شرح أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

شرح سنن أبي داود تأليف الإمام أبي محمد محمود بن أحمد بن موسي بدر الدين العيني المتوفى سنة 855 هـ تحقيق أبي المنذر خالد بن إبراهيم المصري المجلد الأول مكتبة الرشد الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولي 1420 هـ-1999 م مكتبة الرشد للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية- الرياض- طريقا الحجاز ص ب 17522 الرياض 11494 هاتف 4583713 تلكس 405798 فاكس 4573381 فرع القصيم بريده حي الصفراء- طريق المدينة ص ب 2276 هاتف 3242214 فاكس 3241358 فرع المدينة المنورة- شارع أبي ذر الغفاري- هاتف 8340600 فرع مكة المكرمة- هاتف 585401 / 05- 583506 / 05 فرع أبها- شارع الملك فيصل- هاتف 5333043 / 05 فرع الدمام- شارع ابن خلدون- مقابل الإستاد الرياضي هاتف 8282175

مقدمة التحقيق

بسْم الله الرّحْمن الرّحيم مُقدّمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمداً عبدهُ ورسولُهُ: (يا أيُّها الذين آمنُوا اتقُوا الله حقّ تُقاته ولا تمُوتُنّ إلا وأنتُم مُّسْلمُون) (1) .ً (يا أيها النّاسُ اتقُواْ ربّكُمُ الّذي خلقكُم مّن نفْس واحدة وخلق منْها زوْجها وبثّ منْهُما رجالا كثيرا ونساء واتقُوا الله الّذي تساءلُون به والأرْحام إنّ الله كان عليكُمْ رقيباً) (2) .ً (يا أيُّها الّذين آمنُوا اتقُوا الله وقُولُوا قوْلا سديداً* يُصْلحْ لكُمْ أعْمالكُمْ ويغْفرْ لكُمْ ذُنُوبكُمْ ومن يُطع الله ورسُولهُ فقدْ فاز فوْزاً عظيماً) (3) . أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (4) . وبعد، " فأسأل الله تعالى أن يجزي عنا وعن الإسلام أئمة الدين أحسن الجزاء بما كفوْنا مُؤْنة البحث والتنقيب عن جواهر الأوامر الربانية، والبيانات النورانية المحمدية، فصرنا بذلك كمن أعد له الطعام والشراب، فلا ينبغي له إلا الأدب في المضغ دون الابتلاع، والروية في الأمر دون الاندفاع، والإتباع في

_ (1) سورة آل عمران: (102) . (2) سورة النساء: (1) . (3) سورة الأحزاب: (70، 71) . (4) انظر تخريجه في " خطبة الحاجة " للشيخ الألباني.

الدين دون الابتداع، كما أسأله سبحانه وتعالى الوصل إليه، وأعوذ به من الانقطاع، وأن ييسر بما علمنا لنا وللمسلمين الانتفاع، وعن طلب الدنايا الارتفاع ... آمين آمين " (1) . وكان من هؤلاء العلماء الأجلاء، الذين تركوا لنا كنوزاً وجواهر- ولا يزال أكثرها مخطوطاً- الإمام بدر الدين العيني، وقد وقع اختيارنا على أحد هذه الكنوز، ألا وهو " شرح سنن أبي داود "، وقد أودعه مؤلفه- كعادته- كثيراً من الفرائد والفوائد، التي تقر به أعين الناظرين، نسأل الله- عر وجلّ- أن يجزيه خير الجزاء، إنه جواد كريم، وبالإجابة قدير.

_ (1) اقتباس من كلام الشيخ رجائي بن محمد المصري المكي- حفظه الله- من كتابه " الموازين مختصر تنبيه الغافلين ".

ترجمة بدر الدين العيني

بسْم الله الرّحْمن الرّحيم ترجمة بدر الدين العيني (1) * اسمه وكنيته: هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الحلبي الأصل، العينتابي المولد، ثم القاهري الحنفي المعروف بالعيني أبو الثناء ابن الشهاب، أبو محمد، بدر الدين. * مولده: ولد في درب كيكين في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة من الهجرة، الموافق سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الميلاد. . نشأته العلمية ورحلته في طلب العلم ووظائفه: ولد- رحمه الله تعالى- في درب كيكين، ونشأ بعينتاب، وقرأ القرآن، ولازم الشيخ محمد الراعي بن الزاهد ابن أحد الآخذين عن الركن قاضي قرم وأكمل الدين ونظرائهما في الصرف والعربية والمنطق وغيره، وكذا أخذ الصرف والفرائض السراجية وغيرهما عن البدر ومحمود بن أحمد العينتابي الواعظ، وقرأ " المفصل " في النحو، و " التوضيح " مع متنه " التنقيح " على الأثير جبريل ابن صالح البغدادي تلميذ التفتازاني، و " المصباح " في النحو على خير الدين القصير، وسمع " ضوء المصباح " على ذي النون، وقرأ على الحسام الرهاوي

_ (1) انظر ترجمته في: " الضوء اللامع " (10/131- 135) ، و " البدر الطالع " (2/294- 295) ، و " شذرات الذهب " (7/287- 288) ، و " نظم العقيان " (174- 175) ، و " بغيه الوعاة " (2/275- 276) ، و " حسن المحاضرة " (1/270) ، و " معجم المؤلفين (12/150) ، و " الأعلام " للزركلي (7/163) .

مصنفه " البحار الزاخرة في المذاهب الأربعة "، ولازم في المعاني والبيان والكشاف وغيرهما الفقيه عيسى بن الخاص بن محمود السرماوي تلميذ الطيبي والجاربردي، وبرع في هذه العلوم، وناب عن أبيه في قضاء بلده، وارتحل إلى حلب في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، فقرأ على الجمال يوسف بن موسى الملطي البزدوي، وسمع عليه في الهداية وفي الأخسيكتي، وأخذ عن حيدر الرومي، شارح الفرائض السراجية، ثم عاد إلى بلده، ولم يلبث أن مات والده فارتحل أيضا، فأخذ عن الولي البهستي ببهستا، وعلاء الدين بكختا، والبدر الكشافي بملطية، ثم رجع إلى بلده، ثم حج ودخل دمشق، وزار بيت المقدس، فلقي فيه العلاء أحمد بن محمد السيرافي الحنفي، فلازمه، واستقدمه معه إلى القاهرة في سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ولازمه في الفقه وأصوله والمعاني والبيان وغيرها، وأخذ محاسن الإصلاح عن مؤلفه البلقيني، وسمع على العسقلاني " الشاطبية "، وعلى الزين العراقي " صحيح مسلم "، و" الإلمام " لابن دقيق العيد، وقرأ على التقي الدجوي الكتب الستة، و " مسند عبد بن حميد "، و " مسند الدارمي "، وقريب الثلث الأول من " مسند أحمد "، وعلى القطب عبد الكريم حفيد الحافظ القطب الحلبي بعض المعاجم الثلاثة للطبراني، وعلى الشرف بن الكويك الشفا، وعلى تغري برمش " شرح معاني الآثار " للطحاوي، وفي غضون هذا دخل دمشق، فقرأ بها بعضاً من أول البخاري على النجم بن الكشك الحنفي، عن الحجار- وكان حنفيا-، وعن ابن الزبيدي الحنفي، وقرأ " مسند أبي حنيفة " للحارثي على الشرف بن الكويك، ولم يزل في خدمة البرقوقية حتى مات شيخها العلاء، فأخرجه جركس الخليلي أمير آخور منها، بل رام إبعاده عن القاهرة أصلاً، مشياً مع بعض حسدة الفقهاء، فكفه السراج البلقيني، ثم بعد يسير توجه إلى بلاده، ثم عاد وهو فقيه مشهور، ثم حج سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فلما مات الطاهر برقوق سعي له في حسبة القاهرة، فاستقر فيها في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وثمانمائة، ثم انفصل عنها قبل تمام شهر بالجمال الطنبذي ابن عرب، وتكررت ولايته لها، وكان في مباشرته لها يعزر من يخالف أمره بأخذ بضاعته غالباً،

وإطعامها الفقراء والمحابيس، وكذا ولي في الأيام الناصرية عدة تداريس، ووظائف دينية، كتدريس الفقه بالمحمودية، ونظر الأحباس، ثم انفصل عنها، وأعيد إليها في أيام المؤيد، وقرره في تدريس الحديث في المؤيدية أول ما فتحت، ولما استقر الظاهر ططر زاد في إكرامه لسبق صحبته معه، بل نزايد اختصاصه بعدُ بالأشراف حتى كان يسامره، ويقرأ له التاريخ الذي جمعه باللغة العربية، ثم يفسره له بالتركية، لتقدمه في اللغتين، ويعلمه أمور الدين، وعرض عليه النظر على أوقاف الأشراف فأبى، ولم يزل يترقى عنده إلى أن عينه لقضاء الحنفية، وولاه إياها مسؤولاً على حين غفلة في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، ومات الأشراف وهو قاض، ثم صُرف بالسعد بن الديري سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، ولزم بيته مقبلاً على الجمع والتصنيف، مستمراً على تدريس الحديث بالمؤيدية ونظر الأحباس حتى مات، غير أنه عزل عن الأحباس بالعلاء بن أقبرس سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، ولم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس في آن واحد لأحد قبله ظنا. " مكانته العلمية: كان- رحمه الله- إماماً عالماً، علامة، فقيهاً، أصوليا، مفسراً، محدثاً، مؤرخاً، لغويا، نحويا، عارفاً بالصرف والعربية، حافظاً للتاريخ واللغة، مشاركاً في الفنون، ذا نظم ونثر، لا يمل من المطالعة والكتابة، وكان كثير التصنيف، وقد قيل: إنه كتب الحاوي في ليلة، وكذا " القدوري " في ليلة، اشتهر اسمه، وبعُد صيتُه مع لطف العشرة والتواضع، وعمر مدرسة مجاورة لسكنه بالقرب من جامع الأزهر، وكان يصرح بكراهة الصلاة في جامع الأزهر لكون واقفه رافضيا. " عقيدته: كان- رحمه الله- على عقيدة السلف الصالح إلا في باب الأسماء والصفات، ويبدو أنه تأثر- كغيره- بأهل عصره ومشايخه، حيث كانوا يؤولون الأسماء والصفات، وكانوا ينتهجون في ذلك منهج الأشاعرة القديم، الذي نشره في مصر والشام الآمدي (المتوفى 631 هـ) ، والأرموي (المتوفى 682 هـ)

وأعقبهم الإيجي صاحب " المواقف "، وكان معاصرا لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتابه " المواقف " يعتبر تقنيناً وتنظيماً لفكر الرازي ومدرسته، وهو عمدة مذهب الأشاعرة قديماً وحديثاً، ويظهر ذلك واضحاً جليا عند كلامه على صفات الله وأسمائه، كما في الحديث (222، 1458) ، فقد أول صفة الحياء بأنها عبارة عن الكرم، فرحم الله الشيخ وغفر له (1) . * شيوخه: 1- محمد الراعي بن الزاهد. 2- محمود بن أحمد العينتابي الواعظ. 3- جبريل بن صالح البغدادي. 4- خير الدين القصير. 5- الحسام الرهاوي. 6- عيسى بن الخاص بن محمود السرماوي. 7- يوسف بن موسى جمال الدين الملطي. 8- حيدر الرومي. 9- الولي البهستي. 10- أحمد بن محمد السيرافي علاء الدين. 11- أحمد بن خاص التركي. 12- سراج الدين البلقيني. 13- التقي الدجوي. 14- العز بن الكويك. 15- الشرف بن الكويك، وغيرهم كثير. 16- وكان من أفضل تلاميذه ابن تغري بردي.

_ (1) انظر مزيداً لهذا في ترجمتنا له في: " العلم الهيب في شرح الكلم الطيب " للشارح.

* مصنفاته: كان- رحمه الله- كثير التصانيف، ونذكر منها: 1- عمدة القاري شرح صحيح البخاري. 2- العلم الهيب في شرح الكلم الطيب. 3- شرح قطعة من سنن أبي داود، وهو كتابنا هذا. 4- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان. 5- مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار. 6- تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر. 7- مباني الأخبار في شرح معاني الآثار. 8- نخب الأفكار في تنقيح الأخبار. 9- البناية في شرح الهداية. 10- رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق. 11- الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة. 12- المسائل البدرية. 13- السيف المهند في سيرة الملك المؤيد أبي النصر. 14- منحة السلوك في شرح تحفة الملوك. 15- المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، ويعرف بالشواهد الكبرى. 16- فرائد القلائد، مختصر شرح شواهد الألفية، ويعرف بالشواهد الصغرى. 17- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر. 18- طبقات الشعراء. 19- طبقات الحنفية.

20- اختصار تاريخ ابن خلكان وغيرها من التصانيف الكثيرة. * وفاته: توفي- رحمه الله- في ليلة الثلاثاء، رابع ذي الحجة، سنة خمس وخمسين وثمانمائة من الهجرة، الموافق إحدى وخمسين وأربعمائة وألف من الميلاد، ودفن بمدرسته التي أنشأها، بعد أن صلى عليه المناوي بالأزهر. فرحمه الله رحمة واسعة، فقد خلف علماً نافعاً، وكتباً خالدة، تشهد له بالعلم والفضل، فجزاه الله- هو وأئمة المسلمين- خير الجزاء.

ترجمة الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني

ترجمة (1) الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني المعروف بأبي داود (2) سُليمان بن الأشْعث بن شداد بن عمْرو بن عامر، كذا أسْماه عبد الرحمن ابن أبي حاتم. وقال محمد بن عبد العزيز الهاشمي: سُليمان بن الأشْعث بن بشر بن شداد. وقال ابن داسة، وأبو عُبيد الآجري: سُليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد، وكذلك قال أبو بكر الخطيب في " تاريخه ". وزاد: ابن عمْرو بن عمْران. الإمامُ، شيخ السُّنة، مقدم الحفاظ، أبو داود، الأزدي السجسْتاني، محدث البصرة. ولد سنة اثنتين ومئتين، ورحل، وجمع، وصنف، وبرع في هذا الشأن.

_ (1) هذه الترجمة مستلة من " سنن أبى داود "، ط. دار الجنان. (2) هذه الترجمة مأخوذة من " سير أعلام النبلاء " مع تصرف بسيط وزيادات، ولا سيما في سرد المؤلفات. مصادر ترجمته: " الجرح والتعديل " (4/101- 102) ، و " تاريخ بغداد " (9/55 - 59) ، و " المنتظم " (5/97- 98) ، و " وفيات الأعيان " (2/404- 405) ، و" تذكرة الحفاظ " (2/591- 593) ، و " العبر " (1/396) ، و " طبقات السبكي " (2/293- 296) ، و " البداية والنهاية " (11/54- 56) ، و " تهذيب التهذيب " (4/169- 173) ، و " طبقات الحفاظ " (261- 262) ، و " طبقات المفسرين " (1/201- 202) ، و " شذرات الذهب " (2/167- 168) ، و " تهذيب بدران " (6/246- 248) ، و " اللباب " لابن الأثير (1/533) ، و " سير أعلام النبلاء " (13/203- 221) ، و " تاريخ التراث العربي " (1/233) ، و " الكامل في التاريخ " (7/142) ، و " تهذيب الأسماء واللغات " (2/225- 227) ، و " الوافي بالوفيات " (15/353) .

قال أبو عُبيد الآجري: سمعْتُه يقول: ولدت سنة اثنتين، وصليتُ على عفان سنة عشرين، ودخلتُ البصرة وهم يقولون: أمس مات عُثمان بن الهيثم المؤذن، فسمعت من أبي عُمر الضرير مجلساً واحداً. قلت: مات في شعبان من سنة عشرين، ومات عُثْمان قبله بشهر. قال: وتبعتُ عُمر بن حفْص بن غياث إلى منزله، ولم أسْمع منه وسمعتُ من سعيد بن سُليمان مجلساً واحداً، ومن عاصم بن علي مجلساً واحداً. قلت: وسمع بمكة من القعْنبي، وسُليمان بن حرْب. وسمع من: مُسْلم بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وطبقتهم بالبصرة. ثم سمع بالكوفة من: الحسن بن الربيع البوراني، وأحمد بن يونس اليربوعي، وطائفة. وسمع من: أبي توبة الربيع بن نافع بحلب. ومن أبي جعفر النفيلي، وأحمد بن أبي شعيب، وعدة بحران. ومن حيوة بن شريح، ويزيد بن عبد ربه، وخلق بحمص. ومن: صفوان بن صالح، وهشام بن عمار، بدمشق، ومن إسحاق بن راهويه وطبقته بخراسان، ومن أحمد بن حنبل وطبقته ببغداد، ومن قتيبة بن سعيد ببلخ، ومن أحمد بن صالح وخلق بمصر، ومن إبراهيم بن بشار الرمادي، وإبراهيم بن موسى الفراء، وعلي بن المديني، والحكم بن موسى، وخلف بن هشام، وسعيد بن منصور، وسهل بن بكار، وشاذ بن فياض، وأبي معمر عبد الله بن عمرو المقعد، وعبد الرحمن بن المبارك العيشي، وعبد السلام بن مطهر، وعبد الوهاب بن نجدة، وعلي بن الجعد، وعمرو بن عون، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن الصباح الدولابي، ومحمد ابن المنهال الضرير، ومحمد بن كثير العبدي، ومسدد بن مسرهد، ومعاذ بن أسد، ويحيى بن معين، وأمم سواهم. حدث عنه: أبو عيسى في " جامعه "، والنسائي، قيما قيل، وإبراهيم بن حمدان العاقولي، وأبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن الأشناني البغدادي، نزيل

الرحبة، راوي " السنن " عنه، وأبو حامد أحمد بن جعفر الأشعري الأصبهاني، وأبو بكر النجاد، وأبو عمرو أحمد بن علي بن حسن البصري، راوي " السنن " عنه، وأحمد بن داود بن سليم، وأبو سعيد بن الأعرابي راوي " السنن " بفوت له، وأبو بكر أحمد بن محمد الخلال الفقيه، وأحمد بن محمد بن ياسين الهروي، وأحمد بن المعلى الدمشقي، وإسحاق بن موسى الرملي الوراق، وإسماعيل بن محمد الصفار، وحرب بن إسماعيل الكرماني، والحسن بن صاحب الشاشي، والحسن بن عبد الله الذارع، والحسين بن إدريس الهروي، وزكريا بن يحيى الساجي، وعبد الله بن أحمد الأهوازي عبدان، وابنه أبو بكر ابن أبي داود، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله بن أخي أبي زرعة، وعبد الله ابن محمد بن يعقوب، وعبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، وعلي بن الحسن ابن العبد الأنصاري، أحد رواة " السنن "، وعلي بن عبد الصمد ما غمهُ، وعيسى بن سليمان البكري، والفضل بن العباس بن أبي الشوارب، وأبو بشر الدولابي الحافظ، وأبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، راوي " السنن "، ومحمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري، راوي كتاب " القدر " له، ومحمد بن بكر بن داسة التمار، من رواة " السنن "، ومحمد بن جعفر بن الفريابي، ومحمد بن خلف بن المرزبان، ومحمد بن رجاء البصري، وأبو سالم محمد بن سعيد الأدمي، وأبو بكر محمد بن عبد العزيز الهاشمي المكي، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك الرواس، راوي " السنن " بفواتات، وأبو عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ، ومحمد بن مخلد العطار الخضيب، ومحمد بن المنذر شكر، ومحمد بن يحيى بن مرداس السلمي، وأبو بكر محمد ابن يحيى الصولي، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني. وقد روى النسائي في " سننه " مواضع يقول: حدثنا أبو داود، حدثنا سليمان بن حرب، وحدثنا النفيلي، وحدثنا عبد العزيز بن يحيى المدني، وعلي بن المديني، وعمرو بن عون، ومسلم بن إبراهيم، وأبو الوليد، فالظاهر أن أبا داود في كل الأماكن هو السجستاني، فإنه معروف بالرواية عن السبعة، لكن شاركه أبو داود سليمان بن سيف الحراني في الرواية عن بعضهم، والنسائي فمكثر عن الحراني.

وقد روى النسائي في كتاب " الكنى "، عن سليمان بن الأشعث، ولم يكنه، وذكر الحافظ ابن عساكر في " النّبل " أن النسائي يروي عن أبي داود السجستاني. أنبأني جماعة سمعوا ابن طبرزد، أخبرنا أبو البدر الكرخي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عمر الهاشمي، أخبرنا أبو علي اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود، حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن أبى رجاء، عن عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عشر "، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: " عشرون "، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، وقال: " ثلاثون ". أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد- فيما أظن- وعمر بن محمد الفارسي، وجماعة، قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو الحسن الداوودي، أخبرنا عبد الله بن أحمد، أخبرنا عيسى بن عمر السمرقندي، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ، أخبرنا محمد بن كثير، فذكره بنحوه. أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، عن أبي داود، عن محمد بن كثير، وأخرجه أبو عيسى في " جامعه " عن الحافظ عبد الله الدارمي، فوافقناهما بعلو. أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم الفقيه بقراءتي، أخبرنا علي ابن مختار، أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الصوفي، أخبرنا علي بن أحمد الرزاز، حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدّثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بالبصرة، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه متلق فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق ".

هذا حديث صحيح غريب، وأخرجه الترمذي من طريق عبيد الله بن عمرو، وهو من أفراده. وقع لنا عدة أحاديث عالية لأبي داود، وكتاب " الناسخ " له، وسكن البصرة بعد هلاك الخبيث طاغية الزنج، فنشر بها العلم، وكان يتردد إلى بغداد. قال الخطيب أبو بكر: يقال: إنه صنف كتابه " السنن " قديماً، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه. قال أبو عبيد: سمعت أبا داود يقول: رأيت خالد بن خداش، ولم أسمع منه، ولم أسمع من يوسف الصفار، ولا من ابن الأصبهاني، ولا من عمرو ابن حماد، والحديث رزق. قال أبو عبيد الآجري: وكان أبو داود لا يحدث عن ابن الحماني، ولا عن سويد، ولا عن ابن كاسب، ولا عن محمد بن حميد، ولا عن سفيان بن وكيع. وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب- يعني كتاب " السنن " -، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثماني مئة حديث (1) ، ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، أحدها: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الأعمال بالنيات "، والثاني: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، والثالث: قوله: " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه "، والرابع: " الحلال بين.. " الحديث. رواها الخطيب: حدّثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القاري الدينوري بلفظه: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن الفرضي، سمع ابن داسة. قال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى

_ (1) بلغ عدد الأحاديث في المطبوع من رواية اللؤلؤي (5274) . 2* شرح سنن أبي داوود 1

معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثاً واحداً، كان أبو داود يذكره. قلت: هو حديث أبي داود، عن محمد بن عمرو الرازي، عن عبد الرحمن ابن قيس، عن حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه: " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن العتيرة، فحسنها ". وهذا حديث منكر، تكلم في ابن قيس من أجله، وإنما المحفوظ عند حماد بهذا السند حديث: " أما تكون الزكاة إلا من اللبة ". ثم قال الخلال. وكان إبراهيم الأصبهاني ابن أورمة، وأبو بكر بن صدقة يرفعون من قدره، ويذكرونه بما لا يذكرون أحداً في زمانه مثله. وقال أحمد بن محمد بن ياسين: كان أبو داود أحد حفّاظ الإسلام لحديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث. وقال أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني، وإبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب " السنن " ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود، عليه السلام، الحديدُ. الحاكم: سمعت الزبير بن عبد الله بن موسى، سمعت محمد بن مخلد يقول: كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، ولما صنف كتاب " السنن " وقرأه على الناس، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه. وقال الحافظ موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. وقال علان بن عبد الصمد: سمعتُ أبا داود، وكان من فرسان الحديث. قال أبو حاتم بن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً، ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذب عن السنن.

قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين خرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، ثم أبو داود، والنسائي. وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، سمع بمصر والحجاز والشام والعراقيين وخراسان، وقد كتب بخراسان قبل خروجه إلى العراق، في بلده وهراة، وكتب ببغلان عن قتيبة، وبالري عن إبراهيم بن موسى، إلا أن أعلى إسناده: القعنبي، ومسلم بن إبراهيم ... وسمى جماعة، قال: وكان قد كتب قديماً بنيسابور، ثم رحل بابنه أبي بكر إلى خراسان. روى أبو عبيد الآجري، عن أبي داود، قال: دخلت الكوفة سنة إحدى وعشرين، وما رأيت بدمشق مثل أبي النضر الفراديسي، وكان كثير البكاء، كتبت عنه سنة اثنتين وعشرين. قال القاضي الخليل بن أحمد السجزي: سمعت أحمد بن محمد بن الليث قاضي بلدنا يقول: جاء سهل بن عبد الله التستري إلى أبي داود السجستاني، فقيل: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله جاءك زائراً- فرحب به، وأجلسه، فقال سهل: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقول: قد قضيتها مع الإمكان، قال: نعم، قال: أخرج إلي لسانك الذي تحدث به أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله. روى إسماعيل بن محمد الصفار، عن الصاغاني، قال: لُيّن لأبي داود السجستاني الحديث، كما لين لداود الحديد. وقال موسى بن هارون: ما رأيت أفضل من أبي داود. قال ابن داسة: سمعت أبا داود يقول: ذكرتُ في " السنن " الصحيح وما يقاربه، فن كان فيه وهن شديد بينته. قلت: فقد وفى- رحمه الله- بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته- والحالة هذه- عن الحديث أن يكون حسناً عنده، ولا سيما إذا حكمنا

على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يحب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذباً بين الضعف والحسن؟ فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيداً، سالماً من علة وشذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً، يعْضُد كُل إسْناد منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يمشيه أبو داود، وسكت عنه غالباً، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالباً، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم. قال الحافظ زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عهد الإسلام. قلت: كان أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نُجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول. روى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: كان عبد الله بن مسعود يشبه بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هديه ودله، وكان علقمة يشبه بعبد الله في ذلك. قال جرير بن عبد الحميد: وكان إبراهيم النخعي يشبه بعلقمة في ذلك، وكان منصور يشبه بإبراهيم. وقيل: كان سفيان الثوري يشبه بمنصور، وكان وكيع يشبه بسفيان، وكان أحمد يشبه بوكيع، وكان أبو داود يشبه بأحمد. قال الخطابي: حدّثني عبد الله بن محمد المسكي، حدثنى أبو بكر بن جابر خادم أبي داود- رحمه الله- قال: كنت مع أبي داود ببغداد، فصلينا المغرب،

فجاءه الأمير أبو أحمد الموفق- يعني ولي العهد- فدخل، ثم أقبل عليه أبو داود، فقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ قال: خلال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً، ليرحل إليك طلبة العلم، فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس، لما جرى عليها من محنة الزنج، فقال: هذه واحدة، قال: وتروي لأولادي " السنن "، قال: نعم، هات الثالثة، قال: وتفرد لهم مجلساً، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة، قال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأن الناس في العلم سواء. قال ابن جابر: فكانوا يحضرون ويقعدون في كم حيري، عليه ستر، ويسمعون مع العامة. قال ابن داسة: كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق، فقيل له في ذلك، فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يحتاج إليه. قال أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول: خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن. قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: الليث روى عن الزهري، وروى عن أربعة، عن الزهري، حدث عن: خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري. وسمعت أبا داود يقول: كان عمير بن هانئ قدريا، يسبح كل يوم مئة ألف تسبيحة، قتل صبراً بداريا أيام يزيد بن الوليد، وكان يحرض عليه. قال أبو داود: مسلمة بن محمد حدثنا عنه مسدد، قال أبو عبيد: فقلت لأبي داود: حدث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " إياكم والزنج، فإنه خلق مشوه "؟ فقال: من حدث بهذا، فاتهمه. وقال أبو داود: يونس بن بكير ليس هو عندي حجة، هو والبكائي سمعا من ابن إسحاق بالري. قال الحاكم: سليمان بن الأشعث السجستاني مولده بسجستان، وله ولسلفه إلى الآن بها عقد وأملاك وأوقاف، خرج منها في طلب الحديث إلى البصرة،

فسكنها، وأكثر بها السماع عن سليمان بن حرب، وأبي النعمان، وأبي الوليد، ثم دخل إلى الشام ومصر، وانصرف إلى العراق، ثم رحل بابنه أبي بكر إلى بقية المشايخ، وجاء إلى نيسابور، فسمع ابنه من إسحاق بن منصور، ثم خرج إلى سجستان، وطالع بها أسبابه، وانصرف إلى البصرة واستوطنها. وحدثنا محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، حدّثنا أبو بكر بن أبي داود، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن عمرو الرازي، حدّثنا عبد الرحمن بن قيس، عن حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه: " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن العتيرة، فحسنها ". قيل: إن أحمد كتب عن أبي هذا، فذكرت له، فقال: نعم، قلت: وكيف كان ذلك؟ فقال: ذكرنا يوماً أحاديث أبي العشراء، فقال أحمد: لا أعرف له إلا ثلاثة أحاديث، ولم يرو عنه إلا حماد حديث اللبة، وحديث: رأيت على أبي العشراء عمامة، فذكرت لأحمد هذا، فقال: أمله عليّ، ثم قال: لمحمد بن أبي سمينة عند أبي داود حديث غريب، فسألني، فكتبه عني محمد بن يحيى بن أبي سمينة. قال الحاكم: وأخبرنا أبو حاتم بن حبان: سمعت ابن أبي داود، سمعت أبي يقول: أدركت من أهل الحديث من أدركت، لم يكن فيهم أحفظ للحديث، ولا أكثر جمعاً له من ابن معين، ولا أورع ولا أعرف بفقه الحديث من أحمد، وأعلمهم بعلله عليّ بن المديني، ورأيت إسحاق- على حفظه ومعرفته- يقدم أحمد بن حنبل، ويعترف له. وحدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، حدثني عبد الكريم بن النسائي، حدثني أبي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بالبصرة، قال: سمع الزهري من ثلاثة عشر رجلاً، من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنس، سهل، السائب، ستين أبي جميلة، محمود بن الربيع، رجل من بلي، ابن أبي صعير، أبو أمامة بن سهل، وقالوا: ابن عمر؟ فقال: رأيت ابن عمر سن على وجهه الماء سنا، وقالوا: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم قبض، وعبد الرحمن بن أزهر.

أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، وإسماعيل بن عبد الرحمن، ومحمد بن بيان بقراءتي، أخبركم الحسن بن صباح، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن القاضي، نا عبد الرحمن بن عمر النحاس، قال: حدّثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي، حدثنا أبو داود، [حدثنا] سليمان بن حرب، ومسدد، قالا: أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر - وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة ". أخرجه مسلم أيضاً من حديث حماد هذا، وهو ابن زيد، وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر بن يسار المزني، وقيل: الجهني، وما علمته روى شيئاً سوى هذا الحديث. وأخبرناه أبو سعيد الثغري، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف، أخبرنا عبد الحق، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا أبو الحسن الحمامي، أخبرنا ابن قانع، حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب، حدّثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، قال: عمرو بن مرة أخبرني، قال: سمعت أبا بردة يحدث عن رجل من جهينة، يقال له: الأغر، وكان من أصحاب النبي غيما أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فني أتوب إلى الله في كل يوم مائة مرة ". قال أبو داود في " سننه ": شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبراً، ورأيت أترجة على بعير، وقد قطعت قطعتين، وعملت مثل عدلين. فأما سجستان، الإقليم الذي منه الإمام أبو داود: فهو إقليم صغير منفرد، متاخم لإقليم السند، غربيه بلد هراة، وجنوبيه مفازة، بينه وبن إقليم فارس وكرمان، وشرقيه مفازة وبرية بينه وبين مكران، التي هي قاعدة السند، وتمام هذا الحد الشرقي بلاد الملتان، وشماليه أول الهند. فأرض سجستان كثيرة النخل والرمل، وهي من الإقليم الثالث من السبعة، وقصبة سجستان هي: زرنج، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وتطلق زرنج على سجستان، ولها سور، وبها جامع عظيم، وعليها نهر كبير، وطولها من

جزائر الخالدات تسع وثمانون درجة، والنسبة إليها أيضاً: " سجزي "، وهكذا ينسب أبو عوانة الإسفراييني، أبا داود فيقول: السجزي، وإليها ينسب مسند الوقت أبو الوقت السجزي، وقد قيل- وليس بشيء- إن أبا داود من سجستان قرية من أعمال البصرة، ذكره القاضي شمس الدين في " وفيات الأعيان "، فأبو داود أول ما قدم من البلاد، دخل بغداد، وهو ابن ثمان عشرة سنة، وذلك قبل أن يرى البصرة، ثم ارتحل من بغداد إلى البصرة. قال أبو عبيد الآجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومئتين. * مؤلفاته: 1- كتاب السنن: وهو ثالث الكتب الستة في الحديث؛ وقلما تخلو مكتبة خطية منه، وسيأتي الكلام عليه بالتفصيل، وقد طبع مرات عديدة في القاهرة سنة (1280 هـ) ، وفي لكنو سنة (1840، 1877، 1888، 1305 هـ، 1318 ر) ، وفي دلهي (1171 هـ، 1272 هـ، 1283 هـ) ، وفي حيدر آباد (1321 هـ) ، وعلى الهامش شرح الموطأ للزرقاني في القاهرة (1310 هـ، 1320 هـ) ، وفي بيروت دار الكتاب العربي، وسنة (1388 هـ) دار الحديث حمص مع شرحه للخطابي. 2- المسائل التي خالف عليها الإمام أحمد بن حنبل: وهذا الكتاب رواية أبي داود، وقد طبع. 3- إجابته على سؤالات الآجري، طبع. 4- رسالة في وصف تأليفه لكتاب السنن: طبع بتحقيق محمد زاهد الكوثري القاهرة (1369 هـ) (1) . 5- الزهد. 6- تسمية إخوة الذين روي عنهم الحديث.

_ (1) قال خالدٌ: وقد طبعت بعدُ بتحقيق محمد بن لطفي الصباغ، وسيأتي نصها.

7- كتاب المراسيل: طبع في القاهرة (1310 هـ) ، وفي بيروت دار القلم (1406 هـ) مع ذكر الأسانيد، وفي دار المعرفة (1406 هـ) ، وهذا الكتاب قمنا بضبطه وفهرسته من جديد على نسخة جديدة مع أسانيدها لما وجدنا من الخلط والنقص في كل النسخ السابقة، وطبعتنا تزيد على السابقة كلها بنحو ثمانين حديثاً. 8- كتاب في الرجال: مخطوط في الظاهرية. 9- كتاب القدر. 10- كتاب الناسخ: ذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (13/209) ، وابن حجر في " التهذيب " (4/170) . 11- مسند مالك: ذكره ابن حجر في " التهذيب " (4/170) . 12- كتاب أصحاب الشعبي: ذكره في السؤالات (ص/181) .

ما ألف على كتاب السنن لأبي داود

ما ألف على كتاب السنن لأبي داود 1- معالم السنن: لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (المتوفى سنة (388 هـ) ، وقد طبع في حلب (1920- 1924 ر، 1932- 1934 ر) ، وطبع بتحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي في القاهرة (1948 ر) ، وأعيد طبعه في بيروت (1401 هـ) . 2- العد المودود في حواشي أبي داود: لعبد العظيم المنذري (المتوفى سنة 656هـ) . 3- شرح العيني: لمحمود بن أحمد العيني (المتوفى سنة 855 هـ) [وهو كتابنا هذا] . 4- وشرح زوائده على الصحيحين سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (المتوفى سنة 805 هـ) . 5- شرح لأحمد بن الحسين بن أرسلان الرملي (المتوفى سنة 844 هـ) . 6- وشرح لولي الدين العراقي أبي زرعة (المتوفى سنة 826 هـ) إلى أثناء سجود السهو. 7- مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود: تأليف السيوطي (المتوفى سنة 911 هـ) واختصره الدمنتي الباجمعوي وطبع في القاهرة باسم " درجات مرقاة الصعود ". 8- وشرح للحافظ علاء الدين مغلطاي (المتوفى سنة 762 هـ) ولم يكمله. 9- فتح الودود على سنن أبي داود: تأليف أبي الحسن السندي (المتوفى سنة 1138 هـ) . 10- حاشية عون الودود: لمحمد بن عبد الله بنجابي الحزاروي، طبع سنة (1318 هـ لوكنو) . 11- تعليقات المحمود: لفخر الحسين كنجوهي، طبع سنة (1905 ركوانبور) .

12- عون المعبود: لمحمد أشرف أمير عظيم آبادي، ومحمد شمس الحق عظيم آبادي، طبع سنة (1322 هـ دلهي) ، وأعيد تصويره في بيروت دار الكتاب العربي. 13- وكتب عليه مولوي وحيد الزمان حاشية باللغة الهندوستانية، لاهور (1882 ر) . 14- غاية المقصود في حل سنن أبي داود: لمحمد شمس الحق عظيم آبادي، طبع في الهند بدون تاريخ. 15- وقد اختصره المنذري وطبع في حيدر آباد (1342 هـ) ، وحققه أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، القاهرة (1948 ر) . 16- وأيضاً اختصره محمد بن الحسن بن علي البلخي.

كتاب السنن وأقوال الأئمة فيه

كتاب السنن وأقوال الأئمة فيه قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض، فكان تصنيف علماء الحديث قبل أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها، فيجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وأدباً، فأما السنن المحضة، فلم يقصد أحد جمعها واستيفاءها على حسب ما اتفق لأبي داود، كذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل. قال ابن الأعرابي: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف، ثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم. قال الخطابي: وهذا كما قال لا شك فيه، فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لم يعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه. قال النووي في القطعة التي كتبها من شرح سنن أبي داود: ينبغي للمشاغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبي داود بمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه. وقال إبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد. أنشد الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى نظم: لان الحديث وعلمه بكماله ... لإمام أهْليه أبي داودُ مثْلُ الذي لان الحديد وسبْكه ... لنبي أهل زمانه داودُ وله في مدحه نظم: أولى كتاب لذي فقْه وذي نظرٍ ... ومن يكون من الأوزار في وزر ما قدْ تولى أبو داود محْتسباً ... تأليفه فأتى كالضوء في القمر

لا يستطيعُ عليه الطعن مبتدع ... ولو تقطع من ضغن ومن ضجر فليس يوجدُ في الدُنيا أصحُ ... ولا أقْوى من السنة الغراء والأثر وكل ما فيه من قول النبي ... ومن قول الصحابة أهلُ العلم والبصر يرويه عن ثقة عن مثله ثقة ... عن مثله ثقة كالأنجُم الزهر وكان في نفسه فيما أحق ... ولا أشك فيه إماماً عالي الخطر يدري الصحيح من الآثار يحفظُهُ ... ومن روى ذاك من أنثى ومن ذكر محققا صادقاً فيما يجيء به قد شاع ... في البدو عنه ذا وفي الحضر والصدقُ للمرء في الداريْن ... منقبة ما فوقها أبداً فخرٌ لمفتخر وحكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ: إن شرط أبي داود والنسائي أحاديث أقوام لم يجتمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا إرسال. وقال الخطابي: كتاب أبي داود جامع لنوعي الصحيح والحسن. وأما السقيم فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلا منها برئ من جملة وجهها. ويحكى عنه أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه. وقال في رسالته إلى أهل مكة المكرمة: إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب وقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين، أحدهما أقوى إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك وإذا عدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك. أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر وليس على نحوه في الباب غيره،

وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض وهو كتاب لا يرد عليك سُنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وهو فيه إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره. وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناس من الجوامع، والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير وهو عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وحديث من يطعن فيه لا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذا. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه. وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومتواتر إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل وهو مثل الحسن عن جابر والحسن عن أبي هريرة والحكم عن مقسم عن ابن عباس وليس بمتصل وسماع الحكم عن المقسم أربعة أحاديث. وأما أبو إسحاق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحاق عن الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد، وما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعل ليس في كتاب السنن للحارث الأعور إلا حديث واحد، وإنما كتبته بآخرة، وربما كان في الحديث ما لم يثبت صحة الحديث منه أنه كان يخفى ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقه، وربما كتبته إذا لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم، كلما كان من هذا الباب فيما مضى من عيون الحديث لأن علم

العامة يقصر عن مثل هذا وعدد كتبي في هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل وما يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المراسيل منها ما لا يصح، ومنها ما يسند عند غيره وهو متصل صحيح، ولعل عدد الأحاديث التي في كتبي من الأحاديث قدر أربعة آلاف حديث وثماني مائة حديث ونحو ستمائة حديث من المراسيل، فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء الحديث من طريق وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون غير أنه ربما طلب اللفظة التي تكون لها معان كثيرة. وممن عرفت وقد نقل من جميع هذه الكتب ممن عرفت، فربما يجيء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه متصل ولا يتنبه السامع إلا باًن يعلم الأحاديث فيكون له معرفة فيقف عليه مثل ما يروى عن ابن جريج قال: أخبرت عن الزهري ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري، فالذي يسمع يظن أنه متصل ولا يصح بينهم، وإنما تركنا ذلك لأن أصل الحديث غير متصل وهو حديث معلول ومثل هذا كثير، والذي لا يعلم يقول: قد تركت حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول، وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف في الزهد وفضائل الأعمال وغيرها، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام. فأما أحاديث كثيرة صحاح من الزهد والفضائل وغيرها في غير هذا لم أخرجها. انتهى ملخصاً (1) . وقال ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله وسنن أبي داود يكفيه ذلك في مقدمات الدين، ولهذا مثلوا في كتب الأصول لبضاعة الاجتهاد في علم الحديث سنن أبي داود، وهو لما جمع كتاب السنن قديماً عرضه على الإمام أحمد ابن حنبل فاستجاده واستحسنه.

_ (1) انظر الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص/212- 216) ، وراجع الإحالة إلى مصادر الترجمة سابقاً.

رواة كتاب السنن لأبي داود عنه

رواة كتاب السنن لأبي داود عنه قال في " كشف الظنون " بعد أن عدد شروح سنن أبي داود: " قال ابن كثير في مختصر علوم الحديث: إن الروايات لسنن أبي داود كثيرة، يوجد في بعضها ما ليس في الأخرى ". وقال الجلال السيوطي في " التدريب شرح التقريب للنووي " (1/170) : " عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وهو روايات أتمها رواية أبي بكر بن داسة والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي ". وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي (1) : رواية اللؤلؤي مشهورة في المشرق، ورواية ابن داسة مروجة في المغرب وأحدهما يقارب الآخر، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان بخلاف رواية ابن الأعرابي فإن نقصانها بيّنٌ بالنسبة إلى هاتين النسختين اهـ. وقال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في برنامجه (2) : روى هذا الكتاب عن أبي داود ممن اتصلت أسانيدها به أربعة رجال: 1- أبو بكر بن محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري المعروف (3) بابن داسة بفتح السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوطة الله، وألفيتُهُ في أصل القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المالكي في كتاب الغنية مشدداً، وكذا وجدتُه في بعضها ما قيدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلاً من غير تنصيص.

_ (1) الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص/216) . (2) الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص/216) . (3) توقي سنة (346 هـ) ، انظر ترجمته في: " سير أعلام النبلاء " (15/538) ، و" شذرات الذهب " (2/373) .

2- وأبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي (1) (ت: 340 هـ) . 3- وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري (2) (ت: 333 هـ) . 4- وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي (3) ، وراق أبي داود. ولم يتشعب طرقه كما اتفق في الصحيحين، إلا أن رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروف والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة. ورواية ابن داسة أكمل الروايات، ورواية الرملي تقاربها؛ ورواية اللؤلؤي من أصح الروايات لأنها من آخر ما أملى أبو داود وعليها مات اهـ. قلت: وروى أيضاً السنن عنه، ولكن شهرتهم دون الأربعة المذكورين وهم: 5- أبو الحسن، علي بن محمد بن العبد الأنصاري (4) . 6- أبو أسامة، محمد بن عبد الملك بن يزيد الرواس (5) . 7- أبو عمرو أحمد بن علي بن حسن البصري (6) . 8- أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الأشناني البغدادي (7) . وقال أبو عمر الهاشمي: كان أبو علي اللؤلؤي قد قرأ كتاب السنن على أبي داود عشرين سنة، وكان يدعى وراق أبي داود، والوراق في لغة أهل

_ (1) ترجمته في: " سير أعلام النبلاء " (15/407) ، و " حلية الأولياء " (1/2570) ، و" المنتظم " (6/371) ، و " شذرات الذهب " (2/354) . (2) ترجمته في: " سير أعلام النبلاء " (15/307) ، و " شذرات الذهب " (2/334) ، و" الوافي بالوفيات " (2/39) . (3) توفي سنة (320 هـ) ، انظر: " تاريخ بغداد " (6/395) . (4) ذكره في: " سير أعلام النبلاء " (13/206) ، وفي " تهذيب التهذيب " (4/170) . (5) ذكره في: " سير أعلام النبلاء " (13/206) ، وفي " تهذيب التهذيب " (4/170) . (6) ذكره في: " سير أعلام النبلاء " (13/205) ، وفي " تهذيب التهذيب " (4/170) . (7) ذكره في " التهذيب " (4/170) ، و " سير أعلام النبلاء " (13/205) . 3 * شرح سنن أبي داوود 1

البصرة القارئ للناس، قال: والزيادات التي في رواية ابن داسة حذفها أبو داود آخراً لأمر رابه في الإسناد (1) . وقال الذهبي في السير في أثناء ترجمة ابن داسة (2) : وهو آخر من حدث بالسنن كاملاً عن أبي داود.

_ (1) " سير أعلام النبلاء " (15/207) . (2) " سير أعلام النبلاء " (15/538) .

شرط الإمام أبي داود في كتابه

شرط الإمام أبي داود في كتابه إن أفضل من يتكلم على مصنف- ولا شك- هو صاحب هذا المصنف، ولذا فقد رأيت أنه من الأفضل أن نترك الإمام أبا داود يتحدث عن كتابه " السنن " وذلك من خلال رسالته التي كتبها إلى أهل مكة يسألوه عن الأحاديث التي أوردها في كتابه، وهاكم نص الرسالة (1) : بسْم الله الرحْمن الرّحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي. أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان المعروفُ بابن البطي (2) إجازة إن (3) لم أكن سمعته منه قال: أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل (4) قراءة عليه وأنا حاضرٌ أسمع، قيل له: أقرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ (5) قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جُميْع الغساني (6)

_ (1) قد أوردت النص كاملاً بتحقيق الأستاذ محمد بن لطفي الصباغ، ط. بيروت 18 جمادى الآخرة سنة (1394 هـ) ، 8 تموز سنة (1974) ، الطبعة الثانية. (2) هو مسند بغداد (المتوفى سنة 564 هـ) عن سبع وثمانين سنة. انظر: " تذكرة الحفاظ " (ص 1321) أي: كان عمره عند وفاة ابن خيرون إحدى عشرة سنة. (3) كذا في الأصل، ولعلها: " إذ ". (4) هو الحافظ العالم الناقد أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي ابن الباقلاني، ثقة عدل متقن واسع الرواية، توفي في رجب سنة (488) عن 84 سنة. (5) هو الحافظ العلامة الأوحد محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن دحيم الساحلي الصوري، ولد سنة (376) كان صواماً صدوقاً ثقة، توفي في سنة (441) انظر: " تاريخ بغداد " (3/103) ، و " تذكرة الحفاظ " (1114) . (6) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني الصيداوي عالم بالحديث ورجاله من أهل صيدا، ذكر الأستاذ الزركلي أنه ولد سنة (305 هـ) ، وتوفي سنة (402 هـ) .

* اختياره أحد الحديثين الصحيحين لقدم حفظ صاحبه (3) :

بصيدا- فأقرّ به- قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب الهاشمي (1) بمكة يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد السجستاني وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم، فأملى علينا: سلامٌ عليكم، فإني أحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّما ذكر. أما بعد: عافانا اللهُ وإياكم عافيةً لا مكروه معها ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتم (2) أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب " السنن ": أهي أصح ما عرفتُ في الباب؟ * اختياره أحد الحديثين الصحيحين لقدم حفظ صاحبه (3) : ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله (4) إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقوم (5) إسناداً والآخر صاحبه أقدم (6) في الحفظ، فربما كتبت ذلك (7) ، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث.

_ (1) لم أقف على ترجمته، وإن كان نسبه هنا طويلاً ينتهي به إلى عبد المطلب، ويفهم مما ذكر أعلاه أنه كان بمكة وأنه تلميذ أبي داود، فقد يكون مولوداً قبل سنة (260) لأن أبا داود توفي سنة (275) ، وإذا صح هذا فلابد من أن يكون بقي حيا حتى أتيح لا بن جميع السماع منه وهو مولود سنة (305 هـ) . (2) في " توجيه النظر " (ص/152) ، و" المنهل العذب " (1/17) : سألتموني. (3) إن هذا العنوان وجميع العناوين من وضعي. (4) في " توجيه النظر " (ص/152) ، و " المنهل العذب " (1/17) : أنه كله كذلك (5) في " المنهل العذب ": أقوى، وفي " المطبوعة ": أقدم. (6) في " توجيه النظر ": أقوم. (7) أي يكتب الحديث الذي صاحبه أقدم في الحفظ وكأنه يريد بذلك ما عرف عند علماء الحديث بعلو الإسناد.

* قلة أحاديث الأبواب

* قلة أحاديث الأبواب: ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه (1) يكثر، وإنما أردت قرب منفعته. * إعادة الحديث: وإذا (2) أعدتُ الحديث في الباب من وجهين أو (3) ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما (تكون) (4) فيه كلمة زيادة على الأحاديث. * اختصار الحديث: وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك. * المرسل والاحتجاج وبه: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها (5) العلماء فيما مضى مثل: سفيان الثوري (6) ، ومالك بن أنس (7) ، والأوزاعي (8) حتى جاء الشافعي (9) ،

_ (1) في الأصل: " وإنه "، وفي " التوجيه ": " فإنها تكثر "، وفي المطبوعة: " لأنه " ورجحت ما أثبت لأنه أقرب ما يكون للأصل، واستأنست برواية " التوجيه ". (2) في " توجيه النظر ": " فإذا ". (3) كذا في " توجيه النظر "، و " المنهل " وهو الأحسن، والذي في الأصل: " وثلاثة ". (4) سقطت هذه الكلمة من الأصل، واستدركتها من " توجيه النظر ". (5) في الأصل: " به "، والتصويب من " توجيه النظر "، و " المنهل ". (6) هو سفيان بن سعيد الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، كان علماً من أعلام الدين، إماماً حافظاً، طبع أخيرا كتابه في تفسير القرآن الكريم، توفي بالبصرة سنة (161 هـ) . (7) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أحد أعلام الإسلام، وإمام دار الهجرة، صاحب المذهب، كان ثقة فاضلاً عاقلاً، توفي سنة (179 هـ) . (8) هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام الديار الشامية، كان فقيهاً زاهداً ثقة مجاهداً جريئاً في الحق، توفي سنة (157هـ) . (9) هو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، الإمام العلامة ناصر السُنة، ومجدد المئة الثانية ومؤسس علم أصول الفقه، كان إماماً ثقة عابداً فارساً رامياً شاعراً، توفي سنة (204 هـ) .

* ليس في الكتاب حديث عن متروك

فتكلم (1) فيها (2) ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل (3) وغيره- رضوان الله عليهم-. فإذا لم يكن مسند غير (4) المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل (5) يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة. * ليس في الكتاب حديث عن متروك: وليس في كتاب " السنن " الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء (6) . * يبين المنكر: وإذا كان فيه حديث منكر بينتُ أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره. * موازنة بينه وبين كتب: ابن المبارك ووكيع ومالك وحماد: وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك (7) ولا كتاب وكيع (8) إلا الشيء اليسير، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل.

_ (1) في الأصل: " مكلم " (بالميم) ، والتصويب من " توجيه النظر ". (2) في الأصل: " فيه "، والتصويب من " توجيه النظر ". (3) هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، الإمام الفقيه للحديث الحافظ الحجة الصابر، مؤلف " المسند " أوسع كتب السنة، وله الموقف العظيم في المحنة بخلق القرآن، توفي سنة (241 هـ) . (4) في الأصل: " ضد "، والتصويب من " توجيه النظر ". (5) في الأصل: " فالمراسيل "، والتصويب من " توجيه النظر "، و " المنهل العذب ". (6) لعل العبارة التي نقلها عنه المنذري وابن الصلاح وغيرهما أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى عن أبي داود أنه قال: " ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه "، لعل هذه العبارة أدق من الكلمة الواردة في هذه الرسالة لأن في كتابه " السنن " بعض المتروكين كما ذكرت في دراستي للسنن. (7) هو عبد الله بن المبارك الحنظلي ولاء المروزي، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث، المجاهد التاجر الشاعر، قال فيه إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك. وقال فيه ابن معين: سيد من سادات المسلمين. وقال الفضيل: ورب هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابن المبارك. توفي سنة (181 هـ) . (8) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (196 هـ) .

* جمعه السنن واستقصاؤه

وفي كتاب السنن من " موطأ مالك بن أنس " شيء صالح، وكذلك من مصنفات حمّاد بن سلمة (1) ، وعبد الرزاق (2) . وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم (3) - أعني مصنفات مالك بن أنس، وحماد بن سلمة، وعبد الرزاق. * جمعه السنن واستقصاؤه: وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذكر لك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واه، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم. ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن عليّ الخلال (4) قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو تسعمائة حديث فقيل له: إن أبا يوسف (5) قال: هي ألف ومائة. قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من هنا وهنا نحو الأحاديث الضعيفة.

_ (1) هو حماد بن سلمة بن دينار الربعي ولاء البصري، البزاز، النحوي المحدث، له التصانيف، توفي سنة (167 هـ) . (2) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري ولاء الصنعاني، صاحب التصانيف، مات سنة (211 هـ) . (3) يعني المؤلف- رحمه الله- بقوله: " ثلث هذه الكتب " كتب كتابه " السنن " مثل كتاب الصلاة وكتاب الزكاة وكتاب الصوم وما إلى ذلك، ويريد بهذه الجملة أن زيادات كتابه " السنن " عن كتب جميع أولئك العلماء تبلغ نحو ثلث الكتاب، والله أعلم. (4) هو الحسن بن علي الخلال محدث مكة، وكان يدعى الحلواني، حدث عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، مات سنة (242 هـ) . (5) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة وفقيه العراقيين، له كتاب " الخراج " وهو كتاب نفيس، توفي سنة (182 هـ) .

* يبين ما فيه وهن شديد

* يبين ما فيه وهن شديد: وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بينته (1) ، ومنه (2) ما لا يصح سنده. * المسكوت عنه صالح: (و) (3) ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصحُ من بعض. وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر (4) . * استقصاؤه: وهو كتاب لا ترد عليك سُنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد صالح إلا وهي (5) فيه، إلا أن يكون كلامٌ استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا. * قيمته ومقداره: ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه (6) من هذا الكتاب، ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم- بعد ما يكتب هذه الكتب- شيئاً (7) ، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه، حينئذٍ يعلم مقداره.

_ (1) جاء في " كشف الظنون " (2/1004) نقلاً عن " حاشية البقاعي على شرح الألفية ": " قال في رسالته التي أرسلها إلى من سأله عن اصطلاحه في كتابه: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، وما لا فصالح، وبعضها أصح من بعض ". (2) في المطبوعة: " وفيه "، ولم يشر إلى الأصل. (3) زيادة من " توجيه النظر ". (4) يريد أنه لا يسرف في الثناء على عمله ولا يبالغ، ولو أن غيره ألف هذا الكتاب لقال فيه أكثر. (5) في الأصل: " هو "، والتصويب من " توجيه النظر ". (6) في الأصل: " أن يتعلموا "، وأثبت رواية " توجيه النظر ". (7) كذا في الأصل، ويعني بهذه الكتب كتب السنن كما أشرنا، وجاءت العبارة في " توجيه النظر " كما يأتي: " ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم شيئاً بعد ما يكتب هذا الكتاب ".

* أحاديث كتابه أصول المسائل الفقهية

* أحاديث كتابه أصول المسائل الفقهية: وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها. * آراء الصحابة: ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. * جامع سفيان: ويكتب أيضاً مثل " جامع سفيان الثوري " فإنه أحسن ما وضع الناس في الجوامع. * أحاديث السنن مشاهير ولا يحتج بالغريب: والأحاديث التي وضعتُها في كتاب " السنن " أكثرها مشاهير: (وهي (1) عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها (2) لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير) (3) فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك، ويحيى بن سعيد (4) والثقات من أئمة العلم (5) . ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدت من يطعنُ فيه، ولا يحتجُّ بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذا. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد (6) .

_ (1) في الأصل: " هو "، والتصويب من " توجيه النظر ". (2) يريد أن استخلاصها واختيارها وترتيبها لا يقدر عليه كل الناس. (3) ما بين القوسين سقط من الأصل في هذا الموضع، وأستدركه مستدرك على هامش الأصل، وبعد قليل أقحم هذا الكلام في غير موضعه في الأصل، واعتمدت في التصويب هامش الأصل و " توجيه النظر ". (4) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي ولاء، البصري، كان من العباد الصالحين. قال الذهبي فيه: سيد الحفاظ، توفي سنة (198 هـ) . (5) بعد هذه الكلمة أقحم الكلام الذي بين القوسين. (6) جاء بعد هذه الكلمة في " توجيه النظر ": " وأما الحديث الغريب فإنه لا يحتج به ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم "، وقد تقدم في نسختنا كلام مشابه له.

* قد يوجد المرسل والمدلس عند عدم وجود الصحاح

وقال إبراهيم النخعي (1) : كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب (2) : إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عُرف وإلا فدعْه. * قد يوجد المرسل والمدلس عند عدم وجود الصحاح: وإن من الأحاديث في كتابي " السنن " ما ليس بمتصل، وهو: مرسل ومدلّس (3) ، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل: الحسن (4) عن جابر (5) ، والحسن عن أبي هريرة (6) ، والحكم (7) عن مقسْم (8) ، وسماع الحكم من (9) مقسم أربعة أحاديث (10) .

_ (1) هو إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه العابد الصالح، توفي سنة (96 هـ) . (2) هو أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب الأزدي ولاء المصري الفقيه، كان مفتي أهل مصر، وهو أول من أظهر بمصر العلم بالحلال والحرام، توفي سنة (128 هـ) . (3) في الأصل بعد هذه الكلمة أقحمت كلمة: " يعني ". (4) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، شيخ الإسلام، وأحد الشجعان، كان ثقة عابداً، بليغ الموعظة، وافر العلم، توفي سنة (110 هـ) ، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (2/267) عن علي بن المديني قوله: " ولم يسمع ومن جابر بن عبد الله ". (5) هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي جليل مشهور، توفي سنة (78 هـ) بالمدينة. (6) هو الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، توفي سنة (59 هـ) ، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (2/267) عن بهز بن أسد قوله في الحسن البصري: لم يسمع الحسن من ابن عباس، ولا من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من أبي سعيد الخدري، واعتماده على كتب سمرة ". (7) هو الحكم بن عتيبة الكندي ولاء، الكوفي، أحد الأعلام، ثقة لبت، توفي سنة (115 هـ) . (8) هو مقسم بن بُجرة- أو ابن نجدة- مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل. روى عن: ابن عباس، وعبد الله بن الحارث، وعائشة، وأم سلمة. توفي سنة (101 هـ) . (9) في الأصل: " عن ". (10) جاء في " تهذيب التهذيب " (10/288) هذا القول كما يلي: " ... عن أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وأما غير ذلك فأخذها من كتاب ".

وأما أبو إسحاق (1) عن الحارث (2) ، عن عليّ (3) ، فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة (4) أحاديث (5) ، ليس فيها مسندٌ واحد. وأما (ما) (6) في كتاب " السنن " من هذا النحو فقليل، ولعل ليس للحارث الأعور في كتاب " السنن " إلا حديث واحد، فإنما كتبته بأخره. وربما كان في الحديث (ما) (7) تثبت صحة الحديث منه، إذا كان يخفى ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، و (8) (ربما) (9) لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم (كل ما) (10) كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا (11) . عدد أجزائها: وعدد كتب (12) هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل.

_ (1) هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الكوفي، توفي سنة (126 هـ) ، وانظر ترجمته في: " تهذيب التهذيب " (8/63) . (2) هو الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور أبو زهير الكوفي، اتهمه الشعبي وابن المديني بأنه كذاب. وقال ابن معين: ضعيف. توفي سنة (65 هـ) . (3) هو أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين، استشهد سنة (40 هـ) . (4) في الأصل: " أربع "، والصواب ما أثبتناه. (5) ذكر ذلك أبو داود في " سننه " أيضاً (1/330) . (6) زيادة ليست في الأصل. (7) زيادة ليست في الأصل. في الأصل: " أو ". (9) زيادة ليست في الأصل. (10) سقطت من الأصل، واستدركها مستدرك على الهامش. (11) يقرر المؤلف رحمه الله هنا أنه ربما كان في الحديث ما يثبت صحته ويشير إلى أنه كان يستعمل هذا المقياس، فإذا خفي عليه ذلك في حديث ترك ذكره، وربما يكتبه مبيناً له، غير أنه- أحياناً- لا يتعرض للبيان ولا يقف عليه ولا يذكر العيب؛. لأنه من الضرر البالغ أن يكشف للعامة كل عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا، وإذا كان ذكر العيب ليس فيه ضرر ذكره (12) في الأصل: " كتبي ".

* حكم المراسيل

* حكم المراسيل: وما رُوي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المراسيل، منها: ما لا يصح، ومنها: ما هو مسند عن غيره وهو متصل صحيح. * عدد أحاديث كتابه: ولعل عدد الذي في كتابي (1) من الأحاديث قرابة أربعة آلاف وثمانمائة حديث ونحو ستمائة حديث من المراسيل. * منهجه في الاختيار: فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربما يجيء حديث من طريق وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلبتُ (2) اللفظة التي تكون لها معان (3) كثيرة (4) ، وممن عرفت نقل من جميع هذه الكتب (5) . فربما يجيء الإسناد فيُعلم من حديث غيره أنه (غير) (6) متصل ولا يتبينه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث، وتكون له فيه معرفة فيقف عليه، مثل ما يروى

_ (1) في الأصل: " كتبي ". (2) في الأصل: " طلب "، ورجحت ما أثبت. (3) في الأصل: " معاني ". (4) في هذه العبارة بعض غموض، وقد نظرت فيها طويلاً فانتهيت إلى ما يلي- والله سبحانه أعلم-: يتحدث المؤلف عن اختياره للأحاديث، فهو يفضل الحديث الجامع لكثير من الأحكام الذي تتصف ألفاظه أو بعضها بكثرة المعاني، ويقول: فمن أحب أن يستخلص هذه الأحاديث مراعياً الألفاظ فليعلم أنه ربما يجيء حديث من طريق الأئمة المشهورين، وهو معروف عند العامة، ولكنني أعدل عنه إلى حديث آخر فيه لفظة تدل على معان كثيرة، فهذا عندي- إن صح- مقدم على غيره؛ لاهتمامي بأحاديث الأحكام. (5) يعرض المؤلف بناس عرفهم ينقلون من الكتب ولا يراعون ما يراعي من ناحية لفظ الحديث وسنده. (6) سقطت من الأصل، والمعنى يقتضيها، وقد أثبتت في المطبوعة.

عن ابن جُريج (1) قال: أخبرت (2) عن الزهري (3) ، ويرويه البرساني (4) : عن ابن جريج، عن الزهري. فالذي يسمع يظن أنه متصل، ولا يصح بتة (5) ، فإنما تركناه (6) لذلك (7) هذا (8) ؛ لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح، وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير. والذي لا يعلم يقول: قد تركنا حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول (9) .

_ (1) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، الأموي ولاء، المكي، الإمام الحافظ فقيه الحرم، العابد، توفي سنة (150 هـ) . قال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما. وأما ابن عيينة فكان يدلس عن الثقات. وقال قريش بن أنس عن ابن جريج قال: لم أسمع من الزهري شيئاً، إنما أعطاني جزءاً وأجاز له. انظر: " تهذيب التهذيب " (6/405- 406) . (2) جاء في " تهذيب التهذيب " (6/404) عن أحمد قال: " إذا قال ابن جريج: " أخبرتُ " جاء بمناكير، وإذا قال: " أخبرني وسمعت " فحسبك به ". (3) هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني ثم الشامي، حدّث عن ابن عمر وأنس، وتتلمذ عليه الليث والأوزاعي ومالك وابن عيينة، كان حافظاً جوادا، توفي سنة (124 هـ) . (4) هو محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري. روى عن ابن جريج، وروى عنه أحمد. وقال فيه ابن معين: كان والله ظريفاً صاحب أدب. توفي سنة (204 هـ) . (5) في المطبوعة: " عنه " وهو تحريف، ولم يشر إلى الأصل. (6) في الأصل: " تركنا ". (7) يعرض أبو داود هنا منهجاً مهما للمحدثين، وهو منهج مقابلة المرويات بعضها ببعض، وبهذا المنهج مع ملاحظة طبقات الرواة يعرف الحديث المتصل حقا وما ليس بمتصل وإن كان ظاهره الاتصال، ومن الواضح أن هذه المقابلة إنما يعرفها المختص بالحديث المطلع على طرق الحديث المتعددة، وهو إنما يسوق هذا لبيان السبب في تركه بعض الأحاديث وعدم إدخالها في كتابه. (8) في الأصل: " هو "، ورجحت أن تكون كلمة " هو " محرفة عن هذا. (9) يتحدث المؤلف عن تركه لبعض الأحاديث لانقطاعها فيقول: قد يأتي الحديث ويبدو للإنسان العادي أنه متصل، غير أن العارف يعلم من مقارنة هذه الرواية للحديث=

* اقتصاره على الأحكام

* اقتصاره على الأحكام: وإنما لم أصنف في كتاب " السنن " إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها. فهذه الأربعة آلاف والثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في (1) الزهد والفضائل وغيرها من (2) غير هذا لم أخرجه (3) ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى له وسلم تسليماً وحسبنا الله ونعم الوكيل.

_ = برواية أخرى يعلم أن هذا الحديث منقطع، فالذي يسمع ولا يكون من أهل التدقيق يظن أنه متصل مع أنه لا يصح البتة، فمثل هذا أتركه عمداً، وقد يعترض معترض لا يعلم ويقول: تركت حديثاً صحيحاً، ويأتي بهذا الحديث المعلول، ولا يدري أنه معلول، لأنه لا يعلم، ومثل هذا كثير. (1) في " مختصر المنذري ": " من ". (2) في الأصل: " في "، وأثبت ما في " مختصر المنذري ". (3) هذه الجملة: " فأما أحاديث كثيرة ... " سبق أن أورد المؤلف مضمونها ثم أعاده هنا، وقد وردت عند المنذري مطابقة للأصل، أما في " توجيه النظر " فقد وردت كما يلي: " فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها فلم أخرجها وللسلام عليكم ".

إثبات نسبة الكتاب إلى الشارح

إثبات نسبة الكتاب إلى الشارح ذكر الشارح- رحمه الله- في كتابه " عمدة القاري " أن له شرحاً على " سنن أبي داود "، وأنه لم يتمه، حيث قال في مقدمته (ص/2) : " ... ثم أنشأت شرحاً على سنن أبي داود السجستاني، بوأه الله دار الجنان، فعاقني من عوائق الدهر ما شغلني عن التتميم، واستولى علي من الهموم ما يخرج عن الحصر والتقسيم ... ". هذا، وقد نسب هذا الكتاب إلى الشارح كل من: 1- السخاوي في " الضوء اللامع " (10/135) . 2- الشوكاني في " البدر الطالع " (2/295) . 3- ابن العماد في " شذرات الذهب " (7/ 288) . 4- حاجي خليفة في " كشف الظنون " (2/1506) . 5- الزركلي في " الأعلام " (7/163) . " وصف النسخة المعتمدة: قد اعتمدت في هذا النص على نسخة خطية بخط المصنف موجودة في دار الكتب المصرية- حفظها الله-، تحت رقم (286) حديث. وتقع هذه النسخة في مجلدين: الأول: ويتكون من (281) ورقة، وقد ضاع منه أول اثنتي عشرة ورقة، أي: أن حقه أن يكون (293) ورقة، وضاع منه كذلك الورقة رقم (1/41- ب- 42- أ) ، وقد تركنا لها ترقيماً عسى أن يوفقنا الله للعثور عليها، ويبدأ بشرح الحديث رقم (12) من " سنن أبي داود "، وهو تحت " باب: الرخصة في ذلك " من كتاب الطهارة، وينتهي بـ " باب: من ترك القراءة في صلاته " من كتاب الصلاة، وهذا يوافق الحديث رقم (825) من سنن أبي داود، وفيه تعرض الشارح لشرح كتاب الطهارة وثلث كتاب الصلاة تقريباً. هذا، وقد بدأ فيه الشارح غرة محرم سنة (805 هـ) ، وانتهى منه في يوم الأحد الثالث من ربيع الأول من نفس السنة.

ويبدأ المجلد الثاني بـ " باب من رأى القراءة إذا لم يجهر "، وأورد تحته أحاديثه وأحاديث " باب: من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام "، حيث لم يرد هذا التبويب في نسخته، وهو موجود في المطبوع من سنن أبي داود، وتحته الحديث رقم (826) ، وينتهي الكتاب بـ " باب: في النسخ " من كتاب الزكاة، وذكر فيه حديثاً واحداً، وهو الحديث رقم (1698) من سنن أبي داود، ويبدو أنه قد وافته المنية قبل الشروع في شرحه، وقد شرح فيه باقي كتاب الصلاة، وكتاب الجنائز، وكتاب الزكاة عدا آخر باب فيه. وقد اختلفت نسخة الشارح من سنن أبي داود عن النسخ المطبوعة كثيراً، مما يأتي التنبيه عليه في حينه. هذا، وقد اطلعت على نسخة أخرى مأخوذة من نسختنا هذه، موجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم (19697 ب حديث) ، وقد استفدت منها كثيراً. . طريقة الشارح في النسخ: يكتب الشارح (الناسخ) الحديث من سنن أبي داود مسبوقاً بحرف " ص "، ثم يعقبه بالشرح مسبوقاً بحرف " ش "، وهو يختصر صبغ السماع غالباً، وقد حافظنا على ذلك، وقد يسقط منه كلمة أو أكثر فيضع علامة لحق، ويستدرك ذلك بالحاشية، ويكتب فوقه " صح ". وأحياناً لا يستحضر الشارح شرح جملة من الحديث، أو ترجمة راو في السند فيبيض له سطراً أو أكثر لحين استحضاره ذلك، ولكنه يبدو أنه وافته المنية قبل إكماله ما بيض له. هذا وقد ذكر الشارح أنه قرأ الكتاب كله عدا كتاب الجنائز والزكاة على شيخه تقي الدين الدجوي، فقال في نهاية كتاب الصلاة (2/185- أ) : " بلغ سماعي إلى هنا يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى، عام ست وقت ما تم على الشيخ تقي الدين الدجوي بقراءتي عليه ". * موارد الشارح: بعد استقرائي للكتاب، وتتبع نقولات الشارح، وجدت أنه قد اعتمد في شرحه على كثير من الكتب- سيأتي ذكرها في فهرس المصادر- إلا أنه قد أكثر النقل من بعض المصادر، التي تعتبر عمدة في شرحه، وأحياناً ينقل من الكتاب ولا يشير إلى ذلك، فقمت بعزو هذه النقولات إلى مصادرها، وأهم المصادر التي اعتمدها الشارح هي:

1- كتب الشروح: (أ) معالم السنن في شرح سنن أبي داود للخطابي. (ب) شرح صحيح مسلم للنووي. (ج) مختصر السنن للمنذري. 2- كتب التخريجات: " نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية " للزيلعي، وقد أكثر الشارح النقل منه جدا، خاصة عند إيراده للروايات والآثار. 3- كتب الغريب: " النهاية في غريب الحديث والأثر " لابن الأثير. 4- كتب اللغة: " الصحاح ". 5- كتب الرجال: " الكمال في أسماء الرجال " لعبد الغني المقدسي. * عملي في الكتاب: 1- نسخ المخطوط. 2- معارضة نص الكتاب على الأصل المخطوط. 3- معارضة " سنن أبي داود " على المطبوع منه، وقد اخترت لذلك ط. دار الحديث، تحقيق الدعاس وعادل السيد، وهو المقصود بقولي في الحاشية: " في سنن أبي داود ". 4- ضبط " سنن أبي داود " بالشكل، وضبط ما أشكل في الشرح. 5- عزو الآيات القرآنية. 6- تخريج " سنن أبي داود " على الكتب الخمسة. 7- تخريج بعض أحاديث الشرح. 8- الاعتناء بعلامات الترقيم الحديثة، تيسيراً على القارئ. 4* شرح سنن أبي، داود 1

9- زدت " ح " عند تحويل السند. 10- بعض التعليقات التي يحتاجها النص. 11- الفهارس العلمية: (1) فهرس الآيات القرآنية. (ب) فهرس الأطراف. (ب) فهرس الأعلام. (د) فهرس المصادر. (هـ) فهرس الأشعار. هذا، وقبل أن أرفع القلم ينبغي أن أتوجه بالشكر لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأخص بالذكر الأخ الفاضل/أبا عمرو مجدي بن عبد الخالق الشافعي لما بذله من جهد جهيد، وخاصة في أثناء المراجعات، وتنبيهي على كثير من الأخطاء الواقعة في الكتاب، فجزاه الله خيراً. ثم أثني بالإخوة الأفاضل: حسام بن عبد الحميد كشك، وأبي عبد الرحمن أحمد بن عبد الجواد، وأبي عدي حاتم بن أحمد بن محمد، وأبي عبد الله وحيد بن عبد السلام، وأبي عبد الرحمن عماد بن خيري، وأبي سيف الإسلام أحمد بن رجب الروبي، فجزاهم الله عني وعن الإسلام خير الجزاء. " والله أسأل أن يثيبني بنشره وتحقيقه- وكل من ساهم في نشره- جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، ضرعاً إلى من ينظر من عالم في عملي أن يستر عثاري وزللي، ويسد بسداد فضله خللي، ويصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصر عنه الفهم، وغفل عنه الخاطر، فالإنسان محل النسيان، وإن أول ناس أول البشر، وعلى الله تعالى التكلان " (1) . وكتبه: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري القاهرة: 15 ربيع الأول 1419 هـ الموافق: 7/9/1998 م

_ (1) عن خاتمة القاموس المحيط للفيروز آبادي.

نماذج النسخ الخطية المعتمدة في تحقيق النص

نماذج النسخ الخطية المعتمدة في تحقيق النص

الورقة الأولى من المجلد الأول، ويظهر فيها خاتم دار الكتب المصرية

الورقة الأخيرة من المجلد الأول

الورقة الأولى من المجلد الثاني، ويظهر فيها بعض الطمس

الورقة قبل الأخيرة من المجلد الثاني، ويظهر فيها الطمس واضحاً

الورقة الأخيرة من المجلد الثاني، ويظهر فيها خاتم دار الكتب المصرية

1 - كتاب الطهارة

1 - كتاب الطهارة [بسْم الله الرّحْمن الرّحيم 1- باب: الرخصة في ذلك (1) 1- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر قال: " لقد ارتقيتُ على ظهر البيت، فرأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على لبنتيْن، مُسْتقْبل بيْت المقدس لحاجته "] (2) ، (3) . /وحكى صاحب " المطالع " لغتين أخرتين: " أحدهما: فتح القاف بغير همز، والأخرى فتحها مع الهمز ". وقال الجوهري: " رقيت في السلم- بالكسر- رقْياً ورُقيا، إذا صعدت، وارتقيت مثله " (4) . فإن قلت: كيف نظر ابنُ عمر- رضي الله عنه- إلى رسول الله وهو في تلك الحالة، ولا يجوز ذلك؟ قلت: وقعت تلك منه اتفاقاً من غير قصد لذلك. قوله: " على لبنتين " تثنية لبنةٍ، " بفتح (5) اللام، وكسر الباء،

_ (1) أي: الرخصة في استقبال القبْلة عند قضاء الحاجة. (2) مفقود من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من تبرز على لبنتين (145) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (266/ 61، 62) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: [ما جاء من] (كذا في الأصل بين معقوفتين) الرخصة في ذلك (11) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك في البيوت (1/23- 24) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري (323) . (4) انظره في: شرح صحيح مسلم (3/158) . (5) انظر: شرح صحيح مسلم (3/158) .

ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام ومع كسرها، وكذلك كل ما كان على هذا الوزن- أعني: مفتوح الأول، مكسور الثاني- يجوز فيه الأوجه الثلاثة ككتف، فإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق، جاز فيه وجه رابع وهو: كسر الأول والثاني كفخذٍ ". قوله: " لحاجته " أي: لقضاء حاجته. وحديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه 2- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا وهب بن جرير قال: نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: " نهى نبيُّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيتُه قبل أن يُقبض بعامٍ يستقبلُها " (1) . ش- محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري، يكنى أبا بكر بندار، والبندار: الحافظ، سمع معتمر بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيعاً، وأبا داود الطيالسي وجماعة آخرين. روي عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وجماعة آخرون. ولد سنة سبع وستين ومائة، ومات في رجب، سنة ثنتين وخمسين ومائتين (2) . ووهب بن جرير بن حازم أبو العباس البصري، سمع أباه، وشعبة، وهشاماً، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، ومحمد بن بشار، وجماعة آخرون. قال أحمد ين عبد الله: كان عفان يتكلم في وهب بن جرير.

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب [ما جاء من] (كذا في الأصل بين معقوفتين) الرخصة في ذلك (9) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري (325) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5086) .

مات بالمنْجشانية على ستة أميال من البصرة، منصرفاً من الحج، فحمل ودفن بالبصرة سنة ست ومائتين. روى له الجماعة (1) . ومحمد بن إسحاق بن يسار بن كُوثان أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله المدني القرشي، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان يسار من سبي عين التمر، رأى محمدُ بن إسحاق أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبان بن عثمان، وسمع القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ونافعاً مولى [ابن] عمر، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، والزهري، وجعفر بن عمر بن أمية الضمري، وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة وليس بحجة. وقال شعبة: صدوق في الحديث. وقال أحمد بن حنبل: كثير التدليس جدا، والمقصود أنه كان كثير الحديث، وقد كتب عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه، أخرج له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري في مواضع يسيرة، روى له أبو داود وابن ماجه. توفي ببغداد سنة خمسين ومائة، ودفن في مقابر الخيرزان (2) . وأبان بن صالح بن [عمير بن] عبيد القرشي مولاهم أبو بكر المدني، وقيل: إنه مكي، أصله من العرب وأصابه سباء، روى عن: أنس بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، روى عنه محمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وسعد بن إسحاق، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو مكي ثقة، وكذا قال أبو حاتم، روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . ومجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، والأول أصح، المكي أبو الحجاج المخزومي، مولى عبد الله بن السائب المخزومي القارئ،

_ (1) المصدر السابق (31/6753) . (2) المصدر السابق (24/5057) . (3) المصدر السابق (2/137) .

ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، سمع عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر [و] ، وعائشة، وغيرهم. روى عنه: عطاء، وطاوس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والأعمش، وجماعة آخرون. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: مكي ثقة. مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، روى له الجماعة (1) . وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد/بن سلمة، ويقال: ابن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ابن سعد بن عدي بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري السلمي، يكنى أبا عبد الله، ويقال: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبا محمد المدني، روي له عن رسول الله ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، أخرجا له مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بست وعشرين، ومسلم بمائة وست وعشرين، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي عبيدة، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، روى عنه: أبو سلمة، محمد بن المنكدر، وعطاء، وعمرو بن دينار، ومجاهد، وخلق كثير. مات بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وكان قد ذهب بصرُه، وصلى عليه أبان بن عثمان، روى له الجماعة (2) . قوله: " أن نستقبل القبْلة ببول " من باب الاكتفاء، والمعنى: " ببول وغائط " نحو قوله تعالى: (سرابيل تقيكُمُ الحر) (3) أي: والبرد أيضاً. قوله: " قبل أن يُقبض " من قولهم: قُبض المريضُ إذا تُوفي، وإذا أشرف على الموت.

_ (1) المصدر السابق (27/5783) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/221) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (1/307) ، والإصابة (1/213) . (3) سورة النحل: (81) .

2- باب: كيف التكشف عند الحاجة

قوله: " مستقبلها " أي: يستقبل القبْلة. وبحديث جابر هذا احتج من حرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، وأباحهما في البنيان. ورواه أيضاً الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. *** 2- باب: كيف التكشفُ عند الحاجة اعلم أن " كيف " اسم، لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ ولإبدال الاسم الصريح منه، نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ وللإخبار به مع مباشرة الفعل في نحو: كيف كنت؟ فبالإخبار به انتفت الحرفية، وتستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون شرطاً فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى، غير مجزومين، نحو: كيف تصنعُ أصنعُ. ولا يجوز: كيف تجلس أذهبُ، باتفاق، ولا: كيف تجلسْ أجلسْ، بالجزم عند البصريين، خلافاً لقطرب. والثاني وهو الغالب فيها: أن تكون استفهاماً عن الحال، نحو: كيف زيد؟ يعني: ما حاله؟ و " كيف " الذي هاهنا من القبيل الثاني. وقوله: " عند الحاجة " أي: قضاء الحاجة من البول والغائط. 3- ص- حدثنا زهير بن حرب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر، عن (1) النبي- عليه السلام-: " كان إذا أراد حاجةً لا يرفعُ ثوبهُ حتى يدنُو من الأرض " (2) . قال أبو داود: رواه عبد السلام ابن حرب، عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف (3) ، (4) . ش- زهير بن حرب بن شداد النسائي أبو خيثمة، سكن بغداد، وكان

_ (1) كذا في الأصل، وفي السنن: " أن ". (2) تفرد به أبو داود. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الاستتار عند الحاجة (14) (4) في المطبوع من سنن أبي داود زيد بين معقوفتين الآتي: " قال أبو عيسى الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد، ثنا عمرو بن عون، أخبرنا عبد السلام به ". اهـ. وانظر: التحفة (892) .

اسم جده أشتال، فعُرب شداداً (1) ، وهو مولى بني الحريش بن كعب ابن عامر بن صعصعة (2) ، سمع سفيان بن عيينة، ووكيعاً، وابن علية، وأبا الوليد الطيالسي، وجماعة آخرين. روى عنه: ابنه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود وابن ماجه، ويعقوب بن شيبة، وجماعة آخرون. وتوفي ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو ابن أربع وسبعين سنة (3) . قوله: " إذا أراد حاجة " أي: قضاء حاجة. قوله: " حتى يدنو " أي: حتى يقرب من الأرض، وذلك حفظاً لكشف العورة، واحترازاً عن كشف العورة. قوله: " رواه عبد السلام " أي: روى هذا الحديث عبد السلام بن حرب المُلائيُّ- بضم الميم وبالمد- وهو نسبة إلى بيع المُلاء، وهو الإزار، أي: الملحفة، ويكنى أبو (4) بكر الكوفي، سمع أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وأبا خالد الدالاني، وهشام بن حسان، روى عنه: عبد الرحمن بن محمد المحاربيُ، وأبو نعيم، وأبو سعيد الأشج وغيرهم. وقال حسن بن عيسى: سألت ابن المبارك عن عبد السلام بن حرب فقال: قد عرفتُه، وكان إذا قال: " قد عرفتُه " فقد أهلكه. وقال أحمد: قيل لابن المبارك فيه فقال: ما تحملني رجلاي إليه. وقال يحيى بن معين: صدوق، وفي رواية: إنه ليس به بأس، يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: مات سنة ست أو سبع وثمانين، روى له الجماعة (5) . وأخرج الترمذي حديث الأعمش عن أنس، وأشار إلى حديث الأعمش عن ابن عمر، وقال: وكلا الحديثين مرسل. وقال:

_ (1) في الأصل: " شداد " كذا. (2) في الأصل: " ... ابن عامر بن كعب بن صعصعة "، والتصويب من مصادر الترجمة. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2010) ، وطبقات ابن سعد (7/354) . (4) كذا. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3418) .

3- باب: كراهية الكلام على الخلاء

لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب/النبي - عليه السلام-، وقد نظر إلى أنس بن مالك، قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكاية في الصلاة (1) . وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى، وسمع منهما، والذي قاله الترمذي هو المشهور. *** 3- باب: كراهية الكلام على الخلاء (2) " كراهية ": بتخفيف الياء مصدر من كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه، والكُره بالضم: المشقة. وقال الكسائي: الكُرْهُ والكرْهُ بالضم والفتح لغتان. 4- ص- حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: ثنا ابن مهدي قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا يخرجُ الرجلان يضربان الغائط كاشفيْن عن عورتهما يتحدثان، فإن الله- عز وجل- يمقُتُ على ذلك " (3) . قال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار. ش- عُبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري أبو سعيد الجُشمي، مولاهم البصري، نزل بغداد، سمع حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبا معشر يوسف، وسفيان بن عيينة، وأبا عوانة، وجماعة آخرين. روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو قدامة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم. قال يحيى بن

_ (1) انظر: جامع الترمذي (1/22) . (2) في سنن أبي داود: " باب: كراهية الكلام عند الحاجة ". (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاجتماع على الخلاء (342) من طريق عكرمة بن عمار. 5. شرح سنن أبي داوود 1

معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ثقة، توفي ببغداد سنة خمس وثلاثين ومائتين (1) . ومهدي بن حرب الهجري المحاربي، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، روى عنه حوشب بن عقيل. قال يحيى بن معين: لا أعرفه. روى له أبو داود وابن ماجه (2) . وعكرمة هو ابن عمار أبو عمار اليمامي العجلي البصري، روى عن الهرماس بن زياد، سمع أبا غادية اليمامي، وسالم بن عبد الله، ونافعاً، وطاوساً، وغير هم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وابن المبارك، ووكيع، وجماعة آخرون. وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث عن غير إياس، وكل حديثه عنه صالح، وحديثه عن يحيى بن [أبي] كثير صالح. وقال ابن معين: صدوق، ليس به بأس، وفي رواية: كان أميناً، وكان حافظاً. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً، وربما وهم في حديثه، وربما دلس، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط. وقال وكيع: كان ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ويحيى بن أبي كثير أبو نصر اليمامي الطائي مولاهم، واسم أبي كثير: صالح بن المتوكل، ويقال: يسار، ويقال: دينار، وكان دينار مولى لعلي- رضي الله عنه- رأى أنس بن مالك، وسمع السائب بن يزيد، وهلال بن أبي ميمونة، وأبا سعيد مولى المهْريً، وغيرهم، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وجماعة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3669) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6220) . تنبيه: كذا ترجم المصنف لمهدي بن حرب، والذي في سند الحديث هو عبد الرحمن بن مهدي، فليتنبه. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4008) .

آخرون. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة، مات سنة تسع وعشرين ومائة، روى له الجماعة (1) . وهلال بن عياض، ويقال: عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبي كثير، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (2) . وأبو سعيد: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خُدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أبو سعيد الخدري الأنصاري، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثاً، اتفقا على ستة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بسبعة عشر حديثاً، ومسلم باثنين وخمسين. وقد روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن سلام، وأبي قتادة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين. مات بالمدينة سنة أربع وستين، وهو ابن أربع وسبعين سنة، روى له الجماعة (3) قوله: " يضربان الأرض ". قال أبو عمر صاحب ثعلب (4) : " يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت. وقال غيره: ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض، إذا ذهب لقضاء الحاجة ". قوله: " كاشفيْن " حال عن قوله: " الرجلان "، وقوله: " يتحدثان " أيضاً حال بعد حال، إما من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة، وقد علم أن الجملة الفعلية إذا كان فعلها مضارعاً مثبتاً، لا يحتاج إلى الواو.

_ (1) المصدر السابق (31/6907) . (2) المصدر السابق (22/4612) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/47) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (2/365) ، والإصابة (2/35) . (4) انظره في: معالم السنن (1/16) .

4- ص- باب: في الرجل يرد السلام وهو يبول

قوله: " فإن الله ": جواب النفي. قوله: " يمقت ": من المقت وهو أشد البغض، وفعله من باب نصر ينصر. قوله: " على ذلك ": إشارة إلى الكشف والتحدث فيه. قوله: " لم يسنده إلا عكرمة "، وقد احتج به مسلم في " صحيحه "، وضعفه (1) بعض/الحفاظ حديث (1) عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، وقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى بن أبي كثير، واستشهد البخاري بحديثه عن يحيى بن أبي كثير، وأخرج هذا الحديث أيضاً ابن ماجه. *** 4- ص- باب: في الرجل يرد السلام وهو يبول (2) ارتفاع " بابٌ " على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب. وقوله: " يرد " وقعت حالاً من " الرجل "، والتقدير: باب فيه حكم الرجل يرد السلام. وقوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " يرد "، والجملة الاسمية إذا وقعت حالاً لا بد فيها من " واو "، وقد تحذف في الندرة، نحو: كلمته فوه إليّ. 5- ص- حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: ثنا عمر بن سعد، عن سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر قال: " مرّ رجُل على النبي- عليه السلام- وهو يبُولُ، فسلّم [عليه] (3) فلم يردّ عليْه " (4) .

_ (1) كذا. (2) في سنن أبي داود: " باب: أيرد السلام وهو يبول؟ ". (3) زيادة من سنن أبى داود. (4) مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (370/115) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: كراهة رد السلام غير متوضئ (90) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: السلام على من يبول (1/25) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل يسلم عليه وهو يبول (353) .

قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: " أن النبي- عليه السلام- تيمم، ثم ردّ على الرجل السلام " (1) . ش- عثمان بن محمد بن إبراهيم بن خواستي الكوفي أبو الحسن العبسي بن أبي شيبة، أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر، نزل بغداد، ورحل إلى مكة والري، وكتب الكثير، وصنف المسند والتفسير، سمع سفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله النخعي، ووكيع بن الجراح، وجماعة آخرين. روى عنه ابنه محمد، ومحمد بن سعد، ومحمد بن يزيد بن ماجه، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى النسائي عن رجل عنه، وجماعة آخرون. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول حين نُعي إليه عثمان بن أبي شيبة فقال: تلك الأحاديث التي حدث بها، ما كان أخوه تطيب نفسه لمثل هذا، وأنكرُها: حديث جرير عن شيبة بن نعامة، عن فاطمة (2) . وحديث جرير عن الثوري، عن أبي عقيل، عن جابر (3) . وقال أبو حاتم: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف ما كان يُطلب، وعثمان لم يصنف. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة، مات لثلاث مضين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين (4) . وأبو بكر عبد الله بن محمد المذكور آنفاً، كان أحد حُفاظ الدنيا،

_ (1) أخرجه أبو داود بنحوه من طريق نافع في باب التيمم من كتاب الطهارة (314) . (2) رواه الخطيب في تاريخه (11/285) بسنده إلى شيبة، عن فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل بني أم ينتمون إلى عصبة، غير ولد فاطمة، فأنا أبوهم، وأنا عصبتهم ". (3) رواه الخطيب أيضاً في تاريخه (11/285- 286) بلفظ: " كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول الأمر يشهد مع المشركين أعيادهم، حتى نهي عنه " وقال الإمام أحمد ابن حنبل كما في تهذيب الكمال (19/483) : " ... هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3857) .

والمكثرين من الحديث مع تثبت وإتقان. روى عن ابن المبارك، وشريك ابن عبد الله، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وجماعة آخرين. روى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، والبغوي، وغيرهم. وقال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة. وقال الذهبي: روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى، والباغندي، وهو صاحب المصنف، ولد سنة تسع وخمسين ومائة، وتوفي في سنة أربع وثلاثين ومائتين (1) . وعمر بن سعد الكوفي أبو داود الحفريُّ- بفتح الحاء المهملة والفاء-، نسبة إلى حفر، موضع بالكوفة، روى عن: مسعر بن كدام، وشريك ابن عبد الله النخعي، وسفيان الثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبى شيبة، وجماعة آخرون، روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وسفيان هذا: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موْهبة بن أبي [بن] (3) عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث ابن ثعلبة بن [عامر بن] (3) ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة الثوري، سمع أبا إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وعتبة بن عون، ويحيي بن أبي كثير، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرين. روى عنه: الأوزاعي، وشعبة، وابن إسحاق، وابن عيينة، ووكيع، وجماعة آخرون. وقال أبو عاصم: سفيان الثوري: أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة، ما كتبت عن أفضل من سفيان الثوري. ولد سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة، روى له الجماعة (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3526) . (2) المصدر السابق (21/4241) . (3) زيادة من مصادر الترجمة. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2407) ، وطبقات ابن سعد (6/371) ، والسير (7/229) .

والضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد ابن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني، سمع نافعاً، وعبد الله بن دينار، وصدقة بن يسار وغيرهم. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان، والواقدي. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أحمد وابن معين: ثقة. مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري (1) . ونافع القرشي/العدوي المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم-، أصله من المغرب، وقيل: من نيسابور. ويقال: كان في سبي كابُل، أصابه عبد الله في بعض غزواته، سمع عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: يحيى بن سعيد، وصالح بن كيسان، وأيوب السختياني، والأعمش، وخلق كثير سواهم. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة (2) . قوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من النبي - عليه السلام- وإنما لم يرُد عليه السلام في هذه الحالة؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، كما جاء في حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: [قال] رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فأفشوه بينكم " (3) . ولم ير عليه السلام أن يذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة، وأيضاً هذا تعليم للأمة أن لا يسلموا على الرجل وهو يبول أو يتغوط، ولما فيه من إشغال الرجل عن جمع حاله من وصول النجاسة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2922) . (2) المصدر السابق (29/6373) . (3) البخاري في: الأدب المفرد (989) ، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (184) .

إليه، أو ربما يقع نظر المسلم على عورته، فيأثم بذلك الناظر والمنظور إليه. قوله: " تيمم ثم رد " إنما تيمم رسول الله- عليه السلام- ثم رد على الرجل السلام لما قلنا: إن السلام اسم من أسماء الله تعالى،. ولم ير أن يذكره بلا طهارة، والتيمم أيضاً طهارة، وهذا هو اللائق بحاله- عليه السلام-، وفعْلُهُ- عليه السلام- هذا للفضيلة والاستحباب، ويفهم من هذا أن رد السلام واجب، وأنه لا يسقط بالتأخير، ولا يأثم به الرجل إذا كان عن عذر، وحديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. 6- ص- حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حُضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ: " أنه أتى النبي- عليه السلام- وهو يبولُ، فسلّم عليه، فلم يرد [عليه [ (1) حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، قال (2) : إني كرهتُ أن أذكُر الله تعالى إلا على طُهْرٍ " أو قال: " على طهارة " (3) . ش- محمد بن المثنىً بن عبيد بن قيس بن دينار أبو موسى العنزيُ البصري، المعروف بالزمن، سمع سفيان بن عيينة، ووكيعاً، ويحيى بن سعيد، وجماعة آخرين. روى عنه الجماعة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، وجماعة آخرون. قال محمد بن يحيى: هو حجة. وقال صالح بن محمد: هو صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء. وقال النسائي: لا بأس به. مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين (4) . وعبد الأعلى هذا ابن عبد الأعلى السامي القرشي أبو همام، ويقال:

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " فقال ". (3) النسائي: كتاب الطهارة، باب: رد السلام بعد الوضوء (1/37) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل يسلم عليه وهو يبول (350) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5579)

أبو محمد البصري، سمع حميداً (1) الطويل، ويونس بن عبيد، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. روى عنه: عياش بن الوليد، ومحمد ابن المثنى، والفضل بن يعقوب، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة سبع وثمانين ومائة، في شعبان. روى له الجماعة (2) . وسعيد هذا ابن أبي عروبة، واسمه مهران أبو النضر البصري العدوي، عدي بن يشكر مولاهم، روى عن الحسن، وابن سيرين، وسمع النضر ابن أنس، وقتادة، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، مات سنة سبع وخمسين ومائة، روى له الجماعة (3) . والحسن بن أبي الحسن [واسمه] يسار البصري الإمام المشهور، سمع عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسمرة، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: يونس بن عبيد، وقتادة، وحُميد الطويل، وخلق كثير سواهم. توفي سنة عشر ومائة، روى له الجماعة (4) . وحُضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة بن مجالد أبو محمد البصري، سمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والمهاجر بن قنفذ، وغيرهم. روى عنه: الحسن البصري، وغيره. مات سنة ست وتسعين، روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (5) . وحُضين: بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وفي آخره نون. والمهاجر بن قنفذ بن عمير بن جُدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، أسلم يوم فتح مكة، سكن البصرة ومات بها، روى له: أبو داود، والنسائي،

_ (1) في الأصل: " حميد ". (2) المصدر السابق (16/3687) . (3) المصدر السابق (11/2327) . (4) المصدر السابق (6/1216) . (5) المصدر السابق (6/1382) .

5- باب: الرجل يذكر الله على غير طهر

وابن ماجه. والهاجر وقنفذ لقبان، واسم المهاجر عمرو، واسم قنفذ خلف (1) . قوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من النبي- عليه السلام-. قوله: " ثم اعتذر إليه " استعطاف منه- عليه السلام- لخاطر الرجل، وتطييب لقلبه، حيث أخر جواب سلامه، حتى لا يخطُر بباله أنه- عليه السلام- قد تغير عليه، وهذا من آدابه- عليه السلام- وأخلاقه الحسنة. قوله: " طهر " الطهر والطهارة، كلاهما مصدران، بمعنى: النظافة. *** /5- باب: الرجل (2) يذكر الله على غير طُهر أي: بابٌ في حكم رجل يذكر الله وهو على غير طهارة. 7- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة (3) ، عن البهي، عن عروة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكُرُ الله على كُل أحيانه " (4) . ش- محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي، سمع ابن المبارك، ووكيعاً، ويحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، وأبا أسامة،

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/436) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (5/272) ، والإصابة (3/466) . (2) في المطبوع من السنن: " باب: في الرجل ... ". (3) وقع في " سنن أبي داود " ط. الريان: " خالد بن مسلمة " خطأ. (4) مسلم: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (17/1373) ، الترمذي: كتاب الدعاء، باب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (3384) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله- عز وجل- على الخلاء ... (302) ، أحمد (6/70، 153، 278) ، والبخاري تعليقاً قبل (634) .

وجماعة آخرين، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي، وابن خزيمة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين (1) . وابن أبي زائدة اسمه زكرياء، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز أبو يحيى الهمداني الوداعي (2) الكوفي، مولى عمرو بن عبد الله الوداعي، روى عن الشعبي، وخالد بن سلمة، وعبد الرحمن بن الأصبهاني، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وابنه يحيى بن زكرياء، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد: حُلْوُ الحديث. وقال ابن معين: صالح. وقال أحمد بن عبد الله: وكان ثقة إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة (3) ، وأبوه هو أبو زائدة خالد بن ميمون. وخالد بن سلمة بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبو سلمة الكوفي، يُعرفُ بالفأفأ. روى عن: سعيد بن المسيب، وأبي بردة، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن رافع، وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، والثوري، وزكريا بن أبي زائدة، وجماعة آخرون. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. قُتل بواسط مظلوماً مع أبي هُبيرة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . البهي اسمه: عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير، روى عن عبد الله ابن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعائشة. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ويزيد بن أبي زياد. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5529) . (2) كذا، وفي تهذيب الكمال: " الوادعي " (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1992) . (4) المصدر السابق (8/1619) . (5) المصدر السابق (16/3677) .

وعروة هذا عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله الأسدي المدني، سمع أباه، وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: عطاء، وعراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، وجعفر بن محمد الصادق، وعبد الله البهي، وغيرهم. توفي سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة (1) . وعائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها-، روي لها عن رسول الله ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث (2) ، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين. روى عنها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة. توفيت سنة سبع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة. روى لها الجماعة (3) . قوله: " يذكر الله " عام يشمل جميع أنواع الذكر: من التهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، وأشباه ذلك. و " الأحيان " جمع حين، وهو الوقت، ويستثنى من الذكر قراءة القرآن في حين الجنابة والحيض؛ لأنه ثبت بدلائل أخر عدم جواز القراءة للجنب والحائض فافهم. وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد في " مسنده "، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

_ (1) المصدر السابق (20/3905) . (2) في الأصل: " ألف حديث وعشرة أحاديث "، والتصويب من " الرسائل الخمس " لابن حزم. (3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/356) ، وأسد الغابة (7/ 188) ، والإصابة (4/359) .

6- باب: الخاتم فيه ذكر الله يدخل به الخلاء

6- باب: الخاتم فيه (1) ذكر الله يُدخلُ به الخلاء؟ أي: باب في حكم خاتم مكتوب عليه ذكر الله، وهو في يد رجُلٍ يدخل به بيت الخلاء. 8- ص- حدثنا نصر بن علي، عن أبي علي الحنفي، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل الخلاء وضع خاتمهُ " (2) . قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس. " أن النبي- عليه السلام- اتخذ خاتماً من ورق، ثم ألقاهُ ". والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام. ش- نصر بن علي بن نصر بن علي بن صُهبان أبو عمرو الصغير الجهضمي البصري، سمع ابن عيينة، ومحمد بن عرعرة، ووهب بن جرير، ويحيى بن سعيد، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والجماعة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وجماعة آخرون. قال أحمد: ما به بأس. وقال ابن خراش:/هو ثقة، وأبوه صدوق. وقال البخاري: مات سنة خمسين ومائتين (3) . وأبو علي: عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي البصري. روى عن: رباح، وعباد بن راشد، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: علي ابن المديني، ونصر بن علي، ومحمد بن المثنى. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له الجماعة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " باب: الخاتم يكون فيه ... ". (2) الترمذي: كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الخاتم في اليمين (1746) ، وفي الشمائل (94) ، النسائي: كتاب الزينة، باب: نزع الخاتم عند دخول الخلاء (8/178) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله- عز وجل- على الخلاء، والخاتم في الخلاء (303) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6406) . (4) الصدر السابق (19/3661) .

وهمام بن يحيى بن دينار العوْذيُ، من بني عوْذ بن سود بن الحجْر بن عمران بن عمرو (1) أخو طاحية وزهران، أبو عبد الله المُحلّميُّ، ويقال: أبو بكر البصري. سمع الحسن بن أبي الحسن، وعطاء، وقتادة، وثابتاً (2) البناني، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وجماعة آخرون. وقال يزيد بن هارون: كان همام قويا في الحديث. وقال أحمد بن حنبل: همام ثبت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة، صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غلط في الحديث. روى له الجماعة (3) . وابن جُريج اسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي أبو الوليد أو أبو خالد الأموي المكي، سمع عطاء بن أبي رباح، لازمه تسع عشرة سنة، ومجاهداً، والزهري، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون كثيرة. قال أحمد: ثبت صحيح الحديث. مات سنة تسع وأربعين ومائة، وقد جاوز المائة، روى له الجماعة (4) . قوله: " وضع خاتمه " من وضع الشيء من يده يضعه وضعاً إذا ألقاه. قوله: " قال أبو داود: هذا حديث منكر " المنكر: الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه في غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر. والأحسن أن يقال: إن الراوي المنفرد إن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه، قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد منه، وإن لم يكن ممن يُوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارماً له، مُزحْزحاً له عن حيز الصحيح، فإذا كان الأمر كذلك، [فإن]

_ (1) كذا في الأصل، وفي " جمهرة أنساب العرب " لابن حزم (ص/371) ووقع في تهذيب الكمال (30/302) : " ابن عمرو بن عمران " كذا. (2) في الأصل: " ثابت " (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6602) . (4) المصدر السابق (18/3539) .

تفرد همام بهذا الحديث لا يوهنه، لما ذكرنا من حال همام، ولاتفاق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وغاية ما في الباب [أن] يكون حديثه هذا غريباً، ولأجل هذا قال الترمذي بعد أن أخرج هذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح غريب، فيترجح كلام الترمذي على كلام أبي داود بهذا الطريق، وقد عرفت أن الغريب في الاصطلاح هو الذي ينفرد الرجل [فيه] بالحديث، فإذا روى رجلان أو ثلاثة واشتركوا فيه، سمي عزيزاً، وإذا روى الجماعة عنهم، سمي مشهوراً كما عرف في موضعه. وأخرج هذا الحديث أيضاً النسائي وابن ماجه. وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ. قوله: " عن زياد " هو زياد بن سعد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخراساني، شريك ابن جريج، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن فسكن عك، روى: عن عمرو بن دينار، والزهري، وثابت الأحنف، وأبي الزبير المكي، وضمرة بن سعيد المازني، وعبد الله بن الفضل، وسليمان بن عتيق (1) ، وهلال بن أسامة، وعمرو بن مسلم. روى عنه: ابن جريج، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وأبو معاوية الضرير، والعوام ابن حوشب، ومعاذ بن عقبة، وغيرهم، وكان عالماً بمذهب الزهري. وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . قوله: " من ورق " بكسر الراء: الفضة، وقد تسكن الراء.

_ (1) في الأصل: " سليمان بن عتيك "، وفي ترجمته من تهذيب الكمال (12/2549) قال الحافظ المزي: " سليمان بن عتيق، حجازي، ويقال: عتيك وهو وهم " وذكره الحافظ المزي كذلك فيمن روى عنه زياد بن سعد في ترجمة زياد (9/475) : بـ " عتيق "، وقال محققه في الهامش: " جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب الكمال قوله: كان فيه ابن عتيك وهو وهم ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2048) .

7- باب: الاستنزاه من البول

7- باب: الاستنزاه (1) من البول الاستنزاه: طلب النُزْه، والنُزْهُ بضم النون وسكون الزاي: البُعد، ومنه تنزيه الله تعالى في تفسير " سبحان الله "، أي: إبعاده عن السوء وتقديسه، وفي حديث أبي هريرة: " الإيمانُ نزه " أي: بعيد عن المعاصي، وفي بعض النسخ: " باب الاستبراء من البول ". الاستبراء: طلب البراءة. 9- ص- حدثنا زهير بن حرب وهناد قالا: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس، عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: " مر النبيُ- عليه السلام- على قبرين فقال: إنهما ليُعذبان، وما يُعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يسْتترُ (2) من البوْل، وأما هذا فكان يمشي بالنميمًة، ثم دعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحدا، وقال: لعلهُ يخففُ عنهما ما لم ييْبسا " (3) . ش- زهير بن حرب/قد مر ذكره مرة. وهناد بن السري بن مصعب بن أبي بكر بن شبْر- بفتح الشين المعجمة، وسكون الباء الموحدة- ابن صعْفُوق بن عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم الدارمي التميمي الكوفي أبو السري، سمع شريكاً، ووكيعاً، ويونس بن بكير، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي- وقال: ثقة- وأبو زرعة،

_ (1) في سنن أبي داود: " باب: الاستبراء.... ". (2) في سنن أبي داود: " لا يستنزه ". (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (216) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (292/111) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الشديد في البول (70) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التنزه عن البول (1/28- 30) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: التشديد في البول (347) .

وأبو حاتم، وابن ماجه. مات في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين ومائتين (1) . ووكيع بن الجراح قد مضى ذكره، وكذلك سليمان الأعمش، ومجاهد ابن جبر. وطاوس بن كيسان اليمانيُ أبو عبد الرحمن الحمْيريُّ، سمع ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأبا هريرة، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعائشة- رضي الله عنها-. روى عنه: ابنه عبد الله، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وجماعة آخرون. مات بمكة قبل يوم التروية بيوم، سنة ست ومائة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، روى له الجماعة (2) . وعبد الله بن عباس قد مضى ذكره. قوله: " إنهما ليعذبان "، وفي بعض الروايات: " يعذبان " بدون اللام، وفيه تأكيد من ثلاث وجوه: الأول: كونه جملة اسمية. والثاني: كونها مصدرة ب " إن ". والثالث: دخول اللام في الخبر. وهذا من قبيل إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فيُجعلُ فيه غيرُ السائل كالسائل، ويُلْقى إليه الخبرُ كما يُلْقى إلى السائل، من قبيل قوله تعالى: (ولا تُخاطبْني في الذين ظلمُوا إنهُم مُّغْرقون) (3) ، (وما أُبرّئُ نفْسي إن النفْس لأمارة بالسُوء) (4) ، وقد يكون ذلك لإظهار الجزع والتاً سف، نحو قوله تعالى: (ربّ إنّي وضعْتُها أنثى) (5) على ما عرف في موضعه، وفي هذا الكلام حذف أيضاً، وهو قوله: " إنهما " أي: إن صاحبهما؛ لأن نفس القبرين لا يعذبان، وإنما يعذب صاحباهما، والعذاب للعقوبة، وقد عذبته تعذيباً.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6603) . (2) المصدر السابق (13/2958) . (3) سورة هود: (37) . (4) سورة يوسف: (53) . (5) سورة آل عمران: (36) . 6. شرح سنن أبي داوود 1

قوله: " وما يعذبان في كبير " قال الخطابي: " معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول، وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين " (1) . ويقال: إن هذا ليس من الكبائر، ويكون المعنى التحذير من الكبائر، لأنه إذا عذب في القبر على ما ليس من الكبائر، فكيف بالكبائر؟، " (2) ويقال: ليس بكبير عندكم وهو عند الله كبير، يدل عليه ما ذكره البخاري في الروايتين: أحدهما في كتاب الأدب، في باب النميمة: " وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير " (3) ، والأخرى في كتاب الوضوء: " وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير " (4) ، أي: بلى إنه لكبير عند الله، ومصداقه: (وتحْسبُونهُ هيّناً وهُو عند الله عظيمٌ) (5) . ويقال: يحتمل أن يكون هذا إشارة إلى حقارة هذا الذنب في الذنوب، فإن النميمة من الدناءة المستحقرة، بالإضافة إلى المروءة، وكذلك التلبس بالنجاسة، ولا يفعلها إلا حقير الهمة. ويقال: ليس هو بأكبر الكبائر، وإن كان كبيراً. فإن قلت: ما سبب كونهما كبيرين؟ قلت: لأن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة هو السعي بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ولا سيما مع قوله- عليه السلام-: " كان يمشي "، بلفظ: " كان " التي للحالة المستمرة غالباً " (6) . قوله: " أما هذا فكان لا يستتر من البول " كلمة " أما " هاهنا للتفصيل، وفيه معنى الشرط، بدليل لزوم الفاء بعده.

_ (1) انظر: معالم السنن (1/17) ، باب: الاستبراء من البول. (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/201) . (3) البخاري (6055) ، ووقع عنده: " وما يعذبان في كبيرة ... ". (4) البخاري (216) ، وليس عنده: " إنه كبير "، ورواه (6055) بلفظ: " وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير ". (5) سورة النور: (15) . (6) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".

قوله: " لا يستتر " فيه خمس روايات: " يستتر " بتاءين مثناتين، و" يستنزه " بالزاي والهاء، و " يستبرئ " بالباء الموحدة وبالهمزة بعد الراء، وهذه في البخاري وغيره، وكلها صحيحة. و " يستنتر " من نتر الذكر بالنون والتاء المثناة من فوق، و " يستنثر " بالنون والثاء المثلثة. ومعنى الرواية الأولى يحتمل وجهين: أحدهما: أن تحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة. والثاني- وهو الأقرب-: أن تحملا على المجاز، ويكون المراد بالاستتار: التنزه من البول، والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به. ومعنى الرواية الثانية: لا يبعد منه، لأنا قد ذكرنا أن معنى التنزه البعد. ومعنى الثالثة: لا يستفرغ بقية البول، ولا يتقي موضعه/ومخرجه، حتى يُبرئهما منه، أي: يبينه عنهما، كما يُبرئ من الدين والمرض، فإذا لم يستبرء منه يخرج منه بعد الوضوء ما ينقض وضوءه، فيصلي بغير وضوء، ويكون الإثم لأجل الصلاة. ومعنى الرابعة: لا يُمر أصابعه من ظاهر ذكره على مجرى البول حتى يخرج ما فيه؛ لأن نتْر الذكر هو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى البول. ومعنى الخامسة: لا ينْثُرُ بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه. قوله: " فكان يمشي بالنميمة " النميمة: " (1) نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الفساد والشر، يقال: نم الحديث ينُمُه وينمه نما، فهو نمام، والاسم نميمة، ونمّ الحديث إذا ظهر، فهو لازم ومتعد، وبابه من باب نصر ينصر، وضرب يضرب ".

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (2/112) تحت حديث (105) .

قوله: " ثم دعا بعسيب " أي: طلب عسيباً، والعسيب- بفتح العين وكسر السين المهملتين- الجريد والغصن من النخل. ويقال: العسيب من الجريد ما لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعْفُ. قوله: " فشقه باثنين " الباء في " باثنين " زائدة للتأكيد، واثنين منصوب على الحال، وزيادة الباء في الحال مشهورة. قوله: " لعله يخفف عنهما " الضمير في " لعله " راجع إلى العذاب، الذي دل عليه قوله: " يعذبان "، وقد علم أن " لعل " حرف ينصب الاسم، ويرفع الخبر، وعن البعض أنه ينصبهما، وزعم ابن يونس أنه لغة بعض العرب، وحكي: لعل أباك منطلقاً، وفيه عشر لغات، ولها معاني: أحدها: التوقع، وهو ترجي المحبوب، والإشفاق في المكروه. والثاني: التعليل، أثبته جماعة، منهم الأخفش، نحو: (فقُولا لهُ قوْلا ليناً لعلهُ يتذكرُ) (1) ، ومن لم يثبته يحمله على الرجاء، أي: اذهبا على رجائكما. والثالث: الاستفهام: نحو: (وما يُدْريك لعلّهُ يزكى) (2) ، و " لعل " هاهنا من القبيل الأول. قوله: " ما لم ييبسا " " ما " هاهنا بمعنى المدة الزمانية، والتقدير: يخفف عنهما العذاب مدة عدم يُبس العسيب، أو يكون المعنى: يخفف عنهما العذاب في زمان عدم اليبس، و " ما لم ييبسا " بفتح الباء الموحدة مثل السين، ويجوز كسر الباء أيضاً، ثم إن وضع الجريدتين على القبرين " (3) إما لأنه- عليه السلام- سأل الشفاعة لهما فأجيب إليها، كما ورد في رواية مسلم: " فأجيبت شفاعتي " (4) ، وإما أنه- عليه السلام- كان يدعو لهما تلك المدة. وقيل: لكونهما يسبحان ما داما

_ (1) سورة طه: (44) . (2) سورة عبس: (3) . (3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/202) . (4) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل (3012) ، وكذا في الأصل وفي " شرح صحيح مسلم "، ووقع عند مسلم: " فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ... ".

رطبتين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب جماعة من المفسرين في قوله تعالى: (وإن مّن شيء إلا يُسبحُ بحمْده) (1) ، وقالوا: معناه: وإن من شيء حي، ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يُقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أن الآية على عمومها، ثم اختلفوا، هل تسبيح حقيقي؟ أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله؟، والمحققون على أنه تسبيح حقيقي، وقد أخبر الله تعالى: " وإن من الحجارة (2) لما يهبط من خشية الله ". فإن قيل: فعلى قولهم ما يكون فائدة قوله: " بعسيب رطب؟ " قلت: ليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، بل لأجل التبرك بأثر النبي- عليه السلام- ودعائه بالتخفيف، فكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: إثبات عذاب القبر خلافاً للمعتزلة: الثانية: إثبات نجاسة الأبوال. الثالثة: إثبات غلظ تحريم النميمة. الرابعة: إثبات انتفاع الميت بتسبيح غيره، ولهذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد، فبتلاوة القرآن أوْلى " (3) .

_ (1) سورة الإسراء: (44) . (2) كذا في الأصل، وفي " شرح صحيح مسلم ". (3) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". وفي الفائدة الرابعة نظر من وجهين: أحدهما: أن الميت لا ينتفع إلا بعمله لقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ، وما أثبه السنة كقوله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "، وما فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو خاص به، بدليل أنه لم يفعل هذا مع سائر القبور، ولم يفعله-

10- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا جرير، عن منصور عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- بمعناه، [قال:] " كان لا يسْتترُ من بوْله " (1) . قال (2) أبو داود: قال هناد: " يستتر " مكان " يستنزه "، وقال زهير: " يستنزه " (2) . ش- عثمان بن أبي شيبة قد مضى مرة. وجرير هذا ابن عبد الحميد بن قرط بن هلال الضبي أبو عبد الله الرازي، رأى أيوب السختياني بمكة، سمع عبد الملك بن عمير، ويحيى ابن سعيد، ومنصور بن المعتمر، وهشام بن عروة، والأعمش، ومالك ابن أنس، والثوري، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وغيرهم، وهو مجمع على ثقته، مات سنة ثمان وثمانين ومائة،/وهو ابن ثمان وسبعين، روى له الجماعة (3) . ومنصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبيعة- بضم الراء- أبو عتاب السُلميُ الكوفي، سمع زيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والزهري، ومجاهدا، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني،

_ الخلفاء الراشدون، وكبار الصحابة، ولو كان مشروعاً لبادروا إليه، وإنما فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلمه بعذاب صاحبي القبرين، وهذه خصوصية به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثانيهما: أن جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد كرهوا قراءة القرآن عند القبور، فقد قال أبو داود في مسائله (ص/158) : " سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا ". وقال مالك كما في " اقتضاء الصراط المستقيم " (ص/182) : " ما علمت أحداً يفعل ذلك "، ولينظر كلام شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم "، فإنه مهم مفيد في بابه. (1) انظر التخريج السابق. (2) في المطبوع من سنن أبي داود: " وقال أبو معاوية: يستنزه ". (3) انظر ترجمه في: تهذيب الكمال (4/918) .

والأعمش، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وسفيان بن عيينة وغيرهم، وكان فيه تشيع قليل، وكان [قد] عمش من البكاء، وصام ستين سنة وقامها. توفي سنة ثنتين وثلاثين ومائة (1) . ومجاهد بن جبر، وعبد الله بن عباس، وهناد قد ذكروا. وهذا الحديث الذي رواه ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. 11- ص- ثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن ابن حسنة قال: " انطلقتُ أنا وعمرُو ابنُ العاص إلى النبي- عليه السلام- فخرج ومعهُ درقة، ثم اسْتتر بها، ثم بال، فقُلنا: انظُرُوا إليه يبُولُ كما تبولُ المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعْلمُوا ما لقي صاحبُ بني إسرائيل؟ كانُوا إذا أصابهُمُ البوْلُ قطعُوا ما أصابهُ البولُ منهم، فنهاهُمْ، فعُذب قي قبْره " (2) . قال أبو داود: قال منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى (3أ: " جلد أحدهمْ ". وقال عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى (4) : " جسد احدهم ". ش- عبد الواحد بن زياد أبو بشر، ويقال: أبو عبيدة البصري العبدي. روى عن العاصم الأحول، والأعمش، وعمارة بن القعقاع، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأبو هشام المخزومي، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. مات سنة سبع وسبعين ومائة (5) . وزيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي- عليه

_ (1) المصدر السابق (28/6201) . (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: البول إلى السترة يستتر بها (1/26- 27) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: التشديد في البول (34) . (3) في السنن: " عن أبي موسى، وفي هذا الحديث ". (4) في السنن: " عن أبي موسى، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3585) .

السلام- فقبض وهو في الطريق. سمع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم. روى عنه سلمة بن كهيل، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات سنة ست وتسعين. روى له الجماعة (1) . وعبد الرحمن ابن حسنة هو أخو شرحبيل ابن حسنة، وحسنة أمهما، وكانت مولاة لعمر (2) بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع بن الغطريف، روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وعمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد- بضم السين وفتح العين- ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله، ويقال: أبو محمد، روي له عن رسول الله- عليه السلام- سبعة وثلاثون حديثاً (4) ، اتفقا على ثلاثة أحاديث، ولمسلم حديثان، وللبخاري طرف من حديث. روى عنه أبو عثمان النهدي، وعروة بن الزبير، وقيس مولاه. مات بمصر عاملاً عليها سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين، يوم الفطر، ودفن بالمقطم في ناحية الفتح، وكان له يوم مات سبعون سنة، روى له الجماعة (5) . قوله: " درقة " بفتح الدال والراء هي الجحفة، وهذه جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " خرج "، وإنما استتر بها لئلا يطلع أحد إلى عورته، وهذا تعليم منه لأمته، وليكون أيضاً حاجزاً بينه وبين القبْلة، وإنما قالا: " كما تبول المرأة " لاستتاره - عليه السلام - بالدرقة

_ (1) المصدر السابق (10/2131) . (2) في: تهذيب الكمال: " معمر ". (3) المصدر السابق (17/3800) . (4) كذا، وفي " الرسائل الخمس " لابن حزم: " 39 حديثاً ". وقال الذهبي في السير (3/55) : " تبلغ بالمكرر الأربعين ". (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/508) ، وأسد الغابة (4/244) ، والإصابة (2/3) .

كما تستتر المرأة، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف؛ لأن الصحابة أبرياء من هذا الأمر، وإنما وقع منهما هذا الكلام من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل، فلذلك أجاب- عليه السلام- بقْوله: " ألم تعلموا ما لقي صاحبُ بني إسرائيل؟ "، وهو موسى- عليه السلام-، وإنما لم يصرح باسمه - عليه السلام- للاشتهار بينهم، أي: الذي لقي من بني إسرائيل أموراً عظيمة، وهو موسى، وإن كان بعث فيهم أنبياء غيره، ولكن أشهرهم وأعظمهم موسى- عليه السلام-، أو لأجل تعظيمه- عليه السلام- كما قال تعالى: (تلك الرُسُلُ فضلنا بعْضهُمْ على بعْض منْهُم من كلم اللهُ) (1) ، ولم يقل موسى. قوله: " ما أصابه البول " في محل النصب على أنه مفعول " قطعوا ". وقوله: " جلد أحدهم " مفعول قائم مقام فاعل " فعُذب " أي: فعذب الله جلد أحدهم في قبره. والفرق بين الروايتين: أن الجلد أخص من الجسد، ولكنه مشتمل على جميع الجسد، فبعذابه يعذب الجسد كله. فإن قلت: كيف يترتب قوله: " فعُذب " على قوله:/ " فنهاهم "؟ قلت: فيه حذف، وتقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذب الله، والفاء في قوله: " فعذب " فاء السببية، نحو قوله تعالى: (فوكزهُ مُوسى فقضى عليْه) (2) ، وقوله: (فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليْه) (3) .ًً قوله: " عن أبي (4) وائل " وأبو وائل هذا شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان الكوفي، أدرك زمان النبي - عليه السلام- ولم يره، فروى عن أبي بكر، وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليا، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس،

_ (1) سورة البقرة: (253) . (3) سورة البقرة: (37) . (2) سورة القصص: (15) . (4) في الأصل: " ابن " خطأ.

8- باب: البول قائما

وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: الشعبي، والأعمش، ومنصور، وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عنه. وقال أحمد بن عبد الله: رجل صالح جاهلي. مات سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة (1) وعاصم هذا هو عاصم بن سليمان الأحول التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري، ويقال: مولى عثمان بن عفان، كان محتسباً بالمدائن، سمع عبد الله بن سرْجس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وغيرهم. روى عنه: قتادة، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: كان يحيى بن سعيد يُضعف عاصماً الأحول، وقال: لم يكن بالحافظ. وعن ابن معين: إنه ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، روى له الجماعة (2) . وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري، وقد ذكر مرة. وحديث عبد الرحمن ابن حسنة هذا أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي شيبة. *** 8- باب: البول قائماً أي: باب حكم بول الرجل حال كونه قائماً. 12- ص- حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: ثنا شعبة. قال: وثنا مسدد قال: ثنا أبو عوانة- وهذا لفظ حفص- عن سليمان، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: " أتى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُباطة قوْم فبال قائماً، ثم دعا بماء فمسح على خُفيْه ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2767) . (2) المصدر السابق (13/3008) .

] قال أبو داود:] (1) قال مسدد: [قال] (1) : " فذهبْتُ أتباعدُ فدعاني حتّى كُنتُ عند عقبه " (2) . ش- حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري البصري، سمع هشاماً الدستوائي، وهمام بن يحيى، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه، وجماعة آخرون. مات سنة خمس وعشرين ومائتين (3) . ومسلم بن إبراهيم أبو عمرو البصري القصاب الفراهيدي مولاهم. سمع شعبة، وهشاماً، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، والبخاري، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو زرعة، وجماعة آخرون. وكان قد عمي بآخرة. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. روى له الجماعة (4) . وأبو عوانة اسمه: الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي، ويقال: مولى عطاء بن عبد الله الواسطي، كان في سبْي جُرجان، رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثاً واحداً، وسمع عمرو ابن دينار، وقتادة، وأيوب السختياني، والأعمش، وجماعة آخرين. روى عنه: شعبة، ووكيع، وأبو داود الطيالسي، ومسدد، وقتيبة بن سعيد، وجماعة آخرون. وقال أحمد ويحيى: كان ثقة. توفي سنة ست وسبعين ومائة، وقيل: خمس وسبعين. روى له الجماع (5) .

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: البول قائماً وقاعداً (224) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (73/273) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (13) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في البول في الصحراء قائماً (1/25) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في البول قائماً (305) ، أحمد (5/382، 402) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1397) . (4) المصدر السابق (27/5916) . (5) المصدر السابق (30/6688) .

] 1/7 حا [ وحذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسْل، ويقال: حُسيْل بن جابر ابن [أسيد بن] عمرو بن ربيعة بن جُرْوة بن الحارث أبو عبد الله. روى عنه: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة، وربعي بن حراش، وأبو وائل، وغيرهم. مات بالمدائن والياً عليها سنة ست وثلاثين،. بعد قتل عثمان بأربعين ليلة. روى له الجماعة (1) . قوله: " سباطة قوم " بضم السين، وتخفيف الباء الموحدة، وهي مُلقى الزبالة والتراب ونحوهما، يكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها. وقال الخطابي: " ويكون في الأغلب سهلاً دمثاً، لا (2) يخد فيها البول، ولا يرتد على البائل " (3) . ويقال: السُباطة: الكُناسة نفسها، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنا كانت مواتاً مباحة. قوله: " فبال قائماً " فيه وجوه: " (4) الأول: ما روي عن الشافعي: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، قال: فنرى أنه كان به- عليه السلام- وجع الصلب إذ ذاك. والثاني: ما رواه البيهقي برواية ضعيفة " أنه- عليه السلام- بال قائماً لعلة بمأبضه " (5) والمأبضُ- بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة- وهو/باطن الركبة. والثالث: أنه- عليه السلام- لم يجد مكاناً للقعود، فاضطر إلى القيام، لكون الطرف الذي يليه في السباطة كان عالياً مرتفعاً. والرابع: ما ذكره القاضي عياض، لكون البول قائماً حالة يؤمن فيها

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/277) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (1/468) ، والإصابة (1/317) . (2) كذا، وفي " معالم السنن " و " شرح صحيح مسلم ": " سهلاً منثالاً ". (3) انظر: معالم السنن (1/18) ، باب: البول قائماً. (4) انظر: شرح صحيح مسلم (3/165- 166) تحت شرح حديث الباب. (5) البيهقي: كتاب الظهارة، باب: البول قائماً (1/101) من حديث أبي هريرة.

خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف- حالة القعود، ولذلك قال عمر- رضي الله عنه-: البول قائماً حصن للدبر. والخامس: أنه فعله- عليه السلام- بياناً للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعداً، يدل عليه حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: " من حدثكم أن النبي- عليه السلام- كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً " رواه أحمد والنسائي والترمذي بإسناد جيد (1) . وقد روي في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت (2) ، ولكن حديث عائشة هذا ثابت، فلهذا قالت العلماء: يكره البول قائماً إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. وقال ابن المنذر في " الإشراف ": اختلفوا في البول قائماً، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياماً، وروي ذلك عن أنس وعليّ وأبي هريرة، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير، وكرهه ابن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً. وقال ابن المنذر: وفيه قول ثالث: أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فهو مكروه، وإن كان لا يتطاير فلا بأس، وهو قول مالك. وقال ابن المنذر: البول جالساً أحب إليّ، وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي- عليه السلام-.

_ (1) أحمد (1/136، 192، 213) ، والترمذي في: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النهي عن البول قائماً (12) ، والنسائي في: كتاب الطهارة، باب: البول في البيت جالساً (1/26) ، وكذا ابن ماجه قي: كتاب الطهارة، باب: في البول قاعداً (307) بنحوه 0 (2) منها ما رواه الترمذي (عقب رقم/12) ، وابن ماجه (308) ، والبيهقي (1/102) من حديث عمر أنه قال: " رآني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبول قائماً فقال: يا عمر، لا تبل قائماً، فما بُلتُ قائماً بعد ". وقال الترمذي: " إنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أيوب السختياني وتكلم فيه ". 1هـ. ومنها ما رواه ابن ماجه (309) من حديث جابر بن عبد الله قال: " نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبول قائماً " وفيه عدي بن الفضل متفق على ضعفه، قال في التقريب: " متروك ".

وأما بوله- عليه السلام- في سباطة القوم يحتمل وجوهاً: الأول- وهو الأظهر-: أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، والاستمداد من بحيرته، ولهذا ذكر علماؤنا أن من دخل بستان غيره يباح له الأكل من فاكهته، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط ومحبة. والثاني: أنها لم تكن مختصة بهم، بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم. والثالث: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة، إما صريحاً أو دلالة.. فإن قلت: قد روي: " أنه- عليه السلام-[كان] إذا أراد حاجة أبعد " (1) ، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدور؟ قلت: لعله كان مشغولاً بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، وطال عليه مجلسٌ حتى حزقه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها (2) ، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس " (3) . قوله: " ثم دعا بماء فمسح على خفيه " فيه حذف، أي: بعد أن فرغ من البول طلب ماء فتوضأ ومسح على خفيه. قوله: " فذهبت أتباعد " من قول حذيفة. فإن قلت: كيف أدناه، وفي حديث آخر لما أراد قضاء الحاجة قال: " تنح "؟. قلت (4) : " إنما أدناه

_ (1) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في: كتاب الطهارة، باب: الإبعاد عند قضاء الحاجة (1/17- 18) ، وابن ماجه بنحوه في كتاب الطهارة، باب: التباعد للبراز في الفضاء (334) من حديث عبد الرحمن بن أبي فراد. وأخرجه أبو داود (1) ، والترمذي (20) ، والنسائي (1/18) ، وابن ماجه (331) من حديث المغيرة بن شعبة بلفظ: " كان إذا ذهب المذهب أبعد ". (2) سهُل ولان. (3) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". (4) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/167) .

هاهنا ليستتر به عن أعين المارة؛ لأن السباطة تكون في الأفنية والمحال المسكونة، أو قريباً منها، ولا تكاد تخلو هذه المواضع من المارة، ولأنه كان يبول قائماً، ويؤمن معه من خروج الحدث الآخر، والرائحة الكريهة، فلهذا استدعاه، وأما في الحديث الثاني فلكونه كان يقضي حاجته قاعداً، ويحتاج إلى الحدثين جميعاً، فتحصل الرائحة المستكرهة، فلذلك قال: " تنح عني "، وعن هذا قال بعض العلماء: في هذا الحديث من السُّنّة: القرب من البائل إذا كان قائماً، والبعد إذا كان قاعدا. قوله: " عن عقبه ": العقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم، وهي مؤنثة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز المسح على الخف. والثانية: جواز المسح في الحضر. والثالثة: جواز البول قائماً. والرابعة: جواز قرب الإنسان من البائل. والخامسة: جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه، ليستره. والسادسة: استحباب التستر. والسابعة: جواز البول بقرب الديار " (1) . والثامنة: فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة، لما فيه من الضرر. وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ".

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم "

9- باب: الرجل يبول في الإناء يضعه عنده بالليل

/9- باب: الرجل يبول في الإناء يضعه عنده بالليل (1) أي: هذا باب فيه حكم الرجل يبول في إناء يضعه عنده في الليل. 13- ص- ثنا محمد بن عيسى قال: نا حجاج، عن ابن جريج، عن حُكيمة [بنت] أميمة بنت رُقيقة، عن أمها قالت: " كان للنبيّ- عليه السلام- قدح من عيْدانٍ تحت سريره يبولُ فيه بالليل " (2) . ش- محمد بن عيسى هذا هو الطباع، أخو إسحاق ويوسف، انتقل إلى الشام، وسكن أذنة. سمع هشيماً (3) ، ومالك بن أنس، وحماد ابن زيد، وغيرهم. روى عنه: البخاري تعليقاً، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، وغيرهم. وروى له النسائي وقال: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان ربما دلس، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (4) . وحجاج هذا هو ابن محمد الأعور أبو محمد، مولى سليمان بن مجالد، مولى أبي جعفر المنصور، ترمذي الأصل، سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة. سمع ابن جريج، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وشعبة، وحمزة الزيات. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وعباس الدوري، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة. توفي ببغداد في ربيع الأول من سنة ست ومائتين. وقال ابن سعد: وكان تغير في آخر عمره، وكان ثقة صدوقاً. روى له الجماعة (5) . وابن جريج قد مضى ذكره. وأميمة بنت رُقيقة هي أميمة بنت عبيد، ويقال: بنت عبد الله بن بجاد

_ (1) في سنن أبي داود: " باب: في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده ". (2) النسائي في: كتاب الطهارة، باب: البول في الإناء (1/31) . (3) في الأصل: " هشيم ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5534) . (5) المصدر السابق (5/1127) .

10- باب: المواضع التي نهي عن البول فيها

ابن عُمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب، أمها رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف. روى عنها محمد بن المنكدر، وابنتها حكيمة بنت أميمة. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " قدح من عيْدان " القدح- بفتح القاف والدال- مشهور. والعيْدان- بفتح العين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف- الطوال في النخيل، الواحدة: عيْدانة. والسرير: التخت. قوله: " يبول فيه " جملة في محل الرفع؛ لأنها وقعت صفة لقوله: " قدح "، والباء في قوله: " بالليل " بمعنى: " في ". وحديث حكيمة هذا أخرجه النسائي. *** 10- باب: المواضع التي نهي عن البول فيها (2) أي: باب فيه بيان المواضع التي نهى النبي- عليه السلام- أن يبال فيها. 14- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اتقُوا اللاعنيْن! قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلّهمْ " (3) . ش- قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله أبو رجاء البغلاني الثقفي مولاهم، وبغلان قرية من قرى بلخ. وقال ابن عدي: اسمه: يحيى بن سعيد، وقتيبة لقب. سمع مالك بن أنس، والليث بن سعد،

_ (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/239) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (7/27) ، والإصابة (4/240) . (2) في سنن أبي داود: " باب: المواضع التي نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن البول فيها ". (3) مسلم: كتاب الطهارة، باب: النهي عن التخلي في الطرق والظلال (269/68) . 7* شرح سنن أبي داود 1

وأبا عوانة، ووكيعاً، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) ، وغيرهم. توفي في شعبان سنة أربعين ومائتين (2) . وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إبراهيم (3) الزرقي مولاهم المدني. سمع عبد الله بن دينار، وحميداً (4) الطويل، ومالك ابن أنس، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة مأمون، قليل الخطإ، صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. مات ببغداد سنة ثمانين ومائة. روى له الجماعة (5) . والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أبو شبل الحُرقي الجهني مولاهم. سمع أباه وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل، وغيرهم 0 روى عنه: مالك بن أنس، وابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. وقال أبو حاتم: هو صالح. وقال ابن معين: ليس حديثه بحجة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ثبت. روى له الجماعة إلا البخاري (6) . قوله: " اتقوا اللاعنيْن " بفتح النون أي: اجتنبوهما، " (7) يريد الأمرين الجالبين [للعن] (8) ، الحاملين للناس عليه، وذلك أن من

_ (1) كذا، والذي في تهذيب الكمال (23/527) : " روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4852) . (3) كذا، وفي تهذيب الكمال (3/56) : " أبو إسحاق " ولم يحك غيره. (4) في الأصل: " حميد ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/433) . (6) المصدر السابق (22/4577) . (7) انظر: معالم السنن (1/19) . (8) زيادة من معالم السنن.

فعلهما لُعن وشُتم، فلما صارا سبباً لذلك أضيف إليهما الفعل، فكان كأنهما اللاعنان، وقد يكون اللاعن أيضاً بمعنى الملعون، فاعل بمعنى مفعول، كقولهم: سر كاتم، وعيشة راضية،/أي: مكتوم ومرضية "، وهذا من أقسام المجاز العقلي، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له بتأول. قوله: " الذي يتخلى " أي: الرجل الذي يتفرغ لقضاء حاجته في طريق الناس، والتقدير: أحدهما الذي يتخلى. قوله: " أو ظلهم " أي: أو الذي يتخلى في ظل الناس، والمراد به مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلاً ومناخاً ينزلونه، وليس كل ظل يحرم القعود للحاجة تحته، فقد قعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته تحت حائش من النخل، وللحائش لا محالة ظل. وقال ابن الأثير: الحائش: " النخل الملتف المجتمع، كاًنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض، وأصله واوي " (1) . وحديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم. 15- ص- وثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب- وحديثه أتم-، أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرني نافع بن يزيد قال: حدثني حيوة بن شريح، أن أبا سعيد الحميري حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتقُوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطّريق، والظّلّ " (2) .ً ش- إسحاق بن سويد الرملي، روى عن: سعيد بن الحكم بن أبي مريم، وإسماعيل بن أبي أويس، والوليد بن نصر. روى عنه: أبو داود، والنسائي- وقال: ثقة- ومحمد بن محمد الباغندي، ومكحول البيْروتي (3) .

_ (1) انظر: النهاية لابن الأثير (1/468) مادة: " حيش "، وقال: أصله واوي، وإنما ذكرناه هاهنا لأجل لفظه. (2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (328) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/327) .

وعمر بن الخطاب السجستاني أبو حفص روى عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري، ومحمد بن كثير، ومحمد بن يوسف الفريابي، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأحمد بن عبد الكريم، وغيرهم. مات بكرمان سنة أربع وستين ومائتين (1) . وسعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي أبو محمد المصري، سمع مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى، وأبو حاتم الرازي، والبخاري، وروى مسلم عن رجل عنه، وجماعة آخرون. مات سنة أربع وعشرين ومائتيْن، وولد سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري، روى عن: أبي سفيان طلحة (3) ، وأبي هانئ الخولاني، وقيس بن الحجاج. روى عنه: عبد الله بن لهيعة، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وعبد الله بن وهب. وقال أحمد بن صالح: كان من ثقات الناس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له الجماعة إلا الترمذي (4) . وحيوة بن شُريح هذا هو ابن صفوان بن مالك التجيبي أبو زرعة المصري الفقيه الزاهد العابد، سمع أباه، وربيعة بن يزيد، وأبا هانئ الخولاني، وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد، وابن لهيعة، وأبو زرعة، ونافع بن يزيد، وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل وابن معين: ثقة مات سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (5) .

_ (1) المصدر السابق (21/4226) . (2) المصدر السابق (10/2235) . (3) كذا: " عن أبي سفيان طلحة "، وفي تهذيب الكمال (29/296) : " أبي سفيان بن جابر بن عتيك "، وكتب المعلق في الهامش: " جاء في حاشية نسخة المؤلف التي بخطه من تعليقاته على صاحب " الكمال " قوله: " كان فيه: وأبي سفيان طلحة بن نافع وهو خطأ ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6371) . (5) المصدر السابق (7/1580) .

وأبو سعيد الحميري روى عن معاذ بن جبل، روى عنه حيوة بن شريح، روى له أبو داود، وابن ماجه (1) . ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ - بالياء آخر الحروف، وبالذال المعجمة- ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن عليّ ابن أسد بن ساردة بن تزيد- بتاء مثناة من فوق- ابن جشم بن الخزرج الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الرحمن، روي له عن رسول الله- عليه السلام- مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. روى عنه: عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وغيرهم من الصحابة والتابعين. مات بناحية الأردن في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقبره بغوربيسان في شرقيه (2) . قوله: " الملاعن " جمع ملعنة، وهي موضع اللعن، ويفهم من تفسير الخطابي: أن المُلاعن- بضم الميم وفتح العين- وهو " اسم موضع اللعن " (3) من الثلاثي المزيد فيه. وقال ابن الأثير: " المُلاعن جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها، كأنها مظنة للعْن، ومحل له " (4) . قوله: " البراز " يجوز بالرفع على أن يكون خبر مبتدإ محذوف، والتقدير: أحدها البراز، ويجوز بالنصب على البدلية، وكذلك الكلام في " قارعة الطريق والظل ". وقد ذكرنا أن البراز- بفتح الباء- كناية عن قضاء الغائط، كما كنوا عنه بالخلاء.

_ (1) المصدر السابق (33/7395) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/355) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (5/194) ، والإصابة (3/426) . (3) انظر: معالم السنن (1/19) . (4) انظر: النهاية (4/254) .

قوله: " في الموارد " وهي جمع موردة، وهي مشرع المياه. قوله:/ " وقارعة الطريق " قارعة الطريق وسطه، وقيل: أعلاه، والمراد به هاهنا نفس الطريق ووجهه. قوله: " والظل " أي: الظل الذي اتخذه الناس مقيلاً كما ذكرناه. وحديث معاذ هذا أخرجه ابن ماجه. *** (1) 16- ص- وثنا أحمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: ثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني أشعث. قال الحسن: أشعث ابن عبد الله، عن الحسن، عن ابن مُغفل قال: قال رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يبُولن أحدُكُم في مُستحمّه، ثم يغتسل فيه ". قال أحمد: " ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسْواس منه " (2) . ش- أحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد ابن إدريس الشيباني أبو عبد الله، ولد ببغداد، ونشأ بها، ومات بها، ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وسمع ابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيعاً، وأبا داود الطيالسي، والفضل ابن دكين، وجماعة آخرين. روى عنه: الشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأكثر عنه في كتابه هذا، وروى الترمذي عن أحمد

_ (1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب: في البول في المستحم ". (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل (21) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في المستحم (1/34) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في المغتسل (304) ، أحمد في مسنده (5/56) في موضعين، ولم ترد: " ثم يتوضأ فيه " إلا عند أحمد في الموضع الثاني فقط. تنبيه: وقع في سند النسائي: " عن معمر، عن الأشعث بن عبد الملك (كذا) عن الحسن "، وفي شرح السيوطي قال: " الأشعث هو ابن عبد الله بن جابر الحُداني ". أقول: ومعمر لا يروي عن أشعث بن عبد الملك، وإنما يروي عن أشعث بن عبد الله.

ابن الحسن الترمذي عنه، وروى ابن ماجه عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، وجماعة كثيرون، وهو أجل من أن يذكر بطول، وهو أحد الأئمة الكبار، الذين أحيوا الدين النبوي- رضي الله عنه-. توفي في سنة إحدى وأربعين ومائتين (1) . والحسن بن علي بن محمد أبو محمد الخلال الحُلواني، سكن مكة. سمع عبد الرزاق بن همام، وأبا أسامة، ويحيى بن آدم، ووكيعاً، وغير هم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (2) . وعبد الرزاق بن همام بن نافع أبو بر الصنعاني اليماني الحميري مولاهم. سمع عبد الله بن عمر العُمري، وأخاه عبيد الله بن عمر (3) ، وسعيد بن مسلم، وسفيان، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحسن بن علي، وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائتين، روى له الجماعة (4) ومعمر هذا هو ابن راشد أبو عروة بن أبي عمرو البصري، مولى عبد السلام بن [عبد القدوس أخي] صالح 0 سمع عمرو بن دينار، والزهري، وقتادة، وعاصماً الأحول، وصالح بن كيسان، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم. وقال ابن معين: معمر ثقة، ومعمر عن ثابت ضعيف. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث. مات سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة. روى له الجماعة (5) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/96) (2) المصدر السابق (6/1250) . (3) في الأصل: " عبد الله بن عمر " خطأ. (4) المصدر السابق (18 /3415) . (5) المصدر السابق (28/6104) . (3) انظر: معالم السنن بتصرف يسير جدا (1/20) .

وأشعث بن عبد الله بن جابر الأعمى أبو عبد الله البصري، روى عن أنس بن مالك، والحسن بن أبي الحسن، ومحمد بن سيرين، وشهر بن حوشب. روى عنه: معمر، وشعبة، ويحيى القطان، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . والحسن هو الحسن البصري، وقد مر مرة. وابن مُغفّلٍ هو عبد الله بن مُغفل بن عبد نُهم بن عُفيف بن أسحم بن ربيعة المزني أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. روى عنه الحسن البصري، ومُطرفُ بن عبد الله ابن الشخير، وسعيد بن جُبير، وغيرهم. مات بالبصرة سنة ستين في آخر خلافة معاوية. روى له الجماعة (2) . قوله: " في مُستحمه " المُستحم- بضم الميم، وفتح الحاء- (3) " الموضع الذي يغتسل فيه، وسمي مستحماً باسم الحميم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، ويسيل منه الماء، أو كان المكان صُلباً فيخيل إليه أنه أصابه شيء من رشاشه، فيحصل منه الوسواس ". قوله: " قال أحمد " يعني: ابن حنبل. قوله: " فإن عامة الوسواس منه " أي: من هذا الفعل. والوسواس - بفتح الواو-: الاسم، وبكسرها: المصدر، يقال: وسوستْ إليه نفسُه وسوسةً/ووسواساً بالكسر، والوسوسة حديث النفس.

_ (1) المصدر السابق (3/527) ، وفيه: " روى له الأربعة "، وانظر التعليق على تخريج الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/325) ، وأسد الغابة (3/398) ، والإصابة (2/372) .

17- ص- ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا زهير، عن داود بن عبد الله، عن حميد الحميري- وهو ابن عبد الرحمن- قال: لقيت رجلاً صحب النبي - عليه السلام- كما صحبه أبو هريرة قال: " نهى رسول الله- عليه السلام- أن يمتشط أحدُكم (1) كلّ يوم، أو يبول في مُغْتسله " (2) . ش- أحمد بن يونس بن زهير بن جميل بن الأعرج بن عاصم بن ربيعة ابن مسعود أبو العباس الضبي، كوفي الأصل، سكن بغداد، ثم انتقل إلى أصبهان، سمع بدمشق أبا مسهر، وهشام بن عروة، ودحيماً. وروى عنهم وعن غيرهم، روى عنه: ابن أبي حاتم الرازي، وعبد الله ابن جعفر، ومحمد بن يعقوب، وغيرهم. قال الدارقطني: صدوق ثقة. توفي سنة ثمان وسبعين ومائتين. وزهير هذا هو ابن معاوية بن حُديج- بالحاء المضمومة المهملة- ابن الرحيْل بن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، سكن الجزيرة، سمع أبا إسحاق السبيعي، وأبا الزبير المكي، وهشام بن عروة وغيرهم. روى عنه: يحيى القطان، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى، ويحيى ابن أبي بكير، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، توفي سنة سبع وسبعين ومائة. روى له الجماعة (3) . وداود بن عبد الله الأودي أبو العلاء الزعافري الكوفي، روى عن: أبيه (4) ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، والشعبي. روى عنه:

_ (1) في سنن أبي داود: " أن يمتشط أحدنا "، وهي رواية ذكرها في الشرح. (2) النسائي: كتاب الزينة، باب: الأخذ من الشارب (8/131) ، وفي كتاب الطهارة، باب: ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (1/130) ، وزاد في هذا الموضع: أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2019) . (4) قال محقق تهذيب الكمال (8/411) : " جاء في حواشي النسخ من تعقبات=

أبو عوانة، وأبو خالد الدالاني، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له أبو داود (1) . وحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، سمع أبا هريرة، وعبد الله ابن عمر، وابن عباس، وسعد بن هشام، وعمر بن سعيد، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " أن يمتشط " في محل نصب على المفعولية، والمعنى: نهى رسول الله امتشاط أحدكم، وفي بعض الرواية: " أن يمتشط أحدنا " (3) ، وإنما نهى رسول الله عن الامتشاط كل يوم؛ لأن الامتشاط كل يوم مما يخفف اللحية، وقد أمر رسول الله بإعفاء اللحية، وقص الشارب، ألا ترى أنه- عليه السلام- " كان يدهن كل يوم "، وفي رواية: " كل يوم مرتين "؟ وكذلك ابنُ عمر على ما روى ابن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا وكيع، عن. جويرية، عن نافع: " أن ابن عمر كان ربما ادهن في اليوم مرتين " (4) ، وذلك إنما كانوا يفعلونه لتربية اللحية، والامتشاط كل يوم ينافي ذلك. وقال أيضاً: حدثنا وكيع، عن أبي خزيمة، عن الحسن قال: " نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الترجل إلا غبا " (5) . والترجل هو الامتشاط. وقال ابن الأثير في معنى قوله: " نهى عن الترجل إلا غبا ": " الترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه، كأنه كره كثرة الترفه والتنعم، والمرجل والمسرح- بكسر الميم فيهما-: المشط " (6) .

_ المؤلف على " صاحب الكمال " قوله: " ذكر في الأصل أنه روى عن أبيه وذلك وهم، وإنما الذي يروي عن أبيه داود بن يزيد الأودي، وسيأتي ". (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1769) ، وفيه: " روى له الأربعة ". (2) المصدر السابق (7/1533) ، وفيه: " روى له الجماعة ". (3) النسائي (1/130) ، و (8/131) . (4) ابن أبي شيبة (8/392) . (5) المصدر السابق، ورواه النسائي في كتاب الزينة، باب: الترجل غبا (8/132) . (6) انظر: النهاية (2/203) .

قوله: " أو يبول " بالنصب عطفاً على قوله: " أن يمتشط ". و" المُغتسل " بضم الميم، وفتح السين: موضع الاغتسال. 18- ص- (1) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: نا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرْجس: " أن النبيّ- عليه السلام- نهى أن يُبال في الجُحْر ". " [قال:] قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن " (2) . ش- عبيد الله بن عمر بن ميسرة قد مر ذكره. ومعاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدّستوائي البصري، سكن ناحية من اليمن، ومات بالبصرة، وأصله بصري، سمع أباه، روى عنه: عفان ابن مسلم، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، ومحمد بن المثنى، وغيرهم. وقال ابن معين: صدوق وليس بحجة. روى له الجماعة. قال أبو داود: مات سنة مائتين (3) . واسم أبي عبد الله سنْبر، ويكنى هشام بأبي بكر الربعي الدّستوائي، نسبة إلى دستواء، كُورة من كُور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تُجلب منها (4) فنسب إليها. روى عن: أبي الزبير المكي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الوراق، وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وابنه معاذ بن هشام، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: بصري، ثمة ثبت في الحديث، كان يقول بالقدر ولم يكن يدعو إليه. مات سنة اثنتين/وخمسين ومائة. روى له الجماعة (5) . وعبد الله بن سرْجس المزني البصري المخزومي، روي له عن رسول الله - عليه السلام- سبعة عشر حديثاً. روى عنه: عاصم بن سليمان،

_ (1) في سنن أبي داود: " باب: النهي عن البول في الجُحْر،. (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في الجُحر (1/33) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6038) . (4) في الأصل: " إليها " خطأ. (5) المصدر السابق (30/6582) .

11- باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء

وقتادة. روى له مسلم حديثاً واحداً، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " في الجُحر " بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة، واحد الجحرة والأجحار. قوله: " ما يكره ... ؟ " استفهام، والمعنى: أي شيء يكره؟ والضمير في " إنها " راجع إلى " الجحر "، وقد قلنا: إنه جمع، فلذلك أنث الضمير باعتبار الجمعية. وأخرج هذا الحديث النسائي. *** 11- باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (2) أي: هذا باب في حكم ما يقول المتوضئ إذا خرج من بيت الماء. 19- ص- حدثنا عمرو بن محمد قال: ثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه قال: حدثتني عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا خرج من الغائط قال: غُفْرانك " (3) . ش- عمرو بن محمد بن بكير بن سابور- بالسين المهملة- الناقد أبو عثمان البغدادي، سكن الرقة، سمع سعيد بن جشم، وعيسى بن يونس، وهاشم بن القاسم، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبد الله البغوي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق أمين.

_ (1) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/384) ، وأسد الغابة (3/256) ، والإصابة (2/315) . (2) في السنن: " باب ما يقول الرجل إذا ... ". (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (7) ، النسائي في "عمل اليوم والليلة " (12/17694- تحفة) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (300) .

توفي ببغداد يوم الخميس لأربع خلون من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (1) . وهاشم بن القاسم بن شيبة التميمي أبو النضر، ويقال: الليثي من بني الليث بن كنانة، من أنفسهم الخراساني، نزل بغداد، ويلقب قيصر. رأى الثوري بمكة، وسمع من شعبة أربعة آلاف حديث، ما أملاه ببغداد، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك بن عبد الله النخعي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وجماعة آخرون. مات ببغداد سنة سبع ومائتين. روى له الجماعة (2) . وإسرائيل هذا هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، أخو عيسى، سمع جده أبا إسحاق، وعبد الملك ابن عمير، والمقدام بن شريح، ويوسف بن أبي بردة، وعيرهم. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، وإسحاق بن منصور، والهاشم بن القاسم، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة مُتْقن. ولد سنة مائة، ومات سنه ستين ومائة. روى له الجماعة (3) . ويوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، روى عن أبيه، روى عنه: إسرائيل بن يونس، وسعيد بن مسروق. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . قوله: " قال: غفرانك ": الغفران مصدر من غفر يغفر، من باب ضرب يضرب، وأصل الغفْر التغطية، يقال: غفر الله لك يغفر غُفْراً وغُفْراناً ومغْفرةً، والمغفرة: إلباسُ الله تعالى العفْو للمذنبين. و" غفرانك " منصوب بإضمار: أطلب وأسأل غفرانك، كما تقول:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4442) . (2) الصدر السابق (30/6540) . (3) المصدر السابق (2/402) . (4) المصدر السابق (32/7128) .

عفوك ورحمتك، تريد: هب لي عفوك ورحمتك. قلت: فعلى هذا التقدير يكون " غفرانك " مفعولاً به، لا مفعولاً مطلقاً، وقد ذكر عن سيبويه أنه من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً، تقديره: اغفر لنا غفرانك، فعلى هذا يكون مفعولاً مطلقاً، ويقال: معناه: أستغفرك، فهو مصدر موضوع موضع الخبر. فإن قيل: ما الحكمة في هذا الدعاء عقيب الخروج من الخلاء؟ قلت: فيه وجهان، الأول: أنه قد استغفر من تركه ذكر الله مدة لُبثه على الخلاء، فكأنه رأى ذلك تقصيراً، وعده على نفسه ذنباً، فتداركه با لاستغفار. والثاني: التوبة من تقصيره في شكر النعمة؛ لأن الله تعالى أطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصراً عن بلوغ حق هذه النعمة، ففزع إلى الاستغفار منه. وحديث عائشة هذا أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي (1) : " هذا حديث حسن غريب، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ". وفي الباب حديث أبي ذر قال: " كان النبي- عليه السلام- إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " (2) . وحديث أنس بن مالك، عن النبي- عليه السلام- مثله (3) ، وفي لفظ: " الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره " (4) . وفي حديث عبد الله بن عمر: أن النبي- عليه السلام- كان إذا خرج قال:/ " الحمد دله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه (5)

_ (1) انظر: جامع الترمذي (1/12- 13) . (2) ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (21) . (3) ابن ماجه في: كتاب الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء (301) . (4) ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (23) . (5) أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة "، والطبراني.

12- باب: كراهية مس الذكر في الاستبراء باليمنى

غير أن هذه الأحاديث أسانيدها ضعيفة، ولهذا قال أبو حاتم الرازي: أصح ما فيه حديث عائشة- رضي الله عنها-. *** 12- باب: كراهية مس الذكر في الاستبراء باليمنى (1) قوله: " باليمنى " متعلق بقوله: " مس الذكر ". و " الاستبراء " طلب البراءة، وقد ذكرناه مرة. 20- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا أبان قال: ثنا يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا بال أحدُكُم فلا يمس ذكره بيمينه، فإذا أتى الخلاء فلا يتمسحْ بيمينه، وإذا شرب فلا يشربْ نفساً واحداً " (2) . ش- مسلم بن إبراهيم أبو عمرو القصاب مضى ذكره، وكذلك موسى المنقري. وأبان هذا هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبو (3) يزيد، سمع قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، وعفان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل. روى له مسلم، واستشهد به البخاري في غير موضع (4) . ويحيى هو يحيى بن أبي كثير، وقد مر ذكره.

_ (1) في سنن أبي داود: " كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء ". (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال (154) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمن (63/267: 65) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين (15) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين (1/43- 44) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: كراهة مس الذكر باليمن والاستنجاء باليمين (310) . (3) كذا. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/143) .

وعبد الله بن أبي قتادة هو عبد الله بن الحارث بن ربعي الأنصاري السّلمي، وهو ابن أبي قتادة فارس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى، سمع أباه. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن أبي كثير، وبكير بن عبد الله الأشج، وغيرهم. توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، روى له الجماعة (1) . وأبو قتادة هو الحارث بن ربعي بن بلذُمة بن خناس بن سنان بن عُبيد بن عدي بن غنم بن [كعب بن] سلمة- بكسر اللام- السلمي المدني أبو قتادة. و " بلذُمة " بالضم والفتح أشهر، وبالذال المعجمة المضمومة، فارس رسول الله، شهد أحُداً والخندق وما بعد ذلك، روي له عن رسول الله- عليه السلام- مائة حديث وسبعون حديثاً، اتفقا منها على أحد عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية أحاديث. روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن ناقع، وعطاء، وغيرهم. توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، روى له الجماعة (2) . قوله: " فلا يمس ذكره بيمينه " تنزيهاً لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وهذه الكراهة كراهة تنزيه لا تحريم. فإن قلت: قد نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمنى، فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول؟ فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وإن أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بالشمال، فقد دخل في النهي. قلت: قال الخطابي (3) : " الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء

_ (1) المصدر السابق (15/3487 مكرر) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/294) ، وأسد الغابة (1/391) ، والإصابة (4/185) . (3) انظر: معالم السنن (1/21) .

بالحجر الضخم، الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار، أو بالموضع الناتئ من وجه الأرض، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة، فالوجه أن يأتي لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض، ويمسك الممسوح [بين عقبيه] ويتناول عضوه بشماله ". قوله: " فإذا أتى الخلاء " بالمد أي: الغائط. قوله: " فلا يشرب نفساً واحداً " نهي تأديب، وذلك لأنه إذا جرعه جرعا، واستوفى ريّه منه نفساً واحداً، تكاثر الماء في موارد حلقه، وأثقل معدته، وقد روي: " إن الكُباد من العب ". ويستوي فيه شرب الماء واللبن، وجميع المائعات التي تشرب، يدل على ذلك تركه- عليه السلام- مفعول " وإذا شرب "؛ لان حذف المفعول يُنبئ عن عموم الفعل، ثم الظاهر أن قوله: " فلا يمس " و " فلا يتمسح " و " فلا يسرب " نهي وليس بنفي، فينبغي أن يقرأ جميعها مجزوماً. ويجوز في قوله: " فلا يمس " ثلاثة أوجه من حيث القاعدة: فتح السين لخفة الفتحة، وكسرها؛ لأن الساكن إذا حُرك حُرّك بالكسر، وفك الإدغام على ما عرف في موضعه. وقوله: " فلا يتمسح " من باب التفعل، أشار به إلى أنه لا يتكلف المسح باليمين؛ لأن باب التفعل للتكلف، وإذا جوز " فلا يمس "، وما بعده نفياً ينبغي أن تضم السين والحاء والباء فافهم. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً. 21- ص- حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي قال: ثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب الأفريقي، عن عاصم، عن المسيب بن رافع/ومعبد، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة زوج النبي - عليه السلام-: " [أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) كان يجعلُ يمينهُ لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شمالهُ لما سوى ذلك " (2)

_ (1) زيادة من السنن المطبوع. (2) تفرد به أبو داود. 8* شرح سنن أبي داوود 1

ش- محمد بن آدم بن سليمان المصيصي روى عن: ابن أبي زائدة، وأبي خالد الأحمر، وأبي المليح الرقي، وعبد الله بن المبارك. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي وقال: صدوق. مات سنة خمسين ومائتين (1) . وابن أبي زائدة هو زكرياء، وقد مر ذكره. وأبو أيوب الأفريقي عبد الله بن علي الكوفي الأزرق، روى عن: عاصم، وصفوان بن سليم، وابن شهاب، وسالم أبي النضر، وغيرهم روى عنه: موسى بن عقبة، وابن أبي زائدة، وعبد الرحيم بن سليمان (2) . وقال أبو زرعة: ليس بالمتين في حديثه إنكار، وهو لين. روى له: أبو داود والترمذي (3) . وعاصم هذا هو عاصم بن بهدلة [ابن] أبي النجود أبو بكر المقرئ الأسدي الكوفي، سمع أبا وائل، وأبا رزين، وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: عطاء، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، والثوري، وابن عيينة، وجماعة آخرون. وقال ابن علية: كل من اسمه عاصم سيء الحفظ. وقال أبو حاتم: محله عندي الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري، روى له مسلم مقروناً بعبدة بن أبي لبابة (4) ، (5) . والمسيب بن رافع الأسدي الجاهلي أبو العلاء، والد العلاء، سمع البراء بن عازب، وروى عن: أبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5051) . (2) في الأصل: " عبد الرحمن بن سليمان " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3437) . (4) كذا، وفي تهذيب الكمال (13/480) : " روى له البخاري ومسلم مقروناً بغيره "، وفي التقريب: " وحديثه في الصحيحين مقروناً ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3002) .

وسمع أبا إياس، والأسود بن يزيد، ووراداً (1) كاتب المغيرة، روى له الجماعة (2) . ومعبد هذا، هو معبد بن خالد القيسي الكوفي العاصي، سمع حارثة ابن وهب، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن شداد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة 0 وقال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة ثمان عشرة ومائة. روى له الجماعة (3) . وحارثة بن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، يعد في الكوفيين، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستة أحاديث، اتفقا منها على أربعة أحاديث، روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد، روى له الجماعة (4) . وحفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما، زوج النبي- عليه السلام-، روي لها عن رسول الله- عليه السلام- ستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة، روى عنها (5) عبد الله بن عمر أخوها، والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان. توفيت سنة إحدى وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، روى لها الجماعة (6) . قوله: " لطعامه " يعني: لأجل طعامه، والطعام اسم لما يؤكل، وربما خُص بالبُسر، والشراب اسم لما يشرب، والمعنى: كان- عليه السلام- يأكل بيمينه، ويشرب بيمينه، ويلبس بيمينه.

_ (1) في الأصل: " ووراد ". (2) المصدر السابق (27/5970) . (3) المصدر السابق (28/6070) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/285) ، وأصد الغابة (1/430) ، والإصابة (1/299) (5) في الأصل: " لها " خطأ. (6) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (1/268) ، وأسد الغابة (7/65) ، والإصابة (4/273) .

22- ص- ثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كانت يدُ رسول الله اليُمنى لطُهُوره وطعامه، وكانت يدُهُ اليُسرى لخلائه، وما كان منْ أذى " (1) . ش- الربيع بن نافع أبو توبة الحلبي، سكن طرسوس، وسمع معاوية ابن سلام، ومحمد بن مهاجر، وعطاء بن مسلم، وهشام بن يحيى، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه، وأبو داود، وغيرهم (2) . وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قد مر في أول الكتاب. وابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة، وقد مضى ذكره. وأبو معشر هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي أبو معشر الكوفي، روى عن: إبراهيمْ النخعي، وسعيد بن جبير، وفضيل بن عمرو. روى عنه: قتادة، وأيوب السختياني، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، وقد ذكر مرة.

_ (1) أخرجه أبو داود (34) ، وفي كتاب اللباس، باب: في الانتعال (4140) ، والبخاري في: كتاب الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل (168) ، ومسلم في: كتاب الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره (268/66) , 67) ، والترمذي في: كتاب الصلاة، باب: ما يستحب من التيمن في الطهور (608) ، والنسائي في: كتاب الطهارة، باب: بأي الرجلين يبدأ بالغسل (1/78) ، وفي كتاب الزينة، باب: التيمن في الترجل (8/133) ، وابن ماجه في: كتاب الطهارة، باب: التيمن في الوضوء (401) ، كلهم من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1872) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2065) .

قوله: " لطُهوره " الطهور بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به. وقال سيبويه: الطهور بالفتح: يقع على الماء والمصدر معاً. قوله: " وما كان من أذى " عطف على قوله: " لخلائه " فيكون محله من الإعراب الجر، والأذى: النجاسة. وهذا الحديث منقطع؛ لأن إبراهيم/لم يسمع من عائشة، وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة بمعناه، وأخرجه في " اللباس " من حديث مسروق عن عائشة بمعناه، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1) . 23- ص- وثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي- عليه السلام- بمعناه (1) . ش- محمد بن حاتم بن بزيع البصري، يكنى أبا عبد الله، ويقال: أبو سعيد، سمع الأسود بن عامر، ويحيى بن [أبي] بكير، وجعفر بن عون، وإسحاق بن منصور. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال: ثقة. مات سنة تسع وأربعين ومائتين (2) . وعبد الوهاب بن عطاء أبو نصر الخفاف البصري العجلي مولاهم، سكن بغداد، سمع سليمان التيمي، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وحميداً (3) الطويل، وشعبة، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأحمد بن الوليد، وغيرهم. مات سنة أربع ومائتين. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . وسعيد هو سعيد بن أبي عروبة، وأبو معشر هو زياد، وإبراهيم هو النخعي، وقد ذكروا. والأسود هذا هو ابن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهل بن بكر بن عوذ النخعي أبو عمرو، ويقال:

_ (1) انظر التخريج السابق. (2) المصدر السابق (25/5124) . (3) في الأصل: " حميد ". (4) المصدر السابق (18/3605)

13- باب: الاستتار في الخلاء

أبو عبد الرحمن الكوفي، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة ابن قيس، وكان أسن من علقمة، وهو خال إبراهيم بن يزيد النخعي، رأى أبا بكر وعمر وروى عنهما، وعن علي بن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وسمع عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل،. وأبا موسى الأشعري، وعائشة زوج النبي- عليه السلام-. روى عنه: ابنه عبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وأبو إسحاق السبيعي. وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة. مات سنة أربع وسبعين. روى له الجماعة (1) . *** 13- باب: الاستتار في الخلاء أي: باب في حكم الاستتار في الخلاء. 24- ص- ثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنبأ عيسى بن يونس، عن ثور، عن الحصين الحُمْراني (2) ، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام- قال: " من اكْتحل فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن اسْتجْمر فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا فلا حرج، ومنْ كل فما تخلل فليلفظْ، وما لاك بلسانه فليبْتلعْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومنْ لا فلا حرج، ومنْ أتى الغائط فليستتر، فإنْ لمْ يجدْ إلا أنْ يجْمع كثيباً من رمْل فليسْتدْبرْهُ، فإن الشيطان يلعبُ بمقًاعد بنى آدم، منْ فعل فًقدْ أحسن، ومن لا فلا حرج " (3) . ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الرازي أبو إسحاق الفراء، يعرف بالصغير، سمع عبد الوارث بن سعيد، وأبا الأحوص،

_ (1) المصدر السابق (3/509) . (2) في سنن أبي داود: " الحبراني " وهو مروي فيه. (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الارتياد للغائط والبول (337) ، وروى الجملة الأولى فقط في الطب (3498) .

ويحيى بن زكرياء، وخالد بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى الترمذي عن البخاري عنه، وروى له ابن ماجه (1) . وعيسى بن يونس قد مر ذكره. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي، ويقال: الرحبيُ أبو خالد، الشامي الحمصي، سمع خالد بن معدان، ومكحولاً، وأبان بن أبي عياش، وعمرو بن شعيب، والزهري، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: مالك، والثوري، وابن عيينة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وابن المبارك، وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن سعد: ثقة في الحديث، ويقال: إنه كان قدريا. وقال ابن عدي: لا أرى بحديثه بأساً إذا روى عنه ثقة أو صدوق. توفي بالقدس سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وستين سنة. روى له الجماعة إلا مسلماً (2) . والحصين الحُمْراني- بضم الحاء المهملة، وسكون الميم- ويقال: الحُبْراني، روى عنه: ثور المذكور، وأبو عاصم عن ثور عنه (3) . وأبو سعيد هذا هو أبو سعيد الخير الحمصي، روى عن أبي هريرة. روى عنه حصين الحُمراني 0 وقال أبو داود: أبو سعيد الخير من الصحابة. وروى ثور بن يزيد، عن الحصن الحُمْراني [عنه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:] (4) سألت أبا زرعة عنه فقال: لا أعرفه. قلت: لقي أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع (5) . قوله: " من اكتحل فليوتر " أي: فليجعل الاكتحال فرداً، إما واحدة، أو ثلاثاً، أو خمساً، وإنما أمر بالإيتار لقوله- عليه السلام-: " إن الله

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/254) . (2) الصدر السابق (4/862) . (3) الصدر السابق (6/1378) . (4) زيادة من تهذيب الكمال. (5) الصدر السابق (33/7394) .

وتر يحب الوتر " (1) . وهذا الأمر من الأمور الندبية، كقوله تعالى: (فكاتبُوهُمْ) (2) ، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما:/أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، غير مشتمل على ثواب الآخرة فافهم. وقد علم في الأصول أن الأمر يستعمل في أكثر من خمسة عشر معنى. قوله: " من فعل فقد أحسن " أي: من فعل الإيتار فقد أحسن في فعله، أي: أتى بالفعل الحسن، ولتضمن " منْ " هاهنا معنى الشرط دخل في جوابه الفاء. قوله: " ومن لا فلا حرج " أي: ومن لم يفعل الإيتار فلا حرج عليه، أي: لا إثم عليه. وقد دل معنى الحرج على أن الإيتار ليس بواجب، وإنما هو مندوب كما ذكرناه. قوله: " ومن استجمر فليوتر " الاستجمار: التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سُميت جمار الحج، وهي الحصى التي يرمى بها، سمي استجماراً (3) لأنه يطيب المحل كما تطيبه الاستجمار بالبخور. وقد قيل في قوله: " من استجمر فليوتر " إنه البخور، مأخوذ من الجمر الذي يوقد فيه، وقد كان الإمام مالك يقوله ثم رجع عنه، ومعنى قوله: " فليوتر ": اجعل الحجارة التي تستنجي بها فرداً، إما واحدة، أو ثلاثاً، أو خمساً، وبهذا احتج أبو حنيفة وأصحابه على أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاثة. قوله: " من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج " قال الخطابي (4) : " معناه: التخيير بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي

_ (1) البخاري: كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة (6410) ، مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (2677/5، 6) من حديث أبي هريرة. (2) سورة النور: (33) . (3) في الأصل: " استجمارٌ ". (4) انظر: معالم السنن (1/22) .

للترخيص، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وترا ثلاثاً وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره، وليس معناه ترك التعبد أصلاً، بدليل حديث سلمان: " نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " (1) . قلت: قال الأستاذ فخر الدين في التمسك بالحديث: الشارعُ نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنه ليس بواجب، وكذلك ترك الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعاً، فما ظنك في ترك وصفه؟ فدل الحديث على انتفاء المجموع. وقال الخطابي (2) : " وفيه وجه آخر: وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان، وترك للسُنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعاً ". قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على الفطن، وأيضاً مجاوزة الثلاث في الماء، كيف يكون عدواناً إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث؟ والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعاً كيف لا تصير عدواناً، وقد نص على الإيتار؟ فافهم. قوله: " ومن كل فما تخلّل فليلفظْ " " الفاء " في قوله: " فما تخلل " للترتيب المعنوي، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو قوله: " توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه، وغسل رجليه ". وقوله: " تخلل " أي: تخلل بالخلال بعد الأكل. قوله: " فليلفظْ " أي: فليرم؛ لا معنى " اللفظ " في اللغة: الرمي، يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها، ولفظت الرحى الدقيق، أي: رمتهُ، وهذا أيضاً من الأمور الإرشادية. قوله: " وما لاك " عطف على قوله: " فما تخلل " من اللوْك، يقال: لكْتُ الشيء في فمي ألوكه، إذا علكتُه، وقد لاك الفرس اللجام.

_ (1) مسلم: كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (262/57) . (2) المصدر قبل السابق.

قوله: " فليبتلع " أمر من الابتلاع، البلع والابتلاع بمعنى، وإنما أمر في التخلل برمي الخلالة، لأنها تنْتنُ بين الأسنان، فتصير مستقذرة، وروي عن ابن عمر أن تركها توهن الأضراس. وفي اللوْك بالابتلاع؛ لأن رمي اللقمة بعد لوكها إسراف وبشاعة للحاضرين. قوله: " كثيباً من رمل " الكثيب: الرمل المستطيل المُحْدودب. قوله: " فليستدبره " أي: فليستدبر الكثيب، أي: يجعله عند دبره. قوله: " فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " يعني: أن الشياطين تحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع يخلى منها ذكر الله تعالى، وتكشف فيها العورات، وهو معنى قوله: " إن هذه الحشوش محتضرة " (1) . وأمر بالتستر ما أمكن، وألا يكون قعوده في براح من الأرض تقع عليه أبصار الناظرين، أو تهب الريح عليه، فيصيبه نشر البول، فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به، والمقاعد: مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها، ولعب الشيطان بمقاعد بني آدم كناية عن إيصاله الأذى والفساد إليهم. قوله: " من فعل فقد أحسن ... " يعني: من فعل الاستدبار بالكثيب ونحوه فقد أحسن فيه، ومن تركه فلا حرج عليه، وإنما قلنا هكذا لأن التستر واجب، وكيف لا يكون/في تركه حرج؟ اللهم إلا إذا كان في حالة لا يقدر فيها على التستر أصلاً، يكون حينئذ لا حرج عليه، ويكون المعنى في هذه الصورة: ومن لم يفعل ذلك لأجل ضرورة لا حرج عليه، فافهم، فإنه موضع دقيق. ص- قال أبو داود: رواه أبو عاصم عن ثور. قال حصين الحمراني: ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخبر. قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي- عليه السلام-.

_ (1) أبو داود: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (6) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (296) من حديث زيد بن أرقم.

14- باب: ما ينهى عنه أن يستنجى به

ش- أبو عاصم هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك البصري، أبو عاصم النبيل، سمع عبد الله بن عون، والأوزاعي، وثور بن يزيد وغيرهم. روى عنه: محمد بن المثنى، وابن بشار، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين بالبصرة، وهو ابن تسعين سنة. روى له الجماعة. سمي نبيلاً لأنه [كان لا يلبس الخُزُوز (1) وجيد] (2) الثياب (3) . وعبد الملك بن الصباح المسْمعي أبو محمد البصري، روى عن عبد الله ابن عون، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، وعمران بن حدير (4) ، وشعبة، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري. روى عنه: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ونعيم بن حماد، وغيرهم. قال أبو حاتم: هو صالح. روى له: البخاري، ومسلم، وابن ماجه (5) . *** 14- باب: ما ينهى عنه أن يستنجى به أي: باب في حكم الشيء الذي نُهي عن الاستنجاء به. 25- ص- حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال: ثنا الفضل- يعني: ابن فضالة المصري- عن عياش بن عباس القتباني، أن شييْم بن بيْتان أخبره، عن شيبان القتباني: " أن مسلمة بن مُخلد استعمل رُويفع بن ثابت على أسفل الأرض. قال شيبانُ: فسرْنا معه من كوم شريك إلى علقماء، أو من علقماء إلى كوْم شريكٍ - يُريدُ علقام- فقال رويفعٌ: إن

_ (1) جمع خز، والخز من الثياب ما ينسج من صوف وحرير خالص. (2) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من تهذيب الكمال. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2927) . (4) في الأصل: " حديث " خطأ. (5) المصدر السابق (18/3534) .

كان أحدُنا في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليأخذُ نضْو أخيه على أن له النصف مما يغنمُ وله (1) النصف، وإن كان أحدُنا ليطيرُ له النّصْلُ والريشُ، وللآخر القدحُ، ثم قال لي رسولُ الله: يا رويفع، لعل الحياة ستطولُ بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظمٍ، فإن محمداً منه بريء " (2) . ش- يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موْهب الهمداني الرملي أبو خالد، روى عن الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن زكرياء، وغيرهم روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، وجعفر بن محمد الفريابي وغيرهم. مات سنة ثلاث، وقيل: سبع ومائتين (3) . والمُفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة بن مزيد بن نوف بن النعمان بن مسروق أبو معاوية الرعُيني ثم القتباني المصري قاضيها. روى عن عُقيل بن خالد، وعياش. بن عباس، وابنه عبد الله بن عياش، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وابنه فضالة بن المفضل، ويحيى بن غيلان وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وفي رواية: رجل صدق. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي في شوال سنة إحدى وثمانين ومائة، وصلى عليه إسماعيل بن صالح أمير البلد، وولي القضاء بمصر مرتين، وولد سنة سبع ومائة روى له الجماعة (4) . وعياش بن عباس بن جابر بن ياسين أبو عبد الرحيم القتباني، وقتبان من رُعى المصري، رأى عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وروى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي النضر سالم، والضحاك بن زمل، وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد، والمُفضل بن فضالة، وابنه أبو جعفر عبد الله بن عياش، وحيوة بن شريح، وغيرهم. وقال ابن

_ (1) في سنن أبي داود: " ولنا ". (2) النسائي: كتاب الزينة، باب: عقد اللحية (8/135) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6982) . (4) المصدر السابق (28/6151) .

معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وشييم- بكسر الشين المعجمة، وياء آخر الحروف مكررة- ابن بيْتان - بباء موحدة، بعدها ياء آخر الحروف، ثم تاء مثناة من فوق- القتباني المصري روى عن: رويفع بن ثابت الأنصاري، وجنادة بن أمية، وأبي حذيفة شيبان بن أمية. روى عنه: عياش بن عباس، وخير بن نُعيم. قال ابن معين (2) : ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وشيبان بن أمية، ويقال: ابن قيس القتباني أبو حذيفة، روى عن مسلمة بن مُخلد الزرقي، روى عنه شييم المذكور، وبكر بن سوادة الحزامي، روى له أبو داود (4) . /ومسلمة بن مُخلّد الزُرقي الأنصاري، سكن مصر، وكان والياً من قبل معاوية. روى عنه شيبان بن أمية القتباني. روى له أبو داود. و" مُخلّد " بضم الميم، وتشديد اللام المفتوحة (5) . ورويفع بن ثابت بن سكن بن عدي بن حارثة بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، سكن مصر، واختط بها داراً، وأمره معاوية على أطرابلس سنة ست وأربعين، فغزى من أطرابلس إفريقية سنة سبع وأربعين، ودخلها، وانصرف من عامه. يقال: مات بالشام، ويقال ببرْقة وهو الأرجح. قال البرقي: توفي ببرق (6) وهو أمير عليها. قال أحمد: ولقد رأيت قبره بها روى عنه شيبان بن أمية، ومرثد بن عبد الله. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (7) . قوله: " على أسفل الأرض " أسفل الأرض يُعبر به عن الوجه البحري في مصر.

_ (1) المصدر السابق (22/4600) . (2) في الأصل: " نعيم " خطا. (3) المصدر السابق (12/2792) . (4) المصدر السابق (12/2783) . (5) المصدر السابق (27/5962) . (6) كذا، وفي تهذيب الكمال: " ببرقة ". (7) المصدر السابق (9/1939) .

قوله: " من كوْم شريك " هي بلد في طريق الإسكندرية، وشريك هذا هو ابن سمي المرادي الغُطيفي، وفد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد فتح مصر (1) . قوله: " إلى علقماء " بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وفتح القاف، والميم المقصورة (2) : بلدة في طريق الإسكندرية، وهي اليوم خراب. و " علقام " مثله، إلا أنه بالألف قبل الميم، وهي أيضاً بلدة، واليوم خراب. قوله: " إن كان أحدنا " أصله: " إنه كان "، وتسمى هذه " إنْ " المخففة من المثقلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، والأكثر كون الفعل ماضياً ناسخاً، نحو: (وإن كانتْ لكبيرةً) (3) ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن وغيره. قوله: " ليأخذ نضْو أخيه " النضْو- بكسر النون، وسكون الضاد المعجمة-: البعير المهزول، يقال: بعير نضو، وناقة نضو ونضوة. وقال ابن الأثير (4) : " النضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار، وأذهبت لحمها ". (5) وي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسه أو بعيره على شطر ما يصيبه المستأجر من الغنيمة، وهو قول أحمد والأوزاعي، ولم يجوز ذلك أكثر العلماء، وأوجبوا في مثل هذا أجرة المثل ". قوله: " وإن كان أحدُنا ليطيرُ له النصْلُ والريشُ وللآخر القدحُ " أي: إنه كان أحدنا ليطير له، أي: يصيبه في القسمة، يقال: طار لفلان النصف ولفلان الثلث إذا وقع في القسمة ذلك. وقال ابن الأثير (6) : " إن

_ (1) انظر ترجمته في: الإصابة (2/150) . (2) كذا، والجادة: " وبعد الميم ألف ممدودة " كما في معجم البلدان. (3) سورة البقرة: (143) . (4) انظر: النهاية (5/72) . (5) انظر: معالم السنن (1/23) . (6) انظر: النهاية (3/151) .

الرجلين كانا يقتسمان السهم فيقع لأحدهما نصله، وللآخر قدْحه، وطيرُ الإنسان ما حصل له في علم الله مما قدر له ". وقال الخطابي (1) : " وفيه دليل على أن الشيء المشترك إذا احتمل القسمة، وطلب أحد الشركاء المقاسمة كان ذلك له؛ لأن القدح قد ينتفع به عرياً من الريش والنصل، وكذلك ينتفع بالنصل والريش وإن لم يكونا مركبين في قدح ". والنصل نصل السهم والسيف والسكن والرمح، والجمع " نصول " و" نصال ". والريش للطائر جمع " ريشة ". والقدح بكسر القاف، وسكون الدال: خشب السهم، ويقال للسهم أول ما يقطع: قطع بكسر القاف، ثم ينحت ويُبرى فيسمى بريا، ثم يُقومُ فسمي قدحاً، ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهماً. قوله: " من عقد لحيته " قيل: " (1) كانوا يفعلونه في الحرب، وهو من زي الأعاجم. وقيل معناه: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من قبيل التوضيع والتأنيث، فلأجل ذلك نهاه- عليه السلام- ". قوله: " أو تقلد وتراً " قيل: هي التمائم التي يشدونها بالأوتار، وكانوا يرون أنها تعصمهم من الآفات، وتدفع عنهم المكاره، فأبطل النبي- عليه السلام- ذلك. وقيل: هي الأجراس التي يعلقونها بها. قوله: " أو استنجى برجيع " قد ذكرنا أن الرجيع العذرة والروث، وذلك لأن النجس لا يزيل النجس. قوله: " أو عظم " أي: أو استنجى بعظم؛ لأنه زاد الجن، وهو بعمومه يتناول كل عظم من الميتة أو الذكي. قوله: " فإن محمداً " جواب قوله: " من عقد ... "، ودخل الفاء فيه لتضمن " منْ " معنى الشرط، فانظر إلى هذه التأكيدات: الجملة الاسمية

_ (1) انظر: معالم السنن (1/24) .

التي تدل على الثبات، ودخول " إن " التي للتأكيد، وتقديم الظرف على خبر المبتدأ. وحديث شيبان هذا أخرجه النسائي. 26- ص- حدثنا يزيد بن خالد قال: ثنا مفضل، عن عياش، عن شييم/بن بيتان، أخبره بهذا الحديث عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو، ويذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليُون قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل (1) . قال أبو داود: هو شيبان بن أمية، يكنى أبا حذيفة. ش- يزيد بن خالد ومن بعده قد ذكروا. وأبو سالم الجيشاني يروي عن زيد بن خالد الجهني، روى عنه: بكر ابن سوادة. والجيشاني بالجيم وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة، نسبة إلى جيشان، قبيل من اليمن (2) . وعبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو، وقد ذكرنا بقية نسبه عند أبيه عمرو، يكنى أبا محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن. أسلم قبل أبيه. روي له عن رسول الله- عليه السلام- سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين. روى عنه: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وغيرهم. مات بمكة، وقيل بالطائف، وقيل بمصر سنة خمس وستين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، روى له الجماعة (3)

_ (1) في سنن أبي داود: " على جبل بالفسطاط "، وانظر تخريجه في الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2417) . قلت: واسم أبي سالم: سفيان بن هانئ. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/346) ، وأسد الغابة (3/349) ، والإصابة (2/351) .

قوله: " حصن أليون بالفسطاط " الفسطاط مدينة مصر، وفي الأصل الفسطاط بيت من شعر، ولكن سميت بها مدينة مصر؛ لأن عمرو بن العاص لما فتحها ضرب فسطاطه على موضع الجامع المعروف به، فبنى الجامع، وبنى المسلمون حواليه دوراً ومساجد وأسواقاً، ولم نزل مصر - وهي الفسطاط- كرسي المملكة، حتى تولى مصر أحمدُ بنُ طولون من جهة المعتز بالله في سنة أربع وخمسين ومائتين، فبنى له ولعسكره القطائع في شمالي مصر، وبنى عند القطائع جامعه المعروف به في سنة تسع وخمسين ومائتين، ثم لم يزل الأمر كذلك حتى بنيت القاهرة في سنة ثمان وخمسين [وثلاثمائة] على يد جوهر القائد المعزي. 27- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا روحُ بنُ عُبادة قال: ثنا زكريا بن إسحاق قال: ثنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " نهانا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتمسح بعظم أو بعْرة " (1) . ش- أحمد بن حنبل الإمام قد مضى ذكره. وروح بن عُبادة- بضم العين، وعبادة بفتح العين لم تقع إلا في البخاري وسنن ابن ماجه فقط- وهو: ابن العلاء بن حسان بن عمرو بن مرثد القيسي أبو محمد البصري، من بني قيس بن ثعلبة من أنفسهم، روى عن عمران بن حدير، وسعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، والثوري، وشعبة، والأوزاعي وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، إسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن لمثنى، وغيرهم. روى له الجماعة (2) . وزكرياء بن إسحاق المكي، روى عن: عطاء بن أبي رباح، وعمرو ابن دينار، ويحيى بن عبد الله، روى عنه: ابن المبارك، ووكيع،

_ (1) في سنن أبي داود: " أو بعر "، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (263/58) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1930) . 9* شرح سنن أبي داوود 1

وأبو عاصم النبيل. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، روى له الجماعة (1) . وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي الأسدي، مولى حكيم بن حزام، وقد مضى ذكره. قوله: " أن نتمسح " من باب التفعل، أشار به إلى أن لا يتكلف المسح بالعظم والبعرة، أما العظم فلما ذكرنا، وأما البعرة فلأنها نجس، فلا يزيل النجس. وحديث جابر هذا أخرجه مسلم. 28- ص- حدثنا حيوة بن شريح الحمصي قال: ثنا ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيْباني، عن عبد الله ابن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود قال: " قدم وفدُ الجن على رسول اله- عليه السلام- فقالوا: يا محمدُ، انْه أمتك أن يستنجُوْا بعظمٍ، أو روثة، أو حُممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزْقاً. قال: فنهى النبيُ- عليه السلاًم- " (2) . ش- حيوة قد ذكر. وابن عياش هو: إسماعيل بن عياش بن سُليم السامي الحمصي العنسيُّ - بالنون-، سمع شرحبيل بن مسلم، وثور بن يزيد، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك (3) ، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن معين، وجماعة آخرون كثيرة، وفيه مقال كثير، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . ويحيى بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو زرعة، يكنى أبا زرعة السّيْباني - بالسين المهملة، بعدها ياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة- ونسبته

_ (1) المصدر السابق (9/1990) . (2) في سنن أبي داود: " فنهى النبي- عليه السلام- عن ذلك "، والحديث تفرد به أبو داود. (3) مكرر في الأصل. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/472) .

إلى سيْبان بن الغوث بن سعد الشامي الحمصي، وهو ابن عم أبي عمرو الأوزاعي الإمام. روى عن أبيه، وعبد الله ابن الديلمي، وأبي سلام الأسود، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، وابن المبارك، وعطاء بن أبي مسلم، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعبد الله بن فيروز الديلمي أبو بُسر- بالسين المهملة، وقيل: بالمعجمة- روى عن أبيه/، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن أبي عمرو السيباني، وعروة بن رُويم، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وعبد الله بن مسعود بن غافل- بالغين المعجمة والفاء- ابن حبيب بن شمْخ بن مخزوم الهذلي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدراً والمشاهد، وهو صاحب نعل رسول الله- عليه السلام-، روي له عن رسول الله ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين روى عنه: أنس بن مالك، وأبو رافع مولى النبي- عليه السلام-، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم من الصحابة والتابعين، نزل الكوفة، ومات بها سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: مات بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع، روى له الجماعة (3)

_ (1) المصدر السابق (31/6893) . (2) المصدر السابق (15/3484) ، وفيه وفي التقريب وغيرهما أن الترمذي لم يرو له. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/316) ، وأسد الغابة (3/384) ، والإصابة (2/368) .

قوله: " قدم وفد الجن " الوفد: " القوم يجتمعون ويردُون البلاد، وواحدهم وافد، كركب وراكب، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته فوفد وأوفد على الشيء فهو مُوفد إذا أشرف " (1) . والجن خلاف الإنس، والواحد جني، سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى، " وأصله من جنّ إذا ستر، ومنه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه، والجنة من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف أشجارها وتظليله بالتفاف أغصانها " (2) . والجن ولد إبليس، والكافر منهم شيطان، ولهم ثواب وعقاب، واختلف في دخولهم الجنة. وعن ابن عباس: " إنهم ولد الجن بني الجان، وليسوا بشياطين، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، ويعيشون ويموتون، والشياطين لا يموتون إلا عند موت إبليس. وكانت هذه القضية في مكة، لما روي عن قتادة، عن النبي- عليه السلام- أنه قال: " إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ فاتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شعب الحجون، وخط على ابن مسعود خطا وقال: إياك أن تخرج من هذا الخط، فإنك إن خرجت منه لم تلقني إلى يوم القيامة، وتوجه إليهم يقرئهم القرآن، ويدعوهم إلى الصبح " الحديث (3) ، وكانوا من جن نصيبين: وقال ابن عباس: من أهل نينوي. وقال مجاهد: من أهل حران. وقال عكرمة: من حرين الموصل ابني عثر. وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة. وقال ابن عباس: سبعة. وقال مجاهد: ثلاثة من أهل نجران، وأربعة من نصيبين، وهم شاحر، وناحر، ودسّ، ومسّ، والأزد، والابنان، والأحقم.

_ (1) انظر: النهاية (5/209) . (2) انظر: النهاية (1/307) . (3) أخرجه من هذه الطريق المرسلة ابن جرير في تفسيره (26/31) ، ولأصل الحديث طرق صحيحة متصلة، وقد جمعها الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية التاسعة والعشرين وما بعدها من سورة الأحقاف، فانظرها هناك.

15- باب: الاستنجاء بالأحجار

قوله: " أو حُممة " بضم الحاء المهملة، وفتح الميمين، وهي الفحم، وما احترق من الخشب والعظام ونحوهما، وجمعها " حُمم ". قوله: " فيها " أي: في العظم والروثة، والحُممة. وظاهر الحديث: أن رزقهم من هذه الأشياء، فلذلك منع النبي- عليه السلام- عن الاستنجاء بها، ولكون الروثة نجساً، والحُممة ليس لها ثبات فتفتت بالتماس. *** 15- باب: الاستنجاء بالأحجار أي: هذا باب فيه بيان حكم الاستنجاء بالأحجار. 29- ص- حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها-: أن رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط فليذهبْ معه بثلاثة أحجار يستطيبُ بهن، فإنها تُجزئُ عنه " (1) . ش- سعيد بن منصور بن سعيد أبو عثمان الخراساني المروزي، ويقال: الطالقاني، ويقال: ولد بجوزجان، ونشاً ببلخ، سكن مكة، ومات بها سنة سبع وعشرين ومائتين. سمع مالك بن أنس، وابن عيينة، والليث بن سعد، وعبد العزيز الدراوردي، وغيرهم. روى عنه: أحمد ابن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى البخاري ومسلم والترمذي عن رجل عنه (2) - وقتيبة بن سعيد مضى ذكره. ويعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري - بتشديد الياء- حليف بني زهرة المدني، سكن الإسكندرية، سمع أباه،

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها (1/41) ، والدارقطني: كتاب الطهارة (1/54- 55) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2361) .

وأبا حازم، وموسى بن عقبة،/ومحمد بن عجلان وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن وهب، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى، وأبو صالح عبد الغفار الحراني. قال ابن معين: كان ثقة. روى له الجماعة إلا ابن ماجه (1) . وأبو حازم سلمة بن دينار المدني الأعرج الأفزر المخزومي، مولى الأسود بن سفيان، سمع سهل بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد ابن المسيب، وأبا صالح ذكوان، ومسلم بن قرط، وعمرو بن شعيب، وغيرهم. روى عنه ابناه: عبد العزيز، وعبد الجبار، والزهري وهو أكبر منه، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عيينة أخو سفيان، وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . ومسلم بن قرط الحجازي روى عن عروة بن الزبير، روى عنه أبو حازم، روى له أبو داود، والنسائي (3) . وعروة بن الزبير مر ذكره. قوله: " فليذهب معه " " مع " اسم بدليل التنوين في قولك: معاً، ودخول الجار في قولك: ذهبت منْ معه، حكاه سيبويه. ولها ثلاث معان: موضعُ الاجتماع، ولهذا يخبر بها عن الذوات، نحو (واللهُ معكُمْ) (4) ، وزمانية، نحو: جئتك مع العصر، ومرادفة " عند "، وتكون حالاً، نحو: جاء زيد وعمرو معاً، يعني: مجتمعين، وهاهنا يجوز أن تكون للحال، والتقدير: فليذهب بثلاثة أحجار مصاحبة معه، و" الباء " في قوله: " بثلاثة أحجار " باء التعدية؛ لأن " ذهب " لازم. وقوله: " يستطيب بهن " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة لقوله: " بثلاثة أحجار "، ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأن الاستطابة لا تحصل

_ (1) المصدر السابق (32/7095) . (2) المصدر السابق (11/2450) . (3) المصدر السابق (27/5937) . (4) سورة محمد: (35) .

حالة الذهاب، والاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء، سمي بها من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء، أي: يطهره، يقال: من أطاب واستطاب، وقد ذكرناه. قوله: " فإنها " أي: الأحجار " تجزئ عنه " من قولك: أجزأني الشيء أي: كفاني، وهو بالهمزة، وثلاثيه: جزأ، يقال: جزأ عني هذا الأمر، أي: قضى، والضمير في " عنه " راجع إلى الاستطابة التي دل عليها قوله: " يستطيب بهن "، وإنما ذكره باعتبار المذكور المقدر، وبهذا احتج الشافعي على تنصيص العدد، والجواب عنه أنه متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع. وحديث عائشة هذا أخرجه النسائي والدارقطني. 30- ص- حدّثنا عبد الله بن محمد النُّفيلي قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت قال: " سُئل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الاسْتطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع " (1) قال أبو داود: هكذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشامً. ش- عبد الله بن محمد النفيلي قد مر ذكره، وكذلك أبو معاوية محمد ابن خازم الضرير. وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني أبو المنذر، رأى عبد الله بن عمر، ومسح رأسه، ودعى له، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وسمع عبد الله بن الزبير، وأباه، وإخوته: عبد الله، وعثمان، ووهب بن كيسان، وجماعة آخرين. روى عنه: زهير بن معاوية، ويحيى بن زكرياء، والضحاك بن عثمان، وأبو معاوية الضرير، ويحيى القطان، وجماعة آخرون كثيرة. وقال

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة (315) .

ابن سعد: كان ثقة ثبتاً، كثير الحديث، حُجة. مات ببغداد، ودفن في مقبرة الخيرزان في سنة ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . وعمرو بن خزيمة ويقال: أبو خزيمة المزني، روى عن عمارة بن خزيمة روى عنه هشام بن عروة، روى له: أبو داود، وابن ماجه حديثه عن أهل المدينة (2) . وعمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد المدني، روى عن أبيه وعمه، روى عنه: عمرو بن خزيمة، والزهري، وأبو جعفر الخطمي، ومحمد بن زرارة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وخزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر (4) بن غيان بن عامر بن خطمة بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عمارة ذو الشهادتين. روي له عن رسول الله ثمانية وثلاثون حديثاً، روى عنه إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، روى له الجماعة إلا البخاري (5) . وأبو أسامة: حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي، سمع هشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، وغيرهم روى عنه: الشافعي، وقتيبة، وابن معين، وغيرهم توفي سنة إحدى ومائتين، روى له الجماعة (6) /وابن نمير هو: عبد الله بن نمير أبو هشام الخارفي الكوفي، سمع هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عمر العمري، والأعمش، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه ابنه محمد،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6585) . (2) المصدر السابق (21/4359) . (3) المصدر السابق (21/4182) . (4) في الأصل: " عمار "، وما أثبتناه من مصادر الترجمة. (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/417) ، وأسد الغابة (2/133) ، والإصابة (1/425) . (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1471) .

16- باب: في الاستبراء

وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وغيرهم من الثقات. توفي في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائة، وولد سنة خمس عشرة ومائة، روى له الجماعة (1) . وحديث خزيمة هذا أخرجه ابن ماجه. *** 16- باب: في الاستبراء أي: هذا باب في بيان طلب البراءة من الحدث؛ لأن " سين " الاستفعال للطلب. 31- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ المعنى قالا: ثنا عبد الله بن يحيى التوأم. ونا أبو داود قال: ثنا عمرو بن عون قال: أنا أبو يعقوب التوأم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: " بال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام عمرُ خلفهُ بكُوز من ماء، فقال: ما هذا يا عمرُ؟ " قال: ماء توضبه " (2) . قال: ما أمرت كًلما بُلتُ أن أتوضأ، ولو فعلتُ لكانتْ سُنةً " (3) . ش- خلف بن هشام بن ثعلب- بالثاء المثلثة- أبو محمد البزار - آخره راء- البغدادي، ويقال: خلف بن هشام بن طالب بن غراب المقرئ، سمع مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وشريك بن عبد الله النخعي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وأبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، وجماعة آخرون. وقال النسائي: هو بغدادي ثقة. مات سنة تسع وعشرين ومائتين (4) .

_ (1) الصدر السابق (16/3618) . (2) في سنن أبي داود: " فقال: هذا ماء تتوضأ به "، وانظر تعليق الشارح عليه. (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من بال ولم يمس ماء (327) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1713) .

17- باب: الاستنجاء بالماء

وعبد الله بن يحيى التوأم أبو يعقوب الثقفي المصري، ولد هو وأخوه في بطن واحد، روى عن عبد الله بن أبي مليكة، روى عنه: عمرو بن عون. قال يحيى: التوأم عن ابن أبي مليكة ضعيف. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبو بكر المكي الأحول، كان قاضياً لعبد الله بن الزبير، ومؤذناً له. سمع عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، والمسور بن مخرمة، وعقبة بن الحارث، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصّدّيق- رضي الله عنهم-. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو ابن دينار، وأيوب السختياني، وابن جريج، ونافع بن عمر، والليث ابن سعد، وغيرهم. قال أبو زرعة وأبو حاتم: مكي ثقة. توفي سنة سبع عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " توضأ به " أصله: " تتوضأ به " فحذفت منه إحدى التاءين، كقوله تعالى: (ناراً تلظى) (3) أصله: تتلظى. قوله: " لكانت " أي: الفعلة التي دل عليها قوله: " فعلت "، وهذا الحديث رد على من يقول: شرطُ الوضوء الحدث. ووجه هذا التبويب بالاستبراء كون عمر- رضي الله عنه- أتى بالماء إلى رسول الله بعد أن بال ليتوضأ به، ويستبرئ من الحدث. وروى هذا الحديث ابن ماجه أيضاً. *** 17- باب: الاستنجاء بالماء ولما فرغ عن بيان الاستنجاء بالأحجار ونحوها، شرع في بيان الاستنجاء بالماء.

_ (1) المصدر السابق (16/3650) . (2) المصدر السابق (15/3405) . (3) سورة الليل: (14) .

32- ص- حدثنا وهب بن بقية، عن خالد (1) الواسطي، عن خالد - يعني: الحذاء- عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل حائطاً ومعه غُلام معه ميضأةٌ، وهو أصْغرُنا، فوضعها عند السّدرة، فقضى حاجتهُ، فخرج علينا وقد استنجى بالماء " (2) . ش- وهب بن بقية بن عثمان بن سابور- بالسين المهملة- ابن عبيد ابن آدم بن زياد بن ضبع بن قيس بن سعد بن عبادة أبو محمد الواسطي، يعرف ب " وهْبان "، سمع خالد بن عبد الله، وجعفر بن سليمان، وهشيم بن بشير، ونوح بن قيس، روى عنه: مسلم، وأبو داود، وحنبل بن إسحاق، وغيرهم، روى النسائي عن رجل عنه. ولد سنة خمس وخمسين ومائة، ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين (3) . وخالد بن مهران الحذاء أبو المُنازل البصري القرشي مولاهم، وقيل: مولى بني مجاشع، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا عثمان النهدي، وعطاء بن أبي ميمونة، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. سمع منه محمد ابن سيرين، والأعمش، ومنصور. وروى عنه: ابن جريج، والثوري، وشعبة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: ثبت. مات سنة ثنتين وأربعين ومائة، روى له الجماعة (4) .

_ (1) في الأصل: " خلف " خطأ، وإنما هو خالد بن عبد الله الواسطي. (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: حمل العنْزة مع الماء في الاستنجاء (152) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب. الاستنجاء بالماء من التبرز (270، 271) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء (1/42) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6750) . قلت: أهمل المصنف ترجمة خالد الواسطي، وهو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد الواسطي. روى عن: خالد الحذاء، وسعيد بن أبي عروبة، وسهيل بن أبي صالح روى عنه: عبد الرحمن بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ووهب بن بقية، وغيرهم. مات سنة تسع وسبعين ومائة، روى له الجماعة، وانظر ترجمته قي: تهذيب الكمال (8/1625) . (4) المصدر السابق (8/1655) .

