فإنه لا يملكه بالعقد، ولا يجب بالإقباض، فإن أقبضه ملكه ملكا ضعيفا، استدل له فقال: [واحتج له بقصة بريرة، فإن عائشة -رضي اللَّه عنها- شرطت لهم الولاء، وهو شرط فاسد بالاتفاق] (¬3). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [فيه دليل -أي: حديث عائشة في قصة بريرة- على أن شرط البائع للعبد أن يكون الولاء له لا يصح، بل الولاء لمن أعتق بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرت عائشة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت عائشة، ثم قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬1). • وجه الدلالة: أن أهل بريرة اشترطوا لهم الولاء، فأنكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليهم هذا الشرط، وعَدَّه من الشروط المخالفة لكتاب اللَّه، فدل على بطلانه (¬2). الثاني: أن إطلاق البيع يقتضي تصرف المشتري في المبيع على اختياره؛ لأنه إنما بذل الثمن في مقابلة الملك، والملك يقتضي إطلاق التصرف، فالمنع منه يؤدي إلى تفويت الغرض، فيكون الشرط باطلا (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
11] جواز العربون إذا رد على المشتري عند عدم رغبته بالعقد
11] جواز العربون إذا رُدَّ على المشتري عند عدم رغبته بالعقد: • المراد بالمسألة: العربون في اللغة: هو ما عُقِد به المُبَايعة من الثمن، وفيه عدة لغات: العَرَبون، بفتح العين والراء، وعلى وزن عُصْفور، وعُرْبان على وزن عثمان، وأَرَبون، وأُرْبان، وبحذف الهمزة فتكون الرَّبون، وقيل: سمي بذلك؛ لأن فيه إعرابا لعقد البيع، أي: إصلاحا وإزالةَ فساد؛ لئلا يملكه غيره باشترائه (¬1). وفي الاصطلاح عند الفقهاء استعمل على معنيين، هما: الأول: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءا من الثمن، على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك الجزء للبائع (¬2). وهذا هو المعنى المشهور. الثاني: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءا من الثمن، فإن أخذ السلعة حسبه من الثمن، وإلا رده إليه، فلا يكون للبائع شيء. وهذا نَصَّ على ذكره المالكية، والبعلي (¬3) من الحنابلة (¬4)، وكأن تسميته بالعربون تسمية مجازية، وليست حقيقة. والاستعمال الثاني هو المراد بالمسألة معنا، وهو جائز عند جميع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ويحتمل أن يكون بيع العربان. . . أن يجعل العربان عن البائع من ثمن سلعته إن تم البيع، وإلا رده، وهذا وجه جائز عند الجميع]. ولما ذكر كلام الإمام مالك حين قال: [في الرجل يبتاع ثوبا من رجل، ¬
فيعطيه عربانا على أن يشتريه، فإن رضيه أخذه، وإن سخطه رده، وأخذ عربانه، إنه لا بأس به]، قال أبو عمر: [لا أعلم في هذا خلافا] (¬1). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي، والعظيم آبادي (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد الرحمن بن فروخ (¬4) أن نافع بن عبد الحارث (¬5) اشترى دارا بمكة من صفوان بن أمية (¬6) بأربعة آلاف، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة (¬7). ¬
12] عدم دخول العيب الحادث في البراءة من العيب
• وجه الدلالة: أن هذا وقع في زمن عمر وبإقراره وهو أنه أجاز العربون الذي يكون فيه عوض من غير مقابل، إذا لم يستقر المشتري على شراء السلعة، فإذا كان هذا جائزا، فمن باب أولى أن يجوز إذا لم يكن ثمة عوض. الثاني: أنه إذا تم البيع بينهما فقد تم بشروطه وأركانه، وإذا لم يتم لم يكن فيه ضرر على أحدهما.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 12] عدم دخول العيب الحادث في البراءة من العيب: • المراد بالمسألة: إذا شرط البائع على المشتري أن يكون بريئا من كل عيب بالسلعة، ووقع عيب فيها بعد البيع، سواء كان قبل القبض أو بعده، فإن العيب الحادث لا يدخل في البراءة التي شرطها البائع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • السرخسي (¬1) (483 هـ) يقول: [ولو كان شرط البراءة من كل عيب به، فهذا يفسد العيب الموجود، فلا يتناول الحادث بالاتفاق] (¬2). • الحداد (800 هـ) يقول: [وإن قال البائع: على أني بريء من كل عيب به، لم يدخل الحادث بعد البيع قبل القبض إجماعا] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(ويدخل في هذه البراءة) ش: إنما قال: في هذه البراءة، احترازا عن البراءة التي شرطها البائع في قوله: بعته على أني بريء من كل عيب به، فإنه لا يبرأ عن الحادث، بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وأجمعوا أن البيع لو كان بشرط البراءة من كل ¬
عيب به، لا يدخل الحادث في البراءة] (¬1). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو أبرأه من كل عيب به، لا يدخل الحادث] (¬2). نقله عنه ابن عابدين (¬3). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو أبرأه من كل عيب به، لا يدخل الحادث] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وهو الوجه المشهور عند الشافعية، وهو رأي الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن لفظه يدل على عدم عموم البراءة، فهو خاص بالموجود دون غيره، فيقتصر عليه (¬6). الثاني: أن البراءة من العيب الحادث يعد إسقاطا للشيء قبل ثبوته، فلا يسقط، كما لو أبرأه عن ثمن ما يبيعه له (¬7). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه عندهم، وقالوا بصحة الإبراء لو اشترط البراءة عن العيب الحادث (¬8). ¬
ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بالقياس على البراءة من المجهول؛ فكما أنه يصح، فكذلك البراءة من العيب الحادث، بجامع أن العيب في كل منهما لا يعلمه أحد من المتعاقدين، وربما وجد وربما لا يوجد.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. * * *
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع 1] لزوم العقد بعد خيار المجلس: • المراد بالمسألة: من أنواع الخيار خيار المجلس، والمراد به: حق كل واحد من المتعاقدين في إمضاء العقد أو فسخه، ما داما مجتمعين في المكان الذي وقع فيه التعاقد، منذ تلاقي الإيجاب والقبول إلى أن يتفرقا، ويكون لكل واحد منهما مجلسه المستقل (¬1). فإذا تعاقدا، ثم تفرقا بأبدانهما، ولم يكن في السلعة عيب يوجب الرد، ولا وقع من البائع تدليس في السلعة، فإن الخيار ينقطع، ويصبح العقد لازما بينهما، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع كما ذكرنا، وتفرقا عن موضع التبايع بأبدانهما افتراقا غاب كل واحد منهما عن صاحبه مغيبَ ترك لذلك الموضع، وقد سلَّم البائع ما باع إلى المشتري سالما لا عيب فيه، دلَّس أو لم يدلس، وسلَّم المشتري إليه الثمن سالما بلا عيب، فإن البيع قد تم] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
2] عدم ثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة، واللازمة التي لا يقصد منها العوض
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخيِّر أحدهما الآخر، فإن خيَّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع" (¬1). الثاني: عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (¬2). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الخيار للمتبايعين، حتى يقع الفراق بينهما، ثم بعده يلزم البيع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] عدم ثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة، واللازمة التي لا يقصد منها العوض: • المراد بالمسألة: العقود عند العلماء تنقسم باعتبار اللزوم وعدمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: العقود اللازمة من الطرفين، وهي على نوعين: 1) العقود التي لا يقصد منها العوض، وذلك مثل: النكاح والخلع. ¬
2) العقود التي يقصد منها العوض، وذلك مثل: البيع والصلح ونحوها. القسم الثاني: العقود الجائزة من الطرفين، وذلك مثل: الشركة والمضاربة والوكالة ونحوها. القسم الثالث: العقود اللازمة من طرف، والجائزة من الطرف المقابل، وذلك مثل: الرهن والكفالة ونحوها. وحين يقال بهذا التقسيم فإن الأمثلة لا تنضبط دائما؛ لأن من العقود ما يكون الأصل فيها الجواز، وقد يكون لازما في بعض الأحوال، ولذا يقال بأن المراد النظر إلى ذات العقد، بغض النظر عن ما يطرأ عليه (¬1). ويقصد بالمسألة هنا: أن العقود غير اللازمة، وكذلك العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض، كلها لا يثبت فيها خيار المجلس، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن خيار المجلس لا يثبت في العقود التي هي غير لازمة: كالشركة، والوكالة، والمضاربة. واتفقوا على أنه لا يثبت أيضا في العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض: كالنكاح، والخلع، والكتابة] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا يثبت في النكاح خيار، وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط، ولا نعلم أحدا خالف في هذا] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [. . . النكاح، ولا خيار فيه بلا خلاف] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الخيار في البيع، ولم يذكر غيره، فدل على اقتصاره عليه، وما كان مثله من عقود المعاوضات المحضة الواقعة على العين، وعليه فلا يدخل فيه العقود الجائزة، ولا اللازمة التي لا يقصد منها العوض. الثاني: أن الخيار شرع لدفع الضرر عن المتعاقدين، فلا يمكنه الفسخ إلا به، وإذا كان العقد جائز فإن الشارع جعل له حق الفسخ، فيُسْتغنى بجواز العقد عن ثبوت الخيار له. الثالث: أما النكاح فلأن في ثبوت الخيار مضرة كبيرة على المرأة، لما يلزم منه من ردها بعد ابتذالها بالعقد، وذهاب حرمتها بالرد، وإلحاقها بالسلع، ثم هو لا يقع في الأصل إلا بعد روية ونظر، فلا يحتاج إلى الخيار بعده (¬3). • المخالفون للإجماع: هذه المسألة جعلها ابن هبيرة قاعدة، وهي في أصلها ثابتة، لكن الأمثلة عليها ¬
هي التي وقع في بعضها خلاف: كالكتابة وعوض الخلع. أما الكتابة، فقد خالف فيها بعض العلماء: فهناك وجه عند الشافعية حكي عن الدارمي (¬1) أنه يثبت خيار المجلس للمكاتب. وقد حكم النووي على هذا الوجه بأنه ضعيف وشاذ (¬2). وخالف الحنابلة في رواية فقالوا: إن العبد المكاتب له الخيار مطلقا بخلاف السيد. قاله القاضي، وإذا امتنع كان الخيار للسيد. قاله ابن عقيل، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وقال به الشيرازي (¬3) وابن البنا (¬4). وقال أبو بكر: إن كان قادرا على الوفاء فلا خيار له، وإن عجز عنه فله الخيار (¬5). أما عوض الخلع، فهناك وجهان للشافعية فيه، أحدهما: أن فيه الخيار، وهو الوجه المرجوح عندهم (¬6).Rصحة الإجماع في أصل المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما ¬
3] لزوم البيع بعد التفرق وعدم الرد إلا بالعيب أو الشرط
الأمثلة فقد وقع الخلاف في بعضها. 3] لزوم البيع بعد التفرق وعدم الرد إلا بالعيب أو الشرط: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتبايعان على عين، ثم تفرقا من مجلسهما، ولم يكن ثمة خيار بينهما، فإن العقد لازم بينهما، لا يحق لأحدهما فسخُه إلا بأحد أمرين: إما بوجود العيب الموجب للرد، أو بالشرط الذي يكون بينهما والذي يكون محددا بمدة معلومة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا وجب البيع، وتفرقا عن المجلس من غير خيار، فليس لأحدهما الرد إلا بعيب] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا خلاف في أن البيع يلزم بعد التفرق، ما لم يكن سبب يقتضي جوازه] ثم ذكر من أسباب جواز الرد فقال: [أن يجد بالسلعة عيبا فيردها به، أو يكون قد شرط الخيار لنفسه مدة معلومة فيملك الرد أيضا، ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين الأمرين] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا خلاف في أن البيع يلزم بعد التفرق، ما لم يكن سبب يقتضي جوازه، مثل أن يجد في السلعة عيبا، فيردها به، أو يكون قد شرط الخيار لنفسه مدة معلومة، فيملك الرد فيها، بغير خلاف علمناه بين أهل العلم] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" (¬1). الثاني: عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" أو قال: "حتى يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُوركَ لهما في بيعهما، وإن كتما وكَذَبَا مُحقِتْ بركة بَيْعِهما" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل البيع إلى غاية، وهي التفرق بين المتبايعين، أو قطع الخيار بينهما، فدل على لزوم البيع بعد هذه الغاية. الثالث: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا اشتري من رجل غلاما في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان عنده ما شاء اللَّه، ثم ردَّه من عيب وجد به، فقال الرجل حين رد عليه الغلام: يا رسول اللَّه إنه كان استغل غلامي منذ كان عنده؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬3). ¬
4] مشروعية خيار الشرط
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر الرجل حين رد الغلام لما وجد به العيب بعد لزوم البيع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] مشروعية خيار الشرط: • المراد بالمسألة: خيار الشرط هو: حق يثبت بالاشتراط لأحد المتعاقدين أو كليهما، يُخوِّل مُشْترِطه فسخ العقد خلال مدة معلومة (¬1). وهو في الأصل مشروع، في حق المتعاقدين كليهما أو أحدهما مع موافقة الآخر، إذا كانت مدته معلومة، ولم تكن العين مما يُشترط فيها التقابض في المجلس: كأن تكون من الربويات، أو سَلَما، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (544 هـ) يقول لما تكلم عن قوله: "إلا بيع خيار" في حديث ابن عمر: [أصل في جواز بيع الخيار المطلق والمقيد، ولا خلاف فيه على الجملة] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [خيار الشرط: نحو أن يشترط الخيار في البيع مدة معلومة، فيجوز بالإجماع] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [يصح شرط الخيار في البيع بالإجماع، إذا كانت مدته معلومة] (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [وشرط الخيار، جائز بإجماع العلماء والفقهاء] (¬5). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وشرط الخيار، مجمع عليه] (¬6). • النفراوي (1125 هـ) يقول لما شرع في الكلام على خيار الشرط: [والإجماع على جوازه] (¬7). ¬
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر خيار الشرط: [ويصح الشرط، بالاتفاق] (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" (¬2). • وجه الدلالة: جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الخيار للمتبايعين ما لم يحصل التفرق بينهما، فبعده يجب البيع، إلا في حالة واحدة، وهي: إذا كان البيع فيه شرط خيار منهما أو من أحدهما، فإنه يلزم الوفاء به (¬3). الثاني: عن محمد بن يحيى بن حبان (¬4) قال جدي منقذ بن عمرو (¬5): كان رجلا ¬
5] بطلان العقد مع خيار الشرط المطلق
قد أصابته آمة (¬1) في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التجارة، وكان لا يزال يُغْبن، فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكر ذلك له، فقال له: "إذا أنت بايعت فقل لا خِلابة (¬2)! ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فارددها على صاحبها" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما ذكر له الرجل أنه يخدع في البيع، أمره بأن يشترط أن له الخيار ثلاثة أيام في السلعة، فإن رضيها وتبين له صلاحها وصلاح ثمنها بعد الوقت المشترط، فقد تم البيع، وإلا فلا (¬4). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (¬5). • وجه الدلالة: هذا الحديث عام في كل شرط يشترطه المتعاقدان أو أحدهما في العقد سواء في الإمهال أو غيره، ما لم يكن الشرط مخالفا لكتاب اللَّه وسنة النبي عليه السلام (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 5] بطلان العقد مع خيار الشرط المطلق: • المراد بالمسألة: إذا شرط أحد العاقدين الخيار، ولم يُحدِّده بوقت معلوم، مثل أن يقول: لي الخيار مطلقا، أو أبدا، أو أياما ولم يعينها، أو لم يذكر وقتها، ¬
فإن البيع يبطل مع الشرط، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [إذا باع بشرط الخيار، ولم يوقت للخيار وقتا معلوما بأن قال: أبدا، أو أياما، أو لم يذكر الوقت، فسد البيع بالإجماع] (¬1). • الإتقاني (¬2) (758 هـ) يقول: [ولو شرط الخيار أبدا، لا يجوز بالإجماع]. نقله عنه الشلبي (¬3). • الحداد (800 هـ) يقول: [ولو شرط خيار الأبد، يفسد العقد إجماعا] (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [ولو شرط الخيار أبدا، لا يجوز بالإجماع] (¬5). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [لو شرط الخيار أبدا، أو مطلقا، أو مؤقتا بوقت مجهول، فسد بالإجماع] (¬6). • علي حيدر (1353 هـ) يقول: [التقسيم الثاني -أي: من تقسيمات خيار الشرط-: باعتبار المدة، وتحته أربعة أنواع، وهي: 1 - اشتراط الخيار مدة، بأن يشترط أحد المتبايعين الخيار من غير توقيت، أو تأبيد، كأن يقول: أنت مُخيَّر. 2 - اشتراط الخيار مؤبدا، كأن يبيع ويشتري شخص مالا، مشترطا له الخيار أبدا. 3 - أن يشترط الخيار مؤقتا بوقت مجهول، كأن يشترط بضعة أيام، بدون أن ¬
يبين عددها، أو إلى هبوب الريح، أو حضور فلان من سفر. ففي هذه الصور الثلاث، البيع غير صحيح بالاتفاق] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة في المشهور عندهم (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن من الغرر الجهالة في مدة الشرط الذي بين البائع والمشتري؛ إذ هي مدة ملحقة بالعقد، فهي مظنة النزاع بينهما (¬4). الثاني: أن اشتراط الخيار أبدا يقتضي المنع من التصرف في العين المباعة على الأبد، وذلك ينافي مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك بشرط أن لا تتصرف (¬5). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه يجوز جعل الخيار مطلقا، وهما على خيارهما إلا أن يقطعاه. وهذا رواية عند الحنابلة (¬6). وقال به: ابن شبرمة (¬7) (¬8). . . . . . . . ¬
والحسن بن حي (¬1) وعبيد اللَّه بن الحسن (¬2) (¬3). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (¬4). • وجه الدلالة: أن الشارع رد الأمر في الشروط إلى المتشارطين، فهما على شرطهما ما داما قد تراضيا عليه، ولم يخالفا الشرع فيه (¬5). القول الثاني: أنه يصح شرطه، ويجعل له السلطان من الخيار مثل ما يكون له في مثل تلك السلعة في غالب العادة. قال به الإمام مالك (¬6). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن هذا الخيار شرعه الشارع من أجل الحاجة إليه، والحاجة تختلف باختلاف أنواع المبيع، فإذا أخلَّا بذكره فيَردُّ السلطان أمرهم إلى ما هو متعارف عليه؛ ألا ترى أنهما لو زادا عليه لفسد العقد به، ولم يثبت لهما ما زاداه (¬7). القول الثالث: أنه إذا لم يذكر وقتا معلوما كان البيع صحيحا والثمن حالا، وكان له الخيار في الوقت إن شاء أمضى وإن شاء رد. قال به الطبري (¬8). ويمكن أن يستدل لقوله: بأن هذا له حكم الشرط الفاسد؛ لاشتماله على الغرر، وجعْلِ المشتري مقيدا في تصرفه، فيُلْغى الشرط، ويبقى البيع صحيحا.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
6] جواز اشتراط الخيار ثلاثة أيام بلياليها
6] جواز اشتراط الخيار ثلاثة أيام بلياليها: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتبايعان السلعة، واشترط أحدهما على الآخر أنه بالخيار ثلاثة أيام، ولم تكن السلعة من الربويات، ولا سلما، أو كانت مما يتلف عادة في هذه المدة، وتراضيا على هذا الشرط، فإن هذا الشرط جائز وصحيح، بإجماع العلماء (¬1). • من نقل الإجماع: • المروزي (¬2) (292 هـ) يقول: [لو أن رجلا اشترى عبدا على أن البائع والمشتري فيه بالخيار ثلاثة أيام، فالبيع جائز، في قول العلماء كلهم، والخيار ثابت] (¬3). • الطبري (310 هـ) يقول: [وعلة من جوَّز -أي: مطلقا ثلاثة وغيرها- ولم يجعل لذلك حدًّا، إجماع الحجة على أن اشتراط الخيار جائز في ثلاثة أيام] (¬4). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع بخيار ثلاثة أيام بلياليها جائز] (¬5). نقله عنه ابن القطان (¬6). • النووي (676 هـ) يقول: [الأمة مجمعة على جواز شرط الخيار ثلاثة أيام] (¬7). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [الأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن، ¬
والكفيل، والضمين، والتأجيل، والخيار ثلاثة أيام، ونقد غير نقد البلد] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • البابرتي (786 هـ) يقول لما ذكر صور خيار الشرط: [وجائز بالاتفاق: وهو أن يقول: على أني بالخيار ثلاثة أيام فما دونها] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [لو قال أحدهما: البيع جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [يجوز إلحاق خيار الشرط بالبيع، لو قال أحدهما بعد البيع ولو بأيام: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام، صح بالإجماع] (¬5). • الشربيني (1004 هـ) يقول: [(لهما) أي: لكل من المتعاقدين (ولأحدهما شرط الخيار) على الآخر المدة الآتية -وهي ثلاثة أيام- مع موافقة الآخر، بالإجماع] (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن حَبان بن منقذ (¬7) كان سُفِع في رأسه مأمومة، فثقلت لسانه، وكان يخدع في البيع، فجعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مما ابتاع، فهو بالخيار ثلاثا، وقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بع، وقل: لا خلابة" فسمعته يقول: لا خيابة (¬8). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع شاة مصراة فهو ¬
7] مشروعية خيار الشرط للمتعاقدين أو أحدهما
بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر" (¬1). وجه الدلالة من الحديثين من وجهين: الأول: أن الأصل أن البيع يقع على البت من دون الخيار؛ نفيا لوقوع الغرر، لكن لما جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لهما الخيار، دل على جوازه، وأنه مستثنى من الغرر. الثاني: من المقرر شرعا أنه لا يجوز أن يشترط على البائع منعه من التصرف في ثمن ما باعه، ولا على المبتاع فيما ابتاعه، وشرط الخيار يوجب ما مُنع شرعا بإجماع، فلما جاءت هذه الأحاديث خَرَج ذلك من المنع إلى الإباحة، ويقتصر فيه على الوارد وهي الثلاثة أيام (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 7] مشروعية خيار الشرط للمتعاقدين أو أحدهما: • المراد بالمسألة: خيار الشرط مشروع في حق المتعاقدين كليهما، أو أحدهما مع موافقة الآخر، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه يجوز شرط الخيار للمتعاقدين معا, ولأحدهما بانفراد إذا شرطه] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [اتفقوا على صحة خيار المتبايعين، واختلفوا في اشتراط خيار الأجنبي] (¬5). • النووي (676 هـ) يقول: [يجوز شرط الخيار للعاقدين، ولأحدهما، بالإجماع] (¬6). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [ويجوز للعاقدين شرطه -أي: الخيار- لهما ولأحدهما، بالإجماع] (¬7). ¬
• ابن حجر الهيتمي (974 هـ) لما ذكر كلام النووي في المنهاج وهو قوله: [ولهما ولأحدهما شرط الخيار في أنواع البيع] قال معلقا: [التي يثبت فيها خيار المجلس، إجماعا] (¬1). • الشربيني (977 هـ) يقول: [خيار الشرط (لهما) أي: لكل من المتعاقدين (ولأحدهما شرط الخيار) على الآخر المدة الآتية مع موافقة الآخر بالإجماع] (¬2). • الرملي (1004 هـ) يقول معلقا على عبارة النووي السابقة: [التي يثبت فيها خيار المجلس، إجماعا] (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق الحكم بهما ولم يذكر غيرهما، فدل على أنه حقهما (¬5). الثاني: أن هذا الخيار شرع لمصلحة المتعاقدين دون غيرهما، فيكون الحق لها في الأصل دون غيرهما. • المخالفون للإجماع: وقع الخلاف في المسألة على قولين: القول الأول: أن خيار الشرط خاص بالمشتري دون البائع. قال به سفيان الثوري وابن شبرمة. وزاد سفيان بأنه: لو وقع الشرط من البائع، فإن البيع فاسد (¬6). ¬
8] إجازة البيع لمن لشرط له الخيار في مدة الخيار
ويمكن أن يستدل لقولهما: بأن النص إنما ورد بالخيار للمشتري دون البائع، فيقتصر فيه على ما ورد (¬1). القول الثاني: ليس للمتعاقدين حق اشتراط الخيار، سواء منهما، أو من أحدهما مطلقا، وإن وقع فالبيع باطل. قال به ابن حزم من الظاهرية (¬2). ودليله مبني على قاعدته في الشروط، وهي: أن كل شرط لم يُنَص عليه في كتاب اللَّه فهو باطل، وخيار الشرط ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. أما القول الأول: فقد حكم بعض العلماء على قوليهما بالشذوذ: كالطحاوي والنفراوي (¬3). أما قول ابن حزم: فليس له سلف بهذا القول، ولذا لم أجد من حكاه عنه من أهل العلم، فدل على عدم اعتباره.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الأقوال المحكية فيها. 8] إجازة البيع لمن لشرط له الخيار في مدة الخيار: • المراد بالمسألة: إذا وقع شرط الخيار من البائع أو المشتري أو أجنبي عنهما، فإن له الحق في مدة الخيار أن يجيز البيع باللفظ الصريح، ويقول: أجزت البيع، وحينئذ يلزم البيع الطرفين، وينقطع الخيار الذي بينهما، وهذا أمر مجمع عليه. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ومن شرط له الخيار) سواء كان بائعا، أو مشتريا، أو أجنبيا (له أن يجيز) في مدة الخيار، بإجماع الفقهاء] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬5). ¬
9] إجازة البيع ممن له الخيار مع عدم علم صاحبه
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من النظر، وهو: أن الشارع جعل له حق الاختيار بالشرط، ومقتضى ذلك أنه في هذه المدة له التصرف في إنفاذ البيع وعدمه، لا أنه لا يتصرف إلا بعد مضي المدة، فإذا اختار نفاذ البيع، كان هذا له؛ إذ هو الذي رضي بإسقاط حقه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] إجازة البيع ممن له الخيار مع عدم علم صاحبه: • المراد بالمسألة: إذا كان شرط الخيار لأحد المتعاقدين دون الآخر، فمن ملك الخيار، كان له حق إجازته في مدته، حتى ولو لم يعلم صاحبه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(ومن شرط له الخيار، فله أن يفسخ في المدة، وله أن يجيز، فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضرا، عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز) وهو قول الشافعي، والشرط هو العلم، وإنما كنى بالحضرة عنه. له أنه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه، فلا يتوقف على علمه، كالإجازة) فإن فيها لا يشترط العلم، بالإجماع] (¬1). • الحصكفي (1088 هـ) يقول: [(أجاز من له الخيار) ولو أجنبيا (صح، ولو مع جهل صاحبه) إجماعا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). ¬
10] صحة تصرف المشتري في زمن خياره ولزوم العقد
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: كان حَبَّان بن مُنْقذ رجلا ضعيفا، وكان قد سُفِع في رأسه مأمومة، فجعل له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الخيار فيما اشترى ثلاثا، وكان قد ثَقُل لسانه، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بع، وقل: لا خلابة" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أرشد الرجل إلى ما يقوله إذا خاف الخديعة، وجعل له الخيار ثلاثة أيام، ولم يبين له ما يفعل إذا أراد إجازة البيع أو فسخه، ولو كان حضور البائع وعلمه شرطا لإجازة البيع لبيَّنه له عليه السلام، ومعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (¬2). الثاني: أن الحق لمن ملك الخيار لا يعدوه، فله التصرف من غير الرجوع إلى صاحبه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] صحة تصرف المشتري في زمن خياره ولزوم العقد: • المراد بالمسألة: إذا كان الخيار بيد المشتري، وكان محددا بمدة معينة، وتصرف في العين تصرفا يدل على الرضا, وليس من التصرفات التي تدل على اختبار العين، فإن التصرف جائز، ويعد إنفاذا منه للبيع وقطعا للخيار، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الحداد (800 هـ) يقول: [ولو تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار، والخيار له، جاز تصرفه إجماعا، ويكون إجازة منه] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [ولو تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار، ¬
والخيار له، جاز تصرفه إجماعا، ويكون إجازة منه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وهو الأصح عند الشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذه التصرفات علامة على إجازة البيع، وتصرفٌ يدل على الرضا به، فبطل به الخيار، كصريح القول. الثاني: أن التصريح بنقض الخيار إنما هو لدلالته على الرضا بالعقد، فما دل على الرضا به يقوم مقامه، ككنايات الطلاق، فإنها تقوم مقام صريحه (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في رواية عندهم، وكذا الحنابلة في رواية عندهم أيضا، وقالوا: لا يكفي التصرف في العين في إجازة البيع في زمن الخيار، بل لا بد مع التصرف من التصريح بالنقض (¬4). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن التصرف في العين في زمن الخيار، يتجاذبه احتمالان، احتمال الاختبار واحتمال إجازة البيع، ولما وقع الاحتمالان، كان المرجح هو صريح القول، فلا يعدل عنه إلى غيره.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
11] تحريم وطء المشتري للجارية في زمن الخيار
11] تحريم وطء المشتري للجارية في زمن الخيار: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع الجارية وشرط الخيار له مدة معينة، أو كان الخيار لهما جميعا، فإنه لا يجوز للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا يجوز للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار إذا كان الخيار لهما، أو للبائع وحده. . .، ولا نعلم في هذا اختلافا] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا يجوز للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار، إذا كان الخيار لهما، أو للبائع وحده. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الجارية قد تعلق بها حق البائع، فلم يبح للمشتري وطؤها في زمن الخيار، كالمرهونة (¬4). الثاني: أن الوطء لا يكون إلا في ملك مستقر، وملك المشتري لا يستقر إلا بعد لزوم البيع، خاصةً وأن الأمر متعلق بالفروج التي يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 12] نفاذ العتق في زمن الخيار: • المراد بالمسألة: إذا كان الخيار للمشتري أو البائع أو لهما معا، وكان المبيع ¬
عبدا، فإن من يملك الخيار له الحق في إعتاقه، وإذا أعتقه وقع عتقه صحيحا في محله ونافذا, وليس للآخر رد العتق باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا كان المبيع عبدا والخيار للمشتري خاصة، فإن أعتقه فإنه ينفذ العتق. واتفقوا على أنه إذا كان المبيع عبدا والخيار للبائع فأعتقه، فإنه ينفذ العتق] (¬1). • النووي (676 هـ) يقول: [فإذا أعتق البائع العبد المبيع في زمن الخيار المشروط لهما، أو للبائع وحده، نفذ إعتاقه على كل قول، وهذا لا خلاف فيه. . .، إذا كان -أي: الخيار- للمشتري وحده، فينفذ إعتاقه على جميع الأقوال بلا خلاف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك" (¬4). • وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث إذا كان العاقد مالكا للعبد؛ فإن له الحق في عتقه، وكل من البائع والمشتري في زمن خيارهما يعدُّ مالكا للعبد، فله الحق في العتق (¬5). ¬
13] بقاء الخيار لمن مات صاحبه الذي لا خيار له
الثاني: أن من له حق الخيار قد وقع الخيار له من غير أن يلحق الضرر بالآخر، فالطرف الثاني قد أسقط حقه بنفسه، فلا حق له في المطالبة؛ لوقوع ذلك عن رضا منه (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة على المشهور عندهم، فقالوا: إنه ينفذ عتق المشتري في زمن الخيار، ولا ينفذ عتق البائع حتى وإن كان الخيار له وحده (¬2). وهذا القول مبني عندهم على أن الملك في زمن الخيار للمشتري وليس للبائع. واستدلوا بدليل من السنة، وهو: ما جاء في حديث عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك" (¬3). • وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث أن من أعتق وهو يملك، فإن عتقه يعد نافذا، والملك في زمن الخيار للمشتري، فيصح عتقه دون البائع (¬4).Rصحة الإجماع في حالة ما إذا كان الخيار للمشتري؛ وذلك لعدم المخالف فيها. وعدم صحة الإجماع إذا كان الخيار للبائع، لمخالفة الحنابلة فيها. 13] بقاء الخيار لمن مات صاحبه الذي لا خيار له: • المراد بالمسألة: إذا مات أحد المتعاقدين في مدة الخيار الذي اشتُرِط بينهما، وكان الخيار بيد الطرف الآخر، فإن الخيار بأن في حقه، لا يتأثر بموت صاحبه، فإن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • السرخسي (483 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه إذا مات من عليه الخيار، فإن ¬
الخيار باق] (¬1). • النووي (676 هـ) يقول: [إذا كان الخيار لأحدهما دون الآخر، فمات من لا خيار له، بقي الخيار للآخر، بلا خلاف] (¬2). • البابرتي (786 هـ) يقول: [إذا مات من له الخيار سواء كان البائع، أو المشتري، أو غيرهما، سقط الخيار ولزم البيع، بخلاف ما إذا مات من عليه الخيار، فإنه باق بالإجماع] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [. . . وقُيِّد -أي: من مات وله الخيار- بموت من له الخيار؛ لأنه بموت من عليه الخيار، لا يبطل بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [. . . وقيد -أي: من مات وله الخيار- بمن له الخيار؛ لأنه إذا مات العاقد الذي لا خيار له، فالآخر على خياره بالإجماع، فإن أمضى مضى، وإن فسخ انفسخ] (¬5). • مولى خسرو (885 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو مات من عليه الخيار -وهو من لا خيار له- يبقى الخيار] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسلمون على شروطهم" (¬8). ¬
14] ثبوت الشفعة في زمن خيار المشتري
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أنه لا بد من الوفاء بالشروط, ولم يستثني عقدا دون عقد، فدل على وجوب الوفاء بها، حتى وإن مات أحد المتعاقدين. الثاني: أن الخيار المشترط حق لازم للطرف الآخر لا يملك أحد إبطاله ولا إسقاطه، ولذا فهو لا يتأثر بالموت. الثالث: القياس على الدَّين المؤجل: فإنه لا يحل بموت من له الدين، وإنما يحل بموت من عليه (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 14] ثبوت الشفعة في زمن خيار المشتري: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان عقارا، وكان الخيار للمشتري دون البائع، والبائع له شريك أراد الشفعة في نصيبه، فإن له الحق في المطالبة بالشفعة في زمن الخيار، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وإن كان للمشتري -أي: الخيار- يثبت للشفيع حق الشفعة، بالإجماع] (¬2). • العيني (855 هـ) لما تكلم عن مسألة ملك السلعة في زمن الخيار، وأنها تَخرج من ملك البائع، ثم ذكر الخلاف في دخولها في ملك المشتري، أورد هذا الإراد على قول من قال بعدم ملك المشتري، فقال: [لو لم يثبت الملك للمشتري، ينبغي أن لا يكون له حق الشفعة به، كما لا يستحق الشفعة بدار السكنى، وكان له حق الشفعة بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية في وجه هو الأصح عند جمهورهم، ¬
والحنابلة في رواية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه قد زال ملك البائع عنه، وما دام زال ملكه عنه فقد استحق الشريك الشفعة عليه؛ إذ موجبها زوال ملك أحد الشريكين عن العين (¬2). الثاني: القياس على ثبوت الشفعة له بعد انقضاء زمن الخيار: بجامع انتقال الملك في كلٍ منهما. الثالث: أن الحكمة من مشروعية الشفعة هو إزالة ضرر الشركة، ولا فرق بين أن ذلك في زمن الخيار أو بعده، ومن المقرر شرعا أن الضرر يزال (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، والشافعية في وجه عندهم، والحنابلة على المشهور عندهم، فقالوا بعدم ثبوت الشفعة للشريك في زمن خيار المشتري (¬4). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن في الأخذ بالشفعة في زمن الخيار، إلزام للمشتري بالعقد قبل رضاه، وإيجابٌ للعهدة عليه، وتفويتٌ لحقه من الرجوع في عين الثمن (¬5).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
15] صحة خيار الشرط من غير قضاء ولا رضا الطرف الآخر
15] صحة خيار الشرط من غير قضاء ولا رضا الطرف الآخر: • المراد بالمسألة: إذا تعاقدا على سلعة، واشترط أحدهما الخيار لنفسه، فإنه إذا أراد الرد في زمن الخيار، ورفْض البيع، فلا يحتاج في رده إلى حكم القاضي، ولا إلى رضا الطرف الآخر، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الرد بخيار الشرط، يصح من غير قضاء، ولا رضا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا، وكان قد سُفع في رأسه مأمومة، فجعل له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الخيار فيما اشترى ثلاثا، وكان قد ثقل لسانه، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بع، وقل: لا خلابة" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أرشد الرجل إلى ما يقوله إذا خاف الخديعة، وجعل له الخيار ثلاثة أيام، ولم يذكر له اشتراط تصديق ذلك من حكم الحاكم أو حتى رضا الطرف الآخر، ولو كان شرطا لبينه له النبي عليه السلام (¬4). الثاني: القياس على الطلاق: فكما أنه لا يشترط فيه حكم الحاكم، ولا رضا الطرف الآخر فكذلك هنا، بجامع أن كليهما رفع للعقد، مجعول إليه، له الحق في التصرف فيه (¬5). ¬
16] إسلام أحد المتعاقدين في زمن الخيار وأثره في العين المحرمة
الثالث: أن الصفقة غير منعقدة مع بقاء الخيار، فكان الرد في معنى الدفع والامتناع من القبول (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 16] إسلام أحد المتعاقدين في زمن الخيار وأثره في العين المحرمة: • المراد بالمسألة: إذا تبايع ذميَّان عينا من الأعيان المحرمة: كالخمر والخنزير ونحوهما، واشترط المشتري منهما الخيار لنفسه أياما وقبض السلعة، ثم أسلم البائع قبل مضي مدة الخيار، فإن البيع لا يبطل، والخيار باق على حاله بإجماع العلماء. وإذا كان الخيار للبائع ثم أسلم في زمنه، فالبيع باطل بالإجماع. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وقبضه، ثم أسلم المشتري بطل العقد عند أبي حنيفة. . .، وعندهما يلزم العقد، ولا يبطل. . .، ولو أسلم البائع، لا يبطل البيع بالإجماع] (¬2). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [لو اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار، ثم أسلم المشتري في مدة الخيار، بطل الخيار عندهما. . .، وعنده يبطل البيع. . .، ولو أسلم البائع والخيار للمشتري، بقي على خياره بالإجماع] (¬3). نقله عنه ابن عابدين (¬4). • البابرتي (786 هـ) يقول: [(إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما، وعنده بطل الخيار والبيع). . .، وإذا كان الخيار للبائع وأسلم، يبطل البيع بالإجماع، وإذا كان الخيار للمشتري وأسلم البائع، لا يبطل البيع بالإجماع] (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [إذا كان الخيار للبائع، وأسلم البائع، يبطل البيع ¬
بالإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أن المشتري بالخيار، ثم أسلم المشتري في مدة الخيار بطل خياره عندهما، وعنده بطل البيع). . .، أما لو كان الخيار للبائع، وأسلم، فبطلان البيع بالإجماع] (¬2). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [(ولو اشترى ذمي من ذمي حرابه) أي: بالخيار (فأسلم في مدته بطل شراؤه) عند الإمام. . .، وعندهما بطل الخيار. . .، وهو مسلم، هذا في إسلام المشتري. أما لو أسلم البائع، فلا يبطل بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن البيع في حق البائع يعتبر باتا لا خيار فيه، والإسلام في البيع البات لا يؤثر في بطلان العقد إذا كان بعد القبض (¬5). الثاني: أن من شروط البيعِ: الماليةُ في العين، وهذه الأعيان المحرمة بعد إسلام أحدهما ذهبت ماليتها، فلا يجوز تبايعها. ¬
17] بقاء خيار الشرط للبائع المرتد
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 17] بقاء خيار الشرط للبائع المرتد: • المراد بالمسألة: إذا اشترط البائع الخيار، ثم ارتدَّ عن الإسلام في زمن الخيار، فإن حقه في الخيار باق، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (في حدود: 480 هـ) يقول: [ولو ارتدَّ -أي: البائع الذي شرط الخيار لنفسه - فعلى خياره، إجماعا]. نقله عنه العيني، وابن الهمام، وابن نجيم (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من القياس، وهو: القياس على المغمى عليه: فكما أن حقه في الخيار باق، فكذلك المرتد، ¬
18] صحة البيع مع الغبن اليسير
بجامع أن كلا منهما قد زال عنه التكليف، وهو مظنة للرجوع إليه، ولم يقع ضرر للعاقدين؛ لأنهما ما زالا في المدة المشترطة بينهما، فهي مدة باقية من دون هذا العارض.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 18] صحة البيع مع الغبن اليسير: • المراد بالمسألة: الغبن في اللغة: أصل الكلمة يدل على ضعفٍ واهتضامٍ ونقص، يقال: غُبن الرجل في بيعه فهو يغبن غبنا، وذلك إذا حصل له النقص في البيع واهتضم فيه (¬1). وهو بإسكان الباء يستعمل في الأموال، وبفتحها يستعمل في الآراء (¬2). • وفي الاصطلاح: هو النقص في أحد العوضين بأن يكون أحدهما أقل مما يساوي البدل الآخر عند التعاقد. فهو من جهة الغابن تمليك مال بما يزيد على قيمته، ومن جهة المغبون تملك مال بأكثر من قيمته (¬3). وهو على قسمين عند الفقهاء: القسم الأول: الغبن الفاحش وضابطه هو: ما لا يدخل تحت تقويم المقومين. القسم الثاني: الغبن اليسير، وضابطه هو: ما يدخل تحت تقويم المقومين (¬4). والمراد بالمسألة معنا: الغبن في أصل حكمه محرم شرعا بإجماع العلماء، أما اليسير منه الذي إذا رُجِع فيه إلى العارفين بالسلع من التجار فإنه لا يخرج عن تقويمهم، فهذا غير مؤثر على صحة البيع، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول: [متى خرج عن يد أحدٍ شيءٌ من ماله بعلمه لأخيه، فقد أكل كل واحد منهما ما يرضي اللَّه ويرتضيه، وإن خرج شيء من ماله ¬
عن يده بغير علمه فلا يخلو: أن يكون مما يتغابن الناس بمثله مما لا غنى عنه في ارتفاع الأسواق وانخفاضها عنه، فإنه حلال جائز بغير خلاف] (¬1). ويقول أيضا: [الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين. . .، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع] (¬2). نقل عنه العبارة الثانية أبو عبد اللَّه القرطبي (¬3). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش، لا يؤثر في صحته، (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • خليل (¬6) (776 هـ) يقول: [والغبن: بفتح الغين وسكون الباء عبارة عن اشتراء السلعة بأكثر مما جرت به العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله، أو بيعها بأقل كذلك، وأما ما جرت به العادة، فلا يوجب ردا باتفاق]. نقله عنه الحطاب، وميارة (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬8). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} (¬9). ¬
19] النهي عن تلقي الركبان
• وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل خصَّص التغابن بيوم القيامة، وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، وأنه من الأمور المحرمة (¬1). الثاني: أن اليسير لا يمكن الاحتراز منه، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا؛ لأنه لا يخلو منه بيع، فلوجود المشقة عفي عنه (¬2). الثالث: أن عادة الناس جرت بالتسامح في الأشياء اليسيرة، وعادة الناس وعرفهم مُحكَّم مُعْتبر (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 19] النهي عن تلقي الركبان: • المراد بالمسألة: تلقي الركبان هو: الخروج من البلد التي يُجلب إليها القوت، لملاقاة أصحابه القادمين لبيعه، من أجل شرائه منهم قبل أن يبلغوا به السوق (¬4). وهذا منهي عنه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية تلقي الركبان] (¬5). • الموافقون على الإجماع: ¬
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يُهبط بها إلى السوق" (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فهذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" (¬3). الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد" قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ " قال: لا يكون له سمسارا (¬4). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: التفصيل في المسألة: إن كان التلقي فيه ضرر على أهل البلد، أو حصل التلبيس من المتلقِي على المتلقَى فهذا مكروه كراهة تحريمية، وإذا لم يكن أحد الأمرين فإنه لا بأس به. قال بهذا الأوزاعي، والحنفية (¬5). واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة السابق. ¬
20] صحة البيع الواقع في السوق على سبيل التلقي
• وجه الدلالة: قال الطحاوي: [أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثبت البيع وجعل له الخيار، وهذا يدل على أن التلقي المكروه إذا كان فيه ضرر فلذا جعل فيه الخيار، فإذا لم يكن فيه ضرر فليس بمكروه] (¬1). القول الثاني: أن التلقي مكروه مطلقا. وهو رواية عند الحنابلة تفرد بحكايتها صاحب الرعاية الكبرى (¬2). ومثل هذا التفرد لا بد من التحري فيه، فأين علماء المذهب الكبار الذين عُنوا بذكر الروايات عن الإمام؟ ثم إنه قد نص علماء المذهب على عدم اعتماد ما انفرد به مِنْ ذكر الروايات (¬3)، وعليه فلا يعتمد على هذه الرواية.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، إلا أن يكون مقصود ابن هبيرة أنه إجماع على أقل ما قيل فيها، وهذا أيضا يرده التفصيل الذي يراه الحنفية. 20] صحة البيع الواقع في السوق على سبيل التلقي: • المراد بالمسألة: إذا تلقى الناس الركبان بعد أن بلغوا به السوق، فإن هذا البيع صحيح، بعد توفر أركانه وشروطه باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع الصحيح، إذا وقع في الأسواق، وعلى سبيل التلقي، فهو جائز] (¬4). • الموافقون على الإجماع: ¬
21] تحريم النجش في البيع
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" (¬2). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد" قال: فقلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا (¬3). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن تلقي الركبان، والتلقي إنما يكون للقادم من خارج البلد، فدل على أنه إذا وصل البلد ودخل السوق، فإنه لا يدخل في النهي.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 21] تحريم النَّجَش في البيع: • المراد بالمسألة: النجش في اللغة: بفتح الجيم، وروي بإسكانها، بمعنى إثارة الشيء. وسُمي الناجش بذلك؛ لأنه يثير الرغبة في السلعة، ويرفع ثمنها (¬4). • وفي الاصطلاح: مدح السلعة والزيادة في ثمنها، ممن لا يريد شراءها، وإنما يَغُر بذلك غيره (¬5). ¬
والمراد هنا: أن النجش حرام وفاعله عاص بفعله، آثم بإقدامه على هذا، إذا كان عالمًا بالفعل والنهي، وزاد أكثر من ثمن مثل السلعة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول لما تكلم عن معنى النجش: [وأجمعوا أن فاعل ذلك عاص بفعله] (¬1). ويقول أيضا: [وأجمعوا أن فاعله عاص للَّه إذا كان بالنهي عالما] (¬2). نقله عنه ابن رجب (¬3). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله] (¬4). نقله عنه ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني (¬5). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية بيع النجش] (¬6). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأما نهيه عليه السلام عن النجش، فاتفق العلماء على منع ذلك] (¬7). • النووي (676 هـ) يقول لما تكلم عن معنى النجش: [وهذا حرام بالإجماع] (¬8). نقله عنه العظيم آبادي (¬9). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: " [النجش حرام. . .، وهذا إجماع كما حكاه غير واحد] (¬10). ¬
22] صحة البيع السالم من النجش
• المناوي (1031 هـ) يقول لما بيَّن معنى النجش: [وحرم إجماعا على العالم بالنهي] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر معنى النجش: [وأجمعوا على تحريمه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن النجش" (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا" (¬5). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن النجش، والنهي يقتضي التحريم، والمحرم يأثم فاعله.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 22] صحة البيع السالم من النجش: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان، وتم البيع بأركانه وشروطه، وسلم بيعهما من النجش، فإن البيع صحيح، والعقد تام، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع الصحيح إذا سلم من النجش، جائز] (¬6). نقله عنه ابن القطان (¬7). ¬
23] تحريم التصرية
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن النجش" (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن التلقي للركبان، وأن يبيع حاضر لباد، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النجش، والتصرية، وأن يستام الرجل على سوم أخيه" (¬3). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن النجش، فدل بالمفهوم أن البيع إذا سلم منه، فإنه صحيح تام.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 23] تحريم التصرية: • المراد بالمسألة: التصرية في اللغة: مأخوذة من الصَّرِّ وهو الشّد، والصِّرَار: خِرقة تشد على أَطْباء الناقة لئلا يرضعها فصيلها (¬4). قال أبو عبيد: [أصل التصرية: حبس الماء وجمعه، يقال منه: صريت الماء وصريته، ويقال منه: سميت المصرَّاة كأنها مياه اجتمعت. وكأن بعض الناس يتأول من المصراة أنه من صرار الإبل، وليس هذا من ذلك في شيء، لو كان من ذاك لقال: مصرورة، وما جاز أن يقال ذلك في البقر والغنم؛ لأن الصرار لا يكون ¬
إلا للإبل، وفي حديث آخر: أنه نهى عن بيع المحفلة، وقال: "إنها خلابة" (¬1) فالمحفلة هي المصراة بعينها. . .، وإنما سميت محفلة؛ لأن اللبن قد حفل في ضرعها واجتمع، وكل شيء كثرته فقد حفلته. ومنه قيل: قد احتفل القوم، إذا اجتمعوا كثروا] (¬2). فهو يرد على أخذ التصرية من المعنى الأول، وردَّه من ثلاثة أوجه، وقصد بالرد الإمام الشافعي. ومن العلماء من جعل التصرية مأخوذة من المعنيين جميعا. قال الخطابي: [وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح] (¬3). وفي الاصطلاح، وقع الخلاف بين العلماء بناء على أصل معنى التصرية في اللغة: التعريف الأول: أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لذلك، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها؛ لنقصانه كل يوم عن أوله. وهذا التعريف أخذ به الشافعي وغيره (¬4). التعريف الثاني: نفس التعريف الأول، لكن من دون ذكر الربط والشد، وإنما ترك الناقة من غير حلب حتى يجتمع اللبن في ضرعها. وهذا التعريف أخذ به الجمهور (¬5). ¬
والمراد بها هنا: أن تصرية بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم عند البيع بقصد التدليس على المشتري والتغرير به، حرام بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يجوز تصرية الإبل والبقر والغنم للبيع تدلسا على المشتري] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن دقيق العيد (702 هـ) يقول: [لا خلاف أن التصرية حرام] (¬3). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [لا خلاف أن فعل التصرية بهذا القصد -أي: التدليس على المشتري - حرام] (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [الكل مجمعون على أن التصرية حرام وغش وخداع] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (¬7). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تستقبلوا السوق، ولا تحفلوا, ولا ينفق بعضكم لبعض" (¬8). ¬
24] رد المصراة قبل الحلب
• وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن التصرية، والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، ما لم يأت صارف، ولا صارف له هنا. الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من غش فليس مني" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الغش وتوعد عليه، وتصرية العامد لون من ألوان الغش، فتدخل في النهي.Rيظهر -واللَّه أعلم- صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها (¬2). 24] رد المصراة قبل الحلب: • المراد بالمسألة: إذا اشترى مصرَّاة، ثم علم بالتصرية قبل حلبها، كأن يقر بها البائع، أو شهد بها من تقبل شهادته، فله ردها, ولا يرد شيئا معها، هذا لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) لما ذكر كلام عيسى بن دينار حين قال: [إن علم مشتري المصراة أنها مصراة بإقرار البائع، فردها قبل أن يحلبها لم يكن عليه غرم؛ لأنه لم يحلب اللبن الذي من أجله يلزم غرم الصاع] قال معلقا عليه: [هذا ما لا خلاف فيه، فقف عليه] (¬3). نقله عنه ابن قدامة، وبهاء الدين المقدسي (¬4)، وابن ¬
25] تحريم الغش
القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وتقي الدين السبكي (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل المشتري بالخيار بين أمرين بعد الحلب، فدل على أنه قبل الحلب له الرد ولا شيء عليه. الثاني: أن الصالح الذي وجب عليه، إنما هو عوض عن اللبن المحلوب، فإذا لم يقع الحلب فلا معنى لإيجاب شيء عليه (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 25] تحريم الغش: • المراد بالمسألة: الغش لغة: بالكسر، ضد النصح، وأصله من الغشش، وهو المشْرَب الكَدِر، يقال: غش صاحبه، إذا زيَّن له غير المصلحة، وأظهر له غير ما أضمر (¬5). ¬
• وفي الاصطلاح: إظهار أحد المتعاقدين أو غيره العقد، بخلاف الواقع، بوسيلة قولية أو فعلية، وكتمان وصف غير مرغوب فيه، لو علم به أحد المتعاقدين لامتنع من التعاقد عليه (¬1). والمراد هنا: أن الغش بهذا المعنى حرام، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول: [الغش حرام، بإجماع الأمة] (¬2). نقله عنه المناوي (¬3). • الفاكهاني (¬4) (734 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في تحريم الغش والخديعة]. نقله عنه علي بن محمد المنوفي (¬5). • النفراوي (1125 هـ) يقول: [والغش حرمته، مجمع عليها] (¬6). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [والحديث -أي: حديث أبي هريرة في قصة صاحب الطعام- دليل على تحريم الغش، وهو مجمع على تحريمه شرعا] (¬7). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [وهو -أي: حديث أبي هريرة- يدلس على تحريم الغش، وهو مجمع على ذلك] (¬8). • المباركفوري (1353 هـ) يقول: [وهو -أي: حديث أبي هريرة الذي في ¬
مستند الإجماع- يدل على تحريم الغش، وهو مجمع عليه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)} (¬3). • وجه الدلالة: أن التطفيف صورة من صور الغش في المعاملة، وقد توعد اللَّه عليه بالعذاب الأليم في الدار الآخرة، فدل على تحريمه وخطورته وقبح مرتكبه (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول اللَّه، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس! من غش فليس مني" (¬5). الثالث: عن قيس بن سعد بن عبادة (¬6) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: ¬
26] مشروعية خيار العيب
"الخديعة في النار" (¬1). • وجه الدلالة: أن الغش يعد مخادعة، فصاحبه معرض للوعيد الشديد (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 26] مشروعية خيار العيب: • المراد بالمسألة: خيار العيب: هو رد المبيع بسبب وجود وصف مذموم فيه، ينقص القيمة، أو العين، نقصانا يفوت به غرض صحيح، ويَغْلِب في جنسه عدمه (¬3). ويسمى عند المالكية، والشافعية: بخيار النقيصة (¬4). والمراد هنا: أنه إذا وجد العيب في العين، ولم يكن ثمة عيب آخر وقع بعده، فإن للمشتري حق الخيار بين الرد أو الإمساك، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا وجب البيع، وتفرقا عن المجلس من غير خيار، فليس لأحدهما الرد إلا بعيب] (¬5). ويقول أيضا: [واتفقوا على أن للمشتري الرد بالعيب الذي لم يُعْلم به حال العقد، ما لم يحدث عنده عيب آخر، وأن له إمساكه إن شاء بعد عثوره عليه] (¬6). ¬
• ابن قدامة (620 هـ) لما ذكر لزوم البيع بعد التفرق من المجلس، ذكر بعده حالات جواز الرد، فقال: [أن يجد بالسلعة عيبا فيردها به، أو يكون قد شرط الخيار لنفسه مدة معلومة فيملك الرد أيضا، ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين الأمرين] (¬1). ويقول أيضا: [متى علم بالمبيع عيبا، لم يكن عالما به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا] (¬2). • القرافي (684 هـ) يقول: [. . . والإجماع منعقد عليه -أي: خيار العيب- من حيث الجملة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (¬5). • وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله أمر بالوفاء بالعقد، والأمر يقتضي الوفاء به سليما من كل عيب، وإلا فإنه لم يف به على الحقيقة (¬6). الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا اشترى غلاما في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وبه عيب يعلم به، فاستغله، ثم علم العيب فرده، فخاصمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه إنه استغله منذ زمان؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقره على رده الغلام لما علم بوجود العيب فيه، فدل على مشروعية الرد بالعيب (¬8). الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُصرُّوا الإبل والغنم، فمن ¬
27] صحة بيع المعيب
ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثبت الخيار بالتصرية، وهذا فيه تنبيه على ثبوته بالعيب عموما قياسا عليها (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 27] صحة بيع المعيب: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري المبيع، وتبيَّن أنه معيب عيبا يستحق معه الفسخ، فإن العقد وإن كان غير لازم في حقه، إلا أنه في أصله صحيح، وهذا مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث أبي هريرة في المصراة- دليل على أن بيع المعيب بيع يقع صحيحا بدليل التخيير فيه؛ لأنه إن رضي المبتاع بالعيب جاز ذلك، ولو كان بيع المعيب فاسدا، أو حراما لم يصح الرضا به، وهذا أصل مجتمع عليه] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). ¬
28] ثبوت الخيار للعيب المقارن للعقد
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على المصراة: فكما أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الخيار للمشتري في المصراة فقال: "هو بخير النظرين" (¬1) والتخيير دليل على تصحيح العقد، وإلا فلا يمكن تصحيح الفاسد، فكذلك في المبيع المعيب (¬2). الثاني: أن النهي في المبيع المعيب إنما هو لحق الآدمي وليس لحق اللَّه، وما كان كذلك فإن العقد يكون صحيحا في ذاته، غير لازم في حق المشتري (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 28] ثبوت الخيار للعيب المقارن للعقد: • المراد بالمسألة: العيب المؤثر الذي يُثْبت الخيار للطرف الآخر، في الثمن أو المثمون المتعاقد عليه، إن كان وجوده حال العقد، فإن الخيار ثابت، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • تقي الدين الحِصْني (¬4) (829 هـ) يقول: [أما جواز الرد له بالعيب الموجود وقت العقد، فبالإجماع] (¬5). • عميرة (957 هـ) يقول: [. . . ثم دليل هذا في العيب المقارن: الإجماع] (¬6). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [(للمشتري الخيار) في رد المبيع (بظهور عيب قديم) فيه. . .، وهو أعني القديم: ما قارن العقد، أو حدث قبل القبض، ¬
وقد بقي إلى الفسخ، إجماعا في المقارن] (¬1). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(للمشتري) الجاهل بما يأتي (الخيار بظهور عيب قديم) والمراد بقدمه: كونه موجودا عند العقد، أو حدث قبل القبض. . .، أما المقارن، فبالإجماع] (¬2). • الرملي (1004 هـ) يقول: [(للمشتري الخيار) في رد المبيع (بظهور عيب قديم) فيه. . .، وسيأتي أن القديم: ما قارن العقد، أو حدث قبل القبض، وقد بقي إلى الفسخ، إجماعا في المقارن] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء اللَّه أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول اللَّه! قد استغل غلامي؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما كان له أن يرد هذا الغلام على الرجل، إلا لأن العيب موجود عند البائع، ولو كان عند المشتري لما رده. الثاني: أن المشتري لم يبذل المال إلا في مقابلة سلعة يأخذها صحيحة، فإذا كانت عند التعاقد غير سليمة، كان له حق الرد بسبب العيب، فالعبرة بالعقد (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
29] عدم ثبوت الخيار في العيب الحادث بعد العقد والقبض
29] عدم ثبوت الخيار في العيب الحادث بعد العقد والقبض: • المراد بالمسألة: إذا وقع العيب في العين المشتراة بعد وقوع العقد والقبض من قبل المشتري، وكان غير مستند إلى سبب سابق على العقد، ولم تكن تلك العين حيوانا، فإن الخيار لا يثبت في حق المشتري، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • القرافي (684 هـ) لما ذكر مسألة خيار العهدة في مذهب المالكية، بيَّن القول الآخر، فقال: [وخالفنا الأئمة في هاتين العهدتين (¬1)، لانعقاد الإجماع على أن العيب الحادث بعد العقد والقبض، لا يوجب خيارا في غير صورة النزاع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المبيع بعد القبض دخل في ضمان المشتري، فلم يُردَّ به العيب الحادث بعده (¬4). الثاني: القياس على خيار الشرط: فكما أنه بعد انتهاء المدة لا يحق لمن له الخيار الرد، فكذلك في وقوع العيب بعد القبض انتهى حق خيار الرد للمشتري.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
30] منع الخيار في البيع إذا ادعي أنه معيب تم تبين أنه سليم
30] منع الخيار في البيع إذا ادعي أنه معيب تم تبين أنه سليم: • المراد بالمسألة: إذا بيَّن البائع للمشتري بأن السلعة معيبة، وأخذها المشتري على هذا، ثم وجدها سليمة، فإنه لا خيار له، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [اتفق العلماء على أنه إذا باعه على أنه معيب، فوجده سليما، لا خيار له] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن مقتضى الرد في الأصل إنما هو على وجود عيب في السلعة عند القبض، فإذا انتفى العيب، زال المقتضي، ويزول تبعا الخيارُ الذي يستحقه (¬3). الثاني: القياس على ما إذا وكل من يشتري له سلعة بمائة فاشتراها بأقل منها: فإنه لا خيار للموكل، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما قد زاده خيرا (¬4). ¬
31] الزنا عيب في الجارية
الثالث: القياس كذلك على ما إذا أعطاه سلعة خيرا من السلعة التي طلبها, ولم يكن له فيها غرض مقصود.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 31] الزنا عيب في الجارية: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري الجارية، ثم تبين له أنها زانية، فإن هذا يعتبر عيبا، له الحق في ردها بسببه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الزنا عيب في الجارية] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يُثرِّب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يُثرِّب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر" (¬4). • وجه الدلالة: إرشاد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بيع الجارية بعد المرة الثالثة، دليل على أن الزنا عيب ترد به، وإلا فما فائدة الأمر بالبيع بالشيء الحقير (¬5). الثاني: أن من مقاصد تملك الجواري طلب الولد، وزناها يخل بهذا ¬
32] عدم الحيض في الجارية الصغيرة والآيسة الكبيرة لا يعد عيبا
المقصود، فإنها تلوث عليه فراشه (¬1). الثالث: أن الزنا يوجب نقصا في الجارية في عرف التجار، وما أوجب نقصا في المبيع، فإنه يكون عيبا فيه، والمبيع إنما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية، وقد نقصت هذه الصفة فيه (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 32] عدم الحيض في الجارية الصغيرة والآيسة الكبيرة لا يعد عيبا: • المراد بالمسألة: الجارية إذا لم تبلغ من الحيض بأن كانت صغيرة، أو كانت أمة جاوزت سِنَّه بأن كانت كبيرة، فإنه لا يعد عدم حيضها عيبا يثبت به الرد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(فلو كانت الجارية بالغة لا تحيض، أو هي مستحاضة فهو عيب) قيد بقوله: بالغة؛ لأن عدم الحيض في الصغيرة ليس بعيب بالإجماع، ولو كانت كبيرة قد بلغت من الإياس فهو غير عيب بإجماع الفقهاء -رحمهم اللَّه- أيضا] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [انقطاع الحيض لا يكون عيبا إلا إذا كان في أوانه، أما انقطاعه في سن الصغر، أو الإياس، فلا، اتفاقا] (¬4). نقله عنه ابن عابدين (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العيوب المؤثرة التي يثبت بها الخيار هي التي تنقص من قيمة ¬
33] الزواج في العبد والأمة يعد عيبا
العين، والجارية هنا هذا هو أصل خلقتها، أنها لا تحيض في مثل هذا السن, فلا يكون هذا مؤثرا في ثبوت الرد فيها. الثاني: أن العيوب هي ما تعارف التجار عليها أنها عيب، ولا أحد منهم يَعدُّ عدم الحيض في الصغيرة أو الكبيرة عيبا، فيكون المشتري قد دخل على بصيرة وبيِّنة، فلا يثبت له الرد.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 33] الزواج في العبد والأمة يُعد عيبا: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع الأمة أو العبد، وأخذهما المشتري ولم يعلم بأنهما متزوجان، فإذا علم فإن هذا عيب له حق الرجوع فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الجارية إذا اشتراها الرجل، ولها زوج، والمشتري لا يعلم، أن ذلك عيب، يجب به الرد] (¬1). نقله عنه: ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [في معرفة العيوب: وهي النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار. . .] ثم ذكر جملة من العيوب منها: التزوج في الأمة. ثم قال: [وهذا كله قول أبي حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬4). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن معرفة العيوب مردها إلى العرف، والتجار يعدون النكاح عيبا في الغلام والجارية جميعا. الثاني: أن إطلاق البيع يقتضي سلامة المنافع للمشتري، ولم يسلم له ذلك، فثبت له الرد. الثالث: أن من مقاصد ملك الجارية الافتراش، وهذا المقصود يختل إذا ظهر أنها منكوحة للغير. الرابع: وفي العبد بسبب النكاح يلزمه نفقة امرأته، وذلك ينقص من ماليته، فلهذا كان النكاح عيبا فيهما جميعا (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه عندهم، وكذا الحسن بن حي، قالوا: إن الزواج لا يعد عيبا في الأمة ولا العبد (¬2). ومثلهم عثمان البَتِّي في العبد دون الأمة، فإنه قال: [إذا وجد له امرأة، فله أن يكرهه على طلاقها، فإن أبى أن يطلقها، فلزمته نفقة لها، فهي على البائع] (¬3). ويمكن أن يستدل لهؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن العبد والأمة يمكن الانتفاع بهما من غير أن يقع تأثير على الزواج ولا على السيد؛ إذ قد ينتفع بهما في الخدمة ونحوها، فإذا لم يؤثر على السيد، فالتعاقد عليهما يعد صحيحا, ولا يعد عيبا. فأما الوجه عند الشافعية فقد حكم ببطلانه السبكي (¬4). وأما مخالفة الحسن والبتي فهي شاذة، وإن كانت مخالفة البتي أخف من ¬
34] العلم بالعيب يسقط الخيار
الحسن.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 34] العلم بالعيب يسقط الخيار: • المراد بالمسألة: إذا كان في العين المباعة عيب أخبر به البائع، وأطْلع عليه المشتري، وأوقفه عليه، ورضي به، وكان ظاهرًا، فإنه تلزمه العين المعقود عليها، ولا حق له في رد العين بهذا العيب، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أنه إذا بيَّن له البائع بعيب فيه، وحد مقداره ووقفه عليه، إن كان في جسم المبيع فرضِي بذلك المشتري، أنه قد لزمه، ولا رد له بذلك العيب] (¬1). نقله عنه السبكي (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [من اشترى معيبا يعلم عيبه، أو مدلسا، أو مصراة، وهو عالم فلا خيار له. . .، لا نعلم خلاف ذلك] (¬3). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [المشتري للعين المعيبة تارة يكون عالما بعيبها، وتارة لا يكون. الحالة الأولى: إن كان عالما، فلا خلاف أنه لا يثبت له الخيار] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬6). ¬
35] تصرف المشتري في المبيع المعيب قبل العلم بالعيب وبعده
• وجه الدلالة: أن اللَّه علق جواز التجارة على التراضي بين المتعاقدين، حتى لا تقع الخصومة بينهما، والمشتري قد رضي بالعيب، فلا حق له في الرد بعد اطلاعه على العيب ورضاه به. الثاني: أن اطلاع المشتري على العيب ورضاه به، بمثابة الشرط بينهما على عدم الرد بهذا العيب، والشروط يجب التزامها والوفاء بها، وفي الحديث: "المسلمون على شروطهم. . . " (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 35] تصرف المشتري في المبيع المعيب قبل العلم بالعيب وبعده: • المراد بالمسألة: إذا اشتري المشتري السلعة المعيبة، وتصرف فيها تصرفا دالا على الرضا، من مثل عرضها للبيع، أو استغلالها ونحوها، فلا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون قد علم بالعيب، وحينئذ يسقط خياره. الثانية: ألا يكون قد علم بالعيب، ففي هذه الحالة لا يسقط خياره، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [فإن استغلَّ المبيع، أو عرضه على البيع، أو تصرف فيه تصرفا دالا على الرضا به، قبل علمه بالعيب، لم يسقط خياره (¬2)؛ لأن ذلك لا يدل على الرضا به معيبا. وإن فعله بعد علمه بعيبه، بطل خياره في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: وكان الحسن، وشريح، وعبد اللَّه بن الحسن (¬3)، وابن أبي ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، يقولون: إذا اشترى سلعة، فعرضها على البيع، لزمته. وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وإن استغل المبيع، أو عرضه على ¬
36] منع رجوع المشتري بقيمة العيب في العين مع إمساكها
البيع، أو تصرف فيه تصرفا دالا على الرضا به، قبل علمه بالعيب، لم يسقط خياره؛ لأن ذلك لا يدل على الرضا به معيبا. وإن فعله بعد علمه بعيبه، بطل خياره في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: كان الحسن، وشريح، وعبيد اللَّه بن الحسن، وابن أبي ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، يقولون: إذا اشترى سلعة، فعرضها على البيع بعد علمه العيب، بطل خياره. وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [فإذا ظهر ما يدل على الرضا من قول، أو فعل، سقط خياره بالاتفاق] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن حق الرد إنما شرع لفوات السلامة المشروطة في العقد دلالة، ولما صدر منه ما يدل على الرضا بالعيب بعد العلم به، دل على أنه أسقط حق نفسه. الثاني: أن حق الرد في حال العيب ثبت للمشتري دفعا للضرر عنه، فإذا عرض السلعة للبيع دل على رضاه بالعيب، وإذا ثبت الرضا سقط الخيار بينهما (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 36] منع رجوع المشتري بقيمة العيب في العين مع إمساكها: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري العبد، وكان به عيب لم يحدث عنده، ولم يكن قد علم به أو رآه من قبل، والعيب في إزالته مشقة عليه، وانتفى شرط ¬
البراءة من العيوب بينهما، واستمر ملك المشتري له، ولم يتغير بزيادة ولا نقصان، فإنه يثبت له الخيار بين الإمساك والرضا بالعيب، وبين رد العبد وإرجاع كامل الثمن، ولا يحق له الإمساك مع المطالبة بالأرش. هذا إذا لم يكن بينهما مصالحة ورضا على أخذ الأرش، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمعوا أن المبتاع إذا وجد العيب لم يكن له أن يمسكه، ويرجع بقيمة العيب] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن للمشتري الرد بالعيب الذي لم يعلم به حال العقد ما لم يحدث عنده عيب آخر، وأن له إمساكه إن شاء بعد عثوره عليه] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وإذا وُجدت العيوب، فإن لم يتغير المبيع بشيء من العيوب عند المشتري، فلا يخلو: أن يكون في عقار، أو عروض، أو في حيوان، فإن كان في حيوان، فلا خلاف أن المشتري مُخيَّر بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه، أو يمسك ولا شيء له] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [متى علم بالمبيع عيبا لم يكن عالما به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا] (¬6). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر. . .، وهذه إذا علم المظلوم بالحال في ابتداء العقد، مثل: أن يعلم بالعيب ¬
والتدليس والتصرية، ويعلم السعر إذا كان قادما بالسلعة، ويرضى بأن يغبنه المتلقي، جاز ذلك، فكذلك إذا علم بعد العقد: إن رضي جاز، وإن لم يرض كان له الفسخ. وهذا يدل على أن العقد يقع غير لازم، بل موقوفا على الإجازة، إن شاء أجازه صاحب الحق، وإن شاء رده، وهذا متفق عليه في بيع المعيب، مما فيه الرضا بشرط السلامة من العيب] (¬1). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [واتفقوا على أن من اشترى شيئا، ولم يبين له البائع العيب فيه، ولا اشترط المشتري سلامة، ولا اشترط الإخلاء به، ولا بيع منه ببراءة، فوجد به عيبا كان به عند البائع، وكان ذلك العيب يمكن البائع معرفته، وكان يحط من الثمن حطا لا يتغابن الناس بمثله في مثل ذلك البيع في ذلك الوقت -يعني: وقت عقد البيع- ولم يتلف عين المبيع ولا نقصها، ولا تغير اسمه، ولا تغير سوقه، ولا خرج عن ملك المشتري كله ولا بعضه، ولا أحدث المشتري فيه شيئا لا وطئًا ولا غيره، ولا ارتفع ذلك العيب، وكان البائع قد نقد فيه جميع الثمن، فإن للمشتري أن يرده ويأخذ ما أعطى فيه من الثمن، وإن له أن يمسكه إن أحب] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء اللَّه أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول اللَّه قد استغل غلامي، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما جاءه الرجل ولم يكن قد رضي بالعيب، لم ¬
37] استخدام السلعة لا يمنع ردها بالعيب
يجعل له الخيار بين الإمساك مع الأرش أو الرد بكامل الثمن، وإنما رده، فدل على أنه إذا لم يرض فليس له إلا الرد. الثاني: القياس على المصراة؛ فكما أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يجعل للمشتري في المصراة إلا الرد أو الإمساك من دون الأرش، فكذلك العيب في العبد فهو مخير بين الأمرين دون الثالث وهو الإمساك مع الأرش، بجامع أن كلا من المشتري فيهما قد دفع ثمنا من أجل مبيع سليم (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في المشهور من المذهب عندهم، وإسحاق ابن راهويه، وقالوا بأنه مخير بين ثلاثة أشياء: بين الرد، والإمساك من دون مقابل، والإمساك مع أرش العيب (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش، كما لو تعيب عنده. الثاني: أنه فات عليه جزء من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه، كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة، أو كما لو أتلفه بعد البيع (¬3).Rعدم صحة الإجماع في مسألة الإلزام بالأرش بالنسبة للمشتري في حال وجود العيب في العبد، وإنما له الخيار بين أن يمسك أو يرد بكامل الثمن، وعلى هذا فيكون ما حكاه ابن هبيرة وابن قدامة من الإجماع صحيح. 37] استخدام السلعة لا يمنع ردها بالعيب: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري السلعة واستخدمها، ثم تبين له عيب فيها يحق له الرد من أجله، فإن هذا الاستخدام الذي تم قبل العلم بالعيب، لا يمنع الرد، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [الاستخدام -أي: للسلعة المعيبة- لا يمنع الرد، بلا خلاف] (¬1). • عميرة (957 هـ) يقول: [(ولا يمنع الرد الاستخدام) أي: بالإجماع] (¬2). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [(ولا يمنع الرد الاستخدام) قبل علم العيب من المشتري أو غيره للمبيع، ولا من البائع أو غيره للثمن، إجماعا] (¬3). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(ولا يمنع الرد الاستخدام) إجماعا] (¬4). • الرملي (1004 هـ) يقول: [(ولا يمنع الرد الاستخدام) قبل العلم بالعيب من المشتري أو غيره للمبيع، ولا من البائع أو غيره للثمن، إجماعا] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء اللَّه أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول اللَّه! قد استغل غلامي. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬7). ¬
38] الزيادة المتصلة تمنع الرد بالعيب
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رد الغلام إلى الرجل، ولم يمنعه استغلال المشتري له. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعا من تمر" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر من استفاد من الشاة المصراة، ثم أراد ردها، أن يرد معها صاعا من التمر، وهذا يدل على أن الاستفادة من السلعة لا تمنع الرد بالعيب (¬2). الثالث: أن المشتري أخذ السلعة على أن تكون سليمة، ولا يمكنه معرفة السلامة إلا بعد استخدامها، ولذا فإن هذا الاستخدام يعتبر عفو لا يترتب عليه أثر.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 38] الزيادة المتصلة تمنع الرد بالعيب: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتبايعان السلعة بشرط الخيار، ثم زادت زيادة متصلة غير متولدة من المبيع، مثل: الثوب يصبغه أو يخيطه، والسويق يلتُّه بالسمن أو بالعسل، والأرض يبني عليها، أو يغرس فيها، فإن هذه الزيادة تمنع الرد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • السرخسي (483 هـ) يقول: [والأصل أن الزيادة نوعان: متصلة، ومنفصلة. والمتصلة نوعان: زيادة غير متولدة من العين: كالصبغ في الثوب، والسمن، والعسل في السويق، وهي تمنع الرد بالعيب بالاتفاق] (¬3). • الكاساني (587 هـ) يقول: [وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل، تمنع ¬
الرد بالإجماع] (¬1). • الحداد (800 هـ) يقول: [. . . وإن كانت متصلة غير متولدة منه: كالصبغ، والخياطة، أو لتِّ السويق، أو كانت أرضا فبنى فيها، أو غَرَس، منعت الرد إجماعا، وينفذ البيع] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [ولو كانت الزيادة متصلة غير متولدة منه: كالصبغ، والخياطة وغيرهما، يمنع الرد بالإجماع] (¬3). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [. . . فالمتصلة غير متولدة من المبيع: كالصبغ، والخياطة، واللت بالسمن، والغرس، والبناء، وهي تمنع الرد بالعيب بالاتفاق] (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: وجود الضرر على المشتري في الرد بسبب الزيادة في مالية السلعة، والضرر يزال (¬5). الثاني: أنه لو رد الأصل: فإما أن يرده وحده، وإما أن يرده مع الزيادة، والرد وحده لا يمكن؛ لعدم انفصال الزيادة عنه، والرد مع الزيادة لا يمكن؛ لأنها ليست بتابعة له في العقد، فلا يمكن أن يجعلها تابعة في الفسخ إلا إذا تراضيا على الرد، فيصير بمنزلة بيع جديد، فيتعين عدم الرد حينئذ (¬6). المخالفون على الإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن المشتري مخير بين أن يمسك السلعة ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويشترك في السلعة مع البائع فيما زاد على قيمتها. قال بهذا المالكية (¬7). ¬
39] الزيادة المنفصلة تكون من نصيب المشتري
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن المشتري أخرج ماله في هذه السلعة، فلا يذهب حقه الذي بذله هدرا (¬1). القول الثاني: أن النماء المتصل يتبع الأصل في الرد إذا ردها المشتري. قال بهذا الشافعية والحنابلة (¬2). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن النماء المتصل يتبع السلعة في العقود والفسوخ؛ وذلك لعدم تصور ردها بدونه، وهي لا تنفرد عن الأصل في الملك، فلم يجزئه ردها بدونها (¬3). وعلى هذا: فالقولان متفقان على أن المشتري له أن يرد السلعة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 39] الزيادة المنفصلة تكون من نصيب المشتري: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان عبدا، وبعد زمن وجد المشتري في العبد عيبا يستحق به الرد، وأراد الرد، وقد استغله إما: بكسب، أو أجرة، أو خدمة، أو وُهب له هبة، أو وُصي له بوصية، ونحوها مما يعد زيادة منفصلة عنه، من غير عينه، فإن هذه الزيادة تكون من نصيب المشتري، ولا يردها مع العبد، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول لما ذكر حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- (¬4): [هذا حديث مجمع على معناه في الجملة. . .، وموضع الإجماع فيه: أن الرجل إذا ابتاع بيعا فاستغله واستخدمه، ثم طرأ فسخ على بيعه، فإن له ما استغل واستخدم] (¬5). ¬
• العمراني (558 هـ) يقول: [وإن كانت الزيادة منفصلة عن العين، نظرت: فإن كانت كسبا، مثل أن كان عبدا فاستخدمه، أو أجره، أو وجد ركازا، أو احتش، أو اصطاد، أو ما أشبه ذلك، فإن المشتري إذا رد العبد، فإن الكسب له، ولا حق للبائع فيه بلا خلاف] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا يخلو المبيع من أن يكون. . . قد زاد بعد العقد، أو جعلت له فائدة، فذلك قسمان: أحدهما: أن تكون الزيادة: متصلة. . .، القسم الثاني: أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان: أحدهما: أن تكون الزيادة من غير عين المبيع، كالكسب. . .، والخدمة، والأجرة، والكسب، وكذلك ما يُوهب، أو يُوصى له به، فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬2). نقله عنه المرداوي (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إذا أراد رد المبيع، فلا يخلو: إما أن يكون في حاله، أو يكون زاد أو نقص. . .، وإن زاد بعد العقد، أو حصلت له فائدة، فذلك قسمان: أحدهما: أن تكون الزيادة متصلة. . .، القسم الثاني: أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان: أحدهما: أن تكون من غير المبيع، كالكسب والأجرة، وما يُوهب له، أو يُوصى له به، فهو للمشتري في مقابلة ضمانه. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬4). • الزركشي (772 هـ) يقول: [أن المبيع إذا زاد، وأراد المشتري رده بعيب وجده. . .، وكانت الزيادة منفصلة، فلا يخلو: إما أن تكون حدثت من عين المبيع: كالولد والثمرة، أو لم تكن: كالأجرة والهبة ونحو ذلك. فالثاني فيما نعلمه لا نزاع أن للمشتري إمساكه، ورد المبيع دونه] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رجلا اشترى من رجل غلاما في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكان عنده ما شاء اللَّه، ثم رده من عيب وجد به، فقال الرجل حين رد عليه الغلام: يا رسول اللَّه! إنه كان استغلَّ غلامي منذ كان عنده. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬1). • وجه الدلالة: الحديث دليل على أن المشتري كما أنه يضمن السلعة لو تلفت، فكذلك له الخراج إذا استغل العين المباعة، وهذا من تمام العدل الذي جاءت به الشريعة (¬2). الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنها- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع وسلف، ونهى عن بيعتين في بيعة، ونهى عن ربح ما لم يضمن" (¬3). • وجه الدلالة: أن الغلة والكسب ليست جزءا من المبيع فلا يملكها المشتري بالثمن، وإنما ملكها بالضمان، ومثل هذا يطيب له ربحه؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الربح الذي لم يضمن (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: عثمان البَتي، وعبيد اللَّه بن الحسن، وزفر بن الهذيل (¬5) (¬6)، وهو رواية عند الحنابلة (¬7). ¬
40] جواز رد الأمة المعيبة التي وطئها زوجها
أما عثمان وعبيد اللَّه بن الحسن فقالا: من اشترى عبدا، فاستغله، ثم اطلع على عيب فله رده، فإن رده لزمه أن يرد الغلة كلها معه. قال عبيد اللَّه: وكذلك لو وهب للعبد هبة، فإنه يرد الهبة معه أيضا (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: القياس على الزيادة المتصلة: فكما أنها تكون للبائع فكذلك المنفصلة (¬2). وقولهم: لم أجد من قال به من المتقدمين قبلهم، ولا من المتأخرين بعدهم، ولا يستند إلى نص، بل هو مخالف للنص، فدل على شذوذ ما ذهبوا إليه. أما الرواية التي عند الحنابلة: فقد ردها الزركشي ونفاها (¬3)، فلا يعتد بها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة. 40] جواز رد الأمة المعيبة التي وطئها زوجها: • المراد بالمسألة: إذا اشترى الأمة ذات الزوج، ثم تبين له عيب فيها -يحق له الرد من أجله- فإن له الحق في ردها إلى البائع، حتى وإن وقع وطء من الزوج لها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) لما تكلم عن خيار العيب، وذكر الأمور التي لا تمنع الرد بالعيب، قال: [ولو اشترى مزوجة، فوطئها الزوج، لم يمنع ذلك الرد، بغير خلاف نعلمه] (¬4). ¬
41] الرجوع بنقصان العيب في الثوب المقطوع
• شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولو اشتراها مزوجة، فوطئها الزوج، لم يمنع ذلك الرد، بغير خلاف نعلمه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن وطء الزوج لا ضرر فيه على العقد، بل لا أثر له فيه، وإذا كان كذلك فوطؤه يعد من التصرفات التي لا تمنع الرد عند وجود العيب. الثاني: أن المشتري دخل على بيِّنة وبصيرة بأن الأمة ذات زوج، ومعلوم أن من حقوق الزوجية الوطء، فكما أن المشتري ليس له حق منعه من هذا، فيقال بأن هذا لا تأثير له على ما مُنِع منه، فالغنم بالغرم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 41] الرجوع بنقصان العيب في الثوب المقطوع: • المراد بالمسألة: حين يكون المبيع ثوبا، ويقطعه المشتري بعد أن يقبضه، ثم يتبين له عيب فيه يحق له الرد من أجله، فإنه ليس له الحق في الرد بعد القطع، ويرجع على البائع بنقصان الثوب، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: ¬
• العيني (855 هـ) يقول: [(. . . إذا كان) المبيع (ثوبا فقطعه) ثم وجده معيبا، فإنه يرجع بالنقصان، بالإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) لما ذكر الخلاف في مسألة الانتفاع بالمبيع بعد فساده قاس عليه هذه المسألة، فقال: [(. . . كما إذا كان) المبيع (ثوبا فقطعه) المشتري، ثم اطلع على عيب، فإنه لا يرده، مع أنه سلطه على قطعه بالبيع، فعرف بالإجماع على أنه لا يرده] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية في رواية، وكذلك أيضا الحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن الرد إنما شرع لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع في هذه الحالة إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر (¬4). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في المسألة على أقوال: القول الأول: التفصيل: إن كان البائع عالما بالعيب فإن المبتاع يرد الثوب وليس عليه غرم التقطيع. وإن كان لا يعلم بالعيب فالمبتاع بالخيار إن شاء أن يضع عنه ما نقص من ثمن الثوب ويمسكه، وإن شاء أن يغرم ما نقص من التقطيع ويرده. قال به الإمام مالك (¬5). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد من سلامة المبيع، فانعدم الرضا، فكان له حق الرد، كما لو لم يحدث عنده عيب. ¬
الثاني: أنه نقص حدث بالمبيع فلم يمنع رده مع أخذ أرشه، قياسا على المصراة. الثالث: إنما قالوا في التدليس: إن المشتري مخيَّر ولا يلزمه أرش؛ لأن ذلك رضا من البائع؛ لأنه لما كتم العيب، وهو يعلم أن المشتري يتصرف في المبيع، ولا يعد ذلك منه رضا؛ لأنه لما تصرف عن غير علم بالعيب؛ كان رضيا به؛ لأنه هو الذي سلَّطه عليه فلم يلزم المشتري الأرش (¬1). القول الثاني: إذا دلَّس البائع بالعيب وهو يعلم، ثم أحدث المشتري في الثوب القطع، فإنه بالخيار إن شاء حبس الثوب ورجع على البائع بما بين الصحة والداء، وإن شاء رده ولا شيء عليه. وهذا القول رواية ابن القاسم (¬2) عن الإمام مالك (¬3). القول الثالث: أن للمشتري رد الثوب، ويرد معه أرش التقطيع. قال به حماد ابن أبي سليمان (¬4) (¬5)، وأبو ثور (¬6)، وهو رواية عند الشافعية (¬7). واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: إذا رد قيمة ما حدث عنده من العيب، فيكون كأنه رده بحاله، فهو قد أخذ النقصان بالعيب الحادث عند المشتري حقه (¬8). القول الرابع: أنه مخير بين رد الثوب، ويرد معه أرش العيب الحادث عنده، ¬
ويأخذ الثمن. وبين أن يمسكه، وله أرش العيب القديم. قال به عثمان بن عفان (¬1)، وإسحاق، والنخعي (¬2)، وهو رواية عند الحنابلة (¬3). استدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: القياس على المصراة: فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بردها بعد حلبها، ورد عوض لبنها، فكذلك العيب في سائر السلع. الثاني: أنه عيب حدث عند المشتري، فكان له الخيار بين رد المبيع وأرشه، وبين أخذ أرش العيب القديم، كما لو كان حدوثه لاستعلام المبيع. الثالث: أن الرد كان جائزا قبل حدوث العيب الثاني، فلا يزول إلا بدليل، ولا دليل يمنع، فيبقى الجواز بحاله (¬4). القول الخامس: له رد الثوب، ولا شيء عليه. قال به الحكم بن عتيبة (¬5) (¬6)، ¬
42] قيام الوارث مقام مورثه في خيار العيب
وعثمان البتي (¬1)، وابن حزم من الظاهرية (¬2). ويستدل لقولهم بدليل عقلي، وهو: أن البائع لما لم يبين للمشتري العيب، فإنه يكون قد سلطه على القطع، فلا شيء له فيه (¬3). القول السادس: لا يرده ولا يرجع عليه بشيء. نُسِب هذا القول إلى الطحاوي، ومحمد بن شجاع (¬4) (¬5). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن العيب وقع من الطرفين أو الجانبين، فإذا رده المشتري كان فيه ضرر على البائع، وإذا أبقاه عنده بقي وفيه عيب، فالعدل بقاء العين عند المشتري لا يرده ولا يرجع عليه بشيء.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 42] قيام الوارث مقام مورثه في خيار العيب: • المراد بالمسألة: إذا مات المشتري قبل الاطلاع على العيب، أو بعد الاطلاع وقبل التمكن من الرد، أو حدث العيب قبل القبض بعد موت المشتري، عيبا يثبت به الرد، وكذا في خيار التعيين، كأن يتم البيع على أن له عبدا من عبيده، ولم يقع اختياره على واحد منهم، ثم مات، فإن هذين الحقين للورثة حق المطالبة بهما بعد موت مورثهما، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن خيار العيب وخيار التعيين ¬
يورث] (¬1). • النووي (176 هـ) يقول: [إن خيار الرد بالعيب يثبت للوارث بلا خلاف إذا مات الوارث قبل التقصير المسقط] (¬2). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [. . . وهذا الحكم من كون خيار العيب، ينتقل للوارث، لا خلاف فيه] (¬3). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(. . . خيار العيب والتعيين) فإنهما يورثان بالاتفاق] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ترك مالا فلورثته" (¬6). • وجه الدلالة: أن المال يدخل فيه الحقوق، خاصة الحقوق المتعلقة به، فإنها كلها تورث، ومنها حق خيار العيب والتعيين، ويدل لهذا الشمول وأن الأمر ليس خاصا بالمال فقط آيات المواريث، ذكر اللَّه فيها القسمة، والمراد تقسيم جميع الحقوق، والتنصيص في الحديث على المال لا ينافي غيره؛ لأن العام لا يخص بذكر بعضه على الصحيح (¬7). الثاني: أن المُورِّث استحق المبيع سليما من العيب، فكذا الوارث (¬8). الثالث: أن الحق في خيار التعيين قد ثبت للمورث ملكا تاما لكنه من غير ¬
43] ضمان المشتري للجنون والجذام والبرص في الرقيق والحيوان بعد عام، وما عداها بعد أربعة أيام
تعيين، فانتقل للوارث وهو حق مختلط بملك غيره لا يمكن فصله إلا بالتعيين، فكان من الحقوق المشروعة له (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 43] ضمان المشتري للجنون والجذام والبرص في الرقيق والحيوان بعد عام، وما عداها بعد أربعة أيام: • المراد بالمسألة: إذا وقع العيب في الرقيق والحيوان المباعين بعد قبض المشتري، ولم يكن للعيب سبب سابق قبل القبض، فإنه لا يكون الضمان على المشتري، إلا إذا وقع العيب بعد أربعة أيام، ويستثنى من العيوب الجنون والجذام والبرص، فإنها لا تدخل في ضمانه إلا بعد مضي سنة كاملة، باتفاق العلماء (¬2). • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن ما أصاب الرقيق والحيوان بعد أربعة أيام من العيوب كلها، وما أصابه بعد العام وأيام العدة والاستبراء من جنون أو جذام أو برص، فإنه من المشتري] (¬3). نقله عنه ابن القطان (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (¬5). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬1). • وجه الدلالة: أن العين المبيعة قد انتقلت للمشتري على وجه صحيح، وما يكون من غلة فإنها له، فيكون الضمان عليه. الثاني: عن عقبة بن عامر الجهني (¬2) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عهدة الرقيق ثلاث ليال" (¬3). الثالث: عن سمرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عهدة الرقيق ثلاث" (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا: ينتظر الرقيق ستة أيام، وفي رواية أخرى: ينتظر إلى ما بعد الستة أيام (¬5). ولم أجد لهاتين الروايتين دليلا يمكن أن يستدل به. ¬
44] عدم الرد بالعيب في أحد الشيئين حقيقة وهما شيء واحد تقديرا
Rصحة الإجماع على أن الرقيق يكون ضمانه على المشتري بعد عام إذا أُصيب بالجذام والجنون والبرص، أما قبله فقد وقع الخلاف بين العلماء هل يكون على المشتري أم على البائع؟ وما عدا هذه الأمراض الثلاثة فلا يثبت الإجماع؛ لمخالفة الحنابلة. 44] عدم الرد بالعيب في أحد الشيئين حقيقة وهما شيء واحد تقديرا: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع شيئين لا يمكن لأحدهما أن يقوم إلا بالآخر عادة؛ كالخفين، أو النعلين، أو مصراعي الباب ونحوها، ثم وجد المشتري بأحدهما عيبا دون الآخر، سواء كان قبل القبض أو بعده، فإنه مخير بين أن يردهما جميعا، أو يمسكهما جميعا، وليس له أن يرد المعيب وحده، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [فإن كان المبيع شيئين لا يقوم أحدهما إلا بالآخر؛ كالخفين والنعلين، أو مصراعي الباب، فوجد بأحدهما عيبا، لم يختلفوا أنه لا يرده وحده، ويردهما جميعا، أو يمسكهما جميعا] (¬1). • الزيلعي (743 هـ) يقول لما ذكر الخلاف بين علماء المذهب في رد المبيع إذا كانا شيئين ووجد العيب في أحدهما، وأمكن الانتفاع بالآخر مفردا: [. . . وإن كان لا ينتفع بأحدهما دون الآخر؛ كزوجي الخف، ومصراعي الباب، ليس له أن يرد أحدهما دون الآخر، وإن كان بعد القبض، بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) لما تكلم عن المبيع المكوَّن من شيئين يمكن إفراد أحدهما عن الآخر في الانتفاع، ووجد في أحدهما عيبٌ قال: [أما إذا لم يكن في العادة -أي: إفراد أحدهما عن الآخر- كنعلين، أو خفين، أو مصراعي باب، فوجد بأحدهما عيبا، فإنه يردهما، أو يمسكهما بالإجماع] (¬3). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية في المشهور عندهم، والحنابلة كذلك على المشهور عندهم، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنهما في الصورة شيئان، وفي المنفعة والمعنى كشيء واحد، فإنه لا يتأتى الانتفاع المقصود بأحدهما دون الآخر، والمعتبر هو المعنى. الثاني: القياس على وجود العيب في الشيء الواحد؛ فكما أنه يرد الكل فكذلك ما كان منفعته كالشيء الواحد، بجامع وجود الضرر في التفريق بينهما. الثالث: أنه لو رد المعيب خاصة، لعاد إلى البائع بعيب حادث؛ لأن التفريق بينهما يمنع الانتفاع، وذلك عيب في كل واحد منهما (¬2). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في المسألة على قولين: القول الأول: أن للمشتري رد أحدهما. وهو قول عند الشافعية، والحنابلة (¬3). القول الثاني: أن للمشتري رد أحدهما مع أرش نقص القيمة بالتفريق. وهو قول عند الحنابلة (¬4). ويمكن أن يستدل لهذين القولين: بالقياس على ما إذا اشترى عبدين صفقة واحدة، ووجد بأحدهما عيبا، فإنه يرد المعيب وحده دون الآخر. أما قول الشافعية: فقد حكم عليه النووي بالشذوذ، فلا يعتد به (¬5). ¬
45] مشروعية الشركة والتولية في البيع
أما قولي الحنابلة: فلم يذكرهما سوى صاحب "الرعايتين"، وكتاباه لا يعتمد عليهما في نقل المذهب إذا تفرد عن غيره؛ لأنهما غير محررين (¬1)، ثم إن العلماء الذين يعتمد عليهم في نقل المذهب قد نصوا على أن في المسألة رواية واحدة فقط (¬2)، وعليه فلا يعتد بما ذكر من القولين.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة فيها. 45] مشروعية الشركة والتولية في البيع: • المراد بالمسألة: الشركة في اللغة: أصل الكلمة يدل على مقارنة، وخلاف انفراد، ومنه الشركة وهو: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما (¬3). • وفي الاصطلاح: أن يشتري شيئا، ثم يشرك غيره فيه؛ ليصير بعده له بقسطه من الثمن (¬4). التولية في اللغة: أصل الكلمة يدل على القرب (¬5)، يقال: وليته تَوْلية جعلته واليا (¬6). • وفي الاصطلاح: نقل ما ملكه بالعقد الأول، وبالثمن الأول، من غير زيادة (¬7). • والمقصود بالمسألة: أن المشتري إذا قال لآخر: أشركتك في هذه العين التي اشتريتها بالنصف أو نحوه، أو قال: ولَّيتك هذه العين، فإن العقد صحيح باتفاق العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من أشرك أو ولّى على حكم ابتداء البيع، فقد أصاب] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر صورة بيع التولية: [وينعقد بالاتفاق] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬4). • وجه الدلالة: أن الشركة والتولية لون من ألوان البيع، فتدخل في عموم الإباحة. الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- في قصة الإذن للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالهجرة. . .، وفيه: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما. قال: "قد أخذتها بالثمن" (¬5). • وجه الدلالة: أن أبا بكر عرض على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الناقة ليأخذها، فأبى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأخذها إلا بقيمتها التي اشتراها بها أبو بكر، وهذه صورة التولية (¬6). ¬
46] مشروعية بيع المرابحة
الثالث: عن محمد بن سيرين أن أبا بكر مرَّ ببلال (¬1) وهو يعذب فاشتراه فأعتقه. فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبره، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشركة يا أبا بكر؟ " فقال: يا رسول اللَّه إني قد أعتقتة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بارك اللَّه لك، وآجرك اللَّه عز وجل" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طلب الشركة، ولو لم تكن جائزة لم يطلبها، ودعا له زيادة على ذلك (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 46] مشروعية بيع المرابحة: • المراد بالمسألة: المرابحة في اللغة: مأخوذة من الربح، وهو النماء في التّجْر. ويطلق على اسم ما ربحه في التجارة (¬4). • وفي الاصطلاح: هي بيع ما اشتراه البائع بمثل الثمن الأول، مع زيادة ربح معلوم عليه (¬5). ولها صورتان، هما: الأولى: أن يُعَرِّف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها، ويأخذ منه ربحا على الجملة، مثل أن يقول: اشتريتها بعشرة ريالات وتربحني فيها ريالا أو ريالين. الثانية: أن يأخذ منه الربح على التفصيل، إما بمقدار مقَطّع محدد، وإما بنسبة ¬
عشرية، وذلك مثل أن يقول: تربحني ريالا لكل عشرة أو نحوه (¬1). وهذه الصورة وقع فيها الخلاف بين العلماء في جوازها وكراهتها وبطلانها (¬2). أما الصورة الأولى فهي المرادة هنا، وهي جائزة وصحيحة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطبري (310 هـ) يقول: [وأجمعوا أن بيع المرابحة جائز] (¬3). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع المرابحة صحيح] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [بيع المرابحة: هو البيع برأس المال وربح معلوم، ويشترط علمهما برأس المال، فيقول: رأس مالي فيه أو هو علي بمائة بعتك بها، وربح عشرة، فهذا جائز لا خلاف في صحته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهة] (¬6). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [ويجوز أن يبيع ما اشتراه مرابحة بالاتفاق] (¬7). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [ويجوز أن يبيع ما اشتراه مرابحة بالاتفاق] (¬8). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: رأس مالي مائة، بعتكه بها وربح عشرة، فهو جائز بلا كراهة، بغير خلاف نعلمه] (¬9). ¬
47] بيان نقصان السلعة بالعيب عند البيع بالمرابحة
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬2). • وجه الدلالة: أن بيع المرابحة بيع قد استجمع شروط صحة البيع، ولم يترتب عليه مانع يمنع الصحة، فكان داخلا في عموم الإباحة التي ذكرها اللَّه في هذه الآية (¬3). الثاني: عن عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ". . . فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح البيع إذا خلا من الربا كيف شاء المتعاقدان، إذا تراضيا على العقد، سواء كان البيع برأس المال، أو أقل منه، أو أكثر على حد سواء (¬5). الثالث: أن الحاجة ماسة إلى هذا النوع من التصرف؛ لأن الأخرق الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد على فعل المهتدي، وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح، فوجب القول بجوازه (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 47] بيان نقصان السلعة بالعيب عند البيع بالمرابحة: • المراد بالمسألة: نقصان السلعة بأي لون من ألوان النقصان، سواء كان: ¬
بعيب، أو مرض، أو جناية، أو تلف، أو ولادة، أو كان بأخذ المشتري جزءا من العين كالصوف واللبن في الدابة، فإنه إذا أراد أن يبيع السلعة مرابحة، لا بد من بيان هذا النقصان الذي حدث، بإجماع العلماء، لا فرق في ذلك بين وقوعه عند البائع أو المشتري، ما لم يكن ذلك بغير اختيار المكلف. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [إذا حدث بالسلعة عيب في يد البائع، أو في يد المشتري، فأراد أن يبيعها مرابحة، ينظر: . . .، إن حدث -أي: العيب - بفعله، أو بفعل أجنبي، لم يبعه مرابحة حتى يُبيِّن بالإجماع] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أن يتغير بنقص، كنقصه بمرض، أو جناية عليه، أو تلف بعضه، أو بولادة، أو عيب، أو يأخذ المشتري بعضه، كالصوف واللبن الموجود ونحوه، فإنه يخبر بالحال على وجهه، لا نعلم فيه خلافا] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يتغير بنقص، كالمرض، والجناية عليه، أو تلف بعضه، أو الولادة، أو أن يتعيب، أو يأخذ المشتري بعضه، كالصوف واللبن ونحوه، فإنه يخبر بالحال، لا نعلم فيه خلافا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن البيع من غير بيانٍ لحدوث العيب لا يخلو من شبهة الغش والخيانة؛ لأن المشتري لو علم بالعيب الذي في السلعة، لربما لم يوافق على المرابحة فيه (¬5). ¬
48] بيان الشراء من العبد أو المكاتب عند البيع بالمرابحة
الثاني: أنه لما كانت السلعة عند البائع تامة كان لها جزء من الثمن، ولما حدث العيب في يده فقد احتبس عنده جزءا منه، فلا يملك بيع الباقي من غير بيان، وإلا كان جزءًا من الثمن لم يقابله شيء من المبيع، فكان فعله غشا وخديعة (¬1). • المخالفون للإجماع: إذا وقع في السلعة تغير، وكان التغير لا صنع للآدمي فيه، كالآفة السماوية، فقد خالف في هذه المسألة: أبو حنفية وصاحباه: محمد بن الحسن وأبو يوسف، وقالوا: لا يشترط بيان العيب (¬2). واستدل هؤلاء بما يلي: الأول: أن المشتري لم يحبس شيئا من المعقود عليه، كما لو تغير السعر. الثاني: أن الفائت في هذه الحالة وصف، فيكون تبعا للمبيع لا يقابله شيء من البدل (¬3)، بدليل أنه لو فات بعد العقد قبل القبض لا يسقط بهبته شيء من الثمن، فكان بيانه والسكوت عنه بمنزلة واحدة (¬4).Rصحة الإجماع في حالة ما إذا أراد أن يبيع السلعة مرابحة، وحدث عيب بفعل المتعاقدين أو أجنبي عنهما، فلا بد من بيانه عند البيع. أما إذا كان العيب بآفة سماوية لا صنع للآدمي فيها، فلا يثبت الإجماع؛ لوجود الخلاف فيها. وعليه فعبارة الكاساني في حكاية الإجماع أدق، أما عبارة ابن قدامة فمدخولة كما تبين. 48] بيان الشراء من العبد أو المكاتب عند البيع بالمرابحة: • المراد بالمسألة: إذا اشترى السيد من عبده أو مكاتبه سلعة، وأراد أن يبيعها مرابحة على الثمن الذي وقع بينهما، فإنه يجب عليه أن يبيِّن أنه اشتراها من عبده أو مكاتبه، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • السرخسي (483 هـ) يقول: [وإذ اشترى شيئا من أبيه، أو أمه، أو ولده، أو مكاتبه، أو عبده، أو اشترى العبد أو المكاتب من مولاه بثمن قد قام على العبد بأقل منه، لم يكن له أن يبيعه مرابحة إلا بالذي قام على البائع في العبد والمكاتب بالاتفاق] (¬1). • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو اشترى من مكاتبه أو عبده المأذون -وعليه دين أو لا دين عليه- لم يبعه مرابحة من غير بيان، بالإجماع] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا يجوز له بيع ما اشتراه من مكاتبه مرابحة، حتى يبين أمره، ولا نعلم فيه خلافا] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لو اشترى من مكاتبه، فإنه يجب عليه أن يبين أمره، لا نعلم فيه خلافا] (¬4). • الحداد (800 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو اشترى من مكاتبه، أو مدبَّره، أو عبده المأذون -سواء كان عليه دين أو لا- أو مماليكه اشتروا منه، فإنه لا يبيعه مرابحة حتى يبين] (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن بيع المرابحة يكون على ما يتيقن خروجه من ملكه في مقابلة هذا العين، وهو المدفوع إلى البائع الأول، فأما الربح الذي حصل لعبده ومكاتبه، فهو لم يقع فيه هذا اليقين، فلزم البيان فيه. الثاني: أن تهمة المسامحة بينهما متمكنة، فالعادة جرت بالتسامح في المعاملة مع العبيد والمكاتبين، وبيع المرابحة بيع أمانة ينفى عنه كل تهمة وشبهة خيانة، فلا بد فيه من البيان (¬6). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، والشافعية، وقالوا: يصح البيع على ¬
49] عدم لحوق ثمن الفداء للمبيع الجاني في بيع المرابحة
المرابحة إذا وقع شراؤه من عبده ومكاتبه من غير بيان. وزاد المالكية: ما لم تقع المحاباة بينهما (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: القياس على الشراء من الأجنبي، فكما أن العبد والمكاتب يملك، فالشراء منه كالشراء من الأجنبي (¬2).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 49] عدم لحوق ثمن الفداء للمبيع الجاني في بيع المرابحة: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري عبدا، ووقعت جناية منه، ففداه المشتري من ماله، ثم أراد أن يبيعه مرابحة، فليس له الحق في حساب هذا الفداء مع أصل المال، أو أن يخبر به مع الربح، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [فأما إن جنى المبيع، ففداه المشتري، لم يلحق ذلك بالثمن، ولم يخبر به في المرابحة، بغير خلاف نعلمه] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أما إذا جنى، ففداه المشتري، فإنه لا يلحق بالثمن، ولا يخبر به في المرابحة، بغير خلاف علمناه] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [وإن جنى ففداه المشتري، لم يلحق بالثمن، ولا يخبر به في المرابحة، بغير خلاف نعلمه] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وهو الأصح عند الشافعية (¬6). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا، وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته، فأشبه الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري (¬1). الثاني: أن الفداء جُعِل لاستبقاء الملك، وقُصِد به بقاء عينه، ولم يُقْصد به طلب الربح، فلم يُضفْ إلى الثمن، كعلف البهيمة (¬2). الثالث: أن عادة التجار وعرفهم لم تجر بإلحاق هذه المؤن برأس المال، والعادة محكمة (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة الشافعية في وجه عندهم، حيث قالوا: إن العبد الجاني إذا فداه المشتري، فإنه يتعين إدخال الفداء في بيع المرابحة (¬4). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن الفداء يعتبر عوضا عن جزء يتناوله البيع، فلزمه إدخاله عند المرابحة، كأرش العيب (¬5).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
50] الإخبار بزيادة الثمن أو نقصانه في زمن الخيار عند بيع المرابحة
50] الإخبار بزيادة الثمن أو نقصانه في زمن الخيار عند بيع المرابحة: • المراد بالمسألة: لو اشترى شخص سلعة، وانعقد البيع على ثمن مسمى، ثم طرأت زيادة أو حط على الثمن المسمى، وكان ذلك في زمن الخيار، وتم قبول هذه الزيادة أو الحط، ثم أراد المشتري بيع السلعة مرابحة، فإن عليه أن يخبر بالزيادة أو الحط مع الثمن المعقود عليه، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإذا أراد الإخبار بثمن السلعة، فإن كانت بحالها، لم تتغير، أخبر بثمنها، وإن حط البائع بعض الثمن عن المشتري، أو استزاده. . .، وكان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد، وأخبر به في الثمن. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إن البائع إذا أراد الإخبار بثمن السلعة، وكانت بحالها لم تتغير، أخبر بثمنها، فإن تغير سعر السلعة، بأن حط البائع بعض الثمن عن المشتري، أو استزاده في مدة الخيار، لحق بالعقد، وأخبر به في الثمن. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع بدليل من المعقول، وهو: أن المبيع وإن كان قد انتقل إلى المشتري، إلا أن البيع لم يستقر بينهما، فيلحق بالثمن ما حدث من تغير في المبيع، وإلا كان جزء من البيع لم تتم المعاوضة عليه، فيختل ركن من أركان البيع (¬4). ¬
51] جواز بيع المتماثلات التي ينقسم ثمنها عند بيع المرابحة
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: أبو علي الطبري (¬1) من الشافعية (¬2)، وكذا ابن حمدان (¬3) من الحنابلة (¬4)، وقالا: إن قلنا بأن المبيع ينتقل في زمن الخيار إلى المشتري، فإن الزيادة أو النقصان لا تلحقان برأس المال. واستدل هؤلاء: بأن المبيع قد ملكه المشتري بالثمن الأول، فلم يتغير ما طرأ عليه من زيادة أو نقصان بعده، وعليه فلا تضاف عند البيع بالمرابحة (¬5). وهذان القولان هما روايتان مخرجتان على القول بأن المبيع في زمن الخيار ينتقل إلى المشتري، ولا يبقى في ملك البائع. والتخريج لا يعتد به إذا خالف إجماعا في المسألة (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم الاعتداد بالمخالفة. 51] جواز بيع المتماثلات التي ينقسم ثمنها عند بيع المرابحة: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري شيئين صفقة واحدة، ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئا واحدا، فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، بالثمن الذي أداه فيه، فإن كان المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن ¬
عليها بالأجزاء، كالمكيل والموزون، وهو صنف واحد غير مختلف، كالبر أو الشعير مثلا، فإنه يجوز له بيع نصيبه مرابحة بقسطه من الثمن، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن اشترى شيئين صفقة واحدة، ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئا، فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، بالثمن الذي أداه فيه، فذلك قسمان. . .، القسم الثاني: أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها بالأجزاء، كالبر والشعير المتساوي، فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن. وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬1). نقله عنه المرداوي (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إذا اشترى شيئين صفقة واحدة، ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئا، فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، بالثمن الذي أداه فيه، فإن كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب ونحوها، لم يجز حتى يبين الحال على وجهه. . .، وإن كان من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالأجزاء، كالبر والشعير المتساوي، جاز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن، لا نعلم فيه خلافا] (¬3). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يبين ذلك للمشتري في تخبيره. . .، فإن كانت من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالأجزاء، كأكثر المتساويين، جاز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن، بغير خلاف نعلمه] (¬4). نقله عنه البهوتي (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذه المسألة: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬6). ¬
52] جواز بيع المرابحة في الشيئين إذا كانا مسلما فيهما صفقة واحدة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ثمن الجزء الباقي معلوم يقينا لكلا المتعاقدين، فانتفت الجهالة، وكان له الحق في التصرف بنصيبه، قياسا على جواز بيع القفيز من الصبرة (¬1). الثاني: أن القسمة وإن كانت لا تخلو عن معنى المبادلة حقيقة، لكن معنى المبادلة في قسمة المتماثلات ساقط شرعا؛ لأنه بعد القسمة يكون فيها تمييزا لنصيب كل واحد منهما، وإفرازا محضا، وإذا كان كذلك فما يصل إلى كل واحد منهما كأنه عين ما كان له قبل القسمة، فجاز له أن يبيع نصيبه مرابحة قبل القسمة، كذا بعدها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 52] جواز بيع المرابحة في الشيئين إذا كانا مسلما فيهما صفقة واحدة: • المراد بالمسألة: يجوز أن يبيع المسلم فيه على وجه المرابحة إذا كان في شيئين قد اتفقا في الجنس والنوع والصفة والطول، ثم باعهما جميعا من غير تفرقة، ومن غير أن يبين حصة كل واحد من رأس المال، أو باع جزءا معلوما وبين حصته من رأس المال، وهذا مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين متفقين من جنس واحد، ونوع واحد، وصفة واحدة، وطول واحد، حتى جاز السلم بالإجماع، ولم يبين حصة كل واحد منهما من رأس المال، فحل الأجل، له أن يبيعهما جميعا مرابحة على العشرة، بلا خلاف. . .، ولو كان بين حصة كل واحد من الثوبين من رأس المال، جاز أن يبيع أحدهما مرابحة على خمسة، بالإجماع] (¬2). ¬
53] ثبوت الخيار عند الخيانة في بيع المرابحة
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن كل قسط من الصفقة معلوم علما يرفع الخلاف عند وقوعه، وإذا ارتفعت الجهالة التي تكون سببا في المنازعة، صح العقد. الثاني: القياس على المكيلات والموزونات المتماثلة، فكما يصح بيعها مع اتحاد الصفقة، فكذلك في المسألة معنا، بجامع إمكان انقسام الثمن في كل منهما (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 53] ثبوت الخيار عند الخيانة في بيع المرابحة: • المراد بالمسألة: إذا تبيَّن للمشتري أن البائع قد خدعه في بيع المرابحة، كأن يكون قد اشترى السلعة نسيئة، ولم يبيّن له أنه قد اشتراها كذلك، أو اشتراها تولية ولم يبيِّن ذلك، فإنه يثبت للمشتري الخيار في هذه الحالة، بإجماع العلماء، فإن شاء أخذها على الثمن، وإن شاء ردها. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [فإن ظهرت -أي: الخيانة- في صفة الثمن، بأن اشترى شيئا بنسيئة، ثم باعه مرابحة على الثمن الأول، ولم يُبيِّن أنه اشتراه بنسيئة، أو باعه تولية ولم يبين، ثم علم المشتري، فله الخيار بالإجماع، إن شاء أخذه، ¬
وإن شاء رده] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في رواية، والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المرابحة عقد بُني على الأمانة، فالمشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثمن الأول، فكانت الأمانة مطلوبة في هذا العقد، والصيانة عن الخيانة مشروطة دلالة، ففواتها يوجب الخيار، قياسا على فوات السلامة عن العيب، وعلى ما إذا صالح على دين بألف له على إنسان في عبد، ثم باعه مرابحة على الألف، ولم يبين للمشتري أنه كان بدل الصلح فله الخيار (¬3). الثاني: أن للأجل شبهة بالمبيع، ألا ترى أنه يزاد في الثمن لأجل الأجل، والشبهة في هذا ملحقة بالحقيقة، فصار كأنه اشترى شيئين، وباع أحدهما مرابحة بثمنهما، والإقدام على المرابحة يوجب السلامة عن مثل هذه الخيانة، فإذا ظهرت ثبت الخيار (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية في رواية عندهم، وهو المذهب عند الحنابلة، فقالوا: إن المشتري ليس له الخيار، لكن المالكية قالوا: البيع مردود، والحنابلة قالوا: يأخذ بالأجل (¬5). ¬
54] جواز شراء العبد بنية العتق من غير شرط
ويمكن أن يستدل للمالكية: بأنه لما وقعت الخيانة من البائع، فإن الرضا منعدم في هذه الحالة، فيكون العقد قد اختل فيه شرط من شروطه، فيرد البيع. واستدل الحنابلة: بالقياس على الإخبار بزيادة الثمن، فإنه تلزمه الزيادة، ولا خيار له (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 54] جواز شراء العبد بنية العتق من غير شرط: • المراد بالمسألة: إذا اشترى العبد وكان من نيته أن يعتقه، ولم تكن هذه النية شرطا مُتَلفظا به بينهما، فإن البيع صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [اتفقوا على أنه إذا اشترى عبدا بنية أن يعتقه من غير أن يشترط ذلك، فإن البيع صحيح] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل عقلي، وهو: القياس على البيع: فكما أن البيع لا يعتد به إذا نواه صاحبه، فكذلك العتق إذا نواه بعد الشراء لا يعتد به، وذلك أن التصرفات في العقود لا تترتب على النيات وحدها ما لم يقترن بها قول أو عمل.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
55] وقوع العتق عند الشراء مع شرط الخيار
55] وقوع العتق عند الشراء مع شرط الخيار: • المراد بالمسألة: إذا قال قائل: إن اشتريتُ عبدا فهو حر، وقال ذلك على سبيل المواعدة، فوقع الشراء لكنه كان بشرط الخيار من قِبَله، فإنه العبد يعتق من حين الشراء، ويبطل خياره، ويلزمه دفع الثمن إلى البائع، بإجماع العلماء (¬1). • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو قال لعبد الغير: إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، عتق عليه بالإجماع] (¬2). • الحداد (800 هـ) يقول: [وأجمعوا أنه إذا قال لعبد الغير: إذا اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار عتق، وبطل خياره، ولزمه الثمن] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(. . . إذا قال: إن اشتريتُ) عبدا فهو حر، فاشتراه بالخيار، يعتق عليه، ويبطل خياره، ويلزمه الثمن بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لو قال: إن اشتريت عبدا فهو حر، فاشترى عبدا بشرط الخيار، فإنه يعتق بالاتفاق] (¬5). نقله عنه ابن عابدين (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬7). ¬
56] عدم لزوم حضور المشتري عند فسخ العقد بالفعل زمن الخيار
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه صار كالمنشئ للعتق بعد الشراء؛ إذ المعلق بالشرط كالمنشَئ عنده، ولو أنشأ العتق بعد الشراء بالخيار عتق، فكذلك هنا (¬1). الثاني: أن المشتري ألزم نفسه بأمر علقه على وجوده، فوجب عليه الوفاء به في حال وجوده، ووقوعُه يعد بعد الشراء مباشرة، ولا عبرة بزمن الخيار؛ لأنه لا صلة له بما التزمه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 56] عدم لزوم حضور المشتري عند فسخ العقد بالفعل زمن الخيار: • المراد بالمسألة: مسقطات الخيار لمن له حق الخيار منها ما هو صريح، ومنها ما هو دلالة، والدلالة متعلقة بالفعل، وهي: أن يوجد منه تصرف في الثمن يدل على الفسخ، مثل: إعتاق العبد، وبيع العين، ووطء الجارية، وتقبيلها لشهوة، وأشباه تلك التصرفات، فإذا وقعت مثل هذه التصرفات من قبل البائع، والخيار له، فإن العقد ينفسخ، ولا يشترط حضور المشتري، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [وأما الفعل: فكما إذا تصرف في المبيع في مدة الخيار تصرف الملاك: كالإعتاق، والبيع، والتقبيل، ونحو ذلك، فإن العقد ينفسخ حكما، حضر المشتري أو لا، بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وأما الفسخ بالفعل: فيجوز بغير علمه -أي: المشتري- اتفاقا] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) لما ذكر الخلاف بين علماء المذهب في حكم الفسخ بالقول قال بعده: [أما إذا فسخ بالفعل، فإنه ينفسخ حكما، اتفاقا في الحضرة والغيبة] (¬4). ¬
57] استبراء المشتري الجارية بعد إجازة البيع في وقت الخيار
• الحصكفي (1088 هـ) يقول: [(فإن فسخ) بالقول (لا) يصح (إلا إذا علم) الآخر في المدة. . .، قيدنا بالقول، لصحته بالفعل بلا علمه، اتفاقا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن كل من لم يفتقر رفع العقد إلى رضاه، لم يفتقر رفع العقد إلى حضوره؛ كالزوج في طلاق امرأته (¬3). . . . الثاني: أن ما كان فسخا بحضور المتعاقدين، كان فسخا بغيبة أحدهما: كوطء البائع، وقبلته للجارية المبيعة (¬4). الثالث: القياس على عزل الوكيل والمضارب والشريك: فكما لا يشترط علم هؤلاء بالفسخ، فكذلك الطرف الآخر في زمن الخيار، بجامع أن كلا منهما يعتبر فسخا حكميا للعقد (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 57] استبراء المشتري الجارية بعد إجازة البيع في وقت الخيار: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع الجارية بشرط الخيار له، ثم أجاز البيع بعد ذلك، فحينئذ يجب على المشتري أن يستبرئ الجارية بحيضة بعد الإجازة والقبض، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وإن كان الخيار للبائع، ففسخ العقد لا يجب عليه الاستبراء. . .، وإن أجازه فعلى المشتري أن يستبرئها بعد الإجازة والقبض ¬