وعطاء بن أبي ميمونة البصري،/مولى أنس بن مالك، ويقال: مولى عمران بن حصين. سمع أنس بن مالك، وأبا رافع الصائغ. روى عنه: خالد الحذاء، وروح بن القاسم، وشعبة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: يحتج بحديثه (1) . وقال ابن عدي: وفي حديثه بعض ما ينكر عليه. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (2) . قوله: " دخل حائطاً " الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، أي: جدار، وجمعه: " الحوائط "، والحائط بمعنى الجدار، ويجمع على حيطان. قوله: " ميضأة " بكسر الميم، وبهمزة بعد الضاد، وهي الإناء الذي يتوضأ به، كالركوة والإبريق ونحوهما، وقوله: " معه ميضأة " جملة وقعت صفة لـ " غلام ". قوله: " وهو أصغرنا " جملة وقعت حالاً عن " غلام "؛ لأن تقدير الكلام: ودخل معه غلام، والحال أنه أصغرنا في السن في هذا الوقت. قوله: " فوضعها عند السدرة " أي: وضع الميضأة بحضرة السدرة؛ لأن " عند " للحضرة، و " السدرة " - بكسر السين-: شجرة النبق. قوله: " فقضى حاجته " أي: قضى رسول الله حاجته. قوله: " وقد استنجى بالماء " جملة فعلية وقعت حالاً، وقد علم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً وكان فعلها ماضياً مثبتاً، لا بد فيه من " قد " إما محققة أو مقدرة، نحو: جاء زيد قد ضحك، وقوله تعالى: (أوْ جاءُوكُمْ حصرتْ صُدُورُهُمْ) (3) أي: قد حصرت، وذلك لأن الماضي

_ (1) كذا في الأصل، والذي في الجرح والتعديل (6/الترجمة 1862) ، وتهذيب الكمال: " صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريا ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/3942) . (3) سورة النساء: (90) .

من حيث إنه منقطع الوجود عن زمن الحال، مناف للحال المتصف بالثبوت، فلا بد من " قد " ليقرب به من الحال، فإن القريب من الشيء في حكمه، وجوز البعض الترك (1) مطلقاً إذا وجد الواو، والأصح ما قلنا. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس. والثانية: الاستتار عن أعين الناظرين. والثالثة: جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته. والرابعة: استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل، والتبرك بذلك (2) . والخامسة: جواز استخدام الصغار. والسادسة: جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه، ورجحانه على الاقتصار على الحجر. وقد اختلف الناس في هذه المسألة، والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فإن اقْتصر اقْتصر على أيهما شاء، لكن الماء أفضل، لأصالته في التنقية، وقد قيل: إن الحجر أفضل. وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا لمن عدم الماء. وحديث أنس هذا أخرجه البخاري ومسلم. 33- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: أنا معاوية بن هشام، عن يونس ابن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " نزلتْ هذه الآية في أهل قُباء: (فيه رجال

_ (1) في الأصل: " ترك ". (2) ليس ثمة دليل على جواز التبرك بأهل الفضل والصلاح، بل السلف- رحمهم الله- على خلاف ذلك، وما ورد من تبرك الصحابة- رضوان الله عليهم- بوضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونخامته وغير ذلك، فهو أمر يقيني، وأما الصلاح والتقوى في حق غيره فهو ظني، ولا يقاس ظني على يقيني، ولو كان ذلك جائزا لفعله صحابته- رضوان الله عليهم- بعضهم مع بعض! والله أعلم.

يُحبُّون أن يتطهرُوا ((1) قال: " كانُوا يستنجُون بالماء، فنزلتْ فيهم هذه الآيةُ " (2) . ش- محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي، وقد ذكرناه. ومعاوية بن هشام أبو الحسن القصار الكوفي، سمع ابن عيينة (3) ، وحمزة الزيات، وشريك بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو كريب، وغيرهم. قال ابن معين: صالح وليس بذاك. وقال أبو حاتم: هو أقوى حديثاً من يحيى بن يمان، وهو صدوق، روى له الجماعة إلا البخاري (4) ويونس بن الحارث الطائفي، روى عن: أبي بردة بن أبي موسى، وأبي عون، وإبراهيم بن أبي ميمونة، روى عنه: وكيع بن هشام، ووكيع بن الجراح، ْ وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وقال ابن معين: كان ضعيفاً، وكان أحمد بن حنبل يضعفه. وقال ابن عدي: ليس به بأس. روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه (5) . وإبراهيم بن أبي ميمونة روى عن أبي صالح السمان، روى عنه يونس ابن الحارث، روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (6) ووأبو صالح ذكوان قد مر. قوله: " في أهل قُباء " بضم القاف، وتخفيف الباء المقصورة، وقال صاحب " المطالع ": قبا على ثلاثة أميال من المدينة، وأصله أسم بئر

_ (1) سورة التوبة: (108) . (2) الترمذي: كتاب تفسير القران، باب: ومن سورة التوبة (3100) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء (357) . (3) كذا، والذي في تهذيب الكمال وغيره: " سفيان الثوري "، ولم أره فيمن روى عن ابن عيينة في ترجمته، وإنما وجدته في ترجمة سفيان الثوري فيمن روى عنه، والله أعلم. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 6067) . (5) المصدر السابق (32/7173) . (6) المصدر للسابق (2/259) .

18- باب: الرجل يدلك يده با لأرض إذا استنجى

هنالك، وألفه واو يمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، وأنكر البكري القصر فيه، ولم يحك فيه أبو علي سوى المد. وقال الخليل: هو مقصور. قال:/وهو قرية بالمدينة. قوله تعالى: (فيه رجال يُحبُون أن يتطهرُوا) أي: في مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: غريب. *** 18- باب: الرجل يدلك يده با لأرض إذا استنجى أي: باب في حكم الرجل الذي يدلك يده بالأرض إذا استنجى، من دلكت الشيء بيدي أدلكه دلكاً، من باب نصر ينصر. 34- ص- ثنا محمد بن عبد الله المخرمي قال: ثنا وكيع، عن شريك المعنى. قال: وثنا إبراهيم بن خالد قال: ثنا أسود بن عامر قال: ثنا شريك - وهذا لفظه- عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة (1) ، عن أبي هريرة قال: " كان النبيُ- عليه السلام- إذا أتى الخلاء أتيتُه بماء في توْر أو ركْوةٍ فاستنجى ". قال أبو داود: في حديث وكيع: " ثم مسح يًده على الأرض، ثم أتيتُهُ بإناء آخر فتوضأ ". قال أبو داود: حديثُ الأسود أتم، يعني: أسود ابن عامر (2) . ش- محمد بن عبد الله بن عمار بن سوادة أبو جعفر المُخرميُ البغدادي الموصلي نزيلها، أحد الحُفاظ المكثرين، سمع ابن عيينة، ووكيعاً، وهشيماً، وعبد الله بن إدريس، وغيرهم. روى عنه: النسائي، وعلي

_ (1) في سنن أبي داود: " عن إبراهيم بن جرير، عن المغيرة، عن أبي زرعة "، وفي التحفة (10/14886) ، وسنن ابن ماجه: " إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة "، وهو الصواب، وفد نبه على الخطأ الواقع في السنن صاحب " عون المعبود " (1/16) فأجاد وأفاد، فليراجع. (2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء. (358) .

ابن حرب، ويعقوب بن سفيان، والباغندي، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: كان ثقة. توفى ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين (1) . ووكيع هو ابن الجراح، وقد مر. وشريك هذا هو: شريك بن عبد الله بن أبي شريك الكوفي أبو عبد الله النخعي، ولد ببخارى سنة خمس وسبعين، أدرك عمر بن عبد العزيز، وسمع أبا إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم. روى عنه: وكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة إلا أنه لا ينقد (2) ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. وقال أبو زرعة: كان كثير الغلط، صاحب وهم، يغلط أحياناً. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة مات بالكوفة سنة سبع أو ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري، روى له مسلم في المتابعات (3) . وإبراهيم بن خالد هذا هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي أبو ثور البغدادي، سمع سفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، ووكيع ابن الجراح، وأبا معاوية الضرير، ومحمد بن إدريس الشافعي، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، ومسلم، وأبو حاتم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. مات سنة أربعين ومائتين في صفر (4) . وأسود بن عامر: شاذان أبو عبد الرحمن، أصله شامي، سكن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5362) . (2) في تهذيب الكمال (12/468) : " لا يتقن "، وفي نسخة: " لا ينقر "، وفي أخرى: " لا ينقل ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2736) . (4) المصدر السابق (2/169) .

بغداد، وسمع الثوري، وشعبة، وشريك بن عبد الله، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وأحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة. وقال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن معين: لا بأس به. مات سنة ثمان ومائتين. روى له الجماعة (1) . وإبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي، روى عن أبيه، وأبي زرعة. روى عنه: أبان بن عبد الله، وشريك بن عبد الله، وحميد بن مالك، وداود بن عبد الجبار. قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئاً. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأبو زرعة اسمه: هرمُ بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي أبو زرعة. وقيل: اسمه عبد الرحمن. وقيل: عمرو. سمع جده جريراً، وأبا هريرة، وروى عن أبي ذر، ومعاوية. روى عنه: إبراهيم النخعي، وإبراهيم بن جرير، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روي له الجماعة (3) . قوله: " في تور " التور- بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الواو-: إناء من صُفر أوً حجارة، كالإجانة يتوضأ منه، ويؤكل فيه، وجمعه " أتْوارٍ ". قوله: " أو ركْوة " بفتح الراء، وسكون الكاف: إناء صغير من جلد، يشرب منه الماء، والجمع: " ركاءٌ ". ويستفاد من هذا الحديث فائدتان: الأولى: استحباب دلك اليد على الأرض (4) بعد الفراغ من الاستنجاء، لتزُول الرائحة الكريهة إن كانت. والثانية: أن يكون إناء الوضوء غير إناء الاستنجاء، وهذا أيضاً

_ (1) المصدر السابق (3/503) . (2) المصدر السابق (2/157) . (3) المصدر السابق (33/7370) . (4) في الأصل: " استحباب دلك الأرض على اليد ". 10. شرح سنن أبي داوود 1

19- باب: السواك

مستحب، فن توضأ من الإناء الذي استنجى فيه جاز. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه ابن ماجه. *** 19- باب: السواك أي: هذا باب في أحكام السواك. السّواك- بالكسر- والمسواك: ما تدلك به الأسنان من العيدان، يقال: ساك/فاه يسُوكه، إذا دلكه بالسواك، فإذا لم تذكر الفم قلت: استاك. واعلم أن أبواب الكتاب من أوله إلى هاهنا كانت في أحكام قضاء الحاجة والاستنجاء، وكلها حكم واحد، فلذلك لم نذكر المناسبة بين أبوابها؛ لأن مناسبتها طاهرة عقلاً ووضعاً، ولما فرغ عن ذلك شرع في بيان أحكام السواك بستة أبواب، ومناسبة أبواب السواك بالأبواب التي مضت؛ لأن استعمال السواك غالباً يكون عند الوضوء بعد الاستنجاء، فلذلك أدخل أبوابه بين أبواب الاستنجاء وأبواب الوضوء. 35- ص- ثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: " لوْلا أن أشُق على المُؤْمنين لأمرتُهمْ بتأخير العشاء، وبالسّواك عند كُل صلاة " (1) . ش- سفيان الثوري، وقد ذكر. وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن القرشي المكي، ولقبه أبو الزناد- بالنون-، سمع عروة بن الزبير، والأعرج، وروي له عن

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة (887) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: السواك (252/42) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السواك (22) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في السواك بالعشي للصائم (1/12) ، وفي كتاب المواقيت، باب: ما يستحب من العشاء (1/266- 267) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: السواك (287) .

أنس بن مالك وغيره. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. مات فجأة في مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان، سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) . والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز أبو داود القرشي. سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهما. روى عنه: الزهري، ويحيى ابن سعيد، وغيرهما. مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة (2) . قوله: " يرفعه " أي: يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا (3) وأمثاله جملة فعلية وقعت حالاً، والجملة الفعلية إذا وقعت حالاً، وكان فعلها مضارعاً مثبتاً لا يحتاج إلى الواو؛ لأنه يكون كاسم الفاعل في المعنى، وجارٍ عليه في اللفظ: في الحركات والسكون، نحو: جاء زيد يضحك، مثل: جاء زيد ضاحكاً، معنىً ولفظاً، فأجري مجراه في الاستغناء عن الواو. وقال الخطيب: قول التابعي: " يرفع الحديث "، و " يُنْميه "، و " يبلغ به " كلها كناية عن رفع الصحابي للحديث، وروايته إياه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يختلف أهل العلم أن الحكم في هذه الأخبار وفيما صرح برفعه سواء في وجوب القبول، والتزام العمل ". انتهى كلامه. ويشبه أن يكون التابعي قد تحقق أن الصحابي رفع له الحديث إلى رسول الله، غير أنه شك، هل قال له: " سمعت رسول الله "، أو " قال رسول الله "؟ فلما لم يمكنه الجزم بما قاله أتى بلفظ يرفع به الحديث إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قوله: " لولا " كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد رمتك، أي: لولا زيد موجود. والمعنى هاهنا: لولا مخافةُ أن أشق

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3253) . (2) المصدر السابق (3/3983) . (3) في الأصل: " وهذه ".

لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها، إذ الممتنع المشقة، والموجود الأمر. فإن قلت: كيف تثبت سُنة السواك بهذا الحديث؟ قلت: لما امتنع الوجوب لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب، وهو السُّنة، لعدم المانع، وهو المشقة؛ لأنه سبيل من ترك السُنة فافهم! فإنه كلام دقيق، سنح به خاطري من الأنوار الرحمانية. قوله: " بتأخير العشاء " بكسر العين وبالمد: والمراد به العشاء الآخرة؛ لأن المغرب يطلق عليه العشاء أيضاً، مأخوذ من عُشْوة الليل، وهي ظلمته. وقيل: هي من أوله إلى رُبْعه. وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي. 36- ص- ونا إبراهيم بن موسى قال: أنا عيسى بن يونس قال: أنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لولا أنْ أشقّ على أمتي لأمرتُهُم بالسواك عند كُلّ صلاة " (1) . ش/- إبراهيم بن موسى بن يزيد قد مر ذكره، وكذلك عيسى بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي، وكذلك محمد بن إسحاق بن يسار. محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المدني، وجده من المهاجرين من أصحاب النبي- عليه السلام-، سمع عبد الله ابن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وعلقمة بن وقاص، وأبا سلمة ابن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن عجلان، وعمارة بن غزيّة، وعبد الله بن طاوس، وعبيد الله بن/عمر العمري، ويحيى بن أيوب المصري، وأسامة بن زيد الليثي، وابنه موسى بن محمد بن إبراهيم. وقال ابن سعد:

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السواك (23) .

كان فقيهاً محدثاً، توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو سلمة عبد الله وقد مر. وزيد بن خالد الجهني من جهينة أبو عبد الرحمن، روي له عن رسول الله أحد وثمانون حديثاً، اتفقا على خمسة. روى عنه: يزيد مولى المنبعث، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وغيرهما. مات بالكوفة، وقيل: بالمدينة سنة ثمان وسبعين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (2) والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وعنده في رواية " عند كل وضوء "، وكذا عند ابن خزيمة، ورواه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح، وصحّحه الحاكم أيضاً (3) . ص- قال أبو سلمة: فرأيت زيداً يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه بموضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك (4) . ش- أي: زيد بن خالد الجهني، والمعنى: كان السواك مغروزاً وراء أذنه موضع غرز قلم الكاتب. وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: " كان السواك من أذن النبي- عليه السلام- موضع القلم من أذن الكاتب " (5) . وبهذا احتج بعض الشافعية أن السُّنّة أن يستاك كلما قام إلى الصلاة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5023) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/558) ، وأسد الغابة (2/284) ، والإصابة (1/565) . (3) يعني حديث أبي هريرة، وليس حديث زيد كما يوهم كلام المصنف، والله أعلم. (4) البيهقي: كتاب الطهارة، باب: تأكيد السواك عند القيام للصلاة (1/37) . (5) البيهقي: كتاب الطهارة، باب: تأكيد السواك عند القيام إلى الصلاة (1/37) -

37- ص- وثنا محمد بن عوف الطائي، نا أحمد بن خالد، نا محمد ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة طاهراً وغير طاهر عم ذلك؟ فقال: حدثته (1) أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها: " أن رسول الله أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة "، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة " (2) . ش- محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحافظ أبو جعفر الحمصي، سمع محمد بن يوسف الفريابي، والهيثم بن جميل، وأحمد بن خالد، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم وغيرهم. توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين (3) . وأحمد بن خالد الوهبي الكندي أبو سعيد الحمصي، روى عن (4) : محمد بن إسحاق بن يسار، وعبد العزيز الماجشون، وشيبان النحوي. روى عنه: محمد بن عوف، وعمرو بن عثمان، وأبو زرعة الدمشقي. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) . ومحمد بن يحيى بن حبان-- بفتح الحاء والباء الموحدة- ابن منقذ بن عمرو بن مالك الأنصاري المازني النجاري أبو عبد الله المدني، سمع أنس ابن مالك. روى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسمع عمه واسع

_ - وقال البيهقي: " يحيى بن يمان- الراوي عن محمد بن إسحاق- ليس بالقوي عندهم، ويشبه أن يكون غلط من حديث محمد بن إسحاق الأول إلى هذا "، وقال في " نصب الراية " (1/9) : " قال البيهقي: يشبه أن يكون وهم من حديث زيد بن خالد إلى هذا ". (1) في سنن أبي داود: " حدثتنيه ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5527) . (4) في الأصل. " روى عنه " خطأ. (5) المصدر السابق (1/30) .

ابن حبان، والأعرج، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، ومحمد بن إسحاق. " ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة " (1) . روى له الجماعة (2) . وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، سمع أباه، روى عنه الزهري، ونافع، وغيرهما. قال وكيع: ثقة. توفي في أول خلافة هشام بن عبد الملك. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . وأسماء بنت زيد بن الخطاب القرشية العدوية روت عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر. روى عنها عبد الله بن عبد الله بن عمر. روى لها أبو داود (4) . وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، واسمه: عبد عمرو بن صيفي بن زيد، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، غسلته يوم أحُد؛ لأنه قتل وهو جنب. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي، وأسماء بنت زيد، وغيرهما. قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. روى له أبو داود (5) . قوله: " أرأيت " بمعنى: أخبرني عن توضؤ ابن عمر. قوله: " طاهرا " حال من ابن عمر. قوله: " عم ذلك " أصله: عن ما ذلك، وهو استفهام، والمعنى: لأجل أي شيء كان توضؤه لكل صلاة طاهراً كان أو محدثاً؟ قوله: " فقال: حدثته " أي: قال عبد الله بن عبد الله،0 والضمير المنصوب في " حدثته " راجع إليه، وفي بعض النسخ: " حدثتني أسماء " والضمير المنصوب في " حدثها " راجع إلى أسماء.

_ (1) قاله الواقدي كما في تهذيب الكمال (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5681) . (3) المصدر السابق (15/3366) . (4) المصدر السابق (35/7781) . (5) المصدر السابق (14/3236) .

قوله: " أن رسول الله أمر بالوضوء " على صيغة المجهول، يعني: أمره الله به. قوله: " فلما شق ذلك عليه " أي: لما ثقل التوضؤ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر على رسول الله " أمر بالسواك " أي: باستعماله؛ لأن نفس السواك لا يؤمر به، وإنما يؤمر باستعماله، و " أمر " هذا أيضاً مجهول. قوله: " يرى أن به قوة " أي: يظن أن به قوة يتحمل الوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر. قوله: " فكان لا يدع " أي: لا يترك، وهو من الألفاظ التي أماتوا ماضيها. ص- قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه/عن ابن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله. ش- إبراهيم بن سعد بن [إبراهيم بن] عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، سكن بغداد، وسمع أباه، والزهري، وهشام بن عروة، وابن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وأحمد، والليث، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة، ودفن في مقابر باب النبي. روى له الجماعة (1) . وعبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو بكر المدني، أخو عبد الله وزيد وواقد وحمزة، سمع أباه. وروى عنه: الزهري، والوليد ابن كثير، وابن إسحاق. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " رواه " أي: روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال في حديثه: " عبيد الله " بالتصغير " ابن عبد الله "، وفي الرواية الأولى: " عبد الله " بالتكبير " ابن عبد الله ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/174) . (2) المصدر السابق (19/3654) .

20- باب: كيف يستاك

20- باب: كيف يستاك؟ أي: هذا باب فيه بيان كيفية الاستياك. 38-ص- نا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حماد بن زيد، عن غيلان ابن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: " أتينا رسول الله نستحملُه، فرأيتُه يستاكُ على لسانه ". قال أبو داود: قال سليمان: قال: " دخلتُ على النبي - عليه السلام- وهو يستاكُ، وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول: إه إه " (1) يعني: يتهوع. قال مسدد: وكان حديثاً طويلاً ولكنه اختصره. ش- سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني العتكي، سكن بغداد، سمع [من] مالك بن أنس حديثاً واحداً، وسمع حماد بن زيد، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: أحمد، وابنه عبد الله بن أحمد، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. مات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (2) . وحماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي الأزرق البصري، سمع ثابتاً، وابن سيرين، وعمرو بن دينار، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابنُ عيينة، ووكيع، وجماعة آخرون. مات في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، وهو ابن إحدى وثمانين. روى له الجماعة (3) . وغيلان بن جرير الأزدي البصري، روى عن: أنس بن مالك، ومُطرف، وأبي بردة. روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وأبو هلال، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (4) . وأبو بردة اسمه: عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: السواك (244) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: السواك (45/254) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: كيف يستاك (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2513) . (3) المصدر السابق (7/1481) . (4) المصدر السابق (23/4700) .

21- باب: الرجل يستاك بسواك غيره

الكوفي الصحابي، وقيل: اسمه الحارث. روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعليا، وابن عمر، وعائشة. روى عنه: الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وغيرهم. توفي بالكوفة سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " نستحمله ": جملة حالية، والمعنى: أتيناه طالبين أن يحملنا عليه حتى ما يركبون عليه. قوله: " يتهوعّ " تفسير قوله: " إه، إه ". وجاء في حديث آخر: " كان إذا تسوك قال: اعْ اعْ، كأنه يتهوعّ " أي: يتقيأ، والهواع: القيء. قوله: " وكان حديثاً طويلاً " أي: كان حديث أبي بردة طويلاً: " ولكنه اختصر "، وفي نسخة: " ولكن (2) اختصرتُه ". وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما إلى أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: " أتيتُ رسول الله في رهْط من الأشعريين نستحملُه- فقال: لا والله ما أحملكم ... " الحديث، ورواه أحمد أيضاً بالطريقين في " مسنده " (3) . *** 21- باب: الرجل (4) يستاك بسواك غيره أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يستاك بسواك غيره. 39- ص- نا محمد بن عيسى، نا عنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله يسْتنُ وعنده رجلان: أحدُهما أكبرُ من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر: أعط السواك أكبرهُما " (5) .

_ (1) المصدر السابق (33/7220) . (2) في الأصل: " ولكنه ". (3) البخاري: كتاب الأيمان والنذور (6623) ، مسلم: كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه (1649/7: 9) ، أحمد (4/398، 401، 418) . (4) في سنن أبي داود: " باب في الرجل 0.. ". (5) البخاري تعليقا في كتاب الوضوء، باب: دفع السواك إلى الأكبر (246) ،=

ش- محمد بن عيسى الطباع. وعنبسة بن عبد الواحد بن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص أبو خالد الأموي القرشي الكوفي. روى عن: عبد الملك بن عمير، وعوف الأعرابي، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن موسى الرازي، والفضل بن مُوفق، وابن الطباع. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. استشهد به البخاري بحديث واحد. روى له أبو داود (1) . قوله: " يستن " من الاستنان، وهو الاستياك، وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها، مأخوذ من السن، وهو إمرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر، ومنه المسن الذي يُشحذ به الحديد ونحوه. وقال ابن الأثير: " الاستنان استعمال السواك، افتعال من الأسنان، أي: يُمرُهُ عليها " (2) : قوله: " وعنده رجلان " جملة حالية. قوله: " فأوحي إليه " من الإيحاء، والوحي: الرسالة،/ويجيء بمعنى الإلهام والإشارة. قوله: " أن كبّر " " أن " هاهنا مفسرة، بمنزلة " أي "، والمعنى: فأوحي إليه أي: كبر، من قبيل قوله تعالى: (فأوْحيْنا إليْه أن اصْنع الفُلك) (3) ، وقوله: (ونُودوا أن تلكُمُ الجنةُ) (4) ، ويحتمل أن

_ ورواه مسلم في: كتاب الرؤيا، باب: رؤيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2271) ، وفي كتاب الزهد (3003) بلفظ: " أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان: أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر ". تنبيه: زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أحمد- هو ابن حزم-: قال لنا أبو سعيد- هو ابن الأعرابي-: هذا مما تفرد به أهل المدينة ". (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4537) . (2) انظر: النهاية (2/411) . (3) سورة المؤمنون: (27) . (4) سورة الأعراف: (43) .

تكون مصدرية، والمعنى: فأوحي إليه التكبير ومعنى " كبر ": قدم السن ووقره. واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى: " (1) تقديم حق الأكابر من جماعة الحضور، وتبديته على من هو أصغر منه، وهو السُنة أيضاً في السلام، والتحية، والشراب، والطّيب، ونحو ذلك من الأمور (2) ، وفي هذا المعنى تقديم ذوي السن بالركوب، وشبهه من الإرفاق. الثانية: أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن السُنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله " (3) . الثالثة: أن هذا صريح في فضيلة السواك. وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم بمعناه من حديث ابن عمر مسنداً، وأخرجه البخاري تعليقاً. 40- ص- وثنا إبراهيم بن موسى قال: أنا عيسى، عن مسعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة: " بأي شيء كان يبدأ رسولُ الله إذا دخل بيتهُ؟ قالت: بالسواك " (4) . ش- عيسى هو: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقد مر ذكره. ومسعر هو: ابن كدام بن ظُهيْر (5) بن عُبيد- بضم العين- بن

_ (1) انظر: معالم السنن (1/27) . (2) قال المهلب- كما في " الفتح " (1/425) -: " هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذٍ تقديم الأيمن ". قال الحافظ: " وهو صحيح ". (3) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن. (4) مسلم: كتاب الطهارة، باب: السواك (43/253) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: السواك في كل حين (1/13) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: السواك (290) . (5) في الأصل: " ظهيرة " كذا.

الحارث بن هلال أبو سلمة الهلالي العامري الكوفي، روى عن عمير بن سعيد النخعي، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، والمقدام بن شريح، وسماك بن حرب، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ووكيع، وغيرهم. مات سنة خمس وخمسين ومائة. روى له الجماعة (1) . والمقدام بن شُريح بن هانئ أبو يزيد الحارثي الكوفي، سمع أباه، روى عنه عبد الملك بن أبي سليمان، والأعمش، والثوري، ومسعر، وشعبة، وشريك، وابنه يزيد بن المقدام قال ابن حنبل: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وأبوه شريح بن هانئ بن كعب الحارثي الكوفي، من أهل اليمن، أدرك النبي- عليه السلام- ولم يره، وسمع أباه، وعليّ بن أبي طالب، وسعد (3) بن أبي وقاص، وعائشة زوج النبي- عليه السلام-، وأبا هريرة. روى عنه ابناه: محمد والمقدام، والشعبي، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقتل بسجسْتان مع عبيد الله بن أبي بكرة، وعاش عشرين ومائة سنة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . قوله: " بأي شيء " " أي " اسم يأتي على ستة أوجه: شرطاً، نحو: (أياما تدْعُوا) (5) . وموصولاً، نحو: (أيُّهُمْ اشدُ على الرحْمن) (6) والتقدير: الذي هو أشد. وصفة للنكرة، نحو: زيد رجل أي رجل، أي: كامل في صفات الرجال. وحالاً للمعرفة، كمررت بعبد الله أي رجل. ووصلة إلى نداء ما فيه " أل "، نحو: يا أيها الرجل. واستفهاماً، نحو: (فبأي حديث بعْدهُ يُؤْمنُون) (7) . و " أي " الذي في الحديث من هذا القبيل. "

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5906) . (2) المصدر السابق (28/6163) . (3) في الأصل: " سعيد " خطأ. (4) المصدر السابق (12/2729) . (5) سورة الإسراء: (110) . (6) سورة مريم: (69) . (7) سورة المرسلات: (50) .

22- باب: غسل السواك

قوله: " بالسواك " أي: يبدأ بالسواك، أي باستعماله. *** 22- باب: غسْل السواك أي: هذا باب في بيان غسل السواك عند دفعه إلى غيره، أو عند أخذه من غيره. 41- ص- ثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: ثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب (1) قال: حدثني كثير، عن عائشة أنها قالت: " كان نبيُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسْتاكُ، فيُعْطيني السّواك لأغْسلهُ، فأبدا به فأسْتاكُ ثم اغْسلُهُ، فأدفعُهُ إليه " (2) .ً ش- محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري، يكنى أبا بكر بندار، قد ذكر مرة. ومحمد بن عبد الله الأنصاري هو ابن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك أبو عبد الله الأنصاري البصري، قاضي البصرة. سمع أباه، وحميداً (3) الطويل، وسليمان التيمي، ومالك بن دينار، وقرة بن خالد، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأبو الوليد الطيالسي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يحيى، والبخاري، والترمذي، وغيرهم. مات بالبصرة في رجب سنة خمس عشرة ومائتين. روى له الجماعة (4) . وعنبسة بن سعيد بن كثير بن عُبيد أبي العنْبس الحاسب الكوفي، روى عن جده كثير، وكثير هذا رضيع/عائشة الصديقة، روى عنها. روى

_ (1) وقع في " سنن أبي داود " ط. الريان: " الحاسد " خطأ، وانظر مصادر الترجمة. (2) تفرد به أبو داود، وانظر: " صحيح أبي داود ". (3) في الأصل: " حميد ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5372) .

23- باب: السواك من الفطرة

عنه: محمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الرحمن المهدي، وأبو الوليد الطيالسي وقال: كان ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. روى له أبو داود (1) . وكثير هذا هو: كثير بن عبيد القرشي التيمي أبو سعيد، مولى أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- رضيع عائشة- رضي الله عنها-. روى عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة، وسمع عائشة، وأختها أسماء. روى عنه: ابنه سعيد، وعبد الله بن عون، ومجالد بن سعيد، وابن ابنه عنبسة، ومُطرف بن طريف، وعبد الله بن دُكين. روى له أبو داود (2) . قوله: " فأبدأ به " أي: بالسواك. وفي بعض النسخ: " فأنْدأ به " من الإنداء، من ندي الشيء إذا ابْتُلّ فهو ند، مثال: تعب فهو تعب، وأنديتُه أنا وندّيْتُه تنْدية. واستفيد من الحديث جواز الاستياك بسواك غيره، ولكنه يغسل قبل أن يسْتاك، فذا فرغ يغسله أيضاً، ويدفعه إلى صاحبه. *** 23- باب: السواك من الفطرة الفطرة هي السُّنّة هاهنا. 42- ص- حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عشْر من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ بالماء، وقص الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتْفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء " يعني: الاستنجاء بالماء. قال زكرياء: قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (3) .

_ (1) المصدر السابق (22/4533) . (2) المصدر السابق (24/4950) . (3) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (56/261) ، النسائي: كتاب الزينة، باب: من السنن: الفطرة (8/126) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الفطرة (293)

ش- يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المُري مُرّة غطفان، مولاهم أبو زكريا البغدادي، إمام أهل الحديث، والمشار إليه. سمع ابن المبارك، وابن عيينة، وهشيماً، ووكيعاً، ويحيى القطان، وأبا معاوية الضرير، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ومحمد بن إسحاق الصغاني، ومحمد بن سعد، ومحمد ابن هارون، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن رجل عنه، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه. مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وغسل على أعواد النبي- عليه السلام- وله سبع وسبعون سنة إلا نحواً من عشر أيام، وحُمل على سرير النبي- عليه السلام- (1) . ومصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار القرشي العبدري المكي. روى عن: صفية بنت شيبة، وطلق بن حبيب. روى عنه: عبد الملك بن عمير، وعبد الله بن أبي السّفر، وزكرياء بن أبي زائدة، وابن جريج، ومسعر. قال أحمد ابن حنبل: روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وطلق بن حبيب العنزي- بالنون والزاي- البصري. روى عن: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وجندب ابن عبد الله. روى عنه: عمرو بن دينار، وسعد بن إبراهيم، وعبد الله الدّاناج، ومصعب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وكان يرى الإرجاء. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . وابن الزبير هو: عبد الله بن الزبير بن العوام أبو بكر، ويقال:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6926) . (2) المصدر السابق (28/5985) . (3) المصدر السابق (13/2988) .

أبو خُبيب الأسدي، روي له عن رسول الله- عليه السلام- ثلاثة وثلاثون حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد مسلم بحديثين روى عنه أخوه عروة، وعباس بن سهل، وثابت بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح، ووهب بن كيسان، وغيرهم. ولى الخلافة تسع سنين، وقتل بمكة في النصف من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، قتله الحجاج، وصلبه بمكة. روى له الجماعة (1) . قوله: " عشر من الفطرة " مبتدأ وخبر، وإنما صح وقوع " عشر " مبتدأ، لأنه أريد به العدد المعروف، فيكون علماً، فيقع مبتدأ، وقد علم أن العدد إذا ذُكر وأريد به المعدود فهو غير علم، وهو منصرف، كقولك: " عندي ستة "؛ لأن المراد بهذه الستة هو المعدود لا العدد؛ لأن العدد ليس شيئاً يكون عندك، وإذا أراد به العدد فيحتمل أن يكون ستة من الدراهم أو الدنانير، أو غيرهما، فإذا كان كذلك تكون نكرة، وأما إذا أريد به العدد المعروف يكون علماً غير منصرف للعلمية والتأنيث، تقول: عشرةٌ ضعفُ خمسة، و " عشر " هاهنا منصرف، لعدم العلتين، ثم إنه يُفسرُ باسم جمع، وهو نحو: " خصالٍ "،/والتقدير: عشر خصال من الفطرة وقد علم أن " عشراً وأخواته " إذا فسر باسم جنس، أو اسم جمع مؤنث لا يقال بالتاء، نحو: ثلاث من التمْر وعشر من الإبل، وكقوله- عليه السلام-: " ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة " (2) ، وإذا كان المعدود مما يذكر ويؤنث: كحال، وعضد، ولسان، يجوز تذكير عدده وتأنيثه، فيقال: ثلاثة أحوال، وثلاث أحوال، ويكثر الوجهان في اسم جنس تمييز واحده بالتاء كبقر، ونخل، فيقال: ثلاث من البقر، وثلاثة

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/299) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (3/241) ، والإصابة (2/308) . (2) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في كتاب الزكاة، باب: زكاة الورق (5/37) ، وابن ماجه في كتاب الزكاة، باب: صدقة الإبل (1799) من حديث أبي سعيد الخدري. 11. شرح سنن أبي داوود ا

من البقر. وإن كان المفسرُ صفة نابت عن موصوفها يعتبر في الغالب حاله لا حالها، فيقال: ثلاثة ربْعات، بالتاء إذا أريد به رجال، وثلاث ربْعات، إذا أريد به النساء، قال تعالى: (من جاء بالحسنة فلهُ عشْرُ أمْثالها) (1) ، إذ تقديره: عشر حسنات أمثالها. وجاء. عن بعض العرب: ثلاثُ دواب، وإن كانت الدابة صفة نابت عن موصوفها اعتبارا للفظ الدابة، وإن موصوفها مذكر. و " الفطرة " السُنة كما قلنا، وتأويله: إن هذه الخصال من سنن الأنبياء، الذين أُمرْنا أن نقتدي بهم لقوله تعالى: (فبهُداهُمُ اقْتدهْ) (2) ، وأول من أُمر بها إبراهيم- عليه السلام-، وذلك قوله تعالى: (وإذا ابْتلى إبْراهيم ربهُ بكلمات) (3) ، قال ابن عباس- رضي الله عنه-: أمره بعشر خصال، ثم عدّهن، فلما فعلهن قال: (إني جاعلُك للنّاس إماماً) ليُقْتدى بك، وقد أخذت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً بقوله تعالى: (ثُم أوْحيْنا إليْك أن اتبعْ ملة إبْراهيم) (4) ، ويقال: إنها كانت عليه فرضاً، وهي لنا سُنة، وقوله: " من الفطرة " إشارة إلى عدم الانحصار في العشر، لأن " من " للتبعيض والسُّنّة كثيرة، ومن جملتها هذه العشر. قوله: " قص الشارب " أي: أحدها: قص الشارب، فيكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يُقرأ بالجر على أن يكون بدلاً من " الفطرة "، وكذا الكلام في المعطوفات عليه. والقص من قصصت الشعر قطعته، ومنه: طير مقصوص الجناح، " (5) ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة، وأما حدُ ما يقصه فالخيار أن يقص حتى تبدو أطرافُ الشفة، ولا يحفه من أصله، وأما روايات:

_ (1) سورة الأنعام: (160) . (2) سورة الأنعام: (90) . (3) سورة البقرة: (124) . (4) سورة النحل: (123) . (5) انظر: شرح صحيح مسلم (3/149- 150) .

" أحفوا الشوارب " (1) فمعناه: أحفوا ما طال على الشفتين، وذكر أصحابنا أنه يقطع إلى أن يبقى قدر حاجبه. قوله: " وإعفاء اللحية " إعفاؤها: إرسالها وتوفيرها؛ لأن بعض الأعاجم كان من زيهم قص اللحى، وتوفير الشوارب، فندب- عليه السلام- أمته إلى مخالفتهم، وأصله من عفى الشيء إذا كثر وزاد، يقال: أعفيتُه وعفيتُه، وكذلك عفى الزرعُ، قال تعالى: (حتى عفوْا) (2) أي: كثروا. وقد ذكر العلماء في اللحية اثني عشر خصلة مكروهة، بعضها أشد قبحاً من بعض: أحدها: خضابها بالسواد، لا لغرض الجهاد. الثانية: خضابها بالصفرة تشبهاً بالصالحين، لا لاتباع السُنة. الثالثة: تبييضها بالكبريت أو غيره، استعجالاً للشيخوخة، لأصل الرياسة والتعظيم.. الرابعة: نتفها أول طلوعها، إيثاراً للمروءة وحسن الصورة. الخامسة: نتف الشيب. السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعاً، لتستّحسنه النساء وغيرهن. السابعة: الزيادة فيها، والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنْفقة (3) وغير ذلك. الثامنة: تسريحها تصنعاً لأجل الناس. التاسعة: تركها شعثة منتفشة، إظهار للزهادة، وقلة المبالاة بنفسه. العاشرة: النظر إلى سوادها أو بياضها إعجاباً وخيلاء، وغرة بالشباب، وفخراً بالمشيب، وتطاولاً على الشباب.

_ (1) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (259/52) من حديث ابن عمر. (2) سورة الأعراف: (95) . (3) شعيرات بين الشفة السفلى والذقن.

الحادية عشر: عقدها وضفرها. الثانية عشر: حلقها. إذا نبتت للمرأة لحية يستحب حلقها " (1) . قوله: " والسواك " أي: استعمال السواك، ويستحب أن يكون من شجر مُرّ؛ لأنه يطيب النكهة، ويشد الأسنان، ويقوي المعدة، ويكون في غلظ الخنصر، وطول الشبر. وقال بعض/أصحابنا: يستحب أن يكون من شجر الأراك، فإن لم يجد فمن الأشجار المرة، فإن لم يجد فبالإصبع (2) ، ويستاك عرضاً لا طولاً، وقيل: عرضاً وطولاً (3) ، وسواء كان مبلولاً أو رطباً صائماً أو غير صائم، قبل الزوال وبعده، وعند تغير الفم مستحب بالإجماع، ولا يسن في حق النساء، لضعف أسنانهن (4) .

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". (2) قال البيهقي في " سننه الكبرى " (1/40) : " ورد في الاستياك بالإصبع حديث ضعيف "، ثم روى من طريق عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم القسملي، عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تجزئ من السواك الأصابع " وعيسى صدوق له أوهام، وعبد الحكم ضعيف كما في التقريب، وله ألفاظ أُخر عند البيهقي لا تخلو من مقال، والحديث ضعفه المناوي في فيض القدير (3/180) ، وابن عدي في " الكامل " ترجمة عبد الحكم بن عبد الله القسملي، وبهذا لا تثبت سنية التسوك بالأصابع، خاصة لما قد يعلق بها من بعض الأتربة، فتسبب كثيراً من الأمراض، والله أعلم. (3) جاء فيه أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البيهقي (1/40) من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً "، ومنها ما رواه ابن حبان في " المجروحين " (1/199) ، والطبراني في " الكبير "، والبيهقي في " سننه " (1/40) من حديث بهز: " كان يستاك عرضاً ... "، وكلها أحاديث ضعيفة، وانظرها في " الضعيفة " للشيخ الألباني (940، 941، 942) . (4) بل هو سُنة للرجال والنساء على السواء، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري ومسلم=

قوله: " والاستنشاق " وهو تبليغ الماء إلى خياشيمه، وهو من استنشاق الريح إذا شمها مع قوة. وقال أصحابنا: الاستنشاق تحريك الماء في الأنف، واحتج به أبو حنيفة وأصحابه- رحمهم الله- وبقوله في آخر الحديث: " إلا أن تكون المضمضة " على كون الاستنشاق والمضمضة سُنة في الوضوء، وهو حجة على مالك وأحمد حيث أوجباهما فيه. قوله: " وقص الأظفار " وإطلاق الحديث يقتضي القص مطلقاً، ويروى عن علي- رضي الله عنه- أنه يبتدئ بخنصر اليمنى، ثم بوسطاها، ثم بإبهامها، ثم ببنصرها، ثم بمسبحتها، ثم بمسبحة الشمال، ثم ببنصرها، ثم بوسطاها، ثم بإبهامها، ثم بخنصرها. وقد جمع ذلك بعض الأفاضل بحروف " خوابس " (1) ، ففي اليمنى تعد من " الخاء "، وفي الشمال من " السين " بالعكس، ولا يؤقت، فمتى استحق القص فعل. قوله: " وغسل البراجم " البراجم- بفتح الباء وبالجيم-: جمع بُرْجمة - بضم الباء وبالجيم-، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها. وقال الخطابي: " أصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع والرواجب ما بين البراجم، وغسل البراجم تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ " (2) . ويلحق بذلك ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فتزيله بالمسح، لأنه ربما أضرت كثرتُه بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما. قوله: " ونتف الإبط " " (1) والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه،

_ = من حديث أبي هريرة مرفوعا: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "، ولم يستثن النساء، وكذلك لحديث الباب. (1) ظاهره: أن تكون الإبهام قبل الوسطى في الشمال، وهذا لا يتفق وكلام المصنف، والله أعلم. (2) انظر: معالم السنن (1/28) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (149) .

ويحصل أيضاً بالحلق والنورة. وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: علمت أن السُّنّة النتف، ولكني لا أقوى على الوجع. ويستحب أن يبدأ بالإبط اليمنى ". قوله: " وحلق العانة " (1) " والمراد بالعانة: الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس ابن سريح: إنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، فيجعل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما، والأفضل فيه الحلق، ويجوز بالقص والنتف والنورة، ولا يؤقت، بل يرصد بالحاجة، فإذا طال حلق، وكذلك الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وتأويل حديث أنس- رضي الله عنه-: " وُقّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة " (2) فمعناه: لا يترك تركاً يتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك أربعين. قوله: " وانتقاص الماء " بالقاف والصاد المهملة، وقد فسره وكيع بأنه الاستنجاء. وقال أبو عبيد وغيره: معناه: انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره. وقيل: هو الانتضاح. وجاء في رواية: " الانتضاح " بدل " انتقاص الماء ". وقال الجمهور: الانتضاح: نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء، لينفي عنه الوسواس. وذكر ابن الأثير أنه روي " انتفاص الماء " بالفاء والصاد المهملة، وقال في " فصل الفاء ": قيل: الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح الدم القليل نفصة، وجمعها: نُفُصٌ. وقال الشيخ محيي الدين في " شرح مسلم ": " وهذا الذي نقله شاذ، والصواب الأول " (3) .

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (150- 151) . (2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (1/258) . (3) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.

قوله: " ونسيت العاشرة " أي الخصلة العاشرة. قوله: " إلا أن تكون المضمضة " استثناء من قوله: " نسيت "، ويجوز أن تكون " إلا " زائدة، وتكون " أن تكون المضمضة " بدلاً من " العاشرة " ويكون المعنى: ونسيت كون العاشرة مضمضة، فيكون نبه به على أن الخصلة العاشرة من العشرة هي المضمضة مع نسيانه إياها. والمضمضة: تحريك الماء في الفم. وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. 43- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: نا حماد، عن عليّ بن زيد، عن سلمة بن محمد، عر، عمار بن ياسر. قال موسى: عن أبيه. وقال داود: عن عمار بن ياسر: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن من الفطرة المضمضةُ والاستنشاقُ "، فذكر نحوه، ولم يذكر " إعفاء اللحية "، وزادوا " الختان " وقال: " والانتضاح "، ولم يذكر " انتقاص الماء " (1) يعني: الاستنجاء. قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس قال: " خمس كلها في الرأس " ذكر/فيها " الفرق "، ولم يذكر قيها " إعفاء اللحية ". قال أبو داود: وروي نحو حديث حماد، عن طلق بن حبيب ومجاهد. وعن بكر بن عبد الله المزني قولهم: لم يذكر " إعفاء اللحية ". وفي حدي محمد بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام- فيه: " وإعفاء اللحية ". وعن إبراهيم النخعي نحوه وذكر " إعفاء اللحية والختان ". ش- موسى بن إسماعيل المنقري البصري قد ذكر غير مرة. وداود بن شبيب البصري: أبو سليمان الباهلي. روى عن: حماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وأبي هلال الراسبي، وإبراهيم بن عثمان، وحبيب بن أبى حبيب الجرمي. روى عنه: محمد بن أيوب، وعبد القد [و] س ابن بكر (2) ، والبخاري، وأبو داود، وروى ابن ماجة عن

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الفطرة (294) . (2) كذا، وفي ترجمته: " عبد القدوس بن محمد الحبحابي ".

رجل عنه. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثنتين وعشرين ومائتين (1) . وحماد هو: ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الربعي، سمع زيد بن أسلم، وثابتاً، وأنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وقتادة، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وعليّ بن زيد بن جُدْعان بن عمرو بن زهير القرشي التيمي أبو الحسن البصري الأعمى، ويقال المكي، نزل البصرة، سمع أنس بن مالك، وأبا عثمان النهدي، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: قتادة، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والحمادان، وشريك النخعي، وغيرهم. روى له مسلم مقروناً بثابت البناني، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وسلمة بن محمد بن عمار بن ياسر المديني العنسي. روى عن عمار ابن ياسر. روى عنه علي بن زيد. قال البخاري: لا يعرف له سماع. روى حديثه موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب، عن حماد، عن عليّ بن زيد عنه، وقال موسى: عن أبيه. روى له أبو داود، وابن ماجه (4) . وعمار بن ياسر بن مالك بن الحصن بن قيس بن ثعلبة أبو اليقظان، شهد بدراً والمشاهد كلها. روي له عن رسول الله- عليه السلام- اثنان وستون حديثاً، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. روى عنه: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1763) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1482) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4070) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2469) .

وأبو موسى الأشعري، وجماعة آخرون من الصحابة. قتل بصفين سنة سبع وثلاثين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. روى له الجماعة (1) . وطلق ومجاهد ذكرا مرة. وبكر بن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني أبو عبد الله المصري، أخو علقمة بن عبد الله، سمع عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعروة بن المغيرة بن شعبة، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وحميد الطويل، وحبيب ابن الشهيد، وأبو الأشهب، ومخالب القطان. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة (2) . ومحمد بن عبد الله بن أبي مريم، مولى بني سليم، وقال البخاري: مولى خزاعة. روى عن سعيد بن المسيب. روى عنه: مالك، ويحيى ابن سعيد القطان، وصفوان بن عيسى. قوله: " عن سلمة بن محمد، عن عمار بن ياسر "، وفي رواية: " عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر ". قوله: " قال موسى " أي: موسى بن إسماعيل المذكور " عن أبيه " أي: عن أبي سلمة، يعني: روى سلمة عن أبيه. وقال البخاري: لا يعرف له سماع من عمار، كما ذكرنا. قوله: " وقال داود: عن عمار بن ياسر " أي: قال داود بن شبيب المذكور: عن سلمة، عن عمار بن ياسر. وقال أبو داود المؤلف: وحديث سلمة بن محمد عن أبيه مرسل؛ لأن أباه ليست له صحبة، وحديثه عن جده عمار. وقال ابن معين أيضاًً: مرسل. وقال غيره: إنه لم ير جده.

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/476) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (4/129) ، والإصابة (2/512) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/747) .

قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي روته عائشة، ولكنه لم يذكر " إعفاء اللحية "، ولكنه زاد: " الختان "، وقال: " والانتضاح ": ولم يذكر " انتقاص الماء ". وأخرجه ابن ماجه أيضاً، ورواه أحمد بن حنبل في " مسنده " وقال: ثنا عفان قال: ثنا حماد قال: ثنا علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله قال: " إن من الفطرة- أو الفطرةُ- المضمضةُ، والاستنشاقُ، وقص الشارب، والسواكُ، وتقليمُ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبْط، والاستحدادُ، والختانُ، والانتضاحُ " (1) . التقليم تفعيل من القلم، وهو القطع، والاستحداد: استعمال الحديدة، وهي الموسى، والمراد منها: حلق العانة،/والختان، وفي رواية: " والاختتان "، وهو واجب عندنا وعند الشافعية والحنابلة، وقال مالك: سُنة، وعند الشافعي: واجب على الرجال والنساء، والواجب أن يقطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة، حتى ينكشف جميع الحشفة. ووقته وقت البلوغ، وقيل: بتسع ستين، وقيل بعشر، وقيل: متي كان يطيق ألم الختان ختن، وإلا يؤخر إلى وقت الطاقة، وعند الشافعي أنه في حال الصغر جائز، وفي وجه أنه يحب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، وفي وجه يحرم ختانه قبل عشر ستين، وفي وجه يستحب أن يختن يوم السابع من ولادته، وإذا ولد مختوناً لا يختن إلا إذا كان شيء يواري بعض الحشفة، والشيخ الكبير إذا أسلم ولم يُطق ألم الختان يترك، وكذا إذا مات بلا ختان، وعن الشافعية ثلاث وجوه: الصحيح أنه لا يختن صغيراً كان أو كبيراً. والثاني: أنه يختن إذا كان صغيراً. والثالث: بالعكس. وقال الشيخ محيي الدين: " ومن له ذكران، فإن كانا عاملين وجب ختانهما، وإن كان أحدهما عاملاً دون الآخر يختن العامل، ومما يعتبر العمل به وجهان: أحدهما بالبول، والآخر بالجماع " (2) .

_ (1) مسند أحمد (4/264) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (3/148) .

24- باب: السواك لمن قام من الليل

قوله: " والانتضاح " وهو رش الماء على الفرج بعد الوضوء، لينفي عنه الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء. قوله: " وروي نحوه عن ابن عباس " أي: رُوي نحو حديث عمار بن ياسر، عن عبد الله بن عباس أيضاً. قوله: " قال: خمس كلها في الرأس " أي: قال ابن عباس: خمس خصال كلها في الرأس، ذكر منها- أي من الخمس- " الفرْق " ولم يذكر فيها " إعفاء اللحية "، فالخمسة التي رويت عن ابن عباس في الرأس هي: " المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والفرْق " وهو من فرق إذا جعل شعره فرقتين، وذكر في " المطالع ": وكانوا يفرقون- بالتخفيف- أشهر، وقد شددّا بعضهم، والمصدر الفرْق بالسكون، وقد انفرق شعره: انقسم في مفرقه، وهو وسط رأسه، وأصله الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان فرق الشعر من الجبين إلى دائرة وسط الرأس، يقال بفتح الراء والميم وكسرهما، وكذلك مفرق الطريق. وقال الشيخ زكي الدين: وقيل: إنه من سُنة إبراهيم وملته- عليه السلام- وهو أن يقسم شعر ناصيته يميناً وشمالاً، فتظهر جبهته وجبينه من الناحيتين، وهو أوْلى من السدْل؛ لأنه آخر ما كان عليه رسول الله، والفرق لا يكون إلا مع كثرة الشعر، والسّدْل ترك الشعر مُنسدلاً سائلاً على هيئته. *** 24- باب: السواك لمن قام من الليل أي: هذا باب في بيان استعمال السواك لمن قام من الليل. يجوز أن تكون " منْ " هاهنا بمعنى " في "، كقوله تعالى: (إذا نُودي للصلاة من يوْم الجُمُعة) (1) أي: في يوم الجمعة.

_ (1) سورة الجمعة (9) .

44- ص- حثثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، وحصين، عن أبي وائل، عن حذيفة: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قام من الليل يُشُوصُ فاه بالسواك " (1) . ش- محمد بن كثير أبو عبد الله العبدي البصري، أخو سليمان، وسليمان أكبر منه بخمسين سنة. سمع سفيان الثوري، وسعيدا (2) ، وإسرائيل بن يونس، وأخاه سليمان. روى عنه: علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي، والبخاري، وأبو داود، وأبو زرعة، وروى الترمذي عن الدرامي عنه والنسائي عن رجل عنه. وقال ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (3) . وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وقد ذكرا. وحصين هو: ابن عبد الرحمن أبو الهذيل السلمي الكوفي، سمع جابر بن سمرة، وعياض بن سمرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبا صالح، وأبا عطية، وأبا وائل، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، وفي آخر عمره ساء حفظه، صدوق. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (4) . وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، وحذيفة بن اليمان، وقد ذكرا. قوله: " يشوص فاه " من الشوص وهو الغسل، وقيل: الحكّ، وقيل:

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: السواك (245) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: السواك (46/255) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: السواك إذا قام من الليل (1/8) ، وفي كتاب قيام الليل، باب: ما يفعل إذا قام من الليل من السواك (3/112) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: السواك (286) . (2) في الأصل: " سعيد ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5571) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1358) .

الدلك، وقيل: التنقية وقال وكيع: الشوص بالطول، والسواك بالعرض. وقال غيره: وعرض الفم إلى الأضراس. وقال غيره: يشوص/: يستاك عرضاً. وقيل: شاص يشوص وماصه يمُوصه بمعنى واحد، وهو الغسل. وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سُفلٍ إلى علو، ومنه سمي هذا الداء شوْصة؛ لأنه ريح يرفع القلب عن موضعه. والشوص وجع الضرس أيضاً، وفي الحديث: " من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللّوص والعلّوْص ". ويقال: الشوص: وجع في البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع. وأخرج هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. 45- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبيّ- عليه السلام- كان يُوضعُ له وضوؤُه وسواكُهُ، فإذا قام من الليل تخلّى، ثم اسْتاك " (1) . ش- بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري أبو عبد الملك البصري. روى عن أبيه، عن جده، وعن زرارة بن أوفى. روى عنه: عبد الله بن عون، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وزرارة بن أوفى العامري الحرشي أبو حاجب البصري. سمع عبد الله ابن عباس، وأبا هريرة، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك. روى عنه: أيوب السختياني، وقتادة، وبهز بن حكيم. وقال محمد بن سعد: كان ثقة وله أحاديث. مات وهو ساجد، روى له الجماعة (3) . وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، ابن عم أنس بن مالك المدني.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/775) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1977) .

روى عن أنس بن مالك، وعائشة، وأبي هريرة. روى عنه زرارة بن أوفى، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، والحسن البصري. ذكر البخاري أنه قتل في أرض مكْران على أحسن حاله، روى له الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " وضوؤه " الوضوء- بفتح الواو-: الماء الذي يتوضأ به، كالفطور والسّحور، لما يُفطر عليه، ويتسحر به. وبالضم: التوضؤ والفعل نفسه، وقد أثبت سيبويه الوضُوء والطّهور والوقُود بالفتح في المصادر، فهي تقع على الاسم والمصدر، وأصل الكلمة من الوضاءة، وهي: الحسن. قوله: " تخلى " من الخلاء، وهو من قضاء الحاجة، ومنه يتخلى بطريق المسلمين، تقول: تخلّى يتخلى تخلياً، والتخلي: التفرغ إلى أمر، ومنه تخلى للعبادة. 46- ص- حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا همام، عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبي- عليه السلام- كان لا يرْقُدُ من ليل ولا نهار فيستيقظُ إلا تسوك قبل أنْ يتوضأ " (2) . ش- ابن كثير هو: محمد بن كثير، وقد ذكرناه، وهمام هو: ابن يحيى بن دينار، وقد ذكر مرة، وعلي بن زيد بن جُدعان فيه مقال، لا يحتج به، وقد ذكرناه. وأم محمد هي امرأة زيد بن عبد الله بن جُدعان (3) ، روت عن عائشة - رضي الله عنها-، روى عنها علي بن زيد المذكور، وروى لها أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2228) . (2) تفرد به أبو داود. (3) في الأصل: " علي بن زيد بن جُدعان " خطأ، وانظر ترجمته وترجمة عائشة من تهذيب الكمال، والصواب أنها امرأة أبيه زيد. (4) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7792، 8010) .

قوله: " لا يرقد " نفي، وكلمة " من " يجوز أن تكون بمعنى " في " كما ذكرنا، وقوله: " فيستيقظ " بالرفع عطف على قوله: " لا يرقد "، والمعنى: لا يوجد منه رقدة في ليل أو نهار واستيقاظ، إلا وقد يوجد منه التسوك قبل أن يتوضأ، وبهذا وأمثاله احتج داود (1) الظاهري أن السواك واجب، وحكى عن إسحاق بن راهويه أنه واجب، إن تركه عمداً بطلت صلاته، وهذا خلاف الإجماع. 47- ص- حدّثنا محمد بن عيسى قال: نا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: " بتّ ليلة عند النبي- عليه السلام- فلما استيقظ من منامه أتى طهوره، فأخذ سواكه فاستاك، ثم تلا هذه الآيات: (إن في خلق السموات والأرْض واخْتلاف الليْل والنّهار لآيات لأولي الألباب ... ) (2) حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ، فأتى مصلاه، فصلى ركعتين، ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله، ثم استيقظ، ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر " (3) . /ش- محمد بن عيسى بن الطباع وقد ذكرناه.

_ (1) في الأصل: " أبو داود " خطأ. (2) سورة آل عمران: (190) . (3) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: في صلاة الليل (1323، 1324) ، وفي باب: في صلاة الليل (1334، 1336) ، وفي كتاب الأدب، باب: في النوم على طهارة (5043) ، والبخاري في كتاب العلم، باب: السمر في العلم (117) ، ومسلم في كتاب الطهارة، باب: غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم (20/304) ، وفي كتاب صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (763) ، والترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل (232) ، والنسائي في كتاب الطهارة، باب: الدعاء في السجود (2/218) ، وفي كتاب قيام الليل، باب: ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت (3/236- 237) ، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب: وضوء النوم (508) .

وهشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي، سمع عبد الله بن عون، وعمرو بن دينار، والزهري، وحصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن زاذان، والأعمش، وغيرهم روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وهو أعلمهم به، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة وكان يدلس. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ثبت، يدلس كثيراً، فما قال في حديثه: " أنا " فهو حجة، وما لم يقل فيه: " أنا " فليس بشيء. توفي ببغداد في شعبان، سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن تسع وسبعين سنة. روى له الجماعة (1) . وحصن بن عبد الرحمن قد ذكر. وحبيب بن أبي ثابت هو: حبيب بن قيس بن دينار أبو يحيى الأسدي مولاهم الكوفي، مولى بني أسد بن عبد العزيز، سمع عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وطاوسا (2) ، وعطاء بن يسار وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، والأعمش، والثوري، وشعبة، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. وقال أحصد بن عبد الله: تابعي ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو عبد الله القرشي الهاشمي المدني، ولد بالحُميمة من أرض الشراة، في ناحية البلقاء، هو أبو الخلائف، وهو والد أمير المؤمنين: عبد الله بن محمد السفاح. روى عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وابن الحنفية روى عنه: الحسن البصري، وهشام بن عروة، وعبد الله بن سليمان النوفلي، وغيرهم. توفي في الشراة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، سنة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6595) . (2) في الأصل: " وطاوس ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1079) .

خمس وعشرين ومائة، وهو يومئذ ابن ستين سنة. روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعليّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الفضل المدني. روى عن: أبيه، وسمع أبا سعيد الخدري، وغيرهما. روى عنه: ابنه محمد بن عليّ، والزهري، ومنصور بن المعتمر، وأبان بن صالح، وغيرهم. ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين، فسُمي باسمه، وكان ثقة قليل الحديث، توفي بالشام سنة سبع عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " أتى طهوره " بفتح الطاء، وقد مر غير مرة. قوله: " فأتى مُصلاه " بضم اليم: الموضع الذي كان يصلي فيه. قوله: " ثم أوتر " أي: ثم صلى الوتر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: استحباب تهيئة الطّهور في كل وقت، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها. الثانية: استحباب السواك عند القيام من النوم. والثالثة: استحباب قراءة هذه الآيات: (إنّ في خلق السموات والأرْض ... ) إلى آخر السورة عقيب القيام من النوم. والرابعة: فيه جواز قراءة القرآن للمحدث، وعليه الإجماع. والخامسة: استحباب تأخير الوتر. وأخرج مسلم في " صحيحه " هذا الحديث مطولاً، والنسائي مختصراً، وأخرجه أبو داود أيضاً في " كتاب الصلاة " من رواية كريب عن ابن عباس بنحوه أتم منه. ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصراً.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5485) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4097) . 12. شرح سنن أبي داوود

25- باب: فرض الوضوء

ص- قال أبو داود: روى (1) ابن فضيل، عن حصين قال: " وتسوك (2) ، وتوضأ، وهو يقول: (إن في خلق السموات والأرْض) حتى ختم السورة. ش- ابن فضيل هو: محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي أبو عبد الرحمن مولاهم الكوفي، سمع الأعمش، وحصين بن عبد الرحمن، وعُمارة بن القعقاع، ومالك بن مغْول، وجماعة آخرين كثيرة روى عنه: الثوري، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو صدوق من أهل العلم. توفي سنة أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " وهو يقول ": جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " توضأ "، وهذه الرواية تدل على أنه- عليه السلام- قرأ هذه الآيات والحال أنه يتوضأ. *** 25- باب: فرض الوضوء أي: هذا باب في بيان فرضية الوضوء. ولما فرغ عن أبواب الاستنجاء وأبواب السواك، شرع في بيان أبواب الوضوء، والمناسبة بين أبواب الوضوء والأبواب التي قبلها ظاهرة، والوُضوء- بضم/الواو-: اسم للفعل من وضُؤ- من باب حسُن- وضاءةً، والوضاءة: الحسن والنظافة، وسمي وضوء الصلاة وضوء؛ لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. وفي الشرع: الوُضوء: غسلٌ ومسح في أعضاء مخصوصة، فالغسل هو الإسالة، والمسح هو الإصابة. 48- ص- حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا شعبة، عن قتادة، عن

_ (1) في سنن أبي داود: " رواه " (2) في سن أبي داود: " فتسوك " (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5548) .

أبي المليح، عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يقبلُ اللهُ- عزّ وجل صدقةً من غُلولٍ، ولا صلاةً بغير طُهُورٍ " (1) . ش- مسلم بن إبراهيم البصري القصاب، قد مر ذكره، وكذلك ذكر شعبة وقتادة. وأبو المليح- بفتح الميم وكسر اللام- اسمه: عامر بن أسامة بن عمير: وقيل: عمير، وقيل: زيد بن عامر بن عمير بن حُنيف بن ناجية أبو المليح الهذلي. روى عن أبيه، وبريدة بن الحصيب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم. روى عنه: أبو قلابة، وأيوب السختياني، وقتادة، وغيرهم. وقال أبو زرعة: بصري ثقة. توفي سنة اثنتي عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) . وأسامة بن عمير بن عامر بن الأشتر الهذلي البصري، والد أبي المليح المذكور. روى عنه ابنه أبو المليح، ولم يرو عنه غيره. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " من غُلُول " الغُلُول- بضم الغين- الخيانة في المغنم والسرقة، من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غل في المغنم يغلُّ- من باب ضرب يضرب- غلولاً فهو غال، وكل من خان في شيء خفية فقد غل، وسميت غلولاً؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة، مجْعول فيها غُل، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضاً، والحاصل في ذلك أن كل مالٍ يأخذه الرجل من غير حل، ثم يتصدق به، لم يقبل عنه، وكذلك إن نوى التصدق عن صاحبه، ولم

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: فرض الوضوء (1/87) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور (271) . وأخرجه مسلم (224) ، والترمذي (1) ، وابن ماجه (272) من حديث ابن عمر. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7648) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/319) .

تسقط عنه تبعته أبداً، اللهم إلا إذا رضي صاحبه، وجعله في حل من ذلك، ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه، وصدقة العبد من مال سيده، وصدقة الوكيل من مال موكله، والمضارب من مال رب المال، والشريك من مال شريكه، ونحو ذلك، ويدخل فيه الوصيُّ الذي أوصى إليه رجل بأن يتصدق ببعض (1) ماله، فأنفقه على نفسه، أو أخرجه في غير مصرفه، ونُظار الأوقاف الذين يتناولون من ريعها من غير استحقاق، ثم يتصدقون بها، أو يصرفون ريعها في غير ما عينه أصحاب الوقف، وإذا كان عند رجل مال من حرام، فمات صاحبه يرده على ورثته، فإن لم يكن له ورثة يتصدق عنه، ويرجى له الخلاص يوم القيامة، وكذا إذا لم يدْر صاحبه. قوله: " ولا صلاة " أي: ولا يقبل الله صلاة " بغير طُهور ". وقوله: " صلاة " نكرة في سياق النفي فتعم، ويشمل سائر الصلوات من الفرض والنفل. والطُّهور- بضم الطاء- والمراد به الفعل، وهو قول الأكثرين، وقد قيل: يجوز فتحها، وهو بعمومه يتناول الماء والتراب. والاستدلال بهذا الحديث على فرضية الطهارة ظاهر؛ لأنه تعالى إذا لم يقبل الصلاة إلا بالطهارة، تكون صحتها موقوفة على وجود الطهارة، فالموقوف فرض، وكذا الموقوف عليه، فيكون شرطاً، والمشروط لا يوجد بدونه. فإن قلت: ما سبب وجوب الطهارة؟ قلت: إرادة الصلاة بشرط الحدث، لقوله تعالى: (إذا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغْسلُوا) (2) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلواً، لا القيام مطلقاً كما هو مذهب أهل الظاهر، ولا الحدث مطلقاً كما هو مذهب أهل الطرد، وفسادهما ظاهر، ثم اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سُنة، ثم نزل فرضه في آية

_ (1) في الأصل: " بعض ". (2) سورة المائدة: (6) .

التيمم وقالت الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا، ثم الحكمة في جمعه- عليه السلام- بين الصدقة والصلاة في هذا الحديث، أن العبادة على نوعين: مالي وبدني، فاختار من أنواع المال الصدقة، لكثرة نفعها، وعموم خيرها، ومن أنواع البدني الصلاة، لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسُّنّة، ولكونها عماد الدين، والفارقة بين الإسلام والكفر، ولكون كل منهما محتاجاً إلى الطهارة، أما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة المال، وأما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة البدن من الحدث./وحديث أبي المليح هذا أخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر- رضي الله عنه-، و " الصلاة " في حديثهم الجميع مقدمة على " الصدقة ". 49- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يقبلُ اللهُ صلاة أحدكُمْ إذا أحْدث حتّى يتوضّأ " (1) ش- عبد الرزاق هو ابن همام، وقد ذكرناه، وكذلك معمر بن راشد. وهمام بن منبه أبو عقبة الصنعاني، أخو وهب، وكان أكبر من وهب، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، روى عنه أخوه وهب، ومعمر بن راشد، وعقيل بن معْقل، وعلي بن الحسن بن أتش. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " لا يقبل الله صلاة أحدكم "، وفي رواية " لا تُقبلُ صلاة أحدكم "، قوله: " إذا أحدث " أي: إذا أصابه الحدث، أو: إذا وطئ في الحدث، والحدث من الحدوث، وهو كون الشيء لم يكن.

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور (135) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة (2/225) ، الترمذي: كتاب الظهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الريح (76) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6600) .

قوله: " حتى يتوضأ " معناه: حتى يتطهر بماء أو تراب، وإنما اقتصر - عليه السلام- على الوضوء، لكونه الأصل، أو لكونه الغالب، وكلمة " حتى " هاهنا لانتهاء الغاية، والمعنى: عدم قبول الصلاة مُغي بالتوضؤ. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. 50- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مفتاح الصلاة الطهُورُ، وتحريمُها التكْبيرُ، وتحليلُها التسْليمُ " (1) ش- ابن عقيل هو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد الهاشمي المدني، وأمه زينب الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه (2) - سمع عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والرُّبيع بنت مُعوذ، ومحمد ابن الحنفية، والزهري، وغيرهم. روى عنه: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشريك، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرون. وقال الحاكم: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين عندهم. وقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث، لا يحتج بحديثه،

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (3) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهور (275) . (2) هذه اللفظة قد شاعت وذاعت، وملأت الطروس والأسماع، وهو من فعل الرافضة، وفيه هضم للخلفاء الثلاثة قبله، فليتنبهْ إلى مسالك المبتدعة وألفاظهم، فكم من لفظ ظاهره السلامة، وباطنه الإثم، وآخره الندامة. فلم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أحد من الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- تخصيص علي بن أبي طالب بهذا الوصف أبداً، فلا ينبغي لأهل السُنة أن يتلفظوا بألفاظ المبتدعة، وانظر تفسير ابن كثير (3/516) ، والسنة للألكائي (4/1396) ، وجلاء العينين للآلوسي (62) ، والتذكرة التيمورية (282- 283) ، والآداب الشرعية لابن مفلح، مجموع الفتاوى (4/96) ، وفتاوى ابن حجر الهيتمي (1/42) ، ومعجم المناهي للشيخ بكر أبي زيد (212، 271) .

وكان كثير العلم، مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) ومحمد ابن الحنفية هو: محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو عبد الله، المعروف بابن الحنفية، واسمها: خولة بنت جعفر بن قيس، كانت من سبي اليمامة، دخل على عمر بن الخطاب، وسمع عثمان بن عفان، وأباه علي بن أبي طالب، روى عنه بنوه: الحسن وعبد الله وإبراهيم وعون، وسالم بن أبي الجعد، وأبو يعلى، [و] الثوري، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الأعلى ابن عامر، وغيرهم. مات سنة ثمانين. روى له الجماعة (2) . وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- روي له عن رسول الله- عليه السلام- خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا منها على عشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة، روى عنه بنوه: الحسن، والحسين، ومحمد، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن قيس، وأبو موسى، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم من الصحابة والتابعين، ولي الخلافة خمس سنين، وقيل: إلا أربعة أشهر، وقُتل ليلة الجمعة لسبع عشرة بقيت من رمضان، سنة أربعين، وهو عام الجماعة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، روى له الجماعة (3) . قوله: " مفتاح الصلاة " المفتاح مفعال من الفتح، شبه الصلاة بالخزانة المقفولة على طريق الاستعارة بالكناية، وهي التي لا يذكر فيها سوى المشبه، ثم أثبت لها المفتاح على سبيل الاستعارة الترشيحية، وهي ما يقارن ما يلائم المستعار منه، والكلام في " الطهور " قد مر غير مرة،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3543) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5484) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/26) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (4/91) ، والإصابة (2/507) .

وهو بعمومه يتناول التراب والماء، وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، أي صلاة كانت، حتى سجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وصلاة الجنازة، وحكى أبن جرير عن الشعبي أن صلاة الجنازة بغير طهارة جائزة، وهذا مذهب باطل، فلو صلى محدثاً متعمداً بلا عذر أثم ولا يكفر. قوله: " تحريمها التكبير " أي: تحريم الصلاة الإتيان بالتكبير، كأن المصلي بالتكبير والدخول فيها، صار ممنوعاً من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير تحريم لمنعه المصلي من ذلك، /ولهذا سميت تكبيرة الإحرام، أي الإحرام بالصلاة، وبهذا استدل علماؤنا على فرضية تكبيرة الإحرام، واستدل به أبو يوسف على أن الشروع في الصلاة لا يصح إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، وهي ثلاثة: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير. واستدل [به] الشافعي ومالك [على] أنه لا يصير شارعاً إلا بلفظ واحد، وهو: الله أكبر. وقال أبو حنيفة ومحمد: يصح شروعه في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى، يراد به تعظيمه لا غير، مثل أن يقول: الله أكبر، أو: الله الأكبر، الله الكبير، الله أجل، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أجل، لقوله تعالى: (وذكر اسْم ربّه فصلّى) (1) ، والمرادُ ذكرُ اسم الربّ لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقبت الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شُرع الدخولُ في الصلاة بمطلق الذكر، فلا يجوز تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد (2) ، وبه تبين أن الحكم يتعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر، بل بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به، ولو لم يُعلّل احتجنا

_ (1) سورة الأعلى: (15) . (2) انظر لحجية خبر الآحاد: الرسالة للشافعي (25/175) ، والكفاية للخطيب (ص/66) ، والموافقات للشاطبي (1/36) ، والاعتصام له (1/109) ، و (2/252) ، والإحكام لابن حزم (ص 113) ، والفصل له (2/182) وشرح الطحاوي (ص/307- 308) .

26- باب: الرجل يجدد الوضوء من غير حدث

إلى رده أصلاً، لمخالفة الكتاب، فإذن ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل. قوله: " وتحليلها التسليم " أي: صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير، من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حراماً عليه، وبهذا استدل أصحابنا على أن لفظة " السلام " واجبة. وقال الشافعي: هي فرض؛ لأن الألف واللام فيه للتعريف أو الجنس، ولم يسبق معهود حتى ينصرف إليه، فكان لاستغراق الجنس، وقد جعل جميع أجناس التحليل بالسلام، فيكون فرضاًً قياساً على التكبير قلنا: هذا من أخبار الآحاد، وبمثله لا تثبت الفرضية، إلا أنا أثبتنا الوجوب به احتياطاً. وحديث علي- رضي الله عنه- هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب. ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح الإسناد، على شرط مسلم ولم يخرجاه. 26- باب: الرجل يجدد الوضوء من غير حدث أي: هذا باب في بيان الرجل المتوضئ جدد وضوءه من غير حدث، طلباً لزيادة الثواب. 51- ص- حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ح، وحدثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس قالا: نا عبد الرحمن بن زياد- يعني: ابن أنعم (1) -، عن أبي غطيف (2) . وقال محمد بن يحيى ابن فارس: عن أبي غُطيف الهذلي قال: كنتُ عند عبد الله بن عُمر، فلما نُودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلتُ له؟ فقال: كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " منْ توضأ على طُهْرٍ كتب اللهُ له عشْر حسناتٍ " (3) . قال أبو داود: وحديث مسدد أتم.

_ (1) في سن أبي داود بدلاً من هذه الجملة: " قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن ". (2) في سنن أبي داود: " عن غطيف "، وهو الأقرب للصواب (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء لكل صلاة (59) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء على الطهارة (512) .

ش- محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي أبو عبد الله النيسابوري الإمام، وقد ذكرناه. وعبد الله بن يزيد المقرئ المدني المخزومي، مولى الأسود (1) بن عبد الأسد، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، وأبا عياش. روى عنه: يحيى بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وأسامة بن زيد. وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة. روى له الجماعة إلا النسائي (2) . وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم- بفتح الهمزة، وسكون النون، والعين المهملة- ابن ذري- بفتح الذال المعجمة، وكسر الراء- ابن محمد بن معدي كرب الشعباني أبو أيوب الأفريقي قاضيها، عداده في أهل مصر، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، وبكر بن سوادة، وعمارة بن راشد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وعبد الله بن وهب، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد القطان: ثقة. وقال ابن معين: ضعيف ويكتب حديثه. توفي سنة ست وخمسين ومائة. روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وأبو غُطيْف- بضم الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها فاء- سئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعرف اسمه. روى عن عبد الله بن عمر. روى عنه: أبو خالد عبد الرحمن ابن زياد الأفريقي. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . قوله: " فلما نُودي بالظهر " أي: فلما أُذن بصلاة الظهر،/يجوز أن تكون " الباء " بمعنى " في " أي: أُذن في وقت الظهر، ويُحتملُ أن

_ (1) في الأصل: " الأسد " خطأ. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3664) . (3) المصدر السابق (17/3817) . (4) المصدر السابق (34/7566) .

27- باب: ما ينجس الماء

تكون للسببية، أي: فلما أذن بسبب صلاة الظهر، كقوله تعالى: (ظلمْتُمْ أنفُسكُم باتخاذكُمُ العجْل) (1) . قوله: " فقلت له " فيه حذف، أي: فقلت لابن عمر- رضي الله عنه- في صلاته العصر بوضوء جديد. قوله: " على طُهر " أي: طهارة، يعني: من توضأ وهو على وضوء. قوله: " عشر حسنات " الحسنات جمع حسنة، وهي الفعلة الحسنة من الحُسْن خلاف القبح، وسقوط " التاء " من " عشر " لكون مفسرها جمع مؤنث، وهذا من باب المقابلة والمشاكلة؛ لأن الحسنة هي الخصلة التي يعملها العبد، والذي يعطيه ربه عليها تُسمى جزاء وثواباً، فحق المعنى: كتب الله له عشر ثوابات، أو عشر أجزية، ولكنها ذكرت بالحسنات للتشاكل والتقابل، ومعنى قوله: " كتب الله له " قدر الله له فيما عنده، أو يكتبه في اللوح. وحديث علي هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف، والله أعلم. *** 27- باب: ما ينجس الماء لما فرغ عن بيان فرضية الوضوء، شرع يذكر أحوال المياه، لتقدم معرفة المياه على معرفة الوضوء. 52- ص- حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: " سُئل النبيُ- عليه السلام- عن الماء وما ينُوبُهُ من الدواب والسباع، فقال: إذا كان الماءُ قُلتيْن لم يحمل الخبثً " (2) [قال أبو داود:] وهذا لفظ ابن العلاء. وقال

_ (1) سورة البقرة: (54) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب منه آخر (67) ، النسائي: كتاب المياه، باب: التوقيت في الماء (1/175) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مقدار=

عثمان والحسن بن علي: محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب. ش- محمد بن العلاء بن كريب قد ذكر، وكذلك عثمان، والحسن أبو محمد الخلال، وأبو أسامة حماد بن أسامة. والوليد بن كثير أبو محمد القرشي المخزومي مولاهم المدني، روى عن: محمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، ووهب ابن كيسان، ونافع مولى ابن عمر، وجماعة آخرين. روى عنه: إبراهيم بن سعد، وأبو أسامة، ومحمد الواقدي، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين: هو ثقة. مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومائة (1) . وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني، سمع أباه، وأوصى إليه أبوه. روى عنه: الزهري، ونافع، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن الزبير. وقال وكيع: هو ثقة. توفي في أول خلافة هشام بن عبد الملك. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . ومحمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عابد- بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، وأمه زينب بنت عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي. سمع عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله ابن المسيب العابدي. روى عنه: ابن جريج، وعبد الحميد بن جبير

_ - الماء الذي لا ينجس (517) ، أحمد (2/27) ، ابن خزيمة (1/49، رقم 92) ، ابن حبان (4/1249، 1253) ، الدارقطني (1/13) ، وانظر ما بعد الحاكم (1/132) ، البيهقي (1/260، 262) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6733) . (2) المصدر السابق (15/3366) .

ابن شيبة، وزياد بن إسماعيل. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. روى له الجماعة (1) . قوله: " وما ينُوبُه من الدواب " أي: سئل أيضاً عن الماء الذي ينوبه الدواب، أي: تقصده، يقال: نابه ينوبه نوباً، وانتابه إذا قصده مرة بعد أخرى، ويقال: معنى تنوبه الدواب أي: تنزل به للشرب، والدواب جمع " دابة "، وهو اسم ما يدب على وجه الأرض في اللغة، وفي العرف: الدابة تطلق على ذوات الأربع مما يركب. وقال في " الصحاح ": الدابة التي تركب. والسباع جمع " سبع "، وهو كل حيوان عادٍ مفترس ضار ممتنع. قوله: " فقال " أي- عليه السلام-: " إذا كان الماء قلتين " القلتان تثنية قلة، وهي الحُب (2) العظيم، والجمع قلال، واختلفوا في تفسير القلة، فقيل: خمس قرب، كل قربة خمسون منا (3) . وقيل: القلة: جرة تسع فيها مائة وخمس وعشرون منا. وقيل: القلتان: خمسمائة رطل بالبغدادي وقيل: القلتان خمسمائة منٍّ. وقال الخطابي (4) : " قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تنقله الأيدي، ويتعاطى فيه الشراب كالكيزان ونحوها، وتكون القلة الجرة الكبيرة التي ينقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دلّ على أن المراد ليس النوع الأول؛ لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع والوهاد والغدران/ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحدُّ بالكوز والكوزين في العرف والعادة، لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسهُ، فعلم أنه بمعنى الثاني، وقد روي في غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج: " إذا

_ (1) المصدر السابق (25/5320) . (2) الجرةُ. (3) معيار قديم كان يكالُ به أو يوزن، وقدره إذ ذاك رطلان بغداديان، والرّطل عندهم اثنتا عشرة أوقية بأواقيهم. (4) معالم السنن (1/30- 31) .

كان الماء قلتين بقلال هجر " (1) ، وقلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها، ولذلك قيل: قلتين على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته، فلما ثناها دل على أنه أكبر القلال؛ لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناه ". انتهى كلامه. وهجر التي ينسب إليها قرية كانت ببلاد البحرين، ويقال: إنها تنسب إلى هجر التي باليمن، وهي قاعدة البحرين، وهي إما أن تكون عملت بها، وجلبت إلى المدينة، وإما أن تكون عملت في المدينة على مثلها. قوله: " لم يحمل الخبث " بفتح الخاء والباء، أي: لم يحمل النجس، واحتج الشافعي وأصحابه بهذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس إلا بالتغيير، وهو مذهب أحمد وأبي ثور، وفسروا قوله- عليه السلام-: " لم يحمل الخبث " أي: يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه، ويؤكد ذلك الرواية الأخرى: " فانه لا ينجس "، وروى هذا الحديث أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " في القسم الثاني منه، وأعاده في القسم الثالث، ولفظه: " لم ينجسه شيء ". ورواه الحاكم في " مستدركه " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأظنه لاختلاف فيه على أبي أسامة، عن الوليد بن كثير. وقال البيهقي (2) : " باب قدر القلتين " أسند فيه عن الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماءُ قلتين لم يحملْ خبثاً "، وقال في الحديث:

_ (1) أخرجه البيهقي (1/263) من طريق ابن جريج، وابن عدي في الكامل (8/82- ترجمة المغيرة بن سقلاب) من طريق المغيرة، وذكر ابن عدي أن هذه الزيادة غير محفوظة، وكذا الحافظ في " التلخيص "، والشيخ الألباني في " الإرواء " (23) . (2) السنن الكبرى (1/263) .

" بقلال هجر ". قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القربة، أو نصف القربة، فيقول: خمس قرب [هو] (1) أكثر ما يسع قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قرب، فالاحتياط أن تكون القلة قربتين ونصفاً، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجساً في جر كان أو غيره، إلا أن يظهر في الماء منه ريح أو طعم أو لون، وقربُ الحجاز كبار، فلا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بقرب كبار. ثم أسند البيهقي عن محمد، عن يحيى [بن عقيل، عن يحيى] (1) ابن يعمر: أنه- عليه السلام- قال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً ولا بأساً ". قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: [قلال هجر. قال:] (1) أظن أن كل قلة تأخذ فرقيْن ". زاد أحمد بن علي في روايته: " والفرقُ ستة عشر رطلاً ". ثم ذكر البيهقي عن محمد بن يحيى المذكور قال: فرأيت قلال هجر، فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين. قال البيهقي: كذا في كتاب شيخي " قربتين "، وهذا أقرب مما قال مسلم ابن خالد " (2) . وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل ماء وقعت فيه النجاسة لم يحز الوضوء به قليلاً كان أو كثيراً، لقوله- عليه السلام-: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة " (3) من غير فصل بين القليل والكثير، والقلتين وغيرها، وأما حديث القلتين ففيه اضطراب لفظاً ومعنى، " (4) أما اضطرابه في اللفظ فمن جهة الإسناد والمتن، أما إسناده فمن ثلاث روايات: أحدها: رواية الوليد بن كثير، رواها أبو داود عن محمد ابن العلاء إلى آخره، ورواه هكذا عن أبي أسامة، عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله جماعة منهم: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن جعفر الوكيعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو عبيدة

_ (1) زيادة من سنن البيهقي. (2) إلى هنا انتهى كلام البيهقي. (3) يأني تخريجه برقم (58، 59) . (4) انظر: نصب الراية (1/105- 112) .

ابن أبي السّفر، ومحمد بن عبادة- بفتح العين-، وحاجب بن سليمان، وهناد بن السري، والحسين بن حريث، وذكر ابن منده أن أبا ثور رواه عن الشافعي، عن عبد الله بن الحارث المخزومي، عن الوليد بن كثير قال: ورواه موسى بن أبي الجارود، عن البويطي، عن الشافعي، عن أبي أسامة وغيره، عن الوليد بن كثير، فدل (1) روايته على أن الشافعي سمع هذا الحديث من عبد الله بن الحارث، وهو من الحجازيين، ومن أبي أسامة وهو كوفي، جميعاً عن الوليد بن كثير، وقد اختلف الحُفّاظ في هذا الاختلاف بين محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، فمنهم من ذهب إلى الترجيح، فنقل عن أبي داود أنه لما ذكر حديث محمد بن عباد قال: هو الصواب. وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في " كتاب العلل " /عن أبيه أنه قال: محمد بن عباد ثقة، ومحمد بن جعفر ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر أشبه، وكذلك ابن منده صوّب أن يكون لمحمد بن جعفر، والدارقطني جمع بين الروايتين، وكذلك البيهقي، وحكى البيهقي في كتاب " المعرفة " عن شيخه أبي عبد الله الحافظ، أنه كان يقول: الحديث محفوظ عن عبيد الله بن عبد الله وعبد الله بن عبد الله، كلاهما رواه عن أبيه، وذهب إليه كثير من أهل الرواية، وهذا خلاف ما يقتضيه كلام أبي زرعة، فيما حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، فقلت له: تقول عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام-، ورواه الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء " قال أبو زرعة: ابن إسحاق ليس يمكن أن يقضى له. قلت له: ما حال محمد بن جعفر؟ فقال: صدوق. والرواية الثانية: رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث، وقد أخرجه الترمذي من حديث هناد (2) ، وأبو داود من حديث حماد بن سلمة ويزيد

_ (1) كذا. (2) (67) .

ابن زريع (1) ، وابن ماجه من حديث/يد بن هارون وابن المبارك (2) ، كلهم عن ابن إسحاق. ورواه أحمد بن خالد الوهبي، وإبراهيم بن سعد الزهري، وزائدة بن قدامة. ورواه عبيدا الله بن محمد ابن عائشة، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بسنده، وقال فًيه: " إن رسول الله سئل عن الماء يكون بالفلاة وترده السباع والكلاب فقال: إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث ". رواه البيهقي وقال: كذا قال: " السباع والكلاب " وهو غريب، [وكذا قاله موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة [ (3) . وقال إسماعيل بن عياش: عن محمد بن إسحاق: " الكلاب والدواب ". ورواه محمد بن وهب، عن ابن عباس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عر أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " أنه سئل عن القليب يلقى فيه الجيف، وتشرب منه الكلاب والدواب، فقال: ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك لم ينجسه شيء " رواه الدارقطني. والرواية الثالثة: رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، واختلف في إسنادها ومتنها، أما الإسناد فرواه أبو داود وابن ماجه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر قال: حدثني أبي: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس "، وخالف حماد بن يد (4) ، فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبدا الله موقوفاً. قال الدارقطني: وكذلك رواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل لم يسمه، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. وأما الاختلاف في اللفظ فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة، فاختلف فيه على يزيد، فقال الحسن بن محمد الصباح عنه، عن حماد، عن عاصم قال: دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستاناً فيه

_ (1) (64) . (2) (517) . (3) زيادة من نصب الراية. (4) في الأصل: " سلمة " خطأ. 13* شرح سنن أبي داوود 1

مقراةُ (1) ماءٍ، فيه جلد بعير ميت، فتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟ فحدثني عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا بلغ الماء فلتين أو ثلاثاً لم ينجسه شيء ". أخرجه الدارقطني. وكذلك رواه وكيع، عن حماد بن سلمة وقال: " إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثة لم ينجسه شيء " رواه ابن ماجه في " سننه ". وأما الاضطراب في متنه فما (2) تقدم، وروى الدارقطني في " سننه " وابن عدي في " الكامل "، والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبيد الله العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث ". وقال الدارقطني: القاسم العمري وهم في إسناده، وكان ضعيفاً، كثير الخطأ. وروى الدارقطني أيضاً من جهة بشر بن السرى، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه قال: " إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثاً " قال: وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا: " أربعين غرباً "، ومنهم من قال: " أربعين دلواً ". وأيضاً الاضطراب في معناه، فقيل: إن " القلة " اسم مشترك يطلق على الجرّة، وعلى القربة، وعلى رأس الجبل، وروى الشافعي في تفسيرها حديثاً، فقال في " مسنده ": أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج/بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً "، وقال في الحديث: " بقلال هجر ". قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئاً. قال الشافعي: فالاحتياط أن تجعل القلة قربتين ونصفاً، فإذا كان الماء خمس قرب كبار كقرب الحجاز، لم تحمل نجساً، إلا أن يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون.

_ (1) في الأصل: " مقرا ". (2) كذا، وفي نصب الراية: " فقد ".

والجواب عن ذلك: أن في هذا الحديث ثلاثة أشياء: أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة، والبيهقي أيضاً في " باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل ". الثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول، فهو كالمنقطع، فلا تقوم به حجة. الثالث: أن قوله: " وقال في الحديث: " بقلال هجر " يوهم أنه من لفظ النبي- عليه السلام-، والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل " (1) . والجواب عما أسنده البيهقي عن محمد، عن يحيى بن يعمر الذي ذكرناه في أول الكلام، أن فيه أشياء: الأول: أنه مرسل. والثاني: أن محمداً المذكور ويحيى على ما قال أبو أحمد الحافظ: يحتاج إلى الكشف. الثالث: أنه ظن في غير جزم. الرابع: أنه إذا كان " الفرقُ " ستة عشر رطلاً يكون مجموع القلتين أربعة وسنين رطلاً، وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه، ولما وضح هذا الطريق، وعُرف أن حجة أصحابنا هي أقوى من حجة الخصوم، أوَّلنا قوله- عليه السلام-: " لم يحمل الخبث " بمعنى: تضْعُفُ عن احتمال النجاسة، يريد أنه لقلته يضْعف عن احتمال الخبث، كما يقال: فلان لا يحتمل الضرب، وهذه الدابة لا تحتمل هذا المقدار من الحمل، وهذه الأسطوانة لا تحتمل ثقل السقف. 53- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد. ج ونا أبو كامل قال: نا يزيد- يعني: ابن زريع-، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر.- قال أبو كامل: ابن الزبير-، سنن عبيد الله بن عبد الله بن عمر،

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

عن أبيه: " أن رسول الله- عليه السلام- سُئل عن الماء يكونُ في الفلاة " فذكر معناه (1) .ً ش- أبو كامل فضيل بن الحسين بن طلحة أبو كامل الجحْدري البصري. روى عن: حماد بن زيد، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زريع، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، والبخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم. مات سنة سبع وثلاثين ومائتين (2) . والجحْدري بفتح الجيم وإسكان الحاء. ويزيد بن زريع البصري أبو معاوية العائشي، سمع هشام بن عروة، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وحميداً الطويل، والثوري، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وبهز بن أسد، وأبو كامل الجحْدري، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. وقال ابن معين: يزيد بن الزريع الصدوق الثقة المأمون. توفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، روى له الجماعة (3) . قوله: " في الفلاة " وهي الصحراء. 54- ص- وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني [أبي] : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماءُ قُلتين فإنه لا ينْجُسُ " (4) . ش- عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الحجازي، روى عن جدته أسماء بنت أبي بكر الصديق، وسمع عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عنه: هشام بن عروة،

_ (1) انظر التخريج السابق. (2) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (23/4758) . (3) المصدر السابق (7/6987) . (4) انظر التخريج قبل السابق.

28- باب: في بئر بضاعة

وحماد بن سلمة. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له أبو داود وابن ماجه (1) . وقد ذكرنا هذه الطرق كلها بوجوهها مستوفاة، والله أعلم. *** 28- باب: في بئر بُضاعة (2) أي: هذا باب في بيان أحكام بئر بُضاعة، وهي بكسر الباء وضمها. وقال ابن الأثير (3) : " المحفوظ ضم الباء، وحكى بعضهم بالصاد المهملة ". وقال زكي الدين عبد العظيم: " بئر بضاعة دار لبني ساعدة بالمدينة، وبئرها معلوم، وبها مال من أموال أهل المدينة ". 55- ص- حدّثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري قالوا: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: أنه قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يُطرح فيها الحيضُ، ولحم الكلاب والنتْنُ؟ فقال رسولُ اله- عليه السلام-: الماءُ طهورٌ، لا يُنجسهُ شيءٌ ج (4) . ش- الحسن بن علي هو الخلال/وقد ذكر ومحمد بن سليمان الأنباري، وهو ابن أبي داود. روى عن: أبي أسامة، وأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن ] مهدي، وعبد الوهاب بن] عطاء، د. أبي عامر العقدي. روى عنه:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/3013) . (2) في سنن أبي داود: " باب ما جاء في بئر بُضاعة ". (3) انظر: النهاية (1/134) . (4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (66) ، النسائي: كتاب المياه، باب: ذكر بئر بضاعة (1/174) .

أبو داود، ويعقوب بن شيبة. وكان ثقة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين (1) . ومحمد بن كعب بن مالك بن أبي القيْن الأنصاري السلمي المدني. روى عن أخيه عبد الله، روى عنه الوليد بن كثير. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (2) . وعبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج أبو الفضل، يروي عن أبيه، وأبي رافع. روى عنه سليط بن أبي أيوب، وغيره (3) . وأبو سعيد الخدري هو: سعد بن مالك، وقد ذكر مرة. قوله: " أنتوضأ " خطاب للنبي- عليه السلام-. قوله: " يطرح فيها الحيض " الحيضُ- بكسر الحاء، وفتح الياء-: جمع حيْضة- بكسر الحاء، وسكون الياء-، وهي: خرقة الحيض، ويقال لها أيضاً المحيضة، وتجمع على المحايض. قوله: " والنتْنُ " الرائحة الكريهة، ويقع أيضاً على كل مستقْبح، وبهذا الحديث استدل مالك [على] أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة- وإن كان قليلاً- ما لم تتغير أحد أوصافه. والجواب عن هذا: " (4) أن هذه البئر كانت في حدور من الأرض، والسيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوعُ هذه الأشياء، ولا تغيره، فسألوا رسول الله- عليه السلام- عن شأنها، ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان في جوابه- عليه السلام- لهم: أن الماء لا ينجسه شيء، يريد الكثير منه، الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته؛ لأن السؤال إنما وقع عنها، فخرج الجواب عليها ". على أن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5264) . (2) المصدر السابق (26/5574) . (3) المصدر السابق (19/3657) . (4) انظر: معالم السنن (1/32- 33) .

بعضهم قد تكلم في هذا الحديث، منهم ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام " ضعفه وقال: " (1) إن في إسناده اختلافاً: فقوم يقولون: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله بن رافع، ومنهم من يقول: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومنهم من يقول: عبد الله، ومنهم من يقول: عن عبد الرحمن بن رافع. قال: فيحصل فيه خمسة أقوال، وكيف ما كان فهو لا يعرف له حال ". وقال أحمد بن حنبل: حديث بئر بضاعة صحيح. وأخرجه الترمذي والنسائي. ص- قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع. 56- نا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرّانيان قالا: نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق/عن سليط بن أيوب، عن عبيد الله ابن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقال له: " إنه يُسْتقى لك من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يُلقى فيها لُحومُ الكلاب، والمحايضُ، وعذرُ الناس، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الماء طهور لا يُنجسُهُ شيء " (2) . ش- عبد الرحمن بن رافع مولى النبي- عليه السلام-، روى عن عبد الله بن جعفر، وعمته سلمى. روى عنه حماد بن سلمة. قال ابن معين: هو صالح. روى له أبو داود، وابن ماجه (3) . وأحمد بن أبي شعيب هو: أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني أبو الحسين القرشي الأموي، مولى عمر بن عبد العزيز، واسم أبي شعيب مسلم، سمع زهير بن معاوية، وموسى بن أبي الفرات، ومحمد بن سلمة، وموسى بن أعين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وروى الترمذي والنسائي عن

_ (1) انظر: نصب الراية (1/113) . (2) انظر التخريج السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3812) وفيه: " عبد الرحمن بن أبي رافع، روى له الأربعة ".

رجل عنه. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (1) . وعبد العزيز بن يحيى بن يوسف أبو الأصبغ الحراني، مولى بني البكاء. سمع عيسى بن يونس الكوفي، ومحمد بن سلمة، وعتاب بن بشير، والوليد بن مسلم، وغيرهم. روى عنه: البخاري في غير الصحيح، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي عن رجل عنه، وقال: صدوق. وقال البخاري: لا يتابع عليه. وقال ابن عدي: لا بأس برواياته توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين (2) . ومحمد بن سلمة بن عبد الله أبو عبد الله الباهلي الحراني، مولى بني قتيبة. سمع هشام بن حسان، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عبد الله بن علاثة. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو داود، وعبد العزيز ابن يحيى، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً عالماً. توفي سنة إحدى وتسعين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ومحمد بن إسحاق بن يسار قد ذكر. وسليط بن أيوب، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه. وعن عبيد الله بن عبد الله بن رافع. روى عنه محمد بن إسحاق، وخالد بن أبي نوف. أخرج له أبو داود/والنسائي (4) . وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري العدوي. روى عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله. روى عنه: سليط بن أيوب، وهشام بن عروة، والوليد بن كثير. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (5) . قوله: " وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع " يعني: قال بعض الرواة:

_ (1) المصدر السابق (1/61) . (2) المصدر السابق (18/3480) . (3) المصدر السابق (25/5255) (4) المصدر السابق (11/2480) . (5) المصدر السابق (19/3657) ، وقد تقدمت ترجمته تحت الحديث قبل السابق.

عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع موضع عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وهو قول هشام بن عروة. وقول الوليد: عبيد الله بن عبد الله بن رافع. وقال عبد الله بن أبي سلمة: عبد الله بن عبد الله بن رافع، كلاهما مكبر، وقد ذكرنا الاختلاف فيه. قوله: " وهو يقال له " جملة اسمية وقعت حالاً من قوله: " رسول الله "، أي: والحال أنه يقول له قائل كذا وكذا. قوله: " إنه يستقى لك " مقول قوله: " وهو يقال له "، والضمير في " إنه " للشأن، و " يستقى " من الاستقاء، وهو النزح. قوله: " والمحايض " جمع محيضة، وهي خرقةُ الحيض، وقد قلناه. قوله: " وعذرُ الناس " العذرُ- بفتح العين، وكسر الذال المعجمة-: جمع " عذرة ". قوله: " إن الماء طهور " أكد الكلام في هذه الرواية بـ " إن " التي هي للتأكيد، وقد قلنا: إن ماء هذه البئر كان جارياً في البساتين، وذكرت عن عائشة- رضي الله عنها- أنها كانت قناة، ولها منفذ إلى بساتينهم، ويسقى منها خمسة بساتين أو سبعة. وقال الخطابي (1) : " قد يتوهم من سمع حديث أبي سعيد أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً، وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي، بل وثني، فضلاً عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس قديماً وحديثاً، مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه، فكيف يظن بأعلى طبقات الدين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، أن يكون صنيعهم به هكذا؟ وقد " لعن رسول الله- عليه السلام- من تغوط في موارد الماء ومشارعه "؟ فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصداً للأنجاس؟ ومطرحاً للأقذار؟ مثل هذا الظن لا يليق بهم،

_ (1) انظر: معالم السنن (1/32- 33) .

ولا يجوز فيهم، وإنما كان ذلك من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، فتحملها فتلقيها فيه، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوعُ هذه الأشياء، ولا تغيره، فسألوا رسول الله عن شأنها، ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم: " إن الماء لا ينجسه شيء " يريد الكثير منه، الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته، لأن السؤال إنما وقع عنها نفسها، فخرج الجواب عليها ". قلت: على هذا التقرير انظر إلى حديث القلتين ما يكون حكمه؟ ص- قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، قلت (1) : أكثر ما يكون فيها [الماء] (2) ؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرتُ بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعتُه، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون. ش- غرض أبي داود من هذا الكلام أن يبين أن ماء هذه البئر كثيراً، لا يؤثر فيه وقوع الأشياء المذكورة، والإجماع على أن الماء الكثير إذا لم يتغير طعمه ولونه وريحه، لا يتنجس بوقوع الأشياء؛ لأنه ح (3) حكمه حكم الجاري، وهذا الكلام أيضاً مما يضعف حكم حديث القلتين، فافهم! قوله: " قيم بئر بضاعة " القيمُ- بفتح القاف، وكسر الياء آخر الحروف المشددة-: الذي يقوم بأمور الشيء، ومنه قيم المسجد، وقيّم الحمام، وأصله قيوم، اجتمعت الواو والياء، فسبقت أحدهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. قوله: " مددتُّه عليها " جملة حالية بتقدير " قد "، والتقدير: قد مددته

_ (1) في سنن أبي داود: " قال ". (2) زيادة من سنن أبي داود 0 (3) كذا، وهي بمعنى: " حينئذ ".

عليها، وقد عُرف أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً، وكان فعلها ماضياً مثبتاً، لا بد فيه من " قد " إما صريحاً أو مقدراً. قوله: " ثم ذرعته " أي: ثم قست الرداء بالذراع، و " الفاء " في قوله: " فإذا عرضها " فاء المفاجأة، مثل قولك: خرجت فإذا السبعُ واقفاً، والضمير في " عرضها " /راجع إلى البئر. ويقال: كان وسع البئر ثمانية في ثمانية. 57- ص- حدثنا (1) مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " اغتسل بعضُ أزواج النبي- عليه السلام- في جفْنة، فجاء النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتوضأ منْها- أو يغتسل- فقالتْ له: يا رسول الله إني كنت جُنباً، فقال رسولُ الله: إنّ الماء لا يُجْنب " (2) . ش- أبو الأحوص اسمه: عوف بن مالك بن نضلة بن خديج الكوفي التابعي، لأبيه صحبة، سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. روى عنه: الحسن البصري، وعطاء بن السائب، والشعبي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري- رحمه الله (3) . وسماك هو ابن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة الذهلي البكري، وقيل: الهذلي أبو المغيرة الكوفي، أخو محمد وإبراهيم ابني حرب. سمع جابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، وأنس ابن مالك، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. قال سماك: أدركت ثمانين من أصحاب النبي- عليه السلام-، وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله- عز وجلّ- فرد علي بصري. روى عنه:

_ (1) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب الماء لا يجنب ". (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك (65) ، النسائي: كتاب المياه (1/173) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة بفضل طهور المرأة (370) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4548) .

إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، وغيرهم وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وعكرمة هو القرشي الهاشمي أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أصله من البربر من أهل المغرب، سمع ابن عباس، وأبا قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، والشعبي، والزهري، وقتادة، وسماك بن حرب، والأعمش، والسدي، وغيرهم من خلق كثيرين. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير العلم، بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه. وقال [أبو] أحمد بن عدي: إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث، إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون قد أتى من قبل الضعيف، لا من قبله، ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه. توفي سنة سبع ومائة، روى له الجماعة (2) قوله: " في جفنة " الجفنة- بفتح الجيم-: القصعة الكبيرة، وكلمة " في " هاهنا بمعنى " من "، أي: اغتسلت من جفنة كان فيها ماء؛ لأنه لا يتصور أن يجعل " في " على حقيقته، وقد جاء " في " بمعنى " من " في قول الأغر: وهل يعمنْ من كان أحدثُ عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال قوله: " إني كنت جنباً " الجنب: الذي يحب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وقد يجمع على أجناب وجُنُبين، وأجنب يجنب إجناباً، والجنابة الاسم،

_ (1) المصدر السابق (12/2579) . (2) المصدر السابق (20/4009) .

29- باب: البول في الماء الراكد

وهي في الأصل البعد، وسمي الإنسان جنباً؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يغتسل. قوله: " إن الماء لا يُجنب " بضم الياء وكسر النون، أي: لا يتنجس، والمعنى: إن الماء لا يصير نجساً لملامسة الجنب إياها، والحاصل أن مثل هذا الفعل لا يؤدي الماء إلى حالة يُجتنب عنه، فلا يستعمل منه، " (1) وقد روي: " أربع لا تنجس: الثوب، والإنسان، والأرض، والماء " وفسروه أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس، والإنسان إذا أصابته الجنابة لم ينجس، وإن صافحه جنب أو مشرك لم ينجس، والماء إن أدخل يده فيه جنب، أو اغتسل منه لم ينجس، والأرض إن اغتسل عليها جنب لم تنجس ". وقوله- عليه السلام-: " إن الماء لا يُجْنب " من قبيل المشاكلة والمقابلة، فافهم! وأخرج هذا الحديث الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. *** 29- باب: البول في الماء الراكد أي: هذا باب في بيان حكم البول في الماء الراكد، أي: الواقف، من ركد يركد إذا أقام، من باب نصر ينصر. 58- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زائدة في حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " لا يبولن أحدُكُم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه " (2) .

_ (1) انظر: معالم السنن (1/33) . (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: البول في الماء الدائم (239) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد (283/97) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد (68) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد (1/125) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد (344) .

ش- أحمد بن يونس بن زهير أبو العباس الضبي قد ذكر مرة. وزائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي، سمع هشام بن عروة، وسعيد بن مسروق، وأبا الزناد، وسماك بن حرب،/وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي (1) ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو صدوق من أهل العلم. توفي في أرض الروم عام غزا الحسن بن قحطبة سنة ستين ومائة روى له الجماعة (2) . وهشام هو ابن عروة بن الزبير، وقد ذكر. ومحمد هو ابن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري، أخو معبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة بني سيرين، وسيرين يكنى أبا عمرة، وهو من سبْي عين التمر، أسرهم خالد بن الوليد، وهو مولى أنس بن مالك خادم النبي- عليه السلام- دخل على زيد بن ثابت، وسمع عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجندب بن عبد الله، وأبا هريرة، وعبد الله بن الزبير، وأن بن مالك، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وسلمان بن عامر، وأم عطية الأنصارية، ومن التابعين: مسلم بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، ويونس بن جبير، وغيرهم. وروى عن عبد الله بن عباس، والصحيح أن بينهما عكرمة. روى عنه: الشعبي، وأيوب السختياني، وقتادة، ويحيى بن عتيق، وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً، عالياً رفيعاً، فقيهاً إماماً، كثير العلم ورعاً، وكان به صمم. وقال أحمد ويحيى: هو من الثقات. مات سنة عشر ومائة، بعد الحسن بمائة يوم. روى له الجماعة (3) . قوله: " لا يبولن " نهي مؤكد بنون التأكيد الثقيلة، وأصله: لا يبل أحدكم، فلما دخلت نون التأكيد عادت الواو المحذوفة.

_ (1) في الأصل: " التميمي ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1950) . (3) المصدر السابق (25/5280) .

قوله: " في الماء الدائم " أي: الواقف الذي لا يجري، من دام يدوم، إذا طال زمانه. قوله: " ثم يغتسل منه " برفع اللام؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ثم هو يغتسل منه، ويجوز الجزم عطفاً على محل " لا يبولن "، لأنه مجزوم، وعدم ظهور الجزم لأجل نون التوكيد، وقد قيل: يجوز النصب بإضمار " أنْ "، ويعطى لـ " ثم " حكم " واو الجمع ". فلت: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي [عنه] ، سواء أراد الاغتسال فيه، أو منه، أو لا، فافهم. واحتج أصحابنا بهذا الحديث [على] أن الماء إذا لم يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه النجاسة، لم يجز به الوضوء، قليلاً كان أو كثيراً، واستدلوا به أيضا على أن القلتين تحمل النجاسة؛ لأن الحديث مطلق، فبإطلاقه يتناول الماء القليل والكثير، والقلتين والأكثر، ولو قلنا: إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة، على أن هذا أصح من حديث القلتين، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه "، وفي لفظ: " ثم يغتسل منه "، ورواه الترمذي ولفظه: " ثم يتوضأ منه "، وكذا أخرجه النسائي، وروى البيهقي (1) من حديث ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " أنه نهى أن يبال في الماء الراكد، وأن يغتسل فيه من الجنابة "، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (2) من طريق جابر قال: " نهى رسول الله أن يبال في الماء الراكد "، ومن طريق أبي هريرة: " لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه ".

_ (1) السنن الكبرى (1/238) . (2) المصنف (1/141) .

ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: حرمة البول في الماء الواقف مطلقاً. الثانية: جواز البول في الماء الجاري، ولكن الأولى اجتنابه، ومنهم من فصله فقال: إن كان جارياً كثيراً جاز البول فيه، وإن كان قليلاً لا يجوز. الثالثة: فيه دلالة على تنجيس البول. الرابعة: يفهم منه أن التغوط فيه أيضاً حرام؛ لأنه كالبول، بل هو أقبح، وكذلك يحرم أن يبول في إناء، ثم صبه فيه، وكذا إذا بال بقرب الماء ثم جرى إليه، فاختلط به. الخامسة: فيه دليل على أنه إذا بال فيه ثم اغتسل [منه] لا يجوز، وكذا قال الشافعي، حتى صرح بقوله: وسواء قليل الراكد وكثيره لإطلاق الحديث. ومن الشافعية من يقول: إنما ينجس الماء بالبول فيه إذا كان دون القلتين، وكذا قال الخطابي (1) . قلت: هذا تحكم بلا دليل، وترك لإطلاق الحديث، وكيف يعار [ض [ به حديث القلتين مع الكلام فيه كما ذكرناه؟ 59- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لا يبولن أحدُكم في الماء/الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " (2) . ش- يحيى هذا هو يحيى بن سعيد بن فرُوخ القطان الأحول أبو سعيد التميمي، مولاهم البصري، سمع يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد ابن عجلان وابن جريج، ومالك بن أنس، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، والثوري، ومسدد، وغيرهم. وقال

_ (1) معالم السنن (1/34) . (2) ابن ماجه في كتاب الطهارة (343) .

30- باب: الوضوء بسؤر الكلب

أبو زرعة: من الثقات الحُفاظ. توفي في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة. وولد سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . ومحمد بن عجلان ذكر مرة. وعجلان والده مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة. روى عن أبي هريرة، وروى عنه ابنه محمد، وبكير بن عبد الله [بن] الأشج. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " ولا يغتسل " بالرفع والجزم كما ذكرناه الآن، وأخرجه ابن ماجه ولفظه: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ". *** 30- باب: الوضوء بسؤر الكلب أي: هذا باب فيه بيان الوضوء بسؤر الكلب، والسؤر: بقية الماء التي يبقيها الشارب، والجمع " أسار "، والنعت سئار، مثل حبّار على غير قياس؛ لأن القياس مسئر؛ لأنه من اسأر، يقال إذا شربت فاسْئر، أي: أبق شيئاً من الشراب في قعر الإناء. 60- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زائدة في حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " طُهُورُ إناء أحدكُمْ إذا ولغ الكلبُ فيه أن يُغْسل سبع مرارٍ، أولاهن بالتراب " (3) . قال أبو داود: وكذلك قال أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد. ش- أيوب هذا ابن [أبي] تميمة، واسمه: كيسان أبو بكر السختياني

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6834) . (2) المصدر السابق (19/3878) . (3) البخاري: كتاب الطهارة، باب: إذا شرب الكلب ما في الإناء بأطراف لسانه سبعاً (172) ، مسلم: كتاب الطهارة (279) ، الترمذي: كتاب الطهارة (91) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/52- 53) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة (363) . 14. شرح سنن أبي داوود 1

البصري، مولى جهينة، رأى أنس بن مالك، وسمع عمرو بن سلمة، وأبا عثمان النهدي، ومحمد بن سيرين، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، والزهري، وجماعة آخرين. روى عنه: قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والثوري، وابن عيينة، والحمادان، وجماعة آخرون كثيرة. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) . وحبيب بن الشهيد البصري أبو شهيد الأزدي، مولى قُريْبة. روى عن: الحسن، ومحمد وأنس ابني سيرين، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى بن سعيد، وإسماعيل ابن علية، وغيرهم. قال أحمد: ثقة مأمون، وهو أثبت من حميد الطويل. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " طُهورُ إناء أحدكم " الطُهور- بضم الطاء- وهو الأشهر، ويقال بفتحها أيضاً لغتان، وقد مر الكلام فيه، وارتفاعه على أنه مبتدأ وخبره قوله: " أن يغسل "، و " أن " هاهنا مصدرية، والتقدير: طهارة إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه غسلها سبع مرار. قوله: " إذا ولغ " يقال: " (3) ولغ الكلب في الإناء، يلغ- بفتح اللام فيهما- ولوغاً، إذا شرب بأطراف لسانه. قال أبو زيد: يقال: ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا ". وقال ابن الأثير: وأكثر ما يكون الولوغ من السباع. قوله: " أولاهن بالتراب " جملة محلها النصب من الإعراب؛ لأنها وقعت صفة لقوله: " سبع مرار "، والأولى تأنيث الأول، وإنما أنثه باعتبار المرة، واحتج الشافعي بهذا الحديث [على] أن الكلب إذا ولغ في الإناء لا يطهر إلا بالغسل سبع مرات، إحداهن بالتراب، وهو مذهب

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/607) . (2) المصدر السابق (5/1090) . (3) انظر: شرح صحيح مسلم (3/184) .

أحمد أيضاً، وبه قال مالك لكن استحباباً، وعن الشافعي يغسل سبعاً أُولاهن أو أخراهن (1) بالتراب، وعن أحمد ثمانية. وقال أصحابنا: " (2) يغسل ثلاثاً لا غير، واحتجوا بما رواه الدارقطني في " سننه " (3) عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً ". وقال الدارقطني: تفرد به عبد الوهاب عن ابن عياش وهو متروك، وغيره يرويه عن ابن عياش بهذا الإسناد: " فاغسلوه سبعاً " وهو الصواب. وأخرج الدارقطني (4) أيضاً عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: " إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات "، وأخرجه بهذا الإسناد عن أبي هريرة: " أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهراقه، وغسله ثلاث مرات ". وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": " هذا سند صحيح ". وجه استدلال أصحابنا بهذا ظاهر، ووجه الاستدلال بحديث الدارقطني: أنه - عليه السلام-/خيّر فيما زاد على الثلاث، والتخيير ينافي الوجوب، وما ورد من الأمر فيه محمول على الندب. والجواب عن الأحاديث التي يحتج بها الخصوم، وهي التي رواها (5) الأئمة الستة في كتبهم من حديث أبي هريرة، فرواية البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي- عليه السلام- قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " (6) ، ورواية مسلم من حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا

_ (1) في الأصل: " وأخراهن " خطأ. (2) انظره في: نصب الراية (1/131- 132) . (3) (1/65) . (4) (1/66) . (5) في الأصل: " رواه ". (6) البخاري (172) ، مسلم (279/90) .

ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة عفروه بالتراب " (1) ، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواية أبي داود من حديث محمد عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " طُهورُ إناء أحدكم " (2) الحديث، وأخرجه مسلم والنسائي، وأخرجه الترمذي (3) وفيه: " أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة " وقال: هذا حديث حسن صحيح. أنها محمولة على ابتداء الإسلام، قلعاً لهم عما ألفوه من مخالطة الكلاب، فقال النبي- عليه السلام- هذا القول للتغليظ عليهم، ولهذا أمر بقتل الكلاب أيضاً، ثم رخص في كلب الصيد وفي كلب الغنم، كما روي في البخاري مثله. وقال الطحاوي- وهو إمام في الحديث، عالم بمعانيه وعلله-: ثبت بذلك- أي: بما روي عن أبي هريرة من حديث عبد الملك- نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن بأبي هريرة، ولا يجوز عليه أن يترك ما سمعه من النبي - عليه السلام-، وإلا سقطت عدالته، ولم تقبل روايته، بل كان يجب على الخصم المخالف أن يعمل بحديث عبد الله بن المغفل، عن النبي- عليه السلام-: " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة عفروه بالتراب "؛ لأنه قد زاد على السبع، والأخذ بالزائد أوجب عملاً بالحديثين، وهم لا يقولون به، فثبت أنه منسوخ ". وقال الخطابي (4) : " فيه دليل على أن الكلب نجس الذات ". قلنا: نسلم أن فيه دليلاً على أن الكلب نجس، ولكن لا نسلم أنه نجس الذات؛ لأن هذا قدر زائد ليس في الحديث دلالة عليه، وفرغ على كلامه أن بيع الكلب حرام. وقال أيضاً (4) : " وفيه البيان الواضح أنه لا يطهره- أي الإناء- أقل من عدد السبع، وأن تعفيره بالتراب واجب ".

_ (1) مسلم (93/280) ، أبو داود (74) ، النسائي (1/54) ، ابن ماجه (365) . (2) مسلم (91/279) .، أبو داود (72، 73) ، النسائي (1/177- 178) . (3) الترمذي (91) . (4) معالم السنن (1/34- 35) .

قلنا: كما ورد السبع ورد الثلاث كما بينا، والأمر بالتعفير محمول على الندب. وقال (1) : " وفيه دليل على أن الماء المولوغ فيه باق على طهارته، إذ لم يأمره بإراقته، وقد يكون لبناً وزيتاً ". قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن الإناء إذا تنجس بملاقاة لسانه، فالماء بطريق الأولى. فإن قيل: جاز أن يكون المراد بغسل الإناء التعبد لا التنجس. قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الجمادات لا تلحقها حكم العبادات؛ ولأنه لو كان تعبداً لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحدث، ولا يقال الحجر الذي استعمل في رمي الجمار يغسل ويرمى ثانياً؛ لأنا نقول: إن الحجر لإقامة القربة وذهب أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر، وأن غسل الإناء تعبدٌ، وهذا فاسد كما قررنا، وذهب مالك إلى أنه إذا لم يجد ماء غيره توضأ به، وزاد الثوري: ثم يتيمم. ثم قوله- عليه السلام-: " إذا ولغ الكلب " معرف باللام يتناول جنس الكلاب، سواء كان كلب البدوي، أو الحضري، أو كلب الصيد، أو كلب الزرع، أو غير ذلك. وعن مالك أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن مالك. والرابع عن عبد الملك بن الماجشون: أن يفرق بين البدوي والحضري، والخنزير كالكلب عندنا. وقال مالك: سؤر الخنزير أيضاً طاهر. 61- ص- نا مسدد قال: نا المعتمر بن سليمان. قال: ونا محمد بن عبيد قال: نا حماد بن زيد جميعاً عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة بمعناه ولم يرفعاه، وزاد: " وإذا ولغ الهر غُسل مرةً " (2) .

_ (1) معالم السنن (1/34- 35) . (2) انظر تخريج الحديث رقم (71) .

ش- معتمر بن سليمان بن طرخان أبو محمد التيمي البصري، سمع أباه، وعبد الملك بن عمير، وعاصماً الأحول، وأيوب السختياني، وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، وأحمد بن حنبل، وعبد الأعلى بن حماد، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان ثقة. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة، روى له الجماعة (1) . ومحمد بن عبيد بن حساب/الغُبري- بالغين المعجمة- البصري، سمع حماد بن زيد، ومعاوية بن عبد الكريم، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (2) . وحماد بن زيد بن درهم قد مر ذكره، وأيوب هو السختياني، ومحمد هو ابن سيرين، وأبو هريرة عبد الرحمن، وقد ذكروا. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث الذي سبقه. قوله: " لم يرفعاه " الضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المسدد وإلى محمد بن عبيد، بمعنى: أن كلا منهما روى هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة، وزاد فيه: " وإذا ولغ الهر غسل مرة ". وقال البيهقي (3) : " أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي- عليه السلام-، ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهرة موقوف ". وقوله: " الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، وجمعه " هررةٌ "، كقرد وقردة، والأنثى هرة وجمعها " هررٌ "، مثل قربة وقرب. 62- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة: أن محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة: أن نبي الله- عليه السلام- قال:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6080) . (2) المصدر السابق (26/5441) . (3) السنن الكبرى (1/247) .

" إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغْسلُوه سبْع مرار (1) ، السابعة بالتراب " (2) . قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابتٌ الأحنفُ وهمام بن منبه [أخو وهب بن منبه] (3) وأبو السدي عبد الرحمن رووه [كلهم] (3) عن أبي هريرة فلم يذكروا التراب. ش- أبان هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبا يزيد، سمع قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وأبا عمران الجوْني. روى عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وموسى بن إسماعيل. روى له مسلم، وأبو داود، واستشهد به البخاري في غير موضع (4) . وأبو صالح ذكوان السمان قد ذكر. وأبو رزين اسمه: مسعود بن مالك أبو رزين الكوفي الأسدي أسد خزيمة، مولى أبي وائل شقيق بن سلمة. روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن سميع، وإسماعيل بن أبي خالد، وابنه عبد الله بن مسعود، والأعمش. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (5) . والأعرج هو عبد الرحمن، وقد ذكر. وثابت الأحنف هو ابن عياض الأعرج الأحنف القرشي العدوي، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض سمع عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، (1) في سنن أبي داود: " سبع مرات ". (2) انظر تخريج الحديث رقم (60) . (3) غير موجود في سنن أبي داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/143) وفيه: " روى له الجماعة إلا النسائي ". (5) المصدر السابق (27/5912) .

وأبا هريرة. روى عنه: عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان الأحول، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . وهمام بن منبه أبو عقبة قد ذكر. وأبو السدي عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى عن أبي هريرة- رضي الله عنه-. وقال الحافظ الذهبي في " تذهيب التهذيب ": عبد الرحمن ابن أبي كريمة عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي حديث: " الإيمانُ قيدُ الفتْك، لا يفتكُ مؤمن " (2) . قوله: " رووه كلهم " أي: رووا هذا الحديث كل هؤلاء المذكورين، فلم يذكروا في روايتهم " التراب "، ومعنى قوله: " السابعة " أي: المرة السابعة بالتراب،. وهذه جملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها وقعت كالتفسير لقوله: " سبع مرار "، والأولى أن تكون صفة للسبع، ويكون محلها النصب، و " (3) معنى الغسل بالتراب: أن يخلط التراب بالماء حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ. وقال الشيخ محيى الدين: ولا يحب إدخال اليد في الإناء، بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه، ويستحب أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة، ليأتي عليه ما ينظفه، والأفضل، أن يكون في الأولى " (غ) . قلت: هذه الرواية تدل على أن يكون التراب سابع سبعة " فكيف يكون الأولى هو الأفضل؟ وأما الرواية الأخرى تدل على أن تكون السابعة

_ (1) المصدر السابق (4/825) . (2) المصدر السابق (17/3940) . (3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/186) . (4) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".

هي الأولى، فح (1) لا يترجح أحدهما على الآخر، بل له أن يجعل التراب إما أولاً، وإما آخراً من غير ترجيح أحدهما على الآخر. وقال أيضاً: " ولا يقوم الصابون والأشنان وما أشبههما/مقام التراب على الأصح " (2) . 63- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نا أبو التياح، عن مطرف، عن ابن مغفل: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل الكلاب "، ثم قال: " ما لهم ولها؟ فرخّص في كلب الصيد، وفي كلب الغنم "، وقال: " إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلُوه سبع مرار، والثامنة عفًرُوه بالتراب " (3) ، (4) . ش- يحيي بن سعيد هو القطان، وقد ذكر. وأبو التياح- بتاء مثناة من فوق، بعدها ياء آخر الحروف مشددة، وفي آخره حاء مهملة- اسمه: يزيد بن حميد الضبعي من أنفسهم، سمع أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبا جمرة نصر بن عمران، وأبا زرعة، وغيرهم روى عنه: شعبة، والحمادان، والحسن بن دينار، وغيرهم. قال أحمد: ثبت ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (5) . ومطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب أبو عبد الله البصري. روى عن عثمان بن عفان، وسمع عليّ بن أبي طالب، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم. روى عنه: أخوه أبو العلاء، والحسن البصري، ومحمد بن واسع، وأبو التياح، وغيرهم. مات سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة (6) .

_ (1) أي: " فحينئذ ". (2) انظر المصدر السابق. (3) زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أبو داود: هكذا قال ابن مغفل ". (4) مسلم: كتاب الطهارة (28) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/54) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة (365) ، وفي كتاب الصيد (3200، 3201) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6978) . (6) المصدر السابق (28/6001) .

وابن مغفل هو: عبد الله بن مغفل المزني الصحابي، وقد ذكر. قوله: " أمر بقتل الكلاب " إنما أمر بذلك تغليظاً عليهم؛ لأنهم كانوا متولعين بها، وهذا منسوخ؛ لأنه- عليه السلام- أمر بذلك مرة، ثم صح أنه نهى عن قتلها، ثم إن كان الكلب عقوراً يجوز قتله، لقوله - عليه السلام-: " خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم ... " وعد منها " الكلب العقور " (1) ، وإن لم يكن عقوراً لم يجز قتله مطلقاً، سواء كان للصيد أو الزرع، أو غير ذلك. قوله: " ثم قال: ما لهم ولها؟ " أي: ما حالهم وحال الكلاب، وهذا إشارة إلى النهي عن اقتنائها، " (2) واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب لغير حاجة، مثل أن يقتني كلباً إعجاباً لصورته أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد رخص فيه - عليه السلام-، وهو قول عبد الله بن مغفل: " فرخص في كلب الصيد، وفي كلب الغنم "، وفي الرواية الأخرى: " وكلب الزرع "، وهذا جائز بلا خلاف، وفي هذا المعنى من اقتناه لحراسة الدُّور والدُّرُوب، واختُلف فيمن اقتنى كلب صيدٍ وهو لا يصيد ". قوله: " والثامنة عفروه " أي: المرة الثامنة عفروا الإناء بالتراب. وقال في " المطالع ": معناه: اغسلوه بالتراب، وهو من العفر- بالتحريك- وهو التراب، يقال: عفرهُ في التراب يُعفّرُهُ عفْراً وعفرهُ تعْفيراً، أي: مرغه، وشيء معْفُورٌ ومُعفرٌ مُترّبٌ. وقال الشيخ محيي الدين (3) : " وأما رواية: " وعفروه الثامنة بالتراب "

_ (1) البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب: ما يقتلُ المحرمُ من الدواب (1829) ، مسلم: كتاب الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (1198/66) من حديث عائشة. (2) انظره في شرح صحيح مسلم (3/186) . (3) انظر: شرح صحيح مسلم (1/185) .

31- باب: سؤر الهر

فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعاً، واحدة منهن تراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا ". قلت: هذا مخالف لصريح الحديث؛ لأن صريحه يدل على أن يكون الغسل بالماء سبع مرات، ويكون التعفير بالتراب مرة ثامنة، وكذا روي عن الحسن البصري أنه قال: يفتقر إلى دفعة ثامنة، وهي رواية عن الإمام أحمد على ما ذكرناه وأخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وابن ماجه. *** 31- باب: سؤر الهر أي: هذا باب في بيان أحكام سؤر الهر. 64- ص- حدثنا عبدُ الله بن مسلمة القعْنبي، عن مالك، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عُبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك- وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أن أبا قتادة دخل عليها (1) فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني انظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنت أخي (2) ؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنها ليستْ بنجسٍ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (3) . ش- عبد الله بن مسلمة قد ذكر. ومالك هو مالك بن أنس الإمام، وقد ذكر أيضاً. وإسحاق بن عبد الله بن زيد أبي طلحة بن سهل الأنصاري النجاري المدني، سمع أباه، وعمه أنس/بن مالك، وأبا صالح ذكوان، ورافع ابن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، وابن عيينة،

_ (1) ساقط من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " يا ابنة أخي ". (3) الترمذي: كتاب الطهارة (92) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/55) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة (367) .

ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو ثقة. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) . وحميدة- بفتح الحاء- بنت عُبيد بن رفاعة الأنصارية الزرقية، روت عن كبشة بنت كعب، روى عنها إسحاق بن عبد الله، روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وكبشة بنت كعب بن مالك، روت عن أبي قتادة، روت عنها حميدة المذكورة، روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وابن أبي قتادة اسمه: عبد الله، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وكلاهما قد ذكرا. قوله: " وضوءاً " بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: " فأصغى لها الإناء " أي: أماله، ليسْهُل عليها الشربُ. قوله: " نعم " بفتح النون، وكنانة تكسرها، وبها قراءة الكسائي، وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر، والثاني بعد " افْعل " و" لا تفعل "، والثالث بعد الاستفهام. قوله: " إنها ليست بنجس " بفتح الجيم، يقال لكل مستقذر نجسٌ، قال الله تعالى: (إنّما المُشْركُون نجس) (4) ، وهذا تعليل لإصغائه الإناء لها. وقوله: " إنها من الطوافين عليكم " تعليل لقوله: " إنها ليست بنجس "، والطوافون هم بنو آدم، يدخل بعضهم على بعض بالتكرار، والطوافات هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس، مثل الغنم والبقر والإبل، وجعل النبي- عليه السلام- الهر من القبيلين، لكثرة طوافه واختلاطه بالناس، وأشار إلى الكثرة بصيغة التفعيل؛ لأنه للتكثير والمبالغة،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/366) . (2) المصدر السابق (35/7822) . (3) المصدر السابق (35/7916) . (4) سورة التوبة: (28) .

وموصوف كل واحد من الطوافين والطوافات محذوف، أقيمت الصفة مقام موصوفها، ويقدر ذلك بحسب ما يليق له، مثل ما يقال: خدمٌ طوافون، وحيوانات طوافات، وقد قال الله تعالى: (طوافُون عليكم بعْضُكُمْ على بعْض) (1) يعني المماليك والخدم الذين لا يُقْدر على التحفظ منهم غالبا، ويروى: " والطوافات " بواو العطف كما وقع هاهنا، ويروى بأو التي للشك وغيره، وروي الوجهان عن مالك- رحمه الله-، واحتج بذلك أبو يوسف من أصحابنا على أن سؤر الهر طاهر غير مكروه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة ومحمد: طاهر مكروه، واحتجا بقوله- عليه السلام-: " السنور سبُع " رواه الحاكم في " مستدركه " من حديث عيسى بن المسيب، ثنا أبو زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " السنور سبُع ". قال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه (2) . ورواه أيضاً الدارقطني في " سننه " في حديث طويل آخره: " السّنّورُ سبُع "، ثم أخرجه مختصراً من جهة وكيع ومحمد بن ربيعة كلاهما عن عيسى بن المسيب (3) ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام-: " السنور سبُع " وقال وكيع: " الهر سبُع " (4) . ووجه الاستدلال: أن المراد منه بيان الحكم لا بيان الخلقة؛ لأنه- عليه السلام- مبعوث لبيان الأحكام والشرائع، لا لبيان الحقائق، فيكون حكم الهر كحكم السباع في النجاسة، ولكن النجاسة سقطت بعلة الطّوْف، فانتفت النجاسة، وبقيت الكراهة عملاً بالحديثين. وقال بعض أصحابنا: إن حديث الطوْف محمول على ما قبل التحريم فح (5) يكون هذا الحديث منسوخا، فلم يبق العمل إلا بالحديث الثاني. وحديث الطوْف أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا

_ (1) سورة النور: (58) . (2) (1/183) . (3) في الأصل: " سعيد بن المسيب " خطا (4) سنن الدارقطني (1/63) . (5) أي: " فحينئذٍ ".

حديث حسن صحيح. وقال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت أحد أتم من مالك، وقال البخاري: جود مالك بن أن هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. 65- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: [ثنا] عبد العزيز، عن داود ابن صالح بن دينار التّمار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة - رضي الله عنها- فوجدتها تُصلي، فأشارت إليّ أن ضعيها، فجاءت هرةٌ فأكلت منها، فلما انصرفتْ أكلت من حيث أكلت الهرةُ، فقالت: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنها ليستْ بنجس، إنما هي من الطّوافين عليكم، /وقد رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بفضْلها " (1) . ش- عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني، وقد ذكر مرة. وداود بن صالح الأنصاري مولاهم التمار، قيل: إنه مولى أبي قتادة الأنصاري، سمع أبا أمامة بن سهل، وسالم بن عبد الله، وأباه صالحاً، وروى عن أمه. روى عنه: عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن عروة، والوليد بن كثير، وغيرهم. قال أحمد: لا أعلم به بأساً. روى له أبو داود (2) . قوله: " بهريسة " الهريسةُ: طعام من قمح ولحم مدقوق، من الهرْس وهو الدق. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز الإهداء بالطعام وقبوله. والثانية: جواز إشارة المصلي بيده أو عينه. والثالثة: جواز أكل سؤر الهرة. والرابعة: جواز التوضئ بسؤر الهرة.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1764) .

32- باب: الوضوء بفضل وضوء المرأة

وروى هذا الحديث الطحاوي في " شرح الآثار "، والدارقطني في " سننه " ثم قال: تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن أمه بهذه الألفاظ (1) ، والله أعلم. *** 32- باب: الوُضوء بفضل وضوء المرأة أي: هذا باب في بيان أحكام الوُضوء بفضل وضوء المرأة. الوُضوء الأول بضم الواو اسم للفعل، والثاني بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ 66- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إناء واحد ونحنُ جُنُبان " (2) . ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور ابن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد، كلهم ذكروا. قوله: " ورسول الله " عطف على قوله: " أنا "، وقد علم أن العطف على المرفوع المتصل لا يجوز إلا إذا أكد بمنفصل، نحو: ضربت أنا وزيد، ولا يجوز: ضربت وزيد، وذلك لأن المتصل المرفوع لما تأكد اتصاله صار كالجزء، فإذا عطفت عليه توهم عطف الاسم على الفعل. قوله: " ونحن جنبان " جملة اسمية وقعت حالاً من المعطوف والمعطوف

_ (1) سنن الدارقطني (1/70) . (2) البخاري: كتاب الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته (250) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: القدر المستحب في غسل الجنابة (319) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد (62) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه في إناء واحد (1/129) .

عليه، وقوله: " جنبان " على إحدى اللغتين في الجنب، أنه يثنى ويجمع فيقال: جنبان وجنبون وأجناب، واللغة الأخرى: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، بلفظ واحد، قال الله تعالى: (وإن كُنتُمْ جُنُباً) (1) ، وقال: (ولا جُنُباً إلا عابري سبيل) (2) ، وهذه اللغة أفصح وأشهر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن الجنب ليس بنجس. والثانية: أن فضل وضوء المرأة طاهر. والثالثة: جواز اغتسال الاثنين أو أكثر من إناء واحد. وأخرج النسائي هذا الحديث مختصراً، ومسلم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، والبخاري من حديث عروة، عن عائشة قالت: " كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله- عليه السلام- من إناء واحد من جنابة ". 67- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن ابن خربوذ، عن أم صُبية الجهنية قالت: " اختلفتْ يدي ويدُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوُضوء من إناء واحد " (3) ش- أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، روى عن: يعقوب ابن عبد الله بن أبي طلحة، وأبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز، ونافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة حجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة، واستشهد به البخاري (4) .

_ (1) سورة المائدة: (6) . (2) سورة النساء: (43) . (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (382) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/317) .

وابن خربوذ هو سالم بن سرْج- بالجيم-، وهو ابن خرّبُوذ أبو النعمان، ويقال سالم بن النعمان، مولى أم صُبية الجهنية، روى عن مولاته أم صُبية ولها صحبة. روى عنه أسامة بن زيد المدني وغيره. وثقه ابن معين وغيره. روى له البخاري في " الأدب "، وأبو داود، وابن ماجه (1) . و" خربُوذ " بفتح الخاء المعجمة، والراء المشددة،/وضم الباء الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة. وأم صُبية اسمها: خولة بنت قيس بن قهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. روى عنها معروف (2) بن خربوذ، روى لها أبو داود، وابن ماجه (3) . و" أم صُبية " بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها، وبعدها تاء تأنيث. قوله: " اختلفت يدي ويدُ رسول الله " بمعنى: أنها كانت تغرف هي مرة ورسول الله مرة. ويستفاد من هذا فائدتان: الأولى: جواز توضئ الاثنين من إناء واحد. والثاني: جواز توضئ الرجل والمرأة من إناء واحد. وأخرج هذا الحديث ابنُ ماجه. 68- ص- حدّثنا مسدد قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع ج، وحدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: " كان الرجالُ والنساءُ يتوضوءُون في زمان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قال مسدد: " من الإناء الواحد جميعاً " (4) .

_ (1) المصدر السابق (10/2147) . (2) كذا (3) المصدر السابق (35/7987) . (4) البخاري: كتاب الوضوء، باب: وضوء الرجل مع امرأته (193) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: وضوء الرجال والنساء جميعاً (1/57) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (381) . 15. شرح سنن أبي داوود 1

ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني، ونافع مولى ابن عمر، ومالك بن أنس ذكروا كلهم. روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى. قوله: " جميعاً " حال من الرجال والنساء، والمعنى مجتمعين. وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري وليس فيه: " من الإناء الواحد ". 69- ص- حدّثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر قال: " كنا نتوضأ نحنُ والنساءُ ونغتسلُ من إناء واحد على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زاد فيه: " نُدْلي فيه أيدينا " (1) ، (2) . ش- يحيى هو القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عثمان المدني، أخو عبد الله وأبي بكر وعاصم، سمع أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وسالم بن عبد الله، وكريباً مولى ابن عباس، وسعيداً (3) المقبري، ونافعاً مولى ابن عمر، وعمرو بن الدينار وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، وحميد الطويل، وابن جريج، والثوري، والليث بن سعد، ويحيى القطان، وابن المبارك، وجماعة آخرون كثيرة. روى له الجماعة (4) . قوله: " والنساء " عطف على قوله: " نحن "، وقد قلنا: إن الضمير المرفوع المتصل لشدة اتصاله بالفعل، لا يعطف عليه إلا بضمير منفصل، حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل. قوله: " ندلي " من الإدلاء، والإدلاء: هو إرسال الدلو في البئر،

_ (1) في سنن أبي داود: " كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا " كذا. (2) انظر التخريج السابق. (3) في الأصل: " وسعيد ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3668) .

33- باب: النهي عن ذلك

يقال: اً دْليْتُ الدلو ودلّيْتُها إذا أرسلتها، ودلوْتُها أدْلُوها فأنا دال إذا أخرجتها، والمعنى هاهنا: إرسال أيديهم في الإناء مثل ما يرسلُ الدلو. ويستفاد من هذا الحديث جواز توضئ الرجال والنساء واغتسالهم من إناء واحد، ولكن المراد من هذا توضؤُ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن " الألف واللام " في قوله: " والنساء " بدل من المضاف إليه، والتقدير: نتوضأ نحن ونساؤنا، يعني: أزواجنا، وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد؛ لأن الاختلاء بها حرام والاغتسال لا يكون إلا في الخلوة، لاحتياج الإنسان إلى كشف البدن، يدل على ذلك ما مر من حديث عائشة- رضي الله عنها-، وأما توضؤ المرأة مع الرجل الأجنبي من إناء واحد، فظاهر حديث أم صُبية يدل على جوازه، ولأن فيه لا يحتاج إلى الاختلاء، ولا كشف العورة، ووجه الحرة ويداها ليست بعورة، وفي قدمها روايتان. *** 33- باب: النهي عن ذلك أي: هذا باب في بيان حكم النهي عن توضئ الرجل واغتساله بفضل المرأة. 70- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، عن داود بن عبد الله. ج وحدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حُميد الحمْيري قال: لقيتُ رجلاً صحب رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع سنين- كما صحبهُ أبو هريرة- قال: " نهى رسولُ الله أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأة "، زاد مسدد: " وليغْترفا جميعاً " (1) . ش- زهير هو ابن معاوية، وداود بن عبد الله الأودي، وأبو عوانة اسمه: الوضاح، وحميد بن عبد الرحمن، ذكروا كلهم.

_ (1) النسائي: كتاب الظهارة، باب: ذكر النهي عن الاغتسْال بفضل الجنب (1/130) .

/قوله: " بفضل الرجل " أي: بالماء الذي فضل من الرجل، وبالماء الذي فضل من المرأة. " (1) وجه الجمع بين أحاديث هذا الباب وأحاديث الباب الذي قبله أن النهي هاهنا إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال من أعضائها دون الفضل الذي تُسْئرُهُ في الإناء، وجواب آخر: أن النهي محمول على الاستحباب، وجواب آخر: أن إسناد عائشة في الإناء أجود من إسناد خبر النهي. وقال محمد بن إسماعيل البخاري: حديث الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا الباب حديث عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ ". والإجماع على أن تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد جائز، وكذلك تطهر المرأة بفضل الرجل جائز بالإجماع، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو جائز عند جماهير العلماء منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي سواء خلت به أو لم تخلْ، وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وروى هذا عن عبد الله ابن سرجس، والحسن البصري، ورُوي عن أحمد كمذهب الجمهور، ورُوي عن الحسن، وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقاً، والمختار ما قاله الجماهير للأحاديث الصحيحة التي وردت في تطهره- عليه السلام- مع أزواجه، وكل واحد منهما مستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخلوة، وقد ثبت في الحديث الآخر: " أنه- عليه السلام- اغتسل بفضل بعض أزواجه " رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وأصحاب السنن. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. قوله: " وليغترفا جميعاً " أي: ليغترف الرجل والمرأة مجتمعين في حالة واحدة، وهذه الزيادة في رواية مسدد. وأخرج هذا الحديث النسائي. 71- ص- حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن عاصم،

_ (1) انظر: معالم السنن (1/36) .

عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو- وهو الأقرع-: " أن النبي- عليه السلام- نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضْل طهور المرأة ". ش- ابن بشار هو محمد بن بشار بُنْدار، وقد ذكر. وأبو داود هذا هو سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي البصري، أصله فارسي، مولى القريش (1) . وقال ابن معين: مولى لآل (2) الزبير بن العوام، سمع الثوري، وشعبة، وأبان العطار، وهشاماً الدسْتُوائي، وأبا عوانة، وابن المبارك، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، ومحمد ابن بشار، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن سعد، وجماعة آخرون. وعن عمرو بن علي: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود الطيالسي سمعته يقول: أسردُ ثلاثين ألف حديث ولا فخر. وقال يونس بن حبيب: قدم علينا أبو داود فأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث، أخطأ في سبعين موضعاً فأصلحوها، مات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى وسبعين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وشعبة هو ابن الحجاج، وعاصم بن سليمان الأحول. وأبو حاجب سوادة بن عاصم العنزي أبو حاجب، وليس بأخي نصر ابن عاصم. روى عن: الحكم بن عمرو الغفاري، وعائذ بن عمرو. روى عنه: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وشعبة. قال ابن معين: ثقة. روى له: الترمذي، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (4) . والحكم بن عمرو بن مُجْدح (5) بن حذْيم بن حُلْوان بن الحارث

_ (1) في الأصل: " لقريش ". (2) في الأصل: " مولى ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2507) . (4) المصدر السابق (12/2635) . (5) كذا بالحاء، وفي أسد الغابة والإصابة وتهذيب الكمال: " مُجدع " بالعين=

34- باب: الوضوء بماء البحر

الغفاري ويقال له: الحكم بن الأقرع. قال ابن سعد: صحب النبي - عليه السلام- حتى قبض ثم تحول إلى البصرة فنزلها. انفرد به البخاري فروى له حديثاً واحداً. روى عنه: عبد الله بن الصامت، وسوادة بن عاصم، وابن سيرين، وغيرهم. توفي بمرو سنة خمسين، ودفن هو وبريدة الأسلمي الصحابي في موضع واحد. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " بفضل طهور المرأة " بفتح الطاء، وقد ذكرنا حكم هذا الحديث، وقد قال جماعة من المحدثين: إن هذا الحديث لا يصح، ومنهم البخاري كما ذكرنا. وقال البخاري: سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي لا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. وأخرج الترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن "، ولو كان صحيحاً لنص عليه، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته. *** /34- بابُ: الوضوء بماء البحر أي: هذا باب في بيان حكم التوضئ بماء (2) البحر. 72- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق من آل (3) ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا رسول الله، إنّا نركبُ البحر، ونحملُ معنا القليل

_ = المهملة، وقال محققه: " جاء في حاشية نسخة المؤلف بخطه: كذا قيده ابن ماكولا (7/223) ، وقال غيره: مجدح بالحاء ". قلت: وكذا هو في الاستيعاب، إلا أنه تصحف إلى " محدج " بالجيم. (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/314) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (2/40) ، والإصابة (1/346) . (2) في الأصل: " بباب ". (3) في الأصل: " مولى " خطأ.

من الماء، فإن توضأ نا به عطشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هو الطهُورُ ماؤُه، الحل ميتتهُ " (1) . ش- مالك هو: ابن أنس الإمام. وصفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، ويقال: أبو الحارث الزهري أبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن: عبد الله ابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وسمع أنس بن مالك، وحميد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وزياد بن سعد، وجماعة آخرون. قال أحمد: ثقة، من خيار عباد الله. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . وسعيد بن سلمة المخزومي من آل بني (3) الأزرق، روى عن المغيرة بن أبي بردة. روى عنه: صفوان بن سليم، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . والمغيرة بن أبي بردة رجل من بني [عبد] الدار، روى عن أبي هريرة 0 روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وصفوان بن سليم، وأبو مرزوق التُجيبي، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) . قوله: " وهو من بني [عبد] الدار " أي: المغيرة بن أبي بردة رجل من بني [عبد] الدار.

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (69) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: في ماء البحر (1/50) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (386) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2882) . (3) كذا. (4) المصدر السابق (10/2289) . (5) المصدر السابق (28/6123) .

قوله: " هو الطهور ماؤه " " هو " مبتدأ، و " الطهور " مبتدأ ثان، و " ماؤه" خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون ارتفاع " ماؤه " بإسناد " الطهُور " إليه، ويكون الفاعل مع فعله خبراً للمبتدأ؛ لأن الطّهور اسم بمعنى المطهّر، واسم الفاعل يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه، وهذا التركيب فيه القصر؛ لأن المبتدأ والخبر وقعا معرفتين، وهو من جملة طرق القصر، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف؛ لأنه قصر الطهورية على ماء البحر، وقصر الصفة على الموصوف أن لا تجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخر، وهذا قصر ادعائي، وهو يكون فيما إذا قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يكون قصراً حقيقيا؛ لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر فقط، ولكن النبي- عليه السلام- لشدة اعتنائه ببيان طهورية ماء البحر قصرها عليه مبالغة " وادعاء، وهذا من قبيل القصر القلب؛ لأن السائل كان في اعتقاده أن التوضأ بماء البحر غير جائز، فأثبته- عليه السلام- بعكس ما في قلبه، ويجوز أن يكون قصر تعيين؛ لأنه كان يتردد بين جواز الوضوء به، وبن عدمه من غير علم بالتعيين، فعينه- عليه السلام- بقوله: " هو الطهور ماؤه "، وهذا أولى من الأول، فافهم. قوله: " الحل ميتته " التقدير: هو الحل ميتته، والكلام فيه مثل الكلام في " هو الطهور ماؤه "، والحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال ضد الحرام، من حلّ يحلُّ من باب ضرب يضرب ويقال: رجل حلال وحل وحرام وحرم، و " الميتة " بفتح الميم، وعوام الرواة يكسرون الميم وهو خطأ، ولما كان بين الجملتين اتصالاً ومماسه في الحكم فصل بينهما ولم يوصل بالعاطف، لئلا يُشعر إلى المغايرة. واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد وقول الشافعي، وعنهم: لا يحل في البحر ما لا يحل مثله في البر. وقال أصحابنا: لا يؤكل من حيوان

الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى: (ويُحرّمُ عليْهمُ الخبائث) (1) وما سوى السمك خبث، والجواب عن الحديث: أن الميتة فيه محمولة على السمك بدليل قوله- عليه السلام-: " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد " (2) الحديث. ويستفاد من هذا الحديث/فوائد: الأولى: أن العالم والمُفْتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته كان مستحبا له تعليمه إياه، ألا ترى أن السائل سأله - عليه السلام- عن ماء البحر لا رأى تغيره في اللون، وملوحته في الطعم؟ أجابه- عليه السلام- وزاد فائدة أخرى، وهي كون ميتته حلا، وذلك لاحتياجه إليه أو كأنه- عليه السلام- علم بالوحي أنه كان يسأل عن ميتته أيضاً، فأجابه قبل السؤال إسراعاً إلى فضيلة التعليم. الثانية: أن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك. الثالثة: أنه يحب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو يتردد فيه. الرابعة: فيه دليل على أن الماء لا يفسد بموت السمك فيه، وعلى قول الخصوم لا يفسد بموت جميع ما فيه من الحيوان، ومنهم من استثنى الضفدع لأنه- عليه السلام- ينهى عن قتله. الخامسة: فيه دليل على أن ماء البحر يجوز به التوضؤ والاغتسال. السادسة: فيه دليل على أن السمك يجوز أكله بجميع أنواعه إلا الطافي منه، لورود النهي عن الطافي. السابعة: فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.

_ (1) سورة الأعراف: (157) . (2) ابن ماجه: كتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (3314) .

35- باب: الوضوء بالنبيذ

وأخرج هذا الحديث الترمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح. قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة. *** 35- باب: الوضوء بالنبيذ أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء بنبيذ التمر. النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، وغير ذلك. يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصُرف من مفعول إلى فعيل. وانتبذته: اتخذته نبيذاً، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمرٌ. 73- ص- حدّثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: ثنا شريك، ص 0 أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبيّ- عليه السلام قال [له] (1) ليلة الجنّ: " ما في إداوتك؟ " قال: نبيذٌ، قال: " تمْرةٌ طيبّة وماءٌ طهور ". قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد قال: كذا قال شريك، ولم يذكر هناد " ليلة الجن " (2) . ش- هناد هو ابن السرى، وسليمان بن داود، وشريك بن عبد الله النخعي، قد ذكروا. وأبو فزارة راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مهْران، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء بالنبيذ (88) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ (384) .

] مولى] عمرو بن حريث. روى عنه: جرير بن حازم، وسفيان الثوري، وشريك، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالحٌ. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وأبو زيد مولى عمرو بن حريث، ولا يُعرف له اسم (2) . وزيد بن وهب الجهني، وقد ذكر. قوله: " في إداوتك " الإداوة بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يُتخذ للماء كالسطحة ونحوها، وجمعها " أداوى "، ويجوز أن تكون كلمة " ما " في قوله: " ماذا (3) في إداوتك؟ " استفهاماً، و " ذا " إشارة نحو: ماذا التواني؟ ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " موصولة، والمعنى: ما الذي في إداوتك؟ ويجوز أن تكون " ماذا " كله استفهاماً على التركيب، ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " زائدة، والتقدير: ما في إداوتك؟ وقد أجاز هذا الوجه جماعة منهم: ابن مالك. قوله: " نبيذ " مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، والتقدير: فيها نبيذ؟، والنكرة تقع مبتدأ إذا كان خبره ظرفاً مقدماً نحو: في الدار رجل، وهو من جملة المخصصات. قوله: " تمرة طيبة " ارتفاع " تمرة لما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو تمرة. وارتفاع " طيبة " على أنها صفة للتمرة، والطيب خلاف الخبيث، والطهور بفتح الطاء. /وقد احتج أبو حنيفة بهذا الحديث أن الرجل إذا لم يجد إلا نبيذ التمر يتوضأ ولا يتيمم. وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به ويتيمم (4) ، وهو قول

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1828) . (2) المصدر السابق (33/7375) . (3) كذا، ولفظ الحديث: " ما ". (4) في الأصل: " يتوضأ ولا يتيمم به " خطأ، وانظر: المجموع للإمام النووي (1/93) .

أبي حنيفة المرجوع إليه، وقول مالك والشافعي وأحمد وزفر، وقال محمد: يجمع بين الوضوء به والتيمم، وقد دفعوا هذا الحديث بثلاثة (1) علل: " (2) الأولى: جهالة أبي زيد، فقد قال الترمذي: أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء ": أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود وليس يُدرى من هو، ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبرا واحداً خالف فيه الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، استحق مجانبته. وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل ": سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي- عليه السلام-، وهو خلاف القرآن. والعلة الثانية: هي التردد في أبي فزارة، فقيل: هو راشد بن كيسان، وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وهذا ليس براشد بن كيسان، وإنما هو رجل مجهول، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول، وذكر البخاري أن أبا فزارة العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين. العلة الثالثة: هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن، وذلك لما روى مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال: " سألت ابن مسعود هل كان منكم أحد مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لا ... " (2) الحديث، وفي لفظ له قال: " لم أكن مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن، ووددت أني كنت معه " (3) . وما روى أبو داود عن علقمة قال: قلت لعبد الله ابن مسعود: من كان منكم مع النبي- عليه السلام-؟ قال:

_ (1) كذا. (2) انظر: نصب الراية (1/138- 139) . (3) مسلم (: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (450) .

" ما كان معه منا أحد ". ورواه الترمذي أيضاً في تفسير سورة الأحقاف " (1) . والجواب عن العلة الأولى: أن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة، فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي وأبو داود، ورواه سفيان، والجراح ابن مليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (2) ، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق (2) ، والجهالة عند المحدثين نزول برواية اثنين فصاعداً، فأين الجهالة بعد ذلك؟ إلا أن يراد جهالة الحال، هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان فقال: مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد، وأبو فزارة اسمه كيسان، وهو مشهور، وأبو زيد [مولى] عمرو بن حريث مجهول، وحكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه: راشد ابن كيسان. وقال ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب ": أبو فزارة العبسي راشد بن كيسان ثقة عندهم. والجواب عن العلة الثالثة: أن هذا الحديث له سبعة طرق جميعها أن ابن مسعود كان مع النبي- عليه السلام- " (3) الأول: ما رواه أحمد في " مسنده "، والدارقطني في " سننه ": عن سعيد مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن النبي- عليه السلام- قال له ليلة الجن: " أمعك ماء؟ " قال: لا. قال: " أمعك نبيذ؟ " قال: أحسبه قال: نعم فتوضأ به " (4) .

_ (1) يأني برقم (74) ، وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) (1/179) . (3) انظر هذه الطرق والروايات بالتفصيل في: نصب الراية (1/141- 147) . (4) أحمد (1/455) ، الدارقطني (1/77) ، وقال الدارقطني: " علي بن زيد ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة، وقد رواه أيضاً عبد العزيز بن أبي رزمة، وليس هو بقوي ".

الثاني: ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن [عيسى بن] حيان، عن الحسن بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: مر بي رسول الله- غليه السلام- فقال: " خذ معك إداوة من ماء "، ثم انطلق وأنا معه، فذكر حديثه ليلة الجن، وفيه (1) : " فلما أفرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب " (2) . الثالث: ما رواه الدارقطني أيضاً عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن ابن غيلان الثقفي: أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: " دعاني رسول الله ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله- عليه السلام- " (3) . الرابع: ما رواه الدارقطني أيضاً عن الحسين بن عبيد الله العجلي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش،/عن أبي وائل قال: سمعت ابن مسعود يقول: " كنت مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن مسعود؟ قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ، فقال- عليه السلام-: تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ به " (4) . الخامس: ما رواه الطحاوي في " كتابه ": حدثنا يحيى بن عثمان، ثنا أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردي قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: " انطلق رسول الله إلى البراز فخط خطا وأدخلني فيه، وقال: لا تبرح حتى أرجع إليك،

_ (1) غير واضحة في الأصل، وغير موجودة في سنن الدارقطني. (2) الدارقطني (1/78) وقال: " تفرد به الحسن بن قتيبة، عن يونس، عن أبي إسحاق، والحسن بن قتيبة ومحمد بن عيسى ضعيفان ". (3) الدارقطني (1/78) وقال: الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول. قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان. (4) الدارقطني (1/78) وقال: " الحسن بن عبيد الله يضع الحديث على الثقات ".

ثم أبطاً فما جاء حتى السّحر، وجعلت أسمع الأصوات، ثم جاء فقلت: أين كنت يا رسول الله؟ قال: أُرْسلت إلى الجن، فقلت: ما هذه الأصوات التي سمعت؟ قال: هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علي ". قال الطحاوي: ما علمنا لأهل الكوفة حديثاً يثبت أن ابن مسعود كان مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا. السادس: ما رواه ابن عدي في " الكامل " من حديث أبي عبد الله الشقري عن شريك القاضي، عن أبي زائدة، عن ابن مسعود قال: " قال لي رسول الله: أمعك ماء؟ قلت: لا، إلا نبيذٌ في إداوة، قال: تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ " (1) . والسابع: ما رواه أبو داود هذا، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وفي حديث الترمذي: " قال: فتوضأ منه " (2) . فإن قلت: هذه الطرق كلها مخالفة لما في " صحيح مسلم " أنه لم يكن معه. قلت: التوفيق بينها أنه لم يكن معه- عليه السلام- حين المخاطبة، وإنما كان بعيداً منه. وقد قال بعضهم: إن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم ولم يكن مع النبي- عليه السلام- ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في " تفسيره " في أول سورة الجن من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوي. وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين!. وقد علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في " سنن الدارقطني " عن عبد الله ابن محرر (3) ، [عن قتادة] ، عن عكرمة، عن ابن عباس' قال: " النبيذ وضوء من لم يجد الماء " (4) .

_ (1) الكامل (9/194) ترجمة أبي زيد مولى عمرو بن حريث. (2) تقدم برقم (73) . (3) في الأصل: " محرز " خطأ. (4) الدارقطني (1/76) وقال: " ابن محرر متروك الحديث ".

وأخرج أيضاً عن الحارث، عن علي: " أنه كان لا يرى بأساً بالوضوء بالنبيذ " (1) . وأخرج أيضاً عن مزيدة بن جابر عن علي- رضي الله عنه- قال: " لا باًس بالوضوء بالنبيذ " (2) . وروى الدارقطني أيضاً في " سننه " من حديث مُجاعة عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ " (3) . 74- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا وُهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد (4) . ش- وهيب هو ابن خالد بن عجلان، وقد ذكر. وداود هو ابن أبي هند، واسم أبي هند دينار بن عُذافر ويقال: اسمه طهمان البصري أبو بكر، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا العالية، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وقتادة، والثوري، وابن جريج، وشعبة، ووهيب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة سبع وثلاثين ومائة بطريق مكة. روى له الجماعة [إلا] البخاري استشهاداُ (5) . وعامر هو عامر بن شراحيل بن عبد ابن أخي قيس الشعبي الكوفي من شعب همْدان. روى عن: علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. وقال منصور بن عبد الرحمن: قال

_ (1) الدارقطني (1/79) وقال: " تفرد به حجاج بن أرطأة، لا يحتج به ". (2) الدارقطني (1/79) . (3) الدارقطني (1/76) وقال: " أبان بن أبي عياش متروك الحديث، ومُجاعة ضعيف، والمحفوظ أنه رأي عكرمة غير محفوظ ". (1) هـ. وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (450) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأحقاف (3258) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1790) .

الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله يقولون: علي وطلحة والزبير في الجنة. روى عنه: عبد الله بن بريدة، وقتادة، وداود بن أبي هند، والأعمش، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة أربع ومائة، وبلغ ثنتين وثمانين سنة. روى له الجماعة (1) . وعلقمة بن قيس بن عبد الله بن [مالك بن] علقمة بن سلامان بن كُهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي. روى عن أبي بكر الصّديق. وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم. روى عنه: أبو وائل، والشعبي، والنخعي،/ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتين وستين. روى له الجماعة إلا ابن ماجه (2) . وأخرج مسلم هذا الحديث، والترمذي مطولاً 0 75- ص- حدّثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا بشر بن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء: " أنهُ كره الوُضُوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إلي منهُ " (3) . ش- محمد بن بشار هو بندار. وعبد الرحمن هو ابن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنْبري، وقيل: الأزدي، مولاهم البصري اللؤلؤي، سمع أبا خلدة، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن وهب، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. روى له الجماعة (4) وبشر بن منصور السلمي أبو محمد البصري، سمع أيوب السختياني،

_ (1) المصدر السابق (14/3042) . (2) المصدر السابق (20/4017) . (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3969) . 16* شرح سنن أبي داوود 1

وابن جريج، والثوري، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وسليمان بن حرب، وشيبان بن فروخ، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . وعطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح: أسلم المكي أبو محمد القرشي، ولد في آخر خلافة عثمان، ونشأ بمكة، ورأى عقيل بن أبي طالب، وأبا الدرداء. وسمع عبد الله بن عباس، وابن عُمر، وابن عمرو، وابن الزُّبير، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وأيوب السختياني، وابن جريج، وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. مات سنة أربع عشرة ومائة. روى له الجماعة، وكان أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي بعد ذلك، وكان فقيهاً عالماً كثير الحديث (2) . قوله: " باللبن وبالنبيذ " أما التوضؤ باللبن فلا يخ (3) إما أن يكون بنفس اللبن أو بماء خالطه لبن، فالأول لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني: فيجوز عندنا خلافاً للشافعي. وأما التوضؤ بالنبيذ فقد ذكرنا أنه يجوز عند أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يكون حلواً رقيقاً، يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منها صار حراماً لا يجوز التوضؤ به، وإن غيرته النار فما دام حلواً فهو على الخلاف ولا يجوز التوضؤُ بما سواه من الأنبذة جرياً على قضية القياس. قوله: " وقال: إن التيمم أعجب إلي منه " أي: من الوضوء باللبن وبالنبيذ، وهذه العبارة تشعرُ أن التوضأ بهما يجوز عند العلماء، ولكن الأولى التيمم. 76- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا أبو خلدة

_ (1) المصدر السابق (4/708) . (2) المصدر السابق (20/3933) . (3) كذا، ولعلها بمعنى: " يخرج ".

36- باب: الرجل يصلي وهو حاقن

قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا (1) . ش- عبد الرحمن هو ابن مهدي. وأبو خلدة خالد بن دينار التميمي السّعدي أبو خلدة البصري الخيّاط. روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، ويزيد بن زريع، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد: شيخ ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأبو العالية رُفيع- بضم الراء- بن مهران البصري الرياحي، مولى أُمية امرأة من بني رياح من يربوع حي في بني تميم، أعتقته سائبة، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي- عليه السلام- بسنتين. وروى عن: علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي هريرة، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وعاصم الأحول، وأبو خلدة، وغيرهم. قال ابن معين: وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (3) . قوله: " وليس عنده ماء " جملة وقعت حالاً عن " رجل "، أي: ماء مطلق، والهمزة في قوله: " أيغتسل " للاستفهام. *** 36- باب: الرجل يصلي وهو حاقن أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الصلاة والحال أنه حاقن، والحاقن: الذي حبس بوله، والحاقن والحقنُ سواء، والحاقن: الذي حبس غائطه، وفي بعض النسخ: " باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ " وفي بعضها: " باب الرجل يُصلي وهو حقن ". وكان ينبغي ذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء، أو بين أبواب ما يكره في الصلاة.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1606) . (3) المصدر السابق (9/1922) .

77- ص- حدّثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، قال: نا هشام بن عروة [عن أبيه] ، عن عبد الله بن أرقم: أنه خرج حاجا أو معتمراً ومعه الناسُ وهو يؤُمُهم، فلما كان ذات يومٍ أقام الصلاة: صلاة الصُّبْح ثم قال: ليتقدمْ أحدُكُم وذهب الخلاء، فإني سمعتُ رسول الله يقول: " إذا أراد أحدُكُمْ أن يذْهب الخلاء وقامت الصّلاةُ فليبدأ بالخلاء " (1) . قال أبو داود: روى هذا الحديث / وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق، وأبو ضمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن أرقم، والأكثر (2) الذين رووْهُ عن هشامٍ قالوا كما قال زهير. ش- عبد الله بن أرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة القرشي الزهري، كتب للنبي- عليه السلام-، ثم لأبي بكر وعمر، أسلم عام الفتح. روى عن النبي- عليه السلام- حديثاً واحداً وهو هذا الحديث. روى عنه ابن الزبير. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . ووهيب بن خالد بن عجلان. وشعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد القرشي مولاهم الدمشقي، سمع هشام بن عروة، والحسن بن دينار، وأبا حنيفة، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن موسى الرازي، وداود ابن رشيد، والليث بن سعد 0 قال أبو حاتم: صدوق. وقال (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء وإذا أقيمت الصلاة (142) ، النسائي: كتاب الإمامة في الصلاة، باب: الغدو في ترك الجماعة (1/110) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي (616) . (2) في سنن أبي داود: " والأكثرون ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3160) .

النسائي: ثقة. توفي في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة. روى له الجماعة إلا الترمذي (1) . وأبو ضمرة أنس بن عياض بن ضمرة أبو ضمرة المدني، أخو يزيد بن عياض، سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبا حازم الأعرج، وهشام ابن عروة، وشريك بن عبد الله. روى عنه: بقية بن الوليد ومات قبله، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن إدريس الشافعي، وغيرهم. قال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: ثقة. ولد سنة أربع ومائة، ومات سنة ثمانين ومائة 0 روى له الجماعة (2) . قوله: " صلاة الصبح " منصوب على أنه بدل من قوله: " الصلاة ". قوله: " فليبدأ بالخلاء " وذلك لأنه إذا صلى وهو حاقن لا يتفرغ للعبادة، ويكون قلبه مشغولاً. وأخرج هذا الحديث الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث عبد الله بن أرقم حديث حسن صحيح. 78- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل/ (3) ومحمد بن عيسى المعنى ومسدد قالوا/: نا يحيى بن سعيد، عن أبى حزرة قال: نا عبد الله بن محمد قال ابن عيسى: في حديثه ابن أبي بكر- ثم اتفقوا: أخو القاسم بن محمد قال: كنا عند عائشة- رضي الله عنها- فجيء بطعامها، فقام القاسمُ ابنُ محمد يُصلي فقالت: سمعت رسول الله- عليه السلام- يقولُ: " لا يُصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافُعُه الأخْبثان " (4) . ش- أبو حزْرة اسمه يعقوب بن مجاهد القاص ويقال: كنيته

_ (1) المصدر السابق (12/2742) . (2) المصدر السابق (3/567) . (3) في الأصل: " ومحمد بن عيسى ومسدد (بياض قدر سلمة) المعنى قال " كذا، وما أثبتناه من سنن أبي داود. (4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين (67/560) .

أبو يوسف، وأبو حزْرة لقب له، مولى بني مخزوم المدني، روى عن: عبادة بن الوليد بن عبادة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى القطان، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. قال أبو زرعة: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (1) . وحزرة بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي بعدها الراء. وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي المدني التيمي، سمع عائشة أم المؤمنين، وعامر بن سعد بن أبي وقاص. روى عنه: شريك بن عبد الله، وأبو حزرة، وخالد بن سعد، وغيرهم. قال مصعب: كان امرءاً صالحاً، وكانت فيه دعابة. وقال أحمد بن عبد الله: مدني ثقة. روى له مسلم حديثين، وروى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وابن عيسى هو: محمد بن عيسى الطّباع، وقد ذُكر. والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن التيمي المدني. روى عن: عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة الصديقة، وغيرهم. روى عنه: نافع، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وجماعة آخرون كثيرة. مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وكان قد ذهب بصرُهُ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى له الجماعة (3) . قوله: " ابن أبي بكر " صفة لقوله: " محمد ". وقوله: " قال ابن عيسى " معترض بين الصفة والموصوف. قوله: " ثم اتفقوا " أي: أحمد ومحمد ومسدّد.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7102) . (2) المصدر السابق (16/3530) . (3) المصدر السابق (23/4819) .

قوله: " أخو القاسم " صفة لقوله: " عبد الله بن محمد "، ولذا رفع الأخ. قوله: " لا يُصلّى بحضرة الطعام " أي: لا يصلي الرجل والطعامُ قد حضر، وذلك لتأخذ النفس حاجتها منه فيفي بحقوق الصلاة، وهذا ما لم يكن في ضيق من الوقت، ثم هذا اللفظ بعمومه يتناول سائر الصلوات، ويشمل سائر أنول الأطعمة. قوله: " ولا وهو يدافُعُه الأخبثان " أي: ولا يصلي والحال أنه يدافعه الأخبثان، وهما البول والغائط، وذلك لعدم التفرغ إلى العبادة بقلب فارغ. وقوله: " وهو " مبتدأ/و " يدافعه الأخبثان ": خبره، والجملة محلها النصب على الحال، وارتفاع الأخبثين على أنه فاعل " يدافعه "، وإنما ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعداً؛ لأن كل واحد من المصلي والأخبثين كأنه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه، ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج. 79- ص- حدّثنا محمد بن عيسى قال: نا ابن عياش، عن حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " ثلاثٌ لا يحل لأحد أن يفعلهُن: لا يؤُمُّ رجلٌ قوماً فيخص نفسهُ بالدعاء دونهُم، فإنْ فعل فقد خًانهُم، ولا ينظُرُ في قعر بيت قبل أن يسْتأذن، فإنْ فًعل فقد دخل، ولا يُصفي وهو حاقنٌ (1) حتى يتخًفف " (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: " حقنٌ ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء (357) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ولا يخص الإمام نفسه بالدعاء (923) ، وبعضه: " الجزء الأخير منه " ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي (617) .

ش- ابن عياش: هو إسماعيل بن عياش، وقد ذكر. وحبيب بن صالح الطائي أبو موسى الشامي، سمع عليّ بن أبي طلحة، ويزيد بن شريح الحضرمي، وراشد بن سعد، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وإسماعيل بن عياش، وصفوان بن عمرو، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . ويزيد بن شريح الحضرمي الحمصي، سمع أبا حي (2) المؤذن. روى عن: أبي أمامة الباهلي، وثوبان مولى النبي- عليه السلام- وسمع كعب الأحبار، وعائشة الصديقة. روى عنه: حبيب بن صالح، ومحمد بن الوليد، وثور بن يزيد، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وأبو حي اسمه: شداد بن حي، أبو حي المؤذن الحمصي. روى عن ثوبان. روى عنه: راشد بن سعد، ويزيد بن شريح. حديثه في أهل الشام. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . وثوبان بن بُجدد ويقال ابن جُحدر القرشي الهاشمي، يكنى أبا عبد الله مولى رسول الله، روي له عن رسول الله مائة حديث وسبعة وعشرون حديثاً، انفرد به مسلم، فروى له عشرة أحاديث. روى عنه: معدان بن أبي طلحة، وجُبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو حي المؤذن، وغيرهم. توطن بحمص ومات بها سنة خمس وأربعين. روى له الجماعة إلا البخاري (5) . وبُجْدُد بضم الباء الموحدة، وسكون الجيم، وضم الدال الأولى.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1091) . (2) في الأصل: " يحيى " خطأ. (3) المصدر السابق (32/7002) . (4) المصدر السابق (12/2705) . (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/209) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (1/296) ، والإصابة (1/204) .

قوله: " ثلاث " أي: ثلاث خصال، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقد ذكرنا وجه وقوعه مبتدأ. وقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن " خبره. قوله: " لا يؤم رجلٌ قوماً " إحدى الخصال الثلاث. وقوله: " فيخص " بالرفع عطف على قوله: " لا يؤم "، والمعنى: لا ينبغي أن توجد من إمامة قوم وتخصيص نفسه بالدعاء دونهم، والمعنى لا يحل اجتماعهما؛ لأن في ذلك توهم حصر الخير لنفسه وحجره عن غيره. قوله: " فإن فعل " أي: فإن خص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم في الدعاء. والفاء في قوله: " فإن فعل " فاء التفسير، والتي في قوله: " فقد خانهم " فاء الرابطة للجواب 0 قوله: " ولا ينظر في قعر بيت " الخصلة الثانية، وهو برفع الراء عطف على قوله: " ولا يؤم ". والمراد من قعر البيت: أرضه، كما في قوله - عليه السلام-: " والشمس لم تخرج من قعر حجرتها " أي: من أرض الحجرة، وقعر كل شيء عمقه، ومنه قعر البئر، وقعر الإناء. قوله: " فإن فعل فقد دخل " أي: فإن نظر في قعر بيت قبل الاستئذان فقد دخل، أي: فقد صار داخلاً فيه بلا إذن، والدخول في بيت أحد بلا إذن صاحبه حرام. قوله: " ولا يُصفي " الخصلة الثالثة. قوله: " وهو حاقن " جملة حالية في الضمير الذي في " لا يُصلي "، وكلمة حتى لانتهاء الغاية، والمعنى: ترك الصلاة مغياه بالتخفيف، والتخفيف كناية عن قضاء الحاجة. ثم في هذا الحديث ثلاث منهيات، الأول: نهي تنزيه، والثاني: نهي تحريم، والثالث: نهي شفقة، حتى لو صلى وهو حاقن صحت صلاته، فإن قيل: كيف يجوز أن يفرق بين أشياء يجمعها نظم واحد؟ قلت: قد جاء مثل ذلك كثيراً عند قيام دليل لبعضها بصفة مخصوصة، كما روي:

" أنه كره من الشاة سبعاً: الدم، والمرارة، والحياء، والغُدة، والذكر، والأنثيين، والمثانة " والدم حرام بالإجماع،/وبقية المذكورات معه مكروهة غير محرمة. فإن قيل: وكيف يكون ذلك هاهنا، وقد نص- عليه السلام- بقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن "؟ قلت: هذا خارج مخرج البالغة في المنع، وأمثال هذا كثيرة في النصوص. وحديث ثوبان أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحديث ابن ماجه مختصر. وقال الترمذي: حديث ثوبان حديث حسن، وذكر حديث يزيد بن شريح عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح عن أبي هريرة في ذلك قال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهرُ، والله أعلم. 80- ص- حدثنا محمود بن خالد بن أبي خالد السُلمي قال: حدثنا أحمد بن علي قال: نا ثور، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حب المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: [" لا يحلُّ لرجل يُؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يُصلي وهو حقنٌ حتى يتخفف " ثم ساق نحوه على هذا اللفظ قال: " و] (1) لا يحل لرجلٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يؤُم قوماً إلا بإذنهم، ولا يختص نفسهُ بدعوة دونهم، فإنْ فعل فقد خانهُمْ " (2) . ش- محمود بن خالد بن أبي خالدً يزيد أبو علي السّلمي الدمشقي، سمع أباه، وعبد الله بن كثير القارئ، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني، ويحيى بن معين، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة آخرون. وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال النسائي. ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين. والسُلمي نسبة إلى سُلمية الشام (3) .

_ (1) زيادة من سنن أبي داود، وتحفة الأشراف (10/14879) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5813) .

وأحمد بن علي روى عن ثور بن يزيد. روى عنه محمود بن خالد. روى له أبو داود (1) . وثور هو ابن يزيد بن زياد الكلاعي، قد مر ذكره. قوله: " يؤمن بالله واليوم الآخر " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة للرجل، والمعنى: لا يحل لرجل التزم شرائع الإسلام؛ لأن كل من آمن بالله وباليوم الآخر فقد التزم شرائع الإسلام. قوله: " أن يؤمّ قوماً " في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: " لا يحل "، والتقدير: " (2) لا يحل إمامة رجل قوماً إلا بإذنهم، والمعنى: إذا لم يكن بأقرئهم ولا بأفقههم لم يجزْ له الاستبداد عليهم بالإمامة، فأما إذا كان جامعاً لأوصاف الإمامة، فهو أحقهم أذنوا له أو لم يأذنوا، وقد قيل: إن النهي عن الإمامة إلا بالاستئذان إذا كان في بيت غيره، فأما في سائر البقاع فلا حاجة به إلى الاستئذان إذا وجدت فيه أوصاف الإمامة ". وعن هذا قال أصحابنا: إذا كره أهل حارة إمامهم لهم أن يستبدلوه بغيره. قوله: " ولا يختص نفسه بدعوة " يقال خصه بشيء واختصه به، والدعوة بفتح الدال الدّعاء إلى الله تعالى، والدعاء إلى الطعام وغيره، وبكسر الدال في النسب وبضمها في دار الحرب. قوله: " فإن فعل " يشمل الفعلين جميعاً، والمعنى: فإن أمهم بلا إذنهم، واختص نفسه بدعوة دونهم، فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم، وكل من ضيع حقوق الناس فهو خائن، والخيانة من أوصاف النفاق، فلا يفعلها من يؤمن بالله واليوم الآخر.

_ (1) المصدر السابق (1/83) . (2) انظر: معالم السنن (1/39- 40) .

37- باب: ما يجزئ من الماء في الوضوء

37- باب: ما يجزئ من الماء في الوضوء أي: هذا باب في بيان ما يكفي من الماء في الوضوء. 81- ص- حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبي- عليه السلام- كان يغْتسلُ بالصّاع ويتوضأ بالمُدّ ". قال أبو داود (1) : رواه أبان، عن قتادة قال: سمعت صفية. ش- محمد بن كثير البصري، وهمام بن يحيى بن دينار، وقتادة بن دعامة ذكروا. وصفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة: ] عبد الله بن] عبد العزى بن عبد الدار بن قصي القرشية. روى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن، والحسن بن مسلم، ومصعب بن شيبة. روي لها عن رسول الله خمسةُ أحاديث اتفقا على روايتها عن عائشة. روى لها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " بالصاع " فيه لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صاع وصوع، بفتح الصاد والواو، وصُواع ثلاث لغات، والجمع " أصْوع "، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة 0 قال ابن الأثير (3) : " الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمُدُّ مختلف فيه، فقيل هو: رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز. وقيل: هو رطلان، وبه

_ (1) البخاري: كتاب الطهارة (325) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر المستحب في غسل الجنابة (53) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في الوضوء بالمد (56) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل (1/179) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء وللغسل من الجنابة (268) . (2) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/349) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (7/172) ، والإصابة (4/348) . (3) نظر: النهاية (3/60) .

يقول أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية أرطال ". قلت: الصاع عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية، وبه قال مالك والشافعي/وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: الصاع ثمانية أرطال. حجة أبي يوسف: ما رواه الطحاوي عنه قال: " قدمت المدينة فاخرج إليّ من أثق به صاعاً وقال: هذا صاع النبي- عليه السلام- فوجدته خمسة أرطال وثلثا. قال الطحاوي: وسمعتُ ابن عمران يقول: الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت عليّ بن المديني يقول: عيّرتُ صاع النبي- عليه السلام- فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وأخرج الدارقطني في " سننه " (1) عن عمران بن موسى الطائي: حدثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، كم وزن صاع النبي- عليه السلام-؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أنا حزْرتُه. قلت: يا أبا عبد الله، خالفت شيخ القوم. قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة، يقول: ثمانية أرطال. فغضب غصباً شديداً وقال: قاتله الله، ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا فلان، هات صاع جدك، ويا فلان، هات صاع عمك، ويا فلان، هات صاع جدتك، فجمعت آصُع، فقال مالك: ما تحفظون في هذه؟ فقال أحدهم: حدثني أبي، عن أبيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله. وقال الآخر: حدثني أبي، عن أخيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله. قال مالك: أنا حزرْتُ هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا. وقال صاحب " التنقيح ": إسناده مظلم، وبعض رجاله غير مشهورين. واحتج أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه ابن عدي في " الكامل " (2) عن عمر بن موسى أبي وجيه الوجيهي، عن عمرو. بن

_ (1) (2/151) (2) (6/23، ترجمة عمر بن موسى) .

دينار، عن جابر قال: " كان النبي- عليه السلام- يتوضأ بالمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال "، وعمر بن موسى ضعيف. وبما أخرجه الدارقطني عن جعفر بن عون، ثنا ابن أبي ليلى، ذكره عن عبد الكريم، عن أنس قال: " كان رسول الله- عليه السلام- يتوضأ بمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " (1) . وأخرجه الدارقطني من طريقين آخرين: من طريق موسى بن نصر الحنفي (2) ، ومن [طريق] صالح بن موسى (3) ، وكلاهما ضعيفان. والبيهقي ضعف أسانيد الثلاثة (4) . وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (5) في كتاب الزكاة: حدثنا يحيى بن آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال. وقال شريك: أكثر من سبعة أرطال وأقل من ثمانية. وأخرج الطحاوي في " كتابه " عن إبراهيم النخعي قال: عيّرنا صاعاً، فوجدناه حجّاجيا، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي. قال: وصنع الحجاج هذه على صاع عمر. وأما الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله ابن جبر، عن أنس بن مالك قال: " كان النبيُّ- عليه السلام- يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " (6) فليس فيه الوزن. وأخرجه مسلم من حديث سفينة بنحوه (7) ، وأخرج النسائي وابن ماجه مثل رواية أبي داود، وأخرجه الدارقطني من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة وقال: " بنحو المدّ وبنحو الصاع " (8) ، وأخرجه البيهقي من رواية عفان، عن أبان، عن قتادة: حدثتني صفية فذكره (9) . وقال النووي: حديث عائشة حديث حسن.

_ (1) سنن الدارقطني (2/154) . (2) (1/94) ، و (2/153) . (3) (2/153) . (4) (4/171) . (5) (3/54) كتاب الزكاة. (6) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الوضوء بالمد (201) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (325/51) . (7) مسلم (326/52، 53) . (8) (1/94) . (9) البيهقي (1/195) .

قوله: " قال أبو داود: رواه أبان، عن قتادة قال: سمعت صفية " مقصوده: أن قتادة مُدلس، وقد اتفقوا على أن المدلس إذا قال: " عن " لا يحتج به إلا أن يثبت من طريق آخر أنه سمع ذلك الحديث من ذلك الشخص، وقد قال قتادة في الطريق الأول: عن صفية، فبين أبو داود أنه سمعه من صفية، فصرح بلفظ السماع. 82- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا هشيم قال: نا يزيد ابن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: " كان النبيُّ- عليه السلام- يغْتسلُ بالصّاع، ويتوضأ بالمُدّ " (1) . ش- هشيم بن بشير قد ذكر، ويزيد بن أبي زياد، ويقال: يزيد بن زياد القرشي الدمشقي. روى عن: الزهري، وسليمان بن حبيب، وسليمان بن داود الخولاني. روى عنه: محمد بن ربيعة، ووكيع، وأبو نعيم، ويحيى بن صالح. قال ابن نُمير: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، كأن أحاديثه موضوعة. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الترمذي: ضعيف في الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (2) . وسالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي، سمع أباه، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. وروى عن: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص. روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، وعمرو بن دينار، وقتادة، والأعمش، وغيرهم. قال يحيى: ثقة. وقال أبو زرعة: كوفي ثقة. مات سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة (3) . وجابر بن عبد الله الأنصاري قد ذكر، والحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " بهذه الطريق (4) ،

_ (1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة (269) من طريق أبي الزبير، عن جابر به. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6990) . (3) المصدر السابق (10/2142) . (4) (1/66) .

وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (1) بهذا اللفظ من طريق محمد بن فضيل، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر به. قال النووي: حديث جابر ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف. وقال المنذري: لا يحتج به. قلت: قد تابعه عليه حصين كما رواه الحاكم في " المستدرك "، فيكون حديثه حسناً بالمتابعة، على أن يزيد لم يُنسب للكذب، ولا للفسق، ولا فحُش خطؤه عن سالم بن أبي الجعد، وهو مدلس كما قال الذهبي، وقد عنعن. قلت: لعل أبا داود اطلع على تصريحه بسماعه من جابر كما بين في السابق تصريح قتادة بالسماع له من صفية. 83- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة، عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم، عن جدته وهي أم عمارة: " أن النبي- عليه السلام- توضأ فأتي بإناء فيه ماءٌ قدْر ثُلُثي المدّ " (2) . ش- محمد بن جعفر هذا هو الهذليً مولاهم البصري المعروف بغُندر، يكنى أبا عبد الله، سمع ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، والثوري، وابن عيينة،/وشعبة، وغيرهم، وكان شعبة زوج أمه. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن بشار، وابن المثنى، وابن الوليد، ومسدد، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وغيرهم. توفي سنة أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة. وإنما سُمي غندراً لأنه كان يكثر الشّغْب على ابن جريج فقال له: اسكت يا غندر (3) . وأهل الحجاز يُسمون المشغب غُندر، والشغْب- بسكون الغين المعجمة- تهييج الشر.

_ (1) (1/161) . (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء (1/57) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5120) .

وحبيب الأنصاري هو ابن زيد الأنصاري المدني. روى عن عباد بن تميم، وليلى. روى عنه شعبة، وشريك النخعي. وقال أبو حاتم: هو صالح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعباد بن تميم بن زيد بن عاصم بن غزيّة- بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن عمرو بن عطية الأنصاري المازني المدني. روى عن عمه عبد الله بن زيد، وأبي بشير الأنصاري 0 روى عنه: الزهري، وحبيب بن زيد، ومحمود بن لبيد. قال عباد: أنا يوم الخندق ابن خمس ستين، فأذكر أشياء وأعيها، وكنا مع النساء في الآطام (2) . روى له الجماعة (3) . وأم عمارة هي نسيبةُ بنت كعب بن عمرو بن عوف بن [عمرو بن [ مبذول بن عمرو بن غنم النجارية، وهي أم عبد الله وحبيب ابني زيد، شهدت العقبة مع السبعين، وشهدت أحداً، وأبلت يومئذ بلاءً حسناً هي وابنها عبد الله وزوجها، وجُرحت يومئذ أحد عشر جُرحاً، وشهدت بيعة الرضوان، وشهدت اليمامة، وجُرحت أيضاً احد عشر جرحاً، وقطعت يدها يومئذ. روى عنها عباد بن تميم، وهي جدته. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . ونسيبة بفتح النون، وكسر السين المهملة، هذا هو الأشهر، ويقال: اسمُها لُسينة باللام المضمومة والنون. قوله: " توضأ فأتي بإناء " معناه: أراد الوضوء فأتي بالماء من قبيل قوله تعالى: (فإذا قرأت القُران فاسْتعذْ) (5) أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن.

_ (1) المصدر السابق (5/1084) . (2) الحصن المبني بحجارة، وقيل: كل بيت مربع مسطح. (3) المصدر السابق (14/3075) . (4) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/417) ، وأسد الغابة (7/280) ، والإصابة (4/418) . (5) سورة النحل: (98) . 517 شرح سنن أبي داوود 1

قوله: " فيه ماء " جملة في محل الجر على أنها وقعت صفة " للإناء ". قوله: " قدر " منصوب على الحال، والتقدير: حال كونه مقدراً بهذا المقدار، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض، والتقدير بمقدار ثلثي المد، ويجوز الرفع على أن يكون صفة للماء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو: قدر ثلثي المد. وأخرج هذا الحديث النسائي، وفيه قال شعبة: " فأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكها، ومسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما ". ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " (1) عن أبي كريب محمد بن العلاء، وابن حبان في " صحيحه " (2) من طريق أبي كريب، والحاكم في " مستدركه " (3) من طريق إبراهيم بن موسى الرازي كلاهما عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب ابن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد: " أن النبي- عليه السلام- أُتي بثلثي مد من ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال النووي: حديث أم عمارة حديث حسن. 84- ص- حدّثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن عبد الله بن جبْر، عن أنس قال: " كان النبيُّ- عليه السلام- يتوضأ بإناء يسعُ رطلين، ويغتسلُ بالصاع " (4) . قال أبو داود: رواه يحيى بن آدم، عن شريك، قال: عن ابن جبْر بن عتيك. ورواه شعبة فقال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنساً إلا أنه قال: " يتوضأ بمكُوك " ولم يذكر " رطلين ". ورواه سفيان، عن عبد الله ابن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله.

_ (1) (1/62) . (2) (13/1083) . (3) (1/161) . (4) مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (326) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في الوضوء بالمد (56) ، النسائي: كتاب المياه، باب: القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل (2/180) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء (267) .

ش- محمد بن الصباح الدولابي البغدادي البزاز- بالزاي المكررة- صاحب السنن أبو جعفر مولى مزينة، سمع شريك بن عبد الله النخعي، وزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، ْوأبو زرعة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. روى له: ابن ماجه، والترمذي عن البخاري عنه، وروى له النسائي أيضاً. قال ابن معين: ثقة مأمون. مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين (1) . وشريك هو ابن عبد الله النّخعي. وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، سمع جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وعطية، وسعيد بن جبير، والزهري، وعبد الله بن عبد الله بن جبر، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك بن عبد الله، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . وعبد الله بن عبد الله بن جبر- بفتح الجيم وإسكان الباء الموحدة- ابن عتيك، وقيل: ابن جابر. سمع ابن عمر، وأنس بن مالك، وعتيك ابن الحارث. روى عنه: مالك، ومسْعر، وشعبة، وعبد الله بن عيسى. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي أبو زكرياء الأموي، مولى خالد بن خالد بن عمارة. سمع مالك بن أنس، ومالك بن مغول،/ومسعر بن كدام، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وابن معين، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث ومائتين بفم الصلح. روى له الجماعة (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5298) . (2) المصدر السابق (15/3473) . (3) المصدر السابق (15/3362) . (4) المصدر السابق (31/6778) .

وسفيان هو الثوري. قوله: " مكُوك " المكُّوك: إناء يسعُ الماء، معروف عندهم. وقال ابن الأثير (1) : " المكُّوكُ: المُدُّ، وقيل: الصاع، والأول أشبه؛ لأنه جاء في الحديث مفسراً بالمد. وقال أيضاً: المكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي، على إبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضاً على مكاكيك ". وأخرجه النسائي ولفظه: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسلُ بمكُّوك، ويغتسلُ بخمس مكاكي ". وأخرجه مسلم ولفظه: " كان رسولُ الله - عليه السلام- يغتسلُ بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكُوكٍ ". وفي رواية (2) : " مكاكيّ " والياء في مكاكي مشددة. وقال النووي: حديث أنس إسناده صحيح، إلا أن فيه شريك بن عبد الله النخعي القاضي، وقد ضعّفه الأكثرون. وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان روياه أيضاً، فلعله اعتضد عنده، فصار حسناً، فسكت عليه. [قال ابن الأعرابي] (3) : قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاعُ خمسة أرطال. قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي- عليه السلام-. ش- قوله: " قال ابن الأعرابي: ... " إلى آخره: ليس بموجود في غالب النسخ. وابن الأعرابي: اسمه أحمد بن محمد بن سعيد بن زياد بن بشر بن الأعرابي أبو سعيد، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، والحسين بن علي بن عفان، والترمذي. وحدث بالسنن عن أبي داود، وحدث عنه جماعة منهم الخطابي. توفي بمكة يوم الأحد لتسع وعشرين خلت من ذي القعدة، سنة أربعين وثلثمائة.

_ (1) النهاية (4/350) . (2) مسلم (325/50) . (3) ساقط من سنن أبي داود.

38- باب: في إسباغ الوضوء

وابن أبي ذئب اسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة (1) القرشي العامري المدني، سمع نافعاً، والزهري، وعكرمة، وغيرهم 0 روى عنه: الثوري، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صدوق. مات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (2) . *** 38- باب: في إسباغ الوضوء (3) أي: هذا باب في بيان إسباغ الوضوء. و " إسباغ الوضوء " إتمامه من قولهم شيءٌ سابغ، أي: كامل وافٍ، وسبغت النعمة تسبغ- بالضم- سُبُوغاً اتسبغت، وأسبغ الله عليه النعمة: أتمها. 85- ص- حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ- عليه السلام- رأى قوْماً وأعقابهم تلُوحُ فقال: " ويْل للأعْقاب من النار، أسْبغُوا الوُضُوء " (4) . ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر. وهلال بن يساف بفتح الياء آخر الحروف، ويقال: إساف- بالهمزة- أبو الحسن الأشجعي مولاهم الكوفي، أدرك عليّ بن أبي طالب. وروى عن ابنه الحسن، وسمع أبا مسعود الأنصاري، وأبا عبد الرحمن السلمي، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن [أبي] خالد، ومنصور

_ (1) في الأصل: " سعيد " خطأ. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5408) . (3) في سنن أبي داود جاء هذا الباب بعد الباب الآتي: " باب الإسراف في الماء "، وبالتالي اختلف ترتيب الأحاديث. (4) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الأعقاب (166) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما (241) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: إيجاب غسل الرجلين (111) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: غسل العراقيب (450) .

ابن المعتمر، وعمرو بن مرة، وأبو مالك الأشجعي، وغيرهم. قال احمد بن عبد الله: كوفي ثقة. روى له الجماعة (1) . وأبو يحيى اسمه: مصدع- بكسر الميم- الأعرج المُعرْقبُ- بفتح القاف- الأنصاري، مولى معاذ بن عفراء، ويقال: اسمه زياد. روى عن: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة. روى عنه: شمر بن عطية، وهلال بن يساف، وسعيد بن أبي الحسن، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وعبد الله بن عمرو بن العاص قد ذكر. قوله: " وأعقابهم تلُوح " جملة اسمية وقعت حالاً، والأعقاب جمع " عقب " - بفتح العين وكسر القاف وسكونها- وهي مؤخر القدم، وهي مؤنثة. وقوله: " تلُوح " من لاح الشيء يلوح لوْحاً إذا لمع. قوله: " ويل للأعقاب من النار " الويل في الأصل مصدر لا فعل له، وإنما ساغ الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه دعاء، والدعاء يدل على الفعل، والفعل مخصص له؛ لأن المعنى في قولهم: " ويلٌ لزيد " أدعو عليه بالتحسر أو بالهلاك، ومنه قوله تعالى: (ويْلٌ للمُطفّفين) (3) وأمثاله كثيرة في القرآن، ويقال: أصله: وي لفلان أي: الحزن، فقُرن بلام الإضافة تخفيفاً. والويل: الهلاك، وقيل: أشد العذاب، وقيل: النداء بالخسار، وفيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن ترك البعض منها غير مُجزئ، وإنما نص في الأعقاب لأنه ورد على سبب؛ لأنه- عليه السلام- رأى قوماً وأعقابهم تلوح، فتكون الألف واللام في الأعقاب للعهد، والمراد: الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء. ويحتمل أن لا تخص بتلك الأعقاب/التي رآها، وتكون الأعقاب التي صفتها هذه، ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق كما لا (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6634) . (2) المصدر السابق (28/5978) . (3) سورة المطففين: (1) .

39- باب: الإسراف في الوضوء

يخفى على الفطن الذكي، وإنما خص العقب بالعذاب؛ لأنه العضو الذي لم يغسل، وقيل: أراد صاحب العقب فحذف المضاف، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يستقْصُون غسل أرجلهم في الوضوء. قوله: " أسبغوا الوضوء " أي: أكملوه وأتموه كما مر أن الإسباغ الإتمام وإنما ترك العاطف؛ لأن هذه الجملة وقعت كالبيان للجملة الأولى، فلا يحتاج إلى العاطف. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بنحوه (1) . ** 39- باب: الإسراف في الوضوء (2) أي: هذا باب في بيان الإسراف في ماء الوضوء. و " الإسراف ": التبذير. وفي بعض النسخ: " باب الإسراف في الماء "، وكلاهما قريب. 86- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: " اللهمّ إني اً سْألُك القصْر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها. قال: يا بُنيّ (3) سل الله - عزّ وجلّ- الجنة، وتعوذ به من النّار، فإنّي سمعتُ رسول الله يقول: " إنه سيكونُ في هذه الأمّة قوم يعْتدُون في الطُّهُور والدُعاء " (4) . ش- سعيد الجُريري- بضم الجيم- نسبة إلى جُرير- بالضم- هو

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين (163) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما (27/241) . (2) في سنن أبي داود: " باب الإسراف في الماء "، وهي نسخة كما أوضحها المصنف. (3) في سنن أبي داود: " أي بني ". (4) ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب: كراهية الاعتداء في الدعاء (3864) .

ابن إياس أبو مسعود الجُريري البصري، وجُرير هو ابن عُباد- بضم العين وتخفيف الباء- اخو الحارث بن عباد بن ضُبيْعة، ويقال: جُرير بن عبادة ابن ثعلبة. روى عن: أبي الطفيل، وأبي نضرة، وأبي عثمان النهدي، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، والحمادان، وابن علية، وابن المبارك، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح، وهو حسن الحديث. توفي سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو نعامة- بفتح النون- اسمه قيس بن عباية البصري الحنفي. روى عن: أنس بن مالك، وابن عبد الله بن مغفل (2) . روى عنه: الجُريري، وزياد بن مخراق، وعثمان بن غياث، وأيوب السختياني، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وابن عبد الله بن مغفل هو سعيد وقيل زياد، ولم يُبين هاهنا. وذكر المزي يحتمل أن يكون الداعي بهذا الدعاء يزيد، ويحتمل أن يكون غيره، فقد ذُكر عن الحسن البصري أنه كان لعبد الله بن مغفل سبعة أولاد أسمى بعضهم كلهم زياداً أو سعيداً. قوله: " اللهم " معناه: يا الله، وقد ذكرناه. قوله: " عن يمين الجنة " كلمة " عن " هاهنا ليست على حقيقته، وهو إما بمعنى " على " نحو (فإنما يبْخلُ عن نفسه) (4) أي: على نفسه. والمعنى: القصر الأبيض الذي على يمين الجنة، وإما بمعنى " في " كما في قول الشاعر: ولا تك عن حمل الرباعة وانياً

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2240) . (2) في تهذيب الكمال: " وابنٍ لعبد الله بن مغفل ". (3) المصدر السابق (24/4913) . (4) سورة محمد: (38) .

قوله: " يا بني " تصغير الشفقة كما في قوله تعالى: (وإذْ قال لُقْمانُ لابْنه وهُو يعظُهُ يا بُنيّ) (1) ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وأصل ابن بنوً، فلما جيء بالهمزة في أوله حذفت الواو، وإنما صُغر على هذه الصيغة لأن الهمزة غير معتد بها، فيبقى الاسم بعد التصغير على بنيو، واجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وصار " بُني "، فإن قيل: لم وجب حذف الهمزة؟ قلت: لأنها إما أن تثبت وصلاً أو تحذف، فإن حذفت أُقبل بياء فُعيل، فإن بقيت رجعت همزة الوصل قطعية، فإن قيل: من أين قلت: إن أصل ابن بنو؟ قلت: لأنك تقول في مؤنثه بنت كما تقول في مؤنث الأخ أخت، ولم نر هذه التاء تلحق مؤنثاً إلا ومذكره محذوف الواو، يدل على ذلك أخوات، فافهم. قوله: " سل اله " أصله " اسأل " فخفف بحذف الهمزة في الموضعين، وحركت السن لتعذر الابتداء بالساكن، يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء سؤالاً ومسألة، وهو يتعدى إلى مفعولين؛ لأن الفعل لا يخ (2) إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين أو ثلاثة كما عرف في موضعه. والجنة في اللغة: البستان، سميت داراً لبقائها إما لاشتمالها على الجنان وهي البساتين، أو لاستتارها عن أعين الناس. قوله: " وتعوذ به " أي: بالله، من قولك: عُذت بفلان، واستعذت به أي: لجأت إليه. قوله: " فإني " الفاء فيه للتعليل. قوله: " يقول " جملة حالية من الرسول. قوله: " إنه " أي: إن الشأن. قوله: " في هذه الأمة " الأمة في الأصل: الجماعة. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس/في الحيوان أمة.

_ (1) سورة لقمان: (13) . (2) كذا، ولعلها بمعنى " لا يخرج ".

وفي الحديث: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها " (1) . والأمة: الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له. أي: لا دين له. والأمة: الحين. قال تعالى: (وادّّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (2) والإمة بالكسر: النعمة، والإمة أيضاً لغة في الأمة، وهي الطريقة. قوله: " قوم " القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه. وقال تعالى: (لا يسْخرْ قوْم مّن قوْم) ، (ولا نساءٌ من نساء) (3) ، وربما دخل النساء فيه على سبيل الجمع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، وجمع القوم " أقوام "، وجمع الجمع " أقاويم "، والقوم يذكر ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم. قال الله تعالى: (وكذب به قوْمُك) (4) ، وقال: (كذبتْ قوْمُ نُوج) (5) . قوله: " يعتدون " من الاعتداء، وهو التجاوز عن الحد. وقال ابن الأثير (6) : " ومعنى يعتدون في الدعاء: هو الخروج فيه عن الوضع الشرعي والسُّنّة المأثورة ". وأما الاعتداء في الطهور أن يسرف في الماء، بأن يكثر صبه أو يزيد في الأعداد، والطهور يحتمل فيه وجهان: ضم الطاء بمعنى الفعل، ويكون المعنى: يعتدون في نفس الطهور بأن يزيدوا في أعداده، وذلك إما من الإسراف وهو حرام، وإما من الوسوسة وهي من الشيطان. وفتحها

_ (1) أبو داود في: كتاب الصيد، باب: في اتخاذ الكلب للصيد وغيره (845) ، والترمذي في: كتاب الأحكام، باب: ما جاء في قتل الكلاب (1486) ، والنسائي في: كتاب الصيد والذبائح، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها (7/185) ، وابن ماجه في: كتاب الصيد، باب: النهي عن اقتناء الكلب إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية (3205) من حديث عبد الله بن مغفل. (2) سورة يوسف: (45) . (3) سورة الحجرات: (11) . (4) سورة الأنعام: (66) . (5) سورة الشعراء: (105) . (6) النهاية (3/193) .