بحيضة أخرى، بالإجماع] (¬1). • الحداد (800 هـ) يقول: [وإن كان الخيار للبائع ففسخ لا يجب الاستبراء. . .، فإن أجاز البيع فعلى المشتري أن يستبرئها بعد جواز البيع والقبض بحيضة مستأنفة إجماعا] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [ولو كان الخيار للبائع ففسخ في المدة، فظاهر الرواية أنه لا يجب عليه استبراء. . .، وإن أجازه فعلى المشتري استبراؤها بحيضة بعد الإجازة بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية على المشهور عندهم، والحنابلة في رواية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ملك المشتري لها في زمن الخيار ملك ضعيف، فلا يعتد بالحيضة السابقة في الاستبراء (¬5). الثاني: أن المقصود من الاستبراء حفظ الأنساب حتى لا تضيع، فكان من الاحتياط عدم الاعتداد بالحيضة السابقة. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، والشافعية في رواية عندهم، والحنابلة على المشهور عندهم، وقالوا بأنه لا حاجة للاستبراء مرة أخرى بعد إجازة البائع البيع (¬6). ¬
58] لزوم العقد المترتب على رؤية متقدمة
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن ملك المشتري عليها يعتبر ملكا تاما، ويدل لذلك: أنه لو أعتقها، أو كاتبها، أو وهبها، كان ذلك جائزا، وإذا قيل بتمام الملك كان الاستبراء يبدأ من حين وقوع العقد (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 58] لزوم العقد المترتب على رؤية متقدمة: • المراد بالمسألة: حين يرى المتعاقدان المبيع قبل العقد ويعرفانه معرفة تامة، ويمضي وقت لا تتغير فيه العين؛ كالعقار والأواني والحديد وأشباهها، ثم وقع العقد بينهما، فإن العقد صحيح بناء على الرؤية السابقة، فإن وجدها المشتري على صفتها التي رآها عليها، لزمه البيع، وإن تغيرت ثبت له الخيار، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن العين إذا كانا رأياها وعرفاها، ثم تبايعاها بعد ذلك أن البيع جائز، ولا خيار للمشتري إن وجدها على الصفة التي كان عرفها، فإن تغيرت فله الخيار] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية على المشهور ¬
عندهم، وهو رأي ابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه" (¬2). وجه الدلالة في الحديث من وجهين: أولًا: الحديث بمنطوقه يدل على إثبات الخيار لمن لم ير المبيع. ثانيًا: الحديث يدل بمفهومه على أن من اشترى العين التي رآها فليس له الخيار (¬3). الثاني: أن العين معلومة عندهما بالرؤية السابقة، فتشبه ما لو شاهداها حال العقد، والمشترط في البيع إنما هو العلم، والرؤية طريق للعلم، ولهذا يكتفى في المبيع بالصفة المحصلة للعلم (¬4). الثالث: أن الخيار ثبت للمشتري في حال تغيُّر المبيع، قياسا على حدوث العيب في العين، فإن للمشتري الخيار، بجامع أن المشتري اشترى السلعة على ¬
59] منع خيار الرؤية في السلم
صفة لم تكن عليه عند التعاقد (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في قول، والحنابلة في رواية، وهو قول الحكم وحماد من التابعين، قالوا: لا يجوز العقد حتى يرياها عند التعاقد. وعند الشافعية في وجه أنه لو جاز البيع، وتبيّن للمشتري تغيره، فإنه لا خيار له، بل البيع باطل؛ لتبين انتفاء المعرفة (¬2). واستدل المخالفون بدليل، هو: أن الرؤية لما كانت شرطا في صحة العقد، وجب أن تكون موجودة حال العقد، كالصفة في بيع السلم، والشهادة في النكاح (¬3). أما قول الشافعية فاختاره أبو القاسم الأنماطي (¬4)، وعده الماوردي والنووي من الأقوال الشاذة المردودة (¬5).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها 59] منع خيار الرؤية في السلم: • المراد بالمسألة: إذا وقع عقد السَّلَم بين طرفين، فإنه لا يثبت خيار الرؤية بينهما في المُسلم فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [. . . (وكذا لا يثبت فيه) أي: في السلم (خيار ¬
رؤية) بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن خيار الرؤية في هذه الحالة غير مفيد، فهو دين في الذمة، فكلما رده عليه بخيار الرؤية أعطاه غيره؛ لكونه لا يتعين، فلا يفيد (¬3). الثاني: أن إعلام الدين لا يكون إلا بذكر الصفة، فقام ذكر الصفة مقام العين، فلا يتصور خيار الرؤية فيه (¬4). ¬
60] انتقال خيار فوات الوصف إلى الورثة
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 60] انتقال خيار فوات الوصف إلى الورثة: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري السلعة على أن فيها وصفا معينا -كأن يشتري العبد على أنه خباز أو كاتب- فبان خلاف ذلك، فإن الخيار يثبت في حقه، فإذا مات قبل المطالبة بحقه، فإن الخيار من حق الورثة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [ولو مات هذا المشتري -أي: الذي اشترى عبدا على أنه خباز فبان خلاف ذلك فثبت له الخيار- انتقل الخيار إلى ورثته إجماعا] (¬1). نقله عنه ابن نجيم، والشلبي (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه خيار متعلق بالمال، مقصود منه دفع الضرر عن الوارث، وليس ¬
61] تحالف وتراد المتبايعين المختلفين في الثمن
متعلق بالموروث، وما كان كذلك فإنه يدخل في الميراث، فيرثه الورثة (¬1). الثاني: القياس على خيار الرد بالعيب؛ فكما أنه يورث فكذلك الخيار المتعلق بفوات الوصف، بجامع أن كلا منهما ثبت لدفع الضرر عن المال (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 61] تحالف وترادُّ المتبايعين المختلفين في الثمن: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان السلعة، ثم اختلفا في قدر الثمن، قال البائع: بعتك بألف ريال، وقال المشتري: بل بعتني بسبعمائة ريال، وكانت السلعة قائمة كما هي لم تتغير بزيادة ولا نقصان، ولم تتعرض لتلف، ولم يكن لأحدهما بيّنة على الآخر، فإنه حينئذ يحلف البائع: واللَّه ما بعتك بكذا ولكن بكذا، ويحلف المشتري: واللَّه ما بعتني بكذا ولكن بكذا، فإذا تحالفا ولم يقع النكول من أحدهما، فإنه يتم الفسخ بعد هذا، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا اختلف المتبايعان في الثمن، والسلعة قائمة، أنهما يتحالفان ويترادَّان] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وإذا اتفق المتبايعان على البيع، واختلفا في مقدار الثمن، ولم تكن هناك بيِّنة، ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان، ويتفاسخان بالجملة] (¬5). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [إذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن، ولا بيِّنة، تحالفا بالاتفاق] (¬6). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [وإذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن، ولا بيِّنة، تحالفا بالاتفاق] (¬7). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: ما جاء أن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- باع من الأشعث بن قيس (¬2) رقيقا من رقيق الإمارة، فاختلفا في الثمن، فقال ابن مسعود: بعتك بعشرين ألفا، وقال الأشعث بن قيس: إنما اشتريت منك بعشرة آلاف، فقال عبد اللَّه: إن شئت حدثتك بحديث سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: هاته، قال: فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، والبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع" قال: فإني أرى أن أرد البيع، فردَّه (¬3). ¬
الثاني: أن البائع لم يُقرَّ بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة لا يُصَدِّقه عليها المبتاع، وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك إليه إلا بصفة لا يُصَدقه عليها البائع، والأصل أن السلعة للبائع، فلا تخرج عن ملكه إلا بيقين من إقرار أو بينة، وإقراره منوط بصفة لا سبيل إلى دفعها؛ لعدم بينة المشتري بدعواه، فيتحالفان ويترادان (¬1). الثالث: أما الوجه في التحالف فهو: أن كل واحد منهما مدعى عليه، فيجب على كل واحد منهما اليمين لنفي ما ادعي عليه، وهذا مفهوم من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اليمين على المدعى عليه" (¬2) (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال، هي: القول الأول: أن القول قول البائع. قال به ابن مسعود (¬4)، والشعبي (¬5)، وابن سريج من الشافعية (¬6)، ورواية عن الإمام أحمد مال إليها الزركشي من الحنابلة، وزاد أبو داود فيها: "أو يترادان" (¬7). وهذه الرواية عند الحنابلة نصوا فيها على أن القول قوله مع يمينه (¬8). واختار هذا القول الصنعاني (¬9). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: ¬
الأول: ما جاء عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة، أو يترادان" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الأمر عند النزاع إلى صاحب السلعة وهو البائع. الثاني: أن السلعة كانت للبائع، والمشتري يدعي نقلها بعوض، والبائع ينكره إلا بالعوض الذي عينه، فالقول قول المنكر (¬2). أما دليل اليمين: فلأن من القواعد المقررة شرعا، أن من كان القول قوله، فعليه اليمين (¬3). القول الثاني: أن القول قول المشتري. قال به: أبو ثور وداود الظاهري، وهو رواية عند الحنابلة (¬4). واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: أنهما متفقان على حصول الملك للمشتري، لكن البائع يدعي عليه عوضا، والمشتري ينكر بعضه، فيكون القول قول المنكر، وهو المشتري (¬5). القول الثالث: إن كان الاختلاف في الثمن قبل القبض تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري. وهذا رواية عن الإمام مالك (¬6)، ورواية عند الحنابلة أيضا (¬7). وهؤلاء يستدلون بما كان قبل القبض: بالأدلة التي في مستند الإجماع. وأما ما ¬
62] جواز تراضي المختلفين على رد السلعة
كان بعد القبض: فيستدلون بدليل القول الثاني (¬1). القول الرابع: إن كانت السلعة المَبيعة معروفة للبائع ببيِّنة، أو بعلم الحاكم -لا فرق في هذا بين أن يكون الثمن أو السلعة في يد البائع أو المشتري- أو كانت غير معروفة إلا أنها في يده، والثمن عند المشتري، فإن القول في كل هذا قول مُبْطِلُ البيع منهما -كائنا من كان- مع يمينه؛ لأنه مُدَّعى عليه عقد بيع لا يُقرُّ به، ولا بينة عليه به، فليس عليه إلا اليمين بحكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باليمين على المدعى عليه. وإن كانت السلعة في يد المشتري، وهي غير معروفة للبائع، وكان الثمن عند البائع بعد، فالقول قول مُصَحح البيع منهما -كائنا من كان- مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه نقل شيء عن يده، ومن كان في يده شيء فهو في الحكم له، فليس عليه إلا اليمين. وإن كانت السلعة والثمن معا في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه. وإن كانت السلعة بيد البائع والثمن بيد المشتري، فهنا كل واحد منهما مدعى عليه، فيحلف البائع باللَّه ما بعتها منه كما يذكر ولا بما يذكر، ويحلف المشتري باللَّه ما باعها مني بما يذكر ولا كما يذكر، ويبرأ كل واحد منهما من طلب الآخر، ويبطل البيع. وهذا التفصيل اختاره ابن حزم، ونقله عن إياس بن معاوية (¬2) (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 62] جواز تراضي المختلفين على رد السلعة: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان، ثم اختلفا على أمر من الأمور المتعلقة بالعقد سواء كان الاختلاف راجعا إلى الثمن أو المثمن، ثم رضي كل منهما على ¬
أن يرد لصاحبه حقه، فهذا أمر جائز لا حرج فيه، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [وقد استدل بالحديث -أي: حديث ابن مسعود- من قال: إن القول قول البائع إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد، ولكن مع يمينه -كما وقع في الرواية الآخرة-، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على الترادّ، فإن تراضيا على ذلك، جاز بلا خلاف] (¬1). نقله عنه المباركفوري (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان" (¬4). ¬
63] فسخ البيع الفاسد ورده
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر حكم البيِّعين عند الاختلاف، ومفهوم اللفظ أنه عند التراضي فالأمر لهما. الثاني: القياس على ابتداء العقد بينهما: فكما أنه قائم على التراضي بينهما، فكذلك إنهاء العقد بينهما إذا تراضيا عليه؛ لأن الأمر إليهما لا يعدوهما.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 63] فسخ البيع الفاسد ورده: • المراد بالمسألة: البيع الباطل والفاسد عند جمهور العلماء بمعنى واحد، وهو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بوصف العقد بمخالفة الشرع (¬1): إما بفوات ركن، أو اختلال شرط، أو وجود مانع. أما عند الحنفية فهم يفرقون بين الباطل والفاسد، ويقولون بأن الباطل: ما كان ممنوعا بأصله ووصفه. أما الفاسد: فما كان مشروعا بأصله ممنوعا بوصفه (¬2). والمقصود هنا: أن العقد إذا وقع فاسدًا أو باطلًا، فإنه محرم، وإذا بقي على حاله، من غير تغير بزيادة أو نقصان ونحوها، فإنه يجب فسخه، ورد الثمن إلى البائع، ورد المثمن إلى المشتري، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الباجي (474 هـ) يقول: [من ابتاع شيئا من الحيوان، أو العروض، ابتياعا غير جائز -أي: فاسدا- فيرد لأجل فساده، فإن المبتاع يرد على البائع، وهذا يقتضي رد البيع الفاسد، ولا خلاف في ذلك] (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق، أن حكمها الرد، أعني: أن يرد البائع الثمن، والمشتري المثمون] (¬4). ¬
• ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وقول القائل: إنه شرعي -أي: البيع المنهي عنه- إن أراد أنه يسمى بما أسماه به الشارع، فهذا صحيح. وإن أراد أن اللَّه أذن فيه، فهذا خلاف النص والإجماع. وإن أراد أنه رتب عليه حكمه، وجعله يحصل المقصود، ويلزم الناس حكمه كما في المباح، فهذا باطل بالإجماع] (¬1). • ابن جزي (741 هـ) يقول: [إذا وقع البيع الفاسد، فسخ، ورد البائع الثمن، ورد المشتري السلعة إن كانت قائمة، باتفاق] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (¬4). • وجه الدلالة: الخبيث: لفظ عام يشمل الخبث في جميع الأمور، ومنه: المحرم من العقود. بيَّن -سبحانه- أنه لا يساوى بالطيب أبدا، بل صاحبه لا يفلح، ولا تحسن عاقبته بسبب مقارفته للمحرم، ثم أمر اللَّه بأن نتقيه في اجتناب الحرام والبعد عنه، وارتكاب الطيب والانتفاع به، فيدخل في ذلك البيع الفاسد (¬5). الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (¬6). ¬
64] وجوب استبراء الجارية بعد قبض المشتري في البيع المفسوخ وعدم لزومه قبل القبض
• وجه الدلالة: أن البيع الفاسد مخالف لأمر الدين والشرع، فهو مردود على صاحبه (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 64] وجوب استبراء الجارية بعد قبض المشتري في البيع المفسوخ وعدم لزومه قبل القبض: • المراد بالمسألة: إذا باع الجارية، ثم فسخ المشتري العقد بأي لون من ألوان الفسخ، سواء كان بإقالة أو بعيب أو نحوها، فإذا كان بعد قبض المشتري الجارية، فلا بد للبائع من استبراء الأمة، وإن كان قبل القبض، فلا يلزمه الاستبراء بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الزيلعي (743 هـ) يقول: [. . . لو كان البيع باتًّا، ثم تفاسخا بإقالة أو غيره، فإنه يجب عليه الاستبراء بعد القبض قياسا واستحسانا، وقبل القبض يجب قياسا، وفي الاستحسان لا يجب، إجماعا] (¬2). • البابرتي (786 هـ) يقول: [وأجمعوا في البيع البات يفسخ بإقالة أو غيرها، أن الاستبراء واجب على البائع، إذا كان الفسخ قبل القبض قياسا، وبعده قياسا واستحسانا] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (¬4). • الحداد (800 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن العقد لو كان باتا، ثم فسخ العقد بإقالة أو غيرها، إن كان قبل القبض لا يجب على البائع الاستبراء، وإن كان بعده وجب] (¬5). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وأجمعوا أن العقد لو كان باتًّا، ثم فسخ بإقالة أو غيرها، إن كان قبل القبض، فالقياس أن يجب على البائع الاستبراء، وفي ¬
65] تحريم بيع الطعام قبل قبضه
الاستحسان غير واجب، وإن كان بعد القبض، فالاستبراء واجب قياسا واستحسانا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الجارية خرجت من ملكه ويده، وثبت حلها للغير، وهو المشتري، فإذا عادت إليه لزمه استبراء جديد، قياسا على استبرائه لها ابتداء (¬3). الثاني: أن الاستبراء في الجارية إنما وجب كي لا يفضي إلى اختلاط المياه، وامتزاج الأنساب، ومظنة ذلك عند تجدد الملك على رقبتها، كما هو حال البائع والمشتري (¬4). الثالث: أما قبل القبض: فالاستبراء إنما هو من أجل إثبات براءة الرحم، وفي هذه الحالة الرحم مأمون الجانب، فلا حاجة إليه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 65] تحريم بيع الطعام قبل قبضه: • المراد بالمسألة: التصرف في المبيع قبل قبضه معاوضة، والمبيع طعام غير الماء، وهو مما يحتاج إلى توفية -وهو ما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا- وأراد بيعه لغير بائعه، لا يجوز، بإجماع العلماء. وإذا كان ذلك بعد القبض، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما، فليس له أن يبيعه حتى يقبضه] (¬1). ويقول أيضا: [وثبت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض، وهذا قول عوام أهل العلم] (¬2). نقل العبارة الأولى ابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وابن القيم (¬3). • الطحاوي (321 هـ) يقول: [ووجه آخر: أنا رأينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نهى عن بيع الطعام حتى يقبض، وأجمع المسلمون على ذلك] (¬4). • الجصاص (370 هـ) يقول: [. . . لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية -يعني قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬5) - وإن كان مخرجها مخرج العموم، فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم يقبض. . .] (¬6). ويدخل فيه الطعام دخولا أوليًّا. • الخطابي (388 هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على أن الطعام، لا يجوز بيعه قبل القبض] (¬7). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من باع سلعة ملكها بعد أن قبضها، ونقلها عن مكانها، وكالها إن كانت مما يكال؛ فإن ذلك جائز] (¬8). نقله عنه ابن القطان (¬9). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا خلاف فيه بين العلماء في الطعام كله، ¬
والإدام كله، مقتات وغير مقتات، مُدَّخر وغير مدخر، كل ما يؤكل أو يشرب، فلا يجوز بيعه عند جميعهم، حتى يستوفيه مبتاعه] (¬1). ويقول أيضا: [ولم يختلف العلماء في كل ما يكال أو يوزن من الطعام كله والإدام، أنه لا يجوز بيعه لمن ابتاعه على الكيل والوزن، حتى يقبضه كيلا أو وزنا] (¬2). وقال في موضع آخر: [أما بيع الفاكهة رطبها ويابسها، فلا أعلم خلافا بين فقهاء العراق والحجاز والشام والمشرق والمغرب أنه لا يباع شيء منها قبل القبض -وهو الاستيفاء-] (¬3). ويقول أيضا: [. . . إجماع العلماء على أنه لو استوفاه بالكيل أو الوزن إلى آخره، لجاز له بيعه في موضعه] (¬4). وفي موضع آخر لما ذكر حديث ابن عمر "من ابتاع طعاما فلا. . . " قال: [هذا حديث صحيح الإسناد، مجتمع على القول بجملته] (¬5). نقل عنه العبارة الثالثة ابن القطان (¬6). • البغوي (516 هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما، لا يجوز له بيعه قبل القبض] (¬7). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [. . . ما لا يدخل فيه اختلاف. . . كل ما كان من الأطعمة، فلا يجوز بيعه قبل استيفائه] (¬8). • العمراني (558 هـ) يقول: [فإن كان طعاما، لم يجز بيعه قبل قبضه بلا خلاف] (¬9). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الطعام إذا اشتري مكايلة أو موازنة أو معاددة، فلا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه من آخر، أو يعاوض به حتى يقبضه الأول، وأن القبض شرط في صحة هذا البيع] (¬10). • الكاساني (587 هـ) يقول: [لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل ¬
القبض، بالإجماع] (¬1). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون على منع ذلك، إلا ما يحكى عن عثمان البَتِّي] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه. . .، ولم أعلم بين أهل العلم خلافا، إلا ما حكي عن البتِّي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه] (¬3). نقله عنه العيني (¬4). • ابن شداد (¬5) (632 هـ) يقول: [وقد اتفق العلماء على أن من ابتاع طعاما، لا يجوز له بيعه قبل القبض] (¬6). • سبط ابن الجوزي (¬7) (654 هـ) يقول: [واتفقوا على عدم جواز بيع المنقول قبل القبض] (¬8). • النووي (676 هـ) يقول: [أما مذهب عثمان البتِّي فحكاه المازري والقاضي، ¬
ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وكل ما لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، لا يجوز له بيعه حتى يقبضه. . .، ولم نعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا، إلا ما حكي عن البتِّي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه] (¬2). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [. . . اتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [بيع المنقول قبل القبض، لا يجوز بالإجماع] (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه قال: كنا في زمان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه، إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (¬5). الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" (¬6). الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله" (¬7). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبضه المشتري من البائع، والنهي يقتضي التحريم. • المخالفون للإجماع: حُكي الخلاف في المسألة عن عثمان البَتِّي، وعطاء بن أبي رباح، ونقل عنهم أنهم كانوا يقولون بجواز بيع كل شيء قبل قبضه (¬8). ¬
ولعلهم يستدلون: بأن الأصل في البيوع أنها على الإباحة، والملك للسلعة يتحقق بالعقد الذي هو قائم على الإيجاب والقبول، فإذا تحقق ذلك فله حق التصرف بها كيفما شاء. أما قول عثمان: فقد جزم بشذوذه جماعة من العلماء، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن القيم (¬1)، ولعله لم يبلغه الخبر في هذا، أو لم يصح ذلك عنه. أما قول عطاء فلم أجد من نسبه إليه إلا ابن حزم، وهذا يشهد لضعف هذه النسبة إليه، خاصة وأن عطاء أشهر من عثمان، فكيف يحكي عامة العلماء الخلاف عن عثمان دونه، وينفرد ابن حزم بنسبته إليه! ! ويضاف إلى هذا أن عطاء هو راوي الحديث عن حكيم بن حزام (¬2)، والذي جاء فيه النهي صريحا في المسألة، ثم إنه رَوى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء ما يخالف ما ذكر ابن حزم (¬3)، ولو ثبت ما ذكر ابن حزم لحُكم بشذوذه.Rثبوت الإجماع في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة، أو عدم ثبوتها. أما ما ذكره الحنفية -الكاساني والعيني وسبط ابن الجوزي- من حكاية الإجماع على المنقول عموما فهو غير صحيح؛ لأن من العلماء من خالف فقال: إن المحرم المفسد للبيع هو بيع الطعام دون غيره من الأشياء قبل قبضه، وما عداه فيبقى على الجواز. قال به المالكية وهو رواية عند الحنابلة (¬4). واختار هذا القول ابن المنذر (¬5). ¬
66] بيع المشتري السلعة قبل قبضها على البائع أو توكيله في بيعها
66] بيع المشتري السلعة قبل قبضها على البائع أو توكيله في بيعها: • المراد بالمسألة: المشتري إذا أراد أن يبيع السلعة التي لم يقبضها على البائع، فإن البيع باطل وينقض البيع الأول، ولو وكله في البيع لم تصح الوكالة، ولا ينقض البيع الأول، أما البيع الثاني فغير صحيح، كل هذا مجمع عليه. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) لما تكلم عن صور بيع المبيع قبل قبضه، قال: [ولو قال المشتري -أي: بعد شرائه للسلعة، وقبل قبضه لها - للبائع: بعه لي، لم يكن نقضا بالإجماع. وإن باعه لم يجز بيعه. ولو قال: بعه لنفسك، كان نقضا بالإجماع] (¬1). • الموافقون للإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في المشهور عندهم، وهو رأي ابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ: "حتى يقبضه" (¬3). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يكتاله" (¬4). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النهي في الحديثين جاء عاما، فلا فرق بين أن يبيعه لبائعه، أو لغيره، أو يوكله في البيع. ¬
67] تلف المكيل والموزون في مدة الخيار قبل القبض من ضمان البائع
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه عندهم، والحنابلة في رواية عندهم اختارها ابن تيمية وابن القيم، قالوا: بأنه يجوز بيع المبيع قبل قبضه لبائعه (¬1). واستدل هؤلاء بعدة أدلة, منها: الأول: أن العلة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، هي عجز المشتري عن تسليمه، وما دام في يد بائعه، فهذه العلة منتفية، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما (¬2). الثاني: القياس على الإقالة: بل هي في معناها فكأنه أقاله في المبيع؛ لأن السلعة في يده (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 67] تلف المكيل والموزون في مدة الخيار قبل القبض من ضمان البائع: • المراد بالمسألة: إذا تلفت السلعة المباعة من المكيل أو الموزون بآفة سماوية، وكان ذلك في زمن الخيار، سواء الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما جميعا، ولم يقبض المشتري السلعة من البائع، فإن الضمان يكون على البائع، ويعد البيع مفسوخا، إلا إذا أتلفه المشتري، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا تلفت السلعة في مدة الخيار. . .، فإن كان قبل القبض، وكان مكيلا، أو موزونا، انفسخ البيع، وكان من مال البائع، ولا ¬
أعلم في هذا خلافا، إلا أن يتلفه المشتري، فيكون من ضمانه، ويبطل خياره] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إن تلف المبيع في مدة الخيار. . .، فإن كان قبل القبض، وكان مكيلا، أو موزونا، انفسخ البيع، وكان من مال البائع، ولا نعلم في هذا خلافا، إلا أن يتلفه المشتري، فيكون من ضمانه، ويبطل خياره] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [واتفقوا على أن تلف المبيع قبل التمكن من القبض، يبطل العقد، ويحرم الثمن] (¬3). ويقول لما حكى اتفاق العلماء على أن تلف المنفعة في الإجارة قبل التمكن من استيفائها يمنع استحقاق الأجرة: [وكذلك المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه، مثل أن يشتري قفيزا من صبرة، فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز، كان ذلك من ضمان البائع، بلا نزاع] (¬4). ويقول لما سئل عن رجل اشترى صبرة مجازفة، ثم تلفت على ملك المشتري قبل قبضها، ثم باعها قبل قبضها من غير أن يعلم تلفها: [أما في هذه الصورة، فالبيع باطل بالاتفاق] (¬5). نقل العبارة الثانية ابن القيم (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن قبض السلعة بعد التلف متعذر، ويترتب عليه انعدام أحد أركان ¬
68] ضمان العين المباعة بعد قبضها يكون على المشتري
البيع. الثاني: القياس على التفرق قبل القبض في الصرف، فإنه لا يترتب عليه أثر إلا إلغاء العقد، فكذلك في التلف (¬1). الثالث: أن المبيع ما لم يُسلَّم إلى المشتري فهو في ضمان البائع (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 68] ضمان العين المباعة بعد قبضها يكون على المشتري: • المراد بالمسألة: من آثار عقد البيع تسليم العين المباعة للمشتري، فإذا استلم المبتاع العين في عقد صحيح، بإذن البائع، ولم يكن ثمة خيار بين المتبايعين، ثم وقع عارض للعين، فإن الضمان يكون على المشتري، إلا ما يكون في ضمان العهدة والجائحة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من ابتاع بيعا صحيحا، بلا خيار، فقبضه بإذن بائعه، ثم عرض فيه عارض مصيبة، فهو من مُصيبة المشتري، ما لم يكن حيوانا -من رقيق أو غيره- أو ثمارا أو زرعا أو بقولا] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [سائر العروض من الحيوان -إلا الرقيق- وغير الحيوان من سائر العروض والمتاع، فالإجماع منعقد على أن ما قبضه المبتاع، وبان به إلى نفسه، فمصيبته منه] (¬4). • الكاساني (587 هـ) يقول: [. . . ولهذا يدخل المبيع في ضمان المشتري بالتخلية نفسها، بلا خلاف] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وذلك أن المسلمين مجمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع بعد قبضه، فهي من المشتري]. ويقول أيضا: [ولا خلاف بين ¬
69] صحة عتق العبد قبل قبضه
المسلمين أنه من ضمان المشتري بعد القبض، إلا العهدة والجوائح] (¬1). • القرافي (684 هـ) يقول: [الإجماع على أن العيب الحادث بعد العقد والقبض لا يوجب خيارا] (¬2). أي: أنه لازم على المشتري، فيكون ضمانه عليه. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬4). • وجه الدلالة: أن المبيع بعد قبض المشتري يكون نماؤه له، فيكون ضمانه عليه. الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (¬5). • وجه الدلالة: قوله: "ولا ربح ما لم يضمن" فالنهي وقع على ربح ما لم يضمن، وهو الذي بيع قبل القبض، فدل على أن ما بيع بعد القبض -وهو الذي يكون مضمونا على المشتري- لا يدخل في النهي.Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. 69] صحة عتق العبد قبل قبضه: • المراد بالمسألة: إذا كانت العين المباعة رقيقا، وأعتقه المشتري قبل أن يقبضه، فإن العتق واقع عليه وصحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلعة لو كانت جارية، ¬
فأعتقها المشتري قبل قبضها، أن العتق واقع عليها] (¬1). ويقول أيضا: [وأجمعوا على أن المشتري لو أعتق العبد المشترى قبل القبض، أن العتق يقع به] (¬2). نقله عنه ابن حجر، والشربيني، والصنعاني (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [لو أعتق العبد المبيع قبل القبض، فقد صح إجماعا] (¬4). ويقول أيضا: [ويملك المشتري المبيع بالعقد، ويصح عتقه قبل القبض، إجماعا] (¬5). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬6). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [ويشهد لما ذهبنا إليه -أي: في مسألة التصرف قبل قبض المبيع- إجماعهم على صحة الوقف والعتق قبل القبض] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬8). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: الأصل في التصرف أنه على الإباحة إذا ملك العين، والملك يتم بالعقد، والنهي عن التصرف قبل القبض، إنما ورد في البيع خاصة، فلا يدخل فيه العتق، خاصة وأن الشارع متشوِّف لوقوعه. الثاني: أن جواز هذا التصرف وهو العتق يعتمد على ملك الرقبة، وليس على قبضها، وقد وجد، وهو يخالف البيع فإن صحته تفتقر إلى ملك الرقبة واليد جميعا؛ لافتقاره إلى التسليم (¬1). الثالث: أن فساد العقود إنما هو من أجل وقوع الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه، وهذا التصرف مما لا يحتمل الانفساخ، فلم يوجد الغرر، فلزم الجواز (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية، وعندهم فيها وجهان، غير ما وافق الإجماع الذي هو الأشهر: الوجه الأول: لا يصح العتق قبل القبض (¬3). و• دليلهم: القياس على البيع: فكما أنه لا يصح في البيع فكذلك في العتق، بجامع أن كلا منهما فيه إزالة للملك (¬4). الوجه الثاني: إن لم يكن للبائع حق حبس العبد -بأن أدى المشتري الثمن- صح عتق المشتري، وإن كان له حق الحبس لم يصح عتقه (¬5). و• دليلهم: أنه لو أعتقه المشتري والبائع له حق حبس العبد، كان فيه إبطالا لحق البائع، ولذا منع منه في هذه الحالة (¬6). ¬
70] بطلان العتق قبل القبض في البيع الفاسد
Rعدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لثبوت الخلاف فيها. 70] بطلان العتق قبل القبض في البيع الفاسد: • المراد بالمسألة: من الشروط الفاسدة: أن يشترط البائع على المشتري أن يعتق العبد، فإذا وقع البيع على هذا الشرط، أو غيره من الشروط الفاسدة، ثم أعتقه قبل أن يقبضه، فإن العتق غير نافذ، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول لما ذكر أنموذجا من نماذج الشروط الفاسدة: [. . . لو أعتقه -أي: المشتري الذي اشترى العبد بشرط العتق- قبل القبض، فلا يعتق بالإجماع] (¬1). • عمر ابن نجيم (¬2) (1005 هـ) يقول: [وأجمعوا على أنه -أي: المشتري للعبد بشرط العتق- لو أعتقه قبل القبض، لا يجوز]. نقله عنه ابن عابدين (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المشتري لا يملك عتق العبد قبل القبض؛ إذ البيع وقع فاسدا (¬5). الثاني: القياس على الضمان: فكما أنه لا يضمنه قبل قبضه لو وقعت له زيادة أو نقصان، فكذلك لا يعتق على مالكه. ¬
71] جواز التصرف قبل القبض في المملوك بالوصية والإرث والغنيمة
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية فقالوا: إنه يقع العتق، حتى وإن كان قبل القبض (¬1). واستدل هؤلاء: بأن عتق المشتري العبد قبل أن يقبضه يعد قبضا منه للعبد، فهو إذا أعتقه دخل في عتقه إياه قبضه للعبد، وفوات العبد (¬2).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 71] جواز التصرف قبل القبض في المملوك بالوصية والإرث والغنيمة: • المراد بالمسألة: إذا ملك الشخص العين بالوصية أو بالإرث أو بالغنيمة، وكان الوصي والمورث تام الملك على العين، فإنه يجوز لمن انتقلت إليه العين، التصرف فيها بأي لون من ألوان التصرف قبل قبضها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ما مُلِكَ بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعيَّن مُلكه فيه، فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه. . .، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وإذا تعيَّن ملك إنسان في موروث، أو وصية، أو غنيمة، لم يعتبر لصحة تصرفه قبضه، بلا خلاف] (¬4). نقله عنه ابن مفلح، والمرداوي، وعبد الرحمن القاسم (¬5). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ولو تعيَّن ملكه في موروث، أو ¬
وصية، أو غنيمة، لم يعتبر قبضه، بغير خلاف] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ما مُلِك بأحد هذه الأنواع الثلاثة فهو غير مضمون بعقد معاوضة، فيكون تصرفهم فيه كالتصرف في المبيع بعد القبض (¬3). الثاني: أن حقهم مستقر فيه، وملكهم له ملك تام، ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده يد أمين، بمنزلة يد المودع ونحوه من الأمناء (¬4). الثالث: أن الوارث خلف الميت في الملك الموروث، وخلف الشيء قائم مقامه كأنه هو، فيأخذ حكمه. ومثله الوصي؛ لأن الوصية أخت الميراث (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية. أما الحنابلة: فلهم عدة روايات في المسألة: 1 - جعلوا الوصية كالبيع، لا يصح التصرف فيها إلا بعد القبض. 2 - جعلوا الإرث كالبيع كذلك. 3 - منعوا بيع الطعام قبل قبضه في الإرث وغيره. 4 - المنع من التصرف في الغنيمة قبل قبضها (¬6). ¬
72] نماء المبيع قبل القبض يكون للمشتري
ويمكن أن يستدل لهذه الروايات: أنهم ألحقوا هذه الحالات كلها بالبيع، فكما أنه لا يجوز التصرف بالبيع في العين المشتراة قبل قبضها، فكذلك هذه الحالات. أما ابن حزم: فيرى أنه يجوز التصرف في هذه الأشياء قبل القبض إلا القمح وحده، فلا يحل التصرف فيه إلا بعد قبضه (¬1). واستدل ابن حزم لقوله بعدة أدلة، منها: الأول: أن النص إنما ورد في النهي عن البيع قبل القبض فيما ملك بعقد البيع، كما في حديث حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه-: "إذا ابتعت بيعا، فلا تبعه حتى تقبضه" (¬2). الثاني: أما تخصيص القمح من بين سائر أنواع الطعام؛ فلأن المراد بالطعام في اللغة التي بها خاطبنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يطلق إلا عليه وحده، ويطلق على غيره بالإضافة، ولذا فهو المراد في حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه" (¬3) فبأي وجه ملكه لا يجوز له بيعه قبل قبضه (¬4).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 72] نماء المبيع قبل القبض يكون للمشتري: • المراد بالمسألة: إذا وقع العقد على عين، وقبل قبض المشتري لها، نمت هذه العين: كأن تكون بهيمة وولدت، أو شجرة وأثمرت ونحوها، فإن النماء يكون للمشتري، بلا نزاع بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [. . . القبض في البيع ليس هو من تمام العقد كما ¬
73] هلاك السلعة عند البائع بعد إيداعها عنده يكون من ضمان المشتري
هو في الرهن، بل الملك يحصل قبل القبض للمشتري تابعا، ويكون نماء المبيع له بلا نزاع، وإن كان في يد البائع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المشتري يثبت ملكه للعين بعد العقد؛ إذ العقد يلزم بالإيجاب والقبول، وهذا النماء إنما كان بعد العقد، فيكون نماء ملكه (¬3). الثاني: القياس على الثمرة غير المؤبرة: فإنها تكون للمشتري، فمن باب أولى أن تكون الثمرة غير الموجودة عند العقد ثم وُجِدت بعده، ملكا له.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 73] هلاك السلعة عند البائع بعد إيداعها عنده يكون من ضمان المشتري: • المراد بالمسألة: إذا كان البيع باتًّا لا شرط فيه بين المتعاقدين، وقبض المشتري السلعة، وكان له خيار الرؤية أو العيب، ثم أودعها البائع، فتلفت عنده، من غير تعد منه أو تفريط، فإنها تكون من ضمان المشتري، ويلزمه دفع الثمن إن لم يكن دفعه من قبل، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: ¬
• الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو كان البيع باتًّا، فقبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه، والثمن منقود أو مؤجل، وله خيار رؤية أو عيب، فأودعه البائع، فهلك عند البائع يهلك على المشتري، ويلزمه الثمن بالإجماع] (¬1). • العيني (855 هـ) يقول: [ولو كان البيع باتا، فقبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه، والثمن منقود أو مؤجل، وله فيه خيار رؤية أو عيب، فأودعه البائع، فهلك في يد البائع، هلك على المشتري، ولزمه الثمن بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [ولو كان البيع باتا، فقبض المشتري المبيع بإذن البائع، أو بغير إذنه، وله فيه خيار رؤية أو عيب، ثم أودعه البائع، فهلك في يده، هلك على المشتري، ولزمه الثمن، اتفاقا] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [ولو كان البيع باتا، فقبض المشتري المبيع بإذن البائع، أو بغير إذنه، ثم أودعه البائع، فهلك، كان على المشتري، اتفاقا] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن خيار الرؤية والعيب لا يمنعان انعقاد العقد بين المتبايعين، فمُلْك ¬
74] التخلية قبض للعقار
المشتري على العين تام، فكان مودِعا ملك نفسه (¬1). الثاني: أن البائع أصبحت يده على العين بعد الوديعة يدُ أمانة، فلا يضمن إلا إذا تعدَّى أو فرَّط.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 74] التخلية قبضٌ للعقار: • المراد بالمسألة: القبض في الأعيان المباعة يتفاوت بحسب العين، أما قبض العقار: فيكون بالتخلية بينه وبين المشتري، باتفاق العلماء. والتخلية هي: أن يُمَكَّن من التصرف فيه دون أي مانع (¬2). • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [. . . يقولون هذا تلف بعد قبضه؛ لأن قبضه حصل بالتخلية بين المشتري وبينه، فإن هذا قبض العقار، وما يتصل به، بالاتفاق] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن القبض مطلق في الشرع وفي اللغة، وعند الإطلاق يجب الرجوع إلى العرف، كالحرز في باب السرقة، وكيفية إحياء الموات، ونحوها، وعادة ¬
75] مشروعية الإقالة في البيع
الناس في قبض هذه الأشياء تمكين المشتري من العقار (¬1). الثاني: أنه لا سبيل للخروج من عهدة البيع في العقار إلا بالتخلية بينه وبين المشتري، فكانت هي اللازمة فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 75] مشروعية الإقالة في البيع: • المراد بالمسألة: الإقالة في اللغة: بمعنى الرفع والإزالة (¬2). • وفي الاصطلاح: رفع العقد، وإلغاء حكمه وآثاره، بتراض من الطرفين (¬3). إذا تبايع المتعاقدان، وتم العقد بينهما، وقبض المشتري السلعة، ثم طلب أحدهما الإقالة، وكانت السلعة على حالها، وردها من غير زيادة ولا نقصان، فإن إقالة المشتري في هذه الحالة مشروعة مرغب فيها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من أقال بعد القبض بلا زيادة يأخذها، أو حطيطة يحطُّها، أن ذلك جائز] (¬4). نقله عنه ابن القطان (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [(الإقالة جائزة في البيع، بمثل الثمن الأول) لا خلاف للأئمة الأربعة في جواز الإقالة] (¬6). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(الإقالة جائزة في البيع، بمثل الثمن الأول) عليه إجماع المسلمين] (¬7). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [ودليلها -أي: الإقالة- السنة والإجماع] (¬8). • العظيم آبادي (بعد: 1310 هـ) يقول لما تكلم عن الإقالة: [وهي مشروعة ¬
إجماعا] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(والإقالة مستحبة) وأجمعوا على مشروعيتها] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أقال مسلما أقاله اللَّه عثرته" وفي رواية: "من أقال نادما بيعته. . . " (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حث على الإقالة، ورغَّب فيها في المبايعة، فدل على فضلها. الثاني: أن الإقالة من محاسن الأخلاق ومكارم العادات التي حث عليها الشارع، وهي وجه من وجوه البر والإحسان التي تدخل في عموم ما جاء في كتاب اللَّه من مثل قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (¬5). الثالث: أن الإقالة فسخ، والفسخ رفع للعقد من أصله، فيلزم منه أنهما يترادَّان العوضين على وجههما من غير زيادة ولا نقص، قياسا على الرد بالعيب (¬6). ¬
76] الإقالة التي فيها زيادة أو نقصان تعد بيعا
الرابع: أن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل منهما إلى ما كان له (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 76] الإقالة التي فيها زيادة أو نقصان تعد بيعا: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان، وطلب أحدهما من الآخر الإقالة، فأبى البائع إلا أن يرد عليه الثمن ناقصا، أو رفض المشتري إلا أن يرد عليه الثمن زائدا، فإنه يعتبر بيعا جديدا يأخذ أحكام البيع، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا خلاف بين العلماء، أن الإقالة إذا كان فيهما نقصان أو زيادة أو تأخير، أنها بيع] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [لم يختلفوا. . .، أن الإقالة عندهم إذا دخلتها الزيادة والنقصان، هي بيع مستأنف] (¬4). • ميارة (1072 هـ) يقول لما تكلم عن الإقالة: [إن كانت على أكثر من الثمن الأول، أو على أقل منه، فهي بيع مستأنف اتفاقا] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قياس البيع المستأنف على البيع الجديد: إذ البيع مبادلة مال بمال على ¬
77] تحريم إقالة الوكيل بالشراء
وجه التراضي، وهذا هو الذي وقع في هذه الصورة. الثاني: أنه لا يمكن أن يقال بالإقالة هنا إذا وقع التراضي بينهما عليها؛ إذ لا بد فيها من الرد بالثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان فهي رفع للعقد وإزالة له (¬1)، فلم يبق إلا أن يتبايعا بيعا جديدا، فحينئذ يجوز فيه ما يجوز في البيع، ويحرم فيه ما يحرم في البيع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 77] تحريم إقالة الوكيل بالشراء: • المراد بالمسألة: إذا وكَّل العاقد أحدا يشتري له سلعة معينة، فإنه يحرم على الوكيل أن يُقِيل هذا الشراء الذي اشتراه للموكِل، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [وإقالة الوكيل بالشراء، لا تجوز بالإجماع] (¬2). • الحموي (1098 هـ) يقول: [وإقالة الوكيل بالشراء، لا تجوز إجماعا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن الوكيل بالشراء إذا اشترى المال الذي أمر بشرائه تكون وكالته قد انقضت، وإقالته بعد ذلك تكون فضولا، فلا يجوز تصرفه حينئذ (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * * ¬
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في باب الصرف
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في باب الصرف 1] اشتراط القبض في الصرف: • المراد بالمسألة: الصرف في اللغة: معظم باب هذه الكلمة يدل على رَجْع الشيء. فهو شيء صرف إلى شيء، كأن الدينار صرف إلى الدراهم، أي: رجع إليها، إذا أخذت بدله. ومنه اشتق اسم الصيرفي لتصريفه أحدهما على الآخر (¬1). ويطلق على فضل الدرهم على الدرهم في القيمة، وسمي بذلك؛ لأن الغالب ممن عقد على الذهب والفضة بعضها ببعض، هو طلب الفضل بها؛ لأنه لا يرغب في أعيانها (¬2). • وفي الاصطلاح: بيع نقد بنقد من جنسه، أو من غيره (¬3). والمقصود هنا: أن من شروط الصرف القبض في المجلس قبل التفرق، فإذا لم يقع فإن العقد فاسد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن المتصارفَين إذا تفرقا قبل أن ¬
يتقابضا، أن الصرف فاسد] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة، وتقي الدين السبكي، وبرهان الدين ابن مفلح، والبهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬2). • الجصاص (370 هـ) يقول: [قد ثبت بالسنة واتفاق الأمة أن من شرط صحة عقد الصرف، افتراقهما عن مجلس العقد عن قبض صحيح] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [لا يجوز في الصرف شيء من التأخير، ولا يجوز حتى يحضر العين منهما جميعا، وهذا أمر مجتمع عليه] (¬4). ويقول أيضا: [ولا خلاف بين علماء المسلمين في تحريم النسيئة في بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، وبيع الورق بالذهب، والذهب بالورق، وأن الصرف كله لا يجوز إلا هاء وهاء قبل الافتراق، هذه جملة اجتمعوا عليها، وثبت قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك "إلا هاء وهاء" بنقل الآحاد العدول أيضا، وما أجمعوا عليه من ذلك وغيره فهو الحق] (¬5). ويقول أيضا: [ولا خلاف بين علماء الأمة، أنه لا يجوز النسيئة في بيع الذهب بالورق] (¬6). • الباجي (474 هـ) يقول: [فأما التفرق قبل القبض -أي: في الصرف- فلا خلاف بين الفقهاء نعلمه في أنه يفسد العقد] (¬7). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن من شرط الصرف أن يقع ناجزا] (¬8). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [والقبض في المجلس شرط لصحته -أي: ¬
الصرف - بغير خلاف] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وأما الصرف. . .، القبض في المجلس شرط لصحته، بغير خلاف] (¬2). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [قاعدة: العقود بالنسبة إلى التقابض على أربعة أقسام: منها: ما يجب فيه التقابض قبل التفرق بالإجماع، وهو الصرف] (¬3). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [والصرف. . .، له شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه، وهو المجمع عليه] (¬4). ويقول أيضا: [واشتراط القبض في الصرف، متفق عليه] (¬5). نقل عنه العبارة الأولى المباركفوري (¬6). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق) يعني: قبل الافتراق بالأبدان، بإجماع العلماء] (¬7). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق) بإجماع الفقهاء] (¬8). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [لا بد في بيع بعض الربويات من التقابض، ولا سيما في الصرف وهو: بيع الدراهم بالذهب وعكسه، فإنه متفق على اشتراطه] (¬9). ويقول أيضا: [فإن كان بيع الذهب والفضة، أو العكس، فقد تقدم أنه يشترط التقابض إجماعا] (¬10). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬11). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سليمان بن أبي مسلم (¬1) قال: سألت أبا المنهال (¬2) عن الصرف يدا بيد؟ فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه؟ فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم (¬3)، وسألنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه" (¬4). الثاني: عن مالك بن أوس (¬5) أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد اللَّه، فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: واللَّه لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" (¬6). الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تبيعوا الذهب ¬
2] صحة المصارفة مع تعيين النقدين في الصرف
بالذهب إلا مِثلا بمثل، ولا تُشفُّوا (¬1) بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلا بمثل، ولا تُشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز" (¬2). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن الصرف بيع، والبيع مع اتحاد الجنس لا بد فيه من القبض في المجلس، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بتركه إذا كان نسيئة فدل على فساده (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] صحة المصارفة مع تعيين النقدين في الصرف: • المراد بالمسألة: المصارفة حين تقع من المتصارفين، تجوز إذا عيَّنا النقدين في العقد بإجماع العلماء، وصورة ذلك أن يقول: صارفتك هذه الدنانير بهذه الدراهم. • من نقل الإجماع: • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [وهو أن يكونا -أي: النقدين في الصرف- معينين، فذلك مما لا خلاف بين الأئمة في جوازه] (¬4). • الشربيني (977 هـ) يقول: [ويصح -أي: الصرف- على معينين، بالإجماع] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬6). ¬
3] جواز البيع بالفلوس
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن من شرط الصرف إذا كان الجنس واحدا التساوي والتقابض، وإذا كان الجنس مختلفًا فيشترط التقابض دون التساوي، كما دلت على ذلك سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يذكر في السنة التفريق بين المعين وما في الذمة، فدل على أنهما على حد سواء في الجواز. الثاني: أن الأصل في عقود المعاوضة أن تكون معينة؛ لأن ذلك دليل على تحقق الملك وتيقُّنه من قبل الطرفين، بخلاف ما إذا كان في الذمة، فلربما لا يكون أحدهما مالكا للعوض حال العقد. الثالث: قياس الأولى: وهو أنه إذا جاز عقد الصرف وغيره على ما في الذمة، فجوازه على المعين من باب أولى.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] جواز البيع بالفلوس: • المراد بالمسألة: الفلوس جمع فَلْس، وهي: كل ما يتخذه الناس ثمنا من سائر المعادن عدا الذهب والفضة (¬1). والمقصود هنا: أن التبايع بها، وجعلها نقدا وثمنا للسلع، جائز بإجماع العلماء. ¬
4] تعين العروض بالتعيين
• من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(ويجوز البيع بالفلوس. . .) هذا بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الفلوس مال معلوم القدر والوصف، فجاز التبايع بها، وجعلها ثمنا للأشياء (¬3). الثاني: أن الناس تعاملوا بها، وتعارفوا على ذلك، وجعلوها تقوم مقام الأثمان الحقيقية، والمعروف بالعرف كالمعروف بالنص (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] تعيُّن العروض بالتعيين: • المراد بالمسألة: العروض وهي ما عدا النقد، إذا كانت ثمنا أو مثمنا، فإنها ¬
تتعين في العقد بالتعيين، فيثبت الملك فيها بالعقد فيما عيناه، ولا يجوز إبدالها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [واحتج أصحابنا -أي: على مسألة تعين الدراهم والدنانير بالتعيين- بالقياس على السلعة، فإنها تتعين بالإجماع] (¬1). • القرافي (684 هـ) يقول: [أجمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العروض لها من خصوصيات الأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة، وتميل إليه العقول الصحيحة، والنفوس السليمة؛ لما في تلك التعيينات من الملاذّ الخاصة بتلك الأعيان، وهذا غرض صحيح معتبر في الشرع، فلذا تتعين في العقود (¬4). الثاني: القياس على الأشياء المغصوبة: فإنه يتعين ردها بأعيانها، فكذلك العروض تتعين في العقود.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * * ¬
الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب بيع الأصول والثمار
الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب بيع الأصول والثمار 1] يدخل ما كان على الأرض أو البناء في البيع إذا كان ثابتا معه غير منقول: • المراد بالمسألة: حين يبيع البائع دارا مملوكة له -وليست وقفا أو نحوه- فإن البيع يشمل -عند الإطلاق من غير تقييد- ما كان على الأرض من البناء، وكذلك الأرض إذا كانت مما يصح بيعها، فإن له ما فيها من البناء، وما كان مركبا فيها من الأبواب والدرج، بإجماع العلماء. وهذا قيد يخرج الأرض الموقوفة كأرض العراق. وما عدا هذين الأمرين فإنه قد وقع فيها الخلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن من اشترى دارا، فإن البنيان كله والقاعة، داخل كل ذلك في البيع] (¬1). ويقول أيضا: [من اشترى أرضا، فهي له بكل ما فيها من بناء قائم، أو شجر ثابت. وكذلك اشترى دارا، فبناؤها كله له، وكل ما يكون مركبا فيها من باب، أو درج، أو غير ذلك، وهذا إجماع متيقن] (¬2). نقل عنه العبارة الأولى ابن القطان (¬3). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(و) يدخل (في بيع الدار) -عند الإطلاق- (الأرض) إجماعا، إذا كانت مملوكة للبائع] (¬4). ¬
2] عدم دخول الباب الموضوع في بيع الدار
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: الاستدلال بالعرف: فاسم الدار في العرف يتناول البناء والعرصة (¬2) جميعا. والمطلق من الألفاظ يرجع فيه إلى ما تعارف عليه الناس، ولا يفهم في العرف من بيع الدار بيع عرصتها لا بنائها، بل بيعهما جميعا. الثاني: أن البناء متصل بالأرض اتصال قرار، وما كان متصلا بها اتصال قرار، فإنه يدخل فيها تبعا من غير اشتراط (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] عدم دخول الباب الموضوع في بيع الدار: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع الدار، وكان فيها باب موضوع، غير منصوب في أماكن الأبواب، فإنه لا يدخل في البيع، إذا لم يكن ثمة شرط بينهما، ومثله القفل ومفتاحه، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [ولا يدخل -أي: في بيع الدار- القفل، ومفتاحه، والباب الموضوع، بالاتفاق] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [والباب الموضوع، لا يدخل بالاتفاق في بيع الدار] (¬5). نقله عنه ابن عابدين، والشلبي (¬6). ¬
3] بطلان بيع الفناء مع الدار
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن الأبواب الموضوعة، والأقفال ومفاتيحها، منفصلة عن الدار، وليست من مصلحتها، وما كان منفصلا عنها، وليس من مصلحتها، فإنه لا يدخل في العقد عند الإطلاق، ما لم يكن ثمة عرف يدخلها، فهي تشبه الطعام والشراب حين تكون في الدار (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] بطلان بيع الفِناء مع الدار: • المراد بالمسألة: الفناء في اللغة: هو سعة أمام الدار. وقيل: ما امتد من جوانبها (¬3). وفي اصطلاح الفقهاء، هو: ما يلي جدران الدار خارجا عنها، من الشارع المتسع النافذ (¬4). • والمقصود بالمسألة: إذا باع الدار، ولها فناء محيط بها، فإنه ليس له أن يبيع الفناء معه، وإذا باعه معه فبيعه للفناء باطل لا يصح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا باع دارا، لم يكن له أن يبيع ¬
4] تملك المشتري ثمر النخل المؤبر وغير المؤبر
فناءها معها، فإن باعه فالبيع باطل في الفناء] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ملكه مختص في الدار، والدار هي: ما أدير عليه الحائط، وما كان خارجا عنها لا يدخل فيها، فلا يدخل في ملكه (¬4). الثاني: أن الفِناء ليس بملك لأحد، بل هو لجماعة المسلمين، لكن يختص به صاحب الدار فهو أحق به من غيره في الاستفادة منه (¬5). • المخالفون للإجماع: أورد ابن عقيل من الحنابلة احتمالا بصحة بيع الدار إذا بيعت بالفناء (¬6). واستدل لقوله: بأن الفناء يعتبر من الحقوق التابعة للدار، كمسيل المياه، فيصح بيعه معه (¬7). وما ذكره احتمال وليس بقول، ومثله لا يخرق الإجماع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم الاعتداد بالمخالفة. 4] تملك المشتري ثمر النخل المؤبَّر وغير المؤبر: • المراد بالمسألة: التأبير لغة: مصدر أبر، بالتخفيف والتشديد، يقال: أبر النخل إذا أصلحه ولقَّحه (¬8). ¬
• وفي الاصطلاح: هو التلقيح، بأن يوضع طلع الفحل من النخل بين طلع الإناث بعد تشققه (¬1). والمقصود هنا: أن من باع نخلا وفيها ثمر لم يؤبر، ولم يكن ثمة شرط بين المتعاقدين، فإن الثمرة بإجماع العلماء تكون من نصيب المشتري. وأما إذا كانت مؤبرة واشترطها المشتري، فإنها تكون له، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من باع نخلا لم يؤبر، فثمرتها للمشتري. وانفرد ابن أبي ليلى، فقال: الثمر للمشتري، وإن لم يشترط] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه، يملكان اشتراط الزيادة عليه؛ كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" (¬3) فجوَّز للمشتري اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق، وهو -أي: هذا الشرط- جائز بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: ما جاء عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع نخلا قد أُبِّرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" (¬6). ¬
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أن الثمرة المؤبرة يملكها البائع بالشرط، ويفهم منه أن التي لم تؤبر تكون للمشتري (¬1). الثاني: القياس على الولد في بيع أمه: فإن كان جنينا في بطن أمه فهو تبع لها، وإن ولدته لم يتبعها، فكذلك الثمرة المؤبرة وغير المؤبرة، بجامع الاتصال والانفصال في كل منهما (¬2). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ثمرة النخل سواء أُبِّر أم لم يُؤبَّر، تكون للبائع، ولا يملكها المشتري إلا بالشرط. قال بهذا الحنفية (¬3) والأوزاعي (¬4). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن الثمرة نماء له حد، فلم يتبع أصله في البيع، كالزرع في الأرض (¬5). الثاني: القياس على من باع أمة لها ولد، فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فكذلك الأمر في الثمر، بجامع أن كلا منهما نتاج الأصل (¬6). القول الثاني: أن الثمرة للمشتري، سواء أُبِّر أم لم يؤبر، وسواء وقع الشرط أم لا. قال به ابن أبي ليلى (¬7). ¬
5] تملك البائع ثمر النخلة المؤبر بعضها
واستدل بدليل من المعقول، وهو: أن الثمرة متصلة بالنخلة اتصال خلقة، فكانت تابعة لها، كالأغصان (¬1).Rصحة الإجماع على أن من باع نخلا قد أبرت واشترط المشتري أن تكون الثمرة له، فإن شرطه صحيح؛ لعدم المخالف فيها. أما إذا لم يكن الثمر قد أُبِّر، ولم يكن شرط بين المتعاقدين، فهذا مسألة وقع فيها الخلاف، فلا يصح الإجماع فيها. وبهذا يتبين أن كلام ابن تيمية أسلم في حكاية الإجماع. 5] تملك البائع ثمر النخلة المؤبر بعضها: • المراد بالمسألة: النخلة الواحدة إذا كان طلعها متعددا، وقد أبَّر البائع بعضها دون بعض، ثم باعها، فإن الثمرة المؤبرة وغير المؤبرة كلها للبائع، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا خلاف في أن تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ثمر النخلة الواحدة إذا أُبِّر بعضها؛ فإن الجميع للبائع, بالاتفاق] (¬4). • الزركشي (772 هـ) يقول: [أن النخلة الواحدة ما لم يؤبَّر منها يتبع ما أُبِّر، فيكون الجميع للبائع، بلا خلاف نعلمه] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من باع نخلا قد أُبِّرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (¬2). • وجه الدلالة: أن النخلة غالبا إذا أبِّر بعضها فما لم يؤبر منها، يكون صالحا للتأبير، فيأخذ حكمه؛ لأن ما قارب الشيء يأخذ حكمه، فيدخل في عموم الحديث. الثاني: القياس على الحائط إذا بدا الصلاح فيه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه، فكذلك النخلة إذا أُبَّر بعضها (¬3). الثالث: أن القول بتفريق الثمرة وجعل ما أُبِّر للبائع وما لم يُؤبَّر للمشتري، يؤدي إلى ضرر مشاركة المشتري للبائع، ومثل هذا يحدث معه النزاع والمخاصمة غالبا. ¬
6] تملك الثمر متعلق بتشقق طلعه من النخل
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] تملك الثمر متعلق بتشقق طلعه من النخل: • المراد بالمسألة: إذا تشقق طلع الإناث من النخل، وقد أُبِّر غيره من النخل المماثل له في صفته وحاله، فإن هذا المتشقق يأخذ حكم المؤبر، ويكون مملوكا للبائع، ولا يحق للمشتري إلا بالشرط، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولم يختلفوا في أن الحائط إذا تشقق طلع إناثه، فأُخِّر إباره، وقد أُبر غيره مما حاله مثل حاله، أن حكمه حكم ما قد أُبر؛ لأنه قد جاء عليه وقت الإبار، وظهرت ثمرته بعد مغيبها في الجُفّ (¬1)] (¬2). نقله عنه ابن القطان، وأبو عبد اللَّه القرطبي، وتقي الدين السبكي (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [واتفقوا -فيما أحسبه- على أنه إذا بيع ثمر، وقد دخل الإبار فلم يؤبر، أن حكمه حكم المؤبر] (¬4). نقله عنه ابن الشاط (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) لما ذكر معنى التأبير، ونقل كلام ابن عبد البر أنه لا يكون إلا بعد ظهور الثمرة قال: [والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح؛ بغير اختلاف بين العلماء] (¬6). • القرافي (683 هـ) يقول: [وأجمع العلماء على أن مجرد التلقيح ليس ¬
معتبرًا، وإنما المعتبر الظهور] (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [والحكم -أي: جواز بيع ثمر النخل- متعلق بالظهور من الغلاف، دون نفس التلقيح، بغير خلاف بين العلماء] (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من باع نخلا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" (¬3). • وجه الدلالة: أن الإبار لا يكون إلا بعد تشقق الطلع وظهور الثمرة، فعبر به عن ظهورها للزومه لها، فيكون الحكم متعلق بالظهور لا بالتلقيح (¬4). الثاني: أنه قد جاء عليه وقت الإبار، وظهرت الثمرة ورئيت بعد تغيبها في الجف، فتأخذ حكمه، والقاعدة الفقهية تقول: أن ما قارب الشيء فإنه يأخذ حكمه (¬5). • المخالفون للإجماع: وقعت المخالفة في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الحكم معلق بوجود الثمرة، لا فرق بين المؤبرة وغيرها، وما تشقق طلعه وما لم يتشقق، فهي للبائع إلا إذا اشترطها المبتاع. وهذا قال به الحنفية، والأوزاعي (¬6). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: ¬
7] جواز بيع الثمرة الظاهرة التي لا أكمام لها
حديث: "من اشترى أرضًا فيها نخل، فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق الأمر بوجود الثمرة، لا بظهورها أو تلقيحها (¬2). القول الثاني: أن الحكم معلق بذات التأبير، وليس في تشقق الطلع فقط. قال به الحنابلة في رواية عنهم اختارها ابن تيمية (¬3). واستدل هؤلاء: بحديث ابن عمر السابق، وقالوا: بأن لفظ الحديث صريح، وهو أنه قد علق الأمر بالتأبير الذي هو التلقيح، وهو يشعر بفعل خارج عن النخل يكون من الآدمي، وليس فيه إشارة للتشقق، ولا وقت التأبير (¬4).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. وقد عد الزركشي أن حكاية الإجماع من أبي محمد ابن قدامة مبالغة منه؛ لوجود المخالفة الظاهرة في المذهب (¬5). 7] جواز بيع الثمرة الظاهرة التي لا أكمام لها: • المراد بالمسألة: الأشجار التي تؤكلُ ثمرتها لها أصنافٌ متعددة، منها: ما يكون ثمره ظاهرا مرئيا للناظر، لا قشرة عليها؛ كالتين والعنب والكمثرى والمشمش والخوخ وأشباهها، فهذه يجوز بيعها على حالها الظاهر، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (676 هـ) يقول: [إذا باع ثمرة لا كمام لها؛ كالتين والعنب ¬
8] جواز بيع الثمار بعد بدو الصلاح
والكمثرى والمشمش والخوخ والإجاص ونحو ذلك، صح البيع بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" (¬3). • وجه الدلالة: أن النهي عن بيع الثمار جعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى غاية وهي بدو الصلاح، والثمرة الظاهرة التي لا أكمام لها، قد بدا صلاحها، فصح بيعها. الثاني: أن الثمرة إذا كانت ظاهرة فقد انتفت عنها الجهالة والغرر، وأُمن وقوع العاهة عليها، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الإباحة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] جواز بيع الثمار بعد بدو الصلاح: • المراد بالمسألة: الثمار: جمع ثمر، وهي: ما تحمله الأشجار، سواء أُكِل أم لم يؤكل (¬4). وبدو الصلاح في الثمار: راجع إلى تغير صفاتها، وصلاحها للأكل، وهو مختلف باختلاف أجناسها، فمن الثمر ما يكون صلاحه بتغيُّر لونه، ومنها ما يكون بتغير طعمه، ومنها ما يكون بالنضج، ومنها ما يكون باشتداده وقوته، ومنها ما يكون بطوله وامتلاءه، ومنها ما يكون بكبره. وهذا هو طِيبُها الذي جمعها حديث ¬
جابر -رضي اللَّه عنه- حين قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الثمر حتى يطيب" (¬1) (¬2). فإذا بدا صلاحها فإنه يجوز بيعها وشراؤها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على أنه لا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري] (¬3)، وقال أيضًا لما ذكر حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-[نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها". . .: [أجمع أهل العلم على القول بهذا الحديث] (¬4). نقل عبارته الثانية: ابن قدامة، وتقي الدين السبكي، والبهوتي، والرحيباني، وعبد الرحمن القاسم (¬5). • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن الثمار إذا سلمت كلها من الجائحة، فقد صح البيع] (¬6). نقله عنه ابن القطان (¬7). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [إذا بدا صلاحها -أي: الثمرة - ولا خلاف في جواز البيع] (¬8). • العمراني (558 هـ) يقول: [وإذا باع الثمرة أو الزرع بعد بدو الصلاح فيه. . .، وإن باعه مطلقًا، صح بيعه بالإجماع] (¬9). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأما شراء الثمر مطلقًا بعد الزهو، فلا خلاف فيه] (¬10). ¬
9] جواز تطوع البائع للمشتري بترك الثمرة بعد النضج في الشجرة
• العيني (855 هـ) يقول: [لا خلاف للعلماء، في بيع الثمار بعد بدو الصلاح] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لا خلاف. . . في الجواز بعد بدو الصلاح] (¬2). نقله عنه ابن عابدين (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [. . . وبعد بدو الصلاح، صحيح اتفاقًا، وبعدما تناهت صحيح اتفاقًا، إذا أطلق] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذُكرت مسألة بيع الثمر إذا بدا صلاحه، والحب إذا اشتد: [وهو في الثمر، إجماع] (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيضَّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (¬6). الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهي عن بيع الثمرة حتى تزهو"، قال الراوي: فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، قال: "أرأيت إذا منع اللَّه الثمرة، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (¬7).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] جواز تطوع البائع للمشتري بترك الثمرة بعد النضج في الشجرة: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري من البائع الثمار التي قد بدا صلاحها، ثم أبقاها إلى الحصاد أو الجذاذ برضا البائع، من غير أن تكون هناك مشارطة بينهما، فإن هذا العمل جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن البائع إذا تطوع للمشتري بترك ثمرته ¬
10] جواز بيع الثمار بعد ظهور الطيب بشرط القطع
التي نضجت في شجره، أن ذلك جائز] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" (¬3). الثاني: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو". قيل: وما يزهو؟ قال: "يَحمارُّ أو يَصفارّ" (¬4). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق النهي إلى غاية، فدل على أن ما بعد الغاية مباح، فمن باب أولى إذا وجد الإذن من البائع للمشتري في ترك الثمرة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] جواز بيع الثمار بعد ظهور الطيب بشرط القطع: • المراد بالمسألة: إذا ظهر الطيب في أكثر الثمرة أو في كلها، ثم باعها المالك، واشترط أن يقطعها المشتري، فإن هذا الشرط صحيح بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [فأما ما بدا صلاحه من الثمار، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يباع بشرط القطع، فيجوز بيعها بإجماع] (¬5). ¬
11] تملك البائع للزرع الذي لا يحصد إلا مرة أو ما المقصود منه مستتر إذا بيعت مع الأرض
• ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الثمرة، بعد ظهور الطيب في أكثرها، على القطع، جائز] (¬1). • العمراني (558 هـ) يقول: [وإذا باع الثمرة أو الزرع بعد بدو الصلاح، فإن باعه بشرط القطع، صح البيع بالإجماع] (¬2). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [أن يبيعها بشرط القطع، فهذا جائز إجماعًا] (¬3). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وأما بعد صلاحها، ففيه تفاصيل: فإن كان بشرط القطع، صح إجماعا] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذه المسألة: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها" (¬6). • وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث إباحة بيعها بعد بدو صلاحها مطلقًا من غير تقييد، فيدخل في الإباحة ما كان بعد ظهور الطيب بشرط القطع. الثاني: أنه إذا جاز بيعها بشرط القطع قبل بدو الصلاح -وقد حكي فيها الإجماع- فلأن يجوز بعد بدو الصلاح من باب أولى.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 11] تملك البائع للزرع الذي لا يحصد إلا مرة أو ما المقصود منه مستتر إذا بيعت مع الأرض: • المراد بالمسألة: إذا بيعت الأرض وكان فيها زرع لا يحصد إلا مرة: كالحنطة ¬
والشعير ونحوها، أو كان المقصود من الزرع مستتر: كالجزر والفجل والبصل وشبهها, ولم يكن ثمة شرط بينهما، فإن الزرع يكون للبائع، ولا يدخل في البيع، إلا إذا شرطه المشتري، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أنه إن لم يشترطها -أي: المشتري إذا اشترى الأرض وفيها خضروات مغيبة- فإنها للبائع] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة: كالحنطة، والشعير، والقطاني، وما المقصود منه مستتر: كالجزر، والفجل، والبصل، والثوم، وأشباهها، فاشترطه للمشتري فهو له، قصيلا (¬2) كان أو ذا حب، مستترًا أو ظاهرًا، معلومًا أو مجهولا. . .، وإن أطلق البيع، فهو للبائع. . .، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا] (¬3). نقله عنه المرداوي (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على الثمر المؤبر: فكما أن الثمر المؤبر إذا بيعت أصوله لا تدخل في البيع إلا بالشرط، فكذلك الزرع لا يدخل في البيع إلا بالشرط، وخروجه من الأرض بمنزلة التأبير (¬6). ¬
12] جواز بيع الثمار الظاهرة والمغيبة إذا أظهرت
الثاني: القياس على المتاع يكون للبائع في الأرض: بجامع أن كلا منهما متصل بالأرض اتصال انفصال لا اتصالا في أصل الخلقة فيكون تبعًا لها. الثالث: أن الزرع في هذه الحالة دخل تبعًا لبيع الأرض، فاغتفرت فيه الجهالة، وعدم الكمال، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة صاحب المبهج (¬1) من الحنابلة في الزرع الذي لا يحصد إلا مرة، فقال: إن كان الزرع بدا صلاحه: لم يتبع الأرض. وإن لم يبد صلاحه فعلى وجهين، فإن قلنا: لا يتبع أخذ البائع بقطعه إلا أن يستأجر الأرض (¬2). ولعله يستدل: بأن ملكية الأرض قد انتقلت إلى المشتري، وإذا ملك الأرض ملك ما فيها، وقياسًا على النخل غير المؤبر. واستغرب ابن رجب هذا القول جدًا، وعده مخالفًا لما عليه الأصحاب (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة، والمخالفة فيها إنما هي في جزء منها، وتعد شاذة كما هو ظاهر عبارة ابن رجب. 12] جواز بيع الثمار الظاهرة والمغيبة إذا أُظهرت: • المراد بالمسألة: من الثمار ما يظهر ثمره مرة بعد أخرى، فيلقط أكثر من مرة: كالقثاء (¬4) ونحوه، فما ظهر من ثمرته فإنه يجوز بيعه، باتفاق العلماء. ومثلها أيضًا ما كانت ثمرتها مستترة في الأرض أو في غيرها: كالبصل والجزر والجُمَّار (¬5) ونحوها، ثم قلعت وظهرت وبانت. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع ما قد ظهر من القثاء والباذنجان، وما قلع من البصل والكراث والجزر واللفت والجُمَّار، وكل مُغيَّب في الأرض، جائز إذا قلع المغيب من ذلك] (¬1). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [بيع الجُمَّار وأكله من المباحات التي لا اختلاف فيها بين العلماء] (¬2). نقله عنه ابن حجر (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في المسألة: الحنفية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬5). • وجه الدلالة: أن ما لم يظهر من الثمار فإنه يعد معدوما، وما كان معدوما فإنه يدخل في الغرر المنهي عنه، وما ظهر وبان فإنه يكون خارجًا عما نُهي عنه، ومثله ما كان مستورا في الأرض فإنه في حكم المعدوم، فلا يُدرى عنه ما لم يُقلع، فإذا قلع انتفى الغرر، ورجع الحكم إلى الإباحة. الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى تزهو"، قيل: وما تزهو؟ قال: حتى تحمار وتصفار. ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم يستحل أحدكم مال صاحبه؟ " (¬6). ¬
13] جواز بيع الحب الذي لم يشتد مع الأرض والثمرة التي لم يبدو صلاحها مع النخل
• وجه الدلالة: أن لفظة المنع تقتضي أن لا يكون ما وقع عليه البيع موجودًا؛ لأن المنع منع الوجود، فهذا يدل بالمفهوم على أن ما وجد وظهر فإنه يجوز بيعه، وإلا فإنه يدخل في المنع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] جواز بيع الحب الذي لم يشتد مع الأرض والثمرة التي لم يبدو صلاحها مع النخل: • المراد بالمسألة: الحب الذي لم يشتد إذا باعه تبعًا للأرض ولم يبعه استقلالا، ومثله الثمرة التي لم يبدو صلاحها إذا باعها مع النخل أو الشجر، فإنه باتفاق العلماء يجوز هذا البيع. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا باع أصول نخل لا تمر فيها، أن البيع صحيح، وكذلك اتفقوا على صحة البيع للأصول وفيها تمر بارز] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة أضرب. . .، الثاني: أن يبيعها مع الأصل، فيجوز بالإجماع] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [والمبتاع هنا: قد اشترى الثمر قبل بدو صلاحه، لكن تبعًا للأصل، وهذا جائز، باتفاق العلماء] (¬4). ويقول أيضًا: [يجوز بالسنة والإجماع. . .، ابتياع الشجر مع ثمره الذي لم يبدو صلاحه، وابتياع الأرض مع زرعها الذي لم يشتد حبه] (¬5). • الزركشي (772 هـ) يقول: [أما بيعها -أي: الثمرة- مع أصلها، فيجوز إجماعًا] (¬6). ¬
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما تكلم عن ثمرة النخل المؤبر وغير المؤبر: [والبيع صحيح باتفاق أهل العلم، والنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والمراد بها المستقلة، وهنا الثمرة متابعة للنخل، فتدخل تبعًا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (¬3). • وجه الدلالة: هذه الآية تدل على أن الأصل في البيع أنه على الإباحة ما لم يأت دليل يدل على المنع، فيدخل في ذلك النخل والشجر. الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع نخلا قد أُبرت، فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين في هذا الحديث لمن تكون الثمرة بعد بيع النخلة، فدل على أن بيع النخلة جائز لا إشكال فيه. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا: لا يجوز بيع الثمرة مع أصلها. قال المرداوي: [وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر كلام المصنف هنا وجماعة، وأطلقهما في المحرر] (¬5). ¬
14] جواز بيع السنبل إذا ابيض
والذي يظهر أن ما ذكره عن ظاهر كلام المصنف غير مراد؛ إذ كيف يكون ظاهر كلامه، وهو قد حكى الإجماع في المسألة على خلاف ذلك كما سبق في حكاية الإجماع، ولا يلتفت إلى الظاهر مع وجود النص. أما ما حكاه عن صاحب المحرر فإليك كلامه بنصه، إذ يقول: [ولا يجوز بيع الرطب، ولا الزرع قبل اشتداده، ولا الثمر قبل بدو صلاحه إلا بشرط القطع في الحال، إلا أن يبيعه بأصله. فإن باعه من مالك الأصل فعلى وجهين] (¬1). ومثل هذا الكلام لا يفهم منه أن في المسألة قولان، فلعله سبق نظر وقع له في المسألة بعدها. واللَّه أعلم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم ثبوت المخالفة فيها. 14] جواز بيع السنبل إذا ابيضَّ: • المراد بالمسألة: السنبل في اللغة: أصل هذه الكلمة، يدل على إرسال شيء من علو إلى سفل، وعلى امتداد شيء، وسمي السنبل بهذا؛ لامتداده، وهي: الزرعة المائلة (¬2). وفي الاصطلاح هو: مجتمع الحب في أكمامه (¬3)، فيدخل فيه أنواع الحبوب: كالقمح، والشعير، والعدس، والسلت، والحنطة، ونحوها (¬4). والمقصود بالسنبل إذا ابيض: الحبة إذا لم ينفعها الماء، وقُطِع عنها، بعد ذلك تشتد وتصبح صلبة (¬5). والمقصود هنا: إذا باع الحب مع سنبله إذا اشتد، فإنه جائز بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري، وانفرد الشافعي، ثم بلغه حديث ابن عمر، فرجع عنه]. ويقول أيضًا لما ذكر حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض" (¬1). . .: [لا أعلم أحدًا يعدل عن القول به] (¬2). نقل عبارته الثانية ابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني (¬3). • العيني (855 هـ) لما تكلم عن أدلة جواز بيع الحب في سنبله قال: [(ولأنه حب منتفع به، فيجوز بيعه في سنبله كالشعير) في سنبله، فإنه يجوز بالاتفاق] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (¬6). الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحب حتى يشتدّ" (¬7). ¬
• وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل النهي إلى غاية، فدل على جواز ما بعدها. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية، وعندهم في هذه المسألة تفصيل، وهو: إن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو ما في معناهما مما ترى حباته جاز بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستتر حباته بالقشور التي تزال بالدياس، ففيه قولان للشافعي رحمه اللَّه: الجديد: أنه لا يصح، وهو أصح قوليه الذي نص عليه علماء مذهبه، والقديم: أنه يصح (¬1). وممن نقلت عنه المخالفة أيضًا: ابن شهاب الزهري (¬2). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬3). • وجه الدلالة: أن المشتري لا يدري ما قدر الحنطة الكائنة في السنابل، والمبيع ما أريد به إلا الحب لا السنابل، فكان قدر المبيع مجهولًا، والجهالة غرر. الثاني: القياس على بيع الحنطة في تبنها بعد الدياس (¬4): فكما أنه محرم، فكذلك الحب في سنبله، بجامع أن كلا منهما مستتر بما ليس من صلاحه (¬5). ¬
15] جواز بيع الحبوب والتبن إذا صفيا
Rصحة الإجماع في مسألة السنبل إذا كان شعيرا وما فيه معناه مما ترى حباته؛ وذلك لعدم المخالفة فيها. أما السنبل إذا كان مما تستتر حباته في القشور، فلا يصح الإجماع فيها، وذلك لثبوت الخلاف فيها. وعليه فتكون عبارة العيني أصح من عبارة ابن المنذر. 15] جواز بيع الحبوب والتبن إذا صُفيا: • المراد بالمسألة: الحب هو: اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السنبل والأكمام (¬1). التبن هو: ساقُ الزرع بعد دياسه (¬2). والمقصود هنا: أن الحبوب بعد أن تقطع وتنقَّى وتصفَّى، وكذا التبن إذا تميَّز عما يكون معه، فإن بيعهما حينئذ جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الحب إذا صُفِّي من السنبل، وصفي من التبن، وبيع التبن حينئذ جائز] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: حديث أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب ¬
16] تحريم بيع المعاومة
حتى يشتد" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل النهي إلى غاية محددة، وما بعدها يرجع إلى الأصل وهو الإباحة، فما بعد اشتداد الحب مباح، ومن باب أولى ما بعد التصفية.Rالإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 16] تحريم بيع المعاومة: • المراد بالمسألة: المعاومة في اللغة: مأخوذة من العام، وهي: السنة، كما يقال: مشاهرة، من الشهر، ومياومة، من اليوم. فيقال: عامله معاومة، أي: بالعام أو بالسنة (¬2). أما في الاصطلاح فهي: بيع ما يثمره شجره، أو نخله، أو بستانه، أكثر من عام، سنتين أو ثلاث، أو أكثر، في عقد واحد (¬3). ويطلق عليها بيع السنين أيضًا. وقد أجمع العلماء على تحريم بيوع الأعيان التي على هذا الوجه. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الثمار سنين، لا يجوز] (¬4). نقله عنه النووي، وابن تيمية (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [. . . بيع الثمار قبل أن تُخْلق، فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك] (¬6). ¬
• العيني (855 هـ) يقول: [وبيع الثمار قبل الظهور، لا يجوز بالإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر] (¬2). نقله عنه ابن عابدين (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [بيعها -أي: الثمرة- قبل الظهور، لا يصح اتفاقًا] (¬4). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [. . . بيعها -أي: الثمرة - قبل البدو، لا يصح اتفاقًا] (¬5). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [والإجماع قائم على أنه لا يصح بيع الثمار قبل خروجها] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة -قال أحدهما: بيع السنين هي: المعاومة- وعن الثنيا، ورخص في العرايا" (¬8). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع السنين، ووضعَ الجوائح" (¬9). ¬
الثالث: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (¬1). • وجه الدلالة: أن بيع الثمر سنين متعددة، ليست عند البائع، فلا يملك حينئذ بيعها. • المخالفون للإجماع: نُقل الخلاف في المسألة عن اثنين من الصحابة، وهما: عمر، وابن الزبير -رضي اللَّه عنهما-. أما عمر: فقد جاء عنه أن أسيد بن حضير (¬2) مات وعليه دين، فباع عمر ثمرة أرضه سنتين. وفي رواية: ثلاث سنين. وفي رواية: أربع سنين (¬3). وجاء عن محمد بن علي (¬4) قال: وُلِيت صدقة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيت محمود بن لبيد (¬5)، فسألته؟ فقال: إن عمر كان عنده يتيم، فباع ماله ثلاث سنين (¬6). ¬
أما ابن الزبير: فقد جاء عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: [نهيت ابن الزبير عن بيع النخل معاومة] (¬1). أما ما جاء عن عمر -رضي اللَّه عنه-: فعنه جوابان: الأول: يحتمل أن ما جاء عنه -إن صح- على أنه باع كل سنة على حدة، ولم يكن جملة واحدة لجميع السنين (¬2)، ويؤيد هذا ما جاء عنه في رواية أخرى، وفيها: لما مات أسيد، وكان دينه أربعة آلاف، بيعت أرضه، فقال عمر: [لا أترك بني أخي عالة] فرد الأرض، وباع ثمرها من الغرماء، أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم. الثاني: ويحتمل أيضًا أن ما جاء عنه -رضي اللَّه عنه- أنه طلب من غرمائه أن يمهلوه أربع سنين، ويسدد لهم كل سنة ألفًا، يبيع ثمر الحائط كل عام، ويعطيهم ثمنه، ويشهد له ما جاء في رواية أخرى، وفيها أنه لما قام غرماؤه بماله، قال عمر: [في كم يؤدي غرماؤه ما عليه من الدين؟ ] فقيل له: في أربع سنين. قال: فرضوا بذلك، فأقر المال لهم، ولم يكن باع ثمار نخل أسيد أربع سنين من عبد الرحمن بن عوف، ولكنه وضعه على يدي عبد الرحمن بن عوف للغرماء (¬3). فهذا من باب الإمهال في سداد الدين، وليس من باب البيع. وذكر هذه الاحتمالات عن عمر من باب الالتماس لأمير المؤمنين في هذه المسألة، خاصة وأنه ثبت عنه أنه نهى عن بيع ثمار النخيل حتى تحمار أو تصفار (¬4)، فإذا نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، فمن باب أولى أن يقول بالنهى عن بيع ما لم يخلق أصلا. أما ما جاء عن ابن الزبير: فهو -إن صح عنه- فإن ظاهره أنه ليس رأيا رآه وعمل به عن علم وبصيرة، بل يدلس على عدم علمه بالحكم من قبل، ولذا أنكر ¬
17] جواز بيع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط القطع
عليه جابر -رضي اللَّه عنه- صنيعه، ولم ينقل لنا استمرار ابن الزبير عليه.Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لشذوذ أو عدم المخالفة فيها. 17] جواز بيع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط القطع: • المراد بالمسألة: إذا باع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها, لكنه اشترط على المشتري أن يقطع الثمرة في الحال، وهي مما يمكن الانتفاع بها بعد قطعها، فإنه يجوز له ذلك، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الخطابي (388 هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها -أي: الثمرة قبل بدو صلاحها- وشرط عليه القطع جاز بيعها، وإن لم يبدُ صلاحها] (¬1). • القاضي عبد الوهاب (422 هـ) يقول عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: [فأما بيعها بشرط القطع، فجائز من غير خلاف] (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولا خلاف بين العلماء في بيع الثمار والبقول والزرع على القلع، وإن لم يبدُ صلاحه، إذا نظر إلى المبيع منه، وعرف قدره] (¬3). • الباجي (474 هـ) يقول: [وذلك أن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشترط القطع، فهذا لا خلاف في جوازه] (¬4). • البغوي (516 هـ) يقول: [فأما إذا باع -أي: الثمر- وشرط القطع عليه، يصح باتفاق الفقهاء] (¬5). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [أن يكون بشرط القطع، فذلك جائز بإجماع] (¬6). • العمراني (558 هـ) يقول: لما ذكر حديث أنس (¬7): [وعموم هذا: يدل على أنه لا يجوز بشرط القطع ولا بغيره، فقامت الدلالة على جواز البيع بشرط القطع، ¬
وهو الإجماع] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا اشترى ثمرة لم يبدُ صلاحها بشرط قطعها، فإن البيع جائز] (¬2). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [فأما بيعها -أي: الثمرة- قبل الزهو بشرط القطع، فلا خلاف في جوازه، إلا ما روي عن الثوري وابن أبي ليلى من منع ذلك، وهي رواية ضعيفة] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [. . . أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • بهاء الدين المقدسي (624 هـ) يقول: [فلو باعها -أي: الثمرة- قبل بدو صلاحها, لم يجز إلا بشرط القطع. . .، وإن باعها بشرط القطع، جاز بالإجماع] (¬6). • ابن شداد (632 هـ) يقول: [والعمل على هذا عند أهل العلم، أن بيع الثمرة على الشجرة قبل بدو الصلاح، لا يجوز مطلقًا. . .، فأما إذا اشترط القطع عليه، صح باتفاق العلماء] (¬7). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول في كلامه على حديث جابر: "نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم" (¬8): [. . . وذلك أن مساقه يقتضي أن تباع الشجرة قبل طيبها بالدراهم أو الدنانير، وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما ولا بالعروض، إلا على شرط القطع] (¬9). • النووي (676 هـ) يقول: [فإن باع الثمرة قبل بدو صلاحها، بشرط القطع، صح بالإجماع] (¬10). ¬
نقله عنه أبو زرعة العراقي، والعيني (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وإن اشتراه بشرط القطع، جاز بالاتفاق] (¬2). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [أن يبيعها بشرط القطع، فالبيع صحيح بلا خلاف] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [والبيع بشرط القطع قبل بدو الصلاح، يجوز فيما ينتفع به، بالإجماع] (¬4). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لا خلاف. . . في جوازه قبل بدو الصلاح، بشرط القطع، فيما ينتفع به] (¬5). نقله عنه ابن عابدين (¬6). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وقبل بدو الصلاح بشرط القطع في المنتفع به، صحيح اتفاقًا] (¬7). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول بعد أن ذكر حديث: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها" (¬8): [فإنه يدل بمنطوقه على المنع مطلقًا، خرج المبيع المشروط فيه القطع، بالإجماع] (¬9). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(وقبل الصلاح: إن بيع منفردًا عن الشجر، لا يجوز إلا بشرط القطع، وإن كان المقطوع منتفعا به) كلوز وحصرم وبلح، فيجوز حينئذ بالإجماع] (¬10). • عبد الرحمن المعروف -رضي اللَّه عنهما-[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [وقبل بدو الصلاح، بشرط القطع في المنتفع به، صحيح اتفاقًا] (¬11). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمار حتى ¬
تزهي"، فقيل له: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمر" فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرأيت إذا منع اللَّه الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أن النهي عن بيع الثمار قبل أن تزهي، هو من أَجل جهالة العاقبة، ولما كان البيع المشروط بالقطع لا يستفاد منه ذلك، زال الحكم وتغيَّر، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما, ولربما كان للمشتري غاية في هذا فلا يُمْنع منه. الثاني: عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع نخلا قد أُبِّرت فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الثمرة للمشتري بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا، فدل على أنها محل للبيع كيفما كان إذا وجدت مع الشرط (¬3). الثالث: أنه باعه ما لا غرر في بيعه، ولا تدخله زيادة ولا نقص؛ لجدّه إياه عقيب العقد (¬4). • المخالفون للإجماع: على كثرة من حكى الإجماع في المسألة، إلا أن من العلماء من خالف هذا الإجماع، فقد نقل ابن حزم وغيره عن سفيان الثوري وابن أبي ليلى أنهما يقولان بالمنع مطلقًا من غير استثناء (¬5)، ووجدت الكاساني حكاه عن بعض مشائخه ولم يسمه (¬6)، واختار هذا القول ابن حزم، وتبعه الشوكاني على ذلك (¬7). ¬
18] بطلان بيع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط التبقية
واستدلوا لقولهم بدليل من السنة، وهو: حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري" (¬1). • وجه الدلالة: أن الحديث وما جاء في معناه عام في النهي، ولم يُفصِّل بين ما كان بشرط القطع أو لا، فيبقى عمومه.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لوجود الخلاف فيها، خاصة وأنه خلاف قديم، وكذا تنصيص بعض العلماء على أن الإجماع مخروم: كأبي زرعة العراقي، وابن حجر (¬2). 18] بطلان بيع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط التبقية: • المراد بالمسألة: إذا باع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، واشترط أن يبقيها إلى وقت الصلاح، فإنه لا يصح هذا البيع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الباجي (474 هـ) يقول: [بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، يقع على ثلاثة أوجه. . .، والوجه الثاني: أن يشترط التبقية، وهذا لا خلاف في منعه، إلا ما رُوي عن يزيد بن أبي حبيب (¬3) في العرية] (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [أن يكون بشرط التبقية، فهو باطل إجماعا] (¬5). ويقول أيضًا: [أن يشترط التبقية، فهذا لا خلاف في منعه إلا ما رُوي عن ابن حبيب في العرية] (¬6). ¬
• ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها بشرط التبقية إلى الجذاذ لا يصح] (¬1). • الكاساني (587 هـ) يقول: [وإن اشترى -أي: الثمرة قبل بدو صلاحها- بشرط الترك، فالعقد فاسد بالإجماع] (¬2). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأما بيعها قبل الزهو بشرط التبقية، فلا خلاف في أنه لا يجوز، إلا ما ذكره اللخمي (¬3) من جوازه تخريجا على المذهب] (¬4). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح البيع إجماعًا] (¬5). • النووي (676 هـ) يقول: [وإن باعها بشرط التبقية، فالبيع باطل بالإجماع] (¬6). نقله عنه العيني (¬7). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [بيع الزرع بشرط التبقية، لا يجوز باتفاق العلماء] (¬8). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [أن يبيعها بشرط التبقية، فبيعها باطل بلا خلاف] (¬9). • الزركشي (772 هـ) يقول: [بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بدون أصلها, له ثلاثة أحوال: أحدها: أن تباع بشرط التبقية، فلا يصح إجماعًا] (¬10). ¬
• أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: [. . . بيعها -أي: قبل بدو صلاحها- بشرط التبقية، وهذا باطل بالإجماع] (¬1). • العيني (855 هـ) يقول: [والبيع. . . بشرط الترك، لا يجوز بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [لا خلاف. . . في عدم جوازه بعد الظهور، قبل بدو الصلاح، بشرط الترك] (¬3). نقله عنه ابن عابدين (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها -أي: بشرط التبقية- إجماعا] (¬5). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وقبل بدو الصلاح بعد الظهور بشرط الترك، غير صحيح اتفاقًا] (¬6). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [إذا كان قد بلغ حدا ينتفع به ولو لم يكن قد أخذ الثمر ألوانه، واشتد الحب، صح البيع بشرط القطع، وأما إذا شرط البقاء فلا يصح اتفاقًا] (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمر حتى تزهو"، قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: حتى تحمر وتصفر، قال: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (¬8). • وجه الدلالة: أن النهي الذي ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جاء عامًا سواء كان بشرط البقاء أم لا، والعلة التي بيَّنها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منطبقة تمامًا على البيع قبل البدو بشرط التبقية. الثاني: أن البيع بشرط البقاء شغل لملك البائع من غير حاجة. • المخالفون للإجماع: حكى بعض المالكية الخلاف في المسألة عن بعض علمائهم، وممن حكي عنه ¬
19] عدم دخول أرض الشجر في البيع إذا باع الشجر على القطع
الخلاف يزيد بن أبي حبيب، فقد أجاز بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط التبقية في العرية فقط، كما نص على ذلك الباجي - وقد مر في حكايته للإجماع -. واستدل لقوله بعدة أدلة، منها: الأول: أن المنفعة تقل في ذلك والغرر يكثر؛ لأنه لا يكون مقصودها إلا ما يؤول إليه من الزيادة، وذلك مجهول. الثاني: أن الجوائح تكثر فيها، فلا يعلم الباقي منها, ولا على أيِّ صفة تكون عند بدو صلاحها (¬1). ولم أجد من وافقه على هذا الاستثناء من العلماء، مما يؤكد وقوعه في الشذوذ في المسألة. أما ما ذُكِر من تخريج اللخمي على المذهب، كما نص عليه ابن رشد -وقد مر في حكايته للإجماع- فهو تخريج وليس نصا، والتخريج إذا أفضى إلى خرق إجماع، أو رفع ما اتفق عليه الجم الغفير من العلماء، أو عارضه نص كتاب أو سنة، فإنه لا يعتد به (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 19] عدم دخول أرض الشجر في البيع إذا باع الشجر على القطع: • المراد بالمسألة: في حالة بيع الشجر مع وجود شرط القطع لها، فإن أرض الشجرة لا تدخل في البيع ولا يملكها المشتري، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [هل تدخل أرض الشجر في البيع ببيعها إن اشتراها للقطع؟ لا تدخل بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
20] قطع الزرع والثمرة بعد البيع يكون على المشتري
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن البيع وقع على الشجر دون الأرض، واسم الشجر لا يتناول الأرض (¬1). الثاني: أن مقصود المشتري الشجر وليس الأرض، ويدل لذلك وقوع العقد على شرط القطع، فإذا كان هذا مقصوده فلا علاقة للأرض بالعقد.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 20] قطع الزرع والثمرة بعد البيع يكون على المشتري: • المراد بالمسألة: إذا باع البائع زرعا، أو جزة من رطبة، أو ثمرة في أصولها، ولم يكن ثمة شرط بينهما، فإن الحصاد والجذ والجزاز (¬2) يكون على المشتري، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أن من اشترى زرعا، أو جزة من الرطبة ونحوها، أو ثمرة في أصولها، فإن حصاد الزرع، وجذ الرطبة، وجزاز الثمرة، وقطعها على المشتري. . .، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إذا اشترى زرعا، أو جزة من ¬
21] ضمان البائع للجائحة التي تكون على الثمار قبل قبض المشتري
الرطبة، أو ثمرة على الشجر، فالحصاد، وجز الرطبة، وجذاذ الثمرة على المشتري. . .، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن ملك البائع مشغول بملك المشتري، ونقل المبيع، وتفريغ ملك البائع منه على المشتري، كنقل الطعام المبيع من دار البائع (¬3). الثاني: أن تسليم الثمار يختلف عن غيره من المبيعات؛ إذ أن قطع الثمرة يكون وفق احتياج المشتري، فلو جعل القطع عن طريق البائع فقد يقطع ما يزيد على حاجة المشتري، وهذا فيه ضرر على المشتري، والضرر لا بد من إزالته (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 21] ضمان البائع للجائحة التي تكون على الثمار قبل قبض المشتري • المراد بالمسألة: الجائحة في اللغة: أصل الكلمة الجيم والواو والحاء بمعنى: الاستئصال. يقال: جاح الشيء يجوحه: استأصله (¬5). وتطلق على الآفة التي تهلك الثمار والأموال، وتستأصلها. وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مبيرة، تسمى كذلك جائحة (¬6). ¬
• وفي الاصطلاح: كل ما أذهب الثمرة، أو بعضها، من أمر سماوي، بغير جناية آدمي (¬1). • والمقصود بالمسألة: إذا باع البائع الثمار بعد بدو صلاحها، على الإطلاق من غير شرط، ثم تلفت الثمرة بآفة سماوية، قبل قبض المشتري لها، فإن الضمان يكون على البائع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • البغوي (516 هـ) يقول: [إذا أصابتها -أي: الثمار- الجائحة قبل التخلية بينها وبين المشتري، فيكون من ضمان البائع، بالاتفاق] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [. . . فأما أن يجعل الأجزاء والصفات المعدومة التي لم تخلق بعد من ضمانه، وهي لم توجد، فهذا خلاف أصول الإسلام، وهو ظلمٌ بيِّن لا وجه له، ومن قاله فعليه أن يقول: أنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة منعت الطلع، أن يضمن الثمن جميعه للبائع، وهذا خلاف النص والإجماع] (¬3). ويقول أيضًا: لما عقد فصل لمسألة وضع الجوائح وذكر بعض الأدلة عليها: [وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين، ليس فيه نزاع، وهو من الأحكام التي يجب اتفاق الأمم والملل فيها في الجملة] (¬4). ويقول أيضًا: [ووضع الجوائح من هذا الباب، فإنها ثابتة بالنص، وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين، وبالقياس الجلي، والقواعد المقررة، بل عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من ¬
يخالف هذا الحديث على التحقيق] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (¬3). • وجه الدلالة: يقول ابن تيمية: [فقد بيِّن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديث الصحيح أنه إذا باع ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا، ثم بين سبب ذلك وعلَّته، فقال: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". وهذا دلالة على ما ذكره اللَّه في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل، وأنه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه، كان أخذ شيء من الثمن، أخذ ماله بغير حق، بل بالباطل، وقد حرم اللَّه أكل المال بالباطل؛ لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض] (¬4). الثاني: عن جابر -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح" (¬5). • وجه الدلالة: أن الحديث صريح في وضع الجائحة عن المشتري، وأولى الحالات دخولا ما كان قبل القبض (¬6). الثالث: أن مؤنته ونحوه إلى تتمة صلاحه على البائع، فوجب كونه من ¬
22] ضمان المشتري للجائحة التي أصابت الثمرة بعد جذه لها
ضمانه، كما لو لم يقبضه (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 22] ضمان المشتري للجائحة التي أصابت الثمرة بعد جذه لها: • المراد بالمسألة: إذا تبايع المتبايعان الثمرة دون الأصل، وبعد أن استلم المشتري الثمرة أصابتها آفة سماوية لا دخل له بها، فإنها تكون من ضمانه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن ما أصابها بعد ضم المشتري لها، وإزالتها عن الشجر والأرض، فإنه منه] (¬2). نقله عنه ابن القطان (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وقد اتفقوا على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري] (¬4). • الزركشي (772 هـ) يقول: [أما إن جذت، فلا نزاع في استقرار العقد، ولزوم الضمان للمشتري] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح" (¬7). الثاني: عن أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- قال: أصيب رجل في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه، فلم ¬
23] جواز بيع الثمرة كاملة بعد بدو صلاح بعضها
يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لغرمائه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (¬1). • وجه الدلالة من الحديثين: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث جابر بوضع جائحة الثمار عن المشتري، ولم يأمر بوضعها عنه في حديث أبي سعيد، فدل على أن الأمر بوضع الجائحة ليس على إطلاقه، فإذا وقعت الجائحة على الثمرة بعد قبض المشتري فلا توضع عنه. الثالث: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته (¬2). • وجه الدلالة: قال ابن حزم: [تأملوا هذا! فإن ابن عمر روى نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وفسر ابن عمر بأن بدو صلاح الثمر: هو في ذهاب عاهته، فصح يقينًا أن العاهة وهي: الجائحة، لا تكون عند ابن عمر إلا قبل بدو صلاح الثمر، وأنه لا عاهة ولا جائحة، بعد بدو صلاح الثمر] (¬3). الرابع: جاء عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: [ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من المبتاع] (¬4). ولا يعلم له مخالف من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 23] جواز بيع الثمرة كاملة بعد بدو صلاح بعضها: • المراد بالمسألة: إذا بدا صلاح بعض ثمرة النخلة أو الشجرة دون بعض، فإنه لا ينتظر صلاح الباقي، ويجوز له بيع الثمرة كاملة، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا يختلف المذهب أن بدو الصلاح في بعض ¬
ثمرة النخلة، أو الشجرة صلاح لجميعها، أعني: أنه يباح بيع جميعها بذلك، ولا أعلم فيه اختلافًا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(وصلاح بعض ثمرة البرة صلاح جميعها) لا يختلف المذهب فيه، فيباح بيع جميعها بذلك، لا نعلم فيه خلافًا] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [. . . يجوز بالاتفاق إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة، أن يباع جميع ثمرها، وإن كان فيها ما لم يصلح بعد] (¬4). ويقول أيضًا: [إذا بدا صلاح بعض الشجرة، كان صلاحا لباقيها، باتفاق العلماء] (¬5). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [والمعدوم ثلاثة أقسام: . . .، الثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه، وهو نوعان: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه. فالمتفق عليه: بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد] (¬6). • تقي الدين السبكي (756 هـ) يقول: [إذا بدا الصلاح في بعض الثمرة دون بعض، نظر: . . .، إن اتحد الجنس، والنوع، والبستان، والصفقة، والملك، جاز البيع من غير شرط القطع، بلا خلاف] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬8). ¬
• مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع بدليل من المعقول، وهو: أن اللَّه سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن الثمرة لا تطيب دفعة واحدة رفقًا بالعباد، فإنها لو طابت دفعة واحدة لم يكمل تفكههم بها في طول وقته، وإنما تطيب شيئًا فشيئا، ولو اشترط في كل ما يباع كمال طيبه في نفسه لكان فيه ضررا، فإن العذق الواحد يطيب بعضه دون بعض، وإلى أن يطيب الأخير يتساقط الأول، وهذا يؤدي إلى أنه: إما أن لا يباع، وإما أن يباع حبة حبة، وفي كلا الأمرين حرج ومشقة، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬1). وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني أرسلت بحنيفية سمحة" (¬2) (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، وهو أنه إذا اتحد النوع في بستان واحد، فإنه لا يجوز بيع الثمرة، ما لم يبدو صلاح الجميع (¬4). وهذا مخالف لما ذكره السبكي. واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن ما لم يبدو صلاحه داخل في عموم النهي الوارد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. الثاني: أنه لم يبد صلاحه، فلم يجز بيعه من غير شرط القطع، كالجنس الآخر، وكالذي في البستان الآخر (¬5).Rصحة الإجماع في جواز بيع الثمرة إذا بدا صلاح بعض النخلة؛ وذلك ¬
24] تملك المشتري لمال الرقيق بالشرط
لعدم المخالف فيها. 24] تملك المشتري لمال الرقيق بالشرط: • المراد بالمسألة: إذا كان للرقيق -سواء كان عبدًا أو أمة- مال، وباعهما السيد، واشترط المشتري مالهما، وكان هذا المال معلومًا علما تنتفي معه الجهالة، ولم يكن بين مال العبد وبين الثمن ربا الفضل، فإن هذه الصورة جائزة، باتفاق العلماء، وكذلك إن لم يكن ثمة شرط من المشتري فإن المال يكون للبائع. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع العبد والأمة، ولهما مال، واشترط المشتري مالهما، وكان المال معروفَ القدر عند البائع والمشتري، ولم يكن فيه ما يقع ربا في البيع، فذلك جائز. واتفقوا أنه إن لم يشترطِ المشتري، فإنه للبائع] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وقد اتفق العلماء أن مال العبد لا يدخل في البيع إلا بالشرط، وهي السنة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من باع عبدا, وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" (¬5). الثاني: أن الداخل تحت البيع هو العبد، وما في يده لمولاه، لعدم ملكه له، ¬
فلا يدخل في بيعه ما ليس منه (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف بعض العلماء فيما إذا لم يكن ثمة شرط بينهما، وقالوا: بأن المال يكون للمشتري وليس للبائع. قال بهذا: الحسن البصري، والنخعي، وشريح، والشعبي، وعبد اللَّه بن عتبة (¬2) (¬3). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن المال جزء من المبيع وهو العبد، فلا يفصل عنه، كالجنين في بطن أمه. أما شريح: فقد جاء عنه أنه قضى بالمال للبائع (¬4). ويمكن أن يستدل لقوله: بالقياس على النخل المؤبر فإنه يكون للبائع، بجامع أن كلا منهما يمكن فصله عن أصله. ولعل قضاءه كان في حالة عدم وجود الشرط، حتى لا ينسب إلى الشذوذ.Rصحة الإجماع في المسألة الأولى، وهي إذا وقع الشرط؛ لعدم المخالف فيها (¬5). وعدم صحته في المسألة الثانية؛ لثبوت الخلاف فيها عن بعض السلف. ¬
الفصل السادس: مسائل الإجماع في باب السلم
الفصل السادس: مسائل الإجماع في باب السَّلَم 1] مشروعية السلم: • المراد بالمسألة: السلم في اللغة: بمعنى السلف، وهذا قول جميع أهل اللغة، إلا أن السلف يكون قرضًا أيضًا (¬1). لكن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق (¬2). سمي سَلما لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديم رأس المال (¬3). • وفي الاصطلاح: عقد على موصوف في الذمة، مؤجل، بثمن مقبوض في مجلس العقد (¬4). والسلم بهذا المعنى جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الشافعي (204 هـ) يقول: [والسلف جائز في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والآثار, وما لا يختلف فيه أهل العلم علمته] (¬5). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز]. نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة، وبرهان الدين ابن ¬
مفلح، والبهوتي (¬1). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [واتفقت الأمة على جوازهما -أي: السلم والقرض] (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز السلم المؤجل، لا بمعنى السلف] (¬3). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق] (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز السلم] (¬5). • القرافي (684 هـ) يقول: [واجتمعت الأمة على جوازه من حيث الجملة] (¬6). • ابن دقيق العيد (702 هـ) يقول: [فيه دليل على جواز السلم في الجملة، وهو متفق عليه، لا خلاف فيه بين الأمة] (¬7). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [أما السلف، فإنه جائز بالإجماع] (¬8). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [وهو مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] (¬9). • ابن عبد السلام الهواري (¬10) (749 هـ) يقول: [والإجماع على جوازه]. نقله ¬
عنه الحطاب (¬1). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [والمعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقًا. . .، وهذا هو السلم] (¬2). • الزركشي (772 هـ) يقول: [وهو جائز بالإجماع] (¬3). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على جواز السلم المؤجل] (¬4). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حُكي عن ابن المسيب] (¬5). نقله عنه الشوكاني (¬6). • العيني (855 هـ) يقول: [والسلم في الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حُكي عن ابن المسيب] (¬7). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [ولا يخفى أن جوازه على خلاف القياس؛ إذ هو بيع المعدوم، وجب المصير إليه بالنص والإجماع. . .] (¬8). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على جواز السلم المؤجل] (¬9). • مولى خسرو (¬10) (885 هـ) يقول: [وهو مشروع بالكتاب. . .، والسنة. . .، والإجماع] (¬11). ¬
• زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬1). • أبو الحسن علي المنوفي (¬2) (939 هـ) يقول: [دل على جوازه الكتاب، والسنة، والإجماع] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وهو على خلاف القياس؛ إذ هو بيع المعدوم، ووجب المصير إليه بالنص والإجماع؛ للحاجة] (¬4). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [وأصله قبل الإجماع. . .] (¬5). • الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬6). • القونوي (978 هـ) يقول: [وهو مشروع بالكتاب. . .، والسنة. . .، والإجماع] (¬7). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬8). • البهوتي (1051 هـ) يقول: [وهو جائز بالإجماع] (¬9). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [وهو مشروع بالكتاب. . .، والسنة. . .، وبالإجماع] (¬10). • الرحيباني (1243 هـ) يقول: [وهو جائز بالإجماع] (¬11). ¬
• عليش (¬1) (1299 هـ) يقول: [وللإجماع على جوازه] (¬2). • علي حيدر (1353 هـ) يقول: [السلم قد شرع بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} (¬5). • وجه الدلالة: ما جاء عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: [أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله اللَّه تعالى في كتابه، وأذن فيه] ثم ذكر هذه الآية (¬6). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬7). الثالث: عن عبد الرحمن بن أبزى (¬8) وعبد اللَّه بن أبي أوفى (¬9) -رضي اللَّه عنهما- قالا: "كنا ¬
نصيب المغانم مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب إلى أجل مسمى"، قال: قلت: أكان لهم زرع، أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: "ما كنا نسألهم عن ذلك" (¬1). • وجه الدلالة: أنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن الوحي، ولم يُنْكر عليهم، فدل على أصل المشروعية. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن مسعود وسعيد بن المسيب، أما ابن مسعود: فقد جاء عنه أنه كان يكره السلم كله (¬2). أما ابن المسيب: فقد جاء عنه أنه قال: [لا يجوز السلم في شيء من الأشياء] (¬3). ولعلهم يستدلون: بأن السلم مشتمل على الجهالة والغرر؛ لأنه معدوم، وهذا يفضي في الغالب إلى النزاع والخصومة. ويجاب عن هذا: بأنه قد ثبت عن ابن المسيب خلاف ذلك، فقد جاء أنه قال في السلف في الثياب والحنطة، بذرع معلوم، وكيل معلوم: [ليس به بأس] (¬4). وجاء عنه: أنه لم ير بأسًا في السلم بالحيوان (¬5). فربما رجع إلى القول به بعد أن تبين له الدليل. ¬
2] شروط البيع شروط للسلم
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم ثبوت المخالفة فيها أو شذوذها، كما هو الحال مع قول ابن مسعود، فهو مخالف لصريح السنة، ولعله لم يبلغه الدليل. 2] شروط البيع شروط للسلم: • المراد بالمسألة: السلم له شروط خاصة متعلقة به دون سائر العقود، وهذه الشروط زائدة على شروط البيع العامة، فهي من شروطه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه -أي: السلم- يشترط له ما يشترط للبيع] (¬1). نقله عنه الشوكاني (¬2). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل عقلي، وهو: أن السلم لون من ألوان البيع، لوجود معنى جامع بينهما، وهو المبادلة في كل منهما، فيأخذ أحكامه، ويشترط له ما يشترط للبيع من شروط.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] كون المسلم فيه معلوما: • المراد بالمسألة: من شروط المسلم فيه: أن يكون معلومًا مبيّنا مضبوطا بما ¬
يرفع الجهالة عنه، ويدخل في المعلومية أمران، هما: 1) معلومية المقدار: وذلك بأن تضبط الكمية الثابتة في الذمة بصورة لا تدع مجالا للمنازعة عند الوفاء، ويكون ذلك بالمعايير المعروفة وهي: الكيل والوزن والذرع والعدُّ. 2) معلومية الصفة: وذلك ببيان جنسه، ونوعه، وجودته أو رداءته. فإذا توفر هذا الشرط في المُسلم فيه صح السلم، وإن اختل بطل بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الشافعي (204 هـ) يقول: [والسلف بالصفة والأجل، ما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم حفظت عنه] (¬1). ويقول أيضًا: [ولا أعلم خلافًا في أنه يحل السلم في الثياب بصفة] (¬2). • الطبري (310 هـ) يقول: [أجمع مجوزو السلم جميعًا، أنه لا يجوز السلم إلا في موصوف معلوم بالصفة] (¬3). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم الجائز: أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم، ودنانير ودراهم معلومة] (¬4). ويقول أيضًا: [وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذراع فلان] (¬5). ويقول أيضًا: [وأجمعوا على أن السلم في الثياب جائز، بذراع معلوم، وصفة معلومة الطول والعرض والرقة والصفاقة والجود، بعد أن ينسبه إلى بلدة من البلدان، إلى أجل معلوم] (¬6). نقل الجملة الثانية والثالثة ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة (¬7). ونقل الثانية برهان ¬
الدين ابن مفلح، وعبد الرحمن القاسم (¬1). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أنه لا يجوز إلا في كيل معلوم أو وزن معلوم فيما يكال أو يوزن، وأجمعوا أنه إن كان السلم فيما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم، وأجمعوا أنه لا بد من معرفة صفة المسلم فيه] (¬2). نقله عنه ابن حجر، وعبد الرحمن القاسم (¬3). وعن ابن حجر نقله الصنعاني (¬4). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [أما الشرط الثالث: وهو كونه مقدرا، فلا خلاف فيه بين الأمة] (¬5). ويقول أيضًا: [كونه موصوفًا، فإنه مما لا يختلف فيه في الجملة. . .، ولا خلاف أن ما لم يضبط بصفة، فلا يجوز السلم فيه] (¬6). نقل عنه العبارة الأولى أبو عبد اللَّه القرطبي (¬7). • القاضي عياض (¬8) (544 هـ) يقول: [لم يجر في الأحاديث في هذا الباب -أي: باب السلم في صحيح مسلم- ذكر للصفة، وهي مما أجمع العلماء على شرطها في صحة السلف] (¬9). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم يصح بستة شرائط: أن ¬
يكون في جنس معلوم، وصفة معلومة، ومقدار معلوم. . .] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أن يضبط بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا. . .، والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس والنوع والجودة والرداءة، فهذه لا بد منها في كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في اشتراطها] (¬3). ويقول أيضًا: [معرفة مقدار المسلم فيه: بالكيل إن كان مكيلا، وبالوزن إن كان موزونا، وبالعدد إن كان معدودا. . .، ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافًا] (¬4). ويقول أيضًا: [ولا بد من تقدير المذروع بالذرع، بغير خلاف نعلمه] (¬5). نقل الجملة الأخيرة عبد الرحمن القاسم (¬6). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول بعد سرده لشروط السلم، ثم شروعه في تفصيلها: [وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون موصوفًا، فمتفق عليه] (¬7). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به] (¬8). نقله عنه المباركفوري (¬9). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس والنوع والجودة أو الرداءة، فهذه لا بد منها في كل مسلَم فيه، وكذلك معرفة قدره. . .، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم فيه خلافًا] (¬10). ويقول أيضًا: [ولا نعلم في اعتبار معرفة مقدار المسلم فيه خلافا] (¬11). ¬
• الكاكي (¬1) (749 هـ) يقول: [لا خلاف للفقهاء في جواز السلم في كل ما هو من ذوات الأمثال. . .]. نقله عنه العيني (¬2). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [ولا خلاف في اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل: كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإردب مصر، بل مكاييل هذه البلاد في أنفسها مختلفة، فلا بد من التعيين]. ويقول أيضًا: [وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره] (¬3). نقله عنه الصنعاني، والشوكاني (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا يصح السلم عند أبي حنيفة إلا بسبعة شرائط: جنس معلوم. . .، ونوع معلوم. . .، وصفة معلومة. . .، ومقدار معلوم. . .، وأجل معلوم. . .) وهذه خمسة متفق عليها] ويقول أيضًا: [. . . فجهالة المسلم فيه، مفسدة بالاتفاق] (¬5). ويقول أيضًا: [ولا خلاف في اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل: كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإردب مصر، بل مكاييل هذه البلاد في أنفسها مختلفة، فلا بد من التعيين] (¬6). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ويجوز السلم في الثياب إذا بيَّن طولا وعرضا ورقعة؛ لأنه أسلم في معلوم) والرقعة يراد بها قدر، ولا خلاف في هذا]. ويقول أيضا: [(وكل ما أمكن ضبط صفته، ومعرفة مقداره، جاز السلم فيه) لا خلاف فيه] (¬7). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا. . .، وطريقه الرؤية أو الصفة، والأول ممتنع، فتعين الوصف. فعلى هذا ¬
يذكر جنسه، ونوعه، وقدره، وبلده، وحداثته وقدمه، وجودته ورداءته، بغير خلاف نعلمه] (¬1). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [وقع الإجماع على اشتراط معرفة صفة الشيء المسلم فيه على وجه يتميز بتلك المعرفة عن غيره] (¬2). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر شرط العلم بالجنس والنوع في المسلم فيه: [باتفاق أهل العلم] (¬3). ويقول لما ذُكِر شرط العلم بالمقدار: [فلا يصح السلم بدون ذكر قدر المسلم فيه، باتفاق أهل العلم] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬6). الثاني: أنه عوض غير مشاهد يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره، كالثمن. الثالث: أن المسلم فيه متعلق بالذمة، وما يتعلق بالذمة يستحيل أن يكون جزافا غير مقدر؛ لأنه لا يتميز في الذمة من غيره إلا بالتقدير، وليس كذلك المشاهدة؛ لأنه يتميز من غيره بالإشارة إليه والتعيين له. الرابع: أن جهالة المسلم فيه تفضي إلى المنازعة التي تمنع البائع عن التسليم والتسلم، وهذا ممنوع شرعًا. الخامس: قياس الأولى: فكما أن البيع لا يُحتمل فيه جهل المعقود عليه وهو عين، فلأن لا يُحتمل وهو دين من باب أولى (¬7). ¬
4] صحة السلم في المكيلات والموزونات والمذروعات المنضبطة بالوصف