40- باب: الوضوء من آنية الصفر

بمعنى المطهر ويكون المعنى: يعتدون في الماء، بأن يكثروا صبه وسكبه. وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " عن أبي بكر بن إسحاق، عن محمد بن أيوب، عن موسى بن إسماعيل، وأشار إلى صحته. وأخرجه البيهقي في " سننه " عنه، وابن حبان في " صحيحه "، وصحّحه النووي في " شرحه ". فإن قلت: الجُريري مشهور بالاختلاط، اختلط أيام الطاعون، وذلك عام اثنتين وثلاثين ومائة 0 قلنا: أبو داود إمام عظيم الشأن، وسكت على هذا، فدل على كونه مأخوذاً عن الجُريري قبل الاختلاط، وأيضاً فإن حماد بن سلمة إمام ورع من شيوخ الإسلام، فلا يعتقد أنه يحدث عنه بشيء سمعه منه بعد الاختلاط. *** 40- باب: الوضوء من آنية الصُّفْر أي: هذا باب في بيان الوضوء من آنية الصُّفر- بضم الصاد وسكون الفاء- وقال في الصحاح: " الضُفر بالضم: الذي يعمل منه الأواني، ويقال: الشبه هو الصُفر، سمي به لأنه يشبه الذهب، ويعلم من هذا أن الصفر النحاس الأصفر ". 87- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، قال: أخبرني صاحب لي، عن هشام بن عروة: أن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كُنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله- عليه السلام- في توْرٍ من شبهٍ " (1) . ش- أخرج الشيخ هذا الحديث من طريقين: أحدهما: منقطعة وفيها مجهول. والأخرى: متصلة وفيها مجهول. قوله: " ورسولُ الله " عطف على " أنا "، وقد مر نظيره مع الكلام فيه. قوله: " في توْرٍ " التًوْرُ بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الواو وفي

_ (1) تفرد به أبو داود.

آخره راء: إناء من صُفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه، وكلمة " في " هاهنا بمعنى " من " أي: من تور، وقد ذكر مثل هذا مرةً. قوله: " من شبه " بيان للتور، والشبه بفتح الشن المعجمة، والباء الموحدة المخففة: هًو الصفر كما ذكرنا. ويستفاد من هذا الحديث فائدتان، الأولى: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. والثانية: جواز استعمال الأواني من النحاس. 88- ص- حدثنا محمد بن العلاء: أن إسحاق بن منصور حدثهم، عن حماد بن سلمة، عن رجل، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي- عليه السلام- نحوه (1) . ش- إسحاق بن منصور السلولي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي. سمع إبراهيم بن سعد، وأسباط بن نصر، وداود الطائي، وغيرهم. روى عنه: أبو كريب، وأبو نعيم، وعباس الدوري، وغيرهم 0 قال ابن معين: ليس به بأس. مات سنة خمس ومائتْين. روى له الجماعة (2) . وهشام هو ابن عروة. واعلم أن الرجل المبهم الذي بيْن حماد بن سلمة وهشام بن عروة (3) قد فُسّر في رواية البيهقي وغيره لهذا الحديث من رواية حوثرة بن أشرس، عن حماد بن سلمة، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كنت أغتسل أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تور من شبه يبادرني وأبادره " تبين أن الرجل المبهم شعبة. وحوثرة بالحاء المهملة وًالثاء المثلثة، ثقة مشهور، ذكره ابن حبان في " الثقات ". قوله: " نحوه " أي: الحديث المذكور.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/384) . (3) في الأصل: " هشام بن سلمة " خطأ.

89- ص- حدثنا الحسن بن عليّ قال: نا أبو الوليد وسهل بن حماد قالا: نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: " جاءنا رسولُ الله- عليه السلام- فأخرجنا له ماءً في تورٍ [من صفرٍ] (1) فتوضأ " (2) ش- الحسن بن علي الخلال، وقد ذُكر. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري. سمع شعبة، والحمادين، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال أبو حاتم: إمام فقيه ثقة حافظ. مات سنة سبع وعشرين ومائتين. روى له الجماعة (3) . وسهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري العنْقزي بعين مهملة ونون وقاف وزاي 0 سمع شعبة، وأبا مكين نوح بن ربيعة، وعيسى بن عبد الرحمن السلمي. روى عنه: عديّ-بن المديني، ونصر بن علي، وعمرو ابن علي (4) ، وغيرهم. قال أحمد: لا باس به. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (5) . وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون الماجشون أبو عبد الله المدني/الفقيه، سكن بغداد. سمع محمد بن المنكدر، والزهري، وعمه يعقوب بن [أبي] سلمة، ووهب بن كيسان، وعمرو بن أبي عمرو

_ (1) ساقط من سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: مسح الرأس كله (185) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء (18/235) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق (28) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: حد الغسل (1/71) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الرأس (434) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6584) . (4) في الأصل: " عُمر بن علي " حطأ، وإنما هو " الفلاس ". (5) المصدر السابق (12/2608) .

[و] جماعة آخرين. روى عنه: الليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة (1) . وعمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني، روى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحي بن حبان، وعباس بن سهل، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (2) . ويحيى بن عمارة الأنصاري سمع أبا سعيد الخدري، وعبد الله بن زيد ابن عاصم المازني. روى عنه ابنه عمرو، والزهري، ومحمد بن يحيى، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن خراش: ثقة. روى له الجماعة (3) . وعبد الله بن زيد بن عاصم بن [كعب] بن عمرو بن عوف المازني الأنصاري المدني، رويا له ثمانية أحاديث. روى عنه: سعيد بن المسيب، وابن أخيه عباد بن تميم، ويحيى بن عُمارة، وواسع بن حبان. قُتل بالحرة سنة ثلاث وستين، وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة (4) . قوله: " فتوضأ " أي: منه، وفي رواية ابن ماجه: " فتوضأ به " (5) وكذا في رواية ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: " أنه كان لا يشرب في قدح من صُفْر، ولا يتوضأ فيه ". وروى أيضاً عن وكيع قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: " أنه كان يكره الصُّفْر، وكان لا يتوضأ فيه ". وهذا محمول على أنه إنما كرهه لأنه كان يكره رائحة الصُفْر.

_ (1) المصدر السابق (18/3455) . (2) المصدر السابق (22/4475) . (3) المصدر السابق (31/6889) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/312) ، وأسد الغابة (3/250) ، والإصابة (2/302) . (5) (471) .

41- باب: التسمية عند الوضوء على الوضوء

41- باب: التسمية عند الوضوء على الوضوء (1) أي: هذا باب في بيان التسمية عند الوضوء على الوضوء. و " على الوضوء " متعلق بالتسمية، وفي النسخ الصحيحة: " باب في التسمية على الوضوء ". 90- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا محمد بن موسى، عن يعقوب ابن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا صلاة لمن لا وُضُوء له، ولا وُضُوء لمن لم يذْكر [اسم] الله عليه " (2) . ش- محمد بن موسى هو: ابن أبي عبد الله الفطري- بالفاء المكسورة- مولى أبي مخزوم. روى عن: عبد الله بن [عبد الله بن] أبي طلحة، وعون بن محمد، ويعقوب بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن نافع، وابن مهدي، وقتيبة، وغيرهم. وقال الترمذي: ثقة. وقال الطحاوي: محمودٌ في روايته. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ويعقوب بن سلمة الليثي مولاهم. روى عن أبيه. روى عنه: محمد ابن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن موسى، وأبو عقيل يحيى بن المتوكل. روى له: أبو داود، وابن ماجه. وليس ليعقوب بن سلمة وأبيه عندهما سوى هذا الحديث الواحد (4) . وسلمة الليثي والد يعقوب. روى عن أبي هريرة. روى عنه ابنه

_ (1) في سنن أبي داود: " باب [في] التسمية على الوضوء "، وهي نسخة كما ذكر المصنف. (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (25) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (399) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5639) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7089) .

يعقوب، ومحمد بن موسى الفطري، وأبو عقيل يحيى. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . قوله: " لا صلاة لمن لا وضوء له " كلمة " لا " هاهنا لنفي الجنس، وخبرها محذوف، والتقدير: " لا صلاة حاصلة لمن لا وضوء له ". و" لا " الثانية بمعنى " ليس "، والمعنى: " لا صلاة أيُ صلاة كانت من الفرض والنفل لمن ليس له وضوء موجود "، وهذا بإجماع المسلمين من السلف والخلف، أن الصلاة لا تصح إلا بالوضوء. ثم الكلام في التسمية فظاهر الحديث يقتضي أن لا يصح الوضوء إلا بالتسمية، وإليه ذهب أهل الظاهر، وإسحاق بن راهويه. وقال إسحاق: إذا ترك التسمية عامداً يجب عليه إعادة الوضوء. وعن أحمد أنها واجبة، وروي عنه أنه قال: ليس في هذا حديث يثبت، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأنه ليس في هذا حديث أحكم به. وقال جماهير العلماء: إنها سُنّة أو مستحبة، والأحاديث التي وردت في هذا كلها ليست بصحيحة، ولا أسانيدها مستقيمة. وقال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد، وأخرج الإمام أحمد في " مسنده " (2) هذا الحديث، ورواه عن الشيخ الذي رواه أبو داود بسنده، وهو أمثل الأحاديث الواردة إسناداً. مع أن البخاري ذكر في " تاريخه الكبير " (3) : " لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه ". وأخرجه الترمذي، وابن ماجه ، من حديث سعيد بن زيد، عن رسول الله./وفي إسناده أبو ثفال، عن رباح، أنه سمع جدته (4) . ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه " وصححه (5) .

_ (1) المصدر السابق (11/2477) . (2) (2/418) . (3) (4/ترجمة 2006) . (4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (25، 26) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء (398) . (5) (4/64) ، وفي النسخة المطبوعة سكت عنه الحاكم والذهبي.

وقال ابن القطان في كتاب " الوهم والإيهام " (1) : فيه ثلاثة مجاهيل الأحوال: جدة رباح، ولا يُعرف لها اسم ولا حال، ولا تُعرف بغير هذا، ورباح أيضاً مجهول الحال، وكذلك أبو ثفال مجهول الحال، مع أنه أشهرهم لرواية جماعة عنه منهم الدراوردي. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": هذا الحديث ليس عندنا بذاك الصحيح، وأبو ثفال مجهول، ورباح مجهول " (2) . ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - عليه السلام- قال: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " (3) . ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه " وصححه (4) . وقال محمد بن إسماعيل: " رُبيح بن عبد الرحمن منكر الحديث ". ورواه الطبراني أيضاً من حديث أبي سبْرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، ولئن سلمنا صحة هذا الحديث فهو محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله- عليه السلام-: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (5) . فإن قيل: " (6) يشكل على أحاديث التسمية حديث أخرجه أبو داود

_ (1) انظره في: نصب الراية (1/4) . (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (3) ابن ماجه (397) : كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء. (1/147) . (5) روي من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة مرفوعاً، وعن علي موقوفاً. فأما حديث أبي هريرة فرواه الدارقطني (1/420) ، والحاكم (1/246) ، والبيهقي (3/57) ، وأما حديث جابر فرواه الدارقطني أيضا (1/420) ، وفيه زيادة، وأما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في " الضعفاء "، وأما أثر علي فأخرجه الدارقطني (1/420) ، والحديث ضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (491) ، ومنه استفدت التخريجات، وكذا الضعيفة (103) . (6) انظره في: نصب الراية (1/5، 6) . 18* شرخ سن أبي داوود 1

والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ قال: " أتيتُ النبي- عليه السلام- وهو يتوضأ (1) ، فسلمتُ عليه فلم يرد على، فلما فرغ قال: " إنه لم يمنعْني أن أردّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء " (2) . ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه " (3) وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والجواب عنه من وجهين، الأول: أنه معلول. والآخر: أنه معارض. أما كونه معلولاً فقال ابن دقيق العيد في " الإمام ": سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط. قال: وقد رواه النسائي من حديث شعبة (4) ، عن قتادة به، وليس فيه: " إنه لم يمنعْني " إلى آخره. ورواه حماد بن سلمة، عن حميد وغيره عن الحسن، عن مهاجر منقطعاً، فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه معارضاً مما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب، عن ابن عباس قال: " بت عند خالتي ميمونة ... " (5) الحديث، ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله تعالى، وقراءة القرآن مع الحدث " (6) 91- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، عن الدراوردي قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث النبي- عليه السلام-: " لا وُضُوء لمن لم يذْكُر اسم الله عليه " أنه الذي يتوضأ أو يغتسلُ ولا ينوى وُضُوءاً للصلاة، ولا غُسْلاً للجنابة (7) .

_ (1) في سنن أبي داود: " يبول " بدل " يتوضأ ". (2) تقدم برقم (6) . (3) (1/167) . (4) قال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (8/11580 تحفة) : " وهو كذلك في رواية ابن حيوية وابن الأحمر، وغيرهما- يعني: وجود سعيد في السند- ولكن وقع في أصولنا من سنن النسائي رواية ابن السني " شعبة " وهو تصحيف، فقد رواه أحمد بن حنبل في " مسنده " (4/345) عن محمد بن جعفر، عن سعيد بن أبي عروبة ".اهـ. (5) تقدم برقم (47) . (6) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (7) تفرد به أبو داود.

ش- أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح أبو الطاهر القرشي الأموي، مولاهم المصري، مولى نهيك مولى عتبة بن أبي سفيان. سمع سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وبشر بن بكر، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: لا بأس به. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (1) . -وعبد الله بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد القرشي الفهري. سمع مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز الماجشون، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، ويحيى بن بكير، وأحمد بن عمرو، وأبو الربيع سليمان بن داود، وغيرهم. وهو من أجل الناس وثقاتهم. توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (2) . والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وقد ذكر. وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني أبو عثمان القرشي مولاهم التيمي، ويقال: أبو عبد الرحمن مولى آل المنكدر. سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حبان، وسعيد بن المسيب، وسليمان وعطاء ابني يسار، ومكحولاً الشامي، وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، وأخوه عبد ربه، ومالك بن أنس، والثوري، وشعبة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة. وقال الحميدي: كان حافظاً. توفي بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " إنه " الضمير إلى الذي لا يذكر الله على الوضوء، وإنما حمل ربيعة هذا الحديث على النية، وذلك لأن النسيان محله القلب/فوجب أن يكون أيضاً محلاً للذكر الذي يضاد النسيان، وذكر القلب إنما هو النية.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/86) . (2) المصدر السابق (16/3645) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1881/9) .

42- باب: في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها

هذا توجيه كلام ربيعة، ولكن الذكر الذي يضاد النسيان هو بضم الذال؛ لأن ذكر القلب لا يجيء إلا بالضم، والذكر بالكسر يكون باللسان، والمراد بالذكر المذكور في الحديث هو ذكر اللسان بالكسر، فكيف يلتئم كلام ربيعة؟ والظاهر أن فيه تعسفاً وتأويلاً بعيداً لا يدل عليه قط قرينة من قرائن اللفظ، ولا من قرائن الحال، ولا حاجة إلى هذا التكلّف إذا حملناه على نفي الفضيلة كما ذكرنا. *** 42- باب: في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها أي: هذا باب في بيان حكم الرجل إذا أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها. وفي بعض النسخ: " باب: يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ ". 92- ص- حدثنا مسدد قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا قام أحدُكُمْ من الليل فلا يغْمسْ يدهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدْري أين باتتْ يدُهُ " (1) . ش- أبو معاوية الضرير، وسليمان الأعمش، وأبو رزين مسعود بن مالك، وأبو صالح ذكوان السمان، كلهم قد ذكروا. قوله: " من الليل " أي: من نوم الليل، وإنما قيد الليل لكونه الغالب،

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الاستجمار وتراً (162) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: كراهية غمس المتوضئ وغير. يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً له (278) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها (24) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من النوم (1/99) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ (395) .

وإلا فالحكم ليس بمخصوص بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو من نوم النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وهذا مذهب الجمهور. وعن أحمد: أنه إن قام من نوم الليل كرهه كراهة تحريم، وإن قام من نوم نهار كُره كراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري اعتماداً على لفظ المبيت. والجواب ما ذكرناه. قوله: " فلا يغمسْ يده في الإناء " " (1) الجمهور على أن هذا نهي تنزيه لا تحريم حتى لو غمس يده لم يُفسد الماء، ولم يأثم الغامس. وعن الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير الطبري: إنه ينجس إن قام من نوم الليل، وهذا ضعيف؛ لأن الأصل في الماء واليد الطهارة، فلا ينجس بالشك، ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة. وقوله: " في الإناء " محمول على ما [إذا] كانت الآنية صغيرة كالكُوز، أو كبيرة كالحُب ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة، وليس معه آنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف ويرفع الماء من الحُب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض، فيفعل كذلك ثلاثاً ثم يدخل يده اليمنى بالغاً ما بلغ في الإناء إن شاء. وهذا الذي ذكره أصحابنا. وقال الشيخ محي الدين النووي: " وإذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به، فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره " (2) . قلنا: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/180- 181) . (2) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".

ثوبه، ولم يجد من يستعين به، ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أحسن وأوسع. قوله: " فإنه لا يدري أين باتت يده " الفاء فيه للتعليل، وذلك " (1) لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار، وبلادهم حارة،. فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو قذرٍ [أو] غير ذلك ". وقوله: " أين باتت يده " كناية عن وقوعها على دبره أو ذكره، أو نجاسة، أو غير ذلك من القذر (2) ، وإنما ذكر بلفظ الكناية تحاشياً من التصريح به، وذلك من آداب النبي- عليه السلام-، ونظائر ذلك كثيرة من القرآن والحديث. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذا حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا لا يكون للنهر فائدة. وجمهور أصحابنا استدلوا على نجاسة القلتين بهذا الحديث الصحيح، الذي أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، ولم يعملوا بحديث القلتين لكونه ضعيفاً كما ذكرناه. والثانية:/استحباب غسل النجاسة ثلاثاً لأنه إذا أُمر به في المتوهمة ففي المحققة أوْلى، ولم يزد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وقد ذكرنا فيه أنه- عليه السلام- أوجب فيه الثلاث وخيّر فيما زاد. الثالثة: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجساً معفواً عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله أو قميصه تُنجسه. الرابعة: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسلُ، ولا يؤثر فيها الرّشُّ، فإنه - عليه السلام - قال: " حتى يغسلها "، ولم يقل: " حتى يرُشها ".

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/179) . (2) المصدر السابق (3/179- 181) .

الخامسة: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات. السادسة: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وأما ورود الماء على النجاسة فكذلك عندنا. وقال الشافعي: لا ينجس. وقال الشيخ محيى الدين في هذا الحديث: والفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه: أنها (1) إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها، فكأنه مشعر بذلك على الخلاف المذكور. قلنا: سلمنا أنها إذا وردت عليه نجسته وسلمنا أنه إذا ورد عليها أزالها، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهراً بعد أن أزالها. السابعة: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان. واعلم أن هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها ثلاثاً له الخيار، إن شاء غمسها قبل الغسل، وإن شاء بعده، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه- عليه السلام- نبه على العلة وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهي عاما لقال: " إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمسْ يده حتى يغسلها "، وكان أعم وأحسن. وعن بعض الشافعية: حكمه حكم الشك؛ لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيسد الباب، لئلا يتساهل فيه من لا يعرف " (2) ، وما ذكرناه يرد هذا. وروى هذا الحديث البخاريُ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله وقال: " إذا توضأ أحدُكُم فليجعل في أنفه، ثم لينتثر (3) ، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدُكم من نومه فليغسلْ يده قبل أن يُدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يفري أين باتت يدُهُ ". ورواه مسلم مثل رواية أبي داود، ورواه ابن ماجه

_ (1) في الأصل: " وأنها ". (2) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". (3) في صحيح البخاري (162) : " ثم لينثر "

من حديث أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: " إذا قام أحدُكم من النوم، فأراد أن يتوضأ، فلا يُدخل يده في وضُوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ، ولا على ما (1) وضعها ". ورواه الترمذي: " إذا استيقظ أحدُكم من الليل، فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يُفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ ". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأما الذي رواه أصحابنا منهم صاحب الهداية: " فلا يغمسن " بنون التأكيد المشددة لم يقع إلا في " مسند البزار "، فإنه رواه من حديث هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا استيقظ أحدُكم من منامه فلا يغمسن يده في طهُوره حتى يُفرغ عليها ... " الحديث. 93- ص- حدُّثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " مرتين أو ثلاثا ... " نحوه (2) . ولم يذكر أبا رزين. ش- هذا الطريق فيه مسدد، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي موضع أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان السمان. وأسقط أبا رزين، بينهما، وذكر فيه الغسل مرتين أو ثلاثاً نحو ما ذكره في الرواية الأولى. ويستفاد من هذه الرواية: أنه إذا اكتفى بالغسل مرتين يجوز؛ لأنه مستحب ثلاثاً. قلنا: إن هذا إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تحقق يجب عليه الغسل إلى أن يطهر، سواء كان بالثلاث أو بما فوق ذلك. 94- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج، ومحمد بن سلمة المرادي قالا: نا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي مريم قال: سم ص.- أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إذا استيقظ أحدُكُم من نومه

_ (1) في الأصل: " م ". (2) انظر تخريج الحديث (92) .

43- باب: في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم

فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدري أين باتتْ يدهُ، أو أين كانت تطُوفُ يدُهُ " (1) . ش- ابن وهب هو عبد الله بن وهب. ومعاوية بن صالح بن حُديْر أبو عمرو/الحمْصي الحضرمي، نزل الأندلس، وكان قاضياً بها. سمع: شداداً، وسعيد بن سُويد، وزياد ابن أبي سودة، وأيوب بن زياد الحمصي، وأبا مريم الأنصاري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والليث بن سعد، وعبد الله ابن وهب، والواقدي، وغيرهم. وقال أبو زرعة: ثقة محدث. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديث، حسنُ الحديث، يكتبُ حديثُه، ولا يحتج به. وقال ابن معين: ليس برضى. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وأبو مريم الأنصاري. روى عن أبي هريرة. روى عنه: معاوية ابن صالح، ويحيى بن أبي عمرو السيباني. روى له: الترمذي، وأبو داود (3) . قوله: " أو أين كانت تطوفُ يدُه " شك من الراوي. والطوْفُ: الدوران، والمعنى: فإن أحدكم لا يدري أين دارت يده: على موضع النجاسة أو لا؟ 43- باب: في صفة وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فرغ عن أحكام المياه وما يتعلق بها، شرع في بيان صفة الوضوء. الصفة والوصف مصدران، والفرق بينهما أن الصفة ما يقوم بالموصوف،

_ (1) انظر تخريج الحديث (92) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6058) (3) المصدر السابق (34/7619) .

والوصف ما يقوم بالواصف، والصفة أصلها وصفة كعدةٍ أصلها وعدة، حذفت الواو منها تبعاً لفعلها المضارع؛ لأن أصل يصف توْصف. وعندهم قاعدة: أن الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة تحذف طلباً للخفة. 95- ص- حدثنا الحسن بن عليّ الحُلواني، قال: [حدثنا] (1) عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان قال: " رأيتُ عثمان بن عفان - رضي الله عنه- توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً، فغسلهما، ثم مضْمض (2) واستنْثر، ثم غسل وجْههُ ثلاثاً، وغسلً يده اليُمْنى إلى المرْفق ثلاثاً، ثم اليُسْرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قلمه اليُمنى ثلاثاً، ثم اليُسْرى مثل ذلك، ثم قال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توص مثل وُضُوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وُضُوئي هذا، ثم صلّى ركْعتين لا يحدثُ فيهما نفْسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه " (3) . ش- حُمران بن أبان بن خالد بن عبد عمرو القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان، كان في سبي عين التمر. سمع: عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر (4) ، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: عروة بن الزبير، ومسلم بن يسار، والحسن البصري، وعطاء بن يزيد، ونافع مولى [ابن] عمر، وجماعة آخرون كثيرة. روى له الجماعة (5) .

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " تمضمض ". (3) البخاري: كتاب الطهارة، باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (159) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله (226) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق (1/64) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ثواب الطهور (285) . (4) قال محقق تهذيب الكمال (7/301) : " جاء في حاشية النسخة تعليق للمؤلف، يتعقب فيه صاحب الكمال، قال: " ذكر في شيوخه عبد الله بن عمر، وإنما ذلك حُمران مولى العبلات المذكور فيما بعدُ، وهو الذي يروي عنه عطاء الخراساني ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1496) .

وعثمان بن عفان أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو ليلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي مع رسول الله في الأب الرابع، وهو عبد مناف. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى عنه: زيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن الزبير، ومحمود بن لبيد، وابنه أبان بن عثمان، وحُمْران بن أبان، ومروان بن الحكم، وغيرهم. ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، وصلى عليه جبير بن مطعم، ودفن بحش كوكب، ولي الخلافة ثنتي عشر سنة. روى له الجماعة (1) . قوله: " فأفرغ على يديه " من أفرغت الإناء إفراغاً، وفرغته تفريغاً إذا قلبت ما فيه، والفاء فيه فاء التفسير، وانتصاب " ثلاثاً " على أنه صفة لمصدر محذوف أي: " إفراغاً ثلاثاً ". قوله: " ثم مضمض " المضمضة: تحريك الماء في الفم. وقال الشيخ محيي الدين (2) : " حقيقة المضمضة وكمالها: أن يجعل الماء في فمه، ثم يُديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها فأن يجعل الماء في فمه، ولا يُشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور. وقال جماعة من أصحابنا: يشترط. وقال الزندوستي من أصحابنا: الأولى أن يدخل إصبعه في فمه وأنفه، والمبالغة فيهما سُنًة. وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة الغرغرة. قوله: " واستنثر " " (3) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون:

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/69) ، وأسد الغابة (3/584) ، والإصابة (2/462) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/105) . (3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/105) .

الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وقال ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنثار هو الاستنشاق. وقال الشيخ محيي الدين: الصواب الأول يدل عليه الرواية الأخرى: استنشق واستنثر،/فجمع بينهما. قال أهل اللغة: هو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف. وقال الخطابي وغيره: هي الأنف. وقال الأزهري: روى سلمة، عن الفراء أنه يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النّثْرة في الطهارة ". وقال ابن الأثير (1) : " نثر ينثر بالكسر: إذا امتخط، واستنثر استفعل منه، أي: استنشق الماء، ثم استخرج ما في الأنف فينثرُه، وقيل: هو من تحريك النّثْرة، وهي طرف الأنف ". والصواب ما قاله ابن الأعرابي: أن المراد من قوله: " واستنثر " الاستنشاق. وقول محيي الدين: أن الصواب هو الأول يدل عليه الرواية الأخرى: " استنشق واستنثر " لا يدل على ما ادعاه؛ لأن المراد من الاستنثار في هذه الرواية الامتخاط، وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق. قوله: " ثم غسل وجهه " الوجه: ما يواجه الإنسان وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. قوله: " ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق " اليد في اللغة: اسم من رؤوس الأصابع إلى الآباط، ولكنه سقط ما وراء المرفق بالنص. والمرفق- بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم أيضاً-: هو موْصل الذراع في العضد. قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل يده اليسرى مثل الأولى ثلاث مرات. قوله: " ثم مسح رأسه " المسح: هو الإصابة، والرأس مشتمل على الناحية والقفا والفوْدين (2) ، وظاهر الكلام يُشعر أنه مسح جميع رأسه؛

_ (1) النهاية (5/15) . (2) الفوْدُ: جانب الرأس مما يلي الأذن، والشعر النابت فوقه، وهما فودان.

لان اسم الرأس حقيقة في العضو كله، والفقهاء اختلفوا في القدر الواجب من المسح، وليس في الحديث ما يدل على ذلك. قوله: " ثم غسل قدمه اليمنى " أي: رجله اليمنى، وفيه رد صريح على الروافض في قولهم: إن الواجب في الرجلين المسح. وقوله: " ثلاثاً " يدل على أن المستحب غسل الرجلين ثلاثاً، رد القول بعضهم أنهم لا يرون بهذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء، وهم يستدلون بما ورد في بعض الروايات: " فغسل رجليه حتى أنقاهما " ولم يذكر عدداً، ولكن الأخذ بالرواية التي فيها العدد أوْلى لما فيها من الزيادة قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل قدمه اليسرى مثل ذلك ثلاث مرات، وهذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء، والأصل في الواجب غسل الأعضاء مرة مرة، والزيادة عليها سُنّة؛ لان الأحاديث الصحيحة وردت بالغسل ثلاثاً ثلاثاً، ومرة مرة، وبعض الأعضاء ثلاثا ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، وعن هذا قال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سُنّة، ويقال: كلاهما سُنة، ويقال: كلاهما مستحب، وأما ما اختلف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القضية الواحدة، فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده الثقة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: استحباب غسل اليدين في ابتداء الوضوء قبل إدخالهما في الإناء، سواء قام من النوم أو لا، يدل عليها قوله: " فأفرغ على يديه "، وحديث المستيقظ لا يفيد الاستحباب إلا عند القيام من النوم. الثانية: استحباب الإفراغ على اليدين معاً يدل عليها قوله: " على يديه "، وقد تبين في حديث آخر أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما، وقوله: " غسلهما " قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، واختلف الفقهاء أيهما أفضل.

الثالثة: فيه بيان لما أُهمل من ذكر العدد في حديث أبي هريرة: " إذا استيقظ أحدُكم من نومه فليغسلْ يديْه " (1) بدون ذكر العدد، وقد ورد في حديث أبي هريرة أيضاً ذكر العدد في الصحيح، يدل عليها قوله: " ثلاثاً ". الرابعة: فيه بيان استحباب الترتيب المفهوم من كلمة " ثم " المقتضي للترتيب قوله: " ثم قال " أي: ثم قال عثمان- رضي الله عنه- بعد فراغه من وضوئه. قوله: " توضأ مثل وُضوئي هذا " اعلم [أن] كلمة المثل بكسر الميم وسكون الثاء، والمثلُ بفتحتين، كلاهما بمعنى النظير، يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبْهٍ وشبهٍ وشبيهٍ، والمثل في اصطلاحهم المجاز المركب الذي يقال له: التمثيل على سبيل الاستعارة لا على سبيل/التشبيه ولا في معناه الأصلي. قوله: " من توضأ وُضوئي هذا " أي: كوضوئي أو نحو وضوئي، وفي رواية مسلم: " نحو وضوئي هذا ". وقال الشيخ محيي الدين (2) : " إنما قال: نحو وضوئي ولم يقل " مثل " لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره ". قلنا: معنى " نحو " هاهنا أيضاً معنى المثل؛ لأن كلا منهما من أدوات (3) التشبيه، ولو قال: مثل وضوئي أيضاً لا يلزم ما ذكره؛ لأن التشبيه لا عموم له. قوله: " ثم صلى ركعتين " هذه الصلاة مستحبة، وقالت الشافعية:

_ (1) البخاري (162) ، ومسلم (278/88 مكرر) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/108) . (3) في الأصل: " أدات " بدون " واو ".

سُنّة مؤكدة. ويرُدُ ذلك عليهم ما ورد في الصحيح: " هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع " (1) . قوله: " لا يحدث فيهما نفسه " (2) المعنى: لا يحدث بشيء في أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه، فبمجرد إعراضه عنه عُفي له ذلك، وجعلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله، وقد عُفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر. وقال القاضي عياض: يريد بحديث النفس الحديث المجْتلبُ والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد، وقوله: " لا يحدث نفسه " إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه. وقال بعضهم: هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تُقبل معه الصلاة، ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي- عليه السلام- ضمن الغُفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسْلمُ صلاتُه من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشياطين، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه، ولو حدث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور (3) من الدعوات والأذكار أو في أمر محمود أو مندوب إليه لا يضر ذلك، وقد ورد عن عمر- رضي الله عنه- أنه [قال: إني] (4) لأجهز الجيش وأنا في الصلاة "، أو كما قال. قوله: " غفر الله له ما تقدم من ذنبه " الغفْر والغُفْران: الستر، ومنه المغْفر لأنه يستر الرأس. وقال ابن الأثير: " أصل الغفر: التغطية، والمغْفرةُ: إلباس الله تعالى العفو للمذنبين " (5) .

_ (1) يأتي برقم (375) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (9/103) . (3) في الأصل: " والمذك "، وما أثبتناه من " عمدة القاري " (2/301) . (4) غير واضح في الأصل، وما أثبتناه من " عمدة القاري " (2/301) . (5) انظر: النهاية (3/373) .

فظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر فقالوا: إنما الكبائر إنما تكفّرُ بالتوبة. وأخرج هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي. 96- ص- حدثنا محمد بن المثنى قال: نا الضحاك بن مخلد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن وردان قال: نا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدّثني حُمْرانُ قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكره نحوه، ولم يذكر " المضمضة والاستنثار (1) " قال: وفيه: " ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليْه " ثم قال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ هكذا، وقال: " من توضأ دون هذا كفاه " ولم يذكر أمر الصلاة (2) . ش- الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن رافع بن وكيع أبو عاصم النبيل، وقد ذُكر مرة بكنيته. وعبد الرحمن بن وردان أبو بكر الغفاري. سمع: أبا سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد [ا] المقبري. روى عن أنس بن مالك. روى عنه: أبو عاصم النبيل، ومروان بن معاوية. وقال ابن معين: صالح. روى له أبو داود (3) . وأبو سلمة قد ذُكر. قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي مضى. قوله: " ولم يذكر المضمضة والاستنثار " قد قلنا: إن الرُواة إذا اختلفوا عن الصحابي في قضية واحدة يُعمل برواية منْ زاد إذا كان ثقة، وقد عملنا بالزيادتين، الزيادة الواحدة في الرواية التي مضت، والزيادة الأخرى في هذه الرواية، وهى قوله: " ومسح رأسه ثلاثاً "، وبهذه الزيادة تمسكت الشافعية أن السُّنة في مسح الرأس: أن يمسح ثلاثاً، ولكن عندنا هذا محمول [على] المسح ثلاثاً بماء واحد، وهو

_ (1) في سنن أبي داود: " والاستنشاق ". (2) انظر: تخريج الحديث (95) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3988) .

مشروع عندنا على ما روي عن أبي حنيفة، صرح بذلك صاحب " الهداية ". قوله: " من توضأ دون هذا " أشار بهذا إلى أنه لو غسل أعضاءه مرة، ومسح رأسه مرة كفاه؛ لأنه ورد ذلك أيضاً في " صحيح " (1) كما ذكرناه. 97- ص- حدّثنا محمد بن داود بن أبي ناجية الإسكندراني قال: أخبرنا زياد بن يونس قال: نا سعيد بن زياد المؤذن/عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سُئل ابنُ أبي مُليكة عن الوُضُوء فقال: رأيتُ عثمان بن عفان يُسأل عن الوضوء، فدعا بماء، فأتي بميْضأة، فأصْغاها على يده اليُمنى، ثم أدْخلها في الماء، فتمضمض ثلاثاً، واسْتنْثر ثلاثاً، وغسل وجْههُ ثلاثاً، وغسل (2) يده اليُمنى ثلاثاً، وغسل يدهُ اليُسرى ثلاثاً، ثم اًدْخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بُطُونهُما وظُهُورهُما مرةً واحدةً، ثم غسل رجْليْه، ثم قال. أين السّائلون عن الوُضوء؟ هكذا رأيتُ رسول الله يتوضأ " (3) . ش- محمد بن داود بن أبي سفيان رزق بن داود بن ناجية بن عمير، وهو ابن أبي ناجية الإسكندراني أبو عبد الله. روى عن: عبد الرزاق، وزياد بن يونس الحضرمي. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وعمر بن أحمد بن السُّني. مات سنة إحدى وخمسين ومائتين بالإسكندرية (4) وزياد بن يونس روى عن: نافع بن عمر الجُمحي، ونافع بن أبي نعيم، وسعيد بن زياد المؤدب. روى عنه: محمد بن داود الإسكندراني، ويونس بن عبد الأعلى. روى له أبو داود (5) . وسعيد بن زياد المكتب المؤذن مولى بني زهرة. روى عن: عثمان بن

_ (1) كذا، ويعني: " الصحيح ". (2) في سنن أبي داود: " ثم غسل " (3) انظر تخريج الحديث (95) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5201) . (5) المصدر السابق (9/2074) . 19 * شرح سنن أبي داوود 1

عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن محمد. روى عنه: وكيع، وزياد بن يونس، وخالد بن مخلد. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وعثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي الحجازي أخو معاذ. روى عن أبيه وأخيه. سمع: أنس بن مالك، وربيعة بن عبد الله. روى عنه: يحيى بن محمد بن طحْلاء، وأبو بكر بن المنكدر، والضحاك بن عثمان، ومحمد بن طلحة، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي (2) . وابن أبي مُليكة: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة القرشي التيمي، وقد ذكر. قوله: " رأيت عثمان " بمعنى: أبصرت، فلهذا اقتصر على مفعول واحد. وقوله: " يسأل " حال من عثمان. قوله: " فأتي بميضأة " بكسر الميم، وهي المطهرة يتوضأ بها مفْعلة من الوضوء. قوله: " فأصغاها " أي: أمالها من الإصغاء، والمعنى: أمالها حتى سكب على يده الماء. قوله: " ثم أدخل يده " أي: في الميضأة " فأخذ ماء، فمسح برأسه وأذنيه "، وهو حجة لأبي حنيفة على أن الأذنين يُمسحان بماء الرأس. قوله: " فغسل بطونهما وظهورهما " والمراد: بطناهما وظهراهما، ويطلق الجمع على التثنية مجازاً كما في قوله تعالى: (فقدْ صغتْ قُلُوبُكُما) (3) أي: قلْباكُما، وأطلق الغسل على المسح مجازاً؛ لأن الأذنين لا يغسلان بالإجماع.

_ (1) المصدر السابق (10/2275) . (2) المصدر السابق (19/3836) . (3) سورة التحريم: (4) .

ص- قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا (1) فيها (1) : مسح رأسه، ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره. " الصحاح ": صفة لقوله: " أحاديث "، وهي مبتدأ وخبره قوله: " تدل ". قوله: " أنه " أي: أن مسح الرأس. وقوله: " مرة " بالرفع خبر " أنّ "، ومحل " أنه مرةٌ " جر؛ لأنها بدل من قوله: " على مسح الرأس " والفاء في قوله: " فإنهم " تعليل لقوله: " تدل على مسح الرأس أنه مرة ". قوله: " في غيره " أي: في غير مسح الرأس. 98- ص- حدثنا إبراهيم بن موسى قال: نا عيسى قال: نا عبيد الله - يعني: ابن أبي زياد-، عن عبد الله بن عبيد بن عُمير، عن أبي علقمة: " أن عثمان رضي الله عنه دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليُمْنى على اليُسرى، ثم غسلهُما إلى الكُوعيْن، قال: ثم تمضمض (2) واسْتنْشق ثلاثاً، ثم ذكر الوضوء ثلاثاً، قال: ثم مسح (3) برأسه، ثم غسل رجليْه وقال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ مثل ما رأيتُمُوني تًوضأتُ " ثم ساق نحو حديث الزهري وأتم (4) . ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد، وعيسى بن يونس ذُكرا. وعبيد الله بن أبي زياد المكي. روى عنه (5) : عبيد الله بن موسى، ويعقوب بن إبراهيم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (6) . وفي بعض النسخ " عبد الله بن أبي زياد " مكبراً. وقال زكي الدين: فيه مقال (7) .

_ (1) في الأصل: " قالوا وفيها "، وما أثبتناه من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " مضمض ". (3) في سنن أبي داود: " ومسح ". (4) انظر تخريج الحديث (95) . (5) في الأصل: " عن " خطأ. (6) كذا، ولم يذكر المزيُ " النسائي " فيمن روى له. (7) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3635) .

وعبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدع بن ليث أبو هاشم الليثي المكي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عمر، وعائشة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. روى عنه: الزهري (1) . [ (2) 99- حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة قال: " رأيتُ عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل هذا " (3) . قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثاً، فقط. 100- حدثنا مُسدد، حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقم عن عبد خير، قال: " أتانا علي- رضي الله عنه- وقد صلى، فدعا بطهُور، فقلنا: ما يصنعُ بالطهُور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليُعلمنا، فأتي بإناء فيه ماءٌ وطسْت، فافرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمضً واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكفً الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجههُ ثلاثاً، ثم غسل يده اليُمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليُمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال. من سره أن يعلم وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو هذا " (4) . 101- حدثنا الحسن بن علي الحُلواني، حدثنا الحُسين بن علي الجُعْفي،

_ (1) المصدر السابق (15/3406) . (2) سقط من التصوير ورقة كاملة، وهي [1/41- ب: 42- أ] ، وفيها الأحاديث (110: 116، وبعض 117) بترقيم سنن أبي داود المطبوع، وقد رأيت إثباتها من سنن أبي داود لتعم الفائدة. (3) تفرد به أبو داود. (4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف كان (48) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: عدد غسل الوجه، وباب: عدد غسل اليدين (1/68) .

عن زائدة، حدثنا خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير، قال: صلى علي رضي الله عنه الغداة، ثم دخل الرّحْبة فدعا بماء، فأتاه الغلامُ بإناء فيه ماءٌ وطسْت، قال: فأخذ الإناء بيده اليُمنى فأفرغ عفى يده اليُسْرى وغسل كفيه [ثلاثا] ، ثم ادخل يده اليُمنى في الإناء فمضمض ثلاثاً، ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة، قال: ثم مسح رأسه مُقدمه ومُؤخّره مرة، ثم ساق الحديث نحوه " (1) . 102- حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر، حدثني شعبة، قال: سمعتُ مالك بن عُرْفُطة، سمعت عبْد خيْر " رأيت عليا- رضي الله عنه- أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكُوز من ماء، فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدٍ، وذكر الحديث " (2) . 103- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو نعيم، حدّثنا ربيعةُ الكنانيُّ، عن المنْهال بن عمرو، عن زرّ بن حُبيْش: أنه سمع عليا- رضي الله عنه- وسئل عن وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر الحديث، وقال: " ومسح على رأسه حتى الماء يقطُرُ، وغسلً رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا كان وُضوءُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (3) . 104- حدثنا زياد بن أيوب الطوسي، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدّثنا فطرٌ، عن أبي فرْوة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: " رأيت عليا - رضي الله عنه- توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه واحدة، ثم قال. هكذا توضأ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (4) . 105- حدّثنا مُسدد وأبو توْبة، قالا: حدًّثنا أبو الأحوص، ح، وحدثنا عمرو بن عون، أخبرنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية، قال:

_ (1) انظر التخريج السابق. (2) انظر تخريج الحديث رقم (100) . (3) تفرد به أبو داود. (4) تفرد به أبو داود.

" رأيت عليا- رضي الله عنه- توضأ، فذكر وُضوءه كله ثلاثاً ثلاثا، قال: ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببتُ أن أريكم طُهور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (1) . 106- حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد- يعني: ابن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس] /قال: " دخل عليَّ عليُّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- وقد أهْراق الماء، فدعا بوضُوء، فأتيناه بتوْرٍ فيه ماء حتى وضعناه بين يديْه فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيْف كان يتوضأ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قلت: بلى، فأصْغى الإناء على يده فغسلهما (2) ، ثم ادخل يده اليُمنى، وأفْرغ (3) بها على الأخْرى، ثم غسل كفّيْه ثلاثاً، ثم تمضْمض واسْتنثر، ثم أدخل يديْه في الإناء جميعا، فأخذ بهما حفنة من ماء، فضرب بها على وجْهه، ثم ألقم إبْهاميْه ما أقبل من أذُنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها يسْتن (4) على وجْهه، ثم غسل ذراعيْه إلى المرفقين ثلاثاً (5) ، ثم مسح رأسهُ وظُهُور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً، فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجْله، وفيها النعْلُ، ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك. قال: قلتُ: وفي النعْلين؟ قال: وفي النعلين. قال: قلتُ: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. قال: قلتُ: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين " (6) . ش- محمد بن إسحاق بن يسار.

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف كان؟ (48) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: عدد غسل الرجلين (1/79) . (2) في سنن أبي داود: " فغسلها ". (3) في سنن أبي داود: " فأفرغ ". (4) في سنن أبي داود: " تسْتن ". (5) في سنن أبي داود: " ثلاثاً ثلاثاً ". (6) تفرد به أبو داود.

ومحمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المُطلبي. روى عن: عبيد الله الخولاني، وسالم بن عبد الله، وعكرمة مولى ابن عباس. روى عنه: عمرو بن دينار، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحصين بن عبد الرحمن. قال ابن معين: هو ثقة روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وعبيد الله بن الأسود الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي- عليه السلام-. روى عن: عثمان بن عفان، وميمونة. روى عنه عاصم بن عمر (2) بن قتادة. كذا قال في " الكمال "، وقال ابن حبان: عبيد الله ابن راشد الخولاني ربيب ميمونة. روى عن: عثمان، وزيد بن خالد. عداده من أهل المدينة. روى عنه: صم بن عمر (2) ، وبُسْر بن سعيد (3) . قوله: " وقد أهراق " أي: أراق، والهاء فيه زائدة. قوله: " ألا أريك " " ألا " كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، وتجيء بمعنى التوبيخ، والإنكار، والتمني، والاستفهام عن النفي، والعرض، والتحضيض. قو له: " فأصغى " أي: أمال. قوله: " واستنثر " أي: استنشق، وفي بعض الرواية: " هكذا ". وقال الخطابي: معناه: استنشق الماء، ثم أخرجه من أنفه. قوله: " حفْنة " الحفنة: ملء الكف. قوله: " فضرب بها " أي: بالحفنة وجهه. فيه دليل على أن ضرب الماء على وجهه في الوضوء لا يكره، ردا على قول من يرى كراهة ذلك.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5314) . (2) في الأصل: " عاصم بن عمرو " خطأ. (3) في الأصل: " بشر بن سعد "، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ص 6، ترجمة 3619 م) .

قوله: " ثم ألقم إبهاميه " أي: أدخل إبهاميه ما أقبل من أذنيه، من الإلقام، كأنه جعلهما لقمة لأذنيه، وقوله: " ما أقبل " مفعول " ألقم ". قوله: " ثم الثانية " أي: ثم فعل المرة الثانية والثالثة مثل ما فعل في الأولى. قوله: " يسْتنُ على وجهه " أي: يسيلُ وينصب من سننْت الماء إذا صببته صبا سهلاً. قوله: " وظهور أذنيه " أي: مسح ظهري أذنيه، أطلق الجمع على التثنية مجازاً، ومن هذا أخذ الشعبي وقال: إن ظاهر الأذنين من الرأس، وباطنها من الوجه. قوله: " وفيها النعل " جملة وقعت حالاً من رجله، النعل مؤنثة، وهي التي تلبس في المشي، تُسمّى الآن: تاسُومة. قوله: " ففتلها بها " أي: فتل النعل بتلك الحفنة من الماء، ومعنى فتلها: أدار بيده فوق القدم وتحت النعل. قوله: " ثم الأخرى مثل ذلك " أي: فعل في رجله الأخرى مثل ما فعل في الأولى. قوله: " قال: قلت " الضمير فيهما راجع إلى عبيد الله الخولاني، والضمير الذي في قوله: " قال: وفي النعلين " راجع إلى ابن عباس - رضي الله عنه-. واحتج بهذا الحديث الروافض ومن ذهب مذهبهم في إباحة المسح على الرجلين في الطهارة من الحدث، واحتج بذلك أيضاً بعضُ أهل الكلام منهم: الجبائي في أن المرء مُخير بين غسل الرجل ومسحها، وحكي ذلك أيضاً عن محمد بن جرير، واحتجوا في ذلك أيضاً بقراءة الجر في قوله تعالى: (وأرْجُلكُم) (1) . والجواب عن الحديث أن فيه مقالاً، وقد قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه

_ (1) سورة المائدة: (6) .

فضعفه وقال: " ما أدري ما هذا ". وعلى تقدير ثبوت الحديث يحتمل أن تكون (1) تلك/الحفنةُ من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه، وإن كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: " ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك "، والحفنة من الماء ربما كفت مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة. وقد روي عن علي - رضي الله عنه- في غير هذه الرواية: " أنه توضأ ومسح على نعليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث " (2) . والجواب عن قراءة الجر في الآية: " (3) أن العطف قد يقع مرة على اللفظ المجاور، ومرة على المعنى المجاور، فالأول كقولهم: جحر ضب خربٍ، والخرب من نعت الجحر وهو مرفوع، والآخر كقول الشاعر: مُعاوي إننا بشرٌ فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا وإذا كان الأمر في ذلك على مذهب اللغة وحكم الإعراب سواء في الوجهين، وجب الرجوع إلى بيان النبي- عليه السلام-، وقد ثبت عنه أنه قال: " ويل للأعقاب من النار " (4) ، فثبت أن استيعاب الرجلين غسلاً واجب، وقد يكون المسح في كلام العرب بمعنى الغسل. وعن أبي زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك، أي: أذهبه عنك وطهرك من الذنوب " (5) . وعن عليّ- رضي الله عنه-: أنه أشرف على فتية من قريش، فرأى في وضوئهم تساهلاً فقال: " ويل للأعقاب من النار "، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً، ويدلكونها دلكاً.

_ (1) في الأصل: " يكون ". (2) النسائي في كتاب الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء (1/84- 85) . وقال الحافظ في " الفتح ": " وهي- أي هذه الزيادة- على شرط الصحيح ". (3) انظر: معالم السنن 11/43- 44) . (4) تقدم برقم (85) . (5) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

وعن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام-: " ويل للأعقاب من النار ". وعن جابر عنه: " ويل للعراقيب ". وعن عائشة: " لأن تُقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين من غير خُف ". وعن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على القدمين. ص- قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة يُشبه حديث علي؛ لأنه قال فيه: حجاج بن محمد، عن ابن جريج: " ومسح برأسه مرة واحدة ". وقال ابن وهب فيه: عن ابن جريج: " ومسح برأسه ثلاثاً ". ش- شيبة هذا قد سمع محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. روى عنه ابن جريج. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وحجاج بن محمد بن الأعور قد ذكر. وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وقد ذكر غير مرة. 107- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم- وهو جد عمرو بن يحيى-: " هل تستطيعُ أن تُريني كيف كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضُوء، فأفرغ على يديْه، فغسل يديه، ثم تمضمض، واسْتنْثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر: [بدأ] (2) بمُقدّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاهُ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه " (3) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2790) . (2) ساقط من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: مسح الرأس كله (185) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء (235) ، الترمذي: كتاب أبواب الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق من كف واحد (28) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: حد الغسيل (1/71) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الرأس (434) .

ش- مالك هو: ابن أنس الإمام، وعمرو بن يحيى وأبوه يحيى، وعبد الله بن زيد الصحابي، كلهم ذكروا. قوله: " وهو جد عمرو بن يحيى " أي: عبد الله بن زيد هو جد عمرو ابن يحيى من الأم؛ لا امرأة يحيى هي ابنة عبد الله بن زيد. قوله: " فدعا بوضوء ": بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: " فأفرغ على يده (1) " أي: صبه وسكبه، فيه استحباب تقديم غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء. قوله: " ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً " أي: تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاث مرات فيه دلالة ظاهرة أن السُّنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون كل واحد منهما ثلاث مرات. قوله: " ثم غسل يديه مرتين مرتين " فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز. والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب التثليث، وأن ما كانت مخالفتها من النبي- عليه السلام- في بعض الأوقات بيان للجواز، كما توضأ بمرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه- عليه السلام-؛ لأن البيان واجب عليه- عليه السلام-، فإن قيل: البيان يحصل بالقول. قلنا: بالفعل أوقع في النفوس، وأبعد من التأويل. قوله: " ثم مسح رأسه بيديه " إلى آخره، هذا هو المستحب باتفاق العلماء/فإنه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع شعره، وليس فيه دليل لوجوب الاستيعاب؛ لأن الحديث ورد في كمال الوضوء، لا فيما لا بد منه. قوله: " ثم غسل رجليه " فيه رد على الروافض أيضاً. وهذا الحديث

_ (1) كذا، وفي الحديث: " يديه ".

أخرجه أبو داود بثلاث روايات كما ترى، وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مطولاً ومختصراً. 108- ص- حدثنا مسدد قال: نا خالد، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، بذا الحديث قال: فمضمض واسْتنْشق من كف واحدة "، يفعلُ ذلك ثلاثاً، ثم ذكر نحوه (1) . ش- خالد هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الواسطي أبو الهيثم الطحان، ويقال: أبو محمد المزني مولاهم. سمع: أبا إسحاق الشيباني، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن يحيى الأنصاري، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد، وقتيبة، وعمرو بن عون، ووكيع، ومسدد، وغيرهم. قال أحمد: كان ثقة صالحاً في نفسه (2) ، بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات. توفي بواسط سنة اثنتين وثمانين ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " بهذا الحديث " أشار به إلى الحديث الذي مضى، الذي فيه الإمام مالك. قوله: " فمضمض واستنشق من كفّ واحدة " فيه دلالة على أن يكون المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات، يتمضمض في كل واحدة ثم يستنشق منها وهو أحد الوجوه عند الشافعية. قوله: " ثم ذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي مضى. 109- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث: أن حبان بن واسع حدثه، أن أباه حدثه، أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر وُضوءه قال: " ومسح رأسه بماء غير فضل يده، وغسل رجْليه حتى أنقاهما " (4) .

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في تهذيب الكمال: " صالحاً في دينه ". (3، انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1625) . (4) مسلم: كتاب الطهارة، باب: في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (236) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً (35) .

ش- عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله بن الأشج أبو أمية الأنصاري المصري، مولى قيس بن سعد بن عبادة. سمع: أباه، وزيد ابن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، وحبان بن واسع، والزهري، وغيرهم. روى عنه: صالح بن كيسان، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. قال أبو زرعة: لم يكن له نظير في الحفظ في زمانه. وقال النسائي: مصري ثقة. ولد سنة أربع وتسعين، ومات بمصر سنة ثمان أو سبع أو تسع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . وحبّان بن واسع بن حبان بن منقذ الأنصاري المازني المدني، وجده صحابي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن زيد. روى عنه: عمرو بن الحارث، وعبد الله بن لهيعة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (2) . وواسع بن حبان ذكرناه. قوله: " يذكر " جملة وقعت حالاً من عبد الله. قوله: " بماء غير فضل يده " معناه: أنه مسح رأسه بماء جديد لا ببقية ماء يديه، وفيه دلالة على أن الماء المستعمل لا يصح الطهارة به، وفي بعض الرواية: " غير فضل يديه ". 110- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا أبو المغيرة، حدثنا حريز قال: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال: سمعت المقدام ابن معد يكرب الكندي قال: " أتي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوضوء فتوضأ: فغسل كفيه ثلاثاً، وغسل وجْهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، [ثم تمضمض واسْتنشق ثلاثاً] (3) ، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما " (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4341) . (2) المصدر السابق (5/1065) . (3) هذه الجملة وقعت في سنن أبي داود بين معقوفتين، بعد قوله: " فغسل فيه ثلاثاً " وهو الجادة. (4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الأذنين (442)

ش- أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي الخولاني الشامي. سمع: صفوان بن عمرو، والأوزاعي، وسعيد بن سنان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم. وقال الدارقطني: ثقة. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (1) . وحريز - بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وفي آخره زاي- ابن عثمان بن جبر- بالجيم والباء الموحدة- بن أحمر بن أسعد الحمصي الشامي أبو عون، ويقال: أبو عثمان الرحبي المشرقي، ورحبية - بفتح الحاء والباء الموحدة- في حمْير. سمع: عبد الله بن بسر الصحابي، وراشد بن سعد، وعبد الرحمن بن ميسرة، وسعيد بن مرثد، وغيرهم. روى عنه الوليد، وإسماعيل بن عياش، وأبو المغيرة الخولاني، وسفيان ابن حبيب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة متقن. توفي سنة ثلاث وستين ومائة. روى له الجماعة إلا النسائي (2) . وحُريز بضم الحاء المهملة وفتح الراء، وفي آخره زاي (3) وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي. سمع: المقدام بن معدي كرب، /وأبا أمامة الباهلي، وأبا راشد الحُبْراني، وجُبير بن نفير. روى عنه حريز بن عثمان. وقال ابن المديني: عبد الرحمن بن ميسرة مجهول، لم يرو عنه غير حريز. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو شامي تابعي ثقة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . والمقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب، أبو كريمة،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3495) . (2) المصدر السابق (5/1175) . (3) كذا، وقد ذكر في أول الترجمة أنه " بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء " وهو الصواب. (4) المصدر السابق (17/3973) .

أو أبو صالح، أو أبو يحيى، أو أبو بشر الكندي، سكن حمص. روي له عن رسول الله سبعة وأربعون حديثاً. روى عنه: خالد بن معدان، وشريح بن عبيد، وعبد الرحمن بن ميسرة، وغيرهم. مات سنة سبع وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة. روى له الجماعة إلا مسلماً (1) . قوله: " بوضوء " بفتح الواو. قوله: " ظاهرهما " مجرور لأنه بدل عن أذنيه، أي: مسح بظاهر أذنيه وباطنهما. فيه دلالة على شيئين، الأول: أن الأذنين يمسحان بماء الرأس، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أن السُنة مسح ظاهر الأذنين وباطنهما جميعاً. 111- ص- حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي لفظُهُ قالا: نا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن معدي كرب، قال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ، فلما بلغ مسْح رأسه وضع كفيْه على مُقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه " (2) . قال محمود: قال: أخبرني حريز. ش- محمود بن خالد السلمي الدمشقي قد ذكر ويعقوب بن كعب بن حامد أبو يوسف الأنطاكي الحلبي. سمع: الوليد بن مسلم، وعطاء بن مسلم الحلبي، وشعيب بن إسحاق، وعبد الله بن وهب، وأبا معاوية الضرير وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وعبد العزيز بن سليمان الأنطاكي، وأبو الليث يزيد بن جهُور الطرْسُوسي، وإبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة، رجل صالح صاحب سُنة (3) .

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/483) ، وأسد الغابة (5/254) ، والإصابة (3/455) (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7100) .

والوليد بن مسلم الدمشقي أبو العباس الأموي مولاهم، وقيل: مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. سمع: الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وعبد الرزاق بن عمر، وعبد الرحمن بن حسان الكناني، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وهشام بن عمار، ويعقوب بن كعب الحلبي، ومحمد بن وهب، وخلق سواهم. وقال أبو حاتم: صالح. توفي سنة أربع وتسعين ومائة بذي المروة منصرفه من الحج، وله ثلاث وسبعون سنة. روى له الجماعة (1) . قوله: " فأمرهما " بتشديد الراء من الإمرار. 112- ص- حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد المعنى، قالا: نا الوليد بهذا الإسناد، قال: " مسح (2) بأذُنيْه ظاهرهما وباطنهما "، زاد هشامٌ: " وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه " (3) . ش- هشام بن خالد بن زيد بن مروان ويقال: خالد بن يزيد الأزرق السلاميّ، ويقال: مولى بني أمية الدمشقي. روى عن: الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، وخالد بن يزيد، وشعيب بن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو حاتم، وقال: صدوق. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (4) . قوله: " في صماخ أذنيه ": الصماخُ- بكسر الصاد- ثقب الأذن، ويقال: بالسين، وأخرجه ابن ماجه مختصراً. 113- ص- حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، قال: نا الوليد بن مسلم، قال: نا عبد الله بن العلاء قال: نا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك: " أن مُعاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله- عليه السلام-

_ (1) المصدر السابق (31/6737) . (2) في سنن أبي داود: " ومسح ". (3) انظر الحديث السابق. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6574) .

يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفةً من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماءُ أو كاد يقْطُرُ، ثم مسح من مُقدمه إلى مُؤخره، ومن مُؤخّره إلى مُقدمه " (1) . ش- مؤمل بن الفضل بن مجاهد، ويقال: ابن الفضل بن عمير أبو سعيد الحراني. سمع: الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، ومروان بن معاوية الفزاري، ومحمد بن شعيب، وغيرهم. روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، وأبو سعيد الحراني. قال أبو حاتم: هو ثقة رضي. مات سنة سبع وعشرين ومائتين. روى له النسائي (2) . وعبد الله بن العلاء بن زبْر (3) بن [عُطارد بن] عمرو (4) بن حُجْر ابن منقذ بن أسامة الشامي الدمشقي أبو زبْر الربعي. روى عن: القاسم ابن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ونافع مولى ابن عمر/وأبي الأزهر مغيرة بن فروة (5) ، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الوليد بن مسلم، وأبو مُسهر، ومصعب بن سلام، وجماعة آخرون. قال دُحيم: هو ثقة جدا. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة أربع وستين ومائة، وهو ابن تسع وثمانين. روى له الجماعة إلا مسلماً (6) . وأبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي، ويقال: أبو الحارث الدمشقي. روى عن معاوية بن أبي سفيان، ومالك بن هُبيرة، ورأى واثلة بن الأسقع. روى عنه: عبد الله بن العلاء، ويحيى بن الحارث الذماري، وسعيد بن عبد العزيز. روى له أبو داود (7) . ويزيد بن أبي مالك، واسم أبي مالك هانئ الدمشقي الفقيه الهمداني،

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6322) . (3) في الأصل: " زيد " خطأ. (4) في الأصل: " عمر " خطأ. (5) في الأصل: " مغيرة بن أبي فروة " خطأ. (6) المصدر السابق (15/3471) . (7) المصدر السابق (28/6140) . 20. شرح سنن أبي داوود 1

قاضي دمشق روى عن: أبي أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبدة بن رباح، وغيرهم. قال أبو حاتم: من فقهاء الشام ثقة. وقال الدارقطني: هو من الثقات. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . ومعاوية بن أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن، هو وأبوه من مسْلمة الفتح. رُوي له عن رسول الله مائةُ حديث وثلاثة وسبعون حديثاً، اتفقا على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بمثلها، ومسلم بخمسة. روى عنه عبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وغيرهم من الصحابة والتابعين، كان أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، وتوفي بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من رجب، سنة تسع وخمسين وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ست وثمانين. روى له الجماعة (2) . قوله: " على وسط رأسه " الوسْط- بالسكون- يقال فيما كان متفرق الأجزاء، غير متصل كالناس والدواب، وغير ذلك، تقول: قعدتُ وسْط الناس بالسكون، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس، فهو بالفتح، ويقال: كل منهما يقع موقع الآخر. قوله: " أو كاد يقطر " اعلم أن كاد من أفعال المقاربة، وضعت لتقرير اسمه على صفة على سبيل المقاربة من رجاء أو حصول، ويحب أن يكون خبرها فعلاً مضارعاً، ومعنى " كاد يقطر ": أن دُنُوه قد حصل من القطر، مثلُ قولك: كادت الشمس تغرب. يعني: أن دُنُوها من الغروب قد حصل.

_ (1) المصدر السابق (32/7022) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/395) ، وأسد الغابة (5/209) ، والإصابة (3/433) .

114- ص- حدثنا محمود بن خالد قال: نا الوليد في هذا الإسناد قال: " فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وغسل رجْليه " (1) بغير عدد. ش- هذه رواية أخرى، وقوله: " بغير عدد " يتناول المرة والمرتين والثلاث؛ لأن الراوي ما عين العدد. 115- ص- حدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل قال: نا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت مُعوذ بن عفراء قالت: " كان رسولُ الله - عليه السلام- يأتينا، فحدثتْنا أنه قال: " اسْكُبي لي وضوءاً، فذكرتْ وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت (2) فيه: " فغسل كفيْه ثلاثاً، ووضأ وجْههُ ثلاثاً، ومضْمض واستنشق مرة، ووضأ يديْه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرتين: يبدأ بمُؤخر رأسه ثم بمُقدّمه، ثم بأذُنيْه: كلتيْهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجْليْه ثلاثاً ثًلاثاً " (3) . قال أبو داود: هذا معنى حديث مسدد. ش- بثر بن المفضل بن لاحق الرقاشي مولاهم أبو إسماعيل البصري. سمع: محمد بن المنكدر، وعبد الله بن عون، وقرة بن خالد، وعلي ابن زيد بن جُدعان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ومسدد بن مُسرْهد، وعلي بن المديني، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: بصري ثقة. توفي سنة ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة (4) . وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي قد ذكر. والرُبيّعُ بنتُ مُعوّذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث (5) بن سواد بن مالك بن غنم بن النجار الأنصارية، وأبوها يعرف بابن عفراء، دخل

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في الأصل: " قال " خطأ. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس (33) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الرجل يستعين على وضوئه يصب عليه (390) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/707) . (5) " ابن الحارث " مكررة في الأصل.

عليها النبي- عليه السلام- صبيحة بُني بها. روى لها البخاري حديثين، واتفقا على حديث واحد. روى لها الجماعة. روى عنها: عبد الله بن محمد بن عقيل، وخالد بن ذكوان (1) . و" الرُبيع " بضم الراء، وفتح الياء الموحدة، وتشديد الباء آخر الحروف وكسرها، وبعدها عين مهملة. و " مُعوذ " بضم الميم، وفتح العين/المهملة، وتشديد الواو وكسرها، وبعدها ذال معجمة. و " عفراء " بفتح العين المهملة، وسكون الفاء، وبعدها راء مهملة، وهو ممدود. قوله: " وضوءاً " بفتح الواو. قوله: " وضأ وجهه " أي: غسل وجهه، أطلقت على غسل الوجه الوضوء من باب إطلاق الكل على الجزء. قوله: " ظهورهما " بالجر على أنه بدل من قوله: " بأذنيه " كما قلنا غير مرة. 116- ص- حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن عقيل بهذا الحديث، يُغير بعض معاني بشر، قال فيه: " وتمضمض واسْتنْثر ثلاثاً " (2) . ش- إسحاق بن إسماعيل الطالقاني أبو يعقوب. سمع: ابن عيينة، ومحمد بن فضيل، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وإبراهيم ابن إسحاق الحربي، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم. قال ابن معين: أرجو أن يكون صدوقاً. توفي في رمضان سنة ثلاثين ومائتين، وهو أول شيخ كتب عنه البغوي (3) . وسفيان هو ابن عيينة، وقد ذكر. وابن عقيل هو عبد الله بن محمد ابن عقيل المذكور آنفاً.

_ (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/308) ، وأسد الغابة (7/107) ، والإصابة (4/300) . (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/341) .

قوله: " يُغيرُ بعض معاني بشر " وهو بشر بن المفضل المذكور، وهذه جملة وقعت حالاً عن ابن عقيل، وهذه الرواية أخرجها الترمذي مختصراً وقال: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسناداً. 117- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: نا الليث، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن رُبيع بنت مُعوّذ بن عفراء: " أنّ رسول الله توضأ فمسح الرأس كُلّه من قرْن الشعْر، كل ناحية بمُنصبّ (1) الشّعر، لا يُحركُ الشّعر عن هيئته " (2) . ش- الليث هو ابن سعد بن عبد الرحمن المصري أبو الحارث الفهْمي، موْلى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ولد بقلقشنْدة (3) قرية نحو أربعة فراسخ من مصر. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعاً، والزهري، وأبا الزناد، وغيرهم. روى عنه: محمد بن عجلان، وابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وجماعة آخرون كثيرة. والأصح أنه كان على مذهب أبي حنيفة. وقال ابن معين: ثقة. وعن الشافعي: إنه أفقه من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه، وكان سريا نبيلاً سخيا. توفي بمصر في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقد استكمل إحدى وثمانين سنة. روى له الجماعة (4) وابن عجلان هو: محمد بن عجلان، وهو من شيوخ الليث، وقد ذكر. قوله: " من قرْن الشعر " أي: من ناحيته وجانبه.

_ (1) في سنن أبي داود: " لمنصب ". (2) انظر الحديث السابق. (3) كذا، وفي تهذيب الكمال: " قرقشندة "، وفي تهذيب التهذيب (8/412) : " قرقشندة على أربعة فراسخ من الفسطاط ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5016) .

قوله: " بمنصب الشعر " أي: أصل الشعر، من قولهم: نصاب الرجل ومنصبه، أصله. قوله: " لا يحركُ الشعر " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في " مسح "، وقد عُلم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً، وكان فعلها مضارعاً منفيا، يجوز فيه الوجهان: إتيان الواو وتركه. وقوله: " عن هيئته " أي: عن صفته التي كان عليها من كونه مضْفوراً أو غير مضفورٍ، والهيئة الشارة، كذا في " الصحاح ". 118- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا بكر- يعني ابن مضر- عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته قالت: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ " قالت: " فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة " (1) . ش- بكر- بفتح الباء- ابن مضر بن محمد بن حكيم بن سلمان (2) المصري أبو محمد، مولى ربيعة بن شُرحبيل بن حسنة. سمع: جعفر ابن ربيعة، ويزيد بن عبد الله بن أسامة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله ابن وهب، وعبد الله بن صالح، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال أحمد ابن حنبل: ثقة، ليس به بأس. توفي يوم عرفة، سنة أربع وسبعين ومائة، وولد سنة مائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (3) . قوله: " وصُدغيه " الصُاع- بضم الصاد- ما بين العين والأذن، ويسمى أيضاً الشعر المتدلي عليها صُدغاً، يقال: صُدغ معقرب، وهذا أيضاً حجة للحنفية. وأخرجه الترمذي. وقال: " حديث الربيع حديث حسن صحيح ".

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في تاريخ البخاري الصغير، وثقات ابن حبان، والجمع لابن القيسراني: " سليمان ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/756) .

119- ص- حدثنا مسدد قال: نا عبد الله بن داود، عن سفيان بن سعيد، عن ابن عقيل، عن الرْبيع: " أنّ النبي- عليه السلام- مسح رأسه من ماءٍ (1) كان في يده " (2) . ش- عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الخُريْبي أبو محمد البصري الهمداني الشعبي، أصله كوفي، نزل البصرة بالخُريبة،/وهي محلة بها. سمع: هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: مسدد، وابن المثنى، وابن بشار، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة مأمون. توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة إلا مسلماً (3) . وسفيان بن سعيد هو الثوري. قوله: " كان في يده ": جملة في محل الجر؛ لأنها صفة لقوله: " من ماء "، وهذا أيضاً حجة لأبي حنيفة. 120- ص- حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: نا وكيع، قال: نا الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت مُعوذ: " أن النبي - عليه السلام- توضأ، فأدْخل إصْبعيْه في جُحْريْ أذنيه " (4) . ش- إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجوهري البغدادي. سمع: ابن عيينة، ووكيعاً، وروح بن عُبادة، وأبا صالح الفراء، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وموسى بن هارون، وغيرهم. وقال النسائي: بغدادي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (5) . ووكيع هو ابن الجراح.

_ (1) في سنن أبي داود: " مسح برأسه من فضل ماء ". (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3248) . (4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الأذنين (441) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/176) .

والحسن بن صالح بن صالح الهمداني الثوري الكوفي العابد. سمع: عبد الله بن دينار، وسماك بن حرب، وعاصماً الأحول، وغيرهم. روى عنه: وكيع، وابن المبارك، وأبو نعيم، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن. وقال ابن معين: ثقة مأمون. مات سنة شبع وستين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " في جُحري أذنيه " الجحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: الثقب. وأخرجه ابن ماجه. 121- ص- حدّثنا محمد بن عيسى ومسدد قالا: نا عبد الوارث، عن ليث، عن طلحة بن مُصرف، عن أبيه، عن جده قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحُ رأسه مرةً واحدة حتى بلغ القذال، وهو أولُ القفا ". وقال مسدد: " مسح رأسه من مُقدمّه إلى مُؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه" (2) . ش- عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عُبيدة البصري. روى عن: عبد العزيز بن صهيب، وأيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الصمد، والثوري، ومسدد، وعفان بن مسلم، وغيرهم. وقال محمد بن سعْد: كان ثقة حجة. مات بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة 0 روى له الجماعة (3) . وليث هذا هو ليث بن أبي سليم أبو بكر الكوفي القرشي مولى عتبة، واسم أبي سليم أيمن روى عن: مجاهد، وطاوس، وطلحة بن مصرف، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم. قال أحمد: هو مضطرب الحديث. وقال الدارقطني: صاحب سُنّة، يُخرجُ حديثه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له الجماعة إلا النسائي (4) .

_ (1) المصدر السابق (6/1238) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3595) . (4) المصدر السابق (24/5017) .

وطلحة بن مُصرف بن عمرو بن كعب بن جحْدب (1) بن معاوية بن سعْد بن الحارث بن ذُهل أبو محمد الكوفي. سمع: عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، ويروي عن أبيه، عن جده. روى عنه: ابنه محمد، وليث بن أبي سُليم، وفطر بن خليفة، وغيرهم. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) . وأبو طلحة هو مُصرف بن عمرو الكوفي. روى عن أبيه، عن النبي - عليه السلام- في مسح الرأس، ويُقال: له صحبة. روى عنه ابنه طلحه. روى له أبو داود (3) . وجد طلحة هو عمرو بن كعب الهمداني الصحابي، روى له أبو داود (4) . قوله: " القذال " بفتح القاف والذال المعجمة: جماع مؤخر الرأس، وهو معقد العداد من الفرس خلف الناصية، ويقال: القذالان: ما اكتنفا ما بين القفا عن يمين وشمال، ويجمع على أقْذلة وقُذُل. ص- قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول ابن عيينة (5) زعموا أنه كان ينكره، ويقول: أيش هذا طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده؟ ش- قوله: " حدثت به يحيى " أي: حدثت بهذا الحديث يحمص بن سعيد القطان الأحول فأنكره. وابن عيينة هو سفيان بن عيينة. قوله: " كان يُنكره " أي: كان ابن عيينة ينكر هذا الحديث، وذلك لأجل طلحة هذا، حتى قال: أيش هذا طلحة بن مصرف؟ فكأنه جعله

_ (1) في الأصل: " جحدر " خطأ. (2) المصدر السابق (2/2982) . (3) المصدر السابق (28/5979) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/296) ، وأسد الغابة (4/485) ، والإصابة (3/300) . (5) في سنن أبي داود: " إن ابن عيينة ".

مجهولاً، وأيش أصله: " أي شيء "، فخفف لكثرة الاستعمال. وفي " الكمال " يذكر في مصرف: روى عنه ابنه طلحة. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هذا خطأ، طلحة رجل من الأنصار، وليس هو ابن مصرف، ولو كان ابن مصرف لم يُختلف فيه، ومن الناس من ينكر صحبة عمرو بن كعب أيضاً جد طلحة. 122- ص- حدثنا الحسن بن علي قال: نا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس - رضي الله عنه-: " رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ "، فذكر الحديث كله: " ثلاثاً ثلاثاً ". قال: " ومسح برأسه وبأذُنيْه مسحةً واحدة " (1) . ش- الحسن بن علي الخلال قد ذكر. ويزيد بن هارون بن زاذي بن ثابت السلمي أبو خالد الواسطي. سمع: سليمان التيمي، وداود بن أبي هند،/ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة موسى بن إسماعيل، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق، لا يسأل عن مثله. توفي سنة ست ومائتين، وولد سنة سبع عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) وعباد بن منصور: أبو سلمة الناجي البصري قاضيها. روى عن: أبي رجاء العطاردي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، وأيوب السختياني، وعكرمة بن خالد، وغيرهم. روى عنه: وكيع، والثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وغيرهم. وقال النسائي: ضعيف. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7061) . (3) المصدر السابق (14/3093) .

وعكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم المخزومي القرشي المكي، أخو الحارث بن خالد الشاعر. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير. روى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الله بن طاوس، وقتادة، وعامر الأحول، وابن جريج، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وسعيد بن جبير بن هشام الكوفي أبو محمد الأسدي الوالبي مولاهم. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مغفل، وأبا مسعود عقبة بن عامر البدري، وأنس بن مالك، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: محمد بن واسع، ومالك بن دينار، وعمرو بن دينار، والزهري، وأيوب السختياني، والأعمش، وغيرهم. قتله الحجاج صبراً سنة خمس وتسعين في شعبان، وهو ابن تسع وأربعين سنة. روى له الجماعة (2) . وهذا الحديث حجة قوية للحنفية. 123- ص- حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد ح، و [نا] مسدد وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة ذكر وضوء النبي- عليه السلام- قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح المأقين. قال: وقال: " الأذنان من الر أس " (3) . قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة. قال قتيبة: قال حماد: لا أدري

_ (1) المصدر السابق (20/4004) . (2) الصدر السابق (10/2245) . (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن الأذنين من الرأس (37) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (444)

هو من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو من أبي أمامة. يعني: قصة الأذنين. قال قتيبة: عن سنان بن أبي ربيعة (1) . ش- سليمان بن حرب بن بجيلة الأردني الواشحي- وواشح من الأزد- أبو أيوب البصري، نزل مكة وكان قاضيها. سمع: جرير بن حازم، والحمادين، وسليمان بن مغيرة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن سعيد الدارمي، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وأحمد بن عمرو، وغيرهم. توفي في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين، ومولده سنة أربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وحماد هو ابن سلمة، ومسدد بن مسرهد، وقتيبة بن سعيد، وحماد ابن زيد، كلهم ذكروا. وسنان بن ربيعة أبو ربيعة البصري. روى عن: أنس بن مالك، وثابت البناني، وشهر بن حوشب. روى عنه: الحمادان، وعبد الله بن بكر، وعبد الوارث بن سعيد. قال ابن معين: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: شيخ، مضطرب الحديث. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وشهر بن حوشب أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الأشعري الشامي الحمصي، وقيل: الدمشقي. سمع: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأبا سعيد الخدري، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: قتادة، ومعاوية بن قرة، وعوف الأعرابي، والحكم بن أبان، وغيرهم. قال يعقوب بن شيبة:

_ (1) في سنن أبي داود: " سنان بن ربيعة ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2502) (3) المصدر السابق (12/2593) .

هو ثقة. أخرج له مسلم مقروناً مع غيره، وأخرج له الجماعة إلا البخاري (1) . وأبو أمامة: صدي بن عجلان بن واثلة بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك الباهلي، سكن حمص. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- مائتا حديث وخمسون حديثاً، روى البخاري خمسة أحاديث، ومسلم ثلاثة. روى عنه: رجاء بن حيوة، ومحمد بن زياد الألهاني، وأبو غالب، وجماعة آخرون. مات بالشام سنة إحدى وثمانين، وقد قيل: إنه آخر من مات من أصحاب النبي- عليه السلام- بالشام. روى له الجماعة (2) . قوله: " مسح المأقين " المأق: بهمز ولا تهمز هو الموق، وموق العين: طرفها مما/يلي الأنف. واللحاظ طرفها مما يلي الأذن. قال الخطابي: من العرب من يقول: مُأق ومُوق بضمهما، وبعضهم يقول: مأق وموق بكسرهما، وبعضهم يقول: ماق بلا همز كماض، والأفصح الأكثر المأقي بالهمز والياء. والمُؤق بالهمز والضم، وجمع المُؤق " آماق " و " أماق "، وجمع المأقي " مآقي ". وفي " المطالع " فيه لغات: مُوق وماق وموق وماق على مثال ماض، ومُوق على مثال معط ناقص أيضاً، ومُوقي على مثال موقع، وأُمق على مثال عنق، وماقي. ثم إن هذا المسح يجوز أن يكون خوفاً عن عدم وصول الماء إليه؛ لأن هذا الموضع داخل في الفرض، وقد لا يلحقه الماء، ويجوز أن يكون المسح بمعنى الغسل، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى الغسل في لغة العرب.

_ (1) المصدر السابق (12/2781) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 198) ، وأسد الغابة (3/16) ، والإصابة (2/182) .

قوله: " قال وقال " الضمير المرفوع في " قال " الأول يرجع إلى شهر بن حوشب، والذي في الثاني يرجع إلى أبي أمامة. قوله: " الأذنان من الرأس " أي: تابعان للرأس في المسح، والمراد به بيان الحكم دون الخلقة؛ لأنه- عليه السلام- لم يبعث لبيان الخلقة، فثبت أنهما من أجزاء الرأس، فيمسحان بما مسح به الرأس، فإن قلت: إذا كان الأذنان ممسوحين بماء الرأس ينبغي أن ينوب مسحهما عن مسح الرأس؟ قلت: النص دلّ على أن المسح من الرأس، فلو جاز مسح الأذنين عن مسح الرأس يلزم ترك النص بخبر الواحد، وهو لا يجوز (1) . فإن قلت: إذا كانا من الرأس ينبغي أن يمسحان كالرأس؟ قلت: لا يصح أن يقال: يمسحان كالرأس لكونهما من الرأس؛ لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال الرجلان من الوجه؛ لأنهما يغسلان كالوجه، فلما بطل هذا علمنا أنهما تابعان للرأس في المسح، ولذلك قال هما من الرأس؛ لأن " من " للتبعيض، فكأنه جعلهما بعض الرأس في الحكم. قوله: " قال حماد: لا أدري " إلى آخره، يعني: قصة الأذنين. " (2) وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم. وقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، وشهر بن حوشب ليس بالقوي. قلت: قد وقفه سليمان بن حرب وهو ثقة، ووثقه أيضاً أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة. وسنان بن أبي ربيعة أخرج له البخاري. وقال ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام ": " شهر بن حوشب ضعفه قوم، ووثًقه آخرون، وممن وثقه ابن حنبل، وابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به، قال: ولا أعرف لمضعفه حجة، وقد صحح الترمذي في كتابه حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة: أن النبي- عليه السلام- لف على الحسن

_ (1) تقدم الكلام على حجية خبر الآحاد (ص/184) . (2) انظر: نصب الراية (1/18- 19) .

والحسين وعلي وفاطمة كساء، وقال: " هؤلاء أهل بيتي "، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح (1) . وقال البيهقي في " سننه ": حديث الأذنان من الرأس أشهر إسناد فيه حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة. وكان حماد يشك في رفعه في رواية قتيبة عنه، فيقول: " لا أدري من قول النبي أو من قول أبي أمامة. وكان سليمان بن حرب يرويه عن حماد ويقول: هو من قول أبي أمامة. قلت: وقد اختلف فيه على حماد، فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبو الربيع. واختلف أيضاً على مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتي به في وقت، ويرفعه في وقت آخر وهو الأولى من تغليط الراوي. وأخرج ابن ماجه في " سننه " (2) عن سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " الأذنان من الرأس ". وهذا أمثل إسناد في الباب، لاتصاله وثقة رواته، فابن أبي زائدة وشعبة وعباد احتج بهم الشيخان، وحبيب بن زيد/ذكره ابن حبان في " الثقات " في أتباع التابعين. وسويد بن سعيد احتج به مسلم، وأخرج الدارقطني عن أبي كامل الجحدري: ثنا غندر محمد بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي- عليه السلام- قال: " الأذنان من الرأس" (3) قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله، وثقة رواته ".

_ (1) الترمذي: كتاب المناقب، باب: فضل فاطمة بنت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3871) . (2) كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (443) . (3) سنن الدارقطني (1/99) .

44- باب: الوضوء ثلاثا ثلاثا

فانظر إلى البيهقي كيف أعرض عن حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس، واشتغل بحديث أبي أمامة، وزعم أن إسناده أشهر إسناد لهذا الحديث، وترك هذين الحديثين، وهما أمثل منه، ومن هنا يظهر تحامله. وروى الطحاوي أيضاً في " شرح الآثار " بإسناده: " أن النبي- عليه السلام- توضأ فمسح أذنيه مع الرأس "، وقال: " الأذنان من الرأس " (1) . قوله: " قال قتيبة: عن سنان بن أبي ربيعة " يعني: قال: سنان هو ابن أبي ربيعة. وقال أبو داود: هو ابن ربيعة، وكنيته أبو ربيعة. *** 44- باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً أي: هذا باب في بيان وضوء النبي- عليه السلام- ثلاثاً ثلاثاً. 124- ص- حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن رجلاً أتى النبي- عليه السلام- فقال: يا رسول الله، كيف الطُهُورُ؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، وغسل (2) وجهه ثلاثا، ثم غسل فراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأدخل (3) إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبْهاميْه ظاهر (4) أذُنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: " هكذا الوُضوءُ، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " أو " ظلم وأساء " (5) . ش- أبو عوانة الوضاح قد ذكر. وموسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني، مولى آل جعدة

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) في سنن أبي داود: " ثم غسل ". (3) في سنن أبي داود: " فأدخل " 0 (4) في سنن أبي داود: " على ظاهر ". (5) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء (1/88) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (422) .

ابن هبيرة. روى عن: سليمان بن صُرد، وعمرو بن حريث. وسمع: عبيد الله بن عبد الله، وسعيد بن جبير. روى عنه: الثوري، وزائدة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة. وقال ابن عيينة: كان من الثقات. وقال أبو حاتم: صالح يكتبُ حديثه. روى له الجماعة (1) . وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي القرشي المدني. سمع أباه، وجُل روايته عنه، وسعيد بن المسيب، وطاوساً (2) ، ومجاهداً، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وثابت البناني، وجماعة آخرون كثيرة. وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده، وإنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقل ما نصيبُ عنه مما روى عن غير أبيه، عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تُروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء. وقال أبو زرعة أيضاً: هو مكي ثقة في نفسه. وقال العجلي: هو ثقة. وقال يحيي بن سعيد: إذا روى الثقات عنه فهو ثقة يحتج به. وقال الدارقطني: هو ثقة. وقال يحيى القطان: هو عندنا واهي الحديث. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال مرة: ليس بذلك. وقال أحمد: ليس بحجة، وقال مرة: ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء، وله مناكير. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وأبوه شعيب بن محمد ابن عمرو. سمع: جده عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس. روى عنه: ابناه عُمر وعمرو ابنا شعيب، وثابت البناني، وعطاء الخراساني،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6271) . (2) في الأصل: " وطاوس ". (3) المصدر السابق (22/4385) . 21. شرح سنن أبي داوود (1)

وزياد بن عمرو. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وجد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكرنا كلا منهما مرة. قوله: " كيف الطُهورُ؟ " بضم الطاء. قوله: " السباحتين " السباحة والمُسبحة: الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنها يُشار بها عند التسبيح. قوله: " فقد أساء " أي: في الأدب، بتركه السُّنّة، والتأدب بآداب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء، [وقيل: إن الإساءة ترجع إلى الزيادة،/والظلم يرجع إلى النقصان؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. قلت: هذا إنما يمشي في رواية تقديم الإساءة على النقصان. وقيل: معناه زاد على الثلاث معتقداً أن السُنّة لا تحصل بالثلاث، أو نقص معتقداً أن الثلاث بخلاف السُنّة. فإن قلت: كيف يكون ظالماً في النقصان، وقد ورد في الأحاديث الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين. قلت: الجواب عن ذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن المعنى يكون ظالماً لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن كان يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين. والثاني: أنه إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف السُنّة في الثلاث كما ذكرنا. والثالث: أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب كما ذكرنا. وقال (2) الشيخ تقي الدين في " الإمام ": هذا الحديث صحيح عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لصحة الإسناد إلى عمرو.

_ (1) المصدر السابق (12/2756) . (2) انظر: نصب الراية (1/29) .

45- باب: الوضوء مرتين

وأخرج النسائي، وابن ماجه هذا الحديث أيضاً من حديث عمرو بن شعيب، وفي لفظ لابن ماجه: " وتعدى وظلم "، وللنسائي: " فقد أساء وتعدى وظلم ". *** 45- باب: الوضوء مرتين أي: هذا باب في بيان الوضوء مرتين مرتين. 125- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: نا زيد- يعني: ابن حُباب- عن عبد الرحمن بن ثوبان قال: نا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن أبي هريرة: " أن النبي- عليه السلام- توضأ مرتين مرتين " (1) . ش- زيد بن الحباب بن الريان، وقيل: [ابن] رومان أبو الحسن العكليُ الكوفي التميمي (2) . سمع: مالك بن أنس، وحماد بن سلمة، وعكرمة بن عمار، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني (3) ، ونصر بن عليّ، وأبو كريب، ومحمد بن رافع، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. توفي سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . وعبد الرحمن بن ثوبان أبو عبد الله العنْسي- بالنون- الزاهد الدمشقي. سمع أباه، ونافعاً، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومنصور بن المعتمر، وعبد الله بن الفضل، وغيرهم روى عنه: الوليد بن مسلم، وعلي بن عياش، وزيد بن الحباب، وعاصم بن علي، وغيرهم. وقال ابن المديني: ليس به بأس، وكذا قال ابن معين. وقال أبو حاتم: أبوه

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرتين مرتين (43) . (2) في الأصل: " التيمي ". (3) في الأصل: " علي بن المدائني ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2095) .

من كبار أصحاب مكحول، ثقة، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وعبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن (2) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني. سمع: أنس بن مالك، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج. روى عنه: موسى بن عقبة، ومالك بن أنس، ومحمد ابن إسحاق بن يسار. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (3) . والأعرج هو عبد الرحمن. قوله: " مرتين " نصبه على أنه مصدر في الأصل؛ لأن معنى قولك: ضربت مرة أو مرتين ضربة أو ضربتين. وأما التّكْرار فهو للتأكيد، ومعنى قوله: " توضأ مرتين " يعني: غسل أعضاءه الثلاثة، ومسح رأسه مرتين مرتين. وأخرجه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح ". والحديث الذي يلي هذا الحديث مذكور في بعض النسخ في " باب الوضوء مرة مرة ". 126- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا محمد بن بشر قال: نا هشام بن سعد قال: نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابنُ عباس: أتحبون أنْ أريكم كيف كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماءٌ، فاغْترف غرفة بيده اليُمنى، فتمضْمض واستنْشق، ثم اخذ أخرى فجمع

_ (1) المصدر السابق (17/3775) . (2) قال محقق " تهذيب الكمال ": " جاء في حواشي النسخ تعليق للمصنف يتعقب فيه صاحب " الكمال " نصه: كان فيه عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس. وعبد الرحمن زيادة لا حاجة إليها. وقد ذكر الواقدي الفضل بن العباس هذا فيمن قتل بالحرة ". (3) المصدر السابق (15/3483) .

بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم اخذ أخرى فغسل بها يده اليُمنى، ثم اخذ أخرى فغسل بها يده اليُسْرى، ثم قبض قبضةً [أخرى] (1) من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسهُ (2) وأذنيه، ثم قبض قبضةً أخْرى من الماء فرش على رجْله اليُمنى وفيها النعْلُ، ثم مسحها بيده (3) يد فوق القدم ويد تحت النعْل، ثم صنع باليُسْرى مثل ذلك " (4) . ش- محمد بن بشر العبدي. روى عنه/البخاري. وروى له أبو داود (5) . وهشام بن سعد أبو سعيد (6) ، ويقال: أبو عباد المدني القرشي، مولى آل أبي لهب. سمع: نافعاً، وزيد بن أسلم، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والقعنبي، وأبو نعيم، والليث بن سعد، وغيرهم وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، وفي رواية: ليس بمحكم الحديث. وعن ابن معين: فيه ضعف، وفي رواية: هو صالح. وقال أبو حاتم: يكتبُ حديثُه، ولا يحتج به، هو ومحمد بن إسحاق عندي واحد. وقال أبو زرعة: محله الصدق. روى له الجماعة إلا البخاري (7) وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشي العدوي المدني، مولى عمر بن الخطاب. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعطاء بن يسار، وعمران بن أبان، وغيرهم.

_ (1) غير موجود في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " مسح بها رأسه ". (3) في سنن أبي داود: " بيديه: يد فوق ". (4) البخاري: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مرة مرة، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرة مرة (42) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مرة مرة (1/62) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرة مرة (411) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/ 5088) ، وفيه: " روى له الجماعة". (6) في الأصل: " أبو سعد " خطأ. (7) المصدر السابق (30/6577) .

روى عنه: مالك، ومعمر، وهشام بن سعد، والزهري، والثوري، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة. روى له الجماعة (1) . وعطاء بن يسار: أبو محمد المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج النبي - عليه السلام-، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله. سمع: أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، وابن عُمر، وابن عمرو، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع مولى النبي- عليه السلام-، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، وصفوان بن سُليم، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة: هو ثقة. توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة " روى له الجماعة (2) . قوله: " أتحبون " الهمزة فيها للاستفهام، تدخل النفي والإثبات في الاستعمال. قوله: " فمضمض واستنشق " أي: بتلك الغرفة الواحدة، وفيه دليل لأحد الوجوه للشافعية في المضمضة والاستنشاق. قوله: " ثم أخذ أخرى " أي: قبضة أخرى. قوله: " ثم مسح رأسه وأذنيه " فيه دليل للحنفية. قوله: " وفيها النعل " جملة وقعت حالاً من قوله: " على رجله ". قوله: " ثم مسحها " أي: غسلها، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى الغسل، والنعل لا يمنع غسل الرجل؛ لأنه لا يغطي الرجل، ولا يمنع من وصول الماء إليها، والدليل على أنه غسل قوله: " يد فوق القدم ويد تحت القدم "، ولو كان هذا مثل مسح الخفين لكان اكتفى بمسح بعض القدم، وكونه استغرقها يدل على أنه غُسل؛ لأن الغسل هو الإسالة، وقد حصلت بتلك الضربة، ولا سيما إذا رفق بها الرجل.

_ (1) المصدر السابق (10/2088) . (2) المصدر السابق (20/3946) .

46- باب: الوضوء مرة مرة

وقوله: " يد فوق القدم " مجرور على أنه بدل من قوله: " بيده "، والدليل على ما قلنا رواية البخاري في هذا الحديث: " ثم أخذ غرفة من ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفه أخرى، فغسل بها رجله اليسرى "، وفي لفظ النسائي: " ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى "، وأخرجه الترمذي أيضاً وابن ماجه مفرقاً بنحوه مختصراً، وأخرجه البخاري مطولاً ومختصرا، وكل ذلك يُوضح ما أبهم في رواية أبي داود. 46- باب: الوضوء مرّة مرّة أي: هذا باب في بيان الوضوء مرة مرة. 127- ص- حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: " ألا أخبركم بوُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فتوضأ مرةً مرةً " (1) . ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، وهذا الحديث طرف من الحديث الذي قبله، وترجم له باباً على حدة كما ترجم البخاري والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث " الوضوء مرة مرة ". 47- باب: الفرق بين المضمضة والاستنشاق أي: هذا باب في بيان أن المضمضة ينبغي أن تفرق وتفصل من الاستنشاق. 128- ص- حدثنا حُميد بن مسعدة قال: نا معتمر، قال: سمعت ليْثاً يذكرُ عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: " دخلتُ- يعني: على النبي

_ (1) انظر الحديث السابق، فهو طرف منه.

- عليه السلام- وهو يتوضأ، والماءُ يسيلُ من وجْهه ولحْيته على صدْره، فرأيتُهُ يفْصلُ بين المضمضة والاسْتنْشاق " (1) . ش- حُميد بن مسْعدة بن المنير السامي الباهلي (2) أبو علي روى عن: حماد/بن زيد، وحرب بن ميمون، وجعفر بن سليمان، ومعتمر ابن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين (3) . ومعتمر بن سليمان بن طرخان قد ذكر. وليث هو ابن أبي سُليم، وقد ذكر. وطلحة هو ابن مصرف بن عمر [و] بن كعب، كلهم قد ذكروا. قوله: " وهو يتوضأ " جملة وقعت حالاً من " النبي- عليه السلام- ". قوله: " والماء يسيل من وجهه " أيضاً جملة وقعت حالاً، ويجوز أن يكون من الأحوال المتداخلة، أو الأحوال المترادفة، وفيه دليل أن الماء المستعمل لا يُعطى له حكم الاستعمال إلا بالاستقرار في موضع، وهو القول الصحيح للحنفية. قوله: " فرأيته " أي: فرأيت النبي- عليه السلام- يفصل بين المضمضة والاستنشاق بالماء، والمعنى: أخذ لكل منهما ماء برأسه؛ لأن الفصل لا يكون إلا هكذا.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) قال محقق تهذيب الكمال: " قال مغلطاي- وهو محق-: أنًى يجتمع سامة ابن لؤي بن غالب وباهلة بن أعصر؟ هذا ما لا يمكن إلا بأمر مجازي لا يستعمل هنا " (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/538) .

48- باب: في الاستنثار

48- باب: في الاستنثار أي: هذا باب في بيان الاستنثار، وهو استفعال من نثر ينثر- بالكسر- إذا امتخط، وقد بينا الكلام فيه مستوفى. 129- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا توضأ أحدُكُم فليجعلْ في أنْفه ماءً، ثم لينثرْ (1) " (2) . ش- قوله: " ثم لينتثر " أي: ليمتخط، وهذا يدل على [أن] الاستنثار غير الاستنشاق، وأنه هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وشبهه، وهذا يرد على من ذكر في الروايات المتقدمة أن الاستنثار والاستنشاق واحد، وقد تمسك به من يقول بوجوب الاستنشاق لمطلق الأمر. قلنا: الأمر محمول على الندب لقيام الأدلة الدالة عليه. وأخرجه البخاري، والنسائي، ومسلم أيضاً من وجه آخر. 130- ص- حدّثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا وكيع قال: نا ابن أبي ذئب، عن قارظ، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله - عليه السلام-: " اسْتنْثرُوا مرتين بالغتين أو ثلاثاً " (3) . ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان (4) قد ذر، وكذا وكيع بن الجراح، وكذلك ابن أبي ذئب. وقارظ - بالقاف والظاء المعجمة- ابن شيبة بن قارظ، من بني ليث

_ (1) في سنن أبي داود: " لينثر ". (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الاستنثار في الوضوء (161) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار (237) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاستنثار (1/65، 66) . (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (408) . (4) في الأصل: " ذان ".

ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة أخو عمرو، من حُلفاء بني زهرة. روى عن: سعيد بن المسيب، وأبي غطفان. روى عنه: أخوه عمرو، وابن أبي ذئب. توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك، وكان قليل الحديث. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وأبو غطفان بن طريف المُري، ويقال: ابن مالك. روى عن: ابن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن أمية، وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وداود بن الحصين، وقارظ بن شيبة. قال محمد بن سعد: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضاً لمروان. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " بالغتين " أي: كاملتين فيه دليل على أن الاستنثار لا يلزم أن يكون مع كل استنشاقة. وأخرجه ابن ماجه. 131- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كُنتُ وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فلما قدمنا على رسول الله فلمْ نُصادفْهُ في منزله، وصادقْنا عائشة أمّ المؤمنين- رضي الله عنها- قال: فأمرتْ كنا بخزيرة فصُنعتْ لنا. قال: واتينا بقناع- ولم يُقمْ (3) قتيبة القناع، والقناعُ طبق فيه تمر- ثم جاء رسولُ الله فقال: هلْ أصبتُمْ شيئاً؟ أوْ أمر لكم بشيء؟ قال: فقلنا: نعم يا رسول الله، قال: فبيْنا نحنُ مع رسول الله جُلوس إذ دفع الراعي غنمهُ إلى المُراح، ومعه سخْلة تيْعرُ، فقال: ما ولدت يا فُلانُ، قال: بهْمة، قال: فاذبحْ لنا مكانها شاة ثم قال: لا تحسبن، ولم يقل: لا تحسبن أنا من أجْلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نُريدُ أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحْنا مكانها شاة، قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئاً- يعني:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4779) . (2) المصدر السابق (34/7565) . (3) في سنن أبي داود: " ولم يقل ".

البذاء-/قال: فطلّقْها إذاً. قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لها صُحْبةً ولي منها ولدٌ. قال: فمُرْها. يقول: عظها، فإنْ يكُ فيها خيرٌ فستفْعل، ولا تضربْ ظعينتك كضرْبك أُميّتك. قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوُضوء. قال: أسْبغ الوُضوء، وخلّلْ بين الأصابع، وبالغْ في الاسْتنشاق إلا أن تكون صائماً " (1) ش- يحيى بن سُليم أبو محمد ويقال: أبو زكريا القرشي الطائفي الخراز- بالخاء المعجمة، والراء وفي آخره زاي- الحذاء المكّي. روى عن موسى بن عقبة (2) ، وسمع: إسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن كثير، وابن جريح، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، والشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. روى له الجماعة (3) . وإسماعيل بن كثير المكي أبو هاشم. روى عن: مجاهد، وسعيد بن جبير، وعاصم بن لقيط بن صبرة. روى عنه: ابن جريج، والثوري، ويحيى بن سُليم الطائفي، وداود بن عبد الرحمن العطار. قال أحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث روي له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . وعاصم بن لقيط بن صبرة العُقيلي الحجازي. روى عن أبيه. روي عنه إسماعيل بن كثير. قال البخاري: هو عاصم بن أبي رزين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) .

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل الأصابع (38) ، وكتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (788) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق (87) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (407) . (2) في الأصل: " عيينة " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6841) . (4) المصدر السابق (3/473) . (5) المصدر السابق (13/3025) .

ولقيط (1) بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين العقيلي، عداده في أهل الطائف، ومنهم من يجعل لقيط بن صبرة لقيط ابن عامر بن صبرة، ومنهم من يجعله غيره. قال ابن عبد البر: وليس بشيء. وقال أبو محمد عبد الغني: أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر، وهو لقيط بن صبرة. وقيل: إنه غيره، وليس بصحيح. كان النبي - عليه السلام- يكره المسائل، فإذا سأله أبو رزين أعجبه (2) مسألته. روى عنه: ابن أخيه وكيع بن عُدُس، ويقال: ابن حدس، وابنه عاصم، وعمرو بن أوس روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وصبرة: بفتح الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة، وبعدها تاء تأنيث، وبعضهم يُسكن الباء. قوله: " في آخرين " أي: في جماعة آخرين، أشار بهذا إلى أن أبا داود روى هذا الحديث عن قتيبة وهو بين جماعة كثيرة، وكل واحد منهم حدّث عن يحيى بن سُليم، وموضعها النصب على الحال، والتقدير: حدثنا قتيبة بهذا الحديث حال كونه مُحدثاً به في جماعة آخرين. و" آخرين " جمع " آخر " بفتح الخاء، والفرق بين " الآخر " بالفتح، و" الآخر" بالكسر: أن المفتوح اسم التفضيل وفيه معنى الصفة؛ لأن

_ (1) قال الحافظ في " التهذيب " (8/457) : " تناقض في هذا المزي، فجعلهما هنا واحدا، وفي الأطراف اثنين، وقد جعلهما ابن معين واحداً، وقال: ما يعرف لقيط غير أبي رزين، وكذا حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل، وإليه نحا البخاري، وتبعه ابن حبان وابن السكن، وأما عليّ بن المديني وخليفة بن خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي وجماعة فجعلوهما اثنين. وقال الترمذي: سألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا، فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر ". (2) كذا، وفي تهذيب الكمال: " أعجبته ". (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/324) ، و (4/71) ، وأسد الغابة (4/522- 523) ، والإصابة (3/329) .

" أفعل من كذا " لا يكون إلا في الصفة، ومعناه أحد الشيئين، والأنثى منه أخرى، والجمع " آخرون ". وأما المكسورة فهي صفة، ومعناه: بعد الأول، تقول: جاء آخر، أي: أخيراً، والأنثى منه: آخرة، والجمع " أواخر. فإن قيل: إذا كان آخر- بالفتح- اسم التفضيل، ينبغي أن يستعمل باللام أو الإضافة، أو " من " كما عرف في اسم التفضيل. قلت: قد يستعمل اسم التفضيل مجرداً عن هذه الثلاثة نحو: الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء، وهنا أيضاً إذا قلت: حدثني فلان وفلان آخر معناه آخر من الأول فافهم. قوله: " كنت وافد بني المنتفق " الوافد واحد الوفد، والوفْد: القوم الذين يأتون الملوك ركباناً، وقيل: هم القوم يجتمعون ويردُون البلاد، والذين يقصدون الأمراء للزيارة أو الاسترفاد، تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو مُوفد، والمنتفق: بضم الميم، وسكون النون، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الفاء، وبعدها قاف: هو المنتفق بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، قبيل مشهور منهم جماعة من الصحابة، وغيرهم. قوله: " فلم نُصادفه " أي: لم نجده، قال في " الصحاح ": صادفت فلاناً وجدته. قوله: " في منزله " المنزل المنهل، والدار والمنزلة مثله. قوله: " بخزيرة " الخزيرة من الأطعمة: بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة، وتاء تأنيث: ما اتخذ من دقيق ولحم، يقطع اللحم/صغاراً، ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذُر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، والحريرة: بفتح الحاء المهملة، ورائين مهملتين: حساء من دقيق ودسم.

قوله: " بقناع " القناع: بكسر القاف- كذا ذكر في " دستور اللغة " في باب القاف المكسورة-: وهو الطبق الذي يؤكل عليه. وقال الخطابي (1) : " سُمي قناعاً لأن أطرافه قد أقنعت إلى داخل، أي: عُطفت ". وقال ابن الأثير (2) : " ويقال له: القُنع بالكسر والضم، وقيل: القناع جمعه، وهو الطبق من عُسُب النخل ". قوله: " ولم يُقم قتيبةُ القناع " أي: لم يثبته. قوله: " هل أصبتم شيئاً؟ " أي: هل وجدتم شيئاً مما يؤكل؟ قوله: " فبينا نحن " أصل " بينا ": " بين "، فأشبعت الفتحة وصارت ألفاً يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المناجاة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما: أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاءا كثيراً في الجواب تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه ومنه قول الحرقة بنت النعمان: بينا نسوس الناس والأمرُ أمرُنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف وقوله: " نحن " مبتدأ وخبره قوله: " جلوس "، والجلوس جمع " جالس " كالسجود جمع " ساجد "، وهي جملة أضيفت إليها، فـ " بينا " وجوابها قوله: " إذ دفع الراعي غنمه "، وفي بعض النسخ: " إذ رفع " بالراء، والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور وعلى الإناث، وعليهما جميعاً. قوله: " إلى المُراح " المراح- بضم الميم- الموضع الذي تروح إليه الماشية، أي: تأوي إليه ليلاً، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه القوم، أو يروحون منه، كالمغذى للموضع الذي يُغذى منه.

_ (1) معالم السنن (1/46) . (2) النهاية (4/115) .

قوله: " ومعه سخلة " السخلة- بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة- وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعه من الضأن والمعز جميعاً، ذكراً كان أو أنثى سخلةٌ، وجمعه سخل وسخالٌ. قوله: " تيعر " صفة للسخلة، من اليعار وهو صوت الشاة. وقال ابن الأثير: يقال (1) : " تعرت العنز تيعر- بالكسر- يُعاراً - بالضم- أي: صاحت ". وفي " الجمهرة ": تيعر وتيعر- بالكسر والفتح-، وكذا في " الدستور ". قوله: " ما ولدت ": بتشديد اللام على معنى خطاب الشاهد. وقال الخطابي (2) : " وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر، يقولون: ما ولدت- خفيفة اللام ساكنة التاء- أي: ما ولدت الشاة، وهو غلط، يقال: وّلدت الشاة إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى يبين منها الولد ". والمُولِّد والناتج للماشية كالقابلة للنساء، والمولدة القابلة. قوله: " بهمة " والبهمةُ: ولد الشاة أول ما تولد، يقال للمذكر والمؤنث، والسخال أولاد المعز، فإذا اجتمع البهائم والسخال قلت لهما جميعاً بهام وبُهم أيضاً، وجعل لبيد في شعره أولاد البقر بهاماً، وقيل: البُهمة الذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش والغنم والماعز. وقيل: قوله - عليه السلام-: " ما ولدت " وجوابه: " ببُهمة " يدل على أن البُهمة اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليُعلمه أذكر ولَّد أم أنثى، وإلا فقد كان يعلم أنه إنما ولد أحدهما. قوله: " لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها ": " (3) معناه: ترك الاعتداد به على الضيف، والتبرؤ من الرياء، و " تحسبن " مكسورة السن إنما هي لغة عليا مصر، و " تحسبن " بفتحها لغة: سفلاها، وهو القياس عند النحويين؛ لأن المستقبل من فعل مكسور العين " يفعل " مفتوحها كعلم

_ (1) النهاية (5/297) . (2) معالم السنن (1/46) . (3) انظر: معالم السنن (1/47) .

يعْلمُ، وعجل يعْجل، إلا أن حروفاً شاذة قد جاءت نحو: نعم ينعم، ويئس ييئس، وحسب يحسب، وهذا في الصحيح، فأما المعتل فقد جاء فيه: ورم يرمُ، ووثق يثقُ، وورع يرعُ ". قوله: " أنا من أجلك " بالفتح؛ لأن أن مع اسمه وخبره سدّ مسد مفعولي: " لا تحسين ". قوله: " لنا غنم مائة " جملة وقعت كالتعليل في ذبح الشاة. قوله: " فإذا ولد الراعي " بتشديد اللام. قوله: " البذاء " بالذال المعجمة ممدوداً: الفحش في القول، وقيل فيه: بالقصر، وليس بالكثير. /قوله: " عظها " أمر من وعظ يعظ، وأصله أوعظ، فحذفت الواو تبعاً لمضارعه، واستغنى عن الهمزة بحركة العين، فصار " عظ " على وزن " علْ "؛ لأن الساقط منه فاء الفعل. قوله: " فإن يك " أصله: " يكُن " حذفت النون للتخفيف، وهو كثير في كلام العرب. قوله: " ولا تضرب ظعينتك " الظعينة- بفتح الظاء المعجمة، وكسر العين المهملة-: المرأة، سميت بذلك لأنها تظعن مع الزوج، وتنتقل بانتقاله، وأصله الهوادج التي تكون بها، ثم تسمى النساء كذلك، وقيل: لا تسمى إلا المرأة الراكبة، وكثر حتى استعمل في كل امرأة، وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة، ولا يقال ذلك إلا للإبل التي عليها الهوادج. قوله: " كضربك أميتك " الضرب مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله " أميتك "، والأمية تصغير أمة، صغرها لتحقير قدرها بالنسبة إلى الحرة. قوله: " أسبغ الوضوء " أي: أكمله وتممه. قوله: " وخلل بين الأصابع " التخليل: إدخال الشيء في خلال الشيء،

وهو وسطه، والمعنى: أن يُدخل بعض أصابعه في بعض، مبالغة في استيفاء الفرض، والنقول عن مشايخنا في التخليل أنه من الأسفل إلى فوق، لما روي في " شرح مختصر الكرخي " عن أنس: " أنه- عليه السلام- كان إذا توضأ شبك أصابعه، كأنها أسنان المُشط " (1) ، ولكن الحديث بعمومه يتناول أي تخليل كان، ويتناول أيضاً تخليل أصابع اليدين والرجلين. قوله: " وبالغ في الاستنشاق " والمبالغة فيه: أن يتمخط في كل مرة، ويقال: يدخل إصبعه في أنفه، وإنما استثنى حالة الصوم؛ لأنه يخاف عليه دخول الماء من خيشومه إلى حلقه، فيفسد صومه. فإن قيل: " (1) السائل سأل عن الوضوء بقوله: أخبرني عن الوضوء، فظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء، ليطابق الجواب السؤال، ولم يجبه- عليه السلام- إلا عن بعض الوضوء، وهو خارج عن أركانه؟ قلت: اقتصر- عليه السلام- في الجواب على تخليل الأصابع والاستنشاق، لعلمه أنه لم يسأل عن حكم ظاهر الوضوء، وإنما سأله عما يخفى من حكم باطنه، وذلك لأن غسل باطن الأنف غير معقول من نص الكتاب في الآية، ثم أوصاه بتخليل الأصابع؛ لأن آخذ الماء قد يأخذه بجميع الكف، وضم الأصابع بعضها إلى بعض، فيسد ما بينهما، فربما لا يصل الماء إلى باطنها، وكذلك في أصابع الرجل لأنها ربما يركبُ بعضها على بعض حتى تكاد تلتحم، فقدم له الوضاءة بتخليلها، وأكد القول فيها لئلا يغفلها. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا نزل عند أحد ضيفاً ولم يجده في منزله، فالمستحب لأهله أن يطعموه شيئاً، ولا يؤخروه إلى حضور صاحب المنزل. والثانية: يستحب أن يقدم للضيف خيار ما عندهم من المأكول.

_ (1) انظره في معالم السنن (1/47- 48) ، فقد نقل المصنف معظمه، وزاد عليه. 22. شرح سنن أبي داوود 1

والثالثة: يستحب للرجل إذا أتى منزله ووجد فيه ضيفاً يسأل عنه، هل أكل شيئاً؟ والرابعة: يكره للرجل أن يمن على ضيفه، أو يرائي في فعله. والخامسة: يستحب للرجل أن يفارق المرأة الفحاشة. والسادسة: يستحب له أن ينصحها ويعظها من الآيات والحديث. والسابعة: أنه لا يأثم على إمساك امرأة فحاشة؛ لأنه لما قال: " إن لها صحبة، ولي منها ولد "، ما أمره بالطلاق، بل أمره بالوعظ والنصيحة. والثامنة: يفهم من صريح النهي عدم جواز ضرب المرأة، وقد استدل البعض بقوله: " لا تضرب ظعينتك " على عدم جواز ضرب الرجل امرأته، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى أباح ذلك بقوله: (واضْربُوهُن) (1) فله أن يضربها عند الحاجة إليه، وإنما المراد من النهي هاهنا تبريح الضرب، كما تضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهن ويستعمل سوء الملكة فيهم، وتمثيله بضرب المماليك لا يوجب إباحة ضربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعالهم، ونهاه عن الاقتداء بهم، وقد نهى- عليه السلام- عن ضرب المماليك إلا في الحدود،/وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: " من لم يوافقكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله "، وأما ضرب الدواب فمباح؛ لأنها لا تنادى بالكلام، ولا تعقل معاني الخطاب كما يعقل الإنسان، وإنما يكون تقويمها غالباً بالضرب، وقد ضرب رسول الله- عليه السلام- بعيره بمحجنه، ونخس جمل جابر حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى ما ملك رأسه. والتاسعة: يستحب للرجل أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه. والعاشرة: يستحب للعالم أن يجيب عن مسائل الناس ولا يكتم علمه، فإن تعين عليه يحب علي الجواب.

_ (1) سورة النساء: (34) .

الحادية عشر: فيه دليل على أن إسباغ الوضوء سُنّة. الثانية عشر: فيه دليل على أن تخليل الأصابع سُنّة. الثالثة عشر: فيه دليل على أن الاستنشاق سُنة، وقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب بظاهر الأمر، وتخصيصه بالذكر مرتين أفعال الوضوء. قلنا: قد دلت دلائل أخرى على أنه سُنة، فيحمل الأمر هاهنا كذلك ولو كان واجباً لكان على الصائم كهو على المفطر، وأما تخصيصه بالذكر والتحريض عليه، إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة، وتنقية مجرى النفس الذي يكون به التلاوة، وبإزالة ما فيه من الثقل تصح مخارج الحروف. وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه: إذا ترك الاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، وكذلك إذا ترك المضمضة. الرابعة عشر: فيه دليل على أن المبالغة في الاستنشاق في حق الصائم مكروهة، وكذلك المضمضة. الخامسة عشر: فيه دليل على أنه إذا بالغ فيه ذاكرا لصومه، فوصل الماء إلى دماغه فقد أفسد صومه " (1) . 132- ص- وحدثنا عقبة بن مُكْرمٍ قال: نا يحيى بن سعيد قال: نا ابن جريج قال: حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه وافد بني المنتفق: أنه أتى عائشة، فذكر معناه، قال: فلم ينْشبْ (2) أن جاء النبيُ- عليه السلام- يتقلعُ يتكفأ، وقال: " عصيدة " مكان " خزيرة " (3) . ش- عقبة بن مكرم بن أفلح أبو عبد الملك العمي البصري. روى عن: محمد بن جعفر غندر، وربعي ابن عُلية، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبغوي، وغيرهم. مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال الخطيب: وكان ثقة (4) .

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن. (2) في سنن أبي داود: " ننشب " (3) انظر الحديث رقم (131) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3988) .

قوله: " فذكر معناه " أي: معنى الحديث المذكور. واختلف في نقل الحديث بالمعنى، فقالت طائفة من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول: لا يجوز مطلقاً، وجوز بعضهم في غير حديث النبي- عليه السلام- ولم يجوزوا فيه، وعند الجمهور يجوز في الجميع. إذا جزم بأنه أدى المعنى، وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة. قوله: " فلم ينشب " يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي: لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا سواه من نشب الشيء ينشبُ- مثل: علم يعلم- نُشوباً، أي: علق فيه، وأنشبته أنا: أعلقته فانتشب، وأنشب العابد: أعلق، ونشبت الحرب بينهم: علقت، و " أن " في قوله: " أن جاء " مفسرة، مثل قوله تعالى: (فأوْحيْنا (1) إليْه أن اصْنع الفُلك) (2) ، ويجوز أن تكون مصدرية، والمعنى لم يلبث مجيئه. قوله: " يتقلع يتكفأ " حالان إما من الأحوال المتداخلة، أو من الأحوال المترادفة، ومعنى " يتقلع: يمشي بقوة، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قويا، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي الشاء، ويوصفْن به. ومعنى " يتكفأ " يتمايل كما تتمايل السفينة يميناً وشمالاً، كذا فسره بعضهم. وقال الأزهري: " هذا خطأ، وهذه مشية المختال، وإنما معناه: يميل إلى جهة ممشاه ومقصده، وقد يكون مذموماً إذا قُصد، فأما إذا كان خلْقة فلا ". وقال ابن الأثير (3) : " روي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزاً، ومعنى " يتكفأ ": يتمايل إلى قُدام ". 133- ص- ونا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا أبو عاصم قال: نا ابن جريج بهذا الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " (4) .

_ (1) في الأصل: " وأوحينا ". (2) سورة المؤمنون: (27) . (3) النهاية (4/183) . (4) انظر الحديث رقم (131) .

49- باب: تخليل اللحية

ش- محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله النيسابوري الإمام، وأبو عاصم النبيل، وعبد الملك بن جريج. قوله: " بهذا الحديث " إشارة إلى الحديث الذي سبق. /قوله: " قال فيه " أي: في هذا الحديث. وأخرجه الترمذي في الطهارة، وفي الصوم مختصراً، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الطهارة، والوليمة مختصرا وأخرجه ابن ماجه في الطهارة مختصرا. *** 49- باب: تخليل اللحية أي: هذا باب في بيان حكم تخليل اللحية. 134- ص- حدثنا أبو توبة- يعني: الربيع بن نافع- قال: نا أبو المليح، عن الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا توضأ اخذ كفا من ماء فأدخلهُ تحت حنكه، فخلّل به لحْيته، فقال: هكذا أمرني ربي عزّ وجلّ " (1) .ً ش- أبو المليح المدني، روى عن أبي صالح، روى عنه وكيع، روى له أبو داود (2) . والوليد بن زوران السلمي الرقي. روى عن: أنس بن مالك، وميمون بن مهران روى عنه: أبو المليح الرقي، وحجاج بن الحجاج، وجعفر بن برقان. روى له أبو داود (3) . قوله: " تحت حنكه " الحنك: ما تحت الذقن من الأسنان وغيره. وبهذا استدل أبو يوسف من أصحابنا أن تخليل اللحية سُنة. " (4) وروى أيضاً

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1255) . (3) المصدر السابق (31/6704) . (4) انظره كاملاً في نصب الراية (1/23- 26)

أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: حدثنا وكيع، ثنا الهيثم بن جماز، عن يزيد بن أبان، عن أنس: أن النبي- عليه السلام- قال: " أتاني جبريلُ فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك ". ورواه ابن عدي في " الكامل "، ولفظه: " جاءني جبريلُ فقال: يا محمد، خلل لحيتك بالماء عند الطهور " (1) . وروى تخليل اللحية عن النبي- عليه السلام- من الصحابة: عثمان، وأنس، وعمار، وابن عباس، وأبو أيوب، وابن عمر، وأبو أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وكعب بن عمرو، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأم سلمة. أما حديث عثمان فما رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث عامر بن شقيق الأسدي، عن أبي وائل، عن عثمان: " أن رسول الله- عليه السلام- كان يخلل لحيته " وقال الترمذي: " إنه- عليه السلام- توضأ وخلل لحيته "، وقال: حديث حسن صحيح. وقال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل، عن عثمان- رضي الله عنه-. ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه "، وقال: صحيح الإسناد (2) . وأما حديث أنس- رضي الله عنه- فما رواه أبو داود. وأما حديث عمار بن ياسر فما رواه الترمذي وابن ماجه: حدثنا محمد ابن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حسان بن بلال، عن عمار بن ياسر قال: " رأيتُ رسول الله- عليه السلام- يخلل لحيته " (3) . وأما حديث ابن عباس فما رواه الطبراني في " معجمه الوسط ":

_ (1) الكامل (8/396، ترجمة الهيثم بن جماز) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل اللحية (31) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل اللحية (430) ، الحاكم (1/149) . (3) الترمذي (29) ، ابن ماجه (429) .

حدثنا أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا نافع أبو هرمز، عن عطاء، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله وهو يتوضأ، فغسل يديه، ومضمض، واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وخلل لحيته ... " الحديث (1) . وأما حديث أبي أيوب الأنصاري فرواه ابن ماجه من حديث واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب قال: " رأيت رسول الله توضأ فخلل لحيته " (2) . وأما حديث ابن عمر فرواه ابن ماجه أيضاً: حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، ثنا عبد الواحد بن قيس، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: " كان رسول الله إذا توضأ عرك عارضته بعض العرْك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها " (3) . وأما حديث أبي أمامة فرواه الطبراني في " معجمه "، وابن أبي شيبة في " مصنفه ". وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فرواه الطبراني أيضاً. وأما حديث أبي الدرداد فرواه الطبراني أيضاً. وأما حديث كعب بن عمرو فرواه الطبراني أيضاً. وأما حديث أبي بكرة فرواه البزار في " مسنده ". وأما حديث عائشة فرواه الحاكم في " المستدرك " وأحمد في " مسنده ". وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في " الكامل " (4) . وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني في " معجمه "، وكلها مدخولة وأمثلها حديث عثمان كما ذكرنا. وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل ": سمعت أبي يقول: لا يثبت في تخليل اللحية حديث " (5) . ولأجل هذا قال أبو حنيفة: تخليل اللحية فضيلة وليست بسُنة، وبه قال محمد. (1) العجم الأوسط (2/2277) . (2) ابن ماجه (433) . (3) ابن ماجه (432) . (4) الكامل (2/89، ترجمة أصرم بن غياث) . (5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

50- باب: المسح على العمامة

ص- قال أبو داود: الوليد بن زوران روى عنه الحجاج بن الحجاج، وأبو المليح الرقي. ش- هذه ليست بموجودة في النسخ الصحيحة، وحجاج بن الحجاج الأحول البصري الباهلي. *** /50- باب: المسح على العمامة أي: هذا باب في بيان المسح على العمامة. 135- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: " بعث رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) سريةً فأصابهُمُ البردُ، فلما قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم أن يمْسحُوا على العصائب والتساخين " (2) . ش- يحيى بن سعيد القطان، وثور بن يزيد قد ذُكرا. وراشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحُبْراني. سمع: معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين، وثوبان مولى رسول الله- عليه السلام-، ويعلى بن مرة، وأبا أمامة الباهلي. روى عن: أنس بن مالك، وعمرو ابن العاص، وغيرهما من الصحابة والتابعين. روى عنه: ثور بن يزيد، وحريز بن عثمان، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وثوبان بن بُجدد مولى النبي- عليه السلام- قد ذكر. قوله: " سرية " السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تبعث إلى العدو، وجمعها: " السرايا "، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة

_ (1) في الأصل: " عليه وسلم ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1826) .

العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية، وهذا ليس بشيء لأن لام السر " راء "، وهذه "ياء". قوله: " على العصائب " العصائب: العمائم، سميت بذلك لأن الرأس يعصب بها، وكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة فهو عصابة. قوله: " والتساخين " (1) التساخين: الخفاف، ويقال: أصل ذلك: كل ما تسخن به القدم من خُف وجورب ونحوهما، ولا واحد للتساخين من لفظها، وقيل: واحدها: تسْخان، وتسخن، وتسخن، والياء فيها زائدة. وذكر حمزة الأصفهاني (2) أن التّسخان فارسي معرب " تثْكن "، وهو اسم غطاء من أغطية الرأس، كان العلماء والموابذةُ يأخذونه على رؤوسهم خاصة دون غيرهم. وقال: من تعاطى تفسيره هو الخفُ لم يعرف فارسيته " (3) . " (4) وقد اختلف أهل العلم في المسح على العمامة، فذهب إلى جوازه جماعة من السلف. وقال به من فقهاء الأمصار: الأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود. وقال أحمد: قد جاء ذلك عن النبي- عليه السلام- من خمسة أوجه، وشرط من جوّز المسح على العمامة أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على الخفين. وروي عن طاوس أنه قال: " لا يمسح على العمامة التي تجعل تحت الذقن، وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء، وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر عل مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته عن رأسه

_ (1) انظر: النهاية في غريب الحديث (2/352) . (2) في الأصل: " الأصهاني "، وهو صاحب كتاب الموازنة. (3) إلى هنا انتهى النقل من النهاية. (4) انظر: معالم السنن (1/49) .

ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة (1) كالمفسر له، وهو أنه وصف وضوءه ثم قال: " ومسح بناصيته وعلى عمامته " فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب في مسح الرأس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعاً له، كما روي: أنه مسح أسفل الخف وأعلاه، ثم كان مسح الواجب (2) في ذلك مسح أعلاه، وصار مسح أسفله كالتبع له، والأصل: أن الله فرض المسح، وحديث ثوبان محتمل للتأويل، فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل، ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد؛ لأن الخفّ يُشق خلعه ونزعه، ونزع العمامة لا يشق " (3) . وهنا جواب آخر: أنه يجوز أن يكون هذا من قبيل ذكر الحال، وإرادة المحل، ذكر العصائب وأراد ما تحويه العصائب مجازاً. 136- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أنس بن مالك قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ وعليه عمامةٌ قطريةٌ، فادخل يده من تحت العمامة، فمسح مُقدم رأسه، ولم ينقض العمامة " (4) . ش- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري يعرف بابن الطبري، كان أبوه من أهل طبرستان من الجند، وكان أحد الحُفاظ المبرزين، والأئمة المذكورين. سمع: ابن عيينة، وعبد الله بن وهب، وإبراهيم بن الحجاج، وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، والبخاري، والترمذي، وأبو داود، وأبو زرعة، وغيرهم. وقال البخاري: ثقة صدوق. توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين/ومائتين (5) . وعبد العزيز بن مسلم: أبو زيد القسْملي مولاهم الخُراساني المرْوزي،

_ (1) يأتي برقم (139) . (2) في معالم السنن: " ثم كان الواجب ". (3) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن. (4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على العمامة (564) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/49) .

51- باب: غسل الرجل

أخو المغيرة السراج، سكن البصرة، وقيل: نزل القسامل فنسب إليهم. روى عن: عبد الله بن دينار، وأبي إسحاق الهمداني، وحصين بن عبد الرحمن، والربيع بن أنس، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: مسلم بن إبراهيم، و [أبو] الوليد الطيالسي، وداود بن بلال، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وكان من الأبدال. روى له الجماعة إلا ابن ماجه (1) . وأبو معقل روى عن أنس بن مالك، روى عنه عبد العزيز بن مسلم القسملي، روى له أبو داود، وابن ماجه (2) . قوله: " عمامة قطرية " هي ثياب حُمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، منسوبة إلى قطر، موضع بين عمان وسيف البحر، وعن الأزهري: وقيل: هي حلل جياد تُحمل من البحرين، القطر- بفتح القاف والطاء-: قرية في بلاد البحرين. وقال ابن الأثير: " وأحسن الثياب القطرية نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة وخففوا ". قوله: " فمسح مُقدم رأسه " بضم الميم، وفتح الدال المشددة، ويجوز ضم الميم وكسر الدال المخففة. *** 51- باب: غسل الرجل (3) أي: هذا باب في بيان غسل الرجل. 137- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن المستورد بن شداد قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا توضأ يدْلُكُ أصابع رجليه بخنْصره " (4) .

_ (1) المصدر السابق له 1/3473) . (2) المصدر السابق (34/7641) . (3) في سنن أبي داود: " الرجلين ". (4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل الأصابع (40) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: تخليل الأصابع (446) .

ش- ابن لهيعة هو: عبد الله بن لهيعة بن عُقبة بن فُرعان الحضرمي الأعدُولي من أنفسهم، ويقال: الغافقي المصري قاضي مصر أبو عبد الرحمن. سمع: الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، ويزيد بن عمرو، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. توفي سنة أربع وسبعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . ولهيعة بفتح اللام، وكسر الهاء. ويزيد بن عمرو المعافري المصري. روى عن: أبي عبد الرحمن الحُبُلي، وشُفى بن ماتع الأصْبحي. روى عنه: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعبد الله بن لهيعة. قال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وأبو عبد الرحمن اسمه: عبد الله بن يزيد الحُبُلي المعافري. سمع: ابن عمرو بن العاص، وابن عمر، والمستورد، وغيرهم. روى عنه: يزيد بن عمرو، وعقبة بن مسلم، وأبو هانئ الخولاني، وغيرهم. توفى بإفريقية سنة مائة. روى له الجماعة (3) . والحُبُلي بضم الحاء المهملة والباء الموحدة. والمستورد بن شداد بن عمرو الفهري القرشي. روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعة أحاديث، سكن الكوفة. روى عنه الكوفيون والمصريون، روى له مسلم حديثين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . قوله: " يدلك أصابعه " من دلكت الشيء بيدي أدلكه دلكاً. وفيه دليل

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3513) . (2) المصدر السابق (32/7032) . (3) المصدر السابق (16/3663) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/482) ، وأسد الغابة (5/154) ، والإصابة (3/407) .

52- باب: المسح على الخفين

على أن الدلك سُنة، ودليل أن الرجل مغسول، ولهذا بوب أبو داود بقوله: " باب غسل الرجل ". وكان الأولى أن يبوب بقوله: " باب دلك الرجل في الوضوء ". وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. *** 52- باب: المسح على الخفين أي: هذا باب في بيان المسح على الخفين، إنما قدم أبواب المسح على الخفين على أبواب الغسل؛ لأن المسح من توابع الوضوء، وقدمها على أبواب التيمم؛ لأن التيمم خلفٌ عن الكل، والمسح خلفٌ عن الجزء، والجزء مقدم على الكل، مع أنه لا يراعي المناسبة بين أبواب الكتاب، ولا كُتبه. 138- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد: أن عروة ابن المغيرة بن شعبة أخبره: أن أباه المغيرة بن شعبة يقول: " عدل رسولُ الله وأنا معهُ في غزوة تبوك قبل الفجر، فعدلتُ معهُ، فأناخ النبيُّ- عليه السلام- فتبرّز ثم جاء، فًسكبتُ على يده من الإداوة، فغسل كفيْه، ثم غسل وجْههُ، ثم حسر/عن ذراعيه فضاق كُما جُبته، فأدخل يديه فأخرجهُما من تحت الجُبة، فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خُفيه، ثم ركب، فأقبلنا نسيرُ حتى نجد الناس في الصلا قد قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلّى بهم حين كان وقتُ الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن قدْ ركع بهم ركعةً من صلاة الفجر، فقام رسولُ الله فصف مع المسلمين، فصلّى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبدُ الرحمن، فقام النبيُ- عليه السلام- في صلاته، ففزع المسلمون، فأكثرُوا التسبيح؛ لأنهم

سبقُوا النبيّ- عليه السلام- بالصلاة، فلما سلم رسولُ الله قال لهم: قدْ أصبتُم أو قد أحْسنتُم " (1) . ش- يونس بن يزيد بن أبي النجاد- بالنون- الأيليُ القرشي، مولى معاوية بن أبي سفيان، وهو أخو أبي علي. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، والزهري، ونافع، وغيرهم. روى عنه: هشام بن عروة، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (2) . وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري. وعباد بن زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي. روى عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة. روى عنه: الزهري. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . وعروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي أبو يعقوب الكوفي، كان والياً عليها. سمع أباه. روى عنه: الشعبي، وعباد بن زياد، ونافع بن جُبير، وبكر ابن عبد الله المزني، وغيرهم. روى له الجماعة (4) . قوله: " عدل رسولُ الله " أي: مال عن الطريق لقضاء حاجته. قوله: " وأنا معه " جملة وقعت حالاً. وقوله: " في غزوة تبوك " أيضاً حال.

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه (182) ، وكتاب الوضوء، باب: المسح على الخفين (203) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (274) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: صب الخادم الماء على الرجل للوضوء (1/62) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين (545) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7188) . (3) المصدر السابق (14/3078) . (4) المصدر السابق (20/3913) .

قوله: " فأناخ النبي- عليه السلام- " أي: برك ناقته، وحذفُ المفعول كثير في الكلام. قوله: " فتبرز " كناية عن قضاء الحاجة، وقد ذكرناه. قوله: " من الإداوة " بكسر الهمزة، وهي آنية الماء كالمطهرة. قوله: " ثم حسر عن ذراعيه " بالحاء والسن المهملتين، أي: كشف، من باب ضرب يضرب. قوله: " فضاق كُما جبته " الجبة بتشديد الباء: التي تلبس، وجمعها " جباب ". قوله: " ثم توضأ على خفيه " أي: مسح عليهما من باب إطلاق اسم الكل على الجزء. قوله: " نسير " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في " أقبلنا "، والمعنى: أقبلنا سائرين. قوله: " قد قدموا عبد الرحمن " جملة وقعت حالاً من " الناس "، وقد عُرف أن الماضي المثبت إذا وقع حالاً لابد فيه من " قد " ظاهرة أو مضمرة. قوله: " وقد ركع " حال أيضاً من " عبد الرحمن " قوله: " فصف مع المسلمين " أي: دخل في صفهم، وصلى وراءه الركعة الثانية، وقد سُبق الركعة الأولى. فإن قيل: كيف قام عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبو بكر حتى يتقدم النبي- عليه السلام-؟ قلنا: إن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي- عليه السلام- التقدم لئلا يختل ترتيب الصلاة في حق القوم، بخلاف قصة أبي بكر الصّديق- رضي الله عنه-.

قوله: " قد أصبتم " أي: في مبادرتكم إلى الطاعة، أو في إكثارهم التسبيح. قوله: " أو قد أحسنتم " شك من الراوي. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: " (1) الأولى: أن الرجل إذا أراد أن يقضي حاجته يعتزل الناس، فإن كان في السفر لا يقعد على الطريق. الثانية: فيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد جاء في أحاديث- ليست ثابتة- النهي عن الاستعانة، وقد ثبت من حديث أسامة ابن زيد: " أنه صب على النبي- عليه السلام- في وضوئه حين انصرف من عرفة ". الثالثة: فيه دليل على جواز استخدام الكبير الصغير في القدر أو السن. الرابعة: فيه دليل على استحباب لبس الأكمام الضيقة. الخامسة: فيه دليل على عدم كراهة الوضوء من تحت قماشة. السادسة: فيه دليل على جواز المسح على الخفين. السابعة: فيه دليل على جواز تقديم المفضول في الإمامة مع وجود الفاضل. الثامنة: فيه دليل على جواز صلاة النبي- عليه السلام- وراء بعض أمته. التاسعة: فيه بيان حال المسبوق،/وأنه يصلي مع الإمام ما أدركه، ثم يقوم ويصلي ما بقي عليه ويقرأ؛ لأنه فيما سبق كالمنفرد، بخلاف اللاحق فإنه خلف الإمام حكماً ". وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه مطولاً ومختصراً.

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/172- 173) .

139- ص- حدّثنا مسدد قال: نا المعتمر (1) ، عن التيمي قال: نا بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح ناصيتهُ وذكر فوق العمامة " قال عن المعتمر: سمعت، أبي يحدث عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: " أن نبيّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسحُ على الخُفّين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته ". قال بكر: وقد سمعتُه من ابن المغيرة (2) . ش- المعتمر بن سليمان بن طرخان، وقد ذكرناه. ووالده سليمان التيمي لم يكن من بني تيم، وإنما نزل فيهم. سمع: أنساً، وثابتاً، وقتادة، وبكراً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، وابن عيينة، وابنه معتمر بن سليمان، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. وكان مائلاً إلى علي بن أبي طالب. قال أحمد: هو ثقة. وكذا قال ابن معين. توفي بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. روى له الجماعة (3) . وبكر هو ابن عبد الله بن عمرو المزني، وقد ذكر. والحسن هو البصري. وابن (4) المغيرة هو عروة بن المغيرة. وقال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأُخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة. والحديث مروي عنهما جميعاً، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة بن المغيرة. قوله: " ومسح ناصيته " الناصية: مقدم الرأس.

_ (1) في سنن أبي داود: " حدثنا مسدد، حدثنا يحيى- يعني: ابن سعيد- ح، وحدثنا مسدد، حدثنا المعتمر ". (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2531) . (4) المصدر السابق (34/475) . 23* شرح سنن أبي داوود 1

قوله: " وذكر فوق العمامة " أي: ذكر مسدد عن المعتمر فوق العمامة، يعني: مسح على ناصيته، وعلى عمامته، وبين ذلك بقوله: " قال " أي: مسدد عن المعتمر، سمعتُ أبي- وهو سليمان- يحدث عن بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن البصري، عن ابن المغيرة- إما عروة وإما حمزة على الاختلاف- عن المغيرة بن شعبة: " أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسمحُ على الخُفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته ". وقد استدل به أبو حنيفة: أن فرض المسح هو ربع الرأس؛ لأن الناصية هو الربع. وقال الشيخ محيي الدين النووي: " هذا مما احتج به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي، ولا يشترط الجميع " (1) . قلت: هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن الفرض عندهم أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح، وهاهنا قد نص على الناصية، وهو ربع الرأس، واستدلت الشافعية بقوله: " وعلى عمامته " على استحباب تتميم المسح بالعمامة، لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق عندهم بين أن يكون لبس العمامة على طُهْرٍ أو على حدثٍ، وكذا لو كان على رأسه قلنسوة، ولم ينزعها ومسح بناصيته، يستحب أن يتمم على القلنسوة كالعمامة، ولو اقتصر على العمامة ولم يمسح من الرأس شيئاً لم يجزئه ذلك عندهم، ولا عندنا، ولا عند مالك، وهو مذهب أكثر العلماء، وذهب أحمد إلى جواز الاقتصار، ووافقه على ذلك جماعة من السلف. 140- ص- حدّثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس قال: حدّثني أبي، عن الشعبي قال: سمعتُ عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه قال: " كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركبة ومعي إداوة، فخرج لحاجته، ثم أقبل فتلقيتُهُ بالإداوة، فأفرغتُ عليه، ً فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أنْ يخرج ذراعيه وعليه جُبة من صُوفٍ من جباب الروم ضيقة الكمين، فضاقتْ فادرعهُما

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/172) .

أدراعاً، ثم أهويتُ إلى الخفين لأنزعهُما فقال (1) : دع الخفين، فإني أدخلتُ القدمين الخفين وهما طاهرتان، فمسح عليهما " (2) . قال أبي: قال الشعبي: شهد لي عروةُ على أبيه، وشهد أبوه على رسول الله- عليه السلام-. ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قد ذكر. ويونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي أبو إسرائيل الكوفي. روى عن: أنس بن مالك، والشعبي، وناجية بن كعب، وجُريّ النهدي، وعبد الله بن أبي السفر./روى عنه: الثوري، ويحيى، القطان، ووكيع، وأبو نعيم، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أحمد: حديثه مضطرب. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً إلا أنه لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة (3) . قوله: " في ركبة " الركبة- بفتح الراء والكاف-: أقل من الركب، والركب جمع " راكب "، وفي بعض الرواية: " في غزوة ". قوله: " فتلقيته " أي: استقبلته. قوله: " فادّرعهما " معناه: نزع ذراعيه عن الكمين، فأخرجهما من تحت الجبة، ووزنه " افتعل " من ذرع إذا مد ذراعيه، ويجوز بالدال والذال معاً كما يقال في " ادكر " و " ذرع " لما نقل إلى باب الافتعال صار " اذْترع " فقلبت التاءُ ذالاً، وأدغمت الذال في الذال، فصار: " اذّرع ".

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال لي "، و " لي " غير موجودة في " معالم السنن " كذلك. (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان (206) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (274) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: صب الخادم الماء على الرجل للوضوء (79) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في المسح على الخفين (545) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7170) .

قوله: " ثم أهويت " من أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه، وأمالها إليه، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء ليأخذه. قوله: " فإني أدخلت القدمين الخفين " كلاهما منصوبان على المفعولية. وقوله: " وهما طاهرتان " حال من القدمين. وفيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلا أن يُلبسا على كمال الطهارة، وهذا بالإجماع، ولكن كمال الطهارة شرط وقت اللُبس أو وقت الحدث؟ فعند أصحابنا: وقت الحدث، حتى لو غسل رجليه، ولبس خفيه، ثم أكمل الطهارة، ثم أحدث يُجزئه المسح. وبه قال الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وأبو ثور، وداود. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يجوز؛ لأن كمال الطهارة شرط عندهم وقت اللُّبس. وقال الخطابي في تعليل هذه المسألة (1) : " وذلك أنه جعل طهارة القدمين معاً قبل لُبس الخفين شرطاً لجواز المسح عليهما، وعلة لذلك، والحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه ". قلت: سلمنا أن الحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه، ولكن لا نسلم أنه- عليه السلام- شرط كمال الطهارة وقت اللّبس؛ لأنه لا يفهم من نص الحديث، غاية ما في الباب [أنه] أخبر أنه لبسهما وقدماهُ كانتا طاهرتين، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز المسح، سواء كانت الطهارة حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة. وأخرجه البخاري ومسلم مختصراً ومطولاً. 141- ص- حدثنا هدبةُ بن خالد قال: نا همام، عن قتادة، عن الحسن، وعن زرارة بن أوفى، أن المغيرة بن شعبة قال: " تخلف رسولُ الله " فذكر هذه القصة، قال: " فأتينا الناس وعبدُ الرحمن بن عوف يُصلّي بهم الصبح، فلما رأى النبي- عليه السلام- أراد أن يتأخر فأومأ إليه أنْ يمْضي. قال:

_ (1) معالم السنن (1/50) .

وصليتُ أنا والنبيُ- عليه السلام- خلفهُ ركعةً، فلما سلم قام النبيُ- عليه السلام- فصفى الركعة التي سُبق بها، ولم يزدْ عليها [شيئاً] (1) " (2) . ش- هُدبة بن خالد بن الأسود بن هُدبة القيسي، ويقال له: الثوباني؛ لأنه من بني قيس بن ثوبان، أبو خالد البصري. سمع: الحمادين، وسليمان بن المغيرة، وهمام بن يحيى، وسلام بن مسكين، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وجماعة آخرون. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (3) . وهمام هو ابن يحيى بن دينار العوذي، وقد ذكرناه. قو له: " تخلف " أي: تأخر. قوله: " هذه القصة " القصة: الأمر والحديث، وقد اقتصصت، الحديث: رويته على وجهه، وقد قص عليه الخبر قصصاً، والاسم أيضاً: القصص- بالفتح- وُضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص- بكسر القاف- جمع القصة التي تكتب. قوله: " فأومأ إليه أن يمضي " أي: أشار إليه أن يمضي في صلاته فيتمها، وذلك كما قلنا خوفاً من نقص ترتيب الصلاة؛ لأنه قد كان صلى بهم الركعة. ص- قال أبو داود: أبو سعيد الخُدْري، وابن الزبير، وابن عمر يقولون: " من أدرك الفرد من الصلاة، عليه سجدةُ السهو ". ش- " أبو سعيد " مبتدأ وما بعده عطف عليه، وخبره: " يقولون " إنما قالوا ذلك لاحتمال أن يكون على الإمام سهو. وفي " مصنف ابن أبي شيبة ": حدثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي سعيد، وابن عمر، وابن الزبير قالوا: " إذا فاته بعضُ الصلاة قام فقضى، وسجد سجدتين ".

_ (1) غير موجود في سنن أبي داود. (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6553) .

وفي " المصنف ": نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي سعيد وابن عمر وابن الزبير: " في الرجل يدخل مع الإمام وقد فاته بعضُ الصلاة؟ قال: يصنع كما يصنع الإمامُ، فإذا قضى الإمامُ صلاته، قام يقضي، وسجد سجدتين ". 142- ص- حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: نا شعبة، عن (1) أبي بكر- يعني: ابن حفص بن عمر بن سعد- سمع أبا عبد الله، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسألُ بلالا عن وُضوءٍ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " كان يخرجُ فيقضي (2) حاجتهُ، فآتيه بالماء فيتوضأ، فيمسحُ 32) على عمامته ومُوقيْه " (4) . قال أبو داود: هذا (5) أبو عبد الله، هو مولى بني تيم بن مرة ش- عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن حسّان بن نصر بن حسان أبو عمرو البصري، أخو المثنى. سمع أباه، والمعتمر بن سليمان. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال أبو حاتم: هو ثقة. مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (6) . ومعاذ بن معاذ المذكور قاضي البصرة. سمع: سليمان التيمي، وابن عون، وشعبة، وحميداً (7) الطويل، وغيرهم. روى عنه: ابناه عبيد الله والمثنى، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المديني، وخلق سواهم. وقال أحمد: هو قرة العين، إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. ولد سنة تسع عشرة ومائة، وتوفي بالبصرة سنة ست وتسعين ومائة. روى له الجماعة (8) .

_ (1) في سنن أبي داود: " حدثنا " (2) في سنن أبي داود: " يقضي ". (3) في سنن أبي داود: " ويمسح " (4) تفرد به أبو داود. (5) في سنن أبي داود: " هو ". (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/3685) . (7) في الأصل: " حميد ". (8) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6036) .

وأبو بكر اسمه: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص أبو بكر بن حفص. روى عن: عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن حنين. روى عنه: سعيد (1) بن أبي بردة، وابن جريج، وشعبة، ومحمد بن سوقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (2) . وأبو عبد الله مولى بني تيم بن مرة. روى عن أبي عبد الرحمن، روى عنه أبو بكر بن حفص بن عمر، روى له أبو داود (3) وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب بن رُبيّعة- بضم الراء، وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء- أبو عبد الرحمن الكوفي السُّلمي، أخو خرشة، لأبيه صحبة سمع: عثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان. روى عنه: سعيد بن جبير، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. مات سنة اثنتين وتسعين، وله تسعون سنة. روى له الجماعة (4) وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو محمد، شهد بدراً والمشاهد كلها. روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة وستون حديثاً، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس بن مالك، وبنوه: إبراهيم وحميد ومصعب بنو عبد الرحمن، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث، ومالك ابن أوس، وغيرهم. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودُفن بالبقيع. روى له الجماعة (5) .

_ (1) في الأصل: " سعد " خطأ. (2) المصدر السابق (14/3228) . (3) المصدر السابق (34/7478) . (4) المصدر السابق (14/3222) . (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/393) ، وأسد الغابة (3/480) ، والإصابة (2/416) .

وبلال ابن حمامة، وحمامة أمّه، كانت مولاة لبعض بني جمح، وأبوه رباح القرشي التيمي، يكنى أبا عبد الله، ويقال: أبا عمرو، ويقال: أبا عبد الكريم، شهد بدراً والمشاهد كلها. رُوي له عن رسول الله أربعة وأربعون حديثاً، اتفقا. على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديثين غير مسندين. روى عنه: أبو بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، وأسامة ابن زيد، وكعب بن عجرة، والأسود بن يزيد النخعي، وأبو إدريس الخولاني، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. توفي بدمشق سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين، وهو ابن بضع وستين سنة، ودفن بباب الصغير، وقيل: باب كيسان، وقيل: مات بداريّا بكورة دمشق، وحُمل إلى دمشق على رقاب الرجال، ودفن بباب كيسان، وقيل: مات بحلب ودفن بباب الأربعين. روى له الجماعة (1) . قوله: " وموقيه " المُوق: الخف، فارسي مُعرب. وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، وهو الذي يقال له: الجرموق. وقال الخطابي (2) : " الموق: نوع من الخفاف معروف، وساقه إلى القصر ". وبه احتج أصحابنا: أن المسح على الموقين جائز خلافاً للشافعي، ومالك في الأشهر. وبقولنا قال أحمد والمزني، واحتج به أحمد أيضاً على جواز المسح على العمامة. وقد قلنا: إن المراد به مسح ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوله بعض أصحابنا أن بلالاً- رضي الله عنه- كان بعيداً عن النبي- عليه السلام-، فمسح النبي- عليه السلام- على رأسه، ولم يضع/العمامة من رأسه، فظن بلال أنه مسح على العمامة. 143- ص- حدّثنا علي بن الحسين الدرهميّ قال: ثنا ابن داود، عن بُكير بن عامر، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: " أنّ جريرا بال، ثم توضأ فمسح على الخُفين. قال: ما يمنعُني أن أمسح وقد رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/141) ، وأسد الغابة (1/242- 243) ، والإصابة (1/165) . (2) معالم السنن (1/51) .

يمسحُ؟ قالوا: إنما كان ذلك قبل نُزول المائدة؟ قال: ما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة " (1) . ش- عليّ بن الحسين بن مطر الدرهمي. روى عن ابن أبي عدي، ومعتمر بن سليمان، وعبد الله بن داود، والفضل بن العلاء، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: ثقة، وأبو حاتم وقال: صدوق. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين (2) . وابن داود هو عبد الله بن داود الخُريْبي، وقد ذُكر. وبكير بن عامر البجلي أبو إسماعيل الكوفي. روى عن: قيس بن أبي حازم، وأبي زرعة، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وعبد الرحمن ابن الأسود. روى عنه: الثوري، ووكيع، وأبو نعيم. قال أحمد: ليس بقوي. وقالا بن معين: ضعيف. وفي رواية: لا شيء. روى له: مسلم، وأبو داود (3) . وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو، قد ذكر. وجرير بن عبد الله بن جابر البجلي أبو عمرو، نزل الكوفة، ثم تحول [إلى] قرْقيسيا، وبها مات سنة إحدى وخمسين. رُوي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بستة. روى عنه: أنس بن مالك، وزيد بن وهب الجهني،

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في الخفاف (387) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (272) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في المسح على الخفين (93) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (1/81) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين (543) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4051) . (3) المصدر السابق (4/764) .

وهمام بن الحارث النخعي، وابنه المنذر بن جرير، وابن ابنه أبو زرعة المذكور. روى له الجماعة (1) . قوله: " إنما كان ذلك " أي: مسح النبي- عليه السلام- على خفيه. قوله: " قبل نزول المائدة " أي: قبل نزول سورة المائدة. قوله: " قال " أي: قال جرير: " ما أسلمت إلا بعد نزول سورة المائدة ". والمعنى: أن الله تعالى قال في سورة المائدة: (فاغْسلُوا وُجُوهكُمْ وأيْديكُمْ إلى المرافق) الآية (2) . فلو كان إسلام جرير متقدماً على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخاً بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخراً، علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مُبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخُّف، فتكون السُنّة مخصصة للآية. وفي " سنن البيهقي " (3) : عن إبراهيم بن أدهم: قال: " ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير- رضي الله عنه- ". وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث همام بن الحارث النخعي، عن جرير، ولفظ البخاري: " بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل فقال: رأيتُ رسول الله- عليه السلام- صنع مثل هذا ". قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وفي لفظ للبخاري في الصلاة: " لأن جريراً كان آخر من أسلم ". ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " وقال: صحيح (4) . وقال في " الإمام " (5) : وقد ورد مؤرخاً بحجة الوداع،

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/232) ، وأسد الغابة (1/333) ، والإصابة (1/232) . (2) سورة المائدة: (6) (3) (1/274) . (4) (1/169) . (5) انظره في: نصب الراية (1/163) .

رواه الطبراني في " معجمة الوسط " عن محمد بن نوح بن حرب، عن شيبان بن فروخ، عن حرب بن سُريج، عن خالد الحذاء، عن محمد ابن سيرين، عن جرير بن عبد الله البجلي: " أنه كان مع رسول الله في حجة الوداع، فذهب عليه السلام يتبرز، فرجع فتوضأ ومسح على خفيه " (1) . 144- ص- حدّثنا مسدد وأحمد بن أبي شعيب الحراني قالا: ثنا وكيع، قال: نادلهمُ بن صالح، عن حُجير بن عبد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنّ النجاشي أهدى إلى النبيّ- عليه السلام- خُفين أسودين ساذجين، فلبسهُما، ثم توضأ ومسح عليهما " (2) . ش- أحمد بن أبي شعيب قد ذكر ودلْهمُ بن صالح الكندي الكوفي سمع عطاء، والضحاك بن مزاحم، والشعبي، وحُجير بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى. قال ابن معين: ضعيف. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وحُجير بن عبد الله الكندي، روى عن ابن بريدة، عن أبيه " أهدى النجاشيُّ ". روى عنه دلْهمُ بن صالح. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . وابن بريدة اسمه: عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، قاضي مرو. سمع: أباه، وعبد الله بن عباس، وأبا هريرة، وعمران ابن حصين، وأبا موسى الأشعري،/وعبد الله بن المغفل، والمغيرة بن

_ (1) المعجم الأوسط (7/7143) . (2) الترمذي: كتاب الأدب، باب: ما جاء في الخف الأسود (2820) ، وكتاب الشمائل (69) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين (549) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1803) . (4) المصدر السابق (5/1139) .

شعبة، وسمرة بن جندب، ومعاوية، وعائشة. روى عنه: حسين بن ذكوان، وحسين بن واقد، ومالك بن مغْولٍ، والشعبي، وغيرهم قال أحمد: هو وأخوه سليمان ثقتان، ولدا في بطن واحد. روى له الجماعة (1) . وأبوه بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث أبو سهل، أو أبو عبد الله، أو أبو الحصيب. رُوي له عن رسول الله مائة حديث وأربعة وستون حديثاً، اتفقا منها على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بأحد عشر. سكن المدينة ثم انتقل إلى البصرة، ثم انتقل إلى مرو، ومات بها سنة اثنتين وستين، ودفن بالجُصين- بالجيم والصاد المهملة، وفي آخره نون-: مقبرة بمرو، وهو آخر من مات من أصحاب النبي- عليه السلام- بخراسان. روى عنه: ابناه: عبد الله وسليمان، وأبو المليح بن أسامة، أسلم قبل بدر ولم يشهدها. روى له الجماعة (2) . قوله: " إن النجاشي ": بفتح النون وكسرها، ذكرهما ابن دحية، واسمه: أصحمة (3) بن أبحر، وقال مقاتل: مكحول بن صيصة من النجش، وهو كشفك الشيء وبحثك عنه، وفي بعض الروايات اسمه: مصحمة، ويُقال: أصحم، وهو بالعربية: عطية (4) ، وكل من ملك الحبشة يسمى النجاشي، كما أن كل من ملك الشام والجزيرة مع بلاد الروم يسمى قيصر، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى (5) ، وكل من ملك مصر كافراً يسمى فرعون (6) ، وكل من ملك الإسكندرية يسمى

_ (1) المصدر السابق (14/3179) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/173) ، وأسد الغابة (1/209) ، والإصابة (1/146) . (3) " أصحمة " بوزن " أربعة " بحاء مهملة، وقيل: خاء معجمة. (4) انظر ترجمته في: أسد الغابة (1/119) ، والإصابة (1/109) . (5) في الأصل: " قيصر " خطأ. (6) وقيل: كل من ملك القبط يسمى فرعون، وكل من ملك مصر يسمى العزيز، وانظره في " شرح صحيح مسلم " (7/23) كتاب الجنائز، باب: التكبير على الجنازة.

المقوقس، وكل من ملك اليمن يسمى تبع، وكل من ملك الهند وقيل اليونان بطليموس (1) ، وكل من ملك الترك يسمى خاقان، وكل من ملك اليهود يسمى القطبون، وكل من ملك الصابئة يسمى نمرود، وكل من ملك العرب من قبل العجم يسمى النعمان، وكل من ملك البربر يسمى جالوت، وكل من ملك فرغانة يسمى الإخشيد. ص- قال أبو داود: قال مسدد، عن دلهم بن صالح. قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة. ش- إنما قال مسدد عن دلهم؛ لأنه لا يُعرف إلا من حديثه، ولهذا قال الترمذي: " هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث دلهم ". وقال أبو داود: " هذا الحديث تفرد به أهل البصرة ". وقال الدارقطني: " تفرد به حُجير بن عبد الله، عن ابن بريدة، ولم يروه عنه غير دلهمُ بن صالح. وذكره في ترجمة عبد الله بن بُريدة، عن أبيه. ورواه الإمام أحمد بن حنبل، عن وكيع فقال: عبد الله بن بريدة. وعبد الله هذا هو أخو سليمان بن بريدة، وعبد الله اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وسليمان انفرد به مسلم وهما توأمان، وقد قيل: إنهما ماتا في يوم واحد. 145- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا ابن حب، عن بكير بن عامر البجلي، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخُفين، فقلتُ: يا رسول الله نسيت؟ فقال: بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي عز وجل " (2) . ش- ابن حي الحسن بن صالح، وقد ذُكر. وعبد الرحمن بن أبي نعم أبو الحكم البجلي الكوفي. سمع: عبد الله ابن عمر بن الخطاب، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، ورافع بن خديج، والمغيرة بن شعبة. روى عنه: زرارة بن أوفى، وفضيل بن

_ (1) في الأصل: " بطلميوس " خطأ. (2) تفرد به أبو داود.

53- باب: التوقيت في المسح

سليمان، وسعيد بن مسروق، وعمارة بن القعقاع، وغيرهم. روى له الجماعة (1) قوله: " بل أنت نسيت " كلمة " بل " للإضراب، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب، أما الإبطال نحو: " وقالوا اتخذ الرحمنُ ولداً سُبْحانهُ بلْ عبادٌ مكْرمُون) (2) أي: بل هم عباد، وإما الانتقال من غرض إلى آخر، و " بل " هاهنا من القبيل الأول. قوله: " بهذا " أي: بالمسح على الخفين " أمرني ربي عز وجل ". *** 53- باب: التوقيت في المسح أي: هذا باب في بيان التوقيت في المسح على الخفين. 146- ص- حدً ثنا حفص بن عمر قال: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي- عليه السلام- قال: " المسحُ على الخفين للمسافر ثلاثةُ أيام، وللمقيم يومٌ وليله " (3) . ش- حفص بن عمر البصري أبو عمر الضرير. روى عن: حماد بن سلمة، وبشر بن المفضل، وجرير بن حازم، وحماد بن زيد، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وابن ماجه، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة، وأحمد بن حنبل،/وغيرهم. كان من علماء الفرائض والحساب والشّعر، وأيام الناس والفقه، ووُلد وهو أعمى، مات بالبصرة سنة عشرين ومائتين، وله نيف وسبعون سنة (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3979) . (2) سورة الأنبياء: (26) . (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين للمسافر والمقيم (95) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر (553) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1406) .

والحكم هو: ابن عتيبة- بالتاء المثناة من فوق- ابن النهاس، واسمه: عبدك الكندي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر الكوفي مولى عدي بن عدي الكندي. سمع: أبا جحيفة، ورأى زيد ابن أرقم. قال الحاكم أبو أحمد: سمع زيد بن أرقم. وقال الطبراني: لم يثبت له منه السماع. وسمع: قيس بن أبي حازم، وأبا وائل، وسريج بن الحارث، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وحمزة الزيات، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: هو ثبت ثقة، ولكن يختلف حديثه. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة خمس عشرة ومائة. روى له الجماعة (1) . وحماد هو ابن سلمة، وإبراهيم النخعي. وأبو عبد الله الجدلي اسمه: عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد أبو عبد الله الجدلي الكوفي. روى عن: خزيمة بن ثابت، ومعاوية ابن أبي سفيان، وعائشة، وأم سلمة. روى عنه: الشعبي، ومعبد بن خالد، وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين. روى له أبو داود، والترمذي (2) . قوله: " المسح " مبتدأ، وقوله: " ثلاثة أيام " مبتدأ أيضاً، وخبره " للمسافر "، والجملة خبر المبتدأ الأول. وبهذا احتج جمهور العلماء كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة ومن

_ (1) المصدر السابق (7/1438) ، وقد جعل المصنف الحكم بن عتيبة الكندي، والحكم بن عتيبة بن النهاس واحدا تبعاً للبخاري وابن حبان وأبي أحمد الحاكم، والصحيح أنهما اثنان، وقد فرق بينهما الدارقطني والمزي وغيرهما، وانظر أخبار القضاة لوكيع (2/143، 244، 246، 265: 270، 282) ، و (3/22، 24) ، والجرح والتعديل (3/ترجمة 569) ، وميزان الاعتدال (1/ترجمة 2189) ، والمغني (1/ترجمة 1666) ، وتهذيب التهذيب (2/434- 435) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7471) .

بعدهم أن المسح على الخفين يؤقت بثلاثة أيام في السفر، ويوم وليلة في الحضر، ومذهب مالك يمسح بلا توقيت، وهو قول قديم للشافعي، واحتج بحديث رواه أبو داود على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ص- قال أبو داود: رواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي بإسناده، [قال فيه:] " ولو استزدناه لزادنا ". ش- إبراهيم التيمي هو: ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، أبو إسحاق المدني، وقيل: الكوفي. سمع: أبا أسيد الساعدي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة الصديقة. رُوي له عن: عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعبد الله بن عباس. وسمع: عمه عمران بن طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن شداد. روى عنه: سعد بن إبراهيم الزهري، وحبيب بن أبي ثابت، ومحمد بن عبد الرحمن، وابن عمه طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، وغيرهم. قال العجلي: هو ثقة رجل صالح. مات سنة عشر ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " ولو استزدناه لزادنا " وقال الشافعي: معناه: لو سألناه أكثر من ذلك لأجاب. وفي رواية لابن ماجه: " ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً ". وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " (2) : " وحديث خزيمة فيه ثلاث علل، الأولى: الاختلاف في إسناده، وله ثلاث مخارج رواية إبراهيم النخعي، ورواية إبراهيم التيمي، ورواية الشعبي، ثم في بعضها ذكر الزيادة- أعني- " لو استزدناه لزادنا "، وبعضها ليست فيه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/229) . (2) انظره في: نصب الراية (1/175) .

الثانية: الانقطاع، قال البيهقي: قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمداً- يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة، وكان شعبة يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح على الخفين. الثالثة: ذكر ابن حزم أن أبا عبد الله الجدلي لا يعتمد على روايته. أقول: ذكر الترمذي في جامعه بعد إخراجه حديث خزيمة من جهة أبي عوانة- مُسنده- وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذكر عن يحيى ابن معين أنه صحح حديث خزيمة في المسح. 147- ص- حدثنا يحيي بن معين قال: نا عمرو بن الربيع بن طارق قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة- قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله- عليه السلام- القبْلتين- أنه قال: " يا رسول الله، أمسحُ على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوماً؟. قال: ويومين. قال: وثلاثة (1) ؟ قال: نعم ما شئت " (2) . ش- عمرو بن الربيع بن طارق بن قرة بن نهيك الهلالي المصري كوفي، نزل مصر سمع: الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، ويحيى بن أيوب،/وغيرهم. روى عنه: ابن معين، ويحيى بن عثمان ويعقوب بن سفيان، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم وقال: صدوق (3) . ويحيى بن أيوب الغافقي أبو العباس المصري. روى عن: يزيد بن

_ (1) في سنن أبي داود: " قال: يوماً؟ قال: يوماً. قال: ويومين؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة؟ ". (2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح بغير توقيت (557) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4366) . 24* شرح سنن أبي داوود 1

أبي حبيب، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم. روى عنه جرير بن حازم، وابن جريج، والليث بن سعد، وابن المبارك، وابن وهب، وعمرو بن الربيع، وغيرهم. قال ابن معين: صالح. وقال مرة: ثقة. توفي سنة ثمان وستين ومائة. روى له الجماعة (1) وعبد الرحمن بن رزين، ويقال عبد الرحمن بن يزيد مولى قريش. روى عن: محمد بن أبي زياد، وسلمة بن الأكوع. روى عنه: يحيى ابن أيوب المصري، والعطّاف بن خالد. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) . ومحمد بن يزيد بن أبي زياد، روى عن أيوب بن قطن، روى عنه عبد الرحمن بن رزين، وثلاثتهم مجهولون. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) . وأيوب (4) بن قطن- بالقاف والطاء المهملة والنون- روى عن أبي بن عمارة. وروى عنه محمد بن يزيد، وروى له أبو داود، ولم يتعرض صاحب " الكاشف " فيه غير ما ذكرناه، وكذا لم يذكره ابن حبان في " الثقات "، وكذا لم أقف عليه في " الكمال ". وأبيّ بن عمارة- بكسر العين- وقيل بضمها، والأول أشهر، ويقال: ابن عبادة، عداده في المدنيين، سكن مصر. روى حديثاً واحداً في المسح على الخفين. وقال في " الكمال ": وفي إسناد حديثه ضعف وجهالة واضطراب. روى له: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي (5) . قوله: " القبْلتين " أراد بها الكعبة وبيت المقدس، وسمى بيت المقدس قبلة بما كان عليه قبل النسخ. قوله: " نعم ما شئت " أي: ما شئت من الأيام.

_ (1) المصدر السابق (31/6792) . (2) المصدر السابق (17/3814) . (3) المصدر السابق (27/5699) . (4) المصدر السابق (3/621) . (5) المصدر السابق (2/278) .

ص- قال أبو داود: رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين (1) ، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة ابن نُسي، عن أبي بن عمارة قال فيه: " حتى بلغ سبعاً "، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم، وما بدا لك ". وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي (2) . ش- ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي، وقد ذكرناه. وعبادة بن نُسى الكندي، ويقال: البكري الشامي الأردني قاضي طبرية. روى عن: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي موسى، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي سعيد الخدري، وكعب بن عجرة، وغيرهم. روى عنه: المغيرة بن زياد، ومكحول، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة. توفي سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " حتى بلغ سبعاً " أي: سبعة أيام. قوله: " وما بدا لك " أي: ما ظهر لك، والمعنى: ما احتجت إليه من الأيام. وبه احتج مالك ومن تبعه على عدم التوقيت في المسح. قوله: " وقد اختلف في إسناده " أي: في إسناد هذا الحديث أشار بذلك إلى أن " (4) يحيى بن أيوب رواه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد ابن يزيد، عن عبادة بن نُسي، عن أُبيّ بن عمارة. هذا قول. ويروى عنه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن،

_ (1) في الأصل: " عبد الرحمن بن رزين يزيد " كذا. (2) في سنن أبي داود زيادة: " ورواه ابن أبي مريم، ويحيى بن إسحاق، والسُليْخيُ، عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده ". وقد وضعها المحقق بين معقوفتين. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3110) . (4) انظره في: نصب الراية (1/178) .

عن عبادة بن نُسي، عن أبي بن عمارة. فهذا قول ثاني. ويُروى عنه مرسلاً لا يذكر فيه أبي بن عمارة، فهذا قول ثالث ". قوله: " وليس بالقوي " أي: هذا الحديث ليس بالقوي؛ لأنه اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً. " (1) ورواه. الدارقطني في " سننه " (2) بسند أبي داود، وقال: هذا إسناد لا يثبت، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون. وقال أبو حاتم: محمد بن يزيد مجهول، ويحيى بن أيوب مختلف فيه، وهو ممن عيب على مسلم في إخراج حديثه. وقال عبد الغني: لم يرو أبيّ بن عمارة إلا حديثاً واحداً، وفي إسناده ضعف وجهالة واضطراب، كما ذكرنا. وقال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد، فقلت له: فإلى أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث، ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر. قلت: الأثر الذي أشار إليه أحمد الأقرب أنه أراد الرواية عن ابن عمر، فإنه صحيح عنه /من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: " أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين وقتاً "، ويحتمل أن يريد غير ذلك من الآثار، ومنها: رواية حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، عن الحسن قال: سافرنا مع أصحاب رسول الله، فكانوا يمسحون خفافهم بغير وقت ولا عدد " رواه ابن الجهم في " كتابه "، وعلّله ابن حزم فقال: وكثير ابن شنظير ضعيف جدا. فإن قيل: ما تقول في حديث أخرجه الحاكم في " مستدركه " (3) عن عبد الغفار بن داود الحراني، ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة ". قال الحاكم: إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواته عن آخرهم ثقات. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (4)

_ (1) انظر: نصب الراية (1/178، 179) . (2) (1/198) . (3) (1/181) . (4) (1/203) .

54- باب: في المسح على الجوربين

عن أسد بن موسى، ثنا حماد بن سلمة به 0 قال صاحب " التنقيح ": إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق وثقه النسائي وغيره. قلت: قال ابن الجوزي: هو محمول على مدة الثلاث وقال ابن حزم: هذا مما انفرد به أسد بن موسى عن حماد، وأسد منكر الحديث، لا يحتج به " (1) . *** 54- باب: في المسح على الجوربين أي: هذا باب في بيان المسح على الجوربين، الجورب- بفتح الجيم-: الذي يُلبس، فارسي معرب. 148- ص- حدثّنا عثمان بن أبي شيبة (2) ، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأوْدي، عن هُزيل بن شُرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله- عليه السلام- توضأ ومسح على الجوْربين والنّعْلين " (3) . قال أبو داود: كان عبد الرحمن [بن] مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: " أن النبيّ- عليه السلام- مسح على الخفين ". ش- أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. روى عن: علقمة بن قيس، وعمرو بن ميمون، وشريح القاضي، وهزيل بن شرحبيل. روى عنه: أبو إسحاق الشيباني، والسبيعي، والأعمش، والثوري، وشُعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. قال أبو حاتم: ليس بقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) في سنن أبي داود: " عثمان بن شيبة ". (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين (99) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين (559) .

فقال: صالح هو لين الحديث وقال أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت. روى له الجماعة إلا مسلماً (1) . وهزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى الكوفي أخو الأرقم روى عن عبد الله بن مسعود. روى عنه أبو قيس المذكور. روى له الجماعة إلا مسلماً (2) . قوله: " والنعلين " المراد به: أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين وكل ما جاء بهذه العبارة فالمراد ما ذكرناه. وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة على أنه يجوز المسح على الجوربين. فإن قيل: فمن أين يشترط أن يكون مجلداً أو منعلاً، والحديث مطلق؟ قلت: الحديث محمول على ذلك ومراد منه ذلك، ليكون معنى الخف، وبقولنا قال مالك، وأحمد، وداود، والأصح عن مالك أنه كرهه (3) ذلك، وهو قول الأوزاعي، والشافعي لم يجزه أصلاً. والحديث حُجة عليه. قوله: " كان عبد الرحمن بن مهدي " وهو ابن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري، وقد ذكر. " لا يحدث بهذا الحديث " أي: حديث المغيرة هذا، " لأن المعروف عن المغيرة أن النبي- عليه السلام- مسح على الخفين ". قلنا: وكيف يكون هذا الحديث غير معروف عن المغيرة، وقد أخرجه أيضاً ابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الطبراني أيضاً من طريق ابن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال قال: " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والجوربين " (4) ؟ ص- قال أبو داود: وروي هذا الحديث أيضاً عن أبي موسى الأشعري،

_ (1) انظر ترجمنه في: تهذيب الكمال (17/3778) . (2) المصدر السابق (30/6566) . (3) كذا. (4) المعجم الكبير للطبراني (1/1060) .

عن النبي- عليه السلام-: " أنه مسح على الجوربين "، وليس بالمتصل، ولا بالقوي. قال أبو داود: ومسح على الجوربين: عليّ بن أبي طالب، وأبو مسعود (1) ، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو ابن حُريث. ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس- رضي الله عنهم-. ش- أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس. وأبو مسعود: عقبة بن عمرو (2) بن ثعلبة بن أسيرة- بفتح الألف، وكسر السين-: ابن عسيرة- بفتح العين وكسر السين- ابن عطية بن جدارة (3) - بكسر الجيم- ابن عوف بن الخزرج البدري أبو مسعود، شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم، نزل ببدر، فنسب إليه، واختلف في شهوده بدراً، روي له عن رسول الله مائة حديث وحديثان، اتفقا على تسعة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم سبعة. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي وابنه بشير بن أبي مسعود، وعلقمة بن قيس، وغيرهم سكن الكوفة ومات بها بعد الأربعين، وقيل: مات بالمدينة. روى له الجماعة (4) . /والبراء بن عازب بن الحارث بن عدي الحارثي الأوسي المدني، يكنى أبا عمارة، أو أبا عمر، أو أبا الطفيل. روي له عن رسول الله- عليه السلام- ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، وانفرد مسلم بستة. روى عنه: عبد الله

_ (1) في سنن أبي داود: " وابن مسعود " خطأ، وانظر: نصب الراية (1/184) . (2) في الأصل: " عامر " خطأ. (3) في أسد الغابة والإصابة: " خدارة " بالخاء المعجمة، وهو خطأ. (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/105) ، وأسد الغابة (6/286) ، والإصابة (2/490) .

ابن يزيد الأنصاري، والشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. نزل الكوفة ومات بها زمن مصعب بن الزبير. روى له الجماعة (1) . وأبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي. وسهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة آل عدي الأنصاري المدني، يكنى أبا العباس. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- مائة حديث وثمانية وثمانون حديثاً، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه: الزهري، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأبيُّ بن العباس. مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مائة سنة. قال ابن سعد: وهو آخر من مات من أصحاب النبي- عليه السلام- بالمدينة. روى له الجماعة (2) . وعمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، سكن الكوفة. روى عنه ابنه جعفر، ومولاه أصبغ، وعبد الملك بن عُمير، والوليد بن سريع، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " وليس بالمتصل، ولا بالقوي " يعني: الحديث الذي اخرج عن أبي موسى الأشعري، وهو الذي أخرجه ابن ماجه في " سننه "، والطبراني في " معجمه، عن/عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: " أن رسول الله توضأ ومسح على

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/139) ، وأسد الغابة (1/205) ، والإصابة (1/142) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/95) ، وأسد الغابة (2/472) ، والإصابة (2/88) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/515) ، وأسد الغابة (4/213) ، والإصابة (2/531) .

الجوربين والنعلين " (1) . وقال البيهقي: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان لا يحتج به ". قلت: قال عبد الغني في " الكمال ": الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزبٍ. سمع أباه، وأبا موسى الأشعري، وأبا هريرة. وقال أيضاً في ترجمة عيسى بن سنان: قال يحيى بن معين: ثقة. قوله: " ومسح على الجوربين عليّ بن أبي طالب " وهو ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا الثوري، عن الزبرقان، عن كعب ابن عبد الله قال: " رأيتُ عليا بال فمسح على جوربيه ونعليه، ثم قام يصلي ". قوله: " وأبو مسعود " وهو ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد قال: " كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر، ونعليه ". قوله: " والبراء بن عازب " وهو ما رواه أيضاً: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه قال: " رأيت البراء بن، عازب يمسح على جوربيه ونعليه ". قوله: " وأنس بن مالك " وهو ما رواه أيضاً: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك: " أنه كان يمسح على الجوربين " قوله: " وروي ذلك " أي: المسح على الجوربين، " عن عمر بن الخطاب " قال أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا وكيع، عن أبي جناب، عن أبيه، عن خلاس بن عمرو: أن عمر توضأ بأجمعه، ومسح على جوربيه ونعليه "، وكذلك روي ذلك عن عقبة بن عمرو أبي مسعود، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والحسن، وجماعة آخرين.

_ (1) ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين

149- ص- حدثنا (1) مسدد، وعباد بن موسى قالا: حدّثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال عباد: قال: أخبرني أوس بن أوس الثقفي (2) أنه قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى كظامة قومٍ - يعني الميْضأة- ثم اتفقا " فتوضأ " ولم يذكر مسدد " الكظامة "، " فتوضأ ومسح على نعْليه وقدميْه " (3) . ش- عباد بن موسى أبو محمد الخُتليُ الأبناويُ- بتقديم الباء- سكن بغداد. روى عن: إبراهيم بن سعد، وطلحة بن يحيى، وإبراهيم وإسماعيل ابني جعفر، وغيرهم. روى عنه: البخاري وعن رجل عنه، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاثين ومائتين (4) وهُشيم بن بشير قد ذكر. ويعلى بن عطاء القرشي العامري الطائفي، نزل واسط ومات بها سنة عشرين ومائة. روى عن: أبيه، وأبي علقمة الهاشمي، ووكيع بن عُدس، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وهشيم، وأبو عوانة، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم: صالح الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (5) . وعطاء العامري الطائفي والد يعلى. روى عن: أوس بن أبي أوس الثقفي، وعبد الله بن/عمرو بن العاص. روى عنه ابنه يعلى. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي.

_ (1) ورد هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب " كذا. (2) في سنن أبي داود: " أوس بن أبي أوس "، وانظر ترجمته الآتية. (3) تفرد به أبو داود، ولفظه فيه: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [توضأ ومسح على نعليه وقدميه. وقال عباد: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى كظامة قوم- يعني: الميضأة- ولم يذكر مسدد " الميضأة والكظامة "، ثم اتفقا " فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3094) (5) المصدر السابق (32/7116) .

وأوس بن أبي أوس ويقال: أوس بن أوس الثقفي، وهو والد عمرو ابن أوس، عداده من أهل الشام، نزل دمشق وقبره بها. روى عن النبي - عليه السلام- حديثين، أحدهما: في الصيام، والآخر: في الجمعة. روى عنه: أبو الأشعث، وعبادة بن نُسي، وعطاء والد يعلى. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " كظامة " " (2) الكظامة- بكسر الكاف، وبالظاء المنقوطة- كالقناة، وجمعها " كظائم "، وهي آبار تحفر في الأرض مُتناسقة، ويُخرقُ بعضُها. إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها، فتسيح على وجه الأرض. وقيل: الكظامة: السّقاية، وقيل: الكناسة، ويقال: هي المرادة في الحديث. قوله: " ومسح على نعليه وقدميه " ظاهره يقتضي جواز المسح على النعلين، والقدمين، ولكن " (3) المراد منه أنه كان في الوضوء التطوع لا في الوضوء من حدث، يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " وترجم عليه " باب ذكر الدليل على أن مسح النبي- عليه السلام- على النعلين كان في وضوء تطوع لا من حدث ": عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي- رضي الله عنه-: " أنه دعا بكُوز من ماء، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله للطاهر ما لم يحدث ". قال في " الإمام ": وهذا الحديث أخرجه أحمد بن عبيد الصفار في " مسنده " بزيادة لفظ، وفيه: ثم قال: " هكذا فعل رسول الله ما لم يحدث ". وقال ابن حبان في " صحيحه ": هذا إنما كان في الوضوء النفل، ثم استدل عليه بحديث أخرجه عن النزال

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/89) ، وأسد الغابة (1/164) ، والإصابة (1/79) ، وقد رجح الحافظ ابن حجر أن أوس بن أوس غير أوس بن أبي أوس، وأن من جعلهما واحداً فقد أخطأ. (2) انظر: النهاية (4/178) . (3) انظر: نصب الراية (1/188- 189) .

55- باب: كيف المسح

ابن سبرة عن علي: " أنه توضأ ومسح برجليه، وقال: رأيت رسول الله فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث ". وكذلك البزار ذكر كذلك (1) . وقال البيهقي: معنى مسح على نعليه أي: غسلهما في النعل، وهذا أيضاً جواب حسن؛ لأنا قد ذكرنا أن المسح قد يجيء بمعنى الغسل. وقال الطحاوي في " شرح الآثار ": كان مسحه- عليه السلام- على الجوربين هو الذي يُطهر به، ومسحه على النعلين فضلاً " (2) ، وجواب آخر: أن الذي نقل عن النبي- عليه السلام- أنه غسل رجليه جم غفير، والذي نقل عنه أنه مسح على نعليه عدد قليل، والقضية واحدة، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل من حفظ على من لم يحفظ. *** 55- باب: كيف المسحُ؟ أي: هذا باب في بيان كيفية المسح على الخفين. 150- ص- حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: نا عبد الرحمن بن أبي الزناد وقال: ذكره أبي، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله- عليه السلام- مسح (3) على الخُفين ". وقال غير محمد: " مسح (4) على ظهر الخُفين " (5) . ش- محمد بن الصباح صاحب السنن قد ذكر.

_ (1) كذا. (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (3) في سنن أبي داود: " كان يمسح ". (4) غير موجودة في سنن أبي داود. (5) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله (97) .

وعبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، وهو ابن أبي الزناد أبو محمد القرشي مولاهم. روى عن: أبيه، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة روى عنه: ابن جريج، والوليد بن مسلم، وداود بن عمرو الضبي، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن المديني: حديثه بالمدينة حديث مقارب، وما حدّث بالعراق مضطرب. توفي ببغداد سنة أربع وسبعين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين. روى له البخاري استشهاداً، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وأبوه عبد الله بن ذكوان ذكرناه. وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المسح على ظهر الخفين، وبه قال أحمد، وداود، والثوري. وقال مالك: المسنون مسح أعلاه وأسفله، وبه قال الشافعي، والزهري. وهم تعلقوا بحديث كاتب المغيرة، وسنجيب عنه إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. 151- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: نا حفص بن غياث قال: نا (2) الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن عليّ- رضي الله عنه- قال: " لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخُف أولى بالمسح/من أعلاهُ، وقد رأيتُ رسول الله- عليه السلام- مسح على ظاهر خُفيه " (3) . ش- حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث النخعي أبو عمر الكوفي قاصيها. سمع: هشام بن عروة، وسليمان التيمي، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: يحيى القطان، وأحمد بن حنبل،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3816) . (2) في سنن أبي داود: " عن ". (3) تفرد به أبو داود.

ويحيى بن معين، وجماعة آخرون. قال العجلي: هو ثقة مأمون فقيه. مات سنة ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي الهمْداني السبيعي الكوفي، [و] السّبيعُ هو ابن صعب بن معاوية بن كثير. رأى عليا، وأسامة بن زيد، والمغيرة بن شعبة، ولم يصح له منهم سماع. سمع ابن عباس، وقد ذكرناه مرة. قوله: " لو كان الدين بالرأي " أي: لو كان أمور الدين بالرأي. قوله: " وقد رأيت رسول الله " خرج في مخرج التفسير والتعليل، وهذا أيضاً حجة قوية للحنفية. 152- ص- حدثنا محمد بن رافع قال: نا يحيى بن آدم قال: نا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش بإسناده (2) قال: " ما كنتُ أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل (3) ، حتى رأيتُ رسول الله- عليه السلام- مسح على ظًاهر خُفيه " (4) . ش- محمد بن رافع بن أبي زيد القشيري مولاهم النيسابوري، واسم أبي زيد سابور- بالسين المهملة- سمع: عبد الرزاق بن همام، وزيد ابن الحباب، ووهب بن جرير، وأبا معاوية الضرير، وغيرهم. روى عنه الجماعة إلا ابن ماجه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم. مات سنة خمس وأربعين ومائتين (5) . ويزيد بن عبد العزيز بن سياه الكوفي، سمع أباه، والأعمش. روى

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1415) . (2) في سنن أبي داود: " بإسناده بهذا الحديث ". (3) ذكر محقق سنن أبي داود أن النسخة الهندية: " ما كنت ... أحق بالغسل من ظاهرهما ". (4) انظر الحديث السابق. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5209) .

عنه يحيى بن آدم وغيره. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . قوله: " قال: ما كنت أرى " أي: قال علي- رضي الله عنه-. قوله: " أرى " من رؤية القلب، وهي الحُسْبان، فتقتضي مفعولين، قال الله تعالى: (إنهُمْ يروْنهُ بعيداً ونراهُ قريباً) (2) أي: يحسبونه بعيداً، ونحن نعلمه قريباً. ص- (3) قال أبو داود: وكذلك رواه وكيع عن الأعمش بإسناده قال: " كنتُ أرى باطن (4) القدمين أحق بالغسل من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله يمسح ظاهرهُما ". قال وكيع: " يعني: الخفين ". ش- قوله: " بإسناده " أي: بإسناده إلى علي- رضي الله عنه- وهذه ثلاث روايات عن عليّ- رضي الله عنه-، وإنما فسر [هـ] وكيع بقوله: " يعني: الخفين " حتى لا يظن ظان أن الضمير يرجع إلى القدمين، فيكون المسح على القدمين، وليس كذلك. ص- قال أبو داود: رواه عيسى بن يونس، عن الأعمش كما قال وكيع. ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير، عن أبيه قال: " رأيتُ عليا توضأ فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيتُ رسول الله- عليه السلام- يفعلُهُ [لظننتُ أن بطونهُما أحق بالمسح] (5) " وساق الحديث. [قال أبو داود: وكذلك رواه يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش بهذا الحديث] (5) . (1) المصدر السابق (32/7023) . (2) سورة المعارج: (6) . (3) ذُكر في سنن أبي داود قبل هذا الكلام الحديث رقم (162) ، ووضع بين معقوفتين. (4) في سنن أبي داود: " أن باطن ". (5) غير موجود في سنن أبي داود

ش- أبو السوداء عمرو بن عمران النهدي الكوفي، رأى أنس بن مالك. وروى عن: قيس بن أبي حازم، وعبد خير، وأبي مجلز، والضحاك، وجعفر بن أبي المغيرة، وابن سابط. قال أحمد وابن معين: ثقة. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. روى له أبو داود (1) . وابن عبد خير ... (2) . وقال البيهقي: والمرجع فيه إلى عبد خير وهو لم يحتج به صاحبا الصحيح. قلنا: عدم احتجاج صاحبي الصحيح به ليس بقادح في روايته، وكم من أحد لم يحتجّا به، وقد احتج به غيرهما، وحديثه صحيح. وقصد البيهقي بذلك الكلام تضعيف عبد خير، ولا يمشي ذلك؛ لأنه وثّقه جماعة. 153- ص- حدثنا موسى بن مروان الرقي ومحمود بن خالد الدمشقي المعنى قالا: ثنا الوليد، قال محمود: أنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة قال: " وضّأتُ النبي- عليه السلام- في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخُفّ وأسفله " (3) . ش- موسى بن مروان أبو عمران البغدادي التمار، نزل الرقة. سمع: مروان بن معاوية، ومحمد بن حرب،/وعيسى بن يونس، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وابن ماجه. مات سنة ست وأربعين ومائتين بالرقة (4) والوليد هو ابن مسلم الدمشقي. وقد ذكرناه. ورجاء بن حيوة بن جندل، ويقال: خنزل، ويقال: ابن جرول أبو المقدام أو أبو نصر الكندي الشامي الفلسطيني. روى عن: أبيه،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4419) . (2) بياض في الأصل قدر سطر وربع. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله (97) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في مسح أعلى الخف وأسفله (550) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6299) .

ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، ووراد كاتب المغيرة، وغيرهم. روى عنه: الزهري، ومطر الوراق، وقتادة، ومحمد بن عجلان، وثور بن يزيد، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وكاتب المغيرة هو وراد الثقفي الكوفي، كاتب المغيرة بن شعبة ومولاه، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو الورد. سمع المغيرة بن شعبة، روى عنه: الشعبي، ورجاء بن حيوة، وأبو عون الثقفي، وغيرهم. روى له الجماعة (2) . قوله: " وضأتُ " بتشديد الضاد، بمعنى: خدمت له في الوُضوء. ص- قال أبو داود: لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء بن حيوة. ش- أي: ثور بن يزيد، وأشار بهذا إلى أن هذا الحديث ضعيف. وضعفه الإمام الشافعي أيضاً. وأخرجه ابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديث معلول، لم يُسنده عن ثور غير الوليد، وسألت محمداً وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور، عن رجاء قال: حُدثت عن كاتب المغيرة، عن النبي مُرسل. وقال الدارقطني في " العلل ": هذا حديث لا يثبت؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً، ولذا ضعفه أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. قلت: حاصل ما ذكروا في هذا الحديث علتان، الأولى: أن ثوراً لم يسمعه من رجاء. والثانية: أن كاتب المغيرة أرسله. ويُحاب عن الأولى بما روى داود بن رشيد على ما روى البيهقي عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة: " أنه- عليه السلام- كان يمسح أعلى الخف وأسفله "، ثم أسنده عن داود بن رشيد، ثنا الوليد، عن ثور، ثنا رجاء، عن كاتب المغيرة،

_ (1) المصدر السابق (9/1890) . (2) المصدر السابق (30/6682) . 25* شرح سنن أبي داوود 1

56- باب: في الانتضاح

عن المغيرة. ثم أسند عن الدارقطني أنه قال: رواه ابن المبارك، عن ثور قال: حُدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، عن النبي- عليه السلام- مرسلاً، ليس فيه المغيرة. وقد صرح فيها بأن ثوراً قال: ثنا رجاء، وإن كان داود قد رُوي عنه أنه قال: عن رجاء. ويحاب عن الثانية بأن الوليد بن مسلم زاد في الحديث ذكر المغيرة، وزيادة الثقة مقبولة. فإن قيل: بقي في الحديث علتان أخريان: إحديهما: أن كاتب المغيرة مجهول، والثانية: أن الوليد مدلس. قلت: المعروف بكاتب (1) المغيرة هو مولاه ورّاد، وهو مخرج له في " الصحيحين "، فالظاهر أنه المراد، وقد أدرج بعض الحفاظ هذا الحديث في ترجمة رجاء عن ورّاد، وذكره المزّيُ في " أطرافه " في ترجمة وراد عن المغيرة. وصرح ابن ماجه في " سننه " فقال: عن رجاء، عن وزاد كاتب المغيرة، فصرح باسمه. والجواب عن الثانية: بأن أبا داود قال: عن الوليد أخبرني ثور، فأمن بذلك تدليسه. *** 56- باب: في الانتضاح أي: هذا باب في بيان انتضاح الماء بعد الفراغ من الوضوء، وهو الارتشاش. وقال ابن الأثير (2) : " الانتضاح: أن يأخذ قليلاً من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء، لينفي عنه الوسواس، وقد نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه ونضح الوضوء بالتحريك: ما يترشش منه عند التوضوء كالنشر ". 154- ص- حلّفنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن منصور،

_ (1) في الأصل: " بكتابه ". (2) انظر: النهاية (5/69) .

عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم بن سفيان الثقفي قال: " كان النبيُ- عليه السلام- إذا بال توضأ (1) ، وينتضحُ " (2) . ش- سفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر. وسفيان بن الحكم روى عنه مجاهد، وروى له: أبو داود، وابن ماجه ويقال: الحكم بن سفيان. وقال عبد الغني: وبعضهم يقول سفيان بن الحكم، عن أبيه،/عن النبي- عليه السلام-: " أنه توضأ ونضح فرجه " وهو حديث مضطرب (3) . وقال الخطابي (4) : " الانتضاح هاهنا الاستنجاء بالماء. وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء، وقد يتأول الانتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء، ليدفع بذلك وسوسة الشيطان ". ص- قال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد، قال بعضهم: الحكم أو ابن الحكم. ش- من جملة من وافق سفيان على هذا الإسناد زكريا بن أبي زائدة على ما رُوي في " المصنف ": حدثنا أبو بكر قال: ثنا محمد بن بشر قال: نا زكريا بن أبي زائدة قال: قال منصور: حدثني مجاهد، عن الحكم بن سفيان الثقفي: " أنه رأى النبي- عليه السلام- توضأ، ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه ". وقال أيضاً: ثنا الحسن بن موسى قال: نا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن أسامة بن زيد بن حارثة، عن أبيه: " أن النبي- عليه السلام- توضأ، ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه ".

_ (1) في سنن أبي داود: " يتوضأ ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: النضح (1/86) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النضح بعد الوضوء (461) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1427) . (4) معالم السنن (1/55)

وقال: ثنا علي بن مسهر، عن عُبيد (1) الله بن عمر، عن نافع قال: " كان ابن عمر إذا توضأ نضح فرجه ". قال عبيد الله: كان أبي يفعل ذلك ". ورُوي ذلك عن مجاهد، وميمون، وسلمة وابن عباس، وعن هذا قال أصحابنا: من جملة مستحبات الوضوء أن ينضح الماء على فرجه وسراويله بعد فراغه من الوضوء، ولا سيما إذا كانت به وسوسة. قوله: " قال بعضهم الحكم أو ابن الحكم " ليس بموجود في كثير من النسخ، فإنه يذكر روايته بعد رواية مجاهد، عن رجل من ثقيف. 155- ص- حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بال ثم نضح فرجهُ " (2) . ش- إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وقد ذُكر. وابن أبي نجيح عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار، وكنيته أبو عبد الله، وابن أبي نجيح يروى عن عطاء، وطاوس. روى عنه: ورقاء بن عمر (3) وأهل الحجاز. قال يحيى القطان: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد. وقال أبو حاتم: ابن أبي نجيح، وابن جريج نظرا في كتاب القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد في التفسير، فرويا عن مجاهد من غير سماع. مات ابن أبي نجيح سنة إحدى أو اثنتين ومائة (4) . وهذا الحديث فيه مجهولان. 156- ص- ثنا نصر بن المهاجر، ثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم أو ابن الحكم، عن أبيه: " أن النبيّ - عليه السلام- بال ثم توضأ، ونضح فرجه " (5) .

_ (1) في الأصل: " عبد الله " خطأ. (2) انظر الحديث السابق. (3) في الأصل: " عمرو " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3612) . (5) انظر الحديث رقم (154) .

ش- نصر بن المهاجر روى عن: يزيد بن هارون، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومعاوية بن عمر [و] . روى عنه أبو داود (1) . ومعاوية بن عمرو بن المهلب بن عمرو بن شبيب أبو عُمر [و] الأزدي المعنيُ البغدادي، أخو الكرماني بن عمرو، كوفي الأصل. سمع زائدة ابن قدامة، وأبا إسحاق الفزاري، وجرير بن حازم، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، وأبو خيثمة، ومجاهد بن موسى، والبخاري، وروى عن رجل عنه. توفي ببغداد سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائتين. روى له الجماعة (2) . وزائدة بن قدامة الثقفي. وفي هذا الحديث اضطراب. وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وأخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث الحسن بن عليّ الهاشمي، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي- عليه السلام- قال: " جاءني جبريلُ فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح ". وقال الترمذي: وهذا حديث غريب، وسمعت محمدا يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث (3) . انتهى كلامه. والهاشمي هذا ضعفه غير واحد من الأئمة. وقوله: " إذا توضأت فانتضح " فيه تأويلات، الأول: إذا توضأت فصب الماء على العضو صبا، ولا تقتصر على مسحه، فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل. الثاني: استبراء الماء بالنتر والتنحنح، يقال: نضحت: أسلت، وانتضحت: تعاطيت الإسالة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6411) . (2) المصدر السابق (28/6064) (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النضح بعد الوضوء (50) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النضح بعد الوضوء (463) .

57- باب: ما يقول الرجل إذا توضأ

الثالث: رش الإزار الذي يلي الفرج بالماء، ليكون ذلك مذهباً للوسواس كما جاء في الحديث الأول. الرابع: معناه الاستنجاء بالماء، إشارة إلى الجمع بينه وبن الأحجار. *** 57- باب: ما يقول الرجل إذا توضأ؟ أي: هذا باب في بيان ما يقول بعد الفراغ من الوضوء من الأذكار. 157- ص- حدّثنا أحمد بن سعيد الهمْداني قال: نا ابن وهب قال: سمعت معاوية يحدث عن أبي عثمان،/عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر قال: " كنّا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُدّام أنفسنا، نتناوبُ الرعاية: رعاية إبلنا، فكانتْ عليّ رعاية الإبل، فروحتُها بالعشي، فأدركتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطبُ الناس فسمعتُه يقولُ: ما منكم أحدٌ يتوضأ، فيُحْسنُ الوُضوء، ثم يقومُ فيركعُ ركعتين، يُقبلُ عليهما بقلبه وبوجهه إلا أوجب (1) ، فقلت: بخ بخ، ما أجود هذه، فقال رجلٌ من بين يد: التي قبلها يا عقبةُ أجود (2) ، فنظرتُ فإذا هو عمرُ بنُ الخطاب، قلتُ: ما هي يا أبا حفص؟ قال: قال (3) آنفاً قبل أن تجيء: ما منكم من أحد يتوضأ، فيُحْسنُ الوضوء، ثم يقولُ حين يفْرغٌ من وضوئه: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ، وأن محمدا (4) عبدُهُ ورسولُهُ، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنة الثمانيةُ، يدخلُ من أيها شاء " (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " إلا قد أوجب ". (2) في سنن أبي داود: " أجودُ منها ". (3) في سنن أبي داود: " إنه قال ". (4) في سنن أبي داود: " وأشهد أن " ووضعت " أشهد " بين معقوفتين. (5) مسلم كتاب الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء (234) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: القول بعد الفراغ من الوضوء (1/93) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما يقال بعد الوضوء (470) .

ش- أحمد بن سعيد بن بشير بن عبيد الله أبو جعفر المصري الهمْداني. روى عن عبد الله بن وهب. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: ليس بالقوي، وإبراهيم بن عبد الله بن معدان الأصبهاني، والفضل بن عباس مات لعشر خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين (1) . وابن وهب هو: عبد الله بن وهب، وقد ذكر. ومعاوية هو معاوية ابن صالح الحمصي، وقد ذكر. وأبو عثمان هذا وقع في رواية مسلم في طريقين: في الطريق الأول قال: وحدثني أبو عثمان. وفى الثاني: عن أبي إدريس وأبى عثمان، واختلفوا فيه في الأول، فقيل: هو معاوية بن صالح. وقيل: ربيعة بن يزيد، وأما هاهنا فهو سعيد بن هانئ الخولاني المصري، وقيل: إنه شامي. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. روى عن جُبير بن نفير، وروى عنه معاوية بن صالح. وروى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. مات سنة سبع وعشرين ومائة (2) . وجُبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن الحمصي. ويقال: أبو عبد الله أدرك النبي- عليه السلام-. وروى عن: أبي بكر، وعمر. وسمع: أبا ذر، وأبا الدرداء، وأبا أيوب، وأبا ثعلبة، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، وسليم بن عامر، وأبو الزاهرية، وزيد بن واقد، وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: ثقة من كبار تابعي أهل الشام من القدماء. توفي سنة خمس وسبعين. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . وعقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي الجهني أبو حماد، أو أبو سعاد، أو أبو أسد، أو أبو عامر، أو أبو عمرو، أو أبو الأسود،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/38) ، وتصحف فيه " بشير " إلى " بشر ". (2) المصدر السابق (11/2370) . (3) المصدر السابق (4/905) .

أو أبو عبس. روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة وخمسون حديثاً، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم تسعة. روى عنه: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبو أمامة، وقيس بن أبي حازم البجلي، وعلي بن رباح اللخمي، وغيرهم. ولي مصر من قبل معاوية سنة أربع وأربعين، ثم عزله بمسلمة بن مخلد الزرقي. وتوفي بمصر سنة ثمان وخمسين. روى له الجماعة (1) . قوله: " خُدام أنفسنا " الخدامُ جمع " خادم "، والمعنى: أنهم كانوا يخدمون أنفسهم في صحبة النبي- عليه السلام- ويتناوبون رعي إبلهم، فيجتمع الجماعة، ويضمون إبلهم بعضها إلى بعض، فيرعاها كل يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم، وينصرف الباقون في مصالحهم. قوله: " الرّعاية " بكسر الراء: وهي الرّعيُ. وقوله: " رعاية إبلنا " نصب على أنه بدل من الرعاية الأولى. قوله: " فروحتُها بالعشي " أي: رددتها إلى مُراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثم جئت إلى مجلس رسول الله. قوله: " يخطب الناس " حال من الرسول، من خطب يخطب خُطبة بالضم، فهو خاطب وخطيب، والمعنى: أنه يخاطب الناس، ويحضهم على فعل الخير، وينهاهم عن فعل الشر. قوله: " فيُحسنُ الوضوء " أي: يأتي به تاما بكمال صفته وآدابه. قوله: " ثم يقوم " بالرفع عطف على ما قبله. قوله: " يُقبلُ عليهما " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في " يركع " أي: على الركعتين. قوله: " بقلبه وبوجهه " أي: وبذاته؛ لأن الوجه يذكر ويراد به الذات

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/106) ، وأسد الغابة (4/53) ، والإصابة (2/489) .

كما في قوله تعالى: (كُل شيْء هالك إلا وجْههُ) (1) أي: ذاته. أما إقباله بقلبه فهو الخشوع، وأما إقباله بوجهه فهو الخضوع بالأعضاء، وقد جمع عليه السلام بهذين اللفْظين أنواع الخشوع والخضوع. قوله: " إلا أوجب " أي: إلا أوجب الجنة، وبه/في رواية أبي بكر ابن أبي شيبة حيث قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن مالك الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله- عليه السلام- قال: " ما من أحد يتوضأ، فيحسنُ الوضوء، ثم يصلي ركعتين مُقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة " الحديث. قوله: " فقلت: بخ بخٍ " كلمة " بخ بخ " من الأسماء الجارية مجرى الأصوات، تستعمل عند الرضا والإعجاب، وتفخيم الأمر وتعظيمه. قال الأعشى: بين الأشج وبن قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود ويقال بالتسكين والكسر مع التنوين والتخفيف، وبالكسر دون تنوين وبضم الخاء مع التنوين والتشديد، واختار بعضهم إذا كررت تنوين الأولى وتسكين الثانية. وسكنت الخاء فيه كما سكنت اللام في " هل " و " بل "، ومنْ كسر ونون أجراها مجرى " صه " و " مه "، وبخبخ الرجل إذا قال: بخ. قوله: " ما أجود هذه " يعني: هذه الفائدة أو البشارة أو العبادة، وجوْدتُها من جهات، منها: أنها سهلة متيسرة يقدرُ عليها كل أحد بلا مشقة. ومنها: أن أجرها عظيم. قو له: " التي " مبتدأ. وقوله: " أجود " خبره، وقوله: " يا عقبة " معترض بينهما. قوله: " قال: قال آنفاً " الضمير الذي في " قال " الأولى راجع إلى

_ (1) سورة القصص: (88) .

" عمر "، والذي في الثاني راجع إلى " رسول الله " - عليه السلام-. وقوله: " آنفاً " أي: قريباً، وهو بالمد على اللغة المشهورة، وبالقصر على لغة صحيحة، وأصله من الائتناف، وهو الابتداء، ومعناه: الآن أو الساعة، وانتصابه على الظرفية. قوله: " ما منكم من أحد " مقول القول الثاني. قوله: " أشهد أنْ لا إله إلا الله " من الشهادة، وهي خبر قاطع، تقول فيه: شهد الرجل على كذا وشهده شهوداً أي: حضره، وقوم شهود: حُضور، و" أن " فيه مخففة من المثقلة، والأصل: أشهد أنه لا إله إلا الله، و" إلا " هاهنا بمعنى غير، أي: لا إله في الوجود غير الله. قوله: " وأن محمداً " أي: وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وهو اسم مأخوذ من الحمد، يقال: حمدت الرجل فأنا أحمده إذا أثنيت عليه بجلائل خصاله، وأحمدته وحمدته (1) محموداً، ويقال: رجل محمود، فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكامل فيه المناقب والمحاسن فهو محمد قال الأعشى يمدح بعض الملوك: إليك أبيْت اللعن كان كلالُها ... إلى الماجد القرعْ الجواد المحمد أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، وهذا البناء أبدا يدل على الكثرة وبلوغ النهاية، فتقول في المدح: محمد، وفي الذم: مذمم، ومنه قولهم: حُماداك أن تفعل ذلك، أي: غايتك، وفعلك المحمود منك غير المذموم أن تفعل كذا، والفرق بين محمد وأحمد: أن الأول مفعول، والثاني اسم تفضيل. والمعنى: إذا حمدتُ أحدا فأنت محمدٌ، وإذا حمدني احدٌ فأنت أحمدُ، وإنما جمع بين قوله: " عبده ورسوله " نفياً لتوهم ما يزعم النصارى في حق عيسى ابن مريم- عليه السلام-،

_ (1) في الأصل: " حدته ".

أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً، والرسول الذي أرسل لتبليغ رسالات الله، يعني: فكل رسول نبي ولا عكس. قوله: " إلا فتحت له " جواب قوله: " ما منكم " وقوله: " الثمانية " مرفوع على أنه صفة الأبواب. قوله: " من أيها " أي: من أيّ الأبواب، الأصل في " أي " و " أيه " أن تكون مضافاً، لأن المراد منه جزء من شيء فهو شبيه بـ " بعض "، وهو مضاف دائماً. وهو اسم مبهم يبينه ما يُضاف إليه إلا الموصول عند من يقول موضحة الصلة، وهي خمسة أنواع: موصولة نحو: اضرب أيهم خرج، أي: الذي خرج منهم. واستفهامية نحو: أي الرجلين عندك؟، وشرطية نحو: أيهم يضرب أضرب. وموصوفة نحو: زيد رجل أي رجل، أي: كامل في صفات الرجال. ووصلة إلى بدإ ما فيه " أل " نحو: يا أيها الرجل، وهو معرب من بين سائر الموصولات. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استحباب معاونة المؤمنين بعضهم ببعض في مصالحهم. والثانية: استحباب إسباغ الوضوء. الثالثة: استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء. والرابعة: استحباب قراءة: " أشهد أنْ/لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله عقيب الوضوء ". وأخرج هذا الحديث: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة. ص- قال معاوية: وحدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة ابن عامر. ش- معاوية: ابن صالح. وربيعة بن يزيد الدمشقي: أبو شعيب الإيادي القصير. سمع: معاوية ابن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله

الديلمي، وأبا (1) إدريس، وجبير بن نفير، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، ومعاوية بن صالح، والوليد بن سليمان، وحيوة بن شريح، وغيرهم. وقال العجلي: ثقة. مات بإفريقية في إمارة هشام، خرج غازياً فقتله البربر. روى له الجماعة (2) . وأبو إدريس: عائذ الله بن عبد الله بن عمرو. روى عن: عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل. وسمع: عبادة بن الصامت، وعقبة بن عامر، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: الزهري، وربيعة بن يزيد، ومكحول، وشهر بن حوشب، وأبو سلام الأسود، وغيرهم. ولد يوم حنين، ولاه عبد الملك القضاء بدمشق، وتوفي سنة ثمانين. روى له الجماعة (3) . وهذا الإسناد هو إسناد مسلم في " صحيحه " قال: حدثنا محمد بن حاتم قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر. 158- ص- حدثنا حسين بن عيسى قال: حدثني عبد الله بن يزيد المُقرئ، عن حيوة- وهو ابن شريح-، عن أبي عقيل، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي- عليه السلام- نحوه، ولم يذكر أمر الرعاية، قال عند قوله: " فأحسن الوُضوء، ثم رفع نظرهُ إلى السماء، فقال "، وساق الحديث بمعنى حديث معاوية (4) . ش- الحسين بن عيسى بن حُمران الطائي: أبو عليّ القُومسي البسطامي، سكن نيسابور، وبها مات سنة سبع وأربعين ومائتين. سمع: ابن عيينة، ووكيعاً، وابن أبي فديك، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم وقال: هو صدوق (5) .

_ (1) في الأصل: " وأبي " (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1889) . (3) المصدر السابق (14/3068) . (4) انظر الحديث السابق. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1328) .

وعبد الله بن يزيد المقرئ المدني، وقد ذكر، وكذا حيوة بن شريح بن صفوان. وأبو عقيل هو زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام بن زهرة التيمي القرشي، أبو عقيل المصري، مدني سكن مصر. أدرك عبد الله بن عمرو، وروى عنه وعن عبد الله بن الزبير، وسمع جده عبد الله بن هشام، وله صحبة. وسمع أباه، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وروى عنه: حيوةُ بن شريح، والليث بن سعد، ونافع بن يزيد، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، قيل: يحتج به، وقيل: لا بأس به. توفي بالإسكندرية سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " نحوه " أي: نحو ما ذكر. وهذا الحديث في إسناده رجل مجهول. وأخرجه الترمذي من حديث أبي إدريس، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب مختصراً وفيه دعاء. وقال: " هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي- عليه السلام- في هذا كثير شيء. قال محمد: أبو إدريس لم يسمع من عمر شيئاً " (2) . وفي " المصنف ": حدثنا المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني زهرة بن معبد أبو عقيل: أن ابن عم له أخبره، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من توضأ فأتم وضوءه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ".

_ (1) المصدر السابق (9/2008) . (2) جامع الترمذي (1/78- 79) .

58- باب: الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد

58- باب: الرجل يُصلي الصلوات بوضوء واحد أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الصلوات بوضوء واحد. 159- ص- حدثنا محمد بن عيسى قال: نا شريك، عن عمرو بن عامر البجلي، قال محمد- هو أبو أسد (1) بن عمرو- قال: سألت أنس بن مالك عن الوضوء؟ فقال: " كان النبيُ- عليه السلام- يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحدٍ " (2) . ش- شريك ابن عبد الله النخعي. وعمرو بن عامر الأنصاري الكوفي والد أسد (1) . سمع أنس بن مالك. روى عنه: أبو الزناد، ومسعر، وشعبة، والثوري، وشريك بن عبد الله، ويحيى بن عبد الله. قال أبو حاتم (3) : صالح. روى له الجماعة (4) . قوله: " قال محمد " هو محمد بن عيسى الطباع المذكور. قوله: " وكنا نصلي الصلوات " يتناول الصلوات الثلاث والأربع والخمس، وتوضؤه- عليه السلام- لكل صلاة كان/من باب التقرب واكتساب الفضيلة، لا من باب الوجوب. وفي " المصنف ": حدّثنا

_ (1) في الأصل: " أبو أسيد " خطأ. (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الوضوء من غير حدث (214) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء لكل صلاة (60) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (1/84) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد (509) . (3) في الأصل: " حديد ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4392، 4393) ، وقد فرق الحافظ المزي بين عمرو بن عامر الأنصاري وعمرو بن عامر البجلي والد أسد بن عمرو، وذكر أن أبا داود زعم أنهما واحد، وأنه- ومن تبعه على ذلك- قد وهم.

حفص، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد: " أنهم كانوا يصلون الصلوات كلها بوضوء واحد ". وحدثنا يحيى بن سعيد، عن مسعود بن عليّ، عن عكرمة قال: قال سعد: " إذا توضأت فصل بوضوئك ذلك ما لم تحدث ". وأخرج حديث أنس هذا البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 160- ص- حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني علقمة ابن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: " صلى رسولُ الله- عليه السلام- يوم الفتح خمس صلوات بوُضوء واحد، ومسح على خُفيه فقال له عمر: إني رأيتك صنعت (1) شيئاً لم تكن تصنعُهُ؟ قال: عمداً صنعتُهُ " (2) . ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري. وعلقمة بن مرثد الحضرمي: أبو الحارث الكوفي. روى عن: طارق ابن شهاب، وعبد الرحمن بن سابط، والشعبي، وسليمان بن بريدة، ومجاهد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ومسعر، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد: ثبت في الحديث. وقال أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة (3) . وسليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أخو عبد الله، وُلدا في بطن واحد على عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنهم-. روى عن: أبيه، وعمران بن حصين. روى عنه: علقمة بن مرثد، وعبد الله بن

_ (1) في سنن أبي داود: " صنعت [اليوم] شيئاً ". (2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (277) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد (61) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (1/86) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد (510) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4018) .

عطاء، وأبو سفيان، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: لم يذكر سليمان سماعاً عن أبيه روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وبريدة بن الحصيب الصحابي قد ذكرناه. قوله: " يوم الفتح " أي: فتح مكة، فتحت مكة سنة ثمان من الهجرة، في شهر رمضان، يوم الجمعة لعشر بقين، و " أقام بها النبي - عليه السلام- خمس عشرة ليلة " في رواية البخاري، وفي رواية أبي داود والترمذي: " أقام ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ". قوله: " صنعت شيئاً لم تكن تصنعه " تصريح بأنه- عليه السلام- كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملاً بالأفضل، وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بياناً للجواز، كما قال- عليه السلام-: " عمداً صنعته "، وانتصاب " عمداً " على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: صنعته صُنعاً عمداً، ويجوز أن يكون نصباً على الحال، أي: عامداً صنعته. وحكى الطحاوي وابن بطال في " شرح البخاري " عن طائفة من العلماء أنهم قالوا: يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهراً، واحتجوا بقوله تعالى: (إذا قُمْتُمْ إلى الصّلاة فاغْسلُوا وُجُوهكُمْ) الآية (2) . وقال الشيخ محي الدين: " وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة، ودليل الجمهور. الأحاديث الصحيحة، منها هذا الحديث، وحديث أنس في البخاري الذي مر آنفاً، وغير ذلك. أما الآية فالمراد بها والله أعلم: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وقيل: إنها منسوخة بفعل النبي- عليه السلام " (3) . ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: فيه دليل على جواز خمس صلوات بوضوء واحد.

_ (1) المصدر السابق (11/2495) . (2) سورة المائدة: (6) . (3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/177) .

59- باب: في تفريق الوضوء

والثانية: فيه جواز المسح على الخفين. والثالثة: فيه جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها، وقد تكون تعمداً لمعنى خفي على المفضول فيستفيده. *** 59- باب: في تفريق الوضوء أي: هذا باب في بيان تفريق الأعضاء في الوضوء. 161- ص- حدثنا هارون بن معروف قال: نا ابن وهب، عن جرير بن حازم: أنه سمع قتادة بن دعامة قال: نا أنس بن مالك: " أن رجلاً جاء إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد توضأ، وقد ترك (1) على قدميْه مثل موضع الظُفْر، فقال له رسولُ الله يك: " أرجعْ فأحسن وُضوءك " (2) . ش- هارون بن معروف الخزاز أبو عليّ المروزي، سكن بغداد، وسمع: ابن عيينة، وعبد العزيز الدراوردي، ويحيى بن زكريا، والوليد ابن مسلم، وعبد الله بن وهب. روى عنه: أحمد بن حنبل- وكان أسن من أحمد بسبع سنين- والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وصالح ابن محمد البغدادي، والبغوي، وغيرهم. مات ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين (3) . وجرير بن حازم بن زيد (4) - أخو يزيد ومخلد- الأزدي العتكي، أبو النضر البصري. سمع: أبا الطفيل عامر بن واثلة، وأبا رجاء

_ (1) في سنن أبي داود: " وترك ". (2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب استيعاب جمع أجزاء كل الطهارة (243) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من توضأ فترك موضعاً لم يصبه الماء (665) ، (666) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6526) . (4) في الأصل: " يزيد " خطأ. 26* شرح سنن أبي داود 1

/العطاردي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ونافعاً (1) مولى ابن عمر، وقتادة، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، والأعمش، والليث بن سعد، والثوري، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن عيينة، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح تغير قبل موته بسنة (2) . قوله: " وقد توضأ " حال من " الرجل "، وكذلك قوله: " وقد ترك " حال، إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة. قوله: " مثل موضع الظفر " الظفر من الإنسان وكل حيوان بضم الظاء وسكون الفاء. وقال ابن دريد: ولا تكسر الظاء ويقال: أظفور أيضاً. وقال الزمخشري: حكى أبو عليّ " ظفْر " بكسر الظاء وإسكان الفاء. قوله: " ارجع فأحسن وضوءك " أي: كمل وضوءك، وذلك يكون ببلّ هذا الموضع، وبه تمسك أصحابنا أن من توضأ وبقي في أعضاء وضوئه موضع لم يصبه الماء، فإنه يبل ذلك الموضع ويجزئه. وقالت الشافعية: عليه أن يعيد الوضوء؛ لان ظاهر معنى الحديث إعادة الوضوء في تمام. ولو كان تفريقه جائزاً لاقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع، أو كان يأمره بإمساسه الماء في مقامه ذلك، ولا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يُتوضأ فيه. قلنا: لو كان الإعادة تجب عليه لقال- عليه السلام-: " ارجع فأعد وضوءك "؛ لأنه- عليه السلام- مبعوث لبيان أمور الشرائع ولا سيما في موضع الحاجة إلى البيان، وإنما قال: " أحسن وضوءك " وتحسين الوضوء تكميله، وذلك لا يكون إلا في أمر مُعتد، غاية ما في الباب أنه لا يجوز له أن يُصلي بذلك الوضوء حتى تكمل شرائطه، وقوله " ارجع " لا يدل على الإعادة، وإنما قال: ارجع ليرجع ويحصل ماء يُمسُ ذلك الموضع به، ويؤيد ما ذكرناه ما روى ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس فيما يعلم

_ (1) في الأصل: " ونافع " خطأ (2) المصدر السابق (4/913) .

حماد، عن علي قال: " إذا توضأ الرجل فنسي أن يمسح برأسه، فوجد في لحيته بللاً، أخذ من لحيته فمسح رأسه ". وهذا أبلغ من ذاك، حيث أنه إذا نسي ركناً كاملاً بالكلية يجزئه إمساس الماء من غير إعادة الوضوء، على أن الحديث ليس بمعروف كما نذكره الآن. عر- قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف عن جرير بن حازم، لم (1) يروه إلا ابن وهب، وقد رُوي عن معقل بن عُبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر- رضي الله عنه-، عن النبي- عليه السلام- نحوه، وقال: " ارجعْ فأحْسنْ وضوءك ". قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: نا يونس وحميد، عن الحسن، عن النبي- عليه السلام- بمعنى قتادة (2) . ش- معقل بن عبيد الله أبو عبد الله الجزري العبسي مولاهم الحراني. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعاً، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع، وأبو نعيم، وعبد الله بن محمد النفيلي، وغيرهم. قال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي الأسدي، وقد ذكرناه، وجابر بن عبد الله الصحابي، وحماد بن سلمة. ويونس بن عبيد بن دينار البصري، أبو عبد الله العبدي مولاهم. رأى أنس بن مالك. وسمع: الحسن، ومحمد بن سيرين، وثابتاً البناني، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، والحمادان، ووهيب بن خالد، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " ولم "، وكذا في الشرح. (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (28/6092) . (4) المصدر السابق (32/7180) .

وحميد هذا هو ابن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري الخزاعي مولى طلحة الطلْحات، واسم أبي حميد زاذويه، ويقال: طرخان. ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود. سمع: أنس بن مالك، والحسن البصري، وثابتاً، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والحمادان، وابن المبارك، ويحيى القطان، وغيرهم. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " ليس هذا الحديث بمعروف " أي: حديث أنس المذكور، ثم علله بقوله: " ولم يروه إلا عبد الله بن وهب ". قوله: " وقد روي " أي: رُوي هذا الحديث أيضاً عن معقل. /وأخرج مسلم حديث عمر هذا عن سلمة بن شبيب، عن ابن أعين، عن معقل. وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير، قال الشيخ محيي الدين: " استدل القاضي عياض وغيره بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله- عليه السلام-: " ارجع فأحسن وضوءك "، ولم يقل: اغسل الموضع الذي تركته. وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل، فإن قوله- عليه السلام-: " أحسن وضوءك " يحتمل للتتميم والاستئناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر " (2) . قلت: وإن كان يحتمل المعنيين، ولكن حمله على معنى التتميم أولى لما ذكرنا الآن. نعم الاستدلال به على وجوب الموالاة لا وجه له لعدم ما يدل على ذلك، وإن دل فلا يسلم أن يكون واجباً، بل يكون مستحبا لما عرف من أنه يلزم من ذلك الزيادة على مطلق النص، وذا غير جائز. قوله: " قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل " إلى آخره، حديث مرسل.

_ (1) المصدر السابق (7/1525) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/132) .

قوله: " بمعنى قتادة " يعني بمعنى الحديث الذي رواه قتادة بن دعامة عن أنس بن مالك. وذكر الدارقطني أن جرير بن حازم تفرد به عن قتادة، ولم يروه عنه غير ابن وهب. 162- ص- حدثنا حيوة بن شريح قال: نا بقية بن الوليد، عن بحير - يعني: ابن سعد (1) - عن خالد- يعني: ابن معدان- عن بعض أصحاب النبي- عليه السلام-: " أن النبي- عليه السلام- رأى رجلاً يُصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدْر الدرهم لم يصبْها الماءُ، فأمره النبي- عليه السلام- أن يُعيد الوضوء والصلاة " (2) . ش- بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز- بالحاء المهملة- الكلاعي الحميري الميْتمي- بالياء آخر الحروف ثم التاء المثناة من فوق- أبو محمد الحمصي. سمع: محمد بن زياد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمادان، وابن المبارك، وحيوة بن شريح، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. وقال أبو مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: ما لبقية عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فإذا حدث عن الثقات فهو ثقة. توفي بحمص سنة سبع وتسعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . وخالد بن معدان بن أبي كرب (4) الكلاعي أبو عبد الله الحمصي. روى عن: أبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وسمع أبا أمامة الباهلي، وغيره. روى عنه: ثور بن يزيد، وحريز بن عثمان، وابنته عبدة بنت

_ (1) في الأصل: " يحيى- يعني: ابن سعيد " خطأ، ووقع في سنن أبي داود: " بجير " بالجيم المعجمة وهو خطأ أيضاً، والصواب أنه بالحاء المهملة. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/738) . (4) في الأصل: " كريب " خطأ.

60- باب: إذا شك في الحدث

خالد، وزياد بن سعد، وغيرهم. توفي سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " لُمعة " اللُّمعة- بضم اللام-: بياض أو سواد أو حمرة تبدو من بين لون سواها، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس، وفي اصطلاح الفقهاء: اللمعة: الموضع الذي لم يصبه الماء. وبهذا الحديث استدل الجمهور أن من ترك جزءاً يسيرا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته. واختلفوا في التيمم، فعند الشافعي ومالك وأحمد: كالوضوء. وعند أبي حنيفة: أن الاستيعاب فيه ليس بشرط، والأصح عندنا أيضاً أنه شرط، وعليه الفتوى. قوله: " أن يعيد الوضوء والصلاة " أما إعادة الصلاة فظاهر؛ لأنه صلّى بلا طهارة كاملة، وأما إعادة الوضوء فعند من يقول بعدم جواز التفريق في الوضوء، فظاهر أيضاً، وأما عند من يرى ذلك فلتقع صلاتُه بعد ذلك بطهارة مأتي بها على وجه الكمال ليخرج عن عهدة الخلاف مع اشتراط الاحتياط في أبواب العبادات. وهذا الحديث أيضاً مرسل، وفي إسناده بقية، وهو مدلس، وفيه مقال كما ذكرناه. ولو أخرجه على ما أخرجه الحاكم في " المستدرك " كان يسلم من تهمة تدليس بقية، والله أعلم. *** 60- باب: إذا شك في الحدث أي: هذا باب في بيان حكم من يشك في الحدث. الشك: ما يستوي فيه طرف العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر، ولم يأخذ بما ترجح ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا عقد/القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن، وغالب الرأي. ويقال: الشك ما استوى فيه (1) المصدر السابق (8/1653) .

طرفا العلم والجهل، فإذا ترجح أحدهما على الآخر، فالطرف الراجح ظن، والطرف المرجوح وهم. 163- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (1) قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم، عن عمه (2) : " شُكي إلى النبيّ- عليه السلام- الرجلُ يجدُ الشيء في الصلاة حتى يُخيلُ إليه قال: " لا ينْفتلُ حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً " (3) . ش- محمد بن أحمد بن أبي خلف، واسم أبي خلف: محمد السلمي أبو عبد الله مولاهم البغدادي. سمع: محمد بن طلحة، وابن عيينة، وروح بن عبادة، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة صدوق مات سنة ست وثلاثين ومائتين (4) . وسعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو أبو محمد المدني، إمام التابعين وسيدهم. روى عن: عمر بن الخطاب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس، وأبي هريرة، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وقتادة، وجماعة آخرون كثيرة. توفي سنة أربع وتسعين، وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب. روى له الجماعة (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " ابن أبي بن خلف " خطأ. (2) في سنن أبي داود: " عن عمه [قال] " (3) البخاري: كاب الوضوء، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (137) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن من يستيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (361) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من الريح (1/98) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: لا وضوء إلا من حدث (513) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5042) . (5) المصدر السابق (11/2358) .

وعباد قد ذكر، وعمه عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي، وقد ذكر. قوله: " شُكي إلى النبي " بضم الشين، وكسر الكاف على بناء المجهول، و " الرجل " مرفوع على أنه فاعل للفعل المذكور، ولم يُسم الشاكي من هو. وقد جاء في رواية البخاري أن السائل هو. عبد الله بن زيد الراوي، ولا يتوهم بهذا أن " شكي " مفتوح الشن والكاف على بناء المعلوم، على أن يجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا غلط لا يخفى على من يعرف طرق التركيب، وذاق من العربية شيئاً. قوله: " يجد الشيء " حال من الرجل. قوله: " يخيل إليه " يعني: خروج الحدث منه. قوله: " لا ينفتل " أي: لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، والمعنى: حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يُشترط السماع والشم بإجماع المسلمين، فإن الأصم لا يسمع شيئاً، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشم أصلاً، وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يُتبين خلاف ذلك، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث، حكم ببقائه على طهارته، سواء كان في نفس الصلاة أو خارج الصلاة، وهذا بالإجماع إلا عن مالك روايتان، إحديهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى: يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، وهو وجه شاذ عند الشافعية، وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع. ويُبنى على هذا الأصل فروع كثيرة محلها كتب الفقه. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 164- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا سُهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان

61- باب: الوضوء من القبلة

أحدُكُم في الصلاة فوجد حركةً في دُبُره، أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرفْ حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " (1) . ش- حماد بن سلمة. وسهيل بن أبي صالح، واسم أبي صالح: ذكوان السمان الكوفي أبو يزيد الغطفاني الكوفي، مولى جويرية بنت الأحْمس، أخو محمد وعبد الله وصالح. سمع: أباه، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين: ليس حديثه بحجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " فأشكل عليه " الضمير الذي في " أشكل " يرجع إلى الحدث الذي دل عليه قوله: " أحدث " والمعنى: أشكل عليه/هل وجد أم لا، فلا ينصرف من الصلاة؛ لأن اليقين لا يزول بالشك إلا إذا تيقن الحدث فح (3) ينصرف ويتوضأ، ثم هل يبني على ما مضى أو يستأنف، فعندنا: له أن يبني، وعند الشافعي، ومالك، وأحمد يستأنف، وهو الأفضل عندنا. وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي بنحوه. *** 61- باب: الوضوء من القُبلة أي: هذا باب في بيان الوضوء من قُبلة الرجل زوجته.

_ (1) مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (362) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الريح (75) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2629) . (3) كذا، وهي بمعنى: " فحينئذ ".

165- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا يحيي وعبد الرحمن قالا: نا سفيان، عن أبي روْق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبي- عليه السلام- قبلها ولم يتوضأ " (1) . ش- محمد بن بشار هو بُندار، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي اللؤلؤ، وسفيان الثوري. وأبو روق عطية (2) بن الحارث الهمداني، الكوفي. سمع: السبيعي، وأبا إسحاق الشيباني، وإبراهيم التيمي، وعبيد الله بن خليفة. روى عنه: الثوري، وأبو أسامة، وعبد الواحد بن زياد، وبشر بن عُمارة، وشريك بن عبد الله النخعي. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وهذا الحديث حُجّة على من يرى الوضوء على من لمس المرأة، فإن النبيّ- عليه السلام- قبل عائشة- رضي الله عنها- ولم يتوضأ. والتقبيل أبلغ من اللمس. ص- قال أبو داود: إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً، هو مرسل. قال: وكذا رواه الفريابي وغيره (4) . ش- قال الدارقطني: وقد روى هذا الحديث معاويةُ بن هشام، عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها- فوصل إسناده. ومعاوية هذا أخرج له مسلم في " صحيحه "، فزال بذلك انقطاعه. وذكر البيهقي هذا الحديث ثم قال: وأبو روق ليس بقوي، ضعفه ابن معين وغيره.

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من القُبلة (1/104) . (2) في الأصل: " عطاء " خطا. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3955) . (4) زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة، وكان يكنى أبا أسماء ".

قلت: أبو روق أخرج له الحاكم في " المستدرك ". وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: صدوق كما ذكرنا. وقال أبو عمر: قال الكوفيون: هو ثقة لم يذكره أحد بجرحة، ومراسيل الثقات عندهم حجة. قوله: " إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً " قال عبد الغني في ترجمته: إبراهيم بن محمد بن طلحة القرشي التيمي سمع: أبا أسيد الساعدي، وعبد الله بن عمرو، وأبا هريرة، وعائشة أم المؤمنين كما ذكرناه مرة. قوله: " وكذا رواه الفريابي وغيره " هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي أبو عبد الله الضبي مولاهم، سكن قيسارية الشام، أدرك الأعمش، وروى عنه، وعن إبراهيم بن أبي عبلة، وجرير بن حازم والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وجماعة آخرين. وروى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن منصور، ودُحيم، وإبراهيم بن الوليد، وجماعة آخرون. قال النسائي وأبو حاتم: هو ثقة. توفي في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين. روى له الجماعة (1) . 166- ص- وثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة: " أن النبي- عليه السلام- قبل امرأةً من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ". قال عروة: فقلتُ لها: من هي إلا أنت؟ فضحكتْ " (2) . ش- حبيب هو ابن أبي ثابت قيس بن دينار، وقد ذكرناه، وعروة بن الزبير بن العوام.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5716) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من القبلة (86) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الوضوء من القبلة (502) .

] 1/63 حب قوله: " من هي إلا أنت؟ " كلمة " من " هاهنا استفهامية، والتقدير: ما كانت المُقبلةُ إلا أنت. وقوله: " فضحكت " يدل على أن التي قبّلها- عليه السلام- هي عائشة؛ لأن الضحك في مثل هذا الموضع تقرير لكلام السائل، كما في استئذان البكر إذا ضحكت يكون إذناً؛ لأنه دليل الرضا، وهذا الحديث أيضاً حجة للحنفية على خصومهم. ص- قال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحمّاني، عن سليمان الأعمش. ش- زائدة بن قدامة الثقفي، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي أبو يحيى الحمّاني نسبة إلى حمّان من بني تميم- بالحاء المهملة المكسورة وتشديد الميم- سمع: الأعمش، والثوري، وأبا عمرو النضر بن عبد الرحمن الخزاز. روى عنه: عمرو بن عليّ، وأحمد بن سنان العطار، وأبو سعيد الأشج، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة وأبوه ثقة. /توفي سنة ثنتين ومائتين. روى له الجماعة (1) . 167- ص- حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني قال: ثنا عبد الرحمن - يعني ابن مغراء- قال: ثنا الأعمش قال: أنا أصحاب لنا عن عروة المزني، عن عائشة بهذا الحديث (2) . ش- إبراهيم بن مخلد الطالقاني، روى عن عبد الرحمن بن مغراء (3) وغيره. روى عنه أبو داود (4) . والطالقاني بفتح اللام. وعبد الرحمن بن مغراء بن الحارث بن عياض بن عبد الله بن وهب الكوفي أبو زُهير، ولي قضاء الأردن. سمع: إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، ومحمد بن سوقة، وغيرهم.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3725) . (2) انظر الحديث السابق. (3) في الأصل: " عبد الرحمن معن " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/241) .

روى عنه: محمد بن المبارك الصوري، وفيض بن الوثيق، ويوسف بن موسى القطان، ومحمد بن عائذ الدمشقي، وغيرهم. قال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن المديني: ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، تركناه لم يكن بذاك. وقال ابن عدي: هو من جملة الضعفاء. روى له: أبو داود، والترمذي (1) . وعروة المزني روى عن عائشة أم المؤمنين، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، روى له أبو داود (2) . قوله: " بهذا الحديث " أشار به إلى الحديث الذي رواه حبيب بن أبي ثابت، عن عروة. وقد روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى، وبالطريق الأولى روى الترمذي وابن ماجه أيضاً. ص- قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين الحديثين- يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة- قال: احك عني أنهما شبه لا شيء. ش- أشار بهذا يحيى بن سعيد إلى أن حبيب بن أبي ثابت لم يرو عن عروة بن الزبير، ولهذا قال: إنهما شبه لا شيء، يعني: يشابه لا شيء فكأنه أراد أنه ليس بشيء، وهو بكسر الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة، ولذلك قال الترمذي: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث ويقول: لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة شيئاً. وقال الترمذي: ولا يصح في هذا الباب عن النبي- عليه السلام- شيء. وروى البيهقي في " سننه " هذا الحديث وضعفه، وقال: إنه يرجع إلى عروة المزني، وهو مجهول. قلنا: بل هو عروة بن الزبير، كما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، فإنه نسب عروة فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا

_ (1) المصدر السابق (17/3964) . (2) المصدر السابق (20/3915) .

وكيع (1) ، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكره. وكذلك رواه الدارقطني، ورجال هذا السند كلهم ثقات. وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وحبيب لا يُنكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من عروة، وأقدم موتاً، وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة. ص- قال أبو داود: ورُوي عن الثوري [قال:] : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني- يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء- وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثاً صحيحاً. ش- نقل أبو داود ما رُوي عن الثوري من قوله: " ما حدثنا حبيب " إلى آخره، ثم لم يرض بما قاله الثوري، فلذلك قال بكلمة التحقيق: " وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثاً صحيحاً، وهو قوله- عليه السلام-: " اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري ". رواه الترمذي في الدعوات، وقال: غريب (2) . فأبو داود مثبت، والثوري نافي، والمثبت مقدم على النافي. سلمنا أن هذا عروة المزني، أفلا يحتمل أن حبيباً سمعه من ابن الزبير وسمعه من عروة المزني أيضاً كما وقع ذلك كثيراً في الأحاديث؟ وقد جاء لحديث عائشة طرق جيدة سوى ما مر من رواية حبيب، عن عروة عنها، " (3) الأولى: قال أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أنه - عليه السلام- كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ ". وعبد الكريم روى عنه مالك في " الموطأ "، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة. وموسى بن أعين مشهور، ووثقه أبو زرعة،

_ (1) في سنن ابن ماجه (502) : " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع ". (2) الترمذي (3480) . (3) انظر: نصب الراية (1/73- 76) .

وأبو حاتم، وأخرج له مسلم. وابنه/مشهور، وروى له البخاري، وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه، وأبو عوانة الإسفرائيني، وأخرج له ابن خزيمة في " صحيحه "، وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه. الثانية: روى الدارقطني من طرق (1) إلى سعيد بن بشير قال: حدّثني منصور بن زاذان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: " لقد كان رسول الله يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ ". قال الدارقطني: تفرّد به سعيد (2) . قلنا: قال ابن الجوزي: وثّقه شعبة، ودحيم. وأخرج له الحاكم في " المستدرك ". وقال ابن عدي: " لا أرى مما (3) يروي سعيد بأساً، والغالب عليه الصدق ". وأقل أحوال مثل هذا أن يُستشهد به. الثالثة: روى ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: " لا تعاد الصلاة من القُبْلة، كان النبي- عليه السلام- يُقبل بعض نسائه، ويصلي ولا يتوضأ " أخرجه الدارقطني ولم يُعلُه بشيء سوى أن منصوراً خالفه (2) . وذكر البيهقي في " الخلافيات ": أن أكثر رواته إلى ابن أخي الزهري مجهولون، وليس كذلك، بل أكثرهم معروفون. الرابعة: أخرج الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري، عن حاجب بن سليمان، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " قبل رسول الله- عليه السلام- بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت " (4) . والنيسابوري إمام مشهور، وحاجب لا يعرف فيه مطعن، وقد حدث عنه النسائي ووثّقه.

_ (1) في الأصل: " طريق " خطأ. (2) سنن الدارقطني (1/135) . (3) في نصب الراية: " بما ". (4) سنن الدارقطني (1/136) .

62- باب: في الوضوء من مس الذكر

الخامسة: روى الدارقطني أيضاً عن علي بن عبد العزيز الوراق، عن عاصم بن علي، عن أبي أويس، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه بلغها قول ابن عمر: " في القُبْلة الوضوء "، فقالت: " كان رسول الله يُقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ " (1) . وعاصم أخرج له البخاري، وأبو أويس استشهد به مسلم. قال البيهقي: والحديث الصحيح عن عائشة في قُبْلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها. قلنا: هذا تضعيف للثقات من غير دليل، والمعنيان مختلفان، فلا يعلل أحدهما بالآخر. السادسة: روى إسحاق بن راهويه في " مسنده "، أخبرنا بقية بن الوليد، حدّثني عبد الملك بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " أن رسول الله- عليه السلام- قبلها وهو صائم "، وقال: " إن القُبْلة لا تنقض الوضوء، ولا تفطر الصائم، وقال: يا حميراء، إن في ديننا لسعة ". وروى الطبراني في " معجمه الوسط " (2) : حدثنا علي ابن سعيد الرازي، ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثني أبي، ثنا يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيي بن كثير، عن [أبي سلمة، عن] أبي هريرة قال: " كان رسول الله- عليه السلام- يُقبل، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يحدث وضوءاً "، ورُوي ذلك عن ابن عباس، والحسن، وعطاء، ومسروق، وأبي جعفر: " أنهم لا يرون في القُبْلة وضوءاً " (3) . 62- باب: في الوضوء من مس الذكر أي: هذا باب في بيان الوضوء من مس الذكر. 168- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عروة يقول: دخلتُ على مرْوان بن الحكم فذكرنا ما

_ (1) سنن الدارقطني (1/136) . (2) (4/3805) بسنده ومتنه، ولكن عن أم سلمة بدلاً من أبي هريرة. (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

يكون منه الوضوءُ، فقال مروانُ: ومنْ مسّ الذكر، فقال عروةُ: ما علمتُ ذاك، فقال مروانُ: أخبرتْني بُسرةُ بنتُ صفوان، أنها سمعتْ رسول الله يقول: " من مس ذكرهُ فليتوضّأ " (1) . ش- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوْذان أبو محمد، ويقال: أبو بكر الأنصاري المدني. سمع: أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر، وغيرهما. " قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: البخاري، ومسلم " (2) . روى عنه: الزهري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالماً. توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وليس له عقب، وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة (3) . وعروة بن الزبير. ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس/بن عبد مناف ابن قُصي أبو عبد الملك، أو أبو القاسم، أو أبو الحكم. ولد بعد الهجرة بسنتين. روى له البخاري حديث الحديبية مقروناً بالمسور بن مخرمة، ولم يصح له سماع من النبي- عليه السلام-. روى عنه: ابنه عبد الملك، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وغيرهم. توفى سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . وبُسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصي القرشية الأسدية، وهي خالة مروان بن الحكم، وجدة عبد الملك بن مروان،

_ (1) الترمذي: أبواب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (82) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (1/100) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (479) . (2) كذا ذكره المصنف وسط الترجمة، وليس هذا من عادته. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3190) . (4) المصدر السابق (27/5870) . 27. شرح سنن أبي داوود 1

وهي بنت أخي ورقة بن نوفل، وهي أخت عقبة بن أبي معيط لأمه. روى عنها: عبد الله بن عمرو، وعروة بن الزبير، ومروان بن الحكم. روى لها أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " ومن مسّ الذكر " يعني: يكون الوضوء من مس الذكر. قوله: " ما علمت ذاك " أي: وجوب الوضوء من مس الذكر. وبهذا الحديث احتج الشافعي وأحمد على أن مس الذكر ناقض للوضوء. وإليه ذهب الأوزاعي، وإسحاق، إلا أن الشافعي لا يرى ذلك إلا باللمس بباطن الكف. وقال مالك: إنما ينقض في مس ذكر رجل كبير. " (2) وروى هذا الحديث الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأروى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو. وقال محمد بن إسماعيل: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، واحتجوا أيضاً بأحاديث نذكرها. والجواب عن ذلك من وجوه، الأول: أنه مخالف لما رُوي عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أمامة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وربيعة بن [أبي] عبد الرحمن، وسفيان الثوري، وجماعة آخرين. والثاني: أن هذه الحادثة لما وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من بقي من الصحابة فقالوا: " لا ندع كتاب ربنا ولا سُنة نبينا بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت ".

_ (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/249) ، وأسد الغابة (7/40) ، والإصابة (4/252) . (2) انظر: نصب الراية (1/54: 60) .

الثالث: أنه خبر واحد فيما يعم به البلوى، فلو ثبت لاشتهر. والرابع: أنه بعد تسليم ثبوته محمول على غسل اليدين؛ لأن الصحابة كان يستنجون بالأحجار دون الماء، فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصاً في أيام الصيف، فأمر بالغسل لهذا، فإن قيل: قد قال ابن حبان: وليس المراد من الوضوء غسل اليد، وإن كانت العرب تُسمي غسل اليد وضوءاً، بدليل ما أخبرنا وأسند عن عروة بن الزبير، عن مروان، عن بسرة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من مس فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة ". وأسند أيضاً عن عروة، عن بسرة قالت: قال رسول الله- عليه السلام-: " من مس فرجه فليعد الوضوء "، قال: والإعادة لا تكون إلا لوضوء الصلاة. قلنا: هذا الطحاوي- وهو إمام في الحديث- قد استضعفه بالإسناد الأول. وروى بإسناده، عن ابن عيينة: أنه عد جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث، ومن رأيناه يحدث عنهم سخرنا منه، فذكر منهم: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ثم أخرجه من طريق الأوزاعي: أخبرني الزهري، حدثني أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم. قال: فثبت انقطاع هذا الخبر وضعفه، وبالسند الأول رواه مالك في " الموطأ "، وعنه الشافعي في " مسنده "، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي. وقال الطحاوي: لا نعلم أحداً أفتى بالوضوء من مس الذكر غير ابن عمر، وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله- عليه السلام-. ومن الأحاديث التي احتجوا بها ما رواه ابن حبان في " صحيحه " عن يزيد بن عبد الملك، ونافع بن أبي نعيم القارئ، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر/ولا حائل فليتوضأ ". ورواه الحاكم في " المستدرك " وصححه. ورواه أحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه "، والدارقطني في " سننه "، وكذلك البيهقي، ولفظه فيه: " من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة، قال: ويزيد بن عبد الملك تكلموا فيه، ثم أسند عن

أحمد بن حنبل أنه سئل عنه فقال: شيخ من أهل المدينة ليس به بأس. قلنا: أغلظ العلماء القول فيه فقال أبو زرعة: واهي الحديث، وغلظ فيه القول جدا، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الساجي: ضعيف، منكر الحديث، واختلط بآخره، ثم قال البيهقي: قال الشافعي: ففي الإفضاء باليد إنما هو ببطنها. قلنا: ذكر في " المحلى " قول الشافعي لا دليل عليه من قرآن ولا سُنة، ولا إجماع، ولا قياس، و [لا] رأي صحيح، ولا يصح في الآثار: " من أفضى بيده إلى فرجه "، ولو صح فالإفضاء يكون بظهر اليد كما يكون بباطنها. ومنها ما أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن الهيثم بن حميد، ثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة: أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من مس فرجه فليتوضأ ". قال الترمذي في كتابه: قال محمد- يعني البخاري-: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان. وروى مكحول عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحاً. قال: وقال محمد: أصح شيء سمعت في هذا الباب حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة. وهذا مناقض لما نقله عن البخاري في حديث بسرة أنه قال: هو أصح شيء في هذا الباب، وقد تقدم. وأسند الطحاوي في " شرح الآثار " عن أبي مسهر أنه قال: لم يسمع مكحول من عنبسة شيئاً. قال: وهم يحتجون بقول أبي مسهر، فرجع الحديث إلى الانقطاع، وهم لا يحتجون بالمنقطع. ومنها ما أخرجه ابن ماجه أيضاً عن إسحاق بن أبي فروة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من مس فرجه فليتوضأ ". قلنا: هذا حديث ضعيف، فإن إسحاق المذكور متروك باتفاقهم، وقد اتهمه بعضهم. ومنها ما رواه ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن نافع [عن] ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن

جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء ". وأخرجه البيهقي في " سننه " من طريق الشافعي، عن عبد الله بن نافع به ولفظه فيه: " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ "، ثم قال الشافعي: وسمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يروونه لا يذكرون فيه جابراً. وقال الطحاوي في " شرح الآثار ": وقد روى الحفاظ هذا الحديث عن ابن أبي ذئب فأرسلوه، لم يذكروا فيه جابراً، فرجع الحديث إلى الإرسال، وهم لا يحتجون بالمرسل. ومنها ما رواه أحمد في " مسنده "، والبيهقي في " سننه " عن بقية بن الوليد: حدثني محمد بن الوليد الزبيدي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ". قلنا: يحتج بحديث عمرو بن شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة، وإذا كان غير ثقة فلا يحتج به، وأما حديثة عن أبيه، عن جده، فقد تكلم فيه من جهة أنه كان يحدث من صحيفة جده، قالوا: وإنما روى أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها. وقال الحافظ جمال الدين المزي: عمرو بن شعيب يأتي على ثلاثة أوجه: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو الجادة. وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. وعمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو (1) . فعمْرو له ثلاثة أجداد: محمد، وعبد الله، وعمرو بن العاص، فمحمد تابعي، وعبد الله وعمرو صحابيان، وإن كان المراد بجده محمداً فالحديث مرسل لأنه تابعي، وإن كان المراد به عمراً فالحديث منقطع؛ لأن شعيباً لم يدرك عمراً، وإن كان المراد به عبد الله فيحتاج إلى معرفة سماع/شعيب من عبد الله. ومنها ما أخرجه الدارقطني عن إسحاق بن محمد الفروي، ثنا عبد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة "، وإسحاق بن محمد الفروي هذا ثقة

_ (1) كذا، والجادة " عمرو بن العاص ".

أخرج له البخاري في " صحيحه "، وليس هو بإسحاق بن أبي فروة التقدم في حديث أبي أيوب، ووهم ابن الجوزي في " التحقيق " فجعلهما واحدا، وله طريقان آخران عند الطحاوي، أحدهما: عن صدقة بن عبد الله، عن هشام بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: وصدقة هذا ضعيف. الثاني: عن العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال: والعلاء ضعيف. ومنها ما رواه أحمد في " مسنده " عن ابن إسحاق: حدّثني محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد الجهني: سمعت رسول الله- عليه السلام- يقول: " من مس فرجه فليتوضأ ". ورواه الطحاوي وقال: إنه غلط؛ لأن عروة أجاب مروان حين سأله عن مس الذكر بأنه لا وضوء فيه، فقال مروان: أخبرتني بُسرة، عن النبي- عليه السلام- أن فيه الوضوء. فقال له عروة: ما سمعت هذا، حتى أرسل مروان إلى بُسرة شُرطيا فأخبرته، وكان ذلك بعد موت زيد بن خالد بما شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما حدثه به زيد بن خالد؟ هذا مما لا يستقيم ولا يصح. ومنها ما أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله قال: " ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن " قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: " إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة ". قلنا: هذا معلول بعبد الرحمن هذا. قال أحمد: كان كذاباً. وقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك. زاد أبو حاتم: وكان يكذب. وقد روى أبو يعلى الموصلي في " مسنده " (1) حديثاً يعارض هذا فقال: ثنا الجراح بن مخلد، ثنا عمرو بن

_ (1) (8/4875) .

63- باب: الرخصة في ذلك

يونس اليمامي، ثنا المفضل بن أيوب (1) ، حدثني حسين بن أورع (2) ، عن أبيه، عن سيف بن عبد الله الحميري قال: دخلت أنا ورجال معي على عائشة، فسألناها عن الرجل يمس فرجه أو المرأة تمس فرجها، فقالت: سمعت رسول الله يقول: " ما أبالي إياه مسستُ أو أنفي " (3) . *** 63- باب: الرخصة في ذلك أي: هذا باب في بيان الرخصة في مس الذكر. 169- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا ملازم بن عمرو الحنفي، قال: نا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: قدمينا على نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء رجلٌ كأنه بدوى فقال: يا نبي الله، ما ترى في مسّ الرجل ذكرهُ بعد ما يتوضأ؟ فقال: " وهل هو [إلا] مُضغةٌ منه، أو بضعةٌ منه؟ " (4) . ش- ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر بن قيس بن طلق بن شيبان الحنفي السُحيميُ اليمامي أبو عمرو. روى عن: عبد الله بن بدر بن عميرة بن الحارث الحنفي، وهوذة بن قيس بن طلق. روى عنه: مسدد، وسليمان بن حرب، ومحمد بن عيسى الطباع، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) .

_ (1) كذا، وفي مسند أبي يعلى ونصب الراية: " ثواب "، وأشار محقق مسند أبي يعلى إلى أن نسخة " فا " أيوب (2) كذا، وفي مسند أبي يعلى: " حسين بن فادع "، وقال محققه: في الأصلين " أودع "، وقد أشير فوقها في " ش " نحو الهامش حيث استدرك الصواب، وكذلك في هامش " مجمع الزوائد " بخط المؤلف: " حسن بن فادع ". (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر (85) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك (1/101) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (483) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6325) .

وعبد الله بن بدر بن عميرة بن الحارث بن سمرة الحنفي اليمامي، جد ملازم بن عمرو. سمع: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان، وقيس بن طلق الحنفي. روى عنه: ملازم بن عمرو، وجهضم ابن عبد الله، ومحمد بن جابر اليمانيون. قال أبو زرعة وابن معين: ثقة. روى له (1) : أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وقيس بن طلق بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي. روى عن أبيه، روى عنه: عبد الله بن بدر، ومحمد بن جابر اليمامي، وعبد الله بن النعمان السُحيمي، وعجيبة بن عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن قيس، وغيرهم. قال ابن معين، وأحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وطلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى الحنفي، أبو علي اليمامي، أحد الوافدين الذين قدموا على رسول الله، وعمل معه في بناء المسجد. روى عنه: ابنه قيس، وعبد الله بن النعمان، وعبد الرحمن/بن عليّ بن شيبان، وعبد الله بن بدر. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (4) . قوله: " قدمنا على النبيّ- عليه السلام- " وذلك حين قدم مع وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب لعنه الله، وكانوا بضعة عشر رجلاً، وفيهم طلق بن علي، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. قوله: " هل هو [إلا] مضغة منه " " المُضغة " - بضم الميم-: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها " مُضغ "، و " البضعة " - بفتح الباء

_ (1) في الأصل: " رواه " خطأ. (2) المصدر السابق (14/3175) . (3) المصدر السابق (24/4910) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/240) ، وأسد الغابة (3/92) ، والإصابة (2/232) .

وكسرها-: القطعة من اللحم، والمعنى: أنه جزء منه كما في الحديث: " فاطمة بضعة مني " (1) أي: جزء مني كما أن القطعة من اللحم. وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وفي لفظ النسائي في الصلاة، وهو رواية لأبي داود كما نذكره الآن. واعلم أن هذا الحديث " (2) له أربع طرق: أحدها عند أصحاب السنن إلا ابن ماجه عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام-: " أنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: " هل هو إلا بضعة منك ". ورواه ابن حبان في " صحيحه "، وقال الترمذي: وهذا الحديث أحسن شيء رُوي في هذا الباب. الثاني: أخرجه ابن ماجه عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق به. ومحمد بن جابر ضعيف، قال الفلاس: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء. الثالث: عن عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد العجلي، عن قيس بن طلق به. وهو عند ابن العدي (3) . وعبد الحميد: ضعفه الثوري. والعجلي: ضعفه ابن معين. الرابع: عن أيوب بن عتبة اليمامي، عن قيس بن طلق، عن أبيه، وهو عند أحمد. أيوب بن عتبة وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: مضطرب الحديث. وبالطريق الأول رواه الطحاوي في " شرح الآثار ". وقال: هذا حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا متنه. ثم أسند عن علي بن المديني أنه قال: حديث ملازم بن عمرو

_ (1) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3714) ، مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (93/2449) . (2) انظر: نصب الراية (1/60- 69) . (3) كذا.

أحسن من حديث بُسرة. وأخرج الطحاوي عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: " ما أبالي مسست أنفي أو ذكري ". وأخرج عن ابن مسعود نحو ذلك، وأخرج عن عمار بن ياسر أنه قال: " إنما هو بضعة منك، وأنّى لكفك موضعاً غيره؟ " ثم أخرج عن حذيفة وعمران بن حصين: " كانا لا يريان في مس الذكر وضوءاً ". وقال: وما رووا عن ابن عباس أنه قال: " فيه الوضوء ". فقد رُوي عنه خلافه. ثم أخرج عنه أنه قال: " ما أبالي إياه مسستُ أو أنفي ". وأسند إلى الزبير بن عدي، عن مصعب ابن سعد مثله. وقال فيه: " قم فاغسل يدك ". وكذلك أخرج أبو بكر ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن ابن مسعود: " إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها "، وكذا عن سعد بنحوه. وعن حذيفة: " ما أبالي إن مسست ذكري أو أذني ". وعن عبد الله: " ما أبالي مسست ذكري أو أُذني، أو إبهامي أو أنفي ". وعن عمار بن ياسر: " ما هو إلا بضعة منك " كما أخرج الطحاوي. وعن عمران بن حصين: " ما أبالي إياه مسستُ أو بطن فخذي " يعني: ذكره. وعن عليّ: " سئل عن الرجل يمس ذكره؟ قال: لا بأس ". وعن طاوس، وسعيد بن جبير: " من مس ذكره وهو لا يريد، فليس عليه وضوء ". وعن أبي أمامة: " أن النبي- عليه السلام- سُئل عن مس الذكر فقال: هل هو إلا حذوة منك؟ ". والحُذوة بضم الحاء المهملة، وقيل بكسرها وسكون الذال المعجمة: قطعة من اللحم، وكذلك الحذية، وحكى صاحب " التنقيح ": اجتمع سفيان وابن جريج فتذاكرا مس الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ منه. وقال سفيان: لا يتوضأ منه. أرأيت لو أمسك بيده منيا كان عليه؟ قال ابن جريج: يغسل يده. قال: فأيهما أكبر، المني أو مس الذكر؟ فقال: ما ألقاها عليك إلا الشيطان. فإن قيل: حديث طلق بن عليّ منسوخ، فإن قدومه كان في أول سنة من سنيّ الهجرة، ثم رجع إلى بلده، ثم لا يعلم له رجوع إلى المدينة.

وحديث أبي هريرة ناسخه؛ لأن إسلام أبي هريرة في سنة سبع من الهجرة، فكان خبره بعد خبر طلق بسبع ستين. قلت: قد مضى أن في رواية أبي هريرة يزيد بن عبد الملك، وهو واهٍ، منكر الحديث/وأما عدم العلم برجوع طلق إلى المدينة لا يُوجب عدم رجوعه إليها بعد إسلام أبي هريرة، فافهم. فإن قيل: قد ذكر البيهقي عن ابن معين أنه قال: قد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه. قلت: ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد ابن الحسن النقاش المفسر، وهو من المتهمين بالكذب. وقال البرقاني: كل حديثه مناكير. وليس في تفسيره حديث صحيح. وروى ابن النقاش كلام ابن معين هذا عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، وعبد الله هذا قال فيه ابن عدي: كان متهماً في روايته عن قوم أنه لم يلحقهم. وقد روى عن ابن معين أنه وثق قيساً بخلاف ما ذكر عنه في هذا السند الساقط. وصحح حديثه هذا ابن حبان وابن حزم. وأخرجه الترمذي، وقال: هذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب كما ذكرنا. فإن قيل: فقد قال الشافعي: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا فيه قبول خبره. وقد حكى الدارقطني أيضاً في " سننه " عن ابن أبي حاتم، أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهناهُ ولم يثبتاه. قلت: هو معروف، روى عنه تسعة أنفس، ذكرهم صاحب الكمال، وذكرنا أكثرهم في ترجمته، وذكره ابن حبان في " الثقات ". وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما "، والحاكم في " المستدرك ". وروى له أصحاب السنن الأربعة. فن قيل: قد روى حديث بسرة جماعة من الصحابة، وكثرة الرواة مؤثرة في الترجيح. وحديث طلق بن علي لا يحفظ من طريق يوازي هذه

الطرق، وهو حديث فرد في الباب. قلت. كما وجد اختلاف الرواة في حديثها، فكذلك وجد في حديث طلق نحو ذلك، ثم إذا وجد للحديث طريق واحد صحيح، سالم من شوائب الطعن، تعين المصير إليه ولا غيره باختلاف الباقين، وقد يقال: إن كثرة الرواة لا أثر لها في باب الترجيحات؛ لان طريق كل واحد منهما غلبه الظن، فصار كشهادة شاهدين مع شهادة أربعة. وقد يقال: إن بُسرة غير مشهورة لاختلاف الرواة في نسبها؛ لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية. ولو سلم عدم جهالتها فليست توازي طلقاً في شهرته، وكثرة روايته، وطول صحبته، وبالجملة فحديث النساء إلى الضعف لا يوازي حديث الرجال " (1) . ص- قال أبو داود: رواه هشام بن حسان، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وجرير الرازي، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، [عن أبيه بإسناده ومعناه. قال: " في الصلاة "] (2) . ش - هشام بن حسان أبو عبد الله البصري القُردُوسي، والقراديس: هو قردوس بن الحارث بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عُدثان، والقراديس والحراميز والعفاة، ولقيط وعرقان إخوة بني الحارث بن مالك ابن فهم، والقسامل من ولد عمرو بن مالك بن فهم، والأشاقر من ولد مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، ويقال: إنه من العتيك كان نازلاً في القراديس، ويقال: مولاهم. سمع: الحسن، وابن سيرين، وعطاء ابن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: معمر، وابن جريج، والثوري، وشعبة، والحمادان، وجماعة آخرون. وقال أحمد بن عبد الله: هو بصري ثقة، حسن الحديث 0 توفي سنة سبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (3)

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) غير موجود في سنن أبي داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6572) .

64- باب: الوضوء من لحوم الإبل

والثوري سفيان، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد الرازي، ذكروا. ومحمد بن جابر اليمامي السُّحيمي أصله كوفي، يكنى أبا عبد الله. روى عن: قيس بن طلق، وحماد بن أبي سليمان، وعُمير بن سعيد النخعي، وعبد العزيز بن رفيع، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن عوف، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة، ووكيع، وغيرهم. وعن ابن معين: محمد بن جابر كان أعمى، واختلط حديثه، وهو ضعيف. وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الوهم، متروك الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وعن إسحاق بن [أبى] إسرائيل مع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. روى له أبو داود (1) . قوله: " رواه " أي: روى هذا الحديث وهو حديث طلق، وفي هذه الرواية قال: " في الصلاة "، وهي رواية النسائي أيضاً. /170- ص- حدثنا مسدد، نا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق بإسناده ومعناه قال: " في الصلاة " (2) . ش- أشار بهذا إلى طريق آخر، فإنه رواية مسدد بن مسرهد، عن محمد بن جابر، عن قيس. وفي هذه الرواية أيضاً قال: " وفي الصلاة " ورواية الزيادة أبلغ؛ لأن المس إذا لم يكن ناقضاً في الصلاة ففي خارجها أولى. *** 64- باب: الوضوء من لحوم الإبل أي: هذا باب في بيان الوضوء من لحوم الإبل.

_ (1) المصدر السابق (24/5110) . (2) الترمذي: كتاب الظهارة، باب: ما جاء في الوضوء من مس الذكر (85) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك (1/101) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (483) .

171- ص- حدّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو معاوية قال: أنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: " سُئل رسولُ الله- عليه السلام- عن الوضوء من لُحوم الإبل قال (1) : توضؤوا منها، وسُئل عن لُحوم الغنم فقال: لا توضؤوا منها. وسُئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تُصلُوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين. وسُئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال. صلوا فيها فإنها بركة " (2) . ش- عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي رقي، أصله كوفي. روى عن: جابر بن سمرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير. روى عنه: الأعمش، وفطر بن خليفة، وحجاج بن أرطأة، وغيرهم. وعن الأعمش: كان ثقة لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . " (4) واختلف العلماء في أكل لحم الجزُور، فمذهب الأكثرين إلى أنه لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي ابن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة، واختاره البيهقي، وحكي عن أصحاب الحديث مطلقاً. وحكي عن جماعة من الصحابة، واحتج هؤلاء بأحاديث الباب " (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال ". (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (81) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (494) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3367) . (4) انظر: " شرح صحيح مسلم " (4/48) . (5) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".

والجواب عن هذا: أن الوضوء متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونقاء الزهومة (1) ، كما رُو: " توضؤوا من اللبن فإن له دسماً "، ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد، لوجود سببه دون الوضوء، الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه. كذا قال الخطابي (2) . فيا ليت شعْري! لماذا لم يأولوا هكذا الوضوء الذي في مس الذكر، فهل كان هناك حدث حتى يرفعه الوضوء؟ وقال الشيخ محيي الدين (3) : " ومذهب أحمد أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه، وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر- رضي الله عنه-: " كان آخر الأمرين من رسول الله: ترك الوضوء مما مست النار "، ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام ". قوله: " في مبارك الإبل " المبارك: جمع مبرك، وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل. وقال الخطابي (4) : " إنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل؛ لأن فيها نفاراً وشراداً، لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى بحضرتها، أو تُفسد عليه صلاته، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكون، وقلة النفار ". قلت: قد علل النبي- عليه السلام- في نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل بقوله: " فإنها من الشياطين "، والتأويل في مقابلة التعليل غير مفيد. ثم معنى قوله: " فإنها من الشياطين ": من مأوى الشياطين، والضمير يرجع إلى المبارك لا إلى الإبل؛ لأن الإبل ليست من الشياطين.

_ (1) الريح النتنة. (2) معالم السنن (1/58) . (3) " شرح صحيح مسلم " (4/49) . (4) معالم السنن (1/58) .

وإنما قلنا هكذا لأن الشياطين تأوي إلى المزابل، والمواضع التي فيها القذر، وللشياطين مآوي ومنازل، ومن جملتها مبارك الإبل، وكلمة " من " تدل على التبعيض. فن قلت: مرابض الغنم أيضاً فيها الزبل؟ قلت: قد عللها صاحب الشرع بقوله: " فإنها بركة " والضمير هاهنا يرجع إلى الغنم؛ لأن عين الغنم بركة، وقد سقط هاهنا رعاية ذاك المعنى، لكون الغنم بركة، وكل موضع فيه بركة لا تأوي إليه الشياطين، وكيف وقد ورد " ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ". فإن قلت: ما حكم لحم البقر في ذلك؟ قلت: قد روى أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ": حدّثنا وكيع، عن (1) /سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: " ليس في لحوم الإبل والبقر والغنم وضوء ". قوله: " في مرابض الغنم " المرابض: جمع مربض- بفتح الميم- من ربض في المكان يربض إذا لصق بها وأقام ملازماً لها، وفي " الصحاح ": وربوض الغنم والبقر والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير. يقال: ربضت الغنم مربض بالكسر، ربوضاً وأربضتها أنا. وهذا الحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه مختصراً، وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقولان: قد صح في هذا الباب حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة. وحديث جابر بن سمرة أخرجه مسلم في " صحيحه "، ولفظه: " أن رجلاً سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم

_ (1) مكررة في الأصل.

65- باب: الوضوء من مس اللحم النيء وغسله

الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا " (1) . *** 65- باب: الوضوء من مس اللحم النّيء وغسله أي: هذا باب في بيان الوضوء عند لمس الرجل اللحم النّيء، النّيءُ: هو الذي لم يطبخ أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج. يقال: ناء اللحم ينيء نيئاً بوزن ناع ينيع نيعاً، فهو نيءٌ كنيع بالكسر هذا هو الأصل، وقد تترك الهمزة وتُقلب ياء فيقال: " نيّ " مشدداً. 172- ص- حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرّقي وعمرو بن عثمان الحمصي، المعنى، قالوا: حدثنا مروان بن معاوية قال: أخبرنا هلال ابن ميمون الجُهني، عن عطاء بن يزيد الليثي- قال هلال: لا أعلمه إلا عن أبي سعيد- وقال أيوب وعمرو: أراه عن أبي سعيد الخدري: " أن النبي - عليه السلام- مر بغلام يسلخُ (2) شاة، فقال له رسولُ الله: تنح حتى اريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارتْ إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ " (3) . ش- أيوب بن محمد بن زياد الوزان أبو سليمان الرقي، مولى ابن عباس، كان يزنُ القطن. في الوادي. وروى عن: يعلى بن الأشدق. وسمع: مروان بن معاوية الفزاري، ومُعمر بن سليمان، وعيسى بن يونس، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. وقال يعقوب بن سفيان: شيخ لا بأس به. توفي في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين (4) .

_ (1) مسلم: كتاب الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل (36/970) . (2) في سنن أبي داود: " وهو يسلخ ". (3) ابن ماجه: كتاب الذبائح، باب: السلخ (3179) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/623) . 28. شرح سنن أبي داوود 1

وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أبو حفص القرشي الحمصي سمع: أباه، ومروان بن معاوية، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة خمسين ومائتين بحمص (1) . ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينة، أبو عبد الله الفزاري الكوفي، سكن مكة، ثم صار إلى دمشق، ومات بها سنة ثلاث وتسعين ومائة قبل التروية بيوم فجأة. سمع: سليمان التيمي، وحميدا (2) الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصماً الأحول، والأعمش، وجماعة آخرين كثيرة. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأحمد ابن حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، وجماعة آخرون كثيرة. قال ابن معين: ثقة. قال أحمد: ثبت حافظ. وقال أبو حاتم: صدوق صدوق (3) ، لا يُدفعُ عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين. وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين، وضعفه فيما روى عن المجهولين. روى له الجماعة (4) . وهلال بن ميمون أبو علي، ويقال: أبو المغيرة الجُهني الرملي. سمع: سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد، ويعلى بن شداد، وغيرهم. روى عنه: مروان بن معاوية، وأبو معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. روى له أبو داود، وابن ماجه (5) . قوله: " أراه عن أبي سعيد " أي: أظنه. قوله: " تنح حنى أريك " معناه: حتى أعلمك، ومنه قوله تعالى: (وأرنا مناسكنا) (6) .

_ (1) المصدر السابق (22/4408) (2) في الأصل: " حميد ". (3) كذا بالتكرار، وفي " الجرح والتعديل " (8/1246) : " صدوق " واحدة. (4) المصدر السابق (27/5877) . (5) المصدر السابق (30/6630) . (6) سورة البقرة: (128) .

66- باب: ترك الوضوء من مس الميتة

قوله: " فدحس بها " أي: دس يده بين الجلد واللحم كما يفعل السلاخ، والدحس: إدخال اليد بين جلد الشاة ولحمها، والدحس والدسّ/متقاربان. قوله: " حتى توارت " أي: حتى غابت " إلى الإبط ". قوله: " ولم يتوضأ " قال الشيخ زكي الدين: " معنى الوضوء في هذا الحديث: غسل اليد " 0 قلت: الظاهر أن المراد: لم يتوضأ الوضوء الشرعي، والتبويب يدل على هذا. ص- قال أبو داود: زاد عمرو في حديثه: " يعني: لم يمس ماءً ". وقال: عن هلال بن ميمون الرملي. قال أبو داود: رواه عبد الواحد بن زياد، وأبو معاوية عن هلال، عن عطاء، عن النبي- عليه السلام- مرسلاً لم يذكرا (1) أبا سعيد- رضي الله عنه-. ش- عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري، قد ذكر. وأبو معاوية الضرير، وعطاء بن يزيد. قوله: " زاد عمرو (2) " إشارة إلى رواية أخرى فيها زيادة. قوله: " لم يمس ماءً "، وقوله: " رواه عبد الواحد " إشارة إلى رواية أخرى، وفيها إرسال، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً. *** 66- باب: ترك الوضوء من مس الميتة أي: هذا باب في بيان ترك الوضوء من مس الميتة، وهي التي تموت بلا ذبح. 173- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا سليمان- يعني: ابن بلال

_ (1) في سنن أبي داود: " لم يذكر " خطأ. (2) في الأصل: " أبو عمرو " خطأ.

- عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: " أن النبي- عليه السلام- مرّ بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفتيْه، فمر بجدْي أسك ميت، فتناولهُ فاخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له؟ " (1) وساق الحديث. ش- سليمان بن بلال أبو محمد، أو أبو أيوب القرشي التيمي المدني، مولى عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. سمع: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، ويحيى الأنصاري، وعبد الله بن دينار، وجعفر بن محمد، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وابن وهب، وأبو عامر العقدي، وعبد الله بن مسلمة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة، صالحُ الحديث. وقال أحمد: لا بأس به. توفي بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومائة (2) . وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني الصادق. روى عن: أبيه، ومحمد بن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، والقاسم بن محمد، ومسلم بن أبي مريم المدني، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وسليمان بن بلال، وجماعة آخرون كثيرة. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسألُ عن مثله. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ومحمد بن علي والد جعفر المعروف بالباقر أبو جعفر المدني. روى عن: أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، ومحمد ابن الحنفية، وعبيد (4) الله بن أبي رافع. روى عنه: أبو إسحاق الهمْداني، وعمرو بن دينار،

_ (1) مسلم: كتاب الزهد والرقائق (2957) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2496) . (3) المصدر السابق (5/950) . (4) في الأصل: " عبد " خطأ.

والزهري، وعطاء بن أبي رباح، والأعرج، وهو أسنُ، وابنه جعفر بن محمد، وابن جريج، والأوزاعي، وآخرون. روى له الجماعة (1) . قوله: " في بعض العالية " العالية واحدة العوالي، وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، أدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، والنسب إليها عُلوي على غير قياس. قوله: " والناس كنفتيه " جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في " مر "، وكذا قوله: " داخلاً " حال منه، ومعنى " كنفتيه " ناحيتيه، وفي لفظ " كنفيه " أي: جانبيه، والمعنى: محيطون به من جانبيه. قوله: " فمر بجدي أسك " الجدي بفتح الجيم وسكون الدال: من ولد المعز، و " الأسك " بفتحتين وتشديد الكاف: الصغير الأذن، وقيل: صغير الأذنين. ملتصقهما وقيل: الذي لا أذنان له، والذي قطعت أذناه، وهو أيضاً: الأصم الذي لا يسمع. وقال ابن الجوزي في " جامع المسانيد ": " وفي لفظ: أصك بالصاد ". قوله: " وساق الحديث " وتمامه في " صحيح مسلم "، ولفظه: " مر رسول الله داخلاً في بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيباً فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم ". وفي " مسند أحمد ": ثنا عفان قال: ثنا وهيب قال: ثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى العالية فمر بالسوق، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فرفعه، فقال: بكم تحبون أن هذا لكم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: بكم تحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا لكان عيباً فيه [أنه] (2) أسك، فكيف وهو

_ (1) المصدر السابق (26/5478) . (2) زيادة من " المسند ".

67- باب: ترك الوضوء مما مسته النار

ميت؟ قال: فوالله الدنيا (1) أهون/على الله عز وجل من هذا عليكم " (2) . وقد ذكره مسلم في " صحيحه " في كتاب الزهد، وإنما ذكره أبو داود هاهنا بياناً: أن من مس الميتة لا يحب عليه الوضوء، فإنه- عليه السلام- لما تناول الجدي الميت بأذنه لم يتوضأ بعد ذلك، ولذلك بوب بقوله: باب ترك الوضوء من مس الميتة. *** 67- باب: ترك الوضوء مما مسته (3) النار أي: هذا باب في بيان ترك الوضوء في حق من تناول ما مسته النار. 174- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: " أن رسول الله- عليه السلام- كل كتْف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ " (4) . ش- الكتْف والكتف مثل الكذْب والكذب، وهذا الحديث وأمثاله ناسخة للأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وغيرهم. وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكل ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والزهري، وأبي قلابة، واحتجوا بحديث: " توضؤوا مما مست النار "، واحتج الجمهور بهذا الحديث وأمثاله. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. 175- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري، المعنى، قالا: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن

_ (1) كذا، وفي المسند: " للدنيا ". (2) مسند أحمد (3/365) . (3) في سنن أبي داود: " مست ". (4) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق (207) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار (354) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (488) .

المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: " ضفْتُ النبي- عليه السلام- ذات ليلة، فأمر بجنب فشُوي، وأخذ الشفْرة فجعل يحُز لي بها منه قال: فجاء بلالٌ فآذنه بالصلاة قال: فألقى الشفْرة، وقال: ما له تربتْ يداه؟ وقام يُصلّي ". زاد الأنباري: " وكان شاربي وفى، فقصهُ [لي] (1) على سواك " أو قال: " أقُصُه لك على سواك؟ (2) . ش- مسعر بن كدام. وجامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، ويقال: أبو صخر الكوفي. روى عن: طارق بن عبد الله المحاربي، وصفوان بن مُحرز، والأسود ابن هلال، وحُمران بن أبان، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومسعر، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . والمغيرة بن عبد الله اليشكري، سمع: المغيرة بن شعبة، وأباه، والمعرور بن سُويد، وعبد الله بن الحارث. روى عنه: جامع بن الشداد، وواصل الأحدب، وعلقمة بن مرثد. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . قوله: " ضفتُ النبي " من ضافه يضيفه، يقال: ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافته، وأضفته إذا أنزلته، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا أنزلني. قوله: " ذات ليلة " أي: ضفت النبي- عليه السلام- مدة، التي هي ليلة. وقد ذكرنا الكلام في " ذات يوم "، و " ذات ليلة " ونحوهما في أوائل الكتاب. قوله: " فأمر بجنب فشُوي " الجنب جنب الشاة، وهي القطعة العظيمة منها، والجنب: القطعة من الشيء يكون معظمه أو شيئاً كبيراً منه.

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/889) . (4) المصدر السابق (28/6134) .

قوله: " وأخذ الشفرة " الشفرة- بسكون الفاء-: السكن العريضة 0 قوله: " فجعل يحُزُّ " اعلم أن " جعل " جارٍ مجرى أفعال القلوب في مجرد الدخول على المبتدأ والخبر، لا في غيره من الأحكام وهي تسعة منها " جعل "، و " يحز " من حز- بالحاء المهملة- إذا قطع، ويقال: الحزّ: القطع في الشيء من غير إبانة. يقال: حززت العود أحزه حزا، والضمير في " بها " يرجع إلى " الشفرة "، وفي " منه لما إلى " الجنب ". قوله: " فآذنه " بالمد أي: أعلمه من أذن إيذاناً. قوله: " تربت يداه " كلمة تقولها العرب عند اللوم والتأنيب. ومعناه: الدعاء عليه بالعقر والعدم، وقد يطلقونها في كلامهم، وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا: " عقرى حلقى "، فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم، ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو كقولهم: " لا والله "، و " بلى والله "، وذلك من لغو اليمين الذي لا اعتبار به، ولا كفارة فيه؟ ويقال: ترب الرجل إذ افتقر، وأترب إذا استغنى، ومثل هذا قوله- عليه السلام-: " فعليك بذات الدين تربت يداك ". وقال ابن الأثير (1) : " إن هذا دعاء له، وترغيب في استعماله فما تقدمت الوصية به، وكثيراً ترد للعرب ألفاظ/ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح كقولهم: لا أب لك ولا أم لك، وهوتْ أمه، ولا أرض لك ونحو ذلك، ومنه حديث أنس- رضي الله عنه-: " لم يكن رسول الله سباباً، ولا فحاشاً، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ترب جبينُه ". وقيل: أراد به الدعاء له بكثرة السجود، فأما قوله لبعض أصحابه: " ترب نحرُك "، فقتل الرجل شهيداً، فإنه محمول على ظاهره " (2) .

_ (1) النهاية (1/184- 185) . (2) إلى هنا انتهى النقل من النهاية.

قوله: " وقام يُصلي " المعنى: قام يشرع في الصلاة؛ لأن حالة القيام لا يكون مصليا، وإنما يكون شارعاً. فإن قيل: هذا مخالف لقوله: " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاةُ، فابدؤا بالعشاء: قلنا: ليس كذلك، " (1) لأن هذا للصائم الذي قد أصابه الجوع، وتاقت نفسه إلى الطعام، فأمر أن يصيب من الطعام قدر ما يُسكن شهوته، لتطمئن نفسه في الصلاة، ولا تنازعه شهوة الطعام، وهذا فيمن (2) أحضره الطعام أو أن العادة غداء وعشاء يكون متماسكاً في نفسه يزعجه الجوع، ولا تعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها ". قوله: " وكان شاربي وفى " أي: كثيراً وافراً من وفي الشيء بالتشديد، ووفى بالتخفيف أيضاً إذا تم ذلك. قوله: " فقصه " أي: قطعه من القص، ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: استحباب إكرام الضيف وإطعامه من خيار الطعام. والثانية: ترك استخدامه. والثالثة: المبادرة إلى الطاعة. والرابعة: جواز الدعاء لرجل بكلمة ظاهرها الذم. والخامسة: فيه دلالة على [أن] الأمر بالوضوء مما غيرت النار أمر استحباب لا أمر إيجاب. السادسة: جواز قطع اللحم بالسكين، فإن قيل: جاء النهي. فيه في بعض الحديث: " وأمرنا بالنهش " قلنا: المراد من ذلك كراهة زي العجم، واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفه عن مس الأصابع الشفتين والفم، وأما إذا كان اللحم طابقاً أو عضواً كبيراً كالجنب ونحوه، لا يكره قطعه بالسكن، وإصلاحه به والحزُ

_ (1) انظره في معالم السنن (1/58) . (2) في الأصل: " وأما إذا "، وما أثبتناه من معالم السنن.

منه، وإذا كان عُراقاً أو نحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر. السابعة (1) : استحباب قطع الشارب إذا طال وتجاوز عن حده، والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه (2) . 176- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا أبو الأحوص قال: ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " كل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتفاً ثم مسح يده بمسْح كان تحته، ثم قام فصلى " (3) . ش- مسدد بن مسرهد، وأبو الأحوص: عوف بن مالك، وسماك ابن حرب، وعكرمة مولى ابن عباس. قوله: " كتفاً " الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، وهو بكسر الكاف، وسكون التاء، وفتح الكاف، وكسر التاء، مثل كذْب وكذب. قوله: " بمسْح " المسح بكسر الميم وسكون السين: البلاسُ (4) ، والجمع " مسوح " و " أمساح ". قوله: " كان تحته " صفة للمسح. وفيه فوائد، الأولى: جواز مسح اليد بالمسح وبأي شيء كان. والثانية: جواز استفراش المسح. والثالثة: الاكتفاء بالمسح عقيب الطعام بدون الغسل. وأخرج هذا الحديث ابن ماجه أيضاً. 177- ص- حدثنا حفص بن عمر النمري قال: ثنا همام، عن قتادة،

_ (1) في الأصل: " السادسة ". (2) ذكر صاحب التحفة (8/11530) أن هذا الحديث لم يخرجه إلا الترمذي في " الشمائل "، والنسائي في " الكبرى " فقط، والله أعلم. (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (488) . (4) البلاس: ثوب من الشعر غليظ.

عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس: " أن النبي- عليه السلام- انْتهس من كتف، ثم صلى ولم يتوضأ " (1) . ش- حفص بن عمرو بن الحارث بن سخبرة، وهمام بن يحيى بن دينار، وقتادة بن دعامة. ويحيى بن يعمر أبو سليمان، أو أبو سعيد، أو أبو عدي البصري المروزي قاضيها أيام فتنة ابن مسلم. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا الأسود الديلي. وروى عن: أبي موسى، والنعمان بن بشير، وعائشة أم المؤمنين. وروى عنه: عبد الله بن بريدة، إسحاق بن سويد، ويحيى بن عقيل، وعطاء الخراساني. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " انتهس " النهس- بالسين المهملة-: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش- بالمعجمة-: الأخذ بجميعها. وقال الأصمعي: كلاهما واحد. وقيل: هو بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقيل: النهس: سرعة الأكل. وقيل: نهس الرجل والسبُع نهساً/: قبض عليه ثم نثره. وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه: " أن رسول الله آكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ ". 178- ص- حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثْعمي قال: نا حجاج قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " قربتُ للنبي- عليه السلام- خُبزاً ولحماً، فأكل ثم (3) دعا، فدعا بوضوء فتوضأ (3) ، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ " (4) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6952) . (3) في سنن أبي داود: " ثم دعا بوضوء فتوضأ به ". (4) تفرد به أبو داود.

ش- إبراهيم بن حسن بن الهيثم المقسمي الخثعمي (1) البصري. روى عن: الحارث بن عطية، وحجاج بن محمد. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وموسى بن هارون. قال أبو حاتم: هو صدوق، وكتب عنه (2) . وحجاج بن محمد الأعور، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز، وقد ذكر. ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدير بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، أو أبو عبد الله القرشي التيمي. روى عن: أبي قتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وسفينة، وأبي رافع، وأسماء بنت أبي بكر. وسمع: عبد الله ابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وأميمة، وغيرهم. روى عنه: جعفر بن محمد الصادق، وعمرو بن دينار، وزيد ابن أسلم، ومالك بن أنس، وابن جريج، وابنه المنكدر، وجماعة آخرون. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " قرّبتُ " بتشديد الراء. قوله: " ثم دعا " أي: ثم دعا عقيب الطعام. وقوله: " فدعا بوضوء " يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: " ثم دعا " والمعنى: لما فرغ من الطعام طلب الوضوء، ويجوز أن يكون " دعا " الأول من الدعاء إلى الله تعالى بالشكر، والثناء، وبالدعاء لجابر حيث قرّب له الطعام، ويكون " دعا " الثاني بمعنى: الطلب، والمعنى: لما أكل ودعا طلب الوضوء، و " الفاء " في الأول الفاء التفسيرية. وفي الثاني للعطف المفيد للترتيب، و " الوضوء " بفتح الواو: الماء الذي

_ (1) في الأصل: " القسمي العبشمي " خطأ. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/163) . (3) المصدر السابق (26/5632) .

يُتوضأ به. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز الجمع بين الطعامين. والثانية: جواز العود إلى فضلة الطعام. والثالثة: جواز ترك الوضوء مما مست النار 179- ص- حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي قال: نا عليّ بن عياش قال: نا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: " كان آخرُ الأمرين أن (1) رسول الله- عليه السلام- ترك الوُضوءُ مما غيرت النارُ " (2) . قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول. ش- موسى بن سهل بن قادم أبو عمران الرملي. سمع: علي بن عياش الحمصي، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وعبد الملك بن حكم، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابنه عبد الرحمن، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة إحدى وستين ومائتين (3) . وعلي بن عياش- بالشين المعجمة- ابن مسلم الحمصي الألهاني أبو الحسن، يُعرف بالبكاء. روى عن: شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن ابن ثابت، ومحمد بن مهاجر، ومعاوية بن يحيى، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة. مات سنة ثمان عشرة ومائتين، وهو ابن ست وسبعين سنة. روى له الجماعة (4) . وشعيب بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة: دينار القرشي الأموي،

_ (1) في سنن أبي داود: " من ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء مما غيرت النار (1/107) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6264) . (4) المصدر السابق (21/4116) .

مولاهم الحمصي. سمع: نافعاً، والزهري، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن الوليد، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وأبو حيوة شريح بن يزيد، وعليّ بن عياش، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. مات سنة ثنتين وسبعين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " كان آخر الأمرين " الأمران هما: الوضوء مما مسته النار، وترك الوضوء منه، و " آخر " مرفوع على أنه اسم " كان "، وخبره قوله: " أن رسول الله "، والمعنى: أن هذا الحديث ناسخ لحديث الوضوء مما مست النار، وهو حديث صحيح. ورواه النسائي أيضاً وغيرهما من أهل السنن. واحتج الجمهور بذلك على ترك الوضوء مما مسته النار. 180- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج قال: نا عبد الملك بن أبي كريمة. قال ابنُ السرح: من (2) خيار المسلمين، حدّثني/عبيد بن ثمامة المرادي قال: قدم علينا مصر عبدُ الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من أصحاب النبي- عليه السلام- فسمعته يحدث في مسجد مصر قال: " لقد رأيتُني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار رجل، فمر بلال فناداه بالصلاة فخرجْنا، فمررنا برجل وبُرمتُهُ على النار، فقال له رسولُ الله: " أطابتْ بُرْمتك؟ قال: نعم بأبي وأمي (3) ، فتناول منها بضعة فلم يزل يعْلُكُها حتى أحرم بالصلاة وأنا انظر إليه " (4) . ش- عبد الملك بن أبي كريمة البصري. روى عن: عُبيد بن ثمامة. روى عنه: أبو الطاهر أحمد بن عمرو المذكور. روى له: أبو داود. وعُبيد بن ثمامة المرادي. سمع عبد الله بن الحارث، روى عنه عبد الملك المذكور، روى له أبو داود (5) .

_ (1) المصدر السابق (12/2747) . (2) في سنن أبي داود: " ابن أبي كريمة من خيار المسلمين ". (3) في سنن أبي داود: " بأبي أنت وأمي ". (4) تفرد به أبو داود. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3552) .

وعبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب الزُبيدي أبو الحارث، شهد فتح مصر واختط بها وسكنها. روى عنه: عبد الملك المذكور، ومسلم بن يزيد الصدفي، وعقبة بن مسلم التجيبي، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم من أهل مصر، وكان قد عمي، وهو آخر من مات بمصر من أصحاب النبي- عليه السلام- سنة خمس أو سبع أو ثمان وثمانين. وقال أحمد بن محمد بن سلامة: كانت وفاته بأسفل مصر بالقرية المعروفة بسقط القدور. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: " قال ابن السرح: من خيار المسلمين " أي: قال ابن السرح المذكور: أن عبد الملك المذكور من خيار المسلمين. قوله: " لقد رأيتُني " بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي. قوله: " سابع سبعة " مفعول ثان لرأيت، ومعنى سابع سبعة: إما واحد من السبعة أو مصير الستة سبعة، وهكذا القاعدة في المفرد في المتعدد باعتبار تصييره. تقول الثاني والثالث والرابع إلى العاشر، فإنها أسماء موضوعة لواحد من المعدود باعتبار ذلك العدد المشتق ذلك الاسم منه، كالثالث مثلاً، فإنه مشتق من الثلاثة لواحد، إما باعتبار أنه أحد الثلاثة أو باعتبار أنه مصير ما دونها عليها زائدة، وهكذا القياس في الباقي فافهم. قوله: " أو سادس ستة " شك من الراوي. قوله: " وبُرْمته على النار " جملة وقعت حالاً من الرجل، البُرمة- بضم الباء، وسكون الراء-: القدر مطلقاً، وجمعها: " برام " بكسر الباء، وهي في الأصل: المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. قوله: " أطابت بُرمتك " أي: أطاب ما في بُرمتك، ذكر المحل وأراد به الحال، وطيب ما فيها كناية عن استوائها، والهمزة فيه للاستفهام.

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/280) ، وأسد الغابة (3/203) ، والإصابة (2/291) .

قوله: " بأبي وأمي " الباء فيه متعلقة بمحذوف تقديره: فديتك بأبي وأمي وحُذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، ويجوز أن يكون " بأبي " في محل الرفع على الخبرية، والمبتدأ محذوف تقديره: أنت مُفدى بأبي وأمي. قوله: " بضعة " بفتح الباء، أي: قطعة قوله: " فلم يزل يعلكها " أي: يلوكها في فمه، والعلك مضغ ما لا يطاوع الأسنان، من باب نصر ينصر. قوله: " حتى أحرم بالصلاة " أي: شرع فيها، ومنه تكبيرة الإحرام؟ لأنها تحرم كل شيء خلاف الصلاة. قوله: " وأنما انظر إليه " جملة وقعت حالاً. ويستفاد منه ثلاث فوائد، الأولى: أن الرجل يباح له أن يسأل من صاحبه الذي بينهما انبساط أن يطعمه أو يسقيه. والثانية: فيه جواز ترك غسل اليد مما مسته النار. والثالثة: جواز ترك المضمضة أيضاً بعد الطعام. 181- ص- (1) حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدّثني أبو بكر بن حفص، عن الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله- عليه السلام-: " الوُضوءُ مما أنضجت النارُ " (2) . ش- يحيى القطان، وأبو بكر هو: عبد الله بن حفص بن سعد بن أبي وقاص، وقد ذكر. والأغر: أبو مسلم المدني، واسمه: سلمان. سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وكانا اشتركا في عتقه فهو مولاهما. روى عنه:

_ (1) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب التشديد في ذلك "، وهي نسخة كما سيذكر المصنف. (2) تفرد به أبو داود.

أبو إسحاق، وأبو جعفر الفراء، وهلال بن يساف، وعطاء بن السائب، وعليّ بن أقمر، والزهري، وشعبة، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " الوضوء " مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: الوضوء واجب، ويجب مما أنضجت النار، وقد بينا أن هذا الحديث وأمثاله منسوخة، أو يحمل الوضوء على غسل اليدين والفم، وفي بعض النسخ على أول هذا الحديث: " باب التشديد في ذلك ". وكان ينبغي لأبي داود/أن يذكر الأحاديث المنسوخة أولاً، ثم يذكر النواسخ كما ذكرها مسلم هكذا، وغالب المحدثين يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالنواسخ. 182- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا أبان، عن يحيى- يعني: ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه، أنه دخل على أمّ حبيبة فسقتْهُ قدحاً من سويق، فدعا بماء فتمضمض. قالت: يا ابن أخي، ألا تتوضأ (2) ؟ إن رسول الله- عليه السلام- قال: " توضّؤُوا مما غيرت النارُ، أو مست النارُ " (3) (4) . ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وأبان بن يزيد العطار، ويحيى بن أبي كثير: أبو نصر اليمامي، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن القرشي. وأبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي. روى عن أم حبيبة أم المؤمنين، وهو ابن أخيها. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، حديثه في أهل الحجاز. روى له أبو داود والنسائي (5) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2439) . (2) في سنن أبي داود: " توضأ ". (3) زيد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: في حديث الزهري: يا ابن أخي ". (4) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مما غيرت النار (1/107) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/7402) . 29* شرح سنن أبي داوود 1

68- باب: الوضوء من اللبن

وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، أم المؤمنين أم حبيبة الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتوفي، فتزوجها رسول الله سنة ست، ويقال: سبع. رُوي لها عن رسول الله خمسة وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلها. روى عنها: أخواها معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو المليح عامر بن أسامة، وأبو صالح السمان، وأبو سفيان بن سعيد المذكور، وغيرهم. توفيت سنة أربع وأربعين. روى لها الجماعة (1) . قوله: " قدحاً من سويق " القدح: الذي يؤكل فيه، والسويق معروف. قوله: " أو مست النار " شك من الراوي، والمفعول في " غيرت " و" مست " محذوف، والتقدير: غيرته ومسته. والحديث أخرجه النسائي أيضاً وهو منسوخ كما ذكرنا. *** 68- باب: الوضوء من اللبن أي: هذا باب في بيان الوضوء من شرب اللبن. 183- ص- حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: " أن النبيّ- عليه السلام- شرب لبناً، فدعا بماء، فتمضْمض ثم قال: إن له دسماً " (2) .

_ (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/303) ، وأسد الغابة (7/115) ، والإصابة (4/305) . (2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: هل يمضمض من اللبن (211) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار (95/358) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في المضمضة من اللبن (89) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: المضمضة من اللبن (1/109) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المضمضة من شرب اللبن (498) .

ش- الليث بن سعد. وعقيل- بضم العين- بن خالد بن عقيل- بالفتح- الأيْلي (1) أبو خالد الأموي، مولى عثمان بن عفان. روى عن: أبيه، وعكرمة مولى ابن عباس، والزهري، وغيرهم. روى عنه: يونس بن يزيد الأيلي (1) ، والليث بن سعد، ونافع بن يزيد، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: صدوق، ثقة. توفي بمصر فجأة سنة أربع وأربعين ومائة روى له الجماعة (2) والزهري: محمد بن مسنم. وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور القرشي النوفلي مولاهم. سمع: عبد الله بن عباس، وصفية بنت شيبة. روى عنه الزهري. روى له الجماعة (3) . قوله: " دسماً " منصوب على أنه اسم " إن "، وهو الدهن، تقول فيه: دسم الشيء بالكسر. وفيه استحباب المضمضة من شرب اللبن. وقالت العلماء: وكذلك غيره من المأكول والمشروب ليتطهر فمه لقراءة القرآن وغيرها، ولئلا يبقى منه بقايا يبتلعها في حال الصلاة. وقال الشيخ محيي الدين: " (4) واختلف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه أولاً إلا أن يتيقن نظافة اليد من النجاسة والوسخ، واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابساً أو لم يمسه بها. وقال مالك: لا يستحب غسل اليد للطعام إلا أن يكون على اليد أولا قذراً أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة " 0

_ (1) في الأصل: " الأبُلي " خطأ. (2) - انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4001) . (3) المصدر السابق (19/3650) . (4) انظر: " شرح صحيح مسلم " (4/46) .

وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 184- ص- (1) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُباب، عن مُطيع بن راشد، عن توبة العنبري، أنه سمع أنس بن مالك (2) : " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شرب لبناً فلم يتمضمض، ولم يتوضأ وصلى " (3) . وقال زيد: دلّني شعبةُ على هذا الشيخ ش- مطيع بن راشد. روى عن توبة، روى عنه زيد بن الحباب، روى له أبو داود (4) . وتوبة بن أبي الأسد: كيسان العنبري أبو المُورعّ البصري، وقيل: توبة ابن أبي المُورع، جد عباس بن عبد العظيم. سمع: أنس بن مالك، والشعبي، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافعاً، وغيرهم./روى عنه: الثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (5) . وفي هذا الحديث دليل على أن الرجل إذا شرب لبناً ونحوه ولم يتمضمض لا بأس عليه، وفيه دليل على أن الحديث الذي فيه المضمضة من اللبن منسوخ، وفي " المصنف ": حدثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن طلحة قال: سالت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن؟ قال: من شراب سائغ للشاربين؟

_ (1) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت: " باب الرخصة في ذلك " كما سيذكر المصنف. (2) في سنن أبي داود: " ... أنس بن يقول ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6013) . (5) المصدر السابق (4/809) .

69- باب الوضوء من الدم

وحدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن في المسجد فأتاه مُدرك بن عمارة بلبن فشربه، فقال مُدرك: هذا ماء فمضمض. قال: من أي شيء؟ أمن السائغ الطيب؟ وفي بعض النسخ على رأس الحديث: " باب الرخصة في ذلك "، أي في ترك المضمضة عن شرب اللبن. 69- باب الوضوء من الدم أي: هذا باب في بيان الوضوء من دم يخرج من الرجل. 185- ص- حدثنا أبو توبة الربيع بت نافع قال: نا ابن المبارك، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر قال: " خرجنا مع رسول الله- يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأة رجلٍ من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب محمد، فخرج يتبعُ أثر النبيّ- عليه السلام- فنزل النبيُّ- عليه السلام- منزلا وقال: منْ رجلٌ يكلؤُنا؟ فانتُدب رجلٌ من المهاجرين ورجل من الأنصار قال: كونا بفم الشعب. قال. فلما خرج الرجلان إلى فم الشّعب، اضْطجع المُهاجري، وقام الأنصاريُ يُصلي، واتى الرجلُ، فلما رأى شخْصهُ عرف أنه ربيئةً للقوم فرماه بسهمٍ، فوضعهُ فيه ونزعهُ حتى قضى ثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبُهُ، فلما عرف أنه قد نذرُوا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنتُ في سورةٍ أقراها فلم أحب أن أقطعها " (1) . ش- ابن المبارك هو عبد الله، ومحمد بن إسحاق بن يسار. وصدقة بن يسار الجزري المكي، سكن مكة روى عن: عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وطاوس بن كيسان. روى عنه: ابن جريج،

_ (1) تفرد به أبو داود.

ومالك، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. توفي في أول خلافة بني العباس. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعقيل- بفتح العين- ابن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري المدني، روى عن: أبيه، روى عنه: صدقة بن يسار، روى له أبو داود (2) قوله: " في غزوة ذات الرقاع " كانت في سنة أربع من الهجرة. وذكر البخاري أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر، وسميت الغزوة باسم شجرة هناك، وقيل باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يُقال له الرقاع، فسميت به. وقيل: سميت بذلك لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك لأن أقدامهم نُقبت فلفوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح؛ لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهده، وقد أخبر به. قوله: " حتى أهريق " أي: أريق، والهاء فيه زائدة. قوله: " أثر النبي " بفتح الهمزة، والثاء، ويجوز بكسرها وسكون الثاء. قوله: " من رجل " " من " هاهنا استفهامية، أي: أيُّ رجل يكلؤنا؟ أي: يحرسنا؟ من كلاً يكلاً كلاءةً من باب فتح يفتح، كلأته أكلؤه فأنا كالىء وهو مكلوء، وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياء، فيقال كلاية. قوله: " فانتدب " يقال: ندبه للأمر فانتدب له، أي: دُعي له فأجاب، فالرجلان هما عمّار بن ياسر، وعباد بن بشر، ويقال: الأنصاري هو عمارة بن حزم، والمشهور الأول. قوله: " بفم الشعب " الشعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وجمعه " شعاب ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2871) . (2) المصدر السابق (20/3995) .

قوله: " وقلم الأنصاري ": وهو عباد بن بشر. وقوله: " فصلى " جملة وقعت حالاً من " الأنصاري ". قوله: " ربيئة " الربيئة- بفتح الراء وكسر الباء- هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف- ينظر منه، من ربأ يربأ، من باب فتح يفتح، يقال:/يربأ أهله، أي: يحفظهم من عدوهم، وارتبأت الجبل، أي: صعدته. قوله: " فرماه " الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الرجل المشرك، والضمير المنصوب يرجع إلى الأنصاري. قوله: " حتى قضى ثلاثة أسهم " أي:- حتى كمل ثلاثة أسهم؛ لأن القضاء في اللغة على وجوه، ومرجع الجمع إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكلما أحكم عمله فقد قضى، ومنه القضاء المقرون بالقدر. قوله: " قد نذروا به " بفتح النون وكسر الذال المعجمة أي: علموا به، وأحسوا بمكانه. قوله: " ألا أنبهتني " يجوز " ألا " بفتح الهمزة والتخفيف، ويكون بمعنى الإنكار عليه عدم إنباهه، ويجوز بالفتح والتشديد، ويكون بمعنى " هلا " بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه. قوله: " أول " نصب على الظرفية، أي: في أول ما رمى، و " ما " مصدرية، والمعنى: في أول رميه إياه. قوله: " كنت في سورة أقرأها " وكانت سورة الكهف- حكاه البيهقي. وهذا الحديث صحيح رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخمسين من القسم الرابع. ورواه الحاكم في " المستدرك " وصححه، وعلّقه البخاري في " صحيحه " في كتاب الوضوء فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله: " أن النبي- عليه السلام- كان في غزوة ذات الرقاع، فرُمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته ". ورواه الدارقطني في " سننه "، والبيهقي في كتاب " دلائل النبوة "، واحتج الشافعي ومن معه

بهذا الحديث: أن خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، فإنه لو كان ناقضاً للطهارة لكانت صلاة الأنصاري تفسد بسيلان الدم أول ما أصابته الرمية ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد، وهو محدث. واحتجت أصحابنا بأحاديث كثيرة، وأقواها وأصحها: ما روى البخاري في " صحيحه " عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي- عليه السلام- فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك ". قال هشام: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (1) . فإن قيل: قوله: " ثم توضئي لكل صلاة " من كلام عروة قلنا: بل هو من كلام النبي- عليه السلام- ولكن الراوي علقه، إذ لو كان من كلام عروة لقال: ثم تتوضأ لكل صلاة. فلما قال: توضئي شاكل ما قبله في اللفظ، وأيضاً فقد رواه الترمذي فلم يجعله من كلام عروة ولفظه: " وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت " وصحّحه (2) ، وأما احتجاج الشافعي بذاك الحديث مشكل جدا؛ لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده، وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرًا لا تصح الصلاة عنده، ولئن قالوا: إن الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الذرق (3) حتى لا يصيب شيئاً من ظاهر بدنه. قلنا: إن كان كذلك فهو أمر عجب، وهو بعيد جدا. وقوله: " في الدماء " يدل على أن الدم أصاب ثوبه أو بدنه أو كليهما،

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الدم (228) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة (125) ، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر. (3) الذرق: خُرءُ الطائر.

ولم يُصب الأرض، والسهام كانت ثلاثة، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة مواضع، وذلك يدل على كثرة الدم، فلما لم يدل مضيه على جواز الصلاة مع النجاسة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، على أنا نقول: إن هذا فعل واحد من الصحابة، ولعله كان مذهباً له، أو لم يعلم بحكمه، والله أعلم. وهاهنا قاعدة وهي: أن تقليد الصحابي واجب أم لا؟ فالشافعي في قوله الجديد لا يُقلد أحداً منهم أصلاً، سواء كان مما يدرك بالقياس أو لا يدرك وجوباً ولا جوازا، وجوز بعض الشافعية التقليد من غير وجوب. وقال أبو سعيد البرذعي من أصحابنا: تقليد الصحابي واجب، يُتركُ به القياس. وقال الكرخي وجماعة من أصحابنا: يجب تقليده فيما لا يُدركُ بالقياس، وفيما يدرك بالقياس لا يجب. وهذا كله إنما هو في كل ما ثبت عنهم من غير خلاف بينهم، وأما إذا ثبت الخلاف بينهم فلا يجب تقليده إجماعاً، وإذا كان كذلك فكيف يقلد الشافعيُّ الأنصاري في صلاته بالدم الخارج منه، وقد خالفه في ذلك جماعة من الصحابة مثل عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وثوبان، وأبو (1) الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري رُوي عنهم أنهم قالوا بمذهبنا، وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب تقليدهم، وقد قيل: إنه مذهب العشرة/المبشرة، وقد روى مالك في " الموطأ ": حدثنا نافع عن ابن عمر: " أنه كان إذا رعف رجع فتوضأ ولم يتكلم، ثم رجع وبنى على ما قد صلى ". وروى الشافعي في " مسنده ": حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: " أنه كان يقول: من أصابه رعاف، أو مذي أو قيء انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ". وقال النووي في " الخلاصة ": ليس في نقض الوضوء وعدم نقضه بالدم والقيء والضحك في الصلاة حديث صحيح.

_ (1) كذا.

70- باب: الوضوء من النوم

70- باب: الوضوء من النوم أي: هذا باب في بيان الوضوء من النوم. 186- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا عبد الرزاق قال: نا ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: نا عبد الله بن عمر: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغل عنها ليلة فأخّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظرُ الصلاة غيركُم " (1) . ش- عبد الرزاق بن همام، ونافع مولى- ابن عمر. قوله: " شُغل عنها " أي: عن العشاء الآخرة. قوله: " الصلاة " أي: صلاة العشاء، والألف واللام فيه للعهد. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن نوم الجالس ممكناً مقعده (2) لا ينقض الوضوء، ومحمل الحديث هذا وهو مذهب الأكثرين، والصحيح من مذهب الشافعي. " (3) وقد اختلف العلماء في النوم، فمذهب البعض: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز، وحميد الأعرج، والشيعة. ومذهب البعض أنه ينقض بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري، والمزني، وأبي عبيد القاسم بن سلام،- وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي قال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد روي معناه عن ابن عباس، وأبي هريرة. ومذهب البعض أن كثيره ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بكل حال، وهو مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأحمد في رواية. ومذهب البعض: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء كان في

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: النوم قبل العشاء لمن غُلب (570) ، مسلم: كتاب المساجد، باب:- وقت العشاء وتأخيرها (221/639) . (2) كذا. (3) انظره في: " شرح صحيح مسلم " (4/73- 74) .

الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة، وداود، وقول غريب للشافعي. ومذهب البعض أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد. ومذهب البعض: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، روي هذا عن أحمد أيضاً. ومذهب البعض أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال،- وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعي. ومذهب البعض: أنه إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم يُنقضْ وإلا انتقض سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي " (1) . الثانية: أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول لهم: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا وكذا، أو كان لي عذر أو نحو هذا. الثالث: فيه استحباب تأخير العشاء. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم. 187- ص- حدثنا شاذ بن فياض قال: ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: " كان أصحابُ رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخْفق رُؤُوسُهم، ثم يصلُون ولا يتوضؤون " (؟) . ش- شاذ بن فياض أبو عُبيدة اليشكري واسمه: هلال، وشاذ لقب غلب عليه. سمع: شعبة، وأبا حفص عمر بن إبراهيم العبدي. روى عنه: عمرو بن علي الصيرفي، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومعاذ بن المثنى، وغيرهم. روى له أبو داود (3) .

_ (1) إلى ها انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". (2) مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (376) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من النوم (78) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/2682) .

وهشام بن أبي عبد الله الربعي الدستوائي البصري، وقد ذكر. قوله: " حتى تخفق رؤوسهم " أي: تسقط أذقانهم على صدورهم، وهذا لا يكون إلا عن نوم مثقل، وهذا يدل على أن عين النوم ليس بحدث، ولو كان حدثاً لاستوت فيه الأحوال كسائر الأحداث، ويؤيد ذلك قوله:/ " كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم " وذلك كثر عندهم حتى صار كالعادة لهم، ولم يكن نادراً في بعض الأحوال، وفي وصف العشاء بالآخرة دليل على جواز وصفها بها، وأنه لا كراهة فيه خلافاً لما يُحكى عن الأصمعي من كراهة ذلك. وأخرجه مسلم من وجه آخر قال: " كان أصحاب رسول الله ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون ". ص- قال أبو داود: زاد قيه شعبة عن قتادة قال: " كُنا على (1) عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر. ش- أي: زاد في هذا الحديث شعبة بن الحجاج، عن قتادة بن دعامة: " كنا على عهد رسول الله "، والعهد بمعنى: الزمان والمدة. وقال في " المطالع ": قولهم: " على عهد رسول الله " أي: على زمانه ومُدته. قوله: " ورواه " أي: روى هذا الحديث أيضاً ابن أبي عروبة، واسمه: سعيد، واسم أبي عروبة: مهران، وقد ذكرناه. 188- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: نا حماد ابن سلمة، عن ثابت البناني، أن أنس بن مالك قال: " أقيمت صلاةُ العشاء فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي حاجة، فقام يناجيه حتى نعس القومُ أو بعضُ القوم، ثم صلى بهم ولم يذكروا (2) وضوءا " (3) . ش- ثابت بن أسلم أبو محمد البناني العابد البصري، وبنانة هم

_ (1) في سنن أبي داود: " كنا نخفق على ". (2) في سنن أبي داود: " يذكر ". (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة (642) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (376) .

بنو سعد بن لؤي بن غالب. سمع: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبا برزة الأسلمي، وعبد الله بن مغفل، ومن التابعين: أبا رافع الصائغ، وأبا عثمان النهدي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وغيرهم. روى عنه: يونس بن عبيد، وحميد الطويل، والثوري، والحمادان، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: إنه ثقة ولا خلاف فيه، وكان من زهده أنه رُؤي يُصلي في قبره. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " فقام يناجيه " من المناجاة، وهي التحدث سرا. قوله: " أو بعض القوم " شك من الراوي. ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: جواز مناجاة الرجل الرجل بحضرة الجماعة، وإنما نُهي عن ذلك بحضرة الواحد. الثانية: جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في الأمور المهمة، ولكنه مكروه في غير المهمة. الثالثة: فيه دليل على تقديم الأهم فالأهم من الأمور عند ازدحامها، فإنه- عليه السلام- إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مهم من أمور الدين، مصلحته راجحة على تقديم الصلاة. الرابعة: فيه دليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وهذه هي المسألة المقصودة من الباب. والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وليس في رواية مسلم: " ولم يذكروا وضوءاً ". 189- ص- حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب- وهذا لفظ حديث يحيى- عن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/811) .

كان يسجدُ وينامُ وينفخُ، ثم يقومُ فيصلّي ولا يتوضأ. فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ وقال (1) : " إنما الوضوءُ على من نام مُضطجعاً " (2) . ش- عبد السلام بن حرب المُلائي أبو بكر الكوفي. سمع أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وأبا خالد الدالاني، وهشام بن حسان. روى عنه: عبد الرحمن بن محمد، وأبو نعيم، وأبو سعيد الأشج، وغيرهم. قال ابن معين: صدوق. وقال أبو حاتم: ثقة. توفي سنة ست أو سبع وثمانين ومائة. روى له الجماعة (3) . وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة أبو خالد الأزدي الدالاني، كان ينزل في بني دالان، ودالان بطن من همدان، ولم يكن منهم. سمع: قتادة، وأبا عبيدة بن حذيفة، وعون بن أبي جحيفة، وغيرهم. روى عنه: شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . وبه استدل أصحابنا أن من نام قائماً أو قاعداً/أو راكعاً أو ساجداً لا ينقض وضوؤه، وكذا لو نام خارج الصلاة قائماً أو قاعداً. وقال الشافعي: ينقض في هذه الهيئات، وله قولان في القاعد، وبه قال أحمد في رواية، وعن مالك: لو طال في الركوع والسجود ينقض. وعن أحمد مثله، وعن أبي يوسف: إذا تعمد النوم في الصلاة ينقض. والحديث بإطلاقه حجة عليهم؛ لأنه قصر انتقاض الوضوء على نوم الاضطجاع بقوله: " إنما الوضوء على من نام مضطجعاً "، وهذا الحصر في أجناس النوم؛ لأن الوضوء ينتقض بعين النوم أيضاً، والنوم متكئاً أو

_ (1) كذا، وفي سنن أبي داود: " فقال ". (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من النوم (77) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3418) . (4) المصدر السابق (33/7336) .

مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط في معنى النوم مضطجعاً؛ لأن العلة استرخاء المفاصل، فيوجد ذلك في هذه الهيئات دون غيرها. وأخرج هذا الحديث الترمذي، وأحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه "، وابن أبي شيبة في " مصنفه "، والدارقطني في " سننه ". ص- زاد عثمان وهناد: " فإنه إذا اضطجع- وقد نام (1) - استرختْ مفاصلُهُ ". قال أبو داود: قوله: " الوضوء على من نام مضطجعاً " هو حديث منكر، لا يرويه (2) إلا أبو خالد يزيد الدالاني، عن قتادة. وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم (3) يذكروا شيئاً من هذا. قال: " كان النبيُ- عليه السلام- محفوظاً، وقالت عائشة- رضي الله عنها-: قال النبي- عليه السلام-: " تنامُ عيناي ولا ينامُ قلبي ". وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث، حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث " القضاةُ ثلاثة "، وحديث ابن عباس: " حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر ". قال أبو داود: " وذكرتُ حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة (4) ؟. ش- زاد عثمان بن أبي شيبة: وهناد بن السري في حديث ابن عباس: " فإنه إذا اضطجع وقد نام استرخت مفاصله ". ورواه البيهقي في " سننه " (5) ولفظه فيه: " لا يحب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ". وقال

_ (1) غير موجود في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " لم يروه ". (3) في سنن أبي داود: " ولم ". (4) في سنن أبي داود: " وذكرت.... لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً، وقال: ... على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث ". (5) (1/ 121)

ابن عدي مسنداً عن مهدي بن هلال: ثنا يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليس على من نام قائماً أو قاعداً وضوء حتى يضطجع جنبه إلى الأرض " (1) . وأخرج ابن عدي أيضاً ثم البيهقي من جهته عن بحر بن كنيز السقاء، عن ميمون الخياط، عن أبي عياض، عن حذيفة بن اليمان قال: " كنتُ في مسجد المدينة جالساً أخفق، فاحتضنني رجل من خلفي فالتفت، فإذا أنا بالنبي- عليه السلام. فقلت: يا رسول الله، هل وجب عليّ وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك ". قال البيهقي: تفرد به بحر بن كنيز السقاء، وهو ضعيف لا يحتج بروايته (2) . قوله: " هو حديث منكر " إلى آخره، قد عرفت أن المنكر هو الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه ولا في وجه آخر. قلت: كيف يكون هذا منكراً، وقد استدل به ابن جرير الطبري أنه لا وضوء إلا من نوم اضطجاع، وصحح هذا الحديث، وقال: الدالاني لا يرفعه إلا عن العدالة والأمانة، والأدلة تدل على صحة خبره. وروى مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس قال: " من نام وهو جالس فلا وضوء عليه، ومن اضطجع فعليه الوضوء " (3) . وقال قتادة عن ابن عباس: " الذي يخفق رأسه لا يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه ". وروى هشام بن عروة، عن نافع، عن ابن عمر: " أنه كان يستثقل نوماً وهو جالس ثم يقوم إلى الصلاة ولا يتوضأ، وإذا وضع جنبه يتوضأ ". وروى عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء قال: " إذا نام الرجل في الصلاة قائماً أو قاعداً أو ساجداً أو راكعاً فليس عليه وضوء إلا أن يضع جنبه ". وروى يزيد بن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول: " من جلس

_ (1) الكامل (8/229) . (2) الكامل (2/235) ، البيهقي (1/120) . (3) السنن الكبرى للبيهقي (1/120) .

فنام فليس عليه وضوء حتى يضطجع "./وقال عكرمة وإبراهيم: " الوضوء حتى يضع جنبه ". وروى أيوب، عن ابن سيرين: " أنه كان ينام وهو قاعد ثم يصلي ولا يتوضأ ". قوله: " كان النبي- عليه السلام- محفوظاً " يريد بهذا أن نومه- عليه السلام- في سجوده ما كان يضره؛ لأنه كان محفوظاً من الله تعالى، وغيره ليس بمحفوظ، يخاف عليه من خروج ريح ونحوه. قوله: " وقالت عائشة " إلى آخره دليل آخر على أن نومه- عليه السلام- ما كان كنوم غيره؛ لأنه- عليه السلام- كان ينام عينه ولا ينام قلبه، بمعنى: أن ذهنه ما كان يغيب عنه، بل كان حاضراً في نومه ويقظته بخلاف غيره، وأشار بهذين الكلامين أن هذا من خصائص النبي- عليه السلام-، فلا يبقى وجهٌ للاحتجاج به في عدم انتقاض النوم في الهيئات التي ذكرناها. قلنا: سلمنا أنه- عليه السلام- كان محفوظاً وأنه عينه تنام ولا ينام قلبه، ولكن لا نسلم ترك الاحتجاج به، وكيف وقد وردت أدلة أخرى مثلها يؤيد بعضها بعضاً تدل على صحة ما ذهبنا إليه. قوله: " وقال شعبة " إلى آخره، إشارة إلى أن حديث قتادة منقطع. وقال الترمذي: وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه، وقال أبو القاسم البغوي: يقال: إن قتادة لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد الدالاني، عن قتادة ولا يصح، وذكر ابن حبان أن يزيد الدالاني كان كثير الخطأ، فاحش الوهم يخالف الثقات في الروايات، حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟ وقال البيهقي: فأما هذا الحديث فإنه قد أنكره على يزيد الدالاني جميع الحفاظ، وأنكر سماعه من قتادة أحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما، ولعل الشافعي وقف عليه حتى رجع عنه في الجديد. قلنا: ذكر أبو داود هاهنا ناقلاً عن شعبة: أن قتادة سمع من أبي العالية أربعة أحاديث، وذكر 30. شرح سنن أبي داوود 1

في كتاب السنة في حديث: " لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس ابن متى " أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث (1) ، وهذا اختلاف كما ترى. فإن قيل: قول من يقول: إن قتادة سمع من أبي العالية حديث ابن عباس إثبات، وقول من يقول: لم يسمع نفي، والنفي مقدم على الإثبات. قلنا: هذا لا يمشي في هذا المقام؛ لأن قول مدعي الإثبات قد تأيد بالأدلة التي ذكرناها. وقول الدارقطني: " تفرد به يزيد الدالاني، عن قتادة، ولا يصح " غير صحيح؛ لأن مذهب الفقهاء والأصوليين قبول رفع العدل وزيادته، ويزيد قد وثّقه أبو حاتم وغيره. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وفي حديثه لين إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وبهذا يُردُّ قولُ ابن حبان أيضاً. وقول البيهقي: " قد أنكره على يزيد جميع الحفاظ " مجرد دعوى لا يلتفت إليه. وقوله: " وأنكر سماعه من قتادة: أحمد بن حنبل، والبخاري " غير صحيح لأن صاحب " الكمال " ذكر أنه سمع قتادة. وقول أبي داود: " وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فقال: ما ليزيد الدالاني يُدخل على أصحاب قتادة " لا يدل على رده حديث يزيد، ولا على تضعيفه. 190- ص- حدثنا حيوة بن شريح في آخرين قالوا: نا بقية، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وكاءُ السه العينان، فمن نام فليتوضأ " (2) .ً

_ (1) روى أبو داود الحديث في باب التخيير بين الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- (4669) ، ولم أجد في نسختنا ما نقله المصنف عنه، وقول أبي داود هذا قد ذكره الزيلعي في " نصب الراية " (1/44- 45) ، فلعل المصنف قد نقله منه، والله أعلم. (2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من النوم (477) .

ش- بقية بن الوليد. والوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع الخزاعي، أبو كنانة، أو أبو عبد الله الدمشقي. روى عن: بلال بن سعد، ومحفوظ بن علقمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وصدقة بن عبد الله السمين، ويحيى بن حمزة، ومحمد بن عمر الواقدي، والحمادان، وغيرهم. قال: أحمد ابن حنبل: هو ثقة/. توفي سنة تسع وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . ومحفوظ بن علقمة أبو جنادة الحضرمي الحمصي. روى عن: أبيه، وعبد الرحمن بن عائذ. روى عنه: الوضين بن عطاء، وثور بن يزيد، وأبو يحيى محمد بن راشد الخزاعي. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) . وعبد الرحمن بن عائذ الثمالي الأزدي أبو عبد الله أو أبو عُبيد الله الشامي الحمصي، يقال: إن له صحبة. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وغضيف بن الحارث، وعوف بن مالك، وأبي ذر الغفاري، وعبد الله بن عمرو، وجماعة آخرين. روى عنه: محفوظ بن علقمة، وسليم بن عامر، ويحيى بن جابر الطائي، وسماك بن حرب، وشريح بن عبيد. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . قوله: " في آخرين " قد مر الكلام فيه مرة. قوله: " وكاء السه " مبتدأ، و " العينان " خبره. السه: حلقة الدبر، وهو من الاست، وأصلها سته بوزن فرس، وجمعها أستاه كأفراس فحذفت الهاء وعوض منها الهمزة فقيل: است، فإذا رددت إليها الهاء

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 6689) . (2) المصدر السابق (27/5809) . (3) المصدر السابق (17/3863) .

وهي لامها وحذفت العين التي هي التاء، انحذفت الهمزة التي جيء بها عوض الهاء، فتقول: سه بفتح السين، ويروى: وكاء الست بحذف الهاء وإثبات العين، والمشهور الأول، و " الوكاء " بكسر الواو: الحفظ الذي تُشد به الصُّرة والكيس وغيرهما، ومعنى الحديث: أن الإنسان مهما كان مستيقظاً كانت إسته كالمشدودة الموكئ عليها، فإذا نام انحل وكاؤها، كنى بهذا اللفظ عن الحدث وخروج الريح، وهو من أحسن الكنايات وألطفها، حيث جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة، كما أن الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الاست أن تحدث إلا باجتهاد، وكنى بالعين عن اليقظة؛ لأن النائم لا عين له تبصر. " (1) وقد استدل بهذا الحديث من زعم أن قليل النوم وكثيره ناقض، وعلى أي هيئة كانت. والجواب: أن هذا النوع لا يُسمى نوماً مطلقاً، وإنما يُسمى نعاساً، وذلك لأنه إذا وُجد منه النوم عُدم معه التماسك أصلاً، على أن الحديث معلول بوجهين، أحدهما: بقية فيه مقال، والثاني: الانقطاع، فذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة في كتاب " العلل " وفي كتاب " المراسيل ": أن ابن عائذ عن علي مرسل، وزاد في " العلل ": أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: ليس بقوي. وأخرج هذا الحديث ابن ماجه أيضاً، وأخرجه البيهقي عن بقية أيضاً: " العين وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء " (2) . ورواه الطبراني في " معجمه " وزاد: " فمن نام فليتوضأ "، وهو معلول بوجهين أيضاً، أحدهما: الكلام في أبي بكر بن أبي مريم، قال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بالقوي. والثاني: أن مروان بن جناح رواه عن عطية بن قيس، عن معاوية موقوفاً " (3) .

_ (1) انظر: نصب الراية (1/45- 46) . (2) السنن الكبرى (1/118) . (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

71- باب: الرجل يطأ الأذى

71- باب: الرجل يطأ الأذى أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يطأ الأذى، أي: النجاسة، وفي بعض النسخ: " يطأ الأذى برجله ". 191- ص- حدثنا هناد بن السري وإبراهيم بن أبي معاوية، عن أبي معاوية ج، قال: ونا عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثني شريك وجرير وابن إدريس، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: " كنا لا نتوضأ من موطئ، ولا نكفُ شعراً ولا ثوباً " (1) . قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه: عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، أو حدثه عنه قال: قال عبد الله، وقال هناد، عن شقيق أو حدثه عنه. قال: قال عبد الله. ش- إبراهيم هو: ابن محمد بن خازم، وهو أبو معاوية الضرير، وقد ذكرنا ترجمته. روى عن: أبيه، وأبي بكر بن عياش، ويحيى بن عيسى الرملي. روى عنه: أبو داود، وعليّ بن الحسين، وأبو حصين الرملي. قال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق صاحب سُنة. توفي سنة ست وثلاثين ومائتين. وشريك بن عبد الله النخعي، وجرير بن عبد الحميد الرازي. وابن إدريس هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود أبو محمد الأودي الكوفي. سمع: أباه، وربيعة بن عثمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم./روى عنه: مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وأحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة في كل شيء. روى له الجماعة (2)

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: كف الشعر والثوب في الصلاة (1041) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3159) .

وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-. قوله: " من موطئ " الموطئ: ما يوطأ من الأذى في الطريق، وأصله الموطوء بالواو. قوله: " ولا يكف شعراً ولا ثوباً " أي: لا نقيهما من التراب إذا صلينا صيانة لهما عن التتريب، ولكن نرسلهما حتى يقعا بالأرض فيسجدا مع الأعضاء. والمراد من الحديث: أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها. قوله: " قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه " أي: في هذا الحديث عن سليمان الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله. قوله: " أو حدثه عنه " يقرأ بوجهين، الأول: على صيغة المعلوم، والمعنى: أو حدث شقيق الحديث عن مسروق قال: قال عبد الله. والثاني: على صيغة المجهول ويكون الضمير المنصوب في حدثه راجعاً إلى شقيق، والمعنى: حدثه محدث عن مسروق، عن عبد الله. قوله: " وقال هناد: عن شقيق أو حدثه عنه " يجوز في " أو حدثه عنه " الوجهان المذكوران فافهم. ومسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مُر بن سلمان بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة أبو عائشة الهمداني الكوفي. روى عن: أبي بكر الصدّيق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. وسمع: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعائشة الصديقة. وروى عن معاذ بن جبل. روى عنه: أبو وائل شقيق ابن سلمة (1) وهو أكبر منه، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وقال

_ (1) في الأصل: " وأبو وائل وشقيق بن سلمة " كذا.

72- باب: فيمن يحدث في صلاته

أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة، توفي سنة ثلاث وستين. روى له الجماعة (1) وحديث عبد الله هذا أخرجه ابن ماجه أيضاً. *** 72- باب: فيمن يحدث في صلاته (2) أي: هذا باب في بيان حكم من يصيبه الحدث في الصلاة. 192- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا فسى أحدُكُم في الصلاة فلينصرفْ، وليتوضأ (3) ، وليُعد الصلاة " (4) . ش- عيسى بن حطان- بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء- الرقاشي. روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، ومصعب بن سعد، ومسلم بن سلام. روى عنه: عاصم الأحول، ويزيد بن عياض، وعليّ بن زيد، وغيرهم. روى له أبو داود، والترمذي (5) . ومسلم بن سلام الحنفي أبو عبد الملك. روى عن طلق بن علي. روى عنه عيسى بن حطان. روى له: أبو داود، والترمذي (6) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5902) . (2) في سنن أبي داود: " الصلاة ". (3) في سنن أبي داود: " فليتوضأ ". (4) النسائي: الكبرى، كتاب عشرة النساء (9024، 9025، 9026) ، فكر حديث علي بن طلق في إتيان النساء في أدبارهن، الترمذي: كتاب الرضاع، باب: في كراهية إتيان النساء في أدبارهن (1164، 1166) ، ويأتي برقم (976) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4620) . (6) المصدر السابق (27/5930) .

وعلي بن طلق الحنفي اليمامي الصحابي، روى عنه مسلم بن سلام. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . قوله: " إذا فسى " من فسى يفسو فسواً، والاسم الفساء بالمد، وبهذا الحديث استدل الشافعي، ومالك، وأحمد: أن المصلي إذا أصابه الحدث يتوضأ ويعيد الصلاة. وقال أصحابنا: يتوضأ ثم يبني على صلاته، و" (2) استدلوا بما أخرجه ابن ماجه في " سننه " (3) في الصلاة عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم لبين على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم ". ورواه الدارقطني في " سننه " (4) ولفظه قال: " إذا قاء أحدكم في صلاته، أو قلس فلينصرف، فليتوضأ، ثم لبين على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم "، قال الدارقطني: الحفاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- مرسلاً. ورواه ابن عدي أيضاً في " الكامل " (5) . ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج مرسلاً. وقال: هذا هو الصحيح. وبما رواه الدارقطني (6) أيضاً عن عمر بن رياح: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رعف في صلاته توضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته ". وأخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " نحو هذا الحديث موقوفاً على عمر ابن الخطاب، علي بن أبي طالب، وأبي بكر الصّدّيق، وسلمان،

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/69) ، وأسد الغابة (4/125) ، والإصابة (2/510) . (2) انظر: نصب الراية (2/61- 62) . (3) كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في البناء على الصلاة (1221) . (4) (1/153- 154) . (5) (1/480- ترجمة إسماعيل بن عياش) . (6) (1/156- 157) .

73- باب: في المذي

وابن عمر، وابن مسعود. ومن التابعين عن علقمة، وطاوس، وسالم ابن عبد الله، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، ومكحول، وسعيد بن المسيب. والجواب عن هذا الحديث: أن هذا محمول على من تعمد ذلك، وعند ذلك نحن نقول/أيضاً بعدم جواز البناء، على أن ابن القطان قال في كتابه: وهذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سلام الحنفي مجهول الحال. وقال الترمذي: سمعت محمداً يقول: لا أعرف لعلي بن طلق غير هذا الحديث " (1) . وقال صاحب " الكمال " في ترجمة علي بن طلق: روى عن النبي- عليه السلام- حديث: " لا تأتوا النساء في أعجازهن "، وهذا يقوي كلام ابن القطان: إن هذا الحديث لا يصح. *** 73- باب: في المذي أي: هذا باب فيْ بيان حكم المذي، المذي: بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال، وتشديد الياء، وبكسر الذال وتخفيف الياء، حكي ذلك عن ابن الأعرابي، وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند المداعبة والتقبيل. وقال ابن الأثير (2) : " هو البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يحب فيه الغسل، وهو نجس يجب غسله وينقض الوضوء ". وقال غيره: يقال فيه: مذى الرجل وأمذى ومذَّى بالتشديد. والودي بفتح الواو، وسكون الدال المهملة: ماء رقيق يخرج من الذكر بعد البول. وقال ابن الأثير (3) : " الودي بسكون الدال وبكسرها، وتشديد الياء: البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول، ويقال: ودى، ولا يقال: أودى. وقيل: التشديد أصح وأفصح من السكون ". والمني بتشديد الياء: ماء خاثر أبيض، يتولد منه الولد، وينكسر به الذكر. 193- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا عبيدة بن حميد الحذاء، عن

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية (2) النهاية (4/312) . (3) النهاية (5/168) .

الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن عليّ- رضي الله عنه- قال: " كنتُ رجلاً مذاءً، فجعلتُ أغتسلُ حتى تشقق ظهري. قال: فذكرتُ ذلك للنبيّ- عليه السلام- أو ذُكر له، فقال رسولُ الله عليه السلام: لا تفعلْ، إذا رأيت المذي فاغسلْ ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخْت الماء فاغْتسلْ " (1) . ش- عبيدةُ- بفتح العين، وكسر الباء الموحدة- ابن حميد بن صهيب أبو عبد الرحمن الكوفي الحذاء التيمي، وقيل: الليثي، وقيل: الضبي. سمع: عبد العزيز بن رفيع، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن محمد الناقد، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة. وقال الساجي: ليس بالقوي في الحديث، وهو من أهل الصدق. توفي سنة تسعين ومائة، ومولده سنة تسع ومائة. روى له الجماعة (2) . والركن بن الربيع بن عُميلة الفزاري أبو الربيع الكوفي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعكرمة، وحصين ابن قبيصة. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك، وزائدة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة (3) وحصن بن قبيصة الفزاري الكوفي. سمع: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. روى عنه: الركين بن الربيع، والقاسم بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) .

_ (1) البخاري: كتاب العلم، باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال (132) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: المذي (303) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ثواب من توضأ كما أمر (1/97) ، وكتاب الغسل والتيمم، باب: الوضوء من المذي (1/214) من طريق محمد ابن الحنفية عن أبيه به. وأخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المني والمذي (114) ، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من المذي (504) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي به. وأخرجه النسائي: كتاب الطهارة، باب: الغسل من المني (1/111) من طريق حصين بن قبيصة، عن علي به. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3752) . (3) المصدر السابق (9/1925) . (4) المصدر السابق (6/1365) .

قوله: " مذاء " المذاء فعال للمبالغة في كثرة المذي، وقد مذى الرجل يمذي من باب ضرب يضرب، وأمذى والمذاء المماذاة فعال منه. قوله: " حتى تشقق طهري " من تشقق الجلد يتشقق تشققاً. قوله: " أو ذُكر له " شك من الراوي. قوله: " فإذا فضخت الماء " بالفاء والضاد والخاء المعجمتين بمعنى دفقت. وأخرج هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث محمد بن عليّ- وهو ابن الحنفية- عن أبيه بنحوه مختصراً، وأخرجه النسائي، والترمذي، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. واعلم أن خروج المذي لا يوجب الغسل بالإجماع. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء: إنه يوجب الوضوء، وإنه نجس لهذا الحديث. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أنه لا يوجب الغسل ويوجب الوضوء. الثانية: أن الماء إذا خرج على وجه الدفق يجب عليه الغسل. الثالثة: أن الرجل ينبغي بل يجب عليه أن يسأل عن أمور دينه، وإن كان فيه بشاعة بترك الحياء. 194- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود: أن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه (1) - أمره أن يسأل (2) رسول الله عن الرجل إذا دنى من أهْله فخرج منه المذيُ/ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته، وأنا (3) أستحي أن أسأله. قال

_ (1) كذا، وفي سنن أبي داود: " رضي الله عنه "، وتقدم التنبيه على هذه الكلمة (ص/182) . (2) في سنن أبي داود: " يسأل له ". (3) كلمة " أنا " غير موجودة في سنن أبي داود.

المقدادُ: فسألتُ رسول الله يكنً عن ذلك، فقال: " إذا وجد أحدُكُم ذلك فلينضحْ فرجهُ، وليتوضأ وضوءهُ للصلاة " (1) . ش- مالك بن أنس. وأبو النضر سالم بن أبي أمية: أبو النضر المدني القرشي التيمي، مولى عمر بن عبيد الله التيمي، وكاتبه. روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله ابن أبي أوفى، وعوف بن مالك، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وجماعة آخرين. روى عنه: مالك، والثوري، والليث، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: مدني ثقة، رجل صالح. توفي سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (2) . وسليمان بن يسار: أبو أيوب الهلالي أخو عطاء، وعبد الملك، وعبد الله موالي ميمونة زوج النبي- عليه السلام-. سمع: عبد الله بن عباس، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، والمقداد بن الأسود، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، ويحيى الأنصاري، وصالح بن كيسان، ونافع مولى [ابن] عمر، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة، عالماً رفيعاً فقيهاً، كثير الحديث. مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. روى له الجماعة (3) . والمقداد بن الأسود هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة ابن ثمامة البهراني الكندي، يكنى أبا الأسود، أو أبو (4) عمرو، أو أبو (4) سعيد وإنما قيل ابن الأسود لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة، شهد بدراً والمشاهد كلها. روي له عن رسول الله اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على حديث واحد، ولمسلم ثلاثة.

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي (1/97) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من المذي (505) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2141) . (3) المصدر السابق (12/2574) . (4) كذا.

روى عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، والسائب بن يزيد، وطارق بن شهاب، وغيرهم. مات بالجُرف وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " فلينضح " المراد بالنضح هاهنا: الغسل، يدل عليه الحديث الذي قبله: " فاغسل ذكرك ". قال الشيخ محيي الدين (2) : " النضح يكون غسلاً ويكون رشا، وقد جاء في الرواية الأخرى: " يغسل ذكره " فتعين حمل النضح عليه ". وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقال الإمام الشافعي: حديث سليمان ابن يسار، عن المقداد مرسل، لا نعلم سمع منه شيئاً. وقال البيهقي: هو كما قال. وقد رواه بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس من قصة علي، والمقداد موصولاً. قلت: قد ذكر صاحب " الكمال " أن سليمان بن يسار سمع المقداد بن، الأسود كما ذكرناه الآن. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل. والثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء. والثالثة: يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به، فإن عليا- رضي الله عنه- اقتصر على قول المقداد مع تمكنه من سؤال النبي- عليه السلام-. والرابعة: فيه استحباب حُسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/472) ، وأسد الغابة (5/251) ، والإصابة (3/454) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/213) .

يستحب له أن لا يذكر شيئاً يتعلق بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، ولهذا قال علي- رضي الله عنه-: " فإن عندي ابنته وأنا أستحي ". 195- ص- وثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا هشام بن عروة، عن عروة: أن علي بن أبي طالب قال للمقداد، وذكر نحو هذا، قال: " فسأله المقدادُ، فقال رسولُ الله: ليغْسلْ ذكره وأنثييْه " (1) . ش- زهير بن معاوية الكوفي. قوله: " نحو هذا " أي: نحو الطريق المذكور. قوله: " أنثييه " الأنثيان الخصيتان. وأخرجه النسائي ولم يذكر " أنثييه ". وقال أبو حاتم الرازي: عروة بن الزبير عن علي مرسل. وقيل في غسل الأنثيين: إنه استطهار بزيادة التطهر؛ لأن المذي ربما انتشر فأصابها، ويُقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد المذي، وكسر من غربه، فلذلك أمره بغسلهما. ص- قال أبو داود: رواه الثوري رحمه الله/وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه-، عن النبي- عليه السلام- قال فيه: " والأنثيين " (2) . ش- أي: روى هذا الحديث سفيان الثوري وغيره من الرواة عن هشام ابن عروة، عن أبيه الزبير بن العوام (3) ، عن المقداد، عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- عن النبي- عليه السلام-

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي (1/96) . (2) غير موجود في سنن أبي داود، وفيه بدل منه: " حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حديث حدثه عن علي بن أبي طالب قال: قلت للمقداد، فذكر معناه. قال أبو داود: رواه المفضل بن فضالة وجماعة والثوري وابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب. ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يذكر " أنثييه ". (3) كذا، ولعل الجادة: " عن أبيه عروة بن الزبير ".

قوله: " قال فيه " أي: قال أبو داود فيما روى الثوري وغيره: " والأنثيين "، والمعنى: ليغسل ذكره والأنثيين. 196- ص- حثثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف قال: " كنتُ ألقى من المذي شدةً، وكنتُ أكثرُ من (1) الاغتسال، فسألتُ رسول الله عن ذلك فقال: " إنما يُجزئك من ذلك الوُضوءُ ". قلتُ: يا رسول الله، فكيف بما يصيبُ ثوبي منه؟ فقال: " يكفيك أن تأخذ كفا من ماء، فتنضح بها من تحت (2) ثوبك حيثُ ترى أنه أصابهُ " (3) . ش- إسماعيل هذا هو ابن علية، وعلية أمه، واسم أبيه: إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري، أبو البشر الأسدي، أسد خزيمة مولاهم أصله من الكوفة. سمع: عبد العزيز بن صهيب، وأيوب السختياني، وحميدا (4) الطويل، وغيرهم. روى عنه: ابن جريج، وابن حنبل، وابن معين، وابن أبي شيبة، وغيرهم. توفي ببغداد سنة أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (5) . وسعيد بن عُبيد بن السباق أبو السباق الثقفي. روى عن: أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم. روى عنه: الزهري، وإسماعيل بن محمد، وابن إسحاق، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (6) . وأبوه عبيد بن السباق الحجازي. روى عن: سهل بن حنيف، وأسامة ابن زيد، وزيد بن ثابت، وغيرهم. روى عنه: ابنه سعيد،

_ (1) في الأصل: " منه "، وما أثبتناه من سنن أبي داود. (2) كلمة " تحت " غير موجودة في سنن أبي داود. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المذي يصيب الثوب (115) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من المذي (506) . (4) في الأصل: " حميد ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/417) . (6) المصدر السابق (10/2322) .

وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، والزهري، وغيرهم. روى له الجماعة (1) وسهل بن حنيف بن وهب الأنصاري المدني أبو ثابت، أو أبو سعيد، أو أبو الوليد، شهد بدراً والمشاهد كلها. رُوي له عن رسول الله أربعون حديثاً، اتفقا على أربعة أحاديث، ولمسلم حديثان. روى عنه: ابنه أبو أمامة بن سهل، وأبو وائل الأسدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وكبر عليه ستا وقال: هو من أهل بدر. روى له الجماعة (2) . قوله: " إنما يجزئك " أي: يكفيك. قوله: " فتنضح " أي: تغسل، وقيل: معناه: ترش بها، وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرف (3) مثل هذا إلا من حديث محمد بن إسحاق. 197- ص- حدثنا إبراهيم بن موسى قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: نا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد قال: " سألت رسول الله عما يوجبُ الغسل؟ وعن الماء يكونُ بعد الماء؟ فقال: " ذاك المذيُ، وكل فحْل يمْذي، فتغسلُ من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضُوءك للصلاة " (4) . ش- معاوية بن صالح بن معاوية بن عبيد الله بن يسار، أبو عبيد الله الأشعري الدمشقي. روى عن: محمد بن سهل الدمشقي، ويحيى بن معين، ومحمد بن بشار بندار، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم،

_ (1) المصدر السابق (19/3717) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/92) ، وأسد الغابة (2/470) ، والإصابة (2/87) . (3) في الأصل: " ولا نعرفه ". (4) تفرد به أبو داود.

وأبو زرعة، وأبو عوانة، والنسائي، وقال: لا بأس به. توفي بدمشق سنة ثلاث وستين ومائتين (1) . والعلاء بن الحارث بن عبد الوارث، أبو وهب الدمشقي. روى عن: مكحول، والقاسم بن عبد الرحمن، وحكيم بن حرام (2) ، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، ومعاوية بن صالح، ومعاوية بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: هو صحيح الحديث. وقال ابن المديني: ثقة. توفي سنة ست وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . وحرام- بالحاء والراء المهملتين- ابن حكيم بن خالد بن سعد بن حكم الأنصاري. روى عن: أبي هريرة، وعمه عبد الله بن سعد، وأبي ذر الغفاري، وأنس بن مالك، وغيرهم. روى عنه: العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء بن زيد،/وغيرهم. قال العجلي: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . وعبد الله بن سعد الأنصاري عم حرام بن حكيم الدمشقي عداده في أهل الشام، يقال: إنه شهد القادسية، وكان يومئذ على مقدمة الجيش. روى عنه: حرام بن حكيم، وخالد بن معدان. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) . قوله: " وعن الماء يكون بعد الماء " أي: وسألته أيضاً عن المذي يكون بعد البول. قوله: " وذاك " إشارة إلى الماء يكون بعد الماء. قوله: " وكل فحل " مبتدأ، وخبره: قوله: " يمذي " يجوز أن يكون من أمذى ومن مذى بالتخفيف، ومذى بالتشديد.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6059) . (2) كذا، والجادة: " حرام بن حكيم ". (3) المصدر السابق (22/4560) . (4) المصدر السابق (5/1153) . (5) المصدر السابق (15/3299) . 31. شرح سنن أبي داوود 1

قوله: " فتغسل من ذلك " مضارع مرفوع، ولكن بمعنى الأمر، وكذلك قوله: " وتوضأ " وأصله تتوضأ حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف كما في (ناراً تلظى) (1) أصله " تتلظى ". وروى هذا الحديث أحمد في " مسنده ". قال عبد الحق في " أحكامه ": " إسناده لا يحتج به ". 198- ص- حدّثنا هارون بن محمد بن بكار قال: نا مروان بن محمد قال: أنا الهيثم بن حميد قال: نا العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه: " أنه سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار ". وذكر مؤاكلة الحائض أيضاً، وساق الحديث (2) . ش- هارون بن محمد بن بكار بن بلال (3) العامري الدمشقي. روى عن: مروان بن محمد، وأبيه محمد بن بكار، ومحمد بن عيسى، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وقال: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به (4) . ومروان بن محمد بن حسان، أبو بكر الدمشقي. سمع: سعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والهيثم بن حميد، وغيرهم. روى عنه: صفوان بن صالح، وهشام بن خالد الأزرق، وعبد الله بن أحمد بن

_ (1) سورة الليل: (14) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها (133) . تنبيه: في سنن أبي داود ذُكر حديث بعد هذا، وقد سقط من نسختنا، وهو: حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني، حدثنا بقية بن الوليد، عن سعد الأغطش - وهو: ابن عبد الله- عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، قال هشام: وهو ابن قرط أمير حمص، عن معاذ بن جبل قال: " سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: فقال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل ". قال أبو داود: ولي هو- يعني الحديث- بالقوي. (3) في الأصل: " بكار ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6523) .

ذكوان، وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . والهيثم بن حميد أبو أحمد الغساني مولاهم الدمشقي. سمع: العلاء ابن الحارث، ويحيى بن الحارث، والنعمان بن المنذر، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: مروان بن محمد، وعبد الله بن يوسف، وأبو توبة الربيع بن نافع، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " وهي حائض " جملة اسمية وقعت حالاً من قوله: " امرأتي " يقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة، والجمع " حيض " و " حوائض "، والحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاضت السمُرة إذا خرج منها الصمغ، وحاضت الأرنب إذا خرج منها الدم، وفي الشرع: دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن الداء والصغر. قوله: " لك ما فوق الإزار " أي: لك أن تستمتع بما فوق الإزار، وما تحت الإزار ليس له أن يستمتع به، وهو من السرة إلى الركبة؛ لأن عادتهن أن يشددن الأزر في وسطهن أيام حيضهن، وبهذا احتج أبو حنيفة أن قربان ما تحت الإزار حرام، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف في رواية، وقال محمد: لا يجتنب إلا موضع الدم، وبه قال أحمد، وداود، وأصبغ، وأبو إسحاق، وعليّ بن أبي هريرة، وأبو يوسف في رواية، والحديث حجة عليهم. قوله: " وذكر مؤاكلة الحائض " أي: ذكر عبد الله بن سعد في حديثه مؤاكلة الحائض، أي: أكل الطعام معها، وساق الحديث، وهو ما رواه الترمذي: حدثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي، نا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث،

_ (1) المصدر السابق (27/5876) . (2) المصدر السابق (30/6643) .

74- باب: في الإكسال

عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد قال: سألت النبي - عليه السلام- عن مؤاكلة الحائض فقال: " واكلها " قال: وفي الباب عن عائشة وأنس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب، وهو قول عامة أهل العلم، لم يروا بمؤاكلة الحائض بأساً. وسيجيء له باب عقد [هـ] له أبو داود. *** /74- باب: في الإكسال أي: هذا باب في بيان حكم الإكسال، من أكسل الرجل إذا جامع ثم أدركه فتور فلم ينزل، ومعناه: صار ذا كسل، وفي كتاب العين: كسل الفحل إذا فتر عن الضراب. 199- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو- يعني ابن الحارث- عن ابن شهاب قال: حدثني بعض من أرضى، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره، أن أبي بن كعب أخبره: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أوّل الإسلام لقلة الثياب، ثم أمرنا بالغُسل، ونهى عن ذلك " (1) . قال أبو داود: يعني: " الماء من الماء ". ش- أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري قد ذكر. وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث المصري، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. وأُبي بن كعب بن قيس (2) الأنصاري، أبو المنذر، أو أبو الطفيل. رُوي له عن رسول الله مائة حديث وأربعة وستون حديثاً، اتفقا منها على

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن الماء من الماء (110) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان (609) . (2) في الأصل: " بن المنذر " كذا.

ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بسبعة. روى عنه: أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: سُويد بن غفلة، وزر بن حبيش، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. مات سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاثين بالمدينة، شهد بدراً والعقبة الثانية. روى له الجماعة (1) . قوله: " إنما جعل ذلك " أي: " الماء من الماء " كما فسره أبو داود بقوله: " يعني: الماء من الماء ". والحاصل: أن وجوب الغسل كان في إنزال الماء لا غير، وذلك كان في أول الإسلام رخصة لقلة ثياب الناس، ثم نسخ ذلك، وأمر بالغسل بالإكسال، وإن لم ينزل، وقد بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة لم يبلغهم خبر التقاء الختانين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد بن خالد، وممن ذهب إلى قولهم: سليمان الأعمش، ومن المتأخرين: داود ابن علي. ومن الناس من ادعى أن التنصيص على الشيء باسمه العلم يوجب نفي الحكم عما عداه؛ لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال من قوله- عليه السلام-: " الماء من الماء " أي: الاغتسال واجب بالمني، فالماء الأول هو المطهر، والثاني هو المني، و " من " للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجباً للنفي عما عداه لما صح استدلالهم على ذلك. ومذهب الجمهور أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه؛ لأن قوله تعالى: (ولا تقُولن لشيء إني

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/47) ، وأسد الغابة (1/61) ، والإصابة (1/19) .

فاعلٌ ذلك غداً* إلا أن يشاء اللهُ) (1) أي: إلا أن تقول: إن شاء الله، لم يدل على تخصيص الاستثناء بالغد دون غيره من الأوقات في المستقبل كبعد الغد، وبعد شهر، أو سنة ونحوها. وكذا قوله- عليه السلام-: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة " (2) لم يدل على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب الاغتسال كالحيض والنعاس، وأما استدلال الأنصار على انحصار الغسل على الماء، فليس من دلالة التنصيص على التخصيص، بل باللام المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، فيصير المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره، فلا يحب الغسل بالإكسال لعدم الماء، لكن نحن نقول: إن الماء تارة يثبت عياناً كما في حقيقة الإنزال، ومرة دلالة كما في التقاء الختانين، فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه لكونه أمراً خفيا كالنوم أقيم مقام الحدث، لتعذر الوقوف عليه. 200- ص- حدّثنا محمد بن مهران الرازي قال: ثنا مُبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتُون أن الماء من الماء كأنتْ رُخصةً رخّصها رسولُ الله/في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ (3) . ش- محمد بن مهران الجمال أبو جعفر الرازي. سمع: معتمر بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وعيسى بن يونس، وفضيل بن عياض، وبهز بن أسد، ومبشرا (4) الحلبي، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. توفي أول سنة تسع وثلاثين ومائتين (5) .

_ (1) سورة الكهف: (23، 24) . (2) تقدم برقم (58) . (3) انظر الحديث السابق. (4) في الأصل: " مبشر ". (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5637) .

ومبشر بن إسماعيل أبو إسماعيل الحلبي الكلبي مولاهم. سمع: الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة، وتمام بن نجيح، وغيرهم. روى عنه: عثمان بن أبي شيبة، وزياد بن أيوب، ودُحيم، ومحمد بن مهران، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً. مات بحلب سنة مائتين. روى له الجماعة إلا النسائي (1) . ومحمد بن مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية، أبو غسان ح الليثي المدني، من مدينة الرسول، نزل عسقلان الشام. وسمع: أبا حازم سلمة بن دينار، وصفوان بن سُليم، ومحمد بن المنكدر، وابن عجلان، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وان المبارك، ومبشر الحلبي، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. وقال ابن حبان: ثبت ثقة. وقال النسائي: لا بأس به، وكذا قال أبو داود. روى له الجماعة (2) . وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. قوله: " إن الفُتيا " قال في " الصحاح ": استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني، والاسم: الفتيا والفتوى، ويسمى به لأنه يقوي السائل، ومنه الفتى وهو الشاب القوي، والفتيُّ من الإبل القويّ. قوله: " كانت رخصة في بدء الإسلام " أي: في ابتداء الإسلام، ثم نسخ وأمر بالاغتسال، وكل شيء يكون ثابتاً على أعذار العباد تيسيراً يسمى رخصة من الرخْص وهو الناعم، والرخصة في الأمر خلاف التشديد. وأخرجه الترمذي وابن ماجه بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. 201- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي قال: ثنا هشام وشعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن

_ (1) المصدر السابق (27/5767) . (2) المصدر السابق (26/5614) .

النبي- عليه السلام- قال: " إذا قعد بين شُعبها الأربع، وألزق الختان بالختان، فقدْ وجب الغُسلُ " (1) . ش- هشام بن أبي عبد الله سنبر أبو بكر الدستوائي، وشعبة بن الحجاج، وقتادة بن دعامة، والحسن البصري. وأبو رافع اسمه: نفيع الصائغ المدني، أدرك الجاهلية ولم ير النبي - عليه السلام- انتقل إلى البصرة. روى عن أبي بكر الصديق، وسمع: عمر بن الخطاب، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، وأبا هريرة، وحفصة زوج النبي- عليه السلام-. روى عنه: الحسن البصري، وثابت البناني، ومروان الأصفر، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. روى له الجماعة (2) . قوله: " بين شعبها الأربع " وفي رواية: " أشعُبها " الشُعب: النواحي، جمع " شُعبة "، والأشعُب جمع " شعب ". قال ابن الأثير (3) : " الشُعْبة: الطائفة من كل شيء، والقطعة منه " 0 وفي " الصحاح ": الشُعْبة: الفرقة. واختلفوا في المراد بالشُّعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان. وقيل: الرجلان والشفران. واختار القاضي عياض أن المراد: شعب الفرج الأربع، أي: نواحيه الأربع، وكأنه يحوم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل، والأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع

_ (1) البخاري: كتاب الغسل، باب: إذا التقى الختانان (291) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: نسخ الماء من الماء (87، 348) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: وجوب الغسل إذا التقى الختانان (1/110- 111) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان (610) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6467) . (3) النهاية (2/477) .

مكنى عنه بذلك، [و] يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حُمل على نواحي الفرج فلا جلوس بينهما، وقد يكتفي بالكناية عن التصريح لا سيما في أمثال هذا المكان، الذي يستحي من التصريح بذكرها، وأيضاً فقد نقل عن بعضهم أنه قال: الجهد من أسماء النكاح، فلا يحتاج أن يجعل قوله: " قعد بين شعبها الأربع " كناية عن الجماع، فإنه صرح به بعد ذلك، وهو قوله: " ثم جهدها "، وهذا في رواية البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود أيضاً يصرح بذلك بقوله: " وألزق الختان بالختان " وليس في رواية الصحيحين ذلك، وفي لفظ لمسلم: " وإن لم ينزل "، والضمير في " شعبها " يرجع إلى المرأة، وإن لم يمض ذكرها، لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى/: (حتى توارتْ بالحجاب) (1) . قوله: " وألزق الختان " أي: موضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، أي: ألزق موضع الختان بموضع الختان منها، ومعنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم كما ذكرناه، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، والدبر مثل القبل مُطلقاً، ويجب على المفعول به أيضاً، وشرط الإنزال في البهيمة والميتة عندنا خلافاً للشافعي ومالك وأحمد، ولو أولج الحشفة بخرقة إن وجد لذة يجب وإلا فلا، وعندهم يجب مطلقاً، ولو غيب بعض الحشفة لا يترتب عليه شيء بالإجماع إلا في وجه شاذ للشافعية أن حكمه حكم الكل، وقال الشيخ محيي الدين (2) : " إذا كان الذكر مقطوعاً، فإن بقي منه دون الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام، وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله، وإن كان زائداً على قدر الحشفة ففيه وجهان مشهوران، أصحهما: أن الأحكام

_ (1) سورة ص: (32) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (4/41) .

تتعلق بقدر الحشفة منه. والثاني: لا يتعلق بشيء من الأحكام إلا بتغييب جميع الباقي ". 202- ص- حد ثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الماءُ من الماء " (1) ، وكان أبو سلمة يفعل ذلك. ش- عمرو بن الحارث. قد ذكرنا أنه منسوخ عند جمهور الصحابة ومن بعدهم، ويعنون بالنسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطاً، ثم صار واجباً. وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه ليس بمنسوخ، بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل، وهذا الحكم باق بلا شك. وهذا نسخ السُّنة بالسُّنة، وهذا على أربعة أوجه، أحدها: نسخ السُّنة المتواترة بالمتواترة. والثاني: نسخ خبر الواحد بمثله. والثالث: نسخ الآحاد بالمتواتر. والرابع: نسخ المتواتر بالآحاد. فالثلاثة الأولى جائزة بلا خلاف، وأما الرابع فلا يجوز عند الجمهور. وقال بعض أهل الظاهر: يجوز. وأخرجه مسلم ولفظه: " إنما الماء من الماء ". قوله: " وكان أبو سلمة " عبد الله بن عبد الرحمن " يفعل ذلك " أي: يرى وجوب الغسل من إنزال المني.

_ (1) مسلم: كتاب الطهارة، باب: إنما الماء من الماء (343) .

75- باب: الجنب يعود

75- باب: الجنب يعود أي: هذا باب في بيان حكم الجنب الذي يعود إلى الجماع قبل الغسل. 203- ص- حدثنا مسدد بن مسرهد قال: ثنا إسماعيل قال: [ثنا] حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: " كان (1) رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف على نسائه في غُسلٍ واحد " (2) . ش- إسماعيل هو ابن علية، وقد ذُكر، وكذلك حميد بن أبي حميد الطويل. قوله: " طاف " من طا حول الشيء إذا دار. قوله: " في غسل واحد " بضم الغين، فإن قيل: كيف يكون الغسل ظرفاً للطواف، وعين الطواف لا يوجد في عين الغسل؟ قلت: هذا ظرف مجازي نحو قوله تعالى: (ولكُمْ في القصاص حياةٌ) (3) ، ويجوز أن تكون " في " للتعليل، نحو قوله تعالى: (فذالكُن الذي لُمْتُنني فيه) (4) ، ثم طوافه- عليه السلام- على نسائه بغسل واحد، محمول على أنه كان برضاهن، أو رضا صاحبة النوبة إن كانت نوبة واحدة، وهذا التأويل يحتاج إليه من يقول: كان القسم واجباً على النبي- عليه السلام- في الدوام كما يجب علينا، وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل، فإن له أن يفعل ما شاء.

_ (1) كذا، وفي سنن أبي داود: " - أن "، وهو الجادة. (2) البخاري: كتاب الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد (268) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع (309) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد (140) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: إتيان النساء قبل إحداث الغسل (1/143، 144) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء فيمن يغتسل من جميع نسائه غسلاً واحداً (588) . (3) سورة البقرة: (179) . (4) سورة يوسف: (32) .

ويستفاد من هذا الحديث ثلاث فوائد، الأولى: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بالإجماع، فإن قيل: ما سبب وجوب الغسل؟ قلت: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصلاة، كما أن سبب الوضوء الحدث مع إرادة القيام إلى الصلاة، وليس الجنابة وحدها كما هو مذهب بعض الشافعية، وإلا يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا، ولا مجرد إرادة الصلاة، وإلا يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة. الثانية: عدم كراهة كثرة الجماع عند الطاقة. والثالثة: عدم كراهة التزوج بأكثر من واحدة إلى أربع. وأخرجه البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: " كان النبي- عليه السلام- يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس بن مالك: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطي قوة/ثلاثين، وفي لفظ: " تسع نسوة ". وأخرج مسلم من حديث هشام بن يزيد، عن أنس: " أن النبي- عليه السلام- كان يطوف على نسائه بغسل واحد ". وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث قتادة عن أنس. وقال: حديث حسن صحيح. ص- قال أبو داود: هكذا رواه هشام بن زيد، عن أنس، ومعمر، عن قتادة، عن أنس، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، كلهم عن أنس، عن النبي- عليه السلام-. ش- هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري البصري. سمع جده. روى عنه: عبد الله بن عون، وشعبة، وحماد بن سلمة. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (1) . ومعمر هو ابن راشد أبو عروة، وقد ذكر.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6576) .

76- باب: الوضوء لمن أراد أن يعود

وصالح بن أبي الأخضر اليماني (1) ، مولى هشام بن عبد الملك، قدم البصرة فنزلها. روى عن: الزهري، ومحمد بن المنكدر، والوليد بن هشام، وغيرهم. روى عنه: النضر بن شميل، وعكرمة بن عمار، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: ليس حديثه عن الزهري بشيء. وقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره. وقال ابن عدي: في حديثه بعض مناكير، وهو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . *** 76- باب: الوضوء لمن أراد أن يعود أي: هذا باب في بيان الوضوء لمن أراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى قبل الغسل. 204- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: " أن النبي - عليه السلام- طاف ذات ليلة (3) على نسائه، يغتسلُ " عند هذه وعند هذه، فقلت (4) : يا رسول الله! ألا تجعلُهُ غسلاً واحداً؟ قال. هذا أزكى، وأطيبُ، وأطهرُ " (5) . ش- حماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن أبي رافع قد ذُكر. وأبو رافع مولى النبي- عليه السلام- يقال: اسمه إبراهيم، ويقال:

_ (1) كذا، وفي تهذيب الكمال: " اليمامي "، وقال محققه: " جاء في حاشية نسخة المؤلف تعليق له يتعقب فيه صاحب الكمال بقوله: " كان فيه اليماني وهو وهم ". (2) المصدر السابق (13/2795) . (3) في سنن أبي داود: " يوم ". (4) في سنن أبي داود: " قال: فقلت له ". (5) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلاً (590) .

أسلم، ويقال: هرمز، ويقال: ثابت القبطي. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وسلمى هي أخت أبي رافع. روى عنها ابن أخيها عبد الرحمن المذكور. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (2) . قوله: " هذا أزكى " أي: أمدح إلى الله، و " أطيب " للقلب، و" أطهر " للبدن، فالأول اسم تفضيل للمفعول، والآخران للفاعل فافهم. ويستفاد من الحديث فائدتان، الأولى: عدم كراهة كثرة الجماع عند الطاقة. والثانية: استحباب الغسل عند كل جماع. ص- قال أبو داود: وحديث أنس أصح من هذا. ش- أراد بحديث الأنس (3) الذي في الباب الذي قبله، وعبارته تشعر أن هذا صحيح، وذاك أصح منه. وأخرجه النسائي وابن ماجه. 205- ص- حدثنا عمرو بن عون قال: ثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا أتى أحدُكُم أهله، ثم بدا له أن يُعاود فليتوضأ بينهما وُضوءا " (4) . ش- عمرو بن عون الواسطي البزار، وعاصم بن سليمان الأحول.

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/68) ، وأسد الغابة (6/106) ، والإصابة (4/67) . (2) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7861) . (3) كذا. (4) مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع (27/308) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ (141) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: في الجنب إذا أراد أن يعود (1/142) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في الجنب إذا أراد العود توضأ (587) .

77- باب: الجنب ينام

وأبو المتوكل اسمه: عليّ بن دُؤاد- بضم الدال- الناجي من بني سامة ابن لؤي. روى عن: عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وجابر ابن عبد الله. روى عنه: بكر بن عبد الله المزني، وقتادة، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال البخاري: له نحو خمسة عشر حديثاً (1) . قوله: " إذا أتى أحدكم أهله " كناية عن الجماع. قوله: " ثم بدا له " أي: ثم ظهر له أن يعاود في الجماع " فليتوضأ بينهما " أي: بين الجماعين " وضوءاً "، " (2) وهذا الوضوء ليس بواجب عند الجمهور. وقال ابن حبيب المالكي وداود الظاهري: إنه واجب لظاهر الأمر. قلنا: يدل على عدم الوجوب ما رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما: " أنه- عليه السلام- كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء " (3) ، وحديث الطواف أيضاً. والمراد من الوضوء: الوضوء الكامل، مثل وضوء الصلاة؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وأما الحديث الذي رواه ابن عباس: " أن النبي- عليه السلام- قام من الليل فقضى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام ". فالمراد من قضاء الحاجة الحدث، وكذا قاله القاضي عياض، واختلف العلماء في حكمة هذا الوضوء، فقيل: لأنه يخفف الحدث، فإنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء. وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه. وقيل:/لعله أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه ". وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. *** 77- باب: الجنب ينام أي: هذا باب في حكم الجنب الذي ينام على الجنابة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4066) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/218) . (3) يأتي برقم (213) .

78- باب: الجنب يأكل

206- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: ذكر عمرُ بن الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تُصيبُهُ جنابة من الليل، فقال (1) رسولُ الله: " توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم " (2) ش- عبد الله بن دينار القرشي العدوي المدني، مولى عبد الله بن عمر ابن الخطاب. سمع منه، ومن أنس بن مالك، وأبا صالح ذكوان، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. قال ابن حنبل: ثقة مستقيم الحديث. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " توضأ " قد ذكرنا أن المراد منه الوضوء الكامل، وإنما أمر أيضاً بغسل الذكر ليتطهر عن النجاسة، وليخف الحدث. قوله: " ثم نم " أصله نام؛ لأنه من ينام، فحذفت الألف لالتقاء (4) الساكنين؛ لأن آخر الأمر مجزوم كما عرف. وأخرجه مسلم والبخاري والنسائي. *** 78- باب: الجنب يأكل أي: هذا باب في بيان الجنب إذا أكل شيئاً. 207- ص- حدثنا مسدد وقتيبة قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال له ". (2) البخاري: كتاب الغسل، باب: الجنب يتوضأ ثم ينام (290) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز نوم الجنب (306) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: وضوء الجنب (1/139) (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3251) . (4) في الأصل: " للالتقاء ".

أبي سلمة، عن عائشة: " أن النبي- عليه السلام- كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وُضوء الصلاة (1) " (2) . ش- قوله: " وهو جنب " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في " ينام ". وأخرجه مسلم، وابن أبي شيبة في " مصنفه "، وروى بإسناده إلى عائشة قالت: " إذا أراد أحدُكم أن يرقد وهو جنب فليتوضأ، فإنه لا يدري لعله يُصاب في منامه ". وبإسناده إلى شداد بن أوس قال: " إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف الجنابة ". 208- ص- حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري بإسناده ومعناه. زاد: " فإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يداه (3) " (4) . ش- يونس هو ابن يزيد الأيلي، وقد ذكر. قوله: " بإسناده ومعناه " أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه، ولكنه زاد في هذه الرواية: " فإذا أراد " أي: الجنب " أن يأكل شيئاً غسل يديه " وأخرجه النسائي ولفظه: " وإذا أراد أن يأكل أو يشرب قالت: غسل يديه ثم يأكل ويشرب "، وأخرجه ابن ماجه ولفظه: " أن النبي- عليه السلام- كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه ". وفي " المصنف " قال علي: " إذا أجنب الرجل، فأراد أن يطعم أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة ". وعن ابن عمر: " أنه كان إذا أراد أن

_ (1) في سنن أبي داود: " وضوءه للصلاة ". (2) مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع (21/305) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل (1/138) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من قال: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة (584) . (3) كذا، وفي سنن أبي داود: " يديه ". (4) انظر الحديث السابق. 32. شرح سنن أبي داوود 1

يأكل أو ينام وهو جنب، غسل وجهه ويديه ومسح برأسه ". وعن أبي الضحى: " سئل أيأكل الجنب؟ قال: نعم، ويمشي في الأسواق ". وعن سعيد بن المسيب قال: " إذا أراد الجنب أن يأكل غسل يديه ومضمض فاه ". وعن إبراهيم قال: " يشرب الجنب قبل أن يتوضأ ". ص- قال أبو داود: رواه ابن وهب عن يونس فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصوراً. ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك، إلا أنه قال: عن عروة أو عن أبي سلمة. ورواه الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي- عليه السلام- كما قال ابن المبارك. ش- أي: روى هذا الحديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد فجعل قصة الأكل وهي قوله: " إذا أراد أن يأكل " مقصوراً عليها. ورواه أيضاً صالح بن أبي الأخضر اليماني (1) عن الزهري كما قال عبد الله بن المبارك، إلا أنه قال: عن عروة أو عن أبي سلمة، شك الراوي فيه. قوله: " ورواه الأوزاعي " أي: روى هذا الحديث الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي- عليه السلام- كما قال ابن المبارك. والأوزاعي هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد أبو عمرو، الشامي الأوزاعي، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحول إلى بيروت فسكنها مُرابطاً إلى أن مات بها. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعاً مولى ابن عمر، والزهري، وقتادة، ومحمد بن بشار، وإسحاق بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: الزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومالك بن أنس، والثوري، وابن المبارك، ويحيى القطان/، ووكيع بن الجراح، وشعبة، وجماعة آخرون كثيرة. ولد سنة ثمان وثمانين ومات في سنة سبع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (2) . والأوزاعي قرية بدمشق نسب إليها، وقيل: لأنه من أوزاع القبائل.

_ (1) كذا، وهو وهم، وتقدم التنبيه عليه قريباً. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3918) .

79- باب: من قال الجنب يتوضأ

79- باب: من قال الجنب يتوضأ أي: هذا باب في بيان من قال: إن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام يتوضأ. 209- ص- حثثنا مسدد قال: نا يحيى قال: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: " أن النبي- عليه السلام- كان إذا أراد أن يأكل، أو ينام توضأ " - تعني وهو جنب (1) -. ش- يحيى القطان، والحكم بن عُتيبة، وإبراهيم النخعي، والأسود ابن يزيد. وأخرجه النسائي، وابن ماجه، ومسلم، ولفظه: " توضأ وضوءه [للصلاة] (2) "، وفي لفظ للنسائي: " وضوءه للصلاة ". 210- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر: " أن النبي- عليه السلام- رخص للجنب إذا أكل، أو شرب، أو نام أن يتوضأ " (3) . ش- حماد بن سلمة. وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، واسم أبي مسلم: عبد الله، ويقال: ميسرة الأزدي أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح البلخي، سكن الشام. روى عن: معاذ بن جبل، وكعب بن عجرة، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك. وسمع: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ونافعاً، والزهري، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وابن جريج، ومالك، وشُعبة، وجماعة آخرون. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي بأريحا

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) زيادة من " صحيح مسلم "، والظاهر أنها ساقطة من نسخة المصنف ليتفق وإيراده للفظ النسائي. (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ (613) .

80- باب: الجنب يؤخر الغسل

فحمل ودفن ببيت المقدس سنة خمس وثلاثين ومائة. وولد سنة خمسين. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (1) ص- قال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا ] الحديث] (2) رجل. وقال عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو: " الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ ". ش- أشار بهذا أبو داود إلى أن هذا الحديث منقطع، والمنقطع: كل ما لا يتصل إسناده سواء كان يُعزى إلى النبي- عليه السلام- أو إلى غيره، قاله ابن عبد البر. قوله: " وقال عليّ " ... إلى آخره، ذكرناه آنفاً ناقلاً عن " المصنّف " لابن أبي شيبة. وأخرج الترمذي حديث يحيى بن يعمر عن عمار، وفيه: " وضوءه للصلاة "، وقال: هذا حديث حسن صحيح. *** 80- باب: الجنب يؤخر الغسل أي: هذا باب في بيان الجنب الذي يؤخر الاغتسال. 211- ص- حدثنا مسدد قال: نا المعتمر ح، ونا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم قالا (3) : نا بُردُ بن سنان، عن عُبادة بن نُسي، عن غضيف بن الحارث قال: قلتُ لعائشة: أرأيت رسول الله- عليه السلام- كان يغتسلُ من الجنابة في أول الليل أمْ (4) في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره. قلتُ (5) : الحمدُ لله الذي جعل في الأمر سعةً، قلتُ: أرأيت رسول الله كان يوترُ في (6) أول الليل أم في آخره؟

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3941) (2) زيادة من سنن أبي داود (3) في الأصل: " قال "، وما أثبتناه من سنن أبي داود. (4) في سنن أبي داود: " أو ". (5) في سنن أبي داود: " قلت: الله أكبر، الحمد لله ... ". (6) غير موجودة في سنن أبي داود.

قالت: ربما أوتر في أول الليل وربما أوتر في آخره. قلتُ: اللهُ كبرُ، الحمدُ لله الذي جعل في الأمر سعة. قلتُ: أرأيت رسول الله كان يجهرُ بالقرآن أم يخْفتُ به؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلتُ: اللهُ كبرُ، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (1) . ش- المعتمر بن سليمان، وإسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن علية. وبُرد بن سنان الشامي أبو العلاء الدمشقي، سكن البصرة. سمع: عبادة بن نسي، ومكحولاً، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والأوزاعي، والحمادان، وشريك النخعي، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. مات سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وغُضيف- بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين- ويقال: بالظاء المعجمة (3) ، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره فاء، ابن الحارث أبو أسماء السكوني الحمصي، ويقال: الثمالي، ويقال: اليماني، ويقال: الكندي، أدرك زمان النبي- عليه السلام-، مختلف في صحبته سمع: عمر بن الخطاب، وبلالاً، وأبا ذر، وأبا الدرداء، وعائشة الصديقة. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، وعبادة بن نسي، ومكحول، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، مات أيام مروان بن الحكم/روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: " أرأيت " بكسر التاء بمعنى: أخبريني.

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال أول الليل (1/125) ، وكتاب الغسل والتيمم، باب: الاغتسال أول الليل (1/199) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (1354) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/655) . (3) كذا، والذي في مصادر الترجمة " بالطاء المهملة ". (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/185) ، وأسد الغابة (4/340) ، والإصابة (3/186) ، وتهذيب الكمال (23/4693) .

قوله: " ربما اغتسل " " رب " حرف خلافاً للكوفيين في دعوى أسميته، وليس معناه التعليل دائماً خلافاً للأكثرين، ولا التكثير دائماً خلافا لدرستويه، بل يرد للتكثير كثيراً، وللتعليل قليلاً، فمن الأول نحو: (رُبما يود الذين كفرُوا لوْ كانُوا مُسْلمين) (1) ، ومن الثاني قوله: ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان ولها صدر الكلام، وتنكير مجرورها، وإذا دخلها " ما " تكفها عن العمل، وتهيئها للدخول على الجمل الفعلية، وفعلها ماض لفظاً ومعنى، وقد تدخل الاسمية، وقيل: لا تدخل أصلاً. قوله: " سعة " بكسر السين أصلها، وفتحت لأجل حرف الحلق، وأصلها وسعة كوعدة حذفت الواو تبعاً لفعلها، وحركت السين للابتداء من وسعه الشيء يسعُه سعة فهو واسع، ووسُع بالضم وساعة فهو وسيع، والوُسعْ والسعة: الجدة والطاقة. قوله: " يوتر " من أوتر يوتر إذا صلى الوتر، والوتر بكسر الواو وفتحها: الفرد. قوله: " الله أكبر " إنما قال ذلك استعظاماً لقدر هذا الأمر والشأن وفرحاً بسعته، وابتهاجاً بمشروعيته. قوله: " يجهر بالقرآن " من يجهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهير، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت، وكذلك المجهر بكسر الميم. قوله: " أم يخفت به " من الخفت، وهو ضد الجهر من باب ضرب يضرب. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز تأخير الغسل إلى وقت الصلاة. الثانية: جواز تأخير الوتر إلى آخر الليل، وبه احتج أصحابنا أن المستحب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه، وإن لم يثق فأول الليل أفضل كما في صحيح مسلم: " من خاف أن لا يقوم آخر الليل

_ (1) سورة الحجر: (2) .

فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة " (1) ، وفيه دليل صريح على التفصيل الذي ذكره أصحابنا وهو الصواب، وتحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل. الثالثة: ثبوت الخيار للقارئ بين أن يجهر به وبين أن يخافت، فقيل: الجهر أفضل، وقيل: الإخفاء أفضل، والصحيح: أنه مقيد باعتبار زمان القارئ ومكانه وحاله، فيراعى الجهر والإخفاء بحسب هذا الاعتبار. وأخرجه النسائي مقتصراً على الفصل الأول، وابن ماجه مقتصراً على الفصل الأخير، ورواية الوتر أخرجه البخاري مختصراً ومسلم كما ذكرنا. 212- ص- حدثنا حفص بن عمر النمري قال: نا شعبة عن علي بن مُدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي- عليه السلام- قال: " لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه صُورة ولا كلب ولا جُنُبٌ " (2) . ش- علي بن مدرك أبو مدرك النخعي الكوفي. روى عن: عبد الرحمن ابن يزيد النخعي، وأبي زرعة، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، والمسعودي. قال مطين: مات سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو بن جرير، وقد مضى ذكره. وعبد الله بن نُجي بن سلمة بن حشْم- بالحاء المهملة والشين المعجمة- ابن أسد بن خُليْبة- بضم الخاء المعجمة، وبعد اللام ياء آخر الحروف، ثم باء موحدة- الحضرمي الكوفي. قال الدارقطني: لا بأس به. وقال

_ (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله (755/162) من حديث جابر بن عبد الله. (2) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب: في الصور (4152) ، والنسائي: كتاب الطهارة، باب: في الجنب إذا لم يتوضأ (1/141) ، وكتاب الصيد والذبائح، باب: امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب (7/185) ، ابن ماجه: كتاب اللباس، باب: الصور في البيت (3650) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4133) .

البخاري: فيه نظر. روى عن: علي بن أبي طالب، وعن أبيه عن علي، وعن عمار بن ياسر، والحسين (1) بن علي. روى عنه: أبو زرعة، وجابر الجعفي، والحارث العكلي. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . ونُجي المذكور روى عن علي بن أبي طالب. روى عنه ابنه عبد الله، روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " الملائكة " جمع " ملاءَك " على الأصل كالشمائل جمع " شماءَل "، وليس جمع " ملك "؛ لأن فعلاً لا تجمع على فعائل، ولكن ملك أصله ملاءك، ترك الهمزة لكثرة الاستعمال، فلما أريد جمعه رد إلى الأصل كما أن الشمائل- وهي الرياح- جمع " شماءل " بالهمز في الأصل لا جمع شمال لأن فعالاً لا تجمع على فعائل، واشتقاقه من الألوكة وهي الرسالة، يقال: ألكني إليه/أي: أرسلني إليه، سمي الملك ملكاً لأنه رسول من الله تعالى، وإلحاق التاء فيه دلالة على أن كل جمع مؤنث. واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه، كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الإنسان فيه، واختلفوا في ماهية الملائكة، فقيل: إنهم أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكل بأشكال مختلفة، مسكنها السموات، وهو قول أكثر المسلمين. وقالت الفلاسفة: إنهم جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله، فهم الملائكة المقربون، ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهم الشياطين. قوله: " فيه صورة " قال الزهري: النهي الذي ورد فيها على العموم سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب

_ (1) في الأصل: " الحسن " خطأ. (2) المصدر السابق (16/3614) . (3) المصدر السابق (29/6388) .

أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، وكذلك استعمال ما هي فيه عملاً بظاهر الأحاديث. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أو لا، وسواء عُلق في حائط أو لا، وكرهوا ما له ظل، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها، سواء كان رقماً أو غيره. وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره، وأما تصوير صورة الشجر ونبات الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام. وقال أصحابنا: إن كانت معلقة على حائط، أو ثوب ملبوس أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يُعد ممتهناً، فهو حرام، وإن كانت في بساط يُداس، ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام نذكره، وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري، وجمهور العلماء. وقال القاضي عياض: إلا ما ورد من لُعب البنات، لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لابنته ذلك، وادعى بعضهم أن إباحة اللُّعب لهن منسوخ بهذه الأحاديث. وأما سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة، فهو كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى، وأما سبب امتناعهم من بيت فيه كلب، لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها سُمي شيطاناً كما جاء به الحديث، والملائكة ضد الشياطين، ولقبح رائحة الكلب، والملائكة تكره الرائحة القبيحة، ولأنها منهي عن اتخاذها، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته، وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها عليه وفي بيته، ودفعها أذى الشيطان، ولقد طرق سمعي عن بعض أساتذتي الكبار أن السبب في امتناع الملائكة من بيت فيه كلب، أن الكلب قد خلق من بزاق الشيطان، وذلك حين كان آدم- عليه السلام- جسداً ملقى، أتى إليه الشيطان وراءه، ثم جمع الخيول، وكانت الخيول سكان الأرض حينئذ فقال لها: إن الله تعالى خلق خلقاً عجيباً يريد أن يملكه الأرض وما فيها فمتى حكم فيها سخركُن وذلّلكُن، فهلم نهُدُه ونستريح منه، فجاءت والشيطان

_

يقدمها إلى أن قربت من جسد آدم، فبزق نحو آدم بزقة، فانتثر بزاقه، فخلق الله تعالى الكلاب من بزاقه المنثور ذلك، فحملت على الخيول وصاحت إلى أن ولّت هاربة، فمن ذلك الوقت تألف الكلاب بني آدم، والملائكة تبغضها، لكونها مخلوقة منه، فلأجل ذلك لا يدخلون بيتاً فيه كلب. وقال الخطابي (1) : " إنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصور التي تمتهن من البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع الملائكة بسببه ". وقال الشيخ محيي الدين (2) : " الأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي- عليه السلام- تحت السرير كان له فيه عذر/ظاهر، فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل- عليه السلام- من دخول البيت، وعلل بالجرو، ولو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل- عليه السلام-. وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها ". قوله: " ولا جنب " إنما يمتنع الملائكة عن البيت الذي فيه جنب لكونه بعيداً عن التلاوة والعبادة، متصف بالنجاسة الحكمية، والملائكة يكرهون ذلك، والمراد منه أيضاً: الملائكة غير الحفظة؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم جنباً وغيره. فإن قيل: قد مضى في الرواية: " أنه- عليه السلام- كان يغتسل تارة آخر الليل "، ورخص للجنب أيضاً أن ينام قبل الاغتسال، فما

_ (1) معالم السنن (1/65) . (2) شرح صحيح مسلم (14/84) .

التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجنب الذي لا يدخل الملائكة بيتاً هو فيه، هو الذي يجنب فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذه عادة، وأما الجنب الذي لا يتخذ هذا عادة، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضر دخول الملائكة البيت، فإنه- عليه السلام- " كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء " (1) ، كما جاءت في رواية عائشة- رضي الله عنها-. وأخرج البخاري ومسلم هذا الحديث وليس فيه: " ولا جنب "، وكذلك رواية ابن ماجه. ورواية النسائي مثل رواية أبي داود. 213- ص- حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله ينامُ وهو جنب من غير أن يمس ماءً " (2) ، (3) . ش- ابن كثير هو: محمد بن كثير البصري، وسفيان الثوري، وأبو إسحاق السبيعي، والأسود بن يزيد. قوله: " وهو جنب " جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في " ينام ". فإن قيل: هذا يعارض الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء، قلت: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه، الأول: أن الحديث فيه مقال، فقال يزيد بن هارون: وهم أبو إسحاق في هذا- يعني في قوله: " من غير أن يمس ماء " - وقال الترمذي: " يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق ". وقال البيهقي: طعن الحُفاظ في هذه اللفظة. وقال الثوري: فذكرت الحديث يوماً- يعني حديث أبى إسحاق- فقال لي إسماعيل: يا فتى،

_ (1) انظر الحديث الآتي. (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل (118، 119) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في الجنب ينام كهيئته لا يمس الماء (581، 582، 583) . (3) تنبيه: ذُكر في سنن أبي داود بعد هذا الحديث ما يلي: " قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني: حديث أبي إسحاق ".

81- باب: الجنب يقرأ

يشذ هذا الحديث شيء. فثبت بما ذكرنا أن هذا حديث ضعيف، فإذا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يتعرض به على غيره. والثاني: على تقدير الصحة: أن المراد من غير أن يمس ماء للغسل. والثالث: أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلاً لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه. *** 81- باب: الجنب يقرأ (1) أي: هذا باب في بيان الجنب يقرأ. 214- ص- حدثنا حفص بن عمر قال: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: دخلتُ على علي أنا ورجلان: رجلٌ منا ورجل من بني أسد أحسبُ، فبعثهُما علي وجهاً، وقال: إنكما علجان، فعالجا عن دينكُما، ثم قام فدخل المخْرج، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنةً، فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فاً نكروا ذلك، فقال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرجُ من الخلاء فيُقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجُزُه أو يحْجره (2) عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة (3) . ش- عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق، أبو عبد الله الكوفي سمع: عبد الله بن أبي أوفى، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجماعة آخرين. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وغيرهم. مات سنة عشر ومائة. روى له الجماعة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " باب في الجنب يقرأ القرآن ". (2) في سنن أبي داود: " يحجبه أو يحجزه "، وأشار المصنف إلى أنها رواية. (3) الترمذي، كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً (146) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: حجب الجنب من قراءة القرآن (265، 266) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة (594) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4448) .

وعبد الله بن سلمة- بكسر اللام- المرادي الكوفي. روى عن عمر ابن الخطاب، وسمع: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن مرة، وأبو إسحاق السبيعي. وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم روى عنه غيرهما. وقال أحمد ابن عبد الله: هو تابعي ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: " ورجلان " عطف على الضمير المرفوع المنفصل الذي أوتي به ليصح/العطف على ما قبله. قوله: " وجهاً " أي: جهة من الجهات، وهو النحو والمقصد الذي يستقبله، وانتصابه بنزع الخافض، أي: في وجه أو أوجه. قوله: " إنكما علجان " العلج- بفتح العين وكسر اللام- هو الضخم القوي. وقال الخطابي (2) : " يريد الشدة والقوة على العمل، يقال: رجل علج، وعُلج- بتشديد اللام- إذا كان قوي الخلقة، وثيق البنية ". قوله: " فعالجا " أي: جاهدا وجالدا لأجل دينكما، وكلمة " عن " للتعليل نحو قوله: (وما كان اسْتغْفارُ إبْراهيم لأبيه إلا عن موْعدة) (3) ، ويجوز أن يكون حالاً، والمعنى: عالجا مقيمين دينكما، أي: مقيمين أموره ومحصلين ما ينبغي له. قوله: " فدخل المخرج " بفتح الميم وهو الخلاء، سمي به لأنه موضع خروج البول والغائط. قوله: " فتمسح بها " أي: توضأ بها بمعنى: غسل يديه. وقال ابن الأثير: " يقال للرجل إذا توضأ: تمسح ". قوله: " فأنكروا ذلك " أي: كونه قرأ القرآن بلا وضوء كامل، فلما أنكروا على عليّ ذلك قال: " إن رسول الله مع كان يخرج من

_ (1) المصدر السابق (15/3313) . (3) سورة التوبة (114) . (2) معالم السنن (1/66) .

الخلاء فيقرئنا القرآن " أي: يعملنا القرآن عقيب خروجه من غير اشتغال بالوضوء. قوله: " ويأكل معنا اللحم " أشار به إلى أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء لقراءة القرآن، ولا للصلاة أيضاً، ولأجل هذا قال: ولم يكن يحجره أي: يمنعه " عن القرآن " أي: عن قراءة القرآن " شيء ليس الجنابة "، ويحجره من حجره إذا منعه، وحجر عليه إذا منعه من التصرف، وفي بعض الرواية: " يحجزه " بالزاي، من حجزه يحجزه حجزا، بمعنى منعه أيضاً، وكلاهما من باب نصر ينصر، وفي بعض الرواية: " يحجبه " من حجب إذا منع أيضاً. وقوله: " ليس الجنابة " بمعنى (1) غير الجنابة، وحرف " ليس " له ثلاثة مواضع، أحدها: أن يكون بمعنى الفعل، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، كقولك: ليس عبدُ الله جاهلاً. ويكون بمعنى " لا " كقولك: رأيت عبد الله ليس زيداً، تنصب به زيدا كما تنصب بلا، ويكون بمعنى " غير " كقولك: ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد، أي: غير زيد، وهو يجر ما بعده. ويستفاد من الحديث فائدتان، الأولى: جواز قراءة القرآن للمحدث. والثانية: فيه دليل على حرمة قراءته على الجنب، وكذلك الحائض؛ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة. وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها. وكذلك قال مالك في الجنب: إنه يقرأ الآية ونحوها. وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن؛ لأن أيام الحيض تتطاول، ومدة الجنابة لا تطول. ورُوي عن ابن المسيب، وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب القرآن، والجمهور على تحريمه " (2) . وأخرج الترمذي هذا الحديث، والنسائي، وابن ماجه مختصراً، وقال

_ (1) انظر: معالم السنن (1/66) . (2) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

82- باب: الجنب يصافح

الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر أبو بكر البزار: انه لا يروى عن عليّ إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: " كان عبد الله- يعني: ابن سلمة- يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبُر لا يتابع في حديثه. وذكر الشافعي هذا الحديث، وقال: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه. وقال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبُر، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبُر، قاله شعبة. وذكر الخطابي: أن الإمام أحمد بن حنبل كان يوهن حديث عليّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة. قلت: قد ذكره ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكين ". وقال: قال النسائي: يعرف وينكر. أقول: قد قال الحاكم: إنه غير مطعون فيه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، كما ذكرنا في ترجمته. *** 82- باب: الجنب يصافح أي: هذا باب في بيان الجنب يصافح الطاهر، ويصافح من صافح مصافحةً، وهي مُفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه بالوجه. 215- ص- حدّثنا مسدد قال: نا يحيى عن مسعر، عن واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة: " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيهُ، فأهْوى إليه فقال: إني جُنبٌ، فقال: " إن المُسلم ليس بنجسٍ (1) " (2) .

_ (1) كذا، وفي الشرح وسنن أبي داود: " لا ينجس ". (2) مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس (371) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: مماسة الجنب ومجالسته (1/145) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مصافحة الجنب (535) .

/ش- يحيى القطان، ومسعر بن كدام. وواصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي. سمع: المعرور بن سويد، وأبا وائل، ومجاهداً، وغيرهم. روى عنه: مسعر، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو خاتم: صدوق صالح الحديث. توفي سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو وائل شقيق بن سلمة، وحذيفة بن اليمان. قوله: " فأهوى إليه " أي: أهوى إليه يده، أي: أمالها إليه، يقال: أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه، ويترك المفعول كثيراً. قوله: " إن المسلم لا ينجس " (2) بضم الجيم وفتحها، وفي ماضيه لغتان: نجس ونجُس بكسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضاً. وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتاً، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين، وأما الميت ففيه خلاف، وعن بعض أصحابنا أنه غير طاهر فلذلك يغسل، والصحيح أنه طاهر، وهو قول الشافعي في الصحيح لإطلاق الحديث، وغسل الميت أمر تعبدي لا لكونه نجساً، والكافر حكمه [حكم] المسلم عند الجمهور. وقال بعض الظاهرية: إن المشرك نجس بظاهر قوله تعالى: (إنّما المُشْركُون نجس) (3) قلنا: المراد به نجاسة الاعتقاد، والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجس كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فإذا ثبت طهارة للآدمي مسلماً كان أو كافراً استوى فيه أن يكون طاهراً أو محدثاً أو جنب أو حائضاً، ويكون سؤرهم وعرقُهم ولعابُهم ودمعهم طاهرة بالإجماع. 216- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6662) . (2) كذا، وفي المتن: " ليس بنجس ". (3) سورة التوبة (28) .

عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لقيني رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق من طُرق المدينة وأنا جُنب، فاخْتنسْتُ، فذهبت فاغْتسلتُ، ثم جئتُ، فقال: أين كنتً يا أبا هريرة؟ قال (1) : إني كنتُ جنباً، فكرهتُ أن أجالسك على غير طهارةٍ، فقال: " سُبحان الله! إن المسلم لا ينجُسُ " (2) (3) . ش- بشر بن المفضل، وحميد الطويل، وبكر بن عبد الله المزني، وأبو رافع نفيع، وقد ذكروا. قوله: " فاختنستُ " أي: تأخرت وانقبضت، ومنه خنس الشيطان، وهو بالخاء المعجمة والنون. وفي رواية: " فانخنست " بهذا المعنى أيضاً، ولكن الفرق بينهما أن الأول من باب الافتعال، والثاني من باب الانفعال. وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولفظ البخاري والترمذي: " فانبجست "، وفي لفظ البخاري: " فانخنست "، وفي لفظ له: " فانسللت "، ولفظ مسلم، والنسائي، وابن ماجه: " فانسل ". وقوله: " فانبجست " بالنون وبعدها باء موحدة، يعني: اندفعت منه، ومنه قوله تعالى: (فانبجستْ منْهُ اثنتا عشْرة عيْناً) (4) أي: جرت واندفعت. ورُوي: " فانتجست " بالنون والتاء ثالث الحروف والجيم، أي: اعتقدت نفسي نجساً ومعنى منه: من أجله، أي: رأيت نفسي نجساً

_ (1) في سنن أبي داود: " قال: فلت ". (2) البخاري: كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس (283) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس (371) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في مصافحة الجنب (121) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: مماسة الجنب ومجالسته (1/145) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مصافحة الجنب (534) . (3) تنبيه: زيد في سنن أبي داود: " وقال في حديث بثر: حدثنا حميد، حدثني بكر ". (4) سورة الأعراف: (160) . 33. شرح سنن أبي داود 1

83- باب: الجنب يدخل المسجد

بالإضافة إلى طهارته وجلالته. ورُوي: " فانتجشت " بالنون والتاء ثالث الحروف والشين المعجمة من النجش، وهو الإسراع. ورُوي: " فانبخست " بالنون والباء الموحدة، والخاء المعجمة، والسن المهملة، واستبعده بعضهم. وقال غيره: النجس: النقص، فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله لما اعتقده في نفسه من النجاسة. قوله: " فقال: سبحان الله " إنما قال ذلك تعجباً من حاله، و " سبحان " علمٌ للتسبيح، كعثمان علم للرجل، فإذا قلت: سبحان من هذا الأمر، كأنك قلت: أسبح الله تسبيحاً من هذا الأمر، وهذا يقال عند العجب كأنك قلت: أتعجب من هذا الأمر، ومن غاية العجب أسبح الله، و" سبحان " إذا كان مضافاً نحو: " سبحان الله " فليس بعل؛ لأن العلم لا يضاف، وإذا لم يكن مضافاً فهو علم غير منصرف للعلمية، والألف والنون، وانتصابه بفعل محذوف، والتقدير: أسبح الله تسبيحاً. ويستفاد من هذا الحديث أربع فوائد، الأولى: تأخير الغسل؛ لأنه - عليه السلام- ما أنكر عليه ذلك لما سأله: " أين كنت؟ " وأخبره أبو هريرة بما أخبره. /والثانية: أن الجنب طاهر. والثالثة: استحباب احترام أهل الفضل وتوفيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات. الرابعة: أن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وبيّن له الصواب وحكمه. *** 83- باب: الجنب يدخل المسجد أي: هذا باب في بيان حكم الجنب إذا دخل المسجد. 217- ص- حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد قال: نا فُليت بن خليفة قال: حدثتني جسْرةُ بنتُ دجاجة قالت: سمعت عائشة- رضي الله عنها-

تقول: " جاء رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجوهُ بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد، فقال: " وجّهوا هذه البيوت عن المسجد "، ثم دخل النبيُ- عليه السلام- ولم يصنع القومُ شيئاً، رجاء أن تنزل لهم رُخصةٌ، فخرج إليهم بعد فقال: " وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا احل المسجد لحائض ولا جنب " (1) . ش- عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري. وفليت بن خليفة العامري، ويقال: أفلت. روى عن جسرة بنت دجاجة. روى عنه الثوري وغيره. روى له: أبو داود، والترمذي (2) . وجسرة- بفتح الجيم، وسكون السين المهملة- بنت دجاجة العامرية الكوفية. روت عن عائشة زوج النبي- عليه السلام- روى عنها أفلت ابن خليفة. قال أحمد بن عبد الله: تابعية ثقة. روى لها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وقال (4) الشيخ تقي الدين في " الإمام ": رأيت في كتاب " الوهم والإيهام " لابن القطان المقروء عليه دجاجة بكسر الدال وعليها " صح "، وكتب الناسخ في الحاشية بكسر الدال بخلاف واحدة الدجاج. قوله: " ووجوه بيوت أصحابه " وجوه البيوت أبوابها، ولذلك قيل لناحية البيت التي فيها الباب وجه الكعبة، وهو مبتدأ. وقوله: " شارعة " خبره، والجملة محلها النصب على الحال، ومعنى شارعة في المسجد: مفتوحة فيه، يقال: شرعت الباب إلى الطريق، أي: أنفدته إليه، والشارع: الطريق الأعظم. قوله: " وجهوا هذه البيوت " أي: اصرفوا وجوهها عن المسجد،

_ (1) تفرد به أبو داود. تنبيه: زيد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: هو فليت العامري ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/547) . (3) المصدر السابق (35/7804) . (4) انظره في نصب الراية (1/194) .

يقال: وجهت الرجل إلى ناحية كذا إذا جعلت وجهه إليها، ووجهته عنها إذا صرفته عن جهتها إلى جهة غيرها. قوله: " رجاء أن ينزل لهم رخصة " أي: لترجى نزول الرخصة، ونصبه على أنه مفعول له، و " أن " مصدرية محلها الجر بالإضافة، و" رخصة " مرفوع بقوله: " تنزل " المجهول. قوله: " فخرج إليهم بعد " أي: بعد ذلك، وقد عرف أن قبل وبعد إذا قطع عن الإضافة يصير حدا ينتهى إليه، ويبنى على الضم. قوله: " فإني لا احل " من الإحلال بمعنى الحل الذي هو ضد الحرام، والألف واللام في المسجد للعهد، وهو مسجد النبي- عليه السلام- وحكم غير. مثل حكمه، ويجوز أن يكون للجنس، ويدخل في هذا الحكم جميع المساجد وهو أوْلى، وإنما قدم الحائض للاهتمام في المنع والحرمة؛ لأن نجاستها أغلظ، والنفساء مثل الحائض. وقوله: " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " بإطلاقه يتناول الدخول والمرور واللبث فيه، وعن الشافعي ومالك جواز المرور عابر سبيل. وعن أحمد جواز لبث الجنب فيه بوضوء، والحديث بإطلاقه حجة عليهم. وأخرج البخاري هذا الحديث في " التاريخ الكبير "، وفيه زيادة، وذكر بعد حديث عائشة- رضي الله عنها- عن النبي- عليه السلام-: " سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر "، ثم قال: وهذا أصح. وقال ابن القطان في " كتابه " (1) : قال أبو محمد عبد الحق في حديث جسرة هذا: إنه لا يثبت من قبل إسناده، ولم يبين ضعفه، ولست أقول: إنه حديث صحيح، وإنما أقول: إنه حسن، فإنه يرويه عبد الواحد بن زياد، وهو ثقة لم يذكر بقادح، وعبد الحق احتج به في غير موضع من كتابه. وقال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راويه مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه. قلت: هذا غير مُسلم، فإن أفلت أو فُليت كما

_ (1) انظره في نصب الراية (1/194) .

84- باب: في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسي

ذكرنا روى عنه الثوري، وعبد الواحد بن زياد. وقال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأساً. وسئل عنه أبو حاتم الرازي. فقال: شيخ. وحكى البخاري: أنه سمع من جسرة بنت دجاجة قال: وعند جسرة عجائب. وذكر ابن حبان: جسرة في كتاب " الثقات "، قال: وروى عنها أفلت أبو حسان، وقدامة العامري. ويؤيد هذه الرواية ما رواه ابن ماجه في " سننه " عن أبي بكر بن أبي شيبة والطبراني في " معجمه "، عن أم سلمة قالت: دخل رسولُ الله- عليه السلام- صرحة هذا المسجد/فنادى بأعلى صوته: " إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض " (1) . *** 84- باب: في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسي أي: هذا باب في بيان الجنب الذي يصلي بالجماعة، والحال أنه ناسي، وفي بعض النسخ: " وهو ساه "، والفرق بين السهو والنسيان: أن السهو ترك الشيء عن غير علم، يقال: سهى فيه وسهى عنه، والثاني يستعمل في الترك مع العلم، والنسيان خلاف الذكر والحفظ. 218- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: " أن رسول الله- عليه السلام- دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسهُ يقطُرُ، فصلى بهم " (2) . ش- زياد الأعلم هو زياد بن حسان بن قرة الأعلم البصري الباهلي، نسيب عبد الله بن عون، وقيل: ابن خالة يونس بن عبيد. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين. روى عنه: عبد الله بن عون، وأشعث بن عبد الملك، وحماد بن زيد، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي (3) .

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2035) .

وأبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، وإنما كني أبا بكرة لأنه تدلى إلى النبي- عليه السلام- ببكرة فكني بذلك، وأعتقه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رُوي له عن رسول الله - عليه لسلام- " مائة حديث (1) واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا علي ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، وانفرد مسلم بخمسة. روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم، والحسن البصري، وريعي بن حراش، والأحنف بن قيس، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع أحد من الفريقين " مات بالبصرة سنه إحدى وخمسين. روى له الجماعة (2) . قوله: " دخل في صلاة الفجر " المراد منه: قام في مقامه للصلاة، وتهيأ للإحرام بها، يدل عليه رواية مسلم: فأتي رسول الله حتى إذا قال في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف "، وهذا صريح في أنه لم يكن كبر ودخل في الصلاة، وفي رواية البخاري: " وانتظرنا تكبيره ". قال النووي: " يحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر ". قلت: هذا وهم يرده رواية مسلم. قوله: " فأومأ بيده " أي: أشار بها. قوله: " أن مكانكم " " أن " مفسرة مثل قوله تعالى: (فأوحينا (3) إليه أن اصْنع الفُلك) (4) ، و " مكانكم " منصوب بفعل محذوف تقديره: لازموا مكانكم، أو اثبتوا في مكانكم، فعلى الأول: مفعول به، وعلى الثاني: مفعول فيه. قوله: " ثم جاء " فيه حذف، والتقدير: ذهب واغتسل ثم جاء، وكذلك فيه حذف قبل قوله: " فأومأ "، والتقدير: " دخل في صلاة الفجر، ثم تذكر أن عليه غسلاً، ثم أومأ بيده ".

_ (1) في الأصل: " حديث حد " كذا. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/567) ، وأسد الغابة (6/38) ، والإصابة (3/571) . (3) في الأصل: " وأوحينا ". (4) سورة المؤمنون: (27) .

قوله: " ورأسه يقطر " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " جاء ". وقوله: " فصلى بهم " أي: صلي بهم صلاة مبتدأة بتكبير جديد، وكذا قال ابن حبان في " صحيحه ": أراد بتكبير محدث لا أنه صلى بالشروع الذي قبله كما زعمه البعض، فإن هذا زعم فاسد لما ذكرنا أنه صرح في رواية مسلم: " قبل أن يكبر "، ولأن خلو مكان الإمام لا يجوز، وتفسد به صلاة الإمام والقوم كما عرف في الفقه. فإن قيل: قد صرح أبو داود في رواية أخرى: " وكبر "، فهذا يدل على أنه شرع في الصلاة وكبر، ثم ذهب واغتسل. قلت: هذا لا يدل على أنه صلى بهم بهذه التكبيرة، والظاهر أنه صلى بهم بتحريمة مبتدأة لما ذكرنا، على أن هذه الرواية مرسلة على ما نذكره. وقال الخطابي: " فيه دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم ماضية، ولا إعادة عليهم، وعلى الإمام الإعادة، وذلك أن الظاهر من حكم لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة معه، ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء، فأتم الصلاة بهم، وإذا صح جزء من الصلاة حتى يجوز البناء عليه، جاز سائر أجزائها، وهو قول عمر بن الخطاب، ولا يعلم له مخالف من الصحابة في ذلك، وإليه ذهب الشافعي. قلت: يُرد هذا بما أجبنا الآن عن السؤال المذكور. وقوله: " وإذا صح جزء من الصلاة " إلى آخره، لا نسلم أن هذا الجزء وقع صحيحاً؛ لأن بمجرد ذهابه- عليه السلام- بطل حكم ذلك الشروع، على تقدير صحة وجود الشروع؛ لأنه ذهب بلا استخلاف، وخلّى مكانه، وذا مما يفسد الشروع، فإذا فسد ذلك الجزء يصير البناء عليه فاسداً/؛ لأن البناء على الفاسد فاسد، والصلاة لا تتحرى صحة وفساداً، بل الحق أنه- عليه السلام- صلى بهم بتحريمة مبتدأة كما ذكرنا، فإذن لم يبق لدعواه حجة، وقوله: " وهو قول عمر، ولا يعلم له مخالف من الصحابة " غير صحيح؛ لأن الدارقطني أخرج في " سننه " عن عمرو بن خالد،

عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة، عن علي: " أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد، ثم أمرهم فأعادوا ". وروى عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر: " أن عليا صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء فأعاد، وأمرهم أن يعيدوا ". وروى عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا حسين بن مهران، عن مطرح، عن أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: " صلى عمر بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعد الناس، فقال له علي: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا، قال: فرجعوا إلى قول علي- رضي الله عنه ". قال القاسم: وقال ابن مسعود مثل قول عليّ- رضي الله عنهما- ويستفاد من حديث أبي بكرة فوائد، الأولى: جواز النسيان في العبادات على الأنبياء- عليهم السلام-، ألا ترى أنه- عليه السلام- صرح في رواية أخرى بقوله: " إنما أنا بشر مثلكم " (1) ؟ والثانية: أن الإمام إذا أقام الصلاة، ثم ظهر أنه محدث ومضى ليزيل حدثه، أي حدث كان، وأتى لا يحتاج إلى تجديد إقامة ثانية، لأن ظاهر الحديث لم يدل على هذا. والثالثة: فيه دليل على طهارة الماء المستعمل، وهو الصحيح من المذهب أنه طاهر غير طهور. وقال الخطابي: " فيه دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا يبطل صلاته ". قلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأنه لايح (2) إما أن يكون ذهابه- عليه السلام- للاغتسال قبل التحريمة كما هو الصحيح، أو بعدها على زعمهم، فإن كان قبلها فليس فيه افتتاح، لا من الإمام ولا من القوم، وإن كان بعدها فهم افتتحوا بافتتاحه- عليه السلام- الجديد. وقال الشافعي: من أحرم قبل الإمام فصلاته باطلة.

_ (1) انظر الحديث الأتي. (2) كذا، ولعلها بمعنى " لا يخرج ".

219- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا حماد بن سلمة بإسناده ومعناه. قال في أوله: " فكبر "، وقال في آخره: " فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر، وإني كنتُ جنباً " (1) . ش- أي: بإسناد الحديث الأول ومعناه. قوله: " فكبّر " أجبنا عنه آنفاً. وقال البيهقي في باب: " من أدى الزكاة فليس عليه أكثر من حق ": حماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه. وقال في باب: " من مر بحائط إنسان ": ليس بالقوي. وقال في باب: " من صلى وفي ثوبه أذى ": مختلف في عدالته. والعجب ثم العجب من البيهقي كيف أطلق هذا القول في حماد مع جلالته، ثم ناقض نفسه فحكم بصحة هذا الحديث مع أن في سنده حماداً هذا. قوله: " وقال في آخره " أي: في آخر الحديث. ومعنى قوله: " إنما أنا بشر مثلكم " (2) إعلام منه أنه مثلهم في النسيان، وأنه يعرض عليه كما يعرض عليهم. وقوله: " وإني كنت جنباً " خارج مخرج الاعتذار والتعليل، لذهابه وتركه إياهم وهم ينتظرونه. ص- قال أبو داود: رواه أيوب، وابن عون، وهشام عن محمد (3) قال: " فكبر، ثم أوما (4) إلى القوم أن اجْلسُوا، فذهب فاغتسل ". ش- أي: روى هذا الحديث أيضاً بالإرسال: أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وهشام بن حسان البصري، عن محمد بن سيرين. وعبد الله بن عون بن أرطبان البصري، أبو عون المزني، وأرطبان مولى عبد الله بن مغفل صاحب النبي- عليه السلام-. رأى أنس بن

_ (1) تفرد به أبو داود (2) كلمة " مثلكم " غير موجودة في نص الحديث. (3) في سنن أبي داود: " عن محمد مرسلاً، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ". (4) في سنن أبي داود: " أومأ بيده ".

مالك ولم يثبت له منه سماع. وسمع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق، وموسى بن أنس بن مالك، وهشام بن زيد، والحسن البصري، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، ويحيى القطان، وغيرهم. وكان من الزهد على جانب عظيم. رُوي عن خارجة: صحبت ابن عون أربعاً وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. توفي سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا " /دليل قاطع على أنهم لم يكونوا في الصلاة، وبهذا سقط قول من قال: إن قوله- عليه السلام-: " مكانكم " دليل على أنهم كانوا في الصلاة، بل معناه: لا تتفرقوا حتى أرجع إليكم، فإن قيل: وقد جاء في رواية أيضاً: " ولم نزل قياماً شطره " قلنا: فعل القوم لا يعارض قوله- عليه السلام-، ويحتمل أن الذين فهموا منه أن اجلسوا جلسوا، ومن لم يفهم بقي قائماً، فافهم. ص- وكذلك رواه مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار: " أن رسول الله- عليه السلام- كبر في صلاته (2) ". ش- أي: كما روى ابن سيرين مرسلاً، كذلك رواه بالإرسال مالك ابن أنس، عن إسماعيل بن أبي حكيم القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان، وهو أخو إسحاق. روى عن: القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وآخرين. روى عنه: مالك بن أنس، ويحيى القطان، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. توفي سنة ثمانين ومائة. روى له: مسلم، وابن ماجه، والنسائي (3) . ص- قال أبو داود: وكذلك نا مسلم بن إبراهيم قال: نا أبان، عن يحيى، عن الربيع بن محمد، عن النبي- عليه السلام-: " انه كبر ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3469) . (2) في سنن أبي داود: " صلاة ". (3) المصدر السابق (3/437) .