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] صحة السلم في المكيلات والموزونات والمذروعات المنضبطة بالوصف: • المراد بالمسألة: الكيل هو: كل ما لزمه اسم المختوم والقفيز والمكوك والمد والصاع (¬1). الموزون هو: كل ما لزمه اسم الأرطال والأواقي والأَمْناء (¬2). المذروع: الذراع يراد به من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (¬3)، ثم سمي بها العود المقيس بها (¬4)، يقال: ذرعت الثوب ذرعا، أي: قسته بالذراع (¬5). فالسلم في هذه الثلاثة يصح إذا كان مضبوطا بالوصف، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم جائز في المكيلات، والموزونات، والمذروعات التى يضبطها الوصف] (¬6). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬7). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [أما السلم في الزيتون وأمثاله من المكيلات والموزونات، فيجوز، وما علمت بين الأئمة في ذلك نزاعا] (¬8). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم جائز في المكيلات، والموزونات، والمذروعات التي يضبطها الوصف] (¬9). • العيني (855 هـ) يقول: [(وكذا) أي: يجوز (في المذروعات) ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة] (¬10). ¬
• ابن الهمام (861 هـ) يقول: [أجمع الفقهاء على جواز السلم في المذروعات، من الثياب والبسط والحصر والبواري (¬1)، إذا بيَّن الطول والعرض] (¬2). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم جائز في المكيلات، والموزونات، والمذروعات التي يضبطها الوصف] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [ويصح السلم في المذروعات. . .، وجوازه فيها بالإجماع] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [(انضباط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها اختلافا كثيرا) هذا أحد الشروط السبعة التي لا يصح السلم بدونها بالاتفاق] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في تمر، فلا يسلف إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم" (¬7). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على الكيل والوزن في السلم؛ لأنها مما يمكن ضبطها بالوصف، وقاس العلماء عليهما الذرع؛ لأن الحاجة موجودة فيه كما في الكيل والوزن (¬8). الثاني: القياس على البيع: فكما أن البيع يصح بما ينضبط بالصفة، فكذلك السلم؛ بجامع أن كلا منها عقد معاوضة. بل إن من العلماء من عد السلم قسما ¬
5] جواز السلم في الشحم
من أقسام البيع، واستدل على هذه المسألة بدليل الإباحة الأصلية (¬1). الثالث: أن ضبط قدرِ ووصف المسلم فيه بهذه الثلاثة، ينفي الجهالة، ويقطع النزاع، وما كان كذلك فيصح معه عقد السلم (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، وهو اختيار ابن حزم من الظاهرية، وقالوا بصحة السلم في المكيل والموزون فقط دون الذروع (¬3). واستدل هؤلاء: بحديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- السابق، قالوا: فلم يذكر فية إلا الكيل والوزن، فيقتصر على ما جاء به النص، ولا يزاد عليه (¬4).Rصحة الإجماع فيما ينضبط بالوصف من المكيل والموزون دون المذروع؛ وذلك لثبوت الخلاف في المذروع. 5] جواز السلم في الشحم: • المراد بالمسألة: من شروط السلم: أن يكون المسلم فيه معلوما، فإذا أسلم في شحم، سواء كان شحم الألية أم غيره، وضبطه بالصفة، فإنه يجوز سلمه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم في الشحم جائز، إذا كان معلوما] (¬5). نقله عنه ابن القطان (¬6). • العيني (855 هـ) يقول: [ويجوز السلم في الشحم والألية بالإجماع] (¬7). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [. . . جاز السلم في الألية، مع أنها لا تخلو من ¬
6] جواز السلم في صغار اللؤلؤ
عظم، والسلم فيها وفي الشحم بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في هذه المسألة: المالكية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬3). • وجه الدلالة: أن الشحم من الموزونات التي تنضبط بالصفات، ولا تختلف أجزاؤه إلا اختلافا يسيرا غير مؤثر، فيدخل في الحديث.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] جواز السلم في صغار اللؤلؤ: • المراد بالمسألة: صغار اللؤلؤ التي تدق، ويستفاد منها في المداواة، يجوز أن يسلم فيها كيلا ووزنا، وليس عددا، بلا خلاف بين الفقهاء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(وفي صغار اللؤلؤ التي تباع وزنا، يجوز السلم. . .). . . ولا خلاف فيه للفقهاء] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (¬5). ¬
7] تحريم السلم في الخبز عددا
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬1). • وجه الدلالة: أن صغار اللؤلؤ يمكن ضبطها بالكيل أو بالوزن، فتدخل في عموم الحديث. الثاني: القياس على العنبر والجواهر ونحوها من الجواهر الثمينة، فكما يجوز السلم فيها، فكذلك صغار اللؤلؤ. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في المشهور عندهم، يرون عدم جواز السلم في اللؤلؤ مطلقا، سواء كن صغارًا، أم غير ذلك (¬2). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن اللؤلؤ لا يمكن ضبطه بالصفة، فتختلف أثمانها اختلافا متباينا بالصغر والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، فلا يصح السلم فيها (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 7] تحريم السلم في الخبز عددا: • المراد بالمسألة: الخبز يعد من الموزونات، وعليه فلو أسلم فيه بالعدد بدل الوزن، فإنه لا يجوز بالإجماع. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأما السلم في الخبز عددا، فلا يجوز بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: ¬
8] جواز رد أجود أو أردأ من المسلم فيه عند حلول الأجل
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن السلم بالخبز عددا لا ينضبط، فالتفاوت فاحش بين خبز وخبز، في الخَبْز والخِفة والثقل، وهذا من شأنه أن يوقع في الجهالة المفضية إلى المنازعة (¬2) الثاني: القياس على السلم في الثوم والبصل ونحوها، فلا يجوز السلم فيها عددا، فكذلك الخبز، بجامع عدم الانضباط في كل منهما بالعدد.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] جواز رد أجود أو أردأ من المُسلم فيه عند حلول الأجل: • المراد بالمسألة: إذا حل الأجل، وحان موعد تسليم المسلم فيه، فإن أعطاه أجود مما وصف له، أو أردأ مما اتفقا عليه، وكان من جنسه ونوعه، ولم يختلف قدره، وحصل التراضي بينهما، فإن هذا جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) لما ذكر قول الإمام مالك وهو: [من سلَّف في حنطة شاميَّة، فلا بأس أن يأخذ محمولة (¬3) بعد محل الأجل. . .، وكذلك من سلف في ¬
صنف من الأصناف، فلا بأس أن يأخذ خيرا مما سلف فيه أو أدنى بعد محل الأجل، وتفسير ذلك: أن يسلف الرجل في حنطة محمولة، فلا بأس أن يأخذ شعيرا (¬1) أو شامية، وإن سلف في تمر عجوة، فلا بأس أن يأخذ صيحانيا أو جمعا، وإن سلف في زبيب أحمر، فلا بأس أن يأخذ أسود، إذا كان ذلك كله بعد محِل الأجل، إذا كانت مكيلة ذلك سواء بمثل كيل ما سلف فيه] (¬2) قال أبو عمر بعده: [هذا كله لا خلاف فيه، إلا في قبض الشعير من القمح عند محل الأجل أو بعده، فإن ذلك لا يجوز عند كل من يجعل الشعير صنفا غير القمح. والقمح كله عند الجميع صنف واحد، كما الشعير صنف واحد، وكما الزبيب أحمره وأسوده صنف واحد، وكذلك التمر وضروبه، والسلت عندهم صنف واحد، والذرة صنف، والدخن صنف وما أشبه ذلك كله، فإذا سلف في صنفه من ذلك الصنف، وأخذ عند محل الأجل أو بعده أرفع من صفته، فذلك إحسان من المعطي، وإن أخذ أدون، فهو تجاوز من الآخذ] (¬3). نقله عنه ابن القطان (¬4). • البغوي (516 هـ) يقول: [فإن تبرع المسلَم إليه بأجود مما وصف، أو رضي المسلِم بالأردء، والنوع واحد، فجائز بالاتفاق] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة في رواية عندهم (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، أهمها: ¬
الأول: أنه إذا أعطى من جنس المسلم فيه، وكان أردأ مما اتفقا عليه، فقد قبض جنس حقه، وإنما اختلف الوصف، واختلاف الوصف غير مؤثر فيه، إذا تراضيا عليه. الثاني: أنه إذا أعطى من جنس المسلم فيه، وكان أجود مما اتفقا عليه، فإنه يكون قد قضى حقه، وأحسن في القضاء، وفي الحديث: "خياركم أحسنكم قضاء" (¬1) (¬2). الثالث: أنه إذا أعطاه أجود مما اتفقا عليه، يكون قد أتاه بما تناوله العقد، وزيادة تابعة له، تنفعه ولا تضره (¬3). الرابع: أن هذا من باب المبادلة، وليس من باب المبايعة، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره (¬4). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إذا أعطاه غير النوع المتفق عليه، فإنه لا يجوز له أن يأخذه. وهذا هو المشهور عند الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة (¬5). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أنه أعطاه غير النوع المتفق عليه، وهذا يشبه الاعتياض عن المسلم فيه، والاعتياض عنه ممنوع، فكذلك ما يشبهه (¬6). الثاني: أن العقد تناول ما وصفاه على الصفة التي شرطاها، وقد فاتت بعض الصفات، فإن النوع صفة، فأشبه ما لو فات غير النوع، كالجنس من الصفات, ¬
9] اغتفار التفاوت اليسير في وصف المسلم فيه
وقد يكون له غرض في تحديد النوع، فلا يجوز له أخذه (¬1). القول الثاني: أنه لا يأخذ أجود ولا أردأ من المسلم فيه المتفق عليه في كيل ولا صفة. وهو قول إبراهيم النخعي، وأبي ثور، والثوري (¬2). ويمكن أن يستدل لقولهم بما يلي: الأول: أن هذا يشبه الاعتياض عن المسلم فيه، كما مر سابقا. الثاني: أنه إذا أعطاه ما فيه مخالفة لما وقع عليه العقد، فإنه يبطل شرط الوصف في العقد، فلا حاجة إليه إذن، ثم إنه ربما يكون له مقصود في الموصوف فيبطل مقصوده بتغييره.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 9] اغتفار التفاوت اليسير في وصف المسلم فيه: • المراد بالمسألة: من شروط السلم: أن يكون المسلم فيه موصوفا وصفا منضبطا، فإذا حصل تفاوت يسير في الوصف غير مؤثر، فإنه مغتفر بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ولا يجوز السلم في الحيوان) دابة كان أو رقيقا (وقال الشافعي) ومالك وأحمد: (يجوز) للمعنى والنص. أما المعنى (فلأنه يصير معلوما ببيان الجنس، والسن، والنوع، والصفة، والتفاوت بعد ذلك يسير) وهو مغتفر بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
10] صحة الأجل في المسلم فيه
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن التفاوت في الأمر الغائب لا بد منه، فلو قيل بعدم الصحة في مثل هذه الحالة، فإنه يترتب عليه عدم صحةِ سلمٍ أصلا (¬1). الثاني: أن قاعدة الشرع في اليسير عدم المؤاخذة عليه، والاعتداد به أبدا، كما هو الحال في يسير النجاسة، والغرر اليسير، ونحوهما. فكذلك أيضا يقال في وصف المسلم فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] صحة الأجل في المسلم فيه: • المراد بالمسألة: المسلم فيه: هو الذي يؤخر في عقد السلم، فإذا كان مؤجلا، فإن السلم جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [الأصل فيه -أي: السلم- التأجيل؛ لانعقاد الإجماع على جوازه] (¬2). • النووي (676 هـ) يقول: [وقد اختلف العلماء في جواز السلم الحال، مع إجماعهم على جواز المؤجل] (¬3). نقله عنه المباركفوري، والعظيم آبادي (¬4). ¬
• تقي الدين الحِصْني (829 هـ) يقول: [ثم عقد السلم إن كان مؤجلا، فلا نزاع في صحته، وفي بعض الشروح حكاية الاتفاق على صحته] (¬1). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [(وصح) السلم (حالا ومؤجلا) بأن يصرح بهما. أما المؤجل: فبالنص، والإجماع] (¬2). • عميرة (¬3) (957 هـ) يقول: [(حالا ومؤجلا) أما المؤجل: فبالاتفاق] (¬4). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [(ويصح) السلم مع التصريح بكونه (حالا) إن وجد المسلم فيه حينئذ، وإلا تعين المؤجل (و) كونه (مؤجلا) إجماعا فيه] (¬5). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(ويصح) السلم (حالا ومؤجلا) بأن يصرح بهما. أما المؤجل: فبالنص والإجماع] (¬6). • الرملي (1004 هـ) يقول: [(ويصح) السلم مع التصريح بكونه (حالا) إن كان المسلم فيه موجودا حينئذ، وإلا تعين كونه مؤجلا (و) كونه (مؤجلا) بالإجماع فيه] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من ¬
11] العلم بالأجل في المسلم فيه
الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (¬2). • وجه الدلالة: أن المداينة التي ذكرها اللَّه في الآية مشتملة على الأجل، ويدخل في المداينة السلم فهو نوع من أنواعها. الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف في تمر، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر صفة السلم الصحيحة، وبين ذكر الأجل فيها، وأقل أحوال ذكره هنا الدلالة على المشروعية.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 11] العلم بالأجل في المسلم فيه: • المراد بالمسألة: المسلم فيه في عقد السلم لا بد أن يكون مؤجلا، وإذا حكم بتأجيله فلا بد أن يكون أجله معلوما للمتعاقدين، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم الجائز: أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض لا يخطئ مثلها، إلى أجل معلوم. . .] (¬4). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬5). ¬
• ابن العربي (543 هـ) يقول: [وأما الشرط الخامس: وهو أن يكون الأجل معلوما، فلا خلاف فيه بين الأمة] (¬1). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول بعد أن ذكر أثر ابن عمر وهو قوله: [لا بأس بأن يسلف الرجل الرجل في الطعام الموصوف، بسعر معلوم، إلى أجل مسمى، ما لم يكن في زرع لم يبد صلاحه، أو تمر لم يبد صلاحه] (¬3) قال: [قد روي هذا المعنى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، واتفق الفقهاء على ذلك، إذا كان المسلم فيه موجودا في أيدي الناس من وقت العقد إلى حلول الأجل، واختلفوا فيما سوى ذلك] (¬4). وهذا يدل على حكاية الاتفاق على ما جاء في أثر ابن عمر، ومنها: معلومية الأجل. • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم يصح بستة شرائط: أن يكون في جنس معلوم، وصفة معلومة، ومقدار معلوم، وأجل معلوم. . .] (¬5). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬6). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا بد من كون الأجل معلوما. . .، ولا نعلم في اشتراط العلم -في الجملة- اختلافا] (¬7). • العيني (855 هـ) يقول: [وأشار إلى الخامس -أي: الشرط الخامس من شروط السلم- بقوله: (وأجل معلوم) وهذه خمسة متفق عليها] (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬9). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وهم يسلفون في الثمار ¬
12] صحة تحديد الأجل في السلم بالأهلة
السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬1). الثاني: أن عدم تحديد الأجل يفضي إلى المنازعة والخصومة بين المتعاقدين، وما كان كذلك فإن بابه مسدود في الشرع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 12] صحة تحديد الأجل في السلم بالأهلة: • المراد بالمسألة: من شروط السلم: أن يكون مؤجلا أجلا معلوما، فإذا حدد المتعاقدان أجلا مقدرا بالأهلة، كأول شهر رجب، أو أوسطه، أو آخره، أو حددا يوما من الشهر، فإنه يكون قد وفى بالشرط، وصح أجله، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [في كون الأجل معلوما بالأهلة، وهو أن يُسْلِم إلى وقت يعلم بالهلال. . .، ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يُسْلِم إلى وقت يعلم بالأهلة، ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك] (¬3). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ولا بد أن يكون الأجل مقدرا بزمن معلوم، فعلى هذا يُسْلِم إلى وقت يعلم بالأهلة. . .، ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). ¬
13] بطلان جعل الأجل في السلم إلى الميسرة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (¬1). • وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله بيّن الحكمة من الأهلة، وهي أنها جُعلت مواقيت للناس يحددون بها آجالهم في التعامل بينهم، حتى يكون أسلم لهم، وأبعد عن المنازعة بينهم (¬2). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬3). • وجه الدلالة: أن الأجل المعلوم هو الأجل المنضبط الذي لا يتغير أبدا، والتوقيت بالأهلة يعد من هذا القبيل، فيدخل دخولا أوليا في الحديث.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] بطلان جعل الأجل في السلم إلى الميسرة: • المراد بالمسألة: إذا أسلم ألف ريال، وكان المسلم فيه مائة كيلٍ من الشعير، على أن يسلمها له متى ما وقع اليسار له، ولم يحددا أجلا، كان العقد محرما ولا يصح، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) لما ذكر من شروط السلم معلومية الأجل قال: [لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة، لم يصح] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة، لم يصح] (¬6). ¬
• برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [لا خلاف أنه -أي: التأجيل إلى الميسرة في السلم- لا يصلح للأجل] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في تمر، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬3). • وجه الدلالة: في الحديث دلالة على أن الأجل لا بد أن يكون معلوما، وجعله إلى ميسرة لا شك أنه غير معلوم. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬4). • وجه الدلالة: جَعْل الأجل إلى الميسرة متردد الوجود والعدم، فربما يقع له اليسار وربما لا يقع له ذلك، فكان لونا من ألوان الغرر. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- فقد جاء عنه أنه كان يبتاع إلى ميسرة، ولا يسمي أجلا (¬5). ¬
وقد ضعف ابن عبد البر هذا عن ابن عمر، وبيّن أن من أسباب الضعف روايته لحديث النهي عن بيع حبل الحبلة (¬1). وخالف أيضا: ابن خزيمة (¬2) من الشافعية (¬3)، والأمير الصنعاني (¬4)، وقالا: يجوز أن يجعل الأجل إلى الميسرة. واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: "قلت: يا رسول اللَّه، إن فلانا اليهودي قدم له بَزٌّ من الشام، فلو بعثت إليه، فأخذت منه ثوبين إلى الميسرة، فبعث إليه، فامتنع" (¬5) (¬6). ¬
14] تحريم جهالة الأجل في العقد المؤجل
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها، فلم يخالف إلا اثنان من العلماء، فأين البقية عن مثل هذه المسألة التي تعد من أعيان المسائل. 14] تحريم جهالة الأجل في العقد المؤجل: • المراد بالمسألة: البيع إذا كان فيه أجل فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الأجل معلوما، فيصح البيع بلا خلاف بين العلماء. الحالة الثانية: أن يكون الأجل مجهولا، فلا يجوز العقد بإجماع العلماء، سواء كانت الجهالة متفاحشة، وهي: ما كانت متعلقة بوجود العين من عدمها: كهبوب الريح وقدوم زيد ونحوهما. أو كانت الجهالة متقاربة، وهي: ما كان متعلقا بالتأخير والتقديم: كإلى الحصاد والدراس والعطاء ونحوها. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول في بيان معنى حديث عائشة في طلبها منه -صلى اللَّه عليه وسلم- شراء الثوبين من اليهودي إلى الميسرة (¬1): [لم ترد إلى أن تستغني بما يؤتيك اللَّه؛ لأنه أجل مجهول، ولا يجوز بإجماع من الأمة] (¬2). • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو باع العين بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة متقاربة، ثم أبطل المشتري الأجل قبل محله، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز العقد عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر لا يجوز. ولو لم يبطل حتى حل الأجل، وأخذ الناس في الحصاد، ثم أبطل لا يجوز العقد بالإجماع، وإن كانت الجهالة متفاحشة فأبطل المشتري الأجل قبل الافتراق، ونقد الثمن جاز البيع عندنا، وعند زفر لا يجوز. ولو افترقا قبل الإبطال لا يجوز بالإجماع] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول] (¬4). • الموافقون على الإجماع: الإجماع المذكور له صلة بمسألتين متقاربتين، وكل منهما وقع فيها الخلاف ¬
بين العلماء، ولذا سيأتي الخلاف في فقرة المخالفين. ومما يذكر هنا أن ابن حزم الظاهري وافق ما حكي من الإجماع في هاتين المسألتين (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (¬2). • وجه الدلالة: أن البيع إلى أجل يعتبر لونا من ألوان المداينة، واللَّه جل جلاله بين الصفة الصحيحة للمداينة، وهي التي يكون فيها الأجل معلوما (¬3). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬4). • وجه الدلالة: أن من ألوان الغرر الجهالة في الأجل. الثالث: القياس على السلم: فكما أنه يشترط في الأجل فيه أن يكون معلوما، فكذلك الأجل في البيع، بجامع أن الأجل في كل منهما متعلق بشرط من شروط العقد، وإذا اختل جزء من الشرط كان مظنة لوقوع النزاع والخصام بين المتعاقدين (¬5). • المخالفون للإجماع: هذه المسألة ذات شقين، كل شق وقع فيه الخلاف، وهما على النحو التالي: الأولى: حكم العقد إذا وقعت فيه جهالة في أجله. وهذه المسألة خالف فيها الحنابلة، فقالوا: إن البيع يعتبر صحيحا والشرط يلغو، ويكون الثمن حالا (¬6). واستدل هؤلاء: بأن الجهالة إنما هي في الشرط، دون البيع، فلا تعلق للبيع به، فيبقى العقد صحيحا (¬7). الثانية: وهي متفرعة عن الأولى، هل التأجيل إلى الحصاد والدراس والعطاء، يُعد من الأجل المجهول أم من المعلوم؟ وهذه المسألة خالف فيها المالكية ¬
والحنابلة في رواية عندهم (¬1)، وهو قول مروي عن أمهات المؤمنين، وابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين (¬2) وعامر، كل هؤلاء رُوِي عنهم جواز التأجيل إلى العطاء (¬3). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يجهز جيشا، قال عبد اللَّه: وليس عندنا ظهر، قال: فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يبتاع ظهرا إلى خروج المصَّدَّق، فابتاع عبد اللَّه البعير بالبعيرين وبأبعرة إلى خروج المصدق بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬4). • وجه الدلالة: أن جَعْل الأجل إلى خروج العطاء ونحوه، كجَعْل الأجل إلى خروج المصَّدق، فهو له وقت معروف عندهم وليس محددا تحديدا فاصلا. الثاني: أن أوقات العطاء والحصاد والدراس معروفة وليست مجهولة، فيحكم بصحة الأجل إليها (¬5).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ويظهر -واللَّه أعلم- للباحث أن مراد الكاساني بحكاية الإجماع هنا إنما هي عن علماء ¬
15] كون المسلم فيه عام الوجود في محله
المذهب، بدليل ثبوت الخلاف في المذاهب الأخرى، بل حتى عن السلف من قبل، ثم قرنه الإجماع بخلاف المذهب في بعض جوانب المسألة، دليل على أنه أراد علماء مذهبه فقط، خاصة وأن المسألة من أعيان المسائل، كل ذلك قرائن تدل على أنه لم يقصد الإجماع بمعناه العام. 15] كون المسلم فيه عام الوجود في محله: • المراد بالمسألة: من أركان السلم: المسلم فيه، ويشترط فيه: أن يكون مما يغلب على الظن وجوده، عند حلول وقته. وإن علم عدم وجوده فيه، فلا يصح السلم حينئذ، بلا خلاف بين العلماء، كأن يسلم في الرطب إلى فصل الشتاء، أو كان وجوده فيه نادرا، كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلا نادرا، فلا يؤمن حينئذ انقطاعه. • من نقل الإجماع: • الباجي (474 هـ) يقول: [أن يكون المسلم فيه موجودا حين الأجل، فلا خلاف أن ذلك شرط في صحة السلم] (¬1). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [وأما الشرط السادس: وهو أن يكون موجودا عند المحلَّ، فلا خلاف فيه بين الأمة] (¬2). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [ومنها: -أي: الشروط المتفق عليها- أن يكون موجودا عند حلول الأجل] (¬4). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [الشرط الخامس: وهو كون المسلم فيه عام الوجود في محله، ولا نعلم فيه خلافا] (¬5). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬6). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الشرط (الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله) لا نعلم فيه خلافا] (¬7). ¬
16] بطلان السلم في ثمر بستان بعينه
• برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [(أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله) غالبا بغير خلاف نعلمه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه إذا كان عام الوجود عند الحلول، أمكن تسليمه عند الوجوب، والقدرة على التسليم شرط في البيع والسلم، وإذا لم يكن كذلك، لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، وعليه فلا يصح بيعه، كبيع الآبق، بل هو أولى (¬3). الثاني: أن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر، وإذا لم يكن ممكن الوجود عند الحلول، كثر الغرر فيه (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 16] بطلان السلم في ثمر بستان بعينه: • المراد بالمسألة: من شروط السلم: أن يكون موصوفا غير معيَّن، مقدورا على تسليمه عند حلوله، فإذا أراد أن يسلم في ثمرة بستانٍ معيَّن لم يبد صلاحه، فلا يصح سلمه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: الجوزجاني (¬5) (259 هـ) يقول: [أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع]. يقصد ¬
السلم في ثمرة بستان بعينه. نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة، والزركشي، وبرهان الدين ابن مفلح، وعبد الرحمن القاسم (¬1). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [باب إبطال السلم في ثمر حائط بغيم عينه]، ثم ذكر الحديث الثاني المذكور في مستند الإجماع ثم قال: [وهذا كالإجماع من أهل العلم] (¬2). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والزركشي، وبرهان الدين ابن مفلح (¬3). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء أنه لا يجوز أن يكون السلم في قمح فدان بعينه] (¬4). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولم يختلفوا أنه لا يجوز السلم في شيء بعينه إلى أجل] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر فيسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ردهم إلى ما هو مباح وهو الوصف، وهم كانوا يسلفون في ثمار نخيل في المدينة بعينها (¬2). الثاني: عن عبد اللَّه بن سلام (¬3) -رضي اللَّه عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن بني فلان أسلموا -لقوم من اليهود- وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدوا. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عنده؟ "، فقال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا -لشيء قد سماه- أراه قال ثلاثمائة دينار، بسعر كذا وكذا، من حائط بني فلان. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بسعر كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهاه أن يجعله من حائط معين، وأبقاه على الوصف، ولو كان مباحا لما نهاه. الثالث: أنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، لم يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح؛ لانتفاء القدرة على تسليمه، كما لو أسلم في شيء قدّره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال: أسلمت إليك في مثل هذه (¬5). ¬
17] العلم برأس مال السلم
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 17] العلم برأس مال السلم: • المراد بالمسألة: رأس مال السلم هو: الثمن المعجل في العقد، مقابل المؤجل الموصوف في الذمة، وهذا لا بد من العلم به، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السَلَم الجائز: أن يُسْلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم، ودنانير ودراهم معلومة. . .] (¬1). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السلم يصح بستة شرائط: أن يكون في جنس معلوم، وصفة معلومة، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (¬6). • وجه الدلالة: أن السلم إذا كان غير معلوم فإنه يترتب عليه الغرر، وهو نوع من أنواع البيع، فيدخل في عموم النهي الوارد في الحديث. الثاني: أنه لا يؤمن فسخ السلم لتأخر المعقود عليه، فوجب معرفة رأس ¬
18] اشتراط معرفة صفة رأس مال السلم
المال، ليرد بدله، كالقرض (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ لعدم المخالف فيها، ولعل السبب في أنه لم يحكِ الإجماع في المسألة إلا قلة من العلماء مع شهرة هذه المسألة؛ لأن عامة العلماء لا ينصون على هذه المسألة في السلم، وإنما يذكرون أنه لا بد من توفر شروط البيع في السلم؛ لأنه نوع من أنواع البيوع، وهذا الشرط ليس خاصا بالسلم، وإنما هو من شروط البيع. 18] اشتراط معرفة صفة رأس مال السلم: • المراد بالمسألة: من أركان السلم: رأس مال السلم، وهو إما أن يكون معينا، أو في الذمة، وإذا كان في الذمة فلا بد أن يُميَّز بالصفة التي يعرف بها نوعه وجنسه ونحوها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته -أي: رأس مال السلم- إذا كان في الذمة] (¬2). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [أما -أي: الشروط- الثلاثة التي في رأس مال السلم: فأن يكون معلوم الجنس، مقدَّرا، نقدا، وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال، متفق عليها إلا النقد] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته إذا كان في الذمة] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬5). ¬
19] الاكتفاء بالإشارة في رأس مال السلم الذي لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع، فكما أنه يشترط وصف الثمن في البيع إذا كان في الذمة، فكذلك في السلم، بجامع أن كلا منهما ركن في العقد (¬1). الثاني: أنه ربما وقع التخالف بين المتعاقدين، ولا يحسم الخلاف بينهما إلا أن يكونا على معرفة بصفة رأس المال، وإلا كان سببا في وقوع الشقاق والنزاع الذي لا يرضاه الشارع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 19] الاكتفاء بالإشارة في رأس مال السلم الذي لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة: • المراد بالمسألة: الأصل في رأس مال السلم أن يكون معلوم الصفة والمقدار، لكن إذا كان مما لا يتعلق العقد بمقداره - وهو الذي لا تنقسم أجزاء المسلم فيه على أجزائه (¬2) - من الذرعيات والعدديات المتفاوتة، وكان معينا غير موصوف في الذمة، فإنه تكفي فيه الإشارة عن بيان المقدار، بإجماع العلماء. وذلك مثل: الثياب لا يعلم ذرعها، والغنم لا يعلم عددها، ونحوها. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة، لا يشترط إعلام قدره، ويكتفى بالإشارة بالإجماع. . .، وصورة المسألة. . . لو قال: أسلمت إليك هذا الثوب، ولم يعرف ذرعه، أو هذا القطيع من الغنم، ولم يعرف عدده، جاز بالإجماع] (¬3). • مولى خسرو (885 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن رأس المال إذا كان ثوبا أو حيوانا، يصير معلوما بالإشارة] (¬4). نقله عنه ابن عابدين (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في رواية عندهم، وهو الوجه الثاني عند الحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أنه لا يشترط العلم بقدر رأس المال في بيع العين ويكفي فيه الإشارة، فكذلك في رأس مال السلم (¬2). الثاني: أن الذرع وصف لا يتعلق العقد بمقداره، وإعلام الوصف بعد الإشارة ليس بشرط، ولهذا لو اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع فوجده أحد عشر تسلم له الزيادة، ولو وجده تسعة لا يحط عنه شيئا من الثمن. الثالث: أن المسلم فيه لا ينقسم على عدد الذرعان حتى يشترط إعلامه؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء، فجهالة قدر الذرعان لا تؤدي إلى جهالة المسلم فيه (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في رواية، وهو المذهب عند الحنابلة، ¬
20] صحة السلم الذي سلم رأس المال فيه في مجلس العقد
فقالوا: لا بد من معرفة مقدار رأس المال في السلم (¬1). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أنه عقد يتأخر فيه تسليم المعقود عليه، فوجب معرفة رأس ماله ليرد بدله، كالقرض والشركة (¬2). الثاني: أن رأس المال قد يتلف، فينفسخ السلم، فلا يدري بم يرجع، فيقع التنازع بينهما (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل مراد الحنفية بالإجماع هنا، إجماع علماء المذهب، وقرينة ذلك أنهم انتزعوا هذه الصورة من بين صور مختلف فيها عندهم ذكرت مع هذه المسألة. 20] صحة السلم الذي سُلِّم رأس المال فيه في مجلس العقد: • المراد بالمسألة: رأس مال السلم إذا سلَّمه المسلم في مجلس العقد، فإن السلم يعد صحيحا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطبري (310 هـ) يقول: [وأجمعوا جميعا أنه لا يجوز السلم حتى يستوفي المسلم إليه ثمن المسلم فيه في مجلسهما الذي تبايعا فيه] (¬4). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم الجائز: أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم، ودنانير ودراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم فيه قبل أن يتفرقا من مقامهما الذي تبايعا فيه. . .] (¬5). نقله عنه أبو عبد اللَّه ¬
القرطبي (¬1). • ابن عبد السلام الهواري (749 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في كون تعجيل رأس المال عزيمة، وأن الأصل التعجيل، وإنما الخلاف هل يرخص في تأخيره؟ ]. نقله عنه الحطاب، وكذا عليش (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في هذه المسألة: الحنفية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" (¬4). • وجه الدلالة: معلوم أن السلم بيع موصوف في الذمة، فإذا لم يستلم رأس المال في المجلس، فإنه يكون من باب بيع الدين بالدين الذي ورد النهي عنه في الحديث. الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم. . . " (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فليسلف" ولم يقل: فليبع، والتسليف في ¬
اللغة بمعنى الإعطاء، فلا يقع اسم التسليف حتى يعطيه ما سلفه قبل أن يتفرقا من مجلسهما، وأسماء العقود المشتقة من المعاني، لا بد من تحقق تلك المعاني فيها (¬1). الثالث: أن الغاية الشرعية المقصودة في العقود تترتب آثارها عليها بمجرد انعقادها، فإذا تأخر البدلان كان العقد عديم الفائدة للطرفين خلافا لحكمه الأصلي مقتضاه وغايته، ولذا قال ابن تيمية عن تأخير رأس المال في السلم: [فإن ذلك مُنِع منه؛ لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت لا له ولا للآخر، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل به مقصود أصلا، بل هو التزام بلا فائدة] (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في مسألة الإلزام بتسليم رأس مال السلم في مجلس العقد: المالكية، وقالوا: يجوز التأخير اليومين والثلاثة (¬3). واستدلوا على ذلك بدليل عقلي، وهو: أن التأخير فيه ليس بممنوع لمعنى في العوض، وإنما هو لمعنى في العقد؛ لئلا يكون من باب بيع الكالئ بالكالئ، والمسلَم فيه من شرطه التأجيل، والثمن من شرطه التعجيل، فكما لا يصح السلم بتأخير القبض عن المجلس، ولا بتأخيره اليوم واليومين، ولا يكون بذلك حكم الكالئ، فكذلك الثمن الذي من شرطه التعجيل لا يفسده التأخير عن مجلس القبض، ولا بتأخره اليوم واليومين، ولا يدخل بذلك في حكم الكالئ (¬4).Rصحة الإجماع في أن السلم يكون صحيحا إذا سلَّم رأس المال في مجلس العقد، أما ما ذكره الطبري من أن ذلك أمر لازم ولا يصح السلم إذا لم يكن في مجلس العقد، فلا؛ لمخالفة المالكية كما سبق. ¬
21] منع جعل رأس مال السلم دينا في الذمة
21] منع جعل رأس مال السلم دينا في الذمة: • المراد بالمسألة: هذه المسألة من مسائل بيع الدين بالدين، ولها عدة صور، وتوضيح هذه المسألة يستوجب ذكر أهم صور بيع الدين بالدين، وهي على النحو التالي: 1) بيع الدين الحال بالدين الحال. 2) بيع الدين الحال بالدين المؤجل. 3) بيع الدين المؤجل بالدين الحال. 4) بيع الدين المؤجل بالدين المؤجل، وتسمى الدين الواجب بالدين الواجب (¬1)، وصورتها أن يقال: لزيد على عمرو ألف ريال مؤجلة، فيجعل زيد هذه الألف رأس مال سلم، فيقول: أسلمت هذه الألف بسيارة بعد سنة. فالمسلم فيه دين موصوف في الذمة، ورأس المال دين في الذمة كذلك، وهذه الحالة محرمة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • أحمد بن حنبل (241 هـ) يقول بعد أن ذكر حديث ابن عمر في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ: [لم يصح فيه حديث، ولكن هو إجماع]. نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة، وابن تيمية، وتقي الدين السبكي، والصنعاني، والشوكاني (¬2). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الدين بالدين، لا يجوز] (¬3). وقال أيضا: [وأجمعوا على منع أن يجعل الرجل دينارا له على رجل سلما، في طعام، إلى أجل معلوم] (¬4). نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة، وتقي الدين السبكي، وعبد الرحمن القاسم (¬5). ¬
• ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الكالئ بالكالئ، باطل] (¬2). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز، بالاتفاق] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" (¬5). • وجه الدلالة: أن معنى الكالئ بالكالئ في اللغة: النسيئة بالنسيئة وهي التأخير (¬6). وقد فسر الحديث نافع -وهو الراوي عن ابن عمر- ببيع الدين بالدين، فتدخل صورة المسألة في الحديث. الثاني: أن من شروط السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، وفي هذه الصورة لم يتحقق هذا الشرط.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
22] بطلان قدر من رأس مال السلم المستحق بعضه دون بعض
22] بطلان قدْرٍ من رأس مال السلم المستحق بعضه دون بعض: • المراد بالمسألة: إذا سلَّم المُسلِم المسلَم إليه رأس المال، ثم تبين أن بعضه مستحق لغيره لا يملكه المسلِم، ولم يجز من له بعض المال هذا التصرف من شريكه، فإنه ينقص من العقد بقدر القسط المستحق، ومثله لو تبين له عيب في رأس المال، كأن تكون الدراهم ستوقا -وهي: ما لحقها الغش حتى كان الصفر أو النحاس هو الغالب فيها (¬1) - ونحوها، فإن العقد يبطل في هذا الجزء، بإجماع العلماء، لا فرق في ذلك بين أن يكون رأس المال عينا أو دينا. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [فأما إذا وجد -المسلم إليه- بعضه -أي: رأس مال السلم- دون بعض، ففي الاستحقاق إذا لم يُجز المستحق، ينقص العقد بقدر المستحق، سواء كان رأس المال عينا أو دينا بلا خلاف؛ لأن القبض انتقص فيه بقدره، وكذا في الستوق والرصاص، فبطل العقد بقدره، قليلا كان أو كثيرا، بالإجماع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في المشهور عندهم، والشافعية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الثمن إذا تبيَّن أنه كان معينا، وثبت أنه مستحق، فقد اشترى بهذا البعض عينَ مالِ غيره بغير إذنه، وهو محرم؛ إذ هو من أكل أموال الناس بالباطل (¬4). ¬
23] تحريم السلم إذا كان رأس المال والمسلم فيه من الأثمان
الثاني: أن الثمن إذا كان موصوفا في الذمة، وثبت استحقاقه، فإنه لا يتمكن من قبضه في المجلس، وإذا تأخر عن قبضه في المجلس كان من باب بيع الدين بالدين، وهو محرم بالاتفاق. الثالث: أنه إذا تبين أن البعض فيه عيب، بان أنه غير ما وقع العقد عليه، وما لم يقع عليه العقد يكون غير مرضي عنه، والرضا لا بد منه من الطرفين (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية في قول عندهم، وقالوا: يصح السلم حتى وإن كان في مال السلم ما هو زائف (¬2). ولعلهم قاسوا هذه الحالة على بيوع الأعيان، فإنها تصح حتى وإن كان فيها ما هو زائف.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 23] تحريم السلم إذا كان رأس المال والمسلم فيه من الأثمان: • المراد بالمسألة: السلم فيه تعجيل لرأس المال وتأخير للمُسلم فيه، فإذا كانا كلاهما من جنس الأثمان، كالذهب والفضة، أو الدراهم والدنانير، فإن عقد السلم يكون محرما بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [وأما تسليم العين بعضه في بعض: الذهب في الفضة، أو الفضة في الذهب، أو الذهب في الذهب، أو الفضة في الفضة، فذلك لا يجوز بإجماع أهل العلم] (¬3). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [وأما إذا أسلم الأثمان فيهما: كالدراهم في الدنانير، أو بالعكس، فلا يجوز بالإجماع] (¬4). • البابرتي (786 هـ) يقول: [إذا كان كلاهما من الأثمان، بأن أسلم عشرة في ¬
24] جواز السلم في شيئين مع عدم تبيين حصة كل منهما من رأس المال الذي لا يتعلق العقد بقدره
عشرة دراهم، أو في دنانير، فإنه لا يجوز بالإجماع] (¬1). • العيني (855 هـ) يقول: [أما لو أسلم عشرة دراهم في عشرة دنانير، لا يجوز بالإجماع] (¬2). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [أما الدراهم والدنانير، فإن أسلم فيها دراهم أو دنانير، فالاتفاق أنه باطل] (¬3). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وأما إذا أسلم فيهما الأثمان، لم يجز إجماعا] (¬4). • ابن عابدين (1252 هـ) يقول: [قوله: (فلم يجز فيها السلم) لكن إذا كان رأس المال دراهم أو دنانير أيضا، كان العقد باطلا اتفاقا] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن من شروط السلم تأخير المسلم فيه، وإذا كانا من جنس واحد كالنقدين مثلا، فلا يجوز النسأ والتأخير فيهما؛ لأن هذا هو عين الربا (¬7).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 24] جواز السلم في شيئين مع عدم تبيين حصة كل منهما من رأس المال الذي لا يتعلق العقد بقدره: • المراد بالمسألة: إذا كان رأس مال السلم جنسا واحدا مما لا يتعلق العقد بقدره ¬
-وهو الذي لا تنقسم أجزاء المسلم فيه على أجزائه- من المذروع أو العددي المتقارب، وكان المسلم فيه جنسين مختلفين، مثل: أن يجعله عشر كيلوات من الحنطة ومثلها من الشعير، ولا يبين حصة كل منهما من رأس المال، فإن الثمن جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو كان -أي: رأس مال السلم- جنسا واحدا، مما لا يتعلق العقد على قدره، كالثوب والعددي المتفاوت، فأسلمه في شيئين مختلفين، ولم يبين حصة كل واحد منهما من ثمن رأس المال، فالثمن جائز بالإجماع. ولو أسلم عشرة دراهم، في ثوبين جنسهما واحد، ونوعهما واحد، وصفتهما واحدة، وطولهما واحد، ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة، فالسلم جائز بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في رواية، والحنابلة في رواية أيضا (¬2). • مستند الإجماع: الأول: القياس على بيوع الأعيان: فكما أنه يجوز العقد على جنسين، فكذلك السلم على جنسين. الثاني: القياس على ما إذا بيَّن ثمن أحد الجنسين، ولم يبيِّن ثمن الآخر (¬3). الثالث: أن العقد قد توفرت أركانه وشروطه، وجهالة قدر الجنسين من رأس المال، لا تضر العقد شيئا؛ لأنها لا تفضي إلى النزاع غالبا. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في رواية، وهو المذهب عند الحنابلة، فقالوا: إذا أسلم في جنسين ثمنا واحدا، فإنه لا يجوز حتى يُبيِّن ثمن كل ¬
25] كون المسلم فيه موصوفا في الذمة
جنس (¬1). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: أن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول، فلم يصح، كما لو عقد عليه مفردا بثمن مجهول. الثاني: أن فيه غررا؛ لأننا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما، فلا يعرف بم يرجع؟ (¬2).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 25] كون المسلم فيه موصوفا في الذمة: • المراد بالمسألة: العقد إما أن يكون على معين محدد في العقد يراه المتعاقدان، وإما أن يكون على موصوف، محدد الصفات غير معيَّن، والمسلم فيه في عقد السلم لا بد وأن يكون على موصوف في الذمة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطبري (310 هـ) يقول: [أجمع مجوزو السلم جميعا، أنه لا يجوز السلم إلا في موصوف، معلوم بالصفة] (¬3). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم الجائز: أن يسلم ¬
الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض لا يخطئ مثلها] (¬1). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [الأمة مجتمعة على أن السلف لا يكون في شيء بعينه، وإنما التسليف في صفة معلومة] (¬3). ويقول أيضا: [ولم يختلفوا أنه لا يجوز السلم في شيء بعينه إلى أجل] (¬4). • الباجي (474 هـ) يقول: [وأما السلم: فلا بد أن يكون المسلم فيه موصوفا. . .، وهذا لا خلاف فيه] (¬5). نقله عنه المواق، وميارة (¬6). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [أما الشرط الأول: وهو أن يكون في الذمة. . .، وعلى ذلك اتفق الناس] (¬7). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬8). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة، وأنه لا يكون في معين] (¬9). • ابن عبد السلام الهوَّاري (749 هـ) يقول: [ولا أعلم في ذلك خلافا في أن ذلك من شرط حقيقة كونه مسلما] يقصد بهذا كونه موصوفا غير معين. نقله عنه الحطاب (¬10). • جلال الدين المحلي (¬11) (864 هـ) قال بعد أن ذكر في تعريف السلم أنه موصوف في الذمة: [هذه خاصته المتفق عليها] (¬12). نقله عنه ابن حجر الهيتمي، ¬
والشربيني، والرملي (¬1). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر شرط أن يسلم في الذمة: [بالاتفاق] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن سلَّام -رضي اللَّه عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن بني فلان أسلموا -لقوم من اليهود- وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدوا؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عنده؟ " فقال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا -لشيء قد سماه أراه قال: ثلاثمائة دينار- بسعر كذا وكذا، من حائط بني فلان. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بسعر كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان" (¬4). الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: أسلم رجل في حديقة نخل في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل أن يطلع النخل، فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام. فقال المشتري: هو لي حتى يطلع. وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال للبائع: "أخذ من نخلك شيئا؟ " قال: لا. قال: "فبم تستحل ماله! ! اردد عليه ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه" (¬5). الثالث: أنه قد تعتريه آفة فتنتفي قدرة التسليم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو بعت من ¬
26] منع السلم فيما لا يثبت في الذمة
أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (¬1)، وهذا يصدق على كل من السلم والبيع (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 26] منع السلم فيما لا يثبت في الذمة: • المراد بالمسألة: من شروط السلم أن يكون موصوفا في الذمة، فالذي لا يمكن أن يثبت في الذمة: كالدور والعقار، لا يصح السلم فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [واتفقوا على امتناعه -أي: السلم- فيما لا يثبت في الذمة، وهو الدور والعقار] (¬3). نقله عنه ابن الشاط (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، وهو الدور والعقار] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن شرط صحة السلم أن تُبيَّن صفاته التي تختلف بها الأغراض، ومن جملتها البقعة التي تكون الدار فيها، ومتى عُيِّنت البقعة كان ما فيها من الدار مُعيَّنا، والسلم في المعيَّن لا يصح (¬7). الثاني: أنه إذا ذكر موضع الدار أو العقار تعيَّنت ولم تكن في الذمة، ويكون السلم فيها كمن ابتاع من رجل دار فلان على أن يتخلَّصها منه، وربما لم يقدر على ¬
27] جواز تسمية مكان قبض المسلم فيه
أن يتخلَّصها منه، ومتى لم يقدر على ذلك رد إليه رأس ماله، فصار مرة بيعا ومرة سلفا، وذلك سلف جر نفعا (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 27] جواز تسمية مكان قبض المسلم فيه: • المراد بالمسألة: من المتقرر في السَّلم أن المُسلم فيه يكون متأخرا في العقد، وإذا ذُكِر في العقد مكان تسليمه وقبضه كان العقد جائزا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن السلم الجائز: أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف من طعام أرض لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، ودنانير ودراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم فيه قبل أن يتفرقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، ويسمي المكان الذي يقبض فيه الطعام. . .] (¬2). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل عقلي، وهو: ¬
28] عدم ذكر مكان إيفاء المسلم فيه الذي ليس لحمله مؤونة
أن تسمية مكان القبض أبعد عن الخصومة والمنازعة، ويكون المتعاقدان قد دخلا على بينة وبصيرة، وكلما ابتعد المتعاقدان عن أسباب الخصومة والمنازعة، كان ذلك أوفق لمقصود الشارع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 28] عدم ذكر مكان إيفاء المسلم فيه الذي ليس لحمله مؤونة: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان عقد سلم، واتفقا على أن يكون المسلم فيه من الأشياء التي ليس لحملها مؤونة؛ كالمسك، والزعفران، وصغار اللؤلؤ، وأشباهها، إذا كان مقدارها يسيرا، فإنه لا يشترط ذكر مكان تسليم السلم، بإجماع العلماء. وضابط الذي ليس لحمله مؤونة: قيل: هو الذي لا يحتاج في حمله إلى ظهر وأجرة حمال، وقيل: هو الذي لو أَمر إنسانا بحمله إلى مجلس القضاء حمله مجانا، وقيل: ما يمكن رفعه بيد واحدة (¬1). وهذه ضوابط يمكن ردها إلى شيء واحد، وهو ما تعارف عليه الناس أنه سهل الحمل، ويتغافرون فيه الكلفة والمشقة بينهم. • من نقل الإجماع: • المرغيناني (¬2) (593 هـ) يقول: [وما لم يكن له حمل ومؤونة لا يحتاج فيه إلى بيان مكان الإيفاء، بالإجماع] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (¬4). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [إن فيما لا حمل له ولا مؤونة؛ كالمسك، والزعفران، وما أشبههما لا يحتاج فيه إلى تعيين مكان الإيفاء، بالإجماع] (¬5). ¬
• البابرتي (786 هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيان مكان الإيفاء فيه -أي: الذي ليس له حمل ولا مؤونة- ليس بشرط لصحة السلم] (¬1). • العيني (855 هـ) يقول: [اتفقوا على أن بيان مكان الإيفاء فيه -أي: الذي ليس له حمل ولا مؤونة- ليس بشرط لصحة السلم] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية على المشهور عندهم، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكر مكان الوفاء، ولو كان شرطا لبيَّنه لهم، فدل على أن الأصل عدم اشتراطه (¬5). الثاني: أن مالية ما ليس لحمله مؤونة لا تختلف باختلاف الأماكن، فلا يؤثر عدم تحديد مكان وفائه بالعقد (¬6). الثالث: أن من اشترط بيان مكان الوفاء فيما لحمله مؤونة إنما اشترطه؛ لأن عدمه مظنة لوجود النزاع، وحدوث الضرر عليه، وهذا منتف فيما ليس لحمله مؤونة، لسهولة أخذه ونقله، وعدم لحاق الضرر باستلامه في أي مكان. • المخالفون للإجماع: ¬
29] صحة السلم الذي وجد فيه المسلم فيه من العقد إلى حلول الأجل
اختلف العلماء في المسألة على قولين، هما: القول الأول: أن ذكر مكان الإيفاء شرط في السلم، لا فرق بين ما لحمله مؤونة، وما ليس كذلك. وهذا رواية عند الشافعية (¬1). واستدل هؤلاء: بأن الجهالة في ذكر مكان الإيفاء تفضي إلى المنازعة والمخاصمة، والشارع منع هذا وسد أبوابه، حتى لا يقع الشقاق والنفرة بين المتعاقدين. القول الثاني: لا يشترط ذكر مكان الإيفاء، إلا أن يكون العقد في موضع لا يمكن الوفاء به: كالبرية والبحرية ودار الحرب وأشباهها. وهذا قول الحنابلة (¬2). واستدل هؤلاء: بأنه إذا كان في برية ونحوها لم يمكنه التسليم في مكان العقد، فإذا ترك ذكره كان مجهولا، وإن لم يكونا في هذه الأماكن فإن العقد يقتضي التسليم في مكانه، فاكتفي بذلك عن ذكره (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 29] صحة السلم الذي وجد فيه المسلم فيه من العقد إلى حلول الأجل: • المراد بالمسألة: إذا أسلم الرجل في طعام موصوف، وكان السعر معلوما والأجل محددا، ولم يكن زرعا أو ثمرا لم يبد صلاحهما، وكان الطعام المسلم فيه موجودا في متناول أيدي الناس، منتشرا في أسواقهم، من حين العقد، وعلم أنه يبقى على ذلك الوصف إلى حلول الأجل فإن هذا صحيح لا إشكال فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [واتفق الفقهاء على ذلك -يقصد سلم الرجل، في الطعام الموصوف، بسعر معلوم، إلى أجل مسمى، ما لم يكن في زرع أو ثمر ¬
لم يبد صلاحهما- إذا كان المسلم فيه، موجودا في أيدي الناس، من وقت العقد إلى حلول الأجل] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: ما جاء عن عبد اللَّه بن سلام -رضي اللَّه عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن بني فلان أسلموا -لقوم من اليهود- وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدوا! فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عنده؟ " فقال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا -لشيء قد سماه أراه قال: ثلاثمائة دينار- بسعر كذا وكذا، من حائط بني فلان. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بسعر كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى الرجل اليهودي أن يحدد حائطًا معينا يُسلِم منه المسلم فيه؛ لأنه ربما تقع عليه الجائحة فيفسد، كل هذا من أجل أن يكون المسلم فيه مما يمكن وجوده حين بلوغ الأجل، فإذا كان المسلم فيه موجودا من حين العقد إلى بلوغ الأجل كان ذلك أحوط وأبلغ في تحقق الوجود، وأبعد عن الوقوع في الغرر.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
30] تحريم بيع المسلم فيه قبل قبضه
30] تحريم بيع المسلم فيه قبل قبضه: • المراد بالمسألة: إذا أراد مستحق المسلم فيه، أو رأس مال السلم، أن يبيع نصيبه قبل أن يقبضه، سواء كان البيع على من هو عليه، أو على غيره، وسواء كان قبل حلول الأجل أو بعده، فإن ذلك محرم لا يجوز، بإجماع الفقهاء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافا] (¬1). نقله عنه البهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، بغير خلاف علمناه] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا يجوز التصرف في رأس مال السلم، والمسلم فيه، قبل القبض) هذا باتفاق الفقهاء] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ): [ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، بغير خلاف نعلمه] (¬5). نقله عنه البهوتي (¬6). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [ولا يصح بيع المسلم فيه على غير من هو عليه قبل قبضه، إجماعا] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬8). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه" (¬1). • وجه الدلالة: أن السلم لون من ألوان البيع، فيأخذ حكمه، ويدخل في عموم الحديث. الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (¬2). • وجه الدلالة: أن من باع المسلم فيه، أو رأس مال السلم قبل القبض، يكون قد باع ما لم يدخل في ضمانه، وهو ممنوع بنص الحديث. الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" (¬3). • وجه الدلالة: أن بيع المسلم فيه، ورأس مال السلم قبل القبض، يعد صرفا للسلم إلى غيره، فيمنع منه. • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: القول الأول: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، لكن بشرط أن يكون بقدر قيمته ¬
أو أقل، وأن يكون الثمن حالًّا. قال به ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها: ابن تيمية، وابن القيم (¬1). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: القياس على الثمن في المبيع، قال ابن تيمية: [والدليل على ذلك: أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالنقيع -والنقيع بالنون هو: سوق المدينة، والبقيع بالباء هو مقبرتها (¬2) - قال: كنا نبيع بالذهب، ونقضي الورق، ونبيع بالورق، ونقضي الذهب. فسألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك. فقال: "لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء" (¬3). فقد جوَّز النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم، يجوز بيعه، وإن كان مضمونا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري] (¬4). الثاني: أما الاستدلال على أن يكون بقدر قيمته أو أقل منها: فهو من أجل ألَّا ¬
31] رد مال من أسلم من الذميين الذين وقع السلم بينهما على عين محرمة
يربح فيما لا يضمن، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ربح ما لم يضمن (¬1). القول الثاني: يجوز بيع رأس مال السلم قبل القبض، إذا فسخ العقد. قال به الحنابلة في رواية عندهم، اختارها القاضي أبو يعلى وابن عقيل (¬2). ولعلهم يستدلون: بأن رأس المال بعد الفسخ لم يَعُد مستحقا لأجنبي، وعاد ملكه لصاحبه، فجاز له التصرف فيه بما شاء.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 31] رد مال من أسلم من الذميين الذَين وقع السلم بينهما على عين محرمة: • المراد بالمسألة: إذا أَسلَم النصراني إلى نصرانيٍّ مثله، أو غيره من أهل الذمة عشرة أرطال من الخمر بعد ستة أشهر، بمائة ريال يستلمها منه في مجلس العقد، ثم بعد العقد وقبل مضي المدة أسلم أحدهما أو كلاهما، فعلى الذي أسلم أن يأخذ ماله، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن النصراني إذا أسلم إلى النصراني في الخمر، ثم أسلم أحدهما، أن الذي أسلم يأخذ دراهمه] (¬3). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وبرهان الدين ابن مفلح (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
32] عدم صحة السلم الذي أبطل فيه الخيار بعد هلاك السلعة أو استهلاكها
الأول: من شروط السلم: أن يكون مالا متقوما يُنتفع به شرعا، والخمر ليست كذلك، وأهل الذمة يُقرُّون على بيعها بينهم، فإذا أسلم أحدهما أو كلاهما، فإنه تذهب مالية الخمر التي أُسلم عليها، ويبطل السلم، ويُلزم حينئذ برد رأس المال. الثاني: القياس على البيع: فكما أنه لا يجوز العقد على العين المحرمة ابتداء، فلأن يكون التحريم إذا كانت مملوكة بالعقد دينًا من باب أولى. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الليث، وقال: إذا أسلم المشتري، أُخِذ منه قيمة الخمر يوم تقاضاه، فإن كانت القيمة أقل من رأس المال أخذ ذلك رهنًا، وإن كانت القيمة أكثر من رأس المال أعطي تلك القيمة، ولم يعط المسلم أكثر من رأس المال (¬1). فهو يوافق العلماء على أن السلم يرد، لكن يخالفهم في كيفية الرد، ولم أجد دليلًا يستدل به على قوله. وكذلك لم أجد من وافقه على هذا القول، فإن ثبت عنه فهو قول شاذ لا يعتد به.Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لشذوذ القول المخالف فيها. 32] عدم صحة السلم الذي أُبطل فيه الخيار بعد هلاك السلعة أو استهلاكها: • المراد بالمسألة: من المتقرر أن خيار الشرط لا يصح في السلم، ويبطل العقد معه، فإذا شرطه أحد المتعاقدين، ثم نقضه قبل افتراقهما، وتبيَّن أن رأس مال السلم قد تلف أو استهلك، فإن العقد يبقى غير صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [لو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق بأبدانهما، ورأس المال. . . كان هالكًا، أو مستهلكًا، لا ينقلب -أي: العقد- إلى الجواز، بالإجماع] (¬2). ¬
• العيني (855 هـ) يقول: [(ولو أسقط خيار الشرط قبل الافتراق، ورأس مال السلم قائم، جاز) السلم عندنا، وإنما قيد يكون رأس المال قائمًا؛ لأنه إذا أسقط خياره بعد هلاك رأس المال في يد المسلم إليه، وإنفاقه، لا يعود المسلم جائزًا، بالإجماع] (¬1). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [(ولو أسقط خيار الشرط قبل الافتراق، ورأس مال السلم قائم، جاز) المسلم (خلافًا لزفر) وإنما قيد بقيام رأس المال؛ لأنهما لو أسقطاه بعد إنفاقه، أو استهلاكه، لا يعود صحيحا، اتفاقا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن رأس المال في حال الهلاك أو الاستهلاك يتعذر تسليمه في مجلس العقد، فيصبح دينًا على المسلم إليه، والسلم لا ينعقد برأس مال دين؛ لأنه يصبح حينئذ من باب بيع الدين بالدين، المتفق على تحريمه (¬4). الثاني: أن معنى السلم ينتقض في هذه الحالة؛ إذ معناه في لغة الشارع هو أن يعطي شيئًا في شيء، فمن لم يدفع ما أسلف أو تعذر عليه، فإنه لم يسلف شيئًا، لكن وعد بأن يسلف (¬5). ¬
33] جواز الإقالة في السلم
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 33] جواز الإقالة في السلم: • المراد بالمسألة: إذا أقاله في جميع المُسْلَم فيه، وكان بمثل ما أَسْلم له من غير زيادة ولا نقصان، فإن هذا جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه المرء جائزة] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وابن رجب، وبرهان الدين ابن مفلح، والبهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬2). • الطحاوي (321 هـ) يقول: [لا خلاف في جواز الإقالة في السلم] (¬3). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء أنه إذا أقاله في جميع السلم، وأخذ منه رأس ماله في حين الإقالة، فإنه جائز] (¬4). ويقول أيضًا: [وقد أجمعوا أنه لو لم يستقل لم يجز له صرف رأس المال في غيره، كما لا يجوز له صرف رأس ماله في دراهم أو دنانير أكثر منها] (¬5). ويقول: [قد أجمعوا أن الإقالة بيع جائز في السلف برأس المال. . .، فدل على أنها فسخ بيع، ما لم تكن فيها زيادة أو نقصان] (¬6). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ودين السلم تجوز الإقالة فيه، بلا نزاع] (¬7). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [فدين السلم تجوز الإقالة فيه، بلا نزاع] (¬8). • التهانوي (¬9) (1394 هـ) يقول: [وجواز الإقالة في كل المسلم فيه متفق عليه ¬
بين فقهاء الأمصار] (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أقال مسلمًا أقاله اللَّه عثرته" وفي رواية: "من أقال نادما بيعته. . . " (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حث على الإقالة ورغَّب فيها على وجه العموم، وهي من محاسن الأخلاق ومكارم العادات، فيدخل في ذلك السلم وغيره من العقود. الثاني: أن الحق لهما، فجاز لهما الرضا بإسقاطه؛ إذ الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية هي المذهب، وابن حزم من الظاهرية، وقالوا: لا تجوز الإقالة في السلم (¬4). واستدل هؤلاء: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع ما لم يقبض، والإقالة بيع، فلا تصح في السلم لعدم القبض (¬5). أما ابن حزم فيمكن إجمال كلامه في النقاط التالية: 1) الإجماع لم يقع على جواز السلم، فكيف بالإقالة فيه. 2) ذكَر جملة من الصحابة والتابعين ممن يرون المنع من أخذ بعض السلم والإقالة في بعض. 3) وحجته في إنكار الإجماع: عدم استقراء أقوال الصحابة والتابعين حتى يعلم ¬
قولهم في المسألة. 4) وعلى التسليم بوجود الاستقراء لأقوالهم، فإن من الجن من هم من الصحابة، فهل وقفوا على أقوالهم؟ 5) صح عن ابن عباس ما يدل على المنع من الإقالة في السلم، حيث يقول: [إذا أسلفت في شيء إلى أجل مسمى، فجاء ذلك الأجل، ولم تجد الذي أسلفت فيه: فخذ عرضا بأنقص ولا تربح مرتين] ولم يُفْت بالإقالة. ويمكن الإجابة عن كلامه بما يلي: 1) أن هذه دعوى عارية عن الصحة، فالإجماع قد صح على جواز الإقالة مطلقا كما سبق، بل إن ابن حزم نفسه حكى الاتفاق في المسألة (¬1). 2) هناك فرق بين جواز الإقالة في بعض السلم والمنع من بعض وبين مسألتنا، فالمسألة الأولى قد وقع الخلاف فيها بين العلماء، بخلاف الثانية فلم يقع الخلاف فيها، ثم إن المسألة الأولى من منع منها قال بأن السلم في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل التأجيل، فإذا أقاله في البعض، بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي حصلت الإقالة فيه، فلذا منع منه لأجل ذلك، كما لو كان هذا شرطا في ابتداء العقد، بخلاف الإقالة في جميع السلم فإنه مشروط بعدم الزيادة فيه. ولذا عد التهانوي هذا الاستدلال من ابن حزم بأنه ليس من الفقه في شيء (¬2). 3) ثم إنه لا يشترط أن يسأل كل صحابي من الصحابة، وكذا التابعين عن قولهم في المسألة حتى تصح حكاية الإجماع فيها. 4) ولم يقل أحد من العلماء بالاعتداد بقول أحد من الجن الذين أسلموا في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولازم هذا القول عدم صحة أي إجماع في الدين؛ لأنه لا بد من النظر في أقوال الجن في كل زمان، وهذا متعذر ولم يقل به أحد من العلماء. 5) أما أثر ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- فكونه لم يفت بالإقالة هنا، لا يعني بحال أنه يقول ¬
بالمنع منها. 6) وابن حزم يقول بجواز أن يبرئه من السلم، سواء كان بأقل من المسلم فيه أو أكثر منه، فالخلاف بينه وبين سائر العلماء لفظي في هذا.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. * * *
الباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة
الباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة 1] مشروعية الإجارة: • المراد بالمسألة: الإجارة في اللغة: هي الكِراء على العمل (¬1). • وفي الاصطلاح: عقد على تمليك المنفعة بعوض، سواء أكان العوض عينًا، أو دينًا، أو منفعة (¬2). ويراد بالمسألة: أن الإجارة -التي هي تمليك للمنفعة- جائزة ومشروعة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الشافعي (204 هـ) يقول لمَّا ذكر الأدلة على الإجارة: [ولا يختلف أهل العلم ببلدنا علمناه في إجازتها، وعوام فقهاء الأمصار] (¬3). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الإجارة ثابتة]. ويقول أيضًا: [واتفق على إجازتها كل من نحفظ عنه قوله من علماء الأمة] (¬4). ونقل عبارته الثانية ابن القطان، والبهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬5). ¬
• القاضي عبد الوهاب (422 هـ) يقول: [جواز الإجارة في الجملة مجمع عليه، إلا ما يحكى عن ابن عُليَّة (¬1) والأصم (¬2)، وهؤلاء لا يَعُدُّ أهل العلم خلافهم خلافًا] (¬3). • العمراني (558 هـ) يقول: [ودليلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس] (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [اتفقوا على أن الإجارة من العقود الجائزة الشرعية] (¬5). • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم، حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا يُعبَأ بخلافه؛ إذ هو خلاف الإجماع] (¬6). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [الإجارة جائزة عند جميع فقهاء الأمصار، والصدر الأول، وحُكي عن الأصم وابن علية منعها] (¬7). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم في كل عصر، وكل مصر، على جواز الإجارة] (¬8). ¬
• المجد ابن تيمية (¬1) (652 هـ) يقول: [وبالإجماع تجوز الإجارة] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الأصل في جوازها: الكتاب، والسنة، والإجماع. . .، وأجمع أهل العلم في كل عصر على جواز الإجارة] (¬3). • الزيلعي (743 هـ) يقول: [وهي جائزة، بإجماع الأمة] (¬4). • ابن عرفة (803 هـ) يقول: [وهي جائزة إجماعا]. نقله عنه الحطاب (¬5). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: [وانعقد عليها -أي: الإجارة - الإجماع] (¬6). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬7). • ابن نجيم (970 هـ) يقول: [وهي مشروعة بالكتاب. . .، والسنة. . .، والإجماع] (¬8). • الهيتمي (974 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬9). • الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬10). ¬
قاضي زاده (¬1) (988 هـ) يقول: [وكذا إجماع الأمة أيضًا دليل عليها] (¬2). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬3). • البهوتي (1051 هـ) يقول: [وهي ثابتة بالإجماع] (¬4). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [وعليه انعقد الإجماع، وقد جرى به التعامل في الأعصار بلا نكير] (¬5). • الطُّوري (¬6) (كان حيا: 1138 هـ) يقول: [وأما دليلها من الكتاب. . .، ومن السنة. . .، ومن الإجماع، فإن الأمة أجمعت على جوازها] (¬7). • الرحيباني (1243 هـ) يقول: [وهي ثابتة بالإجماع] (¬8). • على حيدر (1353 هـ) يقول: [وأما إجماع الأمة: فقد انعقد في كل عصر على صحة الإجارة] (¬9). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر تعريفها: [وهي جائزة بالكتاب، والسنة، والإجماع] (¬10). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال اللَّه جل جلاله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (¬1). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلته، وكثرة اللبن وقلته، ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت الإجارة عليه، وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في مثل معناه، وأحرى أن يكون أَبين منه (¬2). الثاني: قال اللَّه عز وجل: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} (¬3). • وجه الدلالة: أن نبي اللَّه موسى عليه السلام آجر نفسه هذه المدة عند الرجل الصالح بأجر معلوم، فدل على مشروعية الإجارة، وهو وإن كان في شرع من قبلنا، إلا أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه (¬4). الثالث: من السنة: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: "استأجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الدِيْل (¬5)، ثم من بني عبد بن عدي (¬6) هاديا خريتا -الخريت: الماهر بالهداية (¬7) - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأَمِناه فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما ¬
2] محل الإجارة المنافع
براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة (¬1)، والدليل الديلي، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل" (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الأصم وابن علية، وقالا بعدم جوازها (¬3). واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن الإجارة بيع المنفعة، والمنافع حال العقد معدومة، والمعدوم لا يجوز إيقاع العقد عليه؛ إذ هو غرر، وأكل للمال بالباطل (¬4). وهما ممن لا يعتد أهل العلم بخلافهما؛ إذ هما من المعتزلة، ولهم شذوذات لا يوافقون عليها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم الاعتداد بهذا الخلاف؛ لمخالفته للنصوص الصريحة، وانعقاده قبل وجودهما. 2] محل الإجارة المنافع: • المراد بالمسألة: العقد في الإجارة يقع على منفعة العين، وليس على ذات الرقبة وهي العين، باتفاق الفقهاء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) لما ذكر حكم بيع الكلأ وإجارته بيَّن العلة من النهي عن إجارته فقال: [. . . محل الإجارة المنافع لا الأعيان، باتفاق الفقهاء] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد، والمستوفى هو المنافع دون الأعيان. الثاني: أن الأجر المبذول إنما هو في مقابلة المنفعة، ولهذا كانت هي المضمونة في حال التلف دون العين، وما كان العوض في مقابلته، فهو المعقود عليه (¬2). الثالث: أنه لو كان العقد على العين لأصبحت بيعا وليست إجارة، وهذا هو الذي يميِّزها عن البيع. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: أبو إسحاق من الشافعية، فقال: إن العقد يتناول العين كما يتناول المنفعة، واختار هذا القول ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقالوا: إن العقد في الإجارة يكون على كل ما يتجدد ويحدث ويستخلف بدله مع بقاء العين، سواء كان عينا أو منفعة (¬3). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (¬4). ¬
3] معرفة المنفعة والأجرة في الإجارة
• وجه الدلالة: أن اللَّه أباح إجارة الظئر، بل ليس في القرآن إجارة منصوصة غيرها، وقد أجمع العلماء عليها، وهي إجارة عين تستوفى مع بقاء أصلها (¬1). الثاني: جاء عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قبَّل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وأخذ الأجرة فقضى بها دينه (¬2). قال ابن القيم: [والحديقة: هي النخل، فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، ولا يعلم له في الصحابة مخالف، واختاره أبو الوفاء ابن عقيل من أصحاب أحمد، واختيار شيخنا] (¬3). والثمرة عين وليست منفعة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 3] معرفة المنفعة والأجرة في الإجارة: • المراد بالمسألة: إذا أراد المستأجر أن يستأجر دارا، وكانت معروفة له، سواء كانت المعرفة بالرؤية أو بالوصف المنضبط، وحُددت مدة الإجارة، بالأيام، أو بالأشهر، أو بالسنين، والأجرة محددة كذلك، سواء كان منصوصًا عليها في العقد، أم متعارفًا عليها، فإن الإجارة صحيحة، بل لا تصح إلا بذكرهما، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إجازة أن يكتري الرجل من الرجل دارا معلومة قد عرفاها، وقتا معلوما، بأجر معلوم] (¬4). نقله عنه ابن القطان (¬5). ¬
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما، لا نعلم في ذلك خلافا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة، والعمل مجهولا غير معهود، لا يجوز حتى يعلم] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن) قياسا عليه، ولا نعلم في ذلك خلافا] (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة، والأجرة معلومة) وهذان لا خلاف فيهما] (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المؤجر أن يبلغ الأجير أجره، ولو كان غير واجبٍ ذكر الأجرة في العقد، لما أمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك. الثاني: القياس على البيع: فكما أنه يشترط معرفة العين والثمن في البيع، فكذلك في الإجارة؛ إذ هي نوع من أنواع البيع (¬7). الثالث: أن الجهالة في المنفعة والأجرة مفضية إلى المنازعة التي تمنع من التسليم والتسلم، فلا يحصل المقصود من العقد، فكان العقد عبثا لخلوه عن ¬
4] صحة الإجارة على حمل الصبرة
العاقبة الحميدة (¬1). • المخالفون للإجماع: لم يقع خلاف في أصل المسألة، لكن خالف في العلم بالعوض في الإجارة بعض العلماء، فلم يجعلوه شرطا من الشروط، فأجازوا إجارة المجهولات، وقد نسب ابن عبد البر هذا القول لبعض السلف من دون تسمية، وكذا الظاهرية (¬2). واستدل هؤلاء: بالقياس على القراض والمساقاة، فإن الجهالة واقعة في تحديد عوضها، فكذلك الإجارة، بجامع المعاوضة في هذه العقود (¬3). وهذا القول مخالف لقواعد الشريعة وأصولها العامة؛ إذ الإجارة لون من ألوان البيع فهي بيع للمنفعة، وإلحاقها به أقرب من إلحاقها بغيره، والقائلون بهذا القول -عدا الظاهرية- غير معروفين، وهذا يدل على هجران القول وعدم الاعتداد به.Rصحة الإجماع على أن من شروط الإجارة الصحيحة: العلم بالمنفعة المؤجرة والأجرة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 4] صحة الإجارة على حمل الصبرة: • المراد بالمسألة: إذا استأجر العاقد رجلًا على أن يحمل له هذه الصبرة -وهي: الكومة المجموعة من الطعام التي لا يعلم كيلها ولا وزنها ولا عددها (¬4) - وكانت مرئية بين يديه، إلى مكان محدد حدده له، فإن العقد صحيح، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة إلى مصر بعشرة، فالإجارة صحيحة، بغير خلاف نعلمه] (¬5). ¬
5] صحة استئجار الراعي على الرعي
• شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يقول: استأجرتك لحمل هذه الصبرة إلى مصر بعشرة، فالإجارة صحيحة، بغير خلاف نعلمه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيع الصبرة المرئية بين يديه: فكما أنه يجوز بيعها، فكذلك يجوز الإجارة عليها، بجامع أن كلا منهما معلوم بالمشاهدة (¬3). الثاني: أن من طرق العلم بالمنفعة مشاهدة المستأجر لها، فإذا شاهد المنفعة وكان على علم بالمكان الذي سينقلها إليه صحت الإجارة، كما هو الحال في الصبرة معنا (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 5] صحة استئجار الراعي على الرعي: • المراد بالمسألة: الراعي الذي يرعى الغنم، إذا استؤجر على رعيها، مدة معلومة، وكانت الأجرة معلومة، وعدد الغنم معلوم، صحت الإجارة بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا نعلم خلافًا في صحة استئجار الراعي] (¬5). نقله عنه الرحيباني (¬6). ¬
• أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي، شهورا معلومة، بأجرة معلومة، لرعاية غنم معدودة] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [يصح استئجار الراعي، بغير خلاف علمناه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} (¬4). • وجه الدلالة: من المعلوم أن نبي اللَّه موسى عليه السلام قد آجر نفسه على رعي الغنم، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه (¬5). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (¬6). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجر نفسه على قراريط معلومة، في رعي الأغنام. ¬
6] جواز الاستئجار على الختان والمداواة وقطع السلعة
الثالث: أن هذا لون من ألوان الإجارة التي منفعتها معلومة، فصح الاستئجار عليها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] جواز الاستئجار على الختان والمداواة وقطع السلعة: • المراد بالمسألة: إذا استأجر من يختن له ولده في وقت مناسب يغلب على الظن عدم وقوع الضرر فيه، أو كان على مداواة مريض ممن يتقن التمريض، أو على قطع سلعة (¬1) من جسده، فإن الإجارة على مثل هذه الأمور جائزة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، وقطع السلعة، لا نعلم فيه خلافًا] (¬2). • النفرواي (1125 هـ) يقول: [وأما الاستئجار على المداواة في زمن المرض فعلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز باتفاق: وهو استئجاره على مداواته مدة معلومة، بأجرة معلومة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذه الأفعال يحتاج إليها، وهي مما أُذِن فيها شرعا، فجاز الاستئجار ¬
7] جواز الإجارة على حصاد الزرع
عليها، كسائر الأفعال المباحة (¬1). الثاني: أنها أعمال محددة، ومنفعتها معلومة، فجاز الاستئجار عليها. الثالث: أن هذه الأعمال ليس كل الناس يتقنها، وهم محتاجون لها في كل زمان ومكان، والشارع لا يمنع مثل هذا فيلحق المشقة والعنت بهم، ثم هي من الأمور الظاهرة المشهورة، ولم يظهر إنكار أحد من العلماء لها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 7] جواز الإجارة على حصاد الزرع: • المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان على أن يستأجر أحدهما الآخر على أن يحصد له زرعه، فإن العقد جائز، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [يجوز أن يستأجر لحصاد زرعه، ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [يجوز أن يستأجر لحصاد زرعه، لا نعلم فيه خلافًا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). ¬
8] جواز استئجار الحجام لغير الحجامة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أنه يجوز له أن يبيع زرعه، فكذلك يجوز له الاستئجار على حصاده، بجامع أن كلا منهما يشترط فيه العلم بالمعقود عليه. الثاني: أن هذه إجارة صحيحة، قد علمت منفعتها، وتوفرت فيها بقية الشروط والأركان، فصح العقد عليها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] جواز استئجار الحجَّام لغير الحجامة: • المراد بالمسألة: الحجام كسبه خبيث ودنيء، فإذا استؤجر على غير الحجامة، كالفصد، وحلق الشعر، وتقصيره، والختان، ونحوها من المنافع المباحة، فإن ذلك جائز، بغير خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [فأما استئجار الحجام لغير الحجامة: كالفصد، وحلق الشعر، وتقصيره، والختان، وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه، فجائز. . .، بغير خلاف] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فأما استئجار الحجام لغير الحجامة: كالفصد، وحلق الشعر، وتقصيره، والختان، وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه، فجائز. . .، بغير خلاف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). ¬
9] جواز استئجار الآدمي
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث" (¬1). • وجه الدلالة: أن المقصود بكسب الحجام ما يكتسبه من الحجامة نفسها، فدل بالمفهوم على جواز كسبه من غير الحجامة. الثاني: أن ما عدا الحجامة أمور تدعو الحاجة إليها، وهي منافع مباحة، فجازت الإجارة فيها، وأخذ الأجر عليها، كسائر المنافع المباحة (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] جواز استئجار الآدمي: • المراد بالمسألة: من استأجر حرا، أو عبدا من سيده، للعمل بأجرة مسماة، سواء كان لعمل معين في مدة معينة، أو لعمل في الذمة، فذلك جائز إذا توفرت شروط الإجارة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [يجوز استئجار الآدمي، بغير خلاف بين أهل العلم] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا خلاف بين أهل العلم، في جواز استئجار الآدمي] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [يجوز للآدمي أن يؤجر نفسه، بغير خلاف] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: "استأجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الدِيْل، ثم من بني عبد بن عدي، هاديًّا خريتا -الخريت: الماهر بالهداية- قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الديلي، فأخذ بهم أسفل مكّة، وهو طريق الساحل" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر -رضي اللَّه عنه- استأجرا هذا الرجل ليدلهما الطريق، فدل على جواز استئجار الآدمي. الثاني: عن يعلى ابن مُنْية (¬3) -رضي اللَّه عنه- قال: آذن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالغزو، وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني، وأُجْري له سهمه، فوجدت رجلًا، فلما دنا الرحيل أتاني، فقال: ما أدري ما السهمان، وما يبلغ سهمي! فسم لي شيئًا، كان السهم أو لم يكن؟ فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمته، أردت أن أُجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له أمره، فقال: "ما ¬
10] جواز استئجار الدواب مع تقدير العمل
أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر يعلى على استئجاره الرجل على الخدمة، وبيَّن أن للرجل أجرته، فدل هذا على الجواز. الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "أصاب نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خصاصة، فبلغ ذلك عليا، فخرج يلتمس عملا يصيب فيه شيئًا ليقِيت به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتى بستانا لرجل من اليهود، فاستقى له سبعة عشر دلوا، كل دلو بتمرة، فخيَّره اليهودي من تمره سبع عشرة عجوة، فجاء بها إلى نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬2). وجه الدلالة: أن عليا أجر نفسه على اليهودي، وأقره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على ذلك.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 10] جواز استئجار الدواب مع تقدير العمل: • المراد بالمسألة: إذا استأجر دابة من الدواب، وأراد السفر عليها إلى بلد معين حدده حين العقد، سواء كان مكة أو غيرها، فإن العقد جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على إجازة كراء الإبل إلى مكة وغيرها] (¬3). ¬
• أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [وما ملكه الإنسان، وجاز له تسخيره من الحيوان، فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم، لا اختلاف بينهم في ذلك. . .، لا خلاف بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل للحمل عليها والسفر بها] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا خلاف بين أهل العلم في جواز كراء الإبل وغيرها من الدواب، إلى مكة وغيرها] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} (¬4). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل جلاله- ملَّكنا الدواب، وذلَّلها لنا، وأباح لنا تسخيرها، والانتفاع بها رحمة منه تعالى بنا، وما مَلَكَه الإنسان، وجاز له تسخيره من الحيوان، فكراؤه له جائز (¬5). الثاني: عن أبي أمامة التيمي (¬6) قال: كنت رجلًا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: أن ليس لك حج، فلقيت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني لرجل أكري في هذا الوجه، وأن ناسًا يقولون لي أنه ليس لك حج؟ قال: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله عن مثل ما سألتني ¬
11] جواز استئجار الكيال والوزان لعمل معلوم أو في مدة معلومة
عنه، فسكت عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (¬1) فأرسل إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقرأ عليه هذه الآية. ثم قال: "لك حج" (¬2). • وجه الدلالة: أن تأجير الدواب وهو قاصد عبادة من العبادات لا يعارض العبادة، فهو من ابتغاء فضل اللَّه، فإذا جاز التأجير مع العبادة، فجوازه مع غير العبادة من باب أولى. الثالث: أن بالناس حاجة إلى السفر، سواء كان لعبادة أو غيرها، ومن العبادات ما هو فرض، وليس لكل أحد بهيمة يملكها، أو يقدر على معاناتها، والقيام بها، والشد عليها، فدعت الحاجة إلى استئجارها، فجاز دفعًا للحاجة (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 11] جواز استئجار الكيَّال والوزَّان لعمل معلوم أو في مدة معلومة: • المراد بالمسألة: إذا استأجر أحد المتعاقدين كيَّالًا أو وزَّانًا لعمل معلوم مضبوط، وهو كيل ما يحتاج إلى كيل، ووزن ما يحتاج إلى وزن، أو كان استئجاره له في مدة محددة بوقت معلوم لكلا الطرفين، جاز العقد، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ويجوز استئجار كيَّال، ووزَّان، لعمل معلوم، أو في مدة معلومة. وبهذا قال مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [يجوز استئجار كيال، ووزان، ¬
لعمل معلوم، أو في مدة معلومة. وبه قال مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، لا نعلم فيه خلافًا] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [يجوز استئجار كيال، أو وزان، لعمل معلوم، أو في مدة معينة، بغير خلاف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سويد بن قيس (¬4) -رضي اللَّه عنه- قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي (¬5) بزا من هجر، فأتانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن بمنى، ووزَّان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويل، فقال للوزَّان: "زنْ وأرجح" (¬6). ¬
12] جواز إجارة البسط والثياب
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر الوزَّان على عمله، بل وتعامل معه، فدل على جواز استئجاره (¬1). الثاني: أن عمل الكيَّال والوزَّان إذا كان محددا بالعمل أو بالزمان، فإنه يكون معروفا ومضبوطا بما لا يختلف، فصحت الإجارة عليه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 12] جواز إجارة البسط والثياب: • المراد بالمسألة: البُسْط، جمع بساط بكسر الباء، وهو: ما يبسط, أي: يفرش (¬2). ويراد بالمسألة: أن جعل البسط والثياب منفعة ينتفع بها المستأجر، إذا توفرت شروط الإجارة، جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن إجارة البسط والثياب، جائزة] (¬3). ويقول أيضًا: [وإذا استأجر الرجل الثوب قد عرفه ليلبسه يوما إلى الليل، بأجرة معلومة، فهو جائز. وكذلك كل ثوب يلبس، وكل بساط يبسط، أو وسادة يتكأ عليها، ولا أعلم في هذا خلافا] (¬4). نقل عبارته الثانية ابن القطان (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [واتفقوا على إجارة. . .، الثياب والبسط] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬7). ¬
13] جواز استئجار الحمام
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أنه يصح بيع أعيان هذه الأشياء، فكذلك بيع منافعها، إذ أن كلا منهما بيع. الثاني: أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة، ما لم يأت ما يَنْقُل عنها، ويدخل في المعاملات الإجارة. الثالث: الضابط الفقهي: كل ما يُعْرف بعينه مما يصح بدل منافعه، فإنه تجوز إجارته، فيدخل فيها إجارة البسط والثياب (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] جواز استئجار الحمام: • المراد بالمسألة: الحمّام: بتشديد الميم، وهو بيت الماء، المُعدُّ للحموم فيه بالماء المسخن، لتنظيف البدن والتداوي (¬2). • والمقصود بالمسألة: إذا استأجر الحمام، وبيَّن وصفه ومكانه، وما فيه من آلة من دواليب وخزائن وأعتاب وأخشاب ونحوها، وسمى مدة الإجارة، فإن ذلك جائز، بإجماع العلماء (¬3). • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن اكتراء الحمام جائز إذا حدّده، وذكر جميع آلته، شهورا مسماة] (¬4). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وعبد الرحمن القاسم (¬5). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة. . .، مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء، أو مكثهم في الحمام] (¬6). نقله عنه ¬
أبو زرعة العراقي، والشربيني، والمباركفوي (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على استئجار الدور: فكما أنه يجوز استئجارها، فكذلك الحمامات، بجامع أن كلا منهما عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها (¬3). الثاني: أن الناس قد تعارفوا على استئجار الحمامات من غير نكير، فدل على الجواز، وفي الأثر عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-: [ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن] (¬4) (¬5). • المخالفون للإجماع: وقع الخلاف في المسألة على قولين: القول الأول: أن استئجار الحمام مكروه، وهو قول عند الحنفية، والمشهور عند الحنابلة (¬6). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: ما جاء عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "شرُّ البيت الحمام، يعلو ¬
14] جواز إجارة الخيم والمحامل والعماريات
فيه الأصوات، ويُكشف فيه العورات"، فقال رجل: يا رسول اللَّه، يداوي فيه المريض، ويذهب فيه الوسخ؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فمن دخله فلا يدخله إلا مستترا" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذم دخول الحمام، فيكون إجارته واستئجاره مذموما مكروها كراهة تنزيهية (¬2). القول الثاني: أنه على التحريم، قال به القاضي من الحنابلة (¬3). ولعل القاضي يستدل بنفس دليل القول السابق، لكنه يحمل النهي على التحريم؛ لما يترتب عليه من أمور محرمة ككشف العورة ونحوها.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 14] جواز إجارة الخِيَم والمحامل والعَمَاريات: • المراد بالمسألة: الخِيَم: جمع خيمة، وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر (¬4). المحامل: جمع مَحْمِل على وزن مجلس، ويجوز على وزن مِقْوَد، وهو: الهودج الكبير (¬5). العَمَاريَّات: جمع عمارية، وهي مركب صغير على هيئة مهد الصبي، أو قريب من صورته، يوضع فوق الدابة (¬6). ¬
15] جواز إجارة المنازل
• والمقصود بالمسألة: أنه تجوز إجارة منافع هذه الأعيان الثلاثة، إذا توفرت فيها شروط الإجارة: من العلم بالأجر والمدة، وكذا رؤية العين من المتعاقدين، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على استئجار الخِيَم والمحامل والعَمَاريات، بعد أن يكون المكترى من ذلك عينا قائمة قد رأياها جميعا، مدة معلومة، بأجر معلوم] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة، إلا ما دل الدليل فيه على المنع، فيدخل فيه هذا اللون من ألوان الإجارة. الثاني: أن هذه أعيان يُنتفع بها مع بقائها، وهي منافع مباحة معلومة مقصودة، تضمن باليد وتباح بالإباحة، وما كان كذلك فإنه تجوز إجارتها (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 15] جواز إجارة المنازل: • المراد بالمسألة: المنازل جمع منزل وهو: اسم لما يشتمل على بيوت، وصحن ¬
مسقف، ومطبخ يسكنه الرجل بأهله، وهو بين الدار والبيت (¬1). ويراد بهذه المسألة: أنه تجوز إجارة المنازل ونحوها من العقارات، إذا توفرت الشروط من بيان المدة والأجرة، ومن يستفيد من المنفعة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن إجارة المنازل والدواب جائز إذا بيَّن الوقت والأجر، وكانا عالمين بالذي عقدا عليه الإجارة، وبيَّنا مَن يسكن الدار، ويركب الدابة، وما يحمل عليها] (¬2). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والبهوتي (¬3). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [واتفقوا على إجارة الدور والدواب] (¬4). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار] (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار] (¬6). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [إجارة العين تكون تارة في الآدمي، وتارة في المنازل، والدواب، ونحوها بالإجماع] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬8). ¬
16] جواز إجارة رحا الماء
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على استئجار الظئر: فكما أنه يجوز استئجار الظئر بإجماع، مع وجود الجهالة في المنفعة، فيجوز استئجار الدواب والمنازل مع انتفاء الجهالة من باب أولى. الثاني: أن من شروط الإجارة: المعلومية في المدة والمنفعة؛ لأن الجهالةَ فيها سببٌ للنزاع والشقاق، فإذا عُرفت زال المحظور، وبقي الأمر على الأصل وهو الجواز، كما هو الحال في إجارة البيوت والدواب.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 16] جواز إجارة رحا الماء: • المراد بالمسألة: الرحا: هي: الأداة التي يطحن بها، وهي حجران مستديران، يوضع أحدهما على الآخر، ويدار الأعلى على قطب (¬1). ورحا الماء: الأداة التي يطحن بها، والذي يحركها ويديرها الماء، يكون الماء من النهر يوجه على خشبات دوارة مرتفعة تربط بالرحا، فيتحرك الرحا بتحركها (¬2). فهذه الأداة تجوز إجارتها، إذا حُدِّد الوقت والأجرة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على إجارة الرجل إذا اكترى رحا الماء بالنهار، بأجر معلوم، ومدة معلومة] (¬3). ¬
17] جواز استئجار الظئر للرضاع
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: الأصل في المعاملات أنها على الإباحة ما لم يدل الدليل على المنع، فتدخل إجارة الرحا فيها. الثاني: أن الرحا عين يمكن استيفاء منفعتها مع بقائها، فتجوز إجارتها.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 17] جواز استئجار الظئر للرضاع: • المراد بالمسألة: الظئر: هي المرأة ذات اللبن، ترضع غير ولدها، وتسمى المرضعة (¬2). والمقصود هنا: المرأة التي تؤخذ لإرضاع الطفل، فإنَّ استئجارها على هذه المنفعة جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن استئجار الظئر جائز] (¬3). نقله عنه ابن القطان (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على جواز استئجار الظئر للرضاع] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على جواز استئجار ¬
الظئر] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على استئجار الظئر] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [واستئجار الظئر جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع] (¬3). ويقول أيضًا: [والسنة وإجماع الأمة دلَّا على جوازها -أي: إجارة الظئر-] (¬4). • الزيلعي (743 هـ) يقول لما ذكر المسألة: [وعليه إجماع الأمة] (¬5). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [وكذلك الظئر -أي: استئجارها- بإجماع] (¬6). • مولى خسرو (885 هـ) يقول لما ذكر الجواز في المسألة: [وعليه انعقد الإجماع] (¬7). • المواق (897 هـ) يقول: [وأما الرضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا، ولا خلاف فيه] (¬8) • الطُّوري (كان حيا: 1138 هـ) يقول بعد أن ذكر المسألة: [والإجماع في ذلك] (¬9). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول لما ذكر المسألة: [وعليه انعقد الإجماع] (¬10). • عليش (1299 هـ) يقول: [وأما الإرضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا، ولا خلاف فيه] (¬11). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [أجمع العلماء على استئجار ¬
18] جواز استئجار غير الزوجة من الأقارب لإرضاع الطفل
الظئر] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (¬3). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل جلاله- أمر بإعطاء المرضعة أجرها بعد الفراغ من الرضاعة، وقد نزلت في المرأة المطلقة، فتكون في حق الأجنبية من باب أولى. الثاني: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: "دخلنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أبي سيف القين (¬4)، وكان ظئرا لإبراهيم، فأخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إبراهيم فقبَّله وشمَّه" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استأجر مرضعة لابنه إبراهيم، فدل على مشروعية هذا العمل.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 18] جواز استئجار غير الزوجة من الأقارب لإرضاع الطفل: • المراد بالمسألة: إذا استأجر الأب مرضعة لولده -غير زوجته- أيَّ امرأة كانت من أقاربه: أُمَّه، أو أخته، أو ابنته، أو عمته، أو خالته؛ فإن ذلك جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن للرجل أن يستأجر أُمَّه، أو أخته، أو ابنته، أو خالته، لرضاع ولده] (¬6). نقله عنه ابن القطان (¬7). ¬
19] مؤونة الظئر عند استئجارها تكون عليها إلا بالشرط
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ويجوز للرجل استئجار أمه، وأخته، وابنته، لرضاع ولده، وكذلك سائر أقاربه، بغير خلاف] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ويجوز. . . استئجار أمه، وأخته، وابنته، لرضاع ولده، وكذلك سائر أقاربه، بغير خلاف] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [ويجوز استئجار أمه، وأخته، وابنته، لرضاع ولده، وكذلك سائر أقاربه، بغير خلاف] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (¬5). • وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل أمر بإتياء المرضعة أجرها مطلقا، سواء كانت من أقاربه أم من غير أقاربه، ولا يُقيَّد هذا النص إلا بدليل. الثاني: القياس على استئجار المرأة الأجنبية، كما فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما استأجر مرضعة لابنه إبراهيم (¬6)، فكذلك المرأة التي من أقاربه، بل هي من باب أولى.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 19] مؤونة الظئر عند استئجارها تكون عليها إلا بالشرط: • المراد بالمسألة: إذا استأجر المرضعة لابنه، فإن مؤونتها ونفقتها من طعام وكسوة ليست على المستأجر، وإنما هي عليها، إلا إذا وقع شرط بينهما على أن تكون مؤونتها على المستأجر، فإذا وقع الشرط فلا بد من وصف المؤونة وصفا منضبطا، فالطعام لا بد من بيان وصفه وجنسه وقدره، والكسوة لا بد من بيان ¬
جنسها وأجلها وذرعها، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن طعامها وكسوتها ونفقتها عليها، ليس على المستأجر منه شيء، وأجمعوا على أنها إن اشترطت ذلك عليه، إن كان معروفا، أن ذلك جائز] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة (¬2). • الزيلعي (743 هـ) لما نقل كلام محمد بن الحسن وهو [فإن سمى الطعام دراهم، ووصف جنس الكسوة، وأجلها، وذرعها، جاز] (¬3) قال عنه معلقا: [بالإجماع]. ويقول أيضًا: [ولو سمى الطعام، وبيَّن قدره ووصفه، جاز بالإجماع] (¬4). • الحداد (800 هـ) يقول: [فإن سمى الأجرة دراهم، ووصف جنس الكسوة، وأجلها وذرعها، فهو جائز بالإجماع] (¬5). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) لما نقل كلام محمد ابن الحسن السابق قال: [إجماعًا] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنها شرطت عليهم الأجر المسمى بمقابلة عملها، فما سوى ذلك حالها ¬
20] تحريم استئجار الغنم بدرها ونسلها وصوفها وشعرها
بعد العقد، كما هو قبل العقد (¬1). الثاني: أنه إذا لم يصف المنفعة وصفا منضبطا، وقعت الجهالة فيها، فاختل شرط من شروط الإجارة، وكان ذلك مظنة لوقوع النزاع والشقاق بينهما. الثالث: أما دليل جواز الشرط: فعموم حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: "المسلمون على شروطهم" (¬2) فهو شرط جائز رضي به الطرفان، فيجب الوفاء به.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 20] تحريم استئجار الغنم بدرها ونسلها وصوفها وشعرها: • المراد بالمسألة: إذا استأجر العاقد راعيا لغنمه من أجل أن ينتفع بها، على أن تكون الأجرة درَّها ونسلها وصوفها وشعرها وعلفها، أو جزءا من هذه الأشياء، فإن ذلك لا يجوز بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها، أو نصفه، أو جميعه، لم يجز. . .، وبه قال أبو أيوب (¬3)، وأبو خيثمة (¬4)، ولا أعلم فيه مخالفًا] (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها، أو نصفه، أو جميعه، لم يجز. . .، وبه قال أبو أيوب، ¬
وأبو خيثمة، ولا أعلم فيه مخالفًا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن الدر والنسل والصوف والشعر أعيان مجهولة وبعضها معدومة، فلا يُدْرى أتوجد أم لا؟ وإذا وُجِدت لا يُدْرى ما مقدارها أيضًا؟ فلا يصح جعلها عوضا في الإجارة؛ لدخولها في باب الغرر المحرم شرعًا (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن استئجار الدابة بعلفها ودرها ونسلها جائز. وهذا قال به المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (¬4). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: القياس على استئجار الأجير بطعامه وكسوته، كما أجَّر موسى عليه السلام نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه (¬5)، فكذلك يجوز استئجار الغنم بدرها ونسلها وصوفها ¬
21] بطلان استئجار المنفعة التي لا قيمة لها
وشعرها (¬1). القول الثاني: التفريق في عوض الإجارة بين ما كان موجودا وما كان معدوما، فالعلف والصوف والشعر واللبن كلها موجودة، فيصح جعلها عوضا. أما النسل فغير موجود، فلا يصح جعله عوضا. قال بهذا ابن حزم من الظاهرية (¬2). واستدل ابن حزم بدليل من المعقول، وهو: أن الاستئجار في مثل هذه الحالة، استئجار على ما هو موجود قائم، وهي إجارة محددة، فلذا صحت، أما ما ليس بموجود فلا يجوز؛ لأنه غرر فلا يدري أيكون أم لا؟ (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 21] بطلان استئجار المنفعة التي لا قيمة لها: • المراد بالمسألة: الإجارة قائمة على الانتفاع بالمنفعة، فإذا كانت المنفعة التي وقع عليها التعاقد لا قيمة لها في عرف الناس، فإنه لا يصح العقد عليها، باتفاق العلماء. وذلك مثل: استئجار الشجرة أو الجدار للظل. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [والمنفعة التي لا قيمة لها في العادة، بمنزلة الأعيان التي لا قيمة لها، لا يصح أن يَرد على هذه عقد إجارة، ولا على هذه عقد بيع، بالاتفاق] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬5). ¬
22] بطلان إجارة العين لمنفعة غير مرادة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات. وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (¬1). • وجه الدلالة: أن بذل المال فيما لا قيمة له يعد من إضاعته. الثاني: أن إنفاق المال فيما لا قيمة له، يعد لونا من ألوان السفه والتبذير المنهي عنهما شرعًا (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 22] بطلان إجارة العين لمنفعة غير مرادة: • المراد بالمسألة: إذا أجر عينا أيًّا كانت هذه العين وهي مباحة، لكن ليست فيها المنفعة التي استأجر من أجلها المستأجر، كأن يستأجر أرضا مقيلا ومراحا لدوابه، ولم تجر العادة بتأجير مثلها لمثل ذلك، مثل أن تكون ليس فيها زرع ولا عمارة ولا ماء، فإن الإجارة باطلة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول حين سئل عمن استأجر أرضا مقيلا ومراحا وهي ليس فيها ماء ولا زرع ولا عمارة: [والذي فعلوه من إجارتها مقيلا ومراحا، باطل بإجماع المسلمين] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬4). ¬
23] جواز الإجارة مدة معلومة يحدد فيها قسط كل شهر
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا يعد بذلا للمال في غير محله، فيكون من باب إضاعة المال التي نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها بقوله: "إن اللَّه كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (¬1). الثاني: أن المنفعة تعتبر غير مقدور على تسليمها شرعًا، فهي ليست موجودة أصلا، وما كان كذلك فالإجارة قد اختل فيها شرط من شروطها، فتعد باطلة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 23] جواز الإجارة مدة معلومة يحدد فيها قسط كل شهر: • المراد بالمسألة: إذا استأجر دارا مدة معلومة لها ابتداء وانتهاء، محددة بالأهلة، وحدد قيمة كل يوم أو شهر فيها، فإنها صحيحة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو قال: أجرتك هذه الدار سنة، كل شهر بدرهم، جاز بالإجماع] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا قال: أجرتك داري عشرين شهرا، كل شهر بدرهم. جاز بغير خلاف نعلمه] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إذا قال: أجرتك داري عشرين شهرا، كل شهر بدرهم. جاز بغير خلاف نعلمه] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [لو قال: آجرتك داري عشرين شهرا، كل شهر بدرهم، فهو جائز، بغير خلاف نعلمه] (¬5). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (¬6). • الموافقون على الإجماع: ¬
24] اشتراط الإباحة في عقد الإجارة
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن المدة أضيفت إلى جميع السنة، فكانت معلومة الابتداء والانتهاء، وأجرها معلوم كذلك، فانتفت الجهالة، وصحت الإجارة (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 24] اشتراط الإباحة في عقد الإجارة: • المراد بالمسألة: من شروط المنفعة في عقد الإجارة: أن تكون مباحة في الشرع، وهذا متفق عليه بين العلماء. وبهذا تخرج المنافع المحرمة لعينها، أو في الشرع، أو ما كانت فرضَ عين على المسلم. • من نقل الإجماع: • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [واتفقوا على إجارة الدور، والدواب، والناس، على الأفعال المباحة] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وإن كان الكِرى لعمل؛ كالخياطة، والنجارة، والبناء، جاز بالاتفاق] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أن الإباحة شرط فيه، فكذلك الإجارة، ¬
25] بطلان أجرة النائحة والمغنية
بجامع أن كلا منهما بيع، لكن في البيع بيع للعين، وفي الإجارة بيع للمنفعة. الثاني: أن المحرمات لا يجوز جعلها منافع يتعامل بها، وإلا تعطلت المناهي التي حرمها اللَّه -جل جلاله- وكانت الناس تتحايل على ارتكابها بالتعاقد على منافعها كما تحايلت اليهود، فدل هذا على لزوم التعاقد على ما أباح اللَّه التعاقد عليه دون غيره.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 25] بطلان أجرة النائحة والمغنية: • المراد بالمسألة: النائحة: هي التي تنوح في مصيبة غيرها، واتخذت ذلك مكسبا لها (¬1). وأصل النياحة هو: اجتماع النساء وتقابلهن بعضهن لبعض للبكاء على الميت، ثم استعمل في صفة بكائهن بصوت وندبة (¬2). والمغنية: هي التي تعمل الغناء وتستعمله، ويطلق -أي: الغناء- على كل من رفع صوته بشيء، ووالى به مرة بعد أخرى، فصوته عند العرب غناء، وأكثره فيما شَاقَ من صوت، أو شجا من نغمة ولُحَّن (¬3). ويطلق على معنى أضيق وهو: التطريب والترنم بالكلام الموزون وغيره، مصحوبا بالموسيقى وغير مصحوب (¬4). • والمقصود بالمسألة: أنه إذا وقع التعاقد على النياحة والغناء، ولم يكن الغناء فيما أباح اللَّه من عرس ونحوه، فإن الأجرة باطلة ولا تجوز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على إبطال أجرة النائحة ¬
والمغنية] (¬1). نقله عنه شمس الدين ابن قدامة، وابن تيمية، والبهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [. . . فمما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشيء محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع، مثل: أجر النوائح، وأجر المغنيات] (¬3). نقله عنه ابن الشاط (¬4). • النووي (676 هـ) يقول: [أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح] (¬5). • الأُبّي (728 هـ) يقول: [ولا خلاف في حرمة أجرة المغنية والنائحة] (¬6). نقله عنه الحطاب وعليش (¬7). • العيني (855 هـ) يقول: [. . . فلذلك أبطلوا أجر المغنية والنائحة، وأجمعوا على بطلانه] (¬8). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬9). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (¬10). • وجه الدلالة: أن من أكل أموال الناس بالباطل جعلها ثمنا في العقود المحرمة ¬
شرعًا، والتي منها أجرة النائحة والمغنية (¬1). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه" (¬2). • وجه الدلالة: بيَّن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأشياء المحرمة في الشرع، أثمانها تكون محرمة كذلك، فيدخل في ذلك أجر النائحة والمغنية؛ لأنهما مهنتان محرمتان في الشرع، كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري (¬3) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران (¬4)، ودرع من جرب" (¬5). وجاء عنه -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف" (¬6). الثالث: عن أبي أمامة (¬7) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تبيعوا المغنيات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام" (¬8). ¬
26] جواز إجارة المسلم للذمي في عمل معين في الذمة
• المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشعبي، والحسن، والنخعي، وقالوا بكراهة أجر النائحة والمغنية (¬1)، ولعل المراد بالكراهة عندهم: كراهة التحريم، وليست التنزيه، وهو الذي يفهم من كلام الأئمة، فابن المنذر لما حكى الإجماع ذكر أقوالهم بعده مباشرة، وبين أن هذا هو اختياره، ولو كان المقصود التنزيه لما حكى الإجماع في المسألة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 26] جواز إجارة المسلم للذمي في عمل معيَّن في الذمة: • المراد بالمسألة: الذمي إذا استأجر مسلِما على عمل معيَّن غير متعلق بالمدة وإنما بالذمة، وهو مما يجوز للمسلم فعله بنفسه، ولا يتعلق بدينهم وشعائرهم، كخياطة ثوب، وقصارته، ونحوها، فإن هذا العقد جائز، بغير خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إن آجر نفسه منه -أي: من الذمي- في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب، وقصارته، جاز بغير خلاف نعلمه] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [يجوز أن يستأجر الكافر مسلما، على عمل في الذمة، بلا خلاف] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إن آجر نفسه منه -أي: من الذمي- في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب، جاز بغير خلاف نعلمه] (¬5). ¬
27] جواز استيفاء المستأجر المنفعة بنفسه وبمن هو مثله
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: أصاب نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خصاصة، فبلغ ذلك عليًّا -رضي اللَّه عنه-، فخرج يلتمس عملا ليصيب منه شيئًا يبعث به إلى نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتى بستانا لرجل من اليهود، فاستقى له سبعة عشر دلوا، كل دلو بتمرة، فخيَّره اليهودي من تمره سبع عشرة تمرة عجوة، فجاء بها إلى نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "من أين هذا يا أبا الحسن؟ " قال: بلغني ما بك من الخصاصة يا نبي اللَّه، فخرجت التمس عملا لأصيب لك طعاما. قال: "فحملك على هذا حب اللَّه ورسوله؟ " قال علي: نعم، يا نبي اللَّه. فقال نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واللَّه ما من عبد يحب اللَّه ورسوله إلا الفقر أسرع إليه من جرية السيل على وجهه، من أحب اللَّه ورسوله فليعد تحفافا" وإنما يعني: الصبر (¬2). • وجه الدلالة: أن عليا آجر نفسه من اليهودي إجارة خاصة، وأقره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليها، فإذا جازت في الخاصة، فمن باب أولى إذا كان أجيرا مشتركا. الثاني: أن الإجارة في هذه الحالة تعد عقد معاوضة لا تتضمن إذلال المسلم، ولا استخدامه، أشبه مبايعته (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 27] جواز استيفاء المستأجر المنفعة بنفسه وبمن هو مثله: • المراد بالمسألة: من استأجر عقارا للسكنى فإن له الحق أن يَسكن فيه، ويُسكن من شاء، لكن بشرط أن يكون الساكن معه ممن يكون مثله في الضرر أو دونه، وله الحق أن يضع فيها ما جرى العرف بين الناس من وضعه حال الاستئجار من الأمور ¬
المعتادة، أما ما يكون فيه ضررٌ على الدار، فإنه لا يحق له عمله فيها، إلا إذا كان ثمة شرط بينهما، بلا خلاف بين العلماء. وضابط الضرر: كل عمل يُفْسد البناء أو يوهنه، فإنه لا يصير مستحقا للمستأجر بمطلق العقد، وإنما بالشرط (¬1). • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [من استأجر عقارا للسكنى، فله أن يسكنه، ويُسْكن فيه من شاء ممن يقوم مقامه في الضرر، أو دونه، ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به، من الرِّحال والطعام، ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها، ولا يسكنها ما يضر بها، مثل القصارين (¬2) والحدَّادين. . .، ولا يجعل فيها الدواب. . .، ولا يجعل فيها السرجين، ولا رحى ولا شيئًا يضر بها. ولا يجوز أن يجعل فيها شيئًا ثقيلا فوق سقف. . .، ولا يجعل فيها شيئًا يُضِرُّ بها، إلا أن يشترط ذلك. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [كل من استأجر عينا لمنفعتها، فله أن يستوفي المنفعة بنفسه وبمثله، فإذا اكترى دارا للسكنى، فله أن يسكنها مثله. . .، فجاز أن يستوفيه بنفسه، وبوكيله إذا كان مثله في الضرر أو دونه. . .، ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به، من الرحال والطعام، ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها. ولا يسكنها ما يُضر بها، كالقصارين والحدَّادين. ولا يجعل فيها الدواب. . .، ولا يجعل فيها السرجين، ولا رحى ولا ما يُضِرُّ بها. ولا شيئًا ثقيلا فوق سقف. . .، فإن شرط ذلك جاز. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬4). ¬
28] إبدال ما ذهب من زاد محمول على الدابة عند إطلاق العقد
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على الوكيل في قبض المبيع: فكما أنه يجوز له قبض المبيع عن المشتري، فكذلك يجوز للمستأجر أن يُسْكن من يشاء في العين التي استأجرها، بجامع أن كلا منهما مالك، فله حق التصرف فيها بما يشاء. الثاني: أنه إذا فعل ما يُضِرُّ بالعين المستأجرة، فقد فعل فوق ما هو متفق عليه في العقد، فلا يجوز له فعله، قياسا على ما لو اشترى سلعة، فإنه ليس له الحق في أخذ ما هو أكثر منها (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 28] إبدال ما ذهب من زادٍ محمولٍ على الدابة عند إطلاق العقد: • المراد بالمسألة: إذا استأجر دابة، ولم يشترط حمل زادٍ مقدر في حال الانتفاع بها، وإنما كان العقد مطلقًا بينهما، ولم يقع بينهما شرط على إبدال ما ذهب ولا عدم إبداله، فلو حصل عارض لما حمله عليها من سرقة، أو سقوط المتاع من ظهر الدابة من غير علمه ثم ضياعه، أو أكلٍ غير معتاد، فإن من حق المستأجر إبدال ما ذهب من هذا المتاع، بغير خلاف بين العلماء. وكذا لو وقع شرط بينهما فإنه يلزم الوفاء به، سواء كان في استبدال ما نقص من المتاع، أم في عدمه، بلا خلاف أيضًا. ¬
• من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن أطلق العقد -فلم يشترط عليه حمل زاد مقدر- فله إبدال ما ذهب بسرقة، أو سقوط، أو أكل غير معتاد، بغير خلاف] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وإن أطلق العقد، فله إبدال ما ذهب بسرقة، أو سقوط، أو أكل غير معتاد، بغير خلاف] (¬2). • الكاكي (749 هـ) يقول: [أما إذا شرط الاستبدال، يستبدل بلا خلاف، ولو شرط عدم الاستبدال، لا يستبدل بلا خلاف، ولو سرق أو هلك بغير أكل أو بأكل غير معتاد، يستبدل بلا خلاف]. نقله عنه الشلبي (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [أما إذا شرط الاستبدال -في المتاع الذي حمله على الدابة- فلا خلاف، ولو لشرط عدم الاستبدال، لا يستبدل، بلا خلاف، ولو سُرِق -أي: المتاع الذي حمله على الدابة عند إطلاق العقد بينهما- أو هلك بغير أكل، أو بأكل غير معتاد، يستبدل، بلا خلاف] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
29] العلم بالمدة في الإجارة
الأول: أن المستأجر استحق حمل مقدار معلوم، فملكه مطلقًا، سواء ذهب جزء منه أم لم يذهب شيء منه (¬1). الثاني: أن ذهاب الطعام في هذه الحالة ذهاب بغير قصد ولا اختيار منه، فإذا منع من البدل في هذا، كان ذلك محاسبة له على غير فعله، ومؤاخذة له بما لم يكن في وسعه. الثالث: أن المسلمين على شروطهم، فإذا وقع شرط بينهما وجب الوفاء به.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 29] العلم بالمدة في الإجارة: • المراد بالمسألة: الإجارة تقع على العين، وتقع على الذمة، والتي على العين تارة تكون على الآدمي: كأن يستأجر آدميا للخدمة، أو للرعي، أو للنسخ، أو للخياطة، وأشباهها. وتارة تكون على غير الآدمي: كإجارة الدار شهرا، أو الأرض عاما، ونحوها. فإذا وقعت الإجارة على العين فلا بد أن تكون المدة فيها معلومة، بإجماع العلماء. ومن العلم بالمدة تحديدها بالشهر والسنة، بإجماع العلماء، ولا تجوز الجهالة فيها بحال عند الجميع. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [الإجارة إذا وقعت على مدة، يجب أن تكون معلومة: كشهر وسنة، ولا خلاف في هذا نعلمه] (¬2). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة -أي: في الإجارة- مجهولة] (¬3). • النووي (676 هـ) يقول: [أجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين] (¬4). نقله عنه زكريا ¬
الأنصاري، والشربيني، والعبادي (¬1)، والشرواني (¬2) (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(ويشترط أن تكون المدة معلومة، يغلب على الظن بقاء العين فيها، وإن طالت) كالشهر والسنة ونحو ذلك، وأقل أو أكثر، إذا كان مضبوطا. فأما ضبطها بالشهر والسنة، فلا نعلم فيه خلافا] (¬4). • الزركشي (772 هـ) يقول: [أما المنفعة: فمن شرطها: أن تكون معلومة، فإذا كانت على مدة -كما قال الخرقي- اشتُرط كونها معلومة: كشهر كذا، ونحو ذلك، بلا خلاف نعلمه] (¬5). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الكري، لا يجوز إلا بأجل معلوم] (¬6). • العيني (855 هـ) يقول: [ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين، لا يجوز إلا وقتا معلوما] (¬7). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وقد اتفقوا على أنها -أي: الإجارة- لا تجوز إلا بأجل معلوم] (¬8). • الموافقون على الإجماع: ¬
30] الأفضل ترك أخذ المال على تعليم القرآن والعلوم الشرعية
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيع الكيل؛ إذ يشترط فيه العلم بعدد المكيلات، فكذلك المدة في الإجارة، بجامع أن كلا منهما يعتبر ضابطا للعقد ومعرِّفا له، فلا بد من العلم به (¬2). الثاني: أن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدون العلم بالمدة، فترك بيانها يوقع في الجهالة والغرر، ويفضي إلى المخاصمة والمنازعة (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 30] الأفضل ترك أخذ المال على تعليم القرآن والعلوم الشرعية: • المراد بالمسألة: تعليم القرآن والعلوم الشرعية الأخرى، إذا جلس المعلم لتعليمها، فالعلماء مجمعون على أن الأفضل ترك أخذ الأجرة عليها. • من نقل الإجماع: • القرافي (684 هـ) لما ذكر خلاف المذاهب في المسألة، ثم بيَّن أدلة القائلين بالمنع، بيَّن الإجابة عنها، وقال: [إن ترك الأخذ أفضل إجماعًا] (¬4). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة، لم يتنازع العلماء في أنه عمل صالح، فضلا عن أن يكون جائزا، بل هو من فروض الكفاية] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬6). ¬
31] جواز أخذ المال على وجه النيابة في الحج عن الغير
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109)} (¬1). الثاني: قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)} (¬2). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل جلاله- أخبر عن الأنبياء والرسل أنهم دعوا أقوامهم، وعلموهم الخير، وبلغوهم رسالة ربهم من غير أن يأخذوا عليهم أجرا، ولنا فيهم أسوة حسنة (¬3). الثالث: أن هذا عليه عمل القرون المفضلة من هذه الأمة، يقول ابن تيمية: [. . . والصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين، وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه، إنما كانوا يعلمون بغير أجرة، ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلا، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر] (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 31] جواز أخذ المال على وجه النيابة في الحج عن الغير: • المراد بالمسألة: إذا أخذ النائب في الحج عن غيره المعذور عذرا يُسْقِط عنه الفرض، نفقة حجه مدة ذهابه وإيابه، من موضعه الذي حج منه إلى أن يعود إليه، قدر كفايته بالمعروف، وإذا فضل معه شيء من النفقة رده، وإن نقص عليه شيء ¬