ش- هذا أيضاً مرسل، ومسلم بن إبراهيم القصاب، وأبان بن يزيد العطار، ويحيى بن أبي كثير صالح الطائي، والربيع بن محمد، قال الذهبي: الربيع بن محمد أرسل، وعنه يحيى بن أبي كثير. روى له أبو داود (1) . لم أقف عليه في كتاب " الكمال ". 220- ص- حثثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال: نا محمد بن حرب قال: ثنا الزبيدي ح قال: ونا عياش بن الأزرق قال: نا ابن وهب، عن يونس ج، قال: ونا مخلد بن خالد (2) قال: نا إبراهيم بن خالد إمام مسجد صنعاء، قال: نا رباح، عن معمر ح، ونا مؤمل بن الفضل قال: نا الوليد، عن الأوزاعي كلهم عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاةُ فصفّ (3) الناسُ صفُوفهم، فخرج رسولُ الله- عليه السلام- حتى إذا قام في مقامه ذكر أنه لم يغتسلْ، فقال للناس: " مكانكُم! ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينْطفُ رأسُه قد (4) اغتسل ونحنُ صفوف " وهذا لفظ ابن حرب. وقال عياش في حديثه: " فلم نزلْ قياماً ننتظرُهُ حتى خرج علينا، وقد اغتسل " (5) . ش- محمد بن حرب الأبرش الخولاني الحمصي، أبو عبد الله. سمع: الأوزاعي، والزبيدي، ومحمد بن زياد الألهاني، وغيرهم. روى عنه: عبد الأعلى بن مُسهر، وعمرو بن عثمان، والربيع بن روح الحمصي، وجماعة آخرون. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال أحمد بن عبد الله: هو شامي ثقة (6) .

_ (1) المصدر السابق (9/1870) . (2) في الأصل: " محمد بن خالد " خطأ. (3) في سنن أبي داود: " وصف ". (4) في سنن أبي داود: " وقد ". (5) البخاري: كتاب الغسل، باب: إذا ذكر في المسجد أنه جُنب خرج كما هو ولا يتيمم (275) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (605) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إقامة الصفوف قبل خروج الإمام (2/88) ، ويأتي برقم (523) . (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5138) .

والزُّبيدي- بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة- هو محمد بن الوليد بن عامر الزُبيدي، أبو الهُذيل الشامي الحمصي. سمع: نافعاً، والزهري، وسعيداً (1) المقبري، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، ومحمد بن حرب، وبقية بن الوليد، وجماعة آخرون. قال النسائي: ثقة، وكذا قال أبو زرعة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . روى (3) عن: أبي بكر، وعمر، وسمع: معاذاً، وعبد الله بن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: أبو إدريس الخولاني، وشهر بن حوشب، وأبو قلابة، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة من كبار التابعين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وعياش بن الأزرق، أبو النجم نزيل أذنة. روى عن عبد الله بن وهب. روى عنه أبو داود. قال أحمد بن عبد الله: بصري ثقة، وقد كتبت عنه (4) . ويونس بن يزيد. ومحمد (5) بن خالد بن خلي الحمصي. روى عن: أبيه، وابن عيينة، وبشر بن شعيب، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه بحمص وهو صدوق (6) .

_ (1) في الأصل: " سعيد ". (2) المصدر السابق (26/5673) . (3) كذا، وجاء هذا النص في الأصل كالتالي: " ... أبو الهذيل الشامي الحمصي، روى عن أبي بكر ... " ثم ألحق في الهامش قوله: " سمع نافعاً، ... " إلى قوله: " روى له الجماعة "، ووضع علامة الإلحاق قبل قوله: " روى عن أبي بكر ... "، فلعله نسي أن يضرب على هذا النص، والله أعلم. (4) المصدر السابق (22/4598) . (5) كذا ترجم المصنف لمحمد بن مخلد تبعاً للخطأ الموجود في السند، والذي في سند الحديث هو مخلد بن خالد بن يزيد الشعيري أبو محمد نزيل طرسوس، قال أبو حاتم: لا أعرفه، وقال أبو داود: ثقة، وكذا قال ابن حجر في " التقريب "، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5834) . (6) المصدر السابق (25/5176) .

وإبراهيم بن خالد بن عبيد أبو محمد القرشي، المؤذن بمسجد صنعاء. سمع: عمر (1) بن عبد الرحمن، ورباح بن زيد، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة (2) . ورباح بن زيد القرشي مولاهم الصنعاني. سمع: معمر بن راشد، وعمر بن حبيب، وعبد العزيز بن حوران. روى عنه: ابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وأبو ثور، وغيرهم. قال أبو حاتم: جليل ثقة. توفي سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن إحدى وثمانين. روى له أبو داود (3) . ومعمر بن راشد، ومؤمل بن/الفضل بن مجاهد، والوليد بن مسلم الدمشقي، والأوزاعي عبد الرحمن، والزهري محمد بن مسلم، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، هذه أربع أسانيد كلهم عن الزهري. قوله: " ينطف رأسه " جملة وقعت حالاً، وكذلك قوله: " قد اغتسل "، ولذلك ذكر بلفظة " قد "، وكذلك قوله: " ونحن صفوف " فهذه أحوال متداخلة أو مترادفة، و " ينطف " بكسر الطاء وضمها لغتان مشهورتان، أي: يقطر. قوله: " فلم نزل قياماً " أي: قائمين، كصيام جمع " صائم ". قوله: " ننتظره " وقع حالاً من الضمير الذي في " لم نزل " أي: لم نزل قائمين منتظرين إياه. قوله: " حتى خرج علينا وقد اغتسل " هنا وقع الماضي حالاً " بالواو "، وكلمة " قد "، وقد تقع " بالواو " بدون " قد " لا صريحاً ولا مضمراً، بل بعضهم ما أوجبوا " قدْ " في الماضي المثبت إلا عند عدم الواو، فإذا وجد الواو لا يحتاج إلى " قد ". وأخرجه البخاري، ومسلم،

_ (1) في الأصل: " عمرو " خطأ. (3) المصدر السابق (9/1844) . (2) المصدر السابق (2/1844) .

85- باب: الرجل يجد البلة في منامه

والنسائي، وفي لفظ البخاري: " ثم خرج إلينا ورأسه تقطر، فكبر فصلينا معه "، وفي لفظ لمسلم: " حتى خرج إلينا وقد اغتسل فنطف رأسُه ماء، فكبر فصلى بنا "، وهذا رواية البخاري ومسلم تنطق بأنه كبر بعد أن جاء، فدل على أنه ما كبر أولاً، ولا يلزم أن يكون الشروع مرتين، وهذا غير مفيد؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون أفسد الشروع الأول أو لا، فإن أفسده فهو يساعدنا على الخصم، وإن لم يفسده فلا فائدة في الشروع الثاني، والنبي- عليه السلام- ما يصدر منه شيء غير مفيد شرعاً؛ لأن أقواله وأفعاله وأحواله جميعها شرعٌ فافهم، فإنه كلام دقيق، وبيان حقيق. *** 85- باب: الرجل يجد البلة في منامه أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يجد البلل في منامه. " البلة " بكسر الباء: النداوة، ص وبالضم: ابتلال الرّطب، وبالفتح: الريح الذي فيها بلل. 221- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا حماد بن خالد الخياط، قال: [حدثنا] عبد الله العُمري، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة قالت: سُئل النبيُ- عليه السلام- عن الرجل يجدُ البلل ولا يذكُرُ احتلاماً؟ قال: يغتسلُ. وعن الرجل يرى أنْ قد احتلم، ولا يجدُ البلل؟ قال: لا غُسْل عليه. فقالت أمُ سُليم: المرأةُ ترى ذلك، أعليها الغُسلُ؟ قال: " نعم، إنما النساءُ شقائقُ الرجال " (1) . ش- حماد بن خالد الخياط، أبو عبد الله القرشي البصري، سكن بغداد، وأصله مدني. سمع: مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبد الله ابن عمر العمري، ومعاوية بن صالح. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين:

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء فيمن تستيقظ فترى بللاً (113) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من احتلم ولم ير بللاً (612) .

صالح الحديث، ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ ثقة روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي، أخو عبيد الله وإخوته، سمع: نافعاً مولى ابن عمر، وخبيب بن عبد الرحمن، وأبا الزبير، والقاسم بن غنام البياضي، والزهري، وغيرهم. روى عنه: منصور بن سلمة الخزاعي، وقراد أبو نوح، وأبو نعيم، ووكيع، وغيرهم. وقال ابن المديني: ضعيف. وعن ابن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه. وعن أحمد بن حنبل: صالح، وعن صالح بن محمد: لين، مختلط الحديث. توفي بالمدينة سنة إحدى وسبعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري، ورواية مسلم عنه مقروناً (2) وعبيد الله هو أخو عبد الله المذكور، وقد ذكرناه، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق ذكر. وأم سُليم بنت ملحان بن خالد بن زيد، أم أنس بن مالك الأنصارية، يقال: اسمها: سهْلة، ويقال: رُميلة، ويقال: أنيفة، ويقال: رُميثة، ويقال: الرميصاء. رُوي لها عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة عشر حديثاً، اتفقا على حديث واحد، وللبخاري آخر، ولمسلم حديثان. روى عنها: ابنها أنس، وعبد الله بن عباس. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . قوله: " ولا يذكر احتلاماً " الاحتلام من الحلم، وهو عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، يقال: حلم- بالفتح- إذا رأى، وتحلّم إذا ادعى الرؤيا كاذباً. قوله: " أعليها " الهمزة للاستفهام. قوله: " شقائق الرجال " /أي: نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق والطباع، كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم عليهما السلام،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7 / 1479) . (2) المصدر السابق (15/ 3440) . (3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/455) ، وأسد الغابة (7/345) ، والإصابة (4/461) .

86- باب: المرأة ترى ما يرى الرجل

والشقائق جمع " شقيقة "، ومنه شقيق الرجل أخوه لأبيه وأمه، ويجمع على أشقاء بتشديد القاف. وقوله- عليه السلام- هذا خارج مخرج التعليل في وجوب الغسل على المرأة إذا وجدت بللاً ولم تتذكر احتلاماً. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- والتابعين، أنه إذا استيقظ الرجل فرأى بلة أنه يغتسل، وهو قول سفيان وأحمد. قلت: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أيضاً. وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة، وهو قول الشافعي، وإسحاق. وإذا رأى احتلاماً ولم ير بلة فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم. *** 86- باب: المرأة ترى ما يرى الرجل أي: هذا باب في بيان حكم المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل من الاحتلام. 222- ص- ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال عروة، عن عائشة، أن أم سليم الأنصارية- وهي أم أنس ابن مالك- قالت: " يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت المرأة إذا رأتْ في النوم ما يرى الرجل أتغتسلُ أو لا (1) ؟ قالت عائشةُ: فقال النبيُ- عليه السلام -: " نعم، فلتغتسلْ إذا وجدت الماء "، قالت عائشةُ: فأقبلتُ عليها فقلت: أف لك، وهل ترى ذلك المرأةُ؟ فأقبل علي رسولُ الله فقال: " تربتْ يمينُك يا عائشة، ومن أين يكونُ الشبهُ؟ " (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: " أم لا ". (2) البخاري: كتاب العلم، باب: الحياء في العلم (130) ، مسلم: كتاب-

ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري. وعنبسة بن خالد بن يزيد ابن أبي النجاد، الأيلي الأموي مولاهم، أبو عثمان ابن أخي يونس بن يزيد. روى عن يونس هذا، ورجاء بن جميل. روى عنه: ابن وهب، وأحمد بن صالح. توفي بأيلة سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود (1) . ويونس بن يزيد بن أبي النجاد بالنون، وقد مر، وعروة بن الزبير. قوله: " إن الله لا يستحي " من الحياء، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويُذم، واشتقاقه من الحيوة، يُقال: حيى الرجل كما يقال نسي. فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به، ولا يجوز عليه العير والخوف والذم؟ وورد من حديث سلمان قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إن الله حيى كريم، يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيرا ". قلت: هذا جار على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية شبه ترك الله تخييب العبد، ورد يديه إليه صفراً بترك الكريم، ورده المحتاج حياء، فقيل: ترك الله الرد حياء كما قيل: ترك الكريم رد المحتاج حياءً، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء هاهنا، فلذلك استعير ترك المستحي لترك الحق، ثم نفي عنه (2) ، وفي " يستحي " لغتان، أفصحهما باليائين.

_ الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها (314) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل (122) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل (1/113) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في المرأة ترى في منامها ما يراه الرجل (600) من حديث أم سلمة. (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4529) . (2) بل وصف الله نفسه بالحياء على سبيل الحقيقة، اعتقاد أهل السنة والجماعة: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، وانظر: " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية. 34. شرح سنن أبي داوود 1

قوله: " أرأيت " بمعنى: أخبرني، والألف في قوله: " أتغتسل " للاستفهام. قوله: " فأقبلت عليها " أي: على أم سليم. قوله: " فقلت: أفّ لك " معناه: الاستقذار والاحتقار لما قالت، وهي صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر متكره. وقيل: أصل الأف من وسخ الإصبع إذا فُتل، وقد أففت بعده تأفيفاً وأففت به، إذا قلت له: أف لك، وفيها لغات هذه أفصحها وأكثرها استعمالاً، ويقال: أصل الأف وسخ الأظفار. وقال بعضهم: فيها عشر لغات: أف، وأف، وأُف (1) بضم الهمزة مع كسر الفاء وفتحها وضمها بغير تنوين، وبالتنوين، فهذه ست، والسابعة: " إف " بكسر الهمزة وفتح الفاء، والثامنة: " أفْ " بضم الهمزة وإسكان الفاء، والتاسعة: " أفي " بضم الهمزة وبالياء، و " أفه " بالهاء، هذه لغات مشهورة/ذكرهن كلهن ابن الأنباري، فمن كسره بناه على الأصل، ومن فتحه طلب الخفة، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفاً، ومن زاد التاء كأنه أضافه إلى نفسه، ومن زاد الهاء كأنه وقف عليها كما في " قِ " يقال: " قه ". قوله: " تربت يمينك " من ترب الرجل إذا افتقر، أي: لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى، " (2) وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتله الله، وقيل: معناه لله درك. وقيل: أراد بها المثل ليرى المأمور بذلك الجد، وأنه إن خالفه فقد أساء، وقال بعضهم: هو دعاء على الحقيقة، فإنه قد قال لعائشة: " تربت يمينك "؛ لأنه رأى الحاجة خيراً لها، والأول الوجه، ويعضده قوله في حديث خزيمة: " أنعم صباحاً، تربت يداك "، فإن هذا دعاء له، وترغيب في استعماله ما تقدمت الوصية به،

_ (1) في الأصل: " وأوف ". (2) انظر: النهاية (1/184- 185) .

ألا تراه قال: " أنعم صباحاً "، ثم عقبه بقوله: " تربت يداك "؟ وكثيراً يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، وهوتْ أمُّه، ولا أرض لك، ونحو ذلك " (1) . قوله: " ومن أين يكون الشبه؟ " بفتح الشين والباء يقال: بينهما شبه أي: مشابهة. والمعنى: أن ماء الرجل إذا غلب ماء المرأة يكون شبه الولد للأب وبالعكس للأم، ولو لم يكن للأم ماء ما كان يشبه الولد الأم أصلاً كما في " صحيح مسلم " من حديث طويل: " ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل أنثا بإذن الله "، وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث أم سلمة- رضي الله عنها-. وهاهنا مسائل فقهية، استيقظ رجل فوجد على فراشه أو فخذه بللاً، هذا على وجهين، تذكر الاحتلام أم لا، فإن تذكر فعلى أربعة أوجه: تيقن أنه مني، أو تيقن أنه مذي، أو شك أنه منى أو مذي، ففي الكل الغسل، وليس في هذا إيجاب الغسل بالمذي، بل بالمني؛ لأن الظاهر أنه مني ثم رق بطول المدة، وإن تيقن أنه ودي لا غسل عليه، وإن لم يتذكر الاحتلام فعلى الأوجه الأربعة أيضاً، فإن تيقن أنه ودي، أو تيقن أنه مذي، لا يجب الغسل، وإن تيقن أنه مني يحب الغسل، وإن شك أنه مني أو مذي، قال أبو يوسف: لا يجب قياساً حتى يتيقن بالاحتلام، وقالا: يجب استحساناً. ص- قال أبو داود: وكذلك رواه عُقيل، والزبيدي، ويونس، وابن أخي الزهري، وابن أبي الوزير، عن مالك، عن الزهري، ووافق الزهر في مسافع الحجبي، قال: عن عروة، عن عائشة، وأما هشام بن عروة فقال: عن

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من النهاية.

عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، أن أم سليم جاءت (1) رسول الله- عليه السلام-. ش- عُقيل- بضم العين- مولى عثمان بن عفان، وقد ذكر. والزُّبيدي- بضم الزاي- هو محمد بن الوليد، ويونس بن يزيد وابن أخي الزهري اسمه: محمد بن عبد الله بن مسلم. روى عن عمه الزهري. وروى عنه: معقل، والقعنبي، وطائفة. وقال الذهبي: كذّبه ابن معين، ووثّقه أبو داود وغيره. مات سنة سبع وخمسين ومائة. روى الجماعة (2) وابن أبي الوزير: إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم المكي، أبو عمرو بن أبي الوزير، نزل البصرة. سمع: مالك بن أنس، وشريكاً، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: علي بن المديني، وابن المثنى، وابن بشار، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. روى له الجماعة إلا مسلماً (3) . ومُسافع- بضم الميم، وبالسين المهملة، وبكسر الفاء- ابن عبد الله الأكبر بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عثمان ابن عبد الدار بن قُصي، أبو سليمان القرشي الحجبي المكي. سمع: عبد الله بن عمرو، وعروة بن الزبير، وعمته صفية بنت شيبة، والزهري. روى عنه: مصعب بن شيبة، ورجاء أبو يحيى، ومنصور بن صفية، والزهري. قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (4) وزينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وأمها: أم سلمة زوج النبي- عليه السلام-، ولدت بأرض الحبشة، كان/اسمُها برّة،

_ (1) في سنن أبي داود: " جاءت إلى ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5375) (3) المصدر السابق (2/218) . (4) المصدر السابق (27/5887) .

فسماها رسولُ الله زينب (1) ، روى لها البخاري حديثاً ومسلم آخر، وقد رويا لها عن أمها وغيرها. روى عنها القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، والشعبي. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . وأم سلمة اسمها: هند بنت أبي أمية، واسمه حذيفة، ويقال: سهيل ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أم سلمة المخزومية، أم المؤمنين، كانت قبل النبي عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد. رُوي لها عن رسول الله ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة عشر حديثاً، ولمسلم مثلها، هاجرت الهجرتين: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. روى عنها: ابنها عمر، وابنتها زينب، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وكُريب مولى ابن عباس، وجماعة آخرون، توفيت سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة. روى لها الجماعة (3) . ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: ترك الاستحياء لمن تعرض له مسألة، والامتناع، وقد قالت عائشة: " نعم النساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعهن الحياءُ أن يتفقهن في الدين ". والثانية: وجوب الغسل على الرجل والمرأة جميعاً إذا احتلم ووجد الماء. والثالثة: إثبات أن المرأة لها ماء. والرابعة: إثبات القياس، وإلحاق حكم النظير بالنظير. والخامسة: أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطاباً للنساء، إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها.

_ (1) البخاري: كتاب الأدب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (6192) ، مسلم: كتاب الآداب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن.... (17/2141) . (2) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/319) ، أسد الغابة (7/131) ، الإصابة (4/317) . (3) المصادر السابقة (4/421) ، (7/289) ، (4/423) .

87- باب: مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل

87- باب: مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل أي: هذا باب في بيان مقدار الماء الذي يكتفى به في الغسل. 223- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمه، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يغتسلُ من إناء (1) هو الفرقُ من الجنابة " (2) . ش- الفرق: بفتح الفاء والراء وبإسكانها " لغتان، والفتح أفصح وأشهر، وزعم الباجي أنه الصواب، وليس كما زعم، بل هما لغتان. قال سفيان: الفرق ثلاثة آصع. وقال ابن الأثير (3) : " الفرقُ بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنى عشر مُدا، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسْط: نصف صاع، فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً ". وقال أصحابنا في كتب الفقه: الفرق: ستة وثلاثون رطلاً، ذكره صاحب " الهداية "، ثم علله بقوله: لأنه أقصى ما يُقدر به. واعلم أن المراد لمن كلمة " من " في قوله: " من إناء " بيان الجنس، والإناء الذي هو القرف الذي يستعمل منه الماء، وليس المراد أنه يغتسل بملاء الفرق، بدليل الحديث الآخر: " كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله من قدح يقال له الفرق "، وبدليل الحديث الآخر: " يغتسل بالصاع ". واعلم أيضاً أن العلماء أجمعوا على أن الماء الذي يجزئ من الغسل والوضوء غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل،

_ (1) في سنن أبي داود: " إناء واحد ". (2) البخاري: كتاب الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته، مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة وغسل أحدهما بفضل الأخر (319) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر القدر يكتفي به الرجل من الماء للغسل (1/127) . (3) النهاية (3/437) .

وهو جريان الماء على الأعضاء؛ لأن الغسل هو الإسالة، فإذا لم يسل يصير مسحاً وذا لا يجوز. وقال الشافعي: وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويحرق بالكثير فلا يكفي، وقالت العلماء: المستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد، وقد ذكرنا الخلاف في الصاع، وأجمعوا أيضاً على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر، ثم الأظهر أنه كراهة تنزيه لا تحريم، خلافاً لبعض الشافعية. ص- قال معمر عن الزهري في الحديث، قالت: " كنتُ أغتسل أنا ورسولُ الله من إناء واحد، فيه قدْرُ الفرق ". ش- أي: قالت عائشة في هذه الرواية. قوله: " فيه قدر الفرق " أي: يسع فيه ماء قدر الفرق، وإذا فرضنا أنه - عليه السلام- اغتسل هو وعائشة بقدر الفرق، يكون قدر الماء الذي استعمل كل منهما بالتقريب ثمانية أرطال، لأن الفرق ستة عشر رطلاً كما فسره احمد بن حنبل، وهي صاع عند أبي حنيفة ومحمد. ويستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وقد مر الكلام فيه، ويستفاد أيضاً الاكتفاء بالصاع كما قررنا. وأخرجه البخاري، ومسلم/والنسائي. ص- قال أبو داود: روى ابن عيينة نحو حديث مالك. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " الفرق ستة عشر رطلاً " (1) .

_ (1) في سنن أبي داود: " وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، قال: فمن قال ثمانية أرطال قال: ليس ذلك بمحفوظ، قال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثا فقد أوفى، قيل: الصيحاني ثقيل. قال: الصيحاني أطيب، قال: لا أدري ".

88- باب: الغسل من الجنابة

ش- أي: روى سفيان بن عيينة نحو حديث مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة- رضي الله عنها-. *** 88- باب: الغسل من الجنابة أي: هذا باب في بيان الاغتسال من الجنابة، الغُسل- بضم الغين- اسم الاغتسال، وبالفتح المصدر، وبالكسر الشيء الذي يُغسلُ به كالسدر والأشباه. 224- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا زهير قال: ثنا أبو إسحاق قال: حدّثني سليمان بن صُرد، عن جبير بن مطعم، أنهم ذكروا عند رسول الله- عليه السلام- الغُسْل منً الجنابة، فقال رسول الله: " أما أنا فأفيضُ على رأسي ثلاثاً، وأشار بيديه كلتيْهما " (1) . ش- زهير بن معاوية بن حُديجْ، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وقد ذُكرا. وسليمان بن صُرد- بضم الصاد، وفتح الراء- ابن الجون بن أبي الجون ابن منقذ بن ربيعة الخزاعي. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- خمسة عشر حديثاً، اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث. روى عنه: عدي بن ثابت، وأبو إسحاق السبيعي المذكور، نزل الكوفة وقُتل بعين الوردة من الجزيرة سنة خمس وستين أميراً للتوابين. روى له الجماعة (2)

_ (1) البخاري: كتاب الغسل، باب: من أفاض على رأسه ثلاثاً (254) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثاً (327) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه (1/135) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في الغسل من الجنابة (575) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/63) ، وأسد الغابة (2/449) ، والإصابة (2/75) .

وجبير بن مطعم بن عدي أبي نوفل القرشي المدني، قدم على النبي - عليه السلام- في فداء أسارى بدر وهو مشرك، ثم أسلم بعد ذلك قبل عام خيبر، وقيل: أسلم يوم الفتح. رُوي له عن رسول الله ستون حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث. روى عنه: ابناه محمد ونافع، وسليمان بن صُرد، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وخمسين. روى له الجماعة (1) . قوله: " أما أنا " كلمة " أما " بالفتح والتشديد حرف شرط وتفصيل وتوكيد، والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها نحو: (فأما الذين آمنُوا فيعْلمُون) (2) ، والتفصيل مثل قوله تعالى: (أما السفينة فكانتْ لمساكين) (3) ، (وأما الغُلامُ) (4) ، (وأما الجدارُ) (5) . وأما التوكيد فقد ذكره الزمخشري، فإنه قال: فائدة: " أما " في الكلام أن تعطيه فضل توكيل تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة. قلت: أما زيد فذاهب. وهاهنا أيضاً للتأكيد فافهم. وأما " أما " بالفتح والتخفيف على وجهين، الأول: أن يكون حرف استفتاح بمنزلة " ألا " ويكثر ذلك قبل القسم. والثاني: أن يكون بمعنى حقا. قوله: " فأفيضُ " من أفاض الماء إذا سكبه، وثُلاثيه فاض، من فاض الماء والدمع وغيرهما، يفيض فيضاً إذا كثر. قوله: " ثلاثاً " أي: ثلاث أكف، وهكذا في رواية مسلم، والمعنى: ثلاث حفنات، كل واحدة منهن ملء الكفين جميعاً. قوله: " وأشار بيديه " من كلام جُبير بن مطعم، أي: أشار رسول الله

_ (1) المصادر السابقة (1/230) ، (1/323) ، (1/225) . (2) سورة البقرة: (26) . (3) سورة الكهف: (79) . (4) سورة الكهف: (80) . (5) سورة الكهف: (81) .

بيديه الثنتين، كما قلنا: إن كل حفنة ملء الكفيّن، وهذا هو المسنون في الغسل، وعليه إجماع العلماء، وأما الفرض فيه غسل سائر البدن بالإجماع، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف مشهور. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. 225- ص- ونا محمد بن المثنى قال: ثنا أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله- عليه السلام- إذا اغْتسل من الجنابة دعا بشيء (1) نحو الحلاب، فاخذ بكفه (2) فبدا بشقّ رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيْه فقال بها على رأسه (3) . ش- أبو عاصم هذا هو الضحاك بن مخلد أبو [عاصم] النبيل البصري. وحنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي الجُمحي المكي. سمع: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وطاوساً، ومجاهداً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة./وقال ابن معين: ثقة حجة. مات سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له الجماعة إلا ابن ماجه (4) . قوله: " نحو الحلاب " " الحلاب " بكسر الحاء المهملة: إناء يملاؤه قدر حلبة ناقة. ويقال لها أيضاً المحلب بكسر الميم، وترجم البخاري عليه " من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل "، فدل على أنه عنده ضرب من الطيب، وهذا لا يُعرف في الطيب، والمعروف حب المحلب بفتح الميم واللام، وألفاظ الحديث ظاهرة في أنه الإناء. وقال بعضهم: يحتمل أن

_ (1) في سنن أبي داود: " بشيء من " (2) في سنن أبي داود: " فأخذ بكفيه ". (3) البخاري: كتاب الغسل، باب: من بدأ بالحلاب أو الطيب قبل الغسل (258) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: صفة غسل الجنابة (318) ، النسائي: كتاب الغسل والتيمم، باب: استبراء البشرة في الغسل من الجنابة (1/206) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1561) .

يكون البخاري ما أراد إلا الجُلاب- بالجيم المضمومة، وتخفيف اللام- وهو ماء الورد، فارسي مُعرب؛ لأن " كل " عندهم الورد، و " آب " المل، فلما عُرب أبدل من الكاف جيم، والمحفوظ في البخاري بالحاء المهملة، وهو بها أشبه؛ لأن الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق منه قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به ثم اغتسل أذهبه الماء، وقال ابن الأثير في باب الجيم مع اللام (1) . " وفي حديث عائشة: كان إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الجلاب. قال الأزهري: أراد بالجُلاب ماء الورد، والله أعلم ". قلت: الذي تشهد به العبارة " من السياق والسباق أن المراد به الإناء، يتأمله من له ذوق في طرق التركيب. قوله: " فبدأ بشق رأسه الأيمن " الشق- بكسر الشين، وتشديد القاف بمعني: الجانب، وبمعنى: نصف الشيء، ومنه: " تصدقوا ولو بشق تمرة " أي: نصفها. وقوله: " الأيمن " صفة للشق، وكذلك الأيسر. قوله: " فقال ما " أي: بالكفين، واعلم أن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلق على غير الكلام فتقول: قال بيده، أي: أخذ. وقال برجله، أي: مشى. وقالت له العينان: سمعاً وطاعة، أي: أومأت- والمعنى هاهنا قال بكفيه على رأسه، أي: وقلب. وفي حديث آخر: " فقال بثوبه " أي: رفعة، وكل ذلك على المجاز، والاتساع، ويُقال: إن " قال " تجيء لمعان كثيرة بمعنى: أقبل، ومال، واستراح، وذهب، وغلب، وأحبّ " وحكم، وغير ذلك. وسمعت أهل مصر يستعملون هذا في كثير من ألفاظهم، ويقولون: أخذ العصا وقال به كذا، أي: ضرب به. وجمع كفه وقال بها في رقبته، أي: لكمها، وأخذ الجندة وقال بها على جسمه، أي: لبسها، وغير ذلك،

_ (1) النهاية (1/282) .

يقف على ذلك من يتأمل في كلامهم، ولذلك رأيتهم أفصح من أهل الشام وحلب وديار بكر، ولا سيما المولدون فيها. 226- ص- وثنا يعقوب بن إبراهيم قال: نا عبد الرحمن- يعني: ابن مهدي- عن زائدة بن قدامة، عن صدقة قال: نا جُميع بن عُمير أحدُ بني تيم بن ثعلبة قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة فسألتْها إحداهما: كيف كنتُم تصنعُون عند الغُسل؟ فقالت عائشةُ: كان رسولُ الله يتوضأُ وضُوءه للصلاة، ثم يُفيضُ على رأسه ثلاث مرات ونحنُ نُفيضُ على رُؤُوسنا خمساً من أجْل الضفْر (1) ش- يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح الدورقي أبو يوسف العبدي، أخو أحمد بن إبراهيم، وكان الأكبر، سكن بغداد، رأى الليث بن سعد. وسمع: ابن عيينة، ويحيى القطان، وأبا (2) عاصم النبيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وجماعة آخرون. وكان حافظاً ثقة متقناً، صنف المسند. مات سنة ثنتين وخمسين ومائتين (3) . وصدقة بن سعيد الحنفي، سمع جُميع بن عُمير. روى عنه: عبد الواحد بن زياد، وأبو بكر بن عياش، وزائدة. قال البخاري: يعد في الكوفيين. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . وجميع بن عُمير التيمي أحدُ بني تيم الله الكوفي، روى عن: عبد الله ابن عمر، وعائشة الصّدّيقة. روى عنه: صدقة بن سعيد، والعلاء بن صالح، وحكيم بن جبير، وغيرهم. قال البخاري: فيه نظر. قال

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء (1/133) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الغسل من الجنابة (574) . (2) في الأصل: " أبى " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7083) . (4) المصدر السابق (13/2862) .

عبد الرحمن: سألت أبى عنه فقال: من عتق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، كوفي تابعي. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " يتوضأ وضوءه للصلاة " /أي: الوضوء الكامل، وبذا قالت العلماء؛ اللهم إلا إذا كان في مستجمع الماء فيؤخر رجليه، ثم إذا خرج منه يغسلهما. قوله: " من أجل الضفر " الضفر- بفتح الضاد المعجمة، وسكون الفاء- وهي الذوائب المضفورة، وضفر الشعر: إدخال بعضه في بعض، وبهذا يستفاد أن المرأة إذا استعملت الماء أكثر من الرجل لأصل شعرها لا بأس عليها، ويدخل في هذه الطائفة الذين يضفرون شعورهم مثل النساء. وأخرجه النسائي وابن ماجه. 227- ص- حدثنا سليمان بن حرب الواشحي ح، وثنا مسدد قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اغتسل من الجنابة " قال سليمانُ: يبدأ فيُفرغُ بيمينه (2) ". وقال مسدد: " غسل يد، فصبّ الإناء على يده اليُمْنى "، ثم اتفقا: " فيغسلُ فرجه ". قال مسدد: " يُفرغُ على شماله، وربما كنتْ عن الفرج، ثم يتوضأ كوضُوئه (3) للصلاة، ثم يُدخلُ يده (4) في الإناء، فيُخللُ شعْره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشْرة، أو أنْقى البشْرة، أفرغً على رأسه ثلاثاً، وإذا فضل فضْلة صبّها عليه " (5) .

_ (1) المصدر السابق (5/966) . (2) في سنن أبي داود: " بيمينه على شماله ". (3) في سنن أبي داود: " وضوءه ". (4) في سنن أبي داود: " يديه ". (5) البخاري: كتاب الغسل، باب: هل يُدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة؟ ... (262) ، وباب: تخليل الشعر (272) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: صفة غسل الجنابة (316) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الغسل من الجنابة (104) ، النسائي: كتاب الغسل والتيمم، باب: الابتداء بالوضوء في غسل الجنابة (1/ 205) .

ش- قوله: " يُفرغُ " من أفرغ الإناء إذا أقلب ما فيه. قوله: " ثم اتفقا " أي: سليمان ومُسدد. قوله: " وربما كنتْ " بفتح النون المخففة من كنيتُ عن الأمر وكنوت عنه، إذا ورّيتُ عنه بغيره. قوله: " فيخلل شعره " إنما فعل ذلك ليلين الشعر ويرطبه، فيسهل عليه مرور الماء. قوله: " أصاب البشرة " البشرة ظاهر الجلد، وتجمع على أبشار. قوله: " أو أنقى " من الإنقاء. " (1) وهذه الصفة المفعولة في الغسل هي المسنونة عند عامة العلماء، ولم يشترط أحد الدلك فيه ولا في الوضوء إلا مالك والمزني، وأما الوضوء فإنه سُنّة أيضاً، حتى لو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله خلافاً لداود الظاهري، ولكن الأفضل أن يتوضأ ويُحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل وبعده، وإذا توضأ به أولاً لا يأتي به ثانياً، واتفق العلماء على أنه لا يستحب الوضوءان، ثم الوضوء ينبغي أن يكون مثل وضوء الصلاة كما جاء في روايات عائشة في الصحيحين وغيرهما. وقد جاء في أكثر روايات ميمونة: " توضأ ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل رجليه "، وفي رواية من حديثها رواها البخاري: " توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض الماء عليه، ثم نحى قدميه فغسلهما، "، وهذا تصريح بتأخير غسل القدمين. وقال الشيخ محيي الدين: " وللشافعي قولان، أصحهما: أنه يكمل وضوءه (2) بغسل القدمين. والثاني: أنه يؤخر غسل القدمين، فعلى القول الضعيف تتأول روايات عائشة، وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين كما بينته ميمونة في رواية البخاري " (3) . (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/229) . (2) في الأصل: " وضوء "، وما أثبتناه من " شرح صحيح مسلم ". (3) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.

قلت: مذهب أبي حنيفة أنه لا يؤخرهما إلا إذا كانا في مستجمع الماء، وتتأول روايات تأخير الرجلين على أنهما كانا في مستجمع الماء، فلذلك غسلهما بعد الفراغ، أو يكون ذلك لإزالة طين أو نحو ذلك، لا لأجل الجنابة. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. 228- ص- حدثنا عمرو بن علي الباهلي قال: نا محمد بن أبي عدي قال: ثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيْه فغسلهُما، ثم غسل مرافقهُ، وأفاض عليهما (1) الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائطٍ، ثم يستقبلُ الوُضوء، ويفيضُ الماء على رأسه " (2) . ش- عمرو بن علي بن بحر بن كنيز- بالنون والزاي- أبو حفص الصيرفي الفلاس الباهلي البصري. روى عن: يزيد بن زريع، ومعتمر ابن سليمان، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (3) . /ومحمد بن أبي عدي، واسم أبي عدي: إبراهيم السلمي، يكنى: أبا عمرو مولاهم البصري. سمع: سليمان التيمي، ويونس بن عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثنى، وابن بشار، وعمرو بن علي الباهلي، وغيرهم. قال ابن سعد: وكان ثقة. مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة (4) . وسعيد بن أبي عروبة، وأبو معشر زياد بن كليب، والنخعي إبراهيم، والأسود بن يزيد. قوله: " أهوى بهما إلى حائط " أي: مدهما نحوه، يُقال: أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه.

_ (1) في سنن أبي داود: " عليه ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4416) . (4) المصدر السابق (24/5029) .

229- ص- حدثنا الحسن بن شوكر قال: ثنا هشيم، عن عروة الهمداني قال: نا الشعبي قال: قالت عائشةُ- رضي الله عنها-: " لئنْ شئتُم لأريتُكُم أثريد رسول الله في الحائط حيث كان يغتسلُ من الجنابة " (1) ش- الحسن بن شوكر البغدادي أبو علي. روى عن: إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل ابن علية، ويوسف بن عطية، وخلف بن خليفة، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، ومحمد بن المنادي، وأبو أحمد العبدوس، وغيرهم (2) . وهشيم بن بشير. وعروة بن الحارث أبو فروة الهمداني الكوفي، يعرف بأبي فروة الأكبر. روى عن: أبي عمرو الشيباني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي زرعة وغمرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . قوله: " لأريتكم " اللام فيه للتأكيد، و " الأثر " بفتح الهمزة، والثاء: ما بقي من رسم الشيء، والأثر بضم الهمزة وسكون الثاء: أثر الجراح تبقى بعد البرء، وهذا مرسل؛ لأن الشعبي لم يسمع من عائشة. 230- ص- وثنا مسدد بن مسرهد قال: ثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب قال: نا ابن عباس، عن خالته ميمونة قالت: وضعتُ للنبي- عليه السلام- غُسلاً يغتسلُ به (4) من الجنابة، فأكفأ الإناء على يده اليمني فغسلهما (5) مرتين أو ثلاثاً، ثم صب على فرجه،

_ (1) تفرد به أو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1237) . (3) المصدر السابق (20/3903) . (4) كلمة " به " غير موجودة في سنن أبي داود. (5) في سنن أبي داود: " فغسلها ".

فغسل فرجه بشماله، ثم ضرب بيده الأرض فغسلهما (1) ، ثم مضْمض (2) واسْتنشقً وغسل وجهه ويديْه، ثم صب على رأسه وجسده، ثم تنحى ناحيةً فغسل رجليْه، فناولتُه المنديل فلم يأخذه، وجعل ينقضُ الماء عن جسده "، فذكرتُ ذلك لإبراهيم فقال: كانُوا لا يرون بالمنديل بأساً، ولكن كانوا يكرهُون العادة. قال مسددٌ: قلتُ لعبد الله بن داود: كانوا يكرهُونه للعادة؟ فقال: هكذا هو، ولكن وجدته في كتابي هكذا (3) . ش- عبد الله بن داود الخُريبي، وسالم بن أبي الجعد. وكريب بن أبي مسلم القرشي الهاشمي، مولى عبد الله بن عباس، أدرك عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت. وسمع: ابن عباس، وأسامة بن زيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة زوجات النبي- عليه السلام-، وأم الفضل بنت الحارث. روى عنه: ابناه محمد ورشدين (4) ، وعمرو بن دينار، والزهري، وسالم بن أبي الجعد، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين. روى له الجماعة (5) . وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهرم بن رُويبة بن عبد الله

_ (1) في سنن أبي داود: " فغسلها ". (2) في سنن أبي داود: " تمضمض ". البخاري: كتاب الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل (249) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: صفة غسل الجنابة (317) و (337) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الغسل من الجنابة (103) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه (1/137) ، وكتاب الغسل والتيمم، باب: الاستتار عند الاغتسال (1/200) ، وباب: إزالة الجنب الأذى عنه قبل إفاضة الماء عليه (1/204) ، وباب: مسح اليد بالأرض بعد غسل الفرج (1/204) ، وباب: الغسل مرة واحدة (1/208) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المنديل بعد الوضوء وبعد الغسل (467) ، وباب: ما جاء في الغسل من الجنابة (573) . (4) في الأصل: " رشيد " خطأ. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/4970) . 35. شرح سنن أبي داوود 1

ابن هلال الهلالية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله سنة ست من الهجرة. رُوي لها عن رسول الله- عليه السلام- ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة. روى عنها: عبد الله بن عباس، ومولاه كُريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وجماعة آخرون. توفيت سنة إحدى وخمسين، وصلى عليها ابن عباس وماتت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة تسعة أميال، وقيل: اثنا عشر ميلاً. روى لها الجماعة (1) . قوله: " وضعت للنبي- عليه السلام- غسلاً " الغُسل- بضم العين-: الماء الذي يُغتسل به، كالأكل- بضم الهمزة- لما يؤكل، وهو الاسم أيضاً من غسلته. وقد ذكرنا مثل ذلك مرة، وأن الغسل- بالفتح- المصدر، وبالكسر: ما يغسل به من خطْمي وغيره. قوله: " فأكفأ الإناء " من قولهم: كفأت الإناء وأكفأته إذا قلبته وكببته. قوله: " ثم تنحى ناحية " أي: تعمد ناحية وتوجه إليها، وقد مر الكلام في سبب تأخير غسل رجليه. قوله: " فناولته المنديل " بكسر الميم. قال ابن فارس: لعله مأخوذ من الندل وهو النقل. وقال غيره: مأخوذ من الندل وهو الوسخ؛ لأنه يُنْدل به. ويقال: تندلت بالمنديل. قال الجوهري: ويقال أيضاً: تمندلت به، وأنكرها الكسائي. قوله: " فلم يأخذه " أي: المنديل، هذا يدل على أن ترك تنشيف الأعضاء مستحب. وقالت الشافعية: فيه خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه. والثاني: أنه مكروه. والثالث: أنه مباح يستوي فعله ونزكه. والرابع: أنه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ، وهو قول علمائنا أيضاً. والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء./

_ (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/404) ، وأسد الغابة (7/272) ، والإصابة (4/411) .

وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وقد اختلفت الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب، أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك، ومالك، والثوري. والثاني: أنه مكروه فيهما، وهو قول ابن عباس، وابن أبي ليلى. والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس. وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث، والحديث الآخر في الصحيح أنه - عليه السلام- اغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء. وأما فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة من أوجه لكن أسانيدها ضعيفة. قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي- عليه السلام- شيء، وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث: " وجعل ينفض الماء عن جسده "، فإذا كان النفض مباحاً كان التنشيف مثله أو أولى، لاشتراكهما في إزالة الماء ". قوله: " فذكرت ذلك القائل لهذا الكلام هو الأعمش، وإبراهيم هو النخعي. قوله: " كانوا يكرهون العادة " أي: كانوا يكرهون أن يجعلوا المنديل عادة، وفي " المصنف ": حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: " إنما يكرهون المنديل بعد الوضوء مخافة العادة ". وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وليس في حديثهم قصة إبراهيم. 231- ص- حدثنا حسين بن عيسى الخراساني قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة: أن ابن عباس، كان إذا اغتسل من الجنابة يُفرغُ بيده اليُمنى على يده اليُسرى سبع مرار، ثم يغسلُ فرجه، فنسي مرةً كم أفرغ، فسألني فقلتُ: لا أدري، فقال: لا أم لك، وما يمنعُك أن تدري؟

_ (1) شرح صحيح مسلم (1/333-332) .

ثم يتوضأ وُضوءه للصلاة، ثم يُفيض على جلده الماء ثم يقولُ: هكذا كان رسولُ الله يتطهرُ (1) . ش- ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك الديلي مولاهم المدني، أبو إسماعيل، واسم أبي فديك: دينار. سمع: أباه، وسلمة بن وردان، وهشام بن سعد، وابن أبي ذئب، وغيرهم. روى عنه: الشافعي، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن حنبل، وجماعة آخرون. مات سنة مائتين. روى له الجماعة (2) . وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن القرشي. وشعبهْ القرشي الهاشمي: مولاهم أبو عبد المدني، ويقال: أبو يحيى مولى عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. سمع ابن عباس. روى عنه: بكير بن الأشج، وابن أبي ذئب، وحفص بن عمر، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس (3) . وقال مالك: ليس بثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي. توفي في وسط خلافة هشام بن عبد الملك (4) . قوله: " كم أفرغ " أي: كم أفرغ الماء. قوله: " لا أمّ لك " ذم وسب، أي: أنت لقيط لا يعرف (5) لك أم، وقد قيل: قد تقع مدحاً بمعنى التعجب منه، وفيه بعد. قوله: " يتطهر " أي: من الجنابة. وقال الشيخ زكي الدين: شعبة هذا ضعيف لا يحتج بحديثه.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5068) . (3) في الأصل: " صالح "، وما أثبتناه من تهذيب الكمال، وبقية كلامه: " وهو أحب إلي من صالح مولى التوأمة ... "، فلعله سبق قلمه إلى هذا، والله أعلم. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2741) . (5) في الأصل: " تعرف ".

232- ص- حثثنا قتيبة بن سعيد قال: نا أيوب بن جابر، عن عبد الله ابن عُصم، عن ابن عمر قال: كانت الصلاةُ خمسين والغُسلُ من الجنابة سبع مرات (1) ، وغُسلُ البول من الثوب سبع مرار، فلم يزلْ رسولُ الله يسألُ حتى " جُعلت الصلاةُ خمساً، والغُسل من الجنابة مرة، وغُسلُ للبول من الثوب مرة (2) . ش- أيوب بن جابر اليمامي أخو محمد السُحيمي أبو سليمان الحنفي المدني. روى عن: عبد الله بن عاصم (3) ، وأبي إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم. روى عنه: قتيبة، وأبو داود الطيالسي، وخالد بن مرداس، وغيرهم. قال ابن معين والنسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه وقال زكي الدين في " كتابه ": لا يحتج بحديثه (4) . وعبد الله بن عصم ويُقال: ابن عصمة أبو علوان الحنفي. سمع: عبد الله ابن عمر، وابن عباس، وأبا سعيد الخدري. روى عنه: شريك بن عبد الله، وإسرائيل، وأيوب بن جابر. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو زرعة: كوفي ليس به بأس. روى له: أبو داود، والترمذي (5) . قوله: " كانت الصلاة خمسين " أي: خمسين صلاة في اليوم والليلة، وقد خفف الله تعالى عن هذه الأمة بسؤال النبي- عليه السلام-/ليلة المعراج، وذلك كما رُوي في قصة المعراج: أن الله تعالى عرض على عبده محمد وعلى أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وربه حتى وضعها الرب جل ذكره إلى خمسٍ وقال: " هي خمسون، الحسنة بعشرة أمثالها "، وأما تخفيف الغسل من الجنابة إلى مرة، وتخفيف غسل البول من الثوب إلى مرة،

_ (1) في سنن أبي داود: " مرار ". (2) تفرد به أبو داود. (3) كذا، وقد اختلف في اسمه كما سيأتي، ولم يذكر فيه: " عاصماً ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/609) . (5) المصدر السابق (15/3426) .

فلم يذكر في قصة المعراج، فلعل هذا قد كان في وقت آخر. وروى هذا الحديث أحمد في " مسنده " قال: حدّثنا حسين بن محمد، نا أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عصمة، عن ابن عمر قال: " كانت الصلاة " الحديث. وقال ابن الجوزي في " جامع المسانيد ": عبد الله بن عصمة ضعيف. قال ابن حبان: منكر الحديث، يحدث عن الأثبات بما لا يشبه أحاديثهم، حتى سبق إلى القلب أنها موهونة أو موضوعة، وأما أيوب بن جابر فقال يحيى بن معين: ليس بشيء. 233- ص- حدثنا نصر بن عليّ قال الحارث بن وجيه قال: ثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله: " إن تحت كُل شعرةٍ جنابةً، فاغسلُوا الشعْر، وأنقُوا البشرة (1) " (2) . ش- الحارث بن وجيه الراسبي، روى عن مالك بن دينار، وروى عنه نصر بن علي، والمقدمي. وقال الذهبي: ضعفوه. روى له: أبو داود، والترمذي (3) . ومالك بن دينار أبو يحيى البصري الزاهد الناجي، مولى امرأة من بني ناجية بن سامة (4) بن لؤي، كان أبوه من سبْي سجستان. سمع: أنساً، والحسن البصري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: أبان بن يزيد العطار، وهمام بن يحيى، والحارث ابن وجيه، ووهب بن راشد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. مات سنة تسعة وعشرين ومائة. روى له: الترمذي، وأبو داود، والنسائي (5) . قوله: " البشرة " وهي ظاهر الجلد.

_ (1) في سنن أبي داود: " البشر ". (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة (106) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: تحت كل شعرة جنابة (597) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1051) . (4) في الأصل: " أسامة " خطأ. (5) المصدر السابق (27/5737) .

" (1) وظاهر الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال، من الجنابة؛ لأنه لا يكون شعره كله شعرة شعرة مغسولاً إلا بنقضها، وإليه ذهب إبراهيم النخعي. وقال عامة أهل العلم: إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره يجزئه، وبهذا احتج أبو حنيفة على أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة " وقال الخطابي (1) : " زعم من يحتج بفرضية المضمضة من الجنابة أن داخل الفم من البشرة، وهذا خلاف قول أهل اللغة؛ لكن البشرة عندهم هي ما ظهر من البدن، وأما داخل الأنف والفم فهو الأدمة، والعرب تقول: فلان مؤدم مبشر، إذا كان حسن الظاهر مخبوء الباطن ". قلت: الذي احتج بفرضية الاستنشاق من الجنابة استدل بقوله- عليه السلام-: " إن تحت كل شعرة جنابة "، وفي الأنف شعور، وأما المضمضة فلأن الفم من ظاهر البدن، بدليل أنه لا يقدح في الصوم، فيطلق عليه ما يطلق على البدن، فبهذا الاعتبار فرضت المضمضة لا باعتبار ما قاله الخطابي. وأخرجه الترمذي وابن ماجه. ص- قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف. ش- كذا قال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك القوي. وذكر الدارقطني أنه غريب من حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، تفرد به مالك بن دينار، وعنه الحارث بن وجيه. وذكر الترمذي أيضاً أن الحارث تفرد به عن مالك بن دينار. 234- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال: أنا عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، أن رسول الله- عليه السلام- قال: " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغْسلها فُعل بها (2) كذا وكذا من النار ". قال

_ (1) معالم السنن (1/69) . (2) في سنن أبي داود: " به ".

عليّ: فمن ثمّ عاديتُ رأسي، فمن ثم عاديتُ رأسي ثلاثاً، وكان يجُزُّ شعْره (1) . ش- حماد بن سلمة. وعطاء بن السائب بن مالك، ويقال: ابن السائب بن يزيد أبو السائب، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو زيد الثقفي الكوفي. رأى عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك. سمع: أباه، وأبا عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وزاذان أبا عمر. روى عنه: الأعمش، والثوري، والحمادان، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن حنبل: ثقة رجل صالح. قال ابن عدي: اختلط في آخر عمره. روى له الجماعة. روى له: البخاري، ومسلم في المتابعات (2) . وزاذان الكندي أبو عبد الله، ويُقال: أبو عمر مولاهم الكوفي، سمع خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، والبراء بن عازب، وسلمان الفارسي، وعائشة، وجرير بن عبد الله. روى عنه: أبو صالح ذكوان، وعمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتين وثمانين. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . قوله: " ثلاثاً " أي: قال علي: فمن ثم عاديت رأسي ثلاث مرات. قوله: " وكان يجز " /أي: يقص، من جز يجز جزا، والجزُ: قص الشعر والصوف، وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة أيضاً على فرضية المضمضة والاستنشاق من الجنابة. وأخرجه ابن ماجه أيضاً.

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: تحت كل شعرة جنابة (599) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3934) . (3) المصدر السابق (9/1945) .

شرح سنن أبي داوود تأليف الإمام أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى بدر الدين العيني المتوفى سنة 855 هـ تحقيق أبي المنذر خالد بن إبراهيم المصري المجلد الثاني مكتبة الرشد الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1420 هـ - 1999 م مكتبة الرشد للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية الرياض طريق الحجاز ص ب 17522 الرياض 11494 هاتف 4583712 تلكس 405798 فاكس 4579981 فرع القصيم بريدة حي الصفراء - طريق المدينة ص ب 2376 هاتف 2242214 فاكس 3241258 فرع المدينة المنورة - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف 8340600 فرع مكة المكرمة هاتف 585401 / 05 - 583506 / 05 فرع ابها شارع الملك فيصل هاتف 5322043 / 05 فرع الدمام شارع بن خالدون مقابل الإستاد الرياضي هاتف 8282175

شرح سنن أبي داود 2

89- باب: الوضوء بعد الغسل

89- باب: الوضوء بعد الغسل أي: هذا باب في بيان الوضوء بعد الغسل من الجنابة. 235- ص- حدَثنا عبد الله بن محمد النُّفَيلي قال: نا زهير، قال: نا أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللهِ - عليه السلام- يَغتسلُ ويُصلَي الركعتين وصَلاةَ الغَدَاة، ولا أرَاهُ يُحدِثُ وُضوءاً بعدَ الغُسلِ " (1) . ش- زهير بن معاوية، وأبو إسحاق السبيعي، والأسود بن يزيد. قوله: " ويصلي الركعتين " المراد بهما: سُنَة الفجر، وصلاة الغداة صلاة الصبح، وقد تكلمنا بما يناسبه بما فيه الكفاية. وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة قالت: " كان رسول الله لا يتوضأ بعد الغسل "، وفي حديث ابن ماجه: " بعد الغسل من الجنابة ". *** 90- باب: المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟ أي: هذا باب في بيان أن المرأة هل تنقض شعر رأسها عند الغسل من الجنابة. 236- ص- ثنا زهير بن حرب وابن السرج قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة: " أن امرأة " (2) ، وقال زهير: " أنها قالت: يا رسولَ الله، إني امرأة أشُد ضُفرَ رَأسي، أفَأنقضُه للجنابة، قال: إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثاً ". وقالَ زهير: " تُحثِي عليه ثلاثَ حَثَيَات من ماء، ثم تُفيضي على سَائر جَسَدِكِ، فإذا أنتِ قد ظهُرتِ " (3) . "

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود: " أن امرأة من المسلمين ". (3) مسلم: كتاب الحيض، باب: حكم ضفائر المغتسلة (58 /330) ، الترمذي:-

ش- ابن السرح هو أحمد بن عمرو بن السرح. وأيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف القرشي الأموي أبو موسى المكي، وهو ابن عم إسماعيل ابن أمية. سمع: عطاء بن أبي رباح، وسعيداً (1) المقبري، والزهري، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وابن جريج، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (2) . وسعيد بن أبي سعيد المقبري: أبو سَعد المدني، واسم أبي سعيد: كيسان، نسب إلى مقبُرَة بالمدينة كان مجاوراً لها، وكان مكاتباً لامرأة من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. روى عن: سعد ابن أبي وقاص، وجبير بن مطعم. وسمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وعبد الله بن رافع، وغيرهم. روى عنه: أبو حازم سلمة بن دينار، ومحمد بن عجلان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وشعبة، وجماعة آخرون. قال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال أبو زرعة: ثقة 0 وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته. روى له الجماعة (3) وعبد الله بن رافع: أبو رافع المدني المخزومي، مولى أم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. سمع: أبا هريرة، وأم سلمة. روى عنه: سعيد المقبري، والقاسم بن عباس الهاشمي، ومحمد بن إسحاق بن

_ - كتاب الطهارة، باب: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل؟ (105) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة (241) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في غسل النساء من الجنابة (603) . (1) في الأصل: " سعيد " 0 (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/626) . (3) المصدر السابق (10/2284) .

يسار، وغيرهم. قال أبو زرعة: مديني ثقة. وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. روى له الجماعة (1) . قوله: " أشد ضفر رأسي " بسكون الفاء، أي: فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض، ويقال بفتح الفاء وهو الشيء المضفور. وقال الشيخ محيي الدين (2) : " هو بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين والفقهاء وغيرهم، ومعناه: احكم فتل شعري. وقال الإمام ابن بري في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم سلمة: " أشد ضفر رأسي " يقولونه بفتح الضاد، وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد والفاء جمع " ضفيرة "، كسفينة وسُفُن. وهذا الذي أنكره ليس كما زعمه بل الصواب جواز الأمرين، ولكل واحد منهما معنى صحيح، ولكن يترجح ما قدمناه لكونه المروي المسموع في الروايات الثابتة المتصلة ". قوله: " أن تحفني " من حفن حفنة، والحفنة: ملء الكفين من أي شيء كان. قوله: " ثلاثا " أي: ثلاث حفنات. قوله: " تحثي " من حثيت / وحثوت بالياء والواو لغتان، يقال: حثى يحثو حثواً ويحثي حثياً، ومعنى ثلاث حثيات: ثلاث غرف بيديه واحدها حثية. قوله: " فإذا أنت فد طهرت " الفاء فيه زائدة لازمة عند الفارسي؛ لأن كلمة " إذا " للمفاجأة، و " إذَا " التي للمفاجأة تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت، فإذا الأسد بالباب ومنه: (فَإذَا هِيَ حَبَةٌ تَسعَى) (3) ، وبعضهم يجعلون هذه (4) الفاء عاطفة، وعند أَبي إسحاق للسببية المحضة كفاء الجواب.

_ (1) المصدر السابق (14/3255) . (3) سورة طه: (20) . (2) " شرح صحيح مسلم " (4/11) . (4) في الأصل: " هذا ".

ثم اعلم (1) " أن مذهب الجمهور: أن ضفائر المغتسلة إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يحب نقضها، وإن لم يصل إلا بنقضها وجب نقضها، وحديث أم سلمة محمول على أنه كان يصل الماء إلى جميع شعرها من غير نقض؛ لأن إيصال الماء واجب، وحكي عن النخعي وجوب نقضها بكل حال. وعن الحسن وطاوس وجوب النقض في غسل الحيض دون الجنابة، وإذا كان للرجل ضفيرة فهو كالمرأة ". ويستفاد همن هذا الحديث أن الدلك ليس بشرط، وهو قول عامة الفقهاء إلا مالك فإنه شرطه في الغسل والوضوء جميعاً، وأن الفيضة الواحدة من الماء إذا عمت تجزئه، وأن الغسلات الثلاث إنما هي على الاستحباب، وليست على الوجوب، كذا قاله الخطابي (2) . والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 237- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثني ابن نافع- يعني: الصائغ، عن أسامة، عن المقبري، عن أم سلمة: " أن امرأةً جاءت أم سَلَمةَ (3) بهذا الحديث قال: قالت فسألت لها النبيَ- عليه السلام- بمعناه، قال فيه: " واغمِزِي قُرُونَكِ عندَ كل حَفنَة " (4) . ش- ابن نافع هو: عبد الله بن نافع الصَائغ، المدني، أبو محمد القرشي المخزومي. سمع: مالك بن أنس، وهشام بن عروة، وأبا المثنى، وغيرهم. روى عنه: دُحيم، ومسلم بن عمرو الحذاء، وعبد الوهاب بن بخت (5) ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة 0 مات

_ (1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (4/12) . (2) معالم السنن (1/70) . (3) في سنن أبي داود: " جاءت إلى أم سلمة ". (4) تفرد به أبو داود. (5) كذا، والذي في تهذيب الكمال: " بكر بن عبد الوهاب ابن أخت الواقدي "، ولم يرد ذكر لعبد الوهاب بن بخت فيمن روي عن ابن نافع، ولعله سبق قلم، والله أعلم.

بالمدينة في رمضان سنة ست ومائتين. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (1) . وأسامة بن زيد، والمقبري سعيد بن أبي سعيد، وقد مر قريباً. قوله: " بهذا الحديث " متعلق بمحذوف تقديره: روى أسامة بهذا الحديث المذكور، والضمير الذي في " قال " يرجع إلى أسامة أيضا، والذي في " قالت " إلى المرأة، والذي في " سألت " إلى أم سلمة. وقوله: " لها " أي: لأجلها، أي: لأجل المرأة التي جاءت أم سلمة. قوله: " بمعناه " كذلك متعلق بمحذوف، أي: رواه بمعنى الحديث المذكور، ولكن زاد في هذه الرواية: " واغمزي قرونك " واحدها " قرن " وهو شيء مجموع من الشعر، والغمز: التحريك بشدة. وقال ابن الأثير (2) : " القرون: الشعور، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن بفتح القاف، وسكون الراء ". وقال (3) : ومعنى " اغمزي قرونك ": اكبسي ضفائر شعرك عند الغسل، والغمز: العصر والكبس باليد. 238- ص- حدَثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا يحيى بن أبي بُكير قال: نا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشةَ قالت: " كانت إِحدَانَا إذا أصابَتهَا جَنَابةٌ أخَذت ثلاثَ حَفَنَات، هكذا تعني بكفيها جميعاً، " فتصُب على رأسهَا، وأخذت بيد واحدة فصًبَتهَا على هذا الشِّقَ، والأخرى على الشّقِّ الآخَرَِ " (4) . ش- يحيى بن أبي بكير، واسم أبي بكير: نسر- بالنون والسين المهملة- ابن أسِيد- بفتح الهمزة، وكسر السين- ويقال: ابن بشر - بالباء الموحدة والشين المعجمة- أبو زكرياء الكرماني. روى عن: إبراهيم ابن طهمان، وإبراهيم بن نافع، وزائدة بن قدامة، وغيرهم. روى عنه:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3609) . (2) النهاية (4/51) . (3) النهاية (3/385) . (4) البخاري: كتاب الغسل، باب: من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل (277) .

محمد بن سعيد الأصبهاني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة ثمان ومائتين. روى له الجماعة (1) وإبراهيم بن نافع المخزومي المكي. سمع: عطاء بن أبي رباح، والحسن بن مسلم، وأبا يسار، وسليمان الأحول. روى عنه: الثوري، وأبو نعيم، ويحيى بن أبي بكرِ، وجماعة آخرون. وقال أحمد ويحيى: هو ثقة. روى له الجماعة (2) . والحسن بن مسلم بن يناق المكي، سمع: طاوساً، ومجاهداً، وصفية بنت شيبة. روى عنه: حميد الطويل، والحكم بن عيينة، وابن جريج، وغيرهم. قال أبو زرعة وابن معين: ثقة. قال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة إلا الترمذي (3) . قوله: " وأخذت بيد واحدة " /أي: غرفة أخرى فيكون مجموع هذا الغسل من ثلاث حفنات وغرفتين، الحفنات الثلاث على الرأس، والواحدة من الغرفتين على الشق الأيمن، والأخرى على الأيسر. وأخرجه البخاري بنحوه. 239- ص- حدثنا نصر بن علي قال: نا عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشةَ بنت طلحةَ، عن عائشةَ- رضي الله عنها- قالت: " كُنا نَغتسلُ وعلينا الضَّما " ونحنُ مع رسول الله- علمه السلام- مُحلاتٌ ومُحرماتٌ " (4) . ش- عبد الله بن داود الخُريبي. وعمر بن سويد الثقفي. سمع عائشة بنت طلحة. روى عنه:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6797) . (2) المصدر السابق (2/260) . (3) المصدر السابق (6/1275) . (4) تفرد به أبو داود.

عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم، ووكيع. وقال ابن معين: ثقة. روى له أبو داود (1) . وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية التيمية أم عمران المدنية. وأمها: أم كلثوم بنت أبي بكر الصِّدِّيق، نزوجها عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصَديق، ثم خلف عليها مصعب بن الزبير فقتل عنها، وخلف عليها عمرو بن عبد الله بن معمر التيمي. روت عن عائشة الصديقة. روى عنها: ابنها طلحة بن عبد الله، وابن أخيها طلحة بن يحيى، ومعاوية بن إسحاق، وعمر بن سُويد، وآخرون. وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم. قال ابن معين: ثقة حجة. روى لها الجماعة (2) قوله: " وعلينا الضماد " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " تغتسل "، والضِّماد- بكسر الضاد-: خرقة يُشد بها العضو المؤوف، ثم قيل: لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يُشد. وقال الشيخ زكي الدين: الضِّماد: هو لطخ الشعر بالطيب وما يلبده ويسكنه، وأصله من الضمد، وهو الشد. قوله: " ونحن " مبتدأ وخبره قوله: " محلات "، والجملة أيضاً موضعها النصب على الحال، و " المُحلات " جمع " مُحلة " بمعنى ضد المحرمة، مُفعِلَة من أحلّت إذا خرجت من الإحرام، وأحرمت إذا دخلت في الإحرام، والمعنى من هذا الحديث: أن الماء إذا بلغ أصول الشعر لا يحتاج إلى نقض الضفائر، ولا الضمادات التي عليها. 240- ص- حدَثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل قال ابن عوف: وثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه قال: حدَّثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عُبيد قال: أفتاني جُبير بن نفير عن الغُسلِ من الجَنابةِ،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4252) . (2) المصدر السابق (35/7888) .

أن ثوبانَ حدثَهُم أنهم استَفتَوا النبيَ- عليه السلام- عن ذلك فقال: " أمَا الرجلُ فلينشر رأسَهُ فليغسلهُ حتى يبلغِ أصولَ الشعر، وأمَا المرأةُ فلا عَلَيهَا أن لا تَنقُضَهُ، لِتغرِف علىَ رأسِهَا ثَلاث غَرَفَاتٍ بكفَّيهًا " (1) . ش- إسماعيل هذا هو ابن عبد الكريم بن معقل بن منبه بن كامل بن شيخ الصنعاني، أبو هاشم. روى عن: عمه عبد الصمد بن معقل، وإبراهيم بن عقيل، وابن أبي رواد، وغيرهم. روى عنه: الحسن بن الصباح، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب عن جابر ليست بشيء، إنما هو كتاب وقع إليهم، ولم يسمع وهب من جابر شيئاً. توفي باليمن سنة عشر ومائتين. روى له أبو داود (2) . ومحمد بن إسماعيل بن عياش النصري- بالنون- الحمصي. روى عن أبيه، روى عنه: محمد بن عوف الطائي، وأبو زرعة الرازي، وعمر بن إسحاق، وأبو داود، وغيرهم. قال عبد الرحمن: سألت أبي عنه فقال: لم يسمع من أبيه شيئاً، حملوه على أن يحدث فحدّث (3) . وأبوه إسماعيل بن عياش بن سُليم قد ذكرناه. وضمضم بن زرعة الحضرمي الحمصي، وقيل: الدمشقي. روى عن شريح بن عُبيد. روى عنه: إسماعيل بن عياش، ويحيى بن حمزة. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ضعيف. روى له أبو داود (4) . وشريح بن عُبيد بن شريح بن عبد بن عريب الحضرمي، وقيل: المقدامي أبو الصلت الشامي الحمصي. روى عن: معاوية بن أبي سفيان،

_ (1) تفرد به أبو داود.. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/463) . (3) المصدر السابق (24/5067) . (4) المصدر السابق (13/2942) .

91- باب: الجنب يغسل رأسه بالخطمي

وفضالة بن عبيد، وأبي ذر الغفاري، وعقبة بن عامر، وأبي الدرداء، وثوبان مولى النبي- عليه السلام- وغيرهم، ومن التابعين عن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، ويزيد بن خُمير، وغيرهم. روى عنه: ضمضم ابن زرعة، وصفوان بن عمرو، وثور بن يزيد، وغيرهم. قال ابن العجلي: تابعي ثقة. روى له: أبو داود/، وابن ماجه (1) . وجبير بن نفير الحضرمي الحمصي، قد ذكرناه، وكذلك ثوبان مولى النبي- عليه السلام-. قوله: " عن ذلك " أي: عن الغسل من الجنابة. قوله: " أما الرجل " أمّا هاهنا للتفصيل، يفصل به ما أُجمل من حكم الرجل والمرأة في الغُسل. قوله: " فلينشر رأسه " أي: شعر رأسه، من النشر الذي هو ضد الطي. قوله: " فلا عليها أن لا تنقضه " أي: فلا بأس عليها، أو فلا حرج عليها أن لا تنقض شعرها، والمراد منه: أنها لا تحتاج إلى بَلِّ ضفائرها إذا بلغ الماء إلى أصولها؛ لأن في ذلك حرجاً، بخلاف الرجل كما في حديث أم سلمة، حيث لم يأمرها بنقض ضفائرها، وإنما أمرها بثلاث حفنات عليها، وهذا الباب كله في هذا المعنى. *** 91- باب: الجنب يغسل رأسه بالخِطمِيِّ (2) أي: هذا باب في بيان الجنب الذي يغسل رأسه بالخِطمي. قال الجوهري: هو بكسر الخاء. قال الأزهري: هو بفتح الخاء. قال: ومن قال خِطمي بالكسر فقد لحن، وهو نبات مشهور، له نور أحمر مثل الورد الأحمر.

_ (1) المصدر السابق (12/2726) . (2) في سنن أبي داود زيادة: " أيجزئه ذلك؟ "

241- ص- حدَّثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: نا شريك، عن قيس ابن وهب، عن رجلِ من سُواءة (1) ، عن عائشة، عن النبي- عليه السلام-: " أنه كان يَغسلُ رأسه بالخطميَ وهو جُنبٌ، يَجتزي بذلك، ولا يَصب عليه الماءَ " (2) .ً ش- محمد بن جعفر بن زياد بن أبي هاشم الوركاني الخراساني، يكنى أبا عمران، سكن بغداد. روى عن: إبراهيم بن سعد، وشريك ابن عبد الله، وأيوب بن جابر الحنفي، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، ومسلم، وأبو يعلى الموصلي، وأبو داود، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة. توفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين ببغداد (3) . وشريك بن عبد. الله النخعي. وقيس بن وهب الهمداني الكوفي. روى عن: أنس بن مالك، ومُرة الطيب، وأبي عبد الرحمن السلمي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشريك، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (4) قوله: " عن رجل من سُواءة " مجهول، وبنو سواءة بضم السين المهملة، وهو سواءة بن عامر بن صعصعة، مات بالكوفة سنة أربع وسبعين. قوله: " وهو جنب " جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في " يغسل ". قوله: " يجتزي بذلك " أي: يكتفي به، والمعنى: أنه كان يكتفي بالماء الذي يغسلُ به الخطمي، وينوي به غسل الجنابة، ولا يستعمل بعده ماءً آخر يخص به الغسَل، كذا قال ابن الأثير (5)

_ (1) في سنن أبي داود: " من بني سواءة بن عامر ". (2) تفرد به أبي داود (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5116) . (4) المصدر السابق (24/4926) . (5) النهاية (2/51) .

92- باب: فيما يفيض بين المرأة وبين الرجل

قلت: يجزئه وإن لم ينوبه لإطلاق الحديث، وإطلاق كل ما روي في هذا الباب من الآثار. وفي المصنف (1) : حدَّثنا أبو بكر قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع قال: قال عبد الله: من غسل رأسه بالخِطمي وهو جنب فقد أبلغ الغسل ". وقال الحارث: ولكن لا يعيد ما سال من الخطمي على رأسه أيضاً. وفيه عن ابن عباس قال: تجزئه أن لا يُعيد على رَأسه الغسل. وعن سعيد ابن جبير في الجنب: يغسل رأسه بالسدر؟، قال: لا يغسل رأسه. *** 92- باب: فيما يفيض بين المرأة وبين الرجل أي: هذا باب في بيان ما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء، من فاض الماء، والدمع وغيرهما، يفيض فيضاً إذا كثر. 242- ص- حدثنا محمد بن رافع قال: نا يحيى بن اَدم قال: نا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواءة بن عامر، عن عائشة فيما يَفيضُ بين الرجلِ والمرأةِ من الماء قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذُ كفا من ماَءٍ يَصُبُّ على الماءِ، [ثم يأخذُ كَفا من ماءٍ] (2) ، ثم يَصُبهُ عَلَيهِ " (3) . ش- محمد بن رافع النيسابوري، ويحيى بن اَدم بن سليمان الكوفي، وشريك النخعي، وفيه أيضاًَ رجل مجهول ... (4) . 93- باب: في مؤاكلة الحائض ومجامعتها أي: هذا باب في بيان مؤاكلة الحائض، المؤاكلة والمجامعة كلتاهما من باب المفاعلة، ذكرهما ليدل على فعل الاثنين؛ لأن باب المفاعلة لنسبة

_ (1) (1/70- 71) . (2) زيادة من سنن أبي داود. (3) تفرد به أبو داود. (4) بَيَضَ له المصنف قدر ثلاثة أسطر، ولم يكتب شيئاً.

أصل الفعل إلى أحد الأمرين/متعلقاًَ بالآخر للمشاركة صريحاًَ، فيجيء العكس ضمناَ، نحو: ضاربته، وشاركته، ولأجل ذلك [جُعل] غير المتعدي متعدياَ نحو: كارمته. 243- ص- حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك: " أن اليهودَ كانت إذا حَاضت منهم امرأةٌ (1) أخرجُوهَا من البيت، ولم يُؤَاكلُوها، ولم يُشَارِبُوها، ولم يُجَامِعُوها في البيت، فسئِلَ رسول الله- عليهَ السلام- عن ذلك، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: (وَيَسألُونَكَ عَنِ المَحيضَ قُل هُوَ أذى فَاعتَزِلُوا النَسَاءَ فِي المَحِيضِ..0) (2) إلى آخرِ الآية، فقال رَسولُ الله- عليه السلام-: جَامعُوهُنَ فِي البُيُوتِ، واصنَعُوا كلًّ شيء غيرَ النكاح، فقالت اليهودُ: ما يُريد هذا الرجلُ أن يَدعَ شَيئاً من أمرِنَا إلا خَالَفَنَا فيه. فجاءَ أسيد بنُ حُضيرٍ، وعَباد بنُ بشر إلى النبيِّ - عليه السلام- فقالا. يا رسولَ اللهِ، إن اليهودَ تقولُ كَذاَ وكذَا، أفَلا نَنكِحُهُنَّ فِي المحيضِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجهُ رسول اللهِ حتى ظَنَنَا أنه قد وَجدَ عليهما، فخرجَا فاستقبلتهما هَدِيَّةٌ من لَبن إلىَ رسول الله، فَبعثَ في آثَارِهمَا، فسقاهُمَا، فظننَا أنه لم يَجِد عليهما " (3) .ً ش- أُسَيد بن حضير- بضم الهمزة والحاء المهملة، وفتح السين والضاد المعجمة- بن سماك بن عتيك بن رافع الأنصاري الأشهلي، أحد النقباء ليلة العقبة، يكنى أبا يحيى، أو أبا حُضَير، أو أبا عتيك، أو أبا عيسى، أو أبا عتيق، أو أبا عمرو. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- ثمانية عشر حديثاً، اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخاري

_ (1) في سنن أبي داود: " المرأة ". (2) سورة البقرة: (222) . (3) مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها ... (302) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومنِ- سورة البقرة (2977) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: تأويل قول الله عز وجَل: (ويسألونك عن المحيض) (1/152) وفي كتاب الحيض، باب: ما ينال من الحائض (1/187) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها (644) .

بآخر. روى عنه: أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وكعب بن مالك، وعائشة الصَديقة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. توفى بالمدينة سنة عشرين. وصلى عليه عمر بن الخطاب. واختلف في شهوده البدر (1) روى له الجماعة (2) . وعبَّاد بن بشر بن وَقش الأنصاري، أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة، قبل إسلام معاذ وأسيد بن الحضير، شهد بدراً وما بعدها، قتل يوم اليمامة شهيداً سنة إحدى عشرة عن خمس وأربعين سنة (3) . عبّاد بتشديد الباء الموحدة، وبشر بالشن المعجمة، ووَقش بفتح الواو وسكون القاف، وفي آخره شين معجمة. قوله: " إن اليهود " اليهود جمع " يهودي "، كما أن الروم جمع " رومي "، قيل: إنهم ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب، وقيل: من التهود، من هاد يهود إذا تاب، ومنه قوله تعالى: (إِنَا هُدنَا إِلَيكَ) (4) . قوله: " عن ذلك " أي: عما يفعله اليهود بالحائض. قوله: " فأنزل الله عَر وجَلَّ: (وَيَسألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ) أي: أسيد ابن حضير وعباد بن بشر، قال السدي: ثابت بن الدحداح، والمراد من المحيض الأول: الدم، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً، كما يُقال: سار يسير سيراً ومسيراً، والأذى هو: القذر. وأما المحيض الثاني فقد اختلفوا فيه، فقال الشافعي: هو نفس الدم. وقال بعضهم: هو الفرج؛ لأنه موضع الحيض كما سُمي موضع البيتوتة بيتاً، وموضع القيلولة مقيلاً، ويكون تقديره: اعتزلوهن ولا تقربوهن في الفرج. وقال

_ (1) كذا. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/53) ، وأسد الغابة (1/111) ، والإصابة (1/49) . (3) المصادر السابقة (2/452) ، (3/150) ، (2/263) (4) سورة الأعراف: (156) . 2 * شرح سنن أبي داوود 2

آخرون: هو زمن الحيض، تقديره: اعتزلوا النساء في زمان حيضهن. وقد ذكرنا الاختلاف في القربان فيما تحت الإزار مرة. قوله: " واصنعوا كل شيء " من التقبيل واللمس والمعانقة والاستمتاع غير النكاح، والمراد من النكاح: الوطء، والقرائن تدل عليه، وقد اختلف أن أصل النكاح في العقد أو الوطء، والأصح أنه أصل في العقد، ويستعمل في الوطء، وكذا المراد من قوله: " أفلا ننكحهن " (1) الوطء بدلالة القراَن. قوله: " فتمعَّر وجه رسول الله " بفتح التاء ثالث الحروف، وبعدها عين مهملة مفتوحة مشددة ورآء، أي: تغير، والأصل فيه قلة النضارة، وعدم إشراق اللون، ومنه: المكان الأمعر، وهو الجدب الذي ليس فيه خصب. قوله: " حتى ظننا أنه قد وجد عليهما " ظننا هذا من الظن الذي بمعنى الحسبان، وظننا الثاني من الظن الذي بمعنى العلم واليقين، والعرب تجعل الظن مرة حسباناً، ومرة علماً ويقيناً، وذلك لاتصال طرفيه بهما، فمبدأ العلم ظن، وآخره يقين. قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنّهُم مُلاقُوا ربِّهِم) (2) معناه: يوقنون. وقوله: " وجد " من وجد عليه يحد وجداً وموجدة إذا غضب. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز مؤاكلة الحائض والمشاربة والمجالسة، والاستمتاع بها من كل وجه غير الوطء. والثانية: كراهة إتيان خبر إلى مسلم بما فيه يكرهه أو يسوءه. والثالثة: جواز قبول الهدية. الرابعة: استحباب تفريق الهدية، فإن كان طعاماً يستحب إطعامه لمن حضره، أو يفرقه على أصحابه أو جيرانه.

_ (1) في الأصل: " ننحكهن " وهو سبق قلم. (2) سورة البقرة: (46) .

والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. 244- ص- حدثنا مسدد قال: نا عبد الله بن داود، عن مسعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: " كُنتُ أتَعرقُ العَظمَ وأنا حائض وأعطيه (1) النبيَ- عليه السلام- فيضِعُ فَمَهُ في الموضع الذي فيه وَضعتُهُ، وأشربُ الشَرابَ فأنَاوِلَهُ، فيضَعُ فمهُ فِي الموضع الذي كنتُ أشربُ منهُ " (2) . ش- مسعر بن كدام، وشريح بن هانئ. قوله: " أتعرق " من التعرق، من العرق بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم عليه بقية اللحم، يقال منه: عَرَقتُهُ- مخففاً- وتعرقته واعترقته إذا أخذتَ ما عليه من اللحم بأسنانك. قوله: " وأنا حائض " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " أتعرق ". ويستفاد من الحديث: جواز مؤاكلة الحائض ومشاربتها. وأخرجه مسلم والنسائي، وابن ماجه. 245- ص- حدثنا محمد بن كثير قال: نا سفيان، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفيةَ، عن عائشةَ قالت: " كانَ رسولُ اللهِ يَضعُ رأسَهُ في حِجرِي، فَيقرا وأنا حَائِض " (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فأعطيه " 0 (2) مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها (14/300) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: سؤر الحائض (1/56) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها (643) . (3) البخاري: كتاب الحيض، باب: قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (297) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهاره (15/301) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته (1/147) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الحائض تتناول الشيء من المسجد (634) .

94- باب: الحائض تناول شيئا لمن كان في المسجد

ش- محمد بن كثير العبدي البصري، وسفيان الثوري. ومنصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة ابن عبد العزَى بن عثمان العبدري الكي 0 سمع: أمه صفية بنت شيبة، وخاله مسافع بن شيبة، وسعيد بن جبير. روى عنه: ابن جريج، وأيوب بن موسى، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال هشام بن محمد: شيخ كبير، كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة إلا الترمذي (1) . وصفية بنت شيبة الحاجب قد ذكرناها، ومنصور هذا ابنها. قوله: " في حجري " الحجر- بكسر الحاء، وسكون الجيم- معروف. ويستفاد من الحدَيث جواز قراءة القرآن مضطجعاً ومتكئاً على الحائض. وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. *** 94- باب: الحائض تناول شيئاً لمن كان في المسجد (2) أي: هذا باب في بيان حكم الحائض تناول شيئاً لمن كان في المسجد. 246- ص- حدَّثنا مسدد قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ثابت ابن عبيد، عن القاسم، عن عائشةَ قالت: قالَ لي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَاوِليني الخُمرَةَ مِن المسجد، فقلتُ: إِني حَائض، فقال رسولُ اللهَ: إن حَيضًتَك ليست في يَدِكِ " (3) . ش- أبو معاوية الضرير.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28 /6197) . (2) في سنن أبي داود: " باب في الحائض تناول من المسجد " 0 (3) مسلم: كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها (298) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في الحائض تتناول الشيء من السجد (134) ، النسائي: كتاب الحيض، باب: استخدام الحائض (1/192) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الحائض تتناول الشيء من المسجد (632) .

وثابت بن عبيد الأنصاري الكَوفي، مولى زيد بن ثابت. سمع: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبا جعفر الأنصاري. روى عنه: ابن سيرين، وابن أبي ليلى، والأعمش، والثوري، وغيرهم. قال أحمد ويحيى: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . قوله: " الخُمرة " بضم الخاء المعجمة وإسكان الميم. قال الهروي: هي هذه السجادة، وهي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خُوص، ونحوه من النبات، ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها ". وقال الخطابي (2) : " هي السجادة يسجد عليها المصلي ". وقد جاء في رواية أبي داود عن ابن عباس قال: " جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فاًلقتها بين يدي رسول الله على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم ". فهذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، وسميت خمرة لأنها تخمر الوجه أي: تغطيه. وأصل التخمير: التغطية. ومنه خمار المرأة، والخمر لأنها تغطىِ العقل. قوله: " من المسجد " متعلق بقوله: " قال " لا بقوله: " ناوليني "، ولا " بالخمرة "، والمعنى: أنه- عليه السلام- قال ذلك لها وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي- عليه السلام- أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه- عليه السلام- كان في المسجد معتكفاً/وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض، ويدل على ما قلنا: قوله: " إن حيضتك ليست في يدك " لأنها خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. فإن قيل: ما معنى تعلق " مِن " ب " قال "، وما محلها من الإعراب؟ قلت: قد

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/822) . (2) معالم السنن (1/71) .

عرفت أن " مِن " لابتداء الغاية في المكان بالإجماع، وفي الزمان مختلف فيه، والمعنى: قال لها النبي- عليه السلام- قولاً ابتداؤه من المسجد، كما في قوده: (أسرَى بعَبده لَيلاً مَنَ المَسجدِ الحَرَام) (1) أي: أسراه إسراءً ابتداؤه من المسجدَ الحرَاَم. وأما محلهَا فهو النصب على الحال، والتقدير: قال لها قولاَ حال كونه صادراً ابتداؤه من المسجد. قوله: " إن حيضتك ليست في يدك " بفتح الحاء هو المشهور في الرواية، وهو الصحيح. وقال الخطابي: المحدثون يقولونها بفتح الحاء، وهو خطأ، وصوابها بالكسر أي: الحالة والهيئة. وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي قال: الصواب هنا ما قال المحدثون من الفتح؛ لأن المراد الدم وهو الحيضة بالفتح بلا شك، لقوله- عليه السلام-: " ليست في يدك " معناه: أن النجاسة التي يُصان عنها المسجد- وهي دم الحيض- ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة: " فأخذت ثياب حِيضتي " فإن الصواب فيه الكسر. قلت: لِمَا قاله الخطابي وجه؛ لأن قوله- عليه السلام-: " إن حيضتك ليست في يدك " هي الحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كما يقال: القِعدة والجلسة، يراد بها حال القعود والجلوس، والحَيضة- بالفتح- هي الدُفعة الواحدة من دفعات دم التحيض. ويستفاد من الحديث أن للحائض أن تتناول الشيء من المسجد، وتُناول الشيء أيضاً لمن في المسجد، وأن من حلف لا يدخل داراً أو مسجداً لا يحنث بإدخال يده فيه، وكذلك بعض جسده ما لم يدخله بجميع بدنه. والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله البهيّ عن عائشة- رضي الله عنها-. ***

_ (1) سورة الإسراء: (1) .

95- باب: في الحائض لا تقضي الصلاة

95- باب: في الحائض لا تقضي الصلاة أي: هذا باب في بيان أن الحائض ليس عليها أن تقضي الصلاة، وتقضي الصوم. 247- ص- حدثنا موسى قال: نا وهيب قال: نا أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة: أن امرأةً سألت عائشةَ: أتَقضِي الحَائضُ الصلاةَ؟ فقالت: " أحَرُوريَّةٌ أنت؟ لقد كُنَّا نَحيضُ عندَ رسولِ اللهِ فلا نَقضِي، ولا نُؤمَرُ بالقضاءَِ " (1) . ش- موسى بن إسماعيل البصري، ووهيب بن خالد، وأيوب السختياني، وأبو قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: ابن عامر بن نائل بن مالك أبو قلابة الجرمي البصري. سمع: ثابت بن الضحاك الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبا أمية أنس بن مالك الكعبي، ومالك ابن الحويرث الليثي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن سلمة الجرمي. روى عنه: أيوب السختياني، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. توفي بالشام سنة أربع ومائة. روى له الجماعة (2) . ومعاذة بنت عبد الله العدوية البصرية أم الصهباء. سمعت عائشة أم المؤمنين. روى عنها: أبو قلابة، وقتادة، وعاصم الأحول، إسحاق بن سويد. قال ابن معين: ثقة حجة. روى لها الجماعة (3) .

_ (1) البخاري: كتاب الحيض، باب: لا تقضي الحائض الصلاة (321) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض (67/335، 68/335) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة (130) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: سقوط الصلاة عن الحائض (1/191) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الحائض لا تقضي الصلاة (631) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/ 3283) . (3) المصدر السابق (35/7932) .

قوله: " أحرورية أنت؟ " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، أي: هذه طريقة الحرورية وبئست الطريقة. الحرورية: طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء، قرية على ميلين من الكوفة تمد وتقصر، كان أول اجتماعهم فيها، وكانوا أنكروا عَلَى عَليٍّ - رضي الله عنه- تحكيمه أبا موسى الأشعري في أمر معاوية وقالوا له: شككت في أمر الله، وحكمتَ عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يوماً وقد خرجوا براية وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكولة، فبعث عَلي فقاتلهم، وكان عندهم من التشدد في الدين ما هو معروف، فلما رأت عائشة- رضي الله عنها- هذه المرأة تشدد في أمر الحيض، شبهتها بالحرورية وتشددهم في دينهم. وقيل: إنها خالفت السُّنَّة، وخرجت عز الجماعة كما خرجوا عن جماعة المسلمين، وقيل: كانوا يرون على الحائض قضاء الصلاة، وشذّوا في ذلك عن سلف الأمة/فخشيت عائشة- رضي الله عنها- أن تكون تعتقد مذهب الحرورية في ذلك، فقرعت لها الحجة التي لا يجوز خلافها. قوله: " فلا نقضي " أي: الصلاة، ولا يأمرنا به النبي- عليه السلام- وهذا بإجماع العلماء أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأن في قضائها حرجاًَ، لأنها خسس مرات في اليوم والليلة بخلاف الصوم، فإنه في السنة مرة واحدة. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 248- ص- حدثنا الحسن بن عمرو قال: أنا سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن معاذة العدوية، عن عائشة بهذا (1) ، وزاد فيه: " فنؤمر بقضاءِ الصومِ، ولا نُؤمرُ بقضاءِ الصلاةِ " (2) . ش- سفيان بن عبد الملك المروزي صاحب ابن المبارك. روى عنه:

_ (1) في سنن أبي داود: " بهذا الحديث. قال أبو داود: وزاد ... (2) انظر الحديث السابق.

96- باب: في إتيان الحائض

الحسن بن عمرو، وعبد الله بن عثمان، ووهب بن زمعة، وإسحاق بن راهويه. روى له: أبو داود، والترمذي. توفي قبل المائتين (1) . وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك، ومعمر بن راشد، وأيوب السختياني. قوله: " بهذا " أي: بهذا الحديث، ولكن زاد فيه في هذه الرواية: " فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ". *** 96- باب: في إتيان الحائض أي: هذا باب في بيان إتيان الحائض، أي: قربانها. 249- ص- حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدَّثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام- في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حَائض، قال: " يَتصدقُ بدينار أو بنصفِ دِينار " (2) . ش- يحيى القطان، والحكم بن عُتيبة. وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي، أبو عمر المدني، عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة. رأى عبد الله بن عباس وسأله، وروى عن حفصة زوج النبي - عليه السلام-. وسمع: محمد بن سعد بن أبي وقاص، ومسلم بن يسار، ومقسما (3) مولى ابن عباس، ومكحولاً. روى عنه: ابنه عمر، والزهري، والحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راشد، وغيرهم. قال

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2410) . (2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الكفارة في ذلك (136) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ما يجب على من أتى حليلته (1/153) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في كفارة من أتى حائضاً (640) . (3) في الأصل: " مقسم ".

عبد الله بن أبي داود: هو ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي. توفي بحران في خلافة هشام بن عبد الملك (1) . ومقسم بن بُجرة، ويُقال: ابن نجدة أبو القاسم، ويقال: أبو هاشم الهاشمي، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، ونسب إلى ابن عباس للزومه له، وروايته عنه. سمع: عبد الله بن عباس، وعائشة، وأم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: الحكم بن عُتيبة، وعمران بن أبي أنس، وعبد الكريم بن مالك الحراني، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. توفي سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " في الذي " أي: في الرجل الذي يأتي امرأته، أي: يقربها ويغشاها. قوله: " وهي حائض " جملة وقعت حالاً عن المرأة. وروى هذا الحديث: النسائي، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي (3) ، ثم أعله البيهقي بأشياء منها: أن جماعة رووه عن شعبة موقوفاً على ابن عباس، وأن شعبة رجع عن رفعه. ومنها: أنه رُوي مرسلاً. ومنها: أنه روي معضلاً كما يجيء الآن. ومنها: أن في متنه اضطراب؛ لأنه رُوي " بدينار أو نصف دينار " على الشك. ورُوي " يتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار ". وروي فيه التفرقة بين أن يصيبها في الدم أو في انقطاع الدم. وروي: " يتصدق بخمسي دينار ". وروي: " يتصدق بنصف دينار ". وروي: " إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان أصفر فنصف دينار ". وروي: " إن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار ". والجواب عن ذلك كله أن الحاكم أخرجه في

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3724) . (2) المصدر السابق (28 /6166) . (3) السنن الكبرى (1/314: 319) .

" مستدركه " (1) وصحَّحه، وكذا صحَّحه ابن القطان، وذكر الخلال، عن أبي داود: أن أحمد قال: ما أحسن حديث عبد الحميد- يعني: هذا الحديث-. قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة. ولئن سلمنا أن شعبة رجع عن رفعه، فإن غيره رواه عن الحكم مرفوعاً، وهو عمرو بن قيس الملائي إلا أنه أسقط عبد الحميد، وكذا أخرجه من طريقه النسائي، وعمرو هذا ثقة، وكذا رواه قتادة عن الحكم مرفوعاً، وهو أيضاً أسقط عبد الحميد، وأما ما رُوي فيه من لا خمسي دينار، أو عتق نسمة "، وغير ذلك، فما منها شيء يعول عليه، فلا يطعن به/على حديث مقسم، وأيضاً مقتضى قواعد الفقه وأصوله: أن رواية الرفع أشبه بالصواب؛ لأنها زيادة ثقة، وهذا مقتضى صناعة الحديث؛ لأن رواته أكثر. ثم حكم هذا الحديث أنه قد ذهب إلى إيجاب الكفارة عليه جماعة من العلماء، منهم: قتادة، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا شيء عليه، ولا ينكر أن يكون فيه كفارة؛ لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان. وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه ويستغفر الله، وهو قول أصحابنا أيضاًَ، والصدقة محمولة على الاستحباب، إن أراد تصدق وإلا لا. وعن الحسن أنه قال: عليه ما على من واقع أهله في رمضان. ص- قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة: " دينار أو نصف دينار "، وربما لم يرفعه شعبة. ش- أشار بهذا الكلام إلى أن الحديث فيه اضطراب، وأنه موقوف على شعبة، وقد أجبنا عن ذلك. 250- ص- حدثنا عبد السلام بن مُطَهّر قال: نا جعفر- يعني: ابن سليمان- عن علي بن الحكم البُناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم،

_ (1) (1/171) .

عن ابن عباس قال: " إذا أصَابَها في الدمِ (1) ، فدينارٌ، وإذا أصَابَهَا في انقِطاع الدَّمِ فنصفُ دينارٍ " (2) . ش- عبد السلام بن مطهر بن حسام بن مصك بن ظالم أبو طفر الأزدي البصري. روى عن: شعبة، وجعفر بن سليمان، وغيرهما. روى عنه: البخاري، وأبو داود، وأبو زرعة، وغيرهم. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (3) . وجعفر بن سليمان أبو سليمان الضُّبَعي مولى بني الحريش، كان ينزل في بني ضَبيعة فنسب إليهم. سمع: مالك بن دينار، ومحمد بن . المنكدر، ويزيد الرِّشك، وابن جريح، وعير هم. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وأبو الوليد الطيالسي، ومسدد، وغيرهم. وقال ابن حنبل: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وبه ضعف، وكان يتشيع. توفي في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . وعلي بن الحكم البناني أبو الحكم البصري. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعاً، وأبا نضرة العبدي، وغيرهم. روى عنه: معمر بن راشد، وشعبة، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس وقال أبو حاتم: صالح الحديث 0 وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة 0 روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) . وأبو الحسن الجزري. روى عن: عمرو بن مرة، ومقسم. روى عنه علي بن الحكم. روى له: أبو داود، والترمذي. وذكره الذهبي في الكنى. واقتصر على ما ذكرناه (6) .

_ (1) في سنن أبي داود: " في أول الدم ". (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3426) (4) المصدر السابق (5/943) . (5) المصدر السابق (20/4057) . (6) المصدر السابق (33/7311) .

والجزري بفتح الجيم والزاي، وكسر الراء، نسبة إلى الجزيرة، هذا موقوف. قوله: " فدينار " أي: فالواجب دينار عند من يقول بوجوبه، أو المستحب دينار عند من يقول باستحبابه، وأسند البيهقي (1) عن ابن جريج، عن أبي أمية عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار، وإذا وطئها وقد رأت الطهر ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار "، ثم رواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس: " أنه- عليه السلام- أمره أن يتصدق بدينار أو نصف دينار " (2) . وفسر ذلك مقسم فقال: إن غشيها في الدم فدينار، وإن غشيها بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل فنصف دينار. قلت: هذا شاهد لرواية الحكم، عن عبد الحميد المذكورة أول الباب، وشاهد أيضاً على أن رواية أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس محمولة على السماع. - ص- قال أبو داود:/وكذلك قال علي بن بذيمة، عن مقسم، عن النبي- عليه السلام- مرسلاً/ (3) قال: وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم، عن مقسم. ش- علي بن بذيمة- بالباء الموحدة، والذال المعجمة- الجزري الحراني أبو عبد الله السوائي، مولى جابر بن سمرة، أصله كوفي، نزل حران. سمع: أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وشريك، وجماعة آخرون. قال ابن معين وأبو زرعة:/هو ثقة. توفي بخراسان سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (4) .

_ (1) السنن الكبرى (1/316) . (2) نفسه (1/317) . (3) ما بين الشرطتين المائلتين ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث الأتي. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4028)

وعبد الكريم (1) هو ابن أبي المخارق- واسمه: قيس- أبو أمية البصري، نزل مكة. روى عن: أنس بن مالك، وطاوس، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: ابن جريج، والثوري، ومالك، وابن عيينة، وغيرهم 0 قال أيوب: هو غير ثقة. وكان ابن عيينة أيضاً يستضعفه. وقال البيهقي: غير محتج به. قلت: ذكر الإمام عن الرقيبي أنه قال: عبد الكريم هذا هو ابن مالك أبو سعيد الجزري. وكذا ذكر المزي هذا الحديث في ترجمة عبد الكريم الجزري، عن مقسم، ويشكل هذا على رواية البيهقي التي ذكرناها، فإن فيها أبو أمية عبد الكريم البصري، ثم قال: أبو أمية غير محتج به. قلت: كيف لا يحتج به، وقد روى عنه ابن جريج، والسفيانان، وغيرهم؟ وأخرج له الحاكم في " المستدرك "؟ واحتج به مسلم فيما ذكره صاحب الكمال؟ واستشهد به البخاري في " الصحيح " في " باب التهجد "؟ فقال: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: " ولا حول ولا قوة إلا بالله ". وأما عبد الكريم بن مالك فهو أبو سعيد الجزري الأموي، مولى لآل عثمان بن عفان أو معاوية بن أبي سفيان، وهو ابن عم خُصيف، وخصاف- أصله من إصطخر تحول إلى حران، وابن أنس بن مالك، وسمع: عكرمة، ومجاهدا، وطاوساً، وغير هم. روى عنه: ابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وجماعة آخرون. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة ثبت، هو أثبت من خصيف في الحديث. وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (2) . 251- ص- حدثنا محمد بن الصباح قال: نا شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبط- عليه السلام- قال: " إذا وَقعَ الرجلُ بأهلِهِ وهي حَائض، فليَتَصدق بنصفِ دينار " (3) .

_ (1) المصدر السابق (18/3506) . (2) المصدر السابق (18 /3504) . (3) انظر الحديث السابق.

ش- شريك النخعي. وخصيف - بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة- ابن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحراني الخِضرمي- بالخاء المعجمة المكسورة- الأموي، مولى عثمان بن عفان، وَيقال: مولى معاوية، وله أخ اسمه خصاف، وكانا توأمين، وخصيف أكبرهما. رأى أنس بن مالك، وروى عنه. وسمع: سعيد بن جبير، ومجاهداً، وغيرهم. روى عنه: محمد بن إسحاق، وابن جريج، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: صالح. توفي سنة ست وثلاثين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة (1) . قوله: " إذا وقع الرجل بأهله " أي: جامعها، وقوله: " وهي حائض " جملة وقعت حالاً عن الأهل، والأمر فيه محمول على الاستحباب عند الجمهور كما مر. ص- قال أبو داود: ورواه الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بنِ عبد الرحمن، عن النبي- عليه السلام- قال: " أمَرَهُ أن يَتصدقَ بخُمسي دِينارٍ (2) . ش- الأوزاعي عبد الرحمن، وقد مر ذكره. ويزيد بن أبي مالك، واسم أبي مالك هانئ الدمشقي. وقد ذكرناه. قوله: " ورواه " أي: روى هذا الحديث الأوزاعي، وهذا معضل، وقد عرفت أن المعضل عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعداً، وهو نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلاً، وقوم يسمونه مرسلاً. ***

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 /1693) . (2) في سنن أبي داود زيادة: " وهذا معضل "، وقد ذكره المصنف أثناء شرحه.

97- باب: في الرجل يصيب من امرأته دون الجماع

97- باب: في الرجل يصيب من امرأته دون الجماع (1) أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يستمتع بامرأته الحائض بما هو غير الجماع من المضاجعة والملامسة والتقبيل، وغير ذلك. 252- ص- ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب قال: حدَثني الليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن نَدبَةَ مولاة ميمونة، عن ميمونةَ، أن النبيَّ- عليه السلام- كان يُباشرُ المرأةَ من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إِزَازٌ إلى أنصاف الفَخِذِ والركبتين، تَحتَجِزُ بَه (2) . ش- الليث بن سعد، وابن شهاب الزهري. وحبيب الأعور القرشي الحجازي مولى عروة. روى عن: أسماء بنت أبي بكر، وابنها عروة، وندبة مولاة ميمونة. روى عنه: الزهري، وعبد الله بن عروة بن الزبير، وعبد الواحد بن ميمون، وغيرهم. قال ابن سعد: مات قديماً في آخر سلطان بني أمية، وكان قليل الحديث. روى له: أبو داود، والنسائي،/والترمذي (3) . ونَدبَةُ- بالنون المفتوحة، وسكون الدال المهملة، وفتح الباء الموحدة- وقال معمر: بضم النون. وقال يونس: بضم الباء الموحدة في أولها، وسكون الدال وفتح الياء آخر الحروف، ووقع في كتاب عبد الله بن الربيع التميمي: نَدَبَة- بفتح النون، وفتح الدال [وفتح] (4) الباء الموحدة، مولاة ميمونة زوج النبي- عليه السلام-. روى عنها حبيب مولى عروة. روى لها: أبو داود، والنسائي (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض (1/151- 152) ، وكتاب الحيض، باب: ذكر ما كان النبي يصنعه إذا حاضت إحدى نسائه (1/189) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1105) . (4) غير واضحة في الإلحاق، وهى أقرب إلى ما أثبتناه. (5) المصدر السابق (35/7939) .

قوله: " كان يباشر المرأة " من المباشرة التي بمعنى الملامسة، وأصله: من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد بمعنى الوطء في الفرج وخارجاً منه. والمراد هاهنا: المعنى الأول بالإجماع. قوله: " إلى أنصاف الفخذ " الأنصاف جمع " نصف "،وإنما جمعه باعتبار وقوع الفخذ معرفاً بلام الجنس. قوله: " تحتجز به " أي: تمتنع المرأة بالإزار عن الجماع. وهذه الجملة في محل الرفع على أنها صفة للإزار، ويحوز أن تكون حالاً من المرأة، ويؤيده ما ورد في بعض الرواية: " محتجزة به " أي: حال كون المرأة ممتنعة بالإزار، وثلاثيه حجزه يحجزه حجزاً، أي: منعه من باب نصر ينصُر، ومنه الحاجز وهو الحائل بين الشيئين، وحُجزة الإزار معقده، وحجزة السراويل التي فيها التكة. ثم حكم هذا الباب، فاعلم أن مباشرة الحائض أقسام، أحدها: حرام بالإجماع، ولو اعتقد حله يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامداً، فإن فعله غير مستحل يستغفر الله تعالى، ولا يعود إليه، وهل تجب عليه الكفارة أو لا؟ قد ذكرناه مفصلاً. الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر، أو بالقبلة، أو المعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع إلا ما حكي عن عَبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئاً منها فهو شاذ منكر، مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في " الصحيحين " وغيرهما، في مباشرة النبي- عليه السلام- فوق الإزار. والثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة حرام، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو الوجه الصحيح للشافعية، وقول مالك، وقول أكثر العلماء منهم: سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. وعند محمد ابن الحسن وأبي يوسف في رواية " يجتنب شعار الدم فقط ". وممن ذهب 3* شرح سنن أبي داوود 2

إليه عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأصبغ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود. وهذا أقوى دليلاً لحديث أنس- رضي الله عنه-: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح ". واقتصار النبي- عليه السلام- في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، والله أعلم. 253- ص- حدثنا مسلم قال: أنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأمُرُ إحدَانَا إذا كانت حَائِضاً أن تَتَّزِرَ، ثم يُضَاجِعُهَا زوجُها، وقال مرة: َ يُباشِرُهَا " (1) . ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وشعبة بن الحجاج، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد. قوله: " أن تَتَّزر " أي: تشد إزاراً، وفي رواية مسلم: " تأتزر "، والمعنى: تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة. قوله: " يضاجعها " أي: ينام معها. وقوله: " يباشرها ": يستمتع بها من وجوه الملامسة والتقبيل، ونحو ذلك. وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بمعناه مختصراً ومطولاً. 254- ص- حدَّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن جابر بن صُبح قال: سمعت خلاساً الهجري قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ: " كُنتُ أنا ورسولُ الله نَبِيتُ فِي اَلشِّعَارِ الوَاحدِ، وأنا حائض طَامِث، فإن أصابَهُ مِني شيء غَسَل

_ (1) البخاري: كتاب الحيض، باب: مباشرة الحائض (300) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار (293) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مباشرة الحائض (132) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض (1/151) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً (363) .

مَكانَهُ لم يَعدُه صَلَى (1) فيه، وإن أصَابَ- يعني: ثوبَه- منه شيءٌ غَسَلَ مَكَانَه لم يَعدُهُ، صَلَى (1) فيه " (2) . ش- يحيى القطان. وجابر بن صُبح الراسبي أبو بشر البصري. روى عن: خلاس بن عمرو الهجري، والمثنى بن عبد الرحمن، وأمية بن عبد الرحمن، وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وعيسى بن يونس، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وخِلاس- بالخاء المعجمة- ابن عمرو الهَجَري- بفتح الهاء والجيم- البصري. سمع: عمار بن ياسر، وابن عباس، وعائشة، وأبا رافع الصائغ. وروى عن: علي بن أبي طالب، وأبي هريرة. روى عنه: مالك بن دينار، وقتادة، وعوف الأعرابي، وداود بن أبي هند. قال أحمد ويحيى: هو ثقة./وقال أبو حاتم: يقال: وقعت عنده صحف عن عليِّ وليس بقوي. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ولم أر بعامة حديثه بأساً. روى له: البخاري ومسلم مقروناً، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: " في الشعار الواحد " الشعار بكسر الشين: هو الثوب الذي يلي الجسد، لأنه يليَ شعره، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار، ومنه حديث الأنصار: " أنتم الشعار، والناس الدثار " أي: أنتم الخاصة والبطانة.

_ (1) في سنن أبي داود: " ولم يعدُه ثم صلى "، وقبل كلمة " صلى " في الأصل في الموضعين بياض، فلعله كتب " ثم " ثم حكها، والله أعلم. (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: مضاجعة الحائض (1/150- 151) ، وكتاب الحيض، باب: نوم الرجل مع حليلته في الشعار الواحد وهي حائض (1/188) ، وكتاب القبلة، باب: الصلاة في الشعار (2/73) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/869) . (4) المصدر السابق (8/1744) .

قوله: " وأنا حائض " جملة اسمية وقعت حالاً عن الضمير المرفوع المنفصل، المعطوف عليه " رسول الله ". قوله: " طامث " من طَمَثَت المرأة تطمث طمثاً إذا حاضت، من باب نصر ينصر، وطَمِثَت- بالكسَر- فهي طامث، من باب علم يعلم، ويجوز طامثة أيضاًَ كما يحوز حائض وحائضة، والوجه فيه أن الصفة التي لا يوصف بها الذكور يحوز فيها ترك التاء عند توصيف المؤنث لعدم الالتباس، ويحوز إتيان التاء على الأصل، وبعضهم تأول الحائض والطامث بذات الحيض وذات الطمث كما يقال: لابن وتَامر بمعنى ذو لبن، وذو تمر، وأما قولها: " أنا حائض طامث " من باب التأكيد اللفظي، ولا اعتبار لاختلاف الحروف؛ لأن الاعتبار لاتحاد المعنى. قوله: " فإن أصابه مني شيء " أي: فإن أصاب الشعار مني شيء غسل موضع ما أصابه من ذلك. قوله: " لم يَعدُه " أي: لم يعدُ الموضع المصاب، بمعنى لم يتجاوز ذلك الموضع في الغسل، بل يقتصر على غسل موضع الإصابة. قوله: " وإن أصاب يعني: ثوبه " أي: ثوب رسول الله " منه " أي: من دم الحيض، كذلك يقتصر على غسل مكانه، ثم صلى فيه. 255- ص- حدَّثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا عبد الله- يعني: ابن عمر ابن غانم، عن عبد الرحمن- يعني: ابن زياد- عن عمارة بن غراب، أن عمةً له حدثته، أنها سألت عائشةَ- رضي الله عنها- فقالت: إِحدَانَا تَحيضُ وليس لها ولِزَوجهَا إلا فِراشٌ واحدٌ. قالت: أخبِرُكِ ما (1) صنعَ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ دخل فمضىَ إلى مسجده- قال أبو داودَ: تعني: مسجدَ بَيته- فلم ينصرف- حتى غَلَبتنِي عَينيَّ فأوجَعَهُ (2) البردُ، فقال ادنِي مني. فقلَتَ: إني حائضٌ. فقال: وإن، اكشِفِي عن فَخِذَيكِ، فكَشفتُ فَخِذِي، فوضَعَ خَلَّد وصدرَه على فَخِذِيٌ وحَنَيتُ عليه حتى دَفِئَ ونَامَ (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: (بما) . (2) في سنن أبي داود: " وأوجعه ". (3) تفرد به أبو داود.

ش- عبد الله بن عمر بن غانم أبو عبد الرحمن النميري. ويُقال: الرعيني، نزل إفريقية وقُضي بها. روى عن: يونس بن يزيد الأيلي، ومالك بن أنس، وداود بن قيس، وإسرائيل بن يونس. روى عنه: موسى بن إسماعيل، وعبد الله بن مسلمة، وحجاج بن المنهال. سئل عنه أبو حاتم فقال: مجهول. وقال أبو سعيد بن يونس: أحد الثقات الأثبات. روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي (1) . وعبد الرحمن بن زياد الأفريقي ذُكر. وعمارة بن غراب اليحصبي روى عن عمة له عن عائشة. روى عنه عبد الرحمن بن زياد. روى له أبو داود (2) . قوله: " فقال: وإنِ " معناه: ادني مني وإن كنت حائضاً. وقوله: " اكشفي عن فخذيك " كلام مبتدأ برأسه. قوله: " وحنيتُ عليه " من حنى يحني ويحنو حنواً، وحنيت وحنوت. وفسره الشيخ زكي الدين بمعنى: عطفته. قلت: نعم، حنيت عليه بمعنى: عطفت عليه، ولكن المعنى هاهنا ليس ذلك، بل المعنى: من يحني عليه يكب عليه، وإنما فعلت عائشة هكذا ليدفأ رسول الله- عليه السلام-. قوله: " حتى دفئ " من دفئ الرجل دفأة مثل كِره كراهة، وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ، والاسم: الدفء بالكسر وهو السخونة، والدفء أيضاً الذي يدفئك، والجمع " الأدفاء ". ويستفاد من الحديث جواز الاستمتاع بالحائض غير الجماع. 256- ص- ثنا سعيد بن عبد الجبار قال: نا عبد العزيز- يعني: ابن محمد- عن أبي اليمانِ، عن أم ذرّة، عن عائشةَ أنها قالت: كُنتُ إذا

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3443) (2) المصدر السابق (21/4194) .

حضتُ، نزلتُ عن المثَال على الحَصير، فلم نقرب رسولَ الله، ولم نَدنُ منه حتى نَطهُرَ (1) .ًَ ش- سعيد بن عبد الجبار بن يزيد أبو عثمان القرشي الكرابيسي البصري، نزل مكة. روى عن: مالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردي وحرب بن أبي العالية، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة،/وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة توفي بالبصرة سنة ست وثلاثين ومائتين (2) . وأبو اليمان ويقال: كثير بن جريج الرَّحَّال المديني، روى عن شداد بن أبي عمرو، وحماس (3) ، وأم ذرّة. روى عنه: عبد العزيز الدراوردي، وأبو هاشم الزعفراني. روى له أبو داود (4) . وأم ذرة روت عن عائشة روى عنها الدراوردي. قال أحمد بن عبد الله: تابعية ثقة. روى لها أبو داود (5) . قوله: " نزلت عن المثال " المثال بكسر الميم الفِراش. وهذا الحديث لا يدل على منع الاستمتاع بالحائض بما دون الجماع؛ لأنه- عليه السلام- تارة كان يباشرهن وهن حُيض، وتارة لا يدنو منهن، بحسب وقته، وبه تمسك عَبيدة السلماني ومن تبعه في أن الرجل لا يباشر شيئاً من الحائض قط، وهو مردود كما قررناه آنفاً. 257- ص- ثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزول النبي- عليه السلام- أن النبيَّ- عليه السلام- كان إذا أرادَ من الحَاَئِضِ شيئاً ألقَى على فَرجِهَا شيئاً (6) . ش- أراد بالشيء الاستمتاع بها غير الجماع، وهذا أيضاً حجة لمحمد ابن الحسن ومن تبعه أن الاجتناب مخصوص بالفرج ليس إلا.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2304) . (3) في تهذيب الكمال: " روى عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه ". (4) المصدر السابق (34/7711) . (5) المصدر السابق (35/7975) . (6) تفرد به أبو داود.

258- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ - عليه السلام- يأمُرُنَا في فَوح حَيضَتنَا أن نَتَّزرَ، ثم يُباشِرُنَا، وأيُّكُم كان يَملِكُ إِربَه [كما] كان رسولُ اللهِ- علَيه السلامَ- يملكُ إِربهُ؟ (1) . ش- جرير بن عبد الحميد الرازي. والشيباني: سليمان بن فيروز، ويقال: ابن عمرو، ويقال: ابن خاقان، وهو ابن أبي سليمان الكوفي، أبو إسحاق الشيباني مولى بني شيبان. سمع: عبد الله بن أبي أوفى، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن الأسود. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وعاصم الأحول، والثوري وشعبة، وابن عيينة، وجرير ابن عبد الحميد، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة حجة. مات سنة ثمان وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس، أبو حفص الكوفي أدرك عمر بن الخطاب، وسمع: عائشة زوج النبي- عليه السلام-، وأباه، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، والشيباني، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (3) . قوله: " في فَوح حيضتنا " فوح الحيض- بالحاء المهملة- مُعظمه وأوله، ومثله فوعة الدم يقال: فاع وفاح بمعنى واحد، ومنه: " فإن شدة الحر

_ (1) البخاري: كتاب الحيض، باب: مباشرة الحائض (302) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار (293) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مباشرة الحائض (132) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض (286، 287) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً (635) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2525) . (3) المصدر السابق (16/3758) .

98- باب: المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض

من فوح جهنم "، وهو شدة غليانها وحرّها، وقوله: " احبسوا صبيانكم حتى يذهب فوعة العشاء " أي: أوله، وفوعة الطيب أول ما تفوح منه، ويُروى بالغين المعجمة لغة فيه، وفي رواية مسلم: " في فور حيضتنا " بفتح الفاء وإسكان الواو، ومعناه أيضاً معظمها، ووقت كثرتها، والحيضة هاهنا بفتح الحاء أي: الحيض. قوله: " إربه " أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة وسكون الراء، ومعناه: عضوه الذي يستمتع به الفرج. ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع، واختار الخطابي هذه الرواية وأنكر الأولى وعابها على المحدثين. وفي رواية: " أيكم أملك لنفسه "، والمقصود أنه - عليه السلام- أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع في المحرم، وهو مباشرة فرج الحائض. وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي عن الأسود. *** 98- باب: المرأة تُستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض أي: هذا باب في بيان حكم المرأة التي تستحاض، من الاستحاضة وهي جريان الدم في غير أوانه. فوله: " ومن قال: تدع الصلاة " أي: تتركها. 259- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن سليمان ابن يسار، عن أم سلمة زوج النبي- عليه السلام- أن امرأة كانت تُهرَاق الدمَ (1) على عهدِ رسول الله- عليه السلام-، فاستفتَت لها أمُّ سَلمةَ رسولَ اللهِ فقال: " لِتَنظُر عِدَّةَ اللياَلِي والأيام التي كانت تَحِيضُهُنَ من الشهرِ قَبلَ أن

_ (1) في سنن أبي داود: " الدماء "، وسيذكر المصنف أنه رواية.

يُصيبَها الذي أصَابَهَا، فلتترُكِ الصلاةَ قدرَ ذلك من الشهر، فإذا خَلَّفت ذلكَ فلتغتسِل ثم لِتَستثفِر بثوب، ثم لِتُصَلِّي (1) " (2) . ش- قوله: " تهراق " كَذا جاء على ما لم يسم فاعله، و " الدم " منصوب، وفي رواية: " الدماء " أي: تهراق هي الدم، وانتصاب " الدم " على التمييز وإن كان معرفة، وله نظائر، أو يكون اجري مجرى نفست المرأة غلاماً، ونتج الفرس مُهراً، ويجوز/رفع الدم على تقدير: تهراق دماؤها، ويكون الألف واللام بدلاً من الإضافة كقوله تعالى: (أو يَعفَوَ الَذي بيَده عُقدَةُ النكَاح) (3) أي: عقدة نكاحه أو نكاحها، و" الهاء " فَيه زَائدة:، وأصله تراق، من الإراقة. قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه. قوله: " لتنظر عدة الليالي والأيام " أي: لتحسب عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض فيها " قبل أن يصيبها الذي أصابها "، وهو الاستحاضة فلتترك الصلاة قدر ذلك، أي: قدر ما كانت تراه قبل ذلك، مثلاً إن كانت عادتها من كل شهر عشرة أيام إما من أولها وإما من أوسطها وإما من آخرها، تترك الصلاة عشرة أيام من هذا الشهر نظير ذلك، " فإذا خلَّفت ذلك " بتشديد اللام، أي: تركت قدر الليالي والأيام التي كانت تحيض فيهن فلتغتسل؛ لأن قدر ذلك من أيام حيضها فيما مضى، هو حيضها أيضاً في هذا الوقت، فإذا خرج هذا خرجت هي من الحيض ودخلت في حكم الاستحاضة. والاستحاضة لا تمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطء، ونحو ذلك، ولكنها تغتسل ثم تصلي. ثم اعلم أنه لا يحب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلوات، ولا

_ (1) في سنن أبي داود: " لتصل فيه ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/119) ، وكتاب الحيض (1/182) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام إقرائها قبل أن يستمر بها الدم (623) . (3) سورة البقرة: (237) .

في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروى عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وهو قول عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد. وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا: يحب عليها أن تغتسل لكل صلاة، ورُوي هذا أيضاً عن عثمان، وابن عباس، ورُوي عن عائشة: أنها تغتسل كل يوم غسلاً واحداً، وعن ابن المسيب والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائماً. ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصح عن النبي - عليه السلام- أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله- عليه السلام-: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي " (1) ، وليس في هذا ما يقتضي تكرار (2) الغسل. وأما الأحاديث التي وردت هاهنا وفي " سنن البيهقي " أيضاً وغيرهما، أن النبي- عليه السلام- أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابت، قد بينوا ضعفها. فوله: " ثم لتستثفر " أي: لتشد فرجها بخرقة عريضة، توثق طرفها في حقب تشده على وسطها بعد أن تحتشي كرسفاً فيمتنع بذلك الدم، ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذاً من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها، ويقال معناه: فلتستعمل طيباً يُزيل به هذا الشيء عنها، لأن الاستثفار مثل الاستذفار تقلب الثاء ذالاً، ويسمى الثوب طيباً؛ لأنه يقوم مقام الطيب في إزالة الرائحة. فإن قيل: من أين كانت تحفظ هذه المرأة عدد أيامها التي كانت تحيضها أيام الصحة؟ قلت: لو لم تكن تحفظ ذلك لم يكن لقوله- عليه السلام-: " لتنظر عدد (3) الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر

_ (1) يأتي بعد سبعة أحاديث. (3) كذا، ولفظ الحديث: " عدة ". (2) غير واضحة في الأصل.

قبل أن يصيبها الذي أصابها " معنى، إذ لا يحوز أن يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه. فإن قيل: فمن لم تحفظ عدد أيامها؟ قلت: هذه مسألة مشهورة في الفروع، وهي أنه تحسب في كل شهر عشرة أيام حيضها، ويكون الباقي استحاضة، وقد عرفت حكم الاستحاضة أنها لا تمنع الصلاة، والصوم، والطواف، والقربان، ونحو ذلك، إلا أنها تتوضأ لوقت كل صلاة عندنا وعند الشافعي لكل صلاة، وهو خلاف مشهور. 260- ص- حدَثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب قالا: ثنا الليث عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل أخبره عن أمِ سلمةَ أن امرَأةً كانت تُهرَاقُ الدَّمَ، فذكر معناه قال: فإذَا خَلَّفَت ذلك، وحضَرَت الصلاةُ، فلتغتسل. وساق معناه (1) . ش- في إسناد هذه الرواية رجل مجهول. وأخرجه النسائي، وابن ماجه. 261- ص- حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: نا ابن مهدي قال: نا صخر ابن جويرية، عن نافع بإسناد الليث بمعناه قال: " فلتترُك الصلاةَ قَدرَ ذلك، ثم إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فلتغتسل، ولتَستَثفِر (2) بثوبٍ وتُصًلِّي " (3) . ش- يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن مهدي هو عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري. وصخر بن جويرية البصري، أبو نافع التميمي، مولاهم. سمع: أبا رجاء العطاردي، ونافعاً مولى ابن عمر، وعبد الرحمن بن القاسم، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، وابن المبارك، وابن مهدي،

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في سنن أبا داود: " ولتستذفر بثوب ثم تصلي ". (3) انظر الحديث السابق.

وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (1) . 262- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أنا وهيب، قال: نا أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمةَ بهذه القصة، قال فيه: " ولتدع (2) فيه الصلاةَ، وتَغتسِل فيما سوى ذلك، وتَستَثفِر (3) بثوبِ وتُصَلِّي " (4) . ش- وهيب بن خالد البصري، وأيوب السختياني. قوله: " وتغتسل فيما سوى ذلك " معناه: إذا استوفت عدد تلك الأيام اغتسلت مرة واحدة، وصار حكمها حكم الطواهر كما ذكرناه. ص- قال أبو داود: سَمَى المرأةَ التي كانت استُحيضَت حمادُ بنُ زيدِ، عن أيوبَ في هذا الحديث قال: " فاطمة بنت أبي حبيشَ ". ش- حماد بن زيد فاعل لقوله: " سمى ". وأيوب السختياني، /وفاطمة بنت أبي حُبيش، واسم أبي حبيش: قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية. روت عن النبي- عليه السلام- حديث الاستحاضة، روى عنها عروة بن الزبير 0 روى لها: أبو داود، والنسائي (5) . 263- ص- حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروةَ، عن عائشةَ أنها قالت: إن أمَ حبيبةَ سألت رسولَ اللهِ- عليه السلام- عن الدَّم، فقالت عائشةُ: رأيت (9)

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2854) . (2) في سنن أبي داود: " وتدع ". (3) في سنن أبي داود: " وتستذفر ". (4) انظر الحديث السابق. (5) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/383) ، وأسد الغابة (7/218) ، والإصابة (4/381) . (6) في سنن أبي داود: " فرأيت ".

مركَنَها مَلآنَ دَماً، فقال لها رسولُ الله: امكُثي قَدرَ ما كانت تَحبسُك حَيضَتُكِ، ثم اغتسِلي " (1) .ً ش- يزيد بن أي حبيب، واسم أبي حبيب: سويد المصري أبو رجاء. سمع: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبا الطفيل، وراشد بن جندل، وعراك بن مالك، وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: هو مولى لبني عامر بن لؤي من قريش، وكان ثقة، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (2) . وجعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري أبو شرحبيل، رأى عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي. وسمع: عراكا ويعقوب بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (3) . وعراك بن مالك الغفاري المدني. سمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، ونوفل بن معاوية، وعائشة، وزينب بنت أبي سلمة، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: سليمان بن يسار، وجعفر بن ربيعة، وابنه خثيم ابن عراك، وغيرهم. توفي بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك. روى له الجماعة (4) . قوله: " إن أم حبيبة " هي بنت جحش، كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكذا صرح مسلم في روايته. وقال ابن عبد البر: بنات جحش ثلاث: زينب وأم حبيبة وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله، كن يستحضن

_ (1) مسلم: كتاب الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها (65/334) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/119) ، وكتاب الغسل، باب: المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر (1/182) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6975) . (3) المصدر السابق (5/939) . (4) المصدر السابق (19/3893) .

كلهن. وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة. وقال الدارقطني: قال إبراهيم الحربي: الصحيح أنها أم حبيب بلا هاء، واسمها: حبيبة. وقال ابن الأثير: يقال لها أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، والأول أكثر. قوله: " رأيت مِركنها " بكسر الميم وفتح الكاف، وهو الإجانة التي تُغسل فيها الثياب. قوله: " ملآن " وروى " مَلأَى " أيضاً، وكلاهما صحيح، فالأول على لفظ المركن، وهو مذكر، والثاني على معناه وهو الإجانة، والمعنى: أنها كانت تغتسل في المركن، فتجلس فيه، وتصب عليها الماء، فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فيحمر الماء، ثم إنها لا بد كانت تنظف بعد ذلك عن تلك الغُسالة. قوله: " امكثي قدرَ مأ كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي " فيه دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جارفاً، وهذا مجمع عليه وقد بيناه فوق. ص- قال أبو داود: رواه قتيبة بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها. ورواه عليّ بن عياش، ويونس بن محمد، عن الليث فقالا: جعفر ابن ربيعة. ش- أي: روى قتيبة بن سعيد هذا الحديث بين أثناء حديث جعفر بن ربيعة المذكور. ورواه علي بن عياش- بالياء آخر الحروف، والشن المعجمة- الألهاني البصري 0 ويونس بن محمد بن مسلم المؤدب أبو محمد البغدادي. سمع: عبيد الله ابن عمر، والليث بن سعد، وصالح بن رومان، وغيرهم 0 روى عنه: أحمد بن حنبل، وعليّ بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7184) .

264- ص- حدثنا عيسى بن حماد قال: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة بن الزبير، أن فاطمةَ بنت أبي حُبيش حدثته، أنها سألت رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا فَشَكت إليه الدَّمَ، فقال لها رسولُ الله: " إنما ذلك عِرقٌ فانظُرِي إذا أتَاك (1) قُرؤُكِ فلا تُصلي، فإذا مَرَّ قُرؤُكِ فتَطًفَرِي ثم صَلَي ما بين القُرء إلى القُرءِ " (2) . ش- عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله (3) أبو مُوسى التجيبي مولاهم، مولى بني سعد، من تُجِيب المصري، يلقب زُغبة وهو أخو أحمد بن حماد 0 سمع: الليث بن سعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة رضي، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين (4) . وبكير بن عبد الله بن الأشج أبو عبد الله المخزومي مولاهم. روى عن: السائب بن يزيد، وربيعة بن عباد، وكُريب، وغيرهم. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة صالح. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (5) . والمنذر بن المغيرة. روى عن عروة بن الزبير/، روى عنه بكير بن

_ (1) في سنن أبي داود: " أتى ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/116) ، وباب: ذكر الأقراء (1/121) ، وباب: الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة (1/123) ، وكتاب الحيض (1/183، 185) ، وكتاب الطلاق (6/211) . (3) في الأصل: " عبيد الله " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4622) . (5) المصدر السابق (4/765) .

عبد الله الأشج. قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " فشكت إليه الدم " أي: سيلان الدم الخارج عن العادة. فوله: " إنما ذلك عرق " أي: دم عرق؛ لأن الدم ليس بعرق، وإنما حذف المضاف توسعاً يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العرق فاتصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يدفعه الرحم لميقات معلوم. وقد قلنا: إن الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، ولكنه يخرج من عرق يقال له: العَاذِل- بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة- بخلاف دم الحيض، فإنه يخرج من قعر الرحم. فوله: " فانظري إذا أتاك قرؤك " أي: حيضك الذي هو أيام معدودة فلا تصلي فيها. قوله: " فإذا مرّ قرؤك " أي: حيضك المعروف فتطهري، أي: فاغتسلي، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء، أي: ما بين الحيض الماضي إلى الحيض الآتي؛ لأن ما بينهما استحاضة، فلا تمنع الصلاة والصوم ونحوهما. وفيه حجة لأبي حنيفة على الشافعي، حيث حمل القرء على الحيض في باب العدة، والشافعي على الطهر، وهو من الأضداد، يُحمل على الحيض والطهر كالجون يحمل على الأسود والأبيض، وفيه لغتان: ضم القاف وفتحها، ويجمع على أقراء وقروء. والأصل في القرء: الوقت المعلوم، فلذلك وقع على الضدين؛ لأن لكل منهما وقتاَ، وأقرأتِ المرأةُ إذا طهرت وإذا حاضت. والحديث أخرجه النسائي أيضاً. 265- ص- حدَثنا يوسف بن موسى قال: نا جرير، عن سُهيل- يعني: ابن أبي صالح- عن الزهري، عن عروةَ بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيشٍ أنها أمرت أسماءَ، أو أسماءُ حدثتني أنها أمرتهَا فاطمةُ بنتُ

_ (1) المصدر السابق (28 /6184) .

أبي حُبيش أن تَسألَ لها رسولَ الله، فَا " مرَهَا أن تَقعُدَ الأيامَ التي كانت تَقعُدُ، ثم تَغتسِلُ (1) . ش- يوسف بن موسى بن راشد: أبو يعقوب القطان الكوفي، نزل الريَّ ثم انتقل إلى بغداد، ومات بها سنة خمس ومائتين. سمع: جريراً، وابن عيينة، ووكيعاً، وغيم هم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وكتب عنه ابن معين وقال: صدوق (2) . وجرير بن عبد الحميد، وسهيل بن أبي صالح: ذكوان السمان. وأسماء بنت أبي بكر الصَدَيق زوجة الزبير بن العوام، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير. رُوي لها عن رسول الله ستة وخمسون حديثاً، اتفقا على أربعة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بمثلها. روى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها: عبد الله وعروة، وأبو واقد الليثي، وجماعة آخرون. توفيت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير، وكانت قد بلغت مائة سنة لم يسقط لها سنن، ولم يُنكر من عقلها شيء. روى لها الجماعة (3) . قوله: " فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد " يعني: قبل ذلك، فلا تصلي فيها ولا تصوم، ثم إذا خرجت تلك الأيام تغتسل ويكون حكمها بعد ذلك حكم الطاهرات. ص- قال أبو داود: روى (4) قتادة عن عروة بن الزبير، عن زينب، أن

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7159) . (3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/232) ، وأسد الغابة (7/9) ، والإصابة (4/229) . (4) في سنن أبي داود: " ورواه ". 4. شرح سنن أبي داوود 2

أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمَرَها النبيُ- عليه السلام- أن تَدع أقرَاءَهَا (1) ، ثم تَغتسِلَ وتُصلِّيَ. ش- زينب هي أم المؤمنين بنت جحش، وقد ذكرناها. قوله: " أن تدع أقراءها " أي: حِيضها التي كانت لها عادة، فإذا انقطعت تغتسل وتصلي. ص- وزاد (2) ابن عيينة في حديث الزهري، عن عمرةَ، عن عائشة أن أم حبيبةَ كانت تُستَحاضُ، فساً لت النبيَّ- عليه السلام- فأمَرَهَا أن تَدع الصلاةَ أيامَ أقرائها. وهذا وهم من ابنِ عيينة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلا ما ذكر سُهيل بن أبي صالح. ش- زاد سفيان بن عيينة في حديث محمد بن مسلم الزهري، عن عمرة، عن عائشة، والذي زاده ابن عيينة هو قوله: " عن عمرة ". وقال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا: يعني: ذكر عمرة- في حديث الحفاظ، عن الزهري، وليس فيه إلا ما ذكره سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير. قلت: قد وقع/في رواية مسلم كلاهما- أعني عروة وعمرة- حيث قال: ونا محمد بن سلمة المرادي قال: نا عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي- عليه السلام- الحديث. وفي رواية عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. وقال الشيخ محيي الدين (3) : " وقع في هذه الرواية- أي الرواية الأولى-

_ (1) في سنن أبي داود: " أن تدع الصلاة أيام أقرائها ". (2) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئاً، وزاد.. " 0 (3) شرح مسلم (4/24) .

عن عروة وعمرة وهو الصواب، وكذلك رواه ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة وعمرة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عروة وعمرة، كما رواه الزهري وخالفهما الأوزاعي، فرواه عن الزهري، عن عروة، عن عمرة- يعني: جعل عروة راوياً عن عمرة ". وعمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية. سمعت: عائشة، وأم هاشم بنت حارثة بن النعمان. روى عنها: عروة بن الزبير، وأخوها محمد بن عبد الرحمن، وابنها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، ويحيى، وعبد ربه، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة حجة. توفيت سنة ثمان وتسعين. روى لها الجماعة (1) . ص- وروت قَمير، عن عائشة: " المُستَحَاضَةُ تَتركُ الصلاةَ أيامَ أقرَائِهَا، ثم تَغتسلُ. ش- قمير- بفتح القاف، وكسر الميم- امرأة مسروق بن الأجدع. روت عن عائشة - رضي الله عنها-، روى عنها عامر الشعبي. قال أحمد بن عبد الله: تابعية ثقة. روى لها أبو داود (2) . ص- قال عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: إن النبي- عليه السلام- أمَرَهَا أن تَترُكَ الصلاةَ قَدرَ أقرائِهَا. ش- أي: أمر المستحاضة أن تترك الصلاة قدر حيضها التي كانت عادة لها (3) قبل ذلك، ثم تغتسل وتصلي. ص- وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، عن عكرمة، عن النبيِّ- عليه السلام-، أن أم حبيبة بنت جحش استُحِيضَت فذكر مثله. ش- جعفر هذا هو ابن إياس، وهو ابن أبي وحشية الواسطي،

_ (1) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7895) . (2) المصدر السابق (35/7912) . (3) في الأصل: " له ".

وقيل: البصري أبو بشر اليشكري. سمع: طاوساً، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم 0 روى عنه: أيوب السختياني، والأعمش، وداود بن أبي هند، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. توفي سنة أربع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " فذكر مثله " أي: مثل ما مضى من الرواية، وهي أن تترك الصلاة قدر أقرائها. ص- وروى شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ- عليه السلام-: " المُستَحَاضَةُ تَدعُ الصلاةَ أيامَ أقرائهَا، ثم تَغتسلُ وتُصَلِّي ". ش- شريك بن عبد الله النخعي. وأبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي. روى عن: أنس بن مالك، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وزاذان الكندي، وعدي بن ثابت، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشريك، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث. كان شعبة لا يرضاه. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وعدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وجده لأمه عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي. سمع: جده، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومسعر، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاضيهم. روى له الجماعة (3) .

_ (1) المصدر السابق (5/932) (3) المصدر السابق (19 / 3883) . (2) المصدر السابق (19/3851) .

وثابت هو: ابن عُبيد بن عازب، ابن أخي البراء بن عازب، يروي عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- في المستحاضة. ولأبيه صحبة. روى عنه ابنه عدي بن ثابت، ذكره ابن حبان في " الثقات " (1) . ص- وروىٍ العلاء بن المسيب عن الحكم، عن أبي جعفر: أن سودةَ استُحيضَت فا " مرهَا رسولُ الله- عليه السلام- إذَا مَضَت أيامُها اغتسَلَت وصَفَت. ش- العلاء بن المسيب بن رافع التغلبي الكوفي، ويقال: الكاهلي. روى عن: أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وأبو عوانة، وعطاء ابن مسلم. قال ابن معين: هو ثقة مأمون. روى له: البخاري، ومسلم، والترمذي (2) . والحكم: هو ابن عتيبة، وقد ذُكر. /وأبو جعفر محمد بن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، وقد ذكرناه. وسودة بنت زمعة بن أبي قيس بن عبد شمس القرشية العامرية أم المؤمنين، يقال: كنيتها: أم الأسود، زوج رسول الله- عليه السلام-. روى عنها عبد الله بن عباس. توفيت في آخر خلافة عمر- رضي الله عنه- روى لها البخاري حديثين، وروى لها أبو داود، والنسائي (3) . قوله: " إذا مضت أيامها " أي: أيامها التي كانت لها عادة. ص- وروى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن عَليّ وابنِ عباس- رضي الله عنهم-: المُستحاضةُ تَجلِسُ أيامَ قُرئِهَا. ش- أي: أيام حيضها، فإذا انقطعت تغتسل وتصلي.

_ (1) المصدر السابق (4/822) . (2) المصدر السابق (22/4588) . (3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/323) ، وأسد الغابة (7/159) ، والإصابة (4/338) .

ص- وكذلك رواه عَمار مولى بني هاشمٍ، وطلقُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن عباسٍ، وكذلك رواه مَعقِل الخثعميُ، عن علي- رضي الله عنه-، وكذلك رَوَى الشعبيُ عن قَميرٍ امرأةِ مَسروقٍ، عن عائشةَ- رضي الله عنها-. ش- عمار بن أبي عمار الهاشمي مولاهم أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله. سمع: أبا قتادة الأنصاري، وأبا هريرة، وأبا حبة البدري، وعبد الله بن عباس، وغيرهم.روى عنه: عطاء بن أبي رباح، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، وغيرهم. قال ابن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة إلا أبا داود (1) . ومعقل الخثعمي، وقال ابن أبي حاتم: زهير بن معقل. والأول أصح. روى عن: علي بن أبي طالب. روى عنه: محمد بن أبي إسماعيل الكوفي. روى لهَ أبو داود (2) . ص- قال أبو داود: وهو قولُ الحسنِ، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومكحولٍ، وإبراهيمَ، وسالمٍ، والقاسم: إن المُستحَاضًةَ تَدع الصلاة (3) . ش- أي: في أيام عادتها وفي غيرها كالطاهرات، وكل هذا ذكره أبو داود تأكيداً على أن هذا الحكم إجماع وليس فيه خلاف بين السلف والخلف، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، نعم استحب فيه بعض السلف إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ، وتستقبل القِبلة، وتذكر الله تعالى، وأنكره بعضهم. الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح. ومكحول بن زبر، ويقال: ابن أبي مسلم بن شاذك بن سند بن شروان ابن بردك بن بعوث بن كسرى الكابلي، من سَبي كابل. وقال ابن ماكولا:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4167) . (2) المصدر السابق (28/6096) (3) في سنن أبي داود: " تدع الصلاة أيام أقرائها. قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيناً ".

99- باب: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة

اسم أبي مسلم: شهراب أبو عبد الله الدمشقي الهذلي مولى امرأة من هذيل. سمع: أنس بن مالك، وأبا هند الداري، وواثلة بن الأسقع، وأبا أمامة، وغيرهم. روى عنه: الزهري، والأوزاعي، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرون. روى له: مسلم، وابن ماجه. واستشهد به البخاري. وتوفي سنة ثمان عشرة ومائة بدمشق (1) . وإبراهيم النخعي. وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر القرشي العدوي المدني. سمع: أباه، وأبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وعائشة أم المؤمنين. ومن التابعين: القاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد بن عتيق. روى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، ونافع مولى أبيه، وجماعة آخرون كثيرة. وقال أحمد بن عبد الله، وابن سعد: ثقة كثير الحديث، ورع. توفي سنة ست ومائة (2) . والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق- رضي الله عنه-. *** 99- باب: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (3) أي: هذا باب في بيان أن حيضة المستحاضة إذا أقبلت تترك الصلاة ونحوها، وليس في بعض النسخ " باب ". 266- ص- حدَّثنا أحمد بن يونس، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: ثنا زهير قال: نا هشام بن عروة، عن عروةَ، عن عائشةَ: أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيشِ جَاءَت رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إِنِّي امرأةٌ أستَحَاضُ فَلا أطهُرُ،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28 / 6168) . (2) المصدر السابق (10/2149) . (3) في سنن أبي داود: " باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة ".

أفَأدعُ الصلاة؟ قال: " إنما ذلك عرقٌ ولَيست بالحيضة، فإذا أقبَلَت الحَيضَةُ فَدَعِي الصلاةَ، وإذا أدبرت فَاغسِلِيَ عَنكِ الدَمَ، ثم صلى " (1) . ش- زهير بن معاوية بن حديج قوله: " أستحاض " على بناء المفعول، كما يقال: استُحِيضت، ولم يين هذا الفعل للفاعل كما في قولهم: نفست المرأة، ونتجت الناقة. وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد للمبالغة، كما يقال: قرَّ في المكان، ثم يراد للمبالغة فيه فيقال: استقر. قوله: " أفأدع " سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة. قوله: " إنما ذلك عرق " أي: دم عرق، وقد مر الكلام فيه. قوله: " وليست بالحيضة " يجوز فيه فتح الحاء بمعنى الحيض، ويجوز كسرها بمعنى الحالة، والأول أظهر، وأما في قوله: " فإذا أقبلت الحيضة " يحوز الوجهان جوازاَ حسناً. قوله: " وإذا أدبرت " /المراد بالإدبار: انقطاع الحيض. قوله: " فاغسلي عنك الدم ثم صلي " مشكل في ظاهره؛ لأنه لم يذكر الغسل، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل. والجواب عنه: أنه وإن لم يذكر في هذه الرواية، فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة قال فيها: " فاغتسلي ". وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار انقضاء أيام الحيض والاغتسال، وجعل قوله: " واغسلي عنك الدم " محمولاً على دم يأتي بعد الغسل. والجواب الأول أصح. فإن قيل: ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه، والحصول في الطهر؟

_ (1) البخاري: كتاب الحيض، باب: الاستحاضة (306) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها (62/333) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة (125) ، النسائي: كناب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/116) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة ... (620) .

قلت: أما عند أبي حنيفة وأصحابه الزمان والعادة هو الفَيصل بينهما، فإذا أضلت عادتها تحرت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل، وأما عند الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفَيصل، فالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر، إذا جعلناهما حيضاً، فتكون حائضاً في أيام القوي، مستحاضة في أيام الضعيف، والتمييز عنده بثلاثة شروط: أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوماً. والثاني: أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضاً. والثالث: أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوماً ليمكن جعله طُهراً بين الحيضتين، وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشيخ محيي الدين: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر، أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة، وسواء خرجت رطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلاَ 0 قال البيهقي وابن الصباغ: التَرِيّةُ رطوبة خفية، لا صفر فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثر لا لون، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض. والترية بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف مشددة. ثم اعلم: أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوماً، ويكون حكمها حكم الطاهرات، ولا تستطهر بشيء أصلا، وبه قال الشافعي، وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: تستطهر ثلاثة أيام، وما بعد ذلك استحاضة. والثانية: تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوماً، وهي أكثر مدة الحيض عنده. والثالثة: كمذهبنا. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء، وجواز استماع صوتها عند الحاجة.

الثانية: فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض والنفل لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر. الثالثة: فيه دليل على نجاسة الدم. الرابعة: أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 267- ص- حدثَّنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بإسناد زُهَير ومعناه قال: فَإذَا أقبلَت الحَيضَةُ فاتركي الصلاةَ، فَإذَا ذهب قَدرُهَا فاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وصًلِّي (1) ش- " قدرها " - بالدال المهملة الساكنة- أي: قدر وقتها، وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة فقال: إذا ذهب قذرها- بالذال المعجمة- وهذا غلط، والصحيح: أن المراد منه قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ردا إلى أيام العادة، والحديث بلفظه يدل على أن هذه المرأة كانت مُعتادة كما جاء في رواية أخرى: " ولكن دع (2) الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ". واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى أيام العادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام حيضاً، والباقي استحاضة، كما عرف في الفروع. 268- ص- حدَّثنا (3) موسى بن إسماعيل قال: نا أبو عقيل، عن بهية قالت: سمعتُ امرأة تسألُ عائشةَ عن امرأة فَسَدَ حَيضُهَا وأهرِيقَت دماً،

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) كذا. (3) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة ".

فَأمَرَني رسولُ الله أن آمُرَهَا فَلتنظُر قَدرَ مَا كَانَت تَحيضُ في كُلِّ شَهر وَحَيضَهَا مُستقيمٌ،/فَلتَعتَدَّ بقَدر ذلك من الأيَّامِ، ثم لتًدعَ الصَلاةَ فيهنَّ أوَ بِقَدرِهِنَّ، ثم لتغتَسِل، ثم لتَستثفِر بِثوبِ، ثم لِتُصلِّي (1) . ش- أبو عقيل- بفتح العين- هو يحيى بن المتوكل الضرير- الحذاء المدني مولى بُهية، قدم بغداد ومات بها سنة تسع وستين ومائة. روى عن: مولاته، والقاسم بن عبيد الله بن [عبد الله بن] عمر بن الخطاب، وعمر بن عبيد الله. روى عنه: ابن المبارك، وأبو نعيم، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: ليس بشيء في رواية عباس، وفي رواية عثمان ليس به بأس. وقال النسائي: ضعيف. روى له: مسلم، وأبو داود (2) . بُهيَةُ- بالباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف- روت عن أبيها، عن النبي- عليه السلام-. قوله: " فسد حيضها " بمعنى: خرج عن العادة واستمرت عليه. وقوله: " فلتنظر قدر ما كانت تحيض " يدل على أنها كانت معتادة. قوله: " وحيضها مستقيم " جملة اسمية وقعت حالاً، عن الضمير الذي في " تحيض ". قوله: " بقدر ذلك " أي: بقدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها مستقيم، " ثم لتدع الصلاة " أي: لتتركها فيهن، أي: في الأيام التي مثل قدر الأيام التي كانت تحيض فيها. وقوله: " أو بقدرهن " شك من الراوي، والمعنى: ثم لتدع الصلاة بقدرهن، أي: بقدر الأيام التي كانت تحيض فيها، التي هي كانت عادة لها. ومعنى الاستثفار قد ذكرناه.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6908) .

269- ص- حدثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريان قالا: نا ابن وهب، عن محمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة، عن عائشة: أن أمَّ حَبيبةَ بنتَ جَحشِ خَتنَةَ رسولِ الله، وتحتَ عبد الرحمنِ بنِ عَوف استُحيضَت سَبع سنين (1) ، فقال رسولُ اَلله: " إن هذه لَيست بالحَيضَةِ، وً لكن هَذا عِرق فاغتسَلِي وصَلِّي " (2) . ش- ابن أبي عقيل اسمه: عبد الغني بن أبي عقيل أبو جعفر المصري، واسم أبي عقيل: رفاعة بن عبد الملك، رأى الليث بن سعد وحكى عنه، وسمع: ابن عيينة، وبكر بن مُضر، والمفضل بن فضالة، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والطحاوي 0 توفي في ربيع الأول في سنة خمس وخمسين ومائتين (3) . ومحمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة أبو الحارث المرادي الجملي مولاهم. روى عن: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن كليب، وحجاج ابن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو داود، وابنه عبد الله، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين (4) . وعمرة بنت عبد الرحمن، وقد ذكرناها. قوله: " خَتنة " بفتح الخاء والتاء المثناة من فوق، ومعناه: قريبة زوج النبي- عليه السلام- قال أهل اللغة: الأختان جمع " ختن "، وهم

_ (1) في سنن أبي داود بعد قوله: " سبع سنين ": " فاستفتت رسول الله ". (2) البخاري: كتاب الحيض، باب: عرق الاستحاضة (327) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: المستحاضة غسلها وصلاتها (63/334) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/116) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم فلم تقف على أيام حيضها (626) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3488) . (4) المصدر السابق (25/5254) .

أقارب زوجة الرجل، والأحماء: أقارب زوج المرأة، والأصهار: يعم الجميع. قوله: " وتحت عبد الرحمن بن عوف " معناه: أنها زوجته فعرفها بشيئين: أحدهما: كونها أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، زوج النبي- عليه السلام-. والثاني: كونها زوجة عبد الرحمن. قوله: " ليست بالحيضة " يحوز فيها كسر الحاء وفتحها كما ذكرناه مرة. قوله: " ولكن هذا عرق " أي: دم عرق. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: زَادَ الأوزاعي في هذا الحديث: عن الزهري، عن عروةَ، وعمرةَ: أن (1) عائشةَ قالت: استُحيضَت أم حَبيبةَ بنتُ جحش وهي تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوف سَبع سنين، فأمًرَهَا النبيُّ- عليه السلام- قال: " إذا أقبَلَت الحَيضَةُ فَدَعِي الصلاةَ، َ وَإِذَا أدبَرَت فَاغتَسِلِي وَصَلِّي " (2) . ش- قال الخطابي (3) : هذا خلاف الأول، وهو حكم المرأة التي تميز دمها، فتراه زماناً أسود ثخيناً فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقاً مشرقاً فذلك حين إدبار الحيضة، ولا يقول لها رسول الله هذا القول إلا وهي تعرف إقبالها وإدبارها بعلامة تفصل بها بين الأمرين. قلت: ظاهر اللفظ لا يدل على هذا، وإنما هي تعرف إقبالها وإدبارها بالزمان والعادة كما قررناه مرة. ص- قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلامَ أحد من أصحاب الزهري غيرُ الأوزاعي. ش- المراد من " هذا الكلام " هي الزيادة التي زادها عبد الرحمن

_ (1) في سنن أبي داود: " عن " (3) معالم السنن (1/75) . (2) انظر الحديث السابق.

الأوزاعي في حديث الزهري عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن. ص- ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث، والليث،/ويونس، وابن أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير، وابن إسحاق، وابن عيينة، لم يذكروا هذا الكلام، وإنما هذا اللفظ حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وزاد ابن عيينة فيه أيضاً: أمَرهَا أن تَدع الصلاةَ أيامَ أقرَائِهَا. ش- أي: روى هذا الحديث الذي تلا زيادة الأوزاعي عن الزهري: عمرو بن الحارث المصري، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومعمر بن راشد، وإبراهيم بن سعد الزهري، وسليمان بن كثير أبو داود العبدي البصري أخو محمد، كان أكبر من أخيه بخمسين سنة. سمع: الزهري، ويحيى الأنصاري، وداود ابن أبي هند. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو الوليد، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة، وابنُ عيينةَ. وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار، وسفيان بن عيينة. قوله: " لم يذكروا هذا الكلام " أي: زيادة الأوزاعي. قوله: " وزاد ابن عيينة فيه " أي: زاد سفيان بن عيينة في هذا الحديث أيضاً: " أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها " أي: أمرها رسول الله أن تترك الصلاة أيام حيضها. ص- قال أبو داود: وهو وهم من ابنِ عُيينةَ، وحديث محمد بن عمرو، عن الزهري فيه شيء يقرب من الذي زاد الأوزاعي في حديثه. ش- أي: الذي زاد ابن عيينة هو وهم منه، وحديث محمد بن عمرو الذي يأتي الآن فيه شيء يقرب من الذي زاد عبد الرحمن الأوزاعي في حديثه من قوله: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي

وصلي " وجه القُرب: أن في زيادة الأوزاعي الإقبال والإدبار، وفي حديث محمد بن عمرو الذي يأتي ذكر الأسود وغيره، ولا شك أن الأسود يكون في أيام الإقبال، وغير الأسود يكون في أيام الإدبار، فافهم. 270- ص- حدَثنا محمد بن المثنى قال: نا ابن أبي عدي، عن محمد- يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حُبَيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي- عليه السلام-: " إذا كان دَمُ الحَيضةِ فإنه دَمٌ أسودُ يُعرفُ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاةِ، وإذا (1) كان الآخرُ فتوضئِي وصَلِّي، فإنما ذلك عِرقٌ " (2) . ش- ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي. ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني. روى عن: الزهري، وعطاء بن يسار، ووهب بن كيسان، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وغيرهم. وعن ابن معين أنه ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قوله: " إذا كان دم الحيضة " بمعنى: إذا وجد، ف " كان " هاهنا تامة، فلذا لا تحتاج إلى الخبر. قوله: " فإنه دم أسود " تفسير لدم الحيضة، أي: أن دم الحيضة دم أسود. وقوله: " يعرف " في محل الرفع؛ لأنه صفة للدم. قوله: " فإذا كان ذلك " أي: إذا كان الموجود دماً أسودَ، فأمسكي عن الصلاة؛ لأنها تكون أيام الحيض. قوله: " وإذا كان الآخر " أي: غير الأسود، بأن كان أصفر، أو أشقر،

_ (1) في سنن أبي داود: " فإذا ". (2) أخرجه النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/116) .

أو أكدر؛ لأن غير الأسود أعم " فتوضئي وصلي " لأنها أيام الاستحاضة، وعلل ذلك بقوله: " فإنما ذلك عرق " أي: دم عرق انفجر، لا دم حيض، فلا يمنع أحكام الطاهرات. وبهذا تمسك الشافعي في الرد إلى التمييز وهو أقوى دليله، ونحن نقول: لا اعتبار للتمييز، وإنما الاعتبار للزمان كما قررناه. والحديث أخرجه النسائي أيضاً. ص- قال ابن المثنى: نا ابن أبي عدي من كتابه هذا (1) ، ثم حدثنا به بعد حفظاً قال: نا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أن فاطمةَ كانت تسُتحَاض، فذكر معناه. ش- أي: قال محمد بن المثنى، والمقصود أن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي قد حدث بهذا محمد بن المثنى، عن كتابه أولاً، ثم حدثه بعد ذلك من جهة حفظه، و " حفظاً " نصب على التمييز. ص- قال أبو داود: وقد روى أنس بن سيرين، عن ابن عباس في المُستحاضَة قال: إذا رأت الدمَ البَحرَاني فلا تصلِّى، وإن (2) رأت الطُّهرَ ولو ساعة/فلتغتسل وتُصلَي. ش- أنس بن سيرين البصري أبو موسى، أو أبو عبد الله، أو أبو حمزة الأنصاري مولى أنس بن مالك، أخو محمد، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكنية سيرين: أبو عمرة، يقال: إنه لما ولد ذهب به إلى أنس بن مالك فسماه أنساً، وكناه بأبي حمزة، ولد لسنة بقيت من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت. وسمع: ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. مات سنة عشر ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (3) . قوله: " إذا رأت الدم البحراني " أراد به الدم الغليظ الواسع الذي

_ (1) في سنن أبي داود: " هكذا ". (2) في سنن أبي داود: " إذا " (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/566) .

يخرج من قعر الرحم، ونسب إلى البَحر لكثرته وسَعته، والتبحر: التوسع في الشيء والانبساط فيه. قوله: " ولو ساعة " أي: ولو كان الطهر ساعة، والمراد منه: أنها خرجت عن الدم الذي كان حيضها ولو ساعة فلتغتسل وتصلي؛ لأنها تلحق الطاهرات حينئذ، وبه تمسك الشافعي أيضاً، وعندنا الاعتبار للزمان كما في حديث أم سلمة وهو أقوى. ص- وقال مكحول: إن النِّساءَ لا تَخفَى عليهن الحَيضةُ، إن دَمَها أسودُ غليظٌ، فإذا ذهبَ ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مُستحاضة، فلتغتسل ولتصلِّي. ش- أي: لا يخفى عليهن دم الحيض؛ لأن دم الحيض أسود ثخين، فإذا ذهب ذلك وصارت الحيضة صفرة رقيقة، أو شقرة، أو كدرة، فإنها ح (2) تكون مستحاضة، فيصير حكمها حكم الطاهرات بعد الغسل، ومكحول أيضاً اعتبر التمييز كابن عباس. ص- قال أبو داود: ورَوى حمادُ بنُ زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القَعقاع بنِ حكيم، عن سعيد بن المسيب في المستحاضة: إذا أقبلت الحيضةُ تَركتِ الصلاةَ، وإذا أدبرت اغتسَلَت وصَلَت. ش- يحيى القطان. والقعقاع بن حكيم الكناني المدني. روى عن: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: سعيد المقبري، ومحمد بن عجلان، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. قال ابن حنبل: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري. قوله: " إذا أقبلت الحيضة " قد ذكرنا أن المراد من إقبالها أيام حيضها التي كانت لها عادة، ومن إدبارها زمان انقطاعها، وهذا سعيد قد أخذ الاعتبار بالأيام لا بالتمييز كما هو مذهبنا.

_ (1) أي: " حينئذ ". 5* شرح سنن أبي داوود 2

ص- قال أبو داود: وروى سُمي وغيرُه، عن سعيد بن المسيب: تَجلسُ أيامَ أقرائِهَا. ش- سُمي القرشي المخزومي المدني، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام. سمع: مولاه أبا بكر، وسعيد بن المسيب، وأبا صالح ذكوان. روى عنه: يحيى الأنصاري، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن حنبل وأبو حاتم: ثقة 0 قتلته الخوارج بقديد سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة. قوله: " تجلس أيام ألرائها " أي: أيام حيضها، وهذا أيضاً اعتبار بالزمان. ص- وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب. ش- أي: كما روى سُمي رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن المسيب، أنها تجلس أيام أقرائها. ص- قال أبو داود: روى يونس، عن الحسن: الحائض إذا مَدَ بها الدمُ تَمسِك بعدَ حيضِهَا يوماً أو يومين فهي مستحاضة. ش- أي: روى يونس بن عبيد البصري، عن الحسن البصري: الحائض إذا مد بها الدم تمسك. والمعنى: أنها إذا انقطع منها الدم الذي كان عادتها، تمسك بعده يوماً أو يومين، بمعنى: أنها تستنظر يوماً أو يومين، ثم تغتسل وتصلي، وبه أخذ مالك في رواية. ص- وقال التيميُّ، عن قتادة: إذا زادت (1) على أيام حيضِها خمسة أيام فلنصل. ش- أي: قال سليمان التيمي، عن قتادة بن دعامة: إذا زادت على أيام حيضها خمسة أيام فلتصل، والمعنى: أنها تستنظر بعد

_ (1) في سنن أبي داود: " زاد ".

انقطاع دم حيضها خمسة أيام، ثم تغتسل وتصلي، وهذا كله لأجل الاحتياط. /ص- قال التيميُ: فجعلتُ أنقصُ حتى بلغتُ يومين، قال: إذا كان يومين فهو من حَيضِها. ش- أي: قال سليمان التيمي: فجعلت أنقص من خمسة أيام حتى بلغت يومين. قال قتادة: إذا كان يومين فهو من حيضها، بمعنى: أن اليومين لا يحسبان من الاستنظار، لأنهما من أيام الحيض، بل عليها أن تمسك وتستنظر بما فوق اليومين إلى خمسة أيام. ص- وسُئِلَ ابنُ سيرينَ عنه فقال: النساء أعلمُ بذلك. ش- أي: سئل محمد بن سيرين عن الحكم المذكور فقال: النساء أعلم بذلك، لأنهن أخبرُ بأحوالهن، ويفوض إليهن حكم الاستنظار وغيره. 271- ص- نا زهير بن حرب وغيره قالا: نا عبد الملك بن عمرو قال: نا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنتُ أستحاضُ حَيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيتُ رسولَ اللهِ- عليه السلام- أستفتيه واخبرهُ، فوجدتُه في بيتِ أختي زينبَ بنت جحش، فقلت: يا رسوَل الله، إني امرأة أستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً فما ترى فيها؟ قد مَنعتني الصَلاةَ والصومَ. قال: " انعتُ لك الكُرسُفَ، فإنه يُذهبُ الدم ". قالت: هو كثرُ من ذلك. قال: " فاتخِذي ثوباً ". قلت (1) : هو أكثر من ذلك، قالت: إنما أثُجُ ثَجا. قال رسول الله- عليه السلام-: " سآمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، دان قَويتِ عليهما فأنت أعلمُ " فقال (2) لها: " إنما هذه رَكضة من رَكَضَات الشيطان، فتحيضِي ستةَ أيام أو سبعةَ أيامٍ في علم اللهِ، ثم اغتسلِي حتى إذا رَأيتِ أنكَ قد طَهُرتِ واستنقيتِ

_ (1) في سنن أبي داود: " فقالت ". (2) في سنن أبي داود: " قال ".

فصلِّي ثلاثاً وعشرين ليلةً، أو أربعاً وعشرين ليلةً وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل (1) شهرٍ كما تَحيَّضُ النساءُ وكما يَطهُرنَ ميقاتَ حَيضهن وطُهرهن، فإن (2) قَويت على أن تُؤَخِّري الظهر وتُعجلي العصرَ فتغَتسلين فتجمعين (3) بين الصلاتين الظهرِ والعصرِ، وتؤخرين المغربَ وتُعجِّلين العشاءَ، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجرِ فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك " 0 قال رسول الله: " وهذا أعجبُ الأمرينِ إليَّ " (4) . ش- عبد الملك بن عمرو بن قيس أبو عامر العقدي البصري. سمع: مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق 0 مات سنة خمس ومائتين 0 روى له الجماعة. وزهير بن محمد أبو المنذر العنبري المروزي. سمع: ابن المنكدر، وهشام بن عمار، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، والوليد بن مسلم، وأبو عامر العقدي، وجماعة آخرون. قال ابن حنبل: مستقيم الحديث. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أكثر من حديثه بالعراق لسوء حفظه. روى له الجماعة إلا النسائي. وعبد الله بن محمد بن عَقيل- بفتح العين- ابن أبي طالب، وإبراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي.

_ (1) في سنن أبي داود: " فافعلي في كل ". (2) في سنن أبي داود: " وإن " 0 (3) في سنن أبي داود: " وتجمعين ". (4) أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد (128) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها (627) .

وعمران بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب الليثي المدني سمع: أباه، وأمه حشة بنت جحش، وعليّ بن أبي طالب. روى عنه: ابنا أخويه معاوية بن إسحاق، وإبراهيم بن محمد. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وحمنة- بالحاء المهملة- بنت جحش الأسدية أخت زينب زوج النبي- عليه السلام- كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أُحُد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، وهي التي كانت تستحاض. روى عنها: ابنها عمران بن طلحة. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. قوله: " أستحاض " على صيغة المجهول، وقد ذكرنا وجهه مرة. قوله: " أنعت " أي: أصف لك " الكرسف " - بضم الكاف- وهو القطن. قوله: " فإنه يذهب الدم " وهذا من إخباره/- عليه السلام- بالحكمة؛ لان من طبيعة القطن أن ينشف الرطوبات، ولا سيما العتيق منه. قوله: " هو أكثر من ذلك " أي: دمي أكثر من أن يذهب بالقطن. قوله: " أثج ثجاً " الثج: شدة سيلان الدم، ومفعول " أثج " محذوف تقديره: أثجه ثجاً. وذكر المصدر أيضاً ينبئ عن كثرة الدم. قوله: " إنما هي ركضة من ركضات الشيطان " أصل الركض: الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتصيب برجلها، والمعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها، ووقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وأضيف النسيان إلى الشيطان كما في قوله تعالى: (فَأنسَاهُ الشَّيطَانُ ذكرَ ربه) (1) ، وقيل: هو حقيقة، وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقهاَ.

_ (1) سورة يوسف: (42) .

قوله: " فتحيضي " بتشديد الياء، أي: اقعدي أيام حيضك عن الصلاة، والتزمي ما يجب على الحائض. وقال الجوهري: تحيّضت أي: قعدت أيام حيضتها عن الصلاة. وإنما قال: " ستة أيام أو سبعة أيام " إما على احتمال أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيهما كانتا، فأمرها أن تتحرى وتجتهد أمرها على ما تيقنته من أحد العددين، ويؤيد هذا الوجه قوله: " في علم الله " أي: فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وإما أن يكون لا على وجه التخيير بين الستة والسبعة، لكن على اعتبار حالها بحال مَن هي مثلها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا، وإن كان سبعاً فسبعاً. قوله: " كما تحيّضَ النساء " بتشديد الياء أيضاً، أي: كما تقعد النساء أيام حيضهن عن الصلاة، ويحوز أن تكون " ما " في " كما " في الموضعين مصدرية، والمعنى: كتحيّضهن وطهرهن. قوله: " ميقات حيضهن " نصب على الظرفية، أي: كما تحيّض النساء ميقات حيضهن، وكما يطهرن ميقات طهرهن، والميقات مِفعال بمعنى الوقت هاهنا، أصله: موقات، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. واعلم: أن حكم هذا الحديث هو خلاف الحكم الذي في حديث أم سلمة، وخلاف الحكم الذي في حديث عائشة، وإنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد رسول الله أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، يدل على ذلك قوله- عليه السلام-: " كما تحيّض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن ". وقال الخطابي: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث؛ لاس ابن عقيل راويه ليس بذاك 0 وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به. وقال ابن منده: حديث حمنة لا

يصح عندهم بوجه من الوجوه؛ لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه. قلت: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضاً: سالت محمداً- يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن. وكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. والعجب من ابن منده هذه الدعوى، فإن أحمد، وإسحاق، والحميدي، كانوا يحتجون بحديث ابن عقيل، وحَسَّن البخاري حديثه، وصحَّحه ابن حنبل، والترمذي كما ذكرنا. ص- قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عمرو (1) بن ثابت، عن ابن عقيل قال: فقالت (2) حمنة: فقلت: هذا أعجبُ الأمرين إليَّ. لم يجعله كلام النبي- عليه السلام- جعله كلام حمنة (3) ش- عمرو بن ثابت هو أبو ثابت، ويعرف بابن أبي المقدام، كوفي لا يحتج بحديثه. قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيا خبيثاً، وذكره عن يحيى بن معين وعنه ليس بشيء، وعنه ليس بثقة ولا مأمون. وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات/. وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عنه، فإنه كان يسب السلف. قوله: " لم يجعله كلام النبي " أي: لم يجعل قوله: " هذا أعجب الأمرين إليّ " كلام النبي- عليه السلام-، وإنما جعله كلام حمنة بنت جحش. ** *

_ (1) في سنن أبي داود: " ورواه عمرو ... ". (2) في الأصل: " فقال ". (3) زاد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي، رجل سوء ولكنه كان صدوقاً في الحديث، وثابت بن المقدام رجل ثقة، وذكره عن يحيى ابن معين. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء ".

100- باب: ما روي أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة

100- باب: ما (1) روي أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة أي: هذا باب في بيان ما رُوي عن النبي- عليه السلام- أن المرأة المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرنا أن النبي- عليه السلام- ما أمرها إلا بالغسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، والذي رُوي هاهنا وفي غيره من أنه- عليه السلام- أمرها أن تغتسل لكل صلاة فليس بثابت، على ما يجيء إن شاء الله تعالى. 272- ص- ثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المرادي قالا: نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي- عليه السلام-: أن أم حبيبةَ بنتَ جحشٍ خَتنةَ رسول الله، وتحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوف استُحيضت سبعَ سنين، فاستفتت اَلنبيَ- عليه السلاَم- في ذلك، فقالً رسولُ الله- عليه السلام-: " إنَ هذه ليست بالحَيضَة، ولكن هذا عِرقٌ، فاغتسِلي وَصَلِّي "، فكانت (2) تغتسلُ في مركن في حُجَرة أختها زينب بنت جحشٍ حتى تَعلوَ حُمرةُ الدم الماءَ (3) .ًًَ ش - قد مر الكلام في هذا الحديث مستوفى، وإنما كرره لأجل زيادة في آخره. 273- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عنبسة قال: ثنا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن أم حبيبة بهذا الحديث قالت عائشةُ: فكانت تغتسلُ لكل صلاة (4) . ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبًري، وعنبسة بن خالد، ويونس بن يزيد الأيلي. قوله: " فكانت تغتسل لكل صلاة " كان تطوعاً منها غير ما أمرت به،

_ (1) في سنن أبي داود: " من ". (2) في سنن أبي داود " قالت عائشة: فكانت ... ". (3) تقدم برقم (269) . (4) انظر الحديث السابق.

وذلك واسع لها، كذا قاله ابن عيينة، والليث بن سعد وغيرهما، وما أمرها رسول الله إلا أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، كذا قاله الشافعي- رضي الله عنه-. 274- ص- حدَّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال: حدثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا الحديث قال فيه: فكانت تغتسل لكل صلاة (1) . ش- قد مر الكلام في بيان رواته ومعناه. ص- قال أبو داود: رواه القاسم بن مَبرُور، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، عن أمِّ حبيبةَ بنت جحشٍ، وكذلك رواه معمرٌ، عن الزهري، عن عمرةَ، عن عائشةَ، وربما قَال معمر: عن عمرةَ، عن أم حبيبة بمعناه، وكذلك رواه إبراهيم بن سعد، وابنُ عيينة، عن الزهري، عن عمرةَ، عن عائشة، وقال ابن عيينةَ في حديثه: ولم يقل أن النبي- عليه السلام- أمَرَهَا أن تغتسلَ. وكذلك رواه الأوزاعي أيضاً عن الزهري فيه أيضاً: وكانت (2) تغتسلُ لكل صلاةٍ. ش- أي: روى هذا الحديث القاسم بن مبرور الأيلي ابن أخي طلحة ابن عبد الملك، أحد الفقهاء، يروي عن يونس بن يزيد، وهشام بن عروة. وروى عنه: خالد بن نِزار، وخالد بن حميد المَهري. توفي بمكة سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة، وصلى عليه الثوري. روى له أبو داود، والنسائي (3) . 275- ص- حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: نا أبي، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير [و] عن عمرةَ بنت

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في سنن أبي داود: " ورواه الأوزاعي أيضا قال فيه: قالت عائشة: فكانت ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4818) .

عبد الرحمن، عن عائشةَ: أن أم حبيبةَ استُحيضت سبعَ سنين، فأمرَهَا رسولُ اللهِ- عليه السلام- أن تَغتسلَ، وكانت (1) تغتسلُ لكل صلاة (2) . ش- محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبدًا لله بن المسيب بن أبي السائب بن عابد- بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الله المسيبي المخزومي المدني، سكن بغداد، وكان أبوه أحد القراء بمدينة رسول الله. سمع: أباه، ومحمد بن فليح الخزاعي، وعبد الله بن نافع، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، ومحمد ابن عبدوس، وجماعة آخرون. وقال إبراهيم بن إسحاق: كان ثقة. توفي سنة ست وثلاثين ومائتين. وأبوه إسحاق بن محمد المذكور، روى عن: ابن أبي ذئب، ونافع ابن عبد الرحمن. روى عنه: ابنه محمد، وإسماعيل / بن عبد الكريم الصنعاني، وخلف بن هشام المقرئ. روى له أبو داود. وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن القرشي، وقد مر. 276- ص- حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ: أن أمَّ حبيبةَ بنتَ جحش استُحيضَت فيِ عهد رسول اللهِ- عليه السلام-، فأمرهَا بالغسلِ لكلً صلاةَ، وساق الحَدَيثَ (3) ش- عبدة بن سليمان بن حاجب بن زرارة الكلابي أبو محمد الكوفي، قيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب. سمع: هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وابن إسحاق،

_ (1) في سنن أبي داود: " فكانت ". (2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الأقراء (1/183) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم فلم تقف على أيام حيضتها (626) . (3) انظر الحديث السابق.

وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وهناد بن السري، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة ثقة وزيادة مع صلاح، وكان شديد الفقر مات بالكوفة في رجب سنة ثمان وثمانين ومائة (1) . وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الاحتجاج بحديثه، وقال البيهقي: رواية ابن إسحاق عن الزهري غلط، لمخالفتها سائر الروايات عن الزهري، ولكن يمكن أن يقال: إن كان هذا مخالفة الترك فلا تناقض في ذلك، دان كان مخالفة التعارض فليس كذلك، إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبي- عليه السلام- لها بالغسل عند كل صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق سليمان بن كثير لما يجيء الآن. ص- قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ: استُحيضت زينبُ بنتُ جحشِ فقال النبي- عليه السلام -: " اغتسِلي لكل صلاة " وساقَ الحديثَ. ش- أي: روى هذا الحديثَ أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهذه الرواية شاهدة لرواية ابن إسحاق عن الزهري، ويرد بهذا ما قاله البيهقي رواية ابن إسحاق عن الزهري غلط كما قلنا. ص- قال أبو داود: ورواه عبدُ الصمد، عن سليمان بن كثير قال: توضَّئي لكل صَلاةِ. ش- أي: روى هذا الحديث عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التنوري، أبو سهل البصري التميمي. سمع: أباه، وسليم بن حبان، وحماد بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المثنى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. مات سنة سبع ومائتين. روى له الجماعة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3613) .

ص- وهذا وهم من عبد الصمد، والقولُ فيه قولُ أبي الوليد. ش- أي: قوله: " توضئي لكل صلاة " وهمٌ من عبد الصمد، والقول في الحديث قول أبي الوليد الطيالسي. قلت: ذكر هذا في حديث حماد أخرجه النسائي، وابن ماجه، وقال مسلم في " صحيحه ": وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره وهي: " توضئي لكل صلاة ". وقال الشيخ محيي الدين: وأسقطها مسلم لأنها مما انفرد به حماد. قلنا: لم ينفرد حماد بذلك عن هشام، بل رواه عنه أبو عوانة أخرجه الطحاوي في كتاب " الرد على الكرابيسي " من طريقه بسند جيد، ورواه عنه أيضاً حماد بن سلمة أخرجه الدارمي من طريقه، ورواه عنه أيضاً أبو حنيفة، وأخرجه الطحاوي من طريق أبي نعيم، وعبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبي حنيفة، عن هشام. وأخرجه الترمذي وصحَّحه من طريق وكيع، وعَبدة، وأبي معاوية، عن هشام، وقال في آخره: وقال أبو معاوية في حديثه: وقال: " توضئي لكل صلاة ". وقد جاء الأمر بالوضوء أيضاً فيما أخرجه البيهقي في " باب المستحاضة إذا كانت مميزة " من حديث محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش (1) إلى آخره. على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان كافياً لثقته وحفظه، لا سيما من هشام، وليس هذا مخالفة، بل زيادة ثقة، وهي مقبولة، لا سيما من مثله. 277- ص- حدَّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر قال: نا عبد الوارث، عن الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمةَ، أن امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ، وكانت تحتَ عبد الرحمن بن عوف، أن رسولَ الله أمرها أن تَغتسلَ عندَ كلِّ صلاة وتُصًلِّيَ (2) .ًًَ

_ (1) في الأصل: " جحش " خطأ، وانظر: السنن الكبرى (1/323) . (2) تفرد به أبو داود.

ش- عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، واسمه: ميسرة المِنقَرِيُّ التميمي مولاهم البصري، أبو معمر المقعد. سمع: عبد الوارث بن سعيد، وملازم بن عمرو، والدراوردي، وغيرهم. روى عنه: عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو حاتم الرازي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: كان ثقة حافظاً. وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث،/غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (1) . وعبد الوارث بن سعيد التميمي. وحسين بن ذكوان المكتب المعلم البصري العوذي. سمع: عبد الله بن بريدة، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. روى له الجماعة (2) . وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " تهراق " على بناء المجهول، وأصله تراق. و " الدم " نصب على التمييز، وقد مر نظيره. قال الخطابي (3) : هذا الحديث ليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها وكيفية شانها في استحاضتها، وليس كل امرأة مستحاضة يحب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى، وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها فهي لا تعرف موضعها، ولا عددها، ولا وقت انقطاع الدم عنها في أيامها المتقدمة، فإذا كانت كذلك، فإنها لا تدع شيئاً من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة؛ لأنه قد (4) يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3449) . (2) المصدر السابق (6/1309) . (3) معالم السنن (1/77- 78) . (4) في الأصل: " ور "، وما أثبتناه من معالم السنن.

انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، ومن كان هذا حالها من النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات، لإمكان أن تكون حائضاً، وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس وتقضيه بعد ذلك، لتحيط علماً بأن قد استوفت عدد ثلاثين يوماً في وقت كان لها أن تصوم فيه، وإن كانت حاجَّةً طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوماً، لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة. قلت: هذا على مذهب من رأى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وعلى مذهب من رأى أن أكثره عشرة أيام طافت طوافين بينهما عشرة أيام. وقال البيهقي في هذا الحديث: وروينا عن أبي سلمة أنها تغتسل غسلاً واحداً، وهو لا يخالف النبي- عليه السلام- فيما يرويه عنه. قلت: كأنه أشَار بهذا الكلام إلى تضعيف هذا الحديث، وإلى أن ما نقل عنه من أنه أفتى بالغسل عند كل صلاة غير صحيح عند [هـ] ، ولقائل أن يقول: العبرة لما روى الراوي لا لرأيه. وقد عرف هذا من مذهب المحدثين. ص- وأخبرني أن أم بكر أخبرته، أن عائشةَ- رضي الله عنها- قالت: إن رسولَ الله قال في المرأة ترى ما يَريبها بعدَ الطهرِ: " إنما هو عِرق " (1) أو قال: " عُروقٌ ". ش- أي: قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة، أن أم بكر - ويقال أم أبي بكر- أخبرته الحديث. قوله: " ما يريبها " من رابني الشيء، وأرابني، بمعنى: شككني. وقيل: أرابني في كذا، أي: شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني بغير ألف. ومنه الحديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " يروى بفتح الياء وصمها، أي: دع ما يشك فيه إلى ما لا يشك.

_ (1) في سنن أبي داود: " إنما هي أو قال: إنما هو عرق ".

قوله: " بعد الطهر " يعني: بعد انقطاع دم الحيض وبعد خروجها عن أيام الحيض، ويقال: معنى " بعد الطهر " بعد الغسل، وهو الأظهر. قوله: " عرق " أي: دم عرق، أو دماء عروق. ص- قال أبو داود: في حديث ابن عقيل الأمران جميعاً قال: " إن قَويتِ فاغتسِلي لكل صلاة، وإلا فاجمعِي "، كما قال القاسم في حديثه ش- حديث ابن عقيل هو الذي رواه زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل المذكور فوق. قوله: " وإلا فاجمعي " يعني: بين الصلاتين الطهر والعصر، والمغرب والعشاء، كما قال القاسم بن محمد بن أبي بكر- رضي الله عنهم-. ص- وقد رُوي هذا القول عن سعيد بن جبير، عن عليّ وابن عباس - رضي الله عنهم. ش- أي: القول بالاغتسال عند كل صلاة، وفي " المصنف " (1) : حدَّثنا وكيع قال: نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال: كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأة بكتاب فقرأته فإذا فيه: إني امرأة مستحاضة، وأن عليا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما أجد لها إلا ما قال علي. وحدَّثنا محمد بن يزيد، عن أبي/العلاء، عن قتادة: أن عليا وابن عباس قالا في المستحاضة: تغتسل لكل صلاة (2) . حدَّثنا (3) حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن علي في المستحاضة: تؤخر من الظهر وتعجل من العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء. قال: وأظنه قال: وتغتسل. قال: فذكرت ذلك لابن الزبير وابن عباس فقالا: ما نجد لها إلا ما قال عليّ. ***

_ (1) (1/127) . (2) نفسه. (3) نفسه.

101- باب: من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا

101- باب: من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسلُ لهما غسلاً أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً. 278- ص- حدَثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: استُحيضت امرأةٌ على عهد رسول الله فأمرَت أن تُعَجِّلَ العصرَ وتُؤخر الظُهَرَ، وتغَتسلَ لهما غُسلاَ، وأن تؤخر المغَربَ وتُعجل العِشاءَ، وتَغتسَلَ لهما غُسلاً، وتغتسلَ لصلاة الصبحِ (1) ، فقلت لعبد الرحمن: أعن النبيَ - عليه السلام؟ فقال: لا (2) أحدثك عن النبي- عليه السلام- بشيءَ (3) . ش- عبيد الله بن معاذ العنبري البصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن حسان، وقد ذكرناهما. وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، أبو محمد الفقيه الرضا ابن الرضا، وأمه: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق. ولد في حياة عائشة زوج النبي- عليه السلام- وهي عمة أبيه. روى عن: أبيه، وأسلم مولى عمر، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسماك بن حرب، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والأوزاعي، وجماعة آخرون. قال أحمد: ثقة، ثقة، ثقة. مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة. روى له الجماعة. قوله: لا على عهدِ رسولِ الله " أي: في زمانه وأيامه، وإنما أمرها

_ (1) في سنن أبي داود: " لصلاة الصبح غسلاً ". (2) في سنن أبي داود: " لا أحدثك إلا عن ... ". (3) النسائي: كتاب الحيض، باب: جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت (1/184) .

- عليه السلام- بتعجيل العصر وتأخير الظهر والاغتسال لهما غسلاَ واحداَ، لما رأي أن الأمر قد طال عليها، وقد جهدها الاغتسال لكل صلاة، ورخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي رخص له في الجمع بين الصلاتين على مذهب من يرى ذلك. وفيه حجة لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد؛ لأن علتهما واحدة، وهي الضرورة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول سفيان الثوري، ورُوي ذلك عن ابن المسيب والحسن والزهري. قوله: " فقلت لعبد الرحمن " القائل شعبة بن الحجاج. والحديث أخرجه النسائي أيضاً. 279- ص- حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدَّثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن سهلة بنت سهيل استُحيضت فأتت النبيَ- عليه السلام- فأمَرهَا أن تَغتسلَ عندَ كلِّ صلاة، فَلما جَهَدَهَاَ ذلك أمَرهَا أن تَجمعَ بين الظهرِ والعصرِ بغُسلِ، والمغربَ والعشاءِ بغسلِ، وتغتسلَ للصبح (1) . ش- عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، ومحمد بن سلمة الباهلي الحراني. قوله: " فلما جهدها " أي: فلما شق عليها الاغتسال. من جهِده الشيء- بكسر الهاء-: جهَدا بالفتح، والجُهد- بالضم-: الطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. وحال هذه المرأة مثل حال المرأة التي في الحديث السابق، ويحتمل أن تكون هي إياها، ويحتمل أن تكون غيرها، ولكن علتاهما واحدة. ص- قال أبو داود: ورواه ابنُ عيينةَ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن امرأةَ استُحِيضت، فسألتِ النبيَّ- عليه السلام- فأمرَها بمعناه.

_ (1) النسائي: كتاب الحيض، باب: جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت (1/185) . 6. شرح سنن أبي داوود 2

ش- أي: روى هذا الحديث سفيان بن عيينة. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى هذا الحديث. 280- ص- حدَّثنا وهب بن بقية قال: نا خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروةَ بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيش استُحيضت منذُ كذا وكذا، فلم تصَلِّ، فقال النَبيُّ- عليه السلام-: " سُبحًانَ اللهَ!! هذا (1) من الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت صَفارة (2) فوقَ الماء فلتغتسل للظهرِ وَالعصرِ غسلاً واحَداً، وتغتسلُ للمغرب والعشاء غُسلاً واحداً، وتغتسلُ للفجرِ غسلا (3) ، وتَوضأ فيما بين ذلك " (4) . ش-/خالد هو: ابن عبد الله الواسطي الطحان. قوله: " منذ كذا وكذا " اعلم أن مذ ومنذ لهما ثلاث حالات: إحداها: أن تليهما اسم مجرور، فقيل: هما اسمان مضافان، والصحيح أنهما حرفا جر بمعنى " من " إن كان الزمان ماضياً، وبمعنى " في " إن كان حاضراَ، وبمعنى " من " و " إلى " جميعاً معدوداَ، نحو: ما رأيته منذ يوم الخميس، أو مذ يومنا، أو عامنا، أو مذ ثلاثة أيام. والثانية: أن يليهما اسم مرفوع، نحو: مذ يوم الخميس، ومنذ يومان. قال المبرد وابن السراج والفارسي: مبتدآن وما بعدهما خبر، ومعناهما: الأمد إن كان الزمان حاضراَ أو معدوداَ، وأول المدة إن كان ماضياً. وقال الأخفش والزجاج: ظرفان مخبر بهما عما بعدهما، ومعناهما: بين وبن مضافين، فمعنى: ما لقيته مذ يومان، بيني وبن لقائه يومان. وقال أكثر الكوفيين: ظرفان مضافان لجملة حذف فعلها وبقي فاعلها، والأصل مذ كان يومان. الثالثة: أن تليها الجمل الفعلية أو الاسمية، كقوله: ما زال

_ (1) في سنن أبي داود: " إن هذا ". (2) في سنن أبي داود: " صفرة ". (3) في سنن أبي داود: " غسلا واحداً وتتوضأ ". (4) تفرد به أبو داود.

مذ عقدت يداه إزاره. وقوله: وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع. والمشهور أنهما حينئذ ظرفان مضافان، فقيل: إلى الجملة، وقيل: إلى زمن مضاف إلى الجملة، وقيل: مبتدآن. قوله: " سبحان الله " قد مر الكلام فيه، وأنه إنما ذكره تعجباً. قوله: " هذا من الشيطان " له معنيان: الأول: مجازي، وهو أنه أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تلبس في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها. والثاني: حقيقي، بمعنى: أنه ضربها حتى فتق منها عرق الاستحاضة، كما قلنا في الحديث المتقدم. قوله: " في مركن " بكسر الميم، وهي الإجانة. قوله: " صفارة " وفي بعض الرواية: " صفرة "، وفيه حجة لمن اعتبر التمييز؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض. قوله: " وتوضأ فيما بين ذلك " برفع الهمزة، أي: تتوضأ، فحذفت إحدى التائين للتخفيف، كما في (نَاراً تَلَظَّى) (1) ، والمعنى: أنها إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ، ولا تكتفي باغتسالها؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس. ص- قال أبو داود: رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغُسلُ أمرها (2) أن تجمعَ بينَ الصلاتينِ. ش- أي: روى هذا الحديث مجاهد بن جبر، عن ابن عباس وقال: لما اشتد عليها، أي: على فاطمة بنت أبي حبيش، وهذا الكلام من ابن عباس خرج مخرج التعليل لأمره- عليه السلام- إياها بالجمع بين الظهر والعصر، وبن المغرب والعشاء، تيسيراَ لها ورخصة كما في المسافر. ص- ورواه إبراهيم، عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد الله ابن شداد.

_ (1) سورة الليل: (14) . (2) كلمة " أمرها " غير موجودة في سنن أبي داود.

102- باب: من قال: تغتسل مرة

ش- أي: روى هذا الحديث إبراهيم النخعي، عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم، وعبد الله بن شداد بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر، وإنما سمي الهاد لأنه كان يوقد ناره للأضياف ولمن سلك الطريق، أبو الوليد الليثي المدني، وقيل: الكوفي، وأمه: سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء، كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنته عُمارة، وقيل: فاطمة، وقتل عنها حمزة يوم أُحُد فتزوجها شداد، فولدت له عبد الله، وهو ابن خالة عبد الله بن عباس، وخالد بن الوليد. سمع: عمر، وابنه عبد الله بن عمر، وعليا، وابن عباس، ومعاذاَ، وأباه، وعائشة، وأم سلمة. وروى عن النبي- عليه السلام- مرسلاً. روى عنه: طاوس، والشعبي، ومحمد ابن سعد، وعكرمة، وجماعة آخرون كثيرة. قال أبو زرعة: مدني ثقة. توفي في ولاية الحجاج على العراق، ويقال: قتل يوم دُجَيل سنة اثنين وثمانين. روى له الجماعة (1) . واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله خمس: حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله، وأختها أم حبيبة وقيل: أم حبيب بغير هاء، وقد ذكرناه، وفاطمة بنت أبي حُبَيش القرشية الأسدية، وسهلة بنت سهيل القرشية العامرية، وسودة بنت زمعة زوج رسول الله. وقد ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت والمشهور خلافه، وإنما المستحاضات أختاها. *** 102- باب: من قال: تغتسل مرة (2) أي: هذا باب في بيان من قال: إن المستحاضة تغتسل مرة واحدة. 281- ص- حدثنا محمد بن جعفر بن زياد. قال: ونا عثمان بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3330) . (2) في سنن أبي داود: " باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر ".

أبي شيبة/قال: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي- عليه السلام- في المُستحاضة: تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أَقرائِهَا، ثم تغتسل وتُصَفَي، والوُضوءُ عندَ كلِّ صَلاة. وزاد عثمانُ: وتصومُ وتصلي (1) . ش- شريك: النخعي، وأبو اليقظان: عثمان بن عمير. قوله: " تدع الصلاة " أي: تترك الصلاة أيام حيضها. والأقراء جمع " قرء "، وهي بمعنى الحيض، وفيه حجة لأبي حنيفة. قوله: " وزاد عثمان " هو ابن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان، وسألت محمداَ- يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمدٌ اسمَه. وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به. انتهى. وقد قيل: إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي. قال الدارقطني: ولا يصح من هذا كله شيء. وقال أبو نعيم: وقال غير يحيى اسمه قيس الخطمي، وقيل: لا يعلم مَن جده. قلت: ذكر ابن حبان في " الثقات " أن ثابتاً (2) هو ابن عبيد بن عازب ابن أخي البراء بن عازب، وقد ذكرناه. وقال الشيخ زكي الدين: وشريك تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه. قلت: قد تقدم أن ابن معين قال: شريك صدوق ثقة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة. وأما أبو اليقظان فقد أخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (126) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام إقرائها قبل أن يستمر بها الدم (625) . (2) في الأصل: " ثابت ".

282- ص- حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبيِّ- عليه السلام- فذكر خَبَرَها- قال: " ثم اغتسلي وصَلِّي وتوضّئِي. (1) لكلِّ صلاة وَصَلِّي " (2) . ش- عروة هذا قيل: عروة المزني. وقيل: عروة بن الزبير. قوله: " وتوضئي لكل صلاة " أي: لوقت كل صلاة، واللام للتوقيت كما في قوله تعالى: (أَقِم الصلاة لِدُلُوك الشمسِ) (3) ، وبه أخذ أبو حنيفة أن المستحاضة ومَن بمعناها يتوضؤوَن لوقت كل صلاة، فيصلون به في ذلك الوقت ما شاؤا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: يتوضؤون لكل فرض على حدته، ولهم أن يصلوا النوافل كلها تبعاً. وقال مالك: لا يجب الوضوء، وإنما هو مستحب لكل صلاة. 283- ص- حدَّثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي قال: نا يزيد، عن أيوب بن أبي مسكين، عن حجاج، عن أم كلثوم، عن عائشةَ في المستحاضة: تغتسلُ مرة واحدة، ثم تَوضأ إلى أيام أقرائِهَا (4) . ش- أحمد بن سنان بن أسد بن حبان- بكسر الحاء- أبو جعفر القطان الواسطي. سمع: يحيى القطَان، ووكيعاً، وأبا معاوية، وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال أبو حاتم: هو ثقة صدوق. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين. ويزيد بن هارون الواسطي.

_ (1) في سنن أبي داود: " ثم اغتسلي، ثم توضئي ". (2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم (624) . (3) سورة الإسراء: (78) . (4) تفرد به أبو داود.

وأيوب بن أبي مسكين القصاب، ويقال: أيوب بن مسكين أبو العلاء الواسطي التميمي. روى عن: قتادة، وعبد الله بن شبرمة، ويحيى بن دينار. روى عنه: هشيم، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد. قال أحمد بن صالح: رجل صالح ثقة. وقال ابن حنبل: لا بأس به.؛ لأن أحاديثه ليست بالمناكير، وهو ممن يكتب حديثه 0 روى له: أبو داود، والترمذي. وحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل بن كعب بن سلامان الكوفي، أبو أرطأة النخعي. سمع من الشعبي حديثاً واحداً، وسمع عطاء، والزهري، وقتادة، وجماعة آخرين. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: صدوق مدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه. وقال ابن معين: صدوق وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوي. مات بخراسان مع المهدي، وقيل: بالريّ. روى له مسلم مقروناً بعبد الملك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وأم كلثوم الليثية، أو المكية، روت عن عائشة، روى عنها عبد الله بن عبيد بن عمير، روى لها: أبو داود، والترمذي. قوله: " ثم توضأ " أي: تتوضأ، حذفت إحدى التائين. 284- ص- وحدَثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: نا يزيد، عن أيوب أبي العلاء، عن ابن شبرمة، عن امرأة مسروق، عن عائشةَ، عن النبي - عليه السلام- مثله (1) . ش- ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان بن المنذر الكوفي الضبي، فقيه أهل الكوفة، عداده في التابعين، وهو عم عمارة ابن القعقاع وعمارة أكبر منه. روى عن: الشعبي، وابن سيرين، وأبي زرعة، وغير هم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وجماعة آخرون. قال الثوري: ثقة. وقال أبو حاتم: كوفي ثقة. مات سنة

_ (1) تفرد به أبو داود.

/أربع وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وامرأة مسروق هي قَمير، وقد ذُكرت. قوله: " مثله " أي: مثل الحديث الماضي، ولكن كان ذاك موقوفاً وهذا مرفوع. ص- قال أبو داود: وحديثُ عديِّ بنِ ثابتٍ والأعمش عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها ضعيفة، لا يصح منها شيءٌ ش- حديث عدي الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وحديث الأعمش، أخرجه وكيع، وحديث أيوب بن أبي مسكين الذي أخرجه أحمد بن سنان. ص- ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديثُ، أوقفه حفصُ بن غياث عن الأعمش، وَأنكر حفصُ بن غياث أن يكونَ حديثُ حبيب مرفوعاً، وأوقفه أيضا أسباط عن الأعمشِ موقوفاً على عائشة ورواه ابنُ داوَد عن الأعمشِ مرفوعاً أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء، ودل على ضعف حديث حبيب هذا أن روايةَ الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: " فكانت تغتسَلُ لكل صلاةٍ " في حديث المستحاضة. ش- أشار بهذا الكلام إلى تضعيف حديث الأعمش. الحاصل في بيان ضعف حديث الأعمش: أن حفص بن غياث أنكر أن يكون هذا الحديث مرفوعاً وأوقفه عن الأعمش على عائشة، وكذلك أوقفه أسباط عن الأعمش على عائشة، ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعاً إلى النبي- عليه السلام- أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء، فيكون معلولاً من جهة المتن ومن جهة الإسناد، وكذا علله البيهقي. قلت: إن كان حفص وأسباط روياه موقوفاً على عائشة، فكذلك رواه وكيع، وسعيد بن محمد الوراق، وعبد الله بن نمير، والجُريري مرفوعاً، فتُرجح رواياتهم؛ لأنها زيادة ثقة، ولأنهم أكثر عدداً، ومثل هذا ذكر

الدارقطني، وتُحمل رواية من أوقفه على عائشة أنها سمعته من النبي - عليه السلام-، فروته مرة، وأفتت به مرهَ أخرى. قوله: " ودل على ضعف حديث حبيب ... " إلى آخره. دليل آخر على تضعيفه، وكذا علل البيهقي في تضعيفه. قلنا: هذا لا يدل على ضعف حديث حبيب؛ لأن الاغتسال لكل صلاة في رواية الزهري مضاف إلى فعلها، ويحتمل أن يكون اختياراَ منها، والوضوء لكل صلاة في حديث حبيب مروي عنه- عليه السلام-، ومضاف إليه وإلى أمره. وحفص بن غياث بن طلق النخعي، وقد ذكر. وأسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي أبو محمد الكوفي. سمع: أبا إسحاق الشيباني، والأعمش، وعمرو ابن قيس الملائي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وقتيبة، وابن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. توفي بالكوفة في المحرم سنة مائتين. روى له الجماعة. وابن داود هو: عبد الله بن داود الخُرَيبي أبو محمد البصري، وقد ذكرناه. قوله: " فكانت تغتسل " أي: قالت عائشة: فكانت المستحاضة تغتسل لوقت كل صلاة، واللام للتوقيت. ص- وروى أبو اليقظان، عن عدي، عن أبيه، عن علي وعمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس. ش- أبو اليقظان: عثمان بن عمير، وعمار بن أبي عمار الهاشمي. والمعنى: أن حديث حبيب هذا رواه عدي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- موقوفاً، ورواه عمار، عن ابن عباس أيضاً موقوفاً.

ص- وروى عبد الملك بن ميسرة، وبيان، والمغيرة، وفراس، ومجالد، عن الشعبي حديث قَمِير، عن عائشةَ: توضئِي لكل صلاةٍ. ش- عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي أبو زيد الزراد. سمع: عبد الله بن عمر، والنزال بن سبرة، وزيد بن وهب، وجماعة آخرين. روى عنه: الأعمش، ومسعر، وشعبة، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي في زمن خالد بن عبد الله. روى له الجماعة. وبيان بن بشر الأحمسي البجلي أبو بشر الكوفي المعلم. سمع: أنس ابن مالك، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وجماعة آخرون. قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة. والمغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي الكوفي. سمع: أبا وائل، والشعبي، والنخعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة مأمون، وكان أعمى. توفي سنة/ست وثلاثين ومائة. وفراس بن يحيى الهمداني أبو يحيى الكوفي المكتب. روى عن: الشعبي، وأبي صالح السمان، وعطية بن سعد. روى عنه: الثوري، وسعيد، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك النخعي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ، ما بحديثه بأس. روى له الجماعة. ومجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمير الكوفي. روى عن: قيس بن أبي حازم، والشعبي، ومرة الهمداني، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ضعيف الحديث، واهي الحديث. وقال ابن حنبل: ليس بشيء. مات سنة أربع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري. ص- ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قَمير، عن عائشةَ: تغتسلُ لكلِّ يومٍ مرةً.

103- باب: من قال المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر

ش- " رواية " مبتدأ، وخبره: قوله: " تغتسل لكل يوم مرة "، وسيجيء أنه في حديث عاصم: " تغتسل عند الظهر "، ويكون اغتسالها في كل يوم مرة واحدة، ولكن عند الظهر. وداود هو ابن أبي هند البصري، وعاصم بن سليمان الأحول، والشعبي هو عامر، وقمير امرأة مسروق، وعائشة الصِّدَيقة- رضي الله عنها-. ص- وروى هشام بن عروة، عن أبيه: أن المستحاضةَ توضأ لكل صلاةٍ. ش- " توضأ " بالرفع، وأصله تتوضأ، وقد مر غير مرة. ص- وهذه الأحاديث كلها ضعيفة، إلا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه. ش- هذه إشارة إلى الأحاديث التي تقدمت، التي فيها ذكر الوضوء. ص- والمعروف عن ابن عباس الغسل. ش- يعني رواية الغسل عن ابن عباس هي المعروفة دون رواية الوضوء، فافهم. 103- باب: من قال المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر. 285- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُمي مولى أبي بكر، عن القعقاع، وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تَغتسلُ المستحاضةُ؟ قال: تَغتسلُ من طهر إلى طهر، وتوضأ لكل صلاة، فإن غَلَبَهَا الدمُ استثفَرت بثوبٍ (1) . "

_ (1) تفرد به أبو داود.

ش- الضمير المرفوع في " أرسلاه " يرجع إلى القعقاع بن حكيم وزيد ابن أسلم مولى عمر [بن] الخطاب، والضمير المنصوب يرجع إلى سُمي مولى أبي بكر الصِّدِّيق. قوله: " من طهر إلى طهر " بالطاء المهملة فيهما، والمعنى: من وقت انقطاع دم الحيض. وقال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب " من ظهر إلى ظهر ". يعني: أظنه بالظاء المعجمة، إنما هو " من طهر إلى طهر " بالطاء المهملة، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس: " من ظهر إلى ظهر ". وقال الخطابي (1) : لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الظهر، ولا أعلمه قولاً لأحد من الفقهاء، وإنما هو من طهر إلى طهر- يعني: بالمهملة فيهما- وهو وقت انقطاع دم الحيض، وقد يجيء ما رُوي من الاغتسال من ظهر إلى ظهر بالمعجمة فيهما في بعض الأحوال لبعض النساء، وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام التي كانت عادتها، ونسيت الوقت أيضاً، إلا أنها تعلم أنها كل ما انقطع دمها في أيام العادة كان وقت الظهر، فهذه يلزمها أن تغتسل عند كل ظهر، وتتوضأ لكل صلاة ما بينها وبين الظهر من اليوم الثاني، فقد يحتمل أن يكون سعيد بن المسيب إنما سئل عن امرأة هذه حالها، فنقل الراوي الجواب، ولم ينقل السؤال على التفصيل. قوله: " وتوضأ " أصلها: تتوضأ، وقد مر مثله غير مرة. ومعنى " استثفرت بثوب " شدّت فرجها بثوب، وقد مر على التفصيل. ص- قال أبو داود: ورُوي عن ابن عمر، وأنس بن مالك: تغتسلُ من طُهرٍ إلى طُهر، وكذلك رواه داود، وعاصم، عن الشعبي، عن امرأته، عن قمير، عن عائشة، إلا أن داود قال: كل يومٍ. وفي حديث عاصم قال: عندَ الَطهرِ، وهو قول سالم بن عبد الله، والحسن، وعطاء.

_ (1) معالم السنن (1/79- 80) .

104- باب: من قال: تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل: عند الطهر

ش- داود هو ابن أبي هند/البصري، وقد ذكر، وعاصم هو أبن سليمان الأحول البصري، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني. *** 104- باب: من قال: تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل: عند الطهر أي: هذا باب في بيان قول من قال: تغتسل المستحاضة كل يوم مرة واحدة. 286- ص- حدَّثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الله بن نُمير، عن محمد ابن أبي إسماعيل، عن معقل الخثعمي، عن عليّ قال: المستحاضةُ إذا انقضَى حيضُها اغتسلت كلَّ يومٍ، واتخذت صُوفةً فيها سمن أو زيتٌ (1) . ش- عبد الله بن نمير أبو هشام الكوفي. ومحمد بن أبي إسماعيل، واسم أبي إسماعيل راشد الكوفي أخو إسماعيل وعمرو. روى عن: الشعبي، وأبي الضحى مسلم بن صبيح، وعبد الرحمن بن هلال. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي. ومعقل الخثعمي- بالعين المهملة، ثم القاف- قد ذُكر. وإنما أمر علي- رضي الله عنه- بالاغتسال كل يوم لأجل الاحتياط، وأما الصوفة التي فيها السمن أو الزيت فإنها مما يدفع الدم وينشفه. *** 105- باب: من قال: تغتسل في الأيام أي: هذا باب في بيان قول من قال: تغتسل المستحاضة في الأيام. 287- ص- حدَثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا عبد العزيز- يعني: ابن

_ (1) تفرد به أبو داود.

محمد-، عن محمد بن عثمان، أنه سأل القاسم عن المستحاضة قال: تَدعُ الصلاة أيامَ أَقرائهَا، ثم تغتسلُ فَتصلِّي، ثم تغتسل في الأيامِ (1) . ش- عبد العزيز بن محمد الدراوردي. ومحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع القرشي المخزومي المدني. سمع: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وجده عبد الرحمن، وابن أبي سندر. روى عنه: عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، وحاتم بن إسماعيل، وصفوان بن عيسى. قال أحمد: هو ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ مدني محله الصدق. روى له أبو داود. قوله: " أيام أقرائها " أي: أيام حيضها. قوله: " ثم تغتسل في الأيام " معناه: كل يوم، وحكم هذا الباب والذي قبله في المعنى على السواء، فافهم. ص- قال أبو داود: ورواه المسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن ابن يربوع قال: إنما هو " من طَهر إلى طهر " فقلبها الناس " من ظهر إلى ظهر ". قال مالك: إني لأظن حديث سعيد بن المسيب " بن طُهر إلى طُهر " إنما هو " من ظهر إلى ظهر "، ولكن الوهم دخل فيه فقلبها الناس فقالوا ": من طُهر إلى طُهر. ش- أي: روى هذا الحديث المسور ولكن قال: إنما هو من طهر إلى طهر بالمهملة فيهما. قوله: " فقلبها الناس " أي: صحفوها وجعلوها من ظهر إلى ظهر بالمعجمة فيهما، وقد مر الكلام فيه.

_ (1) تفرد به أبو داود.

106- باب: فيمن قال: توضأ لكل صلاة

106- باب: فيمن قال: توضأ لكل صلاة أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. 88 2- ص- حدَّثنا ابن المثنى فال: نا ابن أبي عدي، عن محمد- يعني: ابن عمرو- قال: نا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تُستحاضُ، فقالَ لها النبيُ- عليه السلام-: " إذا كان دَمُ الحَيضِ فإنه دَمٌ أسودُ يُعرفُ، فإذا كان ذلك فاع مسكِي عن الصلاة، فإذا كان الآخرُ فتوضَّئِي وصَلي " (1) . ش- ابن المثنى هو محمد بن المثنى، وابن أبي عدي هو محمد بن أبي عدي، ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي. قوله: " تُستحاض " على صيغة المجهول. قوله: " فإذا كان الآخر " أي: غير الا سود، وهو يشمل سائر الألوان غير الأسود، وقد مضى الكلام فيه عندما تقدم الحديث. ص- قال أبو داود: قال ابن المثنى: ونا به ابن أبي عدي حفظاً فقال: عن عروةَ، عن عائشة أن فاطمةَ. قال أبو داود: روي عن العلاء بن المسيب، وشعبة، عن الحكم، عن أبي جعفر، قال العلاء: عن النبي- عليه السلام- وأوقفه شعبة على أبي جعفر: توضئي لكل صلاة. ش- " حفظاً " نصب على التمييز. وقد تقدم هذا مرة من أن ابن أبي عدي قد حدث بهذا ابن المثنى عن كتابه مرة، وعن حفظه أخرى. والعلاء بن المسيب/بن رافع الكوفي، والحكم بن عُتَيبة، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وقد ذكر غير مرة.

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (1/116) ، و (1/121، 123، 181، 183، 185) ، وكتاب الطلاق (6/211) ، وتقدم برقم (264) .

107- باب: فيمن لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث

107- باب: فيمن لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث أي: هذا باب في بيان قول من لم يذكر الوضوء للمستحاضة إلا عند الحدث. 289- ص- حدَّثنا زِياد بن أيوب قال: نا هشيم. قال: أنا أبو بشر، عن عكرمة: أن أم حبيبةَ بنت جحش استحيضت فأمَرَهَا النبيُ- عليه السلام- أن تَنتَظرَ أيامَ أقرائهَا، ثم تغتسلُ وتُصَلَي، فإن رَأت شيئاً من ذلك تَوضأت وَصَلَت (1) . ش- زياد بن أيوب البغدادي، وهشيم بن بشير، وأبو بشر جعفر بن إياس الواسطي. قوله: " أيام أقرائها " أي: أيام حيضها، فإذا خرجت أيام حيضها تغتسل وتصلي، فإن رأت بعد ذلك شيئاً توضأت وصلت، ولا يُنتقضُ وضؤوها إلا بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ينتقض بالدخول أيضا، وقال زفر: ينتقض بالدخول والخروج، وهو مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه، وقد عرف في الفروع، وهذا الحديث مرسل. ص- قال أبو داود: وهو قولُ مالكِ وربيعةَ. ش- أي: المذكور من الحكم هو قول مالك وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني القرشي. وقال الخطابي: الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وذلك أن قوله: " فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت " يوجب عليها الوضوء ما لم تتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها، وذلك لأنها لا تزال ترى شيئاً من ذلك أبدا إلا أن تنقطع عنها العلة، وقد يحتمل أن يكون قوله: " فإن رأت " بمعنى: فإن علمت شيئاً من ذلك، ورؤية الدم لا تدوم أبداً، وقال أهل التفسير في قوله تعالى: (وَأرِنَا

_ (1) النسائي: كتاب الحيض، باب: ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره (1/181) .

108- باب: المرأة ترى الكدرة والصفرة

مَنَاسكَنَا) (1) معناه: علمنا، وقول ربيعة شاذ وليس العمل عليه، وهذا الحدَيث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش. قلت: كلام الخطابي ليس عن تروّ؛ لأن معنى قوله: " توضأت وصلت " يوجب عليها الوضوء بعد انقطاع أيام عادتها عند كل وقت، سواء تيقنت زوال تلك العلة أو لا، وقوله: " قول ربيعة شاذ " غير صحيح؛ لأن مذهب ربيعة أنه لا يرى عليها وضوءاَ عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث هو عين مذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ لأن أبا حنيفة أيضاً لا يرى عليها الوضوء عند كل صلاة، وإنما يرى عليها الوضوء عند كل وقت صلاة، فإذا خرج الوقت بطل وضوؤها كما ذكرنا. 290- ص- ثنا عبد الملك بن شعيب قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: حدَّثني الليث، عن ربيعة، أنه كان لا يَرَى على المُستَحَاضَة وُضوءا عندَ كلِّ صلاةِ إلا أن يُصِيبَهَا حَدَثٌ غيرُ الدَّم، فَتَوَضأ (2) . ش- عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصري، أبو عبد الله الفهمي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن وهب. روى عنه: أبو حاتم وقال: صدوق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. قوله: " حدث غير الدم " مثل خروج الريح والغائط والبول ونحوها. *** 108- باب: المرأة ترى الكدرة والصفرة أي: هذا باب في بيان المرأة التي ترى الكدرة والصفرة. 291- ص- حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن قتادة، عن أم الهذيل، عن أم عطية- وكانت بَايعت النبيَّ- عليه السلام- قالت: كُنَّا لا نَعُدُّ الكُدرةَ والصُّفرَةَ بعدَ الطُّهرِ شيئاً (3) .

_ (1) سورة البقرة: (128) . (2) تفرد به أبو داود. (3) البخاري: كتاب الحيض، باب: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض (326) = 7* شرح سنن أبى داوود 2

ش- حماد بن سلمة. وأم الهذيل: حفصة بنت سيرين الأنصارية البصرية، أخت محمد وإخوته. سمعت: أنس بن مالك، وأم عطية الأنصارية. روى عنها: محمد وإخوته، [وأيوب] السختياني، وعاصم الأحول، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء. روى لها الجماعة. قال ابن معين: ثقة حجة. وقال أحمد بن عبد الله: هي ثقة. وأم عطية قال أحمد: اسمها نسيبة وقال غيره: نُسَيبة بنت كعب. ويقال: بنت الحارث الأنصارية. رُوي لها عن رسول الله أربعون حديثاً، اتفقا على ستة، وللبخاري حديث، ولمسلم آخر. روى عنها: ابن سيرين، وأخته حفصة. روى لها الجماعة. نزلت البصرة وسكنتها. قوله: " كنا لا نعد الكدرة والصفرة " الكُدرة: اسم الكَدَر، والكُدُورة: من كدر الماء بالضم يكدر، وجاء كَدِرَ يكدَر مثل عَلمَ يعلَم، والكدر خلاف الصفو، يقال فيه: مثل فخِذ وفَخذ، والصفرة: لون الأصفر، وقد اصفر الشيء واصفار، وصفَّره غيره، واختلف الناس في الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء، فروي عن عليّ- رضي الله عنه- /أنه قال: ليس ذلك بحيض، ولا يترك لها الصلاة، ولتتوضأ ولتصل، وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي. وقال سعيد بن المسيب: إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت، وبه قال أحمد بن حنبل. وعن أبي حنيفة: إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة أو الكدرة يوماً أو يومين ما لم تجاوز العشرة فهو من حيضها، ولا تطهر حتى ترى البياض خالصاً. واختلف قول أصحاب الشافعي في هذا، فالمشهور من مذهب أصحابه أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة

_ النسائي: كتاب الحيض، باب: الصفرة والكدرة (1/186) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الكدرة والصفرة (647) .

عشر يوماً فإنها حيض. وقال بعضهم: إذا رأتها في أيام العادة كانت حيضاً، ولا يعتبر بها فيما جاوزها، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم صفرة أو كدرة فإنهما لا يعدان في قول أكثر الفقهاء حيضا، وهو قول عائشة، وعطاء. وقال بعض أصحاب الشافعي: حكم المبتدأة بالصفرة والكدرة حكم الحيض، وحجة أصحابنا ما رواه مالك. وعند محمد بن الحسن في موطئهما، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القَصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة. ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " (: أخبرنا معمر، عن علقمة بن أبي علقمة به سواء. وأخرجه البخاري في " صحيحه " تعليقاً ولفظه: قال: وكن النساء يبعثن إلى عائشة بالكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. وفي " المصنف " (1) : ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات أبيها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصاً. والقَصّةُ- بالقاف المفتوحة، وتشديد الصاد المهملة- هي الجص. وقول عائشة أقوى من قول أم عطية؛ لأنها أعلم وأدرى وأقرب إلى الرسول- عليه السلام-، وحديث أم عطية أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه، ولكن ليس فيه " بعد الطهر ". فإن قيل: ما حكم الخُضرة؟ قلت: الصحيح إن كانت المرأة من ذوات الأقراء تكون حيضاً، ويحمل على فساد الغذاء، وإن كانت كبيرة لا ترى غير الخضرة يحمل على فساد المنبت فلا يكون حيضاً.

_ (1) ابن أبي شيبة (1/94) .

109- باب: المستحاضة يغشاها زوجها

292- ص- حدَّثنا مسدد قال: نا إسماعيل قال: أنا أيوب، عن محمد ابن سيرين، عن أم عطية بمثله. قال أبو داود: أم الهذيل هي حفصة، كان ابنها اسمه هذيل، واسم زوجها عبد الرحمن (1) . ش- إسماعيل ابن علية، وأيوب السختياني. أشار بهذا أبو داود إلى طريقة أخرى في التخريج. 109- باب: المستحاضة يغشاها زوجها أي: هذا باب في بيان حكم المستحاضة التي يقربها زوجها. 293- ص- حدَثنا إبراهيم بن خالد قال: نا مُعلى- يعني: ابن منصور- عن عليّ بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال: كانت أمُّ حبيبةَ تُستحاضُ، وكان زوجُها يَغشَاهَا (2) . ش- إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي. ومُعلى بن منصور أبو يعلى الرازي، سكن بغداد. روى عن: مالك ابن أنس، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وأبي يوسف القاضي، وغيرهم. روى عنه: زهير بن حرب، وأبو قدامة السرخسي، وأبو ثور، والبخاري في غير " الجامع "، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين وثلاثة. وفي لفظ: كان يكتب الشُّرُوطَ، ومن كتبها لم يَخلُ [من] أن يكذب. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة، صاحب سُنَة. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان صدوقاً، صاحب حديث ورأي وفقه.

_ (1) البخاري: كتاب الحيض، باب: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض (326) ، النسائي: كتاب الحيض، باب: الصفرة والكدرة (1/186) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة (647،. (2) تفرد به أبو داود

توفي سنة إحدى عشرة ومائتين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه 0 وعلي بن مسهر أبو الحسن الكوفي القرشي، قاضي الموصل، أخو عبد الرحمن. سمع: إسماعيل بن أبي خالد، وأبا إسحاق الشيباني وبشيراً، وابن جريج، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الحسن بن الربيع، وبشير بن آدم، وزكريا بن عدي/، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. مات سنة تسع وثمانين ومائة. روى له الجماعة. والشيباني هو أبو إسحاق. قوله: " وكان زوجها يغشاها " من غشيها غشياناً، إذا جامعها. واعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عند الجمهور، وهو المنقول عن: ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، ومالك، والشافعي. قال ابن المنذر: وبه أقول. وعن عائشة: إنما (1) لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعي والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن تطول. وفي رواية: إلا أن يخاف زوجها العنت. واستدلت الجمهور بهذا الحديث، وإسناده حسن، ورواه البيهقي أيضاً وغيرهما. 294- ص- نا أحمد بن [أبي] سُريج الرازي قال: أخبرني عبد الله بن الجهم قال: نا عمرو- يعني: ابن أبي قيس- عن عكرمة، عن حمنة بنت جحش: أنها كانت مُستحاضة، وكان زوجُها يُجَامعُهَا (2) . ش- أحمد بن أبي سُريج- بالسين المهملةَ والجيم- وهو أحمد بن الصباح النهشلي أبو جعفر الدارمي الرازي، يعد في البغداديين. سمع: إسماعيل ابن علية، ووكيعاً، ومروان بن معاوية، وغيرهم. روى عنه:

_ (1) كذا. (2) تفرد به أبو داود.

110- باب: وقت النفساء

أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وعبد الله بن جهم أبو عبد الرحمن الرازي. روى عن: عمرو بن أبي قيس، وزكريا بن ملازم، وعكرمة بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن أبي سريج، ويوسف بن موسى، ونوح بن أنس، وغيرهم. قال أبو زرعة: كان صدوقاً، رأيته ولم أكتب عنه. روى له أبو داود. وعمرو بن أبي قيس الرازي كوفي، نزل الري. روى عن: عاصم بن بهدلة، وسماك بن حرب، ومحمد بن المنكدر، وأيوب السختياني، وغيرهم. روى عنه: إسحاق بن سليمان، ومحمد بن سعيد، والسندي ابن عبدون، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الشيخ زكي الدين: في سماع عكرمة عن أم حبيبة وحمنة نظر، وليس فيهما ما يدل على سماعه منهما، والله أعلم. *** 110- باب: وقت النفساء أي: هذا باب في بيان وقت النفساء، يقال: امرأة نفساء، إذا ولدت، وجمعها " نفساوات " مثل عشراء تجمع على " عشراوات "، وامرأتان نفساوان، أبدلوا من همزة التأنيث واواَ، وقد نفست المرأة بالكسر، ويقال أيضاً: نُفسَت المرأةُ غلاماً على ما لم يسم فاَعله، والولد منفوس والنفاس ولادة الَمرأةَ. وقالت الفقهاء: النفاس: دم يعقب الولد، وفي " المغرب ": والنفاس أيضاً جمع " نفساء ". 295- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا علىّ بن عبد الأعلى، عن أبي سَهل، عن مسة، عن أم سلمة: كانتِ النفساء على عهد رسول الله- عليه السلام- تقعد بعدَ نفَاسهَا أربعين يوماً أو أربعين ليلة وكما نُطلِي على وجوهِنَا الوَرسَ، تعني: من اَلكَلَفِ (1) .

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء كم تمكث النفساء (139) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النفساء كم تجلس (648) .

ش- أحمد بن يونس بن زهير الضبي، وزهير بن معاوية. وعلي بن عبد الأعلى الأحول أبو الحسن الكوفي الثعلبي. روى عن: أبيه، وأبي سَهل، والحكم بن عتيبة. روى عنه: شجاع بن الوليد، وزهير بن معاوية، وعمرو بن أبي قيس، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وقال البخاري: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وأبو سهل: كثير بن زياد البُرساني الأزدي، بصري الأصل، سكن بلخ. سمع: الحسن البصري، وأبا سمية، ومُسّة. روى عنه: غالب ابن سليمان، وحماد بن زيد، وعمر بر الرماح، وجماعة آخرون 0 قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. ومُسّة الأزدية: أم بُسَّة، روت عن: أم سلمة أم المؤمنين. روى عنها: كثير بن زياد. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه. قوله: " بعد نفاسها " أي: بعد ولادتها. قوله: " وكنا نطلي " من طليت الشيء بالدهن وغيره طلياً، وتطليت به، وأطليت به. و" الوَرس " بفتح الواو وسكون الراء، وفي آخره سين مهملة: نبت يكون باليمن،/يخرج على الرَّمث بين الشتاء والصيف، والرمث - بكسر الراء، وسكون الميم، وبعدها ثاء مثلثة-: مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحَمض، وأورس الرّمثُ أي: اصفر ورقه بعد الإدراك، فصار عليه مثل المُلاء الضُفر، والحمض ماء ملح وأمر من النبات. وقال الجوهري: الوَرس نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغُمرة للوجه، تقول فيه: أورس المكان فهو وارس، ولا يقال: مورس، وهو من

النوادر. وقال ابن الأثير: الوَرسُ: نبت أصفر يُصبغ به. قلت: وفي البلاد الشمالية يصبغون به الأقراص والخشلنانج. قوله: " من الكَلَف " الكلف: شيء يعلو الوجه كالسمسم، وهو لون بين السواد والحمرة، وهي حمرة كدرة تعلو الوجه، وهو بفتح الكاف واللام. وبهذا الحديث تمسك أصحابنا في أكثر النفاس أربعون يوماً، وهو قول أكثر أهل العلم، وقد رُوي ذلك عن: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس بن مالك، وهو قول سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس. ورُوي عن الشعبي وعطاء أنهما جعلا النفاس أقصاه شهرين، وإليه ذهب الشافعي. وحكي عن مالك أنه كان يقول به في الأول ثم رجع عنه، وقال: تسأل النساء عن ذلك، ولم يحد فيه حدا. ومما احتج به أصحابنا على مخالفيهم: ما رواه ابن ماجه بإسناده إلى أنس: أن رسول الله- عليه السلام- وَقَّت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. ورواه الدارقطني في " سننه "، وما رواه الحاكم في " مستدركه " بإسناده إلى عثمان بن أبي العاص قال: وَقتَ رسول الله للنفساء أربعين يوماً. ورواه الدارقطني في " سننه "، وما رواه الطبراني في " معجمه الوسط " بإسناده إلى جابر قال: وَقَّت للنفساء أربعين يوماً دماً. أخرجه ابن عدي في " الكامل " بإسناده إلى أبي الدرداء وأبي هريرة قالا: قال رسول الله: " تنتظر النفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة ". وحديث مُسة أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسة الأزدية. وقال الخطابي: وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل. ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال (حديث صحيح الإسناد ولم

يخرجاه. ورواه الدارقطني والبيهقي في " سننهما "، وقال عبد الحق في " أحكامه ": أحاديث هذا الباب معلولة وأحسنها حديث مُسة الأزدية. ولا يلتفت في ذلك إلى كلام ابن القطان حيث قال: وحديث مُسة معلول؛ لأن مُسة لا يعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث. ولا إلى كلام ابن حبان في كتاب " الضعفاء " أن كثير بن زياد يروي الأشياء المقلوبات، فاستحق مجانبة ما انفرد به من الروايات لأن البخاري أثنى على هذا الحديث وقال: مُسة هذه أزدية، وكثير بن زياد ثقة، وكذا قال ابن معين: ثقة. كما مر. 296- ص- حدثنا الحسن بن يحيى قال: نا محمد بن حاتم قال: نا عبد الله بن المبارك، عن يوِنس بن نافع، عن كثير بن زياد أبي سهل قال: حدثتني الأزِدية قالت: حَججتُ فدخلتُ على أمِّ سلمةَ فقلتُ: يا أم المؤمنين إن سَمُرةَ بن جُندب يأمرُ النِّساءَ يقضينَ صلاةَ المَحيضِ، فقالت: لا تَقضينَ، كانت المرأةُ من نساًء النبيِّ- عليه الَسلام- تقعدُ في النفاس أربعين ليلَةً لا يأمرُها النبيُّ- عليه الَسلام- بقضاءِ صلاةِ النفاسِ (1) . ش- الحسن بن يحيى الرُّزِّي روى عن: عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن حاتم الجرجرائي، ومحمد بن بلال. روى عنه: أبو داود، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن عمرو البزار، وغيرهم. ومحمد بن حاتم بن يونس الجرجرائي المعروف بحبي- بكسر الحاء المهملة وبعدها باء موحدة- روى عن: عبد الله بن المبارَك. روى عنه: أبو داود، وجعفر ابن محمد القطان 0 قال أبو حاتم: وكان صدوقاً، وروى النسائي عن رجل عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائتين. /ويونس بن نافع الخراساني أبو غانم. روى عن: عمرو بن دينار، وأبي سهل كثير بن زياد. روى عنه: ابن المبارك، ويحيى بن واضح، ومعاذ بن أسد، وعتبة بن عبد الله المروزي. روى له: أبو داود، والنسائي.

_ (1) تفرد به أبو داود.

111- باب: الاغتسال من المحيض

وهذا الحديث حُجة أيضاً لأصحابنا على مخالفيهم، وقال ابن القطان في " كتابه ": أزواج النبي- عليه السلام- لم يكن منهن نفساء معه إلا خديجة، ونكاحها كان قبل الهجرة، فلا معنى لقولها: " كانت المرأة " إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بنات وقريبات وسريته مارية. - ص- قال محمد بن حاتم: واسمها مُسة، وتكنى أم بَسةَ. ش- محمد بن حاتم المذكور. قوله: " واسمها " أي: اسم الأزدية " مُسة " بضم الميم، وتكنى: أم بَسة بفتح الباء الموحدة. 111- باب: الاغتسال من المحيض أي: هذا باب في بيان اغتسال الحائض من المحيض، أي: الحيض. 297- ص- حدَثنا محمد بن عمرو الرازي قال: نا سلمة- يعني: ابن الفضل- قال: حدَثني محمد- يعني: ابن إسحاق- عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأة من غفار وقد سماها لي قالت: فأردفني النبيُّ- عليه السلام- على حَقِيبةِ رَحله. قالت: فوالله لَنَزَلَ (1) رسولُ الله إلى الصبح فأناخ، ونزلتُ عن حَقيبةَ رَحله، فإذا بهاَ دَمٌ منَي، وكانت أول حَيضةٍ حِضتُها، قالت: فتقبضت إلَى النَاقَة واستَحيَيتُ، فلما رأى رسولُ الله ما بي، ورأى الدمَ قال: " مَا لك؟ لَعَلَكَ نُفستِ " قلت: نعم. قال: " فَأَصلحِي من نفسك، ثم خُذِي إناءً مَن ماء فاطَرَحَي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبةَ منَ الَدم، ثم عُودي لمَركَبِك ". قالت: فلمَا فَتحَ رسولُ اللهِ خيبرَ رضَخَ لنا من الفَيءِ. قال: َ وكانت لاَ تَطهرُ من حَيضَة إلا جعلت في طُهورِهَا مِلحاً، وأوصت به أن يُجعلَ في غُسلِهَا حين مَاتَت (2) . ش- محمد بن عمرو بن بكر بن سالم، وقيل: بكر بن مالك بن

_ (1) في سنن أبي داود: " لم يزل ". (2) تفرد به أبو داود.

الحُباب الطّلاس العدوي عدي تميم الرازي التميمي أبو غسان المعروف بزُنَيج صاحب الطيالسة. سمع: جرير بن عبد الحميد، وعبد الرحمن ابن مغراء (1) الدوسي، وجابر بن إسماعيل، وسلمة بن. الفضل، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. مات سنة أربع ومائتين. وسلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الأزرق الرازي، قاضي الري. سمع: أيمن بن نابل (2) ، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راشد، وغيرهم. روى عنه: يوسف بن موسى القطان، ويحيى بن معين، ومحمد بن عيسى الدامغاني، وغيرهم. قال ابن معين: وكان يتشيع وكتبت عنه، وليس به بأس. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، ليس بالقوي، لا يمكن أن أطلق لساني فيه بأكثر من هذا، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال محمد ابن سعد: كان ثقة صدوقاً، وهو صاحب مغازي محمد بن إسحاق. وتوفي بالري، وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة (3) [مات] بعد التسعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، ومحمد بن إسحاق بن يسار. وسليمان بن سُحَيم- بضم السين، وفتح الحاء المهملتين- أبو أيوب المدني الخزاعي، مولى بني كعب من خزاعة. روى عن: إبراهيم بن عبد الله بن مَعبد بن عباس، وطلحة بن عبيد الله بن كَرِيز. روى عنه: ابن جريج، ومحمد بن إسحاق، وابن عيينة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. توفي في خلافة أبي جعفر المنصور. وقال ابن سَعد: وكان ثقة، له أحاديث. روى له الجماعة إلا الترمذي. وأُمَية بنت أبي الصلت- بضم الهمزة، وفتح الميم، وتشديد الياء آخر

_ (1) في الأصل: " مغر ". (2) في الأصل: " نايل ". (3) في تهذيب الكمال (11/309) : " مائة وعشر سنين "، وكذا في طبقات ابن سعد (7/381) .

الحروف- والصحيح أنها أمنة- بفتح الهمزة، وكسر الميم، وفتح النون- وهي أم سليمان بن سحيم المذكور. قوله: " من غفار " وفي بعض النسخ: " من بني غفار ". قوله: " على حقيبة رَحله " الحقيبة- بفتح الحاء وكسر القاف-: الوعاء الذي يجمع فيه الرجل متاعه، وتُشَدّ في مؤخَّر الرَّحل، وجمعها: حقائب، وحقب /مثل: سفينة، وسفائن، وسفن، والرَّحلُ: الذي يركب عليه على الإبل، وهو الكَور، وهو له كالسرج للفرس. قو له: " فأناخ " أي: راحلته. قوله: " فإذا بها " أي: بالحقيبة، وهي فاء المفاجأة، وارتفاع " دم " على أنه مبتدأ، وقوله: " بها " مقدماً خبره. وقوله: " مني " في محل الرفع على أنه صفة لقوله: " دم " ومتعلقه محذوف، أي: دم حاصل مني. قوله: " وكانت أول حيضة " الضمير الذي في " كانت " يرجع إلى الدم، والتأنيث باعتبار الحيضة، وانتصاب " أول " على أنه خبر " كانت ". قوله: " حِضتها " في محل الجر على أنه صفة " حيضة ". قوله: " فتقبضت إلى الناقة " أي: انزويت، وذلك لأجل استحيائها. قوله: " ما بي " أي: من التقبض والانزواء والاستحياء. قوله: " لعلك نُفست " بضم النون وكسر الفاء، بمعنى: حضتِ، وجاء فتح النون أيضاً، وقال ابن الأثير: يقال: نُفسَت المرأةَ- بضم النون وفتحها- فهي منفوسة، ونفساء إذا ولدت، فأَما الحيض فلا يقال فيه إلا نَفِسَت بالفتح. قوله: " فاطرحي فيه ملحاً " قيل: الملح المطعوم، أمرها به لأجل المبالغة ير التنقية، ويحوز أن يكون المراد: المِلح الذي يظهر في الأراضي السبخة والأحجار التي تملح، وهو غير المطعوم، وذلك لما فيه من قوة الجلاء والتنقية.

قوله: " فلما فتح رسول الله خيبر " وكان فتح خيبر في صفر في سنة سبع من الهجرة، وسميت خيبر باسم رجل من العماليق نزلها، وهو خيبر بن قانية بن مهلاسل، وبينها وبين المدينة ثمانية بُرد. قوله: " رضخ لنا من الفيء " الرضخ- بالضاد والخاء المعجمتين-: العطية القليلة، والفيء: الغنيمة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز إرداف الرجل المرأة على مركوبه. الثانية: جواز استعمال الملح في غسل الثوب، وتنقيته من الدم، وفي معناه سائر المطعومات حتى إنه يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوباً من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلاء والترمس ونحوهما من الأشياء التي لها قوة الجلاء، وعن يونس بن عبد الأعلى: دخلت الحمام بمصر فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة. وفي " المصنف ": حدثنا أبو بكر قال: نا أبو أسامة، عن مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأساً أن يغسل الرجل يده بشيء من الدقيق والسويق. حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن أبي معشر قال: أكلت مع إبراهيم سمكاً، فدعى لي بسويق فغسلت يدي. وحدثنا يزيد بن هارون، عن حبيب، عن عمرو بن هرم قال: سئل جابر بن زيد، عن الرجل يغسل يده بالدقيق والخبز من الغَمرِ فقال: لا بأس بذلك. وجاءت فيه الكراهة أيضاً، قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي، عن مبارك، عن الحسن أنه كان يكره أن يغسل يده بدقيق أو بطحين. الثالثة: وجوب غسل دم الاستحاضة. الرابعة: جواز الرضخ من الغنيمة للنساء ومَن في معناهن.

298- ص- حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا سَلام بن سُلَيم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشةَ قالت: دخلَت أسماء على رسول الله فقالت: يا رسولَ الله، كيف تَغتسِلُ إِحدَانا إذا طَهُرَت من المَحِيضِ؟ قَالَ: " تأخذُ سدرَهَا ومَاَءَهَا فتوضأ، وتَغسلُ رَأسَهَا، وتُدَلكُه حتى يَبلغَ الماءُ أصولَ شعرِهًا، ثم تُفيضُ على جَسَدهَا، ثم تاً خُذ فِرصَتها فَتَطَّهَر بها ". قالت: يا رسولَ الله، كَيف أتَطَهَّر بها؟ َ قالت عائشةُ: فَعَرَفتُ الذي يَكنِي عنه رسولُ اللهِ، فقلتَ لها: تَتَبَعِينَ آثَارَ (1) الدم (2) . ش- سَلام بن سليم أبو الأحوص الكوفي الحنفي الجشمي مولاهم، وذكر كثيراً في الكتاب بكنيته أبي الأحوص، وسنذكر ترجمته فيما بعد عندما يذكره أبو داود بقوله أبو الأحوص لا غير. /وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي أبو إسحاق الكوفي. سمع: طارق بن شهاب، ومجاهد بن جبر، وإبراهيم النخعي، وصفية بنت شيبة، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك، والأعمش، وسلام بن سُليم. قال سفيان: لا بأس به. وكذا قال أحمد، وقال يحيى القطان: لم يكن بقوي. وقال أحمد بن عبد الله: هو كوفي جائز الحديث. وقال ابن عدي: هو عندي أصلح من إبراهيم الهجري، وحديثه يكتب في الضعفاء. روى له الجماعة إلا البخاري. قوله: " دخلت أسماء " وهي بنت شكَل كذا وقع في " صحيح مسلم " بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين. قال الشيخ محيي الدين: هذا هو الصحيح المشهور. وحكى فيه صاحب " المطالع " إسكان الكاف. وقال

_ (1) في سنن أبي داود: " تتبعين بها آثار ". (2) البخاري: كتاب الحيض، باب: دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض (314) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم (332) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر العمل في الغسل من الحيض (1/135) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في الحائض كيف تغتسل (642) .

الخطيب في كتابه " الأسماء المبهمة ": إن اسمها أسماء بنت يزيد بن السكن التي كان يقال لها: خطيبة النساء. وروى الخطيب حديثاً فيه تسميتها بذلك، والله أعلم. قوله: " من المحيض " أي: الحيض. قوله: " فتوضأ " أي: تتوضأ، حذفت إحدى التائين، أي: توضأ وضوء الصلاة. قوله: " ثم تأخذ فرصتها " الفِرصة- بكسر الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة- وهي قطعة من قطن أو صوف تُفرصُ، أي: تقطع، وقد طيبت بالمسك أو بغيره من الطيب فتتبع بها المرأة أثر الدم، ليقطع عنها رائحة الأذى. قوله: " يكني عنه " بفتح الياء وسكون الكاف من الكناية. قوله: " آثار الدم " الآثار جمع " أثر "، وأثر الشيء: ما بقي من رسمه، وفي بعض النسخ: " تتبعين أثر الدم " موضع الآثار. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استحباب استعمال السدر لأجل التنقية. الثانية: استحباب دلك رأسها حتى يبلغ الماء أصول شعرها. الثالثة: استحباب أن تأخذ شيئاً من مسك أو طيب فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوهما، فتتبع بها آثار الدم، وهو عام يتناول جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، والذي ذكره المحدثون وشراح الحديث أنها تأخذ الفِرصة الممسكة وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها، وما قلنا أعم وأشمل بظاهر الحديث، والنفساء في معنى الحائض. الرابعة: استحباب استعمالها بعد الغسل لدلالة صريح الحديث هكذا، وبهذا يرد قول من قال: تستعملها قبل الغسل. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، ولكن بعبارات مختلفة.

299- ص- حدَثنا مسدد بن مسرهد قال: نا أبو عوانة، عن إبراهيمِ بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشةَ أنها ذكَرت نساءَ الأنصار، فأثنت عليهِنَّ قالت لهن معروفاً، قالت: دَخلَت امرأة منهنَ على رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فذكر معناه، إلا أنه قال: " فرصةً مُمَسَّكةً ". قال مسدد: كان أَبو عوانةَ يقول: " قَرصة "، وكان أبو الأحوص يقول: " قَرضَةً " (1) . ش- أبو عوانة الوضاح، وأبو الأحوص عوف بن مالك، وقد ذُكرا. قوله: " معروفاً " أي: قولاً معروفاً. قوله: " فرصة ممسكة " أي: مطيبة بالمسك أو بغيره من الطيب، تتبع بها أثر الدم لينقطع رائحة الأذى. وقال بعضهم: الممسكة على معنى الإمساك دون الطيب، يريد أنها تُمسكها بيدها فتستعملها، وقال: متى كان المسك عندهم بالحال الذي يمتهن في هذا؟! وقيل: ممسكة مُتحملة، يعني: تحمليها معك. وقيل: الممسكة الخَلِقُ التي أمسكت كثيراَ، فإنه أراد أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به، ولأن الخَلِقَ أصلح لذلك. ورواه بعضهم بكسر السن، أي: ذات مساك. وروي: " فرصة من مِسك " بكسر الميم، أي: قطنة من المسك الطيب المعلوم. ورواه بعضهم بفتح الميم، أي: قطعة جلد فيه شعر. والأول أظهر لقوله في بعض الأحاديث: " فإن لم تجد فطيباً غيره، فإن لم تجد فالماء كاف " ووقع في كتاب عبد الرزاق: يعني: بالفرصة المسك. وقال بعضهم: الذريرة. واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك/، فالصحيح المشهور أن المقصود به تطييب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، وحكى الماوردي عن البعض: أن المراد منه كونه أسرع إلى علوق الولد، ثم قال. فإن قلنا بالأول فتستعمل عند عدم المسك ما يقوم مقامه في طيب الرائحة، وإن قلنا بالثاني فتستعمل ما يقوم مقامه في ذلك من القُسط والأظفار وشبههما.

_ (1) انظر التخريج السابق.

وقال الشيخ محيي الدين (1) : قول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق ضعيف وباطل، فإنه على مقتضى قوله: ينبغي أن يخص به ذوات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يصر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يرد على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحل، وإزالة الرائحة الكريهة، وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء كانت ذات الزوج أو غيرها. قوله: " كان أبو عوانة يقول: قرصة " بفتح القاف، وسكون الراء، وبالصاد المهملة، أي: شيئاً يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين. قوله: " وكان أبو الأحوص يقول: قرضةً " بفتح القاف، وسكون الراء، وبالضاد المعجمة، أي: قطعة من القَرض القطيع. وحكي هذا عن ابن قتيبة أيضاً، والمشهور الرواية الأولى، وهي " الفِرصة " بكسر الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة. 300- ص- حدثَنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثَّني أبي قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أن أسماءَ سألت رسولَ الله- عليه السلام- بمعناه؟ قال: " فِرصة مُمسكةً " قالت: قلتُ: وكيف تَطهَرُ (2) بها؟ قال: " سُبحانَ اللهِ تَطَهَرِي بها، واستَترِي بثوب "، وزاد: وسألته عن الغسل من الجَنابة فقال: " تأخُذينَ ماءك فَتَطَّهَرِينً أحسنَ الطهورِ وأبلَغَهُ، ثم تصبِّينَ على رأسَكِ الماءَ، ثم تُدلِّكينَهُ حتى يَبلغَ شُؤونَ رأسك، ثم تُفيضينَ عليك المَاءَ ". قالَ: وقالت عائشةُ: نِعمَ النساءُ نساءُ الأنصَارَ، لم يَكنَ يمنعهُنّ الحياءُ أن يَسألن عن الدينِ، ويَتفقهنَ (3) فيهِ (4) .

_ (1) شرح صحيح مسلم (4/13- 14) . (2) في سنن أبي داود: " أتطهر ". (3) في سنن أبي داود: " وأن يتفقهن ". (4) البخاري: كتاب الحيض، باب: دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض تعليقاً، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر العمل في الغسل من الحيض (1/135) . 8* شرح سنن أبي داوود 2

ش- قد ذكرنا أن " سبحان الله " في مثل هذا الموضع يراد بها التعجب، وكذا " لا إله إلا الله "، ومعنى التعجب: كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ وفيه جواز التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه، وكذلك يحوز عند التنبيه على الشيء والتذكير به. قوله: " فتطهرين أحسن الطهور " بضم الطاء، والمراد منه الوضوء الكامل. قوله: " حتى يبلغ شؤون رأسك " بضم الشن المعجمة وبعدها همزة، ومعناه: أصول شعر رأسها، وأصل الشؤون: الخطوط التي في عظم الجمجمة، وهو مجتمع شعب عظامها، الواحد منها شأن. وقال الشيخ زكي الدين: الشؤَون: عظام الرأس وطرائقه ومواصل قبائله، وهي أربع بعضها فوق بعض. قوله: " نعم النساء " اعلم أن " نعم " من أفعال المدح، كما أن " بئس " من أفعال الذم، وهي ما وضع لإنشاء مدح أو ذم، وشرطها أن يكون الفاعل معرفاً باللام، أو مضافاً إلى المعرف بها، وهما فعلان بدليل جواز اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما في كل اللغات، ويحوز حذفها وإن كان الفاعل مؤنثاً حقيقيا؛ لأنه غير متصرف فأشبه الحرف، ومنه قول عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: " نعم النساء "، ولم تقل: " نعمت النساء "، فارتفاع " النساء " على الفاعلية، وارتفاع " النساء " الثانية على أنها مخصوصة بالمدح كما في قولك: نعم الرجل زيد، فيكون هذا مبتدأ، وما قبله الجملة خبر عنه. قوله: " أن يسألن " في موضع النصب على المفعولية، و " أن " مصدرية، والتقدير: لم يكن يمنعهن الحياء سؤالهن عن أمور الدين. ***

112- باب: التيمم

112- باب: التيمم أي: هذا باب في بيان أمور التيمم، ولما فرغ عن الوضوء الذي هو طهارة صغرى، وعن الغسل الذي هو طهارة كبرى، وما يتعلق بهما، شرع في بيان التيمم الذي هو خلف/عن الوضوء، قدم الوضوء أولاً لأنه الأعم الأغلب، ثم بالغسل لأنه الأندر، ثم بالخلف لأنه أبداَ يلي الأصل، وهو في اللغة: مطلق القصد. قال الشاعر: ولا أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة. وسبب وجوبها ما هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازها العجز عن استعمال الماء؛ لأنه خلف لا يشرع معه، وإنما لم يقل كتاب التيمم لما ذكرنا أن كتاب الطهارة يشمله، فلا يحتاج إلى ذكر الكتاب، بل يحتاج إلى الذكر بالنوع وهو الباب. 301- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا أبو معاوية ح، ونا عثمان بن أبي شيبة قال: أنا عَبدةُ- المعنى واحد-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: بَعثَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسَيدَ بنَ حُضَيرٍ وأناساً معه في طلب قلادَة أضلَّتهَا عائشةُ، فحضَرَت الصلاةُ فصلُوا بغيرِ وُضوء، فأتَوا النبي- عليًه السلامِ- فذكروا ذلك له، فأنزِلَت آيةُ التيمم. زاد ابن نفيل: فقال لها أسَيدٌ: يرحَمُك اللهُ، ما نزلَ بك أمرٌ تكرهينَه إلا جَعَلَ اللهُ للمسلمينَ ولكِ فيه فَرَجاً (1) . ش- أبو معاوية الضرير، وعَبدة بن سليمان الكلابي، وأُسَيد بن حضير بالضم فيهما.

_ (1) البخاري: كتاب التيمم، باب: إذا لم يجد ماءً ولا تراباً (336) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: التيمم (367) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: بدء (لتيمم) (1/164) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السببَ

قوله: " بعث رسولُ الله أسيدَ بن حُضَير " وفى رواية للبخاري: " فبعث رسول الله رجلاَ فوجدها "، وفي رواية: " رجلين "، وفي رواية: " ناساً "، وهي قضية واحدة. قوله: " قلادة " القلادة- بكسر القاف- التي في العنق. فوله: " أضلتها " أي: أضاعتها، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا جَارَ. قوله: " فصلوا بغير وضوء " استدل به من قال: إن من لم يجد ماء ولا تراباً لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على كل حال، وذلك لأن القوم الذين بعثهم رسول الله- عليه السلام- في طلب القلادة كانوا على غير ماء، ولم يكن رخص لهم بعد في التيمم بالتراب، وإنما نزلت آية التيمم بعد ذلك، فكانوا في معنى من لا يحد الماء ولا التراب، ولو كانوا ممنوعين من الصلاة- وتلك حالهم- لأنكره النبي- عليه السلام- حين أعلموه ذلك، ولَنَهاهم عنه فيما يستقبلونه، إذ لا يجوز سكوته على باطل، ولا تأخيره البيان في واجب عن وقته. وعن الشافعي أربعة أقوال، أصحها: يجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يعيد إذا زالت الضرورة. الثاني: لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب، ويجب القضاء سواء صلى أو لم يصل. والثالث: تجب الصلاة، ولا تجب الإعادة، وبه قال المزني. والرابع: يحرم عليه الصلاة لكونه محدثاً، وتجب الإعادة، وهو قول أصحابنا، واحتجوا بقوله- عليه السلام-: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ". والجواب عن هذا أنهم صلوا صلاتهم تلك اجتهاداً، والمجتهد يخطى ويصيب، والبيان يحوز تأخيره إلى وقت الحاجة، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. قوله: " فأنزلت آية التيمم " وهي قوله تعالى: (فَلَم (1) تَجدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيِّباً) (2) ، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، وَهي في السنة السادسَة من الهجرة.

_ (1) في الأصل: " فإن لم ". (2) سورة النساء: (43) ، والمائدة: (6) .

قوله: " زاد ابن نفيل " هو عبد الله بن محمد بن نفيل، شيخ أبي داود، وقد ذكرناه. قوله: " ما نزل بك " من قولهم: نزل به أمر إذا أصابه شيء يكرهه، ومنه النازلة وهي الشديدة من شدائد الدهر. قوله: " تكرهينه " في محل الرفع على أنها صفة للأمر. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 302- ص- حدَثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدَثه، عن عمار بن ياسر، أنه كان يحدث أنهم تَمسَّحُوا وهم مع رسولِ اللهِ بالصَعِيد لصلاةِ الفجرِ، فضربوا با " كُفهمُ الصَعيدَ، ثم مَسَحُوا بوجوههِم مَسحةً واحدةً، ثم عَادُوا فَضَرَبوا بأكفهمُ الصَعيدَ مرةً أخرى، فمسَحوا بأيديهِم كُلَها إلى المناكبِ والآبَاطِ من بُطُونِ أيديهِم (1) . ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري/ويونس بن يزيد الأيلي. وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الفقيه الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. سمع: ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وعائشة الصديقة، وغيرهم. روى عنه: عراك بن مالك، والزهري، وصالح ابن كيسان، وغيرهم. قال أبو زرعة: مأمون ثقة إمام. وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. مات سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة. قوله: " بالصعيد " متعلق بقوله: " تمسحوا "، وقوله: " وهم مع رسول الله " جملة حالية معترضة، و " الصعيد " فعيل، والمراد منه: التراب هاهنا بالإجماع، وفي غيره هو جميع ما صعد على وجه الأرض،

_ (1) النسائي: كتاب الظهارة، باب: الاختلاف في كيفية التيمم (1/168) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: التيمم في ضربتين (571) .

وكذلك الذي في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيباً) ، ومعنى طيباً: طاهراً عند الأكثرين، وقيل: حلالاً. وقالَ الشافعي: الطيب المُنبت الخالص، ولهذا لم يُجوز التيمم بغير التراب، وبه قال أحمد، وداود. وقال مالك: يجوز بكل متصل بالأرض حتى الثلج والنبات. وعن بعض الشافعية: لا يجوز إلا بتراب عذب صالح للحرث، وبه قال إسحاق. وقال الأوزاعي والثوري: لا يجوز بالثلج وكل ما على الأرض. والأصح ما قاله أصحابنا أنه يجوز بالتراب وبكل ما كان من جنس الأرض؛ لأن الصعيد: وجه الأرض لغة بالإجماع، والطيب: الطاهر لغة. فوله: " إلى المناكب والآباط " المناكب: جمع منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، والآباط- بمد الهمزة المفتوحة- جمع إِبط- بكسر الهمزة- وفُهِم من هذا الحديث مسألتان: الأولى: أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين. والثانية: أن ضربة الذراعين إلى المناكب والآباط. أما الأولى فهي مذهبنا ومذهب الأكثرين، وهو قول الشافعي، ومالك، والثوري، وإليه ذهب عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث. وعن ابن سيرين لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه. وأما الثانية: فقد أخذ الزهري بظاهر هذا الحديث، أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين. والجواب عن هذا أنهم أجروا اسم اليد على ظاهر الاسم؛ لأن اليد لغة من رؤوس الأنامل إلى الإبط، ولم يكن عندهم دليل الخصوص، فاجرَوا الحكم على ظاهره، ولكن قام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط، وما دونهما بقي على الأصل لاقتضاء الاسم إياه، ويؤيده أن التيمم بدل من الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل.

وفي هذا الحديث حجة لمَن ذهب إلى إدخال الذراعين والمرفقين في التيمم، وهو قول ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والشعبي، وإليه ذهب أبو حنيفة، والثوري، وهو قول مالك، والشافعي. وعن مالك: التيمم إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. ورُوي عن مالك: أنه من الجنابة إلى الكوعين، ومن الحدث الأصغر إلى المنكبين. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً وهو منقطع، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، كذا قال الشيخ زكي الدين. قلت: وقد أخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، عن أبيه، عن عمار موصولاً، ورواه أيضاً أبو داود من حديث الزهري: حدَّثني عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار أتم منه كما يجيء الآن. 303- ص- حدَّثنا سليمان بن داود المهري، وعبد الملك بن شُعيب، عن ابن وهب نحو هذا الحديث. قال: قامَ المسلِمونَ فضَرَبُوا بأكُفهمُ الترابَ، ولم يَقبضُوا من الترابِ شيئاً، فذكر نحوه، ولم يذكر المناكبَ والآبَاطَ. فال ابنَ الليث: إلى ما فوقَ المِرفَقين (1) . ش- سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري أبو الربيع المصري. روى عن: ابن وهب، وإدريس بن يحيى الخولاني. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وزكريا بن يحيى الساجي، وغيرهم. قال /النسائي: ثقة. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، وقد ذكرناه. قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور. قوله: " فال ابن الليث " هو عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد،

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السبب (565) .

وروايته تدل على أن المرفقين يدخلان في التيمم كما في الوضوء، وفيه خلاف زفر (1) . 304- ص- ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين قالوا: نا يعقوب قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: حدَّثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أنَّ رسولَ اللهِ- عليه السلام- عَرَسَ بألات (2) الجيش ومعه عائشةُ، فانقطعَ عقدٌ لها من جَزع ظَفارِ، فحبسَ الناسَ ابتغاءَ عقدهَا ذلك حتى أضاءَ الفجر ولَيس مع الناسِ ماء، فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر وَقالَ: حَبَست الناسَ وليس معهم ماء، فأنزلَ اللهُ على رسوله رُخصَةَ التًطَهرِ بالصعيد الَطَّيب، فقامَ المُسلمونَ مع رسول الله فضَربُوا بأَيَديهِم إلى الأرض، ثم رَفَعُوا (3) ولم يَقبضُوا من التراب شَيئاً، فمسحوا بها وجوهَهُم وأيديَهُم إلى المناكب، ومن بُطونِ أيديهِم إلى الآباط (4) . ش- محمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، ومحمد بن يحيى بن عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام. ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو يوسف القرشي الزهري المدني، سكن بغداد. سمع: عاصم بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، وشعبة، والليث بن سعد، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، وأبو خيثمة، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً. توفي بفم الصح في شوال سنة ثمان ومائتين (5) . وأبوه إبراهيم بن سعد قد ذكرناه

_ (1) كذا، والجادة " ذكر ". (2) في سنن أبي داود ومعجم البلدان (1/372) : " بأولات ". (3) في سنن أبي داود: " رفعوا أيديهم ". (4) النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في السفر (1/167) - (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7082) .

وصالح بن كيسان أبو محمد الغفاري، مولاهم المدني، رأى عبد الله ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: سمع منهما. وسمع: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، ومالك بن أنس، وابن عجلان، وابن عيينة، وجماعة آخرون 0 قال ابن معين هو ثقة. قال الحاكم: مات صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة، وكان قد لقي جماعة من أصحاب رسول الله، ثم بعد ذلك تَلمذ على الزهري، وتلقن عنه العلم وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن تسعين. روى له الجماعة (1) . قوله: " عَرَّسَ بألات الجيش " عرس- بتشديد الراء- من التعريس وهو النزول في آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة، يقال فيه: عرس، يعرس، تعريساً 0 ويقال فيه: أعرس. والمعرس: موضع التعريس، وبه سمي معرس ذي الحليفة عرس به النبي- عليه السلام- وصلى فيه الصبح، ثم رحل، وألات الجيش، ويقال: ذات الجيش- بفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وبشين معجمة- واد قرب المدينة بين ذي الحليفة وبرثان، وهو أحد مراحل النبي- عليه السلًام- إلى بدر، وأحدُ مراحل منصرفه- عليه السلام- من غزوة بني المصطلق، وقال في " المطالع ": ذات الجيش على بريد من المدينة. قوله: " عقد لها " العِقد- بكسر العين، وسكون القاف-: القلادة. قوله: " من جزع ظفار ": بإضافة الجزع إلى الظفار إضافة النسبة، الجزع- بفتح الجيم، وسكون الزاي، وبعدها عين مهملة- خرز يماني ملون، وظفار- بفتح الظاء المعجمة والفاء-: مدينة باليمن لحمير، وهي مبنية على الكسر كحذامِ، وقطامِ. وقال بعضهم: سبيلها سبيل المؤنث لا ينصرف ويرفع وينصب، وَرواه بعضهم: " من جزع أظفَار "،

_ (1) المصدر السابق (13/2834) .

وأراد العطر المعروف، كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة، والصحيح في الرواية: " من جزع ظفار " بالإضافة. قوله: " فحبس الناس ابتغاء " أي: طلب عقدها، وهو مرفوع بالفاعلية، و" الناس " منصوب مفعوله. قوله: " وليس مع الناس ماء " الواو فيه للحال. /قوله: " فتغيظ عليها " أي: على عائشة أبوها أبو بكر. قوله: " ولم يقبضوا من التراب شيئاً " إشارة إلى أن التراب لا يستعمل مثل الماء، بل مجرد إلصاقه باليد كاف؛ لأنه مَسح، بخلاف الوضوء لأنه غسل ومسح. وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي حديث عائشة في انقطاع العقد، وليس فيه كيفية التيمم. ص- زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابنُ شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس. ش- أي: زاد محمد بن يحيى المذكور في حديثه: قال ابن شهاب الزهري في حديثه. قوله: " ولا يعتبر بهذا الناس " مقول قول ابن شهاب، و " الناس " مرفوع على أنه فاعل " لا يعتبر "، وهذا إشارة إلى تيممهم بضربة واحدة، وقد قيل: هذا إشارة إلى مسحهم أيديهم إلى المناكب. وقال الخطابي: لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين. قلت: فيه نظر، فقد ذكر ابن المنذر، والطحاوي، وغيرهما، عن الزهري أنه كان يرى التيمم إلى الآباط كما ذكرنا. ص- قال أبو داود: كذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه: عن ابن عباس.

وذكر ضربتين كما ذكره يونسُ، ورواه معمر (1) ضربتين، قال مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، وكذلك قال أبو أويس، عن الزهري، وشك فيه ابنُ عيينةَ قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو (2) عبيد الله، عن ابن عباس، اضطرب فيه. قال مرة عن أبيه، وقال مرة عن ابن عباس. واضطرب فيه ابن عيينة وفي سماعه من الزهري، ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديثِ: " ضربتين " غير سفيان (3) . ش- أي: محمد بن إسحاق. قوله: " قال فيه " أي: في الحديث عن ابن عباس وذكر ضربتين، كما ذكره يونس بن يزيد، عن ابن شهاب في الحديث المتقدم، وحديث ابن إسحاق عن ابن عباس أخرجه البزار في " مسنده " من طريق: ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء، فأمرنا فضرينا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين. قوله: " ورواه معمر ضربتين " أي: روى هذا الحديث معمر بن راشد عن الزهري " ضربتين ". قوله: " وكذلك قال أبو أويس " أي: كذلك روى أبو أويس " ضربتين " عن الزهري. وقال: عبيد الله، عن أبيه، عن عمار. واسم أبي أويس عبد الله، وهو ابن عم مالك بن أنس. قوله: " وشك فيه ابن عيينة " أي: سفيان بن عيينة. والحاصل أنه قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن ابن عباس. وهذا اضطراب كما ترى، واضطرب أيضاً في سماعه عن

_ (1) في سنن أبي داود: " ورواه معمر عن الزهري ". (2) في سنن أبي داود: " أو عن ". (3) في سنن أبي داود: " إلا من سميت "، وسيذكر المصنف أنها نسخة.

الزهري، ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث ضربتين غير سفيان بن عيينة، وفي بعض النسخ: " إلا من سميت " وهم: ابن إسحاق، ويونس، ومعمر، وأبو أويس. وأصله إلا من سميتهم، فحذف المفعول اتساعاً. وقد يقال: إن حديث عمار لا يخ (1) إما أن يكون عن أمر النبي - عليه السلام-، أو لا. فإن لم يكن عن أمره فقد صح عن النبي - عليه السلام- خلاف هذا، ولا حجة لأحد مع كلام النبي- عليه السلام- والحق أحق أن يتبع، وإن كان عن أمر النبي- عليه السلام- فهو منسوخ وناسخه حديث عمار أيضاً. وقد يقال: إن عماراً قد حكى فيه فعلهم دون النبي- عليه السلام- كما حكى في الآخر أنه أجنب فعلمه - عليه السلام-. 305- ص- حدَّثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنتُ جالساً بين يدي (2) عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيتَ لو أن رجلاً أجَنبَ فلم يجد الماءَ شهراً، أما كان يَتَيممُ؟ فقال: لا، دان لم يجد الماءَ شَهراً، فقال أبوَ موسى: فكيف تَصنَعُونَ بهذه الآية التي في سُورة الماَئدةِ: (فَلَم تَجدُوا مَاءً فَتَيَمَمُوا صَعيداً طيِّباً) (3) ؟ فقاَل عبدُ الله: لوَ رُخَصَ لهم في هذَا لأوشكُوا إذا بَرَدَ علَيهم الماءُ أن يتيمَّمُوا بالصعيدِ، فقال له أبو موسى: فإنما كَرِهتُم هذا لذا (4) ؟ قال: نعم. فقال له أبو موسى: ألم تسمَعُوا (5) قولَ عمار لعُمرَ: بعثني رسولُ الله في حاجة، فأجنبتُ فلم أجد الماءَ، فَتمرغتُ فًي الصعيد كما تَتَمرغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ رسولَ اللهِ فذكرتُ ذَلك له فقال: " إنما كان يكَفِيكَ / أن تصنعَ هكَذا " فضربَ بيديه على الأرضِ فنفضها (6) ، ثم ضربَ بشِمَالِهِ على يمِينِه، وبيمِينِه على شِمَالِهِ على

_ (1) كذا، ولعلها بمعنى: " لا يخرج ". (2) غير موجود في سنن أبي داود. (3) الآية (6) . (4) في سنن أبي داود: " وإنما ... لهذا ". (5) في سنن أبي داود: " تسمع ". (6) في سنن أبي داود: " فنفضها "

الكَفَّين، ثم مَسَحَ وجهَهُ. فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقولِ عمار (1) ؟ ش- عبد الله هو ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري. قو له: " أرأيت " بمعنى: أخبرني. قوله: " أما كان ": بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وقد ذكرنا أنه يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح بمنزلة " ألا " ويكثر قبل القسم. والثاني: أن يكون بمعنى حقا. قوله: " لأوشكوا " معنى أوشك: قرب وأسرع، وقد زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال: " أوشك "، وإنما تستعمل مضارعاً، فيقال: " يوشك " وليس كذلك؛ بل يقال: " أوشك "، وهذا من أفعال المقاربة، وهو ما وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولاً، وفي الحقيقة من النواقص لأنها لتقرير الفاعل على صفة على سبيل المقاربة، ولا تستعمل أفعال المقاربة إلا بلفظ الماضي إلا كاد وأوشك، فإنه قد جاء مضارعهما بهذا المعنى، ويجيء من أوشك اسم الفاعل ولكنه شاذ. قوله: " إذا بَرَد عليهم الماء " بفتح الباء والراء، وقال الجوهري: بضم الراء. والمشهور الفتح. قوله: " فأجنبت " أي: صرت جنباً. قوله: " فتمرغت في الصعيد " أي: في التراب. قال الجوهري: مرغته في التراب تمريغاً فتمرغ، أي: معكته فتمعك، والموضع: متمرغّ. قوله: " فنفضهما " أي: نفض اليدين. وفيه دليل لأبي حنيفة، حيث جوز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها: لأنه لو كان معتبراَ لم ينفض

_ (1) البخاري: كتاب التيمم، باب: التيمم للوجه والكفين (339) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (368) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: نوع آخر من التيمم (1/168) .

اليد، وفي الحديث دليل أيضا لمن يقول: تكفي ضربة واحدة للوجه والكفين جميعاً، والجواب عن هذا أن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال تعالى في التيمم: (فَامسَحُوا بوُجُوهِكُم وَأيديكُم) (1) ، والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء في أولَ الآية، فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح، والله أعلم. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 306- ص- حدَّثنا محمد بن كثير العَبدي قال: نا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي قال: كُنتُ عندَ عُمرَ فجاءَه رجل فقال: إنا نكونُ بالمكان الشهرَ أو الشهرينِ، فقال عمرُ: أمّا أنا فلم كن أصلي حتى أجدَ الماءَ، قالَ: فقال عمارٌ: يا أميرَ المؤمنين، أمَا تذكرُ إذ كُنتُ أنا وأنتَ في الإبلِ فَأصَابتنا جَنَابَةٌ، فأمَا أنا فَتَمَعكتُ، فأتينا النبي - عليه السلام- فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيكَ أن تقولَ هكذا "، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نَفخَهما، ثم مَسحَ بهما وجهَه ويديه إلى نصفِ الذِّراع؟ فقال عمر: يا عمارُ، اتقِ اللهَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن شئتَ والله لم أذكره أبداً، فقال عمرُ: كلا والله، لَنُوَلّينكَ من ذلك ما تَولَيتَ (2) . ش- سفيان الثوري. وسلمة بن كهيل بن حصين بن نمازح بن أسد الكوفي، أبو يحيى

_ (1) سورة النساء: (43) ، وسورة المائدة: (6) . (2) البخاري: كتاب التيمم، باب: هل ينفخ فيهما؟ (338) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (112/368) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم (144) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في الحضر (1/165) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة واحدة (569) .

الحضرمي التَنعِيُ (1) ، والتنعيون (1) منسوبون إلى تنعة بطن من حضرموت، دخل على ابن عمر، وزيد بن أرقم. وسمع: جندب بن عبد الله، وأبا جحيفة، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة آخرين. روى عنه: الأعمش، والثوري، ومسعر، وشعبة، وغيرهم 0 قال أحمد بن حنبل: متقن. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. توفي سنة إحدى وعشرين ومائة. روى له الجماعة. وأبو مالك اسمه: حبيب بن صهبان، روى عن: عمار بن ياسر. روى عنه: حصين، والأعمش، وغيرهما. وهو المراد هاهنا لأن ثمة أبو مالك آخر اسمه غزوان الغفاري الكوفي. روى عن: عمار بن ياسر، وابن عباس، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبزى. روى عنه: السُّدي، وسلمة بن كهيل، وحصن بن عبد الرحمن. قال ابن معين: كوفي ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وعبد الرحمن بن أبزى- بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة، وبعدها زاي، ثم ياء ساكنة- الخزاعي، مولى نافع بن الحارث، سكن الكوفة، واستعمل على خراسان/. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- اثنا عشر حديثاً، رويا له عن عمار بن ياسر، روى عنه: ابناه سعيد وعبد الله، وغيرهما. روى له الجماعة إلا الترمذي. قوله: " الشهر " نصب على الظرف. والفرق بين قولك: سرت الشهر وسرت شهراَ، أن المعرف يدل على التعميم بخلاف المنكر فافهم. قوله: " فتمعكت " أي: تمرغت. قوله: " أن تقول هكذا " أي: تفعل هكذا، وقد ذكرنا أن معنى القول يستعمل في معاني مختلفة من الأفعال. قوله: " إلى نصف الذراع " فيه حجة لمالك، حيث يقول: إن التيمم

_ (1) في الأصل: " البيعي، والبيعيون " خطأ، وانظر الأنساب واللباب لابن الأثير.

إلى الكوعين، والجواب عنه: أن هذا صورة الضرب للتعليم، وليس فيه جميع ما يحصل به التيمم كما ذكرنا في الحديث الماضي. قوله: " اتق الله " يعني: خف الله، ومعنى هذا الكلام: اتق الله فيما ترويه، وتثبت، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر. قوله: " إن شئت والله لم أذكره أبدا " معناه: إن رأيت المصلحة في إمساكي عن التحدث به راجحة على مصلحة تحدثي أمسكت، فإن طاعتك واجبة عليَّ في غير مَعصية. ويحتمل أنه أراد: إن شئت لم أحدث به تحديثاً شائعاً بحيث يشتهر في الناس، بل لا أحدث به إلا نادراً. قوله: " كلا والله " " كلا " ردع وزجر وتنبيه على الخطإ، ومنه قوله تعالى: (كلا) بعد قوله: (إِذَا مَا ابتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيه رزقَهُ فَيَقُولُ رَبّ (1) أهانني (2)) ، ويجيء بمعنى حقا، ومنه قوله تعالىَ. (كَلا إِنَ الإِنسَانَ لَيَطغَى) (3) ، وفي قصة عمار- رضي الله عنه- جواز الاجتهاد في زمن النبي- عليه السلام- فإن عماراَ- رضي الله عنه- اجتهد في صفة التيمم، وقد اختلف الأصوليون فيه، قيل: يجوز الاجتهاد في زمنه بحضرته وغير حضرته، وقيل: لا يجوز أصلاَ، وقيل: يجوز في غير حضرته ولا يجوز في حضرته. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراَ ومطولاً. 307- ص- حدَثنا محمد بن العلاء قال: نا حفص قال: نا الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار بنِ يسار في هذا الحديث فقال: " يا عَمارُ، إنما كانَ يكفيكَ هكذا "، ثم ضربَ بيديه الأرضَ، ثم

_ (1) كذا بحذف الياء، ولم اعثر لها على قراءة، فالله أعلم. (2) كذا قرأها نافع في رواية قالون، والمسيبي وأبي بكر بن أبي أويس وأخيه، وإسماعيل بن جعفر، وأبي قرة، وأبي خليد، ويعقوب بن جعفر، وخارجة وورش عن نافع في الوصل. وانظر السبعة (684 - 685) . (3) سورة العلق: (6) .

ضربَ إحداهُمَا على الأخرى، ثم مَسَحَ وجهَه والذِّرَاعينِ إلى نِصفِ الساعدِ (1) ، ولم يبلغ المِرفَقينِ ضربةً واحدةً (2) . ش- حفص بن غياث الكوفي. ويمكن أن يكون هذا الحديث حجة للحسن بن زياد في روايته عن أبي حنيفة عدم اشتراط الاستيعاب في التيمم، وحجة لمن رأى أن التيمم ضربة واحدة. ص- قال أبو داود: رواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمةَ بن كهيل، عن عبد الرحمن بن أبزى. ش- أي: روى هذا الحديث وكيع بن الجراح. ص- ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه. ش- أي: رواه جرير بن عبد الحميد، عن سليمان الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي مولاهم الكوفي. روى عن أبيه، روى عنه: الحكم بن عُتَيبة، وذر بن عبد الله الهمداني، وجعفر بن المغيرة، وغيرهم. روى له الجماعة. 308 - ص- حدثَّنا محمد بن بشار قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بهذه القصةِ فقال: " إنما كان يكفيكَ "، وضَربَ النبي- عليه السلام-

_ (1) في سنن أبي داود: " الساعدين ". (2) البخاري: كتاب التيمم، باب: هل ينفخ فيهما (338) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (113/368) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم (114) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في الحضر (1/165) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة واحدة (569) . 9* شرح سنن أبي داوود 2

- بيده إلى الأرضِ، ثم نَفَخَ فيها (1) ، ومَسَحَ بها وجهَهُ وكَفيه، شك سلمةُ قال: َ لا أدرِي فيه " إلى المِرفقينِ " أو " إلى الكَفينِ " (2) . ش- ذر- بالذال المعجمة- ابن عبد الله بن زرارة المُرهبِي الهمداني أبو عمر. روى عن: سعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، ويُسَيع، ووائل بن مُهانة، وسعيد بن عبد الرحمن. روى عنه: سلمة بن كهيل، والأعمش، وابنه عمر بن ذر، والحكم. قال ابن حنبل: ما بحديثه بأس. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له الجماعة (3) . قوله: " بيده إلى الأرض "، وفي رواية: " يده " بدون الباء. 309- ص- نا علي بن سهل الرملي قال: نا حجاج قال: نا شعبة بإسناده بهذا الحديث./قال: ثم نَفَخَ فيها ومَسَحَ بها وجهَهُ وكفيهِ إلى المِر فَقَينِ أو (4) الذِّراعًينِ " (5) . ش- علي بن سَهل بن قادم الرملي. روى عن: الوليد، ومروان بن معاوية، وحجاج، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وابن أبي حاتم. قال النسائي: ثقة، نَسائي، سكنَ الرملة (6) . وحجاج هو ابن محمد الأعور، وقد ذكرناه. قوله: " ثم نفخ فيها " أي: في يده. ص- قال شعبةُ: كان سَلَمَةُ يقولُ: الكفين والوَجهَ والذراعَين، فقال له منصور ذاتَ يومٍ: انظرُ ما تقولُ! فإنه لا يذكر الذراعينِ غيرُكَ (7) . ش- سلمة بن كهيل المذكور، ومنصور هو ابن المعتمر شيخ شعبة.

_ (1) في سنن أبي داود: " فيهما ". (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/1813) (4) في سنن أبي داود: " أو إلى ". (5) انظر الحديث السابق. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/ 4077) . (7) انظر الحديث السابق.

310- ص- نا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدَّثني الحكم، عن ذرٍّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار في هذا الحديث قال: فقال- يعني: النبيَ- عليه السلام-: " إنما كان يكفيكَ أن تَضربَ بيدَيكَ إلى الأرضِ، فَتَمسحَ بهما وجهَكَ وكفَيكَ "، وساق الحديثَ (1) . ش- يحيى القطان، والحكم بن عُتَيبة. قوله: " قال: فقال " الضمير الذي في " قال " الثاني يرجع إلى الرسول - عليه السلام- ولذلك فسره بقوله: " يعني النبي- عليه السلام "، وفيه حجة لمن يرى أن التيمم ضربة واحدة، ولمن يرى أنه إلى الكوعين، وقد أجبنا عن ذلك. ص- قال أبو داود: ورواه شعبةُ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالك قال: سمعتُ عماراً يخطُبُ بمثلِهِ إلا أنه [قال:] (2) لم يَنفُخ ". ش- حُصَين بن عبد الرحمن الكوفي، وأبو مالك غزوان الكوفي، وقد ذُكرا. قوله: " يخطب " من الخُطبة- بضم الخاء- بمعنى: يقول أو يخاطب، وأما الذي في الخِطبة- بكسر الخاء- فهو من باب النكاح. ص- وذكر حُسَينُ بنُ محمد، عن شعبةَ، عن الحكم في هذا الحديث قال: " (3) ضَرَبَ بكفيهِ إلى الأرضً ونَفَخَ ". ش- الحسين بن محمد ... (4) ، والحكم بن عتيبة. قو له: " ونفخ " أي: فيهما. 311- ص- نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عَزرةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) زيادة من سنن أبي داود. (3) في النسخة الهندية: " فضرب بكفيه الأرض ". (4) بياض في الأصل قدر سطر ونصف.

ابن ياسر قال: سألت النبيَّ- عليه السلام- عن التيمُم؟ فأمَرَني ضَربةً واحدةً بالوجهِ والكفينِ (1) . ش- محمد بن المنهال أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله الضرير البصري. سمع: يزيد بن زريع. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: هو بصري ثقة، ولم يكن له كتاب، قلت له: لك كتاب؟ قال: كتابي صدري. توفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين (2) . ويزيد بن زريع البصري، وسعيد بن إياس أبو مسعود الجُريري، وقتادة ابن دعامة. وعَزرة- بفتح العين وسكون الزاي، وفتح الراء- ابن عبد الرحمن الخزاعي الكوفي. روى عن: الشعبي، وابن أبزى، وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وقتادة. قال أحمد وابن المديني: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . 312- ص- ثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: سُئِلَ قتادةُ عن التيمُّم في السَّفَرِ فقال: حدثني محدّثٌ عن الشعبي، عن عبد الرحمنِ بن أبزى، عن عمارِ بنِ ياسرٍ، أن رسولَ اللهِ قال: " إلى المِرفَقينِ " (4) . ش- أبان بن يزيد العطار. وفي هذه الرواية رجل مجهول. 313- ص- نا (5) عبد الملك بن شُعيب بن الليث قال: حدَثني أبي،

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5633) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3920) . (4) تفرد به أبو داود. (5) ذكر هذا الحديث والأحاديث بعده في سنن أبي داود تحت: " باب التيمم في الحضر ".

عن جدّي، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرمز، عن عُمير مولى ابن عباس، أنه سمعَهُ يقولُ: أقبلتُ أنا وعبدُ الله بن يسارِ مولى ميمونةَ زوجِ النبيَ- عليه السلام- حتى دخلنَا على أبي اَلجُهيم بنِ الحارث بنِ الصِّمَّةِ الأنصاري، فقال أبو الجُهيم بنُ الحارث بن الصِّمَّة: أقبلَ رسولُ اللهِ مِن نَحوِ بئرِ جملِ فلَقِيَهُ رجلٌ فسلَّمَ عليه، فلمَ يرد رسولُ الله (1) حتى أتى على جَدارِ، فمسحَ بوجهِهِ ويدَيهِ، ثم رَدَ عَليهِ السَلامَ (2) . ش- عبد الملك بن شعيب قد ذكرناه. وأبوه شعيب بن الليث أبو عبد الملك الفَهمي مولاهم. روى عن: أبيه، روى عنه! ابنه عبد الملك، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ويونس ابن عبد الأعلى/، وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة. مات في صفر سنة تسع وتسعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . وجدّه الليث بن سعد الإمام قد ذُكر، وجعفر بن ربيعة المصري ذُكر أيضا، وكذلك عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج. وعُمَير مولى أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس بن عبد المطلب أبو عبد الله، ويقال: مولى ابنها عبد الله. روى عن: الفضل، وعبد الله ابني العباس، ومولاته أم الفضل، وأبي جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري. روى عنه: سالم أبو النضر، وعبد الرحمن الأعرج، وإسماعيل بن رجاء الزبيدي. توفي بالمدينة سنة أربع ومائة، وكان ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (4) . وعبد الله بن يسار هذا هو الصحيح في حديث الليث، وقد وقع في

_ (1) في سنن أبي داود: " فلم يرد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه السلامَ ". (2) البخاري: كتاب التيمم، باب: التيمم في الحضر إذا لم يحد الماء وخاف فوات الصلاة (337) ، مسلم تعليقاً: كتاب الحيض، باب: التيمم (114/369) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب (194) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2755) . (4) المصدر السابق (22/4517) .

أصول صحيح مسلم: " عبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة، (1) ، وقال أبو علي الغساني وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: " قوله عبد الرحمن " خطأ صريح، وصوابه: " عبد الله بن يسار "، وهكذا رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي. قال القاضي عياض: ووقع في روايتنا " صحيح مسلم " من طريق السمرقندي، عن الفارسي، عن الجُلودي: " عبد الله بن يسار " على الصواب، وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء مولى ميمونة. وأبو الجُهَيم- بضم الجيم، وفتح الهاء، وزيادة ياء- هذا هو المشهور وفي " صحيح مسلم " بفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة، وهو غلط، والصواب ما ذكرناه. ومثله وقع في البخاري وغيره " (2) . واسمه: عَبد الله بن الحارث بن الصَمَّة- بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم- ابن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن حارثة الأنصاري الخزرجي اتفقا له على حديثين. روى عنه: بُسر (3) بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس. روى له الجماعة (4) . قوله: " من نحو بئر جمل " بفتح الجيم والميم، وفي رواية النَّسائي: " بئر الجمل " بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها. قال الشيخ محيي الدين (5) : " وهذا الحديث محمول على أنه- عليه السلام- كان عادماً للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يحوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يَضيقَ الوقتُ وبن أن يتسعَ؛ ولا فرق بين صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما ".

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (4/63- 64) . (2) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ". (3) في الأصل: " بشر " خطأ، وهو بسر بن سعيد مولى ابن الحضرمي، وهو مترجم في تهذيب الكمال. (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/36) ، وأسد الغابة (6/59) ، والإصابة (4/36) . (5) شرح صحيح مسلم (4/64) .

قلت: الحديث مطلق، يُستفادُ منه جواز التيمم لأجل رد السلام ونحوه وفي معناه صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، سواء وجد الماء أو لا، ولا ضرورة إلى حمله على أنه كان عادماً للماء؛ لأنه تخصيص بلا مخصص. ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل لا ينبغي أن يُسلم على البائل، وكذا على قاضي الحاجة، فإن سَلَم عليه كُرِهَ رَدُه عليه. الثانية: إذا فرغ من قضاء حاجته يرد عليه السلام، وأما تيممه- عليه السلام- لرد السلام فإنه يمكن أن يكون قصد بذلك أن لا يذكر الله إلا على طهر؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، ومعنى سلام عليك رحمة سلام عليك، كذا قاله البعض. ويؤيد ما ذكرناه ما روي في الحديث الذي يأني وقال: " إنه لم يمنعني أن أرد عليه السلام إلا أني لم أكن على طهر "، فإذا جاز إقامة عبادة ما بالتيمم مع وجود الماء، جاز به صلاة الجنازة أيضاً عند خوف الفوات؛ لأنها عبادة أيضاً، وكذا صلاة العيد عند الخوف. الثالثة: جواز التيمم بالجدار سواء كان عليه غبار أو لم يكن، لإطلاق الحديث، وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه. الرابعة: فيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل: كسجدة التلاوة والشكر، ومس المصحف ونحوها، كما يجوز للفرائض وهذا بالإجماع، إلا وجه شاذ منكر للشافعية، أنه لا يجوز إلا للفريضة. الخامسة: فيه دليل أن التيمم هو مسح الوجه واليدين بالتراب ونحوه. فإن قيل: كيف تيمم بالجدار بغير إذن مالكه؟ فالجواب: أنه محمول على أنه كان مباحاً أو مملوكاً لإنسان يَعرفه، فأدلَ عليه النبيُ- عليه السلام- وتيمم به، لعلمه بأنه لا يكره ذلك، بل كان يفرح به، ومثل هذا يحوز لآحاد الناس، فالنبي- عليه السلام- أولى وأجدر. /والحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه مسلم منقطعاً، وهو

أحد الأحاديث المنقطعة في " صحيحه "، وفيه أربعة عشر أو اثنى عشر حديثاً منقطعة. 314- ص- نا أحمد بن إبراهيم الموصلي، نا محمد بن ثابت العَبدي، نا نافعٍ قال: انطلقت مع ابنِ عمرَ في حاجة إلى ابنِ عباسِ، فقضَى ابنُ عمرَ حاجتهُ، وكان (1) مِن حديثِهِ يومئذ أن قالَ: مَرَ رجلٌ على رسول الله في سكَّة مِن السكَك، وقد خرجَ من غائًط أو بَولٍ فَسلَمَ عليه، فلم يردَّ علَيه، حَتىَ إذا كادَ الرجَلُ أن يَتوارَى في السكًّةِ، ضَرَبَ بيدَيهِ على الحائط، ومَسحَ بها (2) وجهَهُ، ثم ضَربَ ضَربةَ أخرى، فمسحَ ذراعيه، ثم رد عَلَى الرجلِ السَّلامَ وقال: " إنه لم يمنَعني أن أرُدَّ عليه السلامً (3) إلا أّبي لم أكُن عَلَى طُهرٍ (4) " (5) . ش- أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو عليّ، سكن بغداد، سمع: حماد بن زيد، وشريك بن عبد الله النخعي، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو يعلى، وأبو زرعة الرازي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، وقد كتب عنه، وكذا ابن معين. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد (6) . ومحمد بن ثابت العبدي المصري أبو عبد الله. روى عن: نافع،

_ (1) في سنن أبي داود: " فكان ". (2) في سنن أبي داود: " بهما ". (3) في سنن أبي داود: " عليك السلام ". (4) زيد في سنن أبي داود بعد هذا: " قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم. قال ابن داسة: قال أبو داود: لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على " ضربتين " عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَوَوهُ فعل ابن عمر ". مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (115/370) . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/1) .

وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم. روى عنه: ابن البارك، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس هو بالمتقن، يكتب حديثه. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه 0 وقال النسائي: يروي عن نافع، لبس بالقوي. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . ونافع القرشي العدوي مولى ابن عمر- رضي الله عنهم-. قوله: " يومئذ " أصله: " يوم إذ كان كذا "، فحذف " كان كذا "، وعوض عنها التنوين، وكذا " حينئذ "، و " ساعتئذ "، و " وقتئذ ". قوله: " أن قال " في محل الرفع على أنه اسم " كان " وخبره مقدماً عليه " من حديثه "، والتقدير: كان قوله: مرّ رجل ... إلى آخره من حديثه يومئذ. قوله: " في سكة من السكك " أي: الطرق والأزقة، وأصلها النخل المصطفة، ثم سميت الطرق بذلك لاصطفاف المنازل بجانبيها. قوله: " أن يتوارى " أي: أن يغيب. ويُستفادُ من هذا الحديث الفوائد التي ذكرناها في الحديث الذي قبله، مع زيادة تنصيص على الضربتين. وقد أنكر البخاري على محمد بن ثابت رفعَ هذا الحديث. وقال الخطابي (2) : " وحديث ابن عمر لا يصح؛ لأن محمد بن ثابت العَبدي ضعيف جدا، لا يحتج بحديثه ". وقال البيهقي (3) : " ورفعه غير منكر، وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين والمرفقين شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت، غير مناف لها ". قلت: أما أنه غير مناف فصحيح، وأما أنه شاهد ففيه نظر؛ لأنه لم

_ (1) المصدر السابق (24/5104) . (2) معالم السنن (1/86) . (3) " المعرفة " للبيهقي كما في نصب الراية (1/153) .

يوافق رواية ابن ثابت في رفع الذراعين، بل هذا هو علة من علل الرفع، فكيف يكون المقتضي للتعليل وهو الوقف مقتضياً للتصحيح؟ وقال البيهقي أيضاً (1) : وهو- أي: محمد بن ثابت- في هذا الحديث غير مستحق للنكير بالدلائل التي ذكرتها. ثم قال: وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه. وأشار البيهقي بذلك أن مسلماً لما رواه عنه قال: حدَّثنا محمد بن ثابت العَبدي، وكان صدوقاً، وصدقه لا يمنع أن يُنكر عليه رفعه على وجه الغلط، لمخالفة غيره له على عادة كثير من أهل الحديث أو أكثرهم. 315- ص- نا جعفر بن مسافر، نا عبد الله بن يحيى البُرُلسي، أنا حيوة ابن شريح، عن ابن الهاد، أن نافعاً حدَثه عن ابنِ عمرَ قال: " اقبلَ رسولُ الله من الغائط فلقيَهُ رجلٌ عندَ بئرِ جَمَل، فسلَمَ عليهِ، فلم يَردَّ عليه رسولُ اللهَ- عليهَ السَلامَ- حتى أقبلَ على الحائط، فوضَعَ يدَهُ على الحائط، ثم مَسحَ وجهَه ويديه، ثم رَدَّ رسولُ اللهَ- عليه السلام- علىَ الَرجلِ السلامَ " (2) . ش- جعفر بن مسافر التَنّيسي، أبو صالح الهذلي. سمع: يحيى بن حسان التِّنِّيسي، وأيوب بن سويد الحميري الرملي، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن يحيى البرلسي. روى عنه: أبو داود/، وابنه عبد الله بن أبي داود، والنسائي، وقال: صالح، وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة أربعين ومائتين (3) . وعبد الله بن يحيى المعافري المصري البرلسي- بضم الباء الموحدة والراء واللام- قرية من سواحل مصر. روى عن: نافع بن يزيد، وحيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. روى عنه: دُحَيم، وجعفر

_ (1) المصدر السابق. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/955) .

113- باب: الجنب يتيمم

ابن مسافر، وأبو داود، وغيرهم. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وأحاديثه مستقيمة. روى له: البخاري، وأبو داود (1) . وحيوة بن شريح بن صفوان أبو زرعة المصري قد ذُكر. وابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثي المدني أبو عبد الله، كان أعرج يَعرج من رجليه جميعاً، وهو ابن أخي عبد الله ابن الهاد. روى عن: عبد الله بن خَبّابٍ، وعبد الله بن دينار، والزهري، وجماعة آخرين. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن عيينة، وحيوة بن شريح، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. توفي سنة تسع وثلاثين ومائة بالمدينة. روى له الجماعة (2) . ويستفاد من الحديث الفوائد التي تقدمت. وقال البيهقي: وحديث يزيد بن الهاد عن نافع أتم من ذلك. أي: من حديث محمد بن ثابت العَبدي، وقال أيضاً: وهذا شاهد لرواية محمد بن ثابت، يعني: أنه مرفوع لا يُنكر رفعه، فافهم. *** 113- باب: الجنب يتيمم (3) أي: هذا باب في بيان أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم. واعلم أن العلماء أجمعوا على جواز التيمم عن الحدث الأصغر بلا خلاف، وكذا أجمع أهل هذه الأعصار ومَن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف والسلف، إلا ما جاء عن عمر وابن مسعود، وحكي عن إبراهيم النخعي مثله، وقيل: إن عمر وابن مسعود رجعا عنه. وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة

_ (1) المصدر السابق (16/3655) . (2) المصدر السابق (32/7011) . (3) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.

المشهورة، وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه. وهو مذهب متروك بالإجماع، وبالأحاديث الصحيحة في أمره- عليه السلام- الجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء، والله أعلم. 316- ص- ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة ح، ونا مسدد قال: ثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذر قال: اجتَمَعت غُنيمةٌ عندَ رسولِ اللهِ- عليه السلامُ- فقال: " يا أبا ذرٍّ ابدُ فيها " فَبدوت إلى الربذة، فكانت تُصيبُني الجَنابةُ، فأمكُثُ الخمسَ والستَّ، فأتيتُ رسولَ الله- عليه السلامُ- فقالَ: أبو ذرٍّ؟ فسكتُّ، فقال: " ثَكلَتكَ أمُّكَ أبا ذرٍّ! لَأمِّكَ الويلُ، فدعا لي بجارية سوداءَ، فجاءت بعُسٍ فيه ماءٌ، فسَتَرني بثوب واستَترتُ بالرَاحلَة، فاغتسَلتُ، فكأنَنِي (1) ألقيَتُ عني جَبَلاً، فقال: " الصّعيدُ الطَّيبُ وُضوءُ اَلمسلم ولَو إلى عشرِ سنين، فإذا وَجدتَ الماءَ فامسَحهُ (2) جِلدَكَ، فإن ذلك خيرٌ " (3) . ش- عمرو بن عون أبو عثمان الواسطي، وخالد بن عبد الله الواسطي، وخالد بن مِهران الحذاء البصري، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرمي البصري. وعمرو بن بُجدان- بضم الباء الموحدة وسكون الجيم- العامري القعنبي. روى عن أبي ذر الغِفاري، وأبي زيد الأنصاري. روى عنه: أبو قلابة، وحديثه في البصريين. قال ابن المديني: لم يرو عنه

_ (1) في سنن أبي داود: " واغتسلت، فكأني ". (2) في سنن أبي داود: " فأمسه "، وهي رواية كما سيذكر المصنف. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (124) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الصلوات بتيمم واحد (1/171) .

غير أبي قلابة روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وأبو ذر اسمه: جُندب بن جُنادة بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة (2) بن حرام بن غفار، ويقال: اسمه: برير بن جُنادة، ويقال: برير بن جندب، ويَقال: جندب بن عبد الله، ويقال: جندب بن السكن. والمشهور الأول. روي عنه قال: أنا رابع الإسلام، ويقال: كان خامساً في الإسلام، أسلم بمكة ثم رجع/إلى بلاد قومه، ثم قدم المدينة إلى رسول الله. رُوي له عن رسول الله مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على اثني عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر حديثاً. روى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وزيد بن وهب، والمعرور بن سويد، وخلق سواهم. مات بالرَبذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود. روى له الجماعة (3) . قوله: " غُنيمة " الغُنَيمة: تصغير الغنم؛ لأن الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور وعلى الإناث وعليهما جميعاً، فإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور، فتؤنث العدد، دان عنيت الكباش إذا كان ثلاثة من الغنم، لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه. قوله: " ابدُ فيها " ابد- بضم الهمزة- أمر من بدا، يبدو، إذا خرج إلى البدو، يقال: بدا القوم بدوا، إذا خرجوا إلى البادية، والضمير الذي في " فيها " يرجع إلى الغنم، أي: اخرج إلى البدو في الغنم،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4330) . (2) في الاستيعاب: " الواقعة "، ولم يذكر هذا الاسم في أسد الغابة ولا الإصابة. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامس الإصابة (4/61) ، وأسد الغابة (6/99) ، والإصابة (4/62) .

وكلمة " في " هاهنا للمصاحبة، والمعنى: اخرج إلى البادية مصاحباً الغنم، كما في قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَومه في زينَته) (1) ، ويكون محل " فيها " نصباً على الحال. قوله: " فبدوت إلى الربذة " أي: أخرجتها إلى بادية الربذة، والربذة - بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة-: قرية معروفة قرب المدينة، بها قبر أبي ذر الغفاري، بينها وبين المدينة ثلاث مراحل. قوله: " فأمكث الخمس والست " أي: خمسة أيام وستة أيام، ونصبهما على الظرفية. قوله: " ثكلتك أمك " أي: " (2) فقدتك، والثكل- بضم الثاء-: فقد الولد، وامرأة ثاكل وثكلى، ورجل ثاكل وثكلان، كأنه دعى عليه بالموت لسوء فعله، أو قوله، والموت يعم كل أحد، فإذن الدعاء عليه كَلا دُعاء، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءاً، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: " تربت يداك، وقاتلك الله ". قوله: " أبا ذر " نصب على النداء، وحرف النداء محذوف تقديره: يا أبا ذر. قوله: " لأمك الويل " أي: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعى بالويل، و " الويل " مرفوع بالابتداء، وخبره " لأمك " مقدماً، والمعنى: إنها إذا فقدت ولدها يكون لها ويل وعذاب، وهذا دعاء بعد دعاء، يدل على أنه- عليه السلام- تغيظ على أبي ذر غيظاً قويا لمكثه في الجنابة هذا المقدار الذي ذكره. قوله: " فجاءت بعُس " العس- بضم العين المهملة، وتشديد السين-: القدح الضخم، وجمعه عِسَاسٌ وأعساسٌ.

_ (1) سورة القصص: (79) . (2) أنظر: النهاية (1/217) .

قوله: " فاستترت بالراحلة " الراحلة: الركب من الإبل ذكراَ كان أو أنثى. قوله: " الصعيد " مبتدأ، و " الطيب " صفته، ومعناه: الطاهر، وخبره: " وضوء المسلم " يجوز في " الوضوء " ضم الواو وفتحها، والفتح أشهر وأصح. قوله: " ولو إلى عشر سنين " الراد: نفس الكثرة، لا العشرة بعينها، وتخصيص العشرة لأجل الكثرة لأنها منتهى عدد الآحاد، والمعنى: له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء إلى عشر ستين، وليس معناه: أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر ستين. قوله: " فإذا وجدت الماء فامسحه جلدك " معناه: اغسل به جلدك: لأن المسح يجيء بمعنى الغَسل كما ذكرنا غير مرة، وفي بعض الرواية: " فأمِسَّهُ جِلدكَ " - بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد السين المفتوحة- من الإمساس. قوله: " فإن ذلك خير " أي: فإن إمساس الجلد بالماء عند وجوده خير من التيمم. ويُستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: فيه دليل على أن المتيمم يجمع بتيمُّمه بين صلوات كثيرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو حُجَة على مخالفيه. والثانية: فيه دليل على انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على سائر الأحوال، سواء كان في صلاة أو غيرها، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً، وهو حجة على مخالفيه أيضاً. والثالثة: أن المُحدِثَ/والجنبَ سواء في التيمم. وقال الخطابي (1) : " يحتج به من يرى إذا وجد من الماء ما لا يكفي لكمال الطهارة أن يستعمله في بعض أعضائه، ويتيمم للباقي، وكذلك فيمن كان على بعض أعضائه

_ (1) معالم السنن (1/88) .

جرح، فإنه يغسل ما لا ضرر عليه من غَسله، ويتيمم للباقي منه، وهو قول الشافعي، ويحتج به أيضاً أصحابه في أن لا يتيمم في مصر لصلاة فرض، ولا لجنازة، ولا لعيد؛ لأنه واجد للماء فعليه أن يُمسه جلده ". قلت: لا نسلم أن الاحتجاج به في الصورة الأولى صحيح؛ لأنه لا يدل على صحة الجمع بين البدل والمبدل، ومن اين يعرف من قوله: " فأمسه جلدك " أن يمس الماء بعض جلده، ويتيمم للبعض؟ والعبارة لا تدل على هذا أصلاَ، بل هذا حجة لنا عليهم؛ لأن قوله: " فإذا وجدت الماء " أي: الماء الكامل الوافي للاغتسال أو الوضوء " فأمسه جلدك "؛ لأنه ذكر محلى بالألف واللام فيتناول الكامل، حتى إذا وجد ماء لا يكفي يكون وجوده وعدمه سواء فيتيمم، كما إذا وجد ماء كافياً ولكنه يحاف العطش على نفسه أو دابته، فإنه كالمعدوم. وأما الصورة الثانية، فكذلك لا يصح الاحتجاج به فيها؛ لأن مجرد وجود الماء لا يكفي، بل الشرط القدرة عليه، فالذي تحضره الجنازة ويخاف فوتها غير قادر على استعمال الماء، حتى إذا لم يخف فوتها لا يجوز التيمم أيضاً، كما هو مصرح في كتب الحنفية. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الثلاثين من القسم الأول، ورواه الحاكم في " المستدرك " (1) وقال: حديث صحيح، ولم يخرجاه، وكذا رواه الدارقطني في " سننه " (2) . ص- قال مسدد: " غُنيمة من الصدَقَةِ "، وحديث عمرو أتم. ش- أشار بهذا إلى أن في رواية مسدد " غنيمة من الصدقة "، وأشار بقوله: " وحديث عمرو أتم " إلى أن هذه الرواية التي فيها صرح باسم عمرو بن بُجدان أتم من الرواية الثانية التي لم يُصّرح فيها عمرو، وإنما

_ (1) (1/176) . (2) (1/186- 187) .

ذكر عن أبي قلابة، عن رجل، لما يجئ الآن، ولأجل هذا " (1) ضعف ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام " هذا الحديث فقال: وهذا حديث ضعيف بلا شك، إذ لا بد فيه من عمرو بن بُجدان، وعمرو بن بُجدن لا يعرف له حال. وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه، فقال خالد الحذاء عنه، عن عمرو بن بُجدان، ولم يختلف على خالد في ذلك. وأما أيوب، فإنه رواه عن أبي قلابة، واختلف عليه، فمنهم من يقول: عنه، عن أبي قلابة، عن رجل من بني قلابة (2) . ومنهم من يقول: عن عمرو بن بُجدان، كقول خالد. ومنهم من يقول: عن أبي المُهلب. ومنهم من لا يجعل بينهما أحدا، فيجعله عن أبي قلابة، عن أبي ذر. ومنهم من يقول: عن أبي قلابة أن رجلاً من بني قشير قال: " يا نبي الله " هذا كله اختلف (3) على أيوب في روايته عن أبي قلابة. قال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بُجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه هذا " حديث حسن صحيح "، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثاً انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يَروِ عَنهُ إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي، وأما الاختلاف الذي ذكره من كتاب الدارقطني، فينبغي على طريقته وطريقة الفقه أن ينظر في ذلك، إذ لا تعارض بين قولنا: عن رجل، وبين قولنا: عن رجل من بني عامر، وبين قولنا: عن عمرو بن

_ (1) انظر: نصب الراية (1/148- 149) . (2) كذا في الأصل، وفي " نصب الراية "، وفي " سنن الدارقطني " (1/187) ، و" مصنف ابن أبي شيبة " (1/105) : " عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر ". (3) في نصب الراية: " اختلاف ". 10* شرح سنن أبي داوود 2

بُجدان، وأما من أسقط ذكر هذا الرجل فيؤخذ بالزيادة ويُحكم بها، وأما من قال: عن أبي المهلب، فإن [كان] (1) كنية لعمرو، فلا اختلاف، وإلا فهي رواية واحدة مخالفة احتمالاً لا يقيناً، وأما من قال: إن رجلاً من بني قشير قال: " يا نبي الله "، فهي مخالفة، فكان يجب أن ينظر في إسنادها على طريقته، فإن لم يكن ثابتاً لم يعلل بها، والله أعلم " (2) . 317- ص- حدَّثنا موسى بن (3) /إسماعيل قال: نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر قال: دخلتُ في الإسلام، فَهمَّني (4) دينِي، فأتيتُ أبا ذر، فقال أبو ذر: إِني اجتَوَيتُ المَدينةَ، َ فأمر لي رسولُ الله بذَود وبغنم، فقال لي: اشرب من ألبانِهَا. قال (5) : وأشكُ في أبوالهَا، قالَ أبو ذر: فكنتُ أعزُبُ عن الماء ومعي أهلِي فَتُصِيبُنيِ الجَنابةُ، فأصًلِّي بغيرِ طَهُور، فأتيتُ رسولَ الله بنصفَ النهار، وهو في رهط من أصحابه، وهو في ظلِّ المَسجد، فقال: أَبو ذر؟ فقلت: نعم، هلكت يا رسولَ اللَهَِ، قال: وما أَهلككَ؟ َ قلتُ: إني كنتُ أعزُبُ عن الماء، ومعي أهلِي، فتُصيبُنِي الجَنابةُ، فأصَلِّي بغيرِ طُهر (6) ، فأمرَ لي رسولُ الله بماء، لجاءت به جَارية سوداءُ بعُس يَتَخَضخَضُ ما هو بملآن، فَتَسَتَّرتُ إلَى بعير (7) ، فاغتسَلتُ، ثم جِئت، فقال رسولُ الله: يا أبا ذر، إن الصَّعيدَ طَهُور فإن لم تجدِ المَاءَ إلى عشرِ سنين، فإذا وجدتً الماءَ فأمِسَّهُ جِلدَكَ " (8) . ش- حماد بن سلمة، وأيوب السختياني، ورجل من بني عامر هو عمرو بن بُجدان المتقدم في الحديث الذي قبله، سماه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وسماه سفيان الثوري، عن أيوب.

_ (1) زيادة من نصب الراية. (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (3) مكررة في الأصل. (4) في سنن أبي داود: " فأهمني ". (5) في سنن أبي داود: " قال حماد: وأشك في أبوالها: هذا قول حماد ". (6) في سنن أبي داود: " طهور ". (7) في سنن أبي داود: " بعيري ". (8) تفرد به أبو داود.

قوله: " فهمني ديني " أي: أمور ديني، يقال: همه الأمر، إذا أقلقه وحَزَنَهُ. قوله: " إني اجتويت المدينة " أي: أصابني " الجَوَى " وهو المرض، وداَء الجوف إذا تطاول، ويقال: اجتويت البلد، إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. قوله: " بذود " الذود- بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو- من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، كالنَعم. وقال أبو عبيد: الذود من الإناث دون الذكور. قوله: " فكنت أعزب عن الماء " أي: أبعد، وقد عزب يعزُب فهو عازب، إذا أبعد، َ من باب نصر ينصر. قوله: " وهو في رهط " الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، قال اللهُ تعالى: (وَكَانَ فِي المَدِينَة تسعةُ رَهط) (1) فجمع وليس لهم واحد من لفظهم، مثل: ذود، والَجَمع: أرهُط وأرهَاط، وأرَاهِط كان (2) جمع أرهط، وأراهيط. قوله: " فقال: أبو ذر؟ " أي: هذا أبو ذر؟ أو هو أبو ذر؟ قوله: " يتخضخض " أي: يتحرك، من الخضخضة، وهي التحريك. قال الجوهري: " الخضخضة ": تحريك الماء ونحوه، وقد خضخضته فتخضخض. والحديث بهذا الطريق أخرجه النسائي، والدارقطني (3) ، وابن حبان. ص- رواه حماد بن زيد، عن أيوب، ولم يذكر " أبوالها ". ش- أي: روى هذا الحديث حماد بن زيد البصري، عن أيوب السختياني، ولم يذكر في روايته: " أبوالها ".

_ (1) سورة النمل: (48) (2) كذا. (3) (1/187) .

114- باب: إذا خاف الجنب البرد تيمم

[ص-] وقال أبو داود: " أبوالها " ليس بصحيح في هذا الحديث، وليس في " أبوالها " إلا حديث أنس، تفرد به أهل البصرة. [ش-] قلت: هو ما رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث أنس: " أن ناساً من عُرينة اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله فأتي بهم، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة ". أخرجه: البخاري، ومسلم في " الصلاة "، وأبو داود، وابن ماجه في " الحدود "، والترمذي في " الطهارة "، والنسائي في " تحريم الدم ". *** 114- باب: إذا خاف الجنب البرد تيمم أي: هذا باب في بيان حكم الجنب إذا خاف البرد تيمم، وفي بعض النسخ: " باب إذا خاف الجنب البرد ولم يغتسل "، وفي بعضها: " باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ " بهمزة الاستفهام، وهي الصحيحة. 318- ص- حدثنا ابن المثنى قال: نا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعتُ يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران ابن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عمرو بن العاص، قَال: " احتلَمتُ في ليلة بَاردة في غزوة ذات السَلاسِلِ، فَأشفقتُ إنِ اغتَسلتُ أن أهلكَ، فتيَمَمتُ، ثم صليتُ بأصَحابَي الصُبحَ، فذكروا ذلك للنبيَ- عليه السلام-/فقال: يا عمرو، صليتَ بأصحابكَ وأنتَ جُنبٌ؟ فأخبرتُه بالذي مَنعنِي من الاغتسالِ وقلتُ: إني سمعتُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ: (وَلا تَقتُلُوا أنفُسَكُم إِنَّ اللهَ كَانَ بكُم رَحيماً) (1) ، فَضَحكَ نبيُّ الله- عليه السلام- ولم يَقُل شيئاً " (2) .

_ (1) سورة النساء: (29) . (2) تفرد به أبو داود.

ش- " ابن المثنى ": محمد بن المثنى. ووهب بن جرير بن حازم أبو العباس البصري. سمع: أباه، وشعبة، وهشاماً الدَّستوائي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن المديني، وأبو خيثمة، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. مات سنة ست ومائتين منصرفاً من الحج بالمَنجَشَانيّة على ستة أميال من البصرة. روى له الجماعة (1) وأبوه جرير بن حارم قد ذكرناه، ويحيى بن أيوب الغافقي، ويزيد بن أبي حبيب: سويد المصري. وعمران بن أبي أنس المصري العامري، أحد بني عامر بن لؤي. روى عن: عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وسلمان الأغر، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، وغيرهم. روى عنه (2) . روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. قال أحمد: ثقةٌ (3) . وعبد الرحمن بن جبير بن نفير أبو حميد، ويقال: أبو حمير الحضرمي الحمصي، روى عن أبيه. روى عنه: صفوان بن عمرو، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: هو صالح الحديث. قال ابن سعد: كان ثقة. وبعض الناس يستنكر حديثه. ومات سنة ثمان عشرة ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . قوله: " في غزوة ذات السلاسل " ذات السلاسل وراء وادي القرى، بينها وبن المدينة عشرة أيام، وقيل: سميت بماء بأرض جُذام يقال له السّلسل، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6753) . (2) كذا، ولم يذكر أحداَ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4481) . (4) المصدر السابق (17/3782) .

قوله: " فأشفقت " أي: خفت، من الإشفاق، وكذلك الشفَقُ: الخوف، يقال: أشفقتُ، أُشفق، إشفاقاً، وهي اللغة العالية، وحكى ابن درَيد: شفِقتُ، أشفَقُ، شَفقاً، من باب علم يعلم. قوله: " وأنت جنب " جملة اسمية، وقعت حالاً عن الضمير الذي في " صَلَّيت ". ويستفادُ من الحديث فوائدُ، الأولى: جواز التيمم للمسافر الذي يخاف البرد، وإن كان يحد الماء، وأبو حنيفة أجازه للمقيم أيضاً، لوجود العجز حقيقة، وعند الشافعي: إذا خاف على نفسه التلف من شدة البرد تيمم وصفَى، وأعاد كل صلاة صلاها كذلك، وقال مالك وسفيان: يتيمم كالمريض، وقال عطاء بن أبي رباح: يغتسل وإن مات، وهو مُشكلٌ. الثانية: عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في هذه الحالة، وهو حجة على من يأمر بالإعادة؛ لأنه- عليه السلام- لم يأمره بالإعادة لا صريحاً ولا دلالة. الثالثة: جواز الاجتهاد في زمن النبي- عليه السلام- في غيبته، وهو مذهب بعض الأصوليين. 319- ص- حدثنا محمد بن مَسلمة وقال: ثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبَيرِ، عن أبي قيس مولىِ عمرو بن العاص، أن عمرو ابن العاص كان على سرِيَّة، وذكر الحديث نحوه. قال: فَغَسَلَ مَغَابنَهُ وتَوضأ وُضوءَه للصلاةِ، ثم صًلَّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم (1) . ش- ابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري، وابن لهيعة هو: عبد الله بن لهيعة- بكسر الهاء-، وعمرو بن الحارث الأنصاري المصري.

_ (1) انظر الحديث السابق.

وأبو قيس مولى عمرو بن العاص. روى عنه: عبد الرحمن بن جبير، وبسر (1) بن سعيد، وعلي بن رباح، ويزيد بن أبي حبيب، ويقال: إنه رأى أبا بكر الصديق، وقال أبو سعيد بن يونس: اسمه: عبد الرحمن ابن ثابت. وقال محمد بن سُحنون: إن عبد الرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يكنى أبا قيس. قال أبو سعيد: هذا خطأ، وإنما أراد أبا قيس مالك بن الحكم الحبشي وأخطأ. روى له الجماعة (2) . قوله: " كان على سرية " السَرِيَّة: طائفة من الجيش تبلغ أقصاها أربعمائة، تبعث إلى العدو، وقد ذُكِرَ مَرَّة. قوله: " مغابنه " المغابن- با لغين المعجمة-: الأرفاغ، جمع " رُفغ " - بضم الراء وفتحها- وهي أصول الآباط والأفخاذ وغيرهما من مطاوي الأعضاء، وما يجتمع فيه الوَسخ والعَرَقُ/. وقال ابن الأثير (3) : " المغابن جمع " مَغبن "، من غَبَنَ الثوب إذا ثناه وعطفه، وهي معاطف الجلد ".- ص- قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال فيه: " فتيمم ". ش- حسان بن عطية الشامي [أبو] (4) بكر المحاربي مولاهم. رو [ى] عن: أبي واقد الليثي، [وأبي] الدرداء مرسلاَ. سمـ[ع] : ابن المسيب، وابن [المنكـ[در] ، ونافعاً مولى ابن عمر، وغيـ[رهم] روى عنه: الأوزاعي، [وعبد] الرحمن بن ثابت، وحفص بن غيلان، وغيـ[رهم] . قال ابن معين [وابن] حنبل: ثقة. روى له الجماعة (5) .

_ (1) في الأصل: " بشر " خطأ. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7578) . (3) النهاية (3/341) (4) كير ظاهر في الإلحاق وكذا ما بعده. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1194) .

115- باب: المجدور يتيمم

قوله: " قال فيه " أي: قال الأوزاعي في هذا الحديث: " تيمم عمرو ابن العاص ". *** 115- باب: المجدورُ يَتيمّمُ (1) أي: هذا باب في بيان المجدور يتيمم، والمجدور: الذي به جُدريّ. وقال الجوهري: الجُدَري- بضم الجيم وفتح الدال- والجَدَري- بِفَتحِهِمَا- لغتان تقول فيه: جُدَر الرجل، فهو مُجدّرٌ - بالتشديد- والجُدَري: الحُبَيبات التي تظهر في جلد الصبيان غالباً قدر العَدسة ونحوها. 320- ص- حدَّثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، قال: نا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خُريق، عن عطاء، عن جابر قال: خَرَجنا في سفرٍ فأصابَ رَجلاً معنا (2) حَجَر فشجَّه في رأسه، ثم احتَلَمَ، فسأل أصحابَه: هل تَجدونَ لي رُخصة في التيمم؟ فقالوا: مًا نجدُ لك رُخصةً، وأنتَ تَقدرُ على المَاء، فاغتسلَ فماتَ، فلما قَدمنَا على النبيِّ- عليه السلام- اخبَرَ بذلك، فَقالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهمُ اللهُ، ألا سألُوا إذ لمِ يَعلَمُوا؟ افإنما شِفَاءُ العِيًّ السؤالُ، إنما كان يكفيه أن يَتيممَ ويَعصرَ أو يُعصِّبَ- شَكَّ موسى- على جُرحِهِ خِرقَةً، ثم يَمسحُ عليها، ويغسلُ سَائِرَ جَسَدِه (3) . ش- موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي الحلبي. روى عن: زيد بن الحباب، ومحمد بن سلمة، وعطاء بن مسلم، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: لا بأس به، وأبو حاتم، وقال: صدوق (4) . ومحمد بن سلمة الباهلي الخَرّاني.

_ (1) في سنن أبي داود: " باب في المجروح يتيمم "، وأشار محققه إلى أنه في نسخة " هـ " كما عندنا. (2) في سنن أبي داود: " ما ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 /6277) .

والزبير بن خُرَيق- بضم الخاء العجمة، وبعدها راَءٌ مهملة مفتوحة، وباء آخر الحروف ساكنة وقاف- الجزري. روى عن: أبي أمامة " وعطاء. روى عنه: محمد بن سلمة، وعروة بن دينار، وهو قليل الحديث. روى له أبو داود (1) . وعطاء هو: ابن أبي رباح، وجابر بن عبد الله الأنصاري. قوله: " " معنا " في محل النصب على الحال من " رجلاَ " أي: مصاحباً معنا، و " رجلاَ " منصوب على المفعولية، وفاعله " حجر ". قوله: " فشجه " من شَجَّهُ، يَشُجُّهُ شجا، من باب نصر ينصر، فهو مشجوج، وشجج، والشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه، ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. قوله: " ألا سألوا " - بفتح الهمزة وتشديد اللام- وهي حرف تحضيض، مختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض، وهو الحث على الشيء. قوله: " إذ لم يعلموا " كلمة " إذ " للتعليل. قوله: " شفاء العِيِّ " العِيّ- بكسر العين المهملة وتشديد الياء-: الجهل، وقد عيي به يعيا عَياءً، وعَيَّ- بالإدغام والتشديد- مثل: عَيِي. قوله: " ويَعصِر " بمعنى: يعصب. قوله: " على جرحه " متعلق بقوله: " يَعصر ". وقوله: " شك موسى " معترض بينهما، أي: موسى بن عبد الرحمن. ويستفاد من الحديث فوائد: الأولى: ذم الفتوى بغير علم، ولهذا قد عابهم به- عليه السلام- وألحق بهم الوعيد، بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قَتَلَةَ له.

_ (1) المصدر السابق (9/1962) .

الثانية: فيه دليل على جواز التيمم للجنب (1) المجروح الذي يخاف استعمال الماء. الثالثة: فيه دليل على جواز المسح على الجراحة بعد تعصيبها. وقال الخطابي (2) : " فيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر. وقال أصحاب الرأي: إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده ". قلت: أراد بأصحاب الرأي: أصحاب أبي حنيفة، ولكن مذهبهم ليس كما نقله الخطابي، فإنه غلط؛ بل المذهب: أن الرجل إذا كان أكثر بدنه صحيحاً وفيه جراحات، فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم، بل يمسح على الجبائر، وإن كان أكثر بدنه جريحاً فإنه يتيمم فقط ولا يغسل الصحيح، وقط ما نُقِلَ عن أصحابنا أنهم جمعوا بين الماء والتراب. والجواب عما في الحديث: أنه- عليه السلام- ما أمر أن يُجمع بين الغسل والتيمم؛ وإنما بين أن الجنب المَجروح له أن يتيممِ ويمسح على الجراحة ويغسل سائر جسده، فيحمل قوله: " يتيممُ " و " يمسح " على ما إذا كان كثر بدنه جريحاً، ويحمل قوله: " ويغسل سائر جسده " إذا كان كثر بدنه صحيحاً، ويمسح على الجراحة، على أن الحديث معلول؛ لأن فيه الزبير بن خُريق. قال الدارقطني: ليس بقوي. وقال البيهقي: ليس هذا الحديث بالقوي 321- ص- حدَّثنا نصر بن عاصم الأنطاكي قال: نا محمد بن شعيب قال: أخبرني الأوزاعي، أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمع عبد الله ابن عباس قال: أصاب رجلاَ جُرح في عَهد رسول الله، ثم احتلَمَ، فأمِرَ بالاغتسال، فاغتسلَ فماتَ، فبلَغَ ذلك رسولً الله فقالَ: قَتلوه قَتَلَهُمُ اللهُ، الم يكن شِفَا/العِيَ السُؤالُ "؟ (3) .

_ (1) في الأصل: " للميت ". (2) معالم السنن (1/89) . (3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في المجروح تصيبه الجنابة (572) .

116- باب: المتيمم يجد الماء بعد ما صلى في الوقت

ش- نصر بن عاصم الأنطاكي، روى عن: محمد بن شعيب بن شابور، روى عنه: أبو داود، وابن ماجه. ومحمد بن شعيب بن شابور الدمشقي الشامي، مولى بني أمية، مولى الوليد بن عبد الملك. سمع: خالد بن دهقان، وعثمان بن أبي العالية، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: ابن البارك، ومحمد ابن مصفى، وكثير بن عُبيد الحمصّان (1) ، وخلق سواهم. قال أحمد ابن حنبل: ما أرى به بأساً. وقال ابن معين: كان مرجئاً، وليس به في الحديث بأس. وقال محمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة تسع وتسعين ومائة، وهو ابن ثنتين وثمانين سنة ببَيروت. روى له الجماعة (2) . قوله: " جُرح " بضم الجيم الاسم، وبالفتح المصدر، من جرحه جَرحاً. والحديث أخِرجه أبو داود منقطعاً، وأخرجه ابن ماجه موصولاً. وقال أبو علي بن السكن: قال لي أبو بكر بن أبي داود: حديث الزّبير ابن خُريق أصح من حديث الأوزاعيّ. *** 116- بابُ: المُتَيمّم يَجدُ الماء بعد مَا صَلّى (3) في الوقت أي: هذا باب في حكم المتيمم الذي صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت. 322- ص- حدَّثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: نا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: " خَرجَ رجلانِ في سَفر فحَضرت الصلاةُ وليس معهما ماء، فتيمَّمَا صعيداًَ طيباً فصَلّيَا، ثم وَجَدَا الَماءَ في الوَقَت، فأعادَ أحدُهما الصَّلاةَ والوُضوءَ، ولم يُعِدِ الآخر، ثم أتيا رسولَ اللهِ فذَكرا ذلك له، فقالَ للذي لم

_ (1) كذا. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5290) . (3) في سنن أبي داود: " يصلي ".

يُعد: أصَبتَ السُّنَّةَ وَأجزأتكَ صلاتُكَ، وقال للذي توضأ وأعادَ: لك الأجرُ مَرتينِ (1) . ش- محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي المخزومي المدني. وعبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أبو بكر المدني. سمع: مالك بن أنس، وعبد الله بن محمد ابن يحيى، وعبد العزيز بن أبي حازم، وغيرهم. روى عنه: ابنه أحمد ومحمد بن إسحاق المسيبي، وعباس الدوري. قال ابن معين: صدوق، ليس به بأس. مات سنة بضع عشر ومائتين. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (2) . وبكر بن سوادة بن ثمامة الجُذَامي أبو ثمامة المصري: كان فقيهاً مفتياً. روى عن: سهل بن سَعد، وعبد الرحمن بن غنم، وسفيان بن وهب الصحابي (3) ، وعطاء بن يسار، وابن المسيب، وأبي سلمة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن الحارث، والليث بن سَعد، وعبد الرحمن بن زياد وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. توفي بأفريقية، وقيل: بل غرق في بحار الأندلس سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) . قوله: " لك الأجر مرتين " مرة لصلاته الأولى، ومرة لصلاته الثانية. واستفيد من الحديث: أن الرجل إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت لا إعادة عليه، رُوي ذلك عن ابن عمر أيضاً، وبه قال الشعبي، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وإسحاق. وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري: يُعيد الصلاة، واستحبه الأوزاعي، ولم يُوجبه. وقال الخطابي (5) :

_ (1) النسائي: كتاب الغسل، باب: التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة (1/213) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3607) . (3) في الأصل: " الصحابية ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/746) . (5) معالم السنن (1/90) .

" في هذا الحديث من الفقه أن السُّنَة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها، كهو للمتطهر بالماء ". قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الحديث لا يدل على هذا، بل المروي عن ابن عمر أنه قال: يتلَّوم ما بينه وبن آخر الوقت، وبه قال: عطاء؟ وأبو حنيفة، وسفيان، وأحمد بن حنبل، ومالك، إلا أنه قال: إن كان في موضع لا يرجى فيه وجود الماء تيمم وصلى في أول وقت الصلاة. وعن الزهري: لا يتيمم حتى يخاف فوات الوقت. ص- قال أبو داود: وغيرُ ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرةَ بن أبي ناجيةَ، عن بكر بن سَوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي- عليه السلام- وذِكرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ هو مرسل. ش- رواه ابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، عن الليث، عن بكر، عن عطاء، عن النبي- عليه السلام- مرسلاَ، وأسنده أبو الوليد الطيالسي عن الليث، عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. تفرد بذلك/أبو الوليد الطيالسي، ولم يُسند عَميرة بن أبي ناجية غير هذا الحديث، قاله أبو علي بن السكن، وأخرجه النسائي مُرسلاَ ومُسنداً، وأخرجه الحاكم أيضاً مسنداَ، وقال: صحيح على شرطهما، فإن ابن نافع ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره. وقال الطبراني في " الأوسط " (1) : لم يروه متصلاَ إلا ابن نافع تفرَد به المسيبي. وقال الدارقطني: تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلاَ، وخالفه ابن المبارك وغيره، فلم يذكروا أبا سعيد. وقال ابن القطان: عميرة مجهول الحال. قلت: عَميرة ليس بمجهول الحال، ذكره ابن حبان في " الثقات " وهو

_ (1) (8 /7922) ولفظه: " لم يرو هذا الحديث- مجوداَ- عن الليث بن سعد إلا عبد الله بن نافع ".

117- باب: الغسل يوم الجمعة

- بفتح العين وكسر الميم- ابن أبي ناجية المصري. روى عن: يزيد بن أبي حبيب، وجماعة. وروى عنه: بكر بن مضر، وابن وهب، وجماعة. وقال النسائي: ثقة، وكان عابداَ بكاء، قاله ابن يونس. مات سنة ثلاث ومائة. 323- ص- حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: ثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار: " أن رجلين من أصحابِ النبيَ- عليه السلام- " بمعناه (1) . ش- أبو عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، روى عن: عطاء بن يسار، روى عنه: بكر بن سوادة. روى له: أبو داود (2) . قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور، وهذا أيضاً مُرسلٌ. *** 117- باب: الغُسل يَوم الجُمعة أي: هذا باب في بيان الغسل يوم الجمعة. 324- ص- حدَثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال: ثنا معاوية، عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة أخبره، أن عمر بن الخطاب بَينا هو يخطُبُ يومَ الجُمُعَة، إذ دَخلَ رجلٌ فقال عُمرُ: أتَحتَبسُون عن الصلاة؟ فقال الرجلُ: ما هوَ إلا أن سمعتُ النَداءَ فتوضأت، َ فقالَ عمرُ: والوَضوءُ أيضاً!! أوَلَم تسمعُوا رسولَ الله يقول: " إذا أتَى أحدُكُمُ الجُمُعَةَ فليغتَسِل "؟ (3) .

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7477) . (3) البخاري: كتاب الجمعة، باب: فضل الغسل عن عمر، باب: فضل الجمعة (881) ، مسلم: كتاب الجمعة (4/845) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في اغتسال الجمعة (493) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الأمر بالغسل يوم الجمعة (3/93) .

ش- الربيع بن نافع الحلبي. ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي الأسود الألهاني، واسم أبي سلام ممطور. سمع: جده أبا سلام، وأخاه زيد بن سلام، والزهري، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: الوليد بن مسلم، وأبو توبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له الجماعة إلا الترمذي (1) . ويحيى هو يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي. قوله: " بينا هو يخطب " قد مر الكلام في " بينا " مرةَ. قوله: " النداء " أي: الأذان. والرجل القائل هو: عثمان بن عفان. واختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكِي وجوبه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري، ومالك. وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سُنَة مستحبة ليس بواجب. قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك. واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث الواردة في هذا الباب، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها حديث هذا الرجل الذي دخل وعُمر يخطب وقد ترك الغسل، ولو كان واجباً لأمره عُمر أن ينصرف فيغتسل، فدل سكوت عمر ومَن حضره من الصحابة على أن الأمر به محمول على معنى الاستحباب دون الوجوب، وليس يجوز على الرجل الذي دخل- الذي ذكر في هذا الخبر من غير هذا الوجه أنه عثمان- وعلي وعمر ومَن بحضرته من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا على ترك الواجب. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه 0 325- ص- حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 6057) .

سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: " أن رسولَ الله- عليه السلام- قال: " غُسلُ يوم الجُمُعُةِ واجبٌ على كلِّ مُحتَلِمٍ " (1) . ش- مالك بن أنس. قوله: " مُحتلمٍ " أي: بالغ، والمعنى: أنه متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب عليّ، أي: متأكَّد، لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب عليه، وشهد لصحة هذا التأويل الأحاديث الصحيحة، كحديث عمر وغيره، ومثل هذا الواجب يسمى وجوب الاختيار والاستحسان. وقد أجاب بعض أصحابنا أن هذه الأحاديث التي ظاهرها الوجوب منسوخة بحديث: " من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضلُ ". وقال ابن الجوزي: " أحاديث الوجوب أصح وأقوى، والضعيف لا ينسخ القوي ". قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في " الطهارة " والترمذي، والنسائي في " الصلاة "، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في " سننه "، والبيهقي كذلك، وابن أبي شيبة/في " مصنفه "، وسنتكلم عليه. 326- ص- حدَّثني يزيد بن خالد الرملي قال: نا المفضل- يعني: ابن فضالة- عن عياش بن عباس، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، عن النبي- عليه السلام- فال: " على كُلّ محتلم رَواح الجُمُعة (2) وعلى مَن رَواح الجمُعةَ (3) الغُسل " (4) .ًَ

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: وضوء الصبيان متى يجب عليهم الغسل والطهور (858) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به (5/846) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: إيجاب الغسل يوم الجمعة (3/93) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة (1089) . (2) في سنن أبي داود: " رواح إلى الجمعة ". (3) في سنن أبي داود: " وعلى كل من راح إلى الجمعة ". (4) النسائي: كتاب الجمعة، باب: التشديد في التخلف عن الجمعة (3/92) .

ش- عياش بن عباس: الأول بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة، والثاني بالباء الموحدة المشددة والسين المهملة، أبو عَبد الرحيم القِتباني، وبكير بن عبد الله الأشج. قوله: " رواح الجمعة " الرواح: الذهاب أي وقت كان، والحديث أخرجه النسائي. ص- قال أبو داود: إذا اغتسلَ الرجلُ بعدَ طُلوع الفجرِ أجزأه من غسلِ الجُمُعةِ وإن أجنبَ. ش- أشار بهذا إلى أن هذا الغسل لليوم لا للصلاة، وهو قول الحسن ابن زياد من أصحابنا. وقال أبو يوسف: للصلاة. وفائدته طهر فيما قال أبو داود، فعندهما إذا اغتسل بعد طلوع الفجر ينال أجر الغسل؛ لأنه وجد في يوم الجمعة، وعند أبي يوسف لا ينال؛ لأنه لم يصل به الجمعة، وكذا الخلاف إذا اغتسل بعد صلاة الجمعة. قوله: " وإن أجنب " يعني: وإن كان جنباً واغتسل لأجل الجنابة بعد طلوع الفجر، أجزأه من غُسل الجمعة. 327- ص- حدَثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن مَوهَب الرملي وعبد العزيز بن يحيى الحراني قالا: ثنا محمد بن سلمة. ونا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد- وهذا حديث محمد بن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. قال: أبو داود: وقال يزيد وعبد العزيز في حديثهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي أمامة بن سهل، عن أبى سعيد الخدري، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنِ اغتسَلَ يومَ الجمُعَة، ولَبسَ من أحسنِ ثِيَابِه، ومَس من طيب إن كان عنده، ثمِ أتى الجُمُعَةَ فلمَ يَتَخطَ أعَناقَ الناسِ، ثَم صلَّى ما كَتب اللهُ له، ثم أنصت إذا خَرجَ إمامُه حتى يَفرغُ من صَلاته، كانت كَفارةَ لما بينها وبَين جُمُعَتِهِ التي قَبلَها " (1) .

_ (1) مسلم: كتاب الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة (26/857) مختصرا. 11* شرح سنن أبي داوود 2

ش- حماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي المدني، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. وأبو أمامة: أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، ولد في حياة النبي- عليه [السلام] (1) ، وهو سماه، حدّث عنه مُرسلاَ، وسـ[مع عمر] بن الخطاب، وعثمان، وأبا هريرة، [وزيد] بن ثابت، وأبا سعيد. روى عنه: ابناه محمد وسهل، والزهري، ويحيى الأ [نصاري] ، وغيرهم. مات سنة مائة. روى له: النسائي، وابن ماجه عن النبي- عليه السلام-، وبقية الجماعة عن الصحابة (2) . قوله: " ثم أنصت " أي: سكت. قوله: " إذا خرج إمامه " أي: إذا خرج للخطبة. قوله: " كانت " أي: الخصال المعدودة " كفارةَ "، الكفارة فعالة للمبالغة، كقتّالة، وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسمية، وهي عبارة عن الفَعلة والخَصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي: تسترها وتمحوها، وأصله من الكَفر- بفتح الكاف- وهو التغطية، وقد كَفَرتُ الشيءَ أكفِره- بالكسر- كَفراً أي: سترته. وأما الكُفر- بالضم- فهو ضد الإيمان، وفعله من كفر يكفُر، من باب نصر ينصر. ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: استحباب الغسل يوم الجمعة. الثانية: استحباب لبس أحسن الثياب. الثالثة: استحباب مس الطيب إن وجده، وهو يتناول سائر أنواع الطيب حتى المسك، وغيره. الرابعة: ترك تخطي أعناق الناس، وفيه الإشارة إلى استحباب التبكير.

_ (1) غير واضح في الإلحاق وكذا ما بعده، وأثبتناه من مصادر الترجمة. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/5) ، وأسد الغابة (6/18) ، والإصابة (4/9) ، وتهذيب الكمال (2/403) .

الخامسة: استحباب التنفل قبل خروج الإمام. السادسة: أن النوافل المطلقة لا حد لها، لقوله: " ما كتب الله له ". السابعة: استحباب الإنصات من حين خرج الإمام إلى أن يفرغ من صلاته. واعلم أن قرانه بين غسل الجمعة وبن لُبسه أحسن ثيابه، ومسه الطيب، يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب. وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، وأدرج فيه زيادة " ثلاثة أيام " في الحديث. ص- قال: ويقول أبو هريرة: " وزيادةُ ثلاثة أيامٍ "، ويقول: " إن الحسنةَ بعَشرِ أمثالِهَا ". ش- أي: قال يزيد بن خالد: يقول أبو هريرة في روايته: " كانت كفارة لما بينها وبن جمعته التي قبلها، وزيادة ثلاثة أيام "، ويقول: " إن الحسنة بعشر أمثالها "، لقوله تعالى: (مَن جَاءَ بالحَسَنَة فَلَهُ عَشرُ أمثَالهَا) (1) /. فإن قلت: ما بين الجمعتين ستة أيام، فإذا ضمّيتَ عليه ثلاثَة تكون تسعة أيام فما صحت العشرة، فإن حَسِبت الجمعتين معها تكون أحد عشر يوماً فلا يستقيم قوله: " إن الحسنة بعَشر أمثالها " قلت (2) " المراد ما بين الساعة التي يُصلي فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى على سبيل التكسير لليوم، فيستقيم الأمر في تكميل العشرة، وقد اختلف الفقهاء قيمن أقر لرجل بما بَين درهم إلى عشرة دراهم، فقال أبو حنيفة: يلزمه تسعة دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه عشرة. ويدخل فيه الطرفان والواسطة. وقال أبو ثور وزفر: لا يلزمه أكثر من ثمانية ويسقط الطرفان، وهو قول الشافعي أيضاً ". ص- قال أبو داود: حديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة.

_ (1) سورة الأنعام (160) . (2) انظر: معالم السنن (1/92)

ش- إنما صار حديث محمد بن سلمة أتم؛ لأنه ذكر في روايته: " زيادة ثلاثة أيام " عن أبي هريرة، ولم يذكرها حماد بن سلمة. 328- ص- ثنا محمد بن سلمة المُرادي قال: أنا ابن وهب.، عن عمرو ابن الحارث: أن سعيد بن أبي هلال، وبُكَير بن الأشج حدّثاه عن أبي بكر ابن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله- عليه السلام- قال: " الغُسلُ يوم الجُمُعَة على كُلِّ مُحتَلِم، والسِّوَاكُ، وَيَمسُّ من الطِّيبِ مَا قُدَرَ لَهُ " إلا أن بكيراَ لمَ يذكر عبدَ الرحمن، وقال في الطيب: " ولو من طِيبِ المَرأةِ " (1) . ش- ابن وهب هو: عبد الله بن وهب. وسعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء المصري، ويُقال: المدني. روى عن: محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، ونبيه بن وهب، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، وهشام بن سعد، وخالد بن يزيد، وعمرو بن الحارث. قال أبو حاتم: لا بأس به. توفي سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . وأبو بكر هذا هو أخو محمد بن المنكدر، ولم يُعرف اسمه، وكنيته اسمه، ومن لم يُميّز بينهما ربما يعتقد أن المراد من أبي بكر في هذا الحديث هو: محمد بن المنكدر. وعمرو بن سليم بن عمرو بن خلدة بن مخلَّد- بالتشديد- ابن عامر ابن زريق الزرقي الأنصاري المدني. روى عن: عمر بن الخطاب،

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم (857) ، وانظر (895) ، (2665) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به (5/846) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: إيجاب الغسل يوم الجمعة (3/95) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَة فيها، باب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة (1089) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2372) .

وسمع أبا قتادة، وأبا سعيد الخدري، وابنه عبد الرحمن بن أبي سعيد، وأبا حُمَيد الساعدي. روى عنه: سعيد المقبري، وأبو بكر بن المنكدر، وبكير بن عبد الله الأشج، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة (1) . وعبد الرحمن بن سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي أبو حفص، أو أبو محمد، أو أبو جعفر المدني، وهو ابن أبي سعيد الخدري. روى عن: أبيه، وأبي حُميد الساعدي. روى عنه: عطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعمرو بن سُليم الزُّرقي، وغيرهم. مات سنة ثنتي عشرة ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " الغُسل " مبتدأ، و " يوم الجمعة " نصب على الظرف. قوله: " على كل محتلم " متعلق بمحذوف، وهو مع متعلقه خبر المبتدأ. فإن قيل: ما متعلقه المحذوف؟ قلت: لفظة " على " يدل على أن المتعلق " واجب " أي: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. وذلك لا في " على " للإيجاب. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون غسل يوم الجمعة واجباً؟ قلت: قد مر الكلام فيه مستوفى، ويجوز أن تكون " على " هاهنا بمعنى " من " نحو قوله تعالى: (إِذَا اكتَالُوا عَلَى النَاسِ يَستَوفُونَ) (3) ، ويكون المعنى: الغسل يوم الجمعة من كل محتلم مستحب أو فضيلة. قوله: " والسواكُ " قال الشيخ محيي الدين في " شرح مسلم " (4) : أي: ويُسَن له السواك. قلت: الأولى أن يكون هذا عطفاً على الغسل، ويكون التقدير: والسواك أيضاً على كل محتلم. ويكون الكلام فيه مثل الكلام في الغسل. قوله: " ويَمسّ من الطيب " يجوز فيه الرفع، ويكون هذا كلاماً بذاته

_ (1) المصدر السابق (22/4379) . (3) سورة المطففين: (2) . (2) المصدر السابق (17/3829) . (4) (6/135) .

منقطعاً عما قبله، ويحوز النصب بتقدير " أن "، ويكون حينئذ في قوة المصدر، والتقدير: ومَسُّه من الطيب، ويكون عطفاً على قوله: " والسواك ". قوله: " ما قدر له " في محل النصب على أنه مفعول " يَمسُّ ". قال القاضي: هذا الكلامُ محتمل لتكثيره، ومحتمل لتأكيده حتى يفعله/بما أمكنه، ويؤيده قوله: " ولو من طيب المرأة " وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، فأباحه للرجل هنا للضرورة لعدم غيره. وهذا يدل على تأكده. قوله: " إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن " أي: إلا أن بكير بن عبد الله الأشج لم يذكر في روايته عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ولكن قال في الطيب: " ولو من طيب المرأة " أي: ولو كان الطيب من طيب المرأة. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وأخرجه البخاري من حديث عَمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد الخدري بنحوه. 329- ص- حدثنا محمد بن حاتم الجَرجرائي (1) قال: ثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي قال: نا حسان بن عطية قال: حدَثني أبو الأشعث الصَنعانِي قال: حدَّثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من غسل يومَ الجُمُعة واغتسلَ، ثم بكر وابتكَرَ، ومَشَى ولم يركَب، ودَنا من الإمام فاستمعَ، ولم يَلغُ، كان له بكل خُطوة عملُ سنة اجرُ صيامِها وقيَامِها " (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: " ... الجرجرائي، حدثنا حِبي " وهو خطأ، وإنما محمد الجرجرائي معروف ب " حبي "، وهو مترجم في تهذيب الكمال (25/5128) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل غسل يوم الجمعة (496) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة (3/95) ، وباب: الفضل من الدنو هن الإمام (3/102) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة (1087) .

ش- ابن المبارك: هو عبد الله بن المبارك. وأبو الأشعث شَرَاحيل بن شُرحبيل بن آدة الصنعاني، صنعاء دمشق، وكانت قرية بالقرب من دمشق، وهي الآن أرض فيها بساتين تقرب من الربوة، وقيل: إنه من صنعاء اليمن، و " آدة " ممدودة. سمع: عبادة ابن الصامت، وابن عَمرو، وأبا هريرة، وثوبان، وأوس بن أوس الثقفي، وغيرهم. روى عنه: مسلم بن يسار، وحسان بن عطية، والوليد بن سليمان، وجماعة آخرون. قال أحمد بن عبد الله العجلي: تابعي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " من غسل يوم الجمعة واغتسل " رُوي مخففاً ومشدداً، ومن خفف قال: معناه وطئ امرأة قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأنه يجمع غض البصر، يقال: غسل الرجل امرأته، وغسلها- مخففاً ومشدداً- إذا جامعها، وفحل غُسَله: إذا كان كثير الضراب، ومن شدد قال: معناه: غسل غيره؛ واغتسل هو؛ لأنه إذا جامع امرأته أحوجها إلى الغُسل. وقيل: أراد بـ " غسل " غَسل أعضائه للوضوء، ثم اغتسل بعد ذلك للجمعة. وقيل: معنى " غسل " غسل الرأس خاصة؛ لأن العرب لهم لمم وشعور، وفي غسلها مؤنة، فأفرد ذكر الرأس لذلك. و " اغتسل " غسل سائر جسده. وقيل: معناهما واحد، وكررهما للتأكيد، كما قال: " مشى ولم يركب ". قوله: " ثم بكر وابتكر " قيل: معنى " بكر " يعني إلى الصلاة فأتاها في أول وقتها، وكل مَن أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، " وابتكر ": أدرك أول الخطبة، وأولها باكورتها، كما يقال: ابتكر الرجل، إذا أكل باكورة الفاكهة. وابتكار الجارية: أخذُ عذرتها. وقيل: " بكر " تصدق قبل خروجه، وتأول في ذلك قوله في الحديث: " باكروا بالصدقة، فان البلاء لا يتخطاها ". وقيل: معنى اللفظتين واحد من " فعل، وافتعل "

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2712) .

وإنما كرر للزيادة في المبالغة والتأكيد، ولأن العرب إذا بالغت في الشيء اشتقت من اللفظة الأولى لفظةً على غير بنائها، ثم اتّبعوها إعرابها، فيقولون: جَاد مجد، وليل لائل. قوله: " ولم يركب " تأكيد لقوله: " ومشى "، ويحتمل أن لا يكون تأكيداً ويكون المعنى: ولم يركب بالكلية في الذهاب والإياب؛ لأنه إذا مشى في الذهاب فقط، أو في الإياب فقط، أو مشى شيئاً يسيراً في الذهاب، أو الإياب، يصدق عليه أنه مشى، ولم يصدق عليه أنه لم يركب، فح (1) لا يكون قوله: " ولم يركب " تأكيداً، فافهم. قوله: " فاستمع " أي: إلى الخطبة. قوله: " ولم يلغ " من اللَّغو، يقال: لغى الإنسان يلغو، ولغَى يلغَى، ولغي يَلغَى، إذا تكلم بالمطرّح من القول وما لا يُعنى، وألغى إذا أسقط، فالأول من باب: نصر ينصر، والثاني من باب: فتح يفتح، والثالث من باب: علم يعلم. قوله: " بكل خطوة " الخُطوة- بالضم- بُعدُ ما بين القدمَين في المشي - وبالفتح- للمرة، وجمع الخطوة في الكثرة خُطى، وفي القلة خُطوات- بسكون الطاء وضمها وفتحها-. قوله: " عملُ سُنَة " بالرفع على أنه اسم " كان ". قوله: " أجر صيامها " بالرفع أيضاً على أنه بدل من العمل/. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث أوس بن أوس حديث حسن. 330- ص- حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبادة بن نُسن، عن أوس الثقفي، عن رسول الله- عليه السلام- أنه قال: " من غسَّلَ رأسَه يومَ الجُمُعة واغتسلَ " ثم ساق نحوه (2) .

_ (1) أي: " فحينئذ ". (2) انظر الحديث السابق.

ش- خالد بن يزيد المصري أبو عبد الرحيم الإسكندراني، مولى أبي الصنيع، وقيل: ابن أبي الصنيع الجمحي مولى عمير بن وهب، وكان فقيهاً مفتياً. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وسعيد ابن أبي هلال، والزهري. روى عنه: الليث بن سَعد، وحيوة بن شريح، والمفضل بن فضالة، وابن لهيعة. قال أبو زرعة: مصري ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به 0 توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. روى الجماعة (1) . فوله: " ثم غسل رأسه " بالتشديد، وقد قلنا: إنه - عليه السلام- حرضهم بذلك لكونهم أصحاب لمم وشعور. قوله: " ثم ساق " أي: ثم ساق قتيبةُ الحديث نحو ما ذكر. 331- ص- حدَثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريان (2) قالا: ثنا ابن وهب، فال ابن أبي عقيل: فال (3) : أخبرني أسامة- يعني: ابن زيد- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، عن النبي- عليه السلام- أنه فال: " مَنِ اغتسلَ يَومَ الجُمُعَة، ومَسَّ من طِيب امرأته إن كان لها، ولَبِسَ من صَالح ثيابه، ثم لم يَتَخَطَّ رِقَابَ الناسِ، ولمَ يَلغُ عَنَدَ المَوعظة، كانت كفارةً لما بَينهَمَا، ومن لَغَى وتَخَطَّى رِقابَ الناسِ كانت له ظُهراً " (4) . ش- اسم ابن أبي عقيل: عبد الغني، وقد مر بيانه. قوله: " عند الموعظة " أي: الخطبة؛ لأن فيها الموعظة وغيرها. قوله: " لما بينهما " أي: لما بين الجمعتين. قوله: " كانت له ظهراً " أي: كانت جمعته له ظهراَ، بمعنى: أن الفضيلة التي كانت تحصل له من الجمعة لم تحصل له، لفوات شروط هذه الفضيلة. وهذا الحديث فيه عمرو بن شعيب، وقد تقدم الخلاف فيه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1666) . (2) في الأصل: " البصريان " خطأ (3) كذا، والجادة حذفها. (4) تفرد به أبو داود.

332- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا محمد بن بشر قال: ثنا زكرياء قال: ثنا مصعب بن شيبة (1) ، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله ابن الزبير، عن عائشةَ أنها حدثته: " أن النبيَ- عليه السلام- كان يَغتسلُ من أربعٍ: من الجنابةِ، ويومَ الجُمُعةِ، ومن الحِجَامةِ، ومن غَسلِ المَيتِ " (2) . ش- محمد بن بشر العَبدي، وزكرياء بن أبي زائدة. قوله: " من أربع " أي: من أربع خصال. وقال الخطابي (3) : " قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء الَمختلفة الأحكام، والمعاني تُرتبها وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان يفعله ويأمر به استحباباً، ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم، فالاغتسال منه استظهار بالطهارة، واستحباب للنظافة، وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب، وقد رُوي عن أبي هريرة عن النبي- عليه السلام- قال: " مَن غسل ميتاً فليغتسل " (4) ، ورُوي عن ابن المسيب، والزهري معنى ذلك، وقال النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ غاسلُ الميت. ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: ليس على غاسل الميت غسل. وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث ". وأبو داود أخرج هذا الحديث في الجنائز وقال: هذا منسوخ. وقال أيضاً: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه. ورُوي عنه أيضاً: حديث مصعب بن شيبة ضعيف. وقال البخاري: حديث عائشة من هذا

_ (1) في سنن أبي داود: " مصعب بن أبي شيبة " خطأ، وهو مترجم في تهذيب الكمال (28/5985) . (2) تفرد به أبو داود، وسيأتي في كتاب الجنائز، باب: في الغسل من غسل الميت. (3) معالم السنن (1/94) . (4) يأني في كتاب الجنائز، باب: في الغسل من غسل الميت.

الباب ليس بذاك. وقال ابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء، وكذا قال أحمد. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتاً فليغتسل حديثاً ثابتاً، ولو ثبت لزمنا استعماله. 333- ص- حدَثنا محمود بن خالد الدمشقي قال: ثنا مروان قال: ثنا علي بن حوشب قال: سألت مكحولاً عن هذا القول: " غسَّلَ واغتسلَ "، فقال: غسلَ رأسَه وجسَده " (1) . ش- مروان بن معاوية/الكوفي. وعلي بن حوشب الدمشقي أبو سليمان الفزاري، ويُقال: السَّلمي. سمع: مكحولاً، وأبا سلام الأسود، وأباه حوشباً 0 روى عنه: مروان ابن معاوية، والوليد بن مسلم، وأبو توبة، وغيرهم. قال أبو زرعة عن عبد الرحيم بن إبراهيم إنه ثقة. روى له أبو داود (2) . ومكحول بن زيد الدمشقي. قوله: " غسل " بالتشديد، جعل مكحول " غسَّل " راجعاً إلى غسل الرأس والبدن جميعاً كما ذكرناه. 334- ص- حدَّثنا محمد بن الوليد الدمشقي قال: ثنا أبو مسهر قال: قال سعيد بنِ عبد العزيز في قوله: " غسَّلَ واغتسلَ " قال: " غَسَّلَ رأسَه وغَسلَ سائر جسَدهِ " (3) . ش- محمد بن الوليد بن هُبيرة: أبو هبيرة القلانسي الهاشمي الدمشقي. روى عن: أبي مسهر الدمشقي، ويوسف بن السَفر. روى عنه: أبو داود تفسير حديث، وهو هذا الحديث، وعبد الله بن محمد بن مسلم المقدسي (4) . وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الغَسَاني

_ (1) النسائي: كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة (3/95) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4062) . (3) تفرد به أبو داود. (4) المصدر السابق (26/5677)

الدمشقي. سمع: مالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى بن حمزة، وجماعة آخرين 0 روى عنه: ابن معين، وأبو نعيم، وأبو حاتم، والبخاري، وجماعة آخرون كثيرة. توفي ببغداد يوم الأربعاء ليومين مضيا من رجب، سنة ثمان عشرة ومائتين، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بباب التين. روى له الجماعة إلا البخاري (1) وسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي، فقيه أهل الشام ومُفتِيهم بعد الأوزاعي، سأل عطاء بن أبي رباح عن مسألة. وسمع: الزهري، وعبد العزيز بن صهيب، وزيد بن أسلم، ومكحولاً، وعطاء الخراساني، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والوليد بن مسلم، ومروان بن محمد الطاطري، وأبو مسهر، ومحمد بن إسحاق الرافعي، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة سبع وستين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين سنة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " قال: غسّل رأسه " أي: قال سعيد بن عبد العزيز: معنى قوله - عليه السلام-: " غسل واغتسل " غسل رأسه، وغسل سائر جسده. 335- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُمى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلامٍ - قال: " مَنِ اغتسلَ يومَ الجُمُعَة غسل الجنابَةِ، ثم رَاح، فكأنما قَرَبَ بَدنة، ومَن راح فيِ الساعة الثانية، فكَأنما قَربَ بَقرةً، ومن رَاح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشاً أقرنَ، وَمن راح في الساعةِ الرابعة، فكأنما قَرَّبَ دَجَاجةً، َ ومن راح في الساعةِ الخامسة فكأنما قَرَّبَ بَيضَةً، َ فإذا خَرجَ الإمامُ حَضَرَت الملائكةُ يَستَمِعُونَ الذكر " (3) .

_ (1) المصدر السابق (16/3691) . (2) المصدر السابق (10/2320) . (3) البخاري: كتاب الجمعة، باب: فضل الجمعة (1 88) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة (24/850) ، الترمذي: كتاب الجمعة، باب: ما جاء في التبكير إلى الجمعة (499) ، النسائي: كتاب

ش- مالك بن أنس، وسُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبو صالح ذكوان السمان. قوله: " غُسل الجنابة " منصوب بنزع الخافض، أي، غسلا كغسل الجنابة في الصفات، هذا هو المشهور. وقيل: المراد غسل الجنابة حقيقةَ، فلذا قالوا: يستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره، وأسكن لنفسه. وهذا ضعيف، والصواب ما قدمناه. قوله: " ثم راح " المراد بالرواح الذهاب أول النهار. وقال مالك: المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، وبه قال القاضي حسين، وإمام الحرمين. والرواح عندهم بعد الزوال، وادَّعوا أن هذا معناه في اللغة. وقال جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار، وبه قال الشافعي، وابن حبيب المالكي، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره. وقال الأزهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار وآخره أو في الليل. وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى؛ لأن النبي- عليه السلام- أخبر أن اللائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى، وهو كالمُهدِي بدنة، ثم من جاء في الساعة الثانية، ثم في الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، وفي رواية النسائي: " السادسة "، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك/واحداَ، ومعلوم أن النبي- عليه السلام- كان يخرج إلى الجمعة متصلاَ بالزوال؛ وهو بعد انقضاء الساعة السادسة؛ فدل على أنه لا شيء من الهدي، والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولاشك ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء.

_ الجمعة، باب: ما جاء في التبكير إلى الجمعة (3/97) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنَة فيها، باب: ما جاء في التهجير إلى الجمعة (1092) .

قوله: " فكأنما قرب " أي: تصدق. قوله: " بدنةً " البدنة تطلق على الإبل والبقر، وخصّصها مالك بالإبل، وتقع على الذكر والأنثى، و " الهاء " فيها للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس؛ سميت بذلك لعظم بدنها؛ ولكن المراد هاهنا من البدنة الإبل بالاتفاق؛ لتصريح الحديث بذلك. قوله: " كبشاً أفرن " وصفه بأقرن؛ لأنه أكملُ وأحسن صورة؛ ولأن القرن ينتفع به. قوله: " دجاجةً " بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان، وتقع على الذكر والأنثى، فإن قيل: كيف التقرب بالدجاجة والبيضة؟ قلنا: قد ذكرنا أن معنى قوله: " قرب ": تصدّق: ويحوز التصدق بالدجاجة والبيضة ونحوهما؛ وفيه دليل على أن التقرّب والصدقة يقع على القليل والكثير، وقد جاء في رواية النسائي بعد " الكبش ": " بطة " ثم " دجاجة " ثم " بيضةَ "، وفي رواية: بعد " الكبش ": " دجاجة " ثم " عُصفور " ثم " بيضة ". وإسناد الروايتين صحيح. قوله: " فإذا خرج الإمام " أي: إلى الخطبة " حضرت الملائكة " بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن؛ قال الله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ القسمَةَ) (1) ، ثم قالوا: إن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ووظيفتهم: كتَابة حاضري الجمعة. قوله: " يستمعون الذكر " أي: الخطبة؛ لأن فيها ذكر الله تعالى، والثناء عليه، والموعظة والوصيّة للمسلمين. والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وأخرجه ابن ماجه والنسائي من حديث سعيد ابن المسيّب، عن أبي هريرة بنحوه. ***

_ (1) سورة النساء: (8) .

118- باب: الرخصة في ترك الغسل

118- باب: الرخصة في ترك الغسل (1) أي: هذا باب في بيان الرخصة في ترك غسل الجمعة. 336- ص- حدَّثنا مسدّد قال: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة قالت: كان الناسُ مُهَّانَ أنفُسهم، فيروحُون إلى الجُمُعَةِ بهيئَتِهِم، فقيلَ لهم: لو اغتسلتُم (2) ! ش- يحيى: القطان، وعَمرة: بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية. قوله: " مُهَّان أنفسهم " بضم الميم وتشديد الهاء جمع " ماهن "، ككتاب جمع " كاتب "، وقال الحافظ أبو موسى: مِهَان- بكسر الميم والتخفيف- جمع ماهن، كقيام وصيام جمع قائم وصائم، وفي رواية: مَهَنَة بفتح الميم والهاء والنون: جمع ماهن- أيضاً- ككتَبَة جمع كاتب. والماهن: الخادم، أي: كانوا يخدمون أنفسهم، ويعملون أعمالهم بأنفسهم، لم يكن لهم من يَخدمهم، والإنسان إذا باشر العمل الشاق حمِي بدنُه وعرِق، لا سيما في البلاد الحارة، فربما يكون منه الرائحة الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفا للبدن وقطعاً للرائحة. قوله: " لو اغتسلتم " جوابه محذوف؛ والتقدير: لو اغتسلتم لكان أفضل، أو أكمل، أو أحب؛ وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب. والأحاديث الواردة في الأمر محمولة على الندب، جمعاً بين الأحاديث. وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه. 337- ص- ثنا أبو داود (3) قال: ثنا عبد الله بن مَسلمة قال: ثنا عبد العزيز- يعني: ابن محمد-، عن عمرو- يعني ابن أبي عَمرو-، عن

_ (1) في سنن أبي داود: " باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة ". (2) البخاري: كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت الشمس (903) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، وبيان ما أمروا به (847) . (3) كذا.

عكرمة، أن أناساً من أهلِ العراق جاءُوا فقالوا: يا ابنَ عَباس، أترى الغُسلَ يومَ الجمعة واجباً؟ قال: لا؛ ولكَنه أطهرُ وخير لمن اغتسلَ، " ومَن لم يَغتسل فليسَ عليهَ بواجب، وسأخبرُكُم كيف بَدا الغُسلُ، كان الناسُ مجهودين، يَلبسُون الصوفَ، ويَعملُون عَلىِ ظُهُورهم، وكان مَسجدُهم ضيقاً، مُقاربَ السقف، إنما هو عَريش، فخرج رسولُ الله في يوم حَار، وعَرقَ الناسُ في ذلك الصوف حتى ثَارت/منهم رياح، آذى بذلك بعضُهمَ بعضاً، فلما وجَدَ رسولُ اَلله تلك الريحَ قال: أيها الناسُ، إذا كان هذا اليومُ فاغتسلُوا، وليمسَّ أحدُكمَ أفضلَ ما يجدُ من دهنه وطيبه. قال ابنُ عباس: ثم جَاَءَ اللهُ بالخيرِ، ولَبسُوا غيرَ الصوفِ، وكُفُوَاَ العمَل، ووسعَ اللهُ مَسجدَهم (1) ، وذهبَ بَعضُ الذي كان يُؤذي بعضُهُم بَعضاً مِن العَرَقِ (2) . ش- عبد العزيز بن محمد: الدراوردي. وعمرو بن أبي عمرو: المدني، واسم أبي عمرو: مَيسرة مولى المطلب أبي عبد الله بن حنطب؛ روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وسعيد ابن جبير، وسعيد المقبري. روى عنه: مالك بن أنس، ويزيد بن الهاد، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، وقال ابن معين: ضعيف، ليس بالقوي، وليس بحجة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن مالكاً قد روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة. روى له الجماعة (3) . فوله: " ولكنه أطهر " أي: للبدن، و " خير لمن اغتسل " في الثواب. قوله: " كيف بدأ الغسل " يعني: كيف كان ابتداؤه. قوله: " مَجهودين " من قولهم: جُهِدَ الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة.

_ (1) في سنن أبي داود: " ووُسعَ مسجدُهم ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4418) . (2) تفرد به أبو داود.

قوله: " إنما هو عَريشٌ " العَرِيش: كل ما يُستظَل به؛ والمراد: أنّ سقفه كان من الجريد والسَعَف. قوله: " حتى ثارت " أي: هاجت؛ من ثار يثور ثورا وثوراناً إذا سَطع. قوله: " من دونه " يتناولُ الزيت ودهن السمسم وغيرهما من الأدهان المطيبة، وكذلك الطيب يتناول سائر أنول الطيب، مثل المسك والعنبر والغالية ونحوها. قوله: " ثم جاء الله بالخير " إشارة إلى أن الله تعالى فتح الشام ومصر والعراق على أيدي الصحابة، وكثُرت أموالهم وعبيدهم ومواشيهم (1) ، فغيروا اللّبس والبناء، وغير ذلك. 338- ص- حدَثنا أبو الوليد الطيالسي قال: ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: فال النبي- عليه السلام-: " من توضأ فبها ونِعمت، ومَنِ اغتسلَ فهو أَفضلُ " (2) . ش- اسمُ أبي الوليد الطيالسي: هشام بن عبد الملك، وهمام: ابن يحيى العَوذي، وقتادة: ابن دعامة، والحسن: البصري، وسمرة: ابن جندب بن هلال بن حريج (3) أبو سعيد، أو أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو سليمان؛ رُويَ له عن رسول الله مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثاً؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم باً ربعة. روى عنه: أبو رجاء العطاردي، وعبد الله بن بُريدة، والحسن البصري. مات بالكوفة في آخر خلافة معاوية. روى له الجماعة (4) .

_ (1) في الأصل: " ممشاهم ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الوضوء يوم الجمعة (497) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة (3/95) . (3) في الأصل: " حديج " خطا. (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/77) ، وأسد الغابة (2/454) ، والإصابة (2/78) . 12* شرح سنن أبي داوود 2

قوله: " فبها " أي: فبهذه الفعلة أو الخصلة أخَذَ؛ قال الأصمعي: معناه: فبالسُنَّة أخذ. قوله: " ونعمت " أي: نعمت الخصلة. قوله: " ومن اغتسل فهو أفضل " أي: الغسل أفضل، والضمير يرجع إلى الغسل الذي يدل عليه قوله: " ومن اغتسل ". واعلم أن هذا الحديث " (1) رُوِيَ من حديث سمرة، ومن حديث أنس، ومن حديث الخدريّ، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة، ومن حديث ابن عباس. أما حديث سمرة: فأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ فأبو داود في الطهارة، والترمذي والنسائي في الصلاة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في " مسنده "، والبيهقي في " سننه "، وابن أبي شيبة في " مصنفه ". وأما حديث أنس: فرواه ابن ماجه في " سننه " (2) من حديث إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي- عليه السلام- قال: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل ". وهذا سَند ضعيف. وأما حديث الخدريّ: فرواه البيهقي في " سننه " (3) ، والبزار في " مسنده " عن أسيد بن زيد الجمال، عن شريك، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البزار في " مسنده " عن أبي بكر

_ (1) انظر: نصب الراية (2/88: 93) . (2) كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك (1091) . (3) السنن الكبرى (1/296) .

الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، ورواه ابن عديّ في " الكامل " (1) ، وأعله بأبي بكر الهذلي؛ واسمه: سُلمى ابن عبد الله. وأما حديث جابر: فرواه عبد بن حُمَيد في " مسنده ": حدَّثنا عمر ابن سعد، عن الثوري، عن أبان، عن أبي نضرة، عن جابر مرفوعاً نحوه، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا الثوري،/عن رجل عن أبي نضرة به، ورواه إسحاق بن راهويه في " مُسنده "، وأخرجه ابن عدي في " الكامل " (2) . وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة: فرواه الطبراني في " معجمه الوسط " (3) من حديث حفص بن عُمر الرازي: ثنا أبو حُرَّةَ، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة مَرفوعاً نحوه. وأما حديث ابن عباس: فرواه البيهقي في " سننه " (4) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو أحمد محمد بن (5) إسحاق الصفّار: ثنا أحمد بن نصر: ثنا عمرو بن طلحة القناد: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ... ، فذكر نحوه. واعلم- أيضاً- أن في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب؛ الأول: أنه سمع منه مطلقاً؛ وهو قول ابن المديني، ذكره عنه البخاري في أول " تاريخه الوسط " فقال: حدثنا الحُميدي، ثنا سفيان، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: ولدتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر؛ قال علي: سماع الحسن من سمرة صحيح. ونقله الترمذي في كتابه؛ قال في " باب

_ (1) (4/342- ترجمة سُلمى بن عبد الله) . (2) (7/52، ترجمة عبيد بن إسحاق) . (3) (7/7765) . (4) السنن الكبرى (1/295) . (5) " محمد بن " مكررة في الأصل.

119- باب: الرجل يسلم ويؤمر بالغسل

الصلاة الوسطى ": قال محمد بن إسماعيل- يعني البخاريّ-: قال عليّ- يعني: ابن المديني-: سماع الحسن من سمرة صحيح. وقال الترمذي: سماع الحسن من سمرة عندي صحيح. واختار الحاكم هذا القول، وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن، عن سمرة، وقال في بعضها: على شرط البخاريّ. الثاني: أنه لم يسمع منه شيئاً، واختاره ابن حبان في " صحيحه "؛ فقال في النوع الرابع من القسم الخامس- بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة-: أن النبي- عليه السلام- كانت له سكتتان-: والحسن لم يَسمع من سمرة شيئاً. وقال صاحب " التنقيح ": قال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة. وقال البردعي: أحاديث الحسن عن سمرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث قال فيه: سمعت سمرة. الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط؛ قاله النسائي، وإليه مال الدارقطني في " سننه "، فقال في حديث السكتتَين: والحسن اختُلِف في سماعه من سمرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة فيما قاله قريش بن أنس، واختاره عبد الحق في " أحكامه "، واختاره البزار في " مسنده ". والله أعلم (1) . 119- بَابُ: الرَّجُل يُسلِم وُيؤمرُ (2) بالغُسل أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُسلم ويؤمر بالغُسل عقيب إسلامه. 339- ص- ثنا محمد بن كثير العَبدي قال: ثنا سفيان قال: نا الأغر،

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) في سنن أبي داود: " فيؤمر ".

عن خليفة بن حُصَين، عن جدّه: قيس بن عاصم قال: أتيتُ النبيَ- عليه السلام- أريدُ الإسلامَ، فأمَرني أن اغتسلَ بماء وسِدر (1) . ش- سفيان: الثوري، والأغرُّ: ابن حَصِيل، وقال صاحب " الكمال ": الأغر بن الصباح الكوفي المنقري، مولى لآل قيس بن عاصم. روى عن: خليفة بن حُصين. روى عنه: الثوري، وقيس بن الربيع. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائيّ (2) . والخليفة بن حُصَين بن قيس بن عاصم المنقري البصري. روى عن: جده، وأبي نصر، عن ابن عباس. روى عنه: الأغر بن الصباح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) ، وقيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عُبيد السَّعدي التميمي، وفد على النبي- عليه السلام- في وَفد بني تميم سنة تسع فأسلم، وقال- عليه السلام-: " هذا سيّد أهل الوبر ". روى عنه: الحسن البصري، وابنه: حكيم بن قيس، وابن ابنه: خليفة بن حصين. نزل البصرة وله بها دار، وتوفي عن اثنين وثلاثين ذكراَ من أولاده. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب، لا على الإيجاب، وعند أحمد، وأبي ثور: يجب الغسل على الكافر إذا أسلم أَخذاَ بظاهر الحديث؛ ولأنه لايح (5) في أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل،

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل (605) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: غسل الكافر إذا أسلم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/541) . (3) المصدر السابق (3 /1718) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/232) ، وأسد الغابة (4/432) ، والإصابة (3/252) . (5) كذا، ولعلها بمعنى: " لا يخرج ".

ولو اغتسل لم يصح منه ذلك؛ لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين وهو لا يُجزئه إلا بعد الإيمان كالصلاة والزكاة ونحوهما، قلنا: لا يجب عليه إلا إذا أسلم وهو جنبٌ، ولا يصح قياسه على الصلاة والزكاة/؛ لأنهما لا تصح بدون النية، ونية الكافر لغو لعدم الإيمان، بخلاف اغتساله؛ لأن الماء مطهر بنفسه فلا يَحتاج إلى النيّة. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه. 340- ص- ثنا مَخلَد قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنبا ابن جريج قال: أخبرتُ عن عثَيم بن كُليب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنه جَاءَ النبيَ (1) - عليه السَلام- فقال: قد أسلمتُ، فقال له النبيُ- عليه السلام-: ألق عنكَ شَعرَ الكُفرِ، يقولُ: احلق. قال: وأَخبرني آخرُ أن النبيَ- عليه السَلام- قال لآخر معه: ألقِ عنك شَعرَ الكُفرِ واختتِن (2) . ش- مخلد: ابن خالد بن يزيد الشعيري، كان بطرسوس. روى عن: عبد الرزاق بن همام، وإبراهيم بن خالد الصنعانيين. روى عنه: مسلم، وأبو داود- وقال: ثقة-، وغيرهما. وقال أبو حاتم حين سئل عنه: لا أعرفه (3) . وعبد الرزاق: ابن همام الصنعاني، وابن جُريج: عبد الملك بن عبد العزيز، وعُثَيم- بضم العين المهملة، وفتح الثاء المثلثة، وبياء آخر الحروف ساكنة، وميم- ابن كُلَيب الحضرمي. روى عن: أبيه، عن جده. روى عنه: ابن جريج، وقيل: قال ابنُ جريج: أخبرتُ عن عُثَيم. روى له: أبو داود (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " جاء إلى النبي ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5834) . (4) المصدر السابق (19/3876) .

120- باب: المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها

وكليب والد عُثيم (1) البصري، روى عن: أبيه، روى عنه: ابنه: عُثيم، روى له: أبو داود. وإنما أمر النبي- عليه السلام- بالحلق زيادة لتنظيفه، وإزالةَ للشعر الذي رباه في الكفر. وأما أمره بالاختتان فظاهر، ولو أسلم الكافر ولم يطق ألم الختان يترك. وفيه رواية مجهولٌ فافهم. *** 120- بَابُ: المرأةِ تَغسلُ ثوبَها الذِي تَلبَسَهُ في حَيضها أي: هذا باب في حكم المرأة تغسل ثوبها الذي كانت تلبسه في أيام حيضها. 341- ص- حدَثنا أحمد بن إبراهيم قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، [عن أبيه] قال: حدثتني أم الحسن- يعني: جدة أبي بكر العدوي-، عن معاَذةَ قالت: سألت عائشةَ عن الحائض يُصيبُ ثَوبَها الدمُ، قالت: تَغسلُهُ، فإن لم يذهب أثَرُهُ فلتُغيره بشيء من صفرةَ، وقالت: لقد كنتُ أحِيض عندَ رسولِ اللهِ ثَلاثَ حِيَضِ جميعاً، لَا أغسِلُ ليَ ثوباً (2) . ش- أحمد بن إبراهيم: الموصلي، وعبد الصمد بن عبد الوارث: البَصري التميمي. وأم الحسن جدة أبي بكر العدوي، روت عن معاذة العدوية، روى عنها: عبد الصمد، روى لها: أبو داود، وابن ماجه (3) . ومعاذة: بنت عبد الله العدوية البصرية، وقد ذكرناها. قوله: " فإن لم يذهب أثره " والأثر: اللون والرائحة. قوله: " من صفرة " مثل الورس والزعفران ونحوهما.

_ (1) جاء في تهذيب الكمال (24/4995) : أن كليباً هذا جَذُ عثيم بن كثير بن كليب، وأنه معدود في الصحابة، وانظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (3/313) ، وأسد الغابة (4/498) ، والإصابة (3/307) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7965) .

وفي " المصنف " عن سعيد بن جبير " في الحائض يُصيب ثوبُها من دمها قال: تغسله، ثم تلطخ مكانه بالوَرس والزعفران أو العَنبر "؛ والمقصود من ذلك: إزالة الرائحة الكريهة ودفعاً للوَسوسة- أيضاً. وقول عائشة: " لا أغسل لي ثوباً " إما لأجل أن الدم ما كان يُصِيبُ ثوبها لأجل احترازها ونظافتها، وإما لأنها كانت تغسلها بعد خروجها من الحيض، ولا تغسلها في أيام حيضها. 342- ص- حدَّثنا محمد بن كثير قال: أنا إبراهيم بن نافع قال: سمعت الحَسن- يعني ابن مُسلم- يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشةُ: ما كان لإحدَانا إلا ثوبٌ واحدٌ فيه تحيضُ (1) ، فإن أصابَه شيءٌ من دَمِ بَلَتهُ برِيقِها، ثم قَصَعَتهُ بريقِهَا (2) . ش- إبراهيم بن نافع: المكي، والحسن بن مسلم: ابن يناق (3) المكي. قوله: " بَلته بِريقها " من البَلل، وهو من باب نصر ينصر. قوله: " ثم قصعته " معناه: دلكته به، ومنه قَصَعَ القملةَ إذا شدخها بين أظفاره، فأما فَصَعَ الرُّطبةَ فهو بالفاء؛ وهو أن يأخذها بإصبعَيه فيغمزها أدنى غمزِ، فتخرج الرطبة خالعةَ قشرها. وقال ابن الأثير (4) : " قصَعَته أي: دلكته بظُفرها، ويروى: " مَصَعته " بالميم معنى فركته. قال البيهقي: هذا في الدم اليَسير الذي يكون معفوا عنه، وأما الكثير منه فصح عنها أنها حَانت تغسله. قلت: هذا كلام جيد؛ ولكنه حجة عليهم؛ حيث اختصوا إزالة النجاسة بالماء بحديث أسماء كما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.

_ (1) في سنن أبي داود: " تحيض فيه ". (2) البخاري: كتاب الحيض، باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه؟ (312) (3) في الأصل: " نياق " خطأ. (4) النهاية (4/73) .

343- ص- حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: دخلت على أمِّ سَلَمةَ فسألَتهَا امرأةٌ من قُريش عن الصلاةِ في ثوب الحائضِ؟ فقالت أم سَلَمَةَ: قد كان يُصيبُنَا الحَيضُ/على عَهد رسول اللهِ- عليه السلام-، فتَلبثُ إحدانا أيامَ حَيضَهَا، ثم تَطهُرُ فتنظر الَثَّوبَ الَذي كانت تَقلَّبُ فيه، فإن أَصَابَه دَمٌ غسَلنَاهُ وصَفَينَا فيه، وإن لم يكن أصَابَه شيءٌ تَرَكنَاه، ولم يَمنعنا ذلك من أن نُصلِّيَ فيه، وأمَّا المُمتَشِطَةُ فكانَت إحدانا تكونُ مُمتشطَةً فإذا اغتسلت لم تَنقُض ذاك؛ ولكنها تَحفنُ على رأسِهَا ثَلاثَ حَفَنَات، فإذا رأت البَلَلَ في أصُولِ الشَّعرِ دَلَكَته، ثم أفاضت على سائرِ جَسَدِها (1) . ش- يعقوب بن إبراهيم: الدورقي، وعبد الرحمن بن مَهدي: أبو سعيد العنبري. وبكار بن يحيى روى عن: جدته، عن أم سلمة. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي. روى له: أبو داود (2) . قوله: " تقَلَّبُ فيه " أصله: تتقلبُ؛ فحذفت إحدى التائين، من قولك: فلان يَتقلَّبُ في أمره، أي: يتحول من حال إلى حال. وفي بعض الرواية: " الذي كانت تعلَّت فيه " من قولهم. تعلت المرأةُ من حيضها إذا طهرت، وكذا يقال: تعلت النُّفسَاء إذا ارتفعت وطهُرَت، ويقال: تعالت- أيضاً- ويجوز أن يكون من قولهم: تعلَّى الرجل من عِلَّته إذا برأ أي: خرجَت من نفَاسِها وسَلِمَت. قوله: " وأما المُمتشطةُ " أي: المرأة الممتشطةُ: وهي التي تَمتشِطُ: يُقال: امتشطت المرأةُ، ومَشطتها الماشطةُ إذا سرحت شعرها بالمشط، وفيه ثلاث لغات، وأنكر ابن دريد الكسر، وحكى ضم الميم والشين. قال ابن دريد: إلا أن يزاد ميم فيقال: مُمشُط.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/704) .

ويستفاد من الحديث فوائد: الأولى: جواز الصلاة في الثوب الذي تحيض فيه المرأة ولم يُصبه شيء من دم الحيض. الثانية: جوازها- أيضاً- في الذي أصابه شيءٌ؛ ولكن بعد غسله. والثالثة: أن المرأة إذا بلغ الماء أصول شعرها لا تحتاج إلى نقض ضفائرها، سواء عند اغتسالها من انقطاع الحيض والنفاس أو الجنابة. 344- ص- ثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمةَ بنت المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ قالت: " سمعتُ امرأةَ تسألُ النبيَ- عليهَ السلام- كيف تَصنعُ إحدانا بثَوبِهَا إذا رَأت الطُهرَ؟ أتُصَلِّي فيه؟ قال: تَنظُرُ، فإن رأت فيه دماً فلتُقرِصهُ بشيء من مَاءِ، ولتَنضِح ما لم تَرَ، ولتُصَلِّي (1) فيه " (2) . ش- فاطمة بنت المنذر: ابن الزبير بن العوام الأسدية المدنية، زوجة هشام بن عروة. روت عن: جَدتها أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنها (3) -. روى عنها: زوجها هشام، ومحمد بن إسحاق بن يَسار. قال هشام: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة. قال أحمد بن عبد الله: هي تابعية، ثقة. روى لها الجماعة (4) . قوله: " فلتَقرصه " مخفف ومثقل؛ رُوِيَ بهما جميعاً؛ والقرص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره؛ وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجميع اليد. وقال الخطابي (5) : " أصل القَرص: أن يقبض بإصبعَيه على الشيء، ثم يغمزه (6) غمزاً جيداً ".

_ (1) كذا. (2) تفرد به أبو داود. (3) في الأصل: " عنه ". (4) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7906) . (5) معالم السنن (1/97) . (6) في الأصل: " تعمزه ".

قوله: " من ماء " استدلت به الشافعية على أن غسل النجاسة بنحو الخل وغيره من المائعات لم يُجزئه؛ لأنه نص على الماء، وفي تركه ترك المأمُور به قلنا: ذكر الماء خرج مخرج الغالب؛ لا مخرج القيد؛ لأن المراد: إزالة النجاسة، وغير الماء من المائعات الطاهرة أبلغ في القلع والإزالة. قوله: " ولتنضِح " بكسر الضاد أي: وَلتَرُش، وقال الخطابي (1) : " النضحُ: الرشُ، وقد يكون- أيضاً- بمعنى: الصَب والغَسلِ ". ويُستفادُ من الحديث فوائد؛ الأولى: فيه أن الدمَ نجس؛ وهو إجماع المسلمين. الثانية: فيه أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد؛ بل المراد الإنقاء. الثالثة: أنها إذا لم تَرَ في ثوبها شيئاً من الدم ترش عليه ماء، وتصلي فيه الرابعة: استدلّ به أصحابنا على وجوب الطهارة في الثياب. والبيهقي استدل به في " سننه " على أصحابنا في وجوب الطهارة بالماء دون غيره من المائعات الطاهرة. والجواب عنه: أنه مفهوم لقب لا يقول به إمامُه. 345- ص- حدَثنا عبد الله بن مَسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروقا عن فاطمة بنت المنذر،/عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت: سألَت امرأةٌ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسولَ الله، أرأيتَ إِحدانا إذا أصَابَ ثَوبَها الدمُ من الحَيضَة كَيف تَصنَعُ؟ قال: " إذا أصَابَ إحداكُن الدمُ من الحيضة فلتقرصه ثم لتَنضَحهُ بالماءِ ثم لتُصَل فيه (2) " (3) .

_ (1) المصدر السابق. (2) كلمة " فيه " غير موجودة في سنن أبي داود. (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الدم (227) ، مسلم: كتاب=

ش- قد قيل: إن هذه السائلة: خولةُ بنت يَسار. قوله: " إذا أصاب إحداكن " أي: ثوب إحداكن؛ لأن السُؤال عن الثوب، وأما إذا أصاب البدن فكذلك لا بد فيه من الغسل؛ ولكن لا يحتاج إلى التقريص. 346- ص- حدَّثنا مسدد قال: ثنا حماد ح، قال: ونا مسدد قال: ثنا عيسى بن يونس ح قال: ونا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد- يعني ابن سلمة-، عن هشام بهذا المعنى قالا: " حتيه، ثم اقرُصيه بالماء، ثم انضَحِيهِ " (1) .ًَ ش- فيه ثلاث طرق؛ اثنان لمسدد بن مسرهد؛ أحدهما: عن حماد ابن زيد البصري، عن هشام بن عروة، والآخر: عن عيسى بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي، عن هشام بن عروة، والطريق الثالث: عن موسى بن إسماعيل المنقري البصري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة. قوله: " بهذا المعنى " إشارة إلى معنى الحديث السابق. قوله: " قالا " أي: مُسدّد وإسماعيل، ويجوز أن يرجع الضمير الذي فمِه إلى الحمادَين: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة. قوله: " حتّيه " أمرٌ من حَتَّ يحتُّ حَتاً؛ الحتُّ والحكُّ والقَشر سواءٌ. قوله: " ثم اقرصيه " أمر من قَرص، وفي رواية: " قرّصيه " بالتشديد. قوله: " ثم انضحيه " أي: اغسليه؛ والمراد بالنضح هاهنا: الغَسل دون الرش.

_ الطهارة، باب: نجاسة الدم وكيفية غسله (110/291) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في غسل دم الحيض (138) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: دم الحيض يصيب الثوب (1/154) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب (629) . (1) انظر الحديث السابق.

والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 347- ص- حدثنا مسدّد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: نا ثابت الحداد قال: نا عدي بن دينار قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبيَّ- عليه السلام- عن دَم الحيض يكونُ في الثوب؟ قال: " حُكِّيه بضِلَعٍ، واغسِلِيهِ بماءٍ وسِدرٍ " (1) . ش- يحيى: القطان، وسفيان: الثوري، وثابت: ابن هرمز الحداد، أبو المقدام الكوفي، مولى بكر بن وائل. سمع: ابن المسيّب، وزيد بن وهب، وعدي بن دينار، وغيرهم 0 روى عنه: الحكمُ، والأعمش، وليث بن أبي سليم، والثوري، وشعبة، وغيرهم. وقال ابن معين، وأحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) ، وعدي بن دينار: مولى أم قيس بنت محصن الأسدية، روى عنها. روى عنه: أبو المقدام ثابت بن هرمز. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وأم قَيس بنت محصن بن حرثان بن قيس الأسدية، أخت عكاشة بن محصن، أسلمت قديماً بمكة وهاجرت إلى المدينة، رُوِيَ لها عن رسول الله أربعة وعشرون حديثاً؛ اتفقا منها على حديثين. روى عنها. وابصة ابن معبد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ونافع مولى حمنة بنت شجاع، وأبو الحسن مولاها. روى لها الجماعة (4) .

_ (1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: دم الحيض يصيب الثوب (1/154) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب (627) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/833) . (3) المصدر السابق (19 /3885) . (4) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/485) ، وأسد الغابة (7/379) ، والإصابة (4/485) .

قوله: " بضلع " بكسر الضاد وفتح اللام أي: بعُود؛ والأصل فيه: ضلع الحيوان؛ فسُفي به العود الذي يُشبهه، وقد تسكًن اللام تخفيفاً. وإنما أمرها أن تغسل بماء وسدر مبالغة في الإنقاء، وقطع أثر دم الحيض. وأخرجه النسائي، وابن ماجه. 348- ص- ثنا النفيلي قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة قالت: قد كان يكوِنُ لإِحدَانا الدرعُ تحيض فيه، وفيه تصيبُه (1) الجنابةُ، ثم ترى فيه قَطرةً من دمٍ فتَقصعُه بِريقِهَا (2) . ش- النفيلي هو عبد الله بن محمد، وسفيان: الثوري، واسم ابن أبي نجيح: عبد الله- وقد مر مرةً-، وعطاء: ابن أبي رباح. قوله: " كان يكون " كان هذه تامة فلا تحتاج إلى الخبر، والتقدير: قد كان الشأنُ أي: وجد أو وقع. ويكون من النواقص فاسمه: " الدرع " وخبره: قوله: " لإحدانا "، والدرع- بكسر الدال-: القميص. قوله: " فتقصَعُه " من القَصع: وهو الدلك؛ وقد مر مثله قريباً. 349- ص- ثنا محمد بن كثير قال: ثنا إبراهيم- يعني ابن نافع- قال: سمعت الحسن يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشةُ: ما كان لإحدانا إلا ثوبٌ فيه تحيض، فإن أصابَهُ شيء من دَمٍ بلَتهُ بِريقِهَا، ثم قصَعتهُ بِرِيَقهَا (3) . ش- هذا الحديث/مكرر، والأصح إسقاطُه؛ لأنه ليس بمَوجود في

_ (1) في سنن أبي داود: " فيه تحيض، وفيه تصيبها ". (2) تفرد به أبو داود. (3) غير موجود في سنن أبي داود، وتقدم تخريجه، وهو ثاني حديث في الباب. وقد سقط هنا حديث، وهو في سنن أبي داود برقم (365) . قال: حدَثنا قتيبة بن سعيد، حدَثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: أن خولة بنت يسار أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: " إذا طهُرت فاغسليه، ثم صلي فيه "، فقالت: فإن لم يخرج الدم، قال: يكفيك غسلَ الدم، ولا يضركِ أثره ".

121- باب: الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه

النسخ الكثيرة الصحيحة، وأيضا- تكراره ليس فيه زيادة فائدة، والله أعلم. *** 121- بَابُ: الصلاة في الثوبِ الذِي يُصِيبُ أهله فيه أي: هذا باب في بيان الصلَاة في الثوب الذي يجامع امرأته فيه، وفي بعض النسخ: " في الثوب الذي يجامع أهله فيه ". 350- ص- ثنا عيسى بن حماد المصري قال: أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُويد بن قَيسِ، عن معاوية بن حُدَيج (1) ، عن معاوية بن أبي سفيان أنه سألَ أختهُ أم حبيبةَ زوج النبي- عليه السلام- هل كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلي في الثوبِ الذي يُجَامِعُهَا فيهِ؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أدى (2) . ش- الليث: ابن سَعد، ويزيدُ بن أبي حبيب سُوَيد المصري. وسُوَيد: ابن قَيس المِصري التُّجِيبي. روى عن: عبد الله بن عَمرو، وابن عُمر، ومعاويةَ بن حُدَيج، وكيرهم. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . ومعاوية بن حُديج- بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وفي آخره جيم- ابن جفنة بن قُتيرةَ بن حارثة بن عبد شمس التُجيبي، أبو عبد الرحمن، أو أبو نعيم الكندي أو الخولاني، له صحبة منَ النبي- عليه السلام-. روى عيب النبي- عليه السلام-، وعن عمر بن الخطاب، وأبي ذر، وابن عَمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن شماسة. توفي سنة اثنتين وخمسين. روى له: أبو داود، والنسائي (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " خديج " خطأ. (2) النسائي: باب الطهارة، باب: المني يصيب الثوب (1/154) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه (540) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2649) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/406) ، وأسد الغابة (5/206) ، والإصابة (3/431) .

122- باب: الصلاة في شعر النساء

قوله: " إذا لم ير فيه أدى " وفي بَعض الرواية: " دماً ". والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه. *** 122- بَابُ: الصَلاةِ في شُعُر النّسَاء أي: هذا باب في بيان الصلاة في شعر النساء. الشُعُر- بضم الشين والعين-: جمع شعار، مثل كُتب وكتاب؛ والشِّعار: الثوب الذي يَستشعرُه الإنسان أي: يجعله مما يلي بدنه، والدثار: ما يلبسه فوق الشَعار. 351- ص- حدَّثنا عُبيد الله بن معاذ قال: ثنا أبي قال: ثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ- عليه السلام- لا يُصَلِّي في شُعُرِنا أو لُحفِنا (1) . قال عبيد الله: شك أبي (2) . ش- عبيد الله بن معاذ البصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن حسان قاضي البصرة، والأشعث بن عَبد الملك الحُمراني البصري. وعبد الله بن شقيق العقيلي، من بني عقيل بن كعب: أبو عبد الرحمن أو أبو معاوية. روى عن: عثمان، وعليّ. وسمع: أبا ذر، وأبا هريرة، وابن عباس، وابن عُمر، ومرة بن كعب، وعائشة. روى عنه: ابن سيرين، وقتادة، وأيوب، وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقةَ عثمانيا. توفي في ولاية الحجاج. وقال ابن عدي: ما بأحاديثه- إن شاء الله- بأس. روى له الجماعة (3) . قوله: " أو لحفنا " اللُّحف: جمعُ لحاف، وهو اسم لما يلتحف به،

_ (1) في سنن أبي داود: " أو في لحفنا ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: كراهية الصلاة في لحف النساء (600) ، النسائي: كتاب الزينة (8/217) ، ويأتي برقم (626) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3333) .

وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به. وإنما خُصَ الشُعُر بالذكر لأنها أقرب إلى أن ينالها النجاسة من الدثار، وإنما امتنع- عليه السلام- من الصلاة فيها مخافة أن يكون أصابها شيء من دم الحيض. 352- ص- حدَّثنا الحسن بن علي قال: أنا سليمان بن حرب قال: نا حماد، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عائشة، أن النبيَّ- عليه السلام- كان لا يُصَلِّي في مَلاحِفِنَا (1) ش- الحسن بن علي: أبو محمد الخلال الحلواني، وسليمان بن حرب: الواشحي قاضي مكة، وحماد: ابن زيد، وهشام: ابن عروة. قوله: " في ملاحفنا " الملاحف: جمع ملحفة- بكسر الميم- ما يلتحف به. وأخرج أبو داود هذا الحديث- أيضاً- في الصلاة (2) ، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ص- قال حمادٌ: وسمعتُ سعيدَ بن أبي صدقةَ قال: سألت محمداً عنه فلم يُحدِثنِي. وقال: سمعتُه منذُ زمان، ولا أدري ممن سمِعتُه، ولا أدري: سمِعته من لَبت أم لا؟ فسَلُوا عنه. ً ش- أي: ً قال حماد بن زيد. وسعيد بن أبي صدقة: أبو مُرة، ذكره ابن حبان في " الثقات "، روى عن: محمد بن سيرين. وروى عنه: حماد بن زيد. قوله: " سألت محمداً " يعني: محمد بن سيرين " عنه " أي: عن هذا الحديث. قوله: " من ثَبت " الثبتُ- بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء المُوحدة- يعني: الثابت/، يقال: رجل ثَبتٌ إذا كان ثقةَ حجةً في أقواله وأفعاله.

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) لم يخرجه مرة ثانية، وإنما أخرج الذي قبله. 13* شرح سنن أبي داوود 2

123- باب: الرخصة

قوله: " فسلوا عنه " أي: اسألوا عن هذا الحديث غيري؛ فإنّي مشكك في سماعي. 123- باب: الرّخصَة (1) أي: هذا باب في بيان الرخصة في الصلاة في ثوب النساء. 353- ص- حدثّنا محمد بن الصَباح بن سُفيان قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق الشيباني سمعه من عَبد الله بن شداد يُحدث عن ميمونة، أن النبيَّ- عليه السلام- صَلَّى وعليه مرط على بعضِ أزواجه منه وهي حَائضٌ وهو يُصلِّي وهو عليه (2) . ش- محمد بن الصباح بن سفيان: ابن أبي سفيان الجرجرائي مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن: عاصم بن سويد، وزكرياء بن منظور، والدراوردي، وابن عُيَينة، وغيرهم. روى عنه: أبو داود. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، والدُّولابيّ أخت إلي؛ وهو محمد بن الصباح الدولابي، مات بجرجرايا سنة أربعين ومائتين (3) . وإنما ذكر أبو داود جذ محمد بن الصباح هاهنا لئلا يلتبس بمحمد بن الصَّباح الدّولابي؛ فانه روى عن كل واحد منهما، ولو لم يذكر سفيان لالتبس بينهما فافهم. واسم أبي إسحاق: سليمان بن فيروز. قوله: " وعليه مرط " المِرط- بكسر الميم-: كساء من خزّ أو صوف أو كتان، وقيل: لاَ يسمّى المِرط إلا الأخضر. وفي " الصحيح ": " في مرط من شعر أسود " أي: خرج فيه رسول الله، والمِرط يكون إزاراَ وَيكون رداءَ، ويَلبَسه الرجال والنساء. قوله: " عَلى بعض أزواجه منه " أي: من المرط. وهاهنا خمسة أحوال؛

_ (1) في سنن أبي داود: " باب في الرخصة في ذلك ". (2) البخاري: كتاب الحيض، باب: حدثنا الحسن بن مدرك (333) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي (513) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في الصلاة في ثوب الحائض (653) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5297) .

الأول: قوله: " وعليه مِرط " حال من الضمير الذي في " صَلى ". والثانية: قوله: " على بعض أزواجه " حال من " المرط ". والثالثة: قوله: " وهي حائض " حال من البَعض. والرابعة: قوله: " وهو يصلي " حال من النبي- عليه السلام-. والخامسة: قوله: " وهو عليه " أي: والحال أن المرطَ على النبي - عليه السلام-، والمراد من " بعض أزواجه " عائشة- رضَي الله عنها-، وقد جاءت في رواية أُخرى مُصرحةَ. ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد: الأولى: أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعاً ترى عليه دماً أو نجاسة أخرى. والثانية: جواز الصلاة بحضرة الحائض. والثالثة: جواز الصلاة في ثوب بَعضه على المصلي وبَعضُه على الحائض أو غيرها. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وفي هذا دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة ". قلت: العجب ثم العجب من الشيخ! كيف لم يتأمل كلامَه هاهنا؟ فأبو حنيفة- أيضاً- هاهنا مع الجمهور، أي: هذه الصلاة لا تبطل، وإنما تبطل الصلاة بمحاذاة المرأة الرجل إذا كانا مشتركين في صلاة واحدة مطلقة: تحريمة وأداءَ، فهل وُجد شرط من هذه الشروط في الصلاة المذكورة حتى يذكر فيه خلاف أبي حنيفة؟ والحديث أخرجه ابن ماجه، وفي البخاري ومسلم نحو منه. 354- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع بن الجراح قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن عُبيد الله بن عَبد الله بن عتبة، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ- عليه السلام- يُصلِّي بالليلِ وأنا إلى جانبِه وأنا حائضٌ، وعَليَّ مِرطٌ لي وعليه بعضُه (2) .

_ (1) شرح صحيح مسلم (4/230) . (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلىِ (514) ، النسائي:-

124- باب: المني يصيب الثوب

ش- طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي المدني، سكن الكوفة، أدرك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وروى عن: موسى، وعيسى، ويحيى، وعائشة بني طلحة، وإبراهيم 0 بن محمد بن طلحة، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير. روى عنه: الثوري، ووكيع، ويحيى القطان، وجماعة آخرون. قال ابن سَعد: كان ثقة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: صالح الحديث، حسن. وقال ابن مَعين: ثقة، وقدًمَهُ على أخيه إسحاق. روى له الجماعة إلا البخاريّ (1) . قوله: " وأنا إلى جانبه " حَال، وكذا قوله: " وأنا حائض "، وكذا قوله: " وعلي مرط "، وكذا قوله: " وعليه بَعضه " أي: على النبي - عليه السلام- بعض المرط. وقوله: " لي " في محل الرفع صِفة للمرط. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 124- بَاب: المني يصيبُ الثوبَ أي: هذا باب في بيان المني يُصيب ثوب المصلي، قد مرّ تفسير المنيّ وغيره. 355- ص- حدَثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث أنه كان عندَ عائشةَ فاحتلَمَ، فأبصَرَته جارية لعائشةَ وهو يَغسل/أثَرَ الجَنابَةِ من ثوبِهِ، أو يَغسلُ ثوبه، فأخبرَت عائشةَ فقالت: لقَد رَأيتُنِي وأنا أفرُكُهُ من ثوبِ رسولِ اللهِ- عليه السلام- (2) .

_ = كتاب القبلة، باب: صلاة الرجل في ثوب بعضه على امرأته (2/71) ، ابن ماجه: كَتاب الطهارة، باب: في الصلاة في ثوب الحائض (652) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2984) . (2) انظر تخريج الحديث الأتي.

ش- حفص بن عمر: ابن الحارث البَصري، وشعبة: ابن الحجاج، والحكم: ابن عُتَيبة، وإبراهيم: النخعي، والهمام بن الحارث: النخعي الكوفي. سمع: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وعدي بن حاتم، وحذيفة بن اليمان، وعائشة الصديقة. روى عنه: سليمان بن يسار، وإبراهيم النخعي، ووبرَةُ. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (1) . قوله: " أثر الجنابة " المراد من الأثر: المني، ومن الجنابة: الاحتلام. قوله: " أو يغسل ثوبه " شك من الراوي. فو له: " فأخبرت " أي: الجارية. قوله: " لقد رأيتني " بضم التاء أي: لقد رأيت نفسي " وأنا أفركه "، ويجوز كسر التاء على كونه خطاباً للجارية. اعلم أن العلماء " (2) اختلفوا في المني؛ فذهب أبو حنيفة، ومالك إلى نجاسته؛ إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا، وهو رواية عن أحمد. وقال مالك: لا بد من غسله رطباً كان أو يابساً. وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه. وقال الحسن بن صالح: لا تعاد من المني في الثوب وإن كان كثيراً، وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلّ. وقال الشافعي: المني طاهرٌ، وبه قال داود، وأحمد في رواية: وحجتهم: رواية الفرك، فلو كان نجساً لم يكف فركُه كالدم وغيره، وكذا رواية الغسل، ولو لم يكن نجساً لما أُمِر بالغسل ". وقد روى الدارقطني في " سننه " (3) من حديث عبد الله بن الزبير: ثنا بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كنتُ أفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابساً وأغسله

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6599) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (3/197) . (3) (1/125) .

إذا كان رطبا. ورواه البزار في " مُسنده ". وروى الدارقطني في " سننه " (1) - أيضا- من حديثه، وفي آخره: إنما يغسل الثوب من خمس: من البول والغائط والمني والدم والقيء. وهذا يَردّ قولهم. ورواية الغسل محمولة على الاستحباب والتنزّه واختيار النظافة. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه بمعناه. 356- ص- ثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود أن عائشةَ قالت: كُنتُ أفرُكُ المنيَّ من ثوب رَسولِ الله - عليه السلام- فيُصلِّي (2) . ش- حماد الأول هو حماد بن سلمة، وحمّاد الثاني هو حماد بن أبي سليمان، أبو إسماعيل الأشعري، واسم أبي سليمان: مسلم مَولى إبراهيم بن أبي موسى. سمع: أنس بن مالك، وابن المسيب، وسعيد ابن جبير، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وابن بريدة. روى عنه: الحكم، وأبو إسحاق الشيباني، والأعمش، وغيرهم. وسئل أحمد بن حنبل عنه فقال: رواية القدماء عنه مقارب كالثوري، وشعبة، وهشام، وأما غيرهم فجاءوا عنه بأعاجيب. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم. وقال أبو حاتم: هو صدوق، ولا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوش. توفي سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.

_ (1) (1/127) . (2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: حكم المني (288) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: فرك المني من الثوب (1/156) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المني يصيب الثوب (116) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في فرك المني من الثوب (537) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1483) .

ص- قال أبو داود:/رواه الأعمش كما رواه الحكم/ (1) ووافقه مغيرة وأبو معشر وواصل. ش- هذا ليس بموجود في غالب النسخ؛ الحكم: ابن عُتَيبة، ومُغيرة: ابن مقسم، أبو هشام الضبيّ، وأبو معشر: زياد بن كليب الكوفي، وواصل: ابن حيان الأحدب الأسدي الكوفي. 357- ص- ثنا عبدُ الله بن محمد النفيلي قال: نا زهير ح قال: ونا محمد بن عُبيد البصري قال: نا سُلَيم- يَعني ابن أخضرَ- المعنَى واللفظُ واحد- والإخبار في حديث سليم قالا: حدثنا عمرو بن ميمون بن مهرِان قال: سمعتُ سُلَيمان بن يَسار يقول: سمعتُ عائشةَ تقولُ: إنها كانت تَغسِلُ المنيَّ من ثوبِ رسولِ اللهِ قالت: ثم أرَاهُ (2) فيه بُقعةً أو بُقَعاً (3) . ش- زهير: ابن معاوية بن حُدَيج، ومحمد بن عُبيد: الغَبري- بالغين المعجمة- البصري. وسُلَيم بن أخضر: البصري. سمع: عبد الله بن عون، وعُبيد الله ابن عمر العُمري. روى عنه: عفان بن مسلم، وعبيد الله بن عمر /القواريري، وسليمان بن حرب. قال ابن حرب: ثنا سليم بن أخضر الثقة المأمون الرضي. وقال أحمد بن حنبل: هو من أهل الصّدق والأمانة روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (4) . وعَمرو بن ميمون بن مهران أبو عبد الله الجزري، أخو عبد الأعلى.

_ (1) ما بين الشرطتين المائلتين كثب في سنن أبي داود بعد الحديث قبل السابق. (2) في سنن أبي داود: " أرى ". (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل المني وتركه، وغسل ما يصيب المرأة (230) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: حكم المني (289) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: غسل المني من الثوب (117) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: غسل المني من الثوب (1/156) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة باب: المني يصيب الثوب (536) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2483) .

روى عن: أبيه، وسليمان بن يَسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومكِحول الدمشقي. روى عنه: الثوري، وشريك، وزهير بن معاوية، وابن المبارك، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة، وفي رواية: شيخ صد [و] ق. وقال أحمد: ليس به بأس. مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . وسُلَيمان بن يَسار، أبو أيوب الهلالي، أخو عطاء. قوله: " المعنى واللفظ واحدٌ والإخبار " بكسر الهمزة: والنسخة الصحيحة: " المعنى والإخبار واحدٌ "، وفي بعض النسخ: " المعنى والإخبار في حديث سُليم ". قوله. لا قالا " أيمما: زُهَير، وسُلَيم. قوله: " ثم أراه فيه بُقعة " أي: أرى الغسل، أي: أثره في الثوب بُقعةً. قوله: " أو بُقعاً " شك من الراوي؛ والبُقع: جمعُ بُقعة، والمرادُ منها: آثار الغَسل التي في القماش. وقال الخطابي (2) : " هذا لا يُخالِف حديث الفرك؛ وإنما هذا استحباب واستظهار بالنظافة كما قد يغسل الثوب من النخامة والمخاطة ونحوهما، والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز أن يحملا على التناقض ". قلتُ: ما ادعى أحد المخالفة بين الحديثين ولا التناقض؛ د نما هذا الحديث يدل على أن المني نجس؛ بدلالة غَسله، وكان هذا هو القياس - أيضاَ- في يابسه؛ ولكن خُص بحديث الفرك، ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاطة؛ لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطني في " سننه " (3) : " يا عمار، ما نخامتك ولا دموعك إلا بمنزلة الماء الذي في

_ (1) المصدر السابق (22/4457) . (2) معالم السنن (1/99) . (3) (1/127) من طريق إبراهيم بن زكريا، نا ثابت بن حماد، عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمار به. وقال زيادة على ما ذكره المصنف: " وإبراهيم وثابت ضعيفان ".

125- باب: بول الصبي يصيب الثوب

رَكوتك؛ إنما يغسل الثوب من خمس: من البول والغائط والمني والدم والقيء ". فانظر كيف ذكرَه بين الغائط والدم، فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يَروه غير ثابت بن حماد؛ وهو ضعِيف جدا، قلت: قال البزار: وثابت بن حماد كان ثقةً، فإن قيل: قد قال البَيهقي (1) : " وأما حَديثُ عمار بن ياسر أن النبي- عليه السلام- قال له: " يا عمار‍‍ّ ما نخامتك ولا دُموع عَينيك إلا بمنزلة الماء الذي في رَكوتك؛ إنما يُغسلُ ثوبك من البول والغائط والني والدم والقيء "، فهذا باطل، لا أصل له؛ إنما رواه ثابتُ بن حماد، عن عليّ بن زيد، عن ابن المسيب، عن عمار؛ وعليّ بن زيد غيرُ محتج به، وثابت بن حماد متهمٌ بالوضع " فلت: كفاك ما أَخرجه الدارقطني، وقوله: " عليّ بن زيد غيرُ محتج به " لا يُفيدُ دعواه؛ لأن مُسلماً روى له مقروناً بغيره، وروى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وقال رجل لابن معين: اختلط عليّ بن زيد؟ قال: ما اختلط علي بن زيد قط، وهو أحبّ إلي من ابن عقيل ومن عاصم بن عبيد الله. وقال العجلي: لا بأس به، وفي موضع آخر قال: يكتب حديثه. وروى له الحاكم في " المستدرك ". وقال الترمذي: صدوق. وقال الشيخ علاء الدين التركماني (2) : " وأما كون ثابت بن حماد مُتّهماً بالوَضع فما رأيتُ أحداً بعدَ الكشف التام ذكره غير البيهقي، وقد ذكر- أيضاً- هو هذا الحديث في كتاب " المعرفة " وضعّف ثابتاً هذا، ولم يَنسُبه إلى التهمة بالوضع ". وحديث عائشة هذا أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. *** 125- بَاب: بَول الصَبِيّ يُصِيبُ الثَّوبَ أي: هذا باب في بيان بول الصبي يصيب الثوب.

_ (1) السنن الكبرى (1/14) . (2) هامش السنن الكبرى (1/14- 15) .

358- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أم قيس بنت محصن، أنها أَتتِ النبيَّ- عليه السلام- بابن لها صغيرٍ لمِ يأكلِ الطَّعامَ، فَأجلسَهُ رسول اللهِ في حِجرِهِ، فَبَالَ على ثوبِهِ، فدَعَى بماءٍ فنضحَهُ ولم يَغسِلهُ (1) . ش- في رواية ابن الأعرابي: " أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ". فوله: " في حجره ": بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان. والحديث أخرجه البخاريّ، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وفي لفظ لمسلم: " فرشّه "، وهو لفظ ابن حبان في " صحيحه " وزاد: قال ابن شهاب: فمضت السُّنَة أن لا يغسل من بول الصبيّ حتى يأكل الطعام/فإذا أكل غُسل. قال الطحاوي في " شرح الآثار ": السُنَّة قد يراد بها سُنَة النبي- عليه السلام- وقد يراد بها سُنة غيره؛ قال- عليه السلام-: " عليكم بسُنَتي وسُنة الخلفاء من بَعدي "، وأجاب الطحاوي عن الأحاديث التي فيها النضح: أن المراد بالنضح فيها الصبّ، قال: وقد ورد ما يدلّ على صحة ذلك، ثم أخرج عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أُتي رسول الله بصبي فبال عليه فقال: " صبّوا عليه الماء صبا "، ثم أخرج من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي- عليه السلام- أتى بصبيِّ فبال عليه فأتبعه الماء. قال: ورواه زائدة عن هشام فقال فيه: " فدعى بماء فنضحه "، قال: فدل ذلك على أن النضح

_ (1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: بول الصبيان (223) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله (287) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم (71) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام (1/157) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم (524)

عندهم الصبّي ثم أخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كنتُ عند رسول الله فجيء بالحسن فبال عليه، فلما فرغ صبّ عليه الماء. ثم أخرج عن شريك، عن سماك، عن قابوس، عن أم الفضل أن النبي- عليه السلام- وضع الحُسين على صدره فبال عليه فقلت: يا رسول الله، أعطني إزارك أغسله فقال: " إنما يُصبّ على بول الغلام ويغسل بول الجارية " 0 قال: وهو في غير هذه الرواية: " إنما ينضح بول الغلام " فثبت أن المراد فيه بالنضح: الصبّي ليتفق الأثران، فثبت بهذا الأثر: أن حكم بول الغلام: الغسل؛ إلا أن ذلك الغَسل يجزئ منه الصبّ، وأن حكم بول الجارية الغسل- أيضاً- إلا أن الصبّ لا يكفي فيه؛ لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه؛ فأمر في بول الغلام بالنضح، يُريد صَبّ الماء في موضع واحد، وفي بول الجارية بالغسل لأنه يقع في مواضع متفرقة. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبيّ ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبيّ، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري. وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: " بول الصبيّ طاهر وينضح " فحكاية باطلة قطعاً، وقال: وقد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا؛ الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية؛ بل لابدّ من غسله كغيره من النجاسات، والثاني: أنه يكفي النضح فيهما، والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهما شاذان ضعيفان. وممن قال بالفرق: عليّ بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، ورُوِيَ عن أبي حنيفة. وممن قال بوجوب غسلهما: أبو حنيفة، ومالك

_ (1) شرح صحيح مسلم (3/195) .

- في المشهور عنهما-، وأهل الكوفة 0 وأما حقيقة النضح هنا: فقد اختلف أصحابنا فيها؛ فذهب الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين، والبغوي إلى أن معناه: أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لانعصَرَ. وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره؛ فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر من المحلّ وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، ثم إن النضح إنما يجري ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التَغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف ". قلت: ليس في هذا الباب كلام أنسب من كلام الطحاوي، ولا أقرب إلى المعقول، ولا أسدّ في العمل بالأحاديث الواردة في هذا الباب، وغيره قد تكلف كثيراً لإظهار الخلاف. 359- ص- ثنا مسدد، والربيع بن نافع أبو توبة، المعنى، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن قابوس، عن لُبَابةَ بنت الحارث قالت: كان الحُسينُ بنُ عليٍّ في حجرِ رَسول الله فبالَ عليه، فقلتُ: البس ثوباً وأعطِنِي إزارَكَ حتى أغسلَهُ قاَل: " إنماَ يُغسَلُ من بَول الأُنثى، ويُنضحُ من بول الذكَرِ " (1) . ش- أبو الأحوص: سلام بن سُليم الحنفي الجشمي، مولاهم الكوفي روى عن: أبي إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، والأعمش، /وغيرهم. روى عنه: أبو داود الطيالسي، وأبو نعيم، ومسدّد، وقتيبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة متين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. مات سنة تسع وسبعين ومائة. روى له الجماعة (2) .

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2655) .