من النفقة أخذه (¬1)، فإن هذا جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [يجوز أن تحج عن الميت بمال يؤخذ على وجه النيابة بالاتفاق] (¬2). ويقول أيضًا: [في الحج عن الميت، أو المعضوب، بمال يأخذه: إما نفقة، فإنه جائز بالاتفاق، أو بالإجارة، أو الجعالة، على نزاع بين الفقهاء في ذلك] (¬3). • ابن عابدين (1252 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الحج عن الغير بطريق النيابة، لا الاستئجار -أي: أن ذلك جائز- ولهذا لو فضُل من النائب شيء من النفقة يجب عليه رده للأصيل أو ورثته] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عموم الأحاديث الدالة على وجوب النيابة في الحج الواجب عن العاجز ببدنه عجزا دائما، كحديث الخثعمية (¬6)، وحديث ابن عباس في قصة الرجل الذي له أم نذرت الحج ولم تحج حتى ماتت، فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحج عنها، وبيَّن له أنه دين يقضيه عن أُمَّه (¬7)، فإذا كان دينا للَّه في مال المحجوج عنه، فإن لم ¬
32] تحريم أخذ الأجرة على العبادات المحضة التي لا تتعدى نفع فاعلها
يوجد متبرع به، تعيَّن إعطاء المال لرجل يحج عنه (¬1). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللَّه" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز أخذ الأجر على كتاب اللَّه، وهو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومثله الحج بجامع القربة في كل منهما، فإذا جاز أخذ الأجر على الحج، فمن باب أولى جواز أخذ النفقة عليه؛ لأنها ليست معاوضة.Rالإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 32] تحريم أخذ الأجرة على العبادات المحضة التي لا تتعدى نفع فاعلها: • المراد بالمسألة: من فعل عبادة من العبادات المحضة التي نفعها قاصر على فاعلها: كصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه ونحوها، فإنه لا يحل له أخذ الأجرة على هذه العبادة، بغير خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول لما عدد المنافع المحرمة التي لا يصح التعاقد عليها: [فما اجتمعوا على إبطال إجارته. . .: كل منفعة كانت فرض عين على الإنسان بالشرع، مثل الصلاة وغيرها] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [. . . وأما ما لا يتعدى نفعهُ فاعلَه من العبادات المحضة؛ كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها، بغير خلاف] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [. . . وأما ما لا يتعدى نفعهُ فاعلَه من العبادات المحضة: كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء ¬
33] جواز استئجار الأرض لزراعة الحنطة وما يكون ضرره كضررها أو دونه
زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليه، بغير خلاف] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [صلاة الفرض لا يفعلها أحد عن أحد، لا بأجرة ولا بغير أجرة، باتفاق الأئمة، بل لا يجوز أن يستأجر أحدا ليصلي عنه نافلة، باتفاق الأئمة، لا في حياته، ولا في مماته] (¬2). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [أما ما لا يتعدى نفعُه فاعلَه، من العبادات المحضة: كالصيام وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، بلا خلاف] (¬3). ويقول أيضًا: [(لو استأجر قوما يصلون خلفه) أي: فإنه لا يجوز بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها (¬6). الثاني: أن من أتى بعمل يُسْتَحق عليه، فإنه لا يستحق الأجرة، كمن قضى دينا عليه (¬7).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 33] جواز استئجار الأرض لزراعة الحنطة وما يكون ضرره كضررها أو دونه: • المراد بالمسألة: إذا استأجر أرضا على أن يزرع بها حنطة، وما يكون ضرره ¬
كضررها أو دونه، فإن المستأجر جائز له أن يفعل ذلك، بلا خلاف بين العلماء. وإن استأجر الأرض على أن يزرع بها حنطة، ولم يذكر في العقد أن له أن يزرع ما ضرره كضررها أو دونه، فإنه يجوز له ذلك، وإن لم يَنصَّ على ذكره في العقد، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا استأجر أرضا ليزرعها حنطة، فله أن يزرعها حنطة، وما ضرره بها ضرر الحنطة] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [قال: ليزرعها حنطة، وما ضرره كضررها، أو دونه، فهذه كالتي قبلها -أي: الحالة التي تكون بدون شرط بينهما - إلا أنه لا مخالف فيها] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [قال: ليزرعها حنطة، وما ضرره كضررها، أو دونه، فهذه كالتي قبلها -أي: الحالة التي تكون بدون شرط بينهما - إلا أنه لا مخالف فيها] (¬3). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا استأجر أرضا ليزرعها حنطة، فله أن يزرعها حنطة، وما ضرره ضرر الحنطة] (¬4). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [فمن اكترى أرضا لزرع بر، فله زرع شعير، ونحوه مما ضرره ضرر الحنطة، بالاتفاق] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬6). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
الأول: أن المعقود عليه منفعة الأرض دون ما يزرع فيها، ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة، إذا تسلم الأرض، وإن لم يزرعها، وإنما ذكر الحنطة لتقدر به المنفعة، فلم تتعين، كما لو استأجر دارا ليَسكنها كان له أن يُسْكنها غيره (¬1). الثاني: أنه إذا رضي بشيء يكون راضيا بكل ما هو مثله، أو دونه دلالة، دون ما هو أضر منه (¬2). الثالث: أن التعيين في العقود يجب حكمه إذا كان له فيه فائدة، وإن لم يكن له فيه فائدة سقط التعيين، كما لو استأجر دابة ليحمل عليها قفيزا من حنطة زيد، فحمل عليها قفيزا من حنطة عمرو، وهما متساويان في الصفة جاز؛ لأن الضرر على الدابة واحد (¬3). الرابع: وإذا كان اشترط عليه ذلك، فإنه شرط وافق مقتضى الإطلاق، فلا إشكال في جوازه (¬4). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: القول الأول: في حالة التعيين فإنه يتعيَّن ما عيَّنه في العقد، ولا يحق له صرفه إلى غيره. قال به: داود الظاهري (¬5). واستدل لقوله: بأن ما عينه في العقد لا يجوز العدول عنه، كما لو عيَّن المركوب، أو عين الدراهم في الثمن (¬6)، وربما يكون له مقصود في التعيين، وتغييره يفوت عليه المقصود. القول الثاني: عدم جواز إجارة الأرض مطلقًا، إلا على سبيل المزارعة، أو المغارسة فقط. قال به: ابن حزم (¬7). ¬
34] الإجارة عقد لازم من الطرفين
وهذان القولان لم أجد من العلماء من وافقهما عليه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 34] الإجارة عقد لازم من الطرفين: • المراد بالمسألة: العقد اللازم هو: العقد البات الذي لا يملك أحد طرفيه فسخه، وإبطاله، والتحلل منه (¬1). والإجارة من العقود اللازمة بين المتعاقدين، تلزم كل واحد منها ما لم يكن بينهما شرط، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وأما إن سكنوا على الوجه الذي جرت به العادة في سكنى المستأجرين، مثل: أن يجيء إلى المالك، فيقول: أجرني المكان الفلاني بكذا، فيقول: اذهب فأشهد عليك، ويشهد على نفسه المستأجر دون المؤجر، ويُسلِّم إليه المكان، وإذا أراد الساكن أن يخرج، لم يمكنه صاحب المكان، فهذه إجارة شرعية. ومن قال: إن هذه ليست إجارة شرعية، وليس للساكن أن يخرج إلا بإذن المالك، والمالك يخرجه متى شاء، فقد خالف إجماع المسلمين، فإن الإجارة إن كانت شرعية فهي لازمة من الطرفين، وإن كانت باطلة فهي باطلة من الطرفين، ومن جعلها لازمة من جانب المستأجر، جائزة من جانب المؤجر، فقد خالف إجماع المسلمين] (¬2). ويقول أيضًا: [وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة المسلمين، لم يقل أحد من الأئمة: إن الإجارة المطلقة تكون لازمة من جانب المستأجر، غير لازمة من جانب المؤجر في وقف، أو مال يتيم، ولا غيرهما، وإن شذ بعض المتأخرين فحكى نزاعا في بعض ذلك، فذلك ¬
مسبوق باتفاق الأئمة قبله] (¬1). ويقول أيضًا: [إن كانت صحيحة -أي: الإجارة- فهي لازمة من الطرفين، باتفاق المسلمين، وليس للمؤجر أن يخرج المستأجر؛ لأجل زيادة حصلت عليه، والحال هذه، ولا يقبل عليه زيادة والحال هذه، باتفاق الأئمة] (¬2). نقل الجملة الأخيرة عبد الرحمن القاسم (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (¬5). • وجه الدلالة: أن مقتضى الوفاء بالعقد التزام كل واحد من الطرفين ما التزمه مع صاحبه، وكون العقد جائزا من الطرفين، أو من أحدهما، ينافي هذا الالتزام (¬6). الثاني: قال عمر -رضي اللَّه عنه-: [البيع صفقة أو خيار] (¬7) فجعل البيع نوعان: نوع فيه خيار الفسخ، ونوع ليس كذلك، والإجارة تعد بيع منافع فتدخل في كلامه -رضي اللَّه عنه- (¬8). ¬
35] بطلان ما فات من العين المستأجرة
الثالث: أنها معاوضة عقدت مطلقة، فلا ينفرد أحد العاقدين فيها بالفسخ، إلا عند العجز عن المضي في موجب العقد، من غير تحمل ضرر: كالبيع (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: شريح القاضي، فقال: بجواز الإجارة، وأن لكل واحد من المتعاقدين الفسخ متى شاء (¬2). واستدل لقوله: بالقياس على العارية، فهي عقد جائز غير لازم لكل واحد فسخه متى شاء، فكذلك الإجارة، بجامع أن كلا منهما إباحة منفعة (¬3). ولم أجد من وافقه عليه، فهو إن ثبت عنه يعد قولا شاذا (¬4) واللَّه أعلم.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 35] بطلان ما فات من العين المستأجرة: • المراد بالمسألة: حين يستأجر المستأجر العين، ويريد الانتفاع بها، ثم أصابها مانع منعه من الانتفاع بها، كأن يموت العبد، أو تَنْفق الدابة. أو من بعضها، كأن يحدث غرق لجزء من الأرض المستأجرة: إما من المطر، أو من ماء نبع فيها. فإن كان المانع من الانتفاع بها قبل قبضها، فإن الإجارة تنفسخ بلا خلاف بين العلماء. وإن كان المانع من الانتفاع ببعضها، فإن للمستأجر الخيار بين: فسخ العقد، أو عدمه مع لزوم الأجرة عليه في الباقي منها دون ما غرق، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [من استأجر عينا مدة، فحيل بينه وبين الانتفاع بها، لم يخلُ من أقسام ثلاثة: أحدها: أن تتلف العين، كدابة تَنْفق، أو عبد ¬
يموت، فذلك على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تتلف قبل قبضها، فإن الإجارة تنفسخ، بغير خلاف نعلمه] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [من استأجر عينا مدة، فتعذر الانتفاع بها، فإن كان بتلف العين، كدابة نَفَقَت، وعبد مات، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تتلف قبل قبضها، فإن الإجارة تنفسخ، بغير خلاف نعلمه] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وإن روى -أي: الماء- بعضها -أي: الأرض المستأجرة- دون بعض، وجب من الأجرة بقدر ما روى، ومن ألزم المستأجر بالإجارة، وطالبه بالأجرة إذا لم ترو الأرض، فقد خالف إجماع المسلمين] (¬4). ويقول أيضًا: [ما لم يشمله الري من الأرض، فإنه يسقط بقدره من الأجرة، باتفاق العلماء] (¬5). ويقول أيضًا: [له -أي: من استأجر أرضا، وغلب على أرضها الماء حتى غرق جزء منها- أن يفسخ الإجارة، وله أن يحط من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة، ومن حكم بلزوم العقد وجميع الأجرة، فقد حكم بخلاف الإجماع] (¬6). ويقول أيضًا: [ولا خلاف بين الأمة، أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة، أو نقصها، أو الفسخ] (¬7). ويقول أيضًا: [اتفقوا على أنه إذا تلفت العين، أو تعطَّلت المنفعة، أو بعضها، في أثناء المدة، سقطت الأجرة، أو بعضها، أو ملك الفسخ] (¬8). ويقول أيضًا: [وقد اتفق العلماء على أنه لو نقصت المنفعة المستحقة بالعقد كان للمستأجر الفسخ] (¬9). نقل العبارة الثانية عبد الرحمن القاسم (¬10). ¬
36] فوات بعض المعقود عليه في الإجارة لا يمنع الرد بالعيب
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المعقود عليه لا بد أن يبقى على الوجه الذي يمكن استيفاء المنفعة المقصودة منه، فإذا خرج عن هذه الحال، كان العدل أن يكون المستأجر مخيرا بين الفسخ والأرش، وإلا وقع الظلم والغبن عليه (¬2). الثاني: أن المنافع المعقود عليها في العين المستأجرة تحدث شيئًا فشيئا، وعليه فإن ما وقع عليه الفوات يأخذ حكم التالف، فيكون مثل العين المبيعة التي تلفت قبل القبض.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 36] فوات بعض المعقود عليه في الإجارة لا يمنع الرد بالعيب: • المراد بالمسألة: إذا استأجر العين، ثم تبيَّن له بها عيب، وقد استفاد من العين المعقود عليها في مدة بقائها عنده، فإن هذا الفوات لا يمنع الرد من أجل العيب، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [(وفوات بعض المعقود عليه في الإجارة، لا يمنع الرد بخيار العيب) بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
37] فسخ الإجارة بسبب عذر مانع من الاستيفاء
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الإجارة بيع منفعة، والمنافع تحدث شيئًا فشيئًا، فكان كل جزء من أجزاء المنافع معقودا عليه ابتداء، فإذا حدث العيب بالمستأجر كان هذا عيبا حدث بعد العقد قبل القبض، وهذا يوجب الخيار في بيع العين، كذا في الإجارة (¬1). الثاني: أن العقد وقع على جميع المدة، فيلزم السلامة في جميعها، وإذا تبيَّن العيب بعد فوات جزء من العين، كان له الحق في الفسخ فيما بقي، لفوات شرط السلامة فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 37] فسخ الإجارة بسبب عذر مانع من الاستيفاء: • المراد بالمسألة: إذا وقعت الإجارة بين الطرفين، ثم قام عذر يمنع استيفاء منفعة العين، فإن العقد ينفسخ، وتعتبر الإجارة لاغية، بإجماع العلماء. وذلك مثل: أن يستأجر عبدا ليخدمه سنة ثم يموت العبد، أو دارا ليسكنها سنة ثم تنهدم، أو يستأجر طبيبا ليقلع ضرسه من أجل مرض فيه، ثم يسكن المرض قبل عمل الطبيب، أو أن يستأجر طباخا ليطبخ له وليمة، ثم ينفسخ العقد بالخلع، ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [إذا أستأجر عبدا سنة ليخدمه، أو دارا سنة ليسكنها، فانهدمت الدار ومات العبد، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ذلك قبل تسليم العبد وإقباض الدار، فلا خلاف أن الإجارة قد بطلت والأجرة المسماة فيها قد سقطت] (¬2). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وأما الجوائح في الإجارة، فنقول: لا نزاع بين ¬
الأئمة أن منافع الإجارة إذا تعطَّلت قبل التمكن من استيفائها، سقطت الأجرة] (¬1). ويقول أيضًا: [قد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها، فإنه لا تجب أجرة ذلك، مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من الانتفاع] (¬2). ويقول أيضًا: [لا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة، أو نقصها، أو الفسخ، وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع: كموت الدابة، وانهدام الدار، وانقطاع ماء السماء، فكذلك حدوث الغرق، وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع] (¬3). ويقول أيضًا: [إذا استأجر أرضا للزرع، فلم يأت المطر المعتاد، فله الفسخ، باتفاق العلماء] (¬4). نقل العبارة الثانية ابن القيم (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [(من استأجر حدادا ليقلع ضرسه لوجع به، فسكن الوجع، أو استأجر طباخا ليطبخ له طعام الوليمة، فاختلعت منه) فإن الإجارة تنفسخ فيه أيضًا، بالإجماع] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على العيب الواقع في المبيع قبل القبض: فكما أن له الفسخ بسبب العيب، فكذلك الحال في الإجارة إذا امتنع استيفاء المنفعة منها، بجامع أن الثمن لم يقابله منفعة يمكن الاستفادة منها (¬8). ¬
38] ضمان المستأجر لما تلف من الزرع
الثاني: أن استيفاء المنفعة المعقود عليه متعذر شرعا؛ إذ لا يجوز لأحد أن يزيل عضوا من أعضاءه من غير حاجة أو قصاص، ولما زال المرض عاد صحيحا، فامتنع شرعا إزالته، كما لو زالت المنفعة حسا بالموت (¬1). الثالث: أن في عدم الفسخ ضررًا على المستأجر، والضرر يزال (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 38] ضمان المستأجر لما تلف من الزرع: • المراد بالمسألة: إذا استأجر أرضا، وأراد زراعتها، وبعد ذلك تلف الزرع بآفة لا صنع للآدمي فيها، فإن المؤجِر لا يضمن شيئًا للمستأجر، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا استأجر أرضا، فزرعها، فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجِر، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ومتى زرع فغرق الزرع، أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غيره، فلا ضمان على المؤجِر، ولا خيار للمكتري، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا] (¬4). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ما تلف من الزرع فهو من ضمان مالكه، لا يضمنه له رب الأرض، باتفاق العلماء] (¬5). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬6). ¬
39] خيار العيب للمستأجر في العين المستأجرة
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن صاحب الأرض لم يَتْلف شيء من الأرض بسببه، وإنما تلف ما وضعه الزارع بيده، فليس من العدل أن يضمن مالك الأرض شيئًا. الثاني: القياس على ما لو اكترى دارا ووضع فيها بُرا، ثم احترق البر، فكما أنه لا يضمن هنا شيئًا فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن المؤجِر في كلتا الحالتين لم يكن متسببا في التلف، والذي تلف إنما هو مال المستأجر (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 39] خيار العيب للمستأجر في العين المستأجرة: • المراد بالمسألة: إذا وقعت الإجارة على العين، ثم تبين للمستأجر عيب في العين لم يعلم به قبل ذلك، ولم يكن العيب يسيرا، ولا يمكن إزالته إلا بضرر يلحقه، فإن المستأجر بالخيار إن شاء فسخ العقد، وإن شاء بقي على العقد الأول، من غير نقصان، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإذا اكترى عينا، فوجد بها عيبا لم يكن علم به، فله فسخ العقد، بغير خلاف نعلمه] (¬2). نقله عنه البهوتي، وعبد الرحمن القاسم (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [أن يجد العين -أي: المستأجرة- معيبة عيبا لم يكن علم به، فله الفسخ بغير خلاف نعلمه] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ليس لأحدهما فسخها للزومها، إلا أن يجد العين معيبة عيبا لم يعلم به، فله الفسخ، بغير خلاف نعلمه] (¬5). ¬
40] عدم تضمين الأجير الخاص
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيوع الأعيان: فكما أنه يثبت له الخيار إذا كانت السلعة معيبة، فكذلك هنا، بجامع أنه عيب لا يمكن العاقد من استيفاء المنفعة في كل منهما (¬2). الثاني: أن المستأجر بمطلق العقد استحق المعقود عليه بصفة السلامة، فإذا وجده معيبا كان العقد مختلا، فثبت له حق الخيار (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 40] عدم تضمين الأجير الخاص: • المراد بالمسألة: الأجير الخاص: هو من يعمل لمعين، واحد أو أكثر، عملا مؤقتا بالتخصيص، فتكون منفعته مقدرة بالزمن، سُمي بذلك لاختصاص المستأجر بمنفعته في مدة الإجارة دون أن يشاركه فيها غيره (¬4). وهو إذا عمل ما استؤجر عليه، وتلف ما بيده، من غير تعد منه ولا تفريط، فإنه لا ضمان عليه، وإن تعمد الفساد فإنه يضمن، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • السرخسي (483 هـ) يقول: [لا خلاف أن أجير الواحد لا يكون ضامنا لما تلف في يده من غير صنعه] (¬5). ¬
• الكاساني (587 هـ) يقول بعد أن ذكر أن من أسباب ضمان الأجير الإتلاف والإفساد: [. . . وإن لم يكن متعديا في الإفساد، بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير قصده، فإن كان الأجير خاصا، لم يضمن بالإجماع] (¬1). • الطرابلسي (¬2) (844 هـ) يقول: [ولا ضمان على أجير الوحد، فيما هلك في يده من غير صنعه بالإجماع] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده، ولا ما تلف من عمله). . .، فإن تعمد ذلك -أي: الفساد- ضمن، كالمودع، بلا خلاف] (¬4). • الطوري (كان حيا: 1138 هـ) يقول: [(ولا يضمن ما تلف في يده أو بعمله) أما الأول -يقصد ما تلف بيده-. . .، فلا يضمن بالإجماع] (¬5). • ابن عابدين (1252 هـ) يقول: [قوله: (ولا يضمن ما هلك في يده) أي: بغير صنعه بالإجماع] (¬6). • علي حيدر (1353 هـ) يقول: [بالاتفاق لا يضمن الأجير الخاص. . .، المال الهالك بيده بغير صنعه] (¬7). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في المشهور عنهم، والحنابلة كذلك، وابن حزم من الظاهرية (¬8). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬1). • وجه الدلالة: أن من أكل أموال الناس بالباطل تضمين من لم تجن يده على العين، كالأجير الخاص، فماله حق له، وأجره محفوظ عليه، ما لم يتعدَّ هو، فيتعدى عليه بمثل ما تعدى (¬2). الثاني: أن عمل الأجير الخاص غير مضمون عليه، فلم يضمن ما تلف به كالقصاص. الثالث: أنه نائب عن المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن إذا لم يتعد كالوكيل (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة بعض العلماء فقالوا بأن كل من أخذ أجرا فهو ضامن لما وقع تحت يده، سواء كان أجيرا مشتركا أو خاصا. وهذا القول مروي عن علي وعبد الرحمن بن يزيد (¬4) (¬5)، وهو رواية عن الشافعي (¬6)، ورواية عن أحمد ¬
اختارها ابن أبي موسى (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: القياس على المستام: فكما أنه يضمن، فكذلك الأجير الخاص، بجامع أن كلا منهما أَخَذَه لمنفعة نفسه (¬2). أما ما جاء عن علي -رضي اللَّه عنه- فعنه عدة أجوبة، منها: أولًا: عدم صحة ذلك عنه، وممن قال بضعفه الإمام الشافعي وابن قدامة (¬3). ثانيا: لو صح عنه فإنه محمول على الأجير المشترك، ويدل لهذا: أنه جاء عنه أنه قال بتضمين القصَّار والصوَّاغ والنجَّار، وكل هؤلاء الأصل فيهم أنهم من قبيل الأجير المشترك لا الخاص، وعليه فيحمل ما جاء عنه مطلقًا من القول بالتضمين، على ما جاء مقيدا من أمثال هؤلاء (¬4). ثالثًا: الوارد عن علي -رضي اللَّه عنه- أقوال عدة: فمرة قال بالتضمين مطلقًا، ومرة قال بعدم التضمين، ومرة ضمَّن نجارا، ومرة ضمن القصار والصواغ (¬5). فمثل هذا لا ¬
41] عدم ضمان الدابة في الإجارة
يؤخذ منه قول إلا إذا ثبت صحة أحدها دون غيره.Rعدم صحة الإجماع في عدم تضمين الأجير الخاص إذا لم يتعد أو يُفرِّط؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، وصحته في تضمينه إذا تعمَّد إفساد العين المستأجرة. 41] عدم ضمان الدابة في الإجارة: • المراد بالمسألة: إذا استأجر المستأجر دابة، وبيَّن للمؤجر عين ما أراد استعمالها له، ولم يقع منه زيادة على ما وقع عليه العقد، ثم تلفت الدابة، فإنه لا ضمان على المستأجر، بإجماع العلماء. أما إذا تعدى على ما ذكر في العقد، ثم تلفت الدابة حال تعديه، فإنه ضامن لها بكمال قيمتها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها ما اشترط، فتلفت، أن لا شيء عليه] (¬1). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إذا تلفت -أي: الدابة- حال التعدي، ولم يكن صاحبها مع راكبها، فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها] (¬3). نقله عنه شمس الدين ابن قدامة (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المستأجر استعمل المنفعة فيما وقع عليه الشرط، ولم تقع منه ¬
42] عدم ضمان الراعي الذي لم يتعد
مخالفة لما أذن له فيه، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (¬1)، فلا ضمان عليه. الثاني: أن يد المستأجر يد أمانة، والأمين لا يضمن، ما لم يتعد بفعله، أو يُفرِّط.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 42] عدم ضمان الراعي الذي لم يتعد: • المراد بالمسألة: الراعي الذي يرعى البهائم، إذا استأجره رجل لرعي بهائمه إجارة خاصة، وتلفت الماشية، أو بعضها من غير تعد أو تفريط، فلا ضمان عليه، وإذا ثبت تفريطه أو تعديه -مثل: أن ينام عن السائمة، أو يغفل عنها، أو يتركها تتباعد منه، أو تغيب عن نَظَره وحِفْظه، أو يضربها ضربا يسرف فيه، أو في غير موضع الضرب، أو من غير حاجة إليه، أو سلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف- فإنه يضمن، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [اتفقوا على أن الراعي ما لم يتعد، فلا ضمان عليه] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [لا ضمان على الراعي فيما تلف من الماشية، ما لم يتعد، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الشعبي. . .، فأما ما تلف بتعديه، فيضمنه، بغير خلاف] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا يضمن -أي: الراعي- ما تلف من الماشية إذا لم يتعد أو يفرط في حفظها، لا نعلم فيه خلافا، إلا ما روي عن الشعبي أنه كان يُضمِّن الراعي. . .، فأما ما تلف بتعديه، فيضمنه بغير خلاف] (¬6). ¬
• الأسيوطي (880 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الراعي ما لم يتعد، فلا ضمان عليه] (¬1). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [(ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) بغير خلاف نعلمه إلا ما روي عن الشعبي. . .، ما أُتلف بتعديه أنه ضامن له بغير خلاف] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (¬5). • وجه الدلالة: أن قاعدة الشرع في أموال المسلمين أنها معصومة، لا يجوز الاعتداء عليها إلا بحق، ومن ذلك الراعي فلا يُعتدى على ماله ما لم يقع التفريط منه أو الاعتداء. الثاني: القياس على المودَع، فكما أنه لا يضمن ما لم يقع منه الاعتداء أو التفريط فكذلك الراعي، بجامع أن كلا منهما مؤتمن على الحفظ، ويدهما على العين يد أمانة. الثالث: أنها عين قبضت بحكم الإجارة، فلا يقع الضمان ما لم يتعد أو يفرط، أشبه العين المستأجرة (¬6). • المخالفون للإجماع: ¬
43] ضمان الحمال الذي زحمه الناس
جاء عن الحسن: أنه يضمن الراعي إلا من موت. وجاء عن الشعبي أنه قال: يضمن الراعي (¬1). ولعلهم يستدلون: بالقياس على الأجير المشترك، فإنه يضمن. ويمكن أن يجاب عنهما: بأنه إذا ثبت ذلك عنهما فإنه: إما يحمل على الأجير المشترك، وقد وقع الخلاف فيه بين العلماء، أو يقال بأن قولهما شاذ لا يعتد به.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 43] ضمان الحمَّال الذي زحمه الناس: • المراد بالمسألة: من استأجر حمَّالا ليحمل له متاعا، فزحمه الناس من غير إرادة منه ولا قصد، ففسد المتاع الذي استؤجر عليه، فإنه لا ضمان عليه، ولو أنه هو الذي زحم الناس، فإنه يضمن، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (في حدود: 480 هـ) يقول: [لو زحمه -أي: الحمَّال- الناس حتى انكسر -أي: الدن- فإنه لا يضمن بالإجماع. . .، ولو أنه هو الذي زحم حتى انكسر، فإنه يضمن بالإجماع]. نقله عنه العيني (¬2). • الكاساني (587 هـ) يقول: [ولو زحمه الناس -أي: الحمال- حتى فسد، لم يضمن بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية في المشهور عندهم، والحنابلة كذلك، وابن حزم من الظاهرية (¬4). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه لا يمكنه حفظ نفسه عن ذلك، فكان بمعنى الحرق الغالب، والغرق الغالب (¬1). الثاني: أن يده يد أمانة، والأمين لا يضمن ما تلف بغير فعله مما لا يمكنه التحرز منه، وتضمينه في هذه الحالة يعد أكلا لماله بغير حق. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الصاحبان من الحنفية، والشافعية في رواية عندهم، والحنابلة كذلك، وقالوا: بأنه يضمن (¬2). واستدل هؤلاء بدليل المعقول، وهو: أنه تسلم العمل على أن يسلمه له، ويأخذ أجرته، وهو لم يسلمه كما وقع في العقد، فيلزمه الضمان (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ¬
44] ضمان الحجام والختان والطبيب
44] ضمان الحجام والختان والطبيب: • المراد بالمسألة: الحجّام والختّان والطبيب إذا استُؤجِر واحد منهم، وفعل ما أُمر به، فإنه لا ضمان عليه، وهذا مشروط بأمرين، هما: الأول: أن يكون من أهل الحذق والمعرفة بهذه الصنعة. الثاني: أن لا تثبت جناية يديه على ما فعل. فإذا اختل أحد الأمرين أو هما جميعا، فإنهم يضمنون ما فعلوا بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الخطابي (388 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في المعالج إذا تعدَّى فتلف المريض، كان ضامنا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • الكاساني (587 هـ) يقول: [الفصّاد (¬3) والبزَّاغ (¬4) والحجَّام إذا سرت جراحاتهم، لا ضمان عليهم بالإجماع] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ، لزمته الدية، مثل أن يقطع الحشفة في الختان، وما أشبه ذاك. . .، ولا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب، أنه يضمن] (¬6). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬7). ¬
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [(ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب، إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) وجملته: أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة. . . .، الثاني: ألَّا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان، لم يضمنوا. . .، فأما إن كان حاذقا وجنت يده، مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع الطبيب سلعة من إنسان، فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالَّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله. . .، وكذلك الحكم في البزَّاغ، والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق. وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب، إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) وجملة ذلك: أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم. . . .، الثاني: ألَّا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان، لم يضمنوا. . .، فأما إن كان حاذقا وجنت يده، مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو يقطع في غير محل القطع، أو قطع سلعة من إنسان، فتجاوز بها موضع القطع، أو يقطع بآلة كالّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله. . .، وكذلك الحكم في البزَّاع، والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق. وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [(وإذا فصد الفصاد، أو بزغ البزاغ، ولم يتجاوز المعتاد، فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك) أي: فيما هلك، ولا يعلم فيه ¬
45] عدم ضمان العين المستأجرة التي في يد المستأجر
خلاف] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من تطبَّب ولا يعلم منه طِبٌّ، فهو ضامن" (¬3). • وجه الدلالة: مفهوم الحديث أن من عالج أحدا وهو معروف بالطب، فليس عليه ضمان. الثاني: القياس على قطع الإمام يد السارق: فكما أنه لا يضمن إذا تعدى الموضع من غير قصد، فكذلك هنا، بجامع أن كلا منهما فعل فعلا مباحا مأذونا له فيه. الثالث: أما في حالة عدم توفر الشرطين أو أحدهما، فيقال: بأنه فعل فعلا محرما، فيضمن سرايته، كما لو وقع القطع منه ابتداء. الرابع: القياس على إتلاف المال: فكما أنه مضمون على صاحبه، فكذلك هنا، بجامع أن كلا منهما إتلاف لا يَخْتلف ضمانه بالعمد والخطأ (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 45] عدم ضمان العين المستأجَرة التي في يد المستأجِر: • المراد بالمسألة: العين المستأجرة أيا كانت تُعَدُّ يدُ المستأجر عليها يد أمانة، ¬
فلا ضمان عليه ما لم يقع تعد منه في استخدامها، أو تفريط في حفظها، وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [لا خلاف في أن المستأجَر أمانة في يد المستأجر كالدار، والدابة، وعبد الخدمة، ونحو ذلك، حتى لو هلك في يده بغير صنعه لا ضمان عليه] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط، لم يضمنها. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط، لم يضمنها. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬3). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [فلو تلفت -أي: العين المستأجرة- بآفة سماوية، كانت من ضمانه -أي: المؤجر- باتفاق المسلمين] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن قبض العين في الإجارة قبض مأذون فيه، يستوفى منها ما ملكه، وما كان مأذونا لا يكون مضمونا، قياسا على قبض الوديعة (¬6). الثاني: أن مال المستأجر مال محترم لا يجوز الاعتداء عليه إلا بحق، وإذا تعدى أو فرط في العين المستأجرة كان معتديا على مال غيره، فجاز معاقبته بمثل فعله، وهو ضمان ما تعدى عليه، أو فرط فيه. ¬
46] منع المطالبة بالأجرة المؤجلة
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 46] منع المطالبة بالأجرة المؤجلة: • المراد بالمسألة: الأصل في الأجرة أنها تكون بعد العقد، فإذا وقع الشرط منهما، أو من أحدهما، على تأجيل الأجرة، فلا يجوز للآخر مطالبة صاحبه بها، إلا بعد حلول المدة التي وقع الاتفاق عليها، بلا نزاع بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [ولا نزاع أنها إذا كانت مؤجلة -أي: الأجرة- لم تطلب إلا عند محل الأجل] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (¬3). • وجه الدلالة: أن تأجيل الأجرة شرط اتفق عليه العاقدان، ولم يكن فيه مخالفة لمقتضى العقد، فيجب الوفاء به (¬4). الثاني: القياس على البيع: فكما أنه يصح الثمن فيه حالا ومؤجلا، فكذلك الإجارة، بجامع أن كلا منهما ركن في عقد معاوضة (¬5).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
47] وجوب أجرة المثل في الإجارة الفاسدة التي لم تسم فيها الأجرة
47] وجوب أجرة المثل في الإجارة الفاسدة التي لم تسمَّ فيها الأجرة: • المراد بالمسألة: الإجارة الفاسدة هي: التي فقدت شرطا من شروط الصحة، فإذا استأجر عينا وكانت الإجارة فاسدة، وانتفع بالعين، ولم يسم الأجرة في العقد، فحينئذ يلزم المستأجِر أجرة المثل أيَّا كانت، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [إذا لم يكن فيه -أي: عقد الإجارة الفاسدة- تسمية، فإنه يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، بالإجماع] (¬1). • الحداد (800 هـ) بعد أن ذكر أن الواجب في الإجارة الفاسدة هو أجر المثل، يقول: [وهذا إذا كان المسمى معلوما. أما إذا كان مجهولا. . .، فإنه يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، إجماعا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} (¬4). • وجه الدلالة: أن من استغلَّ مال غيره بغير حق، فهي حرمة انتهكها، فعليه أن يقاص بمثله من ماله (¬5). الثاني: أنه إذا لم يكن في الإجارة تسمية الأجر، والمُؤجر لا يرضى باستيفاء المنافع من غير بدل، كان ذلك تمليكا بالقيمة -التي هي الموجب الأصلي في عقود المعاوضات- دلالة، فكان تقويما للمنافع بأجر المثل؛ إذ هو قيمة المنافع ¬
48] وجوب أجرة المثل في العمل الزائد عن المتفق عليه في الإجارة
في الحقيقة (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 48] وجوب أجرة المثل في العمل الزائد عن المتفق عليه في الإجارة: • المراد بالمسألة: إذا استأجر أرضا للزراعة، وحدد قدرها ومكانها ونوع الزرع المراد زرعه فيها، واتفقا على الثمن، ثم بعد ذلك زرع المستأجر في مكانٍ خارج عن الحد المتفق عليه بينهما، فإن عليه أجرة المثل مقابل زراعته في الجزء الزائد، بغض النظر عن الأجرة المسماة، في الجزء المتفق عليه بينهما في العقد، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) لما سئل عمَّن أجر أرضا للزراعة، وكان مقدارها معلوما، لكن المستأجر زاد عن القدر المحدد في العقد، واستفاد منه، أجاب بقوله: [ما زرعوه زائدا عما يستحقونه بالإجارة، فزرعهم بأجرة المثل، فمتى استعملوا الزائد كان عليهم أجرة المثل، باتفاق المسلمين] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا يعد متعديا بفعله حين زرع زائدا عن مكانه المتفق عليه؛ إذ بقي جزء من البدل بدون مقابل، فكان عليه أجرة المثل في القدر الزائد، حتى لا يُبْخس المؤجر حقه (¬4). ¬
49] جواز إجارة العين المستأجرة بمثل الأجرة الأولى
الثاني: أن الزرع له نهاية معلومة، يمكن فيها مراعاة جانب الطرفين في العقد، من غير وقوع ضرر عليهما، فالمؤجِر يعطى حقه، والمستأجِر لا يتلف ماله، ونظيره: من اشترى ثمرة شجرة وانقضت المدة ولم تنتهِ الثمرة (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 49] جواز إجارة العين المستأجرة بمثل الأجرة الأولى: • المراد بالمسألة: إذا استأجر عينا، ثم أراد إجارتها على آخر بعد أن قبضها، فإنه يجوز له تأجيرها بمثل ما استأجرها به، بلا نزاع بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الأجرة، بلا نزاع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن معقل (¬4) قال: زعم ثابت (¬5) أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ¬
50] جواز إجارة المشاع من الشريك
المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: "لا بأس بها" (¬1). • وجه الدلالة: أن من أجر ما استأجر بمثل الأجرة فقد عقَد عقْد إجارة صحيح لا شبهة فيه، فدخل في عموم الجواز الذي أمر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬2). الثاني: القياس على بيع الأعيان: فكما أن للمشتري بيع العين بمثل ما اشتراها به فكذلك في بيع المنافع، بجامع أن كلا منهما عقد معاوضة.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 50] جواز إجارة المشاع من الشريك: • المراد بالمسألة: إذا كانت الشراكة بين اثنين في مال، ولم يكن هذا المال مقسوما بينهما، وإنما ملكهما عليه مشاعٌ شيوعا أصليا وليس طارئًا، ثم أراد أحدهما أن يؤجر نصيبه على شريكه، فإن هذا جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (في حدود: 480 هـ) يقول: [إجارة المشاع من شريكه، جائزة بالإجماع]. نقله عنه العيني، والشلبي (¬3). • الطرابلسي (844 هـ) يقول: [لو أجر أحد الشريكين نصيبه من شريكه، جاز بالإجماع] (¬4). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [(ولا تصح إجارة المشاع) سواء كان الشيوع فيما يحتمل القسمة: كالعروض، أو فيما لا يحتمل ¬
القسمة: كالعبد. . . (إلا من الشريك) فإنه يجوز إجماعا] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أنه يجوز بيع المشاع، فكذلك إجارته، بجامع أن كلا منهما بيع، فالإجارة بيع منافع، والبيع بيع أعيان (¬3). الثاني: أنه يجوز إذا وقع التأجير من الشريكين معا، فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفردا، كالبيع (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنفية في رواية عندهم هي المنقولة عن الإمام أبي حنيفة، واختارها زفر، وقالوا: لا تجوز إجارة المشاع مطلقًا من الشريك ومن غيره (¬5). استدل هؤلاء: بالقياس على غير الشريك: فكما أنه لا يجوز من غير الشريك، فكذلك لا يجوز مع الشريك، كالرهن والهبة (¬6).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها (¬7). ¬
51] عدم صحة الإكراه في الإجارة
51] عدم صحة الإكراه في الإجارة: • المراد بالمسألة: إذا أُكْره المؤجر على عقد الإجارة بغير حق، فإن الإجارة لا تصح، وهو مخيَّر بعد ارتفاع الإكراه عنه بين الفسخ والمضي فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [إذا كانوا مكرهين على الإجارة بغير حق، لم تصح الإجارة، ولم تلزم، بلا نزاع بين الأئمة] (¬1). ويقول أيضًا: [المكره بغير حق، لا يلزم بيعه، ولا إجارته، ولا إنفاذه، باتفاق المسلمين] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬4). • وجه الدلالة: أن الإجارة تعد من التجارة، فلا بد فيها من التراضي بين الطرفين، وإلا عُد ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والإكراه على الإجارة لا يحصل فيه الرضا، ومن ثَمَّ لا تترتب عليه آثاره (¬5). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خطب الناس في حجة الوداع فقال: "لا يحل لامرئ من مال أخيه، إلا ما أعطاه عن طيب نفس" (¬6). ¬
• وجه الدلالة: أن المكره على العقد الذي اشتمل على المال -أيًّا كان هذا العقد- قد أُخذ ماله بغير طيب نفس منه، فلا يحل للآخذ أخذه (¬1). الثالث: القياس على البيع: فكما أنه لا يصح الإكراه فيه بغير حق، فكذلك الإجارة، بجامع أن كلا منهما معاوضة بين طرفين.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * * ¬
الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة
الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة 1] مشروعية المساقاة: • المراد بالمسألة: المساقاة في اللغة: مأخوذة من السقي، وهو: إشراب الشيء الماء وما أشبهه (¬1). • وفي الاصطلاح: دفع شجر مغروس معلوم، ذي ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء شائع معلوم من ثمره (¬2). • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (¬3). ¬
• شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] (¬1) واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (¬2). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [والأصل فيها -أي: المساقاة - قبل الإجماع. . . .] (¬3). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (¬4). • الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬5). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬7). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تعامل مع أهل خيبر بالمزارعة والمساقاة، فدل على جوازهما (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قالت الأنصار للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: "لا" فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على هذه المعاملة وهي أن يكفوهم مؤونة الزرع من سقي ونحوه مما يحتاجه، ولهم جزء من الثمرة، وهذه صورة المساقاة (¬4). الثالث: المعنى يدل على جوازها، فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارتها وسقيها، ولا يمكنهم الاستئجار عليها، وكثير من الناس لا شجر لهم، ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة الفئتين، فجاز ذلك، كالمضاربة بالأثمان (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: أبو حنيفة وزفر، فقالا: لا تجوز المساقاة (¬6). وقال بكراهتها: الحسن وإبراهيم (¬7). ¬
2] تحريم المساقاة على ما لا ثمر له
ويستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن هذا العقد يعتبر عقد إجارة، وقد اشتمل على عدة محاذير كلها لا تجوز، منها: أن الأجرة مجهولة معدومة، وكذلك في وجودها خطر، وكل واحد من المعنيين يمنع صحة الاستئجار؛ لأن الاستئجار بما يكون على خطر الوجود، في معنى تعليق الإجارة بالخطر، والاستئجار بأجرة مجهولة بمنزلة البيع بثمن مجهول، وكلاهما منهي عنه. وقد جاء في حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره" (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل الذين حكوا الإجماع من العلماء قصدوا أن مخالفة من خالف تعد شاذة لا اعتبار لها، وقد نص على ذلك ابن المنذر (¬2)، ولا يقال بأن العذر أنهم لم يطلعوا على الخلاف في المسألة؛ لأنه خلاف مشتهر ومعروف، ويتناقله العلماء حتى الشافعية في كتبهم. 2] تحريم المساقاة على ما لا ثمر له: • المراد بالمسألة: الشجر: منه ما له ثمرة، ومنه ما ليس له ثمرة، والذي له ثمرة: منه ما ثمرته مقصودة، ومنه ما ثمرته غير مقصودة، والمساقاة لا تجوز في كل ما لا ثمرة له كالصفصاف والحور ونحوها، أو له ثمرة لكنها غير مقصودة كالصنوبر والأرز ونحوها، بلا خلاف بين العلماء. ويستثنى من هذا الضابط ما يقصد ورقه أو زهره كالورد والياسمين ونحوها. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز (¬3) ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز، فلا تجوز ¬
المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬1). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والبهوتي (¬2). • شمس الدين ابن قدمة (682 هـ) يقول: [وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز، فلا تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (¬5). • وجه الدلالة: أن الشجر الذي لا ثمر له ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فلا تحل المساقاة عليه. الثاني: أن المساقاة قائمة على جعل المعاوضة في الثمرة، فإذا لم تكن ثمة ثمرة فقد اختل ركن من أركان العقد (¬6). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنفية، وأبو ثور، فقالوا: تجوز المساقاة على ¬
3] تحريم المساقاة فيما لا تزيد به الثمرة
الشجر مطلقًا، سواء كان له ثمر أم لا (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن الشجر الذي له ثمر يحتاج إلى رعاية وحفظ وسقي، ومثل هذه الأمور تجوز المعاقدة عليها (¬2).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 3] تحريم المساقاة فيما لا تزيد به الثمرة: • المراد بالمسألة: الثمرة إذا بلغت حدا لا تزيد معه بعد بدو صلاحها كالجذاذ والحصاد ونحوهما، لم تجز المساقاة عليها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [. . . فإن بقي -أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز -أي: العقد- بغير خلاف] (¬3). نقله عنه البهوتي (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [. . . فإن بقي -أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز -أي: العقد- بغير خلاف] (¬5). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [فإن بقي ما لا تزيد به كالجداد، لم يجز بغير خلاف] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬7). ¬
4] فساد اشتراط اشتراك المتساقيين في الأرض والشجر
• مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع بدليل من المعقول، وهو: أن العامل لا يستحق الأجر إلا بالعمل، والعمل قد ذهب معظمه بعد تناهي الثمرة وإدراكها، فيكون العقد قد اختل جزء من أجزائه وهو العمل، فلا يصح (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] فساد اشتراط اشتراك المتساقيين في الأرض والشجر: • المراد بالمسألة: إذا وقع عقد المساقاة بين طرفين، دفع أحدهما الأرض إلى الآخر، على أن تقع المشاركة بينهما في الشجر والأرض جميعا، فالعقد فاسد بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن دفعها -أي: الأرض - على أن الأرض والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬2). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فأما إن دفعها -أي: الأرض- على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬4). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [فلو دفعها إليه على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، بغير خلاف نعلمه] (¬5). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن صاحب الأرض يكون مشتريا لنصف الثمرة من العامل بنصف الأرض، والثمرة مجهولة ومعدومة، فلا يجوز العقد على مثل هذا. الثاني: القياس على ما إذا استأجر أجيرا ليجعل أرضه بستانا بآلات الأجير، على أن تكون أجرته نصف البستان الذي يظهر بعمله، فكما أنه لا يجوز هذا العقد فكذلك معنا، بجامع جهالة الثمن في كلًّ منهما (¬2). الثالث: القياس على مسألة من دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، فإنه لا يجوز مثل هذا، والجامع بين المسألتين: أن كلا منهما شرط المشاركة في الأصل، وهذا يفسد العقد (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، فقالوا: يجوز أن يكون الطرفان شريكين في الأرض والشجر (¬4). واستدلوا بدليل من المعقول، وهو: ¬
5] بطلان المزارعة على جزء معين من الزرع
القياس على المساقاة: فكما أنها جائزة بنص السنة، فكذلك هذه المسألة (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 5] بطلان المزارعة على جزء معين من الزرع: • المراد بالمسألة: المزارعة في اللغة: مأخوذة من الزرع، وأصل الكلمة يدل على تنمية الشيء (¬2)، يقال: العبد يحرث، واللَّه يزرع، أي: ينبت وينمي، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} (¬3). وزرع الزارع الأرض من إسناد الفعل إلى السبب مجازا (¬4). • وفي الاصطلاح: معاقدة على الزرع بين صاحب الأرض وبين المزارع، على أن يقسم الحاصل بينهما بالحصص التي يتفقان عليها وقت العقد (¬5). إذا دفع أرضه إلى من يزرعها ويعمل عليها، واشترط على العامل أن يكون له جزء معين من الزرع، مثل: أن يشترط جهة من الزرع كالجهة الشمالية ونحوها، أو ما يكون على السواقي والجداول ونحوها، فالعقد فاسد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن بطال (449 هـ) يقول: [هذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث -أي: حديث رافع- لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز] (¬6). • الماوردي (450 هـ) يقول: [. . . فأما الضرب الذي أجمعوا على فساده: فهي أن تكون حصة كل واحد منهما من زرع الأرض مفردة عن حصة صاحبه، مثل ¬
أن يقول: قد زارعتك على هذه الأرض على أن ما زرعت من هرن (¬1) كان لي، وما زرعت من أفل (¬2) كان لك، أو على ما نبت من الماذيانات (¬3) كان لي، وما نبت على السواقي والجداول كان لك، أو على أن ما سقي بالسماء فهو لي، وما سقي بالرشاء فهو لك، فهذه مزارعة باطلة، اتفاق الفقهاء على فسادها] (¬4). • العمراني (558 هـ) يقول: [فإن دفع رجل إلى رجل أرضا ليزرعها، على أن يكون لرب الأرض أو للعامل زرع موضع بعينه، مثل: أن يقول: زارعتك على هذه الأرض، على أن لك ما ينبت على السواقي وما أشبه ذلك، والباقي لي، فهذا باطل بالإجماع] (¬5). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه، وللعامل زرعا بعينه، مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية، وللآخر زرع أخرى، أو يشترط أحدهما ما على السواقي والجداول، إما منفردا، أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (¬6). نقله عنه البهوتي (¬7). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لو شرط لأحدهما (دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة) أو يشترط لأحدهما ما على الجداول، إما منفردا أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (¬8). ¬
• ابن تيمية (728 هـ) يقول: [والذي نهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المخابرة وكراء الأرض، قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص والإجماع] (¬1). ويقول أيضًا: [. . . وما أعلم فيه مخالفا، أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما ثمرة شجرة بعينها، ولا مقدارا محدودا من الثمر، وكذلك لا يشترط لأحدهما زرع مكان معين، ولا مقدارا محدودا من نماء الزرع، وكذلك لا يشترط لأحدهما ربح سلعة بعينها، ولا مقدارا محدودا من الربح] (¬2). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [. . . (أو شرطا لأحدهما قفزانا معلومة. . .، أو دراهم معلومة. . .، أو زرع ناحية من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة) بإجماع العلماء] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حنظلة بن قيس الأنصاري (¬5) قال: سألت رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- عن ¬
6] تحريم اشتراط منفعة على العامل في المزارعة
كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهاهم عما كانوا يتعاملون به، وهو اشتراط جزء معين من الزرع في المزارعة، فدل ذلك على تحريمه. الثاني: أن اشتراط جزء معين من الزرع، لا يؤمن عليه التلف، فيقع الحيف والجور في المعاملة؛ لاحتمال انفراد أحدهما بالغلة دون صاحبه (¬2). الثالث: أن المزارعة فيها معنى المشاركة، واشتراط جزء معين يؤدي إلى قطع المشاركة بينهما في الريع مع حصوله؛ لجواز أن يحصل الريع في الناحية المشروطة لأحدهما دون الآخر، فصار كما لو اشترط جزءا معلوما من الربح في المضاربة (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] تحريم اشتراط منفعة على العامل في المزارعة: • المراد بالمسألة: إذا وقع العقد بين طرفين على المزارعة، واشترط رب الأرض على العامل شرطا خارجا عن مقتضى العقد، يكون فيه منفعة له، مثل: أن يشترط عليه استعارة دوابه، أو رعي ماشيته، أو يزرع له أرضا أخرى غير التي وقع عليها العقد، وما أشبه ذلك، فهذا الشرط محرم، بلا نزاع من العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [يشترط أحدهما على الآخر، أن يزرع له أرضا أخرى، أو يبضعه بضاعة يختص ربها بربحها، أو يسقي له شجرة أخرى، ونحو ¬
7] جواز اشتراط استئجار الأرض وزراعة ما شاء فيها
ذلك مما قد يفعله كثير من الناس، فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه في قالب آخر، فيضاربه، ويبضعه بضاعة، أو يعامله على شجر وأرض، ويستعمله في أرض أخرى، أو في إعانة ماشية له، أو يشترط استعارة دوابه، أو غير ذلك، فإن هذا لا يجوز شرطه، بلا نزاع أعلمه بين العلماء] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على اشتراط جزء معين في المزارعة؛ لأنه إذا اشترط عليه منفعة معينة مع العمل، فإنه يكون قد اختص أحدهما باستيفاء هذه المنفعة، وقد لا يحصل نماء للزرع، أو يحصل دون ما ظنه، فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل، وقامره وراباه، فإن فيه ربا وميسرا، وكلها محرمة (¬3). الثاني: أن هذا شرط يخالف حكم اللَّه ورسوله؛ لاشتماله على المحرم شرعا، وكل شرط محرم شرعا لا يجوز اشتراطه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 7] جواز اشتراط استئجار الأرض وزراعة ما شاء فيها: • المراد بالمسألة: إذا استاجر أرضا، وشرط عليه المستأجر أن يزرع فيها ما ¬
يشاء، أو يغرس فيها ما يشاء، من غير أن يحدد زرعا أو غرسا معينا، فإن هذا الشرط جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (855 هـ) يقول: [لو استأجرها -أي: الأرض- ليزرع فيها ما شاء، أو يغرس ما شاء، يجوز بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في قول عندهم، وهو الأصح عند جمهور الشافعية، وكذا الصحيح من مذهب الحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه أطلق له في العقد، وجعل له ما شاء من الزرع، فيجوز له استئجارها لأكثر الزرع ضررا، ويباح له جميع الأنواع، بناء على الإطلاق الذي بُني عليه العقد (¬3). الثاني: أن الجهالة في الإطلاق هنا غير مفضية للنزاع؛ وذلك لوجود الشرط الذي وقع عليه التراضي (¬4). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية في المشهور عنهم، والشافعية في وجه عندهم، وكذلك الحنابلة في وجه أيضًا عندهم، وابن حزم من الظاهرية، فقالوا: بعدم جواز استئجار الأرض، واشتراط زراعة ما شاء فيها (¬5). ¬
8] جواز استئجار الأرض التي لها ماء دائم للزرع والغرس
واستدل هؤلاء: بالقياس على ما لو باعه عبدا من عبيده، بجامع الجهالة في كل منهما، والتفاوت في النوع الواحد، فالعبيد مختلفون، وكذلك الزراعة تختلف باختلاف نوعها (¬1).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 8] جواز استئجار الأرض التي لها ماء دائم للزرع والغرس: • المراد بالمسألة: استئجار الأرضِ له مشارب مختلفة، فمن استأجرها من أجل الغرس والزرع، وكان لها ماء دائم - وهو: إما نهر لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا يؤثر في الزرع، أو عين نابعة، أو بركة يجتمع فيها مياه الأمطار ثم يسقى به، أو بئر يقوم بكفاية الزرع، أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض وقرب الماء الذي فيها - فإن الإجارة صحيحة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ويصح استئجارها -أي: الأرض التي يكون لها ماء دائم- للغرس والزرع، بغير خلاف علمناه] (¬2). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (¬3). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [وإن كان لها ماء دائم، من نحو: نهر، أو بئر، صح الاستئجار للغرس والزرع، بلا خلاف] (¬4). • الموافقون على الإجماع: ¬
9] جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن المنفعة معلومة، مقدور على تسليمها، والمستأجر قد تمكن من استلامها حقيقة، فتصح الإجارة عليها (¬2).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 9] جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة: • المراد بالمسألة: الأرض البيضاء التي لا شيء فيها، يجوز لمالكها إجارتها بالنقدين الذهب والفضة، إذا توفرت فيها شروط الإجارة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإمام أحمد بن حنبل (241 هـ) يقول: [ما اختلفوا في الذهب والورق]. نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة (¬3). • الطبري (310 هـ) يقول: [واختلفوا في كراء الأرض البيضاء، بشيء من جنس المكترى له، بعد إجماعهم على أنها إذا اكتُريت بالذهب والورق، فجائز] (¬4). • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض، وقتا معلوما، جائز بالذهب والفضة. . .، وأجازه كل من نحفظ عنه من ¬
أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر، والعيني، والشوكاني (¬2). • ابن بطال (449 هـ) يقول: [اتفق العلماء على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة] (¬3). نقله عنه ابن حجر، والشوكاني (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها"، فسأله عن كرائها بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس بكرائها بالذهب والورق" (¬5). الثاني: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المزابنة والمحاقلة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أخاه أرضا فهو يزرع ما منح منها، ورجل اكترى بذهب أو فضة" (¬6). • وجه الدلالة من الحديثين: هذان الحديثان صريحان في جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وهو مقيد للتحريم المطلق عن كراء الأرض. ¬
• المخالفون للإجماع: نُقل الخلاف في المسألة عن جمع من الصحابة والتابعين أنهم قالوا بالنهي عن كراء الأرض بالذهب والفضة، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، ورافع بن خديج، ومجاهد، والحسن، وطاوس، وعكرمة، والقاسم بن محمد (¬1)، وابن سيرين، وعطاء، ومكحول، ومسروق، ونصر هذا القول ابن حزم من الظاهرية (¬2). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كراء الأرض" (¬3). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" (¬4). الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المزابنة والمحاقلة". المحاقلة: كراء الأرض (¬5) (¬6). أما الأقوال عن الصحابة والتابعين فلم أجد من نقل هذا عنهم غير ابن حزم إلا ما نقل عن طاوس والحسن وعطاء فقط (¬7)، والبقية قد انفرد ابن حزم بذكر القول ¬
عنهم. ولا شك أن هذا الانفراد في النقل عن هؤلاء الأئمة يدعو إلى الريبة والشك، ويتطلب أخذ الحيطة والحذر في الجزم بالنسبة إليهم. ويجاب عما نقله ابن حزم عنهم بما يلي: أولًا: أن عامة هذه النقول جاءت عامة في النهي عن كراء الأرض، وقد جاء استثناء الذهب والفضة في نصوص أخرى، كما جاء ذلك في الأحاديث التي وردت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يمكن فصل هذه النصوص بعضها عن بعض، والذين ورد عنهم النهي المطلق، لا يدل على عدم التقييد عندهم (¬1). ثم إن هذه النقول عن هؤلاء، لا تخفى على العلماء، ولم يُنقل أن واحدا منهم نقل هذا النقول التي انفرد بأكثرها ابن حزم، فدل على أنهم فهموا غير ما فهمه ابن حزم منها، وأنها ليست على إطلاقها، ومما يتأيد به هذا الكلام، نَقْل ابن المنذر الإجماع عن الصحابة، وإقرار ابن حجر والعيني له على ذلك. ثانيًا: أن النهي الذي جاء عنهم محمول على ما يكون فيه غرر وجهالة، تفضي إلى النزاع والشقاق، وهو منتف في كراء الأرض بالذهب والفضة، ويدل على هذا المعنى ما جاء في حديث رافع، وفيه: "كُنَّا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أَخرجت ذه، ولم تُخرج ذه، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-". وفي لفظ له أيضًا "فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهينا عن ذلك، ولم نُنْه عن الوَرق" (¬2). ثالثًا: من هذه الآثار ما يغلب على الظن تراجع أصحابها عنها، كما هو الحال في قول طاوس -وهو الذي اشتهر عنه القول به- فقد جاء عنه كراهة كراء الأرض بالذهب والفضة صريحا، وقد نص بعض العلماء على أن هذا هو أحد قوليه (¬3). ومن العلماء من شكك في نسبة هذا القول إليه وإلى الحسن، ومن هؤلاء: القاضي ¬
عبد الوهاب حيث قال: [ولا أظن الحكاية ثابتة] (¬1). رابعًا: من الآثار ما يغلب على الظن أن أصحابها قالوها تورعا وتركوها احتياطا، كما ورد عن ابن عمر (¬2)، ويدل لهذا ما أخبر به سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يكري أراضيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد اللَّه، فقال: يا ابن خديج ماذا تُحدث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد اللَّه: سمعت عَمّيَّ -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل الدار أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض، قال عبد اللَّه: لقد كنت أعلم في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد اللَّه أن يكون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض (¬3). فخشْيَة ابن عمر تدل على تورعه كما هو معروف عنه، ولا يمكن أن يجزم بأن هذا رأي له. ولذا جاء في رواية أنه كان إذا سئل عن ذلك؟ قال: زعم رافع أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ذلك. وأصرح من هذا ما رواه نافع عنه قال: كان ابن عمر يُكري أرضه فأخبر بحديث رافع بن خديج فأخبره، فقال: قد علمت أن أهل الأرض يعطون أراضيهم على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويشترط صاحب الأرض أن لي الماذيانات، وما سقى الربيع، ويشترط من الجرين (¬4) شيئًا معلوما، قال: فكان ابن عمر يظن أن النهي لما كانوا يشترطون (¬5). وهذا يدل على أن النهي إنما هو إذا كان شرط بين المتعاقدين على أن له شيء محدد من الأرض، وهذا فيه جهالة وضمان، وكلها فاسدة لا تجوز. خامسًا: أن الذين ورد عنهم النهي، لعل مردَّه إلى ما قاله رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه-، وإنما هو فَهْم فهمه على غير وجهه، كما يدل على ذلك ما جاء عن زيد بن ثابت حين قال: يغفر اللَّه لرافع بن خديج! أنا -واللَّه- أعلم بالحديث منه، إنما كانا ¬
رجلين اقتتلا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع" فسمع قوله: "لا تكروا المزارع" (¬1). ثم إن من العلماء من أنكر ذلك على رافع، منهم: سالم بن عبد اللَّه بن عمر فقد حدث عنه ابن شهاب أنه قال: سألت سالما عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: [لا بأس بذلك]، قال فقلت: أرأيت الحديث الذي يُذكر عن رافع بن خديج؟ فقال: [أكثر رافع بن خديج، ولو كانت لي أرض أكريتها] (¬2). وقد ثبت عن رافع أنه أجاز كراء الأرض بالذهب والفضة حين سئل عن ذلك، فقال: [لا بأس بكرائها بالذهب والورق] (¬3). على أن من العلماء من ضعف حديث رافع، وحكم عليه بالاضطراب، كما جاء عن الإمام أحمد أنه قال: [حديث رافع ألوان] وقال: [حديث رافع ضروب] وقال ابن القيم قبل أن ينقل ذلك عن الإمام أحمد: [حديث رافع في غاية الاضطراب والتلون] (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة، وما ذكر من الأقوال فما كان ثابتا صحيحا وهو قليل، فإنه يعتبر شاذ لا يُعْتد به، خاصة وأن ممن حكى الإجماع الإمام أحمد، وهو الذي عرف عنه شدة تورعه عن حكاية الإجماع، ومما يؤكد ذلك أن ابن المنذر نص على عدم الخلاف بين الصحابة في ذلك، فالإجماع في المسألة قديم. * * * ¬
الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة
الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة 1] مشروعية الجعالة: • المراد بالمسألة: الجعالة بالفتح، والاسم منه بالضم وهي في اللغة: مأخوذة من الجُعل، وهو ما يجعل للإنسان على الأمر يفعله (¬1). • وفي الاصطلاح: التزام عوض معلوم، على عمل معين، معلوم أو مجهول، يعسر عمله (¬2). والعلماء مجمعون -من حيث الأصل- على جواز الجعالة بهذا المعنى. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الجعالة: أن يجعل جعلا من رد آبق، أو ضالة، أو بناء حائط، أو خياطة ثوب، وسائر ما تجوز الإجارة عليه. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (¬4). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول بعد أن ذكر تعريف الجعالة: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (¬5). ¬
• ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [وأصلها قبل الإجماع. . . .] (¬1). • الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (¬2). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيها: الإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (¬5). • وجه الدلالة: أنهم جعلوا جعلا لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه، وهو حمل بعير، وكان معروفا عندهم، فدل على جواز الجعالة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه (¬6). الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن ناسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تُقْرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألوه؟ فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية! خذوها، واضربوا لي بسهم" (¬7) (¬8). • وجه الدلالة: أن هؤلاء النفر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- رفضوا أن يرقوا سيد القوم إلا ¬
2] عدم استحقاق الجعل على عمل غير رد الآبق
بجعل يجعلوه لهم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على ذلك، ولم ينكر عليهم، فدل على جواز فعلهم. الثالث: أن الحاجة داعية لمثل هذا العقد، فقد يشرد العبد وتضل الضالة، ولا يجد من يتبرع له في البحث عنهما، ولا يمكن له أن يستأجر عليهما، وذلك للجهالة في العمل الذي يمنع صحة الإجارة، فلم يبق إلا أن يصح له أن يضع جعلا يستحقه من أدى له هذا العمل، والشارع الحكيم لا يمنع ما فيه منفعة للناس (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن حزم الظاهري، قال: لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، ولا يقضى له بشيء لو أحضره، لكن يستحب له الوفاء بما وعده إياه (¬2). واستدل لقوله: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال (¬3)، واللَّه أمر بالتعاون على البر والتقوى، وحق على كل مسلم أن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفس منه (¬4)، فلا يحل لمن أتى بآبق؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه تجاه أخيه (¬5). أما استحباب الوفاء بما وعده إياه، فلأنه وعد، والوعد غير واجب الوفاء به في هذه الحالة، وإنما هو على الاستحباب (¬6). ولم أجد من وافقه من المتقدمين أو من المتأخرين على قوله هذا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 2] عدم استحقاق الجعل على عمل غير رد الآبق: • المراد بالمسألة: من عمل لغيره عملا كرد لقطة أو ضالة ونحوها، ولم يكن صاحب العمل قد حدَّد جُعلا لهذا العمل، وهذا العمل لم يكن تخليص متاع لغيره من هلكة متحققة كفلاة أو بحر أو فم سبع، وهو -أي: العامل- غير مُعدٍّ لأخذ ¬
الأجرة -وهو الذي يرصد نفسه للتكسب بالعمل- وكان العمل غير رد الآبق، فإنه لا يستحق الجعل على هذا العمل، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق، بغير جعل، لم يستحق عوضا، لا نعلم في هذا خلافا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [(ومن عمل لغيره عملا بغير جعل، فلا شيء له، إلا في رد الآبق) لا نعلم في هذا خلافا] (¬3). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [ومن عمل لغيره عملا بغير جعل، فلا شيء له، بغير خلاف نعلمه] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العامل بذل منفعته من غير شرط عوض من المالك، فلم يستحق شيئًا على عمله، فهو في هذه الحالة كالمتبرع بعمله. الثاني: أن إلزام المالك بالجعل في هذه الحالة إلزام بغير دليل ولا شرط، فيكون أخذُ المال في هذه الحالة أخذٌ له من غير طيب نفس صاحبه، وهذا ممنوع شرعا (¬6). ¬
3] تقسيم الجعل في حالة تعدد العامل
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] تقسيم الجعل في حالة تعدد العامل: • المراد بالمسألة: عندما يُحَدد الجاعل جُعلا لمن رد ضالته، ولم يخُص به أحدا بل جَعله عاما، فإنه إذا رده أكثر من واحد، يكون الجعل بينهم على عدد رؤوسهم. أما عندما يحدد مجموعة، كأن يكون عددهم ثلاثة، ويُفَاوت بينهم في مقدار الجعل لكل واحد منهم، فحينئذ إذا أحضروه جميعا، يكون الجعل لكل واحد ثلث ما فُرِض له. وفي حالة ما إذا حدد لواحد المقدار، ولم يحدد للآخرين المقدار، وإنما جعله عوضا مجهولا، ووقع الرد منهم جميعا، فإنه يكون للذي حدد له من المقدار ثلث ما حدد له، وللباقين أجر عملهم. أما إذا جعل لواحد جعلا محددا، فردها ومعه آخران في الرد، فلا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون قصدهما من الرد إعانة الأول، ففي هذا الحالة لا شيء لهما، ويستحق الأول الجعل كله. الثاني: أن يقصدا بعملهما أخذ العوض لأنفسهما، ففي هذه الحالة ليس لهما شيء، ويكون ثلث الجعل للأول. وهذه المسائل لا خلاف بين العلماء فيها. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .، فإن جَعَل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جُعِل له. . .، فإن جَعَل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما، وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل، ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه
لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬1). نقله عنه الرحيباني (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .، فإن جعل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له. . .، فإن جعل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما، وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل، ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على الأجر في الإجارة: فكما أنه يجوز أن يشتركوا في العمل، فيكون العوض مستحقا بينهم، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما عقدٌ فيه معاوضة. الثاني: أما مسألة ما إذا فاوت في الجعل بين ثلاثة، فردوه جميعا فلكل واحد ثلث ما فُرِض له؛ فلأن كل واحد منهم قد عمل ثلث العمل، فكان مستحقا ثلث ما جُعِل له. ¬
4] مشروعية أخذ الآبق
الثالث: أما في مسألة من جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه طلبا للعوض، فيكون له الثلث؛ فلأن اللفظ يقتضي استحقاقه جميع الجعل على جميع العمل، وهو قد عمل الثلث، فاستحق ثلث الجعل، ولم يستحق الآخران شيئًا؛ لأنهما عملا من غير أن يجعل لهما الجاعل جعلا (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] مشروعية أخذ الآبق: • المراد بالمسألة: الآبق هو: ذهاب العبد من سيده، من غير خوف، ولا كدِّ عمل (¬2). وإن كان من خوف، أو بسبب كدِّ العمل، فإنه يعد هاربا (¬3). فالآبق من مولاه يُشْرع لمن وجده أخذه إذا علم من نفسه قوة على حفظه وصيانته، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [(الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه) أي: من يقدر على أخذه، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم] (¬6). • ابن الهمام (861 هـ) يقول: [قوله (الآبق أخذه أفضل) من تركه (في حق من يقوى عليه) أي: يقدر على حفظه حتى يصل إلى مولاه، بخلاف من يعلم من نفسه العجز عن ذلك والضعف، ولا يعلم في هذا خلاف] (¬7). ¬
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، فدرءًا لهذه المفسدة شُرع أخذه، وهو مخالف لسائر الضوال التي تحفظ نفسها، فلا يشرع أخذها؛ لانعدام المفسدة فيها (¬2). الثاني: أن أخذه يعتبر إحياءً له؛ فهو هالك في حق المولى، فيكون الرد إحياءً له (¬3).Rصحة الإجماع على أصل المسألة، وهو مشروعية أخذ الآبق؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
5] تصرف الإمام بمقتضى المصلحة في العبد الآبق
5] تصرف الإمام بمقتضى المصلحة في العبد الآبق: • المراد بالمسألة: من وجد آبقا وأخذه، ولم يجد سيده، فإنه حينئذ يدفعه للإمام أو نائبه، والإمام مخيَّر في التصرف بالعبد الآبق بحسب المصلحة، فإن شاء حبسه حتى يأتي صاحبه، وإن شاء باعه وحبس ثمنه لصاحبه، وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول بعد أن ذكر مسألة أخذ الآبق: [. . . وإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [. . . فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفا] (¬3). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه؛ ليحفظه لصاحبه، وله بيعه لمصلحة، بغير خلاف نعلمه] (¬4). • الموافقون على الإجماع: هذه المسألة مشتملة على مسألتين، هما: الأولى: آخذ الآبق هل يلزمه دفعه للإمام، أم هو مخير بين دفعه وإمساكه؟ الثانية: هل الإمام مخير في التصرف بين الحفظ أو البيع، أم لا؟ وفي كلا المسألتين خلاف بين العلماء، سيأتي تفصيله عند ذكر المخالفين في المسألة. • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: ¬
الأول: أن هذا العمل الذي هو التصرف بالآبق من المصالح العامة التي تتعلق بعمل الإمام، فلزم تسليمه له، وعدم التصرف فيه (¬1). الثاني: أن تصرف الإمام بالرعية منوط بالمصلحة، فينظر الإمام إن شاء أمسكه حتى يأتي سيده، وإن شاء باعه إن كانت المصلحة في بيعه -كأن يكون محتاجا للنفقة وليس ثمة نفقة من بيت المال، أو أتى ثمنُهُ على نفقته- وحَبَس ثَمَنه حتى يأتي السيد. • المخالفون للإجماع: سأذكر تفصيل كل مذهب في المسألتين على حده، وهو كالتالي: الأول: الحنفية: ويرون أن آخذ الآبق يلزمه دفعه للإمام على المشهور عندهم. وفي قول عندهم اختاره بعضهم أنه مخير بين دفعه للإمام وبين حبسه عنده، وقيد بعضهم هذا القول في حالة قدرة الآخذ على حفظه، وإلا فإنه يدفعه للإمام. ثم هم يرون أن الإمام ليس مخيرا في التصرف به، وإنما ينتظر طالبه مدة، ثم يبيعه ويحفظ ثمنه لصاحبه (¬2). الثاني: المالكية: يرون أن آخذ الآبق يرفعه للإمام على المشهور عندهم. ولهم قول آخر بأنه مخير بين رفعه للإمام وبين حبسه عنده إلى أن يأتي طالبه. ويرون بأن الإمام يحفظه سنة كاملة، فإن جاء طالبه في هذه المدة، وإلا باعه وحبس ثمنه لسيده، وفي قول عندهم أن مدة الحبس غير محددة وإنما بقدر ما يتبين أمره، اختار هذا القول سحنون وابن يونس (¬3) منهم (¬4). ¬
6] استحقاق الجعل لراد الآبق إذا شرطه
الثالث: الشافعية: ويرون أن الآخذ يرفعه إلى الإمام، والإمام غير مخير فيه، بل يحبس العبد، فإن أبطأ سيده باعه وحفظ ثمنه (¬1). استدل من قال بأن واجد الآبق مخير بين أن يأتي به للسلطان أو يحفظه بنفسه: بالقياس على الضوال: فكما أن له الحق بأن يأخذها ويحفظها، فكذلك الآبق، وكل منهما مال يحتاج إلى رعاية وحفظ (¬2). ويمكن أن يستدل لمن قال بأن الإمام غير مخير في التصرف في هذه الحالة: أن المصلحة تقتضي أن يكون تصرفه في الآبق كذلك، ينتظر مدة سواء كانت محددة أو غير محددة، ثم بعد ذلك يباع ويحفظ ثمنه، وحفظ الثمن أسهل من حفظ العبد؛ إذ هو محتاج إلى النفقة، وربما أبق مرة أخرى.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 6] استحقاق الجعل لراد الآبق إذا شرطه: • المراد بالمسألة: إذا أبق العبد من سيده، فقال السيد: من رد عبدي فله ألف ريال، سواء كان القول لواحد بعينه أم لعموم الناس، فرده أحدهم، فإنه يلزم السيد أن يعطيه الجعل المحدد، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا اشترطه] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرطه] (¬5). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من رد الآبق يستحق الجعل ¬
برده إذا شرطه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (¬3). • وجه الدلالة: أن هذا عقد التزمه الجاعل على نفسه، فوجب الوفاء به. الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (¬4). • وجه الدلالة: أن السيد قد ألزم نفسه بالشرط الذي اشترطه على نفسه، فيلزمه الوفاء به. الثالث: أن في وجوب الجعل صيانة لأموال الناس عن الضياع، وحفظ حقوقهم عن الهدر، فلو بقي الأمر على الاحتساب لما أقدم على هذا الفعل -الذي فيه معنى التعاون- كثير من الناس (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: علي بن أبي طالب، والحكم بن عمرو (¬6)، وإبراهيم النخعي، روي عنهم أنهم قالوا: [المسلمون يرد بعضهم على بعض] (¬7). ¬
وكذلك ابن حزم من الظاهرية لكنه قال: بأنه لا يقضى للمجعول شيء حتى وإن وقع الشرط على الجعالة، لكن يستحب الوفاء له بالوعد ولا يجب (¬1). واستدل هؤلاء: بأن رد الآبق لسيده من باب التعاون على البر والتقوى، والمسلم مأمور بأن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه فلا شيء له؛ لأنه أتى ما هو فرض عليه، لكن لو أعطاه بطيب نفس لكان حسنا؛ لأنه من باب الوفاء بالوعد، والوفاء بالوعد في هذه الحالة مستحب وليس بواجب (¬2). أما علي -رضي اللَّه عنه- فقد جاء عنه أنه جعل في جُعل الآبق دينارا أو اثني عشر درهما (¬3). أما النخعي: فقد جاء عنه أنه قال: [لا بأس بجعل الآبق] (¬4). فإما أن يقال قد تعارض القولان عنهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيسقطان، أو يحمل قولهما المخالف على أنه ينبغي لمن أتى بالعبد الآبق أن لا يأخذ شيئًا لما فيه من التعاون على البر والتقوى.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف. * * * ¬
الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح
الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح 1] مشروعية الصلح: • المراد بالمسألة: الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، التي هي المسالمة، وهي خلاف المخاصمة (¬1). • وفي الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين (¬2). وهو أنواع مختلفة، والمقصود به هنا: الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهو مما أجمعت عليه الأمة في الجملة. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [والأصل في جواز الصلح: الكتاب والسنة والأثر والاتفاق. . .، وأما الاتفاق: فهو إجماع المسلمين على جواز الصلح، وإباحته في الشرع] (¬3). • ابن العربي (543 هـ) يقول لما ذكر حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني (¬4) عن أبيه عن جده: [فقد روي من طرق عديدة، ومقتضى القرآن، ¬
وإجماع الأمة على لفظه ومعناه] (¬1) (¬2). • العمراني (558 هـ) يقول: [الأصل في جواز الصلح: الكتاب، والسنة، والإجماع. . .، وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا] (¬5). • الزركشي (772 هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة] (¬6). • الحداد (800 هـ) يقول بعد أن ذكر أصله من الكتاب والسنة: [وأجمعت الأمة على جوازه] (¬7). • برهان الدين ابن مفلح (884 هـ) يقول: [وهو ثابت بالإجماع] (¬8). • الأسيوطي (880 هـ) يقول: [وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (¬9). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول بعد أن ذكر أنواعه: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (¬10). • الهيتمي (974 هـ) يقول بعد أن ذكر تعريفه: [وأصله قبل الإجماع. . .] (¬11). ¬
• الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (¬1). • الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (¬2). • البهوتي (1051 هـ) يقول لما ذكر تعريف الصلح: [وهو جائز بالإجماع] (¬3). • الرحيباني (1243 هـ) يقول لما ذكر أهمية الصلح: [وهو ثابت بالإجماع] (¬4). • علي حيدر (1353 هـ) يقول: [وقد انعقد إجماع الأمة على جواز الصلح] (¬5). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر تعريف الصلح: [وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {وَالْصُّلْحُ خَيْرٌ} (¬8). • وجه الدلالة: أن الآية صريحة في بيان خيرية الصلح الذي جاء على وفق ¬
2] تحريم المصالحة على بعض الحق الذي عليه بعد اعترافه به
الكتاب والسنة، وهي وإن وردت على أمر خاص، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويشهد لهذا: العدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في الآية (¬1). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين القاعدة في الصلح عموما، وهو أنه على الإباحة، إلا ما استثني، ويدخل فيه الصلح بين المتخاصمين في الأموال. الثالث: وهو دليل عقلي: أنه إذا طلب صاحب الحق جميع حقه، وأنكره المدعى عليه، وأقام المدعي البينة، فإن ذلك يكون باعثا على النزاع، وسببا لتهييج الفتن، وزيادة العداوة والبغضاء بينهما، مما يستلزم فسادا عريضا (¬3)، ولذا قال عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: [ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث القوم الضغائن] (¬4).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 2] تحريم المصالحة على بعض الحق الذي عليه بعد اعترافه به: • المراد بالمسألة: من اعترف بحق، وصالح على بعضه، وهو ممتنع عن الأداء إلا بالمصالحة، فهذا ليس بصلح صحيح، ويعد صاحبه مقترفا للحرام، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (¬5). ¬
3] بطلان الصلح مع الإنكار والسكوت والمدعي معتقد الحق معه
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬3). • وجه الدلالة: من علم أن عليه حقا وصالح على بعضه، يكون قد هضم حق غيره، فيعد آكلا لأموال الناس بالباطل (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون عند شروطهم" (¬5). • وجه الدلالة: أن من صالح على بعض الحق الذي عليه وهو عالم به، يكون قد أحل ما حرم اللَّه عليه. الثالث: أنه عالم بالحق، قادر على إيصاله إلى مستحقه، معتقد أنه غير محق، فيكون فعله محرما (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] بطلان الصلح مع الإنكار والسكوت والمدعي معتقد الحق معه: • المراد بالمسألة: الصلح على الإنكار أو السكوت هو: أن يدعي عليه عينا في يده، أو دينا في ذمته، فينكر المدعى عليه أو يسكت، ثم يصالحه بمال. ¬
والمقصود هنا: إذا كان المدعي يعلم أنه كاذب في دعواه، أو كان المدعى عليه يعلم صدق المدعي لكنه أنكر جاحدًا الحق، فإن الصلح باطل، بلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [الصلح على الإنكار، وعلى السكوت، لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون الطالب طالب حق، والمطلوب مانع حق، أو مماطلا لحق، أو يكون الطالب طالب باطل، ولا بد من أحدهما. فإن كان الطالب محقا، فحرام على المطلوب، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام أن يمنعه حقه، أو أن يمطله وهو قادر على إنصافه، حتى يضطره إلى إسقاطه بعض حقه، أو أخذ غير حقه. . .، وإن كان الطالب مبطلا، فحرام عليه الطلب بالباطل، وأخذ شيء من مال المطلوب بغير حق، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (¬3). • وجه الدلالة: أن المدعي إذا كان كاذبا في دعواه، فما يأخذه من مال صاحبه ¬
4] بطلان المصالحة عن الحدود في حقوق الله
يعد أكلا للمال بالباطل، لا عوضا عن حق له، فهو حرام عليه. وإن كان صادقا، والمدعى عليه يعلم صدقه وثبوت حقه، ويجحده لينتقص حقه، أو يرضيه عنه بشيء، فهو هضم للحق، وأكل مال بالباطل (¬1). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (¬2). • وجه الدلالة: أن طلب المدعي الكاذب أو جحد المدعى عليه، يعد من الصلح الذي أحل الحرام. الثالث: أن أخذه للمال الذي لا يستحقه، يعد ظلما للطرف الآخر، واعتداء على ماله بغير حق، وكذبا وافتراء عليه، وكلُّها محرمة في الشرع (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] بطلان المصالحة عن الحدود في حقوق اللَّه: • المراد بالمسألة: من شروط المصالح عنه: أن يكون مملوكا للمصالِح، فإذا صالح على حق من حقوق اللَّه -وهي: الحقوق العامة التي يعود نفعها للعموم، وليست خاصة بشخص معين (¬4) - فالصلح عنها باطل، بلا خلاف بين العلماء، كالزنا والسرقة وشرب الخمر. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة] (¬5). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث زيد بن خالد (¬6) في قصة العسيف الذي في مستند الإجماع- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في ¬
الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر] (¬1). والمقصود بالفداء هو: المصالحة على إسقاط الحد عنه بمال. • العيني (855 هـ) يقول: [(ولا يجوز) أي: الصلح (من دعوى حد. . .) صورته: أخذ زانيا أو شارب خمر، فصالح على مال أن لا يرفعه إلى الحاكم فهو باطل، ولا نعلم فيه خلافا] (¬2). • الزرقاني (1122 هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث زيد بن خالد في قصة العسيف- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والشرب، والحرابة] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنهما- أنهما قالا: أن رجلا من الأعراب أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه. فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وأذن لي. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قل" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب اللَّه، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس (¬5) إلى امرأة هذا، فإن ¬
5] جواز العوض في الصلح عن الجناية
اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرجمت (¬1). • وجه الدلالة: أن الرجل أراد المصالحة عن إقامة الحد على ابنه، فردها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو كانت جائزة لقبلها (¬2). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (¬3). • وجه الدلالة: أن الصلح على إسقاط الحد يعد من الصلح الذي أحل الحرام (¬4). الثالث: أن الحد حق اللَّه تعالى، وليس ملك للآدمي، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز (¬5).Rالإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 5] جواز العوض في الصلح عن الجناية: • المراد بالمسألة: إذا وقعت جناية تستوجب قصاصا، سواء كانت عمدا أو خطأ، فإن للجاني أن يصالح المجني عليه، أو أولياءه، على مال يدفعه إليهم، على حسب ما يتفقون عليه، سواء قَلَّ هذا المال عن دية الخطأ لو كان خطأ، أم كان أكثر من مقدار الدية، بإجماع العلماء. ¬
• من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (حدود سنة: 480 هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قل من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة]. نقله عنه الشلبي (¬1). • الإتقاني (758 هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قَلَّ من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة]. نقله عنه الشلبي (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [(ويصح عن جناية العمد والخطأ) وكذا عن كل حق بجواز أخذ العوض عنه بلا خلاف] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (¬5). • وجه الدلالة: ذكر بعض المفسرين أن المراد بالعفو هنا الصلح عن دم العمد، ومعناها: من بُذِل له بدل أخيه المقتول مال، فليتبع ذلك فهو من المعروف (¬6). الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: كَسَرَت الربيِّع (¬7) ثنية جارية من الأنصار، فطلب ¬
القوم القصاص، فاتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقصاص، فقال أنس بن النضر (¬1) -عم أنس بن مالك-: لا واللَّه لا تكسر سنها يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أنس! كتاب اللَّه القصاص" فرضي القوم، وقبلوا الأرش، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره" (¬2). • وجه الدلالة: أن هذه جناية أوجبت القصاص من الربيع، ولما عفا القوم ورضوا بالأرش، أقرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه. الثالث: عن أبي شريح الكعبي (¬3) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ". . . إنكم معشر خُزَاعة (¬4) قتلتم هذا القتيل من هذيل (¬5)، وإني عاقله، فمن قُتِل له قتيلٌ بعد اليوم، فاهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" (¬6). ¬
6] المصالحة عن قيمة المتلفات
• وجه الدلالة: أن العقل المراد به: مصالحة أولياء الدم عن القتل إلى المال يأخذونه بدلا عنه (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] المصالحة عن قيمة المتلفات: • المراد بالمسألة: المصالحة عن الحق المالي، لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون على متلف، وتكون من غير جنس المصالح عنه، وهذه الحالة على قسمين: الأول: أن تكون على نقود: كأن يصالح كَرَّ حِنطة على ريالات معينة، فإن هذه جائزة، سواء كانت أكثر من القيمة أو مثلها أو أقل. الثاني: أن تكون على طعام موصوف في الذمة حالا، ويقبضه قبل الافتراق، فيجوز. الحالة الثانية: أن تكون العين قائمة لم تتلف، فإن الصلح جائز أيضًا على أكثر من قيمة العين المصالح عنها. وإذا قضى القاضي بالقيمة على غاصب، فإنه لا يجوز الصلح على أكثر من القيمة التي حكم بها. وكل هذه المسائل مجمع عليها بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الزيلعي (743 هـ) يقول: [ولو وقع الصلح على عرْض، جاز في جميع ما ذكرنا من المقدرات؛ لأنه ليس عين الواجب، وإنما هو بدل عنه، بالإجماع] (¬2). • الإتقاني (758 هـ) يقول: [لو قضى القاضي بقيمة المغصوب على الغاصب، ثم صالح على أكثر من القيمة، لا يجوز بالاتفاق]. نقله عنه الشلبي (¬3). ¬
• البابرتي (786 هـ) لما ذكر مسألة غصب الثوب الذي قيمته أقل من مائة، ثم استهلكه، وأراد مصالحته على مائة، بيَّن الخلاف فيها، ثم ذكر محترزاتها فقال: [وقيد بالقيمي احترازا عن المثلي، فإن الصلح عن كر حنطة على دراهم أو دنانير، جائز بالإجماع، سواء كانتا أكثر من قيمته أو لا. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن المغصوب إذا كان قائما، جاز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله من النقود؛ لأنه لو صالح على طعام موصوف في الذمة حالا، وقبضه قبل الافتراق، جاز بالإجماع] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (¬2). • العيني (855 هـ) لما ذكر مسألة الغصب السابقة، ذكر محترزاتها، فقال: [وقيد بالثوب احترازا عن غصب المثلي، فإن الصلح فيه بالدراهم والدنانير بالزيادة، يجوز بالإجماع. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن الثوب إذا كان قائما يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله على مائة درهم لأنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالة، وقبضه قبل الافتراق عن المجلس، جاز بالإجماع. . .، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (¬3). • الشلبي (947 هـ) يقول: [قيد بالإتلاف حتى لو كان قائما، يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (¬4). • ابن عابدين (1252 هـ) يقول: [لو كان -أي: المغصوب- مثليا، فهلك، فالمصالح عليه إن كان من جنس المغصوب، لا تجوز الزيادة اتفاقا، وإن كان من خلاف جنسه جاز اتفاقا، وقيد بالهلاك إذ لو كان قبله، يجوز اتفاقا] (¬5). ¬
7] الأجل في الاستصناع الذي لا يتعامل به يجعل العقد سلما
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العلة من المنع عن المصالحة بأكثر من القيمة إذا كانت من جنسها هي خشية الربا، وتنتفي العلة إذا كانت من غير الجنس، كما هو الحال في صور المسألة، فيرجع الحكم إلى الأصل وهو الإباحة (¬2). الثاني: أما إذا كان المغصوب قائما غير مستهلك فالصلح على أكثر من القيمة جائز؛ لأنه يعد مبايعة، والمبايعة تصح على أَيِّ قيمة كانت (¬3). الثالث: أما المنع من المصالحة على أكثر من القيمة بعد حكم القاضي؛ فلأن الحق قد انتقل إلى القيمة بعد حكمه، فلا يجوز له حينئذ الاعتياض عن حقه في العين على أكثر من قيمتها (¬4)، ولأن حكم القاضي يعد ملزما، ورافعا للنزاع، فلا تجوز مخالفته.Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. 7] الأجل في الاستصناع الذي لا يتعامل به يجعل العقد سلما: • المراد بالمسألة: الاستصناع في اللغة: مصدر استصنع الشيء، إذا دعا إلى صنعه، يقال: اصطنع فلان خاتما، إذا سأل رجلا أن يصنع له خاتما (¬5). • وفي الاصطلاح: عقد على مبيع في الذمة، شُرِط فيه العمل (¬6). ¬
وصورته: إذا قاول شخص خياطا على صنع جُبة، وقماشها وكل لوازمها من الخياط، فيكون قد استصنعه الجبة، أما لو كان القماش من المستصنع، وقاوله على صنعها فقط، فيكون العقد إجارة (¬1). إذا تعاقدا عقدَ استصناع يصنع له سلعة معينة، وكان ذلك فيما لا يتعامل فيه الناس عادة من الثياب والقمصان، وحدد أجلا للصناعة على وجه الاستمهال لا الاستعجال، وذلك أن يمهله قدر شهر أو نحوه، فإن العقد ينقلب سلما، بإجماع العلماء، ويشترط فيه شروط السلم. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول بعد أن ذكر أحوال ضرب الأجل في الاستصناع الذي يتعامل الناس فيه: [. . . ولو ضرب الأجل فيما لا تعامل فيه، ينقلب سلما، بالإجماع] (¬2). • علي حيدر (1353 هـ) يقول: [. . . أما في الأشياء التي لم يجر التعامل بها، فإذا بُيِّنت فيها المدة على وجه الاستمهال، كان العقد عقد سلم بالإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الاستصناع يتعذر فيما لا يجري فيه التعامل؛ لأنه لا يكون إلا فيما يتعامل فيه الناس، فيلزم جعل هذا العقد سلما (¬5). الثاني: أن العبرة في العقود بالدلائل والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذا ¬
العقد بهذه الصفة يعد سلما، فيأخذ أحكامه. الثالث: الأصل أن إعمال الكلام أولى من إهماله، والعاقد وإن قصد بالعقد عقدا، فإنه إن أمكن حمله على عقد آخر، كان أولى من إهمال كلامه وعدم إعماله.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * *
الباب السابع: مسائل الإجماع في كتاب المسابقة
الباب السابع: مسائل الإجماع في كتاب المسابقة 1] مشروعية المسابقة والمناضلة: • المراد بالمسألة: المسابقة: أصل الكلمة وهو السين والباء والقاف، أصل صحيح يدل على التقدم والمجاراة وبلوغ الغاية قبل غيره، يقال: سَبَقَ يسْبق سبْقا. فأما السَّبَق فهو: الجُعْل الذي يُسابق عليه. ويقال له: الخطر والرهن والندب والقرع (¬1). المناضلة: أصل الكلمة النون والضاد واللام، يدل على الرمي والمراماة. وتطلق على الرمي بالسهام، وسمي الرمي نضالا؛ لأن السهم التام يسمى نضالا (¬2). ويراد بالمسألة: أن المسابقة والمناضلة بين اثنين فأكثر، أنها جائزة من حيث الأصل، بغض النظر عن التفاصيل فيما تكون عليه المسابقة والمناضلة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا على استحسان الرمي وتعلمه والمناضلة. . .، واتفقوا على أن المناضلة بنزع واحد من القسيّ، وبتساوٍ في ¬
جميع أحوالها، بلا تفاضلٍ ولا شرطٍ أصلا، جائزة] (¬1). • العمراني (558 هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز المسابقة] (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن السبق والرمي مشروعان، ويجوزان على العوض] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: "وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة] (¬5). • الزركشي (772 هـ) يقول لما افتتح كتاب السبق: [الأصل في مشروعية ذلك: إلإجماع] (¬6). • زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول: [وهي لقصد الجهاد سنة للرجال؛ للإجماع] (¬7). • ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [كتاب المسابقة والمناضلة. والأصل فيهما قبل الإجماع. . .] (¬8). ثم ذكر الأدلة عليهما. • الشربيني (977 هـ) يقول: [(هما -أي: المسابقة والمناضلة- سنة) أي: مسنون بالإجماع] (¬9). • الرملي (1004 هـ) يقول في بداية كتاب المسابقة والمناضلة: [والأصل فيها قبل الإجماع] (¬10). ¬
• البهوتي (1051 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة] (¬1). • الرحيباني (1243 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة] (¬2). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول بعد ذكر باب السبق: [وهو جائز: بالكتاب، والسنة، والإجماع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سلمة بن الأكوع -رضي اللَّه عنه- قال: أردفني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يُسْبق شدًّا، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تُكْرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ ! قال: لا! إلا أن يكون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: قلت: يا رسول اللَّه بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل؟ قال: "إن شئت" قال: قلت: اذهب إليك، وثنيت رجلي فطفرت (¬5) فعدوت، قال: فربطت عليه شرفا، أو شرفين أستبقي نفسي (¬6)، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه (¬7). ¬
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَقرَّ سلمة على المسابقة، فدل على المشروعية، ولو كان ممنوعا لمنعه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منها. الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "سابق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الخيل التي قد أُضْمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع (¬1)، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زُريق" (¬2) (¬3). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الذي جعل المسابقة، ولو كانت ممنوعة لم يفعلها. الثالث: عن سلمة بن الأكوع -رضي اللَّه عنه- قال: مرَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على نفر من أسلم (¬4) ينتضلون، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "ارموابني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان" قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما لكم لا ترمون؟ " قالوا: كيف نرمي، وأنت معهم؟ ! فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارموا فأنا معكم كلكم" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على صنيعهم، بل حثهم عليه وبادر أن يكون معهم، فدل على مشروعية هذا العمل والترغيب فيه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ¬
2] جواز المسابقة بغير عوض
2] جواز المسابقة بغير عوض: • المراد بالمسألة: إذا وقعت المسابقة بين طرفين، ولم يكن ثمة عوض منهما أو من غيرهما، وكانت فيما أباح اللَّه، ولم تُشْغل عن واجب، أو تُوقع في محرم، فإنها جائزة أيا كان نوعها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [اتفقوا على إباحة المسابقة بالخيل والإبل وعلى الأقدام] (¬1). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [فإن كانت المسابقة على الأقدام بغير عوض، فهي جائزة، إجماعا] (¬2). • ابن قدامة (620 هـ) يقول لما تكلم على تفسير حديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (¬3): [. . . للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض، في غير هذه الثلاثة] (¬4). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [ولا خلاف في جواز تضمير الخيل، والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام] (¬5). نقله عنه ابن حجر، والعيني، والصنعاني، والشوكاني (¬6). • النووي (676 هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث ابن عمر في مسابقة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الخيل المضمرة وغيرها- جواز المسابقة بين الخيل، وجواز تضميرها، وهما مجمع عليهما]. ويقول أيضًا: [وأجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل، قويِّها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها ¬
ثالث أم لا] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول لما تكلم على تفسير حديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر": [. . . للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة] (¬2). • ابن القيم (751 هـ) يقول: [وأما المسابقة بالأقدام: فاتفق العلماء على جوازها، بلا عوض] (¬3). • الزركشي (772 هـ) يقول: [ولا نزاع في جواز المسابقة بغير عوض مطلقًا، من غير تقييد بشيء معين: كالمسابقة على الأقدام والسفن والمزاريق والطيور والفيلة ونحو ذلك، وكذلك المصارعة، ورفع الحجر ليعرف الأشَدّ] (¬4). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: [فيه -أي: حديث ابن عمر في مسابقة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الخيل المضمرة وغير المضمرة- المسابقة بين الخيل. . .، وهذا مجمع عليه] (¬5). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (¬6). • العيني (855 هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (¬7). ويقول أيضًا: [اعلم أن المسابقة في الخيل والإبل والرمي، جائز بالسنة وإجماع الأمة] (¬8). • الشوكاني (1250 هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (¬9). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما ذكر حديث عائشة في مسابقتها ¬
للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي في • مستند الإجماع: [فدل على جواز السبق على الأقدام، ولا خلاف في ذلك] (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: كان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقة تسمى العضباء لا تُسْبق، فجاء أعرابي على قُعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: "حق على اللَّه أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (¬2). الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها كانت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، قالت: فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال: "هذه بتلك السبقة" (¬3). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر المسابقة، وفعلها من دون تقييد بشيء، فدل على أن الأصل فيها أنها على الإباحة، ما لم يكن ثمة عارض ينقل الأمر عن الإباحة. الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حصر السبق في المسابقة في هذه الثلاثة، فلا يحل ¬
أخذ المال بالمسابقة إلا فيها، فدل على جواز ما عدا هذه إذا لم يكن ثمة سبق. • المخالفون للإجماع: هذه المسألة قد اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: من العلماء من قصر الجواز على الخف والحافر والنصل فقط. قال به صاحب الروضة (¬1) من الحنابلة. واستدل لقوله: بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (¬2). • وجه الدلالة: قوله لا سبق بالسكون المقصود نفي المسابقة، فلا تجوز في غير ما ذكره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديث. القول الثاني: من العلماء من أجاز المسابقة في كل شيء إلا الحمام. قال به الآمدي (¬3) من الحنابلة. ولعل هؤلاء يستدلون: بحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: "شيطان يتبع شيطانة" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذم متابعة الحمام، وأَمْرٌ ذمَّه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأن تكون المسابقة فيه منهيا عنها من باب أولى. ¬
3] تحريم السبق من الطرفين إلا في الخف والحافر والنصل
القول الثالث: من العلماء من أجاز المسابقة في كل شيء إلا الحمام والطير. وهو قول محكي عند الحنابلة. وهؤلاء لعلهم قاسوا الطيور على الحمام؛ لوجود الشبه بينهما. القول الرابع: من العلماء من كره الرمي بالقوس الفارسية. قال به أبو بكر من الحنابلة (¬1). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث عويم بن ساعدة (¬2) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى قوسا فارسيا، فقال: "ملعون، ملعون من حملها، عليكم بهذه -وأشار إلى القوس العريبة- وبرماح القنا، يمكَّن اللَّه لكم في البلاء، وينصركم على عدوكم" (¬3).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 3] تحريم السبق من الطرفين إلا في الخف والحافر والنصل: • المراد بالمسألة: السبق بفتح الباء، هو: ما يُجْعل من المال رهنا على المسابقة، يأخذه السابق منهم. وبالسكون: مصدر سبقت أسبق سبقا بمعنى التقدم في الجري (¬4). والمعنى هنا: أنه لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة، وهي: الإبل ¬
والخيل والسهام، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطحاوي (321 هـ) يقول: [في السَبَق. . .، من غير خلاف في خف أو حافر أو نصل] (¬1). • الجصاص (370 هـ) يقول: [لا خلاف في حظره إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب، والإبل، والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق، ولا يستحق الآخر إن سبق] (¬2). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل] (¬3). نقله برهان الدين ابن مفلح، والبهوتي، والرحيباني (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [اتفقوا على أن السبق بالنصل والخف والحافر، جائز] (¬5). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية في قول عندهم (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا سبق إلا في خف أو ¬
نصل أو حافر" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نفى السبَق -الذي هو الجعل- إلا في هذه الثلاثة، فدل على أن ما عداها باقٍ على التحريم. الثاني: أن هذه الثلاثة إنما أباحها الشارع لنا لما يحتاج إليها من الجهاد في سبيل اللَّه، وإظهار القوة على الأعداء، وما عداها لا يحتاج إليها في الجهاد كحاجة هذه، فلم تجز المسابقة عليها بعوض (¬2). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال سأذكرها حسب المذاهب: أما الحنفية: يرون جواز السبق على الأقدام (¬3). أما الشافعية: فهم يرون أن من شروط المسابقة: أن يكون عُدَّة للقتال، ولذا أجازوا أمورا كثيرة، وقد جمع الخلاف عندهم الإمام النووي حيث يقول: [الأصل في السبق الخيل والإبل. . .، وتجوز المسابقة على الفيل والبغل والحمار على المذهب. وقيل بالمنع فيها. وقيل بالمنع في البغل والحمار. وقيل في الجميع خلاف. وأما المناضلة فتجوز على السهام العربية والعجمية -وهي: النشاب- وعلى جميع أنواع القسي حتى تجوز على الرمي بالمسلات (¬4) والإبر. وفي المزاريق والزانات (¬5) ورمي الحجارة باليد وبالمقلاع والمنجنيق طريقان (¬6)، ¬
أحدهما: الجواز. والثاني: وجهان (¬1) أصحهما: الجواز. ولا تجوز المسابقة بإشالة الحجر باليد على المذهب، وبه قطع الأكثرون. وقيل: وجهان. . . . وأما المسابقة على التردد بالسيوف والرماح، فقيل: بمنعها؛ لأنها لا تفارق صاحبها، وإلا يصح. الجواز؛ لأنها من أعظم عدد القتال، واستعمالها يحتاج إلى تعلم وتحذق. والمسابقة على الحمام وغيره من الطيور، وعلى الأقدام، والسباحة في الماء، والطيارات، والزوارق، والصراع فجائزة بلا عوض. والأصح منها بالعوض. فإن جوَّزنا الصراع، ففي المشابكة باليد وجهان] (¬2). أما الحنابلة: فعندهم وجه بعيد بجواز العوض في الفيلة. ووجه ذكره ابن البنا في جوازه في الطير المعدة لأخبار العدو. أما الصراع والسبق على الأقدام ومثلها المراهنة على العلم ونحوها إذا قصد بها نصر الإسلام، فإنه يجوز أخذ العوض عليها. اختار هذا ابن تيمية اعتمادا على الوجه الذي ذكره ابن البنا (¬3). أما ابن حزم فيرى جواز السبق في الإبل والخيل والبغل الحمير والنبل والسيف والرمح فقط دون غيرها (¬4). واستدل المخالفون بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الحارث (¬5) -رضي اللَّه عنه- قال: صارع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا ركانة (¬6) في ¬
الجاهلية، وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-أيضا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-أيضا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب، وشاة تكسَّرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك" (¬1). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في قول اللَّه تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} (¬2) قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: أجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا جعلته إلى دون! " قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} (¬3) إلى قوله: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} (¬4) قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر (¬5). الثالث: القياس على الثلاثة التي جاءت في حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- السابق، ¬
4] إباحة إخراج السبق من أحد المتسابقين في المسابقات المشروعة
فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما خص هذه الثلاثة؛ لأنها يستفاد منها في الجهاد، فيأخذ حكمها كل ما كان في معناها.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. إلا ما ذكره الجصاص وابن هبيرة فإن عبارتهما دقيقة في هذه المسألة؛ لأنهما حكيا الجواز، ولم ينفيا ما عداه. 4] إباحة إخراج السبق من أحد المتسابقين في المسابقات المشروعة: • المراد بالمسألة: إذا قال أحد المتسابقِين إن كانوا جماعة، أو أحد المتسابقَين إِن كانا اثنين للآخر: إن سبقتني فلك كذا وكذا، ولم يخرج الآخر شيء من ماله، فهذا جائز، فإذا سبقه الآخر أخذ السبق كاملا، وإن سبق المُخْرِج رجع السبق له، وليس على الآخر شيء، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في إباحة إخراج أحد المتسابقين بالقوسين المتساويتين من ماله شيء مسمى، فإن سبقه الآخر أخذه، وإن سبق هو أحرز ماله، ولم يغرم له الآخر شيء] (¬1). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [والرهان الذي يكون فيها -أي: المسابقة- على ثلاثة أوجه: . . .، فأما الوجه الجائز باتفاق: وهو أن يخرج أحد المتسابقَين إن كانا اثنين، أو أحد المتسابقِين إن كانوا جماعة، جُعلا لا يرجع إليه بحال، ولا يُخرج مَن سواه شيئا، فإن سُبِق مُخرج الجُعل كان الجعل للسابق، وإن سَبَق هو صاحبه، ولم يكن معه غيره، كان الجُعل طُعمة لمن حضر، وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم. وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم] (¬2). نقله عنه المواق (¬3). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) لما ذكر أنواع الأسباق تكلم عن النوع الثاني فقال: [وسبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه، وإن ¬
سبق هو صاحبه أخذه، وحَسُن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ولا يرجع إلى ماله، وهذا مما لا خلاف فيه] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن السبق إذا كان من أحد الجانبين فإن شبهة القمار قد انتفت، وحينئذ فلا محظور بعد انتفاء الشبهة. الثاني: أن فيه تحريضا على الأخذ بأسباب الجهاد في الجملة بمال نفسه، وذلك مشروع قياسا على التنفيل من الإمام، بل هو أولى؛ لأن هذا يتصرف في مال نفسه بالبدل، والإمام بالتنفيل يتصرف فيما لغيره فيه حق في الجملة، وهو الغنيمة، فلما جاز ذلك فهذا بالجواز أولى (¬3). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة أكثر المالكية، وهو القول الثاني للإمام مالك، وقول ربيعة والأوزاعي، ولهم فيها تفصيل على النحو التالي: إذا سبق الآخر الذي لم يُخْرج الجعل، فإنه يأخذ الجعل ولا إشكال. أما إذا سبق الذي أخرج الجعل، فإنه لا يأخذ الجعل بل يعطيه من حضر المسابقة، أو الذي يليه إن كان في المسابقة أكثر من اثنين (¬4). ¬
5] جواز إخراج السبق من السلطان أو أجنبي عن المتسابقين
واختار الأمير الصنعاني القول بعدم الجواز مطلقا إذا كان الجعل من أحد المتسابقين، وعدَّ ذلك من القمار (¬1). ولم أجد له سلفا في هذا، فيُعدُّ قوله شاذا لا يُعوَّل عليه. ويمكن أن يستدل لهؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أنهم أرادوا بهذا أن يخرج العقد عن شبهة القمار، التي يكون إخراج السبق من المتسابقين جميعا، فلو أخرج أحدهما وأخذه كان فيه شبهة فلذا منعوه.Rصحة الإجماع على جزء من المسألة، وهي إذا بذل أحدهما السبَق، وسبَق الآخر الذي لم يبذل من ماله شيئا؛ فإن هذا مجمع عليه، أما إذا سبق الباذل فإنه قد ثبت الخلاف فيها. وعليه فتعد عبارة ابن حزم مدخولة دون غيره. 5] جواز إخراج السبق من السلطان أو أجنبي عن المتسابقين: • المراد بالمسألة: إذا أخرج الإمام أو رجل متطوع السبَق تبرعا من عندهما، ولم يكن لهما مشاركة في المسابقة، فإن هذا جائز لا حرج فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في إباحة أن يجعل السلطان، أو الرجل شيئا من ماله للسابق في الخيل خاصة] (¬2). • الباجي (474 هـ) يقول: [فإن أخرجه -أي: السبق- غيرهم -أي: ¬
المتسابقين- كالإمام وغيره، على أنه لمن سبق، فلا خلاف في جوازه] (¬1). • ابن رشد الجد (520 هـ): [أن يخرج الإمام الجعل، فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين] (¬2). نقله عنه المواق (¬3). • القاضي عياض (544 هـ) يقول: [فأما المتفق على جوازه: فأن يخرج الوالي سبقا يجعله للسابق من المتسابقين، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق له، وكذلك لو أخرج أسباقا، أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للتالي (¬4)، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم. وكذلك إن فعل ذلك متطوعا رجل من الناس ممن لا فرس له في الحلبة] (¬5). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) لما ذكر شروط جواز الرهان، وأن منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، قال: [فالمتفق عليها: أن يخرج الإمام، أو غيره، متطوعا سبقا، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السبق] (¬6). • أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [والأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الوالي، أو الرجل غير الوالي، من ماله متطوعا، فيجعل للسابق شيء معلوما فمن سبق أخذه. . .، وهذا مما لا خلاف فيه] (¬7) • النووي (676 هـ) يقول: [فأما المسابقة بعوض: فجائزة بالإجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين] (¬8). ¬
• القرافي (684 هـ) يقول لما ذكر صور السبق فى المسابقة: [الأولى: أن يُجْعل الوالي أو غيره محللا للسابق، . . . فلا يختلف في إباحة الأولى] (¬1). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [فإذا أخرج ولي الأمر مالا من بيت المال، للمتسابقِين بالنشاب والخيل والإبل، كان ذلك جائزا، باتفاق الأئمة] (¬2). • الزركشي (772 هـ) يقول: [لا نزاع في جواز جعل العوض في المسابقة من الإمام] (¬3). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [واتفقوا على جوازها بعوض، بشرط: أن يكون من غير المتسابقين: كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس] (¬4). نقله عنه الشوكاني (¬5). • العيني (855 هـ) يقول: [وإن كان اشتراط العوض من الإمام، فإنه يجوز بالإجماع] (¬6). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [فإن كان الجعل من غير المتسابقين، كالإمام يجعله للسابق، حل ذلك، بلا خلاف] (¬7). • الدسوقي (1230 هـ) يقول تعليقا على كلام صاحب الشرح الكبير (وأخرجه متبرع): [المسابقة في هذه جائزة اتفاقا] (¬8). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول لما تكلم عن شرط الخروج عن شبهة القمار في المسابقة: [فأما من غير المتسابقين، فبلا نزاع] (¬9). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على ما إذا قال الإمام: من دخل هذا الحصن فله من النفل كذا وكذا، فكما أنه يجوز هذا، فمن باب أولى أن تجوز المسألة معنا، بجامع أن كلا ¬
6] تحريم العوض الذي يكون من المتسابقين
منهما من باب الجهاد في سبيل اللَّه، والإعانة عليه (¬1). الثاني: أن هذا من باب إعداد القوة التي أمرنا اللَّه بها بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} (¬2) وأولى من يعين الناس عليها، ويحثهم عليها هو إمام المسلمين. الثالث: أن المنع من أخذ العوض في المسابقة من أجل القمار، الذي يكون فيه أحدهما إما غانما أو غارما، ولا قمار في هذه الصورة، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الجواز.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها (¬3). 6] تحريم العوض الذي يكون من المتسابقين: • المراد بالمسألة: المسابقة إذا كان السبق فيها مدفوعا من الطرفين، على أن من سبق منهما فإنه يأخذ سبقه وسبق صاحبه، فهذه الصورة بإجماع العلماء ممنوعة. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (544 هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه: فأن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه، وأمسك متاعه] (¬4). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه -أي: من المسابقات التي يكون فيها رهان- فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه، وأخذ سبق صاحبه، فهذا قمار، فلا يجوز باتفاق] (¬5). ¬
• أبو عبد اللَّه القرطبي (671 هـ) يقول: [واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلل، واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه، أنه قمار ولا يجوز] (¬1). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [أن يخرج كل منهما سبقا، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه] (¬2). نقله عنه الشوكاني (¬3). • العيني (855 هـ) يقول: [ولو شرط المال من الجانبين، حرم بالإجماع] (¬4). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، ابن حزم من الظاهرية (¬5). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (¬6). • وجه الدلالة: أن القمار من الميسر الذي حرمه اللَّه، والمراهنة تعد من القمار؛ إذ كل منهما ربما يغنم مال صاحبه، أو يغرم ماله لصاحبه. الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل اللَّه فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته أجر، وعلفه أجر، وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن، فثمنه وزر، وعلفه وزر، وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء اللَّه تعالى" (¬7). ¬
• وجه الدلالة: أن الفرس الذي يقامر عليها، وهي: التي يكن فيها إما غانما أو غارما، جعل صاحبها آثما، وهذا ذم يراد منه النهي عن الفعل. الثالث: ما جاء أن رجلين رأيا ظبيا وهما محرمان، فتواخيا فيه، وتراهنا، فرماه بعصى، فكسره، فأتيا عمر وإلى جنبه ابن عوف، فقال لعبد الرحمن: ما تقول؟ قال: هذا قمار، ولو كان سبقا (¬1). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في وجه، اختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: يجوز إخراج السبق من المتسابقين، حتى وإن كان بدون محلل (¬2). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الحارث -رضي اللَّه عنه- قال: صارع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا ركانة في الجاهلية، وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-أيضا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أيضا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب، وشاة تكسَّرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك" (¬3). الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في قول اللَّه تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} (¬4) قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا ¬
7] تحريم العوض في المسابقة على النرد والشطرنج ونحوها
كان لنا كذا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا جعلته إلى دون! " قال: أراه العشر. -قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر- قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله تعالى: {الم (¬1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} إلى قوله: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} (¬2) قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر (¬3). الثالث: جاء عن أنس وابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنهما سئلا: أكنتم تراهنون على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فقالا: "نعم، لقد راهن على فرس له، يقال لها: سبحة، فجاءت سابقة، فانهش لذلك وأعجبه" (¬4). • وجه الدلالة: أن المراهنة على وزن مفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من طرفين (¬5).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 7] تحريم العوض في المسابقة على النرد والشطرنج ونحوها: • المراد بالمسألة: النرد: فارسي معرَّب، ويطلق عليه: النردشير (¬6)، وهو: لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد على الحظ، وتنقل فيها الحجارة على حسب ما يأتي به الفص (¬7). الشّطرنج: بكسر الشين وفتحها: فارسية معرَّبة (¬8)، وهي: لعبة تلعب على رقعة ذات أربعة وستين مربعا، وتمثل دولتين متحاربتين، باثنتين وثلاثين قطعة، ¬
تمثل الملكين، والوزيرين، والخيالة، والقلاع، والفيلة، والجنود (¬1). ويقصد بالمسألة: أن اللعب بالنرد والشطرنج، ونحوها من اللعاب المحرمة، إذا كان فيها عوضٌ من الطرفين، أو من أحدهما، أو من أجنبي، فإنه محرم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [وأما الشطرنج: فأجمع العلماء أن اللعب بها قمار، لا يجوز] (¬2). نقله عنه ابن تيمية (¬3). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [. . . فاللعب بشيء من ذلك -أي: النرد والشطرنج- كله على سبيل القمار والخطار، لا يحل، ولا يجوز، بإجماع من العلماء] (¬4). نقله عنه القرافي، وعلي بن محمد المنوفي (¬5). • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء، على أن اللعب بالنرد والشطرنج، حرام، إذا كان بعوض] (¬6). ويقول في ذكر أسباب تحريم المراهنة على الزجل (¬7) المشتمل على العصبية والتغزل بالمردان: [. . . فإن هذه المغالبات، مشتملات على منكرات محرمات، وغير محرمات بل مكروهات، ومن المحرمات التي فيها ما تحريمه ثابت بالإجماع، وبالنصوص الشرعية، وذلك من وجوه، أحدها: المراهنة على ذلك، بإجماع المسلمين] (¬8). • الإتقاني (758 هـ) يقول: [أما النرد: فحرام بالإجماع (¬9)، وأما الشطرنج: ¬