وسماك: ابن حرب، أبو المغيرة الكوفي. وقابوس هذا هو ابن المخارق الكوفي [ذكره ابن] (1) حبان في الثقات، وروى له: [أبو داود] (1) ، والنسائي. وقابوس آخر: ابنُ أبي ظبيان- حُصَين- ابن عبد الرحمن الكوفي. روى عن: أبيه، روى عنه: الثوري، وزهير بن حرب، وإدريس الأودي، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس بذاك. وقال ابن معين: ضعيف الحديث- فيما رواه عنه عبد الله بن أحمد. وقال في رواية أحمد بن سَعد: هو ثقة، جائز الحديث؛ إلا أن ابن أبي ليلى جلده الحدَ. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . ولبابة بنت الحارث: ابن حرب، أم الفضل الهلالية، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي- عليه السلام-، وهي زوجة العباس بن عبد المطلب، رُوِيَ لها عن رسول الله ثلاثون حديثاً، اتفقا على حديث واحد وللبخاري حديث ولمسلم آخر. روى عنها: ابنها عبد الله، وعُمير مولاه، وعبد الله بن الحارث بن نوفل. روى لها الجماعة (3) . والحديث أخرجه ابن ماجه، والطحاوي في [" كتابه "، وقد] ذكرناه. 360- ص- نا مجاهد بن موسى، وعباس بن عبد العظيم- المعنى- قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا يحيى بن الوليد قال: حدثَّني مُحل ابن خليفة قال: حدثني أبو السَمح قال: كُنتَ أخدمُ النبيَ- عليه السلام- فكانَ إذا أرادَ أن يَغتسلَ قال: " ولنِي قَفَاكَ " فأُولَيهَ قَفَايَ، فاستُرهُ به، فأتيَ بحَسَنِ أو حُسينِ فبالَ على صَدره فجئتُ أغسلُهُ فقال: " يُغسَلُ من بَول الجاريةِ، وبُرَش من بَولِ الغُلام " (4) .َ

_ (1) غير واضح في الإلحاق. (2) المصدر السابق (12/2579) . (3) انظر ترجمتها في: ألاستيعاب بهامش الإصابة (4/398) ، وأسد الغابة (7/253) ، والإصابة (4/398) . (4) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاستتار عند الاغتسال (1/126) ،=

ش- مجاهد بن موسى: ابن فروخ أبو علي الخوارزمي. سكن بغداد روى عن: سفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، وهشيم بن بشير، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والبغوي. قال ابن معين: ثقة، لا بأس به. وقال أبو حاتم: محله الصدق. مات سنة أربع وأربعين ومائتين (1) . وعباس بن عبد العظيم: ابن توبة بن أسد، أبو الفضل العنبري البصري. روى عن: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ ابن هشام، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، والجماعة [إلا] البخاري تعليقاً وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ست وأربعين ومائتين (2) . وعبد الرحمن بن مهدي: العنبري البصري. ويحيى بن الوليد: ابن المسير الطائي، أبو الزعراء الكوفي. سمع: محل بن خليفة، وسعيد بن عمرو بن أشوع. روى عنه: عبد الرحمن ابن مهدي، وأبو عاصم: الضحاك بن مخلد، وزيد بن الحباب، وسويد بن عمرو الكلبي. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . ومُحِل بن خليفة- بالميم المضمومة وبالحاء المهملة المكسورة- الطائي الكوفي. سمع: عدي بن حاتم، وأبا السمح خادم النبي- عليه السلام-، وأبا وائل: شقيق بن سلمة. روى عنه: يحيى بن الوليد، وشعبة، وسَعد أبو مجاهد. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم:

_ ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم (526) ، وباب: ما جاء في الاستتار عند الغسل (613) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5784) . (2) المصدر السابق (14/3128) . (3) المصدر السابق (32/6942) .

صدوق ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وأبو السَّمح- بفتح السين المهملة، وسكون الميم، وفي آخره: حاء مهملة- قال أبو زرعة الرازي: لا أعرف اسم أبي السَمح هذا، ولا أعرف له غير هذا- يعني هذا الحديث-، وقال غيره: اسمه: " إياد " (2) والحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه. ص- قال عباس: قال: حدثنا يحيى بن الوليد (3) . ش- أي: قال عباس بن عبد العظيم: حدثنا بهذا الحديث يحيى بن الوليد أبو الزعراء، وفي بعض النسخ بعد قوله: " يحيى بن الوليد ": " قال أبو داود: وهو أبو الزعراء "؛ والأصح أنه ليس بموجود في النسخ الصحيحة. 361- ص- نا مُسدد قال: نا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بنِ أبي الأسود، عن أبيه، عن علي قال: يُغسلُ بولُ (4) الجارية، ويُنضحُ من بولِ الغُلام ما لم يَطعَم " (5) . ش- يحيى: القطان، واسم ابن أبي عروبة: سعيد، واسم أبي عروبة: مهران؛ وقد مر غير مرة. وأبو حَرب ابن أبي الأسود، رو [ى] عن: أبيه، وعبد الله بن عُمر. وروى عنه: قتادة، وداود بن أبي هند، وعثمان بن عمير. قال ابن سَعد: [كان معروفاً و] (6) له أحاديث. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (7) .

_ (1) المصدر السابق (27/5810) . (2) المصدر السابق (33/7414) . (3) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: " قال أبو داود: وهو أبو الزعراء. قال هارون بن تميم، عن الحسن قال: " الأبوال كلها سواء'، وسيأتي عندنا بعد حديثين، وانظر تعليق المصنف عليه هنا وهناك. (4) في سنن أبي داود: " يغسل من بول ". (5) تفرد به أبو داود. (6) مبتور في الإلحاق، وأثبتناه من تهذيب الكمال. (7) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/7305) .

[وأبو الأسود] (1) : ظالم بن عمرو بن سُفيان بن جندل بن يعمر بن حَلبَس (2) بن نُفاثَة بن عَدي بن الذَيل الديلي البصري قاضيها. سمع: عمر بن الخطاب، وعليا، والزبير بن العوام، وأبا ذر الغفاري، وعمران بن الحصين، وابن عباس. وَروَى عنه: ابنه: أبو حَرب، وأهلُ البصرة. ويقال: اسمُه: عمرو بن ظالم. وقال ابن معين: بصري ثقة. وهو أول من تكلم في النحو. روى له الجماعة. وقال ابن حبان: ولي البصرة لابن عباس، ومات بها (3) ./والحديث رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه ". 362- ص- نا ابن المثنى: نا معاذ بن هشام: حَدّثني أبي، عن قتادة، عيب أبي حَرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن عليّ بن أبي طالب، أن نبي الله- عليه السلام- قال: فذكرَ مَعناه؛ لم يذكر " ما لم يَطعم ". زاد: قال قتاَدة: " هذا ما لم يَطعَمَا الطَّعامَ، فإذا طَعِمَا غُسِلا جميعاً " (4) . ش- أي: ذكر معنى الحديث السابق الموقوف على علي- رضي الله عنه-. قوله: " لم يذكر " أي: ابن المثنى لم يذكر في روايته عن معاذ بن هشام لفظ: " ما لم يَطعم "، ولكنه زاد: قال قتادة إلى آخره، ويجوز أن يكون فاعل " لم يَذكر "، وفاعلُ " زادَ " هو هشامُ الدستوائي. قوله: " فإذا طعما " بفتح الطاء وكسر العين، من باب: علم يعلم. وهذا أخرجه: الترمذي، وابن ماجه؛ وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وذكر أن هشاماً الدستوائي رفعه عن قتادة، وأن سعيد بن

_ (1) مبتور في الإلحاق، وأثبتناه من تهذيب الكمال. (2) كذا وفي تهذيب الكمال: " حلس "، وفي تهذيب التهذيب: " حنش ". (3) المصدر السابق (33/7209) . (4) انظر الحديث السابق.

126- باب: الأرض يصيبها البول

أبي عروبة وقفه عنه ولم يرفعه، وقال البخاريّ: وسعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يَرفعه وهو حافظ. ص- قال أبو داود: قال هارون بن تميم عن الحسن قال: " الأبوال كلها سواء ". ش- هذا ليس بثابت في غالب النسخ الصحيحة؛ والمعنى سَواء كان بول الصغير أو الكبير أو الذكر أو الأنثى؛ فالكل نجس فلابد فيه من الغسل. وهارون بن تميم: الراسبي، يروي عن: الحسن، عداده في أهل البصرة. روى عنه: أبو هلال الراسبي، ذكره ابن حبان في " الثقات ". 363- ص- ثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر قال: ثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن أمه أنها أبصرت أم سَلمة تَصُب (1) على بولِ الغُلام ما لم يَطعَم، فإذا طَعِمَ غَسلَتهُ، وكانت تَغسلُ بولَ الجَاريةِ (2) . ش- عبد الوارث: ابن سعيد العنبري البصري، ويونس: ابن عُبَيد البصري، والحسن: البصري، وأمه: خَيرة، مولاة أم سلمة زوج النبي - عليه السلام-. روت عن: عائشة، وأم سلمة. روى عنها: ابناها الحسن، وسعيد. روى لها الجماعة إلا البخاري (3) . وقد تكلم الطحاوي في هذه الأحاديث بما فيه الكفاية- كما ذكرناه- والله أعلم. *** 126- باب: الأرض يُصيبها البول أي: هذا باب في بيان حكم الأرض التي تُصيبها البول. 364- ص- نا أحمد بن عَمرو بن السَرج، وابن عبدة في آخرين

_ (1) في سنن أبي داود: " تصب الماء ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7832) . 14* شرح سنن أبي داوود 2

- وهذا لفظ ابن عَبدة- قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سَعيد، عن أبي هريرة: أن أعرابيا دخلَ المسجدَ ورسولُ الله- عليه السلام- جَالس فصلَّى قال ابن عَبدة: ركعتين ثم قال: اللهم ارَحَمنِي ومحمداً ولا تَرحم معنا أحداً. فقال النبيُ- عليه السلام-: " لقد تَحَجَّرتَ وَاسعاً "، ثم لم يَلبث أن بَالَ في نَاحية المسجدِ، فأسرِعَ الناسُ إليه، فنهاهمِ النبيُّ- عليه السلام- وقال: " إنمَا بُعثتُم مُيَسَرِين، ولم تُبعَثُوا مُعسَرِين، صُبُوا عليه سَجلاً من ماءٍ " أو قال: " ذَنُوباً من مَاءٍ " (1) . ش- ابن عَبدة: هو أحمد بن عَبدة، وسعيد: ابن المسيّب. قوله: " أن أعرابيا " الأعرابي: الذي يَسكنُ البادية، وهو منسوب إلى الأعراب ساكني البادية من العَرب، الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعَربُ اسَم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه "، وسواء أقام بالبادية أو المُدن؛ والنسبة إليه عربيّ بَيّن العُروبَة. وقال الجوهري: العربُ جيل من الناس، والنسبة إليهم: عربي، وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم: سكّان البادية خاصة، والنسبة إلى الأعراب: أعرابي؛ لأنه لا واحد له، وليس الأعرابُ جمعاً لعَرب كما أن الأنباط جمع (2) لنبط، وإنما العرب اسم جنس، والعرب العاربة هم الخُلَّصُ منهم، واخذَ من لفظه فأكد به كقولك: ليلٌ أليل، وربما قالوا: العربُ العَرباء، وَالعربُ المُستَعربة هم الذين ليسوا بخُلَص، وكذلك المُتعرّبةُ. قوله: " قال ابن عبدة " مُعترض بين الفعل بفاعله وبين مفعوله. قوله: " ومحمدا " أي: ارحم محمداً. قوله: " لقد تحجّرت واسعاً " أي: ضيقت من رحمة الله ما وسعه،

_ (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في البول يصيب الأرض (147) ، النسائي: كاَب السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/14) . (2) في الأصل: " جمعاً ".

ومنعت منها ما أبَاحه؛ وأصل الحجر: المنع، ومنه: حجر السفِيه؛ وهو منعه من التصرف في ماله. قال ابن الأثير (1) : " أي: ضيقت ما وسعه الله، وخصصت به نفسك دون غيرك ". وإنما ذكر من باب التفعل إشارة إلى أنه قد تكلف في هذا الدعاء الذي خصص به نفسه، لأن باب التفعل للتكلف. قوله: " أن بال " يجوز أن تكون " أن " مصدرية بمَعنى: " لم يلبَث بوله " على معنى لم يتعلق بشيءٍ حتى بالَ. قوله: " سَجلاً " السَّجل- بفتح السين، وسكون الجيم-: الدلو إذا كان فيه ماء قلّ أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة " سَجلٌ " وهو مذكر؛ والذنوب- بفتح الذال المعجمة، وضم النون-: الدلو العظيمة إذا كانت مَلأى (2) ماء، ِ وقد يكون فيها ماء قريب من المِلء؛ ويذكر ويؤنث، وجمع السجل: سجال، وجمع الذنوب في أدنى العدد: أًذنِبة، والكثير: ذَنائِبُ. ويستفاد من الحديث فوائد: الأولى: أن الداعي لا ينبغي أن يخص نفسه بالدعاء،/بل إذا قدم غيره كان أقرب إلى القبول. الثانية: فيه الرفق بالجاهل، وتعليم ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداَ. الثالثة: فيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لأنه- عليه السلام- إنما نهاهم عن القطع عليه لمصلحتين؛ الأولى: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المَسجد. الرابعة: فيه إثبات نجاسة بول الآدمي، ولا فرق بين الكبير والصغير. الخامسة: فيه احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار.

_ (1) النهاية (1/342) . (2) في الأصل: " ملأ ".

السادسة: فيه أن الأرض تطهُر بصَبّ الماء عليها. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " ولا يشترط حفرها، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا تطهر إلا بحَفرها ". قلت: مذهب أبي حنيفة: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة يصب عليها الماء، وتُدلك بعد ذلك، وتُنشّف [] (2) أو خرقة، إذا فعل ذلك ثلاثاً طهرت، وإن لم يَفعل ذلك، لكن صبّ عليه ماءً كثيراً حتى عرف أنه أزال النجاسة ولم يوجد لها لون ولا ريح، ثم ترك حتى لشفت كانت طاهرة. وفي " شرح الطحاوي ": هذا إذا كانت الأرض رخوةً، أما إذا كانت صلبةً فإن كانت منحدبة تحفرُ في أسفلها حَفيرةٌ يُصب عليها الماء، فيُجمع في ذلك الموضع ثم تكبسُ تلك الحفيرة وإن كانت مستوية لا فائدة في غَسلها بل تُحفر فَيجعلُ أعلاها أَسفلَها، وسيجيء الدليل لهذا الأصل. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي. وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاريّ ومسلم من حديث أنس بن مالك بنحوه. 365- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا جرير- يعني ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك- يعني ابن عُمير- يُحدِّث عن عبد الله بن مَعقل بن مُقَرَّن قال: صَلَى أعرابي مع النبيِّ- عليه السلام- بهذه القصة قالَ فيه: وقال " - يعني النبي- عليه السلام-: " خُذُوا ما بالَ عليه من التُّراب فألقُوه وأهرِيقُوا على مَكَانِهِ ماءَ " (3) . ش- جرير بن حازم: أبو النضر البصري. وعبد الملك بن عُمير: ابن سُويد بن جارية- بالجيم- اللخمي، ويقال: القرشي الكوفي، أبو عَمرو، أو أبو عُمر، رأى عليا،

_ (1) شرح صحيح مسلم (3/191) ، وانظر الفوائد قبلُ فيه أيضاً. (2) كلمة غير واضحة في الإلحاق. (3) تفرد به أبو داود.

وأبا موسى الأشعري. وسمع: جرير بن عبد الله البجلي، وجابر بن سمرة، والمغيرة بن شعبة، وعدي بن حاتم، وجندب بن عبد الله، وغيرهم، ومن التابعين: عبد الله بن الحارث الهاشمي، وموسى بن طلحة، وأبا الأحوص عوف بن مالك، وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي، والأعمش، والثوري، وشعبة، وجرير بن حازم، وغيرهم. قال ابن معين: هو مخلط. وقال أبو حاتم: ليس بحافظ وصالح، تغير حفظه قبل موته. قال أحمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) . وعبد الله بن مَعقل بن مُقَرّن: المُزني، أبو الوليد الكوفي، سمع: ابن مسعود، وثابت بن الضحاكً، وكعب بن عجرة، وعدي بن حاتم. وروى عن: عليّ بن أبي طالب. روى عنه: عبد الرحمن الأصبهاني، وزياد بن أبي مريم، وعبد الله بن السائب الشيباني، وأبو إسحاق الشيباني، والهمداني. قال أحمد بن عبد الله: معقل له صحبة، وابنه: عبد الله كوفي تابعي ثقة، من خيار التابعين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة (2) . ومقرن بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الراء وفتحها، وفي آخره نون. قوله: " خذوا ما بال عليه من التراب " استدل به أصحابنا في طهارة الأرض تصيبها نجاسة بحفرها؛ فإنه- عليه السلام- أمَر بإلقاء التراب الذي عليها بقوله: " خذوا ما بَال عليه من التراب فألقوه " أي: ارمُوه: وهذا يدل على أن الأرض كانت غير رخوة؛ لأنها لو كانت رخوة لاكتفى بصَبّ الماءِ عليها بدون الحَفر؛ لأن إلقاء التراب لا يكون إلا بالحفر. قوله: " وأهرِيقوا " أي: أريقوا، و " الهاء " زائدة؛ وقد مر مثله غير مرة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3546) . (2) المصدر السابق (16/3586) .

127- باب: طهور الأرض إذا يبست

ص- قال أبو داود: وهو مُرسل؛ ابنُ مَعقل لم يُدرك النبيَّ- عليه السلام-. ش- أي: هذا الحديث مُرسل؛ لأن عبد الله بن مَعقل المذكور لم يُدرك النبي- عليه السلام-، وقال الخطابي (1) : " فأما حديث عبد الله ابن مَعقل: فإن أبا داود قد ذكره وضعّفه وقال: هو مُرسلٌ ". قلت: كيف يَنسُبُه إلى التَّضعيف؛ وقد رُويَ هذا الحديث من طريقين مُسندين وطريقين مُرسلَين؛ فالمُسندان أحدهما: عن سَمعان بن مالك، عن أبي وائل، / عن عبد الله قال: جاء أعرابيّ فبال في المسجد فأمر النبي- عليه السلام- بمكانه فاحتفر وصُب عليه دلو من ماء. أخرجه الدارقطني في " سننه " (2) . والثاني: أخرجه الدارقطني- أيضاً- عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عُيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن أعرابيا بال في المَسجد فقال عليه السلام: " احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء ". وأما المرسلان، فأحدهما: ما رواه أبو داود، والثاني: ما رواه عبد الرزاق في " مُصنفه " *** 127- بَاب: طَهُور الأرض إذا يبسَت أي: هذا باب في بيان طهورية الأرض إذا يبست بعد أن أصابتها النجاسة. 366- ص- ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدَّثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال ابن عُمر: كُنتُ أَبيتُ في المسجدِ في عَهدِ رسول الله، وكُنتُ فتى شابا عَزباً، وكانت الكلابُ تَبُولُ وتُقبلُ وتُدبرُ في المسجدَ، فلَم يكونوا يَرُشُونَ شيئاً من ذلك (3) .

_ (1) معالم السنن (1/100) . (2) (1/132) وقال: " سمعان مجهول ". (3) البخاري تعليقاً: كتاب الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ... (174) .

ش- أحمد بن صالح: المصري، ويونس: ابن يزيد. وحمزة بن عبد الله بن عُمر: ابن الخطاب أبو عمارة القرشي العدوي، المدني، والد عمر بن حمزة. سمع: أباه، وعائشة أم المؤمنين. روى عنه: أخوه: عبد الله، والزهري، وأخوه: عبد الله بن مسلم، وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة (1) . قوله: " فتًى " الفَتى: الشَاب، وقد فتِي- بالكسر- يفتي فَتاً، والفَتَى - أيضاً-: السخي الكريمُ، وأصل تركيبه بمعنى القوة؛ ومنه الفتوى؛ لأنه يقوي السائل. قوله: " شابا " تأكيد لقوله: " فتَى ". قوله: " عَزَبا " صفتُه العَزَب- بفتح العَين والزاي-: الذي لا زوج له؛ سمّي به لبُعده عن النساء؛ يقال: رجل عَزَبٌ وامرأة عزباء، ولا يقال فيه: " أعزَبُ " من عَزبَ يعزُب، من باب نصر ينصر فهو عازِبٌ إذا بَعد، ومنه في الحديث: " من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عَزَبَ " أي: بَعُد عهده بما ابتدأ منه وأبطأ في تلاوته. قوله: " وكانت الكلاب تبولُ وتُقبل و " تدبر في المَسجد " قال الخطابي (2) : " يُتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتُدبر في المسجد عابرةَ؛ إذ لا يحوز أن تترك الكلاب تنتابُ المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات باردة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع عبورها فيه ". قلت: هذا تأويلٌ بعيد؛ لأن قوله: " في المسجد " ليس ظرفاً لقوله: " وتُقبلُ وتدبرُ " وحده؛ بل إنما هو ظرف لقوله: " تبولُ وتقبلُ وتدبرُ "

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1507) . (2) معالم السنن (1/101) .

128- باب: الأذى يصيب الذيل

كلها وأيضاً قوله: " فلم يكن يَرُشّون شيئاً من ذلك " يَمنعُ هذا التأويل؛ لأنها لو كانت تبولُ في مواطنها ما كان يحتاج إلى ذكر الرش وعدمه؛ إذ لا فائدة فيه، وكذلك التَّبوِيبُ بقوله: " طهور الأرض إذا يبسَت " يردّ هذا التأويل؛ بل الظاهر أنها كانت تبول في المسجد؛ ولكنها تنشفُ وتيبَسُ فتطهُر، فلا يحتاج إلى رش الماء؛ وإنما حمل الخطابيَّ على هذا التأويل البعيد منعُهُ هذا الحديث أن لا يكون حجة لأصحابنا عليهم؛ فإن أصحابنا استدلوا به على الأرض إذا أصابته نجاسة فجَفت بالشمس أو بالهواء، وذهب أثرها تطهرُ في حق الصلاة، خلافاً للشافعي وأحمد وزفر؛ ويؤيد ما قاله أصحابنا: ما أخرجه ابن أبي شيبة في " مُصنفه " (1) عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: " زكاة الأرض يُبسها ". وأخرج (1) عن ابن الحنفية وأبي قلابة قالا: " إذا جفت الأرض فقد زكت ". وروى عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: " جفوف الأرض طهورها ". 128- باب: الأذى يُصيب الذيل (2) أي: هذا باب في بيان الأذى- أي: النجاسة- يصيب الذيل؛ هذا الباب في رواية اللؤلؤي ذكر بعد باب " البزاق " في آخر كتاب الطهارة. 367- ص- ثنا عبد الله بز مَسلمة، عن مالك، عن محمد بن عمارة ابن عَمرو بن حَزم، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن دن عوف، أنها سألت أم سَلمةَ زوجَ النبيِّ- عليه السلام- فقالت: إني امرأةٌ أطيلُ ذَيلِي وامشي في المَكَان القَذر/فقالَت أُمُ سَلمةَ: قال رسول اللهِ: " يُطَهًّرُهُ ما بَعدَه " (3) .

_ (1) (1 / 41) باب من قال: إذا كانت جافة فهو زكاتها. (2) غير واضح في الأصل. (3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الموطأ (143) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الأرض يطهر بعضها بعضاً (531) .

ش- مالك: ابن أنس. ومحمد بن عُمارة بن عَمرو بن حَزم: الحزمي الأنصاري المدني. روى عن: أبي طوالة: عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، وأبي بكر بن عَمرو بن حزم، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وزينب بنت نُبيط بن شَريط. روى عنه: مالك بن أنس، وعبد الله بن إدريس، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: هو صالح، ليس بذاك القويّ. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . ومحمد بن إبراهيم: ابن الحارث التيمي المدني. إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، أبو محمد، أو أبو عبد الله، يقال ت إنه ولد في حياة رسول الله وشهد الدار مع عثمان ابن عفان، ودخل [على] عمر بن الخطاب وهو صغير وسمع منه. وسمع: عثمان، وأباه، وسَعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبا بكرة، وجبير بن مطعم. وروى عن: عليّ بن أبي طالب، وعمار ابن ياسرٍ، وعَمرو بن العاص. وسمع أمّه: أم كلثوم بنت عقبة: بن أبي معيط- وهي [أخت] عثمان بن عفان لأمّه-. روى عنه: ابناه: سَعدٌ وصالحٌ، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وغيرهم. قال أحمد ابن عبد الله: تابعي ثقة. توفي سنة ست وسبعين وهو ابن خمس وسبعين سنة. روى له: البخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود (2) . قوله: " وأمشي في المكان القذر " - بفتح القاف، وكسر الذال المعجمة- ضد النظافة؛ يقال: شيءٌ قَذِرٌ بيِّنُ القذارة، وأصله من قذرتُ الشيء أقذَرُه إذا كرهتَه واجتنبتَه، من باب علم يعلم؛ والاسمُ: " القَذَر " بفتح القاف والذال. قوله: " يُطَهِّره ما بَعده " أي: يُطهِّر المكان القذِرَ ما بَعده من المكان

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5494) . (2) المصدر السابق (2/203) .

الطاهر؛ وليس معناه: أن الثوب إذا أصابَه نجاسة من مكان يُطهره مكان آخر؛ فإن ذلك لا يُطهره إلا الغَسلُ، وهذا بالإجماع. وقال مالك- فيما رُوي-: " إن الأرض يطهر بعضها بعضاً ": إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسةَ النظيفة، فإن بعضها يُطهر بعضا. وكان الشافعي يقول في قوله: " يطهره ما بعده ": إنما هو فيما جُرَّ على ما كان يَابساً لا يَعلَقُ بالثوب منه شيء، فأما إذا جُرَّ على رطب فلا يُطهره إلا الغَسلُ. وقال أحمد بن حنبل: ليس معناه: إذا أصابَه بولٌ ثم مر بعده على الأرض أنها تطهر؛ ولكنه يمر بالمكان فيُقذِره ثم يمرّ بمكان أطيب منه فيكون هذا بذلك؛ لا على أنه يُصِيبه منه شَيء. والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك بن أنس، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لهود (1) بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة، وهو وهم (2) ، وإنما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة؛ وهذا الصحيح. وقال الخطابي (3) : " في هذا الحديث مقال؛ لأن فيه: " عن أم ولد لإبراهيم "، وهي مجهولة، لا يُعرف حالها في الثقة والعدالة ". 368- ص- ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، وأحمد بن يونس قالا: نا زهير، نا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إن لنا طَريقاً مُنتنَةَ (4) فكيفَ نَفعَلُ إذا مُطِرنَا؟ قال: " أليس بعدَها طريقٌ هَي أطيبُ منها؟ " قالت: بلى، قال: " فهذه بهذه " (5) .

_ (1) في الأصل: " لمود " كذا. (2) زيد في جامع الترمذي (1/268) هنا: " وليس لعبد الرحمن بن عوف ابن يقال له هود ". (3) معالم السنن (1 / 102) . (4) في سنن أبي داود: " طريقاً إلى المسجد منتنة ". (5) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الأرض يطهر بعضها بعضا (533) .

129- باب: الأذى يصيب النعل

ش- زهير: ابن معاوية. وعبد الله بن عيسى: ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي. وموسى بن عبد الله بن يزيد: الخطمي الأنصاري الكوفي. روى عن: أبيه، وعبد الرحمن بن هلال. روى عنه: الأعمش، ومسعر، وعبد الله بن الوليد، وغيرهم. قال ابن معين والدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . قوله: " فهذه بهذه " معناه: يجعل الطريق الطيبة عوض الطريق المُنتنِة؛ وليس المعنى: إذا أصابها شيء من الطريق المنتنة يطهرها الطريق الطيبة؛ ولا يطهرها إلا الغسل بالإجماع- كما ذكرناه. والحديث أخرجه: ابن ماجه، وفيه مقال؛ لأن فيه امرأة مجهولة؛ والمجهول لا تقوم به الحجة. 129- بَاب: الأذَى يُصِيبُ النَّعل أي: هذا باب في بيان الأذى يصيب النعل/، والأذى: النجاسة. 369- ص- حدَّثنا أحمد بن حنبل: ثنا أبو المغيرة ح، وثنا العباس بن الوليد قال: أخبرني أبي ح، ونا محمود بن خالد: نا عمر- يعني: ابن عبد الواحد-، عن الأوزاعي- المعنى- قال: أُنبِئتُ أن سعيدَ بنَ أبي سعيد المقبُري حدَّث عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسولً الله- عليه السلام- قال. " إِذَا وَطِئَ بنعلِهِ أحدُكمُ (2) الأذَى، فإِن التُّرابَ له طًهُورٌ " (3) . ش- أبو المغيرة: عَبد القدوس. والعباس بن الوليد: ابن مَزيَد- بالزاي- البَيروتي العذري أبو الفضل. سمع: أباه، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعقبة بن علقمة البيروتي، وأبا مسهر، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6275) . (2) في سنن أبي داود: " إذا وطئ أحدكم بنعله ". (3) تفرد به أبو داود.

وابنه: عبد الرحمن- وقال: هو صدوق ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق-، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي، ويعقوب بن سفيان، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم. كان مَولده في رجب سنة تسع وستين [ومائة] ، ومات سنة سبعين ومائتين (1) . وأبوه: الوليد بن مَزيَد البَيروني الشامي، أبو العباس. سمع: الأوزاعي، وعثمان بن عطاء، ويزيد بن يوسف، وغيرهم. روى عنه: ابنه: العباس، وأبو مسهر، وهشام بن إسماعيل، وغيرهم. قال الأوزاعي: عليكم بكتب الوليد؛ فإنها صحيحة. وقال الدارقطني: كان من ثقات أصحاب الأوزاعي. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . ومحمود بن خالد: ابن أبي خالد الدمشقي. وعُمر بن عبد الواحد: ابن قيس، أبو حفص السلمي الدمشقي. روى عن: الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والنعمان بن المنذر، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: محمود بن خالد، وإبراهيم بن موسى، والوليد بن عتبة، وغيرهم 0 قال أحمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة مائتين. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " إذا وطئ بنعله أحدكم الأذى " أي: النجاسة، والنَّعلُ: الحذاءُ - مؤنثة، وتصغيرها: نُعَيلة. وقال ابن الأثير (4) : " وهي التي تُلبسُ في المشي، يُسمّى (5) الآن: تَاسُومة ". وبه استدل أصحابنا أن الخف ونحوه إذا أصابته نجاسة لها جرمٌ كالروث والعذرة والدم والمني فجفت، فدلكه بالأَرض جاز؛ خلافاً لمحمد، ويجيء حديث الخفين- أيضاً.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3144) (2) المصدر السابق (31/6735) . (3) المصدر السابق (21/4280) . (4) النهاية (5/83) . (5) في النهاية: " تسمى ".

وكان الأوزاعي يستعمل هذا الحديث على ظاهره وقال: يُجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب ويصلي فيه. وروى مثله عن عروة بن الزبير. وكان النخعي يَمسح النعل والخف يكون فيه السرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم. وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحاً ولا أثراَ: رجوتُ أن يُجزئه. وقال الشافعي: لا تطهر النجاسات إلا بالماء سواء كانت في ثوب أو حذاءٍ. وبه قال مالك وأحمد وزفر؛ والحديث حجة عليهم. قال المُنذريّ: فيه مَجهول قلت: قد تأيد بما رواه أبو داود- أيضاً- في الصلاة في حديث طويل وفيه: " إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نَعليه قذراَ أو أذًى فليمسحه وليصل فيهما ". ورواه ابن حبان في " صحيحه "، وعبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم بنحو أبي داود- وسنتكلم فيه إن شاء الله تعالى. وبإطلاق الأحاديث أخذ أبو يوسف حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح سواء كان النجس رطباً أو يابساً 0 وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العَينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشاراً وتلوثاً. فإن قيل: الحديث مطلق فَلِمَ قيده أبو حنيفة بقوله: " النجاسة العَينيّة " أي: التي لها جرم؟ قلت: التي لا جرم لها خرجت بالتعليل وهو قوله: " فإن التراب طهور " أي: يُزيل نجاسته، ونحن نعلم يقيناً أن النعل أو الخف إذا تشرّب البول أو الخمر لا يُزيله المَسحُ ولا يخرجه من أجزاء الجلد، فكان إطلاق الحديث مصروفاً إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو التراب فجف فإنه يطهر- أيضاً- بالمسح؛ على ما قال شمس الأئمة، وهو الصحيح؛ فلا فرق بين أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها؛ هكذا ذكر الفقيه

أبو جعفر، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل/عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك إلا أنه لم يشترط الجفاف. 370- ص- نا أحمد بن إبراهيم: حدَثني محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبي- عليه السلام- بمعناه قال: " إذا وَطِئَ الأذَى بخُفيه فطهُورُهَا التُّرابُ " (1) . ش- أحمد بن إبراهيم: ابن خالد الموصلي. ومحمد بن كثير: ابن أبي عطاء، أبو يوسف الصنعاني الثقفي مولاهم، نزل المصيصة، سمع: معمر بن راشد، والأوزاعي، وحماد ابن سلمة، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: الحسن بن الربيع، وشهاب بن عباد، والحسن بن الصباح، وغيرهم. وقال البخاري: ضعّفه أحمد، وسئل عنه ابن معين فقال: كان صدوقاً في روايته، ثقة. وقال ابن سعد: كان من أهل صنعاء، ونشأ بالشام، ونزل المَصيصة، وكان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره، ومات في آخر سنة ستة عشر ومائتين (2) . وابن عجلان: محمد بن عجلان. ورواه ابن حبّان في " صحيحه لما في النوع السادس والستين من القسم الثالث، والحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرط مُسلم ولم يُخرجاه. وقال النووي في " الخلاصة ": رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى كلام ابن القطان. هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا نظن بها الصحة لِما سبق من الكلام. 371- ص- ثنا محمود بن خالد: ثنا محمد- يعني: ابن عائذ: نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد قال: أخبرني- أيضاً-

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5570) .

سعيد بن أبي سعيد، عن القَعقاع بن حكيم، عن عائشة، عن رسول الله بمعناه (1) . ش- محمود بن خالد: أبو علي السُلَمي الدمشقي. ومحمد بن عائذ: ابن عبد الرحمن بن عبد الله، أبو أحمد، أو أبو عبد الله الدمشقي القرشي الكاتب، صاحب كتاب " المغازي " و" الفتوح " و " الصوائف " وغيرها. سمع: يحيى بن حمزة، والوليد بن مسلم، وأبا مسهر، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة الدمشقي والرازي (2) ، ويعقوب بن سفيان، وأبو دا [ود] ، وغيرهم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال دحيم: صدوق. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، وولد في سنة خمسين ومائة (3) . ويحيى بن حمزة: ابن واقد الحضرمي، أبو عبد الرحمن الدمشقي قاضيها، من أهل بيت لهيا. سمع: محمد بن الوليد، والأوزاعي، وزيد بن واقد، وغيرهم. روى عنه: محمد بن المبارك الصوري، والوليد بن مسلم، ومحمد بن عائذ، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان صدوقاً. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال المفضل بن غسان: كان ثقة. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. روى له الجماعة (4) . ومحمد بن الوليد: الزبيدي الشامي الحمصي. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. وقال الشيخ زكي الدين: حديث عائشة حديث حسن؛ غير أنه لم يذكر لفظه. قلت: رواه ابن عدي في " الكامل " (5) عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي، عن سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه،

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " الررازي ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/3517) . (4) المصدر السابق (31/6816) . (5) (5/203) " ترجمة عبد الله بن زياد بن سمعان ".

130- باب: الإعادة من النجاسة تكون في الثوب

عن عائشة قالت: سألتُ النبي- عليه السلام (1) -.: الرجلُ يَطأ بنَعليه في الأذَى، قال: " الترابُ لهما طهورٌ ". وقال الدارقطني: مدار الحديث على ابن سَمعان: وهو ضعيف. قال ابن الجوزي: قال مالك: هو كذاب. وقال أحمد: متروك الحديث. قلت: ذكر صاحب " الكمال ": قال أبو زرعة: حدثني أحمد بن صالح قال: قلت لابن وهب: ما كان مالك يقول في ابن سَمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بَعض. وروى له الترمذي مقروناً بيونس بن يزيد. 130- بَاب: الإِعَادَة منَ النجاسَة تكونُ فِي الثوب أي: هذا باب في بيان إعادة الصلاة من النجاسة تكون في الثوب. 372- ص- ثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: ثنا أبو معمر: ثنا عبد الوارث: حدَّثتنا أمِ يونس بنت شداد قالت: حدَّثتني حماتي: أم جَحدر العامرية قالت: إنها سألت عائشةَ عن دَم المحيضِ يُصيبُ الثوبَ، فقالت. كنتُ مع رسول الله وعدينا شِعارُنَا، وقد ألقينَا فَوقَه كساءً، فلما أصبحَ رسولُ اللهِ اخذَ الكساءَ فلَبسَهُ، ثِم خَرِجَ فصلَّى الغَداةَ، ثَم جَلسَ فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، هذه لمعَةٌ من دمٍ، فقبضَ رسولُ الله/على ما يليها، فبعث بها إِليَ مَصرورَةً في يد الغُلام فقال: " اغسلي هَذا وأجفِّيهَا، ثم أَرسِلي بها إليَ " فدعوتُ بقَصعتَي فغسلتُها، ثم أجفَفتها، فاخَرتُهاَ إليه، فجاء رسولُ الله بنصفِ النهارِ وهو عَليه (2) . ش- محمد بن يحيى: ابن عبد الله بن خالد بن فارس النيسابوري الإمام. وأبُو مَعمر: عبد الله بن عَمرو المقعد المنقري البصري. وعبد الوارث: ابن سعيد العَنبري.

_ (1) في الأصل: " رسول الله "، وبهامش الأصل مصححاً: " النبي عليه السلام ". (2) تفرد به أبو داود.

وأم يونس بنت شداد، روت عن حماتها أم جحدر. روى عنها: عَبد الوارث بن سعيد 0 روى لها: أبو داود (1) . وأم جحدر العامريّة روت عن: عائشة الصديقة. روت عنها: أم يونس بنت شداد. روى لها: أبو داود (2) . قوله: " وعلينا شعارنا " قد مرّ أن الشعار: الثوبُ الذي يلي الجسد، والكساء: واحد الأكسية؛ وأصله: " كساوٌ "؛ لأنه من كسوتُ، إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف همِزت، وتكسيتُ بالكساء: لبِستُه. قوله: " هده لمعهّ " - بضم اللام وسكون الميم- وهي بياض أو سواد أو حُمرة تَبدو من بَين لون سواها؛ وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليُبس. قوله: " مصرورةً " نصحب على الحال، من صررتُ الصرة شددتُها. قوله: " وأجفيها " أمر من الإجفاف وثلاثيه جَفّ يجفّ من باب ضرب يضرب، ويجَفّ بالفتح لغة فيه حكاهاَ أبو زيد، وردّها الكسائي. قوله: " فأحَرتُها " أي: ردَدتُها إليه، من أحَار يُحيرُ وثلاثيه حارَ يحورُ؛ قال الله تعالى: (إِنَهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى) (3) أي: لا يبعث ولا يرجع إلينا في القيامة للحساب. قوله: " وهو عليه " جملة وقعت حالاً؛ أي: والحال أن الكساء عليه؛ وإنما ذكّر الضمير باعتبار المذكور، أو باعتبار الثوب. وفيه من الفقه مسائلُ؛ الأولى: وجوب غسل الثوب من الدم، والثانية: اقتصار الغسل على المَوضع المُصاب، والثالثة (4) :

_ (1) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/8021) . (2) المصدر السابق (35/7956) . (3) سورة الانشقاق: (14، 15) . (4) بياض في الأصل قدر سطر وربع السطر. 15 * شرح سنن أبي داوود 2

131- باب: البزاق يصيب الثوب

131- بَاب: البُزاق يُصِيبُ الثَّوبَ أي: هذا باب في بيان حكم البزاق الذي يصيب الثوب. 373- ص- ثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد، نا ثابت، عن أبي نضرة قال: بَزقَ النبيُّ- عليه السلام- في ثوبِهِ وحَكَ بَعضَه ببعضٍ (1) . ش- حماد: ابن سلمة، وثابت: البناني. وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قطيعة (2) العَوفي- بفتح الواو، وبالقاف- منسوب إلى عَوَقة؛ بطن من عبد القَيس العَبدي البَصري، أدرك طلحة بن عبيد الله. وسمع: عبدَ الله بن عباس، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عامر، وأبا ذر الغفاري، وأبا سعيد الخدريّ، وسمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وغيرهم. روى عنه: حميد الطويل، وقتادة، وداود بن أبي هند، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. مات قبل الحسن بقليل. روى له الجماعة إلا البخاريّ (3) . وهذا مُرسلٌ كما ترى. 374- ص- نا موسى: نا حماد، عن حميد، عن أنس، عن النبي - عليه السلام- بمثله (4) . ش- موسى: ابن إسماعيل، وحماد: ابن سلمة، وحُميد: الطويل، وأنس: ابن مالك- رضي الله عنه. قوله: " بمثله " أي: بمثل الحديث المذكور. وأخرجه البخاري، والنسائي. واختلفوا في البزاق: هل هو طاهر أم لا؟ فعن سلمان: إنه ليس بطاهر؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة: نا ابن علية، عن هشام، عن حماد، عن ربعي بن حراش قال: قال سلمان: " إذا حك أحدكم جلده

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) كذا، والمعروف: " قطعة ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28 /6183) . (4) البخاري: كتاب الوضوء باب: البزاق والمخاط ونحوه في الثوب (241) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: البزاق يصيب الثوب (1/162) .

فلا يمسحه (1) ببزاقه؛ فإن البزاق ليس بطاهرِ ". وأسند صاحب الإمام عن البيهقي أنه قال: " إذا أصاب البُصاق الثوب أو الجسد فليغسل بالماء ". ويروى مثل ذلك عن بعض العلماء؛ ذكره الطحاوي في كتاب " الاختلاف " والأصح: ما رواه أبو داود، والبخاريّ وغيرهما: أنه طاهر. وفي " المصنف ": حدَّثنا سَعيد بن يحيى الحميري: ثنا أبو العلاء قال: كنا عند قتادة فتذاكروا قول إبراهيم وقول الكوفيين في البزاق يغسل قال: فحك قتادة ساقه، ثم أخذ من ريقه شيئاً، ثم أمره عليه ليرينا أنه ليس بشيءِ. والحميري هذا ثقة؛ أخرج له البخاري. وأبو العلاء هو: أيوب بن مسكين القصاب؛ وثقه أحمد بن حنبل/وابن سَعد، والنسائي، وغيرهم.

_ (1) في الأصل: " تمسحه ".

2- كتاب الصلاة

2- كِتابُ الصَلاَةِ أي: هذا الباب في أحكام الصلاة بأنواعها. ولما فرغ عن الطهارة الصغرى والكبرى بأنواعهما التي هي شرط، شرع في بيان الصلاة التي هي مشروط، والشرط يسبق المشروط. واشتقاقها من تحريك الصَّلَوَين. وهما: العظمان الناتئان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء؛ فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيرة شرعا، المقررة لغةَ، وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة، ويقال: أصلها في اللغة: الدعاء؛ فسمّيت ببعض أجزائها. وقيل: أصلها في اللغة: التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الربّ 0 والصلاة: اسمٌ وُضع مَوضع المصدر حتى يقال: صليت صلاةَ، ولا يقال: صليت تصليةَ- وإن كان هو القياس. وفي الشرع: الصلاة عبارة عن الأركان المعلومة، والأفعال المخصوصة. وسببها: الوقت، وشرائطها وأركانها مذكورة في الفقه، وحكمها: سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا، وحصول الثواب في العقبى، وحكمتها: تعظيم الله، يعني: بجميع الأركان والأعضاء ظاهرِها وباطِنها تبرئا عن عبدة الأوثان قولا وفعلا وهيئةَ. 375- ص- (1) حدثنا عبد الله بنَ مسلمة، عن مالك، عنه عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بنَ عُبَيدِ الله يقول: جَاءَ رجل إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهلِ نَجد، ثَائرَ الرأسِ يُسمَعُ دويُ صوتِه، ولا يُفقَهُ ما يَقُولُ، حتى دنى فإذا هو يَسألُ عن الإسلام؟ فقالَ رسولُ اَلله: " خمسُ صَلَواتِ في اليوم واللَّيلةِ ". قال: هل عَلىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: (لا، إلا أن تَطَّوَعَ ". قالَ: وذكر له رسولُ الله صيامَ رمضانَ (2) فقال: هل عليَّ غيرُه؟

_ (1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب فرض الصلاة " (2) في سنن أبى داود: " صيام شهر رمضان ".

قال: " لا، إلا أن تَطَّوَعَ ". قالَ: وذكر له رسولُ الله الصدقَةَ قالَ: لهل عَليَ غيرُهَا؟ قال: " لا، إلا أن تَطَّوَّعَ ". قال: فأدبر الرَجلُ وهو يَقُولُ: والله لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ، فقال رسولُ اللهِ: " أفلَحَ إن صَدقَ " (1) . ش- مالك: ابن أنس بن مالك، وعمُه: أبُو لسُهَيل نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أَخو أنس وأُوَيس والربيع، حليف بني تميم. سمع: أنس بن مالك، وأباه، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر، وسعيد بن المسيّب، وعلي بن الحسين. وروى عن: عبد الله بن عُمر، وسهل بن سَعد. روى عنه: الزهري، ومالك بن أنس، وإسماعيل ومحمد ابنا جَعفر، وعبد العزيز الدراورديّ، وغيرهم 0 قال أحمد بن حنبل: هو من الثقات. روى له الجماعة (2) . وأبوه (3) : مالك بن عامر، ويقال: ابن أبي عامر، وهو مالك بن أبي حُمرة- بالحاء والراء المهملتين- أبو عطية الوداعي (4) الكوفي الهمداني. سمع: عبد الله بن مَسعود وعائشة الصديقة. وقال ابن سَعد: روى عن: عمر، وعثمان، وطلحة. روى عنه: خيثمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن سيرين، وعمارة بن عمير، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي. قال ابن معين، وابن سَعد: هو ثقة، توفي في ولاية مُصعب ابن الزبير على الكوفة. روى له الجماعة (5) . قوله: " جاء رجل " هو ضمام (6) بن ثعلبة أخو بني سَعد بن بكر. قوله: " من أهل نَجد " النجد: الناحية التي بين الحجاز والعراق، ويقال: ما بَين العراق وبَين وَجرة وغمرة الطائف نجدٌ.

_ (1) البخاري: كتاب الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (46) ، مسلم: كتاب الإيمان، باب: الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (8/11) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: كم فرضت في اليوم والليلة (1/226) ، وكتاب الصوم (4/120) ، وكتاب الإيمان (8/118) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6368) . (3) كذا ترجم المصنف لراو آخر، وأما صاحبنا وهو أبو مالك فهو مترجم في تهذيب الكمال (27/5745) . (4) كذا، وفي تهذيب الكمال " الوادعي ". (5) المصدر السابق (34/7516) . (6) بهامش الأصل كلمة غير مقروءة.

قوله: " ثائرَ الرأس " أي: قائم شعره، مُنتفِشُه. وقال ابن الأثير (1) : " منتشر شعر الرأس قائمه، فحذف المضاف ". قلت: مادته واويّة من ثار الغبارُ يثورُ ثورا، والثائر سَاعة ما يخرج من التراب، ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لرجل، ويجوز نَصبه على الحال. فإن قلت: إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على ذي الحال فكيف يكون هذا حالا؟ قلت: يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخيره إذا اتصف بشيء كما في المبتدإ، نحو قوله تعالى: (يُفرَقُ كُلُّ أمرٍ حَكِيمٍ * أمراً مَن عندنَا) (2) أو أضيف نحو: جاء غلام رجل قائما، أو وقع بعد نفي كقولهَ تعَالى: (مَا أهلكنا مِن قَريَة إلا وَلَهَا كِتَابٌ معلُوم) (3) وهنا- أيضاً- اتصف النكرة بقوله: " من أهلً نجد " فافهم. قوله: " يُسمعُ دَوي/صوته ولا يُفقه ما يقولُ ". روي: " نسمع " و" نفقه ". بالنون المفتوحة فيهما 0. وروي بالياء آخر الحروف المضمومة فيهما على بناء المجهول؛ والأول أشهر وأكثر. و " دَوي " - بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء- بُعده في الهواء، وحكى صاحب " المطالع " فيه ضم الدال- أيضَا-؛ والأول أشهر، ويشتق منه الفعل يقال: دَوّى النحل تَدوِيةً إذا سمعت لهديره دويا، والمُدَوي: السحابُ ذو الرَّعد المرتجس، والفقه: الفهمُ؛ قال تعالى: (يَفقَهُوا قَولِي) (4) أي: حتى يفهموا. فوله: " فإذا هو يسأل عن الإسلام " أي: عن أركان الإسلام؛ ولو كان السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا؛ لأن الجَواب ينبغي أن [يكون] مطابقا للسؤال، فلما أجاب النبي- عليه السلام- بقوله: " خمس صلوات " عرف أن سؤاله عن أركان الإسلام وشرائعه، فأجاب

_ (1) النهاية (1/229) . (2) سورة الدخان: (4، 5) . (3) سورة الحجر: (4) . (4) سورة طه: (28) ، وذكرت في الأصل " حتى يفقهوا قولي " 0

مطابقا لسؤاله؛ لأن الصلوات الخمس وصيام رمضان وإيتاء الصدقة المذكورة هاهنا ليست عَين الإسلام؛ وإنما هي أركان الإسلام وشرائعُه كما ورد في حديث آخر: " بني الإسلام على خمس " الحديث؛ والمبنيّ غير البني عليه. وقد تكلمت الناس في حقيقة الإسلام والإيمان؛ فقال الزهري: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل، واحتج بقوله تعالى: (قَالَت الأعرَابُ آمنا قُل لَّم تُؤمنُوا وَلَكِن قُولُوا (1) أسلَمنَا) (2) . وقال البغويَ: الإسلام: اسم لما ظَهر من الأعمال، والإيمان: اسم لما بطن من الاعتقاد؛ لجوابه- عليه السلام- في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام هكذا. وقال أصحابنا: الإيمان هو التصديق بوجود الله تعالى وكمالاته وبملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر؛ قال الله تعالى: (اَمَنَ الرَسُولُ بمَا أُنزِلَ إِلَيه مَن ربه) الآية (3) ، وقال النبي- عليه السلام- حين سُئلَ عن الإيمانَ: " أنَ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى " والأعمال غير داخلة في ماهية الإيمان؛ خلافا للأشعرية والمعتزلة والخوارج، والإيمان والإسلام متلازمان، لا عبرة للتصديق بدون الانقياد للأوامر والنواهي، وكذا على العكس. وأما قول النبي- عليه السلام-: " أن تشهد بأن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة " الحديث، فالمراد به: شرائع الإسلام؛ لا نفس ماهية الإسلام- كما ذكرنا-؛ لأن الفاسق مسلم عند أهل السنة. وقال الشافعي: الإيمان: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. ونقل ذلك عن عليّ- رضى الله عنه- (4) . وأما الإسلام: فهو بمعنى الاستسلام- أي: الانقياد- لغة، وفي الشرع: الخضوع،

_ (1) في الأصل: " قوالوا ". (2) سورة الحجرات: (14) . (3) سورة البقرة: (285) . (4) ولا شك أن تعريف الإمام الشافعي للإيمان هو التعريف الذي يرتضيه أهل العلم، ويعتقده أهل السنة والجماعة قاطبة، وانظر: العقيدة الطحاوية (ص/332: 357) .

وقبول قول الرسول؛ فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب فهو الإيمان، وإلا فلا؛ فالإيمان أخصّ من الإسلام، وإطلاق أحدهما على الآخر جائز بطريق التجوز. قلنا: الإيمان هو التصديق بالله، والإسلام: إما أن يكون مأخوذا من التسليم؛ وهو تسليم العبد نفسه لله، أو يكون مأخوذا من الاستسلام وهو الانقياد. وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب واعتقاده أنه تعالى حالته لا شريك له. وجواب آخر: قوله تعالى: (وَمَن يَبتَغ غَيرَ الإسلاَم دينا فَلَن يُقبَلَ منهُ) (1) وقوله تعالى: (إِنَّ الدِّين عندَ الله الإِسلاَمُ) (2) بينَ أن دين الله هَو الإسلام، وأن كل دين غير الإسَلامَ غير مقبول؛ والإيمان دين لا محالة، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً؛ وليس كذلك. وجواب آخر: لو كانا متغايرين لَتُصور أحدهما بدون الأخر، ولتُصور مسلم ليس بمؤمن. والجواب عن الآية- أعني: قوله تعالى: (قَالَت الأعرَابُ آمَنَّا) - أن المراد بـ " أسلمنا ": استَسلمنا أي: انقدنا، وسؤالَ جبريل- عليه السلام- ما كان عن الإسلام؛ بل عن شرائع الإسلام. قوله: " خمسُ صلوات " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو خمس صلوات، ويجوز الجرّ؛ على أن يكون بدلا من الإسلام، والنصب- أيضاً- على تقدير: خُذ أو هاك أو نحو ذلك. ثم هاهنا محذوف تقديره: إقامة خمس صلوات؛ لأن غير الصلوات الخمس ليست عَين الإسلام؛ بل إقامتها هي من شرائع الإسلام. /قوله: " إلا أن تطوع " بتشديد الطاء؛ أصله: تتطوع، فأدغمت إحدى التاءين في الطاء، وهذه قاعدةٌ: أن التاءين إذا اجتمعتا في باب التفعل تدغم إحداهما في الأخرى طلبا للتخفيف. وقال ابن الصلاح: محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف، ثم الاستثناء فيه يجوز أن يكون منقطعا بمعنى " لكن "؛ والأصح أن يكون مُتصلا، ويستدل به على أن من

_ (1) سورة اَل عمران: (85) . (2) سورة آل عمران: (19) .

شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامُه، واستدلت الشافعية بهذا أن الوتر غير واجب. والجواب عن هذا: أنه كان قبل وجوب الوتر يدل أنه لم يذكر فيه الحًج، وسنتكلم على وجوبيّة الوتر في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: " وذكر له رسول الله الصدقة " المراد منها: الزكاة؛ كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ) الآية (1) . قوله: " فأدبر الر جل " أي: وَلَى. قوله: " وهو يقول " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " أدبر ". قوله: " لا أزيد ولا أنقص " أي: لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئاً. فإن قيل: كيف قال: " لا أزيد على هذا " وليس في هذا الحديث جميع الواجبات، ولا المنهيات الشرعية، ولا السنن المندوبة؟ قلنا: قد جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث: قال: " فأخبره رسول الله بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقولُ: لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً " فعلى عموم قوله: " بشرائع الإسلام " وقوله: " مما فرض الله " يزول الإشكال في الفرائض. وأما النوافل: فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرض بتغيير صفته؛ كأنه يقول: لا أصلي الظهر خمسَا، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يُخلُّ بشيء من الفرائض. قوله: " أفلح إن صدق " أي: فاز وظفر بالنجاة إن صدق في قوله. قيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: (ألا أنقص " خاصةَ. قلت: الأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يَزد ولم ينقص كان مفلحا؛ لأنه أتى بما عليه، ومَن أتى بما عليه فهو مفلح، ينتج أن هذا مفلح، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكونُ مفلحا؛ لأنه يعرف بالضرورة أن الذي يفلح بالواجب فبالندب أولى وأجدر.

_ (1) سورة التوبة: (60) .

فإن قيل: لم يأت فيه ذكَر الحج، قلت: كان هذا قبل فرضية الحج؛ كما لم يذكر في بعض الأحاديث الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد؛ الأولى: أن الصلاة ركن أركان الإسلام. الثانية: أنها خمس مرات في اليوم والليلة. الثالثة: أن الصوم- أيضاً- ركن من أركان الإسلام؛ وهو في كل سنة شهر واحد. والرابعة: أن إيتاء الزكاة- أيضا- ركن من أركان الإسلام. والخامسة: أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمّة بالإجماع، واختلف في حقه- عليه السلام-؛ والأصح نسخه. والسادسة: أن صلاة العيد ليست بفريضة؛ خلافا لأبي سعيد الإصطخري؛ فإنها فرض كفاية عنده. والسابعة: أن صوم عاشوراء- ولا صومَ غيرِه- ليس بواجب، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبا قبل رمضان أم لا؟ فعند الشافعي في الأظهر: ما كان واجبا، وعند أبي حنيفة: كان واجبَا؛ وهو وجه للشافعي. والثامنة: أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابَا، وتم عليه الحول. التاسعة: أن من يأتي بهذه الخصال ويُواظِب عليها صار مفلحا بلا شك. والعاشرة: أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين، والسؤال عن الأكابر أمر مندوب محبوب. 376- ص- نا سليمان بن داود: نا إسماعيل بن جَعفر المَديني، عن أبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر بإسناده بهذا الحديث قال: " أفلَحَ وأبِيهِ إن صَدَقَ، دَخَلَ الجَنةَ وأبِيه إن صَدَقَ " (1) .

_ (1) انظر الحديث السابق.

1- باب: المواقيت

ش- سُليمان بن داود: أبو الرَّبيع الزهراني، وإسماعيل بن جَعفر: ابن أبي كثير المدني الزرقي مولاهم. قوله: " أفلح وَأبيه " الواو في " وأبيه " للقسم. فإن قلت: قد نهى رسول الله- عليه السلام- أن يحلف الرجل بأبيه، فكيف هذا؟ قلت (1) :/ليس هذا حَلفَا؛ إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تُدخلها في كلامها غير قاصدة بَها حقيقة الحلِف؛ والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به، ومُضَاهاته بالله سبحانه وتعالى، وقد يقال: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وقد يحتمل أن يكون- عليه السلام- أضمر فيه اسم الله كاًن قال: " رب أبيه "، وإنما نهاهم لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك؛ وإنما مذهبهم التعظيم لآبائهم. فإن قيل: لم قال: " إن صدق " ولم يقل: إذا صدق؟ قلت: لأن صدقه أمر غير مجزوم، وأصل " إن " عدم جزم القائل بوقوع شرطها ولا (1) وقوعه؛ بل تجويز كل منهما لكونه غير محقق الوقوع كما في نحو: " إن تكرمني أكرمك " إذ لم يعلم القائل أيكرمه أم لا؟ وأصل " إذا " الجزم بوقوع الشرط إما تحقيقا كما في: إذا طلعت الشمس، أو خطابيا كقولك: إذا جاء مُحبّي، فإن مجيئه ليس قطعيّا تحقيقا كطلوع الشمس؛ بل تقديرا باعتبار خطابي- أي: ظني- وهو أنّ المُحبّ يَزورُ المُحِبّ. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 1- بَابُ: المَواقيت أي: هذا باب في بيان مواقيت الصلاةَ؛ والمواقيت جمع وقت على غير القياس، وفي الأصل جمع ميقات. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في المواقيت " (2) ، وفي بعضها: " باب في المواقيت ". ولما كان الوقت سببَا للصلاة قَدّمه عليها لتوقف صحتها على معرفة الوقت.

_ (1) مكررة في الأصل. (2) كما في سنن أبي داود.

377- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة (1) ، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ: " أمَّنِي جبريلُ عندَ البيت مَرتينِ، فصلَّى بِي الظُهرَ حينَ زالتِ الشمسُ، وكانت قَدرًا لشّرَاك، وصَلَى بي العَصرَ حينَ كان ظلُّهُ مثلَه، وصلى بيَ المغربَ حين أفطرَ الصَائمُ، وصلًّى بيَ العشَاءَ حين غَابً الَشَّفَقُ، وصَلَّى بي الفجرَ حين حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الَصائِم، فلما كان الغَدُ صَلَى بيَ الظهرَ حين كان ظلُّهُ مثلَه، وصلَّى بي العَصرَ حين كان ظلُّهُ مثلَيه، وصلَّى بيَ المغربَ حين أفطًرَ الصائمُ، وصفَى بيَ العشاءَ إلى ثُلُثَ الليلِ، وصلَّى بيَ الفجرَ فأسفَر، ثم التفتَ إِليَّ فقال: يا محمدُ! هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوقتُ ما بَين هذينِ الوَقتينِ " (2) . ش- يحيى: القطان، وسفيان: الثوري. وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش (3) بن أبي ربيعة؛ واسم أبي ربيعة: عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني أبو الحارث. روى عن: حكيم بن حكيم، وعَمرو بن شعيب، وزيد بن علي بن الحسين. روى عنه: الثوري، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن محمد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: هو صالح. وقال ابن سَعد: كان ثقةَ. ولد سنة ثمانين عام الجحاف (4) ، ومات سنة: ثلاث وأربعين ومائة. روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه () . وحكيم بن حكيم: ابن عباد بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري الأوسي المديني. سمع: أبا أمامة بن سهل، ونافع بن جبير بن مطعم. روى عنه: عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، وسهيل بن

_ (1) في سنن أبي داود بعد كلمة " ربيعة ": قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في مواقيت الصلاة (149) . (3) مكررة في الأصل. (4) هو الطاعون الجارف الذي كان في تلك السنة، وهو سنة ثمانين. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/37877) .

أبي صالح. قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وقد روى عنه الكوفيون. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . ونافع بن جُبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو. محمد، أو أبو عبد الله القرشي النوفلي، كان ينزل دار أبيه بالمدينة، وبها مات سنة تسع وتسعين. سمع: العباس بن عبد المطلب، وابنه: عبد الله، وعليا، والزبير بن العوام، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: عروة بن الزبير، وعمرو بن دينار، والزهري، وحكيم بن حكيم، وغيرهم. قال أبو زرعة وأحمد بن عبد الله: ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " أمني جبريل " جبريل ملك ينزل بالوحي على الأنبياء، وأكثر نزوله كان علَى نبتنا محمد- عليه السلام-، ومعنى " جبر ": عَبد، و" إيل ": الله، ومعناه: عبد الله؛ وفيه تسع لغات حكاهن ابن الأنباري: جبريل بفتح الجيم وكسرها- وجَبرئِل- بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام- وجبرائيل- بألفٍ وهمزة بعدها ياء- وجبراييل - بيائين بعد الألف- وجبرئيل- بهمزة بعد الراء وياء بعد الهمزة - وجبرئل- بكسر الهمزة وتخفيف اللام، وفتح الجيم والراء، وجبرين بفتح الجيم وكسرها، وبدل اللام نون. /قوله: " عند البيت " أي: بحضرة الكعبة، وأطلق البيت على الكعبة بغلبة الاستعمال، كما أطلق النجم على الثريا، والصعِق على خويلد بن نُفِيل بن عمرو بن كلاب. قوله: " حين زالت الشمس " وزوالها: انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا. قوله: " وكانت قدر الشراك " الشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجوهها؛ " (3) وقدره هاهنا ليس على معنى التحديد؛ ولكن زوال الشمس لا يبينُ إلا بأقل ما يُرى من الظل وكان ح (4) بمكة هذا القدرُ،

_ (1) المصدر السابق (7/1455) (2) المصدر السابق (29/6359) . (3) انظر: النهاية لابن الأثير (2/467- 468) . (4) كذا، وهي بمعنى " حينئذ ".

والظل يَختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقِل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق الكعبة لم يُر لشيء من جوانبها ظل، فكل بلد يكون أقربَ إلى خط الاستواء، ومعدّل النهار يكون الظل فيه أقصر، وكلما بَعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظل فيه أطول ". قوله: " حين كان ظله مثله " وفي بعض الرواية: " حين صار كل ظل مثله ". قوله: " حين غاب الشفق " وهو البياض المعترض في الأفق عند أبي حنيفة، لأنه من أثر النهار. وبه قال زفر، وداود، والمزني، واختاره المبرد والفراء، وهو قول أبي بكر الصديق، وعائشة، وأبي هريرة، ومعاذ، وأبيٍّ، وابن زبير، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي. وقال أبو يوسف، ومحمد: هو الحمرة. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وحكِي عن مكحول وطاوس، وحكي عن أحمد: إنه البياض في البنيان، والحمرة في الصحارَى. وقال بعضهم: الشفق: اسم للحمرة والبياض معا؛ إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقانٍ، وأبيض ليس بناصع. قوله: " حين حرم الطعام والشراب على الصائم " وهو أول طلوع الفجر الثاني الصادق. قوله: " حين كان ظله مثلَيه " وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة؛ لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر. وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر؛ وهو رواية الحسن ابن زياد عنه. وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري، وإسحاق؛ ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم: غروب الشمس، قبل أن يصلي منها ركعة.

ثم اعلم أن طريق معرفة الزوال أن يُنصب عود مُستو في أرض مُستوية، فما دام ظل العُود في النقصان علم أن الشمس في الارتفاع لم نزل بعد، وإن استوى الظلّ عُلم أنها حالة الزوال، فإذا أخذ الظل في الزيادة علم أنها زالت، فيخط على رأس الزيادة، فيكون رأس الخط إلى العود في الزوال، فإذا صار العُود مثليه من رأس الخط، لا من العُود خرج وقت الطهر عند أبي حنيفة، وعندهما: إذا صار مثله من ذلك الخطِّ. قوله: " وصلى بي المغربَ حين أفطر الصائم " يعني: حين غابت الشمس، والإجماع على أن أول وقت المغرب: غروب الشمس. واختلفوا في آخر وقتها؛ فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا وقت للمغرب إلا وقت واحد. وفي كتب الشافعية: قال الشافعي: وقت المغرب مقدر بمقدار وقوع فعلها فيه مع شروطها، حتى لو مضى ما يسع فيه ذلك فقد انقضى الوقت. وقال أبو حنيفة وأصحابه: وقت المغرب: من غروب الشمس إلى غروب الشفق. وبه قال أحمد، والثوري، وإسحاق بن راهويه، والشافعي في " القديم " قال الثوري: هو الصحيح، واختاره البغوي، والخطابيّ، والبيهقي، والغزالي. وعن مالك ثلاث روايات؛ إحداها: كقولنا، والثانية: كقول الشافعي في " الجديد "، والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر؛ وهو قول عطاء، وطاوس. قوله: " وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل " يجوز أن يكون " إلى " هاهنا بمعنى " في " أي: صلى في ثلث الليل؛ ومنه قوله تعالى: (لَيَجمَعَنَّكُم إِلَى يَوم القيَامَة) (1) أي: في يوم القيامة؛ وهذا وقت استحباب؛ أما وقت الجوازَ: َ ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي/، ومالك، وأحمد: هو وقت الضرورة، والوقت المختار إلى ثلث الليل. وقولنا مروي عن ابن عباس، وإليه ذهب عطاء، وطاوس، وعكرمة. قوله: " وصلى بي الفجر فأسفر " أي: نَوّرَ. ولا خلاف في أول وقت الفجر، وأما آخره: فعند أبي حنيفة وأصحابه: ما لم تطلع الشمس.

_ (1) سورة النساء: (87) .

وقال الشافعي: إلى الإسفار لأصحاب الرفاهية ولمن لا عذر له. وقال: من صلى ركعةَ من الصبح قبل طلوع الشمس لم يفته الصبح، وهذا في أصحاب العُذر والضرورات. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق بن راهويه: من صلى ركعة من الصبح وطلعت الشمس أضاف إليها أخرى وقد أدرك الصبح. قوله: " هذا وقت الأنبياء من قبلك " هذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يصلون في هذه الأوقات؛ ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى كل منهم في جميع هذه الأوقات، والمعنى: إن صلاتهم كانت في هذه الأوقات. قوله: " والوقت ": مبتدأ، وخبره: قوله: " ما بَين هذين الوقتين "، والإشارة إلى وقتي اليوم الأول واليوم الثاني الذي أم فيهما جبريلُ النبيَّ - عليه السلام-. فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لها. قلت: لما صلى في أول الوقت وآخره وجد البيان منه فعلا، وبقي الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر فبين بالقول. وجواب آخرُ: أن هذا بيان للوقت المستحبّ؛ إذ الأداء في أول الوقت ممّا يتعسر على الناس، ويؤدي- أيضاً- إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت حسن الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله- عليه السلام-: " خير الأمور أوساطها " (1) . وهذا الحديث هو العمدة في هذا الباب؛ " (2) رواه جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو مسعود، وأبو هريرة، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر. أما حديث ابن عباس: فهذا الذي أخرجه أبو داود، وأخرجه- أيضاً-

_ (1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (3/273) من حديث كنانة بن نعيم، وقال: هذا منقطع. (2) انظر: نصب الراية (1/221: 226) . 16* شرح سنن أبى داوود 2

الترمذي. وقال: حديث حسن. ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " (1) . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعبد الرحمن بن الحارث تكلم فيه أحمد وقال: متروك الحديث، ولينه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، ووثقه ابن سَعد، وابن حبان. قال في " الإمام ": ورواه أبو بكر بن خزيمة (2) في " صحيح " (3) . وقال ابن عبد البر في " التمهيد ": وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي سَبرة، عن عبد الرحمن ابن الحارث بإسناده. وأخرجه- أيضاً- عن العمري، عن عمر بن نافع ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه. وأما حديث جابِر: فرواه الترمذي، والنسائي. وقال البخاري: حديث جابر أصح شيء في المواقيت. ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مُستدركه " (4) . وأما حديث أبي مسعود: فرواه إسحاق بن راهويه في " مسنده ". وأما حديث أبي هريرة: فرواه البزار في " مصُنفه ". ورواه الحاكم في " المستدرك " (5) . وقال: صحيح على شرط مسلم. وأما حديث عمرو بن حزم: فرواه عبد الرزاق في " مُصنفه " وإسحاق ابن راهويه في " مسنده ".

_ (1) (1/193) . وأخرجه كذلك أحمد (1/333) ، والدارقطني (1/258) ، والبيهقي (1/364) . (2) في الأصل: " أبو بكر بن أبي خزيمة " خطأ. (3) (1/168) كتاب الصلاة، باب: ذكر مواقيت الصلاة. (4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في المواقيت (150) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: أول وقت العشاء (1/263) ، الحاكم (1/196) ، والبيهقي (1/368) . (5) (1/194) ، ورواه النسائي (1/249) ، والدارقطني (1/261) ، والبيهقي (1/369) .

وأما حديث الخدري: فرواه أحمد في " مسنده " (1) . ورواه الطحاوي في " شرح الآثار " (2) . وأما حديث أنس: فرواه الدارقطني في " سننه " (3) . وأما حديث ابن عُمر: فرواه الدارقطني (4) - أيضا- وسنذكر بَعضها عن قريب إن شاء الله تعالى، وفي هذا القدر كفايةٌ لمن له إلمامٌ بالحديث، ومَن لم يَعتن به لم يُفِده ولو رويتُ المسَانيدَ والسَنن كلها. 378- ص- نا محمد بن سَلمة المُراديُ: نا ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدا على المنبر فأخر العصر شيئاً فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل- عليه السلام- قد أخبر محمدا- عليه السلامِ- بوقت الصلاة، فقال له عُمر: اعلم ما تقول، فقال له عروةُ: سمِعتُ بشيرَ بن أبي مَسعود يقولُ: سمعتُ أبا مسعود الأنصاريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله يقولُ: " نزلَ جبريلُ- عليه السلام- فا " خبرَني بوقت/الصلاة، فصليت معه، ثم صليتُ معه، ثمِ صليتُ معه، ثم صَليتَُ معه، ثم صَليتُ معه " يَحسُبُ بأصابعه خمس صَلَوات، فرأيتُ رسولَ الله صَلى الظهرَ حين تزولُ الشمسُ، ورَبَّما أخّرَهَا حين يَشًتدَ الحرُ، ورأيتُه يصلِّي العَصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضاءُ قبل أن تدخلها الصَفراءُ، فيَنصَرِفُ الرجلُ من الصلاة، فيأتيَ ذا الحُلَيفَة قبل غرِوب الشمسِ، ويُصلِّي المغربَ حين تَسقطُ الشمس، ويُصلِّي العِشَاء حين يسوَدُ الأفُقُ، وربما أخّرَهَا حتى يَجتمعَ الناسُ، وصلَى الصبحَ مرةً بِغَلَس، ثم صَلَّى مرةً أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاتُهُ بعدَ ذلكَ التَغلِيسَ حتى مًاتَ، لم يَعُد إلى أن يُسفِرَ (5) .

_ (1) (3/30) . (2) (1/88) . (3) (1/260) . (4) (1/259) ، وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (5) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: مواقيت الصلاة وفضلها (521) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلاة الخمس 166 (608) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: أخبرنا قتيبة (1/245) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: مواقيت الصلاة (688) .

ش- ابن وهب: عبد الله، وابن شهاب: الزهري. وعمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو حفص، الإمام العادل، والخليفة الراشد، أمه: أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي الخلافة بعد ابن عمه: سليمان بن عبد الملك، وكان من أئمة العدل، وأهل الدين والفضل، وكانت ولايته مثل ولاية أبي بكر الصديق: تسعة وعشرين شهراً. سمع أنس بن مالك، وصلى أنس خلفه. وقال: ما رأيت أحداٌ أشبه صلاة برسول الله من هذا الفتى. وسمع السائب بن يزيد. وروى عن: خولة بنت حكيم. وسمع من: عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والربيع بن سبرة، والزهري، وابن المسيب، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة، والزهري، وحُميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجماعة آخرون. قال الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر ابن عبد العزيز. توفي سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنةَ وستة أشهر، وكانت وفاته بدير سمعان، وقبره هناك. روى له الجماعة (1) وعروة: ابن الزبير بن العوام. وبَشير بن أبي مَسعود- عقبة- بن عمرو البَدري الأنصاري، قيل: إنه صحب النبي- عليه السلام- ولا يَثبُت سماعُه منه 0 روى عن: أبيه. روى عنه: عروة بن الزبير، ويونس بن مَيسرة، وهلال بن جبر. روى له البخاري، ومسلم، وابن ماجه (2) . وأبو مَسعود: عقبة بن عَمرو بن ثعلبة البَدري، وقد ذكرناه. قوله: " اعلم ما تقول " بجزم الميم على الأمر؛ وإنما أنكر عروةُ على

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4277) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/153) ، أسد الغابة (1/233) ، الإصابة (1/168) .

عمر بن عبد العزيز محتجا بحديث أبي مسعود الأنصاري، وأما تأخيره هو فلكونه لم يبلغه الحديث، أو كان يرى بجواز التأخير ما لم يخرج الوقت كما هو مذهب الجمهور. قوله: " يَحسُبُ بأصابعه " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في " يقول، وقد مر غير مرة أن الجملة الفعلية الضارعة المثبتة إذا وقعت حالا لا تحتاج إلى الواو. قوله: " قبل أن تدخلها الصَّفراءُ " أي: قبل أن تصفرَّ وتتضيف للغروب. ومن هذا قالت أصحابنا: يكره تأخير العَصر إلى اصفرار الشمسِ. قوله: " فيأتي ذا الحليفة " ذو الحليفة هذا ميقات أهل المدينة، بينه وبن المدينة ستّة أميال أو سَبعة، وهو ماء من مياه بني جُشم. وأما ذو الحليفة الذي في حديث رافع بن خديج- رضي الله عنه- قال: " كنا مع النبي - عليه السلام- بذي الحليفة من تهامة فأصَبنا نَهب إبل " فهي نحو ذات عرق. قوله: " ويُصلي المغرب حِين تَسقط الشمسُ " أي: حين تقع للغروب. قوله: " ويُصلي العشاء حين يَسوَدُّ الأفق " والمعنى: حين يغيب الشفق، لأن الشفق إذا غاب اسود الأفق. قوله: " بغَلسٍ " الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح: وليس المراد منه: قبل طلوع الفجر الصادق؛ بل المراد أنه كان صلى الصبح في أول وقته، وهو طلوع الفجر الصادق، وهذا الوقت يكون غلسَا؛ لأن النور لا ينتشر فيه جدا. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله. قال الشيخ زكي الدين: وهذه الزيادة في قضية الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة.

فلتُ: فيهم أسامة بن زيد وهو متكلم فيه، وسنوضح الكلام في " باب وقت الصبح ". ص- قال أبو داود: روى هذا الحديث عن الزهري: معمر، ومالك، وابن عُيَينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سَعد، وغيرهم؛ لم يذكروا الوقتَ/الذي صلى فيه ولم يُفَسروه. ش- أي: روى الحديث المذكور عن محمد بن مسلم الزهري: معمر ابن راشد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَينة، وشعيب بن أبي حمزة القرشي الحمصي. ورواه ابن حبان في " صحيحه " عن ابن خزيمة بسنده عن أسامة به، قال ابن حبان: " لم يُسفر النبي- عليه السلام- بالفجر إلا مرةَ واحدةَ "، وستأتي الأحاديث التي وردت في الإسناد. ص- وكذلك- أيضاً- رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة نحو رواية معمر وأصحابه؛ إلا أن حبيبا لم يذكر بشيرا. ش- أي: كذلك روى هذا الحديث هشام بن عروة بن الزبير، وحبيب ابن أبي مرزوق، عن عروة كرواية معمر بن راشد وأصحابه المذكورين؛ إلا أن حبيب بن أبي مرزوق لم يذكر بشير بن أبي مَسعود. وحبيب بن أبي مرزوق الرقي سمع: نافعا مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير روى عنه: جَعفر بن برقان، وأبو المليح. قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسَا. وقال ابن معين: مشهور. وقال هلال بن العلاء: شيخ صالح، بلغني أنه اشترى نفسه من الله عز وجل ثلاث مرات. روى له: الترمذي، والنسائي (1) . ص- وروى وهب بن كيسان، عن جابر، عن النبي- عليه السلام-: وقت المغرب قال: ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمسُ- يعني: من الغد- وقتا واحداً. شَ- الذي رواه وهبُ بن كيسان: " (2) أخرجه الترمذي (3) ،-

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1098) . (2) انظر: نصب الراية (1/222- 223) . (3) (150) .

والنسائي (1) - واللفظ له- من طريق ابن المبارك، عن حسين بن علي ابن الحسين: حدثني وهبُ بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريلُ إلى النبي- عليهما السلامُ- حيهما مَالتِ الشمسُ فقال: " قم يا محمدُ فصلِّ الظهرَ " حين مالت الشمسُ، ثم مكث حتى إذا كان فيءُ الرَّجُلِ مثله جاءه للعَصر فقال: " قم يا محمد فَصَلِّ العصرَ " ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: " قم فصل المغربَ " فقامَ فصلاها حين غابت الشمسُ سواءَ، ثم مكث حتى إذا غاب الشفقُ جاءه فقال: " قم فصَل العشاءَ " فقامَ فصلاَّها، ثم جاءه حين سَطعَ الفجرُ بالصُّبح فقال: " قم يا محمدُ فصَلِّ الصُّبحَ " ثم جاءه من الغد حين كان فيءُ الرَّجُل مثله، فقال: " قم يا محمد فصَل " فصَلَّى الظهرَ، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثلَيه فقال: قم يا محمد فصَلِّ " فصلى العَصرَ، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدَا لم يزل عنه فقال: " قم يا محمد فصَل " فصلى الغربَ، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلثُ الليل الأول فقال: " قم يا محمدُ فصل " فصلى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدًا فقال: " قم يا محمد فصل " فصلى الصبح، ثم قال: " ما بَين هذين وقتٌ كله ". قال الترمذي: قال محمد- يعني: البخاري-: حديث جابر أصح شيء في المواقيت. قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وبريده وبي موسى، وأبي مسعود، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو ابن حزم، والبراء، وأنس. وقال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث يجب أن يكون مُرسلا؛ لأن جابرا لم يذكر مَن حَدّثه بذلك، وجابرٌ لم يُشاهد ذلك صَبيحة الإسراء لما عُلم أنه أنصاريّ؛ إنما صحب بالمدينة؛ ولا يلزم ذلك في حديث أَبي هريرة وابن عباس؛ فإنهمَا رويا إمامة جبريل من قول النبي- عليه السلام-، وقال في " الإمام ": هذا إرسالٌ غير ضارّ، فيَبعدُ أن يكون جابرٌ قد سمعه من تابعي غير صحابيّ " (3) .

_ (1) (1/263) . (2) في الأصل: " بريرة ". (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن وقت المغرب وقت واحدٌ، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن ويقيم؛ فإن أخّر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارَت قضاء، والمحققون من أصحابه رجحوا قولنَا. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وهو الصحيح كما ذكرناه. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه؛ الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستَوعب وقت الجواز؛ وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر، والثاني: أن هذا متقدم في أول الأمر بمكة؛ والأحاديث التي وردت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرةٌ في أواخر الأمر/بالمدينة، فوجب اعتمادها، والثالث: أن الأحاديث التي وردت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق أصح إسنادًا من هذا الحديث فوجب تقديمها ". وتلك الأحَاديث هي: قوله- عليه السلام-: " فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يَسقط الشفق " وفي رواية: " وقت المغرب: ما لم يَسقط ثور الشفق " وفي رواية: " ما لم يغب الشفق " وفي رواية: " ما لم يسقط الشفق " وكل هذه في " صحيح مسلم ". ووهب بن كيسان: أبو نعيم المدني القرشي مولاهم مولى آل الزبير بن العوام. سمع: جابر بن عبد الله، وعمر بن أبي سلمة، وعُبَيد بن عُمير. وروى عن: ابن الزبير، وابن الزبير. روى عنه: عبد الله، وعبيد الله ابنا عمر العمريّان، وهشام بن عروة، وابن عجلان، ومالك ابن أنس، وأيّوب السختياني، وغيرهم. وروى عنه ابنه قال: رأيت سَعد بن أبي وقاص. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. قال ابن سَعد: كان ثقة. روى له الجماعة (2) . ص- وكذلك رُوي عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: ثم صلى المغرب- يعني: من الغد- بوقت واحدٍ (3) .

_ (1) شرح صحيح مسلم (5/111) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6765) . (3) في سنن أبي داود: " وقتا واحدا ".

ش- الذي رُوِيَ عن أبي هريرة: أخرجه البزار في " مُسنده ": حدثنا إبراهيم بن نصر أبو نعيم: ثنا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد، عن محمد ابن عمار بن سَعد، أنه سمع أبا هريرة يذكر أن رسول الله- عليه السلام- حدثهم أن جبريل- عليه السلام- جاءه فصلى به الصلوات وقتين وقتين إلا الغرب، الحديث. وأخرجه النسائي- أيضاًَ- في " سُننه ": أخبرنا الحُسين بن حريث أبُو عمار: ثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هذا جبريل- عليه السلام- جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجرُ، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلا، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله، ثم صلى العَصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقتٍ واحدٍ حين غربت الشمس وحَلّ فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل "، ثم قال: " الصلاة ما بين صلاتك أمسِ وصلاتك اليَوم ". ورواهُ الحاكم كذلك في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط مسلم. ص- وكذلك رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص من حديث حسان ابن عطية، عن عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي- عليه السلام-. ش- أي: كذلك رُوي من حديث حسان بن عطية الشامي، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد (1) الله بن عمرو بن العاص، عن النبي- عليه السلام- قال: " ثم صلى الغرب- يعني: من الغد- بوقت واحد ". 379- ص- نا مسدد: نا عبدُ الله بن داود، عن بدر بن عثمان: نا

_ (1) في الأصل: " عن عبد الله بن عمرو " خطأ.

أبو بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، أن سَائلاَ سأل النبيَّ- عليه السلام- فلم يَردَ عليه شيئاً، حتى أمَرَ بلالاً فأقام الفجرَ حين انشق الفجرُ، فصلَى حين كان الرجلُ لا يعرف وَجه صاحبه، أو إن الرجلَ لا يَعرفُ مَن إلى جنبه، ثم أمَرَ بلالا فأقامَ الظهرَ حًين زالت الشمسُ، حتى قالَ القائِلُ: انتصًفَ النهارُ- وهو أعلَمُ- ثمِ أمر بلالا فأقام العصرَ والشمسُ بيضاءُ مُرتفعة، وأمرَ بلالا فأقامَ المغرب حين غابت الشمسُ، وأمر بلالا فأقام العشاءَ حين غَابَ الشفقُ، فلما كان من الغَد صًلَى الفجرَ فانصرفَ فقلنا: طلَعت (1) الشمسُ؟ فأقامَ الظهرَ في وقت الَعصرِ الذي كان قبله، وصلى العصرً وقد اصفرت الشمسُ- أو قال: أَمَسى- وصلَّى المغربَ قبلَ أن يغيبَ الشفقُ، وصَلًى العشاءَ إلى ثُلُث الليلِ، ثم قالَ: " أينَ السائلُ عن وقتِ الصلاةِ؟ الوقتُ فيمَا بين هذينِ " (2) . ش- عبد الله بن داود: الخُرَيبي البصري. وبدر بن عثمان: القرشي الأموي (3) مولى عثمان بن عفان. روى عن: الشعبي، وعكرمة، وأبي بكر بن أبي موسى. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، وعبد الله بن داود الخُرَيبِي، وعثمان بن سعيد بن مرة. قال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (4) . /وأبو بكر بن أبي مُوسى هو ابن أبي مُوسى الأشعري. روى عن: أبيه، وابن عباس، وعنه: أبو حمزة، وغيره. روى له الجماعة (5) . وأبو موسى هو: عبد الله بن قَيس الأشعري.

_ (1) في سنن أبي داود: " وانصرف، فقلنا: أطلعت ". (2) مسلم: كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس (613) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: آخر وقت المغرب (1/260) . (3) في الأصل: " الأمواي ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/645) . (5) المصدر السابق (33/7256) .

قوله: " لم يردّ عليه شيئا " أي: لم يرد جواباً ببيان الأوقات باللفظ؛ بل قال له: صل معنا لتَعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، واستدلّ به من يَرى تأخير البيان إلى وقت الحاجة؛ وهو مذهب جمهور الأصوليين. قوله: " حين كان الرجل لا يَعرفُ [وجه] صاحبه " معناه: أنه صَلى في الغلس في أول الوقت؛ بدليل قوله: " حين انَشَق الفجر ". أي: الفجر الصادق؛ لأن الفجر الكاذب من الليل من وقت العشاء والإفطار. قوله: " مَن إلى جَنبه " كلمة " إلى " في مثل هذا الموضع للمعية والمصاحبة؛ والمعنى: مَن بجنبه أو مع جَنبه، والحاصل: لا يعرف مُصاحب جَنبِه مَن هو؟ قوله: " حَتى قال القائل " وفي رواية: " حِين قال القائل " والأول أصح. قوله: " وهو أعلم " جملة اسميّة وقعت حالا إما من الضمير الذي في " فأقام الظهر " أو من الضمير الذي في " أمر بلالا " وهذا أوجه. قوله: " وقد اصفرت الشمسُ " " الواو " فيه للحال، والمراد منه: وقد أخذت في الاصفرار ولم يتغيّر قرصها؛ لأن تأخيرها إلى تغير القرص مكروه لما رُوي " ذلك (1) صلاة المنافقين " 0 وتغير القرص هو أن يصير بحال لاتحارُ فيه الأعين؛ وهو الصحيح. واعتبر سفيان وإبراهيم النخعي تغيّر الضوء الذي يبقى على الجدران. ويقال: إذا بَقِيت الشمس للغروب قدر رمح أو رمحن لم يتغيّر، وإذا صارت أقل من ذلك فقد تغيّر. ويقال: يُوضعُ في الصحراء طست ماءٍ ويُنظر فيه فإن كان القرص لا يبدُو للناظر فقد تغيّر. قوله: " أو قال: أمسى " شك من الراوي أي: أمسى الوقت أي: دخل في المَساء؛ وهو- أيضاً- عبارة عن تأخيره العصر إلى قريب الاصفرار.

_ (1) كذا، والحديث بلفظ: " تلك " ويأتي برقم (397)

قوله: " إلى ثلث الليل " قد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: " الوقتُ " مبتدأ، وخبره قوله: " فيما بَين هذَين " أي. هذين الوقتين أعني: وقت اليوم الأول ووقت اليوم الثاني، وقد بيّن- عليه السلام- بفعله أول الوقت وآخره وبقوله: " ما بَينهما ". والحديث أخرجه: مَسلمَ، والنسائي. ص- قال أبو داود: رواه سليمان بن موسى، عن عطاء، عن جابر، عن النبي- عليه السلام- في المغرب بنحو هذا قال: " ثم صلَّى العشاءَ ". قال بعضهم: " إلى ثُلُثِ الليلِ "، وقال بعضهم: " إلى شَطرِه ". ش- أي: روى هذا الحديث سُلَيمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر- رصي الله عنه- عن النبي- عليه السلام- في المغرب بنحو هذا. وأخرجه أحيد في " مسنده ": ثنا عبد الله بن الحارث قال: حدثني ثور بن يزيد، عن سليمان بن مُوسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: سال رجل رسول الله عن وقت الصلاة فقال: " صلِّ معي " فصلى رسول الله الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العَصر حين كان فَيءُ الإنسانِ مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء بَعد غيبوبة الشفق، ثم صلى الظهر حين كان فَيءُ الإنسان مثلَه، ثم صلى العَصر حين كان فَيءُ الإنسان مثلَيه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل. وقال بعضهم: شطره. انتهى. أي: نصفه وشطر الشيء: نصفُه. وقال الطحاوي في " شرح الاَثار " (1) كلاما حسنا مُلخصه: أنه قال: يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء إلى حين يطلع الفجر؛ وذلك أن ابن عباس، وأبا موسى، والخدريّ. رووا أن النبي- عليه السلام- أخرها إلى ثلث الليل، وروى أبو هريرة، وأنس أنه أخرها حتى انتصف الليل. وروى ابن عمر أنه أخرها حتى ذهب ثلث الليل، وروت

_ (1) (1/93) ، وانظر: كذلك في: نصب الراية (1/234- 235) .

عائشة أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل؛ وكل هذه الروايات في " الصحيح ". قال: فثبت بهذا أن الليل كله وقت لها. ولكنه على أوقات ثلاثة: فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يَمضي ثلث الليل: فأفضل وقت صليت فيه، وأما بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل: ففي الفضل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل فدونه، ثم ساق بسنده، عن نافع بن جُبير قال: كتب عمر إلى أبي مُوسى: " وَصِّل العشاء أيُّ الليل شئت ولا تغفلها ". /ولمسلم في قصة التَّعريس (1) ، عن أبي قتادة أن النبي- عليه السلام- قال: " ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى "؛ فدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى؛ وهو طلوع الفجر الثاني " (2) . وسليمان بن موسى: أبو أيوب الدمشقي الأسدي الأشدق. ويقال: أبو الربيع، مولى لآل أبي سفيان، فقيه أهل الشام. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعا مولى ابن عمر، ونافع بن جبير، وكريبا مولى ابن عباس، وعبيد بن جريح، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، وابن جريح، وزيد بن واقد، وجماعة آخرون. قال ابن دحيم: أوثق أصحاب مكحول: سليمان بن موسى 0 وسئل ابن معين عنه: ما حاله في الزهري؟ فقال: ثقة. وقال ابن جريج: كان سُليمان يُفتي في العُضَل، وكان عنده مناكير. وقال ابن عدي: روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيرُه، وهو عندي ثبت صدوق. قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ص- وكذلك رواه ابنُ بُريدة، عَن أبيه، عن النبي- عليه السلام-.

_ (1) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (681 / 311) . (2) إلى هنا انتهى الحقل من نصب الراية. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2571) .

ش- أي: كذلك روى سُليمان بن بُرَيدة بن الحصيب الأسلمي، وأخرج روايته مُسلم في " صحيحه " (1) أن رجلا أتى النبي- عليه السلام- يسأله عن مواقيت الصلاة فقال: " اشهد معنا الصلاة " فأمر بلالا فأذّن بغلسٍ فصلى الصبح حين طلع الفجر، ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء، ثم أمره بالعَصر والشمس مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس، ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق، ثم أمره الغَدَ فنوَر بالصبح، ثم أمره بالظهر فأبرد، ثم أمره بالعَصر والشمس بيضاء نقية لم يخالطها صُفرة، ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق، ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بَعضه- شك حَرميّ- فلما أصبح قال: " أين السائل؟ ما بَين ما رأيت وقت ". 380- ص - ثنا عُبيد الله بن معاذ: فال أبي. قال: نا شعبة، عن قتادة. سمِع أبا أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي- عليه السلام- أنه قال: " وقتُ الظهرِ ما لم تحضُرِ العصرُ، ووقتُ العصرِ ما لم تصفرَ الشمس، ووقت المغرب ما لم يَسقط ثورُ (2) الشفق، ووقتُ العشاء إلى نصف الليل، ووقتُ صَلاة اَلفجرِ ما لم تطلع الشمسُ، (3) . ش- عبيدَ الله بن معاذ، أبو عمرو البَصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن حسّان، قاضي البصرة، وشعبة: ابن الحجاج، وقتادة: ابن دعامة. وأبو أيوب: اسمه: يحيى بن مالك- ويقال: ابن حبيب بن مالك- البصري، أبو أيوب الأزدي العتكي المُراغي بضم الميم- نسبة إلى مُراغة، قبيل من الأزد. وقال الطبري: موضع بناحية عمان. روى عن: عبد الله ابَن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين. روى عنه: قتادة،

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (613 / 176) . (2) كذا، وفي سنن أبي داود " فور "، وانظر: الشرح. (3) مسلم: كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس 172- (612) ، النسائي: كتاب المواقيت، آخر وقت المغرب (1/260) .

2- باب: وقت صلاة النبي عليه السلام

وأبو عمران الجَوني، وعبد الحميد بن واصل. مات في ولاية الحجاج على العراق. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) . قوله: " فَور الشفق " بالفاء في رواية أبي داود؛ وهو: فورانه وبقية حمرته، وصحفه بعضهم فقال: " نور الشفق " بالنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه. وفي رواية: " ثور الشفق " بالثاء المثلثة؛ وهو انتشار حمرتها في الأفق، من ثار الشيءُ يثورُ إذا انتشر وارتفع. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 2- بَابُ: وقت صلاة النبي- عليه السلام- أي: هذا باب في بيان وقت صلاة النبي- عليه السلام-، وفي بعض النسخ وفي آخره: " وكيف كان يُصليها " (2) وليس بموجود في النسخ المعتمد عليها. 381- ص- ثنا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة، عن سَعد بن إبراهيم، عن محمد بن عَمرو قال: سألت (3) جابرًا عنِ وقت [صلاة] النبيَ- عليه السلام- فقال: كان يُصفَي الظهرَ بالهاجرة، وَالعَصرَ والشمسُ حَيةٌ، والمغربَ إذا غربت الشمسُ، والعشاءَ: إذا كَثُرَ الناسُ عجلَ، وإذا قَلُوا أخرَ، والصبحَ بغَلَسٍ " (4) . ش- مُسلمَ بن إبراهيم: أبو عَمرو البصري القصاب. وسَعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي، أبو إسحاق أو أبو إبراهيم، قاضي المدينة. روى عن: ابن عمر. وسمع: عبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، ومحمد بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/7217) . (2) كما في سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: " سألنا ". (4) البخاري: كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (560) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها (646) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: تعجيل العشاء (1/261) .

حاطب بن أبي بلتعة، وأبا أمامة، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والثوري، وابن عُيينة، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، لا يُشك فيه. توفي بالمدينة سنة سبع وعشرين ومائة؛ وهو ابن ثلاث وسبعن سنةَ 0 روى له الجماعة (1) . ومحمد بن عمرو: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، أبو عبد الله. سمع: جابر بن عبد الله الأنصاريّ. وروى عن: عبد الله بن عباس. روى عنه: سَعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أسعد، وعبد الله بن ميمون. قال أبو زرعة:/مدني ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . قوله: " بالهاجرة " الهاجرة والهجيرُ: اشتداد الحرّ نصف النهار قوله: " والعَصر " أي: كان يُصلي العَصر؛ والواو في " والشمس حيةٌ " واو الحال، والمراد منه: قبل تغير قرصها. قوله: " والمغرب " أي: كان يُصلي المغرب. قوله: " والعشاء " أي: كان يُصلي العشاء. قوله: " إذا كثر الناسُ عجّل، وإذا قفوا أخر " بيان لكيفية صلاته العشاء. قوله: " والصّبح بغلس " أي: كان يصلي الصبح في أول الوقت عند اختلاط الظلام بالضياء؛ وًا لباء فيه بمعنى " في " أي: في غلسٍ. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 382- ص- ثنا حفص بن عمر: نا شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي بَرزة قال: كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلِّي الظهر إذا زَالتِ الشمسُ، ويُصلِّي العصرَ وإن أحدنا (3) ليَذهَبُ إلى أقصى المدينة ويَرجِعُ والشمسُ حَية، ونَسيتُ المغربَ، وكان لا يُبالي بعضَ (4) تأخَيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ قَال:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2199) . (2) المصدر السابق (26/5508) . (3) في سنن أبي داود: " إحدانا ". (4) كلمة " بعض " غير موجودة في سنن أبي داود.

ثم قال: إلى شَطرِ الليلِ. قال: وكان يَكرهُ النَومَ قَبلَها والحديثَ بَعدَها، وكان يُصلِّي الصُّبح ويعرفُ أحدُنا جَليسَه الذي كان يَعرفُ (1) ، وكانَ يَقرأ فيها من الستينَ إلى المائة (2) . ش- حفص بن عمر: ابن الحارث البصري. وأبو المنهال: سيّار بن سلامة البصري الرياحي. سمع: أبا برزة الأسلمي، وأبا العالية الرياحي، وشهر بن حوشب. روى عنه: سليمان التيمي، ويونس بن عبيد، وعوف الأعرابيّ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث. روى له الجماعة (3) . وأبو بَرزة: نضلة بن عُبيد. ويقال: نضلة بن عائذ. ويقال: ابن عَمرو. ويقال: ابن عبد الله بن الحارث، الأسلمي، أسلم قديما، وشهد مع رسول الله- عليه السلام- فتح مكة. رُوِيَ ده عن رسول الله ستة وأربعون حديثَا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بأربعة، والبخاري بحديثين. روى عنه: أبو المنهال، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قَيس، وغيرهم. نزل البصرة، ثم غزا خراسان ومات بها في آخر خلافة معاوية أو في أيام يزيد. روى له الجماعة (4) . قوله: " ويصلي العَصر وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويَرجع لا أقصى الشيء: مُنتهاه. والواو في " والشمس حية " للحال، وهذا يدلّ على المبالغة في تعجيل العصرِ. (1) في سنن أبي داود: " يعرفه ". (2) أبو داود في كتاب الأدب (4849) بعضه، البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال (541) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها (235/647) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: أول وقت الظهر (1/246) ، وباب: كراهية النوم بعد صلاة الغرب (1/262) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة الظهر (674) ببعضه. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12 / 2667) . انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/24) ، أسد الغابة (5/321) ، الإصابة (3/556) و (4/19) . 17* شرح سنن أبي داوود 2

3- باب: في وقت الظهر

قوله: " وكان يكره النوم قبلها " أي: قبل العشاء؛ وذلك لأنه تعرض لفواتها باستغراق النوم. قوله: " والحديث بَعدها " أي: كاد يكره الحديث بعد العشاء؛ " (1) وذلك لأن السَّهر في الليل سبب للكسل في اليوم عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدين. قالوا: المكروه منه: ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها؛ أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه؛ وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، وكل ذلك لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في مَعناه ". قوله: " وكان يَقرأ فيها " أي: في صلاة الصبح من ستين آيةً إلى مائة آيةٍ؛ وهذا يدل على أنه كان يَبتدئ في أول الوقت. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأخرج الترمذي طرفا منه. 3- بَاب: في وَقت الظُّهرِ أي: هذا باب في بيان وقت صلاة الظهر، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في وقت الظهر ". 383- ص- نا أحمد بن حَنبل ومُسدّد قالا: نا عبّاد بن عباد: نا محمد ابن عَمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاريّ، عن جابر بن عبد الله. قال: " كنتُ أصلي الظهرَ معِ رسول الله فاخذُ قَبضةً من الحَصَى لتَبرُدَ في كَفِّي، أضَعُهَا لجَبهَتِي أسجدُ عليها لِشدةِ اَلحرَ " (2) .

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (5/146) . (2) النسائي: كتاب التطبيق، باب: تبريد الحصى للسجود عليه (2/204) .

ش- عباد بن عباد: ابن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة، أبو معاوية العتكي المهلبي الأزدي البصري؛ واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، نزل بغداد، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة. سمع: أبا جمرة/ نصر (1) بن عمران الضبعي، وعبيد الله، وعبد الله ابني عمر، وهشام ابن عروة، وكثير بن شنظير، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وسليمان بن حرب، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال ابن معين، والنسائي: هو ثقة. وقال ابن سَعد: لم يكن بالقوي فما الحديث. روى له الجماعة (2) . وسعيد بن الحارث: ابن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري المدني قاضيها. سمع. عبد الله بن عُمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة. روى عنه: محمد بن عَمرو بن علقمة، وعمرو ابن الحارث، وفليح بن سليمان، وعمارة بن غزيّة. روى له الجماعة (3) . قوله: " فاَخذُ " إخبارٌ عن نفسه من المستقبل، والمرادُ منِ إخراج هذا الحديث أنه كان يُصلي الظهر في أول فَيئِهِ في الهاجرة، وسيروي حديث الإبراد- أيضَا. ويفهم من الحديث: أنهم كانوا يصلون على الأرض، وأن المسجد ما كان فيه حُصرٌ، وان السجدة على الحَصَى جائزة، وأن مَسك المُصلي في كفه شيئا لا يُفسدُ صلاته. والحديث: أخرجه النسائي. 384- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا عَبيدة بن حُمَيد، عن أبي مالك الأشجعيّ: سَعد بن طارق، عن كثير بن مُدرَك، عن الأسود، عن عبد الله ابن مَسعود قال: كَانت قَدرُ صَلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَيف ثلاثةَ أقدامٍ إلى خمسةِ أقدامِ، وفي الشتاءِ خمسةَ أَقدامٍ إلىَ سَبعةِ أقدامٍ " (4) .

_ (1) في الأصل: " نضرة " خطأ، وهو مترجم في تهذيب الكمال (29/6408) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3083) . (3) المصدر السابق (10/2247) . (4) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت الظهر (1/249) .

ش- عَبيدة- بفتح العين- قد مر ذكره. وأبو مالك: سَعد بن طارق بن الأشيم الكوفي الأشجعي. روى عن: أبيه- ولأبيه صحبة- وأنس بن مالك، وكثير بن مدرك، وعيرهم. روى عنه: الثوريّ، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخاريّ (1) . وكثير بن مدرك الأشجعي، أبو مدرك الكوفي. روى عن: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأخيه: عبد الرحمن بن يزيد. روى عنه: حُصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن المعتمر، وأبو مالك الأشجعي. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . قوله: " كانت قدر صلاة رسول الله " المراد منها: صلاة الظهر. قوله: " ثلاثة أقدَام " اعلم أن هذا أمر يَختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار؛ وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرءوس في مجراها أَقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض وفي محاذاة الرءوس أبعدَ كان الظلّ أطولَ؛ ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الضَيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله بمكة والمدينة- وهما من الإقليم الثاني- ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر اَذر: ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرةَ عن الوقت المعهود (3) قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في الشتاء: فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول: خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون: سبعة أقدام أو سبعة وشيء؛ فقول ابن مسعود مُنزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. والحديث: أخرجه النسائيّ.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2211) . (2) المصدر السابق (24/4962) . (3) في الأصل: " العهود ".

385- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة: أخبرني أبو الحسن قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذَر يَقول: كُنَّا مع النبيِّ- عليه السلام- فأرادَ المؤذنُ أن يؤذنَ الظهرَ، فقال: " أبرِد " ثم أرادَ أن يُؤذنَ فقال: " أبرِد " - مرِتين أو ثلاثا- حتى رأينا فَيءَ التُّلول، ثم قال: " إن شدةَ الحرِّ من فيحِ جَهنم؛ فإذا اشتدَ الحرُّ فابردُوا بالصلاةِ " 11) . ش- أبو الحسن: مُهاجر التيمي الصائغ. وزيد بن وهب: الجهمي؛ قد مر ذكره. وكذلك أبو ذر: جُندب بن جنادة. قوله: " أبرد " بفتح الهمزة، أمر من الإبراد. قوله: " فيء التلول " أي: ظلها، والتلول: جمع تَلّ- بتشديد اللام- ويُجمعُ على تلالٍ - أيضا. قوله: " من فيح جهنم " - بفاء مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وحاء مهملة- أي: " (2) سطوع حرّها وانتشاره وغليانها؛ وأصله في كلامهم: السَّعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة: فيحي فياح،/ومكان أفيح أي: واسع، وأرض فيحاء أي: واسعة؛ وللكلام وجهان: حقيقيّ؛ وهو أن تكون شدة حرّ الصيف من وهج حر جهنم على الحقيقة. وروي أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسَين: نفس في الصَيف، ونفس في الشتاء؛ فأشدّ ما تجدونه من الحرّ في الصيّف فهو من نفسها، وأشد ما تجدونه من البَرد في الشتاء فهو منها. ومجازي؛ وهو أن يكون هذا الكلام من باب التَّشبيه أي: كأنه نار جهنم في الحرّ فاحذرُوها واجتنبوا ضررَها ". قوله: " فأبردوا بالصلاة " أي: بأداء الصلاة أي: أخروها عن وقت

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالطهر في السفر (539) ، مسلم: كتاب الساجد، باب: استحباب الإبراد بالطهر في شدة الحر لن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه (184/616) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تأخير الطهر في شدة الحر (158) ، تحفة الأشراف (9/11914) . (2) انظر: معالم السنن (1/111) .

الهاجرة إلى حين بَرد النهار، وانكسار وهج الحرّ. وقال بعض أهل اللغة: أراد صلُّوها في أول وقتها، وبَرد النهار أوله. قلت: هذا بعيدٌ، يُنافيه قوله: " حتى رأينا فَيءَ التلول " ولذا قال الخطابيّ: " ومن تأوله على بَردي النهار، فقد خرج عن جملة قول الأمة "، وبه استدل أصحابنا على أن تأخير الظهر والإبراد بها في الصيف مستحب. وبه قال أحمد، وإسحاق بن راهوَيه. وقال الشافعي: تعجيلها أولى، إلا أن يكون إمام جماعة ينتابه الناسُ من بُعد، فإنه يَبرد بها في الصيف عند شدّة الحرّ. وقال الشيخ محيي الدين: " (1) والصحيح: استحباب الإبراد: وهو النصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعله والأمر به في مواطن كثيرة ومن جهة جماعة من الصحابة ". فإن قلت: قد ذكر مُسلم حديث خبّاب: " شكونا إلى رسول الله حَرَّ الرَّمضاء فلم يُشكِنَا. قال زُهير: قلت لأبيً إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلتُ: أفي تعجيلها؟ قال: نعم ". قلت: هَذا الحديث مَنسوخ بأحاديث الإبراد، ويقال: الإبراد رخصة، والتقديم أفضل، واعتمدوا حديث خبّاب وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير، وهو قول بعض الشافعية. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني في " محجمه "، وأبو بكر في " مصنفه "، وأحمد في " مُسنده ". ص- قال أبو داود: هو مُهاجر أبو الحسن. ش- يعني قوله: " نا شعبة: أخبرني أبو الحسن " هو مُهاجر أبو الحسن التيمي، مولى تيم الله الكوفي. سمع: عبد الله بن عباس، والبراء بن عازب، ورجلا من أصحاب النبي- عليه السلام-، وزيد بن وهب،

_ (1) شرح صحيح مسلم (5/117، 118) .

وعمرو بن ميمون، وعطاء بن يسار. روى عنه: الثوريّ، وشعبة، والمَسعودي، وأبو عوانة. قال أحمد بن حنبل، وابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . 386- ص- نا يزيد بن خالد بن مَوهب الهمداني، وقُتَيبة الثقفيُّ، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن سَعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرِة أن النبي- عليه السلام- قال: " إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا عن الصلاة " قال ابنُ موهبٍ: " بالصلاة ". " فإنَّ شدةَ الحَرَ من فيحِ جَهنمَ " (2) . ش- قتيبة: ابن سعيد، والليث: ابن سعد، وابن شهاب: الزهري، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " فأبردوا عن الصلاة " أي: بالصلاة. و " عَن " تأتي بمعنى " الباء "؛ كما قيل: رمَيت عن القَوس، أي: رمَيتُ بها؛ كما جاءت الباء بمعنى " عن " في قوله تعالى: (فَاسئَل به خَبيرًا) (3) أي: عنه. وقد تكون " عن " زائدةَ أي: " أبردوا الصلاة "؛ يَقال: أبرد الرجل كذا إذا فعله في بَرد النهار. 387- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حمّاد، عن سماك بن حَرب، عن جابر بن سمرة " أن بِلالاً كان يؤذن الظهرَ إذا دحَضَتِ الشمسُ " (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ول 2/6219) . (2) البخاري: كتاب المواقيت، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (536) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في طريقه (180-615) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر (157) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر (1/248) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (678) . (3) سورة الفرقان: (59) . (4) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر 188 (618) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ما يستحب من تأخير العشاء (1/265) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: وقت صلاة الظهر (673) .

4- باب: ما جاء في وقت العصر

ش- حماد: ابن سلمة. وجابر بن سمرة بن جنادة بن جندب، أبو عبد الله، رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وستة وأربعون حديثا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستّة وعشرين. روى عنه: عبد الملك ابن عُمير، وعامر بن سَعد بن أبي وقاص، وعامر الشعبي، وسماك بن حرب، وجماعة آخرون. مات سنة ستة وستين، أيام المختار. روى له الجماعة (1) . قوله: " إذا دحضت الشمس " أي: زالت عن كبد السماء؛ وأصل الدَّحض: الزلق؛ يُقال: دحضَت رجلهُ أي: زلت عن موضعها، وأدحضتُ حجة فلان أي: أزلتُها وأَبطلتُها. وأخرجه ابن ماجه. وفي رواية مسلم: " كان النبيّ- عليه السلام- يُصلِي/الظهر إذا دحَضت الشمسُ. وقال الشيخ محيي الدين النووي (2) : " وفيه دليل على استحباب تقديمها، وبه قال الشافعي، والجمهور ". فلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن الذي يُبرِدُ بها يَصدقُ عليه أنه صلاها بعد أن دَحَضت الشمسُ. 4- بَابُ: مَا جَاء فِي وَقت العَصرِ (3) أي: هذا باب في بيان ما جاء في وقت صلاة العصر، وفي بعض النسخ: " بابُ وقت العَصر ". 388- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه أخبره " أن رسولَ اللهِ- عليه السلام- كان يُصَلِّي العصرَ

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/224) ، أسد الغابة (1/304) ، الإصابة (1/212) . (2) شرح صحيح مسلم (5/121) . (3) في سنن أبي داود: " ... وقت صلاة العصر ".

والشمسُ بَيضاءُ مُرتفعةٌ حَيَّةٌ، ويَذهبُ الذَّاهبُ إلى العَوالي والشمسُ مُرتفعةٌ " (1) . ش- الواو في " والشمس " للحال في الموضعين؛ وحَياة الشمس: شده وهجها، وبقاء حرها لمَ ينكسر منه شيء. وقيل: حياتها: صفاء لونها، لَم يدخلها التغيير. قالوا: والشمس تُوصَف بالحياة ما دامت قائمة الأعراض من الحرارة والضوء، فإذا كانت مع الغروب لم تُوصَف بذاك. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 389- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهريّ قال: والعَوالي على ميلينِ أو ثلاثة. قال: وأحسبُه قال: وأربعة (2) (3) . ش - الحسن بن عَلي: الخلالَ، وعبد الرزَاق: ابن همامَ، ومَعمر: ابن راشد. والعَوالي: أماكن بأعلى أراضى المدينة؛ والنَسَبُ إليها: " عُلوِي " على غير قياسٍ، قال ابن الأثير (4) : " وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد: ثمانية ". ولكن في رواية الزهري: أدناها من المدينة على ميلين، مثل ما ذكره أبو داود. وقال الشيخ محيي الدين (5) : " والمراد بهذا الحديث: المبادرة بصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العَصر ميلين وثلاثة، والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكادُ يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ثم قال: وفيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور: أن وقت العَصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر (550) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر (192/621) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: وتت صلاة العصر (1/252) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة العصر (682) . (2) في سنن أبي داود: " أو أربعة ". (3) تفرد به أبو داود. (4) النهاية (3/295) . (5) شرح صحيح مسلم (5/122- 123) .

ظل كل شيء مثليه؛ وهذا حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك ". قلنا: الجواب من جهة أبي حنيفة: أنه- عليه السلام- أمر بإبراد الظهر بقوله: " أبردوا بالظهر " بمعنى: صلوها إذا سكنت شدة الحرّ؛ واشتداد الحر في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحر إلا بعد المثلَين؛ فإذا تعارضت الأخبار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين، فلا يزول بالشك، ووقت العصر ما كان ثابتاً فلا يدخل بالشكَّ؛ وأما حديث ابن عباس، وجابر وغيرهما: فلا يدل على أن لا يكون ما وراء وقت الإمَامة وقتا للظهر؛ ألا ترى أن جبريل- عليه السلام- أم للفجر في اليوم الثاني حين أسفر، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس؟ وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر. 390- ص- نا يوسف بن موسى: نا جرير، عن منصور، عن خيثمة قال: حياتها: أن تجد حرها (1) . ش- يوسف بن موسى: أبو يعقوب القطان الكوفي. وجرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر. وخَيثمة: ابن عبد الرحمن بن أبي سَبرة، واسم أبي سَبرة: يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب بن سلمة بن عمرو بن ذهل بنُ مرَان (2) بن جعفي الجُعفي الكوفي، وفد أبو سَبرة إلى النبي- عليه السلام- ومَعه ابناه: سَبرة، وعزيز، فقال له النبي- عليه السلام-: " ما اسمك؟ " قال: عزيز قال: " لا عزيز إلا الله، أنت عبد الرحمن (3) فأسلموا. سمِعَ خيثمةُ: عبدَ الله بن عُمر، وابن عَمرو، والبراء بن عازب، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وطلحة بن مصرف، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " مروان " خطأ. (3) أحمد: في مسنده (4/178) ، وابن سعد: في طبقاته (6/286) .

قال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي تابعي ثقة. روى له الجماعة (1) . 391- ص- نا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب: قال عروة: ولقد حدثتني عائشةُ- رضي الله عنها-، " أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصلي العَصر، والشمسُ في حُجرَتِهَا قبلَ أن تَظهَرَ " (2) . ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة، وعروة: ابن الزبير. والواو في " والشمس " للحال. قوله: " قبل أن تظهر " معنى الظهور/هاهنا: الصُعُود؛ يُقال: ظهرتُ على الشيء إذا علوتُه؛ ومنه قوله تعالى: (وَمَعارِجَ عَلَيهَا يَظهَرُونَ) (3) ، وحجرة عائشة- رضي الله عنها- ضيقة الرقعة، والشمس تقلص عنها سرِيعاً؛ فلا يُصلي العَصر قبل أن تصعد الشمس عنها إلا وقد بكر بها. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 392- ص- نا محمد بن عبد الرحمن العَنبري: نا إبراهيم بن أبي الوزير: نا محمد بن يزيد اليمامي: حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه عن جده: علي بن شيبان قال: فَدمنَا على رسول الله - عليه السلام- المَدِينةَ فكان يُؤَخرُ العَصرَ مادامتِ الشمس بَيضاءَ نَقيَّةً (4) . ش- محمد بن عبد الرحمن: أبو عبد الله العنبري البصري. روى عن: عبد الرحمن بن مهدي، وأمية بن خالد، وسلم بن قتيبة،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 /1747) . (2) البخاري: كتاب المواقيت، باب: وقت العصر (544) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (611) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تعجيل العصر (159) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: في تعجيل العصر (1/252) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة العصر (683) . (3) سورة الزخرف: (34) . (4) تفرد به أبو داود.

وإبراهيم بن أبي الوزير. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد. وقال: كان ثقة (1) . وإبراهيم بن أبي الوزير: قد ذكر مرةً. ومحمد بن يزيد اليمامي. روى عن: يزيد بن عبد الرحمن. روى عنه: إبراهيم بن أبي الوزير. روى له: أبو داود (2) . ويزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان اليمامي الحنفي. روى عن أبيه، عن جذه. روى عنه: محمد بن يزيد. روى له: أبو داود (3) . وأبوه: عبد الرحمن بن علي الحنفي اليمامي. روى عن: أبيه. روى عنه: ابنه: محمد، وعبد الله بن بدر، ووعلة بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . وجدّه: علي بن شيبان الحنفي السحيمي اليمامي الصحابيّ. روى عنه: ابنه: عبد الرحمن. روى له: أبو داود، وابن ماجه (5) . وهذا الحديث يدل على أنه- عليه السلام- كان يُصلي العَصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه؛ وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه. 393- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان، عن محمد، عن عَبيدةَ، عن عليّ - رضي الله عنه-، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يومَ الخندقً: " حَبَسُونَا عن صَلاة الوُسطى، صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا " (6) .

_ (1) نظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5401) . (2) المصدر السابق (27/5705) . (3) المصدر السابق (32/7021) . (4) المصدر السابق (17/3912) . (5) انظر ترجمته في ت الاستيعاب بهامش الإصابة (3/69) ، أسد الغابة (4/90) ، الإصابة (2/507) . (6) البخاري: كتاب الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (2931) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في تفويت صلاة العصر (627) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة البقرة (2984) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على صلاة العصر (1/236) .

ش- يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة- واسم أبي زائدة: خالد (1) بن ميمون- وقد ذكرناه في ترجمة زكرياء- أبو سعيد الكوفي الهمداني الوداعي، مولى امرأة من وداعة. سمع: أباه، وعبد الملك. بن عمير، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن ادم، ويحيى بن يحيى التميمي، وابن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال ابن المديني: هو من الثقات، قيل: مات بالمدينة قاضيا بها سنة اثنتين وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين. روى عنه: الجماعة (2) . ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي، قد ذكر غير مرة. وهشام بن حسّان البصري، ذكر- أيضا- ومحمد بن سيرين، قد ذكر- أيضا-. وعَبيدة- بفتح العَين وكسر الباء- هو عَبيدة بن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عَمرو السَّلماني- بفتح السين وسكوَن اللام- المُرَادي. وسلمان هو ابن ناجية بن مراد، أسلم قبل وفاة النبي- عليه السلام- ولم يَلقه. سمع: عمر بن الخطاب، وعليا، وابن مسعود، وابن الزبير روي عنه: الشَعبي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم. قال ابن عيينة: كان عَبيدة يوازي شريحا في العلم والقضاء. وقال أحمد بن عبد الله العجلَي: هو كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي - عليه السلام- بسنتَين، وكان أعور، توفي سنة اثنتين وسبعين، روى له الجماعة (3) قوله: " يوم الخندق " الخندق: فارسي معرّب؛ وأصله: كَنده أي: محفور، وقد تكلمت به العَرب، ويوم الخندق كانت في السنة الخامسة من الهجرة. وقيل: في الرابعة. وقد جاء أن النبي- عليه السلام- ندب الناسَ يوم الخندق، وفي رواية: يوم الأحزاب، وفي رواية: يوم بني

_ (1) هذا هو الذي جزم به البخاري، وابن أبي حاتم وغيرهما. (2) انظر ترجمته في ت تهذيب الكمال (31/6826) . (3) المصدر السابق (19/3756) .

قريظة، فانتدب الزبير، ويوم الخندق وهو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة؛ وليس ذلك إشارة إلى يوم بعَينه؛ وإنما هو إلى الغزاة كما يقال: يوم حنين، ويوم صِفين، وغير ذلك. قوله: " صلاة العصر " بالجرّ- بدل من " صلاة الوُسطى "؛ والوُسطى - بضم الواو- تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، وأفعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذا فعل التعجب، فلا يجوز: زيد أموت الناس، ولا: ما أموت زيد، لأنه لا يقبل ذاك. وكون الشيء وسطا بين شيئين لا يقبل الزيادة ولا النقص، لا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل، فتعين أن تكون الوسطى بمعنى الفضلى. " (1) واختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن؛ فقالت جماعة: هي العَصر، ومنهم: عليّ، وابن مسعود، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعَبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة/فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه. وقالت طائفة: هي الصُبح؛ ونقل ذلك عن عُمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عُمر، وجابر، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومالك بن أنس، والشافعي. وقالت طائفة: هي الظهر؛ ونقل ذلك عن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي (2) سَعيد الخدري، وعائشة، وعبد الله بن شداد، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقال قبيصة بن ذ [ؤ] يب: هي المَغرب. وقال غيره: هي العشاء. وقيل: إحدى الخمسة مبهمة. وقيل: الوسطى: جميع الخَمس؛ حكاه القاضي عياض. وقيل: هي الجمعة. ويقال:

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (5/128- 129) . (2) في الأصل: " وأبو ".

الصبح والعصر. ويقال: الجماعة. فهذه عشرة أقوال؛ وأصحها: العصرُ؛ للأحاديث الصحيحة، والباقي بعضها ضعيف، وبَعضها غلط. وفي المراد بالصلاة الوُسطى ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها أوسط الصلوات مقدارا، والثاني: أنها أوسطها محلاّ، والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله؛ فمَن قال: الوُسطى: الفُضلى جاز لكل ذي مذهب أن يَدّعيه، ومن قال: مقدارا فهي المغربُ؛ لأن أقلها: ركعتان، وأكثرها: أربع. ومَن قال: محلاَ ذكر كل أحدٍ مناسبة يوجه بها. قوله: " ملأ الله بيوتهم " جملة دعائيّة إنشاء في صورة الإخبار؛ والمعنى: اللهم املأ بيوتهم وقبورهم نارَا؛ ومثل هذه الجملة لا محل لها من الإعراب؛ وقد عرف أن الجملة ما لم تقعِ في موقع المفرد لا تكتسب إعرابًا؛ لأن الجملة من المبنيّات. وإنما جمع فيه بين البيوت والقبور ليعتم عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخصّص النار لأنه أكبر أنواع العذاب. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. 394- ص- نا القعنبيُّ، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يُونس مولى عائشةَ رضي الله عنها، أنه قال: أَمَرتنِي عائشةُ أن أكتبَ لها مُصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآيةَ فآذنَي (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلاَة الوُسطى) (1) فلما بلغتُها آذنتُها فأملَت عَلً: حافظُوا عَلَى الصَّلًوات والَصَّلاةِ الوُسطَى وصَلاة العَصرِ وقُومُوا لله قانتينَ، ثم قَالت عائشةُ: سمعتُهَا من رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) . ش- أبو يونس مولى عائشة- رضى الله عنها-. روى عن:

_ (1) سورة البقرة: (238) . (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (629) ، الترمذي: كتاب تفسير القراَن، سورة البقرة (2982) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على صلاة العصر (1/236) .

عائشة. روى عنه: القعقاع بن حكيم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . قوله: " فآذني " بالمدّ- أي: أعلمني؛ أمر من آذن يُؤذِن إيذانًا، فاجتمعت نون الكلمة مع نون الوقاية فأدغمت إحداهما في الأخرى. قوله: " فا " ملت عليَ " يُقال: أملّ عليه، وأملى عليه، واملل علمه إذا لقنه ما يكتبه. " (2) واستدل به بعض الشافعية أن صلاة العصر ليست هي الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ لأن قوله: " وصلاة العصر " معطوف على قوله: " على الصلوات " لأنه هكذا هو في الروايات. والجواب عن هذا: أن هذه قراءة شاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله؛ لأن ناقلها لم ينقلها على أنها قراَن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماعَ. قلت: يحوز أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر إلى الملك القَرم وابن الهمام ... وليث الكَتِيبة في المُزدحم فقد وُجد العطفُ هاهنا مع اتحاد الشَّخص، وعطف الصفات بعضها على بعض موجودٌ في كلام العرب كثيرٌ. 395- ص- حدثنا محمد بن المثنى: نا محمد بن جَعفر: ثنا شعبة: حدثني عَمرو بن أبي حكيم. قال: سمعت الزبرِقَانَ يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسولُ الله- عليه السلام- يُصلِّي الظهرَ بالهَاجرَة، ولم يكن يُصَلِّي صلاةً أشدَّ عَلى أصحاب النبيِّ- عليه السلام- منهَا، فنزلت (حَافظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطَى) وقال: " إن قبلَها صلاتينِ، وبَعدها صَلاتينِ " (3) . ش- محمد بن جعفر- الهذلي مولاهم البصري، المعروف بغندر، وقد ذكر غير مرة، وكان شعبة بن الحجاج زوج أمه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7712) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/130- 131) . (3) تفرد به أبو داود.

وعَمرو بن أبي حكيم أبو سعيد. ويقال: أبو سَهل الواسطي الكردي. ويقال: إنه مولى لآل الزُّبير. روى عن: عروة بن الزبير، وعبد الله بن بُريدة، والزِّبرِقان. روى عنه سعيد. وروى عن: داود بن أبي هند، عنه إن كان محفوظا. روى له: أبو داود (1) . والزِّبرقان: ابن عَمرو بن أمية الضَّمري. وقيل: الزبرِقان/بن عبد الله بن عمرو بن أميّة. روى عن: عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه (2) ، وعن زَهرة، عن زيد بن ثابت. روى عنه: عَمرو بن [أبي] حكيم وابن أبي ذئب، وجَعفر بن ربيعة، ويَعقوب بن عَمرو. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) . وزيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو سعيد. وقيل: أبو خارجة، أخو يزيد بن ثابت لأبيه وأمه. روي له عن رسول الله- عليه السلام- اثنان وتسعون حديثَا، اتّفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد البخاريّ بأربعة ومسلم بحديثِ. وقد روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم-. روى عنه: ابن عُمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، ومروان بن الحكم، وسليمان وعطاء ابنا يَسار، وابن المسيّب وغيرهم. وكان يكتب الوحي لرسول الله، وكتب لعمر- أيضا- وكان يستخلفه- إذا صح- وكان معه حين قدم الشام لفتح بيت القدس، وهو تولى قسمة غنائم اليرموك، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمسين. وقيل: خمس وأربعين، وقتل أبوه ثابت في وقعة بعاث، كانت قبل هجرة النبي- عليه السلام- بخمس ستين. روى له الجماعة (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4349) (2) كذا، وفي تهذيب الكمال أنه روى عن أبيه أو أخيه عبد الله بن عمرو بن أمية، وعن زيد بن ثابت بلا واسطة. (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (9/1955) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/551) ، أسد الغابة (2/278) ، الإصابة (1/561) . 18 * شرح سنن أبي داوود 2

قوله: " بالهاجرة " أي: في الهاجرة؛ وهي اشتداد الحرّ نصف النهار. قوله: " ولم يكن يصلي صلاة أشدَّ " وذلك لكَونه يُصَلِّي في قوة الحرَّ، ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإيراد- أيضَا-. قوله: " إن قبلها " أي: قبل صلاة الوُسطى: " صلاتين وبَعدها صلاتين " وبهذا يطلق على كل صلاة أنها وُسطى؛ لأن كل صلاة بحسبها وُسطى يكون قبلها صلاتان وبعدها صلاتان؛ ولكن سياق الكلام يَدلّ على أن المراد من الصلاة الوُسطى: الطهرُ؛ وذلك لأن نزول الآية كان عند استثقالهم صلاة الظهر بالهاجرة، فبيَن أن المرادَ من قوله: (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات والصَّلاَةِ الوُسطَى) : صلاة الظهر؛ لأن قبلها صلاَتا الصّبح والعشاء، وهما من وجه الليل، وبعدها: صلاتا العَصر والمغرب، وهما من وجه النهار. وهو قول جماعة من الصحابة- كما ذكرنا- والأصح: أنها صلاة العَصر- كما ذكرناه-. والحديث أخرجه البخاريّ في " التاريخ الكبير ". 396- ص- ثنا الحسن بن الربيع: حدثني ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدركَ من العَصرِ رَكعةَ قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ فقد أدركَ، ومن أدرك من الفجرِ رَكعةَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرك " (1) . ش- الحسن بن الربيع: ابن سليمان البجلي القَسري، وقَسر من بَجيلة، أبو علي الكوفي. سمع: حماد بن زيد، وأبا عوانة، وعبد الله ابن المبارك، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم،

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الفجر ركعة (579) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة 165 (608) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس (186) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: من أدرك ركعة من الصلاة (1/254) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت الصلاة في العذر والضرورة (699) .

ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، رجل صالح متعبّد، مات في رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين (1) . وابنُ طاوس: عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليماني الحِميري. سمع: أباه، وعكرمة بن خالد. روى عنه: عمرو بن دينار وابن جريج، ومَعمر بن راشد، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. مات سنة ثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " فقد أدرك " أي: أدرك وُجوبَها، حتى إذا أدرك الصبيُ قبل غروب الشمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طهُرَت الحائض يجب عليه صلاة العَصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءَا يسيرَا لا يسع فيه الأداء، وكذلك هذا الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب، ما لم يجد وقتا يسع فيه الأداء حقيقة. وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلا؛ أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه؛ وهو أصحّهما؛ وذلك لأن من أدرك ركعة أو تكبيرةَ فقد أدرك حرمة الصلاة، فاستوى فيه القليل والكثير. فإن قلت: قيّد الركعة في الحديث، فينبغي أن لا يُعتبر أقل من الركعة، قلت: التقييد بالركعة خرج مخرج الغالب؛ فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فقد لا يكاد يُحَس (3) بها. واعلم أن هذا الحديث دليل صريح في أن مَن صلى ركعةَ من العَصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته؛ بل يُتمّها؛ وهذا بالإجماع. وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي/ومالك وأحمد إلا عند أبي حنيفة؛ فإنه قال: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها. وقالت الشافعية: الحديث حجّة على أبي حنيفة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1230) . (2) المصدر السابق (15/3346) . (3) في الأصل: " يحسن "، وانظر: شرح صحيح مسلم (5/105) .

واعلم أن هاهنا بحثا عظيما إذا وقفت عليه عَرَفت ما أسس عليه أبو حنيفة، وعَرَفت أن الحديث ليس بحجة على أبي حنيفة، وأن غير هذا الحديث من الأحاديث حجّة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب للصلاة وطرف لها؛ ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا، لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت سببا، وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم. فإن اتصل به الأداء تقررت السببيّة وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحاً بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة- كما في الفجر- وجب عليه كاملا، حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس من خلال الفجر فَسَدَ خلافا لهم؛ لاكك ما وجب كاملا لا يتأدى بالناقص كالصوم المنذور المطلق، أو صوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن كان هذا الجزء ناقضا بأن صار منسوبا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصَا؛ لأن نقصان السبب يؤثر في نقصان المسبّب، فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أرى كما لزم، كما إذا نذر صوم النَحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العَصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملا بالطريق الأولى. فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه من الجزء الصحيح، ومدّها إلى أن غربَت، قلنا: لما كان الوقت متسعا جاز له شغل كل الوقت فيعفَى الفساد الذي يتصل فيه بالبناء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر. والجواب عن الحديث: ما ذكره الطحاويّ في " شرح الاَثار " أن ورود الحديث كان قبل نَهيه- عليه السلام- عن الصلاة في الأوقات المكروهة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الأعرج، وغيره، عن أبي هريرة- رضي الله عنه-.

397- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دَخلنَا على أنسِ بن مَالك بعدَ الظهرِ، فقامَ يُصلِّي العَصرَ، فلما فَرغَ من صلاته ذكرنا تَعجيلَ الصَلاة أو ذَكَرَها فقال: سمعتُ رسولَ الله. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: " تلك ًصلاةُ المُنَافقينَ، تلكً صلاةُ المنافقينَ، تلك صلاةُ المنافقين، يَجلِسُ أحَدهم حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قَرنَي الشيطانِ، أو على قَرني الشيطانِ قَامَ (1) فنقَرَ أربَعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " (2) . ش- العلاء بن عبد الرحمن الحرقي الجُهني مولاهم، قد ذكرناه. قوله: " بعد الظهر " أي: دخلنا على أنسٍ في داره بعد صلاة الظهر، وكانت داره بجنب المسجد. قوله: " تلك صلاة المنافقين " إشارة إلى صلاة العَصر التي تُصلَّى (3) في اصفرار الشمس، وتؤخر هذا التأخير بلا عذر؛ وإنما كررها ثلاث مرات ليكون أبلغ في ذم تأخيره بلا عذر. قوله: " يجلس لما إلى آخره بيان لهيئة هذه الصلاة التي وقع فيها وفي صاحبها الذمّ. قوله: " فكانت " أي: الشمس " بين قرني الشيطان " " (4) اختلفوا فيه على وجوه؛ فقيل: معناه: مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روي " أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها " فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك، وقيل: قرنُه: قوته، من قولك: أنا مُقرِن لهذا الأمر أي: مطيق له، قوي

_ (1) في الأصل: " قال "، وما أثبتناه من سنن أبي داود. (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر 195 (622) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: في تعجيل العصر (160) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: التشديد في تأخير العصر (1/254) . (3) في الأصل: " يصلي ". (4) انظر: معالم السنن (1/112- 113) .

عليه؛ وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمرُه في هذه الأوقات؛ لأنه يُسول لعبَدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل: قرنه: حزبه وأصحابُه الذين يعبدون الشمس، يُقال: هؤلاء قرن أي: نَشؤٌ جاءوا بعد قرن مَضى. وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه؛ وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتَسويفِه وتَزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها/بقرونها، فكأنهم لما دافعوها وأخّروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس: صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتَدفعه بأرواقها. وفيه وجه آخر: وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصبُ دونها، حتى يكون طلوعها بين قرنَيه- وهما جانبا رأسه- فينقلب سجود الكفار للشمس عبادةَ له. وقرنا الرأس فَودَاهُ وجانباه، ومنه سمّي ذو القرنَينِ؛ وذلك لأنه ضُرب على جانبي رأسه فلُقّب به والله أعلم (1) . قلت: يمكن [حمل] الكلام على حقيقته، ويكون المراد: أنه يُحاذيها بقَرنَيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنَها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيّل لنفسه وأعوانه أنما يَسجدون له، فيكون له ولشيعته تَسلطٌ. قوله: " فنقَرَ أربعا " أي: أَربع ركعات، ونقَر من نقر الديك أو الغراب، وهو كناية عن تخفيفها جدا بحيث لا يمكثُ فيها إلا قدر وضع الديك أو الغراب منقاره فيما يُريد أكله. قوله: " لا يذكر الله فيها إلا قليلا " صفة لقوله: " أربعَا "؛ وذلك لاستعجاله فيها خوفا من غروب الشمس، لا يقدر أن يأتي بالقراءة كما ينبغي، ولا بالتسبيحات والأدعية على صفتها، وانتصابُ " قليلاَ " على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: لا يَذكر الله فيها إلا ذكرا قليلا. وفيه - أيضا- ذم صريح لمن يخفّف في الصلاة غايةَ بحيث أنه يؤدي إلى ترك الواجبات. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

398- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الذي تفوتُه صَلاةُ العَصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومَالَهُ " (1) . ش- " الذي " مبتدأ وخبره: " فكأنما "، وقد عرف أن المبتدأ إذا تضمن معنى الشرط يدخل في خبره الفاء، نحو: الذي يأتيني فله درهم؛ وذلك إنما يكون إذا كان المبتدأ مَوصولا، صلته فعل مثل هذا، أو ظرف نحو (وَما بكُم مَن نِّعمَة فَمِنَ اللهِ) (2) أو كان المبتدأ نكرة موصوفة بأحدهما كقوَلك: كل رجًل يأتيني أو في الدار فله درهم؛ وإنما تدخل الفاء لما فيه من القصد إلى أن الأول سبب للثاني فيكون كالشَّرط. قوله: " أهلَه ومالَه " " (3) مَنصوبان، هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور على أنه مفعول ثان لِـ " وُتِرَ "، فا " ضمر فيه مفعول ما لم يسمّ فاعله عائدا إلى الذي فاتته الصلاة، ويجوز أن يكونا مَنصوبَين بنزع الخافض؛ والمعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصَبَ، والمعنى: نقص هو أهلَه ومالَه وسُلِبَهم، فبقي وترا فردًا بلا أهل ومال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله، وماله. وأما وجه رفعهما: فعلى ما لم يُسم فاعله، ولا يكون حينئذ في " وُتر " إضمارٌ، بل يكون مُسندا إلى الأهل، والمال يكون معطوفا عليه، والمعنى: فكأنما انتُزِعَ منه أهلُه ومالُه. وهذا تفسير مالك بن أنس. وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه عند أهل اللغة والفقه: أنه كالذي يُصاب بأهله وماله إصابةَ يطلب بها وِتراً، والوِتر: الجنايةُ التي يُطلب ثأرها، فيجتمعَ عليه غَمان: غم المصيبة، وغمّ مقاساة طلب الثأر. وقال الداودي من المالكية:

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: إثم من فاتته العصر (هـ52) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في تفويت صلاة العصر 201 (626) . (2) سورة النحل: (53) . (3) انظر: شرح صحيح مسلم (5/125-126) .

معناه: يتوجّه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندمُ والأسَف لتفويته الصلاة. وقيل: مَعناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يلحق من ذهب أهله وماله ". والحديث أخرجه البخاريّ، ومسلمٌ 0 ص- قال أبو داود: وقال عُبيد الله بن عُمر: أُتِرَ ش- عُبيد الله بن عُمر القواريري أحدُ شيوخ أبي داود، والبخاريّ، ومُسلم. وقال: " أُتر " موضع " وتر لما، " الهمزة " فيه بدلٌ من " الواو "، كما في " اقًّتت " أصله: " وُقِّتت "، و " أحِّد " أصله: " وَحّد "، وأمثاله كثيرةٌ، وكلاهما مجهول من وَتره يَتِرُه وَترًا ووترا وِتِرهً، وكذلك: وَترَه حَقّه أي: نقصَه، وقوله تعالى: (لَن يتركُم أَعمَالَكُم) (1) أي: لن ينتقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخَلت البيتَ وأنتَ تريدُ: دخلتُ في البَيت، وبابُه من ضرب يضرب، واصل: يَتِر: يَوتِر؛ حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ومَصدره: فَعل بالفتح وفعِل بالكَسر، وفعلة/كما ذكرنا وتِرةٌ أصله: وترٌ، حذفت الواو تبعاًَ لفِعلة، وعُوِّضتَ عَنها الهاءُ في آخرها، فصار تِرةٌ كما في عِدة. ص- واختلف على أيّوب (2) . ش- أي: اختلف على أيوب السختياني في روايته: هل كان " وُتر " بالواو أو " أُتِر " بالهمزة؟ 0 ص- وقال الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " وُتِر ". ش- أي: قال محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- رصي الله عنهم-، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " وُتِر " بالواو؛ وأصحّ الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه.

_ (1) سورة محمد: (35) . (2) في سنن أبي داود: ".. أيوب فيه ".

399- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد قال: قال أبو عَمرو- يعني: الأوزاعيّ: وذلك أن تَرى ما على الأرضِ من الشمسِ صَفراءَ (1) . ش- محمود بن خالد: السلمي الدمشقي. والوليد: ابن مُسلم، أبو العباس الدمشقي. قوله: " ودلك " إشارة إلى الفوات الذي يَدلُّ عليه قوله: " تفوته ". وقد اختلف العلماء في الفوات؛ " (2) فقال عبد الرحمن الأوزاعي: أن يؤخرها إلى أن ترى ما على الأرض من الشمس صَفراء؛ والمعنى: إلى أن تَصفر الشمسُ. وقال ابن وهب: هو فمِمَن لم يُصلها في وقتها المختار. وقال سحنون: هو أن تفوته بغُروب الشمس. فقيل: ناسيًا. روي ذلك عن سالم، وقيل: عامدا؛ وهو قول الداودي، والأظهر: أن هذا فيمَن تَفُوته بخروج الوقت عامدًا. ويؤيده: ما رواه البخاريّ في " صحيحه ": " مَن ترك صلاة العَصر حبط عملُه "، وهذا إنما يكون في العامد ". فإن قيل: ما الحكمة في تخصيصه- علمِه السلام- العَصر بقوله: " الذي تفوته صلاة العَصرِ "؟ قلت: يحتملُ وجوها؛ الأول: أن يكون جوابَا لسائل (3) سأل عن ذلك، الثاني: أنه تأكيدٌ وحَض على المثابرة عليها؛ لأنها تأني في وقت اشتغال الناس، والثالثُ: لأنها على الصحيح: الصلاة الوسطى، وبها تختم الصلوات، والرابع: أنها مَشهودة، والخامس: أنها صلاة لا يُتنفّلُ بعدها، فإذا فاته العصر فاته فضل الوقت. فإن قلت: الصُّبح- أيضا- كذلك، وهي مشهودة- أيضا- قلت: وقد أوصى بالصُّبح في الكتاب كما أوصى بها في السُّنَّة، فافهم. وأما كونها مشهودة: فالكتاب عرّف قدرها كما عرفت السُّنَة قدر العصر.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/126) . (3) في الأصل: " لسؤال ".

5- باب: في وقت المغرب

وأما تأويل ما رواه البخاري " من فاته " فوات مضيع متهاون بفضل وقتها مع قدرته على أدائها، فحبط عمله في الصلاة خاصة أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. كذا قاله المهلب. وقال غيرُه: تركها جاحدَا، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله. قلت: هذا يُقال في سائر الصلوات، ويقال هذا على وجه التغليظ. ويُقال: معناه: كاد أن يُحبط، ويُقال: يوقف عنه عملهُ مُدة يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فَضل الله ما يدرك به ثواب عمله. 5- بَاب: فِي وَقتِ المَغرب أي: هذا باب في بيان وَقت المغرب. 400- ص- نا داود بن شبيب: نا حماد، عن ثابت البنانِي، عن أنس بن مالك قال: كُنَا نُصَلِّي المغربَ مع النبيِّ- عليه السلام- ثم نرمي فيَرى احدنُا مَوضعَ نَبلِهِ (1) . ش- داود بن شبيب: البصري، وحماد: ابن سلمة. قوله: " ثم نَرمي " أي: نَرمي النبل؛ والنبلُ: السهامُ العربية، ولا واحد لها من لفظها، فلا يُقال: نَبلة، وإنما يُقال: سهم ونشابة؛ والمعنى: أنا نبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف، ويَرمي أحدُنا النبل عن قوسه ويُبصر موقعه لبقاء الضوء. وفي هذا الحديث والأحاديث التي بَعدها أن المغرب يُعجل عقيب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له. فإن قيل: ما تقولُ في الأحاديث التي وردت في تأخير المغرب إلى

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (559) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس 217- (637) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: تعجيل المغرب (1/259) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (687) .

قريب سقوط الشفق؟ قلت: تلك لبيان جواز التأخير، وهذه لبيان الأوقات التي كان- عليه السلام- يُواظب عليها، لأجل فضيلتها إلا لعُذرٍ، فافهم. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه نحوه من حديث /رافع بن خديج، عن رسول الله- عليه السلام- وأخرج النسائي نحوه من رواية رجل من أَسلم من أصحاب النبي- عليه السلام-، عن النبي - عليه السلام-. 401- ص- نا عَمرو بن علي، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمةَ بنِ الأكوع قال: كان النبيُّ- عليه السلام- يُصلِّي المغربَ ساعةَ تَغربُ الشمسُ إذا غَابَ حاجِبُها (1) . ش- عَمرو بن علي: الصَّيرفي الباهلي البصري، وصفوان بن عيسى: القرشي البصري. ويزيد بن أبي عُبيد: الأَسلمي مولى سلمة بن الأكوع. روى عن: سلمة بن الأكوع، وعمير مولى آبي اللحم. روى عنه: يحيى القطان، وحفص بن غياث، وصفوان بن عيسى، وجماعة آخرون. مات سنة سبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وسلمة بن عَمرو بن الأكوع- واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قُشَير الأسلمي، أبو مُسلم أو أبو عامر، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله يومئذ ثلاث مرار؛ في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- سَبعةٌ وسَبعون حدينا؛ اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بسَبعة. روى عنه:

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (561) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس (636) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وقت المغرب (164) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (688) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 7028) .

ابنه: إياس، ومولاه: يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجماعة آخرون. مات بالمدينة سنة أربع وسَبعين، وهو ابن ثمانين سنةَ، وكان يسكن الرَبذَة، وكان شجاعا راميَا محسناً خيِّرا. وقيل: إنه شهد غزوة مؤتة. روى له الجماعة (1) . قوله: " ساعة " نصب على الظرفية ومضاف إلى الجملة. قوله: " إذا غاب حاجبُها " بدل من قوله: " ساعة تغرب الشمس "؛ وحاجب الشمس: حرفها الأعلى من قُرصها وحواجبها: نواحيها. وقيل: سمّي بذلك لأنه أول ما يَبدو منها كحاجب الإنسان، وعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أولا، ولا يسمّى جميع نواحيها حواجب. وأخرجه: البخاريّ، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بنحوه. 402- ص- نا عُبيد الله بن عُمر: نا يَزيد بن زُرَيع: نا محمد بن إسحاق: نا يَزيد بنُ أبي حبيب، عن مَرثد بن عبد الله قال: قَدِمَ (2) علينا أبو أيوبَ غَازيًا وعقبةُ بنُ عامر يومئذ على مصرَ، فأخَّرَ المغربَ، فقامَ إليه أبو أيوبَ فقال له: مَا هذه الصًلاةُ يا عقبة؟! فقال له: شغِلنَا، قال: أما سمعت رسولَ الله- عليه الَسلام- يَقولُ: " لا تَزالُ (3) أُمَّتي بخَيرٍ " أو قال: " على الفِطرَةِ، مَا لم يؤَخِّرُوا المغربَ إلى أن تَشتبكَ النُّجومُ " (4) ؟. ش- عبيد الله بن عُمر: القواريري، ويزيد بن زُريع: البصري، ومحمد بن إسحاق: ابن يَسَار صاحب المغازي. ويزيد بن أبي حبيب- واسم أبي حبيب: سويد المصري. ومَرثد بن عبد الله- بفتحٍ الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة- أبو الخير اليَزَني المصري، ويزن بطن من حمير. روى عن: سعيد بن زيد

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/87) ، أسد الغابة (2/423) ،الإصابة (2/66) . (2) في سنن أبي داود: " لما قدم ". (3) في سنن أبي داود: " لا يزال ". (4) تفرد به أبو داود.

ابن عمرو بن نفيل، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعمرو بن العاص، وابنه: عبد الله بن عَمرو، وزيد بن ثابت، وأبي نضرة الغفاري، وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن شمّاسة، ويزيد بن أبي حبيب،. وجعفر بن ربيعة، وغيرهم. قال أبو سَعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مَروان يُحضِره فيُجلسه للفُتيا. توفي سنة تسعين. روى له الجماعة (1) . وأبو أيوب: خالد بن زيد الأنصاري، مُضيِّف رسول الله. وَعُقبة بن عامرٍ الجُهني. قوله: " يومئذ " أي: يوم قدِم أبو أيوب مصر، وكان عقبة والياً على مصر من قِبل معاوية، سنة أربع وأربعين. قوله: " أو قال: على الفطرة " شكّ من الراوي؛ وكذا في رواية ابن ماجه؛ رواها عن عباد بنَ العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قَيس، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسولُ الله- عليه السلام-: " لا تزال أمّتي على الفِطرة ما لم يؤخروا المَغرب حتى تشتبك (2) النجوم (3) ". والمرادُ من الفطرة: السُّنَّة؛ كما في قوله- عليه السلام-: " عشر من الفطرة ". قوله: " إلى أن تَشتبك النجُوم " أن: مَصدرية، والتقدير: إلى اشتباك النجوم. قال ابن الأثير (4) : " اشتبكت النجوم أي: ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها ". وجه التمسك بالحديث: أن التأخير لما كان سببًا لزوال الخير كان التعجيل سببًا لاستجلابِه. وقال الشيخ زكي الدين: في إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5850) . (2) في الأصل: " يشتبك ". (3) ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (689) . (4) النهاية (2/441) .

6- باب: وقت عشاء الآخرة

قلتُ: كأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث؛ ولكن ليسَ الأمر كما زعمه؛ أما أولا: فلأن/محمد بن إسحاق مُوثق عند الجمهور، وأما ثانيا: فإن الحاكم رواه في " مُستدركه (1) " وقال: صحيح على شرط مُسلم. *** 6- بَابُ: وَقتِ عشاءِ الآخرة أي: هذا باب في بيان وقت عشاء الأخرة، وفي بَعض النسخ: " باب ما جاء في وقت عشاء الآخرة " بالإضافة، وفي بعضها: " العشاء الآخرة " بالصفة؛ وبالإضافة أصحّ. 403- ص- ثنا مُسدّد: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بَشير بن ثابت، عن حبيب بن سالمٍ، عن النعمان بن بَشير قال: " أنا أعلمُ الناسِ بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء الآخرة، كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَفَيها لسُقُوطِ اَلقَمرِ لِثالثة " (2) .ًً شً- أبو عوانة: الوَضَّاحُ، وأبُو بشر هو: جَعفر بن أبي وَحشية الواسِطيُّ. وبَشِير- بفتح الباء- بن ثابت: الأنصاري. روى عن: حبيب ابن سالم. روى عنه: شعبة وغيره. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وحبِيب بن سالم: الأنصاري مولى النعمان بن بَشير. روى عن: النعمان. روى عنه: محمد بن المُنتشر، وإبراهيم بن مهاجر، وأبو بشر

_ (1) (1/ 190) (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة (165) النسائي: كتاب المواقيت، باب: ما يستحب من تأخير العشاء (1/ 264) (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/715) .

جَعفر بن أبي وحشيّة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: فيه نطر. روى له: الجماعة إلا البخاريُّ (1) . والنعمان بن بَشير بن سَعد بن ثعلبة بن جُلاس- بالجيم المضمومة- أبو عبد الله، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي- عليه السلام-؛ ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنتين من الهجرة. رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وأربعة عشر حديثا. روى عنه ابنه: محمد بن النعمان، والشعبي، وحبيب بن سالم مولاه، وعروة بن الزبير، وغيرهم، وكل غيلةً ما بَين حمص وسلميّة في أول سنة أربع وستين. وقال في " الكمال ": قتل بقرية من قرى حمص يقال لها: حرب بنفسا (2) . روى له الجماعة (3) . قوله: " صلاة العشاء الآخرة " بدل من قوله: " الصلاة " في قوله: " بوقت هذه الصلاة ". قوله: " لسُقُوط القمر لثالثة " اللام في الوضعين للتوقيت أي: لوقت سقوط القمر للَيلة ثالثة من الشهر؛ كما في قوله تعالى: (أقم الصَّلاَةَ لدُلُوك الشمس) (4) أي: لوقت دلوكها، وسقوط القمرَ: وقوعُه لَلغروبَ: ويغربُ القمر في الليلة الثالثة من الشهر على مُصي ثِنتين وعشرين درجةً منِ غروب الشمس. وقال أبو بكر: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: أنا من أعلم الناس، أو كأعلم الناس بوقت صلاة رسول الله العِشاء، كان يُصلِيها بعد سقوط القمر ليلة الثانية من أول الشهرِ. انتهى. ويَغربُ القمرُ في الليلة الثانية من الشهرِ على مُضي ست (5) عشرة درجةَ من غروب الشمس ... (6) . والحديث: أخرجه الَترمذي، والنسائيّ.

_ (1) المصدر السابق (5/1085) . (2) كذا، وفي " معجم البلدان " (2/236) : " حَر بَنَفسَا ". (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/550) ، أسد الغابة (5/327) ، الإصابة (3/559) . (4) سورة الإسراء: (78) . (5) في الأصل: " ستة "، وهو خطأ. (6) بياض في الأصل قدر سطرين.

404- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن منصور، عن (1) الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عُمر قال: مَكَثنَا ذاتَ ليلة نَنتظرُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة العشاء، فخرجَ إلينا حينَ ذَهبَ ثُلُثُ الليلِ، أو بعًدَه، فلا نَدرِي: أشيء شَغًلَهُ أَم غيَرُ ذلك؟ فقال حينَ خرجَ: " أتنتظِرونَ هذه الصلاةَ؟ لولا أن يَثقُلَ (2) على أمَّتِي لصلَّيتُ بهم هذه الساعة " ثم أمر المؤذنَ فأقامَ الصلاة " (3) . شِ- جرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن عتيبة. قوله: " ذات ليلة " قد مر الكلام فيه غير مرة. قوله: " لصلاة العشاء " أي: لأجل صلاة العشاء. قوله: " أو بعده " أي: أو بعد الثلث. قوله: " أشيءٌ شغله " أي: منعه عن الخروج في أول وقتها. قوله: " هذه الساعةَ " إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من الليل، وبهذا استدل أصحابنا في فضل التأخير؛ وهو حجّة على مَن فضل التقديم، وذلك لأنه نبه على تفضيل التأخير بقوله: " لولا أن يَثقل " وصرّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وأنه- عليه السلام- خشي أن يُواظب عليه فيفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح/وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها. وقال الخطابيّ وغيره: إنما استحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاةٍ. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 405- ص- نا عمرو بن عثمان الحمصي، [عن أبيه] ، نا حَريز، عن راشد بن سَعد، عن عاصم بن حُمَيدَ السَّكوني، أنه سمع معاذَ بن جبل

_ (1) في الأصل " بن " خطأ. (2) في سنن أبي داود: " تثقل ". (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيره 220 (639) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (1/267) .

يَقول: بَقَينَا (1) النبيَ- عليه السلام- في صَلاة العَتمة، فتأخرَ (2) حتى ظَنَّ الظانُ أنه ليسَ بخارج والقائلُ منا يقولُ: صلى، فإنا لكَذلك حتى خَرَج النبيُّ - عليه السلام- فقالوا له كما قالوا، فقال (3) : " أَعتمُوا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فُضَلتُم بها على سائر الأمم، ولم يُصَلِّهَا (4) أمة قبلَكم " (5) . ش- عَمرو بن عثمان القرشي الحمصي. وحَريز: ابن عثمان الحِمصي الشامي أبو عون، وراشد بن سَعد: المقرائي. وعاصم بن حُمَيد السكوني- بفتح السين- الحمصي، شهد خطبة عمر بالجابية. وروى عن: عمر. وسمع: معاذ بن جبل، وعوف بن مالك الأشجعي، وأزهر بن سَعد وغيرهم. روى عنه: راشد بن سَعد، وغيره. وقال الدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (6) . قوله: " بَقَينا النبي- عليه السلام- " - بفتح القاف- أي: انتظرناه؛ يقال: بقَيت الرجل أبقيه إذا انتظرتَه؛ قال كثير. فما زلتُ أَبقي الظُعنَ حتى كأنها ... أُواقِي سُديً يَغتالُهنّ الحوائلُ قوله: " في صلاة العتمة " أي: صلاة العشاء الآخرة؛ وإنما قال " العتمة " لأن العرب يُطلقون العشاء على المغرب، ولو قال في صلاة العشاء رُبما توهم أن المراد المغرب. قوله: " فإنا لكذلك " اللام المفتوحة فيه للتأكيد أي: فإنا على هذه الحالة حتى خرج علينا النبي- عليه السلام-. قوله: " أعتموا بهذه الصلاة " أي: أخروا هذه الصلاة- أي: العشاء الآخرة.

_ (1) في سنن أبي داود: " أبقينا "، وفي التحفة (8/11319) " ارتقبنا ". (2) في سنن أبي داود: " فأخر ". (3) في سنن أبي داود: " فقال لهم " (4) في سنن أبي داود: " ولم تصلها ". (5) تفرد به أبو داود. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3004) . 19 * شرح سنن أبي داوود 2

قوله: " فإنكم " " الفاء " فيه للتعليل. قوله: " بها " أي: بصلاة العتمة. فإن قيل: كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم علةَ للإعتام؟ قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعتموا؛ لأن قوله: " ولم يُصَفها أمة قبلكم " يحتملُ مَعنيين؛ الأول: أنهم لم يُصلوا العتمة أصلا؛ وهو الظاهر، والثاني: أنهم لم يُعتموا بها وإن كانوا صلوها، فيكون تفضيل هذه الأمة على غيرهم، إما بمعنى أن غيرهم لم يُصلوها أصلا، أو بمعنى أنهم أعتموا وغيرهم لم يُعتموا؛ والقَرينة تُرجح المعنى الثاني،. وأن تَفضِيلهم على غيرهم بالإعتامَ، وأن الإعتامَ أفضلُ من التقديم. فإن قيل: قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء، كما في " صحيح مسلم ": " لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله: العشاء؛ وإنها تعتم بحلاب الإبل " معناه: أن الأعراب يسمونها العتمة؛ لكونهم يعتمون بحلاب الإبل. أي: يؤخرونه إلى شدة الظلام؛ وإنما اسمُها في كتاب الله: العشاء، في قوله تعالى: (وَمن بَعد صَلاة العشَاء) (1) . فينبغي لكم أن تسموها العشاء. قلت: قَد جاءَ في الَأحاَديثَ الصحيحة تمسيتها بالعتمة؛ كحديث: " لو يَعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبوا " وغير ذلك. وأما النهي: فهو للتنزيه؛ لا للتحريم، ويمكن أن يكون استعمالها - أيضا- لمن لا يَعرف العشاء، فيُخاطب بما يعرفه، أو لأنها أشهر عند العرب من العشاء. 406- ص- نا مسدد: نا بشرُ بن المُفضّل: ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نَضرة، عن أبي سَعيد الخدَريّ قال: صَلَّينَا مع رسول الله صَلاةَ العَتمَة فلم يخرج حتى مَضى نحوٌ من شَطر الليلِ فقال: " خُذُوا مَقاعَدَكُم " فأخذناَ مَقَاعِدَنَا، فقال: " إن الناس قد صلُوا وأخذُوا مضاجِعَهُم، وإَنكم لن تَزَالُوا

_ (1) سورة النور: (58) .

في صَلاة ما انتظرتُمُ الصلاةَ، ولولا ضُعفُ الضَّعيفِ، وسِقَمُ السَّقِيم لأخرتُ هًذه الصلاةَ إلى شَطرِ الليلِ " (1) . ش- أبو نَضرة: منذرُ بن مالك العَوَقي- بفتح العين وفتح الواو وبالقاف- العبدي البصري. قوله: " فلم يخرج " أي: لم يخرج لصلاة العتمة حتى مَضى نحو من شطر الليل؛ يَدُل عليه ما روى ابن ماجه هذا الحديث من رواية داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي- عليه السلام- صلى المغربَ ثم لم يخرج حتى ذهبَ شَطرُ الليل، ثم خرج فصلى بهم/وقال: " لولا الضَعيفُ والسقيمُ لأحبَبتُ أن أُؤخر هذه الصلاة إلى شَطر الليل " قوله: " حتى مضى نحوٌ " أي: مثل " من شطر الليل " أي: نصفه وارتفاعه على أنه فاعل مضى. قوله: " مقاعدكم " المقاعد: مواضع قعود الناس في دورهم وغَيرها. والمضاجع: جمع مضجع، وهو موضع النوم. قوله: " إن الناس قد صلُّوا " المراد منهم: المسلمون الذين لم يحضروا صلاة العتمة في هذه الليلة مع النبي- عليه السلام-، فلهذا خاطب الحاضرين بقوله: " إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة " أي: مادُمتم منتظرين الصلاة. قوله: " ولولا ضُعف الضعيف وسقم السقيم " أي: لولا الضعف والسقم مَوجودان بَين الناس لأخرتُ هذه الصلاة- أي: صلاة العتمة- إلى نصف الليل كل وَقت؛ ولكن تركه لوجود الضعف والسقم؛ لأن " لولا " لانتفاء الثاني لوجود الأول؛ نحو: لولا زيد لهلك عَمرو؛ فإن هلاك عَمرو مُنتفٍ لوجود زَيد، وأما " لو " فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول؛ نحو: لو جئتني لأكرمتًك؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء.

_ (1) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (1/268) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة العشاء (693) .

7- باب: في وقت الصبح

فإن قيل: ما الفرق بَين الضُّعف والسقم، فهل هما واحد؟ فما كانت الحاجة إلى ذكرهما معا؟ قَلت: الضُّعف والضَّعف- بالضم والفتح- خلاف القوة، وقد ضَعُف- بالضمّ- فهو ضَعيف، والسقم- بالضم- والسَّقَم- بفتحتين: المرض، وكذلك السَقَامُ، وقد سَقِمَ- بالكسر- فهو سقيمٌ، فالضعيف أعم من السقيم؛ يتناول مَن به سَقمٌ ويَتناول مَن ذهبت قوته كالشيخ الهرِم، ويتناول كل عاجز عن الحضور سواء كان به سقم أولا؛ وإنما ذكر رسول الله كليهما ليتناول أنول الجنسَين، ويَعمّ أصنافهما، فافهم. وهذا الحديث- أيضا- حجة لأصحابنا على استحباب تأخير العشاء إلى ما قبل نصف الليل، والحديث الذي تقدم يدل على استحباب التأخير إلى الثلث؛ وكلاهما سواء؛ لأن قبل النصف في حكم الثلث. فإن قلت: ينبغي أن تكون سنيّة التأخير كسنية السواك؛ حيث قال - عليه السلام-: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرتُ العشاء إلى ثلث الليل " رواه الترمذي، والنسائي؛ وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما مُنتفيان لوجود الشقة، ومع هذا السواك: سُنَّة وتأخير العشاء: مستحبّ. قلت: لم تثبت سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته- عليه السلام- ولولاها لقلنا باستحبابه - أيضا- ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء، فلم تثبت السّنية، فبقي مُستحبا. وجوابٌ آخر: أنه قال في السواك: " لأمرتهم " وهو للوجوب؛ ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة، فيكون سُنَّة، وأما في التأخير فقد قال: " لأخرتُ " وفعله مُطلقا يدل على الاستحباب لا على الوجوب. *** 7- بَاب: في وَقتِ الصُّبح أي: هذا باب في بيان وقت الصبح. 407- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرةَ

بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة- رضي الله عنها-، أنها قالت: إِن كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليُصَلِّي الصُبحَ فيَنصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٌ بمُرُوطهنَّ ما يُعرفنَ من الغَلَسِ (1) . ش- " إن " مخففة عن مثقلة، أصلُه: إنّه كان رسول الله. أي: إن الشأن: كان رسول الله؛ وذلك لأجل التأكيد، وكذا اللام في قوله: " ليصلي الصبح " للتأكيد. قوله: " متلفعات " - بالعين المهملة بعد الفاء- أي: متجللات، واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله، كساءً كان أو غيره، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به يعني: تجلل جميع جسده. وروى " مُتلفّفات " - بفائين- والتلفّفُ قد يجيء بمعنى التلفع 0 والمروط: جمع مِرط- بكسر الميم-، وهو كساء من صوف أو خزّ أو كتانٍ، وقد مر مرةً. قوله: " ما يُعرفن من الغلسِ " يَعصي: ما جُرفن أَنسَاءٌ هُن أم رجال؟ قاله الداودي. وقيل: ما يُعرف أعيانهن. وقال الشيخَ محيي الدين (2) : " وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار- أيضا- لا تعرف عينها: فلا يبقى في الكلام فائدة ". قلت: هذا ليس بضعيف: لأنه ليس المراد من قوله: " ما يُعرف /أعيانهن " ما يُشَخّصنَ حقيقة التشخيص؛ بَل معناه 0 ما يُعرفن أرجال أو صبيان أو نساء أو بنات؟ فهو- أيضا- قريب من قول الداودي، فافهم. و" الغلس " - بفتحتَين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح،

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت الفجر (578) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيرها (645) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: في التغليس في الفجر (153) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: التغليس في الحصر (1/271) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة الفجر (669) . (2) شرح صحيح مسلم (5/144-145) .

و " الغَبَس " قريب منه؛ إلا أنه دونه. وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛ وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأخرجه ابن ماجه، وغيره من حديث عروة، عن عائشة- رضى الله عنها-. 408- ص- ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " أصبحُوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجُورِكُم " أو " أعظمُ للأَجرِ " (1) ش- إسحاق بن إسماعيل: الطالقاني، وسفيان: الثوري، ومحمد ابن عجلان. وعاصم بن عُمر " بن قتادة بن النعمان: ابن زيد بن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو، وهو النَّبيت (2) بن مالك بن أوس الظَفَري الأوسي الأنصاري أبو عُمر، ويقالَ: أبو عَمرو المدني. سمع: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ومحمود بن لبيد. وسمع: أباه، وغيرهم. روى عنه: ابنه: الفضل بن عاصم، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . ومحمود بن لبيد: ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله،

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الإسفار بالفجر (154) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإسفار (1/275) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة الفجر (672) . (2) في الأصل: " عمرو بن النبيت " وما أثبتناه من " تهذيب الكمال " وعلق محققه في الحاشية بقوله: " جاء في حواشي النسخ من تعقبات المصنف على صاحب " الكمال " قوله: " كان فيه: ابن عمرو بن النبيت " وهو خطأ ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3020) .

ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي- عليه السلام-، وقد روى عن النبي أحاديث. وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. قال ابن سَعد: وكان ثقة قليل الحديث. وقال الواقدي: مات محمود بن لبيد، وهو ابن تسع وتسعين. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . ورافع بن خديج: ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله. ويقال: أبو رافع، شهد أحدا والخندق. رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وسبعون حديثًا؛ اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: عبد الله بن عُمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة. روى له الجماعة (2) . قوله: " أصبحوا بالصُّبح " أي: نوِّروا به. وبه استدل أصحابنا على أن الإسفار بالفجر أفضل، وبه قال سفيان الثوري وغيرُه. واعلم أن الإسفار " (3) رُوي من حديث رافع بن خديج، ومن حديث محمود بن لبيد، ومن حديث بلال، ومن حديث أنس، ومن حديث قتادة بن النعمان، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حواء الأنصارية. أما حديث رافع بن خديج: فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله: " أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر "؛ الترمذي، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر، والباقون: عن محمد بن

_ (1) المصدر السابق (27/5820) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/495) ، أسد الغابة (2/190) ،الإصابة (1/495) . (3) انظر: نصب الراية (1/235: 237) .

عجلان، عن عاصم به؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح؛ ولفظ أبي داود: " أصبحوا بالصُّبح " وفي رواية: " أصبحوا بالفجر "، قال ابن القطان في " كتابه ": طريقه طريق صحيح. وعاصم بن عمر: وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة وغيرهم، ولا أعرف أحدا ذكره في الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: " أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر " وفي لفظ له: " فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم "، وفي لفظ للطبراني: " فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في " مسنده ": حدثنا إسحاق بن عيسى: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي- عليه السلام- بنحوه؛ لم يذكر فيه رافع ابن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور- كما ذكرنا- فيحتمل أنه سمعه من رافع أولا فرواه عنه، ثم سمعه من النبي- عليه السلام- فرواه عنه؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف. وأمما حديث بلال: فرواه البزار في " مسنده "/: حدثنا محمد بن عبد الرحيم: ثنا شبابة بن سوار: ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال، عن النبي- عليه السلام- بنحوه 0 قال البزار: وأيّوب بن سيّار ليس بالقوي، وفيه ضَعف. وأما حديث أنس: فرواه البزار- أيضا-: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي: ثنا خالد بن مخلد: ثنا يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه؛ ولفظه: " أسفروا بصلاة الفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في " معجمه " والبزار في " مسنده " من حديث فليح بن سليمان: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعا نحوه.

وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد ابن أبي يحيى الحضرمي: ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي: ثنا المعلى بن عبد الرحمن: ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا نحوه. وأما حديث أبي هريرة: فرواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد بن محمد الجُمحي: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني: ثنا هشام بن سَعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد الحارثي، عن جدته الأنصاريّة- وكانت من المبايعات- قالت: سمعتُ رسول الله يقولُ: " أسفِروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأَجر ". قال في " الإمام ": وإسحاق الحُنيني- بضم الحاء بعدها نون ثم ياء آخر الحروف، ثم نون-. قال البخاريّ: في حديثه نظر. وذكر له ابن عديّ أحاديث، ثم قال: وهو مع ضَعفه يكتب حديثه. وابن بُجَيد- بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ياء] آخر الحروف ساكنة- ذكره ابن حبان في " الثقات ". وجدّته: حواء بنت زيد ابن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. وفيه آثار- أيضا- أخرج الطحاوي (1) ، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى الشمس، مخافة أن تكون قد طلعت. انتهى. وعن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نصلي مع ابن مَسعود فكان يُسفِر بصلاة الصبح. رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (2) . وروى- أيضا- عن أبى أسامة، عن أبي روق، عن زياد بن المقطع. قال: رأيت الحسين بن

_ (1) شرح الاَثار (1/106) . (2) (1/321) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

علي أسفر بالفجر جدا. وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل، عن أبيه قال: كان ربيع بن حنين يقول له- وكان مؤدبه-: يا أبا عقيل نَوَر نَور. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز كان يُسفر بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يسفرون بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر. وعنه - أيضا-، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب محمد- عليه السلام- على شيء ما أجمعوا على التَنوير بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا. فإن قيل: قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار أن يُصبح الفجر ولا يُشك فيه، ولم يَروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة. قلت: هذا التأويل غير صحيح؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار- كما ذكره أهل اللغة- وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير؛ وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضا- فقوله: " أعظم للأجر " يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره، لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، وأيضا- يُبطل تأويلهم ذلك " (1) ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في " مسَانيدهم " والطبراني في " معجمه "، قال الطيالسي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال/الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكن: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن ابن رافع بن خديج: سمِعتُ جذي: رافع بن خديج يقول: قال (2) رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبلال: " يا بلال! نور صلاة الصبح حتى يُبصر

_ (1) انظر: نصب الراية (1/238- 239) (2) مكررة في الأصل.

القوم مَواقع نَبلهم من الإِسفار ". ورواه ابن أبي حاتم في " علله " (1) فقال: حدثنا هارون بن مَعروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم ابن سليمان، عن هُرير، به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، عن (2) هُرير، به. ورواه ابن عدي- أيضا- في " الكامل " عن أبي إسماعيل المؤدب واسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدلّ (3) على أنه من أهل الصدق وهو ممن يكتب حديثه. وحديث آخر يُبطل تأويلَهم. رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب " غريب الحديث ": حدثنا موسى بن هارون: ثنا محمد بن عبد الأعلى: ثنا المعتمر: سمعت بيانا أبا سعيد قال: سمعت أنسَا يقول: كان رسولُ الله يُصلي الصبح حين يفسح البَصرُ. انتهى. قال: يُقال: فسح البصر، وانفسح إذا رأى الشيءَ عن بُعدٍ، يَعني به إسفار الصبح " (4) . فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإِسفار إنما جاء في الليالي المُقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيها جدا، فأمرهم بزيادة التَبين استظهار باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مُخصّص، وهذا باطل، ويردّه - أيضا- ما أخرجه ابن أبي شيبة (5) ، عن إبراهيم النخعي: " ما اجتمع أصحاب محمد " الحديث؛ وقد ذكرناه. وكذلك أخرجه الطحاويّ في " شرح الآثار " (5) بسند صحيح، ثم قال: " ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه "، على أن الطحاويّ قد زعم أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل على الأفضل بخلاف حديث رافع، وأنهم كانوا يدخلون مغلِّسين ويخرجون مُسفِرين.

_ (1) (1/143) . (2) مكررة في الأصل. (3) في الأصل: " يدل ". (4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (5) (1/109) ، وانظره: نصب الراية (1/239) وكذلك ما بعده.

8- باب في المحافظة على الوقت

فإن قيل: قال الحازمي في كتابه " الناسخ والمنسوخ ": حديث التغليس ثابت وإنه- عليه السلام- داوَم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن- عليه السلام- يُداوم إلا على ما هو الأفضل، ثم روى حديث ابن مسعود أنه - عليه السلام- صلى الصبح بغلسٍ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات- عليه السلام- لم يَعُد إلى أن يُسفِر. رواه أبو داود، وابن حبان في " صحيحه " - كلاهما- من حديث أسامة بن زيد الليثي. فلتُ: يَردُ هذا: ما أخرجه البخاريّ، ومسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ رسول الله- عليه السلام- صلى صلاةً لغير وقتها إلا بجَمع، فإنه يَجمعُ بين المغرب والعشاء بَجمع، وصلى صلاةَ الصُبح من الغد قبل وقتها. انتهى، قالت العلماء: يعني: وقتها المُعتاد في كل يوم، لا أنه صلاّها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدا، ويوضحه رواية البخاري: " والفجر حين نزع "؛ وهذا دليل على أنه - عليه السلام- كان يُسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاّها بغلس. وبه استدلّ الشيخ في " الإمام " لأصحابنا؛ على أن أسامة بن زَيد قد تكلم فيه؛ فقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائي، والدارقًطني: ليس بالقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رَد الحَازميِّ كلامَ الطحاويِّ مَردود والحق أحق أن يتبع؛ وهذه التأويلاتُ البعيدة والدوران البعيدُ كلها من آثارِ التعصب من المتأخرين. *** 8- بَاب في المحافَظة على الوَقت (1) أي: هذا باب في بيان المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها. 409- ص- ثنا عَمرو بن عَون: فنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: علَمنِي

_ (1) في سنن أبي داود: ".. على وقت الصلوات ".

رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان فيما علَّمني: " وحَافظ على الصلَوات الخَمسِ ". قال: قلتُ: إنَ هذه ساعات لي فيها أشغالٌ، فأمرنِي (1) بأمرٍ جَامعٍ إذا أنا فعلته أجزَأ عنِّي، فقال: " حًافظ عَلَى/العَصرَينِ " - وما كانت من لُغَتِنا- فقلتُ: وما العَصرانِ؟ قال: " صَلاةٌ قبل طُلوع الشمسِ، وصلاة قبلَ غُروبِهَا " (2) . ش- عَمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد الله الواسطي، وأبو حرب بن أبي الأسود ظالم بن عمرو الديلي. وعبد الله بن فضالة الليثي. روى عن: أبيه. روى عنه: أبو حَرب وغيرُه. روى له: أبو داود (3) . وفضالة الليثي الصحابيّ، اختلف في اسم أبيه. فقيل: فضالة بن عبد الله. وقيل: ابن وهب بن بجرة بن يحيى بن مالك الأكبر الليثي. وقال بعضهم: الزهراني، يُعدّ في أهل البصرة. حديثه عن النبي- عليه السلام- هذا الذي رواه أبو داود. روى عنه: ابنه: عبد الله. روى له: أبو داود (4) . قوله: " إن هذه ساعات " أشار بها إلى أوقات الصلوات الخَمس. فوله: " فأمرني بأمرٍ جامعٍ " أي: جامع لأشياء كثيرة من الخيرات. قوله: " إذا أنا فعلته أجزأ عني " أي: إذا فعلتُ ذلك الأمر الجامع أجزأ عني، أي: كفى عني، يُقال: أجزأني الشيء أي: كفاني، ثم فسّر ذلك الأمر بقوله: فقال: " حافِظ على العَصرين " أي: واظب عليهما وأدّهما في وَقتيهما مع الجماعة. وحاصل كلام فضالة ومَعناه: أني إذا واظبتُ على العَصرين كل واحد في وقته المُستحب مع الأداء بالجماعة أجزأ عني فيما يقع عني من التقصير في غير الصلاة من طاعة الله تعالى من أبواب الفضائل والقُربات، ويحتمل أن يكون المعنى: أجزأ عني إذا

_ (1) في سنن أبي داود: " فمرني ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3482) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/198) ، أسد الغابة (4/364) ، الإصابة (3/208) .

قصرتُ في غير العصرين من الصلوات الخمس بأن أؤديها بغير الجماعة أو في وقتها المكروه بسبب الاشتغال بالأعمال؛ فإن التقصير الذي يُوجد في ذلك بهذه الحيثية رُبما يُجبرُ ويُجزئ عني بمُواظبتي على العَصرين في أوقاتهما المُستحبة مع الجماعة؛ وليس المعنى: أنه يجزئ عنه إقامتهما عن غيرهما؛ فإن ذلك لا يجزئ إلا عنهما؛ لا عن غيرهما؛ وكذا كل صلاة تؤدى لا تُجزئ إلا عن تلك الصلاة بعَينها؛ لا عن غيرها، فافهم وإنما خصّ- عليه السلام- هذين الوقتين؛ لكثرة وقوع الثواني والكسل فيهما؛ أما الصبح فلأنه عقيب النوم، والقيام من الفراش، والاشتغال بالماء البارد، ولا سيما في أيام الشتاء، وأما العصر فلأنه في وقت اشتغال الناس بالبَيع والشراء، والاشتغال بالأعمال، ولا يقوى أعمال الناس وبَيعُهم وشراؤهم وسائر معاملاتهم إلا في آخر النهار. قوله: " وما كانت من لغتنا " أي: لُغة إطلاق العَصرين على الصُبح والعَصر ما كانت من لغتنا، فلذلك قال: " فقلت: ومَا العَصران "؟ فأجاب- عليه السلام- بقوله ت " صلاةٌ " أي: أحدهما: صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وهي صلاة الصبح، والأخرى: صلاة قبلِ غروب الشمس، وهي صلاة العَصر، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر، فتجمع بينهما في التسمية طلبا للتخفيف كقولهم: " سنة العُمَرين " لأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- والأسودَين: للتمر والماء، والأصل في العَصرين عند العرب: الليل والنهار. قال حُميد بن ثور. ولن يَلبث العصران يومٌ وليلةٌ.... إذا طلبا أن يُدركا ما تيمّما ويُشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين: العَصران؛ لأنهما يقعان في طرفي العَصرين؛ وهما الليل والنهار، ويكون هذا من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. وفي بعض النسخ هذا الحديث مؤخر عن الحديث الذي يليه، وكذا في نسخة " مختصر السنن " لزكي الدين. 410- ص- ثنا محمد بن حرب الواسطي: ثنا يزيد بن هارون: أنا

محمد بن مُطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن عبد الله الصُّنَابِحي قال: زعمَ أبو محمدٍ أن الوترَ واجبٌ فقال عبادةُ بنُ الصامت: كَذَبَ أبو محمد، أشهدُ أني سمعتُ رسولَ اللهِ- عليه السلام- يقولُ: " خمسُ صَلَواتً افترضَهُنَّ اللهُ عز وجل، مَن أحسن وضُوءَهُن وصَلاَّهن لِوَقتِهِنَ، وأتَمَّ رُكوعَهنَّ وخُشُوعَهنَّ، كان له على الله عَهد أن يَغفرَ له، ومَن لم يَفعل فليس له على اللهِ عها، إن شَاءَ غَفَرَ له، وإنَ شَاءَ عذبهُ " (1) . ش- محمد بن حَرب: النشائي الواسطي. روى عن: إسماعيل بن علية، ومحمد بن ربيعة، ويزيد بن هارون وغيرهم 0 روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة/وأبو حاتم. وقال: صدوق، وغيرهم. قال سليمان بن أحمد الطبراني: كان ثقةَ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (2) . ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي. ومحمد بن مطرف- ويقال: ابن طريف- الليثي المدني. وزيد بن أسلمِ: أبو أسامة القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب. وعطاء بن يَسار: مولى ميمونة زوج النبي- عليه السلام-. وعبد الله الصنابحي. ويقال: عبد الرحمن بن عُسَيلة بن علي بن عَسّال، أبو عبد الله الصُّنابحي المرادي؛ وهو منسوب إلى صُنابح بن زاهر، بطنٌ من مُراد، رحل إلى النبي- عليه السلام- فقبض النبيّ- عليه السلام- وهو في الطريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس أو ست ثم نزل بالشام. وسمع: أبا بكر الصديق، وعبادة بن الصامت، وبلال بن رباح، ومُعاذ بن جبل، وشداد بن أوس، وعائشة أم المؤمنين. روى عنه:

_ (1) النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على الصلوات الخمس (1/230) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها (1401) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5137) .

عبد الله بن محيريز، وعطاء بن يَسار، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقةَ قليل الحديث. روى له الجماعة (1) . وأبو محمد: اسمه: مَسعود البَدري الأنصاري، وله صُحبة. وعبادة بن الصامت: ابن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرا وأحدا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلها. رُوِيَ له عن رسول الله مائة وأحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وشرحبيل بن حَسنة، وغيرهم. قال الأوزاعي: أول من وُلي قضاء فلسطين: عبادة بن الصامت، مات بالشام سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنةَ. ويقال: قبره ببَيت المقدس. ويقال: مات بالرَّملة روى له الجماعة (2) . قوله: " زعم أبو محمد " زعم يجيء بمعنى " قال " وبمعنى " ظن ". قوله: " كذب أبو محمد " يُريد أخطأ أبو محمد، ولم يُرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق؛ لأن الكذب إنما يجري في الأخبار، وأبو محمد هذا إنما أفتى فتيا، ورأى رأيَا، فأخطأ فيما أفتى به، وهو رجل من الأنصار له صحبة، والكذب عليه في الإخبار غير جائزِ، والعرب تضع الكذب في مَوضع الخطإ فتقول: كذب سمعي، وكذب بصري أي: زلّ ولم يدرك ما رأى وما سمع؛ ومن هذا: قوله- عليه السلام- للرجل الذي وصَف له العَسل: " صدق الله وكذب بطنُ أخيك ". وبهذا استدل الشافعية على أن الوتر ليس بواجب. والاستدلال به ضعيفٌ؛ لأن عبادة إنما أنكر أن يكون الوتر كفرض الصلوات الخمس دون

_ (1) المصدر السابق (16/3679) . (2) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/449) ، أسد الغابة (3/160) ، الإصابة (2/268) .

أن يكون واجبَا؛ ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة. قوله: " مَن أحسن وضوءهن " إحسان الوضوء: إسباغه وإكماله. قوله: " وصلاهن لوقتهن " أي: في وقتهن؛ " اللام " تجيء بمعنى " في " كما في قوله تعالى: (وَنَضَعُ المَوَازينَ القسطَ ليَوم القيامَةِ) (1) ، (لا يُجَلَيهَا لوَقتِهَا إلا هُوَ) (2) قيل: ومنه (يَا لَيتَنِي قًدَّمتُ لَحَيَاتِي) (3) أي: في حيَاتي. ويجوز أن تكون بمعنى " عند " كقولهم. كتبته لخمسٍ خلون. قوله: " وأتم ركوعهن " وإتمام الركوع: أن يطمئن فيه ويأتي بتَسبيحه، ولم يذكر السجود اكتفاء، أي: وسجودهن، كما في قوله تعالى: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَ) (4) أي: والبَرد. قوله: " وخشوعهن " الخشوعُ: الخَشيةُ؛ والخشوع يكون في الصوت والبَصر كالخضوع في البدن؛ وإتمام الخشوع: أن تخافت في الأدعية وفي القراءة فيما يخافت فيه، وأن يكون بَصرُه في موضع سجوده في القيام، ولا يلتفتُ يمينا وشمالا، وفي ركوعه إلى أصابع رجليه، وفي سجوده لطرف أنفه، وفي قعوده: إلى حجره. قوله: " كان له على الله عَهدٌ " أي: يَمين؛ وليس هذا على الله بطريق الوجوب؛ لأن العبد لا يجب له على الله شيء، وإنما يذكر (5) مثل هدا بمعنى أنه متحقق لا محالة، أو يذكر على جهة المقابلة. وبنحوه روى النسائي، وابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه ". 411- ص- ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، وعبد الله بن مَسلمة قالا: ثنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة

_ (1) سورة الأنبياء (47) (2) سورة الأعراف (187) . (3) سورة الفجر: (24) . (4) سورة النحل: (81) . (5) مكررة في الأصل 20* شرح سنن أبي داوود 2

قالت: سُئلَ رسول الله: أَيُّ الأعمال أَفضلُ؟ قال: " الصلاة ير أول وَقتِهَا " (1) .ً ش-/محمد بن عَبد الله: ابن عثمان الخزاعي البصري أبو عبد الله. روى عن: عبد الله بن عمر العمري، وأبي الأشهب، وحماد بن سلمة، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال البخاري: قال لي علي بن محمد: ثقة. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. روى عن: ابن ماجه (2) . وعبد الله بن عُمر: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي. والقاسم بن غنّام: الأنصاري. روى عن: عمته أم فروة، وقيل: عن بعض أمهاته، عن أم فروة. وقيل: عن جدة له، عن أم فروة. روى عنه: الضحاك بن عثمان، وعبد الله بن عُمرَ. روى له: أبو داود، والترمذي (3) . وأم فروة: الأنصارية الصحابيّة، عمّة القاسم بن غنام، حَديثها عنده عن بَعض أمهاته، عنها. روى لها أبو داود، والترمذي، لها حديث في الصلاة (4) . قوله: " أيُ الأعمال أَفضلُ؟ " قد ذكرتُ لك أَن " أيا " اسم مُبهم يُبيّنُه ما يُضافُ إليه، وأنها خمسة أنواع: استفهاميّةٌ، نحو: أي الأعمال أفضلُ؟ والباقي قد ذكرناه. قوله: " الصلاة في أول وقتها " أي: أداء الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال؛ وذكر " أوّل " هاهنا لأجل الحثّ والتحضيض، والتأكيد على

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الوقت الأوّل من الفضل (170) (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5361) . (3) المصدر السابق (23/4811) . (4) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/484) ، أسد الغابة (7/376) ، الإصابة (4/483) .

إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يُؤديها في أوّله؛ بل الذي يُسفِر بالصُّبح أو يبرِد بالظهر في الصَيف أفضلُ من الذي يؤديها في أوّل الوَقت. فإن قيل: كيف التوفيقُ بَين هذا الحديث وبَين قوله- عليه السلام- حين سُئل: " أفي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله "؟ قلت: دلت القرينة على أن المراد من قوله: أيُّ الأعمال أفضل أعمال الإيمان؟ أي: أي أعمال الإيمان أفضل؟ قال: الصلاة، وعلى أن المراد من الحديث الثاني: أيُ الأعمال التي يدخل بها الرجل في ملة الإسلام؟ قال: " إيمان بالله " أي: التصديق بقلبه، والإقرار بلسانه (1) ، فعلى هذا يكون الصلاة لوقتها أفضل الأعمال بَعد الإيمان؛ لأن الإيمان أصل كل عبادة، ولا اعتبار لجميع العبادات إلا بالإيمان. وأما الأحاديث التي جعل في بعضها الجهاد أفضل الأعمال، وفي بعضها: الحج، وفي بعضها: بر الوالدين، وفي بعضها: إطعام الطعام ونحو ذلك فالتوفيق فيها: أنه لا يُرادُ أن كل واحد منها خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص؛ بل في حال دون حال، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، أو يقدر كلمة " مِن " ويكون التقديرُ: من أفضل الأعمال: الجهاد، ومن أفضل الأعمال: الحج، ونحو ذلك فافهم. ص- قال الخزاعي في حديثه: عن عمة له يقال لها: أم فروة قد بايعت النبي- عليه السلام- " أن النبيّ- عليه السلَام- سُئِل ". ش- أي: قال محمد بن عبد الله الخزاعي في روايته الحديث عن عبد الله ابن عمر، عن القاسم بن غنام، عن عمةٍ له يقال لها أتم فروة، والحاصل: أنه أشار به إلى الاختلاف الذي ذكرناه في ترجمة القاسم بن

_ (1) تقدم التعليق على أن الإيمان هو " التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان " عند أول حديث في كتاب الصلاة.

غنام. فإن بعضهم قالوا: روى القاسم، عن عمّته أم فروة أن النبي سُئِل، ومنهم الخزاعي المذكور. وبعضهم قالوا: عن بعض أمهاته، عن أم فروة أن النبي سُئل؛ ومنهم: عبد الله بن مَسلمة المذكور في الحديث. وفِي " مختصر السنن ": وأم فروة هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه، ومن قال فيها: أم فروة الأنصاريّة فقد وهم. وروى الترمذي حديثها هذا وقال: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عُمر العُمري؛ وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا (1) في هذا الحديث، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. 412- ص- نا مسدد: نا يحيى، عنَ إسماعيل بن أبي خالد: نا أبو بكر ابن عُمارة بن رُؤَيبة، عن أبيه: قال: سألَهُ رجلٌ من أهلِ البَصرةِ قال (2) : أخبرني ما سمعتَ من رسول الله؟ قال: سمعت رسولَ اللهِ، يقولُ: " لا يَلِج النارَ رجلٌ صَلَّى قبل طلوع الشمسِ، وقبلَ أن تَغرُبَ " قال: أنت سمعتَه منه؟ - ثلاث مرات- قال: نعم، كل ذلك يقولُ: سَمعَتهُ أذناي، وَوَعَاهُ قَلبِي. قال الرجلُ: وأنَا سَمِعتُه يَقولُ ذلك (3) .

_ (1) في جامع الترمذي (1/323) : " واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو صدوق، وقد تكلم ... ". (2) في سنن أبي داود: " فقال ". (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما 213- (634) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة العصر (1/236) . تنبيه: سقط من نسخة المصنف حديثان، وقد جاءا في سنن أبي داود برقم (429، 430) وهما: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري، حدثنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، حدثنا عمران القطان، حدثنا قتادة وأبان، كلاهما عن خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة " قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. حدثنا حيوة بن شريح المصري، حدثنا بقيهَ، عن ضبارة بن عبد الله بن أبي سليك الألهاني، أخبرني ابن نافع، عن ابن شهاب الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب، إن أبا قتادة بن ربعي، أخبره قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:=

/ش- يحيى: القطان وإسماعيل بن أبي خالد: أبو عبد الله البجلي الأَحمَسي مولاهم الكوفي؛ واسم أبي خالد: هرمز، ويُقال: سَعد، ويُقال: كثير.، رأى سلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك. وسمع: عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث، وأبا كاهل قيس بن عائذ، وأبا جحيفة، ومن التابعين: قيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وأبا بكر بن عمارة بن رُؤَيبة وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عُيَينة، وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى القطان وغيرهم 0 وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو كوفي ثقة، وكان رجلا صالحا. سمع من خمسة (1) من أصحاب النبي- عليه السلام- وكان طحانا، توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وأبو بكر بن عمارة بن رُؤيبة الثقفي البصري. سمع: أباه. روى عنه: عبد الملك بن عُمَير، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق، ومسعر بن كدام. روى له: مُسلم، وأبو داود، والنسائي (3) . وأبوه: عُمارة بن رُؤيبة الثقفي من بني جشم بن قسي- وهو ثقيف- يكنى أبا زُهيرة. رُوِيَ له عن رسول الله تسعة أحاديث. روى له: مسلم حديثين. روى عنه: ابنه أبو بكر بن عمارة، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السَبِيعي. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . قوله: " لا يَلح النارَ " أي: لا يَدخلها، من ولج يلج، أصله: يولج، كيعد أصله: يَوعدُ.

_ - " قال الله تعالى: إني فرضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدا أن من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ". (1) غير واضحة في الأصل، وأثبتناها من تهذيب الكمال. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/439) . (3) المصدر السابق (33/7250) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/20) ، أسد الغابة (4/138) ، الإصابة (2/515) .

9- باب: إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت

قوله: " صلى قبل طلوع الشمس " المراد منه: صلاة الصبح. قوله: " وقبل أن تغرب " أي: وصلى- أيضا- قبل أن تغرب الشمس المراد منه: صلاة العَصر. قوله: " ووَعَاه قَلبي " أي: حفِظه؛ من وعَيتُ الحديثَ أعيه وَعيًا فأنا واع إذا حفِظتَه وفهمتَه، وفلان أوعى من فلان، أي: أحفَظ وأفهمُ. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. وفي رواية اللؤلؤي يُقرأ الحديث الذي قبله بعد هذا الحديث. 9- بَاب: إذا أَخّر الإمامُ الصلاة عَن الوَقت أي: هذا باب في بيان ما إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، والمرادُ من الإمام: الذي يولَى على طائفة من المسلمين، ويُطلق على الإمام الأعظم- أيضا- وهو الخليفة، وكل من يوليه من الحُكام فهو إمام؛ لأن الناس يأتمون به في الصلاة وغيرها. وفي النسخ الصحيحة: " باب في الإمام إذا أخر الصلاة عن الوَقت ". 413- ص- حدثنا مسدد: نا حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن عَبد الله بن الصامت، عن أبرا ذر قال: قال لي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا ذر كيف أنتَ إذا كانت عليكَ أمراء يُميتُون الصلاةَ " - أو قال: " يُؤَخِّرون الصلاةَ؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! فماَ تأمُرُني؟ قال: " صَلِّ الصلاةَ لوقتهَا، فإن أدركتها معهم فَضَلِّه (1) ؛ فَإنها لك نَافَلة " (2) . ش- أبو عمران: اسمُه: عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري،

_ (1) في سنن أبي داود: " فصلها ". (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار 241- (648) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام (176) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها (1256) ، تحفة الأشراف (9/11950) .

أبو عمران الجوني- بفتح الجيم-، وسكون الواو، وبالنون- رأى عمران بن حُصَين. وسمع: أنس بن مالك، وجندب بن عبد الله البجلي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وعبد الله بن الصامت وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمّادان، والحارث بن عبد الله وغيرهم. وعن ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . وعبد الله بن الصامت: البصري الغفاري، ابن أخي أبي ذر الغفاري. سمع: أبا ذر، وعبد الله بن عمر، وَرافع بن عُميرة الطائي. روى عنه: حُميد بن هلال، وأبو عمران الجَوني، وأبو العالية البَراء وغيرهم. قال أبو حاتم: بصري يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخاريّ (2) . قوله: " يُميتون الصلاة " يعني: يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. قوله: " أو قال: يؤخرون الصلاة " شك من الراوي؛ والمراد بتأخيرها عن وقتها المختار؛ لا عن جميع وقتها؛ فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها؛ فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع. هكذا قاله الشيخ محيي الدين (3) ؛ ولكن لفظ " يُميتون الصلاة " ينافي هذا التأويل؛ لأن معنى إماتة الصلاة: أن يُصليها خارج الوقت؛ لأن الصلاة مادامت في وقتها/لا تُوصف بالميتة، وكذا قوله: " ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها " غير مُسلم؛ فإنه نُقل عن كثيرٍ من الخلفاء الفسَقة والسلاطين الظلمة تركُ الصلوات، فضلا عن تأخير صلاة عن وقتها. قوله: " صل الصلاة لوفتها " أي: وقتها المختار المستحب. قوله: " فصَلِّه " الهاء فيه هاء السكتة، وليست بهاء الضمير. قوله: " فإنها لك نافلة " أي: فإن الصلاة التي تدركها وتصليها مَعهم

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3521) . (2) المصدر السابق (15/3339) . (3) شرح صحيح مسلم (15/147) .

بعد أن تُصلِي في وقتها المختار لك نافلةٌ؛ لأن الأولى وقعت فرضَا، فيصير الثاني نفلاَ؛ وهذا مذهب الجمهور في أن الرجل إذا صلى الفرض مرّنين تكون الأولى فرضَا والثانية نفلاَ؛ لأن صريح الحديث يدل على هذا. وعن الشافعي أربعة أقوال، الصحيح: كمذهب الجمهور، والثاني: أن الفرض أكملها، والثالث: كلاهما فرض، والرابع: الفرض أحدهما- على الإبهام- يَحتسب الله بأيهما شاء. ثم الحديث بعمومه يتناول هذا الحكم في جميع الصلوات؛ ولكن يُستثنى منها صلاة الصُّبح والعَصر؛ لورود النهي عن الصلاة بعدهما؛ وهذا عندنا وعند الشافعي في وجه، وفي الصحيح عنده: أنه لا يفرق بين صلاة وصلاة. وأما المغرب: فعندنا ينبغي أن يضم إليه ركعةً رابعةَ؛ لأن التنفل بالبُتَيراء مكروه- كما عُرِف في الفروع. قوله: " نافلة " مرفوع بالابتداء، وخبره: قوله " لك " والجملة خبر " إن ". ويُستفادُ من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن الإمام إذا أخر الصلاة عن وقتها المُستحب يُستحب للمأموم أن يُصليها في وقتها المُستحب منفردا، ثم يصليها معه إن أدرك فيَجمع بين الفضيلتَين، فإن أراد الاقتصار، فالأفضل أن يقتصر على فعلها جماعةَ مادام في الوقت، وقيل: الأفضل: أن يقتصر على فعلها منفردا في الوقت المستحب. الثانية: فيه الحث على موافقة الأمراء في غير مَعصيةٍ؛ لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة. الثالثة: فيه الحث على الصلاة بالجماعة، وأنها أفضل من الانفراد. الرابعة: فيه الحث على رعاية الوقت المُستحب للصلاة. الخامسة: فيه ذمّ مَن أخر الصلاة عَن وقتها. السادسة: فيه شيء من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عن الأمراء الذين يميتون الصلاة، وقد وقع هذا في زمن بني أمية ومَن بعدهم- أيضا- إلى يَومنا هذا.

والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 414- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ: نا الوليد: نا الأوزاعيّ: حدثني حسان، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قَدِمَ علينا معاذُ بنُ جبلٍ اليمنَ رسولُ رسولِ اللهِ- عليه السلام- إلينا قال: فسمعتُ تَكبيرَه مع الفجرِ، رجل أَجشّ الصوتِ، قال: فألقيتُ عليه مَحبَّتي، فما فارقتُه حتى دفنتُه بالشامِ ميتا، ثم نظرتُ إلى افقَه الناسِ بَعدَه، فأتيتُ ابنَ مَسعود، فَلَزِمتُه حتى مَاتَ، فقال: قال لي رسولُ الله: " كيفَ بكم إذا أتَت عليكُمً أمراءُ يُصلُّون الصلاةَ لغير مِيقَاتِهَا؟ " قلتُ: فمَا تأمُرُني إن أدركَنِي ذلك يا رسولَ الله؟ قال: " صَلًّ الصلاةَ لميقاتِهَا، واجعَل صَلاتَكَ معهُم سبحهً " (1) . ش- عبد الرحمن بن إبراهيم: ابن عمرو بن ميمون القرشي، أبو سعيد الدمشقي مولى آل عثمان بن عفان المَعروف بدُحَيم ويقال له: ابن اليتيم، قاضي الأردن وفلسطين. سمع: الوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، ومحمد بن شعيب، وابن عيينة وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعهَ الدمشقي، وحنبل بن إسحاق، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. وقال: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: لا بأس به-، وابن ماجه، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. مات بالرملة سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان ينتحل في الفقه مذهب الأوزاعي (2) . والوليد: ابن مُسلم الدمشقي، وعبد الرحمن: الأوزاعي، وحسان: ابن عطية الشاميّ.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (16/3747) .

وعبد الرحمن بن سابط: ابن أبي حميصة بن عمرو بن أهَيب بن حذافة بن جُمح الجُمحيَ القرشي المكي. روى عن: عباس بن عبد المطلب، ومعاذ بن جبل، وسَعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله/ وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن ميمون الأوَدي. روى عنه: مُوسى بن مُسلم الطحان، وعلقمة بن مرثد، وابن جريج، والليث بن سَعد وغيرهم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: مكي ثقة. وكذا قال ابن معين. مات سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وعمرو بن مَيمون: أبو عبد الله أو أبو يحيى الكوفي الأوَدي من أود بن مُصعب بن سَعد العشِيرة، من مَذحِج، أدرك الجاهلية، ولم يَلق النبيَّ - عليه السلام- وسمع: عمر بن الخطاب، وسَعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، وأبا مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وأبا هريرة، وسلمان بن ربيعة، ومن التابعين: الربيع بن خُثيم (2) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جُبير، والحكم بن عُتَيبة وغيرهم. قال ابن معين: هو ثَقة. مات سنة خمس وسبعين. روى له الجماعة (3) . قوله: " رسولُ رسولِ الله " الرسول الأول مرفوع على أنه صفة لمعاذ، ويحوز أن يكون بدلاً منه، ويحوز أن يُنصب على أنه حال؛ والأول أصح. والرسول الثاني مجرور بالإضافة. قوله: " إلينا " متعلق بالرسُول الأوّل. قوله: " رجل أجش الصوت " ارتفاع رجل على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: هو رجل أجَش الصَوت؛ وهو الذي في صوته جُشة، وهي شدة: الصوت وفيها غنة.

_ (1) المصدر السابق (17/3822) . (2) في الأصل: " خيثم " خطأ. (3) المصدر السابق (22/4458) .

قوله: " ميتا " حال من الضمير المنصوب في " دفنتُه "، وقد ذكرنا أنه دُفِن في شرقي غور بَيسَان سنة ثمان عشرة. قوله: " كيفَ بكم؟ " أي: كيف شأنكم وحالكم؟ وقد استقصينا البحث في " كيف " مرةَ، وأنه اسم، والغالب فيه الاستفهام، والباء في " بكم " زائدة؛ لأنه أتى بها للتوصل حين ترك الضمير المنفصل، وجيء عوضه بالضمير المتصل؛ لأن أصله: كيف أنتم؟ فأنتم: مُبتدأ، وحبرُه: كيف مقدّما، ومعناه: كيف شأنكم؟ - كما قلنا. قوله: " لغَير ميقاتها " أي: في غير وقتها. وهذا يرد قول الشيخ محيى الدين في تفسير الحديث السابق " ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها "، وقد نبهنا عليه هناك. قوله: " سبحة " - بضم السين وسكون الباء- والسبحة: ما يصليه المرء نافلة من الصلوات، ومن ذلك سُبحة الضُحَى، وقال بعضهم: إنما خُضت النافلة بالسُبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التَّسبيح؛ لأن التَّسبيحات في الفرائض نوافل. فقيل: الصلاة النافلة: سُبحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة، وقيل في قوله تعالى: (فَلَولاَ أَنَّهُ كَانَ منَ المُسبِّحِينَ) (1) أي: المُصلَين، وسُفيت الصلاة: سُبحةَ وتسبيحَا؛ لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، ولم يفرق هؤلاء بين فريضة ونافلة؛ والسُّبحة من التَّسبيح كالسُخرة من التَّسخير، تطلق على الذكر وعلىَ صلاة النافلة، وعلى خرَزاتِ يُسَبح بها؛ وأصل التَسبيح: التنزيه؛ ومعنى سبحان الله: التنزيهُ لله. وفيه الفوائد التي ذكرناها في الحديث السابق. 415- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين: نا جريرٌ، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة بن الصامت، عن عبادة ابن الصامت ح ونا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان، المعنى،

_ (1) سورة الصافات: (143) .

عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي، عن ابن امرأة عُبادة بن الصامت، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنها سَتَكُونُ عليكمُ بعدي أمراءُ تَشغَلُهم أشياءُ عن الصلاة لوَقتهَا حتى يَذهبَ وقتُها، فصَلُّوا الصَلاةَ لوفتها " فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهَ أصَلِّي معهُم؟ وقال سُفيان: " وإن أدركَتُ معهم أصلي (1) معهم؟ َ قال: " نعم، إن شئتَ " (2) . ش- محمد بن قدامة بن أعين: ابن المسور، أبو جَعفر، ويُقال: أبو عبد الله الجوهري الهاشمي مولاهم المَصِيصَي، حدّث عن: فضيل بن عياض، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع، وغيرهم. روى عنه: النسائي، وأبو داود، وابنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله ابن محمد البغوي، وغيرهم 0 قال النسائي: لا بأس به، وفي رواية: صالح. وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بشيء/. وقال الدارقطني: ثقة. مات ببغداد سنة سبع وثلاثين ومائتين (3) . وجَرير: ابن عبد الحميد الرازي. ومَنصور: ابن المُعتمر، وهلال بن يَسَاف: أو أسَاف الكوفي. وأبُو المثنى: الحمصي، اسمُه: ضمضم الا. ملوكي. روى عن: عتبة ابن عبد السُّلمي، وكعب الأحبار، وأبي أُبيّ بن أم حرام. روى عنه: صفوان بن عمرو، وهلال بن يَساف. روى له: أبو داود (4) . وابن أخت عبادة: اسمُه: المثنى؛ كذا قال ابن حبان في " الثقات " قال: المثنى ابن أخت عبادة بن الصامت. يروي عن: عبادة.

_ (1) في سنن أبي داود: " أأصلي ". (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها (1257) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 /5554) . (4) المصدر السابق (13/2944) .