فإن قامر به، فهو حرام بالإجماع]. نقله عنه الشلبي (¬1). • شمس الدين ابن مفلح (763 هـ) يقول: [ويحرم شطرنج، في المنصوص، كمع عوض، أو ترك واجب، أو فعل محرم، إجماعا] (¬2). • الشربيني (977 هـ) يقول: [(فإن) (شرط فيه) أي: اللعب بالشطرنج (مال من الجانبين) على أن من غلب من اللاعبين فله على الآخر كذا (فقمار) فيحرم بالإجماع] (¬3). • الحصكفي (1088 هـ) يقول: [(و) كره تحريما (اللعب بالنرد و) كذا (الشطرنج). . .، وهذا إذ لم يقامر، ولم يداوم، ولم يخل بواجب، وإلا فحرام بالإجماع] (¬4). • الدردير (1201 هـ) يقول: [وكالشطرنج. . .، ومحله: بدون عوض، واشتمال على محرم، وإلا فيحرم اتفاقا] (¬5). • الرحيباني (1243 هـ) يقول: [فإذا اشتمل اللعب بالشطرنج على عوض. . .، فإنه حرام بإجماع المسلمين] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (¬8). وجه الدلالة من وجهين: ¬
الوجه الأول: جاء عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: [النرد أو الشطرنج من الميسر] (¬1). وهذا يدل على تحريمهما في الآية. الوجه الثاني: أن الميسر من القمار، كما جاء تفسير ذلك عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- وغيره (¬2)، والقمار هو: أن يكون كل واحد منهما غانما أو غارما (¬3)، وهو محرم بإجماع العلماء، واللعب بهذين مع المعاوضة هو القمار بعينه، فيدخل في معنى الآية (¬4). الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا سبق إلا في خف، أو في حافر، أو نصل" (¬5). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حصر السبق في هذه الثلاثة، فدل على أن ما عداها لا يدخل في السبق المباح. الثالث: عن بريدة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (¬6). الرابع: عن أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من لعب بالنرد، فقد عصى اللَّه ورسوله" (¬7). • وجه الدلالة من الحديثين: أن الحديثين فيهما دلالة على تحريم اللعب بالنرد، فإذا كان اللعب به محرما، كانت المعاوضة عليه محرمة من باب أولى. ¬
8] وجوب تحديد المسافة في المسابقات المشروعة
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 8] وجوب تحديد المسافة في المسابقات المشروعة: • المراد بالمسألة: حينما يريد المتسابقان أن يتسابقا على فرسيهما، أو نحوه مما يجوز التسابق عليه، فلا بد من تحديد غاية لها بداية ونهاية في المسابقة، سواء كان التحديد صريحا أم متعارفا عليه بينهما، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (456 هـ) يقول: [واتفقوا أن المسابقة من غاية واحدة إلى غاية واحدة، جائزة] (¬1). • أبو زرعة العراقي (826 هـ) يقول: [. . . لا بد في المسابقة من إعلام ابتداء الغاية وانتهائها، وهو كذلك بالإجماع] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "سابق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الخيل التي قد أضمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع. وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق. وكان ابن عمر ممن سابق فيها" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حدد المسافة في المسابقة، ولم يتركها عائمة، فدل على أن الأصل هو التحديد. ¬
الثاني: أن الغرض في المسابقة معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يُقصِّر في أول عدوه، ويسرع في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، وإلا كان مظنة لوقوع النزاع بينهما (¬1).Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. ومما ينبغي التفطن له أن عبارة العراقي أدق في حكاية الإجماع من عبارة ابن حزم؛ لأنه نص على الوجوب، والعلماء كافة على هذا. * * * ¬
الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة
الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة 1] مشروعية الشفعة في العقار الذي لم يقسم: • المراد بالمسألة: الشفعة لغة: مأخوذة من شفع التي هي مادة الكلمة، وهي: تدل على مقارنة الشيئين، ومنه سميت الشفعة بذلك؛ لأنه يشفع بها ماله، ويضمها إليه (¬1). واصطلاحًا: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه، بعوض مالي، أو مطلقا (¬2). وصورة المسألة: أن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا كان ثمة مشاركة بين رجلين في عقار، وكانت المشاركة مشاعة بينهما، ولم يحدد نصيب واحد منهما، فإذا أراد أحدهما أن يبيع نصيبه لشخص أجنبي، فللشريك أن يطالب بالشفعة، بإجماع العلماء. وإذا كان نصيب كل واحد متميز عن الآخر، فلا شفعة بالإجماع. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط] (¬3). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والشربيني، والرحيباني، وعبد الرحمن ¬
القاسم (¬1). • القاضي عبد الوهاب (422 هـ) يقول: [لا خلاف في وجوب الشفعة للشريك المخالط] (¬2). • الماوردي (450 هـ) يقول: [والحكم بالشفعة واجب بالنص والإجماع، إلا من شذ عن الكافة من الأصم وابن علية. . .، فإذا ثبت وجوب الشفعة، فهي مستحقة في عراص الأرضين، ويكون ما اتصل بها من البناء والغراس تبعا، وإن كان المبيع منها مشاعا، كانت الشفعة فيه على قول (¬3) من أوجبها، إجماعا] (¬4). • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن الشفعة في الدور، والأرضين، والحوانيت، والرباع، كلها بين الشركاء في المشاع من ذلك كله، وأنها سنة مجتمع عليها، يجب التسليم لها] (¬5). وقال لما أورد حديث ابن شهاب وهو "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء. . . " (¬6): [وحديث ابن شهاب هذا، قد اتفق جماعة العلماء على القول به؛ لأنهم يوجبون الشفعة للشريك في المبتاع من الدور والأرضين، وكل ما تأخذه الحدود، ويحتمل القسمة من ذلك كله، وما كان مثله] (¬7). وقال أيضا: [فالشفعة واجبة بهذا الحديث -أي: حديث ابن شهاب السابق- في كل أصل مشاع: من ربع، أو أرض، أو نخل، أو شجر، تمكن فيه القسمة والحدود، وهذا في الشريك، في المشاع دون غيره، إجماع من العلماء] (¬8). وقال أيضا: [وليس في الشفعة أصل، لا اعتراض فيه، ولا خلاف، إلا في الشريك المشاع] (¬9). ¬
• البغوي (516 هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم، إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة] (¬1). • ابن رشد الجد (520 هـ) يقول: [واتفق أهل العلم، على إيجاب الشفعة في الأصول، اتفاقا مجملا] (¬2). • ابن العربي (543 هـ) يقول: [اتفق علماء الأمصار، على أن الشفعة إنما تكون في العقار، دون المنقول] (¬3). • القاضي عياض (544 هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء، في وجوب الشفعة للشريك، في الربع المبيع، فيما لم يقسم] (¬4). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أن الشفعة تجب في الخليط] (¬5). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [اتفق المسلمون، على أن الشفعة واجبة، في الدور والعقار والأرضين كلها] ويقول أيضا في معرض بيانه لحديث جابر: [فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة، ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار، مع اختلافهم في صحة الاستدلال به] (¬6). • أبو العباس القرطبي (656 هـ) يقول: [الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة، وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه، واختلف فيما عدا ذلك] (¬7). • النووي (676 هـ) يقول: [وأجمع المسلمون، على ثبوت الشفعة للشريك في العقار، ما لم يقسم] (¬8). ¬
• ابن تيمية (728 هـ) يقول: [اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذى يقبل القسمة، قسمة الإجبار: كالقرية، والبستان، ونحو ذلك] (¬1). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬2). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: 780 هـ) يقول: [تثبت -أي: الشفعة- للشريك في الملك، باتفاق الأئمة] (¬3). • ابن حجر (852 هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها] (¬4). • العيني (855 هـ) يقول: [أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ربعه] (¬5). • مولى خسرو (1078 هـ) يقول: [وإنما تجب -أي: تثبت الشفعة- للخليط: وهو الشريك الذي لم يقاسم، في نفس المبيع، وهذا بالإجماع] (¬6). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [الألفاظ في هذا الحديث قد تضافرت في الدلالة على ثبوت الشفعة للشريك في الدور والعقار والبساتين، وهذا مجمع عليه، إذا كان مما يقسم] (¬7). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [وهي -أي: الشفعة- ثابتة بالسنة والإجماع] (¬8). ويقول أيضا: [إن كان كل واحد من الشركاء، متميز ملكه، وحقوق الملك، فلا شفعة إجماعا] (¬9). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: ما جاء عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "قضى رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة". وفي رواية: ¬
"الشفعة في كل شرك: في أرض، أو رَبْع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثبت الشفعة فيما حصلت فيه الشركة في العقار الذي لم يقسم؛ لوجود الضرر، أما المقسوم بين الشريكين لا يسمى بعد القسمة مشتركا؛ لأن كل واحد محدد نصيبه من العقار، فلا ضرر حينئذ. • المخالفون للإجماع: أما المخالفون للإجماع فقد نص ابن حزم على نفي وقوع الإجماع في الشفعة (¬2)، بل إنه كذب من ادعى الإجماع في ذلك، فقال: [وقد جسر بعضهم -على جاري عادته في الكذب- فادعى الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض، والبناء، والأشجار فقط، وادعى الإجماع على سقوط الشفعة فيما سواها. قال أبو محمد: أما الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض وما فيها من بناء وشجر، فقد أوردنا عن الحسن وابن سيرين وعبد الملك بن يعلى (¬3) وعثمان البتي خلاف ذلك، وهؤلاء فقهاء تابعون] (¬4). وكذا نص جماعة من العلماء على أن الأصم وابن علية قد خالفا الإجماع، وقالا: بعدم جواز الشفعة مطلقا (¬5). ونُقِل إنكارها أيضا عن جابر بن زيد من التابعين (¬6). واستدل هؤلاء المخالفون بدليل عقلي، وهو: أن في إثبات الشفعة إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ ¬
منه إذا ابتاعه، لم يتبعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك (¬1). أما ما أورده ابن حزم عن هؤلاء التابعين: فقد ذكر كلامهم قبل هذا الكلام، فقال: [. . . فقال عبد الملك بن يعلى -وهو تابعي قاضي البصرة-: لا يجوز بيع المشاع، روينا ذلك من طريق حماد بن زيد أنا أيوب السختياني قال: رفع إلى عبد الملك بن يعلى -قاضي البصرة- رجل باع نصيبا له غير مقسوم، فلم يجزه، فذكر لمحمد بن سيرين، فرآه غير جائز. وقال محمد بن سيرين: لا بأس بالشريكين يكون بينهما المتاع، أو الشيء الذي لا يكال ولا يوزن، أن يبيعه قبل أن يقاسمه. وقال الحسن: لا يبع منه ولا من غيره حتى يقاسمه، إلا أن يكون لؤلؤة، أو ما لا يقدر على قسمته. وأجاز عثمان البتي بيع المشاع، ولم ير الشفعة للشريك] (¬2). وهذا الكلام فيما يظهر -واللَّه أعلم- إنما هو في حكم بيع المشاع، وليس في حكم الشفعة في العقار، وفرق بين المسألتين، وقد فرق ابن حزم نفسه في هذا فقال: [وها هنا خلاف بين أربعة مواضع: أحدها هل يجوز بيع المشاع أم لا؟ والثاني: هل يكون في بيعه شفعة أم لا؟ . . .] (¬3). فيبقى ما أورده عن عثمان البتِّي فقط، وهو قول -إن صح عنه- فهو شاذ، محجوج بالسنة الصحيحة. أما الأصم وابن علية: فقد نص العلماء على شذوذ قولهما، وهما أيضا من المعتزلة الذين لا يعتد بخلافهم. أما ما جاء عن جابر بن زيد: فلعله لم يصح عنه كما ذكر ذلك الدميري (¬4) (¬5)، ومما يؤيد ذلك أني لم أجده عنه مسندا، ولم يذكره عنه سوى الرافعي (¬6). ¬
2] صحة الشفعة المنتقلة بعقد البيع
Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم صحة المخالفة فيها، أو لشذوذها وذلك لمخالفتها لصريح السنة. 2] صحة الشفعة المنتقلة بعقد البيع: • المراد بالمسألة: من شروط الشفعة: أن يكون الشقص منتقلا إلى من طلبت منه الشفعة بعوض، فإذا كان طريق المعاوضة البيع، صحة الشفعة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (543 هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن الشفعة إنما يترتب حكمها في عقد معاوضة] (¬1). • ابن قدامة (620 هـ) لما ذكر الشرط الرابع من شروط الشفعة وهو: أن يكون الشقص منتقلا بعوض، تحدث عن حكم الشفعة المنتقلة بغير عوض، ثم ذكر المنتقلة بعوض، فقال: [فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (¬2). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬3). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [المنتقل بعوض على ضربين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (¬4). • الصنعاني (1182 هـ) يقول: [وفي قوله: (أن يبيع) ما يشعر بأنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع، وهذا مجمع عليه] (¬5). • عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [الشفعة إنما تثبت فيما كان بعقد البيع بالإجماع] (¬6). ¬
3] الأخذ بالشفعة في البناء والغراس يباع مع الأرض
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشفعة في كل شركٍ: في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على البيع، فدل على أنه الأصل في الشفعة (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 3] الأخذ بالشفعة في البناء والغراس يباع مع الأرض: • المراد بالمسألة: إذا اشترك اثنان في أرض فيها بناء أو غراس، وأراد أحدهما أن يبيع نصيبه، وطلب الآخر الشفعة، فإن له الحق في الشفعة في الجميع، الأرض وما حوته من بناء وغراس، دون أن يطالب بشفعة البناء والغراس استقلالا، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .، وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (¬4). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .، وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، ¬
4] ثبوت الشفعة للغائب
وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (¬1). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك". وفي رواية: "ربعة أو حائط" (¬4). • وجه الدلالة: أن من الربعة والحائط البناء والغراس، فتجوز فيهما الشفعة (¬5). الثاني: أن طلبه للشفعة فيهما ليس استقلالا وإنما تبعا للأرض، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا (¬6).Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 4] ثبوت الشفعة للغائب: • المراد بالمسألة: إذا أراد الشريك أن يبيع حصته في شراكة لم تقسم بعد، وكان شريكه غائبا ولم يعلم بالبيع، فإنه يبقى له حق الشفعة ولا يسقط، حتى يعلم ¬
بالبيع، وإن طالت المدة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) يقول: [أما شفعة الغائب فإن أهل العلم مجمعون على أنه إذا لم يعلم ببيع الحصة التي هو فيها شريك من الدور والأرضين، ثم قدم فعلم، فله الشفعة، مع طول مدة غيبته] (¬1). نقله عنه ابن القطان (¬2). • ابن هبيرة (560 هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا كان الشفيع غائبا فله المطالبة بالشفاعة ولو تناقل المبيع جماعة] (¬3). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬4). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [فأما الغائب: فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته، ما لم يعلم ببيع شريكه] (¬5). • البابرتي (786 هـ) يقول: [الشفيع إذا كان غائبا، لم تبطل شفعته بتأخير هذا الطلب بالاتفاق] (¬6). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬7). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (¬8). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حكم بالشفعة حكما عاما، لم يفرق فيه بين الحاضر والغائب، فكانا في الحكم سواء، ولو كان ثمة فرق بينهما لما غفل عن ¬
ذكرهما (¬1). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا" (¬2). • وجه الدلالة: بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن مستحق الشفعة لا يسقط حقه بها، وإن كان غائبا. الثالث: القياس على الإرث: فكما أن حق الإرث لا يسقط بالغيبة فكذلك الشفعة، والجامع أن كلا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة لهما، فيثبت ولا يسقط (¬3). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الغائب ليس له شفعة. وهذا قال به: إبراهيم النخعي (¬4). القول الثاني: التفريق بين من غيبته قريبة أو بعيدة، فمن كانت غيبته قريبة فله ¬
شفعة، ومن كانت غيبته بعيدة فلا شفعة له. وهذا قال به: الحارث العكلي (¬1) وعثمان البتي (¬2). استدل أصحاب القولين بعدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا شفعة لصغير ولا لغائب" (¬3). الثاني: أن إثبات الشفعة للغائب يوقع الضرر بالمشتري، ويمنع من استقرار ملكه، وكذا تصرفه على حسب اختياره؛ لأنه يخشى أن يؤخذ منه، فلا يثبت له الحق كثبوته للحاضر على التراخي (¬4). ويمكن أن يضاف للقول الثاني: أن هذا الضرر المتوقع منتفٍ في حق من غيبته قريبة، ولذا حكم ببقاء حق الشفعة له دون البعيد. أما قول النخعي فقد ذكر الطحاوي أن له قولا يوافق قول الجمهور (¬5)، ثم إن الراوي عنه مغيرة بن مقسم (¬6)، وهو وإن كان ثقة إلا أن الإمام أحمد لين روايته عن إبراهيم (¬7). ¬
5] بقاء الشفعة لمن عجز الإشهاد في سفره
فلم يبق بعد هذا إلا قول العكلي والبتي، ويقال فيهما: أنه إن ثبت هذا القول عنهما، فإنه يحكم بشذوذه؛ لمخالفته ظواهر الأدلة، وإجماع العلماء. واللَّه اعلم.Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 5] بقاء الشفعة لمن عجز الإشهاد في سفره: • المراد بالمسألة: من كان مسافرا، وعلم أن شريكه الذي لم تقع المقاسمة بينهما قد باع، فأراد أن يَشفع في نصيبه، فعجز عن الإشهاد على طلبه، فإنه لا تسقط شفعته، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره، أن شفعته لا تسقط] (¬1). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [فإن عجز عن الإشهاد في سفره، لم تبطل شفعته بغير خلاف] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على من لم يعلم بالشفعة: بجامع أن كلا منهما قصد أن يؤدي ما عليه فلم يتمكن، فكان معذورا في تركه (¬4). ¬
6] جواز تأخير الشفعة بسبب العذر
الثاني: أن حق الشفعة قد ثبت للشريك بحكم الشارع، فلا يسقط حقه إذا كان معذورا.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 6] جواز تأخير الشفعة بسبب العذر: • المراد بالمسألة: إذا استحق الشفيع الشفعة، كان له المطالبة بها من حين علمه ببيع صاحبه، فإذا حبسه العذر عن المطالبة، لم يسقط حقه بها حتى وإن طالت المدة، بإجماع العلماء. والعذر الذي يعذر به، هو: عدم قدرته على المطالبة مطلقا: كالمرض المعيق، أو الحبس بغير حق، ونحوهما، ولم يستطع التوكيل ولا الإشهاد. • من نقل الإجماع: • الزيلعي (743 هـ) يقول: [ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا تسقط بالإجماع] (¬1). • البابرتي (786 هـ) يقول: [. . . أجمعوا على أنه تركه بمرض، أو حبس، أو غير ذلك، ولم يمكنه التوكيل بهذا الطلب، لا تبطل شفعته، وإن طالت المدة] (¬2). • العيني (855 هـ) يقول: [لو ترك المرافعة إلى القاضي بعد الطلبين بعذر المرض، أو حبس، أو عدم قدرته على التوكيل، لم تبطل شفعته بالإجماع] (¬3). • الطوري (كان حيا: 1138 هـ) يقول: [ولو كان بعذر من مرض، أو حبس، ولم يمكنه التوكيل، أو قاض لا يرى الشفعة بالجوار في بلدته، لا تسقط بالإجماع] (¬4). ¬
7] الأخذ بكامل الشفعة
• عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (1078 هـ) يقول: [ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو سفر، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا يسقط بالإجماع] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المانع له من المطالبة هو العذر الذي لا يملكه، فلا يؤاخذ بما لا يملك (¬3). الثاني: القياس على الشريك الغائب الذي لا يعلم بالشفعة: فكما أنه تثبت له المطالبة بالشفعة حتى وإن تباعد الوقت، فكذلك المعذور، بجامع عدم القدرة عليها في كل منهما.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 7] الأخذ بكامل الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا استحق الشِقْص جملة من الشفعاء، بعضهم أسقط حقه ولم يطالب به، وطالب الآخرون، أو كان المستحق واحدا وأراد أن يأخذ جزءا من حقه، فإنه ليس لهم إلا أن يأخذوا كامل الشقص أو يتركوا الكل، وليس لهم الاقتصار على جزء من حقهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من اشترى شِقْصا من أرض مشتركة، فسلَّم بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم أن يأخذ، فلمن أراد الأخذ ¬
بالشفعة، أن يأخذ الجميع، أو يدعه، وليس له أن يأخذ بقدر حصته، ويترك ما بقي] (¬1). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والزركشي، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني، وعبد الرحمن القاسم (¬2). • ابن رشد الحفيد (595 هـ) يقول: [فأما أن الشفيع واحد، والمشفوع عليه واحد، فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع] (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (¬4). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن في أخذ بعض الحق إضرارا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والشفعة إنما شرعت دفعا لضرر الشريك الداخل، خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص، لم يندفع عنه الضرر، فلا تثبت له في الجزء الباقي، والقاعدة المقررة: أن الضرر لا يزال بالضرر (¬5). الثاني: القياس على ما إذا كان بعض الشفعاء غائبا، فإنه ليس للحاضر إلا أن يأخذ الكل أو يتركه، بجامع وجود الضرر في تبعيض الحق على الشريك (¬6). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه غير مشهور عندهم، وقالوا: إذا أسقط أحد الشفعاء شفعته، فللشفيع الآخر أن يأخذ قسطه فقط، وليس للمشتري ¬
8] ثبوت شفعة الذمي والمسلم على الذمي
أن يلزمه بأخذ الجميع (¬1). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: أن الشفيع إنما يلزمه قسطه فقط، وربما لا يقدر إلا عليه، وإلزامه بالأخذ بكامل الشفعة إلزام بما لا مقدرة له عليه، والمشتري دخل على بينة وبصيرة بالشفيع، وهو غير ملزم بالعقد أصلا، فإذا دخل كان راضيا بالمشاركة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 8] ثبوت شفعة الذمي والمسلم على الذمي: • المراد بالمسألة: إذا كان ثمة دار بين ذميين غير مقسومة، وباع أحدهما نصيبه، فلصاحبه الذمي حق المطالبة بالشفعة، وكذا إذا كانت لمسلم على ذمي، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (450 هـ) يقول: [لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي. . .، وتجب للذمي على الذمي] (¬2). • العمراني (558 هـ) يقول: [وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، وللذمي على الذمي. . .، ولا خلاف في ذلك] (¬3). • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬4). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (¬5). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (¬6). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (¬7). • الموافقون على الإجماع: ¬
9] بيع المشتري المشفوع فيه قبل طلب الشفيع الشفعة
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك" (¬2). • وجه الدلالة: أن لفظة الشريك عامة تشمل كل شريك، مسلما كان أو غيره، فيدخل فيها الذمي والمسلم مع الذمي. الثاني: أنهما -أي: الذمي مع الذمي- تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم (¬3).Rصحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. 9] بيع المشتري المشفوع فيه قبل طلب الشفيع الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا تصرف المشتري في السلعة بالبيع، ثم ظهر شفيع وطالب بالشفعة، فإنه بالخيار في المطالبة، إن شاء طالب المشتري الأول وفسخ ما وقع من بيع، أو طالب المشتري الثاني، وأمضى العقد بينهما، ومثله لو كان ثمة مشتر ثالث. ثم إن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ولم يرجع على الأول بشيء، وإن أخذ من الأول دفع إليه الذي اشترى به، ورجع على الثاني بما أعطاه به، وهكذا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (620 هـ) يقول: [. . . متى تصرف -أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، مثل أن باعه، فالشفيع بالخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .، وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . . وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ المبيع بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الأخيران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه ¬
بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود، فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، ولم يرجع على أحد. . .، وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .، وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، ورجع الثاني على الأول بما أعطاه، فإذا كان الأول اشتراه بعشرة، ثم اشتراه الثاني بعشرين، ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .، ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري (¬1)، وأصحاب الرأي] (¬2). • شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [. . . متى تصرف -أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، كالبيع، فللشفيع الخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .، وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . .، وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الآخران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود، فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، (ولم يرجع على أحد. . .، وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به) (¬3)، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .، وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، والثاني على الأول بما أعطاه، فإن كان الأول اشتراه بعشرة، ثم اشتراه الثاني بعشرين، ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .، ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب ¬
الرأي] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الشفعة وجبت للشفيع قبل تصرف المشتري، فثبت له حق التصرف في فسخ العقد الثاني وما بعده. الثاني: أنه شفيع في العقدين، فكان له الأخذ بما شاء منهما (¬3). الثالث: أن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد من كل واحد منهما، فكان له حق مطالبة من شاء منهما (¬4). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: التفصيل في المسألة وهو: أن للشفيع أن يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات في حالة عدم علمه بتعددها، أو علم وهو غائب، أما إن علم بها وهو حاضر فإنما يأخذ بشراء الأخير فقط. وهو قول المالكية (¬5). واستدلوا على أنه إنما يأخذ بشراء الأخير فقط، قالوا: إن سكوته مع علمه بتعدد المبيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير، فإنه غير راض بشركته، فلذا كان له الأخذ منه بتجدد ملكه على ملكه (¬6). ¬
10] عدم إجبار المشتري على قلع ما زرعه قبل حضور الشفيع
القول الثاني: أن الشفيع له حق مطالبة من هي في يده دون من سواه. وهذا القول رواية عند الحنابلة اختارها ابن أبي موسى، وهو ظاهر كلام ابن عقيل (¬1). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن الحق الذي ثبت له المطالبة به، وجده عند شخص واحد، فله أن يطالبه دون من سواه، ومُلْك من هي في يده مُلك صحيح، فلا حاجة أن يُكلف بمطالبة الآخرين، فيطول وقت المطالبة من غير فائدة.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 10] عدم إجبار المشتري على قلع ما زرعه قبل حضور الشفيع: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري الأرض وهو لا يعلم أن للبائع شريكا، واستغلها بالزراعة، ثم حضر شريك البائع، وطلب الشفعة في الشقص، فإنه من حقه أخذ الشقص بالشفعة، لكن الزرع يكون للمشتري، ينتظر به إلى وقت الإدراك، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (587 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض، ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه، ولكنه ينتظر إدراك الزرع، ثم يقضى له بالشفعة، فيأخذ الأرض بجميع الثمن] (¬2). • الإتقاني (758 هـ) يقول: [ولو أن المشتري زرع في الأرض، ثم حضر الشفيع، فإن المشتري لا يجبر على قلعه بالإجماع، ولكنه ينظر إلى وقت الإدراك ثم يقضى للشفيع]. نقله عنه الشلبي، وابن عابدين (¬3). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (¬4). ¬
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (¬1). • وجه الدلالة: لما كان هذا الشقص بيد المشتري وهو من ضمانه لو تلف، كان الزرع له (¬2). الثاني: أن لإدراك الزرع نهاية معلومة، فلو انتظر ذلك لم يبطل حق الشفيع، وإن تأخر قليلا، وإذا قلع زرع المشتري تضرر بإبطال ملكه وماليته، وضرر التأخير دون ضرر الإبطال (¬3). الثالث: أن زرعه للأرض كان بحق، فوجب إبقاؤه له، كما لو باع الأرض المزروعة (¬4) الرابع: القياس على ما لو اشترى أرضا مزروعة: فإن الزرع يكون للبائع، والشفيع من المشتري، كالمشتري من البائع (¬5). • المخالفون للإجماع: خالف في هذا المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فهو يرى أنه يلزم المشتري رد كل ما استغل إلى الشفيع، ما لم يترك الأخذ بالشفعة فيبقى الحق حينئذ للمشتري، وهذا مقيد في حالة ما إذا كان إيذان الشريك بالشفعة ممكنا، وإلا فليس للمشتري رد الغلة (¬6). واستدل لقوله فقال: [برهان ذلك: قوله عليه السلام الذي أوردنا قبل: "لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (¬7) فلا يخلو بيع الشريك قبل أن يؤذن شريكه من أحد أوجه ثلاثة، لا رابع لها: إما أن يكون باطلا وإن صححه الشفيع بتركه الشفعة وهذا باطل؛ لأنه لو كان ذلك لوجب عليه رد الغلة على كل حال أخذ الشفيع أو ترك، ¬
11] صحة تصرف الشفيع في العين بعد أخذها من المشتري
والخبر يوجب غير هذا، بل يوجب أن الشريك أحق، وأنه إن ترك فله ذلك، فلو كان البيع باطلا لاحتاج إلى تجديد عقد آخر وهذا خطأ، أو يكون صحيحا حتى يبطله الشفيع بالأخذ، وهذا باطل بقوله عليه السلام: "لا يصلح" فمن الباطل أن يكون صحيحا ما أخبر عليه السلام أنه لا يصلح، أو يكون موقوفا، فإن أخذ الشفيع بالشفعة علم أن البيع وقع باطلا، وإن ترك حقه علم أن البيع وقع صحيحا وهذا هو الصحيح؛ لبطلان الوجهين الأولين لقوله عليه السلام: "الشريك أحق" فصح أن للمشتري حقا بعد حق الشفيع، فصح ما قلناه] (¬1). ولم أقف على أحد قال بهذا القول غيره.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. 11] صحة تصرف الشفيع في العين بعد أخذها من المشتري: • المراد بالمسألة: الشفيع إذا لم يعلم ببيع صاحبه إلا بعد مدة، ثم أراد أن يبيع نصيبه الذي عند المشتري، فإنه إذا باع بعد أخذه بالشفعة، يعد تصرفه صحيحا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • القرافي (684 هـ) يقول: [وله -أي: الشفيع- أن يبيع بعد الأخذ -أي: من المشتري- إجماعا] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عندهم (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيع الطعام بعد قبضه: فكما أنه يصح تصرفه في الطعام بعد ¬
12] بقاء حق الشريك في الشقص المشاع المتصرف فيه
القبض فكذلك هنا. الثاني: أنه بعد الأخذ يعد ملكه تاما مستقرا على العين، وتدخل في ضمانه، فيصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، أما قبل الأخذ فيعد من باب بيع الإنسان ما ليس عنده. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة وعندهم روايتان تخالفان الإجماع، هما: الأول: عدم صحة تصرف الشفيع في العين إلا بعد حكم الحاكم، ولا يكفي أخذه لها (¬1). ويستدل لهذه الرواية: أن مثل هذا الحق قائم على مظنة المخاصمة والمنازعة؛ إذ فيه انتزاع للحق من المشتري، ولا يفصل ذلك إلا حكم الحاكم. الثاني: عدم ملكه للعين إلا بعد دفع الثمن، ما لم يصبر المشتري. وعليه فلا يصح تصرفه فيها قبل هذا (¬2). ودليل هذه الرواية: أن الملك في الشفعة ملك قهري كالميراث، ولا يمكن معرفة حقيقة مطالبته بالحق، وثباته على المطالبة، إلا إذا دفع الثمن.Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. 12] بقاء حق الشريك في الشقص المشاع المتصرف فيه: • المراد بالمسألة: إذا باع الشريك نصيبه المشاع -غير المقسوم- فإن حق الشريك لا يسقط بهذا التصرف، بل هو ثابت، سواء قبض المشتري الشقص أم لا، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [وإذا باع الشقص المشاع، وقبضه أو لم يقبضه، فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك باق في النصف الآخر] (¬3). ¬
13] أخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن الذي اشتراه المشتري
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (¬1). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل شركة لم تقسم: ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به" (¬2). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّن أن للشريك حقه، ولا يحق للآخر أن يتصرف إلا بإذنه، ولو تصرف من دون إذنه، فإن هذا لا يسقط حقه بحال. الثاني: أن الحكمة من مشروعية الشفعة رفع ضرر المشاركة والمقاسمة عن الشريك، ولا يتحقق هذا بإسقاط حقه، وإذا أسقط حقه كان هذا ضررا وظلما يجب إزالته عنه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 13] أخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن الذي اشتراه المشتري: • المراد بالمسألة: إذا باع الشريك نصيبه، ثم عَلِم صاحبه بذلك، وثبت له حق المطالبة بالشفعة، فإن له أن ينزع نصيبه بمثل الثمن الذي اشتراه به المشتري، من غير زيادة عليه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (728 هـ) يقول: [يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد ¬
14] لزوم إقالة البائع بعد طلب الشفيع الشفعة
المشتري، بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة؛ للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة، وإجماع العلماء] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا هو تمام العدل والقسط الذي يرفع الظلم عن المتعاقدين، أن يأخذ الشقص من غير زيادة، حتى لا تحصل المضارَّة لصاحبه البائع الذي رغب بالبيع، ولا للشفيع فيزاد عليه بالثمن. الثاني: أن هذا الثمن هو الذي وقع عليه التراضي، وهو الذي يقطع النزاع بينهما؛ وذلك أن البائع قد رضي به لما باع المشتري، والشفيع لما علم بالحق طلب الشفعة، ولا يحق له المطالبة وهو ليس عنده هذا الثمن، فدل على تراضيهما عليه.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 14] لزوم إقالة البائع بعد طلب الشفيع الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا اشترك شريكان في أرض مشاعة بينهما، باع أحدهما نصيبه، فلما علم أن صاحبه له الرغبة في المطالبة بالشفعة، أراد من المشتري أن يقيله من البيع الذي وقع بينهما، فأقاله، فإنه ليس للمشتري أن يمتنع من الإقالة، ولا للبائع أن يمنع شريكه من الشفعة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (463 هـ) لما ذكر قول الإمام مالك وهو [من باع حصته من أرض أو دار مشتركة، فلما علم أن صاحب الشفعة يأخذ بالشفعة، استقال ¬
المشتري، فأقاله. قال: ليس ذلك له، والشفيع أحق بها بالثمن الذي كان باعها به]. قال بعده: [أجمعوا على أنه ليس للمشتري أن يمتنع من ذلك، ولا للبائع، فالإقالة لا تقطعها عند من يجعلها بيعا مستأنفا، وعند من يجعلها فسخ بيع؛ لأن في فسخه البيع فسخا للشفعة] (¬1). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (¬2). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن حق الشفيع قد وجب في الشقص المشترى، وثبت له الخيار في أخذه أو تركه، فلم يكن للمشتري والبائع أن يسقطا حقه منه بالإقالة ولا بغيرها (¬3). • المخالفون للإجماع: ذكرت رواية عن الإمام أحمد في بطلان الشفعة للشفيع، وقد اختلف علماء المذهب في توجيه هذه الرواية: فمنهم من قال بأنها على ظاهرها. وهم: السامرِّي (¬4) والحارثي (¬5). ¬
15] أخذ الوصي الشفعة للصبي
ومنهم من قال بأنها محمولة على أن الشفيع عفا ولم يطالب. وهم القاضي وابن عقيل (¬1). ولعل الثانية أرجح من جهة أن القائلين بها هم أوثق في نقل المذهب عن الإمام وفهم مراده، وحتى لا ينسب الإمام إلى مخالفة الإجماع.Rصحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. 15] أخذ الوصي الشفعة للصبي: • المراد بالمسألة: من المتقرر شرعا أن الصبي لا يستقل بالتصرف بنفسه، فإذا كان كذلك فلو كان له عقار ومعه شريك، وأراد الشريك أن يبيع نصيبه، فلولي الصبي الحق بالمطالبة بالشفعة عنه في هذه الحالة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (318 هـ) يقول: [وأجمعوا على أن للوصي الأخذ بالشفعة للصبي. وانفرد الأوزاعي فقال: حتى يبلغ الصبي، فيأخذ لنفسه] (¬2). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في المسألة: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشفعة في كل شرك: في أرض، أو ربع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به، حتى يؤذنه" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل للشريك الحق في الشفعة، ولم يفرق بين كبير ¬
وصغير، وبما أن الصغير لا يملك التصرف في نفسه، فإن الولي يقوم مقامه في الأخذ بحقه. الثاني: القياس على التصرف في سائر حقوق الصغير: فكما أن الولي له الحق في الشراء للصغير فيما له فيه منفعة متحققة، فكذلك الأخذ له بالشفعة، فهي لون من ألوان الشراء له (¬1). الثالث: أن سبب الاستحقاق متحقق في حق الصغير، وهو الشركة أو الجوار، من حيث اتصال حق ملكه بالمبيع على التأبيد، فيكون مساويا للكبير في الاستحقاق به (¬2). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الأوزاعي، فقال: ليس للولي أخذ الشفعة للصبي، وإنما يأخذها الصبي بعد بلوغه (¬3). واستدل لقوله بعدة أدلة، منها: الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصبي على شفعته حتى يُدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك" (¬4). • وجه الدلالة: أنه لو كان للولي الأخذ بشفعة الصبي، لما جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الصبي على شفعته. الثاني: أن الولي لا يملك العفو عن الشفعة، فلا يملك الأخذ بها، كالأجنبي (¬5). ¬
ومثل الأوزاعي في المخالفة: ابن أبي ليلى، والنخعي، والحارث العُكلي، وهؤلاء قالوا بأنه لا شفعة للصبي أصلا (¬1). واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا شفعة لصغير ولا لغائب" (¬2). الثاني: أن الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري. وليس للولي الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ (¬3). الثالث: أن وجوب الشفعة إنما شرع لدفع التأذي بسوء المجاورة، وذلك إنما يكون من الكبير دون الصغير، والصغير إنما هو تبع، فهو في معنى المعير والمستأجر (¬4).Rعدم صحة الإجماع في المسألة؛ لثبوت الخلاف فيها، ومما يؤكد ذلك: أنه لم يحكِ الإجماع سوى ابن المنذر، وهو لما ذكر المسألة في كتاب الإشراف لم يذكر الإجماع، بل نص على الخلاف، فلعل مقصوده بالإجماع إجماع القائلين بجواز الشفعة للصبي دون غيرهم (¬5). * * * ¬
الخاتمة
الخاتمة بعد هذا التطواف مع هذه المسائل، وقبل أن أضع القلم أسجل في هذه العجالة أبرز النتائج والتوصيات التي خلُص إليها الباحث في بحثه، علها أن تكون بلغة للعجلان. أما النتائج فهي: أولًا: أن المسائل التي حكي فيها الإجماع كثيرة، وليست قليلة، كما يتبادر إلى الناظر أول وهلة، وقد بلغت عدد المسائل التي بحثها الباحث [365] مسألة، صح الإجماع في [276] مسألة، والباقي لم يثبت لدى الباحث الإجماع فيها. ثانيًا: ضعف اهتمام العلماء بهذا الدليل، وذلك بالنظر إلى التراث الفقهي الزاخر الذي خلَّفه لنا العلماء، فالكتب الفقهية على اختلاف المذاهب والأزمنة لا تُحصى كثرة، ومع هذا ربما تمر المسائل، ولا ينقل فيها الإجماع إلا عالم أو عالمان، ولعل من أسباب ذلك أن الإجماع دليل تبعي وليس استقلالي، ولم يكن منتشرا في الصدر الأول من هذه الأمة، ولذا فلا غرو أن تجد الإجماعات نادرة في تلك الحقبة من الزمان، ومما يشهد لهذا أن أَقدم إجماع مر على الباحث في بحثه، ما نقل عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني، في مسألة بيع أمهات الأولاد، المتوفى عام (189 هـ)، ثم بعد هذا انتشر التمذهب في المدارس الفقهية، فضعف النظر في الأقوال الأخرى والاهتمام بها، وهذا من آثاره عدم الالتفات إلى الإجماع، إلا في القليل النادر. ثالثًا: ما من عالم إلا ويقع له الوهم في حكاية الإجماع، وهذا من طبيعة البشر التي جبلهم اللَّه عليها، وقد أبى اللَّه عز وجل إلا أن يكون الكمال له سبحانه وتعالى، ولعل من أسباب وقوع الوهم عند العلماء في هذا الباب أن العالم يعتمد على كتاب واحد في نقل أقوال المذاهب الأخرى، وقد يكون في المذهب ثمة رواية لم يطلع عليها، فيحكي الإجماع وهو غير مطلع على هذه الرواية، ولذا غالب المخالفات إنما هي
روايات وأوجه في المذاهب الأخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر: ابن عبد البر من العلماء الذين لهم اطلاع واسع على الخلاف بين المذاهب، وله عناية بحكاية الإجماع، وقد نص على اعتماد رواية الكوسج فيما ينقله عن الإمام أحمد (¬1)، ورواية الكوسج ليست هي المذهب فقط، وليس فيها كل ما نقل عن الإمام، بل ثمة روايات أخرى كثيرة تنقل عن الإمام، وربما كان فيها ما يخالف ما ذكره الكوسج في كتابه، ولا يخفى أن مذهب الإمام أحمد من أوسع المذاهب في تعدد الروايات. رابعًا: تفاوت العلماء في حكاية الإجماع، فمنهم من يحكي الإجماع ويقصد به الإجماع بمعناه الأصولي، ومنهم من يحكيه ويقصد به الإجماع المذهبي، وقد ظهر للباحث جملة من القرائن التي تميّز الأول عن الثاني، أذكرها باختصار: الأولى: أن يحكي العالم الإجماع في المسألة، ثم يذكر بعده الخلاف في المذاهب الأخرى، وهذه أقوى القرائن (¬2). الثانية: أن يسبق الإجماع قول العالم: [قال أصحابنا] ثم ينفي الخلاف في المسألة، أو يقول: [بلا خلاف عندنا] (¬3). الثالثة: أن ينقلَ عبارةَ العالم الذي حكى الإجماع عالم آخر، ولا يذكر الإجماع الذي حكاه (¬4). الرابعة: أن يحكي العالم الإجماع، ثم يأتي من علماء المذهب من يبين أن المقصود من الإجماع المحكي هو إجماع علماء مذهبه (¬5). ¬
الخامسة: أن يحكي العالم الإجماع في معرض الاستدلال والمناقشة على مسألة ما، ولا يذكره ابتداء، فهذه غالبا ما يقصد به علماء المذهب دون من سواهم (¬1). السادسة: أن يحكي العالم الإجماع، ثم لا تكاد تجد عالما من علماء المذهب ممن أتى بعده ينقل هذا الإجماع عنه (¬2). السابعة: أن يذكر العالم خلافا في مسألة بين علماء مذهبه فقط، ثم يذكر بعده الإجماع، ثم يعود للاستدلال على الخلاف السابق، فيكون الإجماع المحكي مقصودا به علماء المذهب، وكأنه أراد تحرير محل النزاع في مذهبه (¬3). الثامنة: أن يحكي العالم الإجماع، ثم يحكي بعده إجماعا يخالفه، ولا يتعقبه بشيء، فهذا دليل على أنه أراد به الإجماع المذهبي (¬4). التاسعة: أن يكون الكتاب من الكتب المذهبية التي تعتني بتقرير المذهب، دون الاستطراد بذكر المذاهب الأخرى، فهذا في الغالب أن مراد المؤلف بحكاية الإجماع أو نفي الخلاف إنما هو المذهبي (¬5). العاشرة: أن يذكر العالم الإجماع في مسألة وقع الخلاف في مشروعيتها، فهذا يقصد به إجماع القائلين بالمشروعية فقط (¬6). الحادية عشر: أن يحكي العالم الاتفاق في المسألة، ويأتي من علماء المذهب ¬
من يحكي الخلاف بين علماء المذهب، وكذلك علماء المذاهب الأخرى (¬1). الثانية عشر: أن يحكي العالم الاتفاق، ثم يذكر بعده خلافا بين علماء مذهبه فقط (¬2). هذه جملة من القرائن المستنبطة من كلام العلماء، وليست حجة قاطعة، أو ضربة لازبة، لا تتخلف أو تتبدل، بل ربما تتفق كما ذكر وربما تختلف. أما التوصيات، فهي: أولًا: تكملة المشروع في جميع الأبواب الفقهية، وذلك لما له من أثر: 1) على الطالب، في تكوين الملكة العلمية، والدربة الفقهية، فليس قليلا أن يمر الباحث على ما يقارب الأربعمائة مسألة في بحثه، يَجُول نظره بين كتب المذاهب المختلفة، في فهم مرادها والتعرف عليها، ومعرفة أدلتها وغيرها مما هو مفيد ونافع. 2) على الأمة، في تقريب هذا الدليل بين يديها خاصة النخبة منهم والصفوة، وهم طلاب العلم والعلماء، فلعل هذا المشروع أن يسهم في بناء لبنة من لبنات التكامل الفقهي العلمي الجاد. ثانيًا: جمع هذه المسائل التي صح فيها الإجماع، ثم صياغتها صياغة علمية مُحْكمة، وبعد هذا ترتيبها ترتيبا فقهيا يوافق الترتيب المنطقي المعاصر للمسائل والأبواب، ثم يكون هذا متنا علميا يدرس في المدارس الفقهية، وهذا من شأنه أن يجعل الطلاب يهتموا بالفقه المجمع عليه أولًا، ولا يُشْغلوا أنفسهم بالخلاف وما يترتب عليه من ترجيح ونحوه، فليس من المنهج العلمي أن ينشغل طالب العلم بالخلاف والترجيح بين المسائل في مقتبل العمر وبداية الطلب، فهذا يولد في نفوسهم تشتيت الذهن والجرأة على العلماء. وهذا شبيه بما يحصل في علم العقيدة، فالمتون التي تُدرَّس ويحفظها الطلاب في الكُتَّاب، ليس فيها ذكر للمسائل الخلافية، إلا ما ندر. ¬
ثالثًا: بعد إكمال المشروع، فإن من المناسب إتباعه بمشروع آخر لا يقل أهمية عن هذا المشروع، وهو دراسة المسائل المجمع عليها في كل مذهب على حدة، ثم جمع المسائل التي اتفقت عليها المذاهب كلها، فنكون بهذا قد جمعنا المسائل التي اتفقت عليها المذاهب، وإن لم يَحك عالم الإجماع فيها، ولا شك أن هذا العمل لو تم لتوصلنا إلى عمل جديد يكون فيه تقريب بين المذاهب الفقهية المعتبرة، ومعرفة نسبة الاستفادة فيما بينها في الفروع. بعد هذا أقف عند هذا الحد وأضع القلم، حامدا المولى أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فهو مبدي كل نعمة، ومسدي كل فضل، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. * * *
ثبت المصادر والمراجع
ثبت المصادر والمراجع 1 - الإتقان والإحكام في تحفة الأحكام: محمد بن أحمد ميارة. دار المعرفة، مطبعة الاستقامة. 2 - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مع نظرة تحليلية: د/ يوسف القرضاوي. دار القلم، الكويت، ط: الأولى، 1406 هـ. 3 - الإجماع في التفسير جمعا ودراسة: محمد بن عبد العزيز الخضيري. رسالة ماجستير. دار الوطن، الرياض، ط: الأولى، 1420 هـ. 4 - الإجماع لابن عبد البر من خلال كتابه التمهيد: فؤاد الشهلوب وعبد الوهاب الشهري. دار القاسم، الرياض، ط: الأولى، 1418 هـ. 5 - الإجماع مصدر ثالث من مصادر التشريع الإسلامي: د/ عبد الفتاح حسيني الشيخ. مطبعة الإيمان، ط: الأولى، 1399 هـ. 6 - الإجماع: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر. تحقيق: أبو حماد صغير أحمد حنيف. مكتبة الفرقان، عجمان، الإمارات، مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، ط: الثانية، 1420 هـ. 7 - إجماعات ابن عبد البر من كتاب الأيمان والنذور إلى آخر كتاب البيوع: د/ عبد الرحمن الموجان. رسالة دكتوراه مقدمة لكلية الشريعة في جامعة أم القرى. غير منشورة. 8 - إجماعات الإمام النووي في شرح صحيح مسلم دراسة أصولية تطبيقية: علي بن أحمد الراشدي. رسالة ماجستير مقدمة لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى. غير منشورة. 9 - إجمال الإصابة في حكم أقوال الصحابة: خليل بن كيكلدي العلائي. تحقيق: د. محمد سليمان الأشقر. دار النشر: جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، ط: الأولى، 1407 هـ. 10 - الآحاد والمثاني: أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني. تحقيق: د/ باسم فيصل أحمد الجوابرة. دار الراية، الرياض، ط: الأولى، 1411 هـ. 11 - الأحاديث المختارة: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد الضياء المقدسي. تحقيق: عبد الملك بن عبد اللَّه بن دهيش. مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1410 هـ. 12 - الاحتكار وآثاره في الفقه الإسلامي: د/ قحطان عبد الرحمن الدوري. دار الفرقان، ط: الأولى، 1421 هـ.
13 - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ترتيب ابن بلبان: أبو حاتم محمد بن حبان البستي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية، 1414 هـ. 14 - إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام: أبو الفتح تقي الدين بن دقيق العيد. مطبعة السنة المحمدية، مصر، دار عالم الكتب. 15 - الأحكام السلطانية والولايات الدينية: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي. دار الكتب العلمية، بيروت. 16 - أحكام الطهارة: المياه - الآنية: دبيان بن محمد الدبيان. ط: الأولى، 1421 هـ. 17 - إحكام الفصول في أحكام الأصول: أبو الوليد الباجي. تحقيق: عبد المجيد تركي. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 18 - أحكام القرآن: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص. دار الفكر، بيروت. 19 - أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العربي. تحقيق: محمد عبد القادر عطا. دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان، ط: الأولى. 20 - أحكام القرآن: الإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق: عبد الغني عبد الخالق. دار الكتب العلمية، بيروت، 1400 هـ. 21 - الأحكام الوسطى من حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد الحق بن عبد الرحمن بن الخراط الأشبيلي. تحقيق: حمدي السلفي وصبحي السامرائي. دار الرشد، الرياض، 1416 هـ. 22 - أحكام عقد البيع في الفقه المالكي: محمد سكحال المجاجي. دار ابن حزم، بيروت، ط: الأولى، 1422 هـ. 23 - الإحكام في أصول الأحكام: أبو محمد علي بن حزم الظاهري. قوبلت على نسخة أشرف عليها: أحمد شاكر. الناشر: زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة، القاهرة. 24 - الإحكام في أصول الأحكام: علي بن محمد الآمدي. تعليق: عبد الرزاق عفيفي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1402 هـ. 25 - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية: علاء الدين علي ابن محمد البعلي. تحقيق: أحمد الخليل. دار العاصمة، الرياض، ط: الأولى، 1418 هـ. 26 - أخبار القضاة: محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع. عالم الكتب، بيروت. 27 - اختلاف الحديث: الإمام محمد بن إدريس الشافعي. مطبوع مع الأم. دار المعرفة. 28 - اختلاف العلماء: أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي. تحقيق: صبحي السامرائي. عالم الكتب، بيروت، ط: الثانية، 1406 هـ. 29 - اختلاف الفقهاء: محمد بن جرير الطبري. طبع على نفقة مصححه د/ فريدريك كرن الألماني. الناشر: محمد أمين دمج، بيروت، ط: الثانية.
30 - اختيارات ابن تيمية الفقهية من كتاب البيع إلى نهاية باب السبق، دراسة مقارنة. عبد اللَّه بن مبارك البوصي. رسالة دكتوراه مقدمة لقسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. غير منشورة. 31 - أخذ المال على أعمال القرب: عادل شاهين محمد شاهين. كنوز أشبيليا، الرياض، ط: الأولى، 1425 هـ. 32 - أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي. تحقيق: محمد ناصر العجمي. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ 33 - الآداب الشرعية والمنح المرعية: أبو عبد اللَّه محمد بن مفلح المقدسي. مؤسسة قرطبة. 34 - الأدب المفرد: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري. حديث أكاديمي، نشاط آباد، باكستان. 35 - إدرار الشروق في تهذيب الفروق: ابن الشاط. مطبوع مع الفروق. دار عالم الكتب، بيروت. 36 - إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ: صالح بن علي الشمراني. دار المنهاج، الرياض، ط: الأولى، 1428 هـ. 37 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي الشوكاني. دار المعرفة، بيروت، 1399 هـ. 38 - الإرشاد إلى سبيل الرشاد: محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي. تحقيق: عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1419 هـ. 39 - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1405 هـ. 40 - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر النمري. تحقيق: سالم محمد عطا ومحمد علي معوض. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 2000 م. 41 - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر النمري. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. دار هجر، القاهرة، ط: الأولى، 1426 هـ. 42 - الاستسقاء سننه وآدابه: عبد الوهاب الزيد. دار الإمام مالك، الرياض، ط: الأولى، 1416 هـ. 43 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1412 هـ. 44 - أسد الغابة في معرفة الصحابة: عز الدين علي بن الأثير. تحقيق: علي معوض وعادل عبد الموجود. دار الكتب العلمية، بيروت.
45 - إسعاف المبطأ برجال الموطأ: أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1389 هـ. 46 - أسنى المطالب في شرح روض الطالب: زكريا الأنصاري. دار الكتاب الإسلامي. 47 - الأشباه والنظائر: زين العابدين بن نجيم. مطبوع مع غمز عيون البصائر. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 48 - الأشباه والنظائر: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1403 هـ. 49 - الإشراف على مذاهب العلماء: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري. تحقيق: أبو حماد صغير بن أحمد الأنصاري. دار المدينة للطباعة والنشر، الإمارات، ط: الأولى، 1425 هـ. 50 - الإشراف على مسائل الخلاف: القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي. مطبعة الإرادة. 51 - الإصابة في تمييز الصحابة: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1412 هـ. 52 - أصول السرخسي: أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي. تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني. دار المعرفة، بيروت، 1393 هـ. 53 - أصول الفقه وابن تيمية: صالح بن عبد العزيز آل منصور. ط: الأولى، 1400 هـ. 54 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي. تحقيق: مكتب البحوث والدراسات بالدار. دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1415 هـ. 55 - إعلاء السنن: ظفر أحمد العثماني التهانوي. إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، باكستان، ط: الأولى. 56 - إعلام الموقعين عن رب العالمين: أبو عبد اللَّه شمس الدين ابن قيم الجوزية. دار الكتب العلمية، بيروت. 57 - الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: العباس بن إبراهيم. نشر المطبعة الملكية، الرباط، 1974 م. 58 - الأعلام: خير الدين الزركلي. دار العلم للملايين، بيروت، ط: السادسة، 1405 هـ. 59 - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار المعرفة، بيروت، ط: الثانية، 1395 هـ. 60 - الإفصاح عن معاني الصحاح: الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة. تحقيق: محمد ابن حسن الشافعي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1417 هـ. 61 - الإقناع في الفقه الشافعي: أبو الحسن الماوردي. تحقيق: خضر محمد خضر.
د ار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، ط: الأولى، 1402 هـ 62 - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: الخطيب محمد الشربيني. دار الفكر، بيروت. 63 - الإقناع في مسائل الإجماع: أبو الحسن علي بن القطان الفاسي. تحقيق: د/ فاروق حمادة. دار القلم، دمشق، ط: الأولى، 1424 هـ. 64 - الإقناع في مسائل الإجماع: أبو الحسن علي بن القطان الفاسي. تحقيق: ماجد الفريان. رسالة ماجستير مقدمة لقسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية. غير منشورة. 65 - الإقناع لطالب الانتفاع: موسى بن أحمد الحجاوي. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، القاهرة، ط: الأولى، 1418 هـ. 66 - الإقناع: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر. تحقيق: د/ عبد اللَّه بن عبد العزيز الجبرين. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الثالثة، 1418 هـ. 67 - إكمال إكمال المعلم: أبو عبد اللَّه محمد بن خلفة الأبي. دار الكتب العلمية، بيروت 68 - إكمال الأعلام بتثليث الكلام: محمد بن عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني. تحقيق: سعد بن حمدان الغامدي. جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1404 هـ. 69 - إكمال المعلم بفوائد مسلم: القاضي عياض بن موسى اليحصبي. تحقيق: يحيى إسماعيل. دار الوفاء، المنصورة، ط: الثالثة، 1423 هـ. 70 - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى: علي بن هبة اللَّه بن أبي نصر بن ماكولا. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1411 هـ. 71 - ألقاب الصحابة والتابعين في المسندين الصحيحين: أبو علي الحسين بن محمد الجبائي الأندلسي. تحقيق: محمد زينهم محمد عزب ومحمود نصار. دار الفضيلة، القاهرة، 1994 م. 72 - الأم: الإمام محمد بن إدريس الشافعي. دار المعرفة، بيروت. 73 - الإمام النسائي وكتابه المجتبى. د/ عمر إيمان أبو بكر. مكتبة المعارف، الرياض، ط: الأولى، 1424 هـ. 74 - الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام. تحقيق: محمد خليل هراس. دار الفكر، بيروت، 1408 هـ. 75 - إنباء الغُمر بأنباء العُمر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: محمد عبد المعيد خان. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الثانية. 76 - الأنساب: أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني. تحقيق: عبد اللَّه عمر البارودي. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1998 م.
77 - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: سليمان بن علي المرداوي. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الثانية. 78 - أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء: قاسم بن عبد اللَّه بن أمير القونوي. تحقيق: د/ أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي. دار الوفاء، جدة، ط: الأولى، 1406 هـ. 79 - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري. تحقيق: د/ أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف. دار طيبة، الرياض، ط: الأولى، 1985 م. 80 - إيثار الإنصاف في آثار الخلاف: سبط ابن الجوزي. تحقيق: ناصر العلي الناصر الخليفي. دار السلام، القاهرة، ط: الأولى، 1408 هـ. 81 - البحر الرائق شرح كنز الدقائق: زين الدين بن نجيم. دار الكتاب الاسلامي، ط: الثانية. 82 - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: أحمد بن يحيى المرتضي. دار الكتاب الاسلامي. 83 - البحر المحيط في أصول الفقه: بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: لجنة من علماء الأزهر. دار الكتبي، ط: الأولى، 1414 هـ. 84 - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين الكاساني. دار الكتب العلمية، بيروت، الثانية، 1405 هـ. 85 - بدائع الفوائد: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية. تحقيق: هشام عبد العزيز عطا، عادل عبد الحميد العدوي. مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1416 هـ. 86 - بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة: برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني. مكتبة ومطبعة محمد علي صبح، القاهرة. 87 - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي. دار الفكر، بيروت. 88 - البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي. مكتبة المعارف، بيروت. 89 - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: محمد بن علي الشوكاني. دار المعرفة، بيروت. 90 - البرهان في أصول الفقه: أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني. تحقيق: د/ عبد العظيم محمود الديب. دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط: الرابعة، 1418 هـ. 91 - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة أحمدية: أبو سعيد محمد بن محمد الخادمي. دار إحياء التراث العربية، مطبعة الحلبي، 1348 هـ.
92 - بغية الراغب في ختم النسائي. شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي. تحقيق: د/ عبد العزيز العبد اللطيف. مكتبة العبيكان، الرياض، ط: الأولى، 1414 هـ. 93 - بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس: أحمد بن يحيى الضبي. القاهرة، 1967 م. 94 - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية، بيروت. 95 - بلغة الساغب وبغية الراغب: محمد بن محمد بن الخضر بن تيمية. تحقيق: بكر ابن عبد اللَّه أبو زيد. دار العاصمة، الرياض، ط: الأولى، 1417 هـ. 96 - بلغة السالك لأقرب المسالك (حاشية على الشرح الصغير على مختصر خليل للدردير): أحمد الصاوي. دار المعارف، مصر. 97 - البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. تحقيق: محمد المصري. جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، ط: الأولى، 1407 هـ. 98 - بلوغ المرام من أدلة الأحكام: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: طارق بن عوض اللَّه بن محمد. دار العطاء، الرياض، ط: الأولى، 1424 هـ. 99 - البناية شرح الهداية: بدر الدين محمود بن أحمد العيني. تحقيق: أيمن صالح شعبان. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1420 هـ. 100 - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام: أبو الحسن علي بن محمد بن القطان. تحقيق: د/ الحسين آيت سعيد. دار طيبة، الرياض، ط: الأولى، 1418 هـ. 101 - البيان في مذهب الإمام الشافعي شرح للمهذب: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني. اعتنى به: قاسم محمد النوري. دار المنهاج للطباعة والنشر. 102 - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة: أبو الوليد ابن رشد الجد القرطبي. تحقيق: مجموعة من العلماء بعناية عبد اللَّه الأنصاري. إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406 هـ. 103 - بيع التقسيط وأحكامه: سليمان بن تركي التركي. دار أشبيليا، الرياض، ط: الأولى، 1424 هـ. 104 - بيع العقار والثمار في الفقه الإسلامي بحث مقارن: محمد بن راشد العثمان. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثالثة، 1418 هـ. 105 - بيع العينة مع دراسة مداينات الأسواق: حمد بن عبد العزيز الخضيري. دار الراية، الرياض، ط: الأولى، 1410 هـ. 106 - تاج التراجم: أبو الفداء قاسم بن قطلوبغا بن عبد اللَّه السودوني. تحقيق: محمد
خير رمضان يوسف. دار القلم، دمشق، ط: الأولى. 107 - تاج العروس من جواهر القاموس: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي. تحقيق: مجموعة من المحققين. دار الهداية. 108 - التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول: أبو الطيب صديق حسن خان. تعليق: عبد الحكيم شرف الدين. المطبعة الهندية العربية، 1383 هـ. 109 - التاج والإكليل لمختصر خليل: محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري المعروف بالمواق. دار الكتب العلمية، بيروت. 110 - تاريخ ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. دار القلم، بيروت، ط: الخامسة، 1984 م. 111 - تاريخ ابن معين رواية الدوري: أبو زكريا يحيى بن معين. تحقيق: د/ أحمد محمد نور سيف. مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1399 هـ. 112 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: د/ عمر عبد السلام تدمرى. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 113 - تاريخ الجبرتي المسمى (عجائب الآثار في التراجم والأخبار): عبد الرحمن بن حسن الجبرتي. دار الجيل، بيروت. 114 - التاريخ الكبير: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي. تحقيق: هاشم الندوي. دار الفكر، بيروت. 115 - تاريخ بغداد: أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي. دار الكتب العلمية، بيروت. 116 - تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر. تحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمري. دار الفكر، بيروت، 1995 م. 117 - تأويل مختلف الحديث: أبو محمد عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة. تحقيق: محمد زهري النجار. دار الجيل، بيروت، 1393 هـ. 118 - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن فرحون اليعمري. دار الكتب العلمية، بيروت، مكتبة الكليات الأزهرية، ط: الأولى، 1406 هـ. 119 - التبصرة في أصول الفقه: أبو إسحاق الشيرازي. تحقيق: محمد حسن هيتو. دار الفكر، بيروت. 120 - التبيان في آداب حملة القرآن: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. الوكالة العامة للتوزيع، دمشق، ط: الأولى، 1403 هـ. 121 - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي. دار الكتاب
الإسلامي، القاهرة، 1313 هـ. 122 - تبيين المسالك بشرح تدريب السالك. محمد الشيباني بن محمد الشنقيطي. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1415 هـ. 123 - تحرير اتفاقات ابن رشد من كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد أحكام الأسرة والمعاملات المالية عدا الوصايا: محمد عبد الرحيم الخالد. رسالة ماجستير مقدمة لكلية الشريعة في جامعة أم القرى. غير منشورة. 124 - تحرير ألفاظ التنبيه: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. تحقيق: عبد الغني الدقر. دار القلم، دمشق، ط: الأولى، 1408 هـ. 125 - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري. دار الكتب العلمية، بيروت. 126 - تحفة الفقهاء: علاء الدين السمرقندي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 127 - تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن. تحقيق: عبد اللَّه بن سعاف اللحياني. دار حراء، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1406 هـ. 128 - تحفة المحتاج بشرح المنهاج: شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي. دار إحياء التراث العربي. 129 - تحفة الملوك: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. تحقيق: د/ عبد اللَّه نذير أحمد. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الأولى، 1417 هـ. 130 - التحقيق في أحاديث الخلاف: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1415 هـ. 131 - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري: جمال الدين عبد اللَّه بن يوسف بن محمد الزيلعي. اعتنى به: سلطان الطبيشي. دار ابن خزيمة، الرياض، ط: الأولى، 1414 هـ. 132 - تذكرة الحفاظ: أبو عبد اللَّه شمس الدين محمد الذهبي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى. 133 - تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج: عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1994 م. 134 - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: القاضي عياض اليحصبي. تحقيق: أحمد بكير محمود. دار مكتبة الحياة، بيروت، 1387 هـ. 135 - تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة: صالح بن عبد العزيز العثيمين. تحقيق: بكر أبو زيد. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1422 هـ.
136 - تصحيح الفروع: علي بن سليمان المرداوي. مطبوع مع الفروع. دار عالم الكتب، بيروت. 137 - التعريفات: علي بن محمد الجرجاني. تحقيق: إبراهيم الأبياري. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 138 - تغليق التعليق على صحيح البخاري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي. المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، عمان، ط: الأولى، 1405 هـ. 139 - تفسير ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي. تحقيق: أسعد محمد الطيب. المكتبة العصرية، صيدا. 140 - تفسير غريب ما في الصحيحين: محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد اللَّه الأزدي الحميدي. تحقيق: د/ زبيدة محمد سعيد عبد العزيز. مكتبة السنة، القاهرة، ط: الأولى، 1415 هـ. 141 - التقرير والتحبير في علم الأصول: ابن أمير الحاج. دار الكتب العلمية، بيروت. 142 - تكملة البحر الرائق: الطوري. مطبوع بعد البحر الرائق. دار الكتاب الإسلامي، ط: الثانية. 143 - تكملة المجموع للنووي: تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي. المطبعة المنيرية. 144 - التلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم اليماني المدني. المدينة المنورة، 1384 هـ. 145 - التلخيص في أصول الفقه: أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني. تحقيق: عبد اللَّه النبالي وبشير العمري. دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1417 هـ. 146 - التلقين في الفقه المالكي: القاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي. تحقيق: محمد ثالث سعيد الغاني. المكتبة التجارية، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1415 هـ. 147 - التمهيد في أصول الفقه: أبو الخطاب الكلوذاني. تحقيق: مفيد أحمد أبو عمشة. دار المدني، ط: الأولى، 1406 هـ. 148 - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر النمري. تحقيق: مجموعة من العلماء. مؤسسة قرطبة. 149 - التنبيه في الفقه الشافعي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر. عالم الكتب، بيروت، ط: الأولى، 1403 هـ. 150 - التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام: عبد المجيد بن سالم المشعبي. مكتبة الصديق، الطائف، مكتبة ابن القيم، المدينة، ط: الأولى، 1414 هـ. 151 - تنقيح تحقيق أحاديث التعليق: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي.
تحقيق: أيمن صالح شعبان. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1998 م. 152 - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأخبار: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تحقيق: محمود محمد شاكر. مطبعة المدني، القاهرة. 153 - تهذيب الأسماء واللغات: محيي الدين أبو زكريا يحيى النووي تحقيق: مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1996 م. 154 - تهذيب التهذيب: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1404 هـ. 155 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي. تحقيق: د/ بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة، بيروت، الأولى، 1400 هـ. 156 - تهذيب اللغة: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري. تحقيق: محمد عوض مرعب. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الأولى، 2001 م. 157 - توشيح الديباج وحلية الابتهاج: بدر الدين محمد بن يحيى القرافي. تحقيق: أحمد الشتيوي. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1403 هـ. 158 - التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح: أحمد بن محمد الشويكي. تحقيق: ناصر بن عبد اللَّه الميمان. المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1418 هـ. 159 - التوقيف على مهمات التعاريف: محمد عبد الرؤوف المناوي. تحقيق: د/ محمد رضوان الداية. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1410 هـ. 160 - تيسير التحرير: محمد أمين المعروف بأمير شاه. مصورة دار الكتب العلمية، بيروت. 161 - التيسير في شرح الجامع الصغير: زين الدين عبد الرؤوف المناوي. مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، ط: الثالثة، 1408 هـ. 162 - الثقات: أبو حاتم محمد بن حبان البستي. تحقيق: السيد شرف الدين أحمد. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1395 هـ. 163 - الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني: صالح عبد السميع الأبي الأزهري. المكتبة الثقافية، بيروت. 164 - جامع الأمهات: ابن الحاجب الكردي. 165 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. دار الفكر، بيروت، 1405 هـ. 166 - الجامع الصحيح: أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي. تحقيق: أحمد شاكر. دار الكتب العلمية، بيروت. 167 - الجامع الصغير: أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن الشيباني. عالم الكتب، بيروت، ط: الأولى، 1406 هـ. 168 - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم: أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن رجب. تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. مؤسسة
الرسالة، بيروت، ط: الثالثة، 1412 هـ. 169 - الجامع لأحاديث البيوع: سامي بن محمد الخليل. دار ابن الجوزي، الدمام، ط: الأولى، 1422 هـ. 170 - الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي. دار الشعب، القاهرة. 171 - الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون: جمع: محمد عزير شمس وعلي العمران. دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط: الثانية، 1422 هـ. 172 - الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث: أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري. تحقيق: بكر عبد اللَّه أبو زيد. دار الراية، الرياض، ط: الأولى، 1412 هـ. 173 - الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الأولى، 1371 هـ. 174 - جمع الجوامع في أصول الفقه: تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي. مطبوع مع حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع. دار الفكر، بيروت. 175 - جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود: شمس الدين الأسيوطي. تحقيق: مسعد السعدتي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1417 هـ. 176 - الجواهر المضية في تراجم الحنفية: أبو محمد عبد القادر بن محمد القرشي. تحقيق: عبد الفتاح الحلو. دار هجر للطباعة والنشر، ط: الثانية، 1413 هـ. 177 - الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد: يوسف بن الحسن بن عبد الهادي. تحقيق: عبد الرحمن العثيمين. مكتبة الخانجي، القاهرة، ط: الأولى، 1407 هـ. 178 - الجوهرة النيرة: أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي، المطبعة الخيرية، 1322 هـ. 179 - حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: أبو عبد اللَّه شمس الدين ابن قيم الجوزية. مطبوع مع مختصر سنن أبي داود. تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي. دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ. 180 - حاشية ابن قندس على الفروع: تقي الدين أبو بكر بن قندس البعلي. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1424 هـ. 181 - حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين. أبو بكر ابن السيد محمد شطا الدمياطي. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. 182 - حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: البناني. دار الفكر، بيروت. 183 - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: محمد بن عرفة الدسوقي. مطبوع مع الشرح الكبير. دار الفكر، بيروت.
184 - حاشية الرملي على أسنى المطالب: أبو العباس الرملي. مطبوع مع أسنى المطالب. دار الكتاب الإسلامي. 185 - حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع: عبد الرحمن القاسم. ط: السادسة، 1414 هـ. 186 - حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج: الشبراملسي. مطبوع مع نهاية المحتاج. دار الفكر، بيروت، 1404 هـ. 187 - حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: عبد الحميد الشرواني. مطبوع مع تحفة المحتاج. دار إحياء التراث العربي. 188 - حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: شهاب الدين أحمد الشلبي، مطبوع بهامش تبيين الحقائق، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1313 هـ. 189 - حاشية العبادي على الغرر البهية: ابن قاسم العبادي. مطبوع مع الغرر البهية. المطبعة الميمنية. 190 - حاشية العبادي على تحفة المحتاج: ابن قاسم العبادي. مطبوع مع تحفة المحتاج. دار إحياء التراث العربي. 191 - حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي: علي الصعيدي العدوي. مطبوع مع شرح الخرشي. دار الفكر، بيروت. 192 - حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني: علي الصعيدي العدوي. مطبوع مع كفاية الطالب الرباني. دار الفكر، بيروت. 193 - حاشية العطار على شرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع: حسن بن محمد العطار. دار الكتب العلمية، بيروت. 194 - حاشية بجيرمي على الخطيب المسماة (تحفة الحبيب): سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي. دار الفكر، بيروت، مطبعة الحلبي، 1370 هـ. 195 - حاشية بجيرمي على المنهج المسماة (التجريد لنفع العبيد): سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي. دار الفكر العربي، بيروت، مطبعة الحلبي، 1369 هـ. 196 - حاشية درر الحكام شرح غرر الأحكام: محمد بن فراموز الشهير بمولى خسرو. مطبوع مع درر الحكام. دار إحياء الكتب العربية، 1294 هـ. 197 - حاشية عثمان النجدي على منتهى الإرادات: تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1419 هـ. 198 - حاشية عميرة على شرح جلال الدين المحلي على المنهاج: شهاب الدين أحمد البرلسي الملقب بعميرة. مطبوع مع شرح الجلال المحلي. دار إحياء الكتب العربية. 199 - حاشية قليوبي على شرح جلال الدين المحلي على المنهاج: شهاب الدين أحمد ابن أحمد بن سلامة القليوبي. مطبوع مع شرح الجلال المحلي. دار إحياء الكتب العربية.
200 - الحاوي الكبير شرح مختصر المزني: علي بن محمد بن حبيب الماوردي. تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1414 هـ. 201 - الحجة على أهل المدينة: محمد بن الحسن الشيباني. تحقيق: مهدي حسن الكيلاني القادري. عالم الكتب، بيروت، ط: الثالثة، 1403 هـ. 202 - حجية الإجماع وموقف العلماء منه: د/ محمد محمود فرغلي. دار الكتاب الجامعي، 1391 هـ. 203 - الحسبة في الإسلام: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. تحقيق: محمد زهري النجار. منشورات المؤسسة السعيدية، الرياض. 204 - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة: جلال الدين السيوطي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية، ط: الأولى، 1387 هـ. 205 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الرابعة، 1405 هـ. 206 - حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء: سيف الدين أبي بكر محمد الشاشي القفال. تحقيق: د/ ياسين أحمد إبراهيم درادكة. مؤسسة الرسالة، بيروت، دار الأرقم، عمان، ط: الأولى، 1980 م. 207 - الحيوان: أبو عثمان عمرو الجاحظ. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. دار الجيل، بيروت، 1416 هـ. 208 - الخراج: يحيى بن آدم القرشي. المكتبة العلمية، لاهور، باكستان، ط: الأولى، 1974 م. 209 - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: محمد الحبي. دار صادر، بيروت. 210 - خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي: عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن. تحقيق: حمدي السلفي. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1410 هـ. 211 - خلاصة الكلام في تخريج أحاديث بلوغ المرام: خالد بن ضيف اللَّه الشلاحي. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1425 هـ. 212 - الخيار وأثره في العقود: د/ عبد الستار أبو غدة. الكويت، 1405 هـ. 213 - الدر المختار شرح تنوير الأبصار: علاء الدين الحصكفي. مطبوع مع رد المحتار. دار الكتب العلمية، بيروت. 214 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. دار الفكر، بيروت، 1993 م. 215 - الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي: جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الهادي. تحقيق: د/ رضوان مختار بن غريبة. دار المجتمع، جدة، ط: الأولى، 1411 هـ.
216 - دراسة المسائل المتفق عليها بين الأئمة الأربعة من خلال كتاب الإفصاح لابن هبيرة: سارة بنت عبد المحسن بن سعد. رسالة ماجستير مقدمة لقسم الثقافة الإسلامية في جامعة الملك سعود. غير منشورة. 217 - الدراية في تخريج أحاديث الهداية: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم اليماني المدني. دار المعرفة، بيروت. 218 - درر الحكام شرح غرر الأحكام: محمد بن فراموز الشهير بمولى خسرو. دار إحياء الكتب العربية، 1294 هـ. 219 - درر الحكام شرح مجلة الأحكام: علي حيدر. تعريب المحامي: فهمي الحسيني. دار الجيل، بيروت. 220 - الدرر السنية في الأجوبة النجدية: جمع/ عبد الرحمن القاسم. ط: الخامسة، 1413 هـ. 221 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار الكتب الحديثة، 1385 هـ. 222 - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: منصور بن يونس بن إدريس البهوتي. عالم الكتب، بيروت، ط: الثانية، 1996 م. 223 - دلائل الأحكام: بهاء الدين بن شداد. تحقيق: محمد بن يحيى النجيمي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1412 هـ. 224 - دليل الطالب لنيل المطالب: مرعي بن يوسف الكرمي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1389 هـ. 225 - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب: إبراهيم بن علي بن فرحون. دار الكتب العلمية، بيروت. 226 - ذخيرة الحفاظ: محمد بن طاهر المقدسي. تحقيق: د/ عبد الرحمن الفريوائي. دار أضواء السلف، الرياض، ط: الأولى، 1416 هـ. 227 - الذخيرة: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي. تحقيق: محمد حجي. دار الغرب، بيروت، 1994 م. 228 - ذيل طبقات الحنابلة: أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب. دار المعرفة، بيروت، 1372 هـ. 229 - الذيل على الروضتين: أبو شامة المقدسي. طبعة دار الجيل، بيروت، 1974 م. 230 - رحمة الأمة في اختلاف الأئمة: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني. عني بطبعه: عبد اللَّه الأنصاري. طبع على نفقة خليفة آل ثاني أمير قطر، 1401 هـ. 231 - المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار: محمد بن أمين بن عابدين. دار الكتب العلمية، بيروت. 232 - الرسالة: أبو زيد القيرواني، مطبوع مع الفواكه الدواني. دار الفكر، بيروت،
1415 - هـ. 233 - الرسالة: الإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق: أحمد شاكر. طبع مصطفى الحلبي، القاهرة، 1358 هـ. 234 - رفع الإصر عن قضاة مصر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. الهيئة المصرية العامة للمطابع الأميرية، 1961 م. 235 - الروض المربع شرح زاد المستقنع: منصور بن يونس البهوتي. مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، 1390 هـ. 236 - روضة الطالبين وعمدة المفتين: محيي الدين أبو زكريا يحيى النووي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1405 هـ. 237 - روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد: الموفق عبد اللَّه بن أحمد بن قدامة. تحقيق: د/ عبد الكريم النملة. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الثانية، 1414 هـ. 238 - زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن علي الجوزي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثالثة، 1404 هـ. 239 - زاد المعاد في هدي خير العباد: أبو عبد اللَّه بن قيم الجوزية. تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الرابعة عشر، 1407 هـ. 240 - الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري. تحقيق: د/ محمد جبر الألفي. وزارة الأوقاف والشئون الإسلا مية، الكويت، ط: الأولى، 1399 هـ. 241 - الزواجر عن اقتراف الكبائر: ابن حجر الهيتمي. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 242 - سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام: الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني. دار الحديث، مصر، المكتبة العصرية. 243 - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: محمد بن عبد اللَّه بن حميد. تحقيق: بكر أبو زيد وعبد الرحمن العثيمين. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ. 244 - السراج الوهاج على متن المنهاج: محمد الزهري الغمراوي. دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت. 245 - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: أبو الفضل محمد خليل بن علي المرادي. دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، بيروت، ط: الثالثة، 1408 هـ. 246 - سنن ابن ماجه. تحقيق: د/ بشار عواد معروف. دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1418 هـ. 247 - سنن أبي داود. تحقيق: محمد عوامة. دار القبلة، جدة، مؤسسة الريان، بيروت، المكتبة المكية، مكة، ط: الأولى، 1419 هـ.
248 - سنن الدارقطني: أبو عمر علي بن عمر الدارقطني. تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم يماني المدني. دار المعرفة، بيروت، 1386 هـ. 249 - سنن الدارمي: أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي. تحقيق: فواز أحمد زمرلي وخالد السبع. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 250 - السنن الكبرى: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق: محمد عبد القادر عطا. مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ. 251 - السنن الكبرى: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي. تقديم: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1421 هـ. 252 - سنن النسائي المسماة (المجتبى): أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: الثانية، 1406 هـ. 253 - سنن سعيد بن منصور: سعيد بن منصور الخراساني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. الدار السلفية، الهند، ط: الأولى، 1403 هـ. 254 - سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف/ شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الحادية عشرة، 1419 هـ. 255 - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار: محمد بن علي الشوكاني. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 256 - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: محمد بن محمد مخلوف. دار الفكر للطباعة والنشر. 257 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفرج عبد الحي بن العماد. دار الآفاق الجديدة، بيروت. 258 - شرح ابن بطال على صحيح البخاري: أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري. تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الثانية، 1423 هـ. 259 - شرح التلويح على التوضيح: مسعود بن عمر التفتازاني. مكتبة صبيح، مصر. 260 - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: محمد بن عبد الباقي الزرقاني. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1411 هـ. 261 - شرح الزركشي على مختصر الخرقي: أبو عبد اللَّه شمس الدين محمد بن عبد اللَّه الزركشي. تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1423 هـ. 262 - شرح السنة: الحسين بن مسعود البغوي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1403 هـ.
263 - شرح السير الكبير: محمد بن أحمد السرخسي. الناشر: الشركة الشرقية للإعلانات. 264 - الشرح الصغير على مختصر خليل: أبو البركات الدردير. مطبوع مع بلغة السالك. دار المعارف، مصر. 265 - شرح العمدة [كتاب الطهارة]: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية. تحقيق: د/ سعود ابن صالح العطيشان. مكتبة العبيكان، الرياض، ط: الأولى، 1413 هـ. 266 - الشرح الكبير على المقنع: شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. دار هجر، القاهرة، ط: الأولى، 1415 هـ. 267 - الشرح الكبير على مختصر خليل: أبو البركات سيدي أحمد الدردير. دار الفكر، بيروت. 268 - شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير أو المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه: محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار. تحقيق: د/ محمد الزحيلي ود/ نزيه حماد. جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية، ط: الثانية، 1413 هـ. 269 - الشرح الممتع على زاد المستقنع: محمد بن صالح العثيمين. اعتنى به: د/ سليمان أبا الخيل ود/ خالد المشيقح. مؤسسة آسام، الرياض، ط: الأولى. صدر تباعا. 270 - شرح تنقيح الفصول: محمد بن إدريس القرافي. تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد. مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1393 هـ. 271 - شرح جلال الدين المحلي على المنهاج: جلال الدين المحلي. دار الكتب العربية. 272 - شرح حدود ابن عرفة: أبو عبد اللَّه محمد بن قاسم الرصاع. المكتبة العلمية، المطبعة التونسية. 273 - شرح صحيح مسلم: أبو زكريا شرف الدين يحيى النووي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الثانية، 1392 هـ. 274 - شرح مختصر خليل: الخرشي. دار الفكر، بيروت. 275 - شرح مشكل الآثار: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 276 - شرح معاني الآثار: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. تحقيق: محمد زهري النجار. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1399 هـ. 277 - الصحاح: الجوهري. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطا. دار العلم للملايين، بيروت، ط: الثالثة، 1404 هـ. 278 - الصحة والفساد عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي: جبريل بن المهدي ابن علي ميغا آل أسكيا محمد. دار الصابوني، حلب، ط: الأولى، 1418 هـ.
279 - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة. تحقيق: د/ محمد مصطفى الأعظمي. المكتب الإسلامي، بيروت، 1390 هـ. 280 - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري: محمد ناصر الدين الألباني. دار الصديق، الجيل السعودية، ط: الثانية، 1415 هـ. 281 - صحيح الإمام البخاري. اعتنى به: أبو صهيب الكرمي. بيت الأفكار الدولية، 1419 هـ. 282 - صحيح الإمام مسلم. دار ابن حزم، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ. 283 - صفة الصفوة: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. تحقيق: محمود فاخوري ود/ محمد رواس قلعه جي. دار المعرفة، بيروت، ط: الثانية، 1399 هـ. 284 - صفة الفتوى والمفتي والمستفتي: أبو عبد اللَّه أحمد بن حمدان الحراني. تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثالثة، 1397 هـ. 285 - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: شمس الدين بن قيم الجوزية. تحقيق: د/ علي ابن محمد الدخيل اللَّه. دار العاصمة، الرياض، ط: الثالثة، 1418 هـ. 286 - الضعفاء الكبير: أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. دار المكتبة العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1404 هـ. 287 - الضعفاء والمتروكين: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. دار الوعي، حلب، ط: الأولى، 1396 هـ. 288 - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي. منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت. 289 - ضوابط الدراسات الفقهية: سلمان بن فهد العودة. دار الوطن، الرياض، ط: الأولى، 1412 هـ. 290 - طبقات الحفاظ: أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1403 هـ. 291 - طبقات الحنابلة: أبو الحسين محمد بن أبي يعلى. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار المعرفة، بيروت. 292 - الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين بن عبد القادر التميمي. تحقيق: د/ عبد الفتاح الحلو. دار الرفاعي، الرياض، ط: الأولى، 1403 هـ. 293 - طبقات الشافعية الكبرى: تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي. تحقيق: د/ محمود الطناحي ود/ عبد الفتاح محمد الحلو. دار هجر للطباعة والنشر، ط: الثانية، 1413 هـ. 294 - طبقات الشافعية: أبو بكر بن أحمد بن قاضي شهبة. تحقيق: د/ الحافظ عبد
العليم خان. عالم الكتب، بيروت، ط: الأولى. 1407 هـ. 295 - طبقات الشافعية: جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي. تحقيق: عبد اللَّه الجبوري. دار العلوم، الرياض، 1401 هـ. 296 - طبقات الفقهاء الشافعية: تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح. تحقيق: محيي الدين علي نجيب. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الأولى، 1992 م. 297 - طبقات الفقهاء: أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي. تحقيق: خليل الميس. دار القلم، بيروت. 298 - طبقات الفقهاء: أبو الخير أحمد بن مصطفى طاش كبري زاده. مطبعة نينوي، الموصل، ط: الأولى، 1954 م. 299 - الطبقات الكبرى (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم): أبو عبد اللَّه محمد بن سعد بن منيع، تحقيق: زياد محمد منصور. مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: الثانية، 1408 هـ. 300 - الطبقات الكبرى: أبو عبد اللَّه محمد بن سعد بن منيع. دار صادر، بيروت. 301 - طبقات المدلسين: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: د/ عاصم بن عبد اللَّه القريوتي. مكتبة المنار، عمان، ط: الأولى، 1403 هـ. 302 - طبقات المفسرين: أحمد بن محمد الأدنه وي. تحقيق: سليمان بن صالح الخزي. مكتبة العلوم والحكم، السعودية، ط: الأولى، 1417 هـ. 303 - طرح التثريب في شرح التقريب: زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسيني العراقي. دار الفكر العربي. 304 - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: أبو عبد اللَّه شمس الدين ابن قيم الجوزية. مكتبة دار البيان. 305 - طلبة الطلبة في الإصطلاحات الفقهية: نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي. تحقيق: خالد عبد الرحمن العك. دار النفائس، عمان، 1416 هـ. 306 - عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي: أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العربي. تحقيق: جمال المرعشلي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1418 هـ. 307 - العبر في خبر من غبر: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: د/ صلاح الدين المنجد. مطبعة حكومة الكويت، ط: الثانية، 1984 م. 308 - العدة حاشية الصنعاني على إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام: محمد بن إسماعيل الصنعاني. تحقيق: علي بن محمد الهندي. المكتبة السلفية، القاهرة، ط: الثانية، 1409 هـ. 309 - العدة في أصول الفقه: القاضي أبو يعلى. تحقيق: د/ أحمد سير المباركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1410 هـ. 310 - العدة في شرح العمدة: بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1421 هـ.
311 - عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة: جلال الدين عبد اللَّه بن نجم بن شاس. تحقيق: محمد أبو الأجفان وعبد الحفيظ منصور. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1415 هـ. 312 - عقد السلم في الشريعة الإسلامية عرض منهجي مقارن: د/ نزيه حماد. دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط: الأولى، 1414 هـ. 313 - العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: محمد أمين بن عابدين. دار المعرفة، بيروت. 314 - علل الترمذي الكبير: ترتيب أبي طالب القاضي. تحقيق: صبحي السامرائي وأبو المعاطي النوري ومحمود محمد الصعيدي. عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، بيروت، ط: الأولى، 1409 هـ. 315 - علل الحديث: عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: محب الدين الخطيب. دار المعرفة، بيروت، 1405 هـ. 316 - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. تحقيق: خليل الميس. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1403 هـ. 317 - العلل الواردة في الأحاديث النبوية: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني. تحقيق: د/ محفوظ الرحمن السلفي. دار طيبة، الرياض، ط: الأولى، 1405 هـ. 318 - العلل الواردة في الأحاديث النبوية: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني. تحقيق: محمد الدباسي. تكملة الطبعة السابقة. دار ابن الجوزي، الدمام، ط: الأولى، 1427 هـ. 319 - العلل ومعرفة الرجال: الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: د/ وصي اللَّه بن محمد عباس. المكتب الاسلامي، بيروت، دار الخاني، الرياض، ط: الأولى، 1408 هـ. 320 - علماء نجد خلال ثمانية قرون: عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام. دار العاصمة، الرياض، ط: الثانية، 1419 هـ. 321 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: بدر الدين محمود بن أحمد العيني. دار إحياء التراث العربي، بيروت. 322 - العناية على الهداية: محمد بن محمد البابرتي. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 323 - عون المعبود شرح سنن أبي داود: محمد شمس الحق العظيم آبادي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الثانية، 1995 م. 324 - العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي. تحقيق: د/ مهدي المخزومي ود/ إبراهيم السامرائي. دار ومكتبة الهلال. 325 - غاية البيان شرح زبد ابن رسلان: محمد بن أحمد الرملي. دار المعرفة،
بيروت. 326 - غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى: مرعي بن يوسف الكرمي. مطبوع مع مطالب أولي النهى. المكتب الاسلامي، دمشق، ط: الثانية، 1415 هـ. 327 - الغرر البهية شرح البهجة الوردية: زكريا الأنصاري. المطبعة الميمنية. 328 - غريب الحديث: إبراهيم بن إسحاق الحربي. تحقيق: د/ سليمان إبراهيم محمد العايد. جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1405 هـ. 329 - غريب الحديث: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. تحقيق: د/ عبد المعطي أمين القلعجي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 330 - غريب الحديث: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي. تحقيق: عبد الكريم إبراهيم العزباوي. جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1402 هـ. 331 - غريب الحديث: أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي. تحقيق: د/ محمد عبد المعيد خان. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1396 هـ. 332 - غريب الحديث: أبو محمد عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة. تحقيق: د/ عبد اللَّه الجبوري. مطبعة العاني، بغداد، ط: الأولى، 1397 هـ. 333 - الغش وأثره في العقود: د/ عبد اللَّه بن ناصر السلمي. كنوز أشبيليا، الرياض، ط: الأولى، 1425 هـ. 334 - غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد الحموي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 335 - الفائق في غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشري. تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعرفة، لبنان، ط: الثانية. 336 - فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه: تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح. تحقيق: د/ عبد المعطي أمين قلعجي. دار المعرفة، بيروت، ط: الأولى، 1406 هـ. 337 - فتاوى الرملي: شهاب الدين محمد بن أبي العباس الرملى. المكتبة الإسلامية، دار الفكر، بيروت. 338 - الفتاوى الفقهية الكبرى: ابن حجر الهيتمي. المكتبة الإسلامية، دار الفكر، بيروت. 339 - الفتاوى الكبرى: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 340 - الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: الشيخ نظام، وجماعة من علماء الهند، دار الفكر، بيروت، 1411 هـ. 341 - فتح الباري شرح صحيح البخاري: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: محب الدين الخطيب. دار المعرفة، بيروت. 342 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن
رجب. تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض اللَّه. دار ابن الجوزي، الدمام، ط: الثانية، 1422 هـ. 343 - فتح العزيز شرح الوجيز: الرافعي. مطبعة التضامن الأخوي، مصر، الناشر: المكتبة السلفية، المدينة. 344 - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الشهير بعليش. دار المعرفة، بيروت. 345 - فتح القدير: كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام السيواسي. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 346 - فتح المعين بشرح قرة العين: زين الدين بن عبد العزيز المليباري. دار الفكر، بيروت. 347 - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب: زكريا بن محمد الأنصاري. دار الفكر، بيروت. 348 - فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب: سليمان الجمل. مطبوع مع فتح الوهاب. دار الفكر، بيروت. 349 - الفَرق بين الفِرق: عبد القادر البغدادي. تحقيق: محيي الدين عبد الحميد. دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1977 م. 350 - الفروسية: أبو عبد اللَّه محمد ابن قيم الجوزية. تحقيق: مشهور بن حسن بن سلمان. دار الأندلس، حائل، ط: الأولى، 1414 هـ. 351 - الفروع: أبو عبد اللَّه محمد بن مفلح المقدسي. دار عالم الكتب، بيروت، ط: الرابعة، 1405 هـ. 352 - الفروق المسمى (أنوار البروق في أنواء الفروق): أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي. دار عالم الكتب، بيروت. 353 - الفروق: أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي. تحقيق: محمد طموم. الناشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ط: الأولى، 1402 هـ. 354 - الفصول في الأصول: أحمد بن علي الرازي الجصاص. تحقيق: د/ عجيل جاسم النشمي. الناشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ط: الأولى، 1405 هـ. 355 - الفقيه والمتفقه: الخطيب البغدادي. تحقيق: إسماعيل الأنصاري. مصورة دار الكتب العلمية، بيروت. 356 - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي. تحقيق: عبد العزيز القارئ. المكتبة العلمية، المدينة المنورة، 1397 هـ. 357 - الفهرست: أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم. دار المعرفة، بيروت، 1398 هـ. 358 - الفوائد البهية في تراجم الحنفية: أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي.
تحقيق: د/ محمد النعساني. دار المعرفة، بيروت. 359 - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: محمد بن علي الشوكاني. تحقيق: عبد الرحمن ابن يحيى المعلمي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثالثة، 1407 هـ. 360 - فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: عبد العلي محمد نظام الدين. مطبوع مع المستصفى. المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1324 هـ. 361 - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي. دار الفكر، بيروت، 1415 هـ. 362 - فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي. المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط: الأولى، 1356 هـ. 363 - القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: السادسة، 1419 هـ. 364 - القبس في شرح موطأ مالك: أبو بكر بن العربي. تحقيق: د/ محمد عبد اللَّه ولد كريم. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1992 م. 365 - القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية: محمد بن طولون الصالحي. تحقيق: محمد أحمد دهمان. مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، ط: الثانية. 366 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. دار الكتب العلمية، بيروت. 367 - القواعد: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي. دار الكتب العلمية، بيروت. 368 - القوانين الفقهية: محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي. 369 - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: أبو عبد اللَّه الذهبي. تحقيق: محمد عوامة. دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علو، جدة، ط: الأولى، 1413 هـ. 370 - الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل: أبو محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي. المكتب الإسلامي، بيروت. 371 - الكافي في فقه أهل المدينة: أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر القرطبي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 372 - الكامل في ضعفاء الرجال: أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي الجرجاني. تحقيق: يحيى مختار غزاوي. دار الفكر، بيروت، ط: الثالثة، 1409 هـ. 373 - كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الفقهية: د/ عبد الوهاب أبو سليمان. دار الشروق، جدة، ط: الأولى، 1413 هـ. 374 - كشاف القناع على متن الإقناع: منصور بن يونس البهوتي. تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال. دار الفكر، بيروت، 1402 هـ. 375 - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد
البخاري. دار الكتاب الإسلامي. 376 - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: إسماعيل بن محمد العجلوني. تحقيق: أحمد القلاش. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الرابعة، 1405 هـ. 377 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: مصطفى بن عبد اللَّه القسطنطيني الرومي. دار الكتب العلمية، بيروت، 1413 هـ. 378 - كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات: عبد الرحمن البعلي. تحقيق: محمد بن ناصر العجمى. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الأولى، 1423 هـ. 379 - الكشف والبيان في تفسير القرآن: أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي. تحقيق: أبو محمد بن عاشور. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الأولى، 1422 هـ. 380 - كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار: تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصيني. تحقيق: علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان. دار الخير، دمشق، ط: الأولى، 1994 م. 381 - كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني: أبو الحسن علي بن محمد المنوفي. دار الفكر، بيروت. 382 - الكليات: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي. تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري. مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ. 383 - الكنى جزء من التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري. مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية بعاصمة الدولة الآصفية، حيدر آباد الدكن، ط: الأولى، 1360 هـ. 384 - كنز الدقائق: حافظ الدين النسفي. مطبوع مع تبيين الحقائق، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1313 هـ. 385 - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة: أبو المكارم محمد بن محمد العامري الغزي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1418 هـ. 386 - اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: جمال الدين أبو محمد علي المنبجي. تحقيق: د/ محمد فضل عبد العزيز المراد. دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط: الثانية، 1414 هـ. 387 - اللباب في تهذيب الأنساب: أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني الجزري. دار صادر، بيروت، 1400 هـ. 388 - لسان الحكام في معرفة الأحكام: إبراهيم بن أبي اليمن محمد الحنفي. مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، ط: الثانية، 1393 هـ. 389 - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي. دار صادر، بيروت، ط: الأولى.
390 - لسان الميزان: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، مصورة عن دائرة المعارف النظامية، الهند، ط: الثالثة، 1406 هـ. 391 - اللمع في أصول الفقه: أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 392 - المبدع في شرح المقنع: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح. المكتب الإسلامي، بيروت، 1400 هـ. 393 - المبسوط: شمس الدين السرخسي، دار المعرفة، بيروت، 1409 هـ. 394 - المبسوط: محمد بن الحسن الشيباني. تحقيق: أبو الوفا الأفغاني. إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي. 395 - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: محمد بن حبان بن أبي حاتم البستي. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. دار الوعي، حلب، ط: الأولى، 1396 هـ. 396 - مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: أحمد بن عبد اللَّه القادري. تحقيق: د/ عبد الوهاب أبو سليمان ود/ محمد إبراهيم أحمد علي. الناشر مطبوعات تهامة، جدة، ط: الأولى، 1410 هـ. 397 - مجلة الأحكام العدلية: مجموعة من العلماء بإشراف جمعية المجلة. تحقيق: نجيب هواويني. دار النشر: كارخانه تجارت كتب. 398 - مجلة الحكمة: تصدر من بريطانيا، نصف سنوية. العدد الثلاثون. محرم، 1426 هـ. 399 - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي المعروف بشيخي زاده. دار إحياء التراث العربي. 400 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: علي بن أبي بكر بن حجر الهيثمي. دار الريان للتراث/ دار الكتاب العربي، القاهرة، بيروت، 1407 هـ. 401 - مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي. دار الكتاب الإسلامي، 1803 م. 402 - المجموع شرح المهذب: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي. المطبعة المنيرية. 403 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع/ عبد الرحمن القاسم وابنه محمد. طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416 هـ. 404 - مجموعة الرسائل والمسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأول، 1403 هـ. 405 - المحرر في الفقه: مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية. مكتبة المعارف، الرياض، ط: الثانية، 1404 هـ. 406 - المحصول في أصول الفقه: فخر الدين محمد بن عمر الرازي. تحقيق: د/ طه
جابر العلواني. جامعة الإمام، الرياض، ط: الأولى، 1399 هـ. 407 - المحكم والمحيط الأعظم: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده. تحقيق: عبد الحميد هنداوي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 2000 م. 408 - المحلى: علي بن أحمد بن حزم الظاهري. دار الفكر، بيروت. 409 - مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر الرازي. اعتنى به: يوسف الشيخ محمد. المكتبة العصرية، بيروت، ط: الثالثة، 1418 هـ. 410 - مختصر ابن الحاجب: أبو عمرو جمال الدين بن عمر بن الحاجب. مطبوع مع شرحه بيان المختصر. معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي. جامعة أم القرى. 411 - مختصر اختلاف العلماء للطحاوي: أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي. تحقيق: عبد اللَّه نذير أحمد. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ. 412 - مختصر الخرقي من مسائل الإمام أحمد بن حنبل: أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي. تحقيق: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثالثة، 1403 هـ. 413 - مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم: محمد الموصلي. مصورة رئاسة إدارة البحوث العلمية، الرياض. 414 - مختصر الفتاوى المصرية: بدر الدين أبو عبد اللَّه محمد بن علي البعلي. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار ابن القيم، الدمام، ط: الثانية، 1406 هـ. 415 - مختصر المزني: المزني. مطبوع بعد كتاب الأم للشافعي. دار المعرفة، بيروت. 416 - مختصر خلافيات البيهقي: أحمد بن فرح اللخمي. تحقيق: د/ ذياب عبد الكريم عقل وإبراهيم الخضير. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1417 هـ. 417 - مختصر سنن أبي داود: المنذري. تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي. دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ. 418 - مختصر طبقات الحنابلة: محمد جميل الشطي. تحقيق: فواز الزمرلي. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1406 هـ. 419 - المختصر: ابن عرفة، مطبوع مع شرح حدود ابن عرفة. المكتبة العلمية، المطبعة التونسية. 420 - المداينة: محمد بن صالح العثيمين. دار الوطن، الرياض. 421 - المدخل الفقهي العام: مصطفى الزرقا. دار القلم، دمشق. ط: الأولى، 1418 هـ. 422 - المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب: بكر بن عبد اللَّه أبو زيد. دار العاصمة، الرياض، ط: الأولى، 1417 هـ.
423 - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل: عبد القادر بن بدران الدمشقي. تحقيق: د/ عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية، 1401 هـ. 424 - مدونة الفقه المالكي وأدلته: د/ الصادق عبد الرحمن الغرياني. مؤسسة الريان، بيروت، الأولى، 1423 هـ. 425 - المدونة الكبرى: الإمام مالك بن أنس. دار الكتب العلمية، بيروت. 426 - مذكرة أصول الفقه: محمد الأمين الشنقيطي. المكتبة السلفية. 427 - المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1423 هـ. 428 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: أبو محمد عبد اللَّه بن أسعد اليافعي. دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1413 هـ. 429 - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات: ابن حزم الظاهري. عناية: حسن أحمد إسبر. دار ابن حزم، بيروت، ط: الأولى، 1419 هـ. 430 - المراسيل: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 431 - المراسيل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. تحقيق: شكر اللَّه نعمة اللَّه قوجاني. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1397 هـ. 432 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي بن سلطان محمد القاري. تحقيق: جمال عيتاني. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1422 هـ. 433 - مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح. تحقيق: د/ فضل الرحمن دين محمد. الدار العلمية، الهند، 1408 هـ. 434 - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد اللَّه. تحقيق: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1401 هـ. 435 - المسائل عن إمامي أهل الحديث أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، رواية إسحاق بن منصور الكوسج. تحقيق: طلعت فؤاد الحلواني. الناشر دار الفاروق، القاهرة، ط: الأولى، 1426 هـ. 436 - المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية: د/ سعد بن ناصر الشتري. دار العاصمة، دار الغيث، الرياض، ط: الأولى، 1418 هـ. 437 - المسالك في شرح موطأ مالك: أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العربي. تحقيق: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين السليماني. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1428 هـ. 438 - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1411 هـ.
439 - المستصفى من علم الأصول: أبو حامد محمد الغزالي. المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1322 هـ. 440 - مسلم الثبوت: محب الدين بن عبد الشكور. مطبوع مع شرحه فواتح الرحموت بهامش المستصفى. المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1322 هـ. 441 - مسند أبي داود سليمان الطيالسي. دار المعرفة، بيروت. 442 - مسند أبي يعلى الموصلي. تحقيق: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث، دمشق، ط: الأولى، 1404 هـ. 443 - مسند الإمام أحمد بن حنبل. المشرف العام على الطباعة: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، صدرت تباعا. 444 - مسند الإمام الشافعي. دار الكتب العلمية، بيروت. 445 - المسند: أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. دار الكتب العلمية، بيروت، مكتبة المتنبي، القاهرة. 446 - المسودة في أصول الفقه: عبد السلام وعبد الحليم وأحمد من آل تيمية. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. المدني، القاهرة. 447 - مشارق الأنوار على صحاح الآثار: القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي. المكتبة العتيقة، ودار التراث. 448 - مشاهير علماء الأمصار: أبو أحمد محمد بن حبان البستي. تحقيق: م/ فلايشهمر. دار الكتب العلمية، بيروت، 1959 م. 449 - مشكل الآثار: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، دار الكتب العلمية، بيروت، 1333 هـ. 450 - المصاحف: عبد اللَّه بن سليمان بن الأشعث بن أبي داود. تحقيق: د/ محب الدين عبد السبحان واعظ. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الثانية، 1423 هـ. 451 - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري. تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي. دار العربية، بيروت، ط: الثانية، 1403 هـ. 452 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: أحمد بن محمد الفيومي. اعتنى به: يوسف الشيخ محمد. المكتبة العصرية، بيروت، ط: الثانية، 1418 هـ. 453 - المصنف: أبو بكر عبد اللَّه بن أبي شيبة. تحقيق: حمد الجمعة، محمد اللحيدان. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1425 هـ. 454 - المصنف: أبو بكر عبد اللَّه بن أبي شيبة. دار الفكر، بيروت، 1414 هـ. وهي المعتمدة عند الباحث. 455 - المصنف: عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1403 هـ. 456 - مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى: مصطفى السيوطي الرحيباني. المكتب الإسلامي، دمشق، ط: الثانية، 1415 هـ.
457 - المطلع على أبواب الفقه: أبو عبد اللَّه محمد بن أبي الفتح البعلي. تحقيق: محمد بشير الأدلبي. المكتب الإسلامي، بيروت، 1401 هـ. 458 - معالم أصول الفقه عند أهل السنة الجماعة: د/ محمد بن حسين الجيزاني. دار ابن الجوزي، الدمام، ط: الأولى، 1416 هـ. 459 - معالم التنزيل: أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي. تحقيق: خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار. دار المعرفة، بيروت، ط: الأولى، 1406 هـ. 460 - معالم السنن: أبو سليمان الخطابي. تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي. مطبوع مع مختصر سنن أبي داود. دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ. 461 - معالم القربة في معالم الحسبة: محمد بن أحمد بن الأخوة القرشي. دار الفنون، كمبردج. 462 - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار: أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي. عالم الكتب، بيروت، مكتبة المتنبي، القاهرة، مكتبة سعد الدين، دمشق. 463 - المعتمد في أصول الفقه: أبو الحسين البصري. تحقيق: محمد حميد اللَّه. الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1385 هـ. 464 - معجم الأدباء: أبو عبد اللَّه ياقوت الحموي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1411 هـ. 465 - المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق: طارق بن عوض اللَّه وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. دار الحرمين، القاهرة، 1415 هـ. 466 - معجم البلدان: أبو عبد اللَّه ياقوت بن عبد اللَّه الحموي. دار الفكر، بيروت. 467 - معجم الشيوخ: محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: محمد الحبيب الهيلة. مكتبة الصديق، الطائف، ط: الأولى، 1408 هـ. 468 - معجم الصحابة: أبو الحسين عبد الباقي بن قانع. تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي. مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، ط: الأولى، 1418 هـ. 469 - المعجم الصغير المسمى (الروض الداني): سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير. المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، عمان، ط: الأولى، 1405 هـ. 470 - المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي. مكتبة الزهراء، الموصل، ط: الثانية، 1404 هـ. 471 - معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة. دار إحياء التراث العربي. مكتبة المتنبي. 472 - معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء: د/ نزيه حماد. الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط: الثالثة، 1415 هـ. 473 - المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار. مجمع اللغة العربية. دار الدعوة.
474 - معجم لغة الفقهاء: د/ محمد رواس قلعه جي. دار النفائس، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ. 475 - معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس. تحقيق: عبد السلام هارون. دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1411 هـ. 476 - معرفة السنن والآثار عن الإمام الشافعي: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق: سيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية، بيروت. 477 - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار: أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط وصالح مهدي عباس. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1404 هـ. 478 - المعلم بفوائد مسلم: أبو عبد اللَّه محمد المازري. تحقيق: محمد الشاذلي النيفر. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1992 م. 479 - معونة أولي النهى شرح المنتهى: محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار. تحقيق: عبد الملك بن دهيش. دار خضر، بيروت، ط: الأولى، 1415 هـ. 480 - المعونة على مذهب عالم المدينة: القاضي عبد الوهاب البغدادي. تحقيق: حميش عبد الحق. المكتبة التجارية، مكة المكرمة. 481 - معين الحكام: أبو الحسن علاء الدين علي بن خليل الطرابلسي. دار الفكر، بيروت. 482 - المغرب في ترتيب المعرب: أبو المكارم ناصر بن عبد السيد المطرزي. دار الكتاب العربي. 483 - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: محمد الخطيب الشربيني. دار الكتب العلمية، بيروت. 484 - المغني شرح مختصر الخرقي: الموفق أبو محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي. تحقيق: عبد اللَّه التركي وعبد الفتاح الحلو. دار هجر، مصر، ط: الأولى، 1410 هـ. 485 - المغني عن الحفظ والكتاب: أبو حفص عمر بن بدر الموصلي. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1407 هـ. 486 - المغني عن حمل الأسفار: أبو الفضل العراقي. تحقيق: أشرف عبد المقصود. مكتبة طبرية، الرياض، ط: الأولى، 1415 هـ. 487 - المغني في الضعفاء: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: د/ نور الدين عتر. بيروت. 488 - مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: فخر الدين محمد بن عمر الرازي. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1421 هـ. 489 - مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني. تحقيق: صفوان عدنان داوودي. دار القلم، دمشق، ط: الثالثة، 1423 هـ.
490 - المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم: أبو العباس أحمد القرطبي. تحقيق: محيي الدين مستو ويوسف بديوي وأحمد السيد ومحمود بزال. دار الكلم الطيب، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط: الأولى، 1417 هـ. 491 - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي. تحقيق: محمد عثمان الخشت. دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 492 - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: أبو الحسن علي الأشعري. تصحيح: هلموت ريتر. دار فرانز، ط: الثالثة، 1400 هـ. 493 - المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات. أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد. تحقيق: د/ محمد حجي. دار الغرب الإسلامي، ط: الأولى، 1408 هـ. 494 - مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. دار القلم، بيروت، ط: الخامسة، 1984 م. 495 - مقدمة جامع الترمذي: أحمد شاكر. دار الكتب العلمية، بيروت. 496 - مقدمة كتاب تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام لمحمد بن عبد الرحمن اللكنوي: د/ وصي اللَّه عباس. دار القبس، الرياض، ط: الثانية، 1428 هـ. 497 - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد: برهان الدين إبراهيم بن محمد ابن مفلح. تحقيق: د/ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1410 هـ. 498 - المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني: الموفق عبد اللَّه بن محمد بن قدامة. مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، 1400 هـ. 499 - مكمل إكمال الإكمال: أبو عبد اللَّه محمد السنوسي الحسيني. مطبوع مع إكمال الإكمال المعلم. دار الكتب العلمية، بيروت. 500 - الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. تحقيق: محمد سيد كيلاني. دار المعرفة، بيروت، 1404 هـ. 501 - منادمة الأطلال ومسامرة الخيال: عبد القادر بن بدران. تحقيق: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية، 1985 م. 502 - منار السبيل في شرح الدليل: إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان. تحقيق: عصام القلعجي. مكتبة المعارف، الرياض، ط: الثانية، 1405 هـ. 503 - مناقب الشافعي: البيهقي. تحقيق: أحمد صقر. دار التراث، القاهرة، ط: الأولى، 1393 هـ. 504 - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي. دار
صادر، بيروت، ط: الأولى، 1358 هـ. 505 - المنتقى شرح موطأ الإمام مالك: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي. دار الكتاب الإسلامي. 506 - المنتقى من أخبار المصطفى (: مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار المعرفة، بيروت. 507 - المنتقى من السنن المسندة: عبد اللَّه بن علي بن الجارود. تحقيق: عبد اللَّه عمر البارودي. مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، ط: الأولى، 1408 هـ. 508 - منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات: محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1421 هـ. 509 - المنثور في القواعد الفقهية: أبو عبد اللَّه محمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: تيسير فائق أحمد محمود. الناشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ط: الثانية، 1405 هـ. 510 - منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل: محمد عليش. دار الفكر، بيروت، 1409 هـ. 511 - منح الشفا الشافيات في شرح المفردات: منصور بن يونس البهوتي. تصحيح: عبد الرحمن حسن محمود. المؤسسة السعيدية، الرياض. 512 - منحة الخالق على البحر الرائق: محمد أمين بن عابدين. مطبوع مع البحر الرائق. دار الكتاب الإسلامي، ط: الثانية. 513 - المنخول من تعليقات الأصول: أبو حامد محمد الغزالي. تحقيق: د/ محمد هيتو. دار الفكر، بيروت. 514 - منهاج الطالبين: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. مطبوع مع مغني المحتاج. دار الكتب العلمية، بيروت. 515 - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد: عبد الرحمن بن محمد العليمي. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ط: الأولى، 1383 هـ. 516 - منهج البحث في الفقه الإسلامي خصائصه ونقائصه: د/ عبد الوهاب أبو سليمان. دار ابن حزم، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ. 517 - المهذب في أصول الفقه المقارن: د/ عبد الكريم بن علي النملة. مكتبة الرشد، الرياض، ط: الأولى، 1420 هـ. 518 - المهذب في فقه الإمام الشافعي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. دار الفكر، بيروت. 519 - المهذب في فقه الإمام الشافعي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. مطبوع مع المجموع. المطبعة المنيرية. وهذه الطبعة هي المرادة في البحث عند الاطلاق.
520 - الموافقات: إبراهيم بن موسى الشاطبي. تحقيق: عبد اللَّه دراز. دار المعرفة، بيروت. 521 - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب. دار الفكر، بيروت، ط: الثانية، 1398 هـ. 522 - موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي. سعدي أبو جيب. دار الفكر، بيروت، ط: الثالثة، 1419 هـ. 523 - موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية: عبد اللَّه بن مبارك البوصي. مكتبة دار البيان الحديثة، الطائف، ط: الثانية، 1421 هـ. 524 - الموسوعة الفقهية الكويتية: بإشراف وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت. تصدر تباعا. 525 - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: إشراف وتخطيط ومراجعة/ مانع بن حماد الجهني. الناشر دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، ط: الثالثة، 1418 هـ. 526 - الموطأ: الإمام مالك بن أنس. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1406 هـ. 527 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1995 م. 528 - النبذ في أصول الفقه: علي بن أحمد بن حزم. تحقيق: محمد الحمود. مكتبة الذهبي، الكويت، ط: الأولى، 1410 هـ. 529 - نتائج الأفكار تكملة فتح القدير على الهداية: شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده. مطبوع بعد فتح القدير. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1408. 530 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي. المؤسسة المصرية العامة. 531 - نصب الراية لأحاديث الهداية: أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف الزيلعي. تحقيق: محمد يوسف البنوري. دار الحديث، مصر، 1357 هـ. 532 - نظرة في الإجماع الأصولي: د/ عمر الأشقر. دار النفائس، الكويت، ط: الأولى، 1410 هـ. 533 - نظرية العقد: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية. دار المعرفة، بيروت. 534 - النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل: محمد الغزي العامري. تحقيق: محمد مطيع ونزار أباظة. دار الفكر، دمشق، 1402 هـ. 535 - نفح الطيب من عصن الأندلس الرطيب: أحمد بن محمد المقري التلمساني. تحقيق: إحسان عباس. دار صادر، بيروت، 1388 هـ. 536 - النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر: شمس الدين محمد بن مفلح
المقدسي. مكتبة المعارف، الرياض، ط: الثانية، 1404 هـ. 537 - نهاية الزين في إرشاد المبتدئين: أبو عبد المعطي محمد بن عمر الجاوي. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى. 538 - نهاية السول شرح منهاج البيضاوي: الإسنوي. مطبعة علي صبيح. 539 - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: شمس الدين محمد بن أبي العباس الرملي. دار الفكر، بيروت، 1404 هـ. 540 - النهاية في غريب الحديث والأثر: أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير. تحقيق: طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحي. المكتبة العلمية، بيروت، 1399 هـ. 541 - نوادر الفقهاء: محمد بن الحسن الجوهري. تحقيق: د/ محمد فضل عبد العزيز المراد. دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط: الأولى، 1414 هـ. 542 - النور السافر عن أخبار القرن العاشر: عبد القادر بن شيخ العيدروسي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ. 543 - نيل الإبتهاج بتطريز الديباج: أحمد بن أحمد التنبكتي. دار الكتب العلمية، بيروت. 544 - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار: محمد بن علي الشوكاني. دار الحديث، مصر، ط: الأولى، 1413 هـ. 545 - نيل الوطر في تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر: محمد زبادة اليمني الصنعاني. المطبعة السلفية، القاهرة، 1348 هـ. 546 - الهداية شرح بداية المبتدي: أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني. مطبوع مع العناية وفتح القدير. دار الفكر، بيروت، ط: الأولى، 1408. 547 - هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون: إسماعيل بن محمد أمين سليم البغدادي. دار الكتب العلمية، بيروت، 1413 هـ. 548 - الواضح في أصول الفقه: أبو الوفاء علي بن عقيل. تحقيق: د/ عبد اللَّه التركي. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1420 هـ. 549 - الوافي بالوفيات: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي. تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى. دار إحياء التراث، بيروت، 1420 هـ. 550 - وبل الغمام على شفاء الأوام: محمد بن علي الشوكاني. تحقيق: محمد صبحي حلاق. مكتبة ابن تيمية، القاهرة، توزيع مكتبة العلم، جدة، ط: الأولى، 1416 هـ. 551 - الوسيط في المذهب: أبو حامد محمد الغزالي. تحقيق: أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر. دار السلام، القاهرة، ط: الأولى، 1417 هـ. 552 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن خلكان. تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة، لبنان.
سلسلة الرسائل الجامعية (68) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [3] مسائل الإجماع في أبواب النكاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًّا. • وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: • فقد خلف أئمتنا ثروة علمية هائلة، جمعوا فيها أقوال أئمة الإسلام في شتى أنواع العلوم، ومن هذه العلوم علم الفقه؛ حيث ظهر العديد من المؤلفات التي جمعت الفقه، وبينت الأدلة التي استندت إليها مسائله، فقد يكون دليل المسألة من القرآن أو من السنة أو الإجماع، إلى غير ذلك من الأدلة المعتبرة عند أئمتنا، وقد يشهد لأحكام هذه المسائل عدد من الأدلة. • والمتأمل في ما اعتبره الأئمة من الأدلة، يجد أنهم جعلوا القرآن الدليل الأول في الاعتبار، ثم السنة، ثم الإجماع. • ولحرصهم على بيان الإجماع فهم يذكرون المسألة، ثم يذكرون الأدلة التي استندت إليها هذه المسألة، فإن كان دليلها من الإجماع، ذكروا ذلك، سواء كان هذا الإجماع من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، أو ممن جاء بعدهم من الأئمة. • ثم إن نقل الإجماع وحكايته يختلف باختلاف الأئمة في بعض مسائل الفقه، فقد ينص أحدهم على أن هذا القول مجمع عليه، وقد يخالفه آخر فيحكي الخلاف في هذه المسألة بعينها. • ولما كانت مسائل الإجماع كثيرة جدًّا بحيث لا يستطيع باحث أن يجمعها كلها لتكون أطروحته في مرحلة من مراحل التعليم العالي؛ رأيت أن يكون مجال بحثي في أبواب النكاح ليكون عنوان رسالتي: (مسائل الإجماع في النكاح وأبوابه، جمعًا
ثانيا: أهمية الموضوع وأسباب اختياره
ودراسة). • وذلك أن مجموعة من الزملاء تقدموا برسائل تبحث مسائل الإجماع من أول أبواب الفقه إلى ما قبل مجال بحثي، فأردت أن أكمل هذا العقد بجعل مجال بحثي فيما بعد ذلك من مسائل؛ وفقًا للمشروع الذي أعده أعضاء هيئة التدريس بمسار الفقه وأصوله في جمع ودراسة مسائل الإجماع في الفروع الفقهية. ثانيًا (*): أهمية الموضوع وأسباب اختياره: • تظهر أهمية هذا الموضوع من خلال النقاط التالية: 1 - أن الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها، مما يعنى أهميته ومكانته في الفقه الإسلامي. 2 - أن إظهار مسائل الإجماع التي وقع الاتفاق عليها بين المسلمين يقلل من التعصب المذهبي الذي وقع بين أتباع المذاهب، ويظهر جانبًا من وجوه الاتفاق التي وقعت بينهم؛ فيكون ذلك سببًا للتأليف بين قلوب المسلمين. 3 - كثرة مسائل الإجماع المبثوثة في كتب أئمة المسلمين، وقلة المؤلفات التي جمعت هذه المسائل ودرستها دراسة علمية وافية؛ من أجل ذلك أردت أن أسهم في جمع ودراسة مسائل الإجماع في أبواب النكاح التي هي مجال بحثي. 4 - أن البحث في مسائل النكاح بالنظر في ما أجمع الأئمة كليه من مسائل له أهمية قصوى لدى المسلمين؛ لتعلقه بنواحي حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. ثالثًا: الدراسات السابقة: • عند الرجوع إلى ما أصدرته المراكز المتخصصة في البحث العلمي من فهارس تشمل ما سجل لديها من موضوعات مثل مؤسسة الملك فيصل الخيرية، ومكتبة الملك فهد الوطنية، وعند النظر في ما أصدرته الجامعات في المملكة من فهارس وما سجل لديها من رسائل علمية، تم الاطلاع على بعض الدراسات التي تحدثت عن الإجماع من حيث العموم. • وكان التأليف في هذه الدراسات وفق منهجين: المنهج الأول: بحوث في إلاجماع من وجهة نظر أصولية، والحديث عن هذا
1 - موسوعة الإجماع، لسعدي أبو جيب
الجانب مبثوث في جميع كتب أصول الفقه القديمة والحديثة. المنهج الثاني: بحوث في الإجماع جمعت بين الجانب الأصولي بإشارات بسيطة، وبين الجوانب الفقهية، إلا أن هذه البحوث لم تكن جامعة لمسائل الإجماع بالصورة التي سيكون عليها هذا البحث، ومن هذه البحوث: 1 - موسوعة الإجماع، لسعدي أبو جيب: • وهذا الكتاب عبارة عن جمع لمسائل الإجماع من خلال فئة يسيرة من المؤلفات، فلم يكن جمعه لمسائل الإجماع إلا من خلال ستة عشر كتابًا فقط (¬1)، ولم يستوعب كتب المذاهب، فلم يذكر أي كتاب من كتب الحنفية سوى "شرح معاني الآثار" للطحاوي، مع قلة الإجماعات الواردة فيه. • ثم إن المؤلف لم يكن له إلا الجمع فقط دون مناقشة أو إبداء رأي في هذه المسائل التي جمعها، والمحافظة على النص الأصلي للعلماء السابقين، كما قال في مقدمته (¬2)، ولم يذكر مستندًا للإجماع، أو ما قد يكون من خلاف لما حكاه في المسائل التي ادُّعِيَ فيها الإجماع، وهذا هو منهجه في كتابه عمومًا، سواء ما كان يتعلق بمسائل الإجماع في أبواب النكاح أو غيرها من الأبواب. 2 - موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد اللَّه البوصي: • وهذا الكتاب عبارة عن جمع لما حكاه ابن تيمية من إجماعات، دون أي تعليق أو مناقشة، وليس فيه ذكر لمستند الإجماع، أو بيان خلاف لما حكاه من الإجماع. 3 - الإجماع لابن عبد البر، جمعه فؤاد الشلهوب، وعبد الوهاب الشهري: وهو عبارة عن جمع لما حكاه ابن عبد البر من إجماعات من خلال كتابه التمهيد، دون أي تعليق أو نقاش، وهذا الكتاب يقال عنه ما قيل عن الكتابين السابقين. ¬
4 - الإجماع عند الأصوليين دراسة وتطبيقا على المسائل التي حكى فيها ابن قدامة الإجماع والتي نفى علمه بالخلاف من كتاب المغني، من أول كتاب العدد إلى نهاية كتاب الجراح
4 - الإجماع عند الأصوليين دراسة وتطبيقًا على المسائل التي حكى فيها ابن قدامة الإجماع والتي نفى علمه بالخلاف من كتاب المغني، من أول كتاب العدد إلى نهاية كتاب الجراح (¬1): رسالة ماجستير في أصول الفقه، قُدمت في كلية الشريعة بجامعة أم القرى، قدمها الطالب عبد الوهاب بن عايد الأحمدي. ويلاحظ على هذه الرسالة ما يأتي: أ - أنها رسالة في أصول الفقه، إذ بلغت الدراسة الأصولية أكثر من نصف الرسالة، ثم قام الباحث بتطبيق دراسته للإجماع من جانب أصولي على بعض أبواب الفقه من كتاب العدد إلى كتاب الجراح، كما هو واضح من عنوان الرسالة. ب - أن الباحث ذكر في منهجه أنه لن يقوم بدراسة ما ذكره ابن قدامة عن غيره من العلماء من حكايتهم للإجماع، وسيقتصر على ما نص عليه ابن قدامة فقط من مسائل الإجماع. ت - أن هذه الرسالة جمعت مسائل الإجماع من خلال كتاب واحد فقط. 5 - المسائل التي حكى النووي فيها الإجماع في فقه الأسرة: بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء، قدمه الطالب تركي بن عبد العزيز آل الشيخ. ويلاحظ على هذه الرسالة ما يأتي: أ - أنها اقتصرت على ما ذكره النووي من الإجماعات من خلال شرح صحيح مسلم. ب - أن الباحث لا يذكر دليلًا للمخالف إن كانت حكاية الإجماع غير صحيحة. ت - لا يذكر الباحث مراجع لبقية المذاهب إذا كان الإجماع صحيحًا، ويكتفي بقوله: لم أجد مخالفًا على صحة الإجماع. ث - أن هذه الرسالة من خلال كتاب واحد فقط، وهو غير معتمد لدينا، فيما رأت ¬
رابعا: أهداف البحث
اللجنة الخاصة بإعداد هذا المشروع. • أما هذا البحث فيختلف عما سبقه من دراسات؛ حيث سيكون جمعًا ودراسة لمسائل الإجماع في أبواب النكاح، وما يتبع ذلك من أبواب، وذلك من خلال النظر في الكتب المعتمدة -وهي ثلاثون كتابًا، سيأتي ذكرها- لاستقراء مسائل الإجماع في هذه الأبواب. • ويظهر من خلال ما كتب في هذا الموضوع أنه لم يُتطرق للحديث عن الإجماع في أبواب النكاح وما يتبع ذلك من أبواب، حسب ما هو عليه مجال هذا البحث. • وما يتميز به هذا البحث عن غيره من الدراسات السابقة فسيأتي ذكرها في إجراءات الدراسة. رابعًا: أهداف البحث: • تتلخص أهداف البحث فيما يلي: 1 - جمع مسائل الإجماع في أبواب النكاح وما يتبعها من أبواب، ثم دراستها دراسة علمية وافية للخروج بنتائج، من أهمها: معرفة وقوع الإجماع من عدمه في هذه المسائل. 2 - بيان مستند الإجماع في مسائل أبواب البحث، وما مدى سلامته من المخالفة. 3 - رسَخَ عند كثير من الناس أن الفقه ما هو إلا خلافات بين فقهاء الشريعة، فأردت أن أبين من خلال جمع مسائل الإجماع ودراستها، أن هناك جوانب اتفاق كثيرة بين الفقهاء في جميع أبواب الفقه؛ ومن ذلك أبواب النكاح، وما يتبعها من أبواب. 4 - تكوين حصيلة علمية مناسبة، ومعرفة للغة الفقهاء، وذلك بالاطلاع على هذا العدد الوفير من مسائل الإجماع الواردة في كتب الفقه في شتى المذاهب. 5 - تسهيل وصول الباحثين من المتخصصين وغيرهم إلى مواضع الإجماع في الفقه الإسلامي عمومًا، وفي النكاح وأبوابه على وجه الخصوص.
خامسا: أسئلة البحث
خامسًا: أسئلة البحث: • سيجيب البحث بإذن اللَّه تعالى عن عدة أسئلة منها: س - ما هي مسائل الإجماع التي وقع فيها الاتفاق بين العلماء في أبواب النكاح، والصداق، والخلع، والطلاق، والرضاع، والظهار. . . . .؟ س - ما هي جوانب الاتفاق التي وقعت بين الفقهاء في المسائل المتعلقة بالنكاح وأبوابه؟ س - ما هي مصادر البحث في مسائل الإجماع بين الفقهاء؟ س - ما هي الطريقة المناسبة للوصول إلى مواضع الإجماع في كتب العلماء؟ س - ما هو مستند الإجماع في مسائل البحث؟ س - ما مدى سلامة الإجماع في مسائل البحث من المخالفة والانتقاد؟ سادسًا: حدود الدراسة: • سيكون موضوع البحث جمعًا لمسائل الإجماع من أول باب النكاح حتى آخر باب الحضانة، وما يتبع ذلك من بحث لمسائل الإجماع في اللقيط، والعتق، والتدبير، والكتابة، وأمهات الأولاد (¬1)، ثم دراستها للخروج بنتائج في هذا الموضوع، وذلك وفقًا للترتيب الفقهي لدى الحنابلة (¬2)؛ وهي على النحو التالي: النكاح، الصداق، وليمة العرس، عشرة النساء، الخلع، الطلاق، الإيلاء، الظهار، اللعان، الرجعة، العدة، الإحداد، الاستبراء، الرضاع، النفقة، الحضانة. إضافة إلى اللقيط، والعتق، والتدبير، والكتابة، وأمهات الأولاد. • وذلك باستقراء ما ورد من مسائل الإجماع في هذه الأبواب بالنظر في إجماعات الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وإجماعات من جاء بعدهم من التابعين، وأتباع التابعين، وأئمة المذاهب الفقهية وأتباعهم، مما وقع مبثوثًا في كتب الفقه، والتفسير، والشروحات ¬
الحديثية. • وبعد التتبع والاستقراء بلغت مسائل هذا البحث من خلال الكتب المعتمدة التي سيأتي بيانها (539) مسألة. • وقد رأت اللجنة المشكلة من قبل القسم أن يكون استنباط مسائل الإجماع من خلال ثلاثين كتابًا أساسية في جمع ما ذكره أصحابها من إجماعات وما شابهها ودراستها، إضافة لما يستعين به الباحث من مراجع أخرى تعضد الأقوال في الثلاثين كتابًا السابقة؛ وهذه الكتب أذكرها مرتبة حسب وفيات أصحابها، مبتدئًا بذكر الكتب الأساسية، ثم المساعدة: • أولًا: الكتب الأساسية: وهي التي رأت اللجنة اعتمادها مراجع أساسية للبحث: 1 - "الأم" للإمام الشافعي (204 هـ). 2 - "سنن الترمذي" (279 هـ) (¬1). 3 - "تفسير الطبري" (310 هـ) (¬2). 4 - "الإجماع" لابن المنذر (318 هـ) (¬3). 5 - "مراتب الإجماع" لابن حزم (456 هـ) (¬4). 6 - "المحلى" لابن حزم. ¬
7 - "الاستذكار" لابن عبد البر (463 هـ) (¬1). 8 - "شرح السنة" للبغوي (516 هـ) (¬2). 9 - "عارضة الأحوذي" لابن العربي (546 هـ) (¬3). 10 - "الإفصاح" لابن هبيرة (560 هـ) (¬4). 11 - "بدائع الصنائع" للكاساني (587 هـ) (¬5). 12 - "المغني" لابن قدامة (620 هـ) (¬6) 13 - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (671 هـ) (¬7). 14 - "المجموع" للنووي ¬
(676 هـ) (¬1). 15 - "الذخيرة" للقرافي (684 هـ) (¬2). 16 - "نقد مراتب الإجماع" لابن تيمية (728 هـ) (¬3). 17 - "مجموع الفتاوى" لابن تيمية. 18 - "جامع الرسائل" لابن تيمية. 19 - "مجموع الرسائل والمسائل" لابن تيمية. 20 - "مختصر الفتاوى المصرية" لابن تيمية. 21 - "زاد المعاد" لابن القيم (751 هـ) (¬4). 22 - "إعلام الموقعين" لابن القيم. 23 - "فتح الباري" لابن حجر (852 هـ) (¬5). 24 - "البناية شرح الهداية" للعيني ¬
(855 هـ) (¬1). 25 - "فتح القدير" لابن الهمام (861 هـ) (¬2). 26 - "البحر الرائق" لابن نجيم (970 هـ) (¬3). 27 - "مغني المحتاج" للشربيني (977 هـ) (¬4) 28 - "سبل السلام" للصنعاني (1182 هـ) (¬5). 29 - "نيل الأوطار" للشوكاني (1250 هـ) (¬6) 30 - "حاشية الروض المربع" لابن ¬
قاسم (1392 هـ) (¬1). • ثانيًا: الكتب المساعدة، وهي التي استنبطت من خلالها ما يعضد ما ذكره أصحاب الكتب الثلاثين السابقة من ذكر لمسائل الإجماع: 1 - "اختلاف العلماء" للمروزي (294 هـ) (¬2). 2 - "الإشراف" لابن المنذر (318 هـ). 3 - "شرح معاني الآثار" للطحاوي (321 هـ) (¬3). 4 - "نوادر الفقهاء" للجوهري (350 هـ) (¬4). 5 - "أحكام القرآن" للجصاص (370 هـ) (¬5). 6 - "المعونة" للقاضي عبد الوهاب (422 هـ) (¬6). 7 - "عيون المجالس" للقاضي عبد الوهاب. ¬
8 - "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (449 هـ) (¬1). 9 - "الحاوي" للماوردي (450 هـ) (¬2). 9 - "المبسوط" للسرخسي (490 هـ) (¬3). 10 - "التمهيد" لابن عبد البر (463 هـ). 11 - "مقدمات ابن رشد" الجد (520 هـ) (¬4). 12 - "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي (540 هـ) (¬5). 13 - "إكمال المعلم" للقاضي عياض (544 هـ) (¬6). 14 - "أحكام القرآن" لابن العربي (546 هـ). 15 - "البيان" للعمراني (558 هـ) (¬7). ¬
16 - "الهداية" للمرغيناني (593 هـ) (¬1). 17 - "بداية المجتهد" لابن رشد (595 هـ) (¬2). 18 - "الكافي" لابن قدامة (620 هـ). 19 - "العزيز شرح الوجيز" للرافعي (623 هـ) (¬3). 20 - "شرح صحيح مسلم" للنووي (676 هـ). 21 - "روضة الطالبين" للنووي. 22 - "الشرح الكبير" لابن أبي عمر (682 هـ) (¬4). 23 - "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الموصلي (683 هـ) (¬5). 24 - "الفروق" للقرافي (684 هـ). 25 - "القوانين الفقهية" لابن جزي (741 هـ) (¬6). 26 - "شرح الزركشي على مختصر ¬
الخرقي" للزركشي (772 هـ) (¬1). 27 - "رحمة الأمة" لقاضي صفد (بعد 780 هـ) (¬2). 28 - "العناية على الهداية" للبابرتي (786 هـ) (¬3). 29 - "عمدة القاري" للعيني (855 هـ). 30 - "المبدع" لابن مفلح (884 هـ) (¬4). 31 - "الإنصاف" للمرداوي (885 هـ) (¬5). 32 - "مواهب الجليل" للحطاب (954 هـ) (¬6). ¬
سابعا: منهج البحث
33 - "الميزان" للشعراني (973 هـ) (¬1). 34 - "نهاية المحتاج" للرملي (1004 هـ) (¬2). 35 - "كشاف القناع" للبهوتي (1051 هـ) (¬3). 36 - "حاشية ابن عابدين" (1252 هـ) (¬4). سابعًا: منهج البحث: • سيكون المنهج المتبع أثناء البحث عبارة عن منهجين: المنهج الأول: المنهج الاستقرائي: وذلك من خلال قراءة هذه الكتب -وغيرها مما هو مظنة لمسائل البحث- قراءة متأنية بغرض استقراء المسائل التي ادُّعي فيها الإجماع في مجال البحث، ومن ثم جمعها ودراستها. المنهج الثاني: المنهج الاستنتاجي: وذلك بعد جمع مسائل الإجماع الواردة في مجال البحث، والنظر في أقوال الفقهاء؛ للخروج بنتيجة مهمة يعرف من خلالها حصول الإجماع في كل مسألة على حدة أو عدمه. ثامنًا: إجراءات الدراسة: 1 - استقراء أقوال الفقهاء، وجمعها في مسائل البحث التي حكي فيها الإجماع، أو ¬
الاتفاق، أو عدم الاختلاف، وذلك من خلال النظر في الكتب التي هي مظنة لتلك المسائل. 2 - وضع عنوان للمسألة يناسب ما يذكر تحتها من أقوال العلماء. 3 - شرح مبسط للمسألة لا يتجاوز السطرين أو الثلاثة، أعبر فيه عن المراد بها. 4 - عند ذكر الإجماع أحيل إلى أول من ذكره، ثم ذكر من نقل الإجماع بعده، مع مراعاة الترتيب الزمني في ذلك. 5 - أذكر النص الذي حكي فيه الإجماع، وعند تكراره لعالم واحد في عدة مراجع أكتفي بذكر نص واحد هو أوضحها وأصرحها، وأشير إلى أنه ذكره في كتبه الأخرى دون ذكر لنص قوله؛ إلا إذا كان في النص الآخر زيادة لم ترد في النص الأول. 6 - إذا تكرر النص بلفظ واحد عند أكثر من عالم، فأذكر النص عند أول من ذكره، ثم أشير إلى أن العالم الآخر ذكره بنحوه. 7 - إذا حكى العالِمُ الإجماعَ عن غيره؛ كأن ينقله ابن قدامة عن ابن المنذر، فأكتفي بنص ابن المنذر؛ ثم أقول: ونقله عنه ابن قدامة. 8 - ذكر من وافق حكاية الإجماع من خلال الكتب المعتمدة، والمساعدة. 9 - ذكر من نقد الإجماع من العلماء، أو حكى الخلاف، وذلك بتتبع كتب التفسير، وكتب الآثار عن الصحابة والتابعين، وكتب المذاهب الفقهية؛ للتنبيه على الخلاف إن وجد. 10 - اعتبار خلاف المخالف خرقًا للإجماع إلا في الحالات التالية: أ - خلاف الروافض. ب - خلاف الخوارج. ت - إذا وصف الخلاف بالشذوذ. ث - إذا وصف الخلاف بأنه خرق للإجماع. ج - إذا جاء الخلاف عن عالم متأخر في الزمن عن أول من حكى الإجماع. 11 - الخروج بنتيجة أبين فيها تحقق الإجماع المحكي في المسألة أو عدمه. 12 - اعتبار موافقة ابن حزم وخلافه في المسألة، متى ما وجدتُّ له قولًا، فإن لم
أذكر له موافقة أو خلافًا فهذا يعني أنني تتبعت أقواله فلم أجد له موافقة أو مخالفة. 13 - عند ذكر ألفاظ الإجماع أنظُر: فإن كان أحد العلماء الذين أنقل عنهم المسائل قد نص على إجماع الفقهاء وآخر على الاتفاق، وثالث على نفي الخلاف، فإني أصيغ المسألة بعبارة: "من نقل الإجماع"؛ ولو كان هناك من ذكر أنهم اتفقوا، وآخر نفى الخلاف على اعتبار أن لفظ الإجماع هو أقوى الصِّيَغ دلالة على الإجماع من اللفظين الآخرين. • وإن لم يصرح أحدهم بنقل الإجماع؛ ونقل أحدهم الاتفاق، وآخر نفى الخلاف، فإنني أُعبر بلفظ: "من نقل الاتفاق"؛ ولو كان هناك من عبر بنفي الخلاف على اعتبار أن لفظ الاتفاق أقوى دلالة على الإجماع من نفي الخلاف. • وإن لم يحكِ، أحدهم إجماعًا أو اتفاقًا، بل نفى الخلاف فإنني أُعبر بلفظ: "من نفى الخلاف". 14 - ذكر من وافق حكاية الإجماع دون أن ينص عليه، كأن يذكر بعض علماء المالكية الإجماع، فيوافقهم الآخرون كالحنفية أو الشافعية -مثلًا- على أصل المسألة من دون تنصيص على الإجماع، أو الاتفاق، أو نفي الخلاف، فأشير إلى موافقة الحنفية، والشافعية لحكاية الإجماع، وإن كانوا لم ينصوا عليه. 15 - ذكر أراء الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في موافقتهم لما حُكيَ من إجماع، وخلافهم؛ متى ما وجدت لهم قولًا. 16 - ذكر مستند الإجماع، سواء كان من القرآن والسنة جميعًا، أو من أحدهما، أو من غيرهما. 17 - إذا تبين بعد الدراسة أن حكاية الإجماع غير صحيحة، فإنني أذكر المخالف ودليله. 18 - إذا وردت المسألة في أكثر من باب لسبب ما؛ ذكرتها في الباب الأول، وأحلت عليها. في الأبواب التي تأتي بعده. 19 - ترقيم مسائل الإجماع من خلال البحث؛ وذلك بوضع رقمين، يشير الأول منهما إلى رقم خاص بالمسألة في الفصل، والثاني منهما رقم عام يشير إلى عدد المسائل ضمن فصول الرسالة.
تاسعا: خطة البحث
20 - عزو الآيات الواردة في البحث، وذلك ببيان اسم السورة ورقم الآية؛ هكذا: [البقرة: الآية 233]. 21 - تخريج الأحاديث والآثار الواردة في البحث مع بيان درجة الحديث ما استطعت إلى ذلك سبيلا. 22 - إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بتخريج الحديث منهما، أو من أحدهما، دون الإشارة إلى من خرَّجه من غيرهما. 23 - إذا لم يكن الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما؛ أخرجه من كتب السنن الأخرى، مقدمًا كتب السنن الأربعة على غيرها. 24 - عند تخريج الحديث من الكتب الستة، وسنن الدارمي، وموطأ مالك؛ أذكر اسم الكتاب، واسم الباب، ورقم الحديث، والجزء والصفحة. 25 - وعند تخريج الحديث من سائر كتب السنن الأخرى، أذكر الجزء والصفحة، ورقم الحديث إن وجد. 26 - ترجمة من لم يشتهر من الأعلام، وترك من كان مشهورًا، كالخلفاء الراشدين، والأئمة الأربعة. تاسعًا: خطة البحث: • تشتمل خطة البحث على مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة أذكر فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج، وفيما يلي بيان لذلك: • المقدمة: وتشمل التعريف بالموضوع، وأهميته، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، وأهداف الموضوع، وأسئلة البحث، وحدود الدراسة، ومنهج البحث، وإجراءات البحث، ثم بيان لخطة البحث. التمهيد: وفيه فصلان: الفصل الأول: دراسة مختصرة عن الإجماع: • وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإجماع.
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين الأدلة الشرعية، وأهميته. المبحث الثالث: أنواع الإجماع وحجية كل نوع. المبحث الرابع: حكم منكر الإجماع. المبحث الخامس: شروط الإجماع. المبحث السادس: ألفاظ الإجماع. المبحث السابع: مسائل أصولية في الإجماع. الفصل الثاني: تعريف النكاح، وحقيقته • وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف النكاح. المبحث الثاني: حقيقة النكاح. الباب الأول: مسائل الإجماع في النكاح وفيه عشرة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في مشروعية النكاح وحُكْمِه. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الخطبة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في ألفاظ النكاح وشروطه. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في المحرمات في النكاح. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في الشروط في النكاح. الفصل السادس: مسائل الإجماع في العيوب في النكاح. الفصل السابع: مسائل الإجماع في أنكحة الكفار. الفصل الثامن: مسائل الإجماع في الصداق. الفصل التاسع: مسائل الإجماع في وليمة العرس. الفصل العاشر: مسائل الإجماع في عشرة النساء.
الباب الثاني: مسائل الإجماع في فُرَق النكاح وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في الخلع. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الطلاق. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الإيلاء. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الظهار. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في اللعان. الباب الثالث: مسائل الإجماع في توابع النكاح ولوازمه وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في الرجعة. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في العدة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الإحداد. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الاستبراء. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في الرضاع. الفصل السادس: مسائل الإجماع في النفقات. الفصل السابع: مسائل الإجماع في الحضانة. الفصل الثامن: مسائل الإجماع في اللقيط. الباب الرابع: مسائل الإجماع في العتق وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في عتق المماليك. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في التدبير. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الكتابة. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في أمهات الأولاد. الخاتمة: أذكر فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج
الفهارس: وتشمل: 1 - فهرس الآيات حسب ترتيب السور، وترتيب الآيات في كل سورة. 2 - فهرس الأحاديث هجائيًّا. 3 - فهرس الآثار هجائيًّا. 4 - فهرس الأعلام هجائيًّا، وحسب اسم الشهرة. 5 - فهرس الأمم والقبائل. 6 - فهرس البلدان. 7 - فهرس الكلمات الغريبة المشروحة. 8 - فهرس الشعر. 9 - فهرس مسائل الإجماع. 10 - فهرس المراجع. 11 - فهرس الموضوعات. • وحذفت جميع الفهارس إلا فهرسي المصادر والمراجع والموضوعات حتى لا يطول الكتاب الصعوبات التي واجهتني في البحث: • واجهتني كثير من الصعوبات أثناء كتابتي لهذه الرسالة، منها: 1 - كثرة ما اشتملت عليه الكتب الثلاثون التي اعتمدتها اللجنة المعدة لهذا المشروع من صفحات، فقد بلغت صفحات هذه الكتب حسب الطبعات التي لديّ: (11786) صفحة، ولم أُدخل في هذا العدد كتب التفسير، والكتب المساعدة الأخرى. 2 - صعوبة البحث عن مستند الإجماع إذا لم يكن منصوصًا عليه. 3 - إذا ذُكر الإجماع عن الصحابة، كان من الصعوبة استقراء كتب الآثار، للبحث عن مخالف لمن حُكي عنه الإجماع، نظرًا لطول هذه الكتب وكثرتها.
4 - إذا لم أجد في المسألة إلا قولًا واحدًا لأحد العلماء في حكايته الإجماع، أو الاتفاق، أو نفي الخلاف، كنت أجد صعوبة في استقراء الكتب المعتمدة، والمساعدة؛ للبحث عن قول يعضد ما ذُكر، فقد يطول البحث فيستمر الساعات الطوال، وربما الأيام. 5 - صعوبة البحث في كتاب المحلى لابن حزم؛ نظرًا لأنه لا يذكر في كتابه جميع المسائل التي ذكرها الجمهور في كتبهم. فكنت أقرأ فيه كثيرًا لعلي أجد وفاقًا له للجمهور أو خلافًا، فلا أجد في كثير من الأحيان شيئًا من ذلك. • وأخيرًا: إن هذه الصعوبات لا ينفك عنها أي بحث من هذا النوع، وعسى أن يكون في ذكر هذه الصعوبات عذر أقدمه لمن قرأ في رسالتي هذه، فرأى القصور فيها. • ثم إنني قد بذلت جهدي حتى يخرج البحث بهذه الصورة المتواضعة، ومن نافلة القول أن أعترف بأن هذا البحث لا يخلو من تقصير ونقصان، لكن عزائي أنني لم أدخر جهدًا في أن أُخرِج هذا البحث بهذه الصورة، ويأبى اللَّه سبحان وتعالى العصمة لكتاب غير كتابه. شكر وتقدير: • أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة الملك سعود، ممثلة في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية، فقد يسر اللَّه سبحان وتعالى لي أن طلبت العلم الشرعي في هذا القسم المبارك منذ مرحلة البكالوريوس، مرورًا بمرحلة الماجستير، وحتى مرحلة الدكتوراه. • وتقف الكلمات عاجزة عن تقديم الشكر والاعتراف بالفضل لصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحيم يعقوب، المشرف على هذه الرسالة؛ إذ تابع الموضوع بكل إخلاص، فقد غمرني بفضل توجيهه، وصدق إرشاده، وحسن تعامله، ولين جانبه. • كما أتقدم بعظيم الشكر والعرفان لسعادة الدكتور/ عبد اللَّه الناصر، رئيس اللجنة الخاصة بهذا المشروع، الذي استفدت من ملاحظاته، وتوجيهاته أيما استفادة، فجزاه اللَّه خير الجزاء. • كما أشكر سعادة الدكتور/ إبراهيم العروان، المشرف السابق على الرسالة،
الذي بدأت معه مشوار الرسالة، ولم يقدّر اللَّه سبحان وتعالى مواصلة الإشراف مع فضيلته؛ لمّا رأت اللجنة الخاصة بهذا المشروع أن يكون الإشراف لدى عضو واحد قدر الإمكان، يتابع جميع الطلاب المشتغلين بهذا المشروع، فكان وقته مزحومًا؛ بسبب إشرافه على عدد من الرسائل، فجزاه اللَّه خيرًا عما قدم لي من توجيهات في هذه الفترة. • كما أشكر أصحاب السعادة الأساتذة الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة، على ما تحملوا من صعوبة في قراءة هذه الرسالة، وتبيين ما فيها من نقص وملحوظات، وإهدائها إليّ. • وفي الختام أسأل اللَّه رب البرية، أن يصلح النية، ويتجاوز عن الخطية، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، والحمد للَّه رب العالمين. * * *
التمهيد
التمهيد وفيه فصلان الفصل الأول: دراسة مختصرة عن الإجماع المبحث الأول: تعريف الإجماع المطلب الأول: تعريف الإجماع في اللغة: • الإجماع: مصدر من الفعل أجمع، يقال: أجمع يجمع إجماعًا، فهو أمر مُجْمَع، ومُجْمَعٌ عليه. • والإجماع لفظ مشترك يراد به في اللغة ثلاثة معانٍ (¬1): الأول: العزم على الشيء، قال ابن فارس (¬2): "أجمعت الأمر إجماعًا، إذا عزمت" (¬3). • يقال: أجمع فلان على السفر؛ إذا عزم عليه، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71]، أي: من أجمع الأمر وأزمعه إذا نواه وعزم عليه، بحيث لا يخالفه (¬4). وقوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف: 15]، أي: من أجمع الأمر وأزمعه، فقد أجمع إخوة يوسف على طرحه في البئر (¬5). وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من لم يجمع الصيام عن الليل فلا صيام له" (¬6). يجمع الصيام أي: إحكام ¬
النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد، فإن من لم ينو الصيام ويعزم عليه من الليل فلا يصح صيامه (¬1). الثاني: الاتفاق، قال الزبيدي (¬2): "الإجماع -أي: إجماع الأمة- الاتفاق، يقال: هذا أمر مجمع عليه، أي: متفق عليه" يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه (¬3). • والفرق بين المعنى الأول، والمعنى الثاني: أن الأول متصور من واحد، والثاني لا يتصور إلا من اثنين فما فوقهما (¬4)، واتفاق أي طائفة على أمر من الأمور يسمى إجماعًا؛ حتى اتفاق اليهود والنصارى (¬5). الثالث: الضمُّ، قال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء" (¬6). وقال ابن منظور (¬7): "والإجماع أن تجمع الشيء المتفرِّق، وإذا جعلته جميعًا لم يكد يتفرق، كالرأي المعزوم عليه" (¬8). والفرق بين المعنى الثاني والثالث: أن المعنى الثاني للإجماع يكون في الأمور المعنوية، وأما المعنى الثالث فيكون في الأمور الحسية. ¬
المطلب الثاني: تعريف الإجماع في الاصطلاح
المطلب الثاني: تعريف الإجماع في الاصطلاح: • المتأمل لمباحث الإجماع عند الأصوليين يجد أنهم قد ذكروا تعريفه في اللغة أنه يراد به المعنيان الأول والثاني، ثم يجد أن تعريفاتهم للإجماع كلها تدور في المعنى الثاني للإجماع من حيث اللغة، وعلى هذا أذكر تعريفًا واحدًا لأصولي من كل مذهب فقهي من المذاهب الأربعة: 1 - عرّفه عبد العزيز البخاري (¬1) من الحنفية بأنه: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر من العصور على أمر من الأمور (¬2). 2 - وعرّفه ابن الحاجب (¬3) من المالكية بأنه: اتفاف المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر (¬4). 3 - وعرّفه الغزالي (¬5) من الشافعية بأنه: اتفاق أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصة على أمر من الأمور الدينية (¬6). 4 - وعرّفه ابن قدامة من الحنابلة بأنه: اتفاق علماء العصر من أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- على أمر من أمور الدين (¬7). • ما يلاحظ في هذه التعريفات: 1 - أن جميع التعريفات عبرت عن الإجماع بأنه اتفاق. ¬
شرح التعريف
2 - أن جميع التعريفات جعلت الاتفاق للعلماء المجتهدين، ما عدا الغزالي حيث جعله لكل الأمة. 3 - أن جميع التعريفات اشترطت أن يكون الإجماع إجماع أهل العصر، ما عدا الغزالي فإنه أطلق العبارة، ولم يقيده بعلماء العصر. • واعتُرض على تعريف الغزالي من وجهين (¬1): 1 - أن الإجماع على تعريف الغزالي لا يمكن أن ينعقد إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- هي جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، وأي اتفاق على حكم شرعي في بعض العصور لا يصدق عليه هذا التعريف (¬2). 2 - أنه يلزم من هذا التعريف أنه لو خلا العصر عن مجتهدين، واتفق سائر العوام على حكم شرعي أنه يعد إجماعًا، والأمر ليس كذلك. وعلى هذا يمكن الخروج بتعريف متصور عن الإجماع -وهو تعريف الجمهور- فأقول: الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في عصر من العصور على أمر ديني. • شرح التعريف (¬3): " اتفاق": الاشتراك في الأقوال، والأفعال، والسكوت، والتقريرات. "مجتهدي": قيد خرج به اتفاق غير المجتهدين من العوام، فلا يعدّ اتفاقهم إجماعًا. "أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-": قيد خرج به اتفاق مجتهدي الأمم السابقة من اليهود والنصارى، فإن اتفاقهم علي أي أمر ديني لا يعد إجماعًا في حقنا. "عصر من العصور": أن يحدث الاتفاق من المجتهدين على حكم الأمر الديني، في ذلك العصر الذي وقعت فيه الحادثة، ومن ثم لا يعتد بخلاف من صار مجتهدًا في عصر الحادثة بعد وقوعها. "أمر ديني": أي: ما يتعلق بالدين، أما ما كان من الاتفاق على أمر دنيوي لا علاقة له بالدين فلا يعد إجماعًا شرعيًّا. ¬
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين الأدلة الشرعية، وأهميته
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين الأدلة الشرعية، وأهميته • الإجماع مصدر من مصادر الأحكام الشرعية يأتي في المرتبة الثانية بعد النصوص الشرعية من القرآن والسنة؛ وكون الإجماع يأتي بعد القرآن والسنة في الاستدلال هو مذهب السلف الصالح. وهذه أدلة تبين هذا القول: 1 - ما ورد في كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- إلى شريح القاضي (¬1) حيث قال فيه: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (¬2)، وفي رواية: "فبما أجمع عليه الناس" (¬3). 2 - ما ورد عن ابن مسعود (¬4) -رضي اللَّه عنهما- أنه قال: "إذا حضرك أمر لا تجد منه بُدًّا فاقض بما في كتاب اللَّه، فإن عييت فاقض بسنة نبي اللَّه، فإن عييت فاقض بما قضى به الصالحون" (¬5). • قال ابن تيمية: هذا عمر، وابن مسعود قدما الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، وهذه آثار ثابتة عنهما، وهذا هو الصواب (¬6). ¬
المبحث الثالث: أنواع الإجماع، وحجية كل نوع
• ومما يبين أهمية الإجماع ومكانته ما يلي: 1 - أن الإجماع القطعي مقدم في الاستدلال على النصوص التي ظاهرها التعارض، لكونه يعتمد في قطعيته على النصوص الشرعية، فإن النصوص الشرعية الخالية من التعارض مقدمة على التي ظاهرها التعارض (¬1). 2 - أن الإجماع دليل يؤكد حكم المسألة، ويكثر أدلتها، فهو دليل ثانٍ مع النص (¬2). 3 - أنه ما من مسألة مجمع عليها، إلا وفيها بيان من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ ولكن قد يخفى النص على بعض الناس، ويعلم الإجماع (¬3). 4 - إذا خالف القاضي مسألة مجتهدًا فيها فلا ينقض قضاؤه، وإن خالف الإجماع نقض قضاؤه (¬4). 5 - يشترك الإجماع مع القرآن والسنة في تكفير (¬5) منكر القطعي منها (¬6). المبحث الثالث: أنواع الإجماع، وحجية كل نوع • قسّم الأصوليون الإجماع إلى أقسام حسب اعتبارات مختلفة (¬7): 1 - باعتبار ذاته: ينقسم إلى إجماع صريح، وإجماع سكوتي. 2 - باعتبار أهله: ينقسم إلى إجماع عامة، وإجماع خاصة. والمراد بإجماع العامة: هو المعلوم من الدين بالضرورة، فإن هذا ينقله عامة المسلمين وخاصتهم. وإجماع الخاصة: ما ينقله الخاصة؛ وهم أهل العلم. 3 - باعتبار عصره: ينقسم إلى إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وإجماع غيرهم. 4 - باعتبار نقله إلينا: "ينقسم إلى إجماع نقل بطريق التواتر، وإجماع نقل بطريق ¬
المطلب الأول: الإجماع الصريح وحجيته
الآحاد. 5 - باعتبار قوته: ينقسم إلى إجماع قطعي، وإجماع ظني، فالقطعي مثل: المعلوم من الدين بالضرورة؛ كَفَرضية الصلاة، والزكاة، ونحو ذلك، والظني: كالإجماع السكوتي الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل. • وسيكون الحديث في هذا المبحث عن النوع الأول فقط (¬1)، والذي يدعو إلى ذلك ما يأتي: أ - أن هذا المبحث ما هو إلا تمهيد للدخول إلى صلب موضوع الرسالة. ب - أن الحديث عن كل نوع من أنواع الإجماع يفضي إلى الإطالة في التمهيد أكثر مما يجب. ت - أن أغلب مسائل الإجماع في هذه الرسالة لا تخرج عن هذين النوعين، فهي إما إجماع صريح وإما إجماع سكوتي. ث - أن هذه الرسالة يغلب عليها الجانب الفقهي أكثر من الجانب الأصولي، فكان لا بد من اختصار الحديث في الجوانب الأصولية. المطلب الأول: الإجماع الصريح وحجيته: • تعريف الإجماع الصريح: هو ما كان اتفاق مجتهدي الأمة عليه نطقًا، بمعنى أن كل واحد من المجتهدين نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا (¬2). • حجيته: اختلف العلماء في حجية الإجماع الصريح على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور من المسلمين عمومًا من المذاهب الأربعة وغيرها إلى أن إجماع المجتهدين في كل عصر حجة (¬3). ¬
أدلة هذا القول: استدل الجمهور بالقرآن والسنة والمعقول على حجية الإجماع الصريح: • أولًا: الأدلة من القرآن: 1 - قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]. هذه الآية أقوى الأدلة على حجية الإجماع، وقد تمسك بها الإمام الشافعي بعد ما استعرض القرآن ثلاث مرّات للبحث عن دليل على حجية الإجماع (¬1). • وجه الدلالة: توعد اللَّه سبحانه وتعالى من يتبع غير سبيل المؤمنين بالنار، ولو لم يكن محرّمًا لما توعد عليه، وقد حسن الجمع بين اتباع غير سبيل المؤمنين ومشاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في التوعد (¬2). 2 - وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. • وجه الدلالة: وصف اللَّه سبحانه وتعالى الأمة بأنهم عدول، ولمّا كانت أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أمة عدل جعلها اللَّه سبحانه وتعالى. حجة على الأمم كلها في قبول قولها عليهم، كما جعل سبحانه وتعالى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة علينا في قبول قوله؛ فإذا كان قول الأمة حجة على سائر الأمم، كان إجماعهم حجة على آحادهم (¬3). 3 - وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]. • وجه الدلالة: بين اللَّه سبحانه وتعالى أن الأمة خير أمة بسبب أمرها بكل معروف، ونهيها عن كل منكر، فعلى هذا فإن الأمة -ممثلة بمجتهديها- إذا أمرت بشيء عرفنا أنه معروف، وإذا نهت عن شيء علمنا أنه منكر، فيكون أمرهم ونهيهم حجة (¬4). 4 - وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. • وجه الدلالة: نَهْي اللَّه سبحانه وتعالى عن التفرق، فكانت مخالفة الإجماع تفرقًا، فكان منهيًا عنه، ولا ¬
معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته (¬1). 5 - وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه وتعالى شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، فيدل ذلك أنه عند عدم التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا (¬2). • ثانيًا: من السنة النبوية: قال الآمدي (¬3): وهي أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة (¬4): 1 - عن ابن عمر (¬5) -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد- على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" (¬6). 2 - عن أنس (¬7) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم" (¬8). ¬
3 - عن أبي مالك الأشعري (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة" (¬2). 4 - عن أبي ذر (¬3) -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن اللَّه لن يجمع أمتي إلا على هدى" (¬4). 5 - عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنهما- قال: إن اللَّه نظر إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ (¬5). • وجه الدلالة مما سبق: يستدل مما سبق من وجهين: الأول: أن هذه الأخبار وإن كانت أخبار آحاد، فإنها تدل بمجموعها ضرورة على تعظيم هذه الأمة، وعصمتها عن الخطأ، وذلك كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهما، وثبتت تلك بأخبار آحاد، إلا أنها نزلت منزلة المتواتر. ¬
الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والتابعين، يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر أحد فيها خلافًا حتى جاء من أنكر حجية الإجماع، والعاده جارية باستحالة توافق الأمة في كل العصور -قبل ظهور الخلاف في حجية الإجماع- على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع، من غير أن ينبه أحد على فساده وإنكاره (¬1). • ثالثًا: من المعقول: 1 - كانت الأمم السابقة إذا ضلت عن الطريق بعث اللَّه لها نبيًّا يعيدها إلى الصواب، ومحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- آخر الأنبياء، ولا نبي بعده، وأمته معصومة عن الخطأ؛ لتكون عصمتها عوضًا عن بعث نبي (¬2). 2 - ثبت أن نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- آخر الأنبياء، وشريعته قائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من القرآن أو السنة، وأجمعت الأمة على حكمها، ولم يكن إجماعهم حجة، فقد انقطعت الشريعة في بعض الأشياء، فلا تكون شريعة دائمة، فيؤدي إلى الخلف في إخبار الشارع، وذلك محال (¬3). 3 - إذا اتفق الجمع الغفير في كل عصر على حكم قضية، وجزموا به جزمًا قاطعًا، فالعادة تمنع على مثلهم الجزم بحكم لا يستند إلى دليل قاطع، بحيث لا يتنبه أحدهم لوجود خطأ (¬4). 4 - أن أهل كل عصر يُخَطِّئون من خالف الإجماع ممن قبلهم، ولولا اعتبار الإجماع لما خطَّؤوا من خالفه (¬5). القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وداود الظاهري (¬6) أن الحجة في إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- دون غيرهم (¬7). ¬
أدلة هذا القول: 1 - أن الإجماع لا يكون إلا عن توقيف، والصحابة -رضي اللَّه عنهم- الذين شهدوا التوقيف (¬1). 2 - سعة أقطار الأرض، وكثرة العدد من المجتهدين وتفرقهم في الأمصار، بحيث لا يمكن ضبط أقوالهم، ومن ادعى ذلك فلا يخفى كذبه (¬2). القول الثالث: ذهب النظّام (¬3) من المعتزلة، والخوارج، والشيعة إلى أن الإجماع ليس حجة (¬4). • قال النظّام: الإجماع كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد (¬5). هذا تعريف الإجماع عنده، ويقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون اتفاق المجتهدين حجة، وبين موافقته للعلماء في تحريم مخالفة الإجماع (¬6). • أما الخوارج: فكان إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- حجة عندهم قبل حدوث الفرقة بينهم، وأما بعدها فلا حجة في قولهم، بل الحجة في قول طائفة منهم فقط؛ لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم (¬7). ¬
• وأما الشيعة: فالإجماع الذي يكون حجة لديهم هو قول الإمام المعصوم، وانفراد الإمام المعصوم بقول يكون حجة لا تجوز مخالفته، والإمام المعصوم غير موجود الآن، فلا يحدث إجماع أصلًا (¬1). أدلة من يقول: إن الإجماع ليس حجة، وهم النظَّام، والخوارج، والشيعة. • استدلوا على عدم حجية الإجماع بأدلة من القرآن والسنة والمعقول: • أولًا: من القرآن: 1 - قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}. • وجه الدلالة: تدل الآية على أن القرآن نزل مبينًا لكل شيء، وفي هذا دليل على أنه لا حاجة للإجماع فإن الكتاب غير الإجماع (¬2). 2 - وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} [النساء: 59]. • وجه الدلالة: إذا تنازع المسلمون في حكم وجب رده إلى القرآن والسنة فقط، فلا حاجة إلى الإجماع (¬3). 3 - وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]. وقال أيضًا: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]. وقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]. إلى غير ذلك من الأدلة التي ورد فيها النهي عن المعاصي. • وجه الدلالة: ما ورد في هذه الآيات وفي غيرها يدل على تصور وقوع المعاصي من هذه الأمة، ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله وفعله موجبًا للقطع (¬4). • ثانيًا: من السنة: 1 - عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل (¬5) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال: "فإن لم تجد في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللَّه، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول اللَّه، ولا في كتاب اللَّه؟ " قال: أجتهد ¬
رأيي ولا آلو، فضرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صدره وقال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه لما يرضي اللَّه ورسوله" (¬1). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر معاذًا لمّا سأله عن الأدلة المعمول بها، وأهمل ذكر الإجماع، ولو كان الإجماع معتبرًا لما أقره على إهماله (¬2). 2 - عن أبي هريرة (¬3) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (¬4). • وجه الدلالة: هذا دليل على أنه يجوز خلو العصر ممن تقوم به الحجة (¬5). ثالثًا: من المعقول: أن أُمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة، كغيرهم من الأمم (¬6). • الترجيح: أولًا: مذهب أهل السنة والجماعة القائل بحجية الإجماع الصريح يجب القول به، وعدم النظر لخلاف أهل البدع في القول بأن الإجماع ليس حجة. ثانيًا: يعتبر الإجماع الصريح حجة في كل وقت، ولا يختص ذلك بعصر الصحابة فقط؛ لما يأتي: 1 - أفادت النصوص التي استدل بها الجمهور عصمة الأمة إذا أجمعت على قول، فمتى ثبت إجماع الأمة على قول وجب المصير إليه. 2 - أنه لا يصح حصر الإجماع بعصر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- دون غيره من العصور؛ لأن أدلة ¬
المطلب الثاني: الإجماع السكوتي وحجيته
حجية الإجماع جاءت عامة، ولم تأتِ خاصة بعصر دون عصر. 3 - أن هناك عددًا من التابعين كانوا في عصر الصحابة بلغوا رتبة الاجتهاد، وكانت أقوالهم معتبرة مع أقوال الصحابة (¬1). المطلب الثاني: الإجماع السكوتي وحجيته: • الإجماع السكوتي هو: أن يقول بعض المجتهدين قولًا، أو يعمل عملًا في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء الرأي بالموافقة، أو المخالفة، بعد علمهم بهذا الرأي، وقد مضت مدة التأمل والنظر في العادة (¬2). ويدخل فيه الإجماع المبني على الاستقراء، كأن تُستقرأ أقوال العلماء في مسألة، فلا يُعلم فيها خلاف (¬3). • ويلاحظ في هذا التعريف أنه اشتمل على عدد من الشروط التي إن وجدت سمي إجماعًا سكوتيًّا، وإن انتفت فقد انتفت التسمية، وهذه الشروط (¬4): 1 - أن يظهر القول وينتشر حتى لا يخفى. 2 - أن يكون القول أو الفعل صدر في مسألة اجتهادية مما يدخله التكليف، أما غيرها فلا يصدق عليه اسم الإجماع السكوتي، كأن يوصف فلان بأنه أفضل من فلان، ويسكت من سمعه، فإنه لا حاجة إلى الموافقة أو المخالفة. 3 - ألا يصاحب السكوت علامة تدل على الرضا، فإنه بمنزلة الإجماع الصريح عندئذٍ، كأنه قال: رضينا بهذا القول. وكذلك ألا يصاحبه علامة أو قرينة تدل على ¬
المخالفة، فإنه بمنزلة المخالفة الصريحة، والإجماع لا يتحقق مع المخالفة. 4 - أن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب؛ لأن الساكت يمكن أن يكون سكوته بناءً على معرفة حكم هذه المسألة في المذهب، فلا حاجة لإبداء الرأي في ذلك؛ كأن يسكت شافعي عن قول لحنفي، وقد يكون الخلاف معلومًا في المذهب. 5 - مضي مدة كافية للتأمل والنظر في حكم الحادثة، حتى ينقطع الاحتمال أن السكوت كان بعد مدة حدث فيها تأمل ونظر في حكم المسألة. • حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي على مذاهب كثيرة، ذكر الزركشي (¬1) أنها ثلاثة عشر مذهبًا (¬2)، والشوكاني اثنا عشر مذهبًا (¬3)، وابن قدامة ثلاثة مذاهب (¬4)، والآمدي أربعة مذاهب (¬5). أذكر منها أشهرها؛ وهي: القول الأول: أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، وهو قول أكثر الحنفية (¬6)، وأكثر المالكية (¬7)، وأكثر الشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9)، والجبائي (¬10) من المعتزلة (¬11). ويمكن أن يوصف هذا القول بأنه قول الجمهور. • أدلة هذا القول: 1 - لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد من العلماء لأدى إلى أن لا ينعقد إجماع أبدًا؛ لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يسمع ¬
منهم جميعًا (¬1). 2 - أنه لما كان القول المنتشر مع السكوت من الباقين إجماعًا صحيحًا في مسائل الاعتقاد، كان إجماعًا في الفروع، لمعنى جامع بينهما، وهو أن الحق واحد (¬2). 3 - أن السكوت من بعض المجمعين على حكم شرعي يُعد تقريرًا منهم لهذا الحكم؛ قياسًا على تقرير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المعتد به في الأحكام الشرعية (¬3). 4 - أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنُقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على أنه حجة (¬4). القول الثاني: أن الإجماع السكوتي ليس حجة ولا إجماعًا. وهو قول عيسى بن أبان (¬5) من الحنفية (¬6)، والإمام الشافعي في الجديد (¬7)، وقال به بعض الشافعية؛ كالجويني (¬8) (¬9)، والغزالي (¬10)، وداود الظاهري، وابنه محمد (¬11). • أدلة هذا القول: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: صلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: فصلّى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد؛ فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم ¬
أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول؛ يقال له ذو اليدين (¬1)، قال: يا رسول اللَّه، أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم. فتقدم، فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سلم فيقول: نبئت أن عمران بن حصين (¬2) قال: ثم سلَّم (¬3). • وجه الدلالة: أن السكوت لو كان حجة ما استنطق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الناس بصدق ما يقول ذو اليدين (¬4). 2 - أن السكوت كما يكون للموافقة، فقد يكون للمهابة من إظهار الخلاف، أو أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، أو اجتهد ولم يؤده اجتهاده إلى شيء، أو أداه لشيء مخالف، فلم يظهره؛ للتروي، أو أن القائل مجتهد، وكل مجتهد مصيب، ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوت من سكت مع انتشار قول المجتهد إجماعًا أو حجة (¬5). القول الثالث: أن الإجماع السكوتي حجة، وليس إجماعًا (¬6). وهو قول الكرخي (¬7) من الحنفية (¬8)، . . . . . . . ¬
المبحث الرابع: حكم منكر الإجماع
وأبو هاشم (¬1) (¬2)، واختاره الآمدي (¬3). • أدلة هذا القول: 1 - معتمد أصحاب هذا القول: ما قاله الإمام الشافعي: لا ينسب لساكت قول (¬4). 2 - قد ينكر الساكت، لكن لم ينقل قوله، فحمله على الرضا تحكم بلا دليل (¬5). • الترجيح: يترجح القول بمذهب الجمهور أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، ولكنه دون حجية الإجماع الصريح، فتكون حجيته ظنية إذا غلب على الظن موافقة الجميع، وعدم العلم بالمخالف. المبحث الرابع: حكم منكر الإجماع • الإجماع أصل عظيم من أصول الدين، لا تجوز مخالفته إذا قامت الحجة على ثبوته. • قال القاضي أبو يعلى (¬6): "الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على خطأ" (¬7). • وقال ابن حزم: "الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجع إليه، ويُفزع نحوه، ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع" (¬8). • وما ذكره ابن حزم من تكفير المخالف للإجماع لم يوافق عليه مطلقًا، بل فصّل العلماء في ذلك؛ فقال ابن تيمية: لعل ابن حزم لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن ¬
الخلاف مشهور، والنظّام نفسه المخالف في كون الإجماع حجة، لا يكفره ابن حزم، والناس أيضًا (¬1). • وفرّق الأئمة بين الإجماع السكوتي، والإجماع الصريح، فقالوا (¬2): أما منكر الإجماع السكوتي فلا يكفر؛ لأن ما ثبت من الحكم عن طريق هذا النوع من الإجماع هو مظنون. • وأما الإجماع القطعي فقد وقع الخلاف فيه على أقوال: الأول: لا يكفر منكر حكم الإجماع القطعي. الثاني: يكفر. الثالث: لا يكفر أحد بإنكار الإجماع إلا ما علم من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس، والأركان الخمسة، والتوحيد، ورسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحوها، وما ليس كذلك فلا يكفر منكره. • سبب الخلاف: سبب الخلاف في تكفير منكر الإجماع هو أن الإجماع ظني أو قطعي، فمن قال: إنه ظني، قال: لا يكفر. • ودليله: أن الآيات والأحاديث الدالة على الإجماع لا تفيد إلا الظن، وما استند إلى الظن أولى أن يكون ظنيًّا (¬3). • ومن قال: إن الإجماع قطعي، ومنكر القطعي كافر، فإن ما استند إليه الإجماع من الآيات والأحاديث الدالة على الإجماع قطعية، وما استند إلى القطعي فهو قطعي، فإذا استُقْرِئت الأدلة استقراءً تامًّا اجتمع منها الدليل القاطع على أن الإجماع حجة؛ لكن استقراءها الاستقراء التام بحيث لا يشذ منها شيء متعذر (¬4). * * * ¬
المبحث الخامس: شروط الإجماع
المبحث الخامس: شروط الإجماع • ذكر العلماء شروطًا كثيرة في الإجماع والمجمعين، أذكر أهمها مجملة، ثم أفصل القول فيها: 1 - أن يكون الإجماع عن مستند. 2 - أن يكون المجمعون من أهل الاجتهاد. 3 - أن يصدر الإجماع من جميع مجتهدي العصر. 4 - اعتبار انقراض العصر في تحقق الإجماع. 5 - عدالة المجمعين. • الشرط الأول: أن يكون الإجماع عن مستند: • مستند الإجماع: هو الدليل الذي يستند إليه المجمعون في إجماعهم، من كتاب أو سنة، أو قياس (¬1). • قال الشيرازي (¬2): (اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، فإذا رأيت إجماعهم على حكم، علمنا أن هناك دليلًا جَمَعهم، سواء عرفنا ذلك الدليل، أو لم نعرفه" (¬3). • وقال الآمدي: (اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ¬
الأدلة على وجوب أن يكون للإجماع مستند
ومستند يوجب اجتماعها، خلافًا لطائفة شاذة" (¬1). • وقال ابن تيمية: (لا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكن قد يخفى على بعض الناس، ويعلم الإجماع" (¬2). • الأدلة على وجوب أن يكون للإجماع مستند: 1 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ليسوا بآكد حالًا من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعلوم أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي، فالأمة أولى أن لا تقول إلا عن دليل (¬3). 2 - لو جاز للمجمعين كلهم أن يحكموا من غير مستند، لجاز لكل واحد منهم، فإن الإجماع لا يكون إلا بحكم كل واحد منهم، وحين لم يجز لآحادهم، لم يجز لجماعتهم (¬4). 3 - أن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو اتفقوا على الحكم من غير مستند، كانوا مجمعين على خطأ، وهذا محال (¬5). 4 - أن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، وإنما يثبتونها بالنظر إلى مآخذها وأدلتها، ولو قالوا بالحكم من غير مستند، لاقتضى ذلك أن يثبتوا شرعًا مستأنفًا بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو باطل (¬6). الشرط الثاني: أن يكون المجمعون من أهل الاجتهاد: المعتبر قوله في الإجماع من كان من أهل الاجتهاد، ولا يشترط أن يكون مجتهدًا مطلقًا، بل يكفي أن يكون له أثر في ذلك العلم (¬7). • يقول الرازي (¬8): (المعتبر بالإجماع في كل فن: أهل الاجتهاد في ذلك الفن، ¬
وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره" (¬1). وقال ابن قدامة: (ولا اختلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع" (¬2). وقال أيضًا: (ومن لا يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم -كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب- فهو كالعامي لا يعتد بخلافه" (¬3). الشرط الثالث: أن يصدر الإجماع من جميع مجتهدي العصر: معنى هذا الشرط: أنه إذا خالف الإجماعَ واحدٌ أو اثنان من علماء ذلك العصر الذي وقع فيه حكم الحادثة؛ فهل يعد خلافه خرقًا للإجماع؟ خلاف على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن الأقل إن خالف فإن قول الباقين لا يعد إجماعًا (¬4). • أدلة هذا القول: 1 - أن العصمة إنما ثبتت للأمة بكليتها، وإذا قال الأكثر بقول وخالفهم الواحد أو الاثنان فليس بقول الجميع، بل هو مختلف فيه (¬5). 2 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد أجمعوا على تجويز مخالفة الآحاد منهم؛ فانفرد ابن مسعود بخمس في الفرائض، وابن عباس بمثلها، فسوغوا لهما الخلاف، ولو كان العبرة في الإجماع بقول الأكثر لما ساغ خلافهم (¬6). القول الثاني: أن العبرة في الإجماع هو قول الأكثر، في رواية عن الإمام أحمد (¬7)، وهو قول محمد بن جرير الطبري (¬8)، والجصاص من الحنفية (¬9)، وابن خويز ¬
منداد (¬1) من المالكية (¬2)، وأبي الحسين الخياط (¬3) من المعتزلة (¬4). • أدلة هذا القول: 1 - أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد ورد النهي عن الشذوذ (¬5) بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عليكم بالسواد الأعظم"، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يد اللَّه مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" (¬6). 2 - أن لفظ "المؤمنين"، و"الأمة"، الواردين في الأحاديث الدالة على عصمة الأُمة يراد بهما ما يصدق عليه الأكثر منهم، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، والمراد به أكثرهم لا كلهم (¬7). 3 - أن الأمة اعتمدت الإجماع على خلافة أبي بكر -رضي اللَّه عنه- لمّا اتفق عليه الأكثرون، وإن خالف في ذلك آحاد من الصحابة على خلافته (¬8). • الترجيح: يترجح لدي القول بأن خلاف الواحد أو الاثنين يعد خرقًا للإجماع، لما ثبت من خلاف أحد الصحابة لقول عامتهم، واعتبار خلافه من قِبَلِهم. • ويجب التنبيه إلى أن قول الأكثر أولى بالإتباع إذا انتفى الإجماع في حكم المسألة؛ وذلك إذا لم يظهر الحق مع الأقل. الشرط الرابع: اعتبار انقراض العصر في تحقق الإجماع: إذا أجمع المجتهدون على حكم مسألة، فهل يشترط أن يبقى رأيهم واحدًا لا يختلف ما دام القائل بهذا القول حيًّا، وإذا رجع عن قوله، فهل رجوعه خرق للإجماع؟ خلاف على أقوال، أذكر منها ¬
ثلاثة لأهميتها: القول الأول: لا يشترط انقراض عصر المجمعين في تحقق الإجماع؛ فلو وقع الإجماع ولو لحظة واحدة فقد تحقق. وهو قول الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والأصح عند الإمام الشافعي، وقول كثير من الشافعية (¬3)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬4). • أدلة هذا القول: 1 - أنه لا يجوز رجوع المجتهد فيما أجمع عليه، فيكون قوله حجة عليه، كما لا يصح أن يخالف النص (¬5). 2 - أن الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص، وكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت، فكذلك الحكم الثابت بالإجماع (¬6). 3 - لو شرط انقراض العصر لم يتصور وقوع إجماع أبدًا؛ فإن بعض التابعين قد زاحم الصحابة في الفتوى، وهكذا بعض تابعي التابعين زاحم بعض التابعين، فالقول به يؤدي إلى سد باب الإجماع، وهذا باطل (¬7). القول الثاني: أنه يشترط انقراض العصر، فإذا أجمع المجتهدون على حكم واقعة، ثم رجع أحدهم عن قوله فقد انحل الإجماع، وهو أحد قولي الإمام الشافعي (¬8)، وقول الإمام أحمد في رواية عنه (¬9)، وأبي بكر بن فورك (¬10) (¬11). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. • وجه الدلالة: جعل اللَّه سبحانه وتعالى الأمة ¬
شهداء على غيرهم من الأمم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم، فيجوز الرجوع عن القول إذا اعتقد الصواب في غيره (¬1). 2 - عن السائب بن يزيد (¬2) -رضي اللَّه عنه- قال: كنا نُؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (¬3). • وجلد عليٌّ في خلافة عثمان أربعين فقال: جلد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكُلٌّ سُنّة، وهذا أحب إليّ (¬4). 3 - ما ورد عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قال: اتفق رأيي ورأي عمر على ألا تباع أمهات الأولاد، والآن قد رأيت بيعهن (¬5). • وجه الدلالة من الأثرين: أن عليًّا قد أظهر الخلاف بعد الوفاق؛ فقد خالف في حد الخمر، وفي بيع أمهات الأولاد، ولو كان الخلاف غير جائز لكونه مسبوقًا بالإجماع، لما خالف علي -رضي اللَّه عنه- (¬6). القول الثالث: أن انقراض العصر شرط في الإجماع السكوتي دون غيره (¬7)، وهو اختيار الآمدي (¬8). • دليل هذا القول: أن الساكت عن موافقة المجتهد في قوله قد يكون عن عدم ¬
دليل، فإذا وجد الدليل، فإنه يسوغ له الخلاف؛ لمعرفته بالدليل الذي كان قد خفي عليه (¬1). الشرط الخامس: عدالة المجمعين: العدالة (¬2) في المجتهد شرط في قبول قوله في الإجماع، والفسق ضد العدل، وهو على قسمين (¬3): الأول: فسق بسبب الاعتقاد: كالرافضي، والخارجي، ونحوهم. الثاني: فسق بسبب الفعل: كالزاني، والسارق، وشارب الخمر، ونحوهم. • قبل معرفة خلاف الفقهاء في خلاف الفاسق لا بد من بيان أن المجتهد إذا كان صاحب بدعة؛ فإن كُفِّر ببدعته، فلا يعتبر خلافه، سواء علم هو بكفر نفسه أم لم يعلم (¬4). قال الآمدي: بلا خلاف (¬5). • أما الفاسق الذي لم يكفر بفسقه، فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُعدّ خلاف الفاسق بالاعتقاد أو بالفعل مؤثرًا في الإجماع فلا يعتد بخلافه. وهو قول أكثر العلماء، فقد قال به الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7)، وبعض الشافعية (¬8)، والحنابلة (¬9). ¬
• أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. • وجه الدلالة: أمرنا اللَّه سبحانه وتعالى أن نتثبت ونتبين في خبر الفاسق؛ لأن من أقدم على فعل المفسقات لا يؤمن من الكذب (¬1). 2 - قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. • وجه الدلالة: الوسط في اللغة: العدل، فلمّا لم يكن أهل الفسق والضلال بهذه الصفة، لم يجز أن يكونوا من الشهداء على الناس، فلا يعتد بهم في الإجماع (¬2). 3 - قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]. • وجه الدلالة: لمّا كان سبيل الفاسق غير سبيل المؤمنين، لم يجز أن يكون سبيلهم مأمورًا باتباعه (¬3). 4 - أن الفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته، فرجب ألا يقبل قوله في الإجماع (¬4). 5 - أن الفاسق يجوز عليه أن يعصي فيما يعتد به من الإجماع كما يجوز أن يعصي في غيره، فلا يعتد بخلافه (¬5). القول الثاني: الاعتداد بخلاف الفاسق، وأن الإجماع لا ينعقد بدونه، وهو اختيار ابن الحاجب من المالكية (¬6)، والشيرازي (¬7)، والجويني (¬8)، والغزالي (¬9)، وابن السبكي (¬10)، والآمدي (¬11)، من الشافعية، وأبي الخطاب (¬12) من الحنابلة (¬13). ¬
• أدلة هذا القول: 1 - أن المجتهد الفاسق من أهل الحل والعقد، وهو داخل في مفهوم لفظ "المؤمنين" في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115]، وفي لفظ "الأمة" في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (¬1)، المشهود لهم بالعصمة (¬2). 2 - أن فسق الفاسق غير مخل بأهليته في الاجتهاد، والظاهر من حاله الصدق فيما يخبر به عن اجتهاده، كإخبار غيره من المجتهدين (¬3). القول الثالث: أنه إذا أظهر خلافه يُسأل عن دليله، فإن كان صالحًا اعتبر خلافه، وإن كان دليله غير صالح فلا يعتبر خلافه، وينعقد الإجماع بدونه. وهذا اختيار السمعاني (¬4) من الشافعية (¬5). • دليل هذا القول: قد يحمل الفسقُ صاحبَه على اعتقاد شرع من غير دليل، فإذا أظهر من استدلاله ما يصلح أن يكون دليلًا فإن الإجماع لا ينعقد بدونه ولو كان فاسقًا، فإن كان دليله غير صالح للاستدلال فلا يعتبر خلافه، ولا ينخرم الإجماع بخلافه (¬6). • الترجيح: 1 - يجب التفريق بين من كان فسقه بسبب بدعته، كالخارجي، والرافضي، فهؤلاء لا يعتد بخلافهم مع أهل السنة والجماعة. 2 - أما من كان فسقه بسبب معصية لا توصله لدرجة الابتداع، فهذا من الأمة، ومن المؤمنين الذين جاءت بذكرهم النصوص، فيجب أن يعتبر قوله، فإن كان موافقًا تحقق بقوله الإجماع، وإن خالف فلا ينعقد الإجماع بدونه. * * * ¬
المبحث السادس: ألفاظ الإجماع
المبحث السادس: ألفاظ الإجماع • للإجماع ألفاظ عدة، عبر العلماء بها للدلالة عليه، ويمكن ترتيب هذه الألفاظ حسب قوتها من حيث الدلالة على الإجماع إلى أقسام (¬1): القسم الأول: ما كان صريحًا في حكاية الإجماع من مادة الفعل "أجمع" (¬2) وما تصرف منه، مثل: أجمع العلماء، أجمعوا، إجماع، الإجماع، بالإجماع، أجمعت الأمة، أجمع أهل العلم، أجمع المسلمون، بإجماع بين أهل العلم، إجماعهم، مجمع عليه، مجمعون عليه. • فهذه العبارات تدل صراحة على الإجماع، ما لم تأتِ قرينة تصرفه من الإجماع العام إلى الإجماع الخاص بمذهب، أو ببلد، أو إجماع أشخاص معينين؛ كأن يقال: إجماع أهل المدينة، أو إجماع أهل الكوفة، أو أجمع الخلفاء الأربعة، أو أجمع علماء مذهب ما. القسم الثاني: التعبير بلفظ الاتفاق، وما تصرف منه من الألفاظ، مثل: اتفق العلماء، اتفق أهل العلم، اتفقوا، بالاتفاق، متفق عليه، باتفاق بين العلماء، باتفاقهم، ونحو ذلك. القسم الثالث: التعبير بنفي الخلاف، وهذا التعبير يأتي في المرتبة الثالثة بعد عبارة الإجماع، والاتفاق، مثل: لم أجد فيه خلافًا، من دون خلاف بينهم، لم يسمع في ذلك خلاف، لم يقل عن أحد خلاف في ذلك، ونحو ذلك من الألفاظ. القسم الرابع: التعبير بنفي النزاع، ومن ألفاظه: لا نزاع فيه، لم أجد فيه نزاعًا، لم ينازع فيه أحد، من دون منازع. والتعبير بهذه الألفاظ قليل جدًّا، ومع ذلك إن وجدت شيئًا منه فإنني أذكره. • ومن خلال جمع مسائل هذه الرسالة اتضح لي ما يلي: أولًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبلفظ الاتفاق في المسألة نفسها تارة أخرى. ¬
ثانيًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة ذاتها. ثالثًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الاتفاق تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة بعينها. رابعًا: أن من العلماء من حكى في بعض المسائل إجماع العلماء نقلًا عن عالم سبقه، وعند الرجوع إلى ما ذكره ذلك العالم المنقول عنه، يتبين أن ذلك العالم حكى الاتفاق أو نفى الخلاف. • وفي هذا دليل على أن هناك من العلماء من لم يفرق بين هذه الألفاظ في الدلالة على الإجماع. • وهذه أمثلة على ذلك: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: (أجمع أهل العلم على أن للزوجة نفقتها، وكسوتها بالمعروف) (¬1). وقال أيضًا: (وقد اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات إذا كانوا جميعًا بالغين، إلا الناشز منهن الممتنعة، فنفقة الزوجة ثابتة في الكتاب والسنة والاتفاق" (¬2). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: (أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في حال الحيض، فإجماع متيقن مقطوع به، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه" (¬3). وقال في مراتب الإجماع: (واتفقوا على أن الحائض لا تصلي، ولا تصوم، أيام حيضها، ولا يطؤها زوجها" (¬4). • وقال أيضًا: (اتفقوا أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬5). وقال أيضًا: (لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام" (¬6). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: (أجمع هؤلاء الفقهاء أنه لا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها إذا استبرأها" (¬7). وقال أيضًا: (وقد اتفق هؤلاء الفقهاء كلهم ¬
على أنه لو زنى بها جاز له أن يتزوجها" (¬1). وقال أيضًا: (وأجمع العلماء على أنه إذا طلقها في طهر مسها فيه، لم يجبر على رجعتها" (¬2). • وقال أيضًا: (لم يختلف العلماء كلهم أن الرجل إذا طلق في طهر قد مس فيه، أنه لا يجبر على الرجعة" (¬3). وقال أيضًا: (لم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لم يجبر على رجعتها" (¬4). 4 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: (فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع" (¬5). وقال أيضًا: (ولا خلاف في أن طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة" (¬6). 5 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: (ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (¬7). ثم أخذ يذكر الأدلة من السنة على ذلك، ثم قال: "وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه" (¬8). وقال أيضًا في وجوب العدة والصداق بمجرد الخلوة بالمرأة المعقود عليها: (عن عمر، وعلي، وعن سعيد بن المسيب، وعن زيد بن ثابت: عليها العدة، ولها الصداق كاملًا، وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان إجماعًا" (¬9). والتعبير بالإجماع عن الصحابة عند عدم العلم بالمخالف منهم كثير عند ابن قدامة وغيره. 6 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: (أجمع المسلمون أن من لم يخف القسط في اليتامى، له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين أو ثلاثا، أو أربعًا" (¬10). وقال أيضًا: (وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعًا وإن خاف ألا يعدل" (¬11). • وقال أيضًا: (ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز نكاح مجوسية، ولا وثنية" (¬12). وقال أيضًا: (وأما المجوس: فالعلماء مجمعون على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم" (¬13). ¬
7 - القرافي (684 هـ) حيث قال: (قال ابن حزم في كتاب الإجماع: وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز عتق غير بني آدم من الحيوان" (¬1). بينما قال ابن حزم: (واتفقوا أن عتق حيوان غير بني آدم لا يجوز" (¬2). 8 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: (فإن طلقها وهي حائض، أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها، فهذا طلاق محرّم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين" (¬3). وقال في موضع آخر: (إذا طلقها في الحيض ولم تكن سألته الطلاق، فإن هذا الطلاق حرام باتفاق المسلمين" (¬4). 9 - العيني (855 هـ) حيث قال: (حرمة الجمع بين الأختين، بلا خلاف" (¬5). وقال أيضًا: (ثبتت الحرمة في الجمع نصًّا وإجماعًا" (¬6). 10 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: (قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه في الأم: لا نعلم خلافًا في وجوب دخول المرفقين في الوضوء، وهذا منه حكاية للإجماع" (¬7). 11 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: (قال ابن المنذر: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة، والإجماع" (¬8). بينما قال ابن المنذر: (نفقة الزوجة واجبة بالكتاب، والسنة، والاتفاق" (¬9). على أن من العلماء من فرّق بين لفظ "الإجماع"، ولفظ "الاتفاق"، فعبر بلفظ "الإجماع" عن اتفاق أهل العلم في شتى المذاهب، وبلفظ "الاتفاق" عن اتفاق علماء المذهب خاصة. • ومن العلماء من لم يرَ أن نفي الخلاف يدل على الإجماع، ومن هؤلاء العلماء: أولًا: من فرّق بين لفظ الإجماع، ولفظ الاتفاق: 1 - العيني (855 هـ) حيث قال: (فيه نظر؛ لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع" (¬10). ¬
المبحث السابع: مسائل أصولية في الإجماع
2 - الحطاب (954 هـ)، حيث قال: (والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب, وبالإجماع إجماع العلماء) (¬1). ثانيًا: من رأى أن نفي الخلاف لا يدل على الإجماع: • وهذا القول منسوب للإمام الشافعي في أحد القولين, وللصيرفي (¬2) من الشافعية (¬3)، وللإمام أحمد في إحدى الروايتين (¬4). المبحث السابع: مسائل أصولية في الإجماع المسألة الأولى: الإجماع على أحد القولين, هل يرفع الخلاف المتقدم؟ • إذا اختلف مجتهدو عصر من العصور في مسألة, واستقر الخلاف بعد النظر والاجتهاد, وانقرض علماء ذلك العصر, وجاء مجتهدو العصر التالي, فهل لهم أن يجمعوا على أحد القولين المنقولين عن علماء العصر الذي سبقهم, فيرتفع الخلاف, وتصبح المسألة محل إجماع, أم أن المسألة تبقى خلافية أبدا؟ • اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة على خلاف في نقل قوله (¬5)، والمالكية في قول (¬6)، وإليه مال الإمام الشافعي (¬7)، والغزالي (¬8)، وإمام الحرمين (¬9)، والشيرازي من الشافعية (¬10)، بل هو قول أكثر الشافعية كما يقول الشيرازي (¬11)، والإمام أحمد, والقاضي أبي يعلى, وابن ¬
تيمية (¬1)، والأشعري (¬2)، وهو قول الجمهور (¬3)، واختاره الآمدي (¬4)، إلى عدم وقوع الإجماع، بل تبقى المسألة خلافية. • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. • وجه الدلالة: أن هذا حكم قد وقع فيه النزاع في العصر الأول، فوجب أن يُرد إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وعلى القول الآخر يلزم رده إلى إجماع المجتهدين (¬5). 2 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" (¬6). • وجه الدلالة: ظاهر هذا الحديث يقتضي الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع على قول بعضهم، ومع الاختلاف (¬7). 3 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- لما اختلفوا على قولين، فقد أجمعوا على تسويغ الخلاف في ¬
المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فلو أجمع من جاء بعدهم على الأخذ بأحد القولين، لأدى ذلك إلى تعارض الإجماعين، وهو ممتنع (¬1). 4 - أن موت المختلفين لا يسقط مذاهبهم، فهم من الأمة، وقولهم معتبر في حق من يأتي بعدهم، فإن "المذاهب لا تموت بموت أربابها" وهي من عبارات الشافعي الرشيقة، كما يقول الجويني (¬2). 5 - أن الإجماع على أحد القولين من مجتهدي العصر التالي فيه تخطئة لمجتهدي العصر الأول فيما ذهبوا إليه، ويستحيل أن يجتمع الحق والمنع في أحد القولين (¬3). القول الثاني: ذهب الحنفية (¬4)، والمالكية في قول (¬5)، والصيرفي، والرازي من الشافعية (¬6)، وأبو الخطاب من الحنابلة (¬7)، والمعتزلة (¬8)، إلى جواز ذلك، وأن الإجماع ينعقد، فلا تجوز مخالفته. • أدلة هذا القول: قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]. • وجه الدلالة: أنه إجماع حدث بعد أن لم يكن، فيكون حجة، كما لو حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التدبر والتأمل (¬9). 2 - أن القول الثاني قد صار قول كل الأمة؛ لأن أهل العصر الثاني صاروا كل الأمة، والحق لا يتعداهم، فيتعين أن قولهم هو الحق، وما عداه باطل (¬10). • الترجيح: يترجح لدي قول الجمهور في أن الإجماع على أحد القولين لا يرفع الخلاف المتقدم، وذلك لما يأتي: 1 - أن قول ناقل الإجماع مقابل بنقل من يثبت الخلاف، وناقل الإجماع نافٍ ¬
المسألة الثانية: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد، فهل يعتد بخلافه؟
للخلاف، والآخر مثبت له، والمثبت مقدم على النافي (¬1). 2 - إذا كان ناقل الخلاف يمكن أن يكون غلط فيما ذكره من الخلاف، إما لضعف إسناد، أو لعدم دلالة، فإن غلط الذي حكى الإجماع أولى، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف أسانيدها، وقد ثبتت عند غيره، فما يجوز على المثبت للخلاف يجوز على النافي له، مع زيادة أنه لم يعلم بالمخالف (¬2). 3 - أن عدم علم الذي حكى الإجماع بالخلاف ليس علمًا بعدم الخلاف، لا سيما في أقوال علماء أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- التي لا يحصيها إلا رب العالمين (¬3). المسألة الثانية: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد، فهل يعتد بخلافه؟ • اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا ينعقد إجماع الصحابة إذا خالفهم التابعي، إن كان من أهل الاجتهاد، وقال بهذا: الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، وبعض الشافعية (¬6)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬7)، قال ابن قدامة: وهي أظهر القولين (¬8)، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني (¬9)، وابن عقيل (¬10) (¬11). ¬
• أدلة هذا القول: 1 - أن هذا المخالف من التابعين تناولته النصوص، بكونه من المؤمنين، وبكونه من الأمة، فكان قوله مؤثرًا ومعتبرًا في الإجماع (¬1). 2 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد سوغوا اجتهاد التابعين، ولم ينكروا عليهم، وهذه أمثلة على ذلك: أ - روى أبو سلمة (¬2) بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكرت أنا وابن عباس (¬3) وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (¬4). ب - أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- لما ولّى شريحًا القضاء قال له: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (¬5). ت - أن عليًّا تخاصم إلى شريح في درعه الذي فقده بصفين، ولم يقبل شريح شهادة ابن علي لأبيه، فقبل علي قوله، مع أنه يرى خلافه (¬6). ث - وسُئل ابن عمر عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد بن جبير (¬7) فإنه أعلم بها ¬
مني (¬1). ج - وسُئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن (¬2) فقالوا: يا أبا حمزة نسألك، وتقول: سلوا مولانا الحسن، فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا (¬3). • وجه الدلالة من هذه الآثار: أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد سوغوا للتابعين الاجتهاد، والأخذ بأقوالهم، مما يدل على اعتبار أقوالهم في صحة الإجماع، والاعتداد بخلافهم في منع الإجماع (¬4). 3 - أن الاعتبار بالاجتهاد وليس بالصحبة، فلو أن صحابيًّا عاميًّا في عصر التابعين، جاز له تقليد فقهائهم المجتهدين، ولا يعتد بقول الصحابي لعدم بلوغه رتبة الاجتهاد (¬5). 4 - أن التابعين معهم آلة الاجتهاد وقت حدوث النازلة، فكان معتدًّا بقولهم (¬6). القول الثاني: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة فلا يعتد بخلافه، وإن بلغ رتبة الاجتهاد، وقال بهذا بعض الشافعية (¬7)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬8)، نصرها القاضي أبو يعلى (¬9)، وهو قول لبعض المتكلمين (¬10). • أدلة هذا القول: 1 - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- لهم مزية الصحبة، فقد شهدوا التنزيل، وسماع التأويل، وزادوا بمزية الاجتهاد، فوجب تقديم قولهم (¬11). 2 - أن الصحابة أنكروا على بعض التابعين، وهذا دليل منهم على أنهم لا يعتبرون خلافهم، ومن ذلك: ¬
المسألة الثالثة: هل يعتبر خلاف الظاهرية خرقا للإجماع؟
أ - أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- أنكر على شريح، ونقض حكمه في امرأة ماتت وتركت ابني عم، أحدهما زوج، والآخر أخ لأم، فأعطى شريح النصف للزوج، والباقي للأخ لأم، فبلغ ذلك عليا فقال: الزوج النصف، والأخ لأم السدس، والباقي بينهما (¬1). ب - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثلَ الفرُّوج، يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها (¬2)، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل (¬3). • وجه الدلالة: هذا إنكار من عائشة لأبي سلمة في مناظرته للصحابة، والدخول معهم في الاجتهاد (¬4). • الترجيح: يترجح لدي القول الأول القائل بأن خلافهم معتبر في منع الإجماع، وذلك لما يأتي: 1 - أن المجتهدين من التابعين هم بعض الأمة الذين شهدوا الواقعة، فوجب الأخذ بقولهم. 2 - أن ما أنكره عليٌّ على شريح ليس لأن قوله غير معتبر، بدليل أنه حكم عليه في مخاصمته في درعه لما رد شهادة ابنه، ولم ينكر عليه علي -رضي اللَّه عنه- (¬5). 3 - أما إنكار عائشة -رضي اللَّه عنها- على أبي سلمة: فيحتمل أنها لم تره بلغ مرتبة الاجتهاد، أو لأنه ترك التأدب مع ابن عباس. ثم إن قولها معارض بقول أبي هريرة لما قال: أنا مع ابن أخي (¬6). المسألة الثالثة: هل يعتبر خلاف الظاهرية خرقًا للإجماع؟ إذا خالف الظاهرية الجمهور في مسألة فرعية ما، فهل يعتبر خلافهم، فلا ينعقد الإجماع بدون قولهم، أم أن قولهم غير معتبر، فينعقد الإجماع بدونهم؟ ¬
• خلاف بين الفقهاء على أقوال، أذكر أهمها (¬1): القول الأول: أن خلاف الظاهرية غير معتبر، ولا يعتد به مطلقًا، وممن حكى عدم اعتباره: الكرخي، والجصاص من الحنفية (¬2)، والنووي (¬3)، والزركشي (¬4)، من الشافعية. • أدلة هذا القول: 1 - ذكر النووي أن الظاهرية هم من جملة العوام، فليسوا من العلماء؛ لتعطيلهم القول بالقياس، وأن أغلب أحكام الشريعة قائمة على الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (¬5). 2 - أن هؤلاء تجرؤوا على الأئمة، وظنوا أنهم الذين على الحق، وأن غيرهم على الباطل، فمن أجل هذا لا يعتد بقولهم (¬6). القول الثاني: أن خلافهم يعتبر مطلقًا، وممن حكى ذلك: أبو منصور البغدادي (¬7)، وابن الصلاح (¬8) من الشافعية، وقال: إنه الصحيح من المذهب، وهو الذي استقر عليه الأمر (¬9)، واختاره ابن القيم من الحنابلة (¬10)، والشوكاني (¬11). ¬
المسألة الرابعة: ما يترتب على الإجماع بعد ثبوته
• أدلة هذا القول: 1 - أن أغلب ما تفرد به الظاهرية هو من باب مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم للإجماع القطعي (¬1). 2 - أن ابن حزم يُكفِّر من خالف الإجماع إذا ثبت لديه (¬2)، فكيف يكفر من خالف الإجماع، ثم يقول هو بخلافه، إلا لأنه لم يثبت لديه. 3 - أن قول الظاهرية اجتهاد منهم، ورأي من لم يعتد بخلافهم ما هو إلا اجتهاد منه، فلا يرد اجتهاد بمثله (¬3). • الترجيح: يترجح لدي الاعتداد بخلاف الظاهرية، وأن خلافهم معتبر، لا ينعقد الإجماع بدونه للأسباب التالية: 1 - أن الظاهرية هم من الأمة، التي وصفها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنها لا تجتمع على خطأ. 2 - أن العلماء قد قبلوا قول المجتهد المبتدع في الإجماع -إذا كانت بدعة غير مكفرة- فكيف لا يعتد بخلاف الظاهرية، وهم في دائرة أهل السنة والجماعة. 3 - أن الأئمة قد ذكروا خلاف داود وغيره من الظاهرية في كتبهم، وحكوا خلاف غيرهم من أهل العلم، وذلك دليل منهم على اعتبار خلافهم (¬4). المسألة الرابعة: ما يترتب على الإجماع بعد ثبوته: • إذا ثبت الإجماع في حكم مسألة ما، فإنه يترتب عليه ما يأتي: 1 - يجب إتباع الإجماع، وتحرم مخالفته (¬5). قال ذلك عدد من الأئمة، ومنهم: أبو يعلى، حيث قال: "الإجماع حجة مقطوع عليها، ويجب المصير إليها، وتحرم مخالفته" (¬6). ¬
• وقال ابن تيمية: "وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم" (¬1). 2 - أن هذا الإجماع حق وصواب، ولا يمكن أن يكون خطأ، فلا يمكن أن يقع إجماع على خلاف نص أبدًا، ولا يقع إجماع على خلاف إجماع سابق (¬2). • قال ابن القيم: "ومحال أن تجتمع الأمة على خلاف نص، إلا أن يكون له نص آخر ينسخه" (¬3). 3 - أنه يحرم الاجتهاد في المسألة المجمع عليها؛ لأن الإجماع استند إلى نص، ويحرم الاجتهاد مع وجود النص (¬4). * * * ¬
الفصل الثاني: تعريف النكاح وحقيقته
الفصل الثاني: تعريف النكاح وحقيقته • قبل النظر في مسائل الإجماع في النكاح وأبوابه، لا بد من معرفة المراد بالنكاح، ثم معرفة حقيقته: هل هو في العقد أم في الوطء، أم فيهما جميعًا؟ وذلك من خلال النظر في كلام أهل اللغة وأهل الفقه. وعلى هذا سيكون الحديث في هذا الفصل من خلال المبحثين التاليين: المبحث الأول: تعريف النكاح. المبحث الثاني: حقيقة النكاح. المبحث الأول: تعريف النكاح المطلب الأول: تعريف النكاح في اللغة: • قال ابن فارس: النون، والكاف، والحاء؛ أصل واحد، وهو البضاع (¬1)، ونَكَح ينكِح "بكسر الكاف". وامرأة ناكح في بني فلان، أي ذات زوج منهم، والنكاح يكون في العقد دون الوطء، يقال: نكحتُ؛ تزوجتُ، وأنكحتُ غيري؛ زوَّجته (¬2). • ويقال: نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا: إذا تزوجها، ونكحها: إذا باضعها ينكحها أيضًا (¬3). قال الشاعر (¬4) في "نكح" بمعنى تزوج: ولا تقربن جارة إن سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا (¬5) • ويدل النكاح أيضًا على الضم والتداخل، وهو مأخوذ من نَكَحَه الدواء: إذا ¬
المطلب الثاني: تعريف النكاح في الاصطلاح
خامره وغلبه، أو من تناكح الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض (¬1). • يقال: نكحتَ البُر في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحَتْ الحصى أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها، ونكح المطر الأرض: إذا خالط ترابها، ونكح النعاس عينه: إذا غلب عليها (¬2). • وعليه: يكون النكاح في اللغة بمعنى: الإبضاع، والتزويج، والضم، وكلها تعود لأصل واحد؛ لأن الإبضاع لا يكون إلا بتزويج وضم. المطلب الثاني: تعريف النكاح في الاصطلاح: 1 - عرّفه ابن الهمام من الحنفية بأنه: عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصدًا (¬3). وقد يعترض على هذا التعريف بأن الاستمتاع يقع من جهة الزوجة أيضًا، مع أنه لا ملك لها. 2 - وعرّفه الدردير (¬4) من المالكية بأنه: عقد لحل تمتع بأنثى، غير محرم ومجوسية وأمة كتابية، بصيغة، لقادر محتاج، أو راجٍ نسلا (¬5). وقد يعترض على هذا التعريف أيضًا بما اعترض على سابقه، وأن النكاح مندوب إليه لصيانة النفس وإعفافها، ولو لم يحصل الولد. 3 - وعرّفه زكريا الأنصاري (¬6) من الشافعية بأنه: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ ¬
إنكاح، أو نحوه (¬1). ويعترض على هذا التعريف بأن العقد يباح به ما هو أعم من الوطء، فلو عبر بالاستمتاع لكان أولى؛ لدخول الوطء ومقدماته في الاستمتاع. 4 - وعرّفه المرداوي من الحنابلة بأنه: عقد التزويج، فهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (¬2). ويعترض على هذا التعريف بأن فيه دورًا؛ فقد عرّف الشيء بنفسه، وهذا عيب في التعريف. 5 - وعرّفه الشوكاني بأنه: عقد بين الزوجين يحل به الوطء (¬3). ويعترض على هذا التعريف بما اعترض به على تعريف الشافعية. 6 - وعرّفه من المعاصرين الدكتور بدران أبو العينين بأنه: عقد وضعه الشارع يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، وعلى سبيل القصد (¬4). وقيده بالقصد هنا -كما هو الحال عند الحنفية- حتى يخرج العقد الذي يفيد حل الاستمتاع ضمنًا، الذي يثبت بملك اليمين الثابت بالشراء أو الهبة، فإنه يحل لمالك الجارية الاستمتاع بها، ولا تسمى زوجة. ويؤخذ على هذا التعريف: أن الوجه المشروع لا يكون إلا باعتبار وضع الشارع، كما ذكر في أول التعريف، فالأولى الاستغناء عن هذه العبارة. 7 - وعرّفه الشيخ صالح الفوزان بأنه: عقد شرعي يقتضي حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر (¬5). 8 - وعرّفه الدكتور قلعه جي بأنه: عقد يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر (¬6). والمتأمل للتعريفين الأخيرين يدرك أنه لا فرق بينهما. • وبعد عرض تعريفات الفقهاء للنكاح، والنظر فيما يمكن أن يؤخذ على كل منها، ¬
يمكن الخروج بتعريف يشمل ما ذكر في التعريفين الأخيرين: (عقد شرعي يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر). • شرح التعريف: "عقد": جنس في التعريف يشمل عقد النكاح وغيره، وينصرف إلى النكاح باعتبار ما سيأتي من ألفاظ في بقية التعريف، ويشمل عقد النكاح ألفاظ التزويج المعتبرة عند أهل العلم، والمذكورة في تعريف الشافعية. "شرعي": قيد في التعريف يخرج به كل عقد غير معتبر شرعًا، كنكاح المتعة مثلًا، أو ما يفعله بعض الجهّال من كتابة ورقة بين الرجل والمرأة واعتبارها عقدًا شرعيًا، ويسمونه نكاحًا عرفيًّا. "يحل به": قيد يخرج به كل عقد لا يحل به النكاح، وهذا يعني أيضًا أنه بهذا العقد أصبح النكاح مباحًا بعد أن كان محظورًا، إذ إن الأصل في الأبضاع التحريم (¬1). "استمتاع": كلمة في التعريف أشمل من كلمة الوطء الواردة في التعريفات السابقة، لأن الاستمتاع يشمل الوطء ومقدماته. "كل من الزوجين بالآخر": قيد يخرج به كل استمتاع بين رجل وامرأة ليسا بزوجين. ويخرج به أيضًا كل استمتاع يقع بين الرجل وجاريته؛ فإنها لا تسمى زوجة، ولا يحصل بوطئها إحصان (¬2). * * * ¬
المبحث الثاني: حقيقة النكاح
المبحث الثاني: حقيقة النكاح المطلب الأول: حقيقة النكاح في اللغة: • اختلف أهل اللغة في لفظ النكاح بين الحقيقة والمجاز، ويمكن حصر خلافهم في الأقوال التالية: القول الأول: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. ويدل عليه ما ذكره ابن فارس؛ حيث قال: "والنكاح يكون العقد دون الوطء" (¬1). القول الثاني: إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. ويدل عليه ما ذكره الأزهري (¬2)؛ حيث قال: "أصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزويج: نكاح؛ لأنه سبب الوطء المباح" (¬3). وعليه تدل عبارة الجوهري (¬4)؛ حيث قال: "النَّكاح: الوطء، وقد يكون العقد" (¬5). وكأنه بهذا يشير إلى قلة استعماله في العقد. قال الزبيدي: "ظاهر كلام الصحاح أن استعماله في العقد قليل أو مجاز" (¬6). • ويدل على كونه حقيقة في الوطء قول الشاعر (¬7): ¬
إذا سقى اللَّه صوب غادية ... فلا سقى أرض الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهمو ... والناكحين بشطي دجلة البقرا القول الثالث: إنه لفظ مشترك يأتي بمعنى العقد، ويأتي بمعنى الوطء، ولا يفهم المراد منه إلا بقرينة؛ فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان: أي عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته: لم يريدوا إلا الوطء (¬1). ومن هنا جاء في عبارات الفقهاء: وليس للمحرم نكاح زوجته، أي: وطئها. • ويدل على هذا القول ما ذكره الفيروز أبادي (¬2)؛ حيث قال: "النكاح: الوطء، والعقد له" (¬3). وقال الزبيدي: "وكلام المصنَّف يدل على تساويهما" (¬4). • وقال الفيومي (¬5): "وعلى هذا فيكون النَّكاح مجازًا في الوطء والعقد جميعًا؛ لأنه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما، ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو: نكح في بني فلان، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو: نكح زوجته، وذلك من علامات المجاز؛ لأنه لا يفهم واحد من قسميه إلا بقرينة" (¬6). • واستدل بعض الفقهاء (¬7) لهذا القول -كما سيأتي- بما نقل عن أبي القاسم ¬
الزجاجي (¬1)، حيث قال: "النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا، وموضع "نكح" على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء راكبًا عليه، هذا كلام العرب الصحيح". • وبما نقل أيضًا عن أبي علي الفارسي (¬2) حيث قال: "فرقت العرب بينهما فرقًا لطيفًا؛ فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا تزوجها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء؛ لأنه بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن ذكر العقد" (¬3). القول الرابع: إنه حقيقة في الجمع والضم والتداخل. قال أبو عمر (¬4) غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب (¬5) عن الكوفيين، وعن المبرد (¬6) عن البصريين أنه الجمع. قال الشاعر: ¬
أيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك اللَّه كيف يجتمعان (¬1). ومن وروده في الضم قولهم: تناكحت الأشجار؛ إذا انضم بعضها إلى بعض (¬2). • قال الشاعر: ضممت إلى صدري معطر صدرها ... كما نكحت أم الغلام حبيبها (¬3). أي: كما ضمته. • ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النوم عينه، إذا غلبه، ونكحت الحصى أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها (¬4). قال الشاعر: أنكحت صمّ حصاها خف يعملة (¬5) ... تغشمرت (¬6) بي إليك السهل والجبلا (¬7) • وقد أطنب الفقهاء في تناول معنى النكاح في اللغة، فلا يكاد يخلو كتاب من كتبهم من ذكر هذه الأقوال (¬8). • ونقل المرداوي عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية قوله: "معناه في اللغة الجمع والضم على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية ¬
المطلب الثاني: حقيقة النكاح عند الفقهاء
في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعًا بالعقود، فهو الجمع بينهما على الدوام واللزوم، ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه" (¬1). المطلب الثاني: حقيقة النكاح عند الفقهاء: • وقع الخلاف بين الفقهاء أيضًا، في لفظ النكاح، هل يحمل على الحقيقة أو على المجاز؟ ولعل سبب اختلاف الفقهاء مبني على الخلاف عند أهل اللغة، ويمكن حصر أقوال الفقهاء فيما يأتي: القول الأول: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وهو قول الجمهور (¬2)، وصححه النووي من الشافعية (¬3)، والمرداوي من الحنابلة (¬4)، والشوكاني (¬5). • أدلة هذا القول: أولًا: أن لفظ النكاح بمعنى عقد التزويج هو المشهور الذي جاءت به الآيات والأخبار عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فمن ذلك: 1 - قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}. أي: بولاية أربابهن وإذنهم (¬6). 2 - قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]، الخطاب هنا للأولياء بأن يزوجوا من لا زوج له؛ فإنه طريق للتعفف (¬7). وعلى هذا فالنكاح هنا بمعنى التزويج. 3 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (¬8). ¬
• قال أصحاب هذا القول في توجيه استدلالهم: الوطء إنما يجوز بالعقد، وليس بالإذن المجرد عنه، بل قالوا: إنه لم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج (¬1). • وقال الراغب الأصفهاني (¬2): "أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه" (¬3). ثانيًا: أنه يصح نفي النكاح عن الوطء، فيقال في الزنى سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز (¬4). ثالثًا: أن الذهن لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فاشتهر استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف (¬5). رابعًا: أن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر (¬6). • قالوا: ولا ينتقض بما ورد في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فإن معناه حتى تتزوج أي: يعقد عليها (¬7). وقد ثبت مفهوم ¬
الوطء في هذه الآية عن طرق السنة في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى تذوقي عسيلته" (¬1). القول الثاني: إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو مذهب الحنفية (¬2)، وبه قال القرافي من المالكية (¬3)، ووجه عند الشافعية (¬4)، وقال به أبو الخطاب، وأبو يعلى الصغير (¬5) من الحنابلة (¬6). • أدلة هذا القول: أولًا: أن الوطء هو الأصل في استعمال لفظ النكاح لغة -كما صرّح بذلك الأزهري وغيره- والأصل عدم النقل (¬7). ثانيًا: جاء القرآن والسنة بلفظ النكاح، ويراد به الوطء (¬8)، فمن ذلك: 1 - قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. 2 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (¬9). قال ابن الهمام: يصح حمل النكاح ¬
في هذا الحديث على العقد، وإن كانت الولادة بالذات من الوطء (¬1). 3 - وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: فيما يحل للرجل من امرأته الحائض: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬2). • قال ابن الهمام في إرادة هذا الحديث للوطء: يلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى، وإلا فسد المعنى، إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد (¬3). 4 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (¬4). 5 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ملعون من نكح يده" (¬5). • قالوا: وما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر، مثل: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]، فإن الخطاب هنا للأولياء. • ومعنى النكاح في قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، أي: بإذن أوليائهن؛ فإن معنى النكاح في هاتين الآيتين انصرف لقرينة صرفته (¬6). ¬
القول الثالث: إنه مشترك بينهما، يعني: حقيقة في كل واحد منهما بانفراده. • وهو وجه عند الشافعية (¬1)، قال ابن حجر: "وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد" (¬2). وهو قول لبعض الحنابلة (¬3)، قالوا: هو ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد (¬4). وقال المرداوي: وعليه الأكثر (¬5). وقال في "الفروع": والأشهر أنه مشترك (¬6)، وقالوا: والأشبه بأصولنا ومذهبنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا (¬7). • دليل هذا القول: أنه ثبت في اللغة وفي الشرع استعمال لفظ النكاح بمعنى العقد والوطء، والأصل في الإطلاق الحقيقة (¬8). القول الرابع: إنه حقيقة فيهما معًا، فلا يقال حقيقة على أحدهما بانفراده؛ بل على مجموعهما، فهو من الألفاظ المتواطئة (¬9). • وبهذا قال بعض الحنفية (¬10)، وبعض الحنابلة (¬11). قال ابن رزين (¬12) من الحنابلة: والأشبه أنه حقيقة في كل واحد باعتبار الضم (¬13). • دليل هذا القول: أن التواطؤ خير من الاشتراك والمجاز، لأنهما على خلاف الأصل (¬14). ونقل المرداوي عن الشيخ ابن تيمية: "هو في الإثبات لهما، وفي النهي لكلٍ منهما، بناءً أنه إذا نهى عن شيء نهى عن بعضه، والأمر به أمر بكله في الكتاب والسنة والكلام. فإذا قيل مثلًا: أنكح ابنة عمّك. كان المراد العقد والوطء، وإذا ¬
قيل: لا تنكحها. تناول كل واحد منهما (¬1). • والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة، بخلاف المتواطئ؛ فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير (¬2). • هذا أهم ما قيل في حقيقة النكاح عند أهل اللغة، وعند الفقهاء، ويلاحظ أن كلام الفقهاء لم يخرج عن المدلول اللغوي لحقيقة النكاح. • الترجيح: والذي يمكن أن يقال في خلاصة هذا المبحث أن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهو قول الجمهور؛ لما يلي: 1 - أن قول الحنفية ومن وافقهم، بأنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، واستدلالهم باللغة في كثرة استعماله، فيقال فيه هنا: ما ذهبتم إليه صحيح، وقد ورد كلا الاستعمالين في اللغة، إلا أنه قد كثر استعماله حقيقة في العقد دون الوطء، فيحمل على ما كثر استعماله وهو العقد (¬3). 2 - أما قول من يرى أنه مشترك، أو أنه من الألفاظ المتواطئة، فهذا مردود؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل (¬4). 3 - أن استعمال لفظ النكاح على العقد هو الأشهر في القرآن والسنة وعُرف الصحابة، وأشعار العرب (¬5)، ويكفي هذا دليلًا لترجيحه. 4 - أن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة، كان النكاح بمنزلته؛ لاشتراكهما في المعنى (¬6). 5 - لو قُدِّر كونه مجازًا في العقد لكان اسمًا عرفيًّا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء العرفية (¬7). 6 - أن النكاح يسمى في حق من لا يستطيع الوطء عقدًا؛ كالعنين، والكبير، والصغير، ونحو ذلك. ¬
• ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في: 1 - موطوءة الأب من الزنى. قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]. فمن جعل النكاح حقيقة في العقد -وهم الجمهور- لم يثبتوا التحريم بوطء الزنى، ومن جعله حقيقة في الوطء حلالًا أم حرامًا -وهم الحنفية- أثبت التحريم به (¬1). 2 - لو علق الطلاق على النكاح، كأن يقول رجل لامرأته: إن نكحت فلانة فأنت طالق، فهل تطلق أم لا؟ . • خلاف مبني على الخلاف في حقيقة النكاح، فمن حمله على العقد فأنها تطلق، ومن حمله على الوطء فلا تطلق إلا بالوطء، هذا إذا لم ينو شيئًا، فإن نوى انصرف اللفظ إلى ما نواه (¬2). * * * ¬
[الباب الأول: مسائل الإجماع في النكاح]
الفصل الأول: مسائل الإجماع في مشروعية النكاح وحكمه [1 - 1] (¬1) مشروعية النكاح: النكاح من الأمور المشروعة؛ لموافقته الفطرة الإنسانية، وهو من سنن المرسلين، ونقل الإجماع على مشروعيته جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: "أباح اللَّه تعالى النكاح نصًّا في كتابه، وصريحًا في سنة نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، انعقد بهما سالف إجماع الأمة" (¬2). وقال أيضًا: "سائر الأمم عليه مجمعة، والضرورة إليه داعية، لما فيه من غض الطرف، وتحصين الفرج، وبقاء النسل، وحفظ النسب" (¬3). 2 - العمراني (558 هـ) حيث قال: "والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع" (¬4). وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة على جواز النكاح" (¬5). 3 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (¬6). 4 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع" (¬7). 5 - الرافعي (623 هـ) حيث قال: "الأصل في النكاح بعد إجماع أهل الملل قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] (¬8) ". 6 - ابن مودود الموصلي (683 هـ) حيث قال: "وعلى شرعيته إجماع الأمة" (¬9). ¬
7 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: ". . . حل الخبز، واللحم، والنكاح، واللباس، وغير ذلك مما علمت إباحته بالاضطرار من دين الإسلام؛ فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون، لا سنيهم، ولا بدعيهم" (¬1). 8 - الزركشي الحنبلي (772 هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع القطعي في الجملة" (¬2). 9 - قاضي صفد (بعد 780 هـ) حيث قال: "الإجماع منعقد على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (¬3). 10 - البابرتي (786 هـ) حيث قال: "ما اتفق في حكم من أحكام الشرع مثل ما اتفق في النكاح من اجتماع دواعي الشرع والعقل والطبع، فأما دواعي الشرع من الكتاب والسنة والإجماع: فظاهرة، . . . " (¬4). 11 - ابن مفلح (884 هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع" (¬5). 12 - زكريا الأنصاري (925 هـ) حيث قال: "والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وأخبار. . . " (¬6). وكذا قال في "أسنى المطالب" (¬7)، و"الغرر البهية" (¬8). 13 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "أجمع الأئمة على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (¬9). 14 - الخطيب الشربيني (977 هـ) حيث قال: "والأصل في حله الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (¬10). وكذا قال في "الإقناع" (¬11). ¬
15 - الرملي (1004 هـ) حيث قال: "والأصل فيه قبل الإجماع الآيات والأخبار" (¬1). 16 - البهوتي (1051 هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع" (¬2)، ونقل الإجماع أيضًا في "المنح الشافيات" (¬3). 17 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع، وذكر غير واحد من العلماء أنهم اتفقوا على أنه من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] 2 - وقال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]. 3 - عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (¬5). 4 - وعن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: جاء ثلاثة رهط (¬6) إلى بيوت أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلّي الليل أبدًا. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطِر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلّي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (¬7). ¬
5 - وعن سعد بن أبي وقاص (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: رد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-على عثمان بن مظعون (¬2) التبتل (¬3)؛ ولو أذن له لاختصينا (¬4). 6 - وعن عبد اللَّه بن عمرو (¬5) -رضي اللَّه عنه- قال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (¬6). 7 - عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمر بالباءة (¬7)، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" (¬8).Rالإجماع في هذه المسألة صحيح، ولا يتصور أصلًا وجود مخالف في ذلك؛ لأن خلافه مخالف لفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها. وثبوت الإجماع في هذه المسألة لا يتوقف ثبوته على حكاية من حكاه، فقد امتن اللَّه سبحانه وتعالى على عباده بأن خلق لهم من أنفسهم أزواجًا؛ فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا ¬
[2 - 2] وجوب النكاح عند خوف العنت
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الروم: 21]، بل قال بعض العلماء: ليس لنا عبادة شرعت منذ عهد آدم عليه السلام إلى الآن، ثم تستمر في الجنة إلا الإيمان والنكاح (¬1). ولا يخفى ما للنكاح من أثر في بقاء النسل، ووجود الإنسان في الأرض؛ حتى تتحقق الغاية من وجوده؛ وهي عبادة اللَّه سبحانه وتعالى. والنكاح شُرع لِحِكَم كثيرة أجلّ من أن توصف، وأشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ومع هذا لا بأس من ذكر بعضها، فمن ذلك (¬2): 1 - أن اللَّه سبحانه وتعالى قدّر بقاء الناس إلى قيام الساعة، ولا يكون هذا البقاء إلا بالتناسل، وجرت سنة اللَّه في خلقه أن التناسل لا يكون إلا بين الذكور والإناث، فشرع الوطء؛ ولا يكون إلا بطريق النكاح. 2 - لو لم يكن هناك نكاح بين الذكر والأنثى بالطريقة التي شرعها اللَّه سبحانه وتعالى لأدى ذلك إلى اشتباه الأنساب واختلاطها. 3 - وقد يقول قائل: قد يبقى النوع الإنساني بدون النكاح المشروع. فيجاب عن ذلك: إن هذا يؤدي إلى ضياع الأطفال؛ لأن الأم قد تعجز عن القيام بمهام أبنائها الذين هم من آباء شتى، وهذا يؤدي أيضًا إلى اختلاط الأنساب. 4 - إخراج الماء الذي يضر احتباسه بالبدن، ونيل اللذة، وهذه الأخيرة هي التي تكون في الجنة؛ إذ لا تناسل هناك ولا احتباس. 5 - أن كل عاقل يحب أن يبقى اسمه، ولا يُمحى رسمه، ولا يكون ذلك إلا ببقاء النسل الذي لا يكون إلا بالنكاح. [2 - 2] وجوب النكاح عند خوف العنت: إذا تاقت (¬3) النفس إلى النكاح، وخشي الإنسان على نفسه. . . . . . . . . ¬
العنت (¬1)، وجب عليه أن يتزوج، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - يرى داود الظاهري (270 هـ) وجوب النكاح، واستدل له الماوردي بقوله: "إنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما" (¬2). 2 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من تاقت نفسه إليه وخاف العنت، فإنه يتأكد في حقه" (¬3). 3 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان، حتى أن من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن، وهو قادر على المهر والنفقة، ولم يتزوج؛ يأثم" (¬4). 4 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وفي هذا الحديث (¬5) الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه، وهذا مجمع عليه" (¬6). 5 - ابن الهمام (861) حيث قال: "أما في حالة التوقان فقال بعضهم: هو واجب بالإجماع" (¬7). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب النكاح إذا تاقت النفس إليه، وخشي العنت وافق عليه المالكية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء" (¬10). وغير ذلك من الأدلة التي سبق أن سيقت لإثبات مشروعية النكاح. ¬
[3 - 3] النكاح مندوب إليه في حال الأمن من الزنى
• وجه الاستدلال من هذه الأدلة: تأويل ما روي في حق من تتوق نفسه إلى النساء على وجه لا يصبر عنهن على الوجوب، إذا كان بهذه الصفة فلا يسعه ترك النكاح (¬1).Rتحقق الإجماع على أن من خاف على نفسه الزنى، وخشي أن يقع فيه، أن النكاح في حقه واجب؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [3 - 3] النكاح مندوب إليه في حال الأمن من الزنى: إذا كان للإنسان رغبة في النكاح؛ لكنه لا يخشى على نفسه أن يقع في الزنى بتركه، فإن النكاح في حقه مندوب إليه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث قال: "النكاح مندوب إليه وليس بواجب، وهذا قول الفقهاء أجمع" (¬2). 2 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من تاقت نفسه إليه وأمن العنت له أن يتزوج إجماعًا أيضًا" (¬3). 3 - النووي (676 هـ) حيث قال: "الأمر عندنا، وعند العلماء كافة أمر ندب لا إيجاب، فلا يلزم التزوج ولا التسري، هذا مذهب العلماء كافة" (¬4). 4 - القرافي (684 هـ) حيث قال: "وملك اليمين لا يجب إجماعًا، فكذلك النكاح" (¬5). 5 - الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: "والتسري لا يجب إجماعًا، فكذا النكاح" (¬6). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الإنسان إن أمن على نفسه الوقوع في الزنى، فلا يجب عليه النكاح، وافق عليه الحنفية (¬7). • مستند الإجماع: ما مضى من الأدلة في مشروعية النكاح استدلوا بها، وحملوها على الندب دون الوجوب، فقالوا: 1 - قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ¬
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، يؤخذ منه دليلان (¬1): الأول: أنه علق النكاح بطيب النفس، ولو كان واجبًا لزم بكل حال، والواجب لا يعلق بالاستطابة، والعدد لا يجب بالإجماع (¬2). الثاني: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، فخيره بين النكاح وملك اليمين، والتخيير بين أمرين يقتضي تساويهما في الحكم، فلما كان ملك اليمين ليس بواجب كان النكاح بمنزلته. 2 - قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء: 25]. • وجه الدلالة: أباح اللَّه تعالى نكاح الأَمَة لمن خشي الزنى، وجعل الصبر خيرًا له، ولو كان واجبًا لكان الصبر شرًّا له (¬3). 3 - روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "مسكين مسكين رجل لا امرأة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخرج النكاح مخرج الرحمة، وتارك الواجب لا يرحم، فلما خرج النكاح مخرج الرحمة كان حكمه عدم الوجوب (¬5). 4 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ" قيل: وما الخفيف الحاذ؟ قال: "الذي لا أهل له ولا ولد له". 5 - ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وإدراك لذة، وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات (¬6). 6 - لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح، لوجب قطعها عند العجز عنه بما يقوم مقامه من دواء وعلاج (¬7). ¬
• الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية أبي بكر (¬1) عنه، أن النكاح واجب مطلقًا، سواء خشي الإنسان على نفسه العنت أم لا (¬2). وهو قول داود (¬3)، وابن حزم (¬4)، إلا أن ابن حزم قال: إن علم أنه لا يستطيع النكاح، انتقل إلى الصوم ولا بد. • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]. • وجه الدلالة: جاء لفظ النكاح بصيغة الأمر، فدل على الوجوب (¬5). 2 - عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (¬6). 3 - قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعكاف (¬7): "يا عكاف هل لك من زوجة؟ "، قال: لا، قال: "ولا جارية؟ "، قال: لا، قال: "وأنت موسر بخير؟ "، قال: نعم، قال: "أنت إذن من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع، فإن من سنتنا النكاح" (¬8). ¬
4 - عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تناكحوا تكثروا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (¬1). • وجه الاستدلال بهذه النصوص: أن هذا أمر، والأمر يفيد الوجوب، ولا ينتقل عنه إلا بقرينة (¬2). 5 - أنه إجماع اثنين من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يظهر خلافهما (¬3): أحدهما: قول عمر -رضي اللَّه عنه- لأبي الزوائد (¬4): ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور (¬5). الثاني: قول معاذ -رضي اللَّه عنه- في مرضه الذي مات فيه: زوجوني لا ألقى اللَّه عزبًا (¬6). 6 - أن في النكاح من تحصين النفس مثل ما في الغذاء، فلما لزم تحصينها بالغذاء لزم تحصينها بالنكاح (¬7). 7 - أن التحرز من الزنى فرض، ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به فيكون فرضًا عندئذٍ (¬8).Rعدم تحقق الإجماع على أن النكاح مندوب إليه إن أمِن الإنسان على نفسه العنت؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية أبي بكر عنه، وداود، وابن حزم، الذين يرون وجوب النكاح في هذه الحالة. • ولقائل أن يقول: ألا يمكن حمل الإجماع على الندب؛ لأن من يرى الوجوب؛ يرى الندب وزيادة؟ فيجاب عن ذلك بما يأتي: ¬
1 - أن الحكم الشرعي المترتب على الأمر المندوب إليه، غير الحكم الشرعي المترتب على الأمر الواجب، فإن المكلف إذا لم يفعل الأمر المندوب إليه لا يأثم، بينما يلحقه الإثم إن ترك أمرًا واجبًا. 2 - يقول الصنعاني: "ودعوى الإجماع غير صحيحة لخلاف داود، وابن حزم" (¬1). * * * ¬
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الخطبة
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الخطبة [1 - 4] الخِطبة على الخِطبة (¬1): إذا خطب رجل مسلم امرأة، وأجابته إلى ما أراد، فإنه يحرُم على أخيه المسلم أن يتقدم إلى خطبتها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "لا خلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يخطب على خطبة غيره" (¬2). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته وتزويجه، فهذه يحرم على غير خاطبها خطبتها. . . ولا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). 3 - ابن أبي عمر (682 هـ) فذكره كما قال ابن قدامة (¬5). 4 - النووي (676 هـ) حيث قال: "هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على ¬
خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صُرِّح للخاطب بالإجابة، ولم يأذن، ولم يترك" (¬1). ونقله عنه ابن حجر (¬2)، والشوكاني (¬3). 5 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم، وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك" (¬4). وقال أيضًا: "لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب إلى النكاح، وركنوا إليه باتفاق الأئمة" (¬5). 6 - الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: "وقد أجمع العلماء على تحريمها إذا كان قد صرّح بالإجابة، ولم يأذن، ولم يترك، فإن تزوج والحال هذه، عصى اتفاقًا" (¬6). 7 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "أن تجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته، فتحرم الخطبة بلا خلاف" (¬7) • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وافق عليه الحنفية (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تناجشوا، ولا يبع المرء على بيع أخيه، ولا يبع حاضر لباد، ولا يخطب المرء على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق الأخرى لتكتفئ (¬10) ما في إنائها" (¬11). 2 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب (¬12). ¬
3 - ومما استدل به على أن المنهي عنه في حال الركون والموافقة للخاطب الأول: حديث فاطمة بنت قيس -رضي اللَّه عنها- (¬1)، قالت: ذكرت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن معاوية بن أبي سفيان (¬2)، وأبا جهم (¬3) خطباني، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" فكرهتهُ. ثم قال: "انكحي أسامة"، فنكحته، فجعل اللَّه فيه خيرًا، واغتبطتُ (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خطب لأسامة بن زيد على خطبتهما، وذلك أنها لم تجب أيًّا منهما، ولو كانت قد أجابت أيًّا منهما؛ ما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليفعل ما يَنْهى عنه، وأن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته؛ لم يشر عليها بغير الذي ذكرَت (¬5). 4 - وفي خطبة الرجل على خطبة أخيه إفساد على الخاطب الأول، وإيقاع للعداوة بين الناس (¬6).Rتحقق الإجماع على أنه يحرم أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يدع؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ¬
[2 - 5] حكم خطبة النكاح
[2 - 5] حكم خُطبة النكاح: خطبة النكاح ليست واجبة، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "ولا أعلم أحدًا من أهل العلم أفسد نكاحًا ترك العاقد الخطبة عنده" (¬1). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل العلم علمناه" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة من عدم العلم بالمخالف في أن خطبة النكاح غير واجبة -وافق عليه الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4). • مستند نفي الخلاف: 1 - قال اللَّه تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]. • وجه الاستدلال: جعل اللَّه سبحانه وتعالى الإذن شرطًا دون الخطبة (¬5). 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين زوج الواهبة لنفسها لخاطبها قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (¬6). • وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد زوجه دون أن يخطب؛ مما يدل على أن خطبة النكاح ليست بواجبة (¬7). 3 - يروى أن رجلًا من بني سليم خطب من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمامة بنت عبد المطلب، فأنكحها، ولم يخطب (¬8). ¬
4 - وروي أن الحسين بن علي (¬1) -رضي اللَّه عنهما- زوَّج بعض بنات أخيه الحسن، وهو يتعرق (¬2) عظمًا (¬3)، أي: لم يخطب تشاغلًا به (¬4). 5 - ويروى أن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- زوج ابنته، فما زاد على أن قال: زوجتكها على ما أمر اللَّه تعالى به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان (¬5). 6 - أن الخطبة لو وجبت في النكاح لبطل بتركها (¬6). 7 - أن النكاح عقد، فلم تجب فيه الخطبة كسائر العقود (¬7). • الخلاف في المسألة: ذهب داود إلى القول بوجوب خُطبة النكاح، وهو قول أبي عبيد (¬8). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد خطب خطبة النكاح حين زوج، فيجب الاقتداء به؛ لأن أفعاله على الوجوب (¬9). 2 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أبتر" (¬10). ¬
• وجه الدلالة: أن النكاح أمر ذو بال، فيجب البدء بخطبة النكاح عند إرادته (¬1). 3 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما عقد لنفسه نكاحًا إلا بعد خطبة؛ فقد كان الخاطب في تزويجه خديجة عمه أبا طالب (¬2). 4 - أن في الخطبة فرقًا بين ما يستر من الزنى، وما يعلن من النكاح، فكانت واجبة كالولي والشهود (¬3). 5 - أنه عمل مقبول قد اتفق عليه أهل الأعصار في جميع الأمصار؛ فكان إجماعًا لا يسوغ خلافه (¬4).Rعدم صحة ما ذكر من عدم العلم بالمخالف أن خُطبة النكاح غير واجبة؛ لخلاف داود، وأبي عبيد، حيث يريان أنها واجبة. ¬
[3 - 6] النظر إلى المخطوبة
[3 - 6] النظر إلى المخطوبة: نُقل الاتفاق على إباحة النظر إلى وجه المخطوبة، واختلف فيما عداه. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من أراد تزويج (¬1) امرأة فله أن ينظر منها ما ليس بعورة" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها" (¬4). وقال أيضًا: "ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). 3 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالك، والشافعي، والكوفيون، وأهل الظاهر، وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة" (¬7). 4 - النووي (676 هـ) حيث قال: "استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين، وأحمد، وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهو مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها" (¬8). 5 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "فله النظر إلى وجه بلا خلاف" (¬9). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من إباحة النظر إلى وجه المخطوبة، وافق عليه الحنفية (¬10)، وابن حزم الظاهري (¬11)، وهو قول الأوزاعي (¬12)، ¬
وإسحاق (¬1) (¬2). • مستند الاتفاق: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: كنت عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار. فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنظرت إليها؟ " قال: لا. قال: "فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا" (¬3). 2 - عن جابر (¬4) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، قال جابر: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها (¬5). 3 - عن المغيرة بن شعبة (¬6) -رضي اللَّه عنه- أنه خطب امرأة، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (¬7). 4 - أن النكاح عقد يقتضي التمليك، فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه، كالنظر ¬
إلى الأمة المستامة (¬1). • الخلاف في المسألة: منع قوم النظر إلى المخطوبة مطلقًا إلا لذي زوج أو رحم محرم منها، وأن وجهها وكفيها بمنزلة جسدها، فلا يجوز أن ينظر إليهما (¬2). ونسبه الماوردي إلى المغربي (¬3) (¬4)؛ والعيني إلى يونس بن عبيد (¬5)، وإسماعيل بن عُليّة (¬6)، وقوم من أهل الحديث (¬7). وقال النووي: وحكى القاضي عن قوم كراهته (¬8). • أدلة من منع النظر إلى المخطوبة مطلقًا: 1 - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: قال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" (¬9). 2 - عن جرير بن عبد اللَّه (¬10) -رضي اللَّه عنه- قال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-عن نظر الفجأة، ¬
[4 - 7] خطبة الخلية عن زوج أو عدة
فأمرني أن أصرف بصري (¬1). • وجه الدلالة: لما كانت النظرة الثانية حرامًا لأنها عن اختيار، خولف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار، فدل ذلك على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن يكون بينها وبينه من النكاح أو الحرمة.Rعدم صحة الاتفاق على إباحة النظر للمخطوبة؛ سواء لوجهها أو لسائر بدنها، لخلاف من منع النظر إليها مطلقًا، وهم من أئمة المسلمين، ومن متقدمي علماء الأمة. [4 - 7] خطبة الخلية عن زوج أو عدة: ذهب الفقهاء إلى جواز خطبة الخلية عن زوج، أو غير المعتدة، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الشربيني (977 هـ) حيث قال: "تحل خطبة خلية عن نكاح وعن عدة، وكل مانع من موانع النكاح، وأن لا يسبقه غيره بالخطبة، ويجاب تعريضًا وتصريحًا، كما تحرم خطبة منكوحة كذلك، إجماعًا فيهما" (¬2). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من ذكر هذه المسألة من الفقهاء غير الشربيني من الشافعية، ولعل ذلك عائد إلى أنه مما علم بالضرورة من إباحة اللَّه سبحانه وتعالى للنكاح، بل هو من الأمور المشروعة كما سبق بيانه في مبحث مشروعية النكاح (¬3). • مستند الإجماع: كل النساء يحل نكاحهن ما لم يقم بهن مانع من نسب أو رضاع أو مصاهرة، أو تكن مخطوبةً للغير لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" (¬4).Rتحقق الإجماع على جواز خطبة الخلية عن زوج أو عدة؛ لعدم وجود مخالف. ¬
[5 - 8] خطبة ذات الزوج
[5 - 8] خطبة ذات الزوج: تحرم خطبة المرأة ذات الزوج، سواء كان ذلك تصريحًا أو تعريضًا، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا باتفاق المسلمين" (¬1). 2 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "كما تحرم خطبة منكوحة كذلك إجماعًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن تيمية والشربيني من الإجماع على تحريم خطبة ذات الزوج، وافق عليه الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24]، معطوفًا على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. والمحصنات من النساء: هن ذوات الأزواج، سواء عقد عليهن أزواجهن، أو دخلوا بهن (¬6). 2 - أن التصريح بالخطبة حال قيام النكاح يوقف موقف التهمة (¬7)؛ وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، فلا يقفن موقف التهم" (¬8)، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من رتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه" (¬9). ¬
[6 - 9] التصريح بخطبة المعتدة
Rتحقق الإجماع على تحريم خطبة ذات الزوج؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [6 - 9] التصريح بخطبة المعتدة: المعتدات من النساء: معتدة من وفاة، أو طلاق بائن، أو طلاق رجعي (¬1). والتصريح (¬2) بخطبة المعتدة -أي عدة كانت- حرام؛ وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن التصريح بالخطبة في العدة حرام" (¬3). 2 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن التصريح بالخطبة لا يجوز في عدة الغير" (¬4). 3 - القرطبي (671 هـ) ونسبه لابن عطية (¬5) فقال: "أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها، وتنبيه عليه، لا يجوز، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز" (¬6). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة، ولو كانت ¬
[7 - 10] التعريض بخطبة المعتدة من وفاة
من عدة وفاة، باتفاق المسلمين" (¬1). 5 - العيني (855 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منع الخطبة، وجواز التعريض في المتوفى عنها زوجها" (¬2). 6 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "وصريح خطبة المعتدة حرام، . . . إجماعًا" (¬3). 7 - الشربيني (977 هـ) ونسبه لابن عطية فقال: "لا يحل تصريح لمعتدة. . .، وحكى ابن عطية الإجماع على ذلك" (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)} [البقرة: 235]. المراد بالعزم على عقدة النكاح: التصريح بالخطبة، وقد نهى اللَّه عن ذلك (¬5). 2 - أن قول المرأة في انقضاء عدتها مقبول، عندئذٍ تصبح منكوحة في العدة، فحظر اللَّه تعالى التصريح بخطبتها حسمًا لهذا التوهم (¬6). 3 - أن الخاطب إذا صرح بالخطبة تحققت رغبته فيها فربما تكذب في انقضاء العدة، مسارعة إلى مكافأة الزوج، ولما فيها من غلبة الشهوة والرغبة في الأزواج (¬7).Rتحقق الإجماع على أن التصريح بخطبة المعتدة حرام؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [7 - 10] التعريض بخطبة المعتدة من وفاة: قد تكون الخطبة تصريحًا، وقد تكون تعريضًا (¬8)، وقد تكون المرأة معتدة، وقد ¬
تكون غير معتدة، فإن كانت معتدة فإنه يحرُم التصريح بخطبتها كما مر في المسألة السابقة، أما التعريض بالخطبة فإنه يباح في عدة المتوفى عنها زوجها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456) حيث قال: "واتفقوا أن التعريض للمرأة وهي في العدة حلال، . . . إذا كانت من وفاة" (¬1). 2 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "حرَّم اللَّه عقد النكاح في العدة بقوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، وأباح التعريض بالنكاح في العدة، ولم يختلف العلماء من السلف والخلف في ذلك، فهو من المحكم المجتمع على تأويله، إلا أنهم اختلفوا في ألفاظ التعريض" (¬2). 3 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن التصريح بالخطبة لا يجوز في عدة الغير، أما التعريض بالخطبة؛ فيجوز في عدة الوفاة" (¬3). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وأما التعريض فإنه يجوز في عدة المتوفى عنها زوجها، ولا يجوز في عدة الرجعية وما سواها، فهذه المطلقة ثلاثًا لا يحل لأحد أن يواعدها سرًّا، ولا يعزم النكاح، حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وإذا تزوجت بزوج ثانٍ، وطلقها ثلاثًا، لم يحل للأول أن يواعدها سرًّا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وذلك أشد وأشد، وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها، لا تصريحًا ولا تعريضًا باتفاق المسلمين. فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثًا أن يخطبها، لا تصريحًا ولا تعريضًا، باتفاق المسلمين" (¬4). ¬
5 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم مَنْ مات عنها زوجها" (¬1). ونقله عنه الشوكاني (¬2). 6 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "قوله: ولا بأس بالتعريض في الخطبة؛ أراد المتوفَّى عنها زوجها؛ إذ التعريض لا يجوز في المطلقة بالإجماع" (¬3). 7 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "لا يجوز التعريض إلا للمتوفى عنها زوجها بالإجماع" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة هو قول ابن عباس، ومجاهد (¬5)، والثوري (¬6)، والأوزاعي (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235]. 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جاء إلى أم سلمة بعد وفاة أبي سلمة، وهي تبكي، وقد وضعت خدها على التراب حزنًا على أبي سلمة، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قولي: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له، واعقبني منه عقبى حسنة، وعوضني خيرًا منه"، قالت أم سلمة: فقلت في نفسي: مَنْ خير لي من أبي سلمة؛ أول المهاجرين هجرة، وابن عمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وابن عمي؟ فلما تزوجني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-علمت أنه خير منه (¬8). ¬
[8 - 11] التعريض بخطبة المعتدة البائن
• وجه الدلالة: 1 - دل هذا الخبر على جواز التعريض بخطبة المعتدة من الوفاة (¬1). 2 - أن اللَّه سبحانه وتعالى لما خص التعريض بالإباحة دل على تحريم التصريح (¬2). 3 - أن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها، والتعريض بخلافه (¬3).Rتحقق الإجماع على إباحة التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [8 - 11] التعريض بخطبة المعتدة البائن: إذا طُلّقت المرأة طلاقًا بائنًا فإن عدة الطلاق تلزمها، ولا يجوز التصريح بخطبتها وهي في العدة، أما التعريض فقد نُقل اتفاق العلماء على إباحته. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (456) حيث قال: "واتفقوا أن التعريض للمرأة وهي في العدة حلال، إذا كانت العدة في غير رجعية" (¬4). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن حزم من الاتفاق على إباحة التعريض بالخطبة للمعتدة من طلاق بائن وافق عليه المالكية (¬5)، والشافعية في الصحيح من أحد القولين (¬6)، والحنابلة في المذهب (¬7). • مستند الاتفاق: ما روت فاطمة بنت قيس -رضي اللَّه عنها- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها لما طلقها زوجها ثلاثًا: "إذا حللت فآذنيني"، وفي رواية: "لا تسبقيني بنفسك"، وفي لفظ: "لا تفوتينا بنفسك" (¬8). • وجه الدلالة: أن ما قاله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لفاطمة هو تعريض بخطبتها في عدتها، وهي مطلقة بائن (¬9). ¬
[9 - 12] التعريض بخطبة الرجعية
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (¬1)، والشافعية في قول (¬2)، والحنابلة في رواية (¬3) إلى القول بمنع التعريض بخطبة المعتدة من طلاق بائن. • أدلة هذا القول: 1 - أن العدة من حق الزوج، والتعريض بخطبتها يورث عداوة بين الخاطب والزوج (¬4). 2 - أن صاحب العدة قد ينكح مطلقته البائن -بغير الثلاث- فأشبهت الرجعية، والمفسوخ نكاحها (¬5).Rعدم صحة ما ذكر من الاتفاق على إباحة التعريض بالخطبة للمعتدة من طلاق بائن؛ لخلاف الحنفية، والشافعية في أحد القولين، والحنابلة في رواية، بمنعه. [9 - 12] التعريض بخطبة الرجعية: إذا كانت المطلقة معتدة من طلاق رجعي، فإنه يحرم التعريض -والتصريح من باب أولى- بخطبتها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456) حيث قال: "واتفقوا أن التعريض للمرأة، وهي في العدة حلال، إذا كانت العدة في غير رجعية" (¬6). 2 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "لا يجوز التعريض بخطبة الرجعية إجماعًا" (¬7). ونقله عنه الحطاب (¬8). 3 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وأما التعريض فإنه يجوز في عدة المتوفى عنها زوجها، ولا يجوز في عدة الرجعية وما سواها، فهذه المطلقة ثلاثًا لا يحل لأحد أن يواعدها سرًّا، ولا يعزم النكاح، حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين" (¬9). 4 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "قوله: ولا بأس بالتعريض في الخطبة أراد المتوفى عنها زوجها؛ إذ التعريض لا يجوز في المطلقة بالإجماع" (¬10). ونقله عنه ابن ¬
عابدين (¬1). 5 - المرداوي (885 هـ) حيث قال: "ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة، ولا التعريض بخطبة الرجعية، بلا نزاع" (¬2). 6 - الحصكفي (¬3) (1088 هـ) حيث قال: "وصح التعريض، كـ: أريد التزوج، لو معتدة الوفاة، لا المطلقة إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم التعريض بخطبة المطلقة الرجعية، وافق عليه الشافعية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - أن المطلقة من طلاق رجعي لها حكم الزوجات، فهي كالتي في صلب النكاح (¬6). 2 - أن المطلقة لا يجوز لها الخروج من بيتها أصلًا، فلا يُتمَكَّن من التعريض على وجه لا يخفى على الناس (¬7). 3 - أن المطلقة طلاقًا رجعيًّا زوجة للمطلق؛ لقيام ملك النكاح من كل وجه، فلا تجوز خطبتها، كما لا تجوز قبل الطلاق (¬8). 4 - أن التعريض للمطلقة بالخطبة يفضي إلى العداوة بين المعرِّض والمطلق (¬9).Rتحقق الإجماع على تحريم التعريض بخطبة المعتدة من طلاق رجعي؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ¬
[10 - 13] تصريح الزوج وتعريضه للبائن بغير طلاق
[10 - 13] تصريح الزوج وتعريضه للبائن بغير طلاق: إذا بانت المرأة من زوجها بخلع، أو بفسخ نكاح بسبب عيب، أو إعسار بنفقة، أو طلاق بغير الثلاث، ونحو ذلك، فإنه يحل لزوجها التصريح والتعريض بخطبتها في زمن العدة، دون غيره، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وكثير من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين؛ فإن المرأة لا يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها، سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو وفاة، قال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]، فنهى اللَّه تعالى عن المواعدة سرًّا، وعن عزم عقدة النكاح، حتى يبلغ الكتاب أجله، وإذا كان هذا في عدة الموت فهو في عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين" (¬1). 2 - المرداوي (885 هـ) حيث قال: "محل الخلاف (¬2) إذا كان المعرض أجنبيًّا، فأما من كانت في عصمته فإنه يباح له التعريض والتصريح بلا نزاع" (¬3). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء الحنابلة من الاتفاق على أنه يجوز للزوج أن يصرح بالخطبة، ويعرِّض للمعتدة البائن بغير طلاق ثلاث منه، وافق عليه الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، وابن حزم (¬7). • مستند الاتفاق: 1 - يجوز للزوج التصريح والتعريض بخطبتها؛ لأنه مباح له نكاحها في عدتها، فهي كغير المعتدة بالنسبة له (¬8). 2 - ورود النهي المانع من نكاح المعتدة إنما هو في حق الأجانب دون الأزواج؛ ¬
[11 - 14] نظر الرجل إلى الرجل
لأن العدة إنما لزمتها حقًّا للزوج، لكونها باقية على حكم نكاحه (¬1).Rصحة ما ذكر من الاتفاق على أنه يجوز للزوج أن يصرح ويعرض بالخطبة للمعتدة البائن منه بغير طلاق ثلاث؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [11 - 14] نظر الرجل إلى الرجل (¬2): نقل الاتفاق جمع من أهل العلم على إباحة نظر الرجل إلى الرجل مع أمن الفتنة، وتحريم النظر إلى عورته. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن القطان (¬3) (628 هـ) حيث قال: "نظر الرجال إلى الرجال، هذا جائز بلا خلاف، ما لم يكن المنظور إليه من جسد الرجل عورة" (¬4). 2 - النووي (676 هـ) حيث قال: "تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا لا خلاف فيه" (¬5). ونقله عنه ابن حجر (¬6). 3 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "ويحل بلا شهوة عند أمن الفتنة نظر رجل إلى رجل اتفاقًا" (¬7). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن القطان من المالكية، وعلماء الشافعية من الاتفاق على إباحة نظر الرجل إلى الرجل عند أمن الفتنة، وتحريم النظر إلى عورته وافق عليه الحنفية (¬8)، والحنابلة (¬9)، وابن حزم (¬10). ¬
[12 - 15] النظر إلى المرأة الأجنبية
• مستند الاتفاق: عن أبي سعيد الخدري (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" (¬2).Rصحة ما ذكر من الاتفاق على إباحة نظر الرجل إلى الرجل، وتحريم النظر إلى العورة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [12 - 15] النظر إلى المرأة الأجنبية: حرّم اللَّه سبحانه وتعالى الزنى، وحرّم كل ما يؤدي إليه من نظرة محرّمة وخلوة، ونحو ذلك، ومن هنا حرّم النظر إلى المرأة الأجنبية، أو إلى وجهها عند خوف الفتنة، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - النووي (676 هـ) حيث قال: "نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل، حرام بالإجماع" (¬3). 2 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية، وذوات المحارم بشهوة" (¬4). وقال أيضًا: "فأما مؤاخاة الرجال النساء الأجانب، وخلوهم بهن، ونظرهم إلى الزينة الباطنة منهن: فهذا حرام باتفاق المسلمين" (¬5). 3 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "ويحرم نظر فَحْلٍ بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية بلا خلاف، . . . وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بها لجماع أو مقدماته بالإجماع" (¬6). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره النووي، والشربيني من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة من الإجماع على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، أو إلى وجهها عند خوف ¬
[13 - 16] الخلوة بالمرأة الأجنبية
الفتنة، وافق عليه الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، وابن حزم الظاهري (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]. • وجه الدلالة: افترض اللَّه سبحانه وتعالى غض البصر جملة، كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط (¬4). 2 - عن جرير بن عبد اللَّه البجلي -رضي اللَّه عنه- قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري (¬5). 3 - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: قال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" (¬6). 4 - في إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم، عند عدم ذلك؛ إذ لو كان مباحًا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه؟ (¬7). 5 - أن النظر هو مظنة الفتنة ومحرك الشهوة، فكان سببًا في الوقوع في الحرام، فكان حرامًا إلا في حالة ضرورة تدعو، كشهادة ونحوها (¬8).Rتحقق الإجماع على تحريم النظر إلى المرأة بشهوة، أو إلى وجهها عند خوف الفتنة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [13 - 16] الخلوة بالمرأة الأجنبية: من الأمور المقررة في الشريعة تحريم الزنى، وتحريم دواعية، ومن ذلك تحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، فحرام باتفاق العلماء" (¬9). ¬
[14 - 17] نظر المرأة إلى الرجل
2 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فأما مؤاخاة الرجال النساء الأجانب، وخلوهم بهن، ونظرهم إلى الزينة الباطنة منهن: فهذا حرام باتفاق المسلمين" (¬1). 3 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3). 4 - الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: "دل الحديث (¬4) على تحريم الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع" (¬5). وقال أيضًا: "وفي الحديث دليل على أنه يحرم الخلوة بالأجنبية، وأنه يباح له الخلوة بالمحرم، وهذان الحكمان مجمع عليهما" (¬6). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية وافق عليه الحنفية (¬7)، والمالكية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم" (¬9). 2 - عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الأخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان" (¬10).Rتحقق الإجماع على أنه يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وذلك لعدم وجود مخالف. [14 - 17] نظر المرأة إلى الرجل: كما يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة بشهوة، كذلك يحرم على المرأة النظر ¬
إلى الرجل بشهوة، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (676 هـ) حيث قال: "وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي، فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق" (¬1). ونقله عنه ابن حجر (¬2)، وابن قاسم (¬3). وقال أيضًا: "نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع" (¬4). ونقله عنه ابن حجر (¬5). • الموافقون على الإجماع: ما نقله علماء الشافعية، وابن قاسم من الحنابلة من الإجماع على تحريم نظر المرأة إلى الرجل إن كان بشهوة وافق عليه الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ} [النور: 31]. • وجه الدلالة: أمر اللَّه سبحانه وتعالى النساء بغض أبصارهن كالرجال، فيحرم في حقها النظر إلى الرجل، كما يحرم في حق الرجل النظر إليها (¬8). 2 - عن نبهان (¬9) مولى أم سلمة، أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وميمونة (¬10)، قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم (¬11) فدخل عليه، وذلك بعد ¬
[15 - 18] النظر بين الزوجين
ما أنزل اللَّه الحجاب، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "احتجبا منه"، فقلت: يا رسول اللَّه أليس هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه" (¬1).Rتحقق الإجماع على تحريم نظر المرأة إلى الرجل إن كان بشهوة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [15 - 18] النظر بين الزوجين: يجوز لكلٍّ من الزوجين أن ينظر إلى جميع بدن الآخر، حتى الفرجين، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "المرأة كلها عورة، . . . إلا ما لا خلاف فيه من أنه لا يحل لغير الزوج النظر إليه من الفرج والدبر" (¬2). ¬
2 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "لا يحل لأحد أن يبدي عورته، ويكشف فرجه إلى آدمي ينظر إليه من رجل أو امرأة، إلا من كانت حليلته امرأته أو سريته، وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا بين المسلمين" (¬1). 3 - ابن القطان (628 هـ) حيث قال: "لا يحرم على أحد الزوجين إبداء شيء لصاحبه من نفسه، ولا خلاف فيه" (¬2). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره علماء المالكية، وابن حزم من إباحة نظر كل من الزوجين إلى بدن الآخر، حتى الفرجين وافق علية الحنفية (¬3)، والشافعية في أحد الوجهين (¬4)، والحنابلة في المذهب (¬5). • مستند نفي الخلاف: 1 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون: 5، 6]. • وجه الدلالة: أمر سبحانه وتعالى بحفظ الفرج إلا عن الزوجة وملك اليمين، فلا ملامة في ذلك، وهذا عموم في رؤيته، ولمسه، ومخالطته (¬6). 2 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: كنت أغتسل أنا والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد (¬7). قال ابن حجر: وحديث عائشة نص في المسألة (¬8). 3 - عن معاوية بن حيدة (¬9) -رضي اللَّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللَّه، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك" (¬10). ¬
• وجه الدلالة: في هذا الحديث دلالة على إباحة النظر إلى عورة الزوجة (¬1). 4 - أنه يحل الاستمتاع بالفرج، فجاز النظر إليه ولمسه، كبقية البدن (¬2). • الخلاف في المسألة: نُقل القول بكراهة النظر إلى الفرجين بين الزوجين، فقد قال الأقفهسي (¬3) من المالكية: المراد بالفرج القبل، لا الدبر؛ لأنه لا يجوز التمتع بالدبر، فلا يجوز النظر إليه (¬4)، والوجه الصحيح عند الشافعية (¬5)، وقول لبعض الحنابلة (¬6). • أدلة هذا القول: 1 - ما روت مولاة عائشة عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها قالت: ما رأيت من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا رأى مني (¬7). 2 - ما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "النظر إلى الفرج يورث الطمس" (¬8). أي: العمى. ¬
[16 - 19] النظر إلى الأمرد
3 - عن عتبة بن عبد السلمي (¬1) قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد العيرين" (¬2).Rصحة ما ذكر من نفي الخلاف في إباحة نظر كل من الزوجين إلى الآخر، حتى الفرجين؛ لأن القول بالكراهة لا ينافي الجواز. [16 - 19] النظر إلى الأمرد: نقل الإجماع على تحريم النظر إلى الأمرد إن كان بشهوة (¬3) جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن القطان (628 هـ) حيث قال: "إن كان المنظور إليه أمرد مدركًا، أو غلامًا أي: غير مدرك، . . . فهذا مما لا خلاف في تحريم النظر إليه، بل يحرم بالإجماع أن يقصد إلى ذلك" (¬4). 2 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء، أو كانت شهوة التلذذ بالنظر، كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلومًا لكل أحد أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة. . . وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب، وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك. . . فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق" (¬5) ونقله عنه ابن ¬
[17 - 20] ما يحرم النظر إليه من المحارم
القاسم (¬1). 3 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "ويحرم نظر أمرد بشهوة، بالإجماع" (¬2). وذكره أيضًا في الإقناع (¬3). 4 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "أجمعوا على أنه يحرم النظر لغير الملتحي لقصد التلذذ بالنظر إليه، وإمتاع حاسة البصر بمحاسنه، وأجمعوا على جواز النظر إليه بغير قصد اللذة، والناظر مع ذلك آمِن من الفتنة" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم النظر إلى الأمرد إن كان بشهوة وافق عليه الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - يستدل بما ورد من أدلة في الأمر بغض البصر، ويضاف إلى ذلك. 2 - أنه قدم وفد عبد القيس (¬6) على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيهم غلام أمرد، ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وراء ظهره (¬7).Rتحقق الإجماع على تحريم النظر إلى الأمرد إن كان بشهوة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [17 - 20] ما يحرم النظر إليه من المحارم: نُقل الإجماع على تحريم النظر إلى المحارم من النساء ما بين السرّة إلى الركبة، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وتحريم النظر إليهن مطلقًا إن كان بشهوة. ¬
• من نقل الإجماع: 1 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "ولا ينظر الفحل إلى محرمه الأنثى من نسب أو رضاع أو مصاهرة ما بين سرّة وركبة منها، أي: ويحرم نظر ذلك إجماعًا" (¬1). 2 - ابن القاسم (1392 هـ) حيث قال: "لا خلاف في النظر على الوجه المباح إلى ذوات محارمه، كأمه، وأخته، وابنته، كما أنه لا خلاف في منعه على وجه الالتذاذ والاستمتاع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره ابن قاسم من الحنابلة من تحريم النظر إلى المحارم بشهوة وافق عليه الحنفية (¬3)، والمالكية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). ثانيًا: ما ذكره الشربيني من الشافعية، من تحريم النظر إلى ما بين السرّة والركبة من المحارم، سواء كان بشهوة أو غيرها، وافق عليه الحنفية (¬7)، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)} [النور: 30]. 2 - قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31]. 3 - قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا ¬
أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)} [الأحزاب: 55]. • وجه الدلالة: أمر اللَّه سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه منهم؛ حذرًا من الافتتان (¬1). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية (¬2)، والشافعية في وجه (¬3)، والحنابلة (¬4) إلى أن المقدار الذي يراه الرجل من محارمه هو ما يظهر غالبًا، كالوجه والذراعين، والقدمين، وما فوق النحر؛ فلا يدخل الصدر، والبطن، والساقان، فيما يجوز للرجل أن يراه من محرمه. • أدلة هذا القول: استدلوا بما ذكر في مستند الإجماع، وحملوا الزينة التي تظهر للمحارم على ما يظهر غالبًا عند المهنة (¬5). ثانيًا: ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز للرجل أن يرى من محرمه كل جسمها، ما عدا السوأتين (¬6). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} الآية [النور: 31]. • وجه الدلالة: 1 - ذكر اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية أن للمرأة زينتين: ظاهرة، وهي الوجه والكفان، وباطنة لا يراها إلا من ذكر في الآية (¬7). 2 - أن غير الزوج يحرم عليه النظر إلى الفرجين، فيحل للرجل أن يرى من محارمه كل جسمها، ما عدا الفرجين (¬8).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه يحرم النظر إلى المحارم بشهوة، ولا ¬
مخالف في هذا. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن يجوز للرجل أن يرى من محارمه كل جسمها، ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لما يأتي: 1 - خلاف المالكية، والشافعية في أحد الوجهين، والحنابلة، أن الرجل لا يرى من محارمه إلا ما يظهر غالبًا، كالوجه، والرأس، والقدمين، ونحوها. 2 - خلاف ابن حزم في إباحة أن يرى الرجل من محارمه كل جسمها، ما عدا الفرجين. * * *
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في ألفاظ النكاح وشروطه
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في ألفاظ النكاح وشروطه [1 - 21] انعقاد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج: ينعقد النكاح بالإيجاب والقبول عند جميع الفقهاء، فهما من الأمور المعتبرة في عقد النكاح كسائر العقود (¬1)؛ واختلفوا ما الذي يكون أولًا؛ هل هو الإيجاب أو القبول؟ (¬2). وقد نُقل الإجماع على أن الصيغة التي ينعقد بها كل من الإيجاب والقبول هي: الإنكاح، والتزويج، وهما اللفظان الصريحان في النكاح. • من نقل الإجماع: 1 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا قال الولي: زوجتك، أو أنكحتك، فقال الزوج: قبلت هذا النكاح، فإنه ينعقد النكاح" (¬3). ¬
ونقله عنه السيوطي (¬1) (¬2)، والشربيني (¬3)، وابن قاسم (¬4). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "لا خلاف أن النكاح ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج" (¬5). 3 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على انعقاد النكاح بلفظ النكاح ممن إذنه اللفظ، وكذلك بلفظ التزويج" (¬6). 4 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج، والجواب عنهما، إجماعًا" (¬7). ونقله عنه ابن قاسم (¬8). 5 - ابن أبي عمر (682 هـ) فذكره كما قال ابن قدامة (¬9). 6 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "أما انعقاده بلفظ النكاح والتزويج فلا خلاف فيه" (¬10). 7 - ابن عابدين (1252 هـ) حيث قال: "وإنما يصح بلفظ تزويج ونكاح؛ لأنهما صريح، . . . اعلم أن الصريح ينعقد به النكاح بلا خلاف" (¬11). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن النكاح ينعقد بلفظي الإنكاح والتزويج، وافق عليه ابن حزم (¬12). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]. 2 - وقال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]. ¬
3 - وقال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: 230]. • وجه الاستدلال بالآيات: قالوا: سمى اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه "النكاح" باسمين؛ هما: النكاح والتزويج؛ فيجب المصير إليهما، وعلى هذا فالفروج محرّمة قبل العقد، فلا تحل أبدًا إلا بأن يقول الولي: قد زوجتكها، أو أنكحتكها، ويقول الخاطب: قد قبلت تزويجها، أو نكاحها (¬1). 4 - جاءت امرأة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إني وهبت من نفسي، فقامت طويلًا، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة. . . قال: "قد زوجناكها بما معك من القرآن" (¬2). 5 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع: "إن النساء عوان عندكم لا يملكن من أمورهن شيئًا، إنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه" (¬3). موضع الدليل من هذا الحديث: "واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه"، وليس في كتاب اللَّه إلا لفظ النكاح والتزويج، فدل على أنه لا تستحل الفروج إلا بهما (¬4). 6 - أن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تُتَلَقَّى من الشرع، والشرع لم يرد إلا بلفظي الإنكاح والتزويج (¬5).Rتحقق الإجماع على أن النكاح ينعقد بلفظي الإنكاح والتزويج؛ وذلك لعدم وجود مخالف. • تنبيه: لا يجوز أن تقصر الألفاظ التي يصح بها النكاح على هذين اللفظين؛ لما يأتي: 1 - يرى الحنفية (¬6)، والمالكية (¬7) أن النكاح ينعقد بالألفاظ التالية: البيع، والهبة، ¬
[2 - 22] عدم انعقاد النكاح بلفظ الإباحة والإحلال
والصدقة، والتمليك. 2 - يرى الشافعية (¬1)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (¬2) أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج. 3 - يرى ابن حزم أن النكاح ينعقد بلفظ التمليك (¬3). 4 - يرى ابن تيمية -وهو قياس المذهب- أن النكاح ينعقد بكل لفظ عده الناس نكاحًا (¬4). [2 - 22] عدم انعقاد النكاح بلفظ الإباحة والإحلال: لا ينعقد النكاح بلفظ الإباحة والإحلال، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله: قد أبحت لك، أو قد أحللت لك" (¬5). وذكره في الاستذكار (¬6). ونقله عنه القرافي (¬7)، والمواق (¬8) (¬9)، والحطاب (¬10). 2 - القرطبي (671 هـ) فذكره كما قال ابن عبد البر (¬11). 3 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: ". . . وقسم لا خلاف في عدم الانعقاد به"، ثم ذكره بعد، فقال: "لا ينعقد بلفظ الإباحة والإحلال" (¬12). 4 - ابن عابدين (1252 هـ) حيث قال: "وقسم لا خلاف في عدم الانعقاد به؛ وهو ¬
[3 - 23] لا خيار في عقد النكاح
لفظ الإباحة والإحلال" (¬1). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنفية، والمالكية من الإجماع على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الإباحة والإحلال وافق عليه الشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - يستدل بما سبق في المسألة السابقة من الأدلة، على أنه لا يجوز الخروج عن اللفظين اللذين ورد بهما الشرع. 2 - لا ينعقد النكاح بلفظ الإباحة والإحلال؛ لأنه لا يدل على تمليك المتعة في كل منهما (¬5). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب بعض المالكية - كما نقل ابن القصار عنهم - أن النكاح ينعقد بلفظ الإباحة والإحلال، إن أريد بذلك النكاح (¬6). ثانيًا: يرى ابن تيمية أن النكاح ينعقد بكل لفظ عده الناس نكاحًا، بأي لغة، وبأى لفظ وفعل كان (¬7). • يستدل للقولين بما يلي: أن عقد النكاح كغيره من العقود، وأن الشرط بين الناس ما عدوه شرطًا، فالأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، فكذلك سائر العقود (¬8).Rعدم تحقق الإجماع على أن النكاح لا ينعقد بلفظي الإباحة والإحلال، لخلاف بعض المالكية، وابن تيمية في انعقاده بكل لفظ يدل على النكاح. [3 - 23] لا خيار في عقد النكاح: لا يثبت في عقد النكاح خيار لأحد الزوجين، كأن يعقد النكاح على أن يكون ¬
لأحدهما الخيار، سواء كان خيار مجلس، أو شرط، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "ولم أعلم مخالفًا في الجملة أن النكاح لا يجوز على الخيار، كما تجوز البيوع" (¬1). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ولا يثبت في النكاح خيار، وسواء في ذلك خيار المجلس، وخيار الشرط، ولا نعلم أحدًا خالف في هذا" (¬2). 3 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "ولا يثبت في النكاح خيار بلا خلاف" (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره الإمام الشافعي، وعلماء الحنابلة -من أنه لا خلاف بين العلماء أنه لا خيار في عقد النكاح- وافق عليه الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - الحاجة داعية إلى النكاح؛ فلا يقع غالبًا إلا بعد تروٍّ وفكر، وسؤال كل واحد من الزوجين عن صاحبه، والمعرفة بحاله، فهو بخلاف البيع الذي يقع بغير فكرٍ وروية (¬7). 2 - أن النكاح ليس بمعاوضة محضة، ولهذا لا يعتبر العلم بالمعقود عليه برؤية ولا صفة (¬8). 3 - أن النكاح يصح من غير تسمية العوض، فليس ركنًا فيه، ولا مقصودًا منه (¬9). 4 - أن ثبوت الخيار في النكاح يفضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة والإضرار بها (¬10). 5 - مما يدل على عدم ثبوت الخيار في النكاح؛ وحتى لا تبتذل المرأة، ولا يُضر ¬
[4 - 24] تعيين الزوجين عند عقد النكاح
بها، أنه يجب نصف الصداق إذا طلقت قبل الدخول (¬1).Rصحة ما ذكر من أنه لا خلاف بين العلماء في أنه لا خيار في عقد النكاح. [4 - 24] تعيين الزوجين عند عقد النكاح: اشتراط تعيين الزوجين في عقد النكاح مما اتفق الفقهاء عليه، فلا يعقد النكاح على مبهمة؛ كأن يقول الرجل: زوجني إحدى ابنتيك، ونحو ذلك، فلا بد أن يُسمَّى كل من الزوجين بما يدل عليه. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "إن العلماء، وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبديّ هذين بثمن كذا؛ فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح؛ لأنه خيار، ولا شيء من الخيار يلصق بالنكاح" (¬2). 2 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "إذا اختلف الفقهاء في تعيين المعقود عليه في البيع، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح" (¬3). 3 - المرداوي (885 هـ) حيث قال: "وشروطه خمسة: أحدها: تعيين الزوجين. . . بلا نزاع في ذلك في الجملة" (¬4). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء المالكية، والمرداوي من الحنابلة من الاتفاق على أنه يشترط تعيين الزوجين في عقد النكاح وافق عليه الحنفية (¬5)، والشافعية (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - أن عدم تعيين الزوجين في عقد النكاح فيه خيار، وشيء من الخيار لا يصح في عقد النكاح (¬7). 2 - أن الرضا لا يتحقق بالمجهول؛ فلا بد من التعيين (¬8). ¬
[5 - 25] رضى الزوج الكبير
Rصحة ما ذكر من الاتفاق على أنه يشترط تعيين الزوجين في عقد النكاح. [5 - 25] رضى الزوج الكبير: يُشترط في عقد النكاح أن يرضى الزوج البالغ بأن يعقد النكاح، فإنه ليس لأحد أن يلزمه بذلك، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن الذكر إذا بلغ؛ لا مدخل لأبيه ولا لغيره في إنكاحه أصلًا" (¬1). 2 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن رشد من المالكية، وابن حزم الظاهري من الإجماع على أنه يشترط رضى الزوج البالغ في عقد النكاح وافق عليه الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، والحنابلة (¬6). • مستند الإجماع: 1 - أن النكاح لا يكون إلا من جائز التصرّف، ولا يكون الإنسان جائز التصرف إلا بالعقل والبلوغ، فاعتبر رضاه عندئذٍ (¬7). 2 - أن رضى الزوجين شرط في صحة العقد؛ لأن العقد لهما؛ فاعتبر تراضيهما به كالبيع، فإن لم يرضيا أو أحدهما لم يصح العقد؛ لفوات شرطه (¬8).Rتحقق الإجماع على أنه يشترط في عقد النكاح رضى الزوج الكبير، وأنه ليس لأحد أن يلزمه بالعقد، وذلك لعدم وجود مخالف. ¬
[6 - 26] تزويج الصغير
[6 - 26] تزويج الصغير: نقل جمع من أهل العلم الإجماع على أن للأب إجبار ابنه الصغير على النكاح، وأن رضاه غير معتبر. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن إنكاح الأب ابنه الصغير جائز" (¬1). 2 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا يستأمرها" (¬2). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "فأما الغلام السليم من الجنون فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن لأبيه تزويجه" (¬3). 4 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "ولا خلاف في جواز إنكاحه ابنه الصغير" (¬4). 5 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "لا خلاف أن للأب تزويج ابنه الغلام العاقل بغير إذنه" (¬5). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن للأب إجبار ابنه الصغير على النكاح، وأن رضاه غير معتبر وافق عليه الحنفية (¬6). وهو قول عروة بن الزبير (¬7)، وعامر الشعبي (¬8)، والنخعي (¬9)، والحسن البصري، . . . . . . . .. ¬
وعطاء (¬1)، والزهري (¬2)، وإسحاق، وقتادة (¬3)، والثوري في أحد القولين عنهما (¬4). • مستند الإجماع: 1 - أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير ابنة أخيه (¬5). 2 - أن الأب كامل الرأي، وافر الشفقة، فيباشر العقد عنه، كما إذا باشره بعد البلوغ برضاه (¬6). • الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم الظاهري إلى أنه ليس للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدًا (¬7). وهو قول طاوس (¬8)، وقتادة، والثوري في القول الآخر عنهما (¬9). • دليل هذا القول: قال تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164]. • وجه الدلالة: قول اللَّه تعالى هنا مانع من جواز عقد أحد على أحد، إلا أن يوجب ذلك إنفاذ نص قرآن أو سنة، ولا نص ولا سنة في جواز إنكاح الأب ابنة الصغير (¬10). ¬
[7 - 27] استئذان البكر البالغة في النكاح
Rأولًا: ما ذكره العلماء من أن للأب إجبار ابنه الصغير على النكاح، وأن رضاه غير معتبر صحيح لدى المذاهب الأربعة، فيمكن أن يقال: إنه اتفاق الأئمة الأربعة. ثانيًا: لا يقال: إن المسألة مجمع عليها، بل المسألة خلافية؛ لخلاف طاوس، وقتادة، والثوري في أحد القولين عنهما، وابن حزم. ثالثًا: ما ذكره ابن حزم، ونقله عن بعض السلف بأنه ليس للأب إنكاح ابنه قبل البلوغ فهو معارض بمثله عمن نقله عنهم، وعن غيرهم. [7 - 27] استئذان البكر البالغة في النكاح: استئذان البكر البالغة في النكاح مستحب وليس واجبًا، وهذا يعني أن للأب أن يجبر ابنته على النكاح، ويبقى الاستئذان على الاستحباب، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ولو استأذن البكرَ البالغة والدُها كان حسنًا، لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب استئذانها" (¬1). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أنه يستحب استئذان البكر البالغة في عقد النكاح، وللأب إجبارها وافق عليه المالكية (¬2)، والشافعية (¬3). • مستند نفي الخلاف: 1 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قلت: يا رسول اللَّه، تُستأمَر النساء في أبضاعهن؟ قال: "نعم"، قلت: فإن البكر تُستأمَر فتستحي فتسكت، قال: "سكاتها إذنها" (¬4). • وجه الدلالة: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاستئذان، ونهى عن النكاح بدونه، وأقل أحوال ذلك الاستحباب (¬5). 2 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أراد أن يزوج شيئًا من بناته جلس ¬
[8 - 28] استحباب استئذان الأم في تزويج ابنتها
إلى خدرها، فقال: "إن فلانًا يذكر فلانة" يسميها ويسمي الرجل الذي يذكرها، فإن هي سكتت زوجها، وإن كرهت نقرت الستر، فإذا نقرته لم يزوجها (¬1). 3 - يستحب له أن يستأذنها؛ لأنه قد يكون بها عيب لا يعلمه، ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به، فيتحرز منه (¬2). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (¬3)، والحنابلة في رواية (¬4) اختارها ابن تيمية (¬5)، وابن حزم (¬6) إلى أن البكر البالغة لا إجبار عليها، ولا بد من استئذانها. • أدلة هذا القول: 1 - حملوا دلالة النصوص التي استدل بها الجمهور في مستند الإجماع على الوجوب (¬7). 2 - أنها حرة مخاطبة فليس لأحد إجبارها، فقد كمل عقلها بالبلوغ (¬8).Rما ذكر من أنه لا خلاف في استحباب استئذان البكر، وأنه ليس على الوجوب، فللولي أن يجبر ابنته البكر البالغة على النكاح غير صحيح؛ لخلاف الحنفية، والحنابلة في رواية، وابن حزم، حيث قالوا: إنه ليس له إجبارها، وأنه يجب استئذانها. [8 - 28] استحباب استئذان الأم في تزويج ابنتها: للأب أن يستشير امرأته عند تزويج ابنتها على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "ولا يختلف الناس أن ليس لأمها أمر، ولكن على معنى استطابة النفس" (¬9). ونقله عنه ابن حجر (¬10)، والشوكاني (¬11). ¬
2 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "آمروا النساء في بناتهن" هذا غير لازم بالإجماع، وإنما هو مستحب" (¬1). ونقله عنه الحطاب (¬2). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الشافعية، وابن العربي من المالكية من الإجماع على استحباب مشاورة الرجل امرأته عند إنكاحه ابنتها وافق عليه الحنفية (¬3)، والحنابلة (¬4). • مستند الإجماع: 1 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "آمروا النساء في بناتهن" (¬5). 2 - خطب عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- إلى نعيم بن عبد اللَّه (¬6) ابنته، وهي بكر، فقال له نعيم: إن في حجري يتيما لي لست مؤثرًا عليه أحدًا، فانطلقت أم الجارية امرأة نعيم إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: ابن عمر خطب ابنتي، وإن نعيمًا رده، وأراد أن ينكحها يتيمًا له. فأرسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى نعيم فقال له: "أرضها، وأرض ابنتها" (¬7). • وجه الدلالة: أن الأم تشارك الأب في النظر لابنتها، وتحصيل المصلحة لها، لشفقتها عليها، ففي استئذانها تطييب لقلبها وإرضاء لها، ولأنه إذا كان برضاها حسنت صحبة زوج ابنتها (¬8).Rتحقق الإجماع على أنه يستحب مشاورة الرجل امرأته عند زواج ابنتها؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ¬
[9 - 29] تزويج الثيب الكبيرة
[9 - 29] تزويج الثيب الكبيرة: نقل الإجماع على اعتبار رضى الثيب الكبيرة في النكاح جمع من أهل العلم، وأنه ليس للولي إجبارها. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "أجمعوا أن إنكاح الأب ابنته الثيب بغير رضاها لا يجوز" (¬1). 2 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "ولا أعلم مخالفًا في أن الثيب لا يجوز لأبيها، ولا لغيره من الأولياء إكراهها على النكاح" (¬2)، وذكر ذلك في الاستذكار (¬3). 3 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود" (¬4). 4 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "أما الثيب الكبيرة فلا خلاف أنها أحق من وليها بنفسها في رضى النكاح" (¬5). 5 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن البنت الكبيرة لا تجبر على النكاح" (¬6). ونقله عنه ابن القاسم (¬7). 6 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "ولا خلاف أنهما لا يملكان (¬8) إنكاح الثيب البالغة بغير رضاها" (¬9). 7 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ" (¬10). ونقله عنه ابن قاسم (¬11). وقال أيضًا: "النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح، فاتفقوا على اعتبار رضى الثيب البالغ" (¬12). 8 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها لا ¬
للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين" (¬1). وقال أيضًا: "أما إذا كانت ثيبًا من زوج، وهي بالغ، فهذه لا تنكح إلا بإذنها باتفاق الأئمة" (¬2). 9 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "الثيب البالغ لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها اتفاقًا" (¬3). 10 - العيني (855 هـ) حيث قال: "اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها، أنه لا يجوز، ويرد" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه ليس للأب ولا لغيره أن يجبر ابنته الثيب على النكاح وافق عليه ابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن"، قالوا: يا رسول اللَّه وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (¬6). 2 - عن خنساء بنت خِذام الأنصارية (¬7) أن أباها زوجها، وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرد نكاحه (¬8). 3 - عن عدي بن عدي الكندي عن أبيه (¬9) قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها" (¬10). • الخلاف في المسألة: نقل الخلاف في المسألة عن الحسن البصري، وإبراهيم ¬
[10 - 30] تزويج الصغيرة
النخعي؛ فقال الحسن: للأب أن يزوج ابنته صغيرة كانت أو كبيرة، ثيبًا كانت أو بكرًا، وإن كرهت (¬1). وقال النخعي: يزوج ابنته إن كانت في عياله، فإن كانت بائنة في بيتها استأمرها (¬2).Rتحقق الإجماع على أنه لا بد من رضى الثيب في النكاح، ولا يلتفت لخلاف الحسن، والنخعي، للأسباب التالية: 1 - قال إسماعيل بن إسحاق (¬3): لا أعلم أحدًا قال في البنت بقول الحسن، وهو قول شاذ، خالف فيه أهل العلم، والسنة الثابتة، لما روته خنساء بنت خذام (¬4). 2 - وقال العيني: ولم يلتف أحد من الأئمة إلى هذين القولين لمخالفتهما السنة الثابتة في خنساء وغيرها (¬5). 3 - وصف هذا الخلاف بأنه شاذ، فلا يلتفت إليه (¬6). [10 - 30] تزويج الصغيرة: نُقل الإجماع على جواز إنكاح الأب ابنته الصغيرة بغير رضاها، وأن له أن يجبرها. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن إنكاح الأب ابنته الصغيرة جائز، إذا زوجها بكفء" (¬7). ونقله عنه ابن قدامة (¬8). 2 - الجوهري (350 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن تزويج الصغيرة جائز عليها" (¬9). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته ¬
الصغيرة، ولا يشاورها" (¬1). ونقل الإجماع أيضًا في الاستذكار (¬2). وقال أيضًا: "والأب له أن يزوج الصغيرة بإجماع المسلمين" (¬3). 4 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أنه يجوز للأب والجد تزويج البكر الصغيرة" (¬4). 5 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "فأما البكر الصغيرة، فلا خلاف أنها أحق من وليها بنفسها بين المسلمين، أي: أن أباها يزوجها ولا يلتفت إليها؛ إذ ليس فيها ملتفت" (¬5). (6) ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الأب يملك تزويج البكر الصغيرة من بناته" (¬6). (7) ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ" (¬7). وقال أيضًا: "اتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا يستأمرها، إلا ما روي عن ابن شبرمة (¬8) " (¬9). 8 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "أما البكر الصغيرة فلا خلاف فيها (¬10) " (¬11). 9 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها؛ لأنه لا إذن لها ولا رضى، بغير خلاف" (¬12). 10 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وأجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته البكر ¬
الصغيرة" (¬1). 11 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فإن الشرع لا يمكن غير الأب والجد من إجبار الصغيرة باتفاق الأئمة" (¬2). 12 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا، ولو كانت في المهد" (¬3). وقال ابن حجر أيضًا ونسبه للمهلب (¬4): "أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها" (¬5). وقال أيضًا: "والبكر الصغيرة يزوجها أبوها اتفاقًا، إلا من شذ" (¬6). 13 - العيني (855 هـ)، فذكره بنحو ما ذكر ابن حجر (¬7). 14 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "للأب أو وصيه تزويج ابنته البكر التي لها دون تسع سنين بغير إذنها ورضاها، إذا وضعها في كفء بلا نزاع" (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على جواز إنكاح الأب ابنته الصغيرة بغير رضاها، وأن له أن يجبرها وافق عليه ابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. • وجه الدلالة: جعل اللَّه سبحانه وتعالى عدة اللائي لم يحضن ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من طلاق في نكاح أو فسخ، فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها فيعتبر، وأن نكاحها قبل البلوغ جائز (¬10). 2 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: تزوجني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لِسِتِّ سنين، وبنى بي وأنا بنت ¬
تسع سنين (¬1). 3 - تزوج قدامة بن مظعون (¬2) -رضي اللَّه عنه- ابنة الزبير حين نَفِسَتْ، فقيل له، فقال: ابنة الزبير إن مت ورثتني، وإن عشت كانت امرأتي (¬3). 4 - زوج علي -رضي اللَّه عنه- أم كلثوم ابنته وهي صغيرة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- (¬4). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن عائشة، وابنة الزبير، وأم كلثوم بنت علي كنَّ صغيرات، وعندئذٍ لم يكنَّ في حال يعتبر إذنهن فيه (¬5). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب ابن شبرمة، وأبو بكر الأصم (¬6) إلى أنه ليس للأب أن يزوج ابنته الصغيرة، التي يقل عمرها عن تسع سنين إلا بعد البلوغ (¬7). • دليل هذا القول: تأوُّل ما ورد من أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوج عائشة وهي بنت ست سنين بأن ذلك من خصائصه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثل زواجه بأكثر من أربع نسوة، ونحو ذلك (¬8). ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه أن البنت التي تزيد على تسع سنين، وقبل البلوغ ليس لأبيها أن يجبرها، وهي اختيار ابن تيمية. وقال بعض المتأخرين من الأصحاب: وهي الأقوى (¬9). • دليل هذا القول: 1 - حديث عائشة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بنى بها وهي بنت تسع سنين" (¬10). ¬
[11 - 31] إذن الثيب والبكر في النكاح
2 - ما روته عائشة: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" (¬1).Rأولًا: يمكن القول: إن الإجماع قد تحقق في صحة إنكاح الأب ابنته إذا كانت دون تسع سنين. ثانيًا: لا يقال بأن الإجماع قد تحقق في البنت التي تزيد عن تسع سنين؛ لخلاف الإمام أحمد في رواية عنه أنه لا جبر عليها. ثالثًا: أما خلاف ابن شبرمة، والأصم في منع تزويج البنت الصغيرة قبل البلوغ؛ فلا يعتد به لما يأتي: 1 - لما قال اللَّه تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، دل على ثبوت العدة للصغيرة، وهذا متصور في اعتبار نكاحها شرعًا (¬2). 2 - من ادعى أن ذلك مخصوص بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يلتفت إلى قوله؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، فكل ما فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- فلنا أن نتأسى به ما لم يأتِ نص يبين أنه له خاصة (¬3). 3 - تزوج عمر -رضي اللَّه عنه- أم كلثوم بنت علي -رضي اللَّه عنه-، وهي صغيرة، وتزوج قدامة بن مظعون بنت الزبير يوم ولدت، مع علم الصحابة بذلك؛ فهذا دليل على فهمهم عدم الخصوصية للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في نكاحه عائشة، وهي صغيرة (¬4). 4 - ما نقل من فعل الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في تزوج الصغيرات دال على أن قول ابن شبرمة ومن وافقه مخالف لإجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-؛ حيث لم يثبت عنهم خلاف في ذلك (¬5). [11 - 31] إذن الثيب والبكر في النكاح: الثيب إذنها في النكاح أن تنطق به، والبكر إذنها أن تسكت، فإن صدر الإذن من الثيب، أو البكر بهذه الصفة، فهو الإذن المعتبر شرعًا، ونُقل اتفاق أهل العلم على ¬
ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن البكر إذا استؤذنت في النكاح يكتفى بسكوتها، ويشترط صريح نطق الثيب" (¬1). 2 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "الإذن في النكاح على ضربين: فهو واقع في حق الرجل والثيب من النساء بالألفاظ، وهو في حق الأبكار المستأذنات بالسكوت، أعني الرضى، وأما الرد فباللفظ. ولا خلاف في هذه الجملة" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). 3 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وأما الثيب فلا بد فيها من النطق بلا خلاف" (¬4). 4 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "إذا صرّحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر بخلاف ذلك" (¬5). 5 - الشوكاني (1250 هـ) فذكره بنحو ما قال ابن حجر (¬6). 6 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "ونطق الثيب إذنها بلا خلاف" (¬7). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن إذن الثيب بالكلام، وإذن البكر أن تسكت، وافق عليه الحنفية (¬8)، وابن حزم (¬9). وهو قول شريح، والشعبي، وابن سيرين (¬10)، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة (¬11). • مستند الاتفاق: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا رسول اللَّه وكيف إذنها؟ ¬
قال: "أن تسكت" (¬1). 2 - عن عدي بن عدي الكندي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها" (¬2). • وجه الدلالة: فُرِّق في هذين الحديثين بين إذن الثيب والبكر، فعُبِّر عن إذن الثيب بالاستئمار، وعن إذن البكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة، والإذن دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر؛ فإنه صريح في القول، وإنما جُعِل السكوت إذنًا في حق البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح (¬3). • الخلاف في المسألة: خالف بعض أصحاب الشافعي في صمت البكر خاصة في حق غير الأب، ولهم في ذلك وجهان (¬4): أحدهما: يشترط نطقها الصريح. والثاني: يكفي سكوتها في حق جميع الأولياء؛ لعموم الحديث، وصحح النووي هذا القول (¬5).Rما ذكر من الاتفاق على أن إذن الثيب بالكلام، وإذن البكر أن تسكت صحيح، ولا يلتفت لخلاف من خالف من بعض الشافعية في البكر في حق غير الأب، لما يأتي: 1 - وصف هذا الخلاف بأنه شذوذ عن أهل العلم، وترك للسنة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن إضافته إليه، وجعله مذهبًا له، مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يعرج منصف على هذا القول، كما قال ابن قدامة (¬6). 2 - أن هذا القول لم يعتبره المحققون من الشافعية، وعدّوه خطأ مخالفا لعموم ¬
[12 - 32] النكاح بلا ولي
الأخبار (¬1). [12 - 32] النكاح بلا ولي: ذكر جمع من أهل العلم أن الصحابة لم يختلفوا في أنه لا نكاح بغير ولي، وبناءً على أنهم لم يختلفوا، وليس في التابعين مخالف، ثبت أنه إجماع كما قال الماوردي (¬2). • من نقل الإجماع: 1 - الترمذي (279 هـ) حيث قال: "والعمل في هذا الباب على حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي" عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم، وهكذا روي عن بعض فقهاء التابعين أنهم قالوا: لا نكاح إلا بولي منهم: سعيد ابن المسيب (¬3)، والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز (¬4)، وغيرهم" (¬5). 2 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: "جاءت السنة بأنه: "لا نكاح إلا بولي"، وقد روي هذا عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وأنس، وعمران بن الحصين، وأبي موسى (¬6)، وأثبت هذه الروايات رواية أبي موسى، فهذا ¬
قول من ذكرنا من الصحابة، وليس في التابعين مخالف، فثبت أنه إجماع" (¬1). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال بعد حديث ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي. . . ": "ولا مخالف له من الصحابة علمته" (¬2). 4 - ابن رشد (595 هـ)، فذكره كما قال ابن عبد البر (¬3). 5 - القرطبي (671 هـ)، فذكره بنحو ما قال ابن عبد البر (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء المالكية، والماوردي من الشافعية من الإجماع على اعتبار الولي في عقد النكاح، وافق عليه الحنابلة في المذهب (¬5)، وابن حزم (¬6). وهو قول من سبق ذكره من الصحابة، والتابعين. • مستند الإجماع: 1 - عن أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي" (¬7). 2 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل" (¬8). 3 - قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وعمران بن ¬
الحصين، وأنس (¬1). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (¬2)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬3) إلى أن للمرأة أن تزوج نفسها، إذا كان من تزوجته كفؤًا لها، وهو قول الشعبي، والزهري (¬4). • أدلة هذا القول: استدلوا بالقرآن، والسنة، والمعقول: • أولًا: من القرآن: 1 - قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]. • وجه الدلالة: الآية نص على انعقاد النكاح بعبارة المرأة، فكانت حجة على المخالف (¬5). 2 - قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. • وجه الدلالة: أنه أضاف النكاح إلى المرأة، فيقتضي تصوره منها (¬6). 3 - قال تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230]. • وجه الدلالة: أضاف اللَّه سبحانه وتعالى النكاح إلى المرأة من غير ذكر الولي (¬7). 4 - قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]. • وجه الدلالة: يستدل بهذه الآية من وجهين (¬8): أحدهما: أنه أضاف النكاح إلى النساء، فيدل على جواز النكاح بعبارتهن، من غير شرط الولي. الثاني: أنه نهى الأولياء عن منعهن نكاح أنفسهن أزواجهن، إذا تراضى الزوجان، والنهي يقتضي تصور المنهي عنه. ¬
• ثانيًا: من السنة: 1 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس للولي مع الثيب أمر" (¬1). 2 - وعنه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأيم أحق بنفسها من وليها" (¬2). • وجه الاستدلال من الحديثين: الأيم هنا هي المرأة التي لا زوج لها، وقد قطع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولاية الولي عنها. وفي هذين الحديثين أيضًا إثبات حق الولي في مباشرته عقد النكاح برضاها، وقد جعلها أحق منه؛ ولن تكون أحق منه إلا إذا زوجت نفسها بغير رضاه (¬3). 3 - ما روي عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن، المنذرَ بن الزبير (¬4). • ثالثًا: من المعقول: 1 - أن المرأة لما بلغت عن عقل وحرية، فقد صارت ولية نفسها في النكاح، فلا يبقى أحد مولّيًا عليها، كالصبي إذا بلغ، والجامع بينهما: أن ولاية النكاح على الصبي تثبت للأب بطريق النيابة حتى يبلغ، فإذا بلغ زالت الولاية، فكذا هي (¬5). 2 - أن الحرية منافية لولاية الحُر على الحر؛ وثبوت الشيء مع المنافي لا يكون إلا بطريق الضرورة؛ ولهذا المعنى زالت ولاية النكاح عن الصغير العاقل إذا بلغ، وتثبت ¬
الولاية له، فكذا هي (¬1). 3 - أنه ببلوغها تزول ولاية الأب على مالها، وتثبت الولاية لها، فكذا هنا، لأن الأصل أن كل من يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه يجوز نكاحه على نفسه، ومن لا يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه لا يجوز نكاحه على نفسه (¬2). 4 - وعلى هذا إذا صارت ولية نفسها في النكاح لم يبق لأحدٍ ولاية عليها بالضرورة، لما فيه من الاستحالة (¬3). ثانيًا: ذهب أبو يوسف (¬4)، ومحمد بن الحسن (¬5) من الحنفية (¬6)، إلى أن المرأة إن تولت عقدت نكاحها، فإن ذلك يتوقف على إجازة وليها، أو السلطان. وهو قول علي -رضي اللَّه عنه-، والقاسم بن محمد (¬7)، وابن سيرين، والحسن بن صالح بن حي (¬8)، وإسحاق (¬9). ¬
[13 - 33] يشترط في الولي أن يكون مسلما
• أدلة هذا القول: 1 - عن بحرية بنت هانئ الأعور قالت: زوجها أبوها -وهو نصراني- رجلًا، وزوجت نفسها القعقاع بن شور، فجاء أبوها إلى علي -رضي اللَّه عنه-، فأرسل إليها، ووجد القعقاع قد بات عندها، وقد اغتسل، فجيء به إلى علي، فقال أبوها: فضحتني واللَّه، قال: أترى بنائي يكون سرًّا؟ فارتفعوا إلى علي -رضي اللَّه عنه-، فقال: دخلت بها؟ قال: نعم. فأجاز نكاحها نفسها (¬1). 2 - عن شعبة عن الشيباني قال: كان فينا امرأة يقال لها: بحرية، زوجتها أمها وأبوها غائب، فلما قدم أبوها أنكر ذلك، فرفع ذلك إلى علي بن أبي طالب، فأجاز النكاح (¬2). ثالثًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن الولي لا يشترط مطلقًا، وخصّها أتباعه بعدم الولي أو السلطان (¬3).Rعدم تحقق الإجماع على أن النكاح لا يصح بغير ولي؛ لما يأتي: 1 - الخلاف الواسع في ذلك؛ فقد خالف الحنفية، والإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول الشعبي، والزهري، أن للمرأة أن تلي عقد النكاح بنفسها. 2 - أن ما قيل: إنه لا يوجد في الصحابة مخالف في أنه لا نكاح إلا بولي، فقد قال فيه ابن رشد: وكثير من الناس رأى هذا داخلًا في باب الإجماع؛ وهو ضعيف (¬4). [13 - 33] يشترط في الولي أن يكون مسلمًا: من الشروط التي يرى الفقهاء أنه لا بد من توفرها في الولي؛ أن يكون مسلمًا، فلا يلي الكافر عقد نكاح ابنته المسلمة، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن الكافر لا يكون وليًّا لابنته المسلمة" (¬5). ونقله عنه ابن قدامة (¬6). ¬
2 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن من شرط الولاية: الإسلام، . . . " (¬1). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم" (¬2). 4 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "وأما العبد والكافر في بناتهما فلا يعقدان النكاح عليهن، ولا يستخلفان على ذلك أحدًا، ولا اختلاف في هذا" (¬3). 5 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "لا ولاية لكافر على مسلمة، حكاه ابن المنذر، وابن رشد، والموفق، إجماعًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه يشترط في الولي أن يكون مسلمًا، وافق عليه الحنفية (¬5)، وابن حزم (¬6)، وهو قول أبي عبيد (¬7). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]. 2 - عن عائذ بن عمرو المزني (¬8) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإسلام يعلو ولا يُعلى" (¬9). 3 - أن خالد بن سعيد بن العاص (¬10) زوَّج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . . . . . . . . . . . ¬
[14 - 34] يشترط في الولي أن يكون عاقلا
أم حبيبة (¬1) بنت أبي سفيان، وأبوها حي (¬2). • وجه الدلالة: أن أم حبيبة كانت مسلمة، وابن العاص كان مسلمًا وهو أقرب المسلمين إليها، ولم يكن لأبي سفيان عليها ولاية؛ لأن اللَّه تبارك وتعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين، والمواريث والعقل، وغير ذلك (¬3). • قال الإمام أحمد: بلغنا أن عليًّا أجاز نكاح أخٍ، وردّ نكاح الأب وكان نصرانيًا (¬4).Rتحقق الإجماع على أنه يشترط في الولي الذي يلي عقد نكاح ابنته المسلمة أن يكون مسلمًا؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [14 - 34] يشترط في الولي أن يكون عاقلًا: يشترط في الولي عند توليه عقد ابنته أن يكون عاقلًا، فلا ولاية لمجنون، فإن كان يجن أحيانًا، ويفيق أحيانًا، فتثبت له الولاية حال إفاقته، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "فأما العقل فلا خلاف في اعتباره" (¬5). 2 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا ولاية لعبد، ولا صغير، ولا مجنون؛ لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم، فأولى ألا تثبت على غيرهم. . . وهذا بإجماع" (¬6). ¬
3 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "وغير المطبق (¬1) تثبت له الولاية، بالإجماع" (¬2). 4 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "شروط الولاية ثمانية: ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما. فالستة: أن يكون حرًا، بالغًا، عاقلًا، . . . مسلمًا" (¬3). 5 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "وأما العقل فهو شرط، بلا خلاف" (¬4). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره الجمهور من الإجماع على اعتبار العقل في الولي، فلا ولاية لمجنون، دائم الجنون، وافق عليه الشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). ثانيًا: ما ذكره ابن الهمام من الحنفية من الإجماع على أن من يجن أحيانًا، ويفيق أحيانًا، فله الولاية أيضًا حال إفاقته، وافق عليه المالكية (¬7)، والشافعية في وجه (¬8)، والحنابلة (¬9). • مستند الإجماع: 1 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق" (¬10). 2 - الولاية تثبت للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، فلا يلي نفسه، فغيره أولى (¬11). ¬
[15 - 35] يشترط في الولي أن يكون بالغا
• الخلاف في المسألة: ذهب الشافعية في أحد الوجهين إلى أن من يفيق أحيانًا، ويجن أحيانًا، فهو كالمجنون المطبق، فلا ولاية له. • دليل هذا القول: أن من يجن أحيانًا، ويفيق أحيانًا أصبح فاقد الأهلية، ولا ولاية له على نفسه وماله، فلا ولاية له على غيره (¬1).Rأولًا: تحقق الإجماع على أن من كان مجنونًا جنونًا مطبقًا، أنه لا ولاية له. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن من يجن أحيانًا، ويفيق أحيانًا، أن له الولاية حال إفاقته؛ لخلاف الشافعية في أحد الوجهين أنه كالمجنون المطبق، فلا ولاية له. [15 - 35] يشترط في الولي أن يكون بالغًا: يشترط في الولي البلوغ؛ فلا ولاية لصغير، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أنه من شرط الولاية: الإسلام، والبلوغ" (¬2). 2 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا ولاية لعبد، ولا صغير، ولا مجنون؛ لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم، فأولى ألا تثبت على غيرهم. . . وهذا بإجماع" (¬3). 3 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "شروط الولاية ثمانية: ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما. فالستة: أن يكون حرًّا، بالغًا، عاقلًا، . . . مسلمًا" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره العيني من الحنفية، وابن رشد والحطاب من المالكية من الإجماع على أنه يشترط في الولي أن يكون بالغًا، وافق عليه الشافعية (¬5)، والحنابلة في المذهب (¬6). • مستند الإجماع: 1 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، ¬
[16 - 36] يشترط في الولي أن يكون حرا
وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق" (¬1). 2 - أن الصغير لا ولاية له على نفسه، فلا ولاية له على غيره (¬2). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنابلة في الرواية الثانية إلى أن الغلام إذا بلغ عشر سنين فله ولاية التزويج، وقيل: اثنتي عشرة (¬3). • أدلة هذا القول: 1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (¬4). 2 - أن الصبي يصح بيعه، ووصيته، وطلاقه، فتثبت له الولاية كالبالغ تمامًا (¬5).Rعدم تحقق الإجماع على أنه يشترط في الولي البلوغ؛ لخلاف الحنابلة في رواية على قبول ولاية الصبي إذا بلغ عشر سنين، وقيل: اثنتي عشرة سنة. [16 - 36] يشترط في الولي أن يكون حرًّا: يشترط في الولي أن يكون حرًّا، فلا ولاية لعبد، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا ولاية لعبد، ولا صغير، ولا مجنون؛ لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم، فأولى ألا تثبت على غيرهم. . . وهذا بإجماع" (¬6). 2 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "والإجماع على نفي ولايته (¬7) في النكاح؛ لعجزه" (¬8). ¬
3 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "وأما العبد والكافر في بناتهما، فلا يعقدان النكاح عليهن، ولا يستخلفان على ذلك أحدًا، ولا اختلاف في هذا" (¬1). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الحنفية والمالكية من الإجماع على أنه يشترط في الولي أن يكون حرًّا، فلا ولاية لعبد، وافق عليه الشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3). • مستند الإجماع: الولاية تثبت للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، والعبد عاجز عن النظر لنفسه، فلا يلي نفسه، فغيره أولى (¬4). • الخلاف في المسألة: قال ابن رشد: أما العبد فالأكثر على منع ولايته، وجوّزها أبو حنيفة (¬5). لكن المتأمل لكلام الحنفية يجد أنهم منعوا ولايته، فقد قال الكاساني: لا ولاية للمملوك على أحد، لأنه لا يرث أحدا؛ ولأن المملوك ليس من أهل الولاية؛ ألا ترى أنه لا ولاية له على نفسه؛ ولأن الولاية تنبئ عن المالكية، والشخص الواحد لا يكون مالكًا ومملوكًا في زمان واحد؛ لأن هذه ولاية نظر ومصلحة، ومصالح النكاح لا يتوقف عليها إلا بالتأمل والتدبر، والمملوك لاشتغاله بخدمة مولاه لا يتفرغ للتأمل والتدبر، فلا يعرف كون إنكاحه مصلحة (¬6). وهذان بدر الدين العيني، وابن الهمام قد نقلا الإجماع على عدم قبول ولايته، كما سبق. وقال ابن نجيم: "أطلق العبد، فلا ولاية له على ولده" (¬7). وقال ابن عابدين: "واحترز بالحرية عن العبد فلا ولاية له على ولده" (¬8).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه يشترط في الولي أن يكون حرًّا؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: لا ينظر لما ذكره ابن رشد من خلاف عن أبي حنيفة في صحة ولاية العبد؛ ¬
[17 - 37] يشترط في الولي أن يكون ذكرا
وذلك لعدم ثبوت هذا الخلاف عن أبي حنيفة في كتب أتباعه. [17 - 37] يشترط في الولي أن يكون ذَكرًا: يشترط في الولي أن يكون ذكرًا، فلا ولاية لامرأة، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أنه من شرط الولاية: الإسلام، والبلوغ، والذكورية" (¬1). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "الذكورية شرط للولاية، في قول الجميع" (¬2). 3 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "شروط الولاية ثمانية: ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما. فالستة: أن يكون حرًّا، بالغًا، عاقلًا، ذكرًا، . . . " (¬3). 4 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "والذكورية، أي: هي شرط من شروط الولاية بالاتفاق" (¬4). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء المالكية، والحنابلة من الاتفاق على أنه يشترط في الولي في عقد النكاح أن يكون ذكرًا، وافق عليه الشافعية (¬5)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (¬6)، وابن حزم (¬7). وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأنس، وعمران بن الحصين، وأبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشريح، والنخعي، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، والثوري (¬8). • مستند الاتفاق: 1 - قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]. 2 - وقال تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221]. 3 - وقال تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]. ¬
4 - وقال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. • وجه الدلالة من هذه الآيات: الخطاب في هذه الآيات إلى الأولياء الذكور، ولو كان إلى النساء لذكرهن، ولو لم يعتبر وجود الولي من الرجال لما كان لتوجيه الخطاب إليه فائدة، ولمَا كان لعضله معنى، ثم أنه لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى وليها (¬1). 5 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (¬2). • وجه الدلالة: هذا نص في إبطال النكاح بلا ولي، وأن الولي فيه رجل لا امرأة، ومفهومه: صحة النكاح بإذنه (¬3)، ولو جاز النكاح بدون ولي ذَكَر، لما كان في رفعه للسلطان ليلي عقده فائدة. 6 - عن أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي" (¬4). • وجه الدلالة: اقتضى هذا الحديث أن يكون الولي رجلًا، ولو جاز أن تتولاه النساء لقال: "لا نكاح إلا بولية" (¬5). 7 - عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- لما تأَيَّمت حفصة قال: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئًا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمتُ أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو تركها لقبلتها (¬6). ¬
[18 - 38] العدالة ليست شرطا في الولي لعقد النكاح
• وجه الدلالة: أن عمر -رضي اللَّه عنه- هو الذي عقد نكاح ابنته لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو كان الأمر إليها لما ترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خطبة حفصة من نفسها؛ إذ هي أولى بنفسها من أبيها (¬1). • الخلاف في المسألة: القول بأن الذكورية شرط في الولاية، أمر غير متفق عليه. فقد ذهب الحنفية (¬2)، والحنابلة في رواية عن الإمام أحمد (¬3)، وهو قول الشعبي، والزهري (¬4)، أن للمرأة أن تلي عقد النكاح، وأن عبارة النساء معتبرة في النكاح، حتى لو زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها جاز، وكذلك لو زوجت غيرها بالولاية، أو الوكالة، بل قال ابن الهمام من الحنفية: "والنساء اللواتي من قبل الأب لهن ولاية التزويج عند عدم العصبات بإجماع بين أصحابنا". • أدلة هذا القول: استدلوا بالقرآن، والسنة، والمعقول، وقد سبق ذكرها (¬5). ومع هذا كله قال الحنفية: إن الأفضل أن يتولى نكاحها الولي؛ لما فيه من نسبتهن إلى الوقاحة، فإن النساء لا يتولين عقد النكاح على عرف الناس وعادتهم، فدل على أن الولي على سبيل الندب والاستحباب، وليس على سبيل الحتم والإلزام (¬6).Rعدم صحة الاتفاق على أنه يشترط في عقد النكاح أن يكون الولي ذكرًا؛ لوجود خلاف عن الحنفية، والإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول الشعبي والزهري، أن الذكورة ليست شرطًا في الولي، فيجوز أن تزوج المرأة نفسها. [18 - 38] العدالة ليست شرطًا في الولي لعقد النكاح: لا يشترط في الولي في عقد النكاح أن يكون عدلًا، فإن تولى العقد فاسق صحَّ، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن العدل إذا كان وليًّا في النكاح، فولايته صحيحة" (¬7). ¬
2 - ابن قاسم (1392 هـ) فذكره كما قال ابن هبيرة (¬1). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة من الاتفاق على أن العدالة ليست شرطًا في الولي، وأن ولاية الفاسق تقبل وافق عليه الحنفية (¬2)، والمالكية في المشهور (¬3)، وبعض الشافعية، وحكوه قولًا عن الإمام الشافعي (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. 2 - عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء" (¬6). • وجه الدلالة من النصين السابقين: جاء الخطاب من اللَّه سبحانه وتعالى ومن رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلى الأولياء بإنكاح من تحت ولايتهم من غير تفصيل في حال الولي، فيجب عدم اشتراط العدالة (¬7). 3 - استدلوا بإجماع الأمة، فقالوا: ولنا إجماع الأمة؛ فإن الناس عن آخرهم، عامهم وخاصهم من لدن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى يومنا هذا يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد (¬8). 4 - واستدلوا بالمعقول، فقالوا (¬9): أ - هذه ولاية نظر، والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، ولا في الداعي إليه، وهو الشفقة، فلا يقدح ذلك في الولاية، فهو كالعدل تمامًا. ¬
[19 - 39] يكون الأخ وليا بعد عمودي النسب
ب - أن الفاسق من أهل الولاية على نفسه، فيكون من أهل الولاية على غيره كالعدل، ولهذا قبلنا شهادته. • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية في غير المشهور (¬1)، والراجح من مذهب الإمام الشافعي (¬2)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (¬3)، إلى اشتراط العدالة، ومنع ولاية الفاسق. • أدلة هذا القول: 1 - أن الفاسق غير مأمون على نفسه، فلا يكون مأمونًا على غيره (¬4). 2 - أن القصد من الولي في النكاح، طلب الحظ للمرأة، ووضعها في كفء، وهذا المعنى لا يوجد في الولي الفاسق (¬5).Rعدم تحقق الإجماع على أن العدالة ليست من شروط عقد النكاح؛ لخلاف المالكية في غير المشهور، والراجح من مذهب الإمام الشافعي، والصحيح عند الحنابلة في اشتراط العدالة، ومنع ولاية الفاسق. [19 - 39] يكون الأخ وليًّا بعد عمودي النسب: يقع ترتيب الأخ في الولاية بعد عمودي النسب - الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا - مباشرة، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "لا خلاف بين أهل العلم في تقديم الأخ بعد عمودي النسب" (¬6). ونقله عنه ابن قاسم (¬7). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره علماء الحنابلة من أن الأخ يأتي في ترتيب الولاية بعد عمودي النسب، وافق عليه الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10). ¬
• مستند نفي الخلاف: اعتبروا أحقية الأخ في الولاية قياسًا على حقه في الميراث، فإنه ابن الأب وأقواهم تعصيبًا، وأحقهم بالميراث (¬1). • الخلاف في المسألة: ما نقل من عدم الخلاف يجري في الأخ لأبوين، أما الأخ للأب فقد وقع فيه خلاف بين الفقهاء: هل يساوي الأخ لأبوين، أم يأتي بعده في ترتيب الولاية؟ على قولين: • القول الأول: ذهب الحنفية (¬2)، وقول للمالكية على الصحيح (¬3)، والإمام الشافعي في الجديد (¬4)، والإمام أحمد في رواية عنه، وهي المذهب عند المتأخرين من الحنابلة (¬5)؛ إلى أن الأخ لأبوين أوْلى. • دليل هذا القول: يقدم الأخ لأبوين، كتقديمه في الميراث على الأخ لأب (¬6). • القول الثاني: ذهب زفر (¬7) من الحنفية (¬8)، والمالكية في قول (¬9)، والإمام الشافعي في القديم (¬10)، ورواية عن الإمام أحمد، هي المذهب عند المتقدمين من الحنابلة (¬11)؛ إلى أنهما سواء. • دليل هذا القول: أن الأخ لأبوين والأخ لأب استويا في الإدلاء بالجهة التي تستفاد منها العصوبة، وهي جهة الأب، فاستويا في الولاية، كما لو كانا من أب، وإنما يرجح الآخر في الميراث من جهة الأم، ولا مدخل لها في الولاية، فلم يرجح بها (¬12). ¬
[20 - 40] ولاية المولى المنعم
Rأولًا: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن الأخ يأتي في الولاية بعد عمودي النسب. ثانيًا: لا يفهم من نفي الخلاف في كون الأخ في الولاية يأتي بعد عمودي النسب، أن الأخ الشقيق يستوي مع الأخ لأب، فقد وقع خلاف بين الفقهاء في من يقدم على قولين، كما سبق ذكره. [20 - 40] ولاية المولى المُنْعِم: المراد بالمولى المُنْعِم: السيد إذا كان له أمَة فأعتقها، بأي وجه من وجوه العتق، فإنه يصبح مولى لها (¬1)، فإذا لم يكن لها ولي من عصبتها بعد أن أصبحت حرة، فإن سيدها الذي أعتقها هو أولى الناس بها، فهو الذي يلي عقد نكاحها، ونقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "فإذا لم يكن للمرأة عصبة، ولها موالٍ فمواليها أولياؤها، ولا ولاء إلا لمعتق، ثم أقرب الناس بعتقها وليها، كما يكون أقرب الناس به ولي ولد المعتق لها، واجتماع الولاة من أهل الولاء في ولاية المزوجة كاجتماعهم في النسب، ولا يختلفون في ذلك" (¬2). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "لا خلاف نعلمه في أن المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها، أن مولاها يزوجها" (¬3). ونقله ابن قاسم (¬4). 3 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "الولاية تثبت أولًا لعصبة النسب على الترتيب الذي ذكرناه، ثم لمولى العتاقة، ثم لعصبته على ذلك الترتيب، بالاتفاق" (¬5). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن المولى المنعم بالعتق يكون وليًّا للمرأة عند عدم الولي من العصبة، وافق عليه المالكية (¬6). • مستند الاتفاق: 1 - عن عروة أن عائشة أخبرته، أن بريرة جاءت عائشة تستعينها ¬
[21 - 41] إذا عضل الولي المرأة، لها أن ترفع أمرها للسلطان، ليزوجها
في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ابتاعي، فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق" (¬1). 2 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (¬2). 3 - عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الولاء لُحْمَة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب" (¬3). • وجه الدلالة من هذين الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن تنكح المرأة بغير إذن وليها، والمولى عصبة مولاته، يرثها ويعقل عنها عند عدم عصباتها، فلذلك يزوجها (¬4).Rصحة ما ذكر من الاتفاق على أن المولى المنعم بالعتق يكون وليًّا في عقد النكاح إذا لم يكن للمرأة المعتقة وليٌّ من عصبتها. [21 - 41] إذا عضل الولي المرأة، لها أن ترفع أمرها للسلطان، ليزوجها: المراد بعضل الولي: أن يمنع المرأة التي تحت ولايته من التزويج (¬5). فليس للولي أن يعضل من تحت ولايته من النساء، إذا دعت إلى كفء، وللمرأة أن ترفع أمرها إلى السلطان، إذا عضلها وليها، ليزوجها، ونُقل الإجماع على ذلك. ¬
• من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن للسلطان أن يزوج المرأة إذا أرادت النكاح، ودعت إلى كفء، وامتنع الولي أن يزوجها" (¬1). 2 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه ليس للولي عضل وليته، إذا دعت إلى كفء، وبصداق مثلها، وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها" (¬2). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "لا نعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "ولو امتنع العصبة كلهم، زوّج الحاكم بالاتفاق، وإذا أذن العصبة للحاكم، جاز باتفاق العلماء" (¬5). وقال أيضًا: "وليس للولي عضلها عن الكفء إذا طلبته، فإن عضلها وامتنع من تزويجها، زوجها الولي الآخر الأبعد، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق" (¬6). 5 - العيني (855 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن له (¬7) أن يزوجها إذا دعت إلى كفء، وامتنع الولي أن يزوجها" (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على منع الولي من عضل المرأة، وإن فعل فلها أن ترفع أمرها إلى السلطان ليزوجها، هو قول عثمان -رضي اللَّه عنه-، وشريح، والنخعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور (¬9) (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]. • وجه الدلالة: في هذه الآية تحريم عضل النساء من ¬
قبل أوليائهن، لما فيه من الضرر عليهن، فلا يمنعهن الأولياء من نكاح أزواجهن إذا أردن العودة إليهم (¬1). 2 - عن معقل بن يسار (¬2) -رضي اللَّه عنه- قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وأفرشتك، وأكرمتك؛ فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا واللَّه لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل اللَّه هذه الآية {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}، فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّه، قال: فزوجها إياه (¬3). • وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على أن الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، فإن أصر، زوّجَ عليه الحاكم (¬4). 3 - قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (¬5). • وجه الدلالة: أن الولاية حق إن امتنع الولي عن أدائه قام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه، فيقضيه الحاكم من ماله (¬6). • الخلاف في المسألة: يرى ابن نجيم، والحصكفي من الحنفية (¬7)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (¬8)، أن الولي إذا عضل المرأة فإن الولاية تنتقل للولي الأبعد، ولا تنتقل للسلطان إلا إذا عضلها جميع الأولياء. • دليل هذا القول: دليل هذا القول هو ما استدل به الجمهور؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له". ¬
[22 - 42] إذا زوج المرأة وليان
• وجه الدلالة: يحمل هذا الحديث على أن السلطان ولي للمرأة التي لا ولي لها، ويحمل أيضًا على ما إذا عضل الأولياء كلهم؛ لأن قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإن اشتجروا"، ضمير جمع يتناول الكل، والسلطان يكون وليًّا لمن لا ولي له، وها هنا لها ولي أو وليان (¬1).Rأولًا: يُعدّ الإجماع على أن للمرأة أن ترفع أمرها للسلطان إذا عضلها وليها صحيحًا. ثانيًا: يُعدّ الإجماع على أن السلطان يزوج المرأة إذا عضلها الأولياء جميعًا، كما يشير إليه كلام ابن قدامة، وابن تيمية، صحيحًا. ثالثا: يبقى الخلاف قائمًا فيما إذا عضل الولي الأقرب، فهل تنتقل الولاية للولي الأبعد، أم تنتقل للسلطان؟ [22 - 42] إذا زوج المرأة وليّان: إذا زوج المرأة وليان من أوليائها، فإن علم المتقدم في العقد من الوليين، فتكون المرأة لمن عقد عليها أولًا، وإن دخل بها الثاني، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الترمذي (279 هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا، إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ" (¬2). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن امرأة تزوجت في عقدتين مختلفتين رجلين، فعلم أولهما، ولم يكن دخل بها واحد منهما، فإن الأول هو الزوج، والآخر أجنبي باطل" (¬3). 3 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "هذا قول عامة أهل العلم أن المرأة إذا زوجها الوليّان، وكان أحدهما سابقًا، وعُرف السابق منهما، أن الأول صحيح، والثاني باطل، سواء دخل بها الثاني أم لم يدخل" (¬4). 4 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "فأما إن علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها للأول، إذا لم يدخل بها واحد منهما" (¬5). ¬
5 - الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: "إن المرأة إذا عقد لها وليّان لرجلين، وكان العقد مترتبًا، أنها للأول منهما، سواء دخل بها الثاني أو لا، أما إذا دخل بها عالمًا؛ فإجماع أنه زنى" (¬1). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الوليين إن عقدا عقدين على المرأة، وعلم السابق منهما، أنها للأول منهما، وافق عليه الحنفية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور (¬4). ثانيًا: ما ذكره البغوي من الشافعية، والصنعاني أن المرأة للأول من العاقدين، وإن دخل بها الثاني، وافق عليه الحنفية (¬5)، وابن عبد الحكم (¬6) من المالكية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وهو قول علي -رضي اللَّه عنه- (¬9). • مستند الإجماع: 1 - عن سمرة بن جندب (¬10) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما، ومن باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما" (¬11). ¬
2 - عن عقبة بن عامر (¬1) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أنكح الوليان، فهو للأول منهما، وإذا بايع الرجل بيعًا من الرجلين، فهو للأول منهما" (¬2). 3 - أن امرأة زوجها أولياؤها بالجزيرة، وزوجها أهلها بعد ذلك بالكوفة، فرفعوا ذلك إلى علي -رضي اللَّه عنه-، ففرق بينها وبين زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول، وجعل لها صداقها بما أصاب من فرجها، وأمر زوجها الأول أن لا يقربها حتى تنقضي عدتها (¬3). • وجه الدلالة: أن الثاني تزوج امرأة في عصمة زوج، فكان باطلًا، فحاله كمن تزوج امرأة، وهو يعلم أن لها زوجًا، كنكاح المعتدة والمرتدة، فكان باطلًا، وإن دخل (¬4). • الخلاف في المسألة: يرى الإمام مالك أن الثاني إن دخل بهما فهو أحق بها (¬5). وهو قضاء معاوية -رضي اللَّه عنه-، وقول عطاء (¬6). • أدلة هذا القول: 1 - قول عمر -رضي اللَّه عنه-: إذا أنكح الوليان، فالأول أحق، ما لم يدخل بها الثاني (¬7). 2 - روي أن موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه زوّج أخته يزيد بن معاوية بالشام، وزوجها أخوها يعقوب بن طلحة الحسنَ بن علي بالمدينة، فدخل بها الحسن؛ وهو الثاني من الزوجين، ولم يعلم بما تقدم من نكاح يزيد، فقضى معاوية بنكاحها للحسن ¬
[23 - 43] يكون السلطان وليا لمن لا ولي له
بعد أن أجمع معه فقهاء المدينة (¬1). • وجه الدلالة: هذا معاوية قضى للحسن -وكان ثاني الزوجين- بأنه أحق بالمرأة لما دخل بها، فيجب المصير إليه، بعدما لم ينقل عن غيره من الصحابة خلافه (¬2).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه إن عُلِم السابق من العقدين، ولم يكن دخل بها أي واحد من العاقدين، أنها للأول منهما. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أنه إن عُلم السابق من العقدين، ودخل بها الثاني، أنها تكون للأول، لخلاف المالكية، وهو قضاء معاوية -رضي اللَّه عنه-، وقول عطاء أنها تكون للثاني. [23 - 43] يكون السلطان وليًّا لمن لا ولي له: إذا لم يكن للمرأة وليّ من عصبتها، انتقلت ولايتها للسلطان، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن بطال (449 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن السلطان ولي من لا ولي له" (¬3). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من لا ولي لها فإن السلطان الذي تجب طاعته يُنكِحها من أحبت، ممن يجوز لها نكاحه" (¬4). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "لا نعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها، أو عضلهم" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فإذا لم يكن له (¬7) عصبة زوّج الحاكم باتفاق العلماء" (¬8). ¬
[24 - 44] ولي الأمة سيدها
5 - العيني (855 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن السلطان ولي من لا ولي له" (¬1). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن السلطان يكون وليًّا إذا لم يكن للمرأة ولي، وافق عليه الشافعية (¬2). • مستند الإجماع: 1 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (¬3). 2 - عن أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- أنها كانت بأرض الحبشة، فمات عنها زوجها عبيد اللَّه بن جحش، فزوجها النجاشي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬4). • وجه الدلالة: في هذين الحديثين ثبتت ولاية السلطان ولاية عامة، في الأموال وغيرها، فكانت له الولاية في النكاح كالأب (¬5).Rتحقق الإجماع على أن السلطان يكون وليًّا إذا لم يكن للمرأة ولي؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [24 - 44] ولي الأَمَة سيدها: ولي الأمة سيدها، فله أن يزوجها بلا إذنها، كبيرة كانت أو صغيرة، وليس لها أن تتزوج بلا إذن سيدها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "ألا ترى إلى إجماعهم على أن الأمة يزوجها سيدها بغير إذنها" (¬6). وكذا قال في الاستذكار (¬7). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "لا يجوز نكاح مملوك بغير إذن مولاه، . . . فإن كان أمة فلا يجوز نكاحها بغير إذن سيدها، بلا خلاف" (¬8). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "الأمة لا ولاية لأبيها عليها، وإنما وليها سيدها، ¬
بغير خلاف علمناه" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). وقال أيضًا: "وإذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح، كبيرة كانت أو صغيرة، لا نعلم في هذا خلافًا" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "والأمة، والمملوك الصغير، يزوجهما وليهما بغير إذنهما، بالاتفاق" (¬5). 5 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: ". . . لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوجها بغير رضاها" (¬6). 6 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "وولي أمة في إنكاحها سيدها، بلا خلاف" (¬7). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن ولي الأمة سيدها، وأنه يزوجها بلا إذنها إذا كانت كبيرة، وافق عليه ابن حزم (¬8). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]. • وجه الدلالة: جعل اللَّه سبحانه وتعالى ولاية الأمة إلى سيدها، وأرشد إلى أن نكاحهن لا بد فيه من إذن أسيادهن، فيجب المصير إليه (¬9). 2 - عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" (¬10). • وجه الدلالة: أن اسم العبد واقع على الجنس، فالرقيق من الإناث والذكور داخلون تحت هذا الاسم، فيجب إذن الأولياء عندئذٍ (¬11). ¬
[25 - 45] إذن السيد في نكاح العبد
• الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم في الأمة الصغيرة؛ فقال: لا يجوز للسيد إنكاح أمته الصغيرة التي لم تبلغ، وليس لأبيها أن ينكحها إلا بإذن سيدها (¬1). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. • وجه الدلالة: الصغير لا يوصف بصلاح في دينه، ولا يدخل في الصالحين، وكل مسلم فهو من الصالحين بقوله: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه (¬2). 2 - جاء الإذن للأب خاصة في إنكاح ابنته الصغيرة، وسيد الأمة ليس أبًا لها (¬3).Rأولًا: تحقق الإجماع على أن ولي الأمة سيدها. ثانيًا: تحقق الإجماع على أن الأمة إن كانت كبيرة فلسيدها أن ينكحها بلا إذنها. ثالثًا: عدم تحقق الإجماع على أن لولي الأمة الصغيرة أن ينكحها بلا إذنها؛ لخلاف ابن حزم. [25 - 45] إذن السيد في نكاح العبد: لا بد من إذن السيد في نكاح العبد، فإن فعل دون إذنه فإن نكاحه لا يصح، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "ولا أعلم بين أحد لقيته، ولا حكي لي عنه من أهل العلم اختلافًا في أن لا يجوز نكاح العبد إلا بإذن مالكه" (¬4). 2 - الترمذي (279 هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم، أن نكاح العبد بغير إذن سيده لا يجوز؛ وهو قول أحمد، وإسحاق وغيرهما، بلا خلاف" (¬5). 3 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه، وأجمعوا على أن نكاحه بغير إذن مولاه لا يجوز" (¬6). 4 - الجوهري (350 هـ) حيث قال: "أجمع الفقهاء أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، ¬
ودفع الصداق من مال في يده، كان للسيد حلُّ النكاح، وأخذ الصداق كله" (¬1). 5 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده" (¬2). 6 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "لا خلاف أن العبد لا يجوز له زواج بغير إذن سيده" (¬3). 7 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده، فإن نكح لم ينعقد نكاحه، في قولهم جميعًا" (¬4). 8 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده. . . وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه" (¬5). 9 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "تَزوُّج العبد بغير إذن سيده إذا لم يجزه السيد، باطل باتفاق المسلمين" (¬6). 10 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "وإن تزوج عبد بإذن سيده صح، بغير خلاف، . . . وبلا إذنه لا يصح إجماعًا" (¬7). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن نكاح العبد بدون إذن سيده لا يصح، وافق عليه الحنفية (¬8)، وابن حزم (¬9). وهو قول عمر بن الخطاب، وجابر، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، والنخعي، والحكم بن عتيبة (¬10)، وحمّاد ابن أبي ¬
سليمان (¬1)، والشعبي (¬2). • مستند الإجماع: 1 - عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" (¬3). 2 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زَانٍ" (¬4). • الخلاف في المسألة: يرى داود الظاهري أن نكاح العبد بغير إذن سيده صحيح (¬5). • دليل هذا القول: قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. • وجه الدلالة: أن النكاح فرض على الأعيان، فهو كسائر فروض العين، وأن العبد مخاطب بالنكاح كالأحرار؛ فلا يفتقر عقده لإذن سيده (¬6).Rأولًا: عدم تحقق الإجماع على أن نكاح العبد لا يصح إذا لم يأذن السيد في ذلك؛ لخلاف داود. ثانيًا: لم يقل بهذا الخلاف غير داود، ولم يسلم من انتقاد؛ وكان الرد عليه على النحو التالي: 1 - قال الصنعاني: كأن داود لم يثبت لديه الحديث (¬7). 2 - وقال الشوكاني: كلام داود قياس في مقابلة النص (¬8). ¬
[26 - 46] إعلان النكاح، واشتراط الشهود فيه
3 - أن المخاطب بالآية هم الأحرار دون العبيد؛ لأنه اللَّه سبحانه وتعالى قال: في الآية: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، ومعلوم أنه لا يملك إلا الأحرار. وقال أيضًا: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، فإنما يعول من له المال، ولا مال للعبيد (¬1). [26 - 46] إعلان النكاح، واشتراط الشهود فيه: يلزم إعلان النكاح، وألا يكون سرًّا، ولا يكون ذلك إلا بوجود شاهدين يحضرانه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الترمذي (279 هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم" (¬2). ونقله عنه الشوكاني (¬3)، وابن قاسم (¬4). 2 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "النكاح عقد يفتقر إلى إعلان لا خلاف فيه، ونكاح السر ممنوع لا خلاف فيه" (¬5). 3 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر" (¬6). 4 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وأجمعت الأمة على أنه لو عقد سرًا بغير شهادة لم ينعقد" (¬7). 5 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان فهذا الذي لا نزاع في صحته" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). وقال أيضًا: "إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكتما النكاح؛ فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة" (¬10). 6 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر" (¬11). ¬
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إعلان النكاح، واشتراط الشهود فيه، وافق عليه الحنفية (¬1). وهو قول عمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد (¬2)، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي (¬3). • مستند الإجماع: 1 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل" (¬4). 2 - عن محمد بن حاطب الجمحي (¬5) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت" (¬6). 3 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" (¬7). • وجه الدلالة: أنه إذا حضر عقد النكاح شاهدان فقد أعلناه، والضرب بالدف ندب ¬
إلى زيادة إعلانه (¬1). 4 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نهى عن نكاح السر" (¬2). • وجه الدلالة: أن النهي عن السر يكون أمرًا بالإعلان؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده (¬3). 5 - أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أُتي بنكاح لم يشهد فيه إلا رجل وامرأة؛ فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو تقدمت فيه لرجمت (¬4). • الخلاف في المسألة: يرى المالكية (¬5)، والحنابلة في رواية (¬6)، أنه لا يشترط أن يحضر الشهود عقد النكاح؛ فلو عقد النكاح بلا شهود، ثم أُعلن، صح. وقال بهذا القول ابن حزم (¬7). وهو قول ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير -رضي اللَّه عنه-، وعبد الرحمن بن مهدي (¬8)، وأبي ثور (¬9). • أدلة هذا القول: 1 - تحمل الأحاديث الواردة في الأمر بالإشهاد على النكاح على أنه شرط كمال وفضيلة، وليس بشرط صحة (¬10). 2 - أن عقد النكاح عقد كسائر العقود، ولا يشترط فيها الشهادة، فكان عقد النكاح مثلها (¬11). ¬
[27 - 47] يشترط في الشاهدين في عقد النكاح أن يكونا مسلمين
3 - أن عقد النكاح يقصد به التوثيق، فلا يشترط فيه الإشهاد كالرهن، والكفالة (¬1).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه لا بد من إعلان النكاح، وأن نكاح السر لا يجوز. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أنه لا بد أن يحضر عقد النكاح شاهدان؛ لخلاف المالكية والحنابلة في رواية، وابن حزم، ومن سبقهم من الصحابة والتابعين، في أنه إذا لم يحضر الشهود في عقد النكاح وأُعلن، فهو صحيح. [27 - 47] يشترط في الشاهدين في عقد النكاح أن يكونا مسلمين: يُعدُّ إسلام الشاهدين في عقد النكاح شرطًا لصحته، فلا ينعقد بشهادة غير مسلمين، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (587 هـ) حيث قال: "إن أصل الشهادة وإسلام الشاهد، صار شرطًا في نكاح الزوجين المسلمين، بالإجماع" (¬2). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الكاساني من الإجماع على أنه يشترط أن يكون شاهدا عقد النكاح مسلمين، وافق عليه، المالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وابن حزم (¬6). • مستند الإجماع: قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]. • وجه الدلالة: الشهادة من باب الولاية، ولذلك نفى اللَّه سبحانه وتعالى أن تكون ولاية للكفار على المسلمين، فلا يشهد على أنكحة المسلمين إلا مسلم، ولا تقبل شهادة الكافر في ذلك (¬7).Rتحقق الإجماع على أنه يشترط أن يكون شاهدا عقد النكاح مسلمين؛ ¬
[28 - 48] يشترط في الشاهدين في عقد النكاح أن يكونا عدلين
وذلك لعدم وجود مخالف. [28 - 48] يشترط في الشاهدين في عقد النكاح أن يكونا عدلين: يشترط في الشاهدين في عقد النكاح أن يكونا عدلين، فلا ينعقد بشهادة فاسقين، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "إذا أشهد على النكاح فإنه يُشهِد رجلين عدلين ثبتت بمثلهما الحقوق، . . . وبه قال علماء الإسلام" (¬1). 2 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن حضور الشاهدين العدلين ينعقد بهما النكاح، مع الولي" (¬2). 3 - ابن جزي (741 هـ) حيث قال: "أما العدالة فمشترطة إجماعًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكر من الإجماع على أن عقد النكاح ينعقد بشهادة عدلين، وافق عليه الحنفية (¬4)، والشافعية (¬5)، وابن حزم (¬6). ثانيًا: ما ذكر من الإجماع على أنه لا بد من عدالة الشهود، فلا ينعقد بشهادة فاسقين، وافق عليه الشافعية (¬7)، والحنابلة في المذهب (¬8)، وابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" (¬10). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (¬11)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬12)، إلى ¬
[29 - 49] لا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين
القول بجواز شهادة الفاسقين في عقد النكاح. • أدلة هذا القول: 1 - أن الشهادة تحمّل، فتصح من الفاسق كسائر التحملات (¬1). 2 - أن الفسق لا يقدح في ولاية الولي في عقد النكاح، ولا يقدح في القبول من قِبَل الزوج، فلا يقدح في الشاهد (¬2).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه إن حضر النكاح شاهدان عدلان انعقد بهما، ولا مخالف في هذا. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أنه لا بد من عدالة الشهود في عقد النكاح، فلا ينعقد بشهادة فاسقين؛ لخلاف الحنفية، والحنابلة في رواية أن العدالة ليست شرطًا في شهود عقد النكاح، فينعقد بشهادة فاسقين. [29 - 49] لا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين: لا ينعقد النكاح إلا بشهادة رجلين، فلا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، ونفي الخلاف في ذلك: • من نفى الخلاف: ابن العربي (546 هـ) حيث قال: "إذا أشهد على النكاح فإنه يشهد رجلين عدلين ثبتت بمثلهما الحقوق، ولا تجوز فيه شهادة رجل وامرأتين، وبه قال علماء الإسلام" (¬3). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن العربي من المالكية من أن النكاح لا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، وافق عليه الشافعية (¬4)، والحنابلة في رواية (¬5)، صححها أبو يعلى (¬6). • مستند نفي الخلاف: 1 - عن الزهري قال: مضت السنة ألّا تجوز شهادة النساء ¬
[30 - 50] يشترط تكافؤ الزوجين في الدين، فلا تزوج مسلمة لكافر
في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق (¬1). 2 - كل ما لم يكن المقصود منه المال، لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات، فلا تقبل فيه شهادتهن مع الرجال (¬2). 3 - أن عقد النكاح يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، فلم يثبت بشهادتهن (¬3). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (¬4)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬5)، وابن حزم (¬6)، إلى القول بأن النكاح ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ بل قال ابن حزم: يجوز بشهادة أربع نساء عدول (¬7). • دليل هذا القول: 1 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" (¬8). • وجه الدلالة: هذا الحديث عام في قبول شاهدين في عقد النكاح، فكان للنساء مدخل فيه، كغيره من حقوق الآدميين (¬9). 2 - أن شهادتهن كانت على عقد على منفعة، فكما تجوز شهادتهن على المنافع، كالإجارة، جازت في عقد النكاح (¬10).Rعدم صحة ما ذكر من نفي الخلاف في أن النكاح لا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ لخلاف الحنفية، والحنابلة في رواية، وابن حزم، وقولهم بانعقاده بشهادة رجل وامرأتين. [30 - 50] يشترط تكافؤ الزوجين في الدين، فلا تزوج مسلمة لكافر: اشترط الفقهاء أن يتكافأ الزوجان في الدين، فلا تحل المسلمة للكافر، ونُقل ¬
الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). 2 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "ولهذا اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة في الدين، وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة" (¬3). 3 - ابن جزي (741 هـ) حيث قال: "ونكاح كافر مسلمة، يحرم على الإطلاق، بإجماع" (¬4). 4 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه، فلا تحل المسلمة للكافر أصلًا" (¬5). ونقله عنه الشوكاني (¬6). 5 - العيني (855 هـ) حيث قال: بعد قول البخاري: باب الأكفاء في الدين (أي هذا باب في بيان أن الأكفاء التي بالإجماع، هي أن تكون في الدين، فلا يحل للمسلمة أن تتزوج بالكافر" (¬7). 6 - الحطاب (954 هـ) حيث قال: "والمطلوب من الزوج أن يكون كفؤًا في دينه بلا خلاف" (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على اشتراط الكفاءة في الدين بين الزوجين، فلا تُزوَّج مسلمة بكافر، وافق عليه ابن حزم (¬9). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]. • وجه الدلالة: يلزم من هذا نفي المساواة بين المؤمن وغيره من كل وجه، في الكفاءة وغيرها (¬10). ¬
2 - عن أبي حاتم المزني (¬1) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد". قالوا: يا رسول اللَّه، وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه"، ثلاث مرات (¬2). • الخلاف في المسألة: أولًا: لا بد من بيان مراد الفقهاء بالدِّين المعتبر في الكفاءة، هل هو الدين الذي هو الإسلام؟ أم المراد به الديانة أي: التقوى؟ . المتأمل لنقولات الفقهاء السابقة يتضع له أن المراد بالدين هو الإسلام، فلا يجوز أن تزوج مسلمة بكافر، وهذا حُكي عليه الإجماع بين الفقهاء، كما سبق. لكن ابن الهمام فسّر المراد بالدين الذي اعتبره الفقهاء في الكفاءة، بأنه التقوى لا اتفاق الدين، فإن الزوجة قد تعير بفسق زوجها (¬3). وعلى هذا فهل يشترط أن يتكافأ الزوجان في التقوى، أم أنه يجوز أن تزوج المرأة التقية بفاسق من المسلمين؟ خلاف على قولين: • القول الأول: ذهب الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5)، والشافعية (¬6)، والحنابلة (¬7)، أنه لا يجوز أن تزوج المسلمة التقية، بالفاسق المسلم. • دليل هذا القول: 1 - يستدل بما ذكر في مستند الإجماع. ¬
2 - أن الفاسق مرذول، مردود الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال، مسلوب الولايات، ناقص عند اللَّه تعالى، وعند خلقه، قليل الحظ في الدنيا والآخرة، فلا يجوز أن يكون كفؤًا لعفيفة، ولا مساويًا لها (¬1). • القول الثاني: ذهب محمد بن الحسن من الحنفية (¬2)، وابن حزم (¬3)، إلى أنه يجوز أن تزوج المرأة المسلمة التقية بمن ليس كفؤًا لها في الديانة، فيصح أن تزوج التقية المسلمة، بالفاسق المسلم. • دليل هذا القول: 1 - قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. • وجه الدلالة: سمى اللَّه سبحانه وتعالى جميع المؤمنين إخوة، فيستوي التقي والفاسق، فيجوز أن تزوج المرأة التقية بالفاسق من المسلمين (¬4). 2 - أن الديانة من أمور الآخرة، فلا تبتنى عليها أحكام الدنيا (¬5).Rأولا: تحقق الإجماع على أنه لا يجوز أن تزوج المسلمة بكافر. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أنه يشترط أن يتكافأ الزوجان في الديانة، فلا تزوج المسلمة التقية بفاسق مسلم؛ لخلاف محمد بن الحسن من الحنفية، وابن حزم بجواز ذلك. ثالثًا: لا يعني القول بوجوب تكافؤ الزوجين في الدين أنه يمنع الرجل المسلم من الزواج بغير مسلمة من أهل الكتاب، فإن ذلك جائز، وسيأتي بيانه في الفصل التالي، بمشيئة اللَّه تعالى. * * * ¬
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في المحرمات في النكاح وفيه ثلاثون مسألة
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في المحرمات في النكاح وفيه ثلاثون مسألة [1 - 51] المحرمات بالنسب: المحرمات بالنسب سبع هن: الأمهات وإن علوْنَ، والبنات وإن نزلْنَ، والأخوات من الجهات الثلاث: من أب وأم، أو أب، أو أم، والعمات أخوات الأب والجد من الجهات الثلاث، والخالات أخوات الأم والجدة من الجهات الثلاث، وبنات الأخ وإن نزلن، وبنات الأخت وإن نزلن. وقد نقل الإجماع على تحريم هؤلاء جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الطبري (310 هـ) حيث قال: "فكل هؤلاء اللواتي سماهن اللَّه تعالى، وبيّن تحريمهن في هذه الآية، محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرم اللَّه ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة لا اختلاف بينهم في ذلك" (¬1). 2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على تحريم أن ينكح الرجل أُمَّه" (¬2). 3 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن نكاح الأم وأمهاتها. . .) فذكر المحرمات، ثم قال: "فإن نكاح كل من ذكرنا حرام مفسوخ أبدا" (¬3)، وكذا قال في المحلى (¬4). 4 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وهذا معنى تفسير: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] أنها الأم وإن علت، والابنة وإن سفلت، . . . وهذا كله مجتمع عليه لا خلاف فيه" (¬5). 5 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "المحرمات في كتاب اللَّه أربع عشرة، سوى من يحرم الجمع بينهن. . . هذه جملة اتفقت الأمة عليها" (¬6). ¬
6 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرمات في كتاب اللَّه أربع عشرة سبع من جهة النسب، وسبع من جهة السبب، فأما النسب. . .) فذكرهن (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). 7 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "يحرم على الرجل أُمَّه بنص الكتاب. . . وعليه إجماع الأمة، وتحرم عليه بناته وإن سفلن. . . وعليه إجماع الأمة، وتحرم عليه أخواته، وعماته، وخالاته بالنص. . . والإجماع. . . وبنات الأخ، وبنات الأخت وإن سفلن، بالإجماع" (¬3). 8 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن النساء اللائي يحرمن من قبل النسب: السبع المذكورات في القرآن)، فذكرهن (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). 9 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع، . . . وأجمعت الأمة على تحريم ما نص اللَّه تعالى على تحريمه)، ثم ذكر المحرّمات (¬6). 10 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "حرم اللَّه سبعًا من النسب، وستًا بين صهر ورضاع، وألحقت السنة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص عليه الإجماع" (¬7). 11 - القرافي (684 هـ)، حيث قال بعد استدلاله بالآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23]: "أجمعت الأمة على أن المراد بهذا اللفظ القريب والبعيد من كل نوع" (¬8). 12 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "دخل في الأمهات، أم أبيه، وأم أمه وإن علت، بلا نزاع أعلمه بين العلماء، وكذلك دخل في البنات، بنت ابنه، وبنت ابنته وإن سفلت، بلا نزاع أعلمه" (¬9). ¬
[2 - 52] تحريم أمهات الزوجات
13 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "لا يحل للرجل أن يتزوج بِأُمِّه ولا بجداته. . . ثبتت حرمتهن بالإجماع. . . ولا ببنته وإن سفلت لما تلونا، وبالإجماع. . . " (¬1). 14 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "حرم تزوج أُمه، وبنته وإن بعدتا. . . لإرادة ذلك في النص، والإجماع على حرمتهن" (¬2). • مستند الإجماع: قال اللَّه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)} [النساء: 23].Rتحقق الإجماع في تحريم ما نص اللَّه سبحانه وتعالى عليه، وهن المحرّمات بالنسب؛ لعدم وجود مخالف. والإجماع في هذه المسألة يستند إلى نص قطعي، وقد تناقل هذا الإجماع الأئمة عبر العصور. [2 - 52] تحريم أمهات الزوجات: تحرم أم الزوجة على زوج ابنتها سواء دخل بابنتها أم لا؛ إذ يكفي في التحريم مجرد العقد على ابنتها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث قال: "إن تزوج امرأة حرمت عليه أمها على التأبيد بمجرد العقد، وإن لم يحصل معه دخول، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وكافة الفقهاء" (¬3). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن أم الزوجة التي عقد زواجها صحيح، وقد دخل بها ووطئها؛ حرام عليه نكاحها أبدًا" (¬4). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على أن من وطئ امرأته فقد ¬
حرمت عليه ابنتها وأمها" (¬1). وقال أيضًا: "من كان تحته امرأة دخل بها حرمت عليه الأم بإجماع من المسلمين" (¬2). وقال أيضًا: "أجمع العلماء على أن النكاح الصحيح يحرم أم المرأة، أو ابنتها إذا دخل بها" (¬3). وقال أيضًا: "لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها في ملك اليمين" (¬4). 4 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرمات في كتاب اللَّه أربع عشرة: . . . وأم امرأة الرجل وجداتها وإن بعدن، سواء دخل بالمرأة أم لم يدخل" (¬5). وقال أيضًا: "واتفقوا على أن نفس العقد على المرأة يحرم أمها على العاقد على التأبيد، وأنه لا يعتبر الوطء في ذلك" (¬6). ونقله عنه ابن قاسم (¬7). 5 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "وتحرم أمها عليه؛ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23]، وهذه منهن، وليس في هذا اختلاف بحمد اللَّه" (¬8). 6 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وتحريم المحرمات بالمصاهرة، وهن أمهات النساء وبناتهن، وحلائل الآباء والأبناء، ونحو ذلك من المحرمات. . . فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون، لا سنيهم ولا بدعيهم" (¬9). 7 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "وأم امرأته. . . فلا فرق بين كون امرأته مدخولًا بها أو لا وهو مجمع عليه عند الأئمة" (¬10). 8 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن أم الزوجة تحرم على التأبيد بمجرد العقد" (¬11). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها، هو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعمران بن حصين، وجابر ابن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهم-، ومسروق (¬12)، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، والزهري، ¬
والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23]، معطوفًا على قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. • وجه الدلالة: المرأة المعقود عليها امرأته؛ فتدخل أمها في عموم الآية، كما أن تحريم أمهات النساء كلام تام بنفسه، منفصل عن المذكور بعده؛ إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] (¬2). 2 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها، فإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة، فدخل بها أو لم يدخل بها، فلا يحل له نكاح أمها" (¬3). قال الطبري: وهذا خبر؛ وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره (¬4). 3 - سئل زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه- (¬5) عن رجل تزوج امرأة، ثم فارقها قبل أن يصيبها، هل تحل له أمها؟ فقال زيد بن ثابت: لا، الأم مبهمة، ليس فيها شرط، وإنما الشرط في الربائب (¬6). 4 - قول ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: "أبهموا ما أبهم القرآن" (¬7). أي: عمموا حكمها في كل ¬
حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها (¬1). 5 - أن عبد اللَّه بن مسعود استُفتِي، وهو في الكوفة، عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مُسَّت؛ فأرخص في ذلك، ثم أن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك، فأُخبر أنه ليس كما قال، وأنما الشرط في الربائب. فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته (¬2). • الخلاف في المسألة: يرى جمع من أهل العلم: أن الأم لا تحرم بمجرد العقد على ابنتها، بل لا بد من الدخول بالزوجة حتى تحرم أمها، وأن مجرد العقد على ابنتها لا يحرمها. ونقل هذا القول عن علي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، في إحدى الروايتين عنهم، وجابر، وابن الزبير، ومجاهد. وتبعهم على ذلك داود، وبشر المريسي (¬3)، ومحمد ابن شجاع (¬4) (¬5). ¬
• أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]. • وجه الدلالة: ذكر اللَّه سبحانه وتعالى أمهات النساء، وعطف الربائب عليهن في التحريم بحرف العطف، ثم عقب الجملتين بشرط الدخول (¬1). 2 - عن خلاس بن عمرو (¬2)، عن علي -رضي اللَّه عنه- في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها؛ أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة (¬3). 3 - عن زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه- أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها (¬4).Rأولًا: تحقق الإجماع في أن الدخول بالنساء يحرم أمهاتهن. ثانيًا: عدم صحة الإجماع في أن مجرد العقد على البنت يحرم الأم، بل هي مسألة خلافية، وثبت الخلاف فيها من زمن الصحابة -رضي اللَّه عنهم-. ثالثًا: ورد عمن نقل عنه الخلاف من الصحابة، أنهم وافقوا الجمهور في أن الأمهات يحرمن بمجرد العقد على البنات، ويمكن توجيه ما ورد عنهم في اشتراط الدخول بالزوجة بما يلي: 1 - حديث خلاس عن علي -رضي اللَّه عنه- لا تقوم به حجة؛ لأنه يروي عن علي المناكير، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث (¬5). 2 - ما نقل عن علي، وزيد بن ثابت فهو معارض بمثله عنهما أيضًا. 3 - صح عن علي -رضي اللَّه عنه- مثل ما يقول الجماعة (¬6). ¬
[3 - 53] تحريم بنات الزوجات
4 - أما ما نقل عن ابن مسعود فقد ورد ما يدل على رجوعه إلى قول العامة. 5 - اختلف على جابر في ذلك، فلا يصح في هذا إلا ما نقل عن ابن الزبير، ومجاهد، وفرقة أخرى قالت بذلك، ليس لها حجة (¬1). [3 - 53] تحريم بنات الزوجات: تحرم بنت الزوجة بالدخول بأمها، ولا يكفي مجرد العقد، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الطبري (310 هـ) حيث قال: "في إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرّم عليه ابنتها إذا طلقها قبل مسيسها، ومباشرتها" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). 2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها؛ حل له تزوج ابنتها" (¬4). ونقله عنه ابن قدامة (¬5)، وابن قاسم (¬6). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "أجمعت الأمة أن الرجل إذا تزوج امرأة ولها ابنة، أنه لا تحل له الابنة بعد موت الأم، أو فراقها إن كان دخل بها، وإن كان لم يدخل بالأم حتى فارقها، حل له نكاح الربيبة" (¬7). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء على أن من وطئ امرأته فقد حرمت عليه ابنتها، وأمها" (¬8). وقال أيضًا: "التحريم لا يصح في الربيبة بالعقد حتى ينضم إلى ذلك الدخول بالأم، وهذا إجماع" (¬9). 4 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن بنت الزوجة التي عقد زواجها صحيح، وقد دخل بها ووطئها، وكانت الابنة مع ذلك في حجره، فحرام عليه نكاحها أبدًا" (¬10). ¬
5 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرمات في كتاب اللَّه أربع عشرة: . . . والربائب المدخول بأمهاتهن" (¬1). وقال أيضًا: "واتفقوا على أن الرجل إذا دخل بزوجته، حرمت عليه بنتها على التأبيد، وإن لم تكن الربيبة في حجره" (¬2). 6 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: ". . . اتفق المسلمون على تحريم اثنتين منهن بنفس العقد -وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء- وواحدة بالدخول، وهي بنت الزوجة" (¬3). 7 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره" (¬4). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة، ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها، حل له نكاح ابنتها" (¬5). 8 - القرافي (684 هـ) حيث قال: "فإنا لا نعلم خلافًا في شرطية الدخول في تحريم البنت" (¬6). 9 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "واتفق الأئمة أيضًا على أن الربيبة تحرم بالدخول بالأم، وإن لم تكن في حجر زوج أمها" (¬7). 10 - ابن عابدين (1252 هـ) حيث قال: "الخلوة الصحيحة فلا خلاف أنها تحرم البنت" (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن بنت الزوجة تحرم بالدخول بأمها، ولا يكفي مجرد العقد، هو قول ابن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين -رضي اللَّه عنهم-، وطاوس، ومسروق، وعكرمة (¬9)، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، ¬
والثوري، والأوزاعي، ومن قال بقوله من أهل الشام، وإسحاق، وأبي ثور (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، وهو معطوف على قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. 2 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لأم حبيبة: "لا تعرضن عليّ بناتكن، ولا أخواتكن" (¬2). • الخلاف في المسألة: ذهب داود (¬3)، وابن حزم (¬4)، إلى أن البنت لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في حجره، أما إذا لم تكن في حجره فلا تحرم، سواء دخل بأمها أم لا. وهو قول عمر، وعلي -رضي اللَّه عنهما- (¬5). • أدلة هذا القول: 1 - قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]. • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يحرم الربيبة إلا بشرطين: الأول: أن تكون في حجر زوج الأم. والثاني: الدخول بالأم، فلا تحرم عليه إلا بالأمرين معًا (¬6). 2 - عن أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة" (¬7). • وجه الدلالة: شرط -صلى اللَّه عليه وسلم- الحجر حتى تحرم عليه، فيدل على أنه إن لم تكن في حجره فلا تحرم (¬8). ¬
[4 - 54] تحريم حلائل الآباء والأبناء
3 - عن مالك بن أوس (¬1) قال: كان عندي امرأة قد ولدت لي فتوفيت، فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب، فقال لي: مالك؟ قلت: توفيت المرأة. قال: ألها ابنة؟ قلت: نعم. قال: كانت في حجرك؟ قلت لا، هي في الطائف. قال فانكحها! قلت: وأين قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] قال: إنها لم تكن في حجرك، وإنما ذلك إذا كانت في حجرك (¬2).Rأولًا: تحقق الإجماع في تحريم الربيبة إذا كانت في حجر زوج الأم. ثانيًا: عدم تحققه فيما إذا لم تكن الربيبة في حجر زوج الأم؛ للخلاف عن عمر، وعلي -رضي اللَّه عنهما-، وداود، وابن حزم. [4 - 54] تحريم حلائل الآباء والأبناء: حلائل الآباء يحرمن على الأبناء، وحلائل الأبناء يحرمن على الآباء، بمجرد العقد، ولا يشترط في ذلك الدخول؛ وسواء أكانت القرابة بالنسب، أم بالرضاع، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الطبري (310 هـ) حيث قال: "ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرام عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها" (¬3). 2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا تزوج المرأة حرمت على أبيه وابنه، دخل بها أو لم يدخل بها، وعلى أجداده، وعلى ولد ولده من الذكور والإناث أبدًا ما تناسلوا، لا تحل لبني بنيه، ولا لبني بناته، ولم يذكر اللَّه في ¬
الآيتين دخولًا، والرضاع بمنزلة النسب" (¬1). 3 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "أما من عقد فيها الرجل زواجًا فلا خلاف في تحريمها في الأبد على أبيه وأجداده، وعلى بنيه، وعلى من تناسل من بنيه وبناته أبدًا" (¬2). وقال أيضًا: "وأما من حلّت للرجل بملك اليمين؛ فإن وطئها فلا نعلم خلافًا في تحريمها على من ولد، وعلى من ولده" (¬3). 4 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرّمات في كتاب اللَّه أربع عشرة: . . . وحليلة الابن وإن سفل محرّمة على الأب وإن علا، وسواء دخل الابن بامرأته أو لم يدخل، . . . وامرأة الأب محرّمة على ابنه وإن سفل، وكذلك امرأة الجد وإن علا" (¬4). 5 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "وحليلة ابن الابن، وابن البنت، وإن سفل، تحرم بالإجماع" (¬5). وقال أيضًا: "وأما منكوحة أجداده فتحرم بالإجماع" (¬6). 6 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: ". . . اتفق المسلمون على تحريم اثنتين منهن بنفس العقد، وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء" (¬7). 7 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "حلائل الأبناء يعني أزواجهم. . . فيحرم على الرجل أزواج أبنائه، وأبناء بناته، من نسب أو رضاع، قريبًا كان أو بعيدًا، بمجرد العقد. . . ولا نعلم في هذا اختلافًا" (¬8). وقال أيضًا: ". . . زوجات الأب، فتحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، من نسب أو رضاع، . . . وسواء في هذا امرأة أبيه، أو امرأة جده لأبيه، وجده لأمه، قرب أو بعد، وليس في هذا بين أهل العلم خلاف علمناه، والحمد للَّه" (¬9). وقال أيضًا: "وجملة ذلك أن المرأة إذا عقد الرجل عقد النكاح عليها، حرمت على ابنه بمجرد العقد عليها، . . . وتحرم على أبيه. . . وليس في هذا اختلاف بحمد اللَّه" (¬10). ¬
8 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطء أم لم يكن" (¬1). وقال أيضًا: "وحرمت حليلة الابن من الرضاع -وإن لم يكن من الصلب- بالإجماع المستند إلى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (¬2). 9 - القرافي (684 هـ) حيث قال: "أجمع الناس على أن العقد يحرّم على الابن" (¬3). 10 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا يحل له أن يتزوج بامرأة أبيه وأجداده أو نساء أجداده، . . . فثبتت الحرمة في الجميع نصًا أو إجماعًا، . . . فحرمة العقد ثابتة بالإجماع" (¬4). وقال أيضًا: "وحليلة الابن حرام على الأب. . . وأما حليلة ابن الابن بعمومه (¬5) أو بالإجماع" (¬6). وقال أيضًا: "فحرمة العقد (¬7) ثابتة بالإجماع" (¬8). 11 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "وتحرم زوجة كل جد وإن علا، إجماعًا، حكاه ابن رشد وغيره، وتحرم أيضًا بالعقد زوجة ابنه وإن نزل، بإجماع المسلمين، حكاه غير واحد" (¬9). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم حلائل الآباء على الأبناء، وحلائل الأبناء على الآباء بمجرد العقد، هو قول عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، ومكحول (¬10)، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، قال ابن المنذر: ولم يحفظ عن غيرهم خلافهم (¬11). ¬
[5 - 55] الملاعنة تحرم على زوجها تحريما مؤبدا
• مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)} [النساء: 22]. 2 - وقال تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23]، معطوفًا على قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. وجه الدلالة من هذه النصوص: دلت هذه النصوص على تحريم ما نكح الآباء على الأبناء، وما نكح الأبناء على الآباء.Rتحقق الإجماع على ثبوت تحريم ما نكح الآباء على الأبناء، وما نكح الأبناء على الآباء، بمجرد العقد، ولا يشترط في ذلك الدخول. [5 - 55] المُلاعِنَةُ تحرم على زوجها تحريمًا مؤبدًا: شرع اللَّه سبحانه وتعالى اللعان بين الزوجين عندما يتهم الرجل امرأته بالزنى، فإذا وقع اللعان بينهما فلا تحل له بعد اللعان أبدا، أكذب الزوج نفسه أم لا، ونقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "ما يقع به فسخ النكاح بعد صحته: . . . أن يتم التعانه، والتعانها، . . . ولا خلاف في ذلك" (¬1). 2 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن فرقة التلاعن واقعة (¬2) " (¬3). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "إن الملاعنة تحرم عليه باللعان تحريمًا مؤبدًا؛ فلا تحل له، وإن أكذب نفسه. . . ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). 4 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن فرقة التلاعن واقعة بين الزوجين" (¬6). • الموافقون على الاتفاق: أولًا: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن الملاعنة تحرم على زوجها الذي لاعنها تحريمًا مؤبدًا، إن لم يكذب الزوج نفسه، وافق عليه ¬
الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2). ثانيًا: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن الملاعنة تحرم على زوجها الذي لاعنها تحريمًا مؤبدًا، إن أكذب نفسه، وافق عليه أبو يوسف، وزفر، والحسن بن زياد (¬3) من الحنفية (¬4)، والمالكية (¬5). • مستند الاتفاق: 1 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان" (¬6). 2 - قول عمر، وسهل بن سعد (¬7)، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود: "مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا" (¬8). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب عثمان البتي (¬9) أن اللعان لا يتعلق به فرقة ¬
أبدًا (¬1). • أدلة هذا القول: 1 - أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يذكر في كتابه أنه إذا وقع اللعان بين الزوجين، فيجب وقوع الفرقة بينهما (¬2). 2 - قول عويمر (¬3): "كذبتُ عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلَّقها ثلاثًا" (¬4). • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنفذ الطلاق، ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه (¬5). ثانيًا: ذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (¬6)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬7)، إلى أن المرأة تعود لزوجها إن أكذب نفسه، فلا تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا في هذه الحالة. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير (¬8). • أدلة هذا القول: 1 - أنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم اللعان، فكما يلحق به الولد، ترد إليه المرأة كذلك (¬9). 2 - أن السبب الموجب للتحريم هو الجهل بتعيين صدق أحدهما، مع القطع بأن أحدهما كاذب، فإذا انكشف ارتفع التحريم (¬10).Rأولًا: ما نقل من الاتفاق على وقوع الفرقة بين الزوجين باللعان اتفاق صحيح، ولا ينظر لخلاف عثمان البتي، لما يلي: 1 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرق بين المتلاعنين، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين، وقول ¬
[6 - 56] تحريم الجمع بين الأختين
عثمان البتي مخالف للسنة (¬1). 2 - هذا قول لم يُسبق إليه، ولم يقله أحد ممن سبقه، مما يدل على أن عثمان البتي قد أحدث حكمًا من عنده؛ فهو قول شاذ، وقد وصف بذلك (¬2). ثانيًا: صحة ما نقل من الاتفاق على أن الملاعنة تحرم على زوجها الذي لاعنها، تحريمًا مؤبدًا إذا لم يكذب نفسه. ثالثًا: عدم صحة الاتفاق على أن الملاعنة تحرم على زوجها الذي لاعنها، تحريمًا مؤبدًا إذا أكذب نفسه، لخلاف الإمام أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والإمام أحمد في رواية عنه، بأنها لا تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا إن أكذب نفسه. [6 - 56] تحريم الجمع بين الأختين: يحرم الجمع في النكاح بين الأختين، سواء كانتا من نسب، أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين، أو حرة وأمة، من أبوين كانتا، أو من أب، أو أم، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الطبري (310 هـ) حيث قال بعد ذكره لأصناف المحرمات من النساء، ومن ذلك تحريم الجمع بين الأختين: "فكل هؤلاء اللواتي سماهن اللَّه تعالى، وبيَّن تحريمهن في هذه الآية؛ محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرم اللَّه ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة، لا اختلاف بينهم في ذلك" (¬3). 2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن عقد نكاح الأختين في عقد واحد لا يجوز، وأجمعوا على أن شراء الأختين الأمتين جائز، وأجمعوا على أن لا يجمع بين الأختين الأمتين في الوطء" (¬4). 3 - القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث قال: "ولا يجوز أن يجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، ويجوز الجمع بينهما في الملك، كما لا يجوز الجمع بينهما في عقد النكاح، لأن الوطء في الإماء نظير العقد في النكاح، وهذا مذهب الفقهاء ¬
كافة" (¬1). 4 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: "أما الجمع بين الأختين، فحرام بنص الكتاب، وإجماع الأمة" (¬2). 5 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن الجمع بين الأختين بعقد الزواج محرّم، واتفقوا أن نكاح الأختين، واحدة بعد واحدة؛ بعد طلاق الأخرى، أو موتها، أو انفساد نكاحها، حلال" (¬3). 6 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وجماعة الفقهاء متفقون أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح" (¬4). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت الزوجة" (¬5). ونقله عنه القرطبي (¬6). 7 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرمات في كتاب اللَّه أربع عشرة: . . . والجمع بين الأختين من النسب والرضاع" (¬7). وقال أيضًا: "واتفقوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في استباحة الوطء بملك اليمين، ولا بعقد النكاح" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). 8 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "لا خلاف في أن الجمع بين الأختين في النكاح حرام" (¬10). وقال أيضًا: "وأما نكاح المحارم، والجمع بين خمس نسوة، والجمع بين الأختين، فقد ذكر الكرخي أن ذلك كله فاسد في حكم الإسلام بالإجماع" (¬11). 9 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد نكاح" (¬12). ونقله عنه ابن قاسم (¬13). 10 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "الضرب الثاني: تحريم الجمع، والمذكور ¬
في الكتاب الجمع بين الأختين، سواء كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين، أو حرة وأمة، من أبوين كانتا، أو من أب، أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية. . . وليس في هذا بحمد اللَّه اختلاف، وليس فيه تفريع" (¬1). 11 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح. . . يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع، وكذلك المرأة وابنتها؛ صفة واحدة" (¬2). 12 - القرافي (684 هـ) حيث قال: "ويحرم الجمع في عدة الرجعية اتفاقًا؛ لأنها زوجة" (¬3). 13 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فلا يجمع بين الأختين، ولا بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وهذا أيضًا متفق عليه" (¬4). 14 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "والجمع بين الأختين في التزويج حرام، سواء كانتا شقيقتين، أم من أب، أم من أم، وسواء النسب والرضاع" (¬5). 15 - العيني (855 هـ) حيث قال: "حرمة الجمع بين الأختين بلا خلاف" (¬6). وقال أيضًا: "ثبتت الحرمة في الجميع (¬7) نصًّا، وإجماعًا" (¬8). 16 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "واتفق الأئمة على تحريم الجمع بين الأختين في النكاح" (¬9). 17 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "أي: وحرّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين معًا في التزويج، وكذا ملك اليمين، وأجمع عليه أهل العلم من الصحابة، والتابعين، والأئمة، وسائر السلف" (¬10). ¬
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم الجمع بين الأختين، سواء كان بنكاح، أو وطء في ملك يمين، هو قول جابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] معطوفًا على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. 2 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لأم حبيبة: "لا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن" (¬2). 3 - قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين" (¬3). • وجه الدلالة من هذه النصوص: دلت هذه النصوص على تحريم الجمع بين الأختين في عقد واحد. • الخلاف في المسألة: أولًا: كره الإمام أحمد في رواية عنه الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين (¬4)، ونُقل القول بالكراهة عن عمر، وعثمان، وعلي، وعمار بن ياسر (¬5)، وابن عمر، وابن مسعود، ومعاوية -رضي اللَّه عنهم- (¬6). • أدلة هذا القول: 1 - ما روي عن علي وابن عباس أنهما قالا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله (¬7). ¬
2 - ما روي أن عثمان -رضي اللَّه عنه- سئل عن الأختين في ملك اليمين، فقال: لا آمرك، ولا أنهاك، أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فخرج الرجل من عنده، فلقي عليًّا، فذكر له ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء لجعلت من فعل ذلك نكالًا (¬1). 3 - أن الجمع المُحرِّم جمعان: جمع من حيث العدد؛ وهو جمع بين خمس نسوة، وجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، أو خالتها، فلما كان الجمع من حيث العدد يختص بالنكاح، وليس بملك اليمين، كان الجمع الآخر مثله (¬2). ثانيًا: ذهب داود إلى القول بجواز الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين (¬3). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون: 5، 6]. 2 - أن حكم الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء، إذ يباح وطء أي عدد من الإماء بلا حصر، ولا يباح من الحرائر سوى أربع (¬4). ثالثًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه ذكرها أبو الخطاب (¬5)، وابن حزم (¬6)، إلى القول بأن من اجتمع في ملكه أختان، فقد حرمتا عليه، حتى تخرج واحدة منهما من ملكه، ببيع، أو هبة، أو موت، ونحو ذلك. وهو قول النخعي، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان (¬7). • دليل هذا القول: قال تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]. ومعنى هذا: أن اللَّه تعالى غفر لهم الجمع بين الأختين فيما سلف من أمرهم، فيحرم بعد ذلك (¬8).Rأولًا: تحقق الإجماع على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ولا مخالف في هذا. ¬
[7 - 57] تحريم الجمع بن المرأة وعمتها، أو خالتها
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع في تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ لوجود خلاف قديم عن بعض الصحابة، القائلين بالكراهة، وخلاف داود القائل بالإباحة، وخلاف الإمام أحمد في رواية عنه، وابن حزم القائل بتحريم الأختين إذا اجتمعتا في ملك رجل بملك اليمين حتى يخرج إحداهما من ملكه. ثالثًا: فيما ذكر من الخلاف في الجمع بين الأختين بملك يمين، فإن الأولى فعل ما هو أحوط في ترك وطء إحداهما؛ لما يأتي: 1 - ما قيل: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فالأخذ بالمحرَّم أولى عند التعارض؛ احتياطًا للحرمة، حيث إن الإثم يلحق بارتكاب المحرم، ولا إثم في ترك المباح (¬1). 2 - الأصل في الأبضاع التحريم، ولا تُستباح إلا بدليل، فإذا تعارض دليل الحل ودليل الحرمة تدافعا، فيعمل بالأصل (¬2). 3 - أن عثمان -رضي اللَّه عنه- رجع إلى قول الجمهور، فإن لم يرجع، فالإجماع اللاحق يرفع الخلاف -على رأي الحنفية- السابق (¬3). 4 - أن حل الملك ليس فيه أكثر من بيان جهة الحل وسببه، ولا تعرّض فيه لشروط الحل، ولا لموانعه؛ وآية التحريم فيها بيان موانع الحل من النسب والرضاع والصهر وغيره، فلا تعارض بينهما البتة، وإلا كان كل موضع ذكر فيه شرط الحل وموانعه معارضًا لمقتضى الحل، وهذا باطل قطعًا، بل هو بيان لما سكت عنه دليل الحل من الشروط والموانع (¬4). 5 - لو جاز الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء، جاز الجمع بين الأم وابنتها المملوكتين، فإن نص التحريم شامل للصورتين شمولًا واحدًا، وإن إباحة المملوكات إذا عمّت الأختين، عمّت الأم وبناتها (¬5). [7 - 57] تحريم الجمع بن المرأة وعمتها، أو خالتها: يحرم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها، أو خالتها، ونقل الإجماع على ذلك ¬
جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها". وبهذا نأخذ، وهو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته" (¬1). ونقله عنه ابن حجر (¬2)، والصنعاني (¬3)، والشوكاني (¬4). 2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى" (¬5). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت، ولا على ابنة أخيها وإن سفلت، ولا على خالتها وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت، والرضاعة في ذلك كالنسب" (¬6). وذكره في الاستذكار (¬7). ونقله عنه العيني (¬8)، والشوكاني (¬9). وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة كلها على القول بحديث هذا الباب (¬10)، على حسب ما وصفناه" (¬11). 4 - ابن العربي (546 هـ) حيث قال: ". . . فإن ما ذكر في هذا الحديث على اختلاف روايته ثابت بالإجماع" (¬12). 5 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (¬13). وقال أيضًا: "اتفقوا على أن عمة العمة تنزل في التحريم منزلة العمة، إذا كانت العمة الأولى أخت الأب لأبيه، واتفقوا على أن خالة الخالة تنزل في التحريم منزلة الخالة، إذا كانت الخالة الأولى أخت الأم لأمها" (¬14). ونقله عنه ابن قاسم (¬15). ¬
6 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا - فيما أعلم - على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها" (¬1). 7 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به. وليس فيه بحمد اللَّه اختلاف" (¬2). 8 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح" (¬3). ونقله عنه الشوكاني (¬4). 9 - النووي (676 هـ) حيث قال: "يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقة، وهي: أخت الأب، وأخت الأم، أو مجازية، وهي: أخت أبي الأب، وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب، وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما" (¬5). 10 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وأما تحريم الجمع: فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن، ولا بين المرأة وخالتها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى، . . . وهذا متفق عليه بين العلماء" (¬6). وقال أيضًا: "والجمع بين المرأة وخالة أبيها وخالة أمها، أو عمة أبيها أو عمة أمها؛ كالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، عند أئمة المسلمين، وذلك حرام باتفاقهم" (¬7). 11 - العيني (855 هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على القول بهذا الحديث؛ فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت، ولا على ابنة أخيها وإن سفلت، ولا على خالتها وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت" (¬8). 12 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "واتفق الأئمة على تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، وكذا بين المرأة وعمتها أو خالتها" (¬9). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه يحرم الجمع بين ¬
المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وافق عليه ابن حزم (¬1). وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، ومجاهد، والأوزاعي، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور (¬2). • مستند الإجماع: 1 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (¬3). 2 - وعن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها (¬4). 3 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى (¬5). 4 - قال الترمذي: وفي الباب عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، وأبي سعيد، وجابر، وعائشة، وأبي موسى، وسمرة بن جندب (¬6). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، والنهي يفيد التحريم. • الخلاف في المسألة: لم ينقل عن أحد من أهل السنة خلاف في هذه المسألة إلا عثمان البتي، فإنه قال: الجمع فيما سوى الأختين، وسوى المرأة وابنتها، ليس بحرام (¬7). ونُقل الخلاف عن الخوارج والشيعة فأباحوا ذلك (¬8). ¬
[8 - 58] إباحة الجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها
• دليل المخالف: قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] • وجه الدلالة: ذكر المحرّمات، وذكر فيما حرّم: الجمع بين الأختين، وأحل ما وراء ذلك، والجمع فيما سوى الأختين لم يدخل في التحريم، فكان داخلًا في المباح (¬1).Rتحقق الإجماع في أنه لا يجوز أن يُجمع بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها في عقد النكاح، وعدم الاعتداد بخلاف من خالف لما يلي: 1 - أن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين خالتها، مما قد حرّمه اللَّه تعالى على لسان نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذي هو وحي غير متلو (¬2). 2 - تخصيص قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بما ورد في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- مبين للناس ما أنزل إليهم في كتاب اللَّه (¬3). 3 - ما ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حديث مشهور، والمشهور له حكم القطعي، ولا سيما مع الإجماع من الأمة، وعدم الاعتداد بالمخالف (¬4). 4 - خلاف الخوارج والشيعة لا يعتد به؛ لكونهم من أهل البدع الذين لا يعتد بخلافهم، مع ما ورد من السنة الصحيحة، والإجماع (¬5). 5 - خلاف عثمان البتي لا ينظر إليه لكونه وقع بعد عصر الإجماع، ولمخالفته السنة الصريحة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. [8 - 58] إباحة الجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها: يباح للرجل أن يجمع بين امرأة وابنة زوجها السابق، فقد يتزوج رجل امرأة مطلقة، أو توفي عنها زوجها، ويجمع معها ابنة زوجها السابق من غيرها، ونقل الإجماع على إباحة هذا النوع من النكاح جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: "روي أن عبد اللَّه بن ¬
جعفر (¬1)، وعبد اللَّه بن صفوان (¬2)، جمع كل واحد منهما بين امرأة رجل وابنته من غيرها، فلم ينكر ذلك أحد من علماء عصرنا، فكان إجماعًا" (¬3). 2 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزًا، لا بأس به، . . . وبه قال سائر الفقهاء" (¬4). 3 - العيني (855 هـ) حيث قال: "وبه قال الأئمة الأربعة، ويرى به العلماء؛ لأنه لا قرابة بينهما" (¬5). وقال أيضًا: "ولا أعلم أحدًا كرهه، إلا شيئًا يروى عن الحسن، ثم كان رجع عنه" (¬6). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة أن يجمع الرجل بين امرأة، وزوجة أبيها، وافق عليه المالكية (¬7)، وابن حزم (¬8). وهو قول محمد بن سيرين، وسليمان بن يسار (¬9)، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. ¬
• وجه الدلالة: أباح اللَّه سبحانه وتعالى نكاح جميع النساء، إلا ما ثبت تحريمه بكتاب أو سنة أو إجماع؛ ولم يثبت تحريمهما (¬1). 2 - قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] • وجه الدلالة: أن المرأة وبنت زوجها من غيرها، داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح، غير خارجتين منه بكتاب، أو سنة، أو إجماع (¬2). 3 - جمع عبد اللَّه بن جعفر بين ابنة علي، وامرأة علي (¬3). • وجه الدلالة: لم ينكر على عبد اللَّه بن جعفر أحد من أهل زمانه؛ وهم الصحابة والتابعون، وهو دليل ظاهر على الجواز (¬4). 4 - أن رجلًا بمصر من الأمصار كانت له صحبة، يقال له: جبلة (¬5)، جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها (¬6). • الخلاف في المسألة: نقلت كراهية الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها عن زفر من الحنفية (¬7)، وعن الحسن البصري، وعكرمة، وابن أبي ليلى (¬8) (¬9). • دليل هذا القول: أن ابنة الزوج لو قدرتها ذكرًا لا يجوز له التزوج بامرأة أبيه (¬10). ¬
[9 - 59] إباحة الجمع بين بنات العم, أو بنات الخال
Rتحقق الإجماع في جواز الجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها، ولا ينظر للخلاف لما يأتي: 1 - أن قول من قال بالكراهة، لا ينافي القول بالجواز. 2 - ما ورد عن الحسن، فقد ثبت رجوعه عنه، وأما ما ورد عن عكرمة؛ فالإسناد إليه فيه مقال (¬1). 3 - يقال لزفر: أن امرأة الأب لو صورتها ذكرًا جاز له التزوج بالبنت، فيجب أن يتصور الشرط من كل جانب (¬2). [9 - 59] إباحة الجمع بين بنات العم, أو بنات الخال: قد يجمع الرجل في عقد واحد بين بنتي عم، أو بنتي خال، وهذا النكاح جائز، سواء كانتا من النسب أو من الرضاعة، ونفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "الجمع بين بنات العم، . . . النكاح جائز إذا جمع بينهما، ولا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح" (¬3). ونقله عنه القرطبي (¬4)، وابن حجر (¬5)، والعيني (¬6). 2 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "سئل مالك عن ابنتي العم: أتجمعان بينهما؟ قال: ما أعلمه حرامًا. . . وعلى هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، ولا يختلفون في أنه جائز الجمع بين ابنتي العم من النسب والرضاعة" (¬7). 3 - النووي (676 هـ) حيث قال: "وأما باقي الأقارب؛ كالجمع بين بنتي العم، أو بنتي الخالة أو نحوهما، فجائز عندنا وعند العلماء كافة" (¬8). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره الجمهور من نفي الخلاف في إباحة الجمع ¬
بين بنتي العم، أو بنتي الخال، وافق عليه الحنابلة في الصحيح من المذهب (¬1)، وابن حزم (¬2)، وهو قول الحسن البصري، وعطاء في قول عنه، وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد (¬3). • مستند نفي الخلاف: 1 - قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] • وجه الدلالة: أن الجمع بين بنات العم داخل في جملة ما أبيح بالنكاح، غير خارج منه بكتاب، أو سنة، أو إجماع (¬4). 2 - جمع الحسن بن الحسين بن علي بين ابنتي عم في ليلة واحدة (¬5). • الخلاف في المسألة: ذهب زفر من الحنفية (¬6)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬7)، إلى القول بكراهة هذا النوع من النكاح. وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء في قول، وجابر بن زيد، وابن أبي ليلى (¬8). • دليل هذا القول: عن عيسى بن طلحة (¬9) أنه قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة (¬10).Rصحة ما ذكر من أنه لا خلاف في جواز أن يجمع الرجل بين بنتي العم، أو بنتي الخال، ولا ينظر لخلاف من خالف؛ لأنه حملَه على الكراهة، والقول ¬
[10 - 60] ما يجمعه الحر من النساء
بالكراهة لا ينافي الجواز. قال البخاري: كرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم؛ لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] (¬1). [10 - 60] ما يجمعه الحر من النساء: جاءت الإباحة في الشريعة الإسلامية للرجل الحر بنكاح أربع من النساء، وجواز الجمع بينهن في عقد واحد، وحرّمت الجمع بين أكثر من أربع من النساء، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: "أكثر ما يحل للحر أربع، لا يجوز له الزيادة عليهن، وهو قول سائر الفقهاء" (¬2). وقال أيضًا: ". . . فلو كان على ما قالوه، لكان من عجز عن العدل في تسع حرم عليه أن ينكح إلا واحدة، ولما حل له اثنتان، ولا ثلاث، ولا أربع، وهذا مدفوع بالإجماع" (¬3). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن نكاح الحر البالغ العاقل العفيف الصحيح، غير المحجور، المسلم، أربع حرائر، مسلمات غير زوانٍ صحائح فأقل، حلال. . . واتفقوا على أن نكاح أكثر من أربع زوجات، لا يحل لأحد بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬4). وقال أيضًا: "لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام" (¬5). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعًا؛ وإن خاف ألا يعدل" (¬6). 4 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفقت الأمة على أن الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر" (¬7). ¬
5 - ابن هبيرة (560 هـ)، فذكره بنحو ما قال البغوي (¬1). 6 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفق المسلمون على جواز نكاح أربع من النساء معًا، وذلك للأحرار من الرجال" (¬2). 7 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات، أجمع أهل العلم على هذا، ولا نعلم أحدًا خالفه منهم" (¬3). 8 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "أجمع المسلمون أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا" (¬4). وقال أيضًا: "اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة. . . وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة؛ إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع" (¬5). وقال أيضًا: "وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعًا، وإن خاف ألا يعدل" (¬6). 9 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: بعد قول البخاري "باب لا يتزوج أكثر من أربع" (أما حكم الترجمة فبالإجماع، إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه" (¬7). 10 - العيني (855 هـ) حيث قال: "باب لا يتزوج أكثر من أربع، أي هذا باب يذكر فيه أنه لا يتزوج الرجل أكثر من أربع نسوة، وهذا لا خلاف فيه بالإجماع، ولا يلتفت إلى قول الروافض" (¬8). 11 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "وللحر أن يتزوج أربعًا. . . اتفق عليه الأئمة الأربعة وجمهور المسلمين" (¬9). 12 - ابن نجيم (970 هـ)، فذكره بنحو ما قال ابن الهمام (¬10). ¬
13 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "وقال بعض الخوارج: الآية تدل على جواز تسع، مثنى باثنتين، وثلاث بثلاث، ورباع بأربع؛ وبعض منهم: تدل على ثمانية عشر، مثنى اثنين اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ومجموع ذلك ما ذكر، وهذا خرق للإجماع" (¬1). 14 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "لا يحل لحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات إجماعًا" (¬2). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. • وجه الدلالة: هذا نص على العدد فتمنع الزيادة عليه (¬3). 2 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن غيلان بن سلمة الثقفي (¬4) أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتخير أربعًا منهن (¬5). 3 - وقال نوفل بن معاوية (¬6): أسلمت، وتحتي خمس نسوة، فقال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فارق واحدة منهن" (¬7). 4 - عن الحارث بن قيس (¬8) -رضي اللَّه عنه- قال: أسلمت، وعندي ثماني نسوة، فأتيت ¬
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت ذلك له، فقال: "اختر منهن أربعًا" (¬1). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أولًا: لو كانت الزيادة على الأربع حلالًا لما أمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمفارقة من زاد على أربع، فدل على أن منتهى العدد المشروع هو الأربع (¬2). ثانيًا: مَنَع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من استدامة الزيادة على أربع، فالابتداء أولى (¬3). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب القاسم بن إبراهيم (¬4)، والرافضة (¬5)، إلى القول بأنه يجوز أن يجمع بين تسع من النساء. ثانيًا: ذهبت الخوارج إلى القول بإباحة ثماني عشرة امرأة، فإن مثنى بمعنى اثنين اثنين، وثُلاث بمعنى ثلاث ثلاث، ورُباع بمعنى أربع أربع، فهو معدول عن عدد مكرر فيصبح المجموع ثماني عشرة (¬6). • أدلة المخالفين: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. • وجه الدلالة: الواو للجمع، فثنتان وثلاث وأربع، تسع من النساء (¬7). 2 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات عن تسع نساء، واللَّه سبحانه وتعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. • وجه الدلالة: ساوت الأمة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما تستبيحه من الإماء، فوجب أن تساويه في حرائر النساء (¬8).Rتحقق الإجماع على أنه لا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع من ¬
[11 - 61] ما يجمعه العبد من النساء
النساء، ولا يعتد بخلاف من خالف؛ للأسباب التالية: 1 - ليس هذا الخلاف بشيء؛ لأنه خرق للإجماع، وترك للسنة (¬1). 2 - قولهم: إن الواو جامعة؛ فقد قيل: لكن اللَّه تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول: تسعة، وتقول: اثنين وثلاثة وأربعة، وتستقبح كذلك من يقول: أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر. وإنما الواو في هذا الموضع بدل؛ أي: انكحوا ثلاثًا بدلًا من مثنى، ورباع بدلًا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو (¬2). 3 - معنى الآية: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب لكم من النساء ثلاث، وانكحوا ما طاب لكم من النساء رباع (¬3)، وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة، لكونه من تفسير زين العابدين علي بن الحسين (¬4)، وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم، ويعتقدون عصمتهم (¬5). 4 - استدلالهم على ما ذهبوا إليه من إباحة أكثر من أربع بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات عن تسع، يُردّ بأن ذلك من خصائصه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما خص بأن نساءه لا ينكحن بعده، وغير ذلك من الخصائص (¬6). [11 - 61] ما يجمعه العبد من النساء: يختلف العبد المملوك عن الحر في كثير من الأحكام، فيحدّ نصف حدّ الحر، وله تطليقتان، وعلى هذا قال الفقهاء: لا يجمع العبد أكثر من اثنتين من النساء في عقد ¬
واحد، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن للعبد أن ينكح امرأتين" (¬1). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن العبد البالغ العاقل، إذا أذن له سيده العاقل البالغ الحر المسلم، الذي ليس بمحجور في النكاح، وتولى سيده عقد نكاحه؛ فله نكاح حرة، أو حرتين من المسلمات" (¬2). وقال أيضًا: "قال عطاء: أجمع أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين" (¬3). ونقله عنه العيني (¬4). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "روي عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف؛ في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين، ولا أعلم لهم مخالفًا من الصحابة" (¬5). وقال أيضًا: "قال الحكم بن عتيبة: أجمع أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن المملوك لا يجمع من النساء أربعًا" (¬6). 4 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن للعبد أن ينكح اثنتين" (¬7). 5 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "وحل تزوج اثنتين له، حرتين كانتا أو أمتين، ولا يجوز أكثر منه في النكاح؛ لإجماع الصحابة" (¬8). 6 - الشربيني (977 هـ) حيث قال: "وللعبد امرأتان؛ لأن الحكم بن عتيبة نقل إجماع الصحابة فيه" (¬9). 7 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "ولا لعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين، وهو قول عمر، وعلي، وغيرهما، ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة. . . ولا خلاف في جواز الجمع بين اثنتين له" (¬10). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن العبد لا يجمع أكثر ¬
من اثنتين في عقدة واحدة، هو قول عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء، والشعبي، وقتادة، والثوري، وإسحاق (¬1). • مستند الإجماع: 1 - أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: ينكح العبد امرأتين (¬2). 2 - أن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: ينكح العبد اثنتين لا يزيد عليهما (¬3). 3 - أن عمر -رضي اللَّه عنهما- سأل الناس: كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: باثنتين، وطلاقه باثنتين (¬4). • وجه الدلالة: أن هذا كان بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر (¬5). 4 - عن الحكم بن عتيبة قال: أجمع أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين (¬6). 5 - القياس الصحيح على طلاق العبد وحدّه؛ فإن حدّه نصف حدّ الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران (¬7). • الخلاف في المسألة: ذهب الإمام مالك (¬8)، وابن حزم (¬9)، إلى أن العبد له أن يجمع أربعًا كالحر تمامًا. وهو قول القاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللَّه (¬10)، وطاوس، ومجاهد، ¬
[12 - 62] تحريم نكاح زوجة الغير
والزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (¬1)، وداود، وأبي ثور (¬2). • أدلة هذا القول: قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. • وجه الاستدلال: أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يخص عبدًا من حر، فهما سواء في ذلك (¬3).Rعدم تحقق الإجماع على أن العبد لا يجوز له أن ينكح أكثر من اثنتين من النساء، وذلك لكثرة المخالفين في هذه المسألة من الأئمة الذين يعتد بهم، والذين يرون أنه كالحر تمامًا، فله أن يجمع بين أربع من النساء. • تنبيه: ينتقد ابن حزم الجمهور دائمًا إذا قالوا قولًا يخالفون فيه أحد الصحابة إذا لم يعرف له مخالف؛ فقال: وهذا مما يعظمونه إذا وافق أهواءهم (¬4). والذي يلاحظ: أن ابن حزم نقل عن عطاء أن الصحابة مجمعون على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين، فكيف يحكى الإجماع عن الصحابة، ثم يخالفه، فيرى أن العبد كالحر، فله أن يجمع بين أربع من النساء؟ ! . [12 - 62] تحريم نكاح زوجة الغير: سبق بحث هذه المسألة. [13 - 63] تحريم نكاح المعتدة: إذا طُلِّقت المرأة، أو توفي عنها زوجها، فيلزمها أن تعتد، ولا يجوز لها في زمن العدة أن تتزوج، ونقل الإجماع على تحريم ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن كل نكاح عقدته امرأة، وهي في عدتها الواجبة عليها، لغير مطلقها أقل من ثلاث، فهو مفسوخ ¬
أبدًا" (¬1). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "الخلو عن العدة، إنما عرف شرطًا في نكاح المسلمين بالإجماع" (¬2). 3 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة، كانت عدة حيض، أو عدة حمل، أو عدة أشهر" (¬3). ونقله عنه ابن قاسم (¬4). 4 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعًا، أي عدة كانت" (¬5). 5 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "حرّم اللَّه تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن بلوغ أجله انقضاء العدة" (¬6). وقال أيضًا: "ولا خلاف بين الفقهاء، أن من عقد على امرأة نكاحها، وهي في عدة من غيره، أن النكاح فاسد" (¬7). 6 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فإذا أراد نكاح الثانية فارق الأولى، فإذا انقضت عدتها تزوج الثانية، فإن تزوجها في عدة طلاق رجعي لم يصح العقد الثاني باتفاق الأئمة" (¬8). وقال أيضًا: "ولهذا اتفق المسلمون على أن ما حرمه اللَّه من نكاح المحارم، ومن النكاح في العدة، ونحو ذلك يقع باطلًا غير لازم" (¬9). 7 - ابن حجر (852 هـ) حيث قال: "لو وقع العقد في العدة ودخل، فاتفقوا على أنه يفرق بينهما" (¬10). 8 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "نكاح المعتدة مجمع على بطلانه" (¬11). ¬
9 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "حرمة نكاح المعتدة مجمع عليها" (¬1). 10 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "وأجمع أهل العلم على أنه لا يصح العقد في مدة العدة" (¬2). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم نكاح المعتدة، هو قول عمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، ومجاهد، وقتادة، والشعبي، والثوري (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]. • وجه الدلالة: نهى اللَّه سبحانه وتعالى عن عقد نكاح المعتدة حتى تنقضي عدتها، وهذا نص صريح في ذلك (¬4). 2 - عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة الأسدية (¬5) كانت تحت رشيد الثقفي (¬6) فطلقها، فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة (¬7) ضربات، وفرق بينهما (¬8). • وجه الدلالة: لم يضرب عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- الرجل والمرأة، ويفرق بينهما، إلا لأن نكاحها في العدة محرّم.Rتحقق الإجماع على تحريم نكاح المعتدة، وأنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ¬
[14 - 64] تحريم نكاح المستبرأة
[14 - 64] تحريم نكاح المستبرأة: إذا ملك الرجل جارية، أو وُهِبت له، فلا بد له من استبرائها (¬1)، قبل أن يطأها، ويحرم عليه وطؤها، فإن كانت حاملًا تركها حتى تضع، وإن لم تكن حاملًا تركها حتى تحيض، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المرأة إذا وقعت في ملك رجل، ولها زوج مقيم في دار الحرب، أن نكاح زوجها قد انفسخ، وحل لمالكها وطؤها بعد الاستبراء" (¬2). ونقله عنه ابن تيمية (¬3). 2 - القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث قال: "مستبرأة من وطء يلحق النسب فيه، كالواطئ في نكاح فاسد، أو شبهة نكاح، أو ملك، فهذا لا يجوز العقد عليها إجماعًا" (¬4). 3 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "اتفقوا أن من اشترى جارية شراءً صحيحًا، بكرًا أو ثيبًا فحاضت عنده، إن كانت ممن تحيض، أو أتمت ثلاثة أشهر في ملكه، إن كانت ممن لا تحيض أو تسترب بحمل، أنه له وطؤها بعد ذلك" (¬5). 4 - البغوي (516 هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على تحريم الوطء على المالك في زمان الاستبراء" (¬6). 5 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن لا توطأ حامل مسبية حتى تضع؛ لتواتر الأخبار بذلك عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬7). 6 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "إذا عقد عليها، ولم يدخل بها حتى يستبرئها، فذلك جائز إجماعًا" (¬8). 7 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "والعلماء عامة إنما يوجبون في ذلك استبراءً ¬
بحيضة. . . لكن لا خلاف أن نسب ولده ثابت منه، وأن ماءه ماء محترم، لا يحل لأحد أن يطأ زوجته قبل الاستبراء باتفاق المسلمين" (¬1). وقال أيضًا: ". . . وكذلك المشتري الثاني لا يجوز له وطؤها قبل أن تحيض عنده حيضة باتفاق الأئمة" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). 8 - ابن القيم (751 هـ) حيث قال: "إن كانت حاملًا، فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما أنه حكم النص، فهو مجمع عليه بين الأمة" (¬4). 9 - قاضي صفد (بعد 780 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من ملك أمَة ببيع أو هبة أو إرث أو سبي، لزمه استبراؤها" (¬5). 10 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "فلو استبرأها قبل أن يتزوجها جاز وطء الزوج بلا استبراء اتفاقًا" (¬6). 11 - الشعراني (973 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من ملك أمَة ببيع أو هبة أو إرث أو سبي، لزمه استبراؤها بحيض أو قرء، إن كانت حائلًا، وإن كانت ممن لا تحيض لصغر أو كبر فبشهر" (¬7). 12 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يحرم وطؤها زمن الاستبراء" (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم وطء الأمة المملوكة ببيع أو هبة أو شراء، إلا بعد الاستبراء، هو قول عمر، وعثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، ونافع (¬9)، . . . . . . . . . ¬
[15 - 65] تحريم نكاح الحامل من الغير
وعمرو بن دينار (¬1) (¬2). • مستند الإجماع: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال في غزوة أوطاس (¬3)، ونادى مناديه بذلك: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (¬4). • وجه الدلالة: هذا نهي صريح عن وطء الحامل المسبية، أو غير الحامل إلا بعد استبرائها، فإن كانت حاملًا تترك حتى تضع، وإن لم تكن حاملًا فتستبرأ بحيضة.Rتحقق الإجماع على تحريم وطء الأمة المملوكة ببيع أو هبة أو شراء، إلا بعد الاستبراء، وأنها تستبرأ بحيضة إن كانت ممن يحضن، أو بشهر إن كانت كبيرة، أو صغيرة لا تحيض. [15 - 65] تحريم نكاح الحامل من الغير: إذا كانت المرأة حاملًا، فلا يحل لغير زوجها أن يطأها، فإن طلقت، أو توفي عنها زوجها، فلا يحل لغيره أن ينكحها حتى تضع حملها، وقد تكون هذه الحامل جارية، فيشتريها رجل وهي حامل، فلا يطأها حتى تضع، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الترمذي (279 هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون للرجل إذا اشترى جارية، وهي حامل، أن يطأها حتى تضع" (¬5). ¬
2 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منع وطء الرجل جارية يملكها من السبي، وهي حامل، حتى تضع" (¬1). 3 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من ملك حاملًا من غيره ملكًا صحيحًا، فليس له وطؤها حتى تضع" (¬2). وقال أيضًا: "واتفقوا على أن وطء الرجل المرأة الحامل التي لا يلحق ولدها به، حرام، وإن ملك عصمتها أو رِقّها" (¬3). 4 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "لا خلاف بين العلماء قديمًا ولا حديثًا، أنه لا يجوز لأحد أن يطأ امرأة حاملًا من غيره بملك يمين، ولا نكاح، ولا غير حامل حتى يعلم براءة رحمها من ماء غيره" (¬4). ونقله عنه ابن قدامة (¬5)، وابن قاسم (¬6). وقال أيضًا: ". . . لأن الفرج يحرم على اثنين في حال واحدة باتفاق المسلمين" (¬7). وقال أيضًا: "والأحاديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة" أحاديث حسان، وعليها جماعة أهل العلم في الوطء الطارئ بملك اليمين" (¬8). 5 - ابن العربي (546 هـ)، حيث قال بعد ذكره لحديث سبايا أوطاس: "لا يحل وطؤها (¬9) بملك اليمين لمن اشتراها، بلا خلاف" (¬10). 6 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "لا خلاف في أنه لا يحل وطؤها قبل الوضع" (¬11). 7 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه لا توطأ حامل مسبية حتى تضع" (¬12). 8 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وأما نكاحها، وهي حامل من الزوج الأول، فهو نكاح باطل بإجماع المسلمين" (¬13). ¬
9 - ابن القيم (751 هـ) حيث قال: "وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل، سواء كان حملها من زوج أو سيد أو شبهة، أو زنى، وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحمل من زنى" (¬1). 10 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "الثاني: وهي الحبلى من غيره، فإن تزوجها، لا يصح إجماعًا" (¬2). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم وطء الحامل من غير زوجها، حتى تضع حملها، هو قول عمر، وأبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنهما-، وأبي ثور، وإسحاق (¬3). • مستند الإجماع: 1 - عن أبي الدرداء (¬4) -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أُتي بامرأة مُجِح (¬5) على باب فسطاط، فقال: "لعله يريد أن يلم بها؟ "، فقالوا: نعم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له" (¬6). 2 - عن رويفع بن ثابت الأنصاري (¬7) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين: "لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره" (¬8). 3 - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال في غزوة أوطاس، ونادى ¬
[16 - 66] إباحة نكاح الزانية، لمن زنى بها بعد الاستبراء
مناديه بذلك: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (¬1). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: فيها دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل، سواء كان حملها من زوج أو سيد أو شبهة (¬2).Rتحقق الإجماع على تحريم أن يطأ الرجل حاملًا من غيره، سواء كان حملها من زوج، أو سيد، أو شبهة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [16 - 66] إباحة نكاح الزانية، لمن زنى بها بعد الاستبراء: إذا زنت المرأة، فلا يمنعها ذلك من أن تتزوج، فإنه يجوز لمن زنى بها، ولغيره، أن يعقد عليها، ونقل الإجماع على جواز ذلك جمع من أهل العلم بشرط أن يستبرئها. • من نقل الإجماع: 1 - القاضي عبد الوهاب (422 هـ) حيث قال: "فأما الزانية فإنه يجوز للزاني أن يعقد عليها، وإن كان قد زنى بها، ويجوز لغيره أيضًا، وهو قول جميع الفقهاء" (¬3). 2 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: ". . . وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحرم الحرام الحلال" (¬4)، وهذا نص، ولأنه منتشر في الصحابة بالإجماع، وروى عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر. . . فهذا قول من ذكرنا، ولم يصح عن غيرهم خلافه، فصار إجماعًا" (¬5). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "أجمع هؤلاء الفقهاء -أهل الفتوى بأمصار المسلمين- أنه لا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها، إذا استبرأها" (¬6). ونقله عنه ابن حجر (¬7). وقال أيضًا: "وقد اتفق هؤلاء الفقهاء كلهم على أنه لو زنى بها جاز له تزوجها، ولم ¬
تحرم عليه" (¬1). 4 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: ". . . إجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها" (¬2). وقال أيضًا: "وهذا يقتضي أن المسافحات (¬3) لا يحل التزوج بهن؛ وذلك خلاف الإجماع" (¬4). وقال أيضًا: "إن متزوج الزانية التي قد زنت، ودخل بها، ولنم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني، . . . وأما إذا عقد عليها، ولم يدخل بها، حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعًا" (¬5). 5 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولو كان الحمل من الزنى؛ فالنكاح جائز عند الكل" (¬6). 6 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "أما لو كان الحبل منه جاز النكاح بالاتفاق" (¬7). 7 - ابن نجيم (970 هـ) حيث قال: "أما تزوج الزاني لها فجائز اتفاقًا" (¬8). 8 - الشوكاني (1250 هـ) حيث قال: ". . . إن البغايا حلال. . . وذلك مما لا خلاف فيه فيما أعلم، ولكن بعد مضي العدة المعتبرة شرعًا" (¬9). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة نكاح الزانية لمن زنى بها، أو غيره بعد استبرائها، هو قول أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر -رضي اللَّه عنهم-، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، والثوري (¬10). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]. • وجه الدلالة: الآية عامة، فلم تفرق بين العفيفة والزانية، فيحل نكاحها عندئذٍ للزاني ولغيره (¬11). ¬
2 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: أتى رجل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسول اللَّه، إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "طلقها"، قال: إني أحبها، قال: "فامسكها إذًا" (¬1) • وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على تزويج الفاجرة التي عرفت بالزنى (¬2). 3 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحرّم الحرام الحلال" (¬3) • وجه الدلالة: دل الحديث على أن الحرام كالزنى ونحوه، لا يحرم الحلال الذي أباحه اللَّه كالنكاح ونحوه. 4 - سئل أبو بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- عن رجل زنى بامرأة، ثم يريد أن يتزوجها، فقال: ما من توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح (¬4). 5 - روي عن عمر -رضي اللَّه عنه- أن رجلًا تزوج امرأة، وكان له ابن من غيرها، ولها بنت من غيره، ففجر الغلام بالجارية، وظهر بها حمل، فلما قدم عمر مكة رفع إليه، فسألهما فاعترفا، فجلدهما عمر الحد، وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الغلام (¬5). 6 - عن أبي الزبير المكي (¬6) أن رجلًا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها أحدثَت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضربه، أو كاد يضربه، ثم قال: ما لك وللخبر (¬7). 7 - سئل ابن عباس: أيتزوج الزاني بالزانية؟ فقال: نعم، أرأيت لو سرق من كرم عنبًا ثم اشتراه، أيجوز؟ (¬8). ¬
• الخلاف في المسألة: أولًا: قال الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (¬1)، والشافعية (¬2): يجوز للزاني وغيره أن ينكحها، وإن كانت حاملًا، فإن كان الحمل منه فلا يستبرئها، بل له أن يجامعها، وإن كان الحمل من غيره فلا يطأها حتى تضع. • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] • وجه الدلالة: الآية عامة فلم تفرق بين العفيفة والزانية، فيحل نكاحها عندئذٍ للزاني ولغيره (¬3). 2 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحرّم الحرام الحلال" (¬4). • وجه الدلالة: هذا نص، وهو منتشر بين الصحابة بالإجماع، فدل الحديث على أن الحرام كالزنى ونحوه، لا يحرّم الحلال الذي أباحه اللَّه كالنكاح ونحوه (¬5). 3 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها-: قالت: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (¬6). • وجه الدلالة: حرمة ماء الرجل إذا كان حملًا ثابت النسب، ولا حرمة لماء الزنى، فلما لم يكن له حرمة جاز النكاح (¬7). ثانيًا: ذهب الحنابلة (¬8)، وابن حزم (¬9)، إلى أنه لا يحل للزانية أن تتزوج حتى تتوب، وتنقضي عدتها. وهو قول قتادة، وأبي عبيد، وإسحاق (¬10). • أدلة هذا القول: 1 - قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} [النور: 3]. • وجه الدلالة: حرم اللَّه سبحانه وتعالى أن ينكح الزاني زانية، ولا يرتفع الحكم عنها إلا بالتوبة، فإذا تابت حل نكاحها، فإن هذا خبر، ومعناه النهي عن نكاح الزانية (¬11). ¬
2 - عن أبي الدرداء -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أُتي بامرأة مُجِح على باب فسطاط، فقال: "لعله يريد أن يلم بها؟ "، فقالوا: نعم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له" (¬1). 3 - عن رويفع بن ثابت الأنصاري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن يسقي ماءه زرع غيره" (¬2). 4 - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال في غزوة أوطاس، ونادى مناديه بذلك: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (¬3). ثالثًا: ذهب علي، وعبد اللَّه بن مسعود، والبراء بن عازب (¬4)، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، والحسن البصري، أنها لا تحل للزاني بحال، ولا يزالا زانيين ما اجتمعا (¬5). • أدلة هذا القول: 1 - قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} [النور: 3] • وجه الدلالة: ورد المنع في أول الآية، ثم ورد التحريم في آخرها، فلا يجوز خلافه عندئذٍ (¬6). 2 - قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: "لا نرى إلا زانيان ما اجتمعا" (¬7). 3 - وعن البراء بن عازب -رضي اللَّه عنه- في الرجل يفجر بالمرأة، ثم يريد أن نكاحها، قال: "لا يزالان زانيين أبدًا" (¬8).Rعدم تحقق الإجماع على أنه يباح نكاح الزانية لمن زنى بها بعد ¬
[17 - 67] تحريم نكاح الكافر للمسلمة
استبرائها؛ لوجود خلاف في هذه المسألة، بين من منع نكاحهما مطلقًا، وبين من أباح لها النكاح مطلقًا بلا استبراء إن كان الناكح هو الزاني، وبين من قيد ذلك بتوبتها، وانقضاء عدتها. [17 - 67] تحريم نكاح الكافر للمسلمة: يحرم على المرأة المسلمة أن يتزوجها رجل كافر، سواء كان ذلك الكافر كتابيًا من اليهود والنصارى، أم من غيرهم من سائر الكفار، ونقل الإجماع على تحريم ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "فالمسلمات محرّمات على المشركين منهم بالقرآن على كل حال، وعلى مشركي أهل الكتاب؛ لقطع الولاية بين المشركين والمسلمين، وما لم يختلف الناس فيه علمته (¬1) " (¬2). وقال أيضًا: "ولم يختلف الناس فيما علمناه في أن الزانية المسلمة لا تحل لمشرك، وثني أو كتابي" (¬3). 2 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: ". . . فإن اتفاقهما في الإسلام والكفر كان شرطًا معتبرًا بالإجماع" (¬4). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "الإجماع منعقد على تحريم فروج المسلمات على الكفار" (¬5). 4 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه" (¬6). 5 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، ولا يتزوج الكافر المسلمة" (¬7). 6 - العيني (855 هـ) حيث قال: ". . . أي هذا باب في بيان أن الأكفاء التي بالإجماع هي أن يكون في الدين، فلا يحل للمسلمة أن تتزوج بالكافر" (¬8). ¬
[18 - 68] إباحة نكاح المسلم للحرة الكتابية
7 - الشوكاني (1250 هـ) حيث قال: ". . . وهو (¬1) يحرم على الفاسقة المسلمة بالإجماع" (¬2). 8 - ابن قاسم (1392 هـ) حيث قال: "ولا ينكح كافر مسلمة حتى يسلم إجماعًا" (¬3). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم نكاح الكافر للمسلمة، وافق عليه ابن حزم (¬4). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221] • وجه الدلالة: يخشى على المؤمنة أن تقع في الكفر بزواجها من كافر، فالزوج يدعو إلى دينه، والنساء في العادة يتبعن أزواجهن، وفعلهم هذا دعوة إلى الكفر، والدعوة إلى الكفر توجب النار (¬5). 2 - قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]. • وجه الدلالة: لو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز (¬6).Rتحقق الإجماع على تحريم نكاح الكافر للمسلمة، سواء كان كتابيًّا أم غير كتابي؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [18 - 68] إباحة نكاح المسلم للحرة الكتابية: يباح للمسلم أن ينكح الحرائر من نساء أهل الكتاب، ونقل الإجماع على إباحة ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "ويحل نكاح حرائر أهل الكتاب لكل مسلم. . . وهم اليهود والنصارى، دون المجوس، فهذا ما لا أعلم فيه خلافًا بين أحد لقيته" (¬7). 2 - الطبري (310 هـ) حيث قال فيما نقل من أن عمر أراد التفريق بين طلحة وزوجته من أهل الكتاب، وبين حذيفة وامرأته الكتابية: "فقول لا معنى له؛ لخلافه ما الأمة ¬
مجتمعة على تحليله بكتاب اللَّه تعالى ذكره، وخبر رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬1). 3 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك" (¬2). ونقله عنه ابن قاسم (¬3). 4 - الماوردي (450 هـ) حيث قال: ". . . ولأنه إجماع الصحابة، روي عن عمر جوازه، وعن عثمان أنه نكح نصرانية، وعن طلحة أنه تزوج نصرانية، وعن حذيفة أنه تزوج يهودية. . . إخبارًا عن أحوال جماعة المسلمين معه من الصحابة، وغيرهم، فصار إجماعًا منتشرًا" (¬4). 5 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "ولا أعلم خلافًا في نكاح الكتابيات الحرائر" (¬5). 6 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن المسلم يجوز له أن يتزوج الكتابيات الحرائر" (¬6). 7 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابية الحرة" (¬7). 8 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ليس بين أهل العلم بحمد اللَّه اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب" (¬8). ونقله عنه ابن قاسم (¬9). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة نكاح المسلم للحرة الكتابية، وافق عليه الحنفية (¬10)، وابن حزم (¬11). وهو قول عمر، وعثمان، وطلحة (¬12)، . . . . . . . ¬
وجابر بن عبد اللَّه، وحذيفة (¬1)، وسلمان (¬2) -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاووس، وسعيد بن جبير، والزهري، والثوري، والأوزاعي (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]. 2 - تزوج عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- نائلة الكلبية (¬4)، وهي نصرانية، على نسائه (¬5). 3 - تزوج حذيفة -رضي اللَّه عنه- يهودية في زمن عمر، فقال عمر: طلقها فإنها جمرة، قال أحرام هي؟ قال: لا. فلم يطلقها حذيفة لقوله (¬6). 4 - كتب عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: أن المسلم ينكح النصرانية، والنصراني لا ينكح المسلمة (¬7). 5 - نكح طلحة بن عبيد اللَّه -رضي اللَّه عنه- بنت عظيم اليهود، قال: فعزم عليه عمر إلا ما طلقها (¬8). ¬
6 - عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: شهدنا القادسية مع سعد، ونحن يومئذ لا نجد سبيلا إلى المسلمات، فتزوجنا اليهوديات والنصرانيات، فمنا من طلق ومنا من لم يطلق، نساؤهم لنا حل، ونساؤنا عليهم حرام (¬1). • الخلاف في المسألة: ورد عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- كان لا يرى نكاح الكتابية، فقد أخرج البخاري عنه: أنه إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال: إن اللَّه حرّم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد اللَّه (¬2). قال ابن حجر: هذا مصير من ابن عمر إلى استمرار حكم قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، وأنها ناسخة لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] (¬3).Rأولًا: تحقق الإجماع على جواز نكاح حرائر أهل الكتاب. ثانيًا: لا ينظر لخلاف ابن عمر؛ لما يأتي: 1 - يحمل تخصيص المنع من ابن عمر لمن يشرك من أهل الكتاب، ولا يعتقد أن الإله واحد وهو اللَّه سبحانه وتعالى (¬4). 2 - الذي عليه الجمهور أن آية المائدة، نسخت آية البقرة (¬5). وقال آخرون: ليس هذا نسخًا؛ فإن لفظة المشركين بإطلاقها لا تتناول أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)} [البينة: 1]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البينة: 6]، وغيرها من الآيات، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب (¬6). 3 - آية المائدة خاصة في حل أهل الكتاب، وآية البقرة عامة في كل كافرة، ¬
والخاص يجب تقديمه (¬1). 4 - لا حجة فيما ورد عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-؛ لأنه كان رجلًا متوقفًا؛ فلما سمع الآيتين، في واحدة التحليل، وفي الأخرى التحريم، ولم يبلغه النسخ؛ توقف (¬2). 5 - ما ورد عن ابن عمر شذوذ لا يلتفت إليه؛ فإنه شذ عن جماعة الصحابة والتابعين، ومعارض لما ورد في سورة المائدة (¬3)؛ حتى قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك (¬4). 6 - لم يلتفت أحد من علماء الأمصار -قديمًا وحديثًا- إلى قول ابن عمر، فإن إحدى الآيتين ليست أولى بالاستعمال من الأخرى، ولا سبيل إلى نسخ إحداهما بالأخرى إذا كان هناك سبيل إلى إعمالهما، فإن آية البقرة عند العلماء في الوثنيات، والمجوسيات، وآية المائدة في الكتابيات (¬5). ثالثًا: يحمل ما ورد عن ابن عمر على الكراهة، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره نكاح نساء أهل الكتاب، وعن ميمون بن مهران (¬6) عن ابن عمر: أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وقرأ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] (¬7). رابعًا: إذا حمل ما نقل عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- على الكراهة فإن ذلك لا ينفي الجواز الثابت بنص الكتاب العزيز، وما ثبت عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم-. ¬
[19 - 69] إباحة نكاح المسلم للأمة الكتابية بملك اليمين
[19 - 69] إباحة نكاح المسلم للأمة الكتابية بملك اليمين: يجوز للمسلم أن يتملك الجواري والإماء، فإن كن كتابيات أبيح له نكاحهن بملك اليمين، دون عقد النكاح، فتبقى أمة بملك اليمين، ولا تصبح زوجة بعقد النكاح، ونقل الإجماع على إباحة وطئهن بملك اليمين جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على وطء إماء أهل الكتاب بملك اليمين" (¬1). 2 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المسلم يحل له أمته الكتابية، دون المجوسية والوثنية، وسائر أنواع الكفار" (¬2). 3 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "اختلفوا في إحلال الأمة الكتابية بالنكاح، واتفقوا على إحلالها بملك اليمين" (¬3). 4 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "وطء الإماء الكتابيات بملك اليمين أقوى من وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، ولم ينقل عن أحد من السلف تحريم ذلك" (¬4). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة نكاح الأمة الكتابية بملك اليمين، وافق عليه الحنفية (¬5). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]. 2 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون: 5، 6]. • وجه الدلالة من الآيتين: أباح اللَّه سبحانه وتعالى ما ملكت اليمين دون تفريق بين مسلمة أو كتابية، ولم تفرق السنة بينهن، فدل على أن الآيتين تعمّان الأمة المسلمة والكتابية (¬6). 3 - أن الأمة الكافرة قد تكون ملكًا لكافر، فإن نكحها المسلم وأولدها، يصبح ابنه ¬
منها رقيقًا لسيدها الكافر، فلم يبح التزوج بها (¬1). • الخلاف في المسألة: وقع خلاف في المسألة بين من يرى إباحة وطء إماء أهل الكتاب حتى بعقد النكاح عليهن، وبين من يرى منع وطئهن ولو كان بملك يمين، وهذا الخلاف على النحو التالي: أولًا: ذهب الحنفية (¬2)، ورواية عن الإمام أحمد (¬3)، إلى القول بإباحة عقد النكاح على إماء أهل الكتاب، فتصبع زوجة. إلا أن الخلّال (¬4) رد الرواية عن الإمام أحمد؛ وقال: إنما توقف الإمام أحمد فيها، ولم ينفذ له قول، ومذهبه أنها لا تحل (¬5). وهو قول الشعبي، وطاوس، ومجاهد (¬6). • أدلة هذا القول: 1 - عمومات النكاح في قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وقوله: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يفصل بين الأمة المؤمنة، والأمة الكافرة الكتابية إلا ما خص بدليل (¬7). 2 - قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]. • وجه الدلالة: الإحصان في لغة العرب عبارة عن المنع، والمنع يحصل بالعفة والصلاح، وإذا كانت الكتابية محصنة حل نكاحها حرة كانت أو أمة (¬8). 3 - كل أمَة حل وطؤها بملك اليمين، حل بعقد النكاح؛ كالمسلمة، وكل امرأة حل أكل ذبيحتها، حل للمسلم نكاحها؛ كالحرة (¬9). ¬
[20 - 70] تحريم وطء المسلم للكافرة غير الكتابية بنكاح، أو ملك يمين
ثانيًا: ذهب ابن حزم (¬1) إلى القول بعدم إباحة وطء أيّ أمة غير مسلمة بملك اليمين، وهو قول ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، والربيع بن خثيم (¬2)، والحسن البصري (¬3). • أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. • وجه الدلالة: هذا نص في إباحة نكاح الأمة المؤمنة فقط، ولم يرد إباحة نكاح الأمة الكتابية (¬4). 2 - كما يحرم نكاح الأمة الكتابية، يحرم وطؤها بملك اليمين، كالمجوسية (¬5).Rعدم تحقق الإجماع في إباحة وطء إماء أهل الكتاب، بملك اليمين؛ لخلاف ابن حزم ومن معه من السلف في منع وطئهن. [20 - 70] تحريم وطء المسلم للكافرة غير الكتابية بنكاح، أو ملك يمين: يحرم على المسلم أن يطأ امرأة كافرة -غير كتابية- سواء كان هذا الوطء بنكاح، أو ملك يمين، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - الشافعي (204 هـ) حيث قال: "ولا اختلاف بين أحد من أهل العلم في تحريم الوثنيات -عفائف كنَّ أو زوانٍ- على من آمن، زانيًا كان أو عفيفًا" (¬6). 2 - الماوردي (405 هـ)، حيث قال عن المجوس: "لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، وهذا قول سائر الصحابة، والتابعين، والفقهاء" (¬7). وقال أيضًا: ". . . لأن إبراهيم الحربي (¬8) رواه عن سبعة عشر صحابيًّا لا يعرف لهم مخالف، فصار ¬
إجماعًا" (¬1). 3 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "وأما نكاح الكافرة غير الكتابية (¬2)، فلا يخالفنا الحاضرون في أنه لا يحل وطؤهن بزواج، ولا بملك يمين" (¬3). 4 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية، ولا وثنية، ولا خلاف بين العلماء في ذلك" (¬4). وقال أيضًا: "ولا يحل وطء أمة مجوسية بملك اليمين، فهذا أيضًا قول جمهور أهل العلم، ولم يختلف فيه فقهاء أهل الأمصار من أهل الرأي، والآثار" (¬5). وقال أيضًا: "وإجماع فقهاء الأمصار على أن نكاح المجوسيات والوثنيات -وما عدا اليهوديات والنصرانيات من الكافرات- لا يحل" (¬6). 5 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم نكاح المجوسيات، ولا الوثنيات، ولا غيرهن من أنواع المشركات، اللاتي لا كتاب لهن، وسواء في ذلك حرائرهن وإماؤهن" (¬7). ونقله عنه ابن قاسم (¬8). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن المسلم تحل له أمته الكتابية، دون المجوسية والوثنية، وسائر أنواع الكفار" (¬9). 6 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز لمسلم أن ينكح الوثنية" (¬10). 7 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "وليس للمجوس كتاب، ولا تحل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، نص عليه أحمد، وهو قول سائر الفقهاء" (¬11). وقال أيضًا: "وسائر ¬
الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم" (¬1). وقال أيضًا: "وقد أخذ الصحابة سبايا فارس، وهم مجوس، فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن، وهذا ظاهر في إباحتهن، لولا اتفاق أهل العلم على خلافه" (¬2). 8 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "وأما المجوس فالعلماء مجمعون -إلا من شذ منهم- على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم" (¬3). 9 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "إن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم، وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع" (¬4). 10 - قاضي صفد (بعد 780 هـ) حيث قال: "ولا يجوز لمن لا يحل له نكاح الكفار وطء إمائهم بملك اليمين" (¬5). 11 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا يجوز تزوج المجوسيات، أي: بإجماع الأئمة الأربعة، وفقهاء الأمصار، والصحابة" (¬6). 12 - الشعراني (973 هـ)، فذكره بنحو ما قال قاضي صفد (¬7). 13 - الحصكفي (1088 هـ) حيث قال: "وحرم نكاح الوثنية بالإجماع" (¬8). 14 - الشوكاني (1250 هـ) حيث قال: ". . . وهي (¬9) تحرم على الفاسق المسلم بالإجماع" (¬10). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم وطء الكافرات ¬
من غير أهل الكتاب سواء كان بنكاح، أو ملك يمين، هو قول الحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]. 2 - وقال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]. 3 - وقال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]. • وجه الدلالة من الآيات: رخص اللَّه سبحانه وتعالى في نكاح نساء أهل الكتاب، فيبقى من عداهم على التحريم، فلا يحل نكاح المجوسية والوثنية؛ ولأن النكاح يقع على العقد وعلى الوطء، فتدخل فيه الحرة والأمة من المشركين (¬2). 4 - عن عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" (¬3). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب، فلا يحل وطء نسائهم بنكاح أو ملك يمين (¬4). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية في قول (¬5)، إلى القول بإباحة نكاح المجوسيات بملك اليمين، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم، في سائر الوثنيات (¬6). وهو قول طاوس، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وأبي ثور (¬7). ¬
• أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]. 2 - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث يوم حنين بعثًا قِبَل أوطاس، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه سبحانه وتعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن (¬1). 3 - وعنه -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (¬2). • وجه الدلالة: أن سبايا أوطاس كن من العرب، وهم عبدة أوثان، وهذا ظاهر في إباحتهن، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالاستبراء بوضع الحمل للحامل، والحيض لغير الحامل، ولم يقل حتى تسلم؛ ولو كان الوطء متوقفًا على الإسلام؛ لكان بيانه أهم من بيان الاستبراء (¬3). 4 - كان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من كفار العرب، وهم عبَدَة أوثان، ولم يكونوا يرون تحريمهن، ولم ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريمهن، ولا أمر أصحابه باجتنابهن، فمحمد بن الحنفية (¬4) أُمه من سبي بني حنيفة (¬5)، وأخذ الصحابة من سبايا فارس، فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن (¬6). 5 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يشترط في وطء سبايا أوطاس أن يسلمن، بل اشترط الاستبراء ¬
فقط؛ وحصولُ الإسلام في جميع السبايا، وكانوا عدة آلاف بحيث لم يتخلف عن الإسلام منهن جارية واحدة؛ مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يُكرَهن على الإسلام، فلم يأت عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه اشترط إسلام المسبية في موضع واحد البتة (¬1). ثانيًا: ذهب ابن حزم (¬2) إلى القول بإباحة عقد النكاح على نساء المجوس، دون وطء إمائهم بملك اليمين، وأنهم أهل كتاب، وهو قول أبي ثور في إباحة نكاح نساء المجوس (¬3). • أدلة هذا القول: 1 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (¬4). 2 - جمع عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- الصحابة بعد هزيمة المجوس، فقالوا: بأي شيء نجري في المجوس من الأحكام؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وليسوا بمشركين من مشركي العرب، فتجري فيهم الأحكام التي أجريت في أهل الكتاب أو المشركين، فقال علي بن أبي طالب: بل هم أهل كتاب. . . الخبر بطوله (¬5). 3 - يروى أن حذيفة تزوج بمجوسية (¬6). 4 - أنهم يقرون بالجزية؛ فأشبهوا اليهود والنصارى (¬7).Rأولًا: ثبوت الإجماع في تحريم عقد النكاح على نساء المجوس، ولا ينظر لخلاف ابن حزم، وأبي ثور؛ إذ يريان إباحة ذلك؛ لما يأتي: 1 - أن أبا ثور هو أول من قال بإباحة نكاح نساء المجوس، وقد خالف الإجماع الذي سبقه على تحريم عقد النكاح عليهن، فقد قال إبراهيم الحربي: روي عن بضعة ¬
عشر نفسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهم قالوا: "لا تجوز مناكحة المجوس"، ولا يعلم فيه خلاف، حتى جاءنا من الكرخ (¬1)، يعني أبا ثور (¬2). 2 - أن المجوس ليسوا أهل كتاب، فإن قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، دليل على أنه لا كتاب لهم، وإنما أراد -صلى اللَّه عليه وسلم- حقن دمائهم (¬3). 3 - أما ما قيل عن علي -رضي اللَّه عنه-: أنه قال: إنهم أهل كتاب؛ فقد سئل الإمام أحمد عن ذلك، فاستعظمه جدًّا، وقال: هذا باطل (¬4). 4 - وصف الخلاف في هذه المسألة بأنه شذوذ، ولا يقوله إلا أهل البدع (¬5). 5 - ما قيل عن حذيفة: أنه تزوج مجوسية؛ فقد ضعّف أحمد هذه الرواية، وقال: أبو وائل يقول: تزوج حذيفة يهودية، وهو أوثق؛ وقال ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية. ومع تعارض هذه الروايات لا يثبت حكم لإحداهن إلا بترجيح (¬6). 6 - لو ثبت هذا عن حذيفة لا يجوز الاحتجاج به؛ لمخالفته الكتاب العزيز، وأقوال سائر العلماء (¬7). 7 - أن المراد بالمجوس عبدة النار، فكونهم كان لهم كتاب لا أثر له، فالحاصل الآن أنهم داخلون في المشركين (¬8). 8 - أما إقرارهم بالجزية فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم، فيجب أن يغلب حكم التحريم في ذبائحهم ونسائهم (¬9). ثانيًا: عدم ثبوت الإجماع على تحريم وطء إماء المجوس وغيرهم من أهل الشرك ¬
[21 - 71] إباحة نكاح المسلم الحر الأمة المسلمة، عند عدم السعة، وخوف الزنى
بملك اليمين؛ للخلاف عن المالكية في قول، وقول ابن تيمية، وابن القيم، ومن سبقهم من التابعين؛ منهم: طاوس، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم؛ بإباحة ذلك. [21 - 71] إباحة نكاح المسلم الحر الأمة المسلمة، عند عدم السعة، وخوف الزنى: يباح للمسلم الحر الذي لا يستطيع أن يتزوج حرة، أن يتزوج أَمَة مسلمة، ويلزم أن يتوفر فيه شرطان؛ لإباحة نكاحه الأمة، وهما: ألّا يجد سعة في المال؛ ليتزوج حرة، وأن يخشى الوقوع في الزنى إن لم يتزوج، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - الطبري (310 هـ) حيث قال: "الطَول في هذا الموضع: السعة والغنى في المال، لإجماع الجميع على أن اللَّه تبارك وتعالى لم يحرّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة، فأحل ما حرّم من ذلك عند غلبة المحرم عليه لقضاء لذة، فإذا كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول" (¬1). 2 - الماوردي (450 هـ) حيث قال في عدم جواز نكاح الأمة إلا بشرطين، عدم الطَول، وخوف العنت: "ومن طريق الإجماع أنه مروي عن ابن عباس، وجابر. . . وليس يعرف لقول هذين الصحابيين مع انتشاره في الصحابة مخالف، فكان إجماعًا لا يجوز خلافه" (¬2). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "قال اللَّه: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] يعني: الحرائر المؤمنات {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 25] يعني: ملك اليمين من بعضكم لبعض، فإنه لا يحل لأحد أن يتزوج أمَةً عند الجميع، {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، يقول: من إمائكم المؤمنات، فهذا التفسير مما لم يختلف فيه" (¬3). 4 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ومن كانت تحته حرة يمكن أن يستعفَّ بها؛ لم يجز له نكاح أمة، لا نعلم في هذا خلافًا" (¬4). ¬
5 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "وذلك إن تزوج الأمة على الحرة يكون عند وجود طَول الحرة، فلا يجوز اتفاقًا" (¬1). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على إباحة نكاح المسلم الحر الأمة المسلمة عند عدم السعة في المال، وعدم الأمن من الزنى، وافق عليه ابن حزم (¬2). وهو قول جابر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، وطاوس، والزهري، وعمرو بن دينار، ومكحول، وإسحاق (¬3). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)} [النساء: 25]. • وجه الدلالة: أباح اللَّه تعالى نكاح الأمة بشرطين: عدم الطَول، وخوف العنت الذي هو الزنى، لأن الإباحة لما كانت مقيدة بهذين الشرطين، لم يصح نكاحها إلا بهما (¬4). 2 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج، وحرم عليه الإماء" (¬5). 3 - وعن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة" (¬6). 4 - عن الحسن أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولًا لحرة فلا ينكح أمة (¬7). ¬
[22 - 72] نكاح العبد للحرة
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية إلى إباحة أن يتزوج المسلم بأمة مسلمة، ولا يلزم وجود شرطي عدم الطَول، أو خوف الزنى، ولا يُمنع إلا إذا كان تحته حرة (¬1)، وهو قول مجاهد (¬2). • أدلة هذا القول: استدلوا بعموم الآيات التي تبيح نكاح الإماء؛ منها: 1 - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. 2 - قال تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]. 3 - قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]. 4 - قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. • وجه الدلالة من هذه الآيات: أباح اللَّه سبحانه وتعالى النكاح مطلقًا من غير فصل بين الحرائر والإماء، وأباح نكاح الإماء من غير فصل بين حال القدرة على مهر الحرة، وعدمه (¬3). ثانيًا: للمسلم الحر أن يتزوج الأمة المسلمة إذا خشي العنت، وإن كان واجدًا للطول، وهو قول قتادة، وإبراهيم النخعي، والثوري (¬4). • دليل هذا القول: يباح نكاح الأمة لضرورة خوف العنت، وقد وجدت، فلا يندفع إلا بنكاح الأمة، فأشبه عدم الطَول (¬5).Rعدم تحقق الإجماع في أنه لا بد من توفر شرطين لنكاح الأمة؛ وهما عدم طَول الحرة بما يدفع من مال ليكون مهرًا لها، وخوف العنت؛ وذلك لوجود خلاف معتبر بين الفقهاء، في عدم اعتبار هذين الشرطين، أو اعتبار أحدهما؛ وهو خوف الزنى. [22 - 72] نكاح العبد للحرة: يباح للعبد أن ينكح حرة في حال رضاها، ورضى أوليائها، ونُقل الاتفاق على ذلك. ¬
[23 - 73] نكاح العبد سيدته
• من نقل الاتفاق: ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة، وللحرة أن تنكح العبد، إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها" (¬1). ونقله عنه ابن قاسم (¬2). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن رشد من المالكية، وابن قاسم من الحنابلة، من الاتفاق على أنه يباح للعبد أن ينكح الحرة إذا رضيت، ورضي أولياؤها، وافق عليه الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، وابن حزم (¬5). • مستند الاتفاق: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن زوج بَرِيرة كان عبدًا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للعباس: "يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا"، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو راجعتيه"، فقالت: يا رسول اللَّه، تأمرني؟ قال: "إنما أنا شافع"، قالت: لا حاجة لي فيه (¬6). • وجه الدلالة: أن بريرة أصبحت بعد عتقها حرة، وقد انفسخ النكاح باختيارها فراق زوجها، وشفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ترجع إليه بعد أن اختارت، ولم يكن ليشفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في أن تنكح عبدًا وقد أصبحت حرة، إلا ونكاح العبد للحرة صحيح (¬7).Rصحة ما ذكر من الاتفاق على جواز نكاح العبد للحرة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [23 - 73] نكاح العبد سيدته: لا يحل لامرأة أن يتزوجها عبدها الذي تملكه حال رقه، فإن أعتقته جاز، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن نكاح ¬
المرأة عبدها باطل" (¬1). ونقله عنه ابن قدامة (¬2)، والعيني (¬3). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "ولا يحل للرجل تزوج مملوكته قبل أن يعتقها، ولا لامرأة أن تتزوج مملوكها قبل أن تعتقه، فإن اعتقته جاز لهما التناكح إن تراضيا -كالأجنبي ولا فرق- وهذا لا خلاف فيه من أحد" (¬4). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "أجمع علماء المسلمين من الصحابة والتابعين، ولم يختلف في ذلك من بعدهم من الفقهاء: أن المرأة لا يحل لها أن يطأها من تملكه" (¬5). 4 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج بعبدها" (¬6). ونقله عنه ابن قاسم (¬7). 5 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا في هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة من ملكته" (¬8). 6 - القرطبي (671 هـ) حيث قال: "لا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعًا من العلماء" (¬9). 7 - العيني (855 هـ) حيث قال: "ولا تتزوج المرأة عبدها، سواء ملكته كله أو بعضه، وبهذا قالت الأئمة الأربعة، وعليه الإجماع" (¬10). 8 - ابن الهمام (861 هـ) حيث قال: "وحُكيَ الإجماع على بطلانه (¬11) " (¬12). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على بطلان نكاح العبد سيدته، وأن النكاح لا يصح قبل أن تعتقه، هو قول الحسن البصري، وطاوس، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان، والشعبي، وعطاء، والأوزاعي، ¬
[24 - 74] نكاح العبد للأمة
وأبي ثور (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون: 5، 6]. • وجه الدلالة: فرق اللَّه تعالى بين الصنفين من الأزواج وملك اليمين، فلا يجوز اجتماع صنفين فرق اللَّه بينهما، والوطء لا يكون إلا بالنكاح، أو ملك اليمين، ولا يمكن الاستباحة بهما جميعًا (¬2). 2 - قال جابر -رضي اللَّه عنه-: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، ونحن بالجابية (¬3)، وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر، وهمَّ أن يرجمها، وقال: لا يحل لك (¬4). 3 - عن قتادة قال: تسرت امرأة غلامها، فذكر ذلك لعمر، فسألها: ما حملك على ذلك؟ فقالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين. فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: تأولت كتاب اللَّه عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده أبدًا -عاقبها بذلك- ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها (¬5). • وجه الدلالة من الأثرين: دل الأثران على أنه لا يجوز للعبد أن ينكح سيدته، كما يحرم تسرِّيها به كالأمة مع سيدها.Rتحقق الإجماع على أنه لا يجوز للعبد نكاح سيدته؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [24 - 74] نكاح العبد للأمَة: إذا أراد العبد المملوك أن ينكح أمَة جاز له ذلك، ولا يشترط في حقه ما يشترط في حق الأحرار من عدم طول الحرة، أو خوف العنت. ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. ¬
[25 - 75] ملك أحد الزوجين للآخر
• من نقل الإجماع: 1 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن الحر المسلم، العفيف، العاقل، البالغ، غير المحجور عليه، والعبد المسلم، العفيف، العاقل، البالغ، إذا خشي العنت، ولم يجد حرة يرضى نكاحها لعدم طولهما، وأذن للعبد سيده في النكاح، وتولى سيده عقدة إنكاحه، وفوّض العبد ذلك إليه، فإن لكل واحد منهما أن ينكح أمة مسلمة، بالغة، عفيفة، عاقلة، بإذن سيده في ذلك وإنكاحه لها" (¬1). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع" (¬2). وقال أيضًا: "ولا خلاف في أن طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمَة" (¬3). 3 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة" (¬4). ونقله عنه ابن قاسم (¬5). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن نكاح العبد للأمة صحيح، ولا يشترط فيه عدم طول الحرة، أو خوف العنت، وافق عليه الشافعية (¬6). • مستند الإجماع: أن العبد مساوٍ للأمة في الرِّق، فلم يعتبر فيه عدم طول الحرة، ولا خوف العنت، فهو كالحُرِّ مع الحُرَّة (¬7).Rتحقق الإجماع في أن للعبد أن ينكح أمَة، ولا يشترط فيه عدم طول الحرة، أو خوف العنت؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [25 - 75] ملك أحد الزوجين للآخر: قد يتزوج الرجل أمَةً فتوهب له، فتصبح مملوكة له بالهبة، وقد تتزوج الحرة عبدًا فيوهب لها، فيصبح مملوكًا لها بالهبة، عندئذٍ ينفسخ نكاحهما، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. ¬
• من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن تزويج المرأة عبدها باطل، وإذا ملكت المرأة زوجها شقصًا (¬1) بطل النكاح" (¬2). 2 - ابن حزم (456 هـ) حيث قال: "واتفقوا إن ملك امرأته كلها، فلم يعتقها، ولا أخرجها عن ملكه، إثْر ملكه إياها، فقد انفسخ نكاحها. واتفقوا أن من ملكته امرأته فلم تعتقه إثْر ملكها إياه، أو لم تخرجه عن ملكها كذلك، فقد انفسخ نكاحهما" (¬3). 3 - ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: "وأما الزوج يملك امرأته، فلا خلاف بين العلماء في بطلان نكاحها" (¬4). 4 - ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه متى ملكت المرأة زوجها أو شقصًا منه، حرمت عليه، وانفسخ النكاح بينهما، واتفقوا على أن الزوج إذا ملك زوجته، أو شقصًا منها انفسخ النكاح بينهما" (¬5). 5 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: "واتفقوا في هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة من ملكته، وأنها إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح" (¬6). 6 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "ولو ملك زوجته، وهي أَمَة، انفسخ نكاحها، وكذلك لو ملكت المرأة زوجها، انفسخ نكاحها، ولا نعلم في هذا خلافًا" (¬7). ونقله عنه ابن قاسم (¬8). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من أن أحد الزوجين إذا ملك الآخر فقد انفسخ نكاحهما، وافق عليه الحنفية (¬9). وهو قول عمر، وعلي -رضي اللَّه عنهما-، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة (¬10)، . . . . . . . . ¬
[26 - 76] تحريم نكاح ذات المحرم
ومكحول، والنخعي (¬1). • مستند الإجماع: 1 - قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31]. • وجه الدلالة: فرَّق اللَّه سبحانه وتعالى بين الزوج، وملك يمين المرأة، فوجب ألا يكون ملك يمينها زوجها أصلًا (¬2). 2 - قال جابر -رضي اللَّه عنه- جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، ونحن بالجابية، وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر، وهمَّ أن يرجمها، وقال: لا يحل لك (¬3). • وجه الدلالة: أحكام النكاح تتنافى مع أحكام الملك، فإن كل واحد منهما يقتضي أن يكون الآخر بحكمه، يسافر بسفره، ويقيم بإقامته، وينفق عليه، فيتنافيان (¬4). 3 - أن الملك المقارن للنكاح يبطله، والطارئ عليه كذلك (¬5).Rتحقق الإجماع في أن أي من الزوجين إذا ملك الآخر فقد انفسخ النكاح بينهما؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [26 - 76] تحريم نكاح ذات المحرم: يحرم أن يتزوج الرجل بمن تحرم عليه؛ كأُمه وابنته وأخته وغير ذلك، فإن فعل فإن نكاحه باطل، ويجب أن يفسخ، سواء كان قبل الدخول أو بعده، ومن فعل ذلك لزمه الحد، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه من زنى بخالته أو بحماته أو ذوي رحم محرم عليه أنه زانٍ، وعليه الحد" (¬6). ونقله عنه الشربيني (¬7). ¬
2 - ابن رشد الجد (520 هـ) حيث قال: "فالمتفق على فساده مثل نكاح من لا يحل له نكاحها من ذوات المحارم من نسب أو رضاع. . . فهذا القسم يفسخ فيه النكاح قبل الدخول وبعده" (¬1). 3 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "وأما نكاح المحارم، والجمع بين خمس نسوة، والجمع بين الأختين، . . . أن ذلك كله فاسد في حكم الإسلام بالإجماع" (¬2). 4 - ابن رشد (595 هـ) حيث قال: ". . . فمنها ما اتفقوا على فسخه قبل الدخول وبعده، وهو ما كان منها فاسدًا بإسقاط شرط متفق على وجوب صحة النكاح بوجوده، مثل أن ينكح محرمة العين" (¬3). 5 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "وإن تزوج ذات محرمه؛ فالنكاح باطل بالإجماع" (¬4). 6 - ابن تيمية (728 هـ) حيث قال: "فلا يتزوج الرجل ذات رحمه المحرم ولا يتسرى بها، وهذا متفق عليه" (¬5). 7 - قاضي صفد (بعد 780 هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا عقد على محرم من النسب، أو الرضاع، فإن العقد باطل" (¬6). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره الجمهور من تحريم نكاح ذات المحرم، وأنه نكاح باطل، يجب أن يفسخ، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وافق عليه ابن حزم (¬7). ثانيًا: ما ذكره ابن المنذر من الإجماع على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد، وافق عليه الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والحنابلة (¬10)، وابن حزم (¬11)، وهو قول ¬
الحسن، وجابر بن زيد، وإسحاق (¬1). • مستند الإجماع: 1 - عن البراء بن عازب -رضي اللَّه عنه- قال: لقيت عمي، ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله (¬2). 2 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه" (¬3). • وجه الدلالة من هذين الحديثين: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل من وقع على ذات محرم، سواء كانت امرأة أب، أو غير ذلك، وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل من فعل ذلك الفعل؛ دلالة على تحريمه، وبالتالي بطلانه حال وقوعه، سواء وقع دخول أم لا. • الخلاف في المسألة: اختلف الفقهاء فيمن نكح ذات محرم منه بعقد نكاح، هل عليه حد أم لا؟ ثم اختلف الذين يرون وجوب الحد في نوع الحد، هل يقتل بكل حال، أم يقام عليه حد الزنى مع التفريق بين المحصن وغيره؟ أولًا: ذهب الإمام أبو حنيفة، وزفر، إلى أن من عقد على ذات محرم فلا حد عليه، لكنه يعاقب تعزيرًا، وسياسة، لا حدًّا مقدرًا شرعًا (¬4)، وهو قول الثوري (¬5). • أدلة هذا القول: 1 - أن العقد صادف محله؛ لأن محل التصرف ما يكون قابلًا لمقصوده، وهو التوالد، وبنات آدم قابلات له (¬6). 2 - أنه عقد تمكنت شبهة العقد منه، فلم يوجب الحد؛ كمن اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها (¬7). ¬
ثانيًا: اختلف الجمهور الذين يرون وجوب الحد، هل يقتل مطلقًا، أم يحد حد الزنى، مع التفريق بين المحصن وغيره؟ وهل يفرق بين امرأة الأب وغيرها من المحارم؟ خلاف على قولين: • القول الأول: ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والإمام أحمد في رواية عنه (¬4)، وابن حزم في غير امرأة الأب (¬5)، أن من نكح ذات محرم، بعقد أو غيره، فعليه حد الزنى، إن كان محصنًا فعليه الرجم، وإن كان غير محصن فعليه الجلد. وهو قول الحسن البصري (¬6). أدلة هذا القول: 1 - قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. • وجه الدلالة: هذه آية عامة في وجوب حد الزنى على كل من زنى، فيدخل فيه من زنى بمحرمه أو غيرها (¬7). 2 - أنه وطء في غير ملك، محرّم بدواعيه، فإذا تعمده، وجب عليه الحد، كالزنى مع الأجنبيات (¬8). • القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في الرواية الصحيحة عنه (¬9)، وابن حزم في امرأة الأب خاصَّة (¬10)، أن من وقع على ذات محرم بعقد نكاح أو غيره، فإنه يقتل بكل حال. وهو قول جابر بن زيد، وإسحاق (¬11). • دليل هذا القول: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه" (¬12).Rأولًا: تحقق الإجماع في أن من نكح ذات محرم منه فنكاحه باطل، ويجب أن يفسخ، سواء كان قبل الدخول أو بعده. ¬
[27 - 77] الوطء الفاسد تثبت به حرمة المصاهرة
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن من وقع على ذات محرم بزنى، فإنه يحد؛ لخلاف الإمام أحمد في الرواية الصحيحة عنه أن يقتل بكل حال. ثالثًا: عدم تحقق الإجماع على أن من نكح ذات محرم، بعقد نكاح أنه يحد؛ لخلاف أبي حنيفة، وزفر، والثوري، بعدم وجوب الحد، ولكن يُعزر. [27 - 77] الوطء الفاسد تثبت به حرمة المصاهرة: إذا وطئ الرجل امرأة بنكاح فاسد، أو شراء فاسد، أو وطئ امرأة ظنَّها امرأته أو أمَته، أو وطئ أمَة مشتركة بينه وبين غيره، فيتعلق به التحريم كالوطء المباح، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن من وطئ امرأة بنكاح فاسد، أنها تحرم على أبيه وابنه، وعلى أجداده وولد ولده" (¬1). ونقله عنه ابن قدامة (¬2)، وابن قاسم (¬3). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "حرمة المصاهرة تثبت بالعقد الصحيح، . . . وكذا تثبت بالوطء في النكاح الفاسد، وبالوطء عن شبهة بالإجماع" (¬4). 3 - ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: "الوطء بالشبهة؛ وهو الوطء في نكاح فاسد، أو شراء فاسد، أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته. . . فهذا يتعلق به التحريم؛ كتعلقه بالوطء المباح إجماعًا" (¬5). ونقله عنه ابن قاسم (¬6). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن النكاح الفاسد تثبت به حرمة المصاهرة، وافق عليه المالكية (¬7). وهو قول الأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور (¬8). • مستند الإجماع: أنه وطء يلحق به النسب، كالوطء المباح، فيثبت به التحريم (¬9). ¬
[28 - 78] تثبت حرمة المصاهرة في الوطء بالملك، كالوطء في النكاح الصحيح
Rتحقق الإجماع على أن الوطء الفاسد تثبت به حرمة المصاهرة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [28 - 78] تثبت حرمة المصاهرة في الوطء بالملك، كالوطء في النكاح الصحيح: إذا ملك الرجل أمَة بأي سبب من أسباب الملك كالشراء، أو الهبة، أو الميراث، فوطئها، فإن حرمة المصاهرة تثبت بهذا الوطء، فيحرم عليه وطء بناتها، أو أن يجمع بينها وبين أخواتها، أو عماتها، أو خالاتها، ويحرم على أبنائه وطؤها؛ لأنها أصبحت منكوحة لأبيهم، فيقع بالوطء في الملك التحريم، كالوطء في النكاح الصحيح، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: 1 - ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه إذا اشترى الرجل جارية، فلمس أو قبَّل، حرمت على ابنه وأبيه" (¬1). 2 - الكاساني (587 هـ) حيث قال: "حرمة المصاهرة تث