ومحمد بن سُليمان الأنباري، وهو ابن أبي داود؛ وقد ذكرناه. وهذا الحديث- كما رأيته- فد رواه أبو داود من طريقين؛ الأول: عن جرير، عن منصور، والثاني: عن سفيان، عن منصور؛ ففي الطريق الأول: عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة، وفي الثاني: عن ابن امرأة عبادة. وكذا رواه أحمد في " مسنده " من طريقين؛ الأول: عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي، عن أبِي أبَي ابن امرأة عبادة. والثاني: عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى، عن ابن امرأة عبادة 0 وفي بعض نسخ أبي داود- أيضا- في طريقه الثاني: " عن أبي المثنى، عن أبي أُبي ابن امرأة عبادة (1) "؛ مثل طريق أحمد الثاني. قوله: " إنها " أي: إن القصة والشأن. قوله: " وقال سفيان " أي: قال سفيان في روايته: قال الرجل: يا رسول الله! إن أدركت معهم، يعنىِ: إن أدركت زمانهم، وحصرت معهم هل أصلي معهم؟ قال- عليه السلام-: نعم إن شئت الصلاة معهم فصَل. ورواه- أيضا- ابن ماجه. 416- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا أبو هاشم: حدثني صالح بن عُبَيد، عن قَبِيصةَ بن وقاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَكُونُ عليكُم أمراءُ من بَعدي يؤخِّرُونَ الصلاةَ، فهيَ لكم وهي علَيهم، فصلُوا معهم ما صَلُّوا القِبلةَ " (2) . ش- أبو هاشم: عمار بن عمارة البصري الزعفراني. روى عن: الحسن، وابن سيرين، وصالح بن عُبيد وغيرهم. روى عنه: أبو الوليد، وروح بن عبادة، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود (3) .

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4168) .

وصالح بن عُبيد. روى عن: قَبيصة بن وقاص، ونابل (1) . روى عنه: أبو هاشم الزعفراني، وعمرو بن الحارث الجُمحي. روى له: أبو داود (2) . وقَبيصة بن وقاص، له صحبة من النبي- عليه السلام-، عداده في أهل البصرة. روى عنه: صالح بن عبيد. روى له: أبو داود. وذكر النمري أن قبيصة هذا سُلمي، سكن البصرة. رُوِيَ عنه حديث واحدٌ لم يُحدث به غير أبى الوليد الطيالسي، وذكر هذا الحديث (3) . قوله: " فهي لكم " أي: الصلاة لكم، بمعنى ثوابها يَحصل لكم. قوله: " وهي عليهم " أي: الصلاة عليهم، بمعنى وزر تأخيرها عليهم. قوله: " مَا صلوا القبلة " يعني: ماداموا يصلون القبلة: والمراد منه: إظهار الطاعة، والامتثال للولاة والحُكام فيما وافق الحق، وإن كانوا جائرين، وجواز الصلاة خلفهم ماداموا على الإسلام. وقد روى الدارقطني بإسناده إلى أبي هريرة: " سَيليكم بعدي ولاةٌ، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فعليهم ". واستفيد من الحديث: جواز الصلاة خلف البر والفاجر. وكان بعض السلف يُصلون في بيوتهم في الوقت ثم يُعيدون معهم؛ وهو مذهب مالك. وعن بعض السلف: لا يعيدون؛ قال النخعي: كان عبد الله يُصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلا، ويرى أن مأثم ذلك عليهم. وروى ابن ماجه (4) بسند صحيح، عن ابن مسعود قال: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

_ (1) في الأصل: " نائل " خطأ، وهو مترجم في تهذيب الكمال (29/6349) . (2) المصدر السابق (13/2826) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/255) ، أسد الغابة (4/384) ، الإصابة (3/223) . (4) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها (1255) ، وأخرجه النسائي في: كتاب الإمامة، باب: الصلاة مع أئمة الجور (2/75) .

10- باب: من نام عن صلاة أو نسيها

" سَتُدركون أقوامًا يُصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة ". 10- باب: مَن نامَ عَن صَلاَة أو نَسيَها أي: هذا باب في بيان حكم مَن نام عن صًلاةٍ أوَ نسِيها. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن نام عن صلاة أو نسيها ". 417- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله- عليه السلام- حين قَفَلَ من غزوة خَيبرَ فسارَ ليلةً، حتى إذا أدركَنَا الَكَرَى عَرَس وقال لبلال: " اكلأ لنا اللَيلَ ". قال: فغلبت بلالا عينَاه وهو مُستندٌ إلى راحلَته، فلم يستيقظ النبيُّ- عليه السلام- ولا بلالٌ ولا أحدٌ من أصَحابه، حتىَ إَذا ضرَبتهُم الشمسُ فكان رسولُ الله أولَّهُم استيقَاظاً، فَفَزِعَ رسولُ الله فقال: " يا بلالُ " (1) قال: اخَذَ بنفسَي الذي أخذَ بنفسكَ بأبي أنتَ وَأمِّي يا رسولَ الله، فاقتَادُوا رَوَاحِلَهم شيئاًَ، ثم تَوضأ لنبيُ- عليه السلام-، وأمرَ بلالاً فأقامَ لهم الصلاة، وصلى لهم الصُّبحَ، فلما قَضى الصلاة قال: " من نَسيَ صَلاةً فليُصلِّها إذا ذَكَرَها؛ فإن اللهَ عز وجل قال: (أقم الصَّلاَةَ لِلذَكرَى) (2) . ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري، وعبد الله: ابن وهب، ويونس: ابن يزيد، وابن شهاب: الزهري/، وسعيد: ابن المُسيب. قوله: " حين قَفل " أي: حين رجع؛ والقفولُ: الرجوع، ولا يقال

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال ". (2) سورة طه: (14) ، وهي قراءة شاذة من غير القراءات السبع المتواترة، وانظر: تعليق المصنف، والحديث أخرجه مسلم في: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها (680/ 309) ، وابن ماجه في: كتاب الصلاة، باب: من نام عن الصلاة أو نسيها (697) .

ذلك في ابتداء السفر، وربما سمّيت الرفقة قافلة تفاؤلا لها بالسلامة، ويقال: قد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يستعمل في الرجوع، ويقال (1) من غزوة خيبر، ويُقال: غزوة حُنين- بالحاء المهملة والنون- قاله الأصيلي، والصحيح: أنه غزوة خَيبر بالخاء المعجمة، وهكذا هو في " صحيح مسلم ". قوله: " إذا أدركَنا الكَرَى " بفتح الراء والكاف- والكرى فاعله وهو بفتح الكاف: النُّعاس. وقيل: النوم. يُقال: من كرِي الرجلُ يكري كَرا من باب علم يعلم فهو كرِ، وامرأة كرِيَة- بتخفيف الياء-. قوله: " عَرّسَ " " (2) من التعريس، وهو نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة؛ هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد: هو النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار؛ وفي الحديث: " معرّسون في نحر الظهيرة ". قوله: " اكلأ " - بهمزة في آخره- أي: ارقُب لنا الليل واحفظه واحرسه؛ وهو أمر من كلأ يكلأ كِلاءةَ- بكسر الكاف والمدّ- وقد مر مثله مرةَ. قوله: " عيناه " فاعل قوله: " غلبت " و " بلالا " منصوب مفعوله، والواو في قوله: " وهو مستند " واو الحال. قوله: " ففزعَ رسولُ الله " أي: انتبه وقام. يقال: أفزعتُ الرجلَ من نَومه ففزع أي: أنبَهتُه فانتبه، وذكر أهل اللغة أنه يجيء بمعنى خاف، وبمعنى بَادَر، وبمعنى: أغاث، وبمعنى: استغاث؛ وهو بكسر الزاي في الكل، وقالوا في فزع بمعنى أغاث- بالفتح، فافهم. قوله: " أخذ بنفسي " كناية عن النوم؛ بمعنى أنامني الذي أنامك. قوله: " بأبي أنت وأمي " قد ذكرنا مرةَ أن " الباء " فيه متعلقة بمحذوف؛

_ (1) غير واضحة في الإلحاق. (2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/182) .

قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره: أنت مُفدَى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب. أي: فديتك بأبي وأمي، وحُذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال. قوله: " فاقتادوا رواحلهم " أي: قادُوها، فقَادَ واقتادَ بمعنىَ واحد، والرواحل: جمع راحلة؛ وهي الناقة التي تصلح لأن تُرحل؛ وإنما اقتادوها لما ذكره في الرواية الثانية: " تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة (1) "، وفي رواية مسلم: " فإن هذا منزل حصرَنا فيه الشيطانُ ". وفيه دلالة على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور؛ وهو الصحيح؛ ولكن يستحب قضاؤها على الفور. وحكى البغوي وجهاً عن الشافعي أنه على الفور. وأما الفائتة بلا عُذر فالأصح قضاؤها على الفور، وقيل: له التأخير- كما في الأول-. وقال الخطابي (2) : " وقد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله- أي: في قوله: " فاقتادوا رواحلهم شيئَا ثم توضأ النبي- عليه السلام- " - فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس فلا تكون صلاتهم في الوقت المنهي عن الصلاة فيه- وذلك أول ما تَبزغ الشمسُ- قالوا: والفوائت لا تُقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ". قلت: هذا مذهب أبي حنيفة؛ ولكن قوله: " حتى إذا ضربتهم الشمس، يدل على أن الشمس قد ارتفعت كثيرا، فكيف يكون انتقالهم من ذلك المنزل لارتفاع الشمس؟ ثم الصلاة لا تجوز عند طلوع الشمس مطلقا سواء كانت فرضَا أو نفلا، أو وتراَ (3) أو سجدة تلاوة أداء وقضاء. وقيل: يجوز النفل مع الكراهة، وكذا عند غروبها واستوائها؛ للحديث المشهور. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي: تقضى الفوائت في كل وقتِ نهي عن الصلاة فيه أو لم يُنه عنها.

_ (1) يأتي في الحديث الآتي. (2) معالم السن (1/118) . (3) في الأصل: " أو ترا " 21* شرح منن أبي داوود 2

ثم اختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع. قال في الأصل: حتى ترتفع قدر رمح أو رمحن. وقال أبو بكر محمد ابن الفضل: مادام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس، فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح. وقال الفقيه أبو حَفص السَّفكَردري: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تقع في حيطانه، فهي في الًطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وَسطه فقد طلعت وحكت الصلاة. قوله: " فأقام لهم الصلاة " فيه دليل على أن الفائتة يقام لها، وليس لها أذان. وفي حديث أبي قتادة بعده إثبات الأذان للفائتة. فإن قيل: كيف ترك الأذان في هذا الحديث؟ قلنا: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن، فلعله أدّن وأهمله الراوي/أو لم يعلم به. وجواب آخر: يجوز أن يكون تركه في هذه المرة لبيان جواز تركه، وإشارةَ إلى أنه ليس بواجب محتم، ولا سيما في السفر. قوله: " وصلى لهم الصبح " فيه: استحباب الجماعة في الفائتة. قوله: " فليصلها إذا ذكرها " فيه دليل على وجوب قضاء الفائتة سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر. فإن قيل: الحديث مقيد بالنسيان؟ قلت: لخروجه على سَبَب؛ ولأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب: وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وأما قوله- عليه السلام- " فليصلها إذا ذكرها " فمحمول على الاستحباب؛ فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح وقد بيّناه. وقد قال بعض أهل الظاهر: إن الفائتة بغير عذر لا يجب قضاؤها؛ وهذا باطل ". وقال الشيخ محيى الدين- أيضا- " وفيه دليل لقضاء السنن الراتبة ". قلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن قوله: " من نسي صلاةً " صلاة الفرض بدلالة القرينة.

_ (1) شرح صحيح مسلم (5/183) .

قوله: " أقم الصلاة للذكرَى " - بكسر الذال وسكون الكاف وفتح الراء- وهي فعلَى مَصدر من ذكر يذكُر، وهكذا قرأ ابن شهاب لما نُبينه إن شاء الله تعَالى. وأما القراءة المشهورة: " لذكري " - بكسر الراء وياء الإضافة، والمعنى: لأوقات ذكري؛ وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي، وقيل: لأن أذكرك بالثناء، أو لذكري خاصةَ لا تراءي بها، ولا تسويها بذكر غيري. وقيل: لذكري لأني ذكرتها في الكتب وأمرتُ بها. " (1) فإن قيل: قد رُوِيَ عن النبي- عليه السلام- أنه قال: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " فكيف ذهب عنه الوقت ولم يشعُر به؟ قلنا: الجواب عنه: أن ذلك خاص في أمر الحدث؛ لأن النائم قد يكون منه الحدث وهو لا يشعر به، وليس كذلك رسول الله؛ فإن قلبه لا ينام حتى لا يشعر بالحدث إذا كان منه. وجواب آخرُ: أن ذلك من أجل أنه يوحى إليه في منامه، فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما معرفة الوقت وإثبات رؤية الشمس طالعة، فإن ذلك إنما يكون دركه ببصر العين دون القلب؛ فليس فيه مخالفة للحديث الآخر " فافهم. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه. ص- قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. قال أحمد: قال عنبسةُ- يعني: عن يونس في هذا الحديث: للذكرى (2) . قال أحمد: الكَرَى: النعاسُ. ش- أي: قال يونس بن يزيد الأيلي: وكان ابن شهاب الزهري يقرؤها أي: يقرأ " الذكرى " كذلك أي: كما في الرواية على وزن فعلى مصدرًا، كما ذكرناه. قوله: " قال أحمد " أي: أحمد بن صالح: قال عنبسة: ابن خالد بن يزيد الأيلي، عن يونس الأيلي. 418- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا أبان: نا معمر، عن الزهري،

_ (1) انظر معالم السنن (1/119) . (2) في سنن أبي داود: " لذكري ".

عنِ سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في هذا الخبر قال: فقال رسول الله: " تَحولوا عن مكَانكُم الذي أصَابَتكم فيه الغَفلَةُ ". قال: فأمَر بلالا فأذنَ وأقامَ َ (1) وصلى. ش- أبان: ابن يزيد العطار، ومَعمر: ابن راشد. قو له: " تحولوا " أي: انتقلوا. قوله: " الغفلة " أي: النسيان. وهذه الرواية فيها الأذان. وقد ذكرنا وجه تركه في الرواية الأولى. ص- قال أبو داود: رواه مالك، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرزاق، عن معمر، وابن إسحاق، لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا، ولم يُسنده منهم أحدٌ إلا الأوزاعيّ وأبان العَطار، عن معمر. ش- أي: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وابن عُيينة، وعبد الرحمن الأوزاعي، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، ومحمد بن إسحاق. وقد اختلفوا في الفوائت هل يؤذن لها أم لا؟ فقال أبو حنيفة: أذن للأولى وأقام وكان مخيرا في الباقي إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة. وبه قال أحمد. واختلف قول الشافعي في ذلك؛ فأظهر أقاويله: أن يُقام للفوائت ولا يؤذن لها. والأصح ما قال أبو حنيفة لرواية أبي هريرة. وروى هذا الحديث- أيضا- هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين/فذكر فيه الأذان (3) . ورواه أبو قتادة الأنصاري، عن النبي- عليه السلام-، فذكر الأذان والإقامة (4) ؛ والزيادات إذا صحت مقبولة، والعمل بها واجبٌ ".

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر معالم السنن (1/119) (3) يأتي بعد ستة أحاديث. (4) يأتي بعد حديث، وله روايات، ويأتي بعد سبعة أحاديث ذكر الأذان والإقامة من حديث عمرو بن أمية الضمري، وذي مخبر الحبشي.

419- ص- نا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاريّ قال: نا أبو قتادة، أن النبيَّ- عليه السلام- كان في سَفر له، فمالَ رسولُ الله وملتُ معه. فقالَ: " انظُر " فقلتُ: هذا راكب هًذانِ راكبان، هؤلاء ثَلاثة، حتى صرنا سبعة فقال: " احفظُوا عَلينا صلاتَنا " - يعني: صَلاةَ الفجرِ- فضُرٍبَ عَلى آذانهم، فما أيقَظَهُم إلا حر الشمسِ، فقامُوا فساروا هَنيّةً، ثم نَزلُوا فتوضأوَا، وأذن بلال، فصلُّوا ركعَتي الفجرِ، ثم صلُوا الفجرَ ورَكبوا وقال (1) بعضُهم لبَعض: قد فرَّطنَا في صلاتنَا، فقال رسولُ اللهِ: " إَنه لا تفريطَ في النوم: إنما التفريطُ في اليقظَة؛ َ فإذا سَهَى أحدُكُم عن صلاة فليُصَلِّهَا حين يَذكُرُها، ومن الغد للوقتِ (2) .ً ش- حماد: ابن سلمة. وعبد الله بن رَباح- بفتح الراء والباء الموحدة- أبو خالد الأنصاريّ المدني. روى عن: أبيّ بن كعب. وسمِع: أبا قتادة الأنصاري، وأبا هريرة، وعمران بن الحُصَين، وابن عمرو، وعائشة. روى عنه: ثابت البناني، وقتادة، وأبو عمران الجَوني، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: بصريّ ثقة، قتل في ولاية زياد. روى له الجماعة إلا البخاريّ (3) . وأبو قتادة: الحارث بن ربعي السَّلمي المدني. قوله: " فمال " أي: عَرج عن الطريق. قوله: " فضُرب على آذانهم " " (4) كلمة فصيحة من كلام العرب معناه: إنه حُجب الصَّوت والحسّ عن أن تلجأ آذانهم فينتبهوا؛ ومن هذا: قوده تعالى: (فَضَرَب عَلَى آذانهم في الكَهف سنين عَددًا) (5) فكأنها قد ضُرب عليها حجابٌ ".

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال " 0 (2) مسلم: كتاب المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة ... (683 /313) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد (1/ 295) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: من نام عن الصلاة أو نسيها (698) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3257) . (4) انظر: معالم السنن (1/120) . (5) سورة الكهف: (11) .

قوله: " هُنَيةً " أي: قليلا من الزمان؛ وهي تصغير هنة، ويقال: هُنَيهة - أيضا-؛ وانتصابها على أنها صفة لمصدر محذوف أي: ساروا سيرًا هُنَيةً. قوله: " فصلوا ركعتي الفجر " المراد بها: سُنَّة الفجر؛ وبهذا استدل أصحابنا أن سُنَّة الفجر إذا فاتت مع الفرض تُقضى بعد طلوع الشمس مع الفرض، وأما إذا فاتت السُّنَّة وحدها فلا تقضى؛ خلافا لمحمد؛ فإنه يقيسها على ما إذا فاتت مع الفرض. ولهما: أن الأصل في السنن أن لا تقضى؛ ولكن سُنة الفجر إذا فاتت مع الفرض خُصت بهذا الحديث. قوله: " قد فرطنا " أي: قصرنا. قوله: " لا تفريط في النوم " أي: لا تقصير فيه؛ لأن النائم ليس بمكلف. فإن قيل: إذا أتلف النائم برجله أو بيده أو غير ذلك من أعضائه شيئا يجب ضمانه، قلنا: غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، حتى لو أتلف الصبي أو المجنون شيئا يجب ضمانه من مالهما. قوله: " إنما التفريط في اليقظة " لوجود التقصير منه من غير عذر. قوله: " فليصلها حين يذكرها " أي: حين يذكر تلك الصلاة؛ وقد ذكرنا أن هذا القيد ليس للوجوب، حتى لو صلاها بعد ذلك يجوز ولا يأثم. قوله: " ومن الغد للوقت " أي: وليصل- أيضا- من الغد في الوقت، فطاهر هذا الكلام: أن الفائتة يُصليها مرة حين ذكرها، ومرةً من الغد في وقتها؛ بدليل قوله في الرواية الأُخرى: " فليقض معها مثلها (1) "؛ ولكن هذا ليس بمراد، ولا هو قول أحدٍ، ولذلك قال الخطابي (2) : " فلا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها وجوبًا، ويُشبهُ أن يكون الأمر به استحبابًا، لتُحرز (3) فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة

_ (1) يأتي في الحديث الأتي. (2) معالم السنن (1/ 120) (3) في معالم السنن " ليحرز ".

الوقت ". ويقال: يحتمل أن يكون- عليه السلام- لم يرد إعادة الصلاة المنسية حتى يصليها مرتين، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر، فإنها باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر، لئلا يطن ظانّ أن وقتها قد تغير. قلت: قوله: " فليقض معها مثلها " يدفع هذا الاحتمال، ويَعضد ما قلناه. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وأخرج النسائي، وابن ماجه طرفا منه. 420- ص- نا علي بن نصر: نا وهب بن جرير: نا الأسود بن شيبان: نا خالد بن سُمَيرِ قال: قَدِمَ عَلَينا عبدُ الله بن ربَاحِ الأنصاريُّ من المدينةِ - وكانت الأنصارُ/تفقهه- فحدَثنا قال: حَدثَّني أبو قتادةَ الأنصاريّ- فارسُ رسولِ الله- قال: بَعَثَ رسولُ الله جيشَ الأمراء بهذه القصة قال: فلم يُوقظنَا إلا الَشمسُ طالعةَ، فقُمنَا وَهِلِين لصلاتنَا، َ فقال النبيُ- عليه السلام-: " رُوَيدًا رُوَيدَا " حتى إذا تعالَت اَلَشمسُ قالَ رسولُ اللهِ: " مَن كان منكُم يركعُ ركعتي الفجرِ فليركَعهُما " فَقامَ من كان يركعُهُما ومن لم يكن يركعُهُما فركَعَهُما، ثم أمر رسولُ اللهِ أن ينادَى بالصلاةِ، فنُوديَ بها، فقام رسولُ اللهِ فصلَى بنا، فلما انصرفَ قال: " ألاَ إِنَا نحمَدُ اللهَ أنا لم نكن في شَيء من أمورِ الدنيا تشغَلُنَا عن صلاتنا؛ ولكن أروَاحُنا كانت بيد الله، فأرسَلَها أنَّى شَاءَ، فمَن أدركَ منكُم صَلاةَ الغَدَاة من غَد صالحَا، فلَيَقضَ معها مِثلَهَا " (1) .ً ش- علي بن نصر: ابن علي بن نصر بن علي بن صهبان بن أبي، أبو الحسن الأزدي الجَهضمي البصري الصغير، روى عن: وهب بن جرير، وأبي داود الطيالسي، وعبد الله بن داود. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة. مات سنة خمسين ومائتين في شعبان (2) .

_ (1) النسائي في الكبرى، كتاب: المناقب 34/ 1. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4144) .

والأسود بن شيبان: السَدُوسي، أبو شيبان البصري، مَولى أنس بن مالك. روى عن: الحسن، ويزيد بن عبد الله، وموسى بن أنس، وخالد بن سُمَير وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ووهب بن جرير وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وخالد بن سُمَير: السَّدُوسي البصري. روى عَن: عبد الله بن عُمر ابن الخطاب. وسمع: أنس بن مالك، وبشير بن نهيك، وعبد الله بن رباح الأنصاري. روى عنه: الأسود بن شيبان. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " قَدِمَ علينا " أي: في البصرة. قوله: " تُفَقِّهه " - بالتشديد- أي: كانت الأنصار يَنسبُونه إلى الفقه، ويجعلونه فقيها بينهم. قوله: " بهذه القصّة " أي: حدث بهذه القصة؛ والمعنى: أنه ذكر هذه القصة، ثم قال. " فلم يوقظنا إلا الشمسُ " وارتفاع الشمس بقوله: " لم يوقظنا " و " طالعة " نصب على الحال من " الشمس ". قوله: " وَهِلين " أي: فزعين، جمع وَهِل- بفتح الواو وكسر الهاء- صفة مشبهة من وَهِل يُوهَل إذَا فزع لشيء يُصيبُه؛ وهو نصب على الحال من الضمير الَّذي في قوله: " فقمنا ". توله: " رويدًا رويدًا " اعلم أن " رُوَيدَ " من أسماء الأفعال؛ ومعناه: امهل وتأنّ وهو تصغير " رَود " يقال: أروَدَ به إروادًا أي: رَفقَ، ويقال: رُويدَ زيد، ورويدك زيدا، وهي فيه مصدر مضاف، وقد يكون صفةً نحو: سارُوا سيرا رويدًا، وحالاَ نحو: ساروا رويدا، أي: مُرودين؛ وهو في هذه المواضع مُعرب، ويُبنى إذا كان اسما للفعل. وأما هاهنا:

_ (1) المصدر السابق (3/502) . (2) المصدر السابق (8/1620) .

فإنه وقع صفة، والمعنى: امهلوا امهالا رُويدًا، فلِذلك أُعرِبَ. وأمّا التكرير فللتقرير والتأكيد. فوله: " حتى إذا تعالت الشمسُ " يُريد استعلالها في السماء وارتفاعَها.، إن كانت الرواية هكذا، وهو في سائر الروايات: " تعالت " ووزنه: تفاعلت من العُلُو بمعنى: ارتفعت وظهرت. قوله: " من كان منكم يركع ركعتي الفجر " أي: من كان منكم يُصلّي سُنَّة الفجر فليركعهما: فليصليها أطلق الركوع على الصلاة من إطلاق الجزء على الكل؛ وفي هذا الأمر دليل على أن قوله عليه السلام: " فليصلها إذا ذكرها " ليس على معنى تضييق الوقت وحَصره بزمان الذكر، حتى لا يَعدُوه بعَينه؛ ولكنه على أن يأتي بها على حسب الإمكان، بشرط أن لا يُغفِلها، ولا يتشاغل عنها بغيرها. قوله: " أن يُنادَى " - بفتح الدال- والنداء بالصلاة: الأذان. قوله: " ألا إنا نحمد الله " ألا- بفتح الهمزة والتخفيف- وهي للتنبيه هاهنا، فيدل على تحقق ما بَعدها؛ ويدخل على الجملتين نحو (ألا إنَّهُم هُمُ السُّفَهَاءُ) (1) ، (ألاَ يَومَ يأتيهِم لَيسَ مَصروفًا عَنهُم) (2) ويستفادُ /منها معنى التحقيق من جهة كوَنها مركبةً من " الهمزة " و " لاَ "؛ وهمزةُ الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادَت التحقيق نحو (أليس ذَلكَ بقَادر عَلَى أن يُحييَ المَوتَى) (3) . وقال الزمخشري: ولهذا لا تكادُ تَقعُ اَلجمعة بعدها إلاَ مُصَدّرة بنحو ما يُتلقّى به القسمُ نحو (ألا إِنَّ أوليَاءَ اللهِ) (4) وهاهنا كذلك وقع بعدها قوله: " إنا نحمد الله " بكسر الهمزةَ. قوله: " أنا لم نكن " - بفتح الهمزة؛ والمعنى: نحمدُ الله على أنا لم نكن، وهو في الواقع بمَعنى المصدر، والتقدير: نحمدُ الله على عدم كوننا في شيء من أمور الدنيا.

_ (1) سورة البقرة: (13) . (2) سورة هود: (8) . (3) سورة القيامة: (40) . (4) سورة يونس: (62) .

قوله: " تشغلنا " صفة للأمور. قوله: " ولكن أرواحنا " بسكون النون، وضم الحاء؛ وهي كلمة استدراك، وهو أن يُنسب لما بعدها حكم مُخالف لحكم ما قبلها، والمُشدّدة تنصب الاسم وترفع الخبر، والمخففة لا تعمل شيئاًَ؛ بل هي حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك. والأرواح: جمع رُوح؛ وهو يُذكر ويؤنث؛ وهو جوهر لطيف نُوراني يكدرهُ الغذاء والأشياء الردية الدنية، مُدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرفٌ فيه، غني عن الاغتذاء، بريء عن التحلل والنماء؛ ولهذا يبقى بعد فنَاء البدن؛ إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العُنصر؛ بل من عالم الملكوت؛ فمن شأنه أن لا يضره خللُ البدن، ويلتذ بما يلائمُه، ويتألم بما يُنافيه؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: (وَلا تَحسَبَنَ الَّذينَ قُتلُوا فِي سَبيلِ الله أموَاتًا بَل أحيَاء) الآية (1) ، وقوله- عليه السلام-َ: " إَذا وُضع اَلميت عَلى نعشه رفرف روحه فوق نعشه ويقول: يا أهلي ويا ولدي ". فإن قيل: كيف تفسر الروح وقد قال تعالى: (قُلِ الرُوحُ مِن أمرِ رَبي) (2) ؟ قلت: مَعناه في الإبداعات الكائنة بكُن من غير مادة:، وتولد من أصلٍ، على أن السؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره. وأيضاً: إن أمر الروح كان مُبهما في التوراة فقالت اليهود: نسأله عن أصحاب الكهف (3) وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيّ؛ فبَيّن لهم القِصتين، وأبهم الرُوحَ حتى لا يطعنوا في نُبوّته، وأشار تعالى بقوله: (وَمَا أوتِيتُم مّنَ العلم إلاَّ قَليلاً) (4) إلى أن الروح لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تمَيّزُه عمَا يَلَتبسُ، فلذلك اقتصر

_ (1) سورة آل عمران: (169) . (2) سورة الإسراء: (85) . (3) في الأصل: " الكفهف ". (4) سورة الإسراء: (85) .

على هذا الجواب بقوله: (قُل الرُّوحُ مِن أمرِ ربِّي) كما اقتصر مُوسى في جواب (وَمَا رَبُّ العَالَمينَ) (1) بذكر بعض صفاته؛ على أن المفسرين قد اختلفوا في الروح فيَ الآية؛ فعن ابن عباس: إنه جبريل، وعنه: جندٌ من جنود الله، لهم أيدي وأرجل يأكلون الطعام، وعن الحسن: القراَن، وعن علي: ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، يُسبح الله بجميع ذلك، فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكًا، وقيل: عيسى- عليه السلام-، وعن عطية: روح الحيوان، وهو للآدميين والملائكة والشياطين. قوله: " فأرسلها أنى شَاءَ " أي: متى شاء. واعلم أنَّ " أنى " تجيء بمعنى " كيف "، وبمعنى " متى "، وبمعنى الاستفهام، وبمعنى الشرط نحو: (فَأتُوا حَرثَكُم أنى شِئتُم) (2) وأنَى القتال؟ و (أنَّى لَك هَذَا) (3) وأنى تخرج أخرج. ثم إن الله تعالى أخبر في قوله: (اللهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ (4) حينَ مَوتهَا) الآية (5) ، أنه يتوفى نفس النائم عند المنام، ثم يُرسلها عنَد اليقظَة، ويتوفى نفس الميّت فيُمسكها عنده. والتوفي هو مثل الاستيفاء، يُقال: توفيت العدد واستوفيته بمعنى واحد. والحاصل في معنى الحديث: أنه- عليه السلام- يُبدي عُذره وعذر أصحابه حين ناموا عن صلاة الصبح بقوله: " لكن أرواحنا كانت بيد الله " يعني: في قدرته وتصرفه (6) ، إن أراد أرسلها إلى الأجساد بعد النوم، وإن أراد يُمسكها عنده، وإذا أرسلها يُرسلها- أيضا- على قدر ما يتعلق به إرادته من الوقت إن أراد يُعجل بالإرسال به وإن أراد يُبطئ

_ (1) سورة الشعراء: (23) . (2) سورة البقرة: (223) . (3) سورة آل عمران: (37) . (4) في الأصل: " الأنس ". (5) سورة الزمر: (42) . (6) بل وصف الله نفسه بأن له يدَا على الحقيقة، قال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) اعتقاد أهل السُنَة والجماعة، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وانظر: العقيدة الواسطية

بالإرسال به، وله القدرة/الكاملة والتصرف في جميع الأشياء، وليس لمخلوق في ذلك اشتراك وقدرة. قوله: " فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا، فليقض معها مثلها " أي: مع صلاة الغداة، وفي رواية: " فليصل معها مثلها " وهذا تصريح- أيضا- أن الفائتة يُصليها مرتين؛ مرةً حين ذكرها، ومَرةً من الغد في وقتها- كما قلنا في الحديث المتقدم، وجوابُه ما ذكرنا. و" (1) قال البيهقي في كتاب " المعرفة ": وقد رواه خالد بن سُمَير، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وفيه: فقال النبي- عليه السلام-: " فمن أدركته هذه الصلاة من غد فليُصل معها مثلها " هكذا أخرجه أبو داود في " سننه " ولم يتابع خالداً على هذه الرواية نفسُه (2) ، وإنما اللفظ الصحيح فيه: " فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها " كما رواه مسلم؛ ولكن حمله خالد على الوهم، وفي " الإمام ": الوهم فيه للراوي، عن خالد، وهو: الأسود بن شيبان ". 421- ص- نا عَمرو بن عون: أنا خالد، عن حصين، عن ابن أبي قتادة عن أبي قتادة في هذا الخبر قال: فقال: " إن اللهَ تبارك وتعالى قَبَضَ أرواحَكُم حيثُ شَاءَ، ورها حيثُ شَاءَ، قُم فأذِّن بالصلاة " فقَامُوا فَتَطَهَرُوا، حتى إذا ارتفعتِ الشمسُ، قامَ النبيُّ- عليه السلام- فصلًّى بالناسِ (3) . ش- عمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد الله الواسطي الطحان، وحُصَين بن عبد الرحمن (4) الكوفي. واسم ابن أبي قتادة: عبدُ الله بن الحارث بن ربعي؛ وقد ذكرناه.

_ (1) انظر: نصب الراية (2/158) . (2) في نصب الراية: ولم يتابع خالد على هذه الرواية معه " (3) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت (595) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الجماعة للفالت من الصلاة (2/106) . (4) في الأصل: " حصين بن خالد الرحمن ".

قوله: " قال: فقال " أي: قال أبو قتادة: قال النبي- عليه السلام-. قوله: " تبارك وتعالى " معنى تبارك: تكاثر خيرُه؛ من البركة وهي كثرة الخير، أو نزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله؛ فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وقيل: دام؛ من بروك الطائر على الماء، ومنه: البركة لدوام الماء فيها، وهو لا ينصرف فيه ولا يُستعمل إلا لله تعالى. ومعنى " تعالى ": عَظُم شأنه؛ من العُلُو، وقيل: جَلّ عن إفك المفترين، وعلا شأنه، وقيل: جلّ عن كل وصف وثناءٍ. قوله: " حَيث شاء " اعلم أن " حيث " للمكان اتفاقا، قال الأخفش: وقد ترد للزمان؛ وهاهنا بمعنى الزمان، والغالبُ كونها في محل نصب على الظرفية، أو خفض بـ " من "، ولغة طيّء: " حَوثُ " بالواو موضع الياء. ويجوز بالضم والفتح فيهما، وحكى الكسائي: " حيثِ " - بالكسرِ، وقد يجيء للتقليل، وإذا اتصل به " ما " يصير للمحازاة. قوله: " فتطهروا " التطهر أعم من الوضوء والاغتسال. 422- ص- نا هناد: نا عَبثر، عن حُصَين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- بمعناه قال: فتَوضئوا حين ارتَفَعت الشمسُ، فَصلَى بِهِم (1) . ش- هناد: ابن السري الكوفي. وعَبثر: ابن القاسم، أبو زُبيد الزُّبَيدي الكوفي. روى عن: أبي إسحاق الشيباني، والأعمش، وحُصَين بن عبد الرحمن، والثوري وغيرهم. روى عنه: عمرو بن عون، ويحيى بن اَدم، وعبد الله الأشجعي وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثمان وسبعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وعَبثر: بفتح العين المهملة، وسكون الباء، وفتح الثاء المثلثة.

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3150) .

قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. وأخرج البخاري والنسائي طرفًا منه. 423- ص- نا العباس العنبري: نا سليمان بن داود: نا سليمان- يعني: ابن المغيرة-، عن ثابت، عن عبد الله بن رباع، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لَيسَ في (1) النوم تفريط؛ إنما التفريطُ في اليَقَظةِ: أن تُؤَخر صَلاةَ حتى يَدخُلَ وقتُ أخرى (2) . ش- العباس: ابن عبد العظيم العنبري البصري، وسليمان بن داود الطيالسي البصري. وسليمان: ابن المغيرة، أبو سعيد القَيسي البصري. سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، وثابتًا البناني، وحميد بن هلال، وسعيد بن إياس الجريري. روى عنه: الثوري، وشعبة، وأبو داود الطيالسي وغيرهم. قال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت. روى له الجماعة؛ روى له البخاري حديثا واحدًا (3) . قو له: " تفريط " أي: تقصير. قوله: " في اليقَظة " /بفتح القاف؛ وهو اسم من أيقظته من نومه أي: نبهتُه فتيقظ واستيقظ فهو يَقظانُ، والاستيقاظ: الانتباه من النوم؛ وقد غلط التهامي في قوله: " والمنية يقظة ". قوله: " أن تؤخر " - بفتح الهمزة- بدل من قوله: " إنما التفريط "، ويجوز أن يكون التقدير: إنما التفريط بأن تؤخر، و " أن " مصدرية أي:

_ (1) سقطت كلمة " في " من سنن أبي داود. (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها 311- (681) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في النوم عن الصلاة 177، النسائي: كتاب المواقيت، باب: فيمن نام عن صلاة (1/294) . (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (12/2567) .

تأخيرُه صلاةً " حتى يدخل وقت أخرى " أي: صلاة أخرى؛ وذلك بأن تركها عامدا كسلا وتهاونا، حتى دخل وقت صلاة أخرى فإنه ح (1) يكون مُفرَطا فيلام عليه. وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه. 424- ص- نا محمد بن كثير: أنا همامِ، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي- عليه السلام- قال: " مَن نَسي صلاةً فليُصَفَها إذا ذَكَرَها، لا كَفَّارةَ لها إلا ذلكَ " (2) . ش- محمد بن كثير: العَبدي البصري، وهمام: ابن يحيى العَوذي البصري، وقتادة: ابن دعامة. قوله: " لا كفارة لها إلا ذلك " معناه: لا يجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا يلزمه مع ذلك شيء آخرُ مثل كفارة من صدقة ونحوها، وقيل: لا يكفرها إلا قضاؤها، ولا يجوز تركها إلى بدل آخر. وقوله: " ذلك " إشارة إلى القضاء الذي يدل عليه قوله: " فليصلها إذا ذكرها "؛ لأن الصلاة عند الذكر هو القضاء. وفيه دليل على أن أحدا لا يُصلِّي عن أحد؛ وهو حجة على الشافعي. وفيه دليل- أيضا- أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يُجبر الصومُ وغيره، اللهم إلا إذا كانت عليه صلوات فائتة فحضره الموت، فأوصى بالفدية عنها، فإنه يجوز كما بُين في الفروع. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

_ (1) أي: " حينئذ ". (2) البخاري: كتَاب مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة (597) ، مسلم: كتاب المواقيت، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها 314- (684) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل ينسى الصلاة (178) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: فيمن نسي صلاة (1/292) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: من نام عن الصلاة (696) .

425- ص- نا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن، عن عمران بن حُصَين: أن رسولَ الله كان في مَسيرِ له، فنَامُوا عن صَلاة الفَجرِ، فاستيقَظُوا بحرِّ الشمسِ، فارتَفًعُوا قليلاً حَتى استَقَلَتِ الشمسُ، ثم أمر مُؤَذنا فأذَّنَ، وصَلَّى (1) ركعتين قبلَ الفجرِ، ثم أقامَ، ثم صَلَّى الفَجرَ (2) . ش- وهب بن بقية: الواسطي، وخالد: ابن عبد الله الواسطي، ويونس: ابن عُبَيد البصري، والحسن: البصري، وعمران بن الحصين ابن عُبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم أبو هريرة وعمران بن الحصين عام خيبر، رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وثمانون حديثا؛ اتفقا منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة. روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومطرف بن عبد الله، وزرارة بن أوفى، والشعبي، وابن سيرين، والحسن البصري، وجماعة آخرون. روى له الجماعة. توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (3) . قوله: " في مَسير له " المسير: مصدر ميميّ؛ يقال: سار يَسيرُ سَيرا ومَسِيرا وتَسيارًا. قوله: " حتى استقلَّت الشمس " أي: ارتفعت وتعالت. قوله: " وصلى ركعتين " أي: سنة الفجر؛ وفسّره بقوله: " قبل الفجر " أي: الركعتين اللتين تُصليان قبل صلاة الفجر. قوله: " ثم صلى الفجر " أي: صلاة الفجر. وقد أخرج البخاري، ومسلم حديث عمران بن حُصَين مطولا من رواية أبي رجاء العطاردي، عن عمران؛ وليس فيه ذكر الأذان والإقامة. وذكر علي بن المديني، وأبو حاتم الرازي وغيرهما أن الحسن لم يسمع من عمران بن الحصين.

_ (1) في سنن أبي داود: " فصلى ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/22) ، أسد الغابة (4/281) ، الإصابة (3/26) .

قلتُ: رواه أحمد- أيضا- في " مسنده " (1) وابن حبان في " صحيحه " بزيادة فيه، ورواه الحاكم في " المستدرك " (2) وقال: حديث صحيح على ما قدمنا من صحة سماع الحسن من عمران. 426- ص- نا عباس العنبري ح ونا أحمد بن صالح- وهذا لفظ عباس/- أن عبد الله بن يزيد حدثهم، عن حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس، أن كُلَيب بن صبح حدثه (3) أن الزبرِقانَ حدثه، عن عمّه: عمرو ابن أمية الضَمري قال: كُنا مع رسول الله في بَعض أسفاره، فنامَ عن الصبحِ حتى طلعتِ الشمسُ، فاستيقَظَ رسوَلُ الَله فقال: " تَنَحُّوا عن هذا المَكانِ ". قال: ثم أمَرَ بلالا فأذَّنَ، ثم توضئوا، وصًلُّوا رَكعتي الفجرِ، ثم أمرَ بلالا فأقامَ الصلاةَ، فصلّى بهم صَلاةَ الصُّبحِ (4) /. ش- عبد الله بن يزيد: القرشي العَدوي، مولى آل عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المقرئ، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، سكن الأهواز. سمع: كهمس بن الحسن، وحيوة بن شريح، وعبد الله بن لهيعة وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن- دُحَيم-، ونصر بن علي، والبخاري، وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: صدوق. وقال الخليل بن عبد الله: هو ثقة، مات بمكة سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة (5) . وحيوة بن شُريح، أبو زرعة المصري. وعياش بن عباس- بالياء آخر الحروف في الأول وبالباء الموحدة في الثاني- القِتباني المصري. وكليب بن صُبح: الأصبحي المصري. روى عن: عقبة بن عامر

_ (1) (4/441، 444) . (2) (1/274) . (3) في سنن أبي داود: " حدثهم ". (4) تفرد به أبو داود. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3666) . 22* شرح سنن أبي داوود 2

الجهني، والزبرِقان. روى عنه: عياش بن عباس، وجعفر بن ربيعة. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (1) . والزبرقان: ابن عَبد الله بن أمية الضَمري، وعمّه: عمرو بن أميّة: ابن خويلد بن عبد الله الضَّمري. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- عشرون حديثا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث. روى عنه: ابناه: عبد الله، وجَعفر، وابن أخيه: الزبرقان بن عبد الله، له دار بالمدينة وبها مات في زمن معاوية. روى له الجماعة (2) . قوله: " تنحوا عن هذا المكان " قد قلنا: إن انتقالهم عن المكان الذي ناموا فيه إما لأن ترتفع الشمس جدا لتحل الصلاة، وإما لقوله: " فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " وفيه الأذان والإقامة- أيضا- وهو حجة على الشافعي. 427- ص- نا إبراهيم بن الحسن: نا حجاج- يعني: ابن محمد-: ثنا حَرِيز ح ونا عُبَيد بن أبي الوزَر (3) : نا مُبَشّر: نا حَرِيز بن عثمان قال: حدثني يَزيد بن صبح (4) ، عن ذي مخبر الحَبَشِيّ- وكان يخدمُ النبيَّ - عليه السلام- في هذا الخبر قال: فتوضأ- يعني: النبيَّ- عليه السلام- وُضوءًا لم يَلُثَّ منه الترابُ. قال: ثم أمَرَ بلالا فأذَّنَ، ثم قامَ النبيُّ- عليه السلام- فركع ركعتين غيرَ عجل (5) ، ثم قال لبلال: " أقِم الصلاةَ " ثم صلى (6) وهو غَيرُ عجِلٍ (7) .

_ ً (1) المصدر السابق (24/4992) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/497) ، أسد الغابة (4/193) ، الإصابة (2/524) . (3) في سنن أبي داود " الوزير " وكلاهما محكي فيه. (4) كذا، وإنما حكي فيه في تهذيب الكمال " صالح، وصليح، وصبيح " فقط، وسيحكي المصنف بعد قليل فيه " ابن صلح " ووقع في سنن أبي داود " صالح ". (5) في سنن أبي داود: " وهو غير عجل ". (6) في سنن أبي داود: " ثم صلى الفرض ". (7) تفرد به أبو داود.

ش- إبراهيم بن الحسن: العَبشمِي البَصري، وحجاج: ابن محمد الأعور، وحَرِيز: ابن عثمان الحمصي الشامي. وعُبَيد بن أبي الوَزَر، ويُقال: عُبيد الله الحلبي. روى عن: مبشر بن إسماعيل. روى عنه: أبو داود (1) . ومُبشر بن إسماعيل الحلبي الكَلبي. ويزيد (2) بن صبح الأصبحي المصري. روى عن: عقبة بن عامر، وجنادة بن أبي أميّة. وروى عنه: مَعروف بن سويد، والحسن بن ثوبان، وعمرو بن الحارث وغيرهم. روى له: أبو داود. وذ [و] مخبر. وقيل: ذو مخمر: ابن أخي النجاشي، خادم رسول الله، وكان الأوزاعي يأبى في اسمه إلا ذ [و] مخمر- بالميم-، لا يرى غير ذلك. روى عنه: جُبير بن نفير، وخالد بن مَعدان، ويحيى ابن أبي عمرو الشيباني، وأبو حي المؤذن، والعبّاس بن عبد الرحمن، وأبو الزاهريّة حدير بن كُرَيب (3) وعَمرو بن عبد الله الحضرمي. روى له: أبو داود (4) . قوله: " في هذا الخبر " متعلّق بقوله: " حدثني يزيد بن صبح ". وقوله: " وكان يخدمُ النبي " معترض بَينهما. قوله: " لم يَلُث منه الترابُ " - بفتح الياء، وضم اللام- ورفع التراب بمعنى: لم يَتلوث من وضوئه الترابُ، وفي رواية- بضم الياء، وكسر

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3693) . (2) كذا ترجم المصنف لراوٍ آخر، وأما راوي الحديث فهو يزيد بن صبيح الرحبي الحمصي، وهو مترجم في تهذيب الكمال (32/7005) ، وأما الذي ترجمه المصنف فهو يقع في الترجمة التي تليها. (3) في الأصل: " وأبو الزاهرية وحدير " خطأ، وإنما هما واحد. (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/483) ، أسد الغابة (2/178) ، الإصابة (1/481) .

اللام ونَصب التراب- بمعنى: لم يخلط منه الترابَ. وضبط ابن دُحيم بخَطّه عن أحمد بن حَزم: " لم يَلُث " بفتح الياء، وضم اللام، وبالثاء المثلثة؛ من لاث يلوث لوثا من الالتياث وهو الاختلاط؛ وفيه يُرفع الترابُ- أيضا- على الفاعلية. وفي رواية: " لم يَلث " - بفتح الياء وسكون اللام وبالثاء المثلثة- من لثِي يَلثى- بالكسر- يَلثى لَثى أي: نَديَ، وهذا ثوبٌ لَث على فعل إذا ابتلَ من العرق. وفي رواية: " لم يُلث " - بضم الياء- من ألثى يُلثي إلثاء، إفعال من الثلاثي المذكور. وهذا يُشعرُ أن الماء كان قليلا؛ ولا سيَّما إذا كان الوقت حارا، والأرض حارةً. قوله: " غير عجل " نصب على الحال من الضمير الذي في " فركع ". والعجل: بفتح العين وكسر الجيم؛ يُقال: رجل عجل- بكسر الجيم- وعجل- بضم الجيم- وعجول، وعجلان؛ كلها صفات مشبهة معناها: بَيّن العجلة، من عَجِلَ يَعجَلُ من باب علم يعلم. وفيه حجة- أيضا- لأبي حنيفة على الشافعي، فافهم. ص- قال/عن حجاجِ، عن يزيد بن صُلَيح قال: حدثني ذو مخبر- رجل من الحبشة. وقال عُبيد: يَزيد بن صُلح. ش- أي: قال إبراهيم بن الحسن، عن حجاج الأعور: عن يَزيد بن صُلَيح الرَحَبي الحمصي- بضم الصاد وفتح اللام وسكون الياء. وقال عُبيد بن أبي الوزر: يَزيد بن صُلح- بضم الصاد وسكون اللام. وفي " الكمال ": يزيد بن صالح؛ وفي أصل المصنف: " صُليح " - مُصغرا. 428- ص- نا مؤمل بن الفضل: نا الوليد بن [مسلم] ، عن حَريز، عن يزيد بن صُليح، عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي- في هذا الخبر- قال: فأذَنَ وهو غيرُ عَجِلٍ (1) . ش- مؤمل بن الفضل (2) : الحراني، والوليد بن مسلم الدمشقي.

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) في الأصل " المفضل " خطأ.

11- باب: في بناء المسجد

قوله: وهو غير عجل " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " أذّن ". 429- ص- نا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر: نا شعبة، عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت. عبد الله بن مَسعود قال: أقبلنَا معَ رسول اللهَ- عليه السلام- من (1) الحديبية، فقال النبيُّ- عليه السلام-: " مَن يَكلَؤُنَا؟ " فقال بلالٌ: أنا، فَنَامُوا حتى طلعت الشمسُ، فاستيقَظَ النبيُ- عليه السلام- فقال: " افعَلُوا كما كُنتم تَفعلونَ ". قال: ففعَلنَا، قال: " فكذلكَ فافعَلُوا لِمن نَامَ أو نَسِيَ " (2) . ش- محمد: ابن المثنى، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، َ وجامع ابن شداد: المحاربي الكوفي، وعبد الرحمن بن أبي علقمة، ويقال: ابن علقمة الثقفي، قيل: له صُحبة، ذعر في الصحابة، وقال أبو حاتم: ليست له صحبة. قوله: " من الحُدَيبية " وفي بعض النسخ الصحيحة: " زمن الحُديبية " والحُديبيَة: قرية قريبةٌ من مكة؛ سُمّيت ببئر هناك؛ وهي مخففة، وكثير من الحدثين يشدِّدونها. قوله: " مَن يكلؤنا " أي: من يَحرسنا، من كلأ يكلأ كِلاءةً؛ وقد مر مرةً. قوله: " أنا " أي: أنَا كلؤكم. قوله: " كما كنتم تفعلون " من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة. قوله: " فكذلك " أي: مثل ما فعلتم افعلوا " لمن نام عن صلاة أو نسيها " من غيركم؛ بمعنى: مُرُوهُم بذلك أو عَلِّموهُم. وروى البَيهقي بنحوه (3) . *** 11- بَاب: في بناء المَسجد أي: هذا باب في بيان بناء المسجد. وَفي بعض النُّسخ: " باب ما

_ (1) في سنن أبي داود: " زمن "، وهي نسخة كما سيذكر المصنف. (2) النسائي في الكبرى: كتاب السير. (3) أخرجه البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " (ص/109) .

جاء في بناء المَسجد "؛ المَسجد في اللغة: موضع السجود؛ وفي العُرف: البقعة المشهورة. 430- ص-[حدثنا] محمد بن الصباح بن سفيان: أنا سفيان بن عُيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فِزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما أمرت بتَشييد المَسَاجد ". قال ابن عباس: لَتُزخرفُنَّها كما زَخرَفَتِ اليهودُ والنصارى (1) . ش- أبو فزارة: راشد بن كيسان الكوفي. ويزيد بن الأصم؛ واسم الأصم: عَمرو، ويقال: عبد عمرو- بن عُدَس بن مُعاوية بن عبادة، أبو عوف الكوفي، سكن الرقة، وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي- عليه السلام-، وابن خالة ابن عباس، وقيل: إن له رواية عن (2) النبي- عليه السلام-. روى عن: سعد بن أبي وقاص. وسمع: ابن عباس، وأبا هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعوف بن مالك، وخالته: ميمونة، وعائشة، وأم الدرداء، روى عنه: ابنا أخيه: عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله، وميمون بن مهران، وجعفر ابن برقان، وأبو فزارة، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأحمد بن عبد الله: هو ثقة. مات سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . قوله: " بتشييد المساجد " التشييد من شيد يُشيد، رفع البناء وتطويله، ومنه (بُرُوجٍ مشَيََّدة) (4) وهي التي طوّل بناؤها. قوله: " لتزخرفنها " - بضم الفاء وتشديد النون- أي: لَتُزيننّها؛ وأصل الزخرف: الذهب، يُريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامَه إذا موّهه وزيّنه بالباطل؛ والمعنى: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبذلوا، وتركوا العمل

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " من ". (3) انظر ترجمته في: أسد الغابة (5/477) ، الإصابة (3/672) . (4) سورة النساء: (78) .

بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها. وبهذا استدل/أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه. وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد معناه: تركه أولى، ولا يحوز من مال الوقف، ويغرم الذي يُخرجه سواء [كان] ناظرا أو غيره. فإن قيل: ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله؟ قلت: إما إشغال المصلي به، أو إخراج المال في غير وجهه. 431- ص- نا محمد بن عبد الله الخزاعي: نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وقتادة، عن أنس، أن النبي- عليه السلام- قال: " لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَتبَاهَى الناسُ في المَسَاجدِ " (1) . ش- أيوب: السختياني. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي البصري. قوله: " حتى يتباهى " أي: حتى يتفاخر الناس؛ من المباهاة، وهي المفاخرة؛ والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها ويتمارون ويتباهون، ولا يشتغلون بالذكر، وقراءة القرآن والصلاة. والحديث: أخرجه النسائي وابن ماجه. 432- ص- نا رجاء بن المرجَّى: نا أبو همام: نا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبيَّ- عليه السلام- أمَرَهُ أن يَجعلَ مَسجدَ الطَائِفِ حيثُ كان طواغيتهم (2) (3) .

_ (1) النسائي: كتاب المساجد، باب: المباهاة في المساجد (2/31) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: تشييد المساجد (739) . (2) في سنن أبي داود: " طواغيتهم ". (3) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: أين يجوز بناء المساجد (743) .

ش- رجاء بن المرجى- بضم الميم وسكون الراء (1) - بن رافع، أبو محمد أو أبو أحمد الحافظ المروزي. ويقال: السمرقندي، وهو ابن أبي رجاء، سكن بغداد. سمع: شاذان بن عثمان، والنضر بن شميل، والفضل بن دكين وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صدوق، وقال الخطيب: كان ثقةً ثبتًا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به. مات ببغداد غرة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين (2) . وأبو همام: محمد بن محبب- بالحاء المهملة- الدلال البصري، صاحب الرقيق. سمع: الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن سَعد، وسعيد بن السائب وغيرهم. روى عنه: ابن بشائر، وابن المثنى، والبخاريّ، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صالح صدوق ثقة (3) . وسعيد بن السائب الطائفي. روى عن: أبيه، ونوح بن صعصعة. روى عنه: مَعن بن عيسى، ووكيع، وشعيب بن حَرب وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . ومحمد بن عبد الله بن عياض. روى عن: عثمان بن أبي العاص. روى عنه: سعيد بن السائب الطائفي. روى له: أبو داود (5) . وعثمان بن أبي العاص: ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد همام بن أبان، أبو عَبد الله، قدم على النبي- عليه السلام- في وفد ثقيف، واستعمله الني- عليه السلام- على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما-. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- تسعة

_ (1) كذا، والمعروف: بفتح الراء وتشديد الجيم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1897) . (3) المصدر السابق (26/5580) (4) المصدر السابق (10/2280) . (5) المصدر السابق (25/5367) .

أحاديث. روى له: مسلم ثلاثة أحاديث. روى عنه: سعيد بن المسيّب، ونافع بن جبير، وأبو العلاء: يزيد بن عبد الله، والحسن بن أبي الحسن- وقيل: لم يسمع منه. روى له: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " طواغيهم " الطواغي: جمع طاغية، وهي الأصنام، وقيل: بيوت الأصنام، وعليه يحملُ هذا الحديث. والطاغوت: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال، ويكون جمعا وواحداً ومذكرا ومؤنثاً. ومن هذا الحديث أخذت الأمة أنهم أي بلدٍ يفتحونها يحولون كنائسهم مَساجد ومَدارس. والحديث: أخرجه ابن ماجه. 433- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، ومجاهد بن موسى- وهو أتم- قالا: نا يعقوب بن إبراهيم. نا أبي، عن صالح: نا نافع أن عبد الله بن عمر أخبره، أن المسجدَ كان على عهد رسول الله مَبنيا باللَّبِنِ والجَرِيدِ، وعمدة (2) - قال مجاهد:- عُمُدُهُ- خَشَب (3) النخَل، فلم يزد فيه أبو بكرٍ شيئًا، وزاد فيه عُمَرُ، وبِناه على بُنيانه (4) في عهد رسولِ اللهِ باللَّبِنِ والجرِيد، وأعاد عُمُمَه- قال مجاهد: عُمُمَهُ خشبا-، وغيًّرَه عثمانُ فزادَ فيه زيادةً كَثَيرةً، وبَنى جدَارَه بالحجارةِ / المنقُوشَةِ والقصَّة، وجَعل عُمُدَهُ. قال مجاهد: عُمُدُهُ (5) من حجارة منقوشَة، وسقفُهُ بالَسَّاجِ- قال مجاهد: وَسَقفُه: السَاجُ (6) . ش- مجاهد بن موسى: أبو علي الخوارزمي. ويَعقوب بن إبراهيم: ابن سَعد الزهري المدني. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن إبراهيم بن

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/91) ، أسد الغابة (3/579) ، الإصابة (2/460) . (2) كلمة " وعمده " غير موجودة في سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: " عمده من خشب ". (4) في سنن أبي داود: " بنائه ". (5) غير موجود في سنن أبي داود (6) البخاري: كتاب الصلاة، باب: بنيان المسجد (446) .

عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وقد ذكرناهما. وصالح: ابن كيسان المدني. ونافع: مولى عبد الله بن عمر. قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه. قوله: " باللبن " اللبن- بفتح اللام وكسر الباء- جمع لبنة؛ وهي التي يُبتنى بها الجدارُ، ويقال: اللبنة بكسر اللام وسكون الباء. قلتُ: اللبنة: الآجر النَّيء؛ والجريد: الذي يُجردُ عنه الخُوص. قوله: " وعُمُده " العُمُد- بضم العن والميم، وبفتحهما- جمع الكثرة لعَمُود البيت؛ وجمع القلة: أعمدة. قوله: " قال مجاهد " أي: قال مجاهد بن موسى المذكور في روايته: " وعمُده خشبُ النخل "؛ وهي جملة من المُبتدإ والخبر. قوله: " فلم يزد فيه " أي: في مسجد النبي- عليه السلام- يعني: أبو بكر- رضي الله عنه- لم يُغيّر شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد رسول الله. قوله: " وأعاد عمده " أي: عُمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي - عليه السلام-. قوله: " قال مجاهد: عمدَه خشبًا " أي: قال مجاهد في روايته: أعادَ عمده خشبًا، وانتصابُ كل واحد منهما بـ " أعادَ " المقدّر. قوله: " وقال مجاهد: عُمدَه " أي: قال مجاهد في روايته: أعاد عثمان- رضى الله عنه- عمده من حجارة منقوشة؛ وهي جملة من المبتدإ والخبر، وأزال العُمدَ التي كانت من خشبٍ. قوله: " وسَقفَهُ " جملة من الفعل والفاعل والضمير فيه الذي يرجع إلى عثمان والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى المسجد، ومعناه: جَعل سقفه بالساج؛ وهو معطوف على قوله: " وجعَل عمده "، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله " وبنى جدَاره " - هكذا هو في رواية

محمد بن يحيى بن فارس أي: بَنى عثمان سقف المَسجد بالسَّاج، السَاجُ - بالسين المُهملة وبالجيم- ضَربٌ من الشجر. قوله: " قال مجاهد: وسقفه الساج " أي: قال مجاهد بن موسى في روايته: وسقف المسجد: الساج؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر. ص- قال أبو داود: والقَصَّةُ: الجصُّ. ش- القَصّة- بفتح القاف وتشديد الصاد- الجَص والجصّ فارسي مُعرّب؛ وفيه لغتان: فتح الجيم وكسرها- وقيل: القصة شيء يشبه الجص وليس به، وقيل: القصة: الجير، فإذا خلط بالنورة، فهو الجيار، وقيل: الجيار: النورة وَحدها. 434- ص- نا محمد بن حاتم: نا عُبيدُ الله بن موسى، عن شيبان، عن فِراس، عن عَطية، عن ابن عمر، أن مَسجد النبيِّ- عليه السلام- كانت سَوَارِيه على عهدِ النبيِّ- عليه السلام- من جُذُوع النخلِ، أعلاهُ مُظلَّلٌ بجريدَ النخلِ، ثم إنها نَخِرت في خلافة أَبي بكرٍ فبناها بجُذُوع النخلٍ، وبجريَد النخل، ثم إنها نَخرَت في خلافَة عثمانَ، فبناها بالآجر فلم تَزل ثابتةً حتىَ الآن (1) . ش- محمد بن حاتم: ابن بزيع البصري. وعُبيد الله بن موسى: ابن باذام الكوفي. وشيبان: ابن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية التميمي المؤدب البصري. روى عن: الحسن البصري، وقتادة، والأعمش، ومنصور وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، ومعاذ بن معاذ، وعبيد الله بن موسى وغيرهم. قال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح الحديث، يكتب حديثه، وعن ابن معين: ثقة. مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة (2) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2784) .

وفراس: ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي. وعَطيّة: ابن سَعد بن جنادة العَوفي، أبو الحسن الكوفي. روى عن: أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وزيد بن أرقم. روى عنه: فِراس بن يحيى، والأعمش، وفُضيل بن مرزوق وغيرهم. وقال أحمد: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: ضعيف، يكتب حديثه. توفي سنة إحدى عشرة ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: " سواريه " جمع سَارية؛ وهي الأسطوانة؛ والجذوع: جمع جِذع- بكسر الجيم. قوله/: " نخرت " من نخر الشيء- بالكسر- إذا بَلي وتفتّت؛ يُقال: عظام نَخرةٌ أي: بَالية. قوله: " بالآجر " بضم الجيم وتشديد الراء؛ وهو فارسي معرّب، وُيقال: أَجُور. قوله. " حتى الآن " معناه: إلى الآن؛ وهو اسم للوقت الذي أنت فيه؛ وهو ظرف غيرُ متمكن، وقع معرفة، ولم يدخل عليه الألف واللام للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشركه؛ وربما فتحوا اللام وحذفوا الهمزة. 435- ص- نا مسدد: نا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك قال: قَدِمَ رسولُ الله المدينةَ، فنزَلَ في عُلُوِّ المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوفٍ، فأقامَ فيهَم أربعةَ (2) عَشَرَ لَيلةً، ثمَ أرسلَ إلى بني النجارِ فَجَاءُوا متقلدين سُيوفهم، فقال أنسٌ: فكأني أنظُرُ إلى رسولِ الله على راحلَتِهِ وأبو بكَرِ رِدفَهُ، ومَلأُ بني النجارِ حَولَهُ حتى ألقى بفناء أبي أيَوبَ، وكاَن رسولُ الله يُصَلِّي حيثُ أدركتهُ الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرَاَبضِ الغَنَم، وأنه أمَرَ ببناءِ المَسجدِ، فأرسلَ إلى بني النجارِ وقال (3) : " يا بَني النجارِ!

_ (1) المصدر السابق (20/3956) . (3) في سنن أبي داود: " فقال ". (2) في سنن أبي داود: " أربع ".

ثَامنُوني بحائِطِكُم هذا " فقالوا: واللهِ لا نَطلُبُ ثمنَه إلا إلى اللهِ تعالى. قال أنسٌ: وكَان فيه ما أقُولُ لكم، كانت فيه قُبورُ المُشرِكينِ، وكانت فيه خَرِبٌ، وكان فيه نَخلٌ، فأمرَ رسولُ الله بقُبُورِ المشركين فنُبِشَت، وبالخَرب فسُوَيت، وبالنخلِ فقُطِع، فصفوا النخلِ قِبلةً للمسجد، وجَعَلُوا عَضادَتَيهِ حِجارةً، وَجَعلُوا يَنقُلُونَ الصخرَ وهم يرتَجِزُون والنبيّ- عليه السلام- معهم وهو يقولُ: اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة ... فانصرِ الأنصارَ والمُهاجرَه (1) ش- عبد الوارث: ابن سعيد العنبري البصري، وأبو التياح: يزيد بن حُمَيد الضُّبَعي. قوله: " قدم رسول الله المدينة " قال الحاكم: تواترت الأخبار بورود النبي- عليه السلام- قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول. وقال محمد بن موسى الخوارزمي: وكان ذلك اليوم: الخميس، الرابع من تيرماه، ومن شهور الروم: العاشر من أيلول سنة سبع مائة وثلاثة وَثلاثين لذي القرنين. قال الخوارزمي: من حين مولده إلى أن أُسري به: أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر، وثمانية وعشرون يومًا، ومنه إلى اليوم الذي هاجر: سنة وشهران ويوم؛ فذلك ثلاثة وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس. وفي " طبقات ابنا سَعد ": أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقالَ: يوم الثلاثاء بقُديد، وقدم على ابن عَمرو بن عَوف للَيلتين (2) خلتا من ربيع الأول، ويُقال: لاثَنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، فنزل

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد (428) ، مسلم: كتاب الساجد ومواضع الصلاة، باب: ابتناء باب مسجد النبي (9/524) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً (701) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: أين يجوز بناء المسجد (742) . (2) في الأصل: " لليتين ".

على كلثوم بن الهِدَم- وهو الثبت عندنا-، ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سَعد بن خيثمة؛ وكان يسمى مَنزل الغُراب؛ فلذلك قيل: نزل على سَعد بن خيثمة. وذكر البرقي أن النبي- عليه السلام- قدم المدينة ليلاً. وفي " شرف المصطفى " للنيسابوري: رُوي عن أبي بكر أنه قال: أتينا المدينة ليلا، النبي- عليه السلام- وأنا معه. وعن جابر: لما قدم النبي- عليه السلام- المدينة نحر جزورًا. قوله: " فنؤل في عُلو المدينة " بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان، وقيل: لا يقال إلا بالكسر؛ وعلو المدينة هي العالية، وكل ما كانت من جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها [من جهة نجد] (1) فهي العالية، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة.. قوله: " في حب " الحيّ- بتشديد الياء- القبيلة؛ وجمعها: أحياء. قوله: " فأقام فيهم " أي: في بني عمرو بن عوف " أربعة عشر ليلةً ". وعن الزهري: أقام فيهم بضع عشرة ليلةَ، وعن عويمر بن ساعدة: لبث فيهم ثمان عشرة ليلة ثم خرج. قوله: " ثم أرسل إلى بني النجار " وبنو النجار هم تيم اللات بن ثعلبة ابن عمر بن الخزرج، والنجار: قبيل كبير من الأنصار، منه بطون وعَمائر (2) وأفخاذ وفصائلُ، واسمه: تيم اللات المذكور سمي بذلك لأنه اختتن بقدوم (3) ، وقيل: بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه. ذكره الكلبي، وأبو عُبيدة. قوله: " متقلدين " /نصب على الحال من الضمير الذي في " فجاءوا ". قوله: " وأبو بكر ردفه " جملة اسمية وقعت حالاً؛ والردف- بكسر الراء، وسكون الدالَ- المُرتدف؛ وهو الذي يركبُ خلف الراكب، وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الوضع الذي يَركبُه: رداف، وكل شيء تبعَ شيئًا فهو رِدفُه.

_ (1) زيادة من معجم البلدان (4/71) . (2) شعبة من القبيلة. (3) كتب فوقها " خف " أي: بالدال المخففة.

قوله: " وملأُ بني النجار حوله " جملة اسمية وقعت حالا- أيضا-؛ المَلأُ: أشراف القوم ورؤساؤهم؛ سموا بذلك لأنهم مَلأ بالرأي والغنى؛ والمَلأ: الجماعة، والجمع: أملاء. قال ابن سيده: وليس الملأ من باب رَهط وإن كانا اسمَين؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل مالئ جليلٌ يملأ العَين بجَهَرته، فهو كالعَزب والزوج، وحكى مَلأته على الأمر أملؤه ومالأته، وكذلك الملأ إنما هم الشارَة، والتجمع: الإمارة، ففارق باب رهط لذلك فالملا على هذا صفة غالبة وما كان هذا الأمر عن ملإ منا أي: عن تشاورِ واجتماع؛ وفي الجامع: الملأ: الجماعة الكثيرة، وقيل: هم الأشراف- كما ذكرنا. قوله: " حتى ألقى بفناء أبي أيوب " يقال: ألقيت الشيء إذا طرحتَه، ومفعول " ألقى " هاهنا محذوف تقديره: ألقى راحلته في فناء أبي أيوب. والفناء- بكسر الفاء- سَعَة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي " المجمل ": فناء الدار: ما امتد من جوانبها. وأبو أيوب: اسمُه: خالد بن زيد الأنصاري، وقد ذكرناه مرة. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ وقصص الأنبياء- عليهم السلام- " أن تبعا- وهو ابن حَسّان- لما قدم مكة- شرفها الله تعالى- قبل مولد النبي- عليه السلام- بألف عامِ، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، فسألهم تُبَّعٌ عن سر ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبيا اسمه محمدٌ هذه دار مُهاجره، فنحن نُقيم لعلّ أن نلقاه، فأراد تُبَعٌ الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا، واشترى له جاريةَ وزوجها منه، وأعطاهم مالا جزيلا، وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارئ النسم في أبيات وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفع إلى محمد- عليه السلام- إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده، وبنى للنبي - عليه السلام- دارَا يَنزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدارَ الملاكُ إلى أن

صارت لأبي أيوب؛ وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفع إليه الكتابُ. قال: وأهل المدينة الذين نصروه- عليه السلاَم- من ولد أولئك العلماء الأربعمائة؛ ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرجَ، ولما خرج النبي - عليه السلام- أرسلوا إليه كتاب " تُبَع " مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما راَه النبي- عليه السلام- قال: " أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع الأول " فبقي أبو ليلى متفكراً، ولم يَعرف النبيَ- عليه السلام-، فقال: مَن أنت؟ فإنى لم أر في وجهك أثر السحر- وتوهم أنه ساحر- فقال: " أنا محمد، هات الكتاب " فلما قرأه قال: " مرحبا بتبَّع الأخ الصالح " - ثلاث مرات. وفي " سير " ابن إسحاق: اسمه: تبان أسعد أبو كرب؛ وهو الذي كسى البيت الحرام. وفي " مُغايص الجوهر في أنساب حمير ": كان يَدين بالزَبور. وفي " معجم الطبراني ": قال- عليه السلام-: " لا تَسبّوا تُبعًا ". وزعم السهيلي أن دار أبي أيوب هذه تصيرت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء من المدينة. قلت: لعل الحكمة في بروك ناقة النبي- عليه السلام- بفناء أبي أيوب ما ذكر من المعنى. قوله: " ويصلي في مرابض الغنم " المرابض: جمع مَربضٍ؛ وهي مأوى الغنم؛ وقد ذكرناه في كتاب الطهارة. قوله: " وإنه أمَر " بكسر الهمزة؛ لأنه كلام مستقل بذاته. قوله: " ببناء المسجد " المسجد- بكسر الجيم وفتحها- الموضع الذي يُسجد فيه، وفي " الصحاح ": المسجد- بفتح الجيم-/موضع السجود، وبكسرها: البيت الذي يُصلَى فيه. ومن العرب مَن يفتح في كلا الوَجهين. وعن الفراء: سمعنا المسجِد والمسجَد، والفتح جائز، وإن لم تسمعه. وفي " المعاني " للزجاج: كل موضع يتعبد فيه: مَسجد.

قوله: " ثامنوني بحائطكم " أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني فيه؛ يُقال: ثامنتُ الرجل في البَيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه، وساومتَه على بَيعه وشرائه. والحائط: البُستان؛ يؤيده: ما ذكر فيه من قوله: وكان فيه نخل. قوله: " إلا إلى الله " أي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وفي " صحيح الإسماعيلي " هكذا: " إلا من الله ". قلت: يحوز أن تكون " إلى " هاهنا على معناها لانتهاء الغاية؛ ويكون التقدير: نُنهِي طلب الثمن إلى الله تعالى، كما في قولهم: أحمد إليك الله؛ والمعنى: أُنهِي حمدَه إليك؛ والمعنى: لا نَطلبُ منك الثمن؛ بل نتبرعُ به، ونطلب الثمن- أي: الأجر- من الله تعالى؛ وهذا هو المشهور في " الصحيحين " - أيضا- وذكر محمد بن سَعد في " الطبقات " عن الواقدي أن النبي- عليه السلام- اشتراه منهم بعشرة دنانير؛ دفعها عنه: أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-. قوله: " وكانت فيه خَرِبٌ " قال أبو الفرجِ: الرواية المعروفة: " خَرِبٌ " - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء- جمع خرِبَة؛ كما يقال: كلمة وكلم. وقال أبو سليمان: وحدثناه الخيام بكسر الخًاء وفتح الراء؛ وهو جمع الخراب؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم؛ وهما لغتان صحيحتان رُوينا. وقال الخطابي: لعل صوابه: " خُرَب " - بضم الخاء- جمع خُربة؛ وهي الخروق في الأرض؛ إلا أنهم يقولونها في كل ثُقبة مستديرة في أرض أو جدار، قال: ولعل الرواية " جِرَف " جمع الجِرَفة؛ وهي جمع الجُرُف؛ كما يقال: خُرج وخُرَجة، وتُرس وتِرَسَة. وأبين من ذلك- إن ساعدته الروايةُ- أن يكون: " حُدبا " جمع " حَدَبَةِ "؛ وهو الذي يَليقُ بقوله فسُويت؛ وإنما يُسوى المكان المُحدودب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدُوم؛ فأما الخِرَبُ فإنها تُعَمَر ولا تُسوى. قال عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى؛ كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخِرب فرفعت رسومها، 23 * شرح سنن أبي داوود 2

وسُوِّيت مواضعها، لتصير جميع الأرض مَبسوط مُستويةً للمصلين، وكذلك فعل بالقبور. وفي " مصنف " ابن أبي شيبة بسند صحيح: " فأمر بالحرث فحُرث "؛ وهو الذي زعم ابن الأثير أنه رُوِيَ بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريدُ الموضع المحروث للزراعة. قوله: " فأمَر رسول الله بقبور المشركين فنُبشَت " إنما أمر بنبشها لأنهم لا حرمة لهم. فإن قيل: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دفن فيه، قد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟ قلت: تلك القبور لم تكن أملاكا لمن دفن فيها؛ بل لعلها غصب، ولذلك باعها مُلاكها، وعلى تقدير التسليم أنها حُبست فهو ليس بلازم، إنما اللازم: تحبيس المسلمين، لا الكفار. وجواب آخرُ: أنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز. فإن قيل: هل يَجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم؛ محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود (1) أن النبي- عليه السلام- قال: " هذا قبر أبي رِغال: وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة فدفن بهذا المكان، وآية ذلك: أنه دفن ومعه غُصنٌ من ذهب " فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغُصن ". قالوا: فإذا جاز نبشُها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء؛ بل هو مأجورٌ في مثل ذلك. وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون، والشافعي، وأشهبُ بهذا الحديث. وقال الأوزاعي لا يفعل؛ لأن رسول الله لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين " فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم، فكيف قبورهم؟. وقال الطحاوي: قد أباح دخولها/على وجه البكاء. فإن قيل: هل يجوز أن تُبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت:

_ (1) كتاب الخراج، باب: نبش القبور العادية يكون فيها المال (3088)

قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفَت، فبنى قوم عليها مسجداً لم أَر بذلك بأسًا؛ وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست واستُغنِيَ عن الدفن (1) فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد- أيضا- وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد؛ فمعناهما على هذا واحدٌ. وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت ودثرت يَعودُ ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكا يجوز أن يُبنى موضع المسجد دار، وموضع المقبرة مسجد، وغير ذلك؛ فإن لم يكن لها أرباب يكون لبيت المال. فإن قيل: هل يدخل من يبني المسجد على مقبرة المسلمين بعد أن عفت ودثرت في معنى لعنة اليهود، لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد؟ قلت: لا؛ لافتراق المعنى؛ وذلك أنه- عليه السلام- أخبر أن اليهود كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بالعبادة، وقد نسخ الله جميع ذلك بالإسلام والتوحيد، ثم في هذا الحديث دليل على أن القبور إذا لم يبق فيها بقية من الميت أو من ترابه جازت الصلاة فيها، وأنها إذا درست يجوز بيعها؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده. قوله: " وبالنخل فقطع " أي: أمر بالنخل فقطع؛ وفيه دليل على [جواز] قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة؛ وأما اليابسة فقطعها جائز مطلقا. قوله: " فصفوا النخل قبلةً للمَسجد " من صففتُ الشيء صفا، وفي " شرح البخاري ": وجعل قبلته إلى القدس وجعل له ثلاثة أبواب: باباَ في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة- وهو الباب الذي يُدعى: باب عاتكة -، والثالث: الذي يدخل منه النبي- عليه السلام- وهو الباب الذي يلي آل عثمان- وجعل طول الجدار قامة، وبُسطه وعمده: الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: " عريش كعريش مُوسى؛

_ (1) في الأصل: " الدين ".

خُشَيبَاتٌ وثمامٌ، الأمرُ أعجل من ذلك " وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك؛ فهو مربع- ويقال: كان أقل من المائة-، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن. وفي " المغازي " لابن بكير، عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن- ويقال: بل من حجارة- منضودة بعضها على بعضٍ. قوله: " وجَعلوا عضادتيه حجارة " العضادة- بكسر العين- هي جانب الباب. وقال صاحب " العين ": أعضاَد كل شيء: ما يشده من حواليه من البناء وغيره؛ مثل عضاد الحوض؛ وهي صفائح من حجارة تُنصَبن على شفيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطبق البابُ إذا اصفِق. وفي " الَتهذيب " للأزهِري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله، فوقهما العارضة. فوله: " وهم يرتجزون " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في " ينقلون " يقال: ارتجزوا وتراجزوا إذا تعاطوا بَينهم الرَجزَ. واختلف العروضيون في الرجز: هل هو شعر أم لا؟ مع اتفاقهم أن الشعر لا يكون شعرا إلا بالقَصد، فإن جرى كلام موزون بغير قصد لا يكون شعرا؛ وعليه يحمل ما جاء عن النبي- عليه السلام- من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القراَن. قال القرطبي: الصحيح في الرجز: أنه من الشعر؛ وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي- عليه السلام- إياه فقال: لو كان شعرا لما عُلِّمه، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعرٍ، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان ذلك كذلك للزم أن يقال للناس كلهم شعراء. وقال السفاقسي: لا يطلق (1) على الرجز شعرا؛ إنما هو كلام مسجع؛ بدليل أنه يقال

_ (1) في الأصل: " ينطلق "

لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر، ويُقال: أنشد/رجزا، ولا يقال: أنشد شعراً. ثم اعلم أن في الحديث: جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال والأسفار ونحوها، لتَنشيط النفوس، وتَسهيل الأعمال والمضي عليها. قوله: " والنبي معهم " حال، وكذلك قوله: " وهو يقول " حال أُخرى. قوله: " اللهم إن الخير خير الآخرة " وفي رواية: " لا خير إلا خير الأخرة " ومعنى " اللهم ": يا ألله؛ وقد ذكرنا طرفا منه، وقال البصريون: " اللهم ": دعاء دله بجميع أسمائه؛ إذ الميم يُشعر بالجمع؛ كما في " عليهم "، وقال الكوفيون: أصله: " الله أمّنا " بخيرٍ أي: اقصدنا؛ فخفف فصار " اللهم ". وهو ضعيف؛ إذ لو كان كذلك لجاز " يا اللهم " فلما لم يجز دلّ على أن أصله: " يا الله " فحذف " يا " وعوض عنها الميم؛ ولا يجوز اجتماع العِوض والمعوض. وهو يُستعمل على ثلاثة أنحاء؛ أحدها: للنداء المحض؛ وهو ظاهرٌ، والثاني: للإيذان بندرة المستثنى؛ كقولهم في أثناء الكلام: اللهم إلا أن يكون كذا وكذا، والثالث: يستعمل فيه ليدل على تيقّن المجيب من الجواب المقترن هو به؛ كقولك لمن قال: أزيد قائم: اللهم نعم، أو: اللهم لا؛ كأنه يناديه: تعالى؛ مستشهداً على ما قال في الجواب. قوله: " فانصر الأنصار والمهاجره " الأنصار: جمع نَصيرٍ؛ كأشراف جمع شريفٍ؛ والنَّصِير الباهرُ: من نصَره الله على عَدُوّه ينصرُه نصرًا، والاسم: النُّصرة؛ وسُمُّوا بذلك لأنهم أعانوه- عليه السلام- على أعدائه وشدّوا منه. والمهاجره: الجماعة المهاجرة؛ وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- محبةً فيه، وطلبا للآخرة. والهجرة في الأصل: الاسم من الهَجر- ضد الوَصل-، وقد هجَره هجرًا، وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى

أرضٍ، وترك الأولى للثانية يُقال منه: هاجر مُهاجرةً. والحديث: أخرجه البخاريّ، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 436- ص- ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك قال: كان مَوضعُ المسجدِ حَائطا لبني النجار، فيه حَرثٌ ونَخل وقبورُ المشرِكينَ، فقال رسولُ الله: " ثَامِنُوني به " فقالوا: لا نَبغي (1) ، فقُطِع النخلُ، وسُوِّي الحرثُ، ونُبشَ قبورُ المشركينَ. وساقَ الحديثَ، وقال: " فاغفر " مكان " فانصُر " (2) . ش- موسى بن إسماعيل: المنقري البصري، وحماد: ابن سلمة. قوله: " موضع المسجد " الألف واللام فيه للعهد أي: مسجد النبي - عليه السلام-. فوله: " لا نبغي " أي: لا نطلب الثمن؛ من بغى يَبغي بغيةً وبُغًا من باب ضرب يضرب، وبغى عليه: إذا تعدى وظلم، وبغت المرأة بِغاء - بالكسر والمدّ- إذا فجرت؛ فهي بَغي، والجمع: بَغايَا، قال تعالى: (وَمَا كَانت أُمُك بغيا) (3) وهذا مثل قولهم: ملحفة جديدٌ. فوله: " وقال: فاغفر " أي: قال: فاغفر الأنصار مكان: فانصر الأنصار ص- قال موسى: نا عبد الوارث بنحوه. وكان عبد الوارث يقول: خَرِب، فزعم عبد الوارث (4) أنه أفادَ حمادا هذا الحديثَ. ش- أي: قال موسى بن إسماعيل- شيخ أبي داود- حدثنا عبد الوارث بن سعيد البصري، بنحو المذكور من الرواية. قوله: " وكان عبد الوارث يقول: خَرِب " - بفتح الخاء، وكسر الراء-؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى.

_ (1) في سنن أبي داود: " لا نبغي به ثمنا ". (2) انظر التخريج المتقدم. (3) سورة مريم: (28) . (4) في الأصل: " الحارث " خطأ.

12- باب: في المساجد تبنى في الدور

12- باب: فِي المسَاجدِ تبنى في الدُّور أي: هذا باب في حكم المساجد التي تُبنى في الدور. وفي بعض النسخ: " باب اتخاذ المساجد في الدور " (1) وفي بعضها: " باب ما جاء في المساجد تُبنى في الدور " 437- ص- نا محمد بن العلاء: نا حُسين بن علي، عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: أَمرَ رَسولُ اللهِ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأن تُنَظَّفَ وتطيب (2) . ش- محمد بن العلاء: أبو كريب الكوفي، وحُسَين بن علي: ابن الوليد الجُعفي، وزائدة: ابن قدامة الثقفي الكوفي. قوله: " في الدُور " قال سفيان بن عيينة: الدورُ: القبائلُ. وذكر الخطابيّ أنها البيوت، وحكى- أيضا- أنه يراد بها المحالّ التي فيها الدورُ. قلتُ: الظاهر أن المراد بها ما قاله الخطابي؛ لورُود النهي عن اتخاذ البيوت مثل المقابر؛ وفيه حجة لأصحابنا " (3) أن المكان لا يكون مسجدا حتى يسبله (4) صاحبه، وحتى يُصلى الناس فيه جماعةً، ولو كان الأمر حمى يسبله 0 يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكانت مواضع تلك المساجد/في بيوتهم خارجةً عن أملاكهم، فدل أنه لا يصح أن تكون مسجدًا بنفس التسمية ". ولذلك قال صاحب " الهداية ": إن اتخذ وسط داره مَسجدا، وأذن للناس بالدخول فيه، له أن يبيعه ويُورث عنه؛ لأن المسجد: ما لا يكون لأحد فيه حق المنع، وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنع، فلم يَصر مَسجدا.

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما ذكر في تطييب المساجد (594) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: تظهير المساجد وتطييبها (758) . (3) انظر معالم السنن (1/123) (4) أي: يجعله في سبيل الله

قوله: " وأن تُنظف " أي: أمَر- أيضا- بأن تُنظف أي: بتنظيفها وتطييبها عن الأقذار؛ لأن لها حرمة لأجل إقامة الصلاة فيها، ولتشبهها بالمساجد المُطلقة. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه الترمذي مُرسلا وقال: هذا أصح من الحديث الأول. 438- ص- نا محمد بن داود بن سفيان: نا يحيى- يعني: ابن حسّان: نا سليمان بن موسى: نا جعفرِ بن سَعد بن سَمُرة قال: حدثني خُبَيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمُرة، عن أبيه سَمُرة أنه كتب إلى بَنيه (1) : أمَّا بعدُ، فإنَ رسولَ الله- عليه السلام- كان يأمرنا بالمساجد أن نَصنَعَها في ديَارِنا، ونُصلِحَ صَنعَتَهاَ ونُطهِّرَها (2) . ش- محمد بن داود: الإسكندراني. ويحيى: ابن حسّان بن حيان التنِّيسي، أبو زكرياء البَصري، سكن تنيس. روى عن: الليث بن سَعد، ومُعاوية بن سلام، وحماد بن سلمة وغيرهم. روى عنه: الشافعي، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن مسكين وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: كان ثقة حسن الحديث، وتوفي بمصر في رجب سنة ثمان ومائتين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وسُليمان بن موسى: أبو داود الزهري، خراساني الأصل، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق. روى عن: موسى بن عبيدة، ومسعر بن كدام، وجعفر بن سَعد بن سمرة وغيرهم. روى عنه: الوليد بن مسلم، ومَروان الطاطري، ويحيى بن حسان (4) . وجَعفر بن سَعد بن سَمُرة الفزاري أبو محمد. روى عنه: سليمان بن موسى، ومحمد بن إبراهيم، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وصالح ابن أبي عتيقة الكاهلي. روى له: أبو داود (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " ابنه " (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/31. ملأ) . (4) المصدر السابق (12/2572) . (5) المصدر السابق (5/942) .

13- باب: في السرج في المساجد

وخُبَيب بن سليمان بن سَمُرة بن جندب الفزاري، أبو سليمان الكوفي. روى عن: أبيه. روى عنه: جَعفر بن سَعد. روى له: أبو داود (1) . وخُبيب: بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة. وأبوه: سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري. روى عن: أبيه. روى عنه: ابنه: خُبَيب، وعلي بن ربيعة الوالبي. روى له: أبو داود (2) وسَمُرة بن جُندب الصحابي الفزاري، قد ذكرناه. قوله: " أما بعد " قد ذكرنا أنَ " أمّا " حرف شرط وتفصيل وتوكيد؛ و" أما " هاهنا فصل خطاب. وقد قيل في قوله تعالى: (واَتَينَاهُ الحكمَةَ وَفَصلَ الخطَاب) (3) هو قوله " أما بعد " فأول من قالها: داود-َ عديه السلام-. قوله: " أن نَصنعها " بدل من قوله " بالمساجد " والمعنى: يأمرنا بصنع المساجد في بيُوتنا، أو في المحالّ التي فيها دورنا. قوله: " ونُصلح صنعتها " بأن يُجعلَ لها ما يُميزها عن غيرها من البُيُوت. قوله: " ونطهرها " بالنصب عطف على " نصلح " المنصوب المعطوف على " أن نَصنع "؛ وتطهيرها: تنظيفها عن الأقذار لما قلنا، والله أعلم. *** 13- بَاب: في السُرُج في المسَاجد أي: هذا باب في بيان السُرُج في المساجد. وفي بعَض النسخ: " باب ما جاء في السُّرج في المساجد ". والسُّرُج- بضمتين- جمع سِرَاج؛ ككُتُبٍ جمع كتابٍ. 439- ص- نا النُفيلي: نا مِسكين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن

_ (1) المصدر السابق (8 /1676) . (2) المصدر السابق (11/2526) . (3) سورة ص: (20) .

أبي سودة (1) ، عن ميمونة مولاة النبي- عليه السلام- أنها قالت: يا رسولَ الله اأَفتنَا في بَيتِ المَقدسِ، فقال: " ائتُوهُ فَصَلُّوا فيه " - وكانتِ البلادُ إذ ذاكً حَربا- " فإن لم تأتُوهُ وتُصلُّوا فيه، فَابعَثُوا بزَيت يُسرَجُ في قَنَاديلِهِ " (2) .ًَ ش- النُّفيلي: عبد الله بن محمد. ومِسكين: ابن بكير، أبو عبد الرحمن الحراني الحذاء. سمع: جعفر ابن برقان، وثابت بن عجلان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، والنفيلي، ونصر بن عاصم الأنطاكي وغيرهم. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: لا بأس به، كان صالح الحديث يحفظ الحديث. روى له: الجماعة إلا ابن ماجة (3) /وسعيد بن عبد العزيز: أبو يحيى التنوخي. واسم ابن أبي سودة: عثمان المقدسي أخو زياد (4) . روى عن: أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأم الدرداء، وميمونة مولاة النبي- عليه السلام- وأبي شعيب الحضرمي. روى عنه: أخوه: زياد، وشبيب بن أبي شيبة، والأوزاعي وغيرهم. وقال مروان بن محمد: عثمان وزياد ابنا أبي سودة من أهل بيت المقدس ثقتان ثَبتان. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وميمونة بنت سَعد، وكانت خادما للنبي- عليه السلام-، روت عن: النبي- عليه السلام- قالت: " مَثَلُ الرَّافلةِ في الزينة " (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " زياد بن أبي سودة ". (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس (1407) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5915) . (4) كذا ترجم المصنف لعثمان، والذي في سند الحديث هو أخوه زياد، كما ثبت في سنن أبي داود المطبوع، وكذلك لما ترجم الحافظ المزي لزياد في تهذيب الكمال (9/2050) ذكر له هذا الحديث، وأخوه عثمان مترجم كذلك في تهذيب الكمال (19/3821) . (5) أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع، باب: ما جاء في كراهية خروج النساء في=

14- باب: في حصى المسجد

وروت عن النبي- عليه السلام- في فضل بيت القدس. وقيل: إن الذي روت في فصل بيت القدس مَيمونة أخرى غير بنت سَعد؛ والأول أصح. روى عنها: عثمان بن أبي سودة، وأبو زيد الضبيّ، وأيّوب بن خالد الأنصاري. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " إذ ذاك " يعني: حينئذ " حربًا " يعني: دار حَرب؛ لأنها لم تفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سنة خمس عشرة من الهجرة. ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: فيه فضيلة بيت القدس. والثانية: جواز بعث الزيت إلى المساجد للإصباح وإن كانت في غير بلده. والثالثة: إذا كان مسجد في دار حرب يجوز لن في دار الإسلام أن يَبعث له زَيتًا يُسرج فيه، ويُقاسُ على هذا البُسط والحُصر والقناديل، ونحو ذلك مما يحتاج إليه السجد. 14- بَاب: في حَصَى المَسجد أي: هذا باب في بيان حَصَى المسجد. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في حَصَاة المسجد ". 440- ص- نا سَهل بن تمام بن بَزيع: نا عُمر بن سُليم الباهلي، عن

_ - الزينة (1167) وتمامه: " مثل الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة، لا نور لها ". وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يُضعّفُ في الحديث مِن قِبَلِ حفظه، وهو صدوق. وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة ولم يرفعه ". (1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/408) ، أسد الغابة (7/274- 275) ، الإصابة (4/413) .

أبي الوليد قال: سألتُ ابنَ عُمرَ عن الحَصَى الذي في المَسجد، فقال: مُطِرنَا ذاتَ لَيلة، فأصبحت الأرضُ مُبتلَّةً، فَجعلَ الرجلُ يَجيءُ (1) بالحصى في ثوبه، فيَبسُطُهُ تحتَه، فَلما قضَى رسولُ اللهِ الصلاةَ قال: " مَا أحسنَ هذا " (2) . ش- سهل بن تمام بن بَزيع: الطُّفاوي، أبو عَمرو. روى عن: المبارك بن فَضالة، وقرة بن خالد، وأبيه: تمام، وعطية بن بهرام. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: لم يكن بكذاب، كان ربما وهم في الشيء، وسئل عنه أبو حاتم فقال: شيخ. وروى عنه: أبو داود (3) . وعُمَر بن سُليم الباهلي: البصري. روى عن. أبي غالب، وعن أبي الوليد، عن ابن عمر. روى عنه: سهل بن تمام، وعبد الوارث، وابنه: عبد الصمد بنُ عبد الوارث وغيرهم. وقال أبو زرعة: صدوق. روى له: أبو داود، وابن ماجة (4) . وأبو الوليد: اسمه: عبد الله بن الحارث البصري، نسيب محمد بن سيرين وختنه على أخته: وهو والد يوسف بن عبد الله بن الحارث. روى عن: ابن عباس، وابن عُمر، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وعائشة. روى عنه: أيوب السختياني، وعاصم الأحول، وخالد الحذاء وغيرهم: قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة (5) . قوله: " عن الحَصَى " الحَصى جمع حَصَاةٍ. قوله: " في المسجد " أي: في مسجد النبي- عليه السلام-. قوله: " فأصبحت الأرض " أي: صارت " مُبتلةً " مثل قولك: أصبح زيد غنيا. قوله: " فجعل الرجل يجيءُ " اعلم أن " جعل " من أفعال المقاربة؛

_ (1) في سنن أبي داود: " يأتي ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2606) . (4) المصدر السابق (21/4248) . (5) المصدر السابق (14/3217) .

ومعناها: دنو الخبر على سبيل الأخذ والشروع فيه، فمعنى " جعل الرجل يجيء ": شرع أو أخذَ. قوله: " ما أحسن هذا " أي: صنيعكم هذا، وهو فعل التعجب، وهو ما وضع لإنشاء التعجب؛ والتعجب: انفعال النفس بما خفي سببه؛ ولذا لا يصح التعجب من الله تعالى (1) ؛ وله صيغتان: ما أفعله، وأفعِل به؛ مثل: ما أحسن زيدا، وأحسِن به، و " ما ": مبتدأ نكرة بمعنى: شيء حَسَن زيدًا، فإنه وإن كان نكرةً فهو يَصلح للابتداء؛ لأنه في المعنى فاعل وما بعده في موضع رفع بأنه خبر. وقال الأخفش: " ما " في الأصل موصولة، والجملة بعده صلة له، والخبر محذوف، فأصله: الذي حَسَّنَ زيدا شيءٌ. وقال الكوفيون: " ما " استفهامية في الأصل، وما بعده الخبر، فأصله: أي شِيء حَسَّن زيدَا؟ وفهم من الحديث/أن سقف المَسجد كان رقيقًا، فلذلك كان يكفُّ عند المطر، وأنه لم يكن فيه حُصرٌ، وأن السجود على الأرض مستحب. 441- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية ووكيع قالا: نا الأعمش، عن أبي صالح قال: كان يُقال: إن الرجلَ إذا أخرجَ الحَصى من المَسجد يُناشدُه (2) . ش- أبوَ معاوية: الضرير، وأبو صالح: ذكوان السمان. قوله: " يناشده " أي: يَسأله بالله ويقسم عليه بالله أن لا يُخرجها؛ من المسجد وأصله: رفع الصوت؛ ومنه: إنشاد الشعر؛ وهو رفع الصوت به، ويقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدتُه نشدةً ونشدانا ومُناشدةً. وقال في " الصحاح ": نشدتُ الضالة أنشدها أيَ: طلبتَها، وأنشدتها أي: عرفتها. فإن قلت: ما الحكمة من مناشدة الحصى؟ قلت: لعلها مادامت في المَسجد تُسجدُ عليها وتبعدُ عن القاذورات، فإذا خرجت منه تَبعدُ عن

_ (1) بل يصح التعجب منه سبحانه وتعالى، وانظر التعليقة (5/65) . (2) تفرد به أبو داود.

هذا المعنى، وأما مناشدتها: فيجوز أن يكون بطريق الحقيقة؛ ولكن نحن لا نكيفها، ويجوز أن. يكون مجازًا، تشبيهاً لها بمن يناشدُ صاحبه في أمر عرض له. 442- ص- نا محمد بن إسحاق أبو بكر: نا أبو بدر شجاع بن الوليد: نا شريك: نا أبو حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة- قال أبو بدر: أُرَاهُ قد رفعه إلى النبيَّ عليه السلام- قال: " إن الحصَى (1) لَتُنَاشدُ الذي يُخرِجُهَا من المسجدِ " (2) . ش- محمد بن إسحاق: ابن جعفر، ويقال: ابن محمد الصاغاني، خراساني سكن بغداد. روى عن: أبي عامر العقدي، وقراد أبي نوح، والفضل بن دكين، وأبي بَدر شجاع بن الوليد وغيرهم. روى عنه الجماعة إلا البخاريّ وغيرهم. قال الدارقطني: كان ثقةً. توفي سنة سبعين ومائتين (3) . وأبو بدر شجاع بن الوليد: ابن قَيس السكوني الكوفي، سكن بغداد. سمع: عطاء بن السائب، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة وغيرهم. روى عنه: ابنه أبو همام الوليد بن شجاع، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وعن ابن معين: إنه ثقة. وقال أحمد بن عبد الله: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتين، لا يحتج بحديثه. مات ببغداد سنة أربع ومائتين (4) . وشريك: النخعي. وأبو حَصين- بفتح الحاء- اسمه: عثمان بن عاصم بن حَصِين، ويقال: ابن عَاصم بن زيد بن كثير بن زيد بن مُرة الأسدي الكوفي. سمع: ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن سمرة، وأبا ريحانة شمعون. وروى عن: أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك،

_ (1) في سنن أبي داود: " الحصاة ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5053) . (4) المصدر السابق (12/2702) .

15- باب: في كنس المسجد

وعمران بن الحصن، ومن التابعين: شريحا القاضي، والشعبي، وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: سَعد بن طارق، وشعبة، والثوري، وابن عيينة وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " قال أبو بدر " أي: شجاع بن الوليد " أراه قد رفعه " أي: أظنّ أن أبا هريرة قد رفع الحديث إلى النبي- عليه السلام- قال: " إن الحصَى 0.. " الحديث. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أسباط بن محمد، عن ليث، عن حبيب، عن سعيد بن جبير قال: " الحصاة تَسُب وتلعنُ من يُخرجها من المَسجد ". حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن مثنى بن سعيد، عن قتادة، عن سليمان بن يَسار قال: " الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى تُرَد إلى موضعها ". وعن ابن سيرين يقول لغلام له أو لخادمه: " إن وجدت في خفي حصاة فَرُدها إلى المَسجد ". *** 15- بَاب: في كنسِ المسجدِ أي: هذا باب في بيان كنس المسجد. 443- ص- ثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز: أنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَواد، عن ابن جريج، عن المُطلِب بن عبد الله بن حَنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عُرِضت عَلَيَ أجورُ أُمَتِي حتى القَذَاةُ يُخرِجُهَا الرجلُ من المسجد، وعُرِضَت عَلَيَ ذنوبُ أمتي، فلم أرَ ذَنبًا أعظمَ من سُورة من القرآنِ أو آيةَ أوَتِيهَا رجلٌ ثم نَسِيَها " (2) . ش- عبدًا لوهاب بن عبدَ الحكم/ويُقال: ابن الحكم البغدادي،

_ (1) المصدر السابق (19/3828) . (2) الترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب: (19) ، رقم (2916) .

صاحب أحمد بن حنبل وخاصّته. سمع: معاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون، وعبد المجيد بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: ابنه: الحسن، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وكذا قال الدارقطني. مات سنة إحدى وخمسين ومائتين، ودفن بباب البَرَدان (1) . وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد المكي، أصله مروزي، أبو عبد الحَميد الأزدي مولاهم، واسم أبي رواد: مَيمون. روى عن: أبيه وعن: مَعمر بن راشد، وابن جريج، واللَّيث بن سَعد. روى عنه: سريِج (2) ابن يونس، والشافعي، وموسى بن طارق وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريح، وكان يُعلن بالإرجاء0 قال عبد الرحمن: سألت أبي عنه فقال: ليس بالقويّ، يكتب حديثه. وقال الدارقطني: لا يحتج به. روى له مسلم مقرونا بهشام بن سليمان المكي، غير محتج به. وروى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . وابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز القرشي. والمطلب بن عبد الله بن حنطب: ابن الحارث بن عُبيد بن عمر بن مخزوم أبو الحكم القرشي المخزومي المديني. روى عن: أبيه، وعُمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي رافع، وعائشة، وأم سلمة. روى عنه: ابنه عبد العزيز، ومحمد بن عَبّاد، وابن جريج، والأوزاعي وغيرهم. قال ابن سَعد: وكان كثير الحديث، ولا يحتج بحديثه؛ لأنه يُرسل عن النبي- عليه السلام- كثيرا، وليس له لقي، وعامة أصحابه يُدلِّسُون. وقال الدارقطني، وأبو زرعة: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3602) . (2) في الأصل: " شريح " خطأ. (3) المصدر السابق (18 /3510) . (4) المصدر السابق (28/6006) .

قوله: " عُرِضت عليّ أجورُ أمتي " يجوزُ أن يكون ذلك العرض ليلة المعراج، ويجوز أن يكون في وقت آخر؛ وعَرض الأجور كناية عن إحاطة علمه بها، ويَجوز أن يكون على وَجه الحقيقة بأن عُرضت. في صُوَرِ حِسَان، وعُرِضَت الذُّنوبُ في صُوَرٍ قباح، كما تُوزن الأَعمال يَوم القيامة في صوَر حسان وقباح. قوله: " حتى القذاةُ " بالرَّفع عَطفًا على " الأجور " مثل قولك: جاء الحُجاجُ حتى المُشاةُ؛ القذاةُ واحدة القَذى؛ وهي ما يقعُ في العَين والماء والشراب من تُراب أو تبن أو وَسَخ أو غير ذلك؛ وهذا خارج مخرج المبالغة، لأنه إذا حصل الأجر لمن يُخرج القذاة من المسجد، فالذي يكنُسُه ويُزيلُ ترابَه وغُباره، ويُنظفه عن الأقذار والأوساخ بالطريق الأولى أن يحصل له أجُور كثيرة؛ ولهذا بَوب الشيخ بقوله: " بابٌ في كنس المسجد " ثم. بَيّن فيه إزالة القذى، وبين أن فيها أجرًا، ففي الكنس الذي هو أعلى من إزالة القذى أولى وأجدر أن يكون فيها أجرٌ بل أجور كثيرة. قوله: " من سورة من القرآن أو آية " السورة: الطائفة من القرآن المعبّر عنها بسورة كذا التي أقلها ثلاث آيات، وواوها لا (1) إما أن تكون أصلا أو منقلبة عن همزة؛ فإن كان الأول فيكون منقولا من سُورة المدينة - وهي حائطها- لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزةٌ على انفرادها كالبلد المُسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإن كان الثاني فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسُّؤر التي هي البقية من الشيء والفَضلة. والآية في اللغة: العلامة؛ والأصل: أوَيَة- بالتحريك- قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها فصار: آية؛ والنسبة إليه: أوَوَي، وجَمعها: آيٌ وأيَايٌ وآياتٌ. والآية: طائفة من القرآن؛ أقلها ستة أحرف. قوله: " أوتيها " أي: أعطيها رجل أي: أعطاه اللهَّ إَياها.

_ (1) كذا، ولعلها بمعنى " لا تخرج ". 24* شرح سنن أبي داوود 2

16- باب: اعتزال النساء في المساجد عن الرجال

قوله: " ثم نَسِيها " أي: تركها ولم يَعمل بما فيها. فإن قيل: كيف يكون هذا أعظم الذنوب وقد ورد في " الصحيح ": أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ثم ذكر قتل الولد مخافة الفقر، ثم الزنا بحليلة الجار؟ قلت: هذا من الأمور النسبية؛ فكل ذنب/فوقه ذنب وتحته ذنب؛ فهو بالنسبة إلى ما تحته أعظم الذنوب؛ فالكفرُ أعظم الذنوب على الإطلاق؛ لأنه لا ذنب أعظم منه، وما بعده أعظم بالنسبة إلى ما تحته؛ وهذا مثل ما يُقال: هذا صغيرة وهذا كبيرة، وهذا أكبر الكبائر، كل ذلك أمُور نسبيّة، وكذلك يُقال في فضائل الأعمال نحو هذا- وأيضًا- تختلف هذه الأشياء باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان فافهم. والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: وذاكرتُ به محمدًا- يعني: البخاري- فلم يعرفه واستغربه؛ قال محمد: ولا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب رسول الله- عليه السلام- إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي- عليه السلام-، قال: وسمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نَعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب رسول الله، قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكونَ المطلب سمع من أنسِ ". قلت: قد ذكر صاحب " الكمال " أنه روى عن أنس وغيره- كما ذكرنا في ترجمته عن قريب-. *** 16- بَاب: اعتزالُ النَسَاءِ في المَسَاجد عَن الرجالِ أي: هذا باب في بيان حكم اعتزال النساء في الدخول في المساجد والخروج عنها، والصلاة فيها عن الرجال. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في اعتزال النساء "؛ والأول أصحّ. 444- ص- نا عبد الله بن عَمرو أبو مَعمر: نا عبد الوارث: نا أيوب،

عن نافع، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو تَرَكنَا هذا البابَ للنساء (1) "! شَ- عبد الله بن عَمرو: ابن أبي الحجاج المنقري البَصري، وعبد الوارث: ابن سَعيد بن ذكوان البصري، وأيوب: السختياني. قوله: " لو تركنا هذا الباب " جواب " لو " محذوف تقديره: لو تركنا هذا الباب للنساء لكان أولى أو حسنًا، ونحو ذلك. ويُفهم من هذا: أن النساء إذا حضرن للجماعة مع الرجال ينبغي أن لا يختلطن بهم؛ فإن كان ثمة باب مخصوص لهن يدخلن منه، ويخرجن منه، وإلا يحترزن عن الاختلاط بهم ما أمكن. ص- قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عُمرَ حتى ماتَ. ش- أي: قال نافع مولى ابن عمر: فلم يدخل من هذا الباب الذي أشار إليه النبي- عليه السلام- عبد الله بن عمر إلى أن مات رضي الله عنه. ص- قال غيرُ عبد الوارث: قال عُمر؛ وهو أصح. ش- أي قال غيرُ عبد الوارث بن سعيد من الرواة: قال عُمر بن الخطاب موضع ابن عمر، قال أبو داود: هو أصحّ من الأوّل، وبيّن ذلك في بعض النسخ بقوله: نا أبو علي: نا أبو داود. 445- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين قال: نا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر بمعناه؛ وهو أصح (2) . قلت: ليس هذا بموجود في النسخ الصحيحة. 446- ص- نا قتيبة: نا بكر- يعني: ابن مضر-، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير، عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يَنهى أن يُدخَل من بالنساءِ (2) .

_ (1) تفرد به أبو داود، ويأتي برقم (553) . (2) تفرد به أبو داود.

17- باب: فيما. يقول الرجل عند دخوله المسجد

ش- قتيبة: ابن سعيد، وبكر: ابن مُضر، أبو محمد المصري، وعمرو بن الحارث: أبو أميّة الأنصاري المصري، وبكير: ابن عبد الله بن الأشج. قوله: " أن يُدخلَ " على صيغة المجهول. قوله: " من باب النساء " أي: من الباب. المخصوص من أبواب المسجد للنساء. ونافع عن عمر منقطعِ فافهم.:! 17- بَابٌ: فيمَا. يَقُولُ الرَّجُلُ عَندَ دُخُولِه المسجدَ أي: هذا باب في بيان ما يقوله الرجل عند دخوله المسجد. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيما يقول الرجل "، وفي بعضها: " باب ما يقول ". 447- ص- نا محمد بن عثمان الدمشقي: نا عبد العزيز- يعني: الدراوردي-، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سُوَيد قال: سمعتُ أبا حُمَيد أو أبا أسيد الأنصاريَ يقول: قال رسولُ الله: " إِذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجدَ فليُسَلِّم على النبيَ- عليه السلام- ثم ليقل: اللهَم افتح لي أبواب رحمَتِكَ، فإذا خرجَ فليقل: اللهم إني أسألُكَ من فَضلِك " (1) . ش- محمد بن عثمان التنوخي الدمشقي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الجماهر، من أهل كفر سوسية. سمع: عبد العزيز الدراوردي، ومروان بن معاوية، وسليمان بن بلال وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم. وقال / أبو مسهر وعثمان الدارمي: هو ثقة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (2) .

_ (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب.: ما يقول إذا دخل المسجد رقم (713) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه (2/53) ، ابن ماجه: كتاب المساجد، باب: الدعاء عند دخول المسجد رقم (772) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5461) .

وعبد العزيز: ابن محمد الدراوردي المدني الجهني. وربيعة بن أبي عبد الرحمن: الرأي المدني. وعبد الملك بن سعيد بن سُوَيد: الأنصاري المدني. روى. عن: جابر ابن عبد الله، وأبي حميد أو (1) أبي أسيد - وقال عبد الرحمن: سمع من أبي حميد وأبي أُسَيد-. روى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعبد العزيز الدراوردي. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) وأبو حميد: اسمُه: المنذر- وقيل: عبد الرحمن- بن سَعد بن المنذر. وفي " الكمال ": أبو حميد بن عمرو بن سَعد بن مالك بن خالد ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، ويقال: ابن عمرو بن سَعد بن المنذر بن مالك الساعدي اسمه: عبد الرحمن، وقيل: المنذر الساعدي. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- ستة وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وللبخاري حديث، ولمسلم آخر. روى عنه: جابر بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعباس ابن سهل، وعمرو بن سُليم، وعبد الملك بن سعيد وغيرهم. توفي في آخر خلافة معاوية، معدود في أهل المدينة. روى له الجماعة (3) . وأبو أُسَيد- بضم الهمزة وفتح السين المهملة- اسمه: مالك بن ربيعة بن البدن- بالباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسرها، ويقال: اليَدي- بفتح الياء آخر الحروف وكسر الدال المهملة وبعدها ياء آخر الحروفَ- ابن عمرو، ويقال: عامر بن عوف بن حارثة بن عمر [و] بن الخزرج الأنصاري الساعدي، وقيل: اسمه: هلال؛ والأول أشهر وأكثر. شهد بدرا. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- ثمانية وعشرون حديثا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديثان ولمسلم آخرُ. روى عنه:

_ (1) في الأصل: " ابن " خطأ. (2) المصدر السابق (18/3530) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/42) ، أسد الغابة (6/78) ، الإصابة (4/46) .

أنس بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابنه: المنذر بن أبي أسيد، وعباس بن سهل، وعبد الملك بن سعيد. مات بعد ما ذهب بصره سنة أربعين عام الجماعة، وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة. وهو آخر البَدريين وفاةً (1) . قوله: " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " أي: أنواع رحمتك. وقد جاءت في هذا الباب أذكار كثيرة ومختصر مجموعها: أن تقول: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، باسم الله، والحمد الله، اللهم صل على محمد، وعلى اَل محمدٍ وسلَم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك "، وفي الخروج يقوله؛ لكن يقول: " اللهم إني أسألك من فضلك ". والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي؛ وأخرجه ابن ماجه عن أبي حُميد وَحده. 448- ص- نا إسماعيل بن بشر بن منصور: نا عبد الرحمن بن مَهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حَيوةَ بنِ شريح قال: لقيتُ عُقبةَ بن مُسلم فقلت له: بَلغني أنك حُدِّثتَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيَ- عليه السلام-، أنه كان إذا دَخلَ المسجدَ قال: " أعُوذُ بالله العَظيم، وبوجهِهِ الكَرِيم، وسُلطانه القَديم من الشيطان الرجيم " قال: أَقطُ؟ قلتُ: نعَم، قال: " فإذا قال فلَكَ، قال الشيطانُ: حفِظَ مِنّي سَائرَ اليوم " (2) . ش- إسماعيل بن بشر بن منصور: أبو بشر السليمي. روى عن: عبد الرحمن بن مهدي، وعمر بن علي (3) . روى عنه: أبو داود، والنسائي، عن رجل، عنه، وابن ماجه (4) . وعبد الرحمن بن مَهدي: البصري اللؤلؤي. وعُقبة بن مسلم: أبو محمد التُجِيبي المصري القاضي، إمام مسجد

_ (1) المصادر السابقة (4/8) ، (5/23- 24 و 6/13) ، (3/344) . (2) تفرد به أبو داود. (3) في الأصل " عمرو بن علي " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/427) .

الجامع العتيق بمصر. سمع: عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عُمر، وعقبة بن عامر وغيرهم، ومن التابعين: أبا عبد الرحمن الحبلي، وسعد ابن مَسعود التجيبي. روى عنه: حيوة بن شريح، وجعفر بن ربيعة، وعبد الله بن لهيعة وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: مصري ثقة. توفي قريبا من سنة عشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " أعُوذ بالله العظيم " أي: العظيم الشأن أو العظيم الصفات. قوله: " وبوَجهه الكريم " أي: وبذاته الكريم (2) ؛ لأن الوجه يذكر ويراد به الذات؛ كما في قوله تعالى: (وَيَبقَى وَجهُ ربكَ) (3) و (كُل شَيء هَالكٌ إلا وَجهَهُ) (4) ومعنى الكريم: الجواد المُعطي الذي لا ينفذ عطاؤه؛ وهو الكريم المُطلق، والكريم الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل؛ ومنه: " إن الكريم/ابن الكريم " الحديث لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة، وكرم الأخلاق والعَدل، ورئاسة الدنيا والدين، والكرم نقيض اللؤم، وقد كرُم الرجل- بالضم- فهو كريم، وقوم كرام وكرماء، ونسوة كرماء، ويقال- أيضا- رجل كُرَ ثم وامرأة ونسوة كَرَمٌ، والكُرام- بالضم- مثل الكريم، فإذا أفرط في الكرم قيل: كُرام بالتَشديد. قوله: " وسُلطانه القديم " أي: حجته القديمة، وبرهانه القديم، أو قهره القديم؛ لأن السُلطان من السلاطَة؛ وهي القهر، والقديم من القِدمَ - بكسر القاف وفتح الدال- وهو خلاف الحدوث. قوله: " من الشيطان الرجيم " الشيطان فيعال من شطن أي بَعُد؛ قاله البصريون. وقال الكوفيون: فعلان من شَاط يشيط أي: هلك، يدل

_ (1) المصدر السابق (20 / 3987) (2) بل المراد وجه الله تعالى، وجه يليق به سبحانه على الحقيقة، لا تأويل فيه، ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، إجماع أهل السنة والجماعة، وانظر مجموع الفتاوى (3/129: 133) . (3) سورة الرحمن: (27) . (4) سورة القصص: (88) .

18 - باب: الصلاة عند دخول المسجد

عليه أنه لا ينصرف، وهو المُبعّد من رحمة الله، المُهلك بعذابه. وقال ابن عباس: الشيطان: كل متمرّد من الجن والإنس والدوابّ. والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي: المرجوم بشُهب السماء واللَعن؛ والرَجم: القتل بالحجارة، فسمّي كل طريد شتيم رجيما. وتضيف إلى هذا الدعاء ما ذكرنا من قوله " بسم الله، والحَمد لله، واللهم صل على محمد " إلى آخره، ومعنى قوله " باسم الله " أي: أدخل باسم الله؛ وكذا يقدر كل فاعل يبتدئ بشيء بما يُناسب تلك الحالة. ومَعنى " اللهم صلّ على محمدِ ": اللهُمّ عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة: بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته. قوله: " قال: أقَطُ؟ " أي: قال حيوة بن شريح لعُقبة بن مُسلم: " أقَط " أي: أحَسبُ، والهمزةُ فيه للاستفهام- وهو بفتح القاف وضم الطاء المخففة، ويجوز التشديد فيه- أيضا- والمعنى: الذي ترويه هذا المقدار أو أكثر من ذلك؟ والظاهر: أن المعنى: أهذا يكفيه " عن غيره من الأذكار؟ أو هذا يكفيه من شر الشيطان؟ فلهذا قال: " قلت: نعَم " وفاعل قلتُ هو: عقبة بن مسلم إن كان السائل هو حيوة بن شريح، أو عبد الله بن عَمرو إن كان السائل هو عقبة بن مسلم؛ فعلى الوجه الثاني يكون فاعل " قال: أقط " - أيضا- هو عقبة بن مسلم. قوله: " قال: فإذا قال " فاعل " قال " الأوّل يجوز أن يكون " عقبة "، ويجوز أن يكون " عبد الله بن عمرو " وفاعل " قال " الثاني هو الذي يدخل المسجد؛ وذلك إشارة إلى الدعاء المذكور. قوله: " سائر اليوم " أي: جميع اليوم؛ وهو نَصب على الظرفية. 18 - بَاب: الصَّلاة عندَ دُخُول المَسجد أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة عند دخول المسَجد. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد (1) ".

_ (1) كما في سنن أبي داود.

449- ص- نا القعنبي: نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عَمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا جَاءَ أحدُكُم المسجدَ فليصَلِّ فيه (1) سَجدتينِ من قبلِ أن يَجلسَ " (2) . ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة، ومالك: ابن أنس. وعامر بن عبد الله بن الزُبير: ابن العوام القرشي الأسديّ المدني أبو الحارث، أخو عبّاد وحمزة وثابت وخبيب، وموسى، وعُمر. سمع: أباه، وأنس بن مالك، وعمرو بن سليم. روى عنه: سعيد المقبري، ويحيى الأنصاري، ومالك بن أنس وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (3) . وعمرو بن سُليم: الزُّرقي الأنصاري الدني. وأبو قتادة: الحارث بن ربعي السّلَمي. وهذا الحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ولفظ غيره: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتن قبل أن يجلس ". ورواه الدارقطني- أيضا- والطبراني. وفي " المصنف " لأبي بكر زيادة من طريق حسنة: " أعطوا الساجد حقها " قيل: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: " ركعتين قبل أن يجلس ". وزاد أبو أحمد

_ (1) كلمة " فيه " غير موجودة في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (444) ، مسلم: كتاب صلاة السافرين وقصرها، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين وكرامة الجلوس قبل صلاتها 69- (714) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع (316) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه (2/53) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع (1013) . (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (14/3049) .

الجرجاني: " وإذا دخل بَيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين؛ فإن الله عز وجل جاعل له من ركعتيه في بَيته خيرا ". وإسناده منكر؛ قال البخاريّ: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك- أيضا- أبن القطان. ثم اعلم أن هذه سنة بإجماع المسلمين؛ إلا ما رُوِيَ عن داود وأصحابه وجوبها/بظاهر (1) الأمر؛ وليس كذلك؛ لأن الأمر محمول على الاستحباب والندب لقوله- عليه السلام- للذي سأله عن الصلوات: هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع (2) " وغير ذلك من الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرُم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ؛ ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الأوزاعي، واللَّيث، وحكي ذلك- أيضا- عن الشافعي، ومذهبه الصحيح: أنه يصليهما في كل وقت؛ وهو قول أحمد، وإسحاق، والحسن، ومكحول. وكذا لا يصلي عند أبي حنيفة إذا كان الإمام على المنبر؛ وهو قول مالك، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وقتادة، والثوري. وقالت الشافعية: إن النهي إنما هو عما لا سبب لها؛ لأنه - عليه السلام- صلى بعد العصر ركعتين قضاءَ سنة الظهر، فخص وقت النهي، ولم يترك التحية في حال من الأحوالَ؛ بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين، مع إن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحيّة. والجواب عن ذلك: أن حديث النهي؛ وهو حديث ابن عباس الذي أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عنه قال: " شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله - عليه السلام- نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بَعد العصر حتى تغرب الشمس " خاص، وحديث: " إذا

_ (1) في الأصل: " بتظاهر ". (2) تقدم برقم (375) .

دخل " عام بالنسبة إلى الأوقات؛ فيُخصّ بذاك الحديث؛ فإنه أخصّ من عموم الأوقات، وهذه هي القاعدة فيما إذا تعارض نصان. والجواب عن قولهم: " صلى بعد العصر ركعتين قضاء سُنَّة الظهر ": أنه- عليه السلام- شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتَهما، وكان إذا صلى صلاةً أثبتها- يعني: داوم عليها- مع أنه نهى غيره عنها، كما أنه كان يُواصلُ وينهى عن الوصال، فافهم. والجواب عن أَمره للذي دخل المسجد يوم الجمعة من وجهين؛ الأول: أن النبي- عليه السلام- أَنصت له حتى فرغ من صلاته؛ بدليل: ما رواه الدارقطني في " سننه " (1) من حديث عبيد بن محمد العَبدي: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: دخل رجل السجد ورسول الله يخطبُ فقال له النبي - عليه السلام-: " قم فاركع ركعتين " وأَمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته. انتهى ثم قال. أسنده عبيد بن محمد العبدي؛ ووهم فيه. ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل: ثنا معتمر، عن أبيه قال: جاء رجل والنبي - عليه السلام- يخطب فقال: " يا فلان أصليت؟ " قال: لا، قال: " قم فصَلّ " ثم انتظره حتى صلى. قال: وهذا المرسل هو الصواب. ثم أخرجه عن أبي معشر، عن محمد بن قيس أن النبي- عليه السلام- قال (2) لما أمره- يعني: سُلَيكًا- أن يصلي ركعتين وهو يخطب-: أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. انتهى قال: وهذا مرسل، وبهذا السند: دواه ابن أبي شيبة في " مصنفه ". الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه- عليه السلام- في الخطبة؛ وقد بوّب النسائي في " سننه الكبرى " على حديث سُليك تال: " باب الصلاة قبل الخطبة " ثم أخرجه عن أبي الزُبَير، عن جابر قال: جاء سُليك الغطفاني ورسول الله قاعد على المنبر فقعد سُليك قبل أن يصلى فقال له - عليه السلام-: " أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: " قم فاركعهما ".

_ (1) (2/15) . (2) كذا.

فإن قيل: إذا تركهما الرجل هل يقضيهما؟ قلت: لا، حتى قال الشافعي: ولم أعلم مخالفا أن من تركهما لم يقضهما. وقد ذكر المروذي أنه قال لأبي عبد الله: حديث حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن سَعد، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- أنه دخل المسجد فاحتبى ولم يصل الركعتين أمحفوظ هو (1) ؟ قال: نعم، قال: ورأيت أبا عبد الله كثيرا يدخل المسجد فيقعد ولا يصلي، ثم يخرج ولا يصلي في أوقات الصلوات. وفي " المصنف ": حدثنا الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، قال: ورأيت ابن عُمر يفعله. وحدثنا وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع أن. ابن عمر كان يمر في المسجد ولا يصلى فيه/ومرّ الشعبي فيه فلم يُصلّ، وكذلك سُويد بن غَفَلة وسالم بن عبد الله بن عمر. فإن قيل: ما روى من قوله- عليه السلام-: " قُم فاركع ركعتين " لسُليك حين دخل وقعد ولم يُصل، هَل لا يَدُل على قضائهما؟ قلت: لا؛ لأن ذلك كان على سبيل الاختيار لا الوجوب، فافهم. 450- ص- نا مسدد: نا عبد الواحد بن زياد: نا أبو عُمَيس عتبة بن عبد الله، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زُريق، عن أبي قتادة، عن النبي- عليه السلام- نحوه؛ زادَ: " ثم ليقعد بعدُ إن شاءَ، أو لِيذهَب لحاجَتِهِ " (2) . ش- مُسدد: ابن مسرهد، وعبد الواحد بن زياد: أبو بشر البصري. وأبو عُمَيس- بالسين المهملة- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المَسعودي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله. روى عن: الشعبي، وأبي إسحاق، وعمرو بن مرة وغيرهم. روى عنه:

_ (1) في الأصل: " المحفوظ هو ". (2) انظر: التخريج المتقدم.

19- باب: فضل القعود في المسجد

محمد بن إسحاق، وشعبة، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (1) . قوله: " عن رجل من بني زُريق " مجهول. قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور؛ ولكنه زاد في هذه الرواية: " ثم ليقعد بعد " أي: بعد أن صلى ركعتين إن شاء القُعاد، أو ليَمض إلى حاجته. 19- بَابُ: فَضلِ القُعُودِ في المَسجدِ أي: هذا باب في بيان فضل القعود في المسجد، وفي بعض النسخ: " باب في فضل " (2) . 451- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنِ أبي هريرة أن رسول الله قال: " المَلائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم مادَامَ في مُصلاّهُ الذي صَلَى فيه ما لم يُحدِث أو يَقُومُ (3) : اللهم اغفِر له، اللهم ارحَمهُا " (4) . ش- أبو الزَناد: عبد الله بن ذكوان القرشي، والأعرج: عبد الرحمن ابن هُرمز. قوله: " الملائكة تصلي على أحدكم " أي: تَدعو لأحدكم؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء. وكلمة " ما " في " مادام " وفي " ما لم يُحدِث " للمدّة؛ والمعنى: مُدة دوامه في مُصلاه الذي صلّى فيه مدة عدم الحدث أو التحديث؛ على اختلاف تفسير " لم يحدث ". قوله: " مُصلاه "- بضم الميم- اسم الموضع الذي صلى فيه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3776) . (2) كما في سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: " أو يقم ". (4) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الحدث في السجد (445) ، النسائي: كتاب الساجد، باب: الترغيب في الجلوس في السجد وانتظار الصلاة (2/55) .

قوله: " ما لم يُحدِث " بدل من قوله: " مادامَ " وهو إما من الإحداث بمَعنى: الحدث الناقض للطهارة؛ كما فسّره في الحديث الذي يأتي بقوله: " ما يُحدث؟ قال: يَفسو أو يَضرط "، وإما من التحديث؛ بمعنى: الاشتغال بالحديث من غير ذكر الله عز وجل. قوله: " أو يقومُ " بالرفع عطف على ما لم يُحدث من حيث المعنى؛ فلذلك لم يُحزم، ويجوز أن يكون مرفوعا على لغة من لا يجزم الفعل ب " لَم "؛ كما في قول الشاعر: لولا فَوارسُ من نُعم وأسرتهِم ... يَومَ الصُلَيفاء لم يُوفُون بالجَارِ قوله: " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " بيان وتفسير لقوله " تُصَلّي على أحدكم " والمعنى: تدعو بقولهم " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " وبهذا يندفع سؤال من يقول: ما موقع الجمع بين صلاة الملائكة إذا كانت معناها الاستغفار وبَين قولنا (1) " اللهم اغفر له "؟ وجواب آخرُ: أن الصلاة والاستغفار وإن كانا يَرجعان لشيء واحد، فقد يكون أحدهما أخص وأقعد بالمعنى وأبلغ، فتدعو الملائكة وتسأل الله ذلك المعنى باللفظين مَعا. وجواب آخرُ: أن سؤالها بلفظ الصلاة إنما هو ليقع الثواب من جنس العمل، فتكون صلاة منه بصلاة من الملائكة عليه، ثم لما حصل التجانس بين العمل وجزائه، دعوا له بعد ذلك بلفظ الاستغفار والرحمة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي صالح، عن (2) أبي هريرة أتم منه. وأخرجه النسائي- أيضا- وعند الحاكم على شرط مسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: " والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بَيته حتى يرجع ". وفي " صحيح ابن حبان ": " ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله إليه كما يَتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم ". قال السَفاقسي: الحدث في المسجد خطيئة يُحرمُ به المحدثُ استغفار

_ (1) كذا، والجاد: " قولهم ". (2) في الأصل: " من ".

الملائكة. وقد قيل: من أراد أن يحط الله عنه ذنوبه فليلازم بصلاة بعد الصلاة، ليستكثر من استغفار الملائكة له. وقد شبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بالرباط. وقال الداودي: قوله: " ما لم يحدث " - بالتخفيف- يدل على جواز الحدث في المسجد، وفي رواية بالتشديد أراد الحديث بغير ذكر الله تعالى /قال السفاقسي: لم يذكر التشديد أحدٌ. 452- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يَزالُ أحدُكُم في صَلاة ما كانت الصلاةُ تَحبِسُهُ، لا يَمنَعُهُ أن يَنقَلِبَ إلى أهله إلاَ الصلاةُ " (1) .َ ش- أي: في حكم صلاةِ؛ والمعنىً: لا يزالُ أحدكم كأنه يُصلي ما كانت الصلاة تحبسُه، أي: تمنعه من القيام والخروج، بمعنى: مادام انتظار الصلاة يمنعه عن ذِلك كأنه في الصلاة. قوله: " لا يَمنعه أن ينقلب إلى أهله " أي: أن يَرجع إلى أهله و " أن ينقلب " محله النصب على المفعولية، وارتفاع الصلاة على الفاعلية؛ والمعنى: لا يَمنعه الانقلابَ إلى أهله إلا الصلاة. والحديث أخرجه مسلم. 453- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله- عليه السلام- قال: " لا يزالُ العبدُ في صَلاة ما كان في مُصَلاهُ يَنتظرُ الصلاةَ، تقولُ الملائكةُ: اللهم اغفر له، اللهمَ ارحَمهُ، حتى يَنصرفَ، أو يُحدثَ " فقيل: ما يُحدثُ؟ قال: " يَفسُو أو يَضرطُ " (1) .َ ش- حماد: ابن سلمة، وثابت: البناني، وأبو رافع: نُفيع الصائغ المدني.

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق (477) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (649) . (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة 274- (649) .

قوله: " قال: يفسو " أي: قال أبو هريرة؛ ففسر أبو هريرة قوله " أو يُحدث " بالحدث الناقض للطهارة. وأخرجه مسلم. 454- ص- نا هشام بن عمار: نا صدقة بن خالد: نا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي، عن عُمَير بن هانِئ العَنسِي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " مَن أتى المَسجد لِشيءٍ فهو حَظهُ " (1) . ش- هشام بن عمار: ابن نضير بن مَيسرة بن أبان أبو الوليد السُّلمي الظّفريّ الدمشقي. سمع: يحيى بن حمزة، وابن عيينة، ومالك بن أنس، وصدقة بن خالد وغيرهم. روى عنه: ابن مَعين، وابن سَعد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، عن البخاري، عنه. قال ابن معين: هو كيس كيّس، وفي رواية: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: صدوق، كبير المحل. توفي بدمشق آخر المحرم سنة ست وأربعين ومائتين، وقيل: سنه خمسين (2) . وصدقة بن خالد: الدمشقي أبو العباس الأموي، مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان؛ قاله البخاري، وقال هشام بن عمار: مولى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان. روى عن: زيد بن واقد، وعثمان بن أبي العاتكة، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الوليد بن مسلم، وأبو مسهر، وهشام بن عمار وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة، ليس به بأس 0 وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة ثمانين ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (3) . وعثمان بن أبي العاتكة- واسمه: سليمان- أبو حفص الأزدي

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6586) . (3) المصدر السابق (13/2861) .

20- باب: في كراهية إنشاد الضالة في المسجد

الدمشقي القاصّ. سمع: عمير بن هانئ، وعمر [و] بن مهاجر، وسليمان بن حبيب وغيرهم. روى عنه: صدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم. قال ابن معين: ليس بشيء، وقال دحيم: لا بأس به، وقال أبو حاتم: لا بأس به؛ بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روى عن غيره [فهو] مقارب، يكتب حديثه، وقال النسائي: هو ضعيف. توفي سنة نيف وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وعُمَير بن هانئ: أبو الوليد العنسي- بالنون- الدمشقي الداراني. سمع: عبد الله بن عُمر، ومعاوية بن أبي سفيان وأبا هريرة وغيرهم. روى عنه: قتادة، والزهري، والأوزاعي وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة، قتله الصفر بن حبيب بدارَيا سنة سبع وعشرين ومائة. روى له: الجماعة إلا النسائي (2) . قوله: " فهو حظه " أي: ذلك الشيء نصيبُه بمعنى: إن كان إتيانه لأجل الصلاة أو الذكر، أو تلاوة القراَن، يكون ذلك نصيبهُ من الأجر والثواب، وإن كان لأجل عمل من أعمال الدنيا، أو للنوم، أو للكلام أو نحو ذلك، يكون ذلك- أيضا- نصيبَه من الوزر والخطيئة على حسب ذلك الشيء وتفاوته والله أعلم/. *** 20- بَابٌ: فِي كرَاهِية إنشَادِ الضَّالَّة في المَسجِد أي: هذا باب في بيان كراهية إنشاد الضالة في المسجد؛ والكراهية مصدر كالطواعية بمعنى الكراهة بتخفيف الياء. والإنشادُ من نشدت الضالة أنشُدُها أي: طلبتها، وأنشدتُها أي: عرفتُها؛ وقد ذكرناه في باب حصى المسجد. والضالة- بتشديد اللام- الضائعة من كل ما يُقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا جَار، وهي

_ (1) المصدر السابق (19/3827) . (2) المصدر السابق (22/4521) . 25* شرح سنن أبي داوود 2

في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجميع، وتجمع على ضوَالّ. 455- ص- نا عُبَيد الله (1) بن عُمر الجُشَمي: نا عبد الله بن يزيد: نا حَيوةُ قال: سمعتُ أبا الأسود يقول: أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه سمع أبا هريرة يَقولُ: سمعتُ رسول الله- عليه السلام-: " مَن سَمعَ رجلاً ينشدُ ضَالَّةً في المسجد فليقل: لا أداها اللهُ إليكَ؛ فإن المساجدَ لم تبَنَ لهذا " (2) . ش- عُبَيد الله بن عُمر: القواريري البَصري، وعبد الله بن يزيد: القرشي العدوي، وحيوة: ابن شريح. وأبو الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل بن خُويلد ابن أسَد بن عبد العُزى، أبو الأسود الأسدي المدني، قدم مصر، وكان جده: الأسود من مهاجرة الحبشة ومات بها. سمع: عروة، والقاسم ابن محمد، والأعرج، ونافعا وغيرهم. روى عنه: الزهري، ومالك ابن أنس، وحيوة بن شريح وغيرهم. روى له الجماعة (3) . وأبو عبد الله مولى شداد بن الهاد. روى عن: أبي هريرة. روى عنه: أبو الأسود. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (4) . قوله: " يُنشد ضالة " أي: يُعرّفها؛ من الإنشاد. فوله: " لم تبن لهذا " أي: لإنشاد الضالة؛ وإنما بُنيت لأداء الفرائض. وقد يدخل في هذا كل أمرٍ لم يُبن له المسجد من البيع والشراء، ونحو ذلك من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم. وقد كره بعض السلف

_ (1) في سنن أبي داود: " عبد الله " خطأ. (2) مسلم: كتاب المساجد، باب: النهي عن نشد الضالة (79/568) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: النهي عن إنشاد الضوال في المسجد (767) . (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (25/5411) . (4) المصدر السابق (10/2150) .

21- باب: في كراهية البزاق في المسجد

المسألة في المسجد. وبعض أصحابنا لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد. والحديث: أخرجه مسلم، وابن ماجه. 21- بَاب: في كرَاهِية البُزَاقِ في المَسجِد أي: هذا باب في بيان كراهية البزاق في المَسجد، وفي بعض النسخ: " باب في كراهة البزاق ". وقد ذكرنا أن الكراهية والكراهة كلاهما مصدران من كره يكره من باب علم يعلم. 456- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا هشام وشعبة وأبان، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن النبي- عليه السلام- قال: " التَّفلُ في المسجد خَطيئةٌ؛ وكفَّارَتُه: أن تُوارِيَهُ " (1) . ش- مسلم بن إبراهيم: القصاب الفَراهيدي، وهشام: ابن أبي عبد الله - سنبر- الدَّستوائي البصري، وشعبة: ابن الحجاج، وأبان: ابن يزيد، وقتادة: ابن دعامة. قوله: " التفل " - بفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان الفاء- وهو: البُصاق كما جاء في الحديث الآخر: " البصاق في المسجد خطيئة ". واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا، سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج؛ بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب خطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق. وقال القاضي عياض: البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة. وهذا باطل، والحق ما ذكرناه.

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: كفارة البزاق في المسجد (415) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيره (56- 552) .

قوله: " وكفارته أن تواريه " أي: أن تُغيّبه يعني: تدفنه، و " أن " مصدرية في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ، والتقدير: وكفارته مُواراته؛ والمعنى: انه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها. واختلفوا في المراد بدفنها؛ فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحَصبائه إن كانت فيه هذه الأشياء وإلا يُخرجها. وعن أصحاب الشافعي قولان؛ أحدهما: إخراجها مُطلقًا. والحديث: أخرجه مسلم. 457- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسولُ الله: " إن البُزَاقَ في المسجد خَطيئةٌ، وكَفارتُها دَفنُها " (1) . ش- أبو عوانة: الوضاح الوَاسطَي. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي. 458- ص- نا أبو كامل: نا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله- عليه السلام-/: " النُخَاعةُ في المسجدِ " فذكر مثله (2) . ش- أبو كامل: فُضَيل بن الحُسين الجَحدري، ويزيد: ابن زُرَيع البصري، وسعيد: ابن أبي عروبة. قوله: " النخاعة " هي النخامة؛ يقال: تنخم وتنخع، وقيل: البزاق من الفم، والمخاط من الأنف، والنخامة من الصَدر؛ وفرق بعضهم بين النخاعة والنخامة؛ فالنخاعة- بالعين- من المصدر، والنخامة- بالميم- من الرأس. قوله: " فذكر مثله " أي: مثل الحديث المذكور. 459- ص- نا القَعنبي: نا أبو مودود، عن عبد الرحمن بنِ أبي حَدرد الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة يَقولُ: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من دَخَلَ هذا المسجدَ فبَزقَ فيه، أو تَنخمَ فليَحفر فليَدفنهُ، فإن لم يفعَل فليَبزُق في ثوبه، ثم ليخرُج بهِ " (3) .

_ (1) انظر: الحديث السابق. (2) تفرد به أبو داود. (3) تفرد به أبو داود.

ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة. وأبو مَودود: عَبد العزيز بن أبي سليمان المدني الهُذَلي مولاهم؟ كان قاضيا لأهل المدينة، رأى جابر بن عبد الله الأنصاري، وسهل بن سعد الساعدي، وأنس بن مالك. وسمع: السائب بن يزيد، ونافعاً، وعبد الرحمن ابن أبي حَدرد، ومحمد بن كعب القرظي. روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، وابن أبي فديك، ووكيع، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة، وكذا قال ابن معين. روى له: أبو داود (1) . وعبد الرحمن بن أبي الحَدرد- واسمُ أبي حَدرد: عَبد الأسلمي. روى عن: أبي هريرة. وروى عنه: أبو مَودود. قال الدارقطني: لا بأس به. روى له: أبو داود (2) . قوله: " أو تنخم " من النخامة، وقال ابن الأثير: النخامة: البَزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. قوله: " فليحفر " أي: فليحفر موضعا في المسجد إن كان يمكن الحَفرُ فليدفنه. قوله: " فإن لم يفعل " أي: فإن لم يحفر، أو لم يمكن الحفرُ فليبزق في ثوبه " ثم ليخرج به " من المسجد؛ وهذا يدل على أن البزاق طاهرٌ، وكذا النخامة طاهرة، وليس فيه خلاف إلا ما حكِيَ عن إبراهيم النخعي أنه يقول: البزاق نجسٌ. 460- ص- نا هنّاد بن السرِي، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن ربعي، عن طارق بن عبد الله المُحاربي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذا قامَ الرجلُ إلى الصلاة، أو إذا صلَّى أحدُكُم فلا يَبزُقَنَّ أمامَه ولا عن يمينه، ولكن عن تِلقاءِ يَساَرِهِ إن كان فَارغَا، أو تحتَ قدمِهِ اليُسرى، ثم ليقل به " (3) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3450) . (2) المصدر السابق (17/3795) . (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية البزاق في المسجد (571) ،-

ش- هَنّاد: الدارمي الكوفي، وأبو الأحوص: سلام بن سُلَيم الكوفي. ومنصور: ابن المعتمر. ورِبعي: ابن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله الغطفاني العَبسي أبو مريم الكوفي. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وطارق بن عبد الله وغيره. روى عنه: الشعبي، ومنصور، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، قدم ربعي الشام. وسمع خطبة عمر بالجابية. قال أحمد بن عبد الله العجلي: تابعيّ ثقة، ولم يكذب كذبة قط، واَلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار؟ فأخبر غاسلُه أنه لم يزل مبتسمًا على سريره وهم يغسلونه حتى فرغوا. توفي سنة إحدى ومائة 0 روى له الجماعة (1) . وطارق بن عبد الله المحاربي: الكوفي، حديثه في أهل الكوفة. روى عنه: ربعي، وجامع بن شداد. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: " فلا يبزقن " بتشديد النون " أَمامه " أي: قدامه. اعلم أن لفظ " أمام " يطلق على مَعنيين؛ بمعنى القدام، وبمعنى الخَلف؛ وهو من الجهات الست من القسم المبهم من المكان، وهو ماله اسم باعتبار أمر غير داخل في مسمّاه، فإن نحو فوقك وتحتك يطلق على المكان باعتبار جهة العُلو أو جهة السفل، وهذه الجهة لا تدخل في مسمى المكان؛ فإن المكان الذي يصدق عليه الفوق قد يتبدل ويصير تحتاً إذا علاه الشخص، وكذلك ما يكون يمينا يتبدل باليَسار، وكذلك القدام والإمام والخلف، فهذه الأمور اعتبارية لا تدخل في مسمى المكان بخلاف الدار ونحوها.

_ = النسائي: كتاب المساجد، باب: الرخصَة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله (1/52) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: المصلي يتنخم (1021) (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 /1850) . (2) المصدر السابق (13 /2950) ./

قوله: " ولكن عن تلقاء يساره " أي: عن جهة يساره؛ وقال في " الصحاح ": التَّلقاء مَصدر مثل اللِّقاء، وذكر في كتاب " الهادي " أن إزاء، وحذاء، وحذوة، وحذة، وحيالاً، ومَنًا، وأمما، وقبالةً /ومُقابلاً، ومُستقبلا، ووُجَاهًا، وتُجاهًا، وَذَممًا، وتلقاءً كلها بمعنى واحد، ويُقال: حذانا، وتلقانا، وإزانا، وداري حذاءَ دارك، وحذوة داركَ، وحذ [ة] دارك، وأمَم دارك، وذَمَم دارك، ومنا دارك، وقَعدَ فَلانِّ حِذاءَك وبحذائك، وحيالك، وبحيالك، وإزائك، وبإزائك، وتِلقاءك، ولا يقال: بتلقائك، فافهم. قوله: " إن كان فارغًا " أي: إن كان يَسارُه فارغًا- يَعني: إن تمكّن من البَزق عن (1) يساره، وإن لم يتمكن فليبزق تحت قدمه اليُسرى، وهو معنى قوله: " أو تحت قدمه اليُسرى ". قوله: " ثم ليقل به " قد مرّ غير مرّة أن لفظ القول يُستعمل عند العرب في مَعانِي كثيرة؛ والمعنى هاهنا: ثم ليدفنه. وهذا الحديث في حق من كان خارج المسجد، أما الذي في المسجد فلا يبزقُ إلا في ثوبه لقوله - عليه السلام- " البزاق في المسجد خطيئةٌ " فكيف يأذن فيه- عليه السلام-، وإنما نهَى [عن] البُصاق أمامه تشريفا للقبلة، وعن يمينه تَشريفا لليمين. وجاء في رواية للبخاري: " إن عن يمينه ملكا ". ويُستفاد من الحديث: أن البُصاق لا يبطل الصلاة، وكذا التنخع إذا لم يبن منه حروفٌ اللهم إذا غلب عليه. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث طارق حديث حسن صحيح. 461- ص- نا سليمان بن داود: نا حماد: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: بَينما رسولُ الله- عليه السلام- يَخطُبُ يومًا إذ رأى نُخامةً في قِبلَةِ المسجدِ، فَتغيَّظَ علىَ الناسِ ثم حَكَّها. قال: وأَحسَبُه قال: وَدَعَا

_ (1) في الأصل " من ".

بزعفران فلطَّخَهُ به قال (1) : وقال: " إن اللهَ عز وجل قبَلَ وجه أَحدكُم إذا صَلَّى، فًلا يَبزُق بَين يديهِ " (2) (3) . ش- سليمان بن داود: الزَّهراني، وحماد: ابن زَيد، وأيوب: السختياني. قوله: " بَينما " قد ذكرنا مرة أن " بينما " أصله: " بَين " فأشبعت الفتحة فصار: " بَينا " ثم ألحقت الميم فصار: " بَينما " فكلاهما يستعملان بمَعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبرٍ؛ وهاهنا أُضيفت " بينما " إلى المبتدأ والخبر؛ لأن قوله: " رسول الله لما مبتدأ، وقوله: " يخطب " خبرُه، وهما يحتاجان إلى جواب يتم به المعنى؛ وجواب " بينما " هاهنا: قوله: " إذ رأى نخامةً ". قوله: " فتغيظ " من الغيظ؛ وهو صفة تعترض للرجل عند احتداده لمُحركٍ لها. قوله: " قال: وأحسبه قال " أي: قال نافع: وأظن ابن عمر قال: " ودعا بزعفران " أي: وطلب رسول الله بزعفران " فلطخه " أي: لطخ موضع النخامة بالزعفران.

_ (1) كلمة " قال " غير موجودة في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد في المسجد (406) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (50- 547) . (3) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: قال أبو داود: رواه إسماعيل وعبد الوارث، عن أيوب، عن نافع. ومالك وعبيد الله وموسى بن عقبة، عن نافع نحو حماد، إلا أنهم لم يذكروا " الزعفران ". ورواه معمر، عن أيوب، وأثبت " الزعفران " فيه، وذكر يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع " الخلوق ".

قوله: " قال: وقال " أي: قال ابن عمر: وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: " قبل وجه أحدكم إذا صلى " تأويله: أن القبلة التي أمره الله عز وجل بالتوجه إليها للصلاة قبلَ وجهه، فليصنها عن النخامة؛ وفيه إضمار وحذف واختصار؛ كقولهَ تعالى: (وَاشربُوا في قُلُوبهمُ العجلَ) (1) أي: حُبّ العجل، وكقَوله تعالى: (واسأل القَرية) (2) أي: أهل القرية؛ وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالىَ على سبيل التكرمة؛ كما يقال: بَيت الله، وكعبة الله، وناقة الله. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. 462- ص- ثنا يحمى بن الفضل السِّجستاني، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن (3) قالوا: نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل-: نا يعقوب بن مجاهد أبو حَزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال (4) : أتينا جابرًا- يعني: ابنَ عبدِ اللهِ- وهو في مسجده، فقال: أتَانا رسولُ الله في مسجدِنَا هذا وفي يده عُرجونُ ابنِ طاب، فنظًرً فَرَأى في قبلَة المسجد (5) نُخَامةً، فأقبلَ عليها فحَتَّهَا بالعُرجُونِ، ثمً قال: " أيكُم يُحبّ أنَ يُعرِضً اللهُ- تعالى (6) عنه؟ إن أحدَكُم إذا قامَ يُصلِّي فإن اللهَ عز وجل قِبَلَ وجهِهِ، فلا يَبصُقَنَّ قبَلَ وجهِهِ، ولا عن يمينِه، وليَبصُق عن يَساره تحتَ رجلهِ اليُسرى، فإن عَجِلًت به بَادرَةٌ فليَقُل بثوبهَ هكذا " - وضَعَهُ (7) على فيهِ ثَم دَلَكَهُ - " أرُونِي عَبيرا " فقامً فتًى من الحيًّ يَشتدُّ إلى أهلهِ فجَاءَ بخلُوق في راحته، فأخذَهُ رسولُ اللهِ فجعَلَه على رأسِ العُرجُونِ، ثَم لَطَخَ به على أثَرِ النُّخاَمَةِ. فقال جابرٌ: فَمِن هناك جَعلتُمُ الخَلُوقَ في مَساجِدِكُم (8) .

_ (1) سورة البقرة: (93) . (2) سورة يوسف: (82) . (3) في سنن أبي داود: ".. وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان بهذا الحديث، وهذا لفظ يحيى بن الفضل السجستاني ". (4) كلمة " قال " غير موجودة في سنن أبي داود. (5) غير موجود في سنن أبي داود. (6) في سنن أبي داود: " أن يعرض الله عنه بوجهه، ثم قال: إن.. ". (7) في سنن أبي داود: " ووضعه ". (8) تفرد به أبو داود.

ش- يحيى بن الفضل السَجِستاني: أحد شيوخ أبي داود، وكذلك هشام بن عمار الدمشقي. وسليمان بن عبد الرحمن: ابن عيسى بن ميمون، أبو أيوب التميمي الدمشقي، ابن بنت شرحبيل. سمع: يحيى بن ضمرة، وابن عيينة، وعيسى بن يونس وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم، والبخاريّ. ثم روى عن رجل، عنه، وأبو داود. وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن رجل، عنه، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق، مستقيم الحديث؛ ولكنه أروى الناس/عن الضعفاء والمجهولين. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (1) . وحاتم: ابن إسماعيل الكوفي أبو إسماعيل المدني نزل المدينة، مولى بني عبد المدَان من بني الحارث بن كعب. سمع: هشام بن عروة، وجعفر بن محمد، وأبا حَزرة يعقوب بن مجاهد وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهَويه، والقعنبي وغيرهم. سئل يحيى بن معين عنه فقال: لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة. وقال الخطيب: كان ثقة، مات ببغداد سنة ثمان وعشرين ومائتين في شهر رمضان (2) . ويَعقوب بن مجاهد أبو حَزرة: القاصّ المدني. وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: أبو الصامت الأنصاري المدني. سمع: كعب بن عَمرو، وجابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأباه. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويعقوب بن مجاهد، ومحمد بن عجلان وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " وفي يده " الواو قيه للحال. قوله: " عرجون ابن طاب " العُرجون- بضم العين- هو العُود الأصفر

_ (1) انظر- ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2544) . (2) المصدر السابق (5/992) . (3) المصدر السابق (14/3111) .

الذي فيه. الشماريخ إذا يبس واعوج؛ وهو من الانعراج، وهو الانعطاف، وجمعه: عراجين، وذكره الجوهري في حرف النون، وقال غيره: الواو والنون زائدتان، وقوله: " عرجون ابن طاب " وهو نوع من تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب، رجل من أهلها، كما قيل: لون ابن حبيق، ولون كذا ولون كذا، فمن عادتهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحدٍ. قوله: " فحتَّها بالعرجون " أي: حكها وقشرها؛ الحتُّ والحكّ والقشر بمعنى واحد. قوله: " فلا يبصقن قبل وجهه " تعظيما للقبلة، " ولا عن يمينه " لأجل الملك أو لشرفها، " وليَبصُق عن يَساره تحت رجله اليسرى " هذا- أيضا- في حق المصلي خارج المسجد؛ لأنا قد ذكرنا أنه - عليه السلام - نهى [عن] البُصَاق في المسجد مطلقا، وكيف يأمرُ به ولا يَبزق في المسجد إلا في ثوبه؟ ! قوله: " فإن عجلت به بادرة " أي: حدّةٌ؛ وبادرة الأمر: حدّته؛ والمعنى: إذا غلبه البصاق أو النخامة " فليَقُل بثوبه هكذا ". قوله: " وضعه على فيه " تفسير لقوله " فليَقُل بثوبه " ولأجل ذلك ترك العاطف أي: وضع ثوبه على فمه " ثم دلكه " أي: دلك الثوب حتى يتلاشى البزاق منه. وهذا- أيضا- يدل على طهارة البزاق والنخامة. قوله: " أروني عبيرا " العَبير- بفتح العين، وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف- أخلاط تجمع بالزعفران؛ قاله الأصمعي. وقال أبو عُبَيدة: العبِير عند العرب: الزعفران وحده. والصحيح: أنه غير الزعفران. قوله: " يشتَدّ إلى أهله " من قولهم: اشتد إذا عدى؛ والشد: العَدوُ. قوله: " فجاء بَخَلُوق " - الخلوق- بفتح الخاء العجمة، وضم اللام، وفي أخره قاف- طيب معروف مُركبٌ يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصّفرة، وهو من طيب النساء.

ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: إذا رأى أحد نخامة في المسجد يَحُتّها. والثانية: أن المصلي لا يَبصق قبل القبلة ولا عن يمينه؛ بل يبصق تحت رجله اليسرى، كما فسر في الحديث. والثالثة: أن البصاق لا يفسد الصلاة. والرابعة: جواز استعمال الخلوق في المساجد. والخامسة: جواز حمل العصا. والحديث: أخرجه مسلم مُطولا. وهذا الحديث متأخر عن الحديث الذي يأتي في بَعض النسخ، وكذا في " مختصر السنن " لزكي الدين. 463- ص- نا يحيى بن حبيب بن عربي: نا خالد- يعني: ابن الحارث-، عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري أن النبيَ- عليه السلام- كان يُحب العَرَاجينَ، ولا يَزالُ في يده منها، فدخل المسجدَ فرأى نُخَامة في قبلَةِ المسجدِ لحكَّها، ثم اقبلَ علىً الناسِ مُغضبًا فقال: " أيَسُر أحدُكُم أنَ يُبصقَ في وجهِهِ؟ إن أحدَكُم إذا استقبلَ القِبلةَ فإنما يَستقبلُ ربَّه عز وجل، والمَلَكُ عن يمينه، فلا يَتفُل عن يمينه ولا في قبلَتِهِ، ولَيَبسُق (1) عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِهِ، َ فإن عَجِلَ به أمر فليقل هكذا ". ووصفَ لنا ابنُ عَجلانَ ذلكَ: أن يَتفُلَ في ثَوبه ثم يَرُدَ بَعضَه /على بعضٍ (2) . ش- يحيى بن حبيب بن عربي: الحارثي، وقيل: الشيباني، أبو زكرياء البَصري. روى عن: حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وخالد بن الحارث وغيرهم. روى عنه: مُسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم. وقال: صدوق. مات بالبصرة سنة ثمان وأربعين ومائتين (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: " وليبصق " بالصاد، وهي لغة. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6806) .

وخالد: ابن الحارث بن عُبيد بن سليمان، أبو عثمان البصري. روى عن: هشام بن عروة، وأيوب السختياني، وابن عجلان وغيرهم. روى عنه: محمد بن الثنى، وعمرو بن علي، ومحمد بن الفضل. وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. قال أبو زرعة: كان يقال له: خالد الصدق. توفى بالبصرة سنة ست وثمانين ومائهَ. روى له الجماعة (1) ومحمد بن عجلان، قد ذكر. وعياض بن عبد الله: ابن سَعد بن أبي سَرح بن الحارث القرشي العامري. روى عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله. روى عنه: زيد بن أسلم، وسعيد المقبري، ومحمد بن عجلان وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات بمكة. روى له الجماعة (2) قوله: " يحب العراجين " جمع عرجون؛ وقد ذكرناه. قوله: " مغضبًا " حال من الضمير الذي في " أقبل ". قوله: " فلا يتفل عن يمينه " هذا تنزيه لجهة اليمين عن الأقذار كما نزهت تصريف الميامين، أو تنزيه الملائكة كما جاء " والملك عن يمينه " وقال بعضهم: فيه دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد ما يكتب لكونه في طاعة؛ لأنه علّل منع البصاق لكون الملك هناك وأباحه على اليسار. وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: " لا يبزق عن يمينه: فعن يمينه كاتب الحسنات؛ ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره ". فإن قيل: قد رُوِيَ عنه- عليه السلام-: أن الكرام الكاتبين لا يُفارقان العَبد إلا عند الخلاء والجماع. قلت: هذا حديث ضعيف لا يحتج به. قوله: " وليَبسق " بالسين لغة في " ليَبصُق ". (1) المصدر السابق (8/1598) . (2) أصدر السابق (22/4607) .

قوله: " فإن عجل به أمر " بمعنى: غلبه البُصاق. 464- ص- نا أحمد بن صالح: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عَمرو، عن بكر بن سَوادة الجُذامي، عن صالح بن خَيوان، عن أبي سَهلة السائب بن خلاد- قال أحمد: من أصحاب النبي- عليه السلام- أن رجلاَ أمَ قومًا فبَصقَ في القبلة ورسولُ الله ينظُرُ، فقال رسولُ الله حين فَرغَ: لا يُصلِّي لكُم " فأراد بَعدً ذلكَ أن يصَلِّي لهم فمَنعُوهُ، وَأخبَرُوه بقول رسول اللهِ، فذكَر ذلك لرسول الله فقال: " نعم " وحسبتُ أنه قال: " إنكً آذَيتَ اَللهَ ورسولَه " (1) .ً ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري. وعمرو: ابن الحارث المصري. وبكر بن سوادة الجذامي المصري. وصالح بن خيوان- بالخاء المعجمة- كذا قال في " الكمال " وعن أبي داود: ليس أحد يقول: خيوان- يعني: بالخاء منقوطة- إلا قد أخطأ. وقال ابن ماكولا: قال ابن يونس: بالحاء المهملة. وكذا قاله البخاري؛ ولكنه وهم. وقال الدارقطني: بالخاء المعجمة- كما قال في " الكمال " السَبي (2) المصري. روى عن: عقبة بن عامر الجهني، وعبد الله بن عمر، وأبي سهلة السائب بن خلاد. روى عنه: بكر بن سوادة الجذامي. روى له: أبو داود (3) . والسائب بن خلاد الجهني أبو سَهلة. روى عن: النبي- عليه السلام-: " مَن أخاف أهل المدينة " وحديث صالح بن خيوان عنه هذا الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: " قال أحمد: من أصحاب النبي " أي: قال أحمد بن صالح

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " الشيباني " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2804) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/103) ، أسد الغابة (2/313) ، الإصابة (2/10) .

المذكور: السائب بن خلاد من أصحاب النبي- عليه السلام-؛ وإنما قال ذلك لنفي قول بعضهم: إنه ليس بصحابي، أو إنه لم يَرو عن (1) النبي - عليه السلام-. قوله: " بصق " يعني: وهو في الصلاة. قوله: " فذكر ذلك " أي: ذكر ذلك الرجل كون رسول الله منعه من الإمامة، فقال رسول الله: " نعم " منعتك عن أن تؤم بهم. قوله: " وحسبتُ أنه قال " من كلام الٍسائب أي: ظننت أنه- عليه السلام- قال للرجل: " إنك آذيت الله ورسوله "؛ والمعنى: إنه فعل فعلا لا يُرضي الله ولا رسوله. وذكر ابن خالويه أن النبي- عليه السلام- لما رأى النخامة في المحراب قال: " مَن إمام هذا المسجد؟ " قالوا: فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزل النبي- عليه السلام- زَوجي عن الإمامة؟ فقيل: رأى نخامة في للحراب، فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز- عليه السلام- بالمسجد فقال: " من فعل هذا؟ " قيل: امرأة الإمام، قال: " قد وهبتُ ذنبه لامرأته، ورددته إلى الإمامة "، فكان هذا/أول خلوق كان في الإسلام. 465- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيد الجُريري، عنِ أبي العلاء، عن مُطرِّف، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وهو يُصَلَي فبَزق تحتَ قَدمِهِ اليُسرى (2) . ش- حماد: ابن سلمة، وسَعيد: ابن إياس، أبو مسعود الجُرَيري النَّضريّ. وأبو العلاء: يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري الكوفي، أخو مُطَرَف. روى عن أبيه عبد الله، وأخيه مُطَرف، وأبي هريرة، وابن

_ (1) في الأصل: " من ". (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في السجد في الصلاة وغيرها (58- 554) .

عَمرو، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم. روى عنه: قتادة، والجُريري، وكهمس وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائة. روى له الجماعة (1) . ومُطرف: ابن عبد الله بن الشخير، أخو أبي العلاء المذكور؛ وقد ذكرناه مرةً. وأبوه: عبد الله بن الشخِّير بن عوف بن كعب العامري. روى عنه: ابناه: مُطرف ويزيد. روى له: مسلم حديثا واحدًا. وروى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (2) . والشخير: بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة وكسرها، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة. قوله: " وهو يُصلي " جملة وقعت حالا؛ وهذا كان في غير المسجد؛ لأنه- عليه السلام- نهى عن البزاق في المسجد مُطلقا. 466- ص- نا مُسدد: نا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن أبي العلاء، عن أبيه بمعناه زاد: ثم دلكه بنعله (3) . ش- أي بمعنى الحديث المذكور، وزاد في هذه الرواية بعد قوله: " فبزق تحت قدمه اليُسرى ": " ثم دلكه بنعله ". وفيه استحباب دلك البزاق بعد رَميه على الأرض. وأخرجه مسلم بنحوه. 467- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الفرج بن فضالة، عن أبي سَعد قال: رأيتُ وَاثلةَ بنَ الأسقع في مَسجد دمشق بَصَقَ على البُوري ثم مَسحه برجلِه فقيل له: لم فعلتَ هذا؟ قالَ: لأني رأيتُ رسولَ اللهِ يَفعلُه (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7014) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/88 3) ، أسد الغابة (3/274) ، الإصابة (2/324) . (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها (58 - 554) . (4) تفرد به أبو داود.

ش- الفرجُ- بالجيم- بن فضالة: ابن النعمان بن نعيم الشامي الحمصي، وقيل: الدمشقي، أبو فضالة القضاعي. روى عن: يحيى ابن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عامر وغيرهم. روى عنه: شعبة، وبقية بن الوليد، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال ابن سعد: كان يسكن مدينة أبي جعفر، ومات بها سنة ست وتسعين ومائة وكان ضعيفا. وقال البخاري عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث. وقال البرقاني: سألت الدارقطني عنه فقال: ضعيف. وقال ابن عديّ: وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال معاوية بن صالح: قال أحمد: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وأبو سَعد: الدمشقي. روى عن: واثلة بن الأسقع. روى عنه: الفرج بن فضالة. روى له: أبو داود (2) . وواثلة بن الأسقع: ابن كعب بن عامر، أبو الأسقع، أو أبو قرفاصة، أو أبو محمد، أو أبو الخطاب، أو أبو شداد، أسلم قبل تبوك والنبي- عليه السلام- يتجهز لها، وشهدها مع النبي- عليه السلام-، وكان من أهل الصفة. رُوِيَ له عن رسول الله ستة وخمسون حديثا. روى عن: أبي مرثد الغنوي، وأم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. روى له البخاري حديثًا واحدا ومسلم آخر، سكن الشام، ونزل بيت جبرين من أرض الشام؛ وهي بلدة بالقرب من بيت المقدس، وقد دخل البَصرة وله بها دارٌ. روى عنه: عبد الواحد بن عبد الله النصري، وشداد بن عبد الله، وأبو إدريس الخولاني، ومكحول، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست وثمانين في ولاية عبد الملك بن مروان، وهو ابن ثمان وتسعين. روى له الجماعة (3)

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4714) . (2) المصدر السابق (33/7385) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/643) ، أسد الغابة (5/428) ، الإصابة (3/626) . 26 * شرح سنن أبي داوود 2

22- باب: في المشرك يدخل المسجد

قوله: " على البوري " - بضم الباء الموحدة، وكسر الراء، وتشديد الياء- وهو الحصير المعمول من القصب؛ يُقال: بُوريّة وبارِيّة- مشددتان - وبُرِياء، وبَارياء- مخففتان ممدودتان. وقال الأصمعي: البُورياء بالفارسية، وهو بالعربية: بَاري- وبوري وكذلك البارئةُ كلها بتشديد الياء. قوله: " لأني رأيتُ رسول الله يَفعله " أي: كان يفعل كما فعله. فإن قلت: قد صح عنه- عليه السلام- أنه قال: " التفل في المسجد خطيئة " كما ذكرنا، وكيف التوفيق بينه وبَين هذا الحديث؟ قلت: هذا ليس بتَفل في المسجد؛ وإنما هو مثل التفل في ثوبه، على أن ذلك الحديث/صحيح، وهذا حديث ضعيف؛ لأن فيه فرج بن فضالة. *** 22- بَاب: في المُشرك يَدخُل المَسجدَ أي: هذا باب في بيان حكم المشرك إذا دخل المسجد، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في المشرك يَدخل المسجد " (1) . 468- ص- نا عيسى بن حماد: أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقولُ: دخلَ رجل على جمَلٍ فأناخَهُ في المسجد ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أيكُم محمدا؟ - ورسولُ الله متكئ بينَ ظَهرَانَيهِم-، فقَلنا له: هذا الأبيضُ المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلبِ! فقال له النبي- عليه السلام-: " قد أجبتُكَ " فقال الرجل: إنى يا محمدُ سائِلُكَ (2) وَسَاقَ الحديثَ (3) .

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " يا محمد! إني سائلك ". (3) البخاري: كتاب العلم، باب: ما جاء في العلم (63) ، النسائي: كتاب الصيام، باب: وجوب الصيام (4/121) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمِس وللحافظة عليها (1402) .

ش- عيسى بن حماد: التُجِيبي المصري، والليث: ابن سَعد. وشريك بن عبد الله بن أبي نمر: القرشي، أبو عبد الله المدني. سمع: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. روى عنه: سعيد المقبري، ومالك بن أنس، والثوري وغيرهم. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بعد سنة أربعين ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) . فوله: " على جمل " الجمل زوج الناقة، والجمع: جمال وأجمال وجمالات وجمائل. قو له: " فأناخه " أي: برَكه. قوله: " ثم عَقَله " أي: ربطه بالعِقال؛ وهو الحبل الذي يعقل به البعير، أي: يُشَذُ. قوله: " متكئ بين ظَهرانيهم " يُقال: قعد بين ظَهرانيهم وبَين أظهُرهم؛ ومعناه: قعد عَلى سبيل الاستظهار والاستناد إليهم؛ وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيداً؛ ومعناه: أن ظَهراً منهم قدامه وظهراً وراءه، فهو مكتوف من جانبَيه ومن جوانبه إذا قيل: بَين أظهرهم. وقال الأصمعي: يقال: بين ظَهريهم وظهرانَيهم ومعناه: بَينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العربُ تضع الاثنين موضع الجمع. وقد قيل: أصل قولهم: " بين ظهرانيهم وأظهرهم ": بينهم: وإنما زيد الظهر أو الأظهر للتأكيد. ومَعنى قوله: " متكئ " قاعد على وَطاء. قال الخطابي (2) : " كل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ، والعامّة لا تعرف المتكئ إلا مَن مالَ في قعوده مُعتمدا علىً أحَد جَنبَيه (3) ". قلت: متكئ: اسمُ فاعل من اتكأ، أصله: وَكأ، فنُقِل إلى باب الافتعال، فصار اوتكا، فأبدلت الواو تاءَ، ثم أدغمت في الأخرى فصار اتكأ.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2737) . (2) معالم السنن (1/125) . (3) في معالم السنن " شقيه ".

قوله: " قد أجَبتك " إنما قال له هذا القول ولم يتلفظ بالإجابة " (1) لأنه كره أن يدعوه باسم جلّد، وأن يَنسبه إليه إذ كان جده عبد المطلب كافرا غير مُسلم، وأحمت أن يدعوه باسم النبوة أو الرسالة. فإن قيل: قد ثبت عنه أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار فانهزموا: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب قلت: لم يذكره افتخاراً؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفّار؛ كما في هذا الحديث؛ ولكنه ذكّرهم بهذا رويا كان عبد المطلب رآها له أيام حياته وكانت إحدى دلائل نبوته، وكانت القصة فيها مشهورة عندهم، فعرفهم شأنها، وأذكرَهم بها، وخروج الأمر على الصدق فيها ". قوله: " وساق الحديث " أي: سَاق أنس الحديث، وتمامه: يا محمدُ! إني سَائلك فمُشتد عليك في المسألة؛ فلا تجد عليَ في نفسك، فقال: " سَل ما بَدا لك " فقال الرجل: نشدتك بربك ورب من كان قبلك، اللهُ أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله: " اللهم نعم " قال: فأنشدُك الله، آللهُ أمرَكَ أن نُصلي الصلوات الخَمس في اليوم والليلة؟ قال: " اللهم نعم "، قال: أنشدُك الله، آللهُ أمَرك أن تصومَ هذا الشهرَ من السنةِ؟ قال رسول الله: " نعم " قال: أنشدك الله، اللهُ أمرك أن تأخذَ هذه الصدَقةَ من أغنيائنا فتَقسمُها على فقرائنا؟ قال رسول الله: " اللهم نعم " قال الرجل: آمنت بما جئتَ به؛ فأنا رسولُ مَن ورائي من قومي، وأنا ضمامُ بن ثعلبة أخو بَني سَعد بن بكر ". أخرجه البخاري، والنسائي، وابن مَاجه، وأحمد في " مسنده ". وقوله: " فلا تجد عليَ " من وَجَدَ عليه إذا غضب. قوله: " ما بدا لك " أي: ما ظهر لك مما في خاطرك. قوله: " نشدتُك بربك " أي: سألتك وأقسمت عليك بربك/وكذا ناشدتك الله وبالله، وأنشدك الله وبالله، وقد ذكرناه مرة. قوله:

_ (1) انظر: معالم السنن (1/125- 126) .

" آللهُ أرسلك " بهمزة الاستفهام في أوّله، وأصله أأدلهُ بهمزتين مفتوحتين، فقلبت الثانية ألفًا للتخفيف فصار: " آلله " - بالمد. قوله: " اللهم نَعَم " ذكر " اللهم " هاهنا ليدل على تيقن المُجيب في الجواب، كأنه يناديه تعالى مُستشهدا على ما قال من الجواب، كما في قولك لمن قال: أزيد قائم: اللهم نعم. وقد ذكرنا مثل هذا مرةً. فإن قيل: كيف قنع هذا الرجل باليمن ولم يطلب الدليل؟ قلت: إنه استقرأ الأدلة قبل ذلك وأكَّد باليمن. قوله: " ضمام " بكسر الضاد المعجمة؛ وكانت بنو سَعد بن بكر بعثوه وافدا إلى رسول الله، قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وقال الواقدي عن ابن عباس قال: بعثت بنو سَعد بن بكر في رجب سنة خمس من الهجرة. ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر المسجد؛ وهو حجة على مالك حيث منعه عن ذلك مستدلا بقوله: (إنَّما المُشرِكُونَ نَجَسٌ) (1) قلنا: المراد به: نجاسة الاعتقاد؛ لا نجاسة الذاتَ. الثانية: جواز إدخال الحيوان الذي يؤكل لحمه في السجد لأجل الحاجة. الثالثة: فيه حجة لمن يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوان، فافهم وغير ذلك من الفوائد التي يستخرجها مَن له ذهن ذكي، وفهم قوي. 469- ص- نا محمد بن عَمرو: نا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق: حدثني سلمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نُوَيفع، عن كُريب، عن ابن عباس قال: بَعَثَت بنُو سَعدِ بنِ بَكرٍ ضمَامَ بنَ ثعلبةَ إلى رسول الله، فَقدمَ عليه، فأناخَ بَعيرَه على باب المسجد، َ ثم عَقَلَهُ، ثم دَخَل المسجَدَ. فذكَرَ نحوه، قال: فقال: أيُّكُم ابن عبد المطَلب؟ فقال رسول الله: " أنا ابن عبدِ المطلبِ " قال: يا ابنَ عبدِ المطلَبِ، وسَاق الحديثَ (2) . ش- محمد بن عَمرو: الطلاّس المَعروف بزُنَيج؛ وقد مر، وسلمة: ابن الفضل، أبو عبد الله الأبرش، وسلمة بن كُهيل: الكوفي.

_ (1) سورة التوبة: (28) . (2) تفرد به أبو داود.

23- باب: المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة

ومحمد بن الوليد بن نُويفع: المديني الأسدي، مولى الزبير بن العوام. روى عن: كريب مولى ابن عباس، وأمّه مولاة لرافع بن خَديج. روى عنه: ابن إسحاق. قال الدارقطني: هو من أهل المدينة يُعتبر به. روى له: أبو داود (1) . وهذه الرواية تدل على أنه لم يُدخل بَعيرَه في المَسجد؛ البعير: الجملُ البازلُ، وقيل: الجذعُ، وقد يكون للأنثى، وحكى عن بعض العرب: شربتُ من لين بعيري، وصَرعتني بعيرٌ لي، وفي " الجامع ": البعيرُ بمنزلة الإنسان، يجمع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيتَ جملا على البُعد قلت: هذا بعيرٌ، فإذا استثبتَّه قلت: جمل أو ناقة؛ ويجمع على أبعرة وأباعِرَ وأباعِير وبُعران وبَعران. 470- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا عَبد الرزاق: أنا مَعمر، عن الزهري: نا رجلٌ من مُزَينَة ونحنُ عندَ سعيد بنِ المسيّب، عن أبي هريرة: قال: اليهودُ أَتَوا النبيَ- عليه السلام- وهو جَاَلسٌ في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القَاسم، في رجلِ وامرأةِ منهم زَنَيا (2) . ش- رجل من مزينة مجهول. وقد أخرجه في الحدود والقضايا أتم منه، وإنما ذكر هذا المقدار هاهنا لأجل تَبويبه؛ وهو دخول المشرك المسجد؛ وسنذكر ما فيه من المعاني عند انتهائنا إلى كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. *** 23- بَابُ: المَواضِع الّتي لا تَجُوز فيها الصلاة أي: هذا باب في بيان حكم المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في المواضع ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5675) . (2) تفرد به أبو داود، وأخرجه أبو داود كذلك برقم (3624، 4450 4451)

471- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عُمير، عن أبي ذر قال: قال رسول الله- عليه السلام- " جُعِلَت ليَ الأرضُ طَهورًا ومَسجِدًا " (1) . ش- جرير: ابن عبد الحميد الرازي. وعُبيد بن عُمَير: ابن قتادة بن سَعد بن عامر بن جُندع الليثي، أبو عاصم المكيّ، قيل: إنه رأى النبي- عليه السلام-، وقال مسلم بن الحجاج: ولد في زمن النبي- عليه السلام-، وهو قاص أهل مكة. سمع: عمر بن الخطاب، وابنه: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن عَمرو، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة: هو ثقة. روى له الجماعة (2) . فوله: " طهورًا " - بفتح الطاء- وهو ما يتطهر به؛ وفيه إجمال يُفصّله حديث حذيفة بن اليمان: " جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طَهُورا " /ولم يذكره أبو داود في هذا الباب؛ وإسناده جيد، عن مسدّد، عن أبي عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. وهذا على مذهب الامتنان على هذه الأمّة بأن رخص لهم في الطهور بالأرض، والصلاة عليها في بقاعِها، وكانت الأمم المتقدّمة لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم؛ وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى، وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي ذكرناه. واحتج بهذا الحديث أبو حنيفة أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض من

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/441) ، أسد الغابة (3/545) ، الإصابة (3/78) .

رَمل وجَص ونورة وزرنيخ ونحوها، وبه قال مالك وغيره. واحتج الشافعي، وأحمد برواية حذيفة يناء على أصله أنه يحمل المطلق على المقيد. وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله بمعناه أتم منه. 472- ص- نا سليمان بن داود: أنا ابن وَهب: حدثني ابن لهيعة ويحيى ابن أزهر، عن عمّار بن سَعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن عليا - رضيِ الله عنه- مَرّ ببابلَ وهو يَسيرُ، فجاءَهُ المُؤَذنُ يؤذِنُه بصلاة العَصرِ، فلمّا بَرزَ منها أمر المؤذنَ فأقامَ الصَّلاةَ، فلما فرغَ قال: إن حِبِّي (1) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهانِي أن أصلي في المَقبرَةِ، ونَهاني أن اصفي في أرضِ بابلَ؛ فإنها مَلعونةٌ (2) . ش- سليمانِ بن داود: الزَّهراني، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة قاضي مصر. ويحيى بن أزهر: المصري. روى عن: حجاج بن شداد، وأفلح بن حميد، وعمار بن يسد. وروى عنه: ابن القاسم وغيره. قال الذهبي: ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائة. روى له: أبو داود (3) . وعمار بن سَعد: السَّلهَمي، وسَلهم من مُراد، المصري، حدّث عن: أبي صالح الغِفاري، ويزيد بن رباح. روى عنه: ابن لهيعة، وحيوة بن شريح، ويحيى بن أزهر وغيرهم. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له: أبو داود (4) . وأبو صالح: سعيد بن عبد الرحمن الغِفاري مولاهم البصري. قال في " الكمال ": روى عن: علي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر، وصلة بن الحارث الغِفاري صاحب النبي- عليه السلام-، وقال ابن

_ (1) في سنن أبي داود: " حبيبي ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6779) . (4) المصدر السابق (21/4162) .

يونس: يروي عن: علي بن أبي طالب وما أظنه سمع من عليّ. ويروي عن: أبي هريرة. روى عنه: الحجاج بن شداد الصنعاني، وعمار بن سعد (1) المرادي. روى له: أبو داود (2) . قوله: " مر ببابلَ " بابل: أقدم أبنية العراق، ونُسب ذلك الإقليم إليها لقدمه؛ وكانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها، وبها آثار أبنية من قديم الزمان، ويقال: إن الضحاك أول مَن بنى بابل، ويقال: القي إبراهيم في النار ببابل، واليوم هي خراب، وفي موضعها قرية صغيرة: وهي غير منصرف للعلمية والعجمة. قوله: " يؤذنه " أي: يعلمه؛ من آذن- بالمد- يؤذن. قوله: " إن حبّي " الحِب- بكسر الحاء- بمعنى: الحبيب، مثل خِدن وخَدينٍ. قوله: " أن أصلي في المقبرة " المقبرة- بفتح الباء وضمها- واحدة المقابر. و" (3) اختلف العلماء في تأويل هذا الكلام؛ فكان الشافعي يقول: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم، لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته، قال: وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه. وهذا- أيضا- قول أصحابنا. ورخّص عبد الله بن عمر في الصلاة في المقبرة وحكِيَ عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر. وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك. ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف. واحتج بعض من لم يجز الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقوله- عليه السلام-: " صَلُوا في بيوتكم، ولا تتخذوها مقابر " قال: فدل ذلك على أن المقبرة ليست بمحل للصلاة ".

_ (1) في الأصل: " سعيد " خطأ. (2) المصدر السابق (10/2318) . (3) انظر معالم السنن (1/127) .

قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأن المعنى: لا تتخذوها خالية عن العبادات كالمقابر؛ لا أن المعنى أن المقابر لا تجوز فيها الصلاة. قوله: " فإنها ملعونة " أي: فإن أرض بابل ملعونة بمعنى: أن أهلها كانت ملعونة، ولهذا خسف بهم، والأرض لا توصف باللعنة؛ ويؤيد ذلك ما روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن أبي المُحِلّ العامري قال: كنا مع على فمررنا على الخسف الذي ببابلَ فلم يعدل حتى أجازه. وعن حجر بن عنبس الحَضرمي، عن عليّ قال ما كانت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرار. قال البيهقي: وهذا النهي إن ثبتَ مرفوعا وليس بمعنى يرجع إلى الصلاة، إذ لو صلى فيها لم يُعد، وإنما هو كما جاء في قضيّه الحجر. وقال ابن يونس: أبو صالح الغفاري روى عن علي وما أظنه سمع منه. وقال ابن القطان: في سَنده رجال لا يعرفون. وقال عبد الحق: هو حديث واهي. وقال البَيهقي في " المعرفة ": إسناده غير قوي، وقال: /في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرّم الصلاةَ في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصحّ منه وهو قوله- عليه السلام-: " جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، ويُشبه أن يكون معناه- إن ثبت-: أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها. ويخرج النهي فيه على الخصوص؛ ألا تراه يقول: " نهاني "؟ ولعل ذلك منه إنذار له بما أَصَابه مِن المحنة بالكوفة- وهي أرض بابل- ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة. 473- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يحيى بن أزهر، وابنُ لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغِفاريّ، عن عليّ - رضى الله عنه- بمعنى سليمان بن داود قال: " فلمَا خرَجَ " مكان " لما برز " (1)

_ (1) انظر الحديث السابق.

ش- الحجاج بن شداد: الصنعاني، يُعذ في المصريين. روى عن: أبي صالح. روى عنه: ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، وحيوة بن شريح. روى له: أبو داود. قوله: " بمعنى سليمان بن داود " أي: بمعنى، حديث سليمان بن داود الزهراني المذكور. قوله: " قال " أي: قال أحمد بن صالح في روايته: " فلما خرج منها " مكان قوله: " فلما برز منها " وكلاهما سواء في المعنى. 474- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد ح ونا مُسدد: نا عبد الواحد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال موسى في/حديثه فيما يحسب عَمرو: إن النبيَّ- عليه السلام- قال: " الأرضُ كلها مَسجدا إلا الحمَامَ والمَقبُرةَ " (1) . ش- حماد: ابن سلمة، وعبد الواحد: ابن زياد البصري، وعَمرو ابن يحيى: ابن عمارة المدني، وأبوه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني، وأبو سعيد: الخدري. قوله: " وقال موسى " أي: موسى بن إسماعيل أحد شيوخ أبي داود. قوله: " إلا الحمام والمقبرة " استثناء متصل مَنصوب؛ لأن المستثنى واجب النصب في صور؛ منها: أن يكون بعد " إلا " غير صفة في كلام مُوجب ذكر المستثنى منه؛ وهاهنا كذلك؛ إذ لو رفع لكان بدلاً من المسجد لانتفاء بقية التوابع، ويكون بدل بعض لا غير، والبدل يحل محل البدل منه؛ لأنه المقصود، فيكون التقدير: " الأرض كلها إلا الحمام " فلم يستقم المعنى، أو نقول: إن البدل في حكم تكرير العامل، فيكون الحمام مسجدا- أيضا- إذ تقدير الكلام: في الأرض كلها مسجد إلا

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (317) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة (745) .

24- باب: في الصلاة في مبارك الإبل

الحمام مسجد؛ كما في قولك: جاءني القوم إلا زيدا، لو رفع " زيدا " يكون التقدير جاءني القوم إلا جاءني زيد؛ وهو خلاف المقصود من الكلام، فافهم. ثم الحمام إنما يخرج عن كونه مسجدا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرة، أو صلى في مَوضع فيه غُسالات، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر، أو غسل موضعا منه وصلى فيه، يحوز بلا كراهة. وكذلك المقبرة إنما تخرج عن كونها مسجدا إذا ظهرت فيه صدائد الموتى ونحوها، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز- كما ذكرناه مفصلا مع الخلاف- ورُوِيَ هذا الحديث مسندا ومرسلا، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، وذكر أن سفيان أرسله وقال: وكأن راويه الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام- أثبت وأصحّ. *** 24- باب: في الصَّلاة في مَبارِك الإبل أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة في مبارك الَإبل، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الصلاة ". والمبارك: جمع مَبرك- بالميم المفتوحة- وهو مَوضع البروك. 475- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية: نا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سُئِلَ رسولُ الله عن الصلاة في مبَارك الإبِلِ فقال: " لا تُصَلُوا في مَبَارِك الإبلِ؛ فإنها منَ الشياطين " وسُئِلَ عنَ الصَلاةِ في مَرَابِضِ الغَنَم فقال: " صًلُوَا فيها؛ فإنها بَرَكَة " (1) . ش- الحديث بعينه مع رواته بأعيانهم مع زيادة فيه قد مر في " باب الوضوء من لحوم الإبل "؛ فليراجع فيه/وقال البخاري: باب الصلاة في مواضع الإبل (2) : حدثنا صدقة بن الفضل: حدثنا سليمان بن حيان:

_ (1) تقدم برقم (171) . (2) كتاب الصلاة: (430) .

25- باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة

حدثنا عبيد الله، عن نافع قال: رأيت ابن عُمر يصلي إلى بَعِيره وقال: رأيتُ رسول الله يفعله. قلت: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل.؛ وإنما صلى إلى البعير؛ لا في موضعه؛ وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطنًا، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء واستِيطانها. *** 25- باب: مَتَى يُؤمرُ الغلامُ بالصلاةِ أي: هذا باب فيه بيان حكم الغلام متى يؤمر بالصلاة، وفي بعض النسخ: " باب متى يؤمر الصبي بالصلاة ". وقال الجوهري: الصَبي: الغلامُ، والجمع: صُبية وصبيان، وهو من " الواو " ولم يقولوا: أصبية استغناء بصبية، كما لم يقولَوا: أغلمة استغناء بغلمة، وتصغير صِبيَة: صُبَية في القياس. وقد جاء في الشعر: أصيبيَة كأنه تصغير أصبيَة؛ واشتقاقه من صَبَا يَصبو صُبُوا وصَبوةً أي: مال؛ ومنه سمي الصَّبي لميله إلى كل شيء، وقال في " المجمل ": الغلامُ: الطار الشارب؛ وهو بَين الغُلُومِيَّة؛ والجمع: غلمة وغلمان؛ وأصله: من اغتلم الفحلُ غلمةً، وهاج من شهوة الضراب؛ والحاصل: أن الصبي والغلام لا يطلقان إلا على مَن لم يُدرك ولم يبلغ. 476- ص- نا محمد بن عيسى: نا إبراهيم بن سَعد، عن عبد الملك ابن الربيع بن سَبرة، عن أبيه، عِن جلة قال: قال النبيِ- عليه السلام-: " مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغَ سبع سنين، وإذا بَلَغَ عشرَ سنين فاضربُوه عليها " (1) .ًَ ش- محمد بن عيسى: الطباع، وإبراهيم بن سَعد: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة (407) .

وعبد الملك بن الربيع بن سَبرة الجهني* سمع: أباه، روى عنه: إبراهيم بن سعد، وزيد بن الحباب، وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاريّ (1) . وأبوه الربيع بن سَبرة بن مَعبد الجهني المدني. روى عن: أبيه، ويحيى ابن سعيد بن العاص، وعمر بن عبد العزيز. روى عنه: الزهري، وابناه: عبد الملك وعبد العزيز وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: حجازيّ ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وسَبرة بن مَعبد ويقال: ابن عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج الجُهني يكنى أبا ثُرية- بضم الثاء المثلثة- رُوِيَ له عن رسول الله تسعة عشر حديثا. روى له مسلم حديثا واحدًا. روى عنه: ابنه: الربيعُ. توفي في خلافة معاوية. روى له أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (3) . قوله: " مروا الصبيَّ " مرُوا أصله: أُأْمُروا؛ لأنه من أمَر يَأمر والأمر منه: أأمُر، فحذفت الهمزة الثانية للتخفيف فصار أمُر، فاستغنى عن همزة الابتداء فحذفت فصار: " مُر " على وزن " عُل "؛ وهذا الأمرُ للإرشاد والتأديب؛ وليس للوجوب؛ إذ الصبيّ مرفوع عنه القلم، فلا يكلف بالأوامر والنواهي، وإنما عيّن السَنة السّابعة لأنها سنة التمييز، ألا يُرى أن الحضانة تسقط عند انتهاء الصبيّ إلى سبع سنين؟ ولأن أوّل مراتب عقود العدد المركب العشرة، والسَبعة أكثرها، وإنما أمر بالضرب عند عشر ستين لأنه ح (4) يَقربُ إلى البلوغ؛ لأن أقلَّ البلوغ في حق الصبيّ اثنا عشر سنةً، وهذا الأمر- أيضا- أمر تأديب وإرشاد ليتخلق

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3526) . (2) المصدر السابق (9/1862) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/75) ، (2/325) ، الإصابة (2/14) . أسد الغابة (4) أي: " حينئذ ".

بأخلاق المسلمين ويتعود بإقامة العبادات، وقال الخطابي: وهذا يدل على إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمداً بعد البلوغ. وكان بعض أصحاب الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمدا بعد البلوغ، ويَقول: إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ، فقد عقل أنه بعد البلوغ يَستحق من العقوبة ما هو أشد من الضرب، وليس بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل. قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأنا / لا نسلم أن الضرب كان عليه واجبًا قبل البلوغ حتى يستحق ما هو أشد من الضَرب، وهو القتل بعد البلوغ، ولا نسلم- أيضا- أن القتل واجبٌ بالذنب؛ للحديث المشهور: " أمرت أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله " الحديث- وأيضا- الضرب في نفسه يتفاوت، فيُضربُ بعد البلوغ ضربا مُبرَحا حتى يخرج منه الدم، ويُحبس- كما هو مذهب أبي حنيفة- فهذا أشدُ من الضرب المجرد، فكيف يَقولُ هذا القائل: " وليس بَعد الضرب شيء أشد من القتل "؟! وأيضا الضرب قبل البلوغ بطريق التأدب وبعده بطريق الزجر والتعزير، فكان هذا أشد من الضرب الأول، فليت شعري الذي يستدل بهذا الدليل الواهي كيف لا يُصحح إسلام الصَبيّ بهذا الحديث؟ لأنه إذا كان يؤمر بالصلاة وعمره سبع سين، ويُضرب على تركها وعمره عشر سنين "، كيف لا يصح إسلامُه الذي هو أصلُ سائر العبادات؟ ولا تُقبل الصلاة ولا غيرها إلا به؟ على أن الصلاة يحتاج فيها الصبي إلى تعقم أمور كثيرة من الاستنجاء والطهارة، ومعرفة الوقت وغير ذلك من شرائط الصلاة وأركانها، بخلاف الإسلام؛ فإنه مُجرد قولِ، فافهم. 477- ص- نا مؤمل بن هشام: نا إسماعيل، عن سَوار أبي حمزة- قال أبو داود: وهو سوّار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي-، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مُرُوا أولادَكُم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سِنين، واضرِبُوهُم عليها وهم أبناءُ عَشرِ سِنين، وفَرقُوا بَينهم في المضَاجِع " (1) .

_ (1) تفرد به أبو داود.

ش- مؤمل بن هشام: أبو هشام اليشكري البصري، ختن إسماعيل ابن علية. روى عن: إسماعيل بن عليّة. روى عنه: البخاري، وأبو داود، وابنه (1) عبد الله بن أبي داود، والنسائي، وأبو حاتم وقال: صدوق، وغيرهم. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (2) . وإسماعيل ابن عُلية البصري، وقد ذكرناه مرة. وسَوار: ابن داود، أبو حمزة الصَّيرفي المزني البصري، صاحب الحُلي. سمع: ثابتا البناني، وعمرو بن شعيب. روى عنه: إسماعيل ابن عُليّة، ووكيع، وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: شيخ بصري، لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال الدارقطني: بصري، لا يتابع على أحاديثه فيُعتبر به. روى له: أبو داود (3) . قوله: " وهم أبناء " في موضعين وقع حالاً. قوله: " وفرقوا بينهم في المضاجع " أي: في المراقد؛ وذلك لأنهم إذا بلغوا إلى عشر سنين يقربون من أدنى حد البلوغ، وينتشر عليهم آلاتهم، فيخاف عليهم من الفساد. 478- ص- نا زهير بن حرب: نا وكيع: حدثني داود بن سَوّار المزني بإسناده ومعناه، وزاد:" وإذا زَوجَ أحدُكُم خَادمَهُ عَبدَهُ أو أجيرَهُ، فلا يَنظر إلى ما دونَ السرة وفوقَ الرُكبَةِ " (4) . ش- زهير بن حَرب: ابن شداد النسائي، ووكيع: ابن الجراح.

_ (1) لم أجده فيمن روى عنه، والظاهر أن بصره فد انتقل للترجمة الني تليها، وهي ترجمة مؤمل بن وهب، ففيها: روى عنه ابنه عبد الله بن المؤمل، والله أعلم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 /6323) . (3) المصدر السابق (12/2636) . (4) تفرد به أبو داود. وأخرجه كذلك في كتاب اللباس، باب في قوله: (غير أولي الإربة) (4113) .

قوله: " بإسناده " أي: بإسناد الحديث المذكور؛ ومعناه؛ ولكنه زاد في روايته: " وإذا زوج أحدكم خادمه " الخادمُ: واحد الخدم، ويقع على الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق؛ ولكن المراد هنا الأنثى بقرينة قوله: " عبده أو أجيره " لأن الذي يزوجه منهما هي الأنثى؛ وإنما نهى أن لا ينظر إلى ما دون السُّرّة وفوق الركبة، لأنه بتزويجه إياها حَرُمَت عليه، فصارت كجارية الأجنبي، فلا يحوز له أن ينظر إلى عورتها؛ ولكن في جارية الأجنبي لا يحوز النظر- أيضا- إلى بطنها وظهرها؛ لأن ظهرها وبطنها- أيضا- عورة في حق الأجانب- كما عرف في الفروع. ص- قال أبو داود: وهِمَ وكيع في اسمه. روى عنه: أبو داود الطيالسي هذا الحديث قال: نا أبو حمزة سوار الصيرفي. ش- أي: وهم وكيع بن الجراح في اسم سوّار بن داود فقلبه فقال: داود بن سَوار؛ واستدل على وهمه بقوله: روى عنه- أي: عن سوار- أبو داود: سليمان بن داود/الطيالسي قال: حدثنا أبو حمزة سوّار الصيرفي. وهذا الحديث ذكره الشيخ في كتاب اللباس- أيضا-. 479- ص- نا سليمان بن داود المَهريُ: نا ابن وَهب: أخبرني هشام بن سعد: حدثني معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجُهني قال: دَخَلنَا عليه فقال لامرأتهِ: متى يُصلِّي الصبيُ؟ فقالت: كان رجلٌ منَا يَذكرُ عن رسول الله أنه سُئِلَ عن ذلك قال: " إذا عَرَفَ يمينَهُ من شِمَالِهِ، فمُروهُ بالصَلاةِ " (1) . ش- سليمان بن داود: ابن حماد المَهري أبو الربيع المصري، وعبد الله بن وهب، وهشام بن سعد المدني القرشي. ومُعاذ بن عبد الله بن خُبيب- بضم الخاء المعجمة- الجهني المدني. روى عن: أبيه، وعمه، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وجابر بن أسامة. روى عنه: أسِيد بن أبي أسِيد، وأسامة بن زيد، وعثمان بن

_ (1) تفرد به أبو داود. 27 * شرح سنن أبي داود 2

26- باب: بدء الأذان

مرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن سليمان. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " إذا عرف يمينه من شماله " هذا إنما يكون في سنة التمييز؛ ويختلف ذلك باختلاف ذكاوة الصبي وبلادته؛ فكم من صبي عمره خمس سنين أو أكثر من ذلك بقليل يعرف ذلك، وكم من صبي عمره عشر سنين أو " أقل من ذلك بقليل لا يَعرف ذلك؛ ولكن الغالب في ذلك سبع سنين؛ لأنه سنة التمييز- كما ذكرناه. *** 26- بَابُ: بَدء الأذَانِ أي: هذا باب في بيان ابتداء الأذان. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في بدء الأذان ". ولما فرغ عن بيان المواقيت ونحوها شرع في بيان الأذان الذي هو إعلام للصلاة؛ وقدم المواقيت التي هي إعلام لما فيها من معنى السببيّة، ثم ذكر الأذان الذي هو إعلام لتلك الإعلام؛ والأذان: الإعلام بالشيء؛ يقال: آذن يؤذن إيذانا، وأدَّن يؤذن تأذينا؛ والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. وفي " الصحاح ": وأذان الصلاة معروف، والأذِينُ مثله، وقد ألحّن أذانا. 480- ص- نا عباد بن موسى الخُتلي. ونا زيادُ بن أيوب- وحديث عباد أتم- قالا: نا هُشيم، عن أبي بشر، قال زيادٌ: أخبرنا أبو بشرِ، عن أبي عُمير بن أنس، عن عُمُومة لهَ من الأنصارِ قال: اهتم النبيُ- عليه السلام- للصلاة: كيفَ يَجمَعُ الناسَ لها؟ فقيلَ له: انصب رايةَ عند حُضُورِ الصلاة، فَإذا رَأوها آذَنَ بَعضُهم بَعضًا، فَلم يُعجبه ذَلك. قال: فَذُكِرَ له القنعِ- يعني: الشّبّور- وقال زيادٌ: شَبورُ اليَهُود- فلم يُعجبهُ ذلك وقال: " هُو مِن أمرِ اليَهُود ". قال: فَذُكِرَ له الناقُوسُ فقَال: " هو من أمرِ النصَارى ". فانصرفَ عبدُ الله بنُ زيدٍ وهو مُهتَم لِهَم رَسُولِ الله، فأرِيَ

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6031) .

الأذانَ في مَنامِهِ. قال: فَغَدا على رسول الله فأخبرَهَ، فقال (1) : يا رَسُولَ اللهِ، إني لبين نائمٍ ويَقظانَ إذ أتاني آتٍ فأرَانيَ الأذانَ. قال: وكان عُمرُ بنُ الخطاب قد راَهُ قبل ذلك فكَتَمَهُ عشرين يومًا. قال: ثم أخبره النبيَّ- عليه السلام-، فقالَ له: " ما مَنَعكَ أنَ تُخبِرَنَا (2) ؟ " فقال: سَبَقَنِي عبدُ الله بن زيد فاستحيَيتُ، فقالَ رسولُ الله: " يا بلالُ! قُم فانظُر ما يأمُرُكَ به عبدُ الله ابنُ زَبد فافعله ". قالَ: فأذنَ بلالَ " (3) . ش- عباد بن مُوسى: أبو محمد الختلي- بضم الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوق- وزياد بن أيوب: ابن زياد البغدادي. وهُشَيم: ابن بشَير الواسطي. وأبو بشر: جَعفر بن أبي وَحشية الواسِطي. وأبو عُميِر بن أنس بن مالك: الأنصاري. روى عن: عمومة له من الأنصار. روى عنه: أبو بشر. قال الحاكم: اسم أبي عُمير: عبد الله. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ وسماه: عبد الله- أيضا (4) -. قوله: " عن عُمومة " العمومة: جمع عَم؛ كالبعولة: جمع بَعلٍ. قوله: " انصب " - بكسر الصاد- لأنه من باب ضرب يضرب، والرايةُ: العلم؛ وأصله واويّ. قوله: " آذن " - بالمد- أي: أعلم؛ من الإيذان وهو الإعلام. قوله: " فذُكرَ له القُنع " بضم القاف وسكون النون، و " القَبَعَ " بفتح القاف والباء/َ المُوحدة، و " القَثع " بالثاء المثلثة الساكنة، و " القَتع " بالتاء ثالثة الحروف؛ " (5) فمن قال بالنون- وهو الأكثر في الرواية- فلإقناع الصوت به وهو رفعه، وأقنع الرجل صوته ورأسه إذا رفعه، ومن أراد أن ينفخ في البُوق يرفع رأسه وصوته، أو لأن أطرافه أقنعت إلى

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال له ". (2) في سنن أبي داود: " تخبرني ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7545) . (5) انظر: النهاية (4/115- 116) .

داخله أي عُطفت. ومَن قال بالباء الموحدة لأنه يَتبع فَا (1) صاحبه أي: يَستُره، وقبع الرجل رأسه في جَيبه إذا أدخله فيه؛ لأنه يقبَعُ فم النافخ أي: يُواريه أو من قَبَع الجوالق أو الجراب إذا ثنَيت أطرافه إلى داخل، أو من قولهم: قبَع في الأرض قبُوعًا ذهب لذهاب الصوت منه وشدته. وأما الثاء المثلثة: فأثبته أبو عمر الزاهد، وأبطله الأزهري، كأنه من قَثع مقلوب قعث وأقتعثه إذا أخذ كفه واستوعبه، لأخذ البوق نفس النافخ واستيعابه له؛ لأنه ينفخ بشدة ليرفع الصوت به ويُنوه به. ومَن قال بالتاء ثالث الحروف قال: هو دود يكون في الخشب، وقيل: هذا الحرف مَدارُه على هُشيم؛ وكان كثير اللحن والتحريف، على جلالة محلّه في الحديث ". قوله: " يعني: الشّبُور " تفسير القنع، والشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المشددة. وقال في " الصحاح ": الشّبَور على وزن التنور: البُوقُ؛ ويقال: هو مُعرب. قوله: " الناقوس " خشبة طويلة تُضربُ بخشبة أصغر منها؛ والنصارى يُعلمون بها أوقات صلواتهم. قال ابن الجواليقي: فأما الناقوس: فيُنظر فيه أعربيّ هو أم لا؟ قلت: النَّقسُ: هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربي؛ ووزنه: فاعُول كقَابُوس البحر، فيكون الألف والواو فيه زائدتان. قوله: " لهَمِّ رسول الله " أي: لهم رسول الله في الصلاة كيف يجمع الناس لها؟ وَالهم: الحَزَنُ، وأهمني (2) الأمر إذا أقلقك وَحَزنك. قوله: " قم فانظر ما يأمرك به " فيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان قائمًا؛ وكانت هذه القضية عند مَقدمه- عليه السلام- المدينة النبوية. وفي " تاريخ النويري ": وفي السنة الثانية من الهجرة: رأى عبد الله بن

_ (1) أي: " فمه ". (2) كذا، والجادة: " وأهمك ".

زيد بن عبد ربّه الأنصاري صورة الأذان في النوم وورد الوَحي به. وروى السُّهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب، فذكر حديث الإسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب، فأذن بهذا الأذان وكلما قال كلمةً صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد- عليه السلام- فقدّمه، فأم بأهل السماء وفيهم اَدم ونوح " ثم قال السهيلي:. وأخلِق بهذا الحديث أن يكون صحيحا؛ لما يَعضده ويشاكله من حديث الإِسراء. فلت: ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح؛ بل هو منكر؛ تفرد به: زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تُنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتّهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رَسول الله ليلة الإِسراء، لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة. ص- قال أبو بشر: فأخبرني أبو عَمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا لجعله رسول الله مُؤذنًا. ش- أي: يوم رأى الأذان في منامه كان ضعيفًا؛ وكان له- عليه السلام- أربعة من المؤذنين؛ وهم: بلال، وعمرو بن أم مكتوم القرشي العامِري الأعمى، وأبو محذورة أوسُ بن مِعيَرِ الجُمحي، وسَعد بن عائذ مولى عمار بن ياسر بقُباء- رضى الله عنهم-. وأما عبد الله بن زيد: فهو ابن عبد رَبه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج أبو محمد الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا. روى عنه: ابنه: محمد، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال الترمذي: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: لا يُعرف لعبد الله بن زيد بن عبد ربه إلا حديث الأذان. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وصلى عليه عثمان بن عفان- رضى الله عنه-. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/311) ، أسد الغابة (3/247) ، الإصابة (2/312) .

27- باب: كيف الأذان

27- بَابُ: كيفَ الأذانُ؟ أي: هذا باب فيه كيفية الأذان. 481- ص- نا محمد بن منصور الطُّوسي: نا يعقوب: نا أبي، عن محمد بن إسحاق:/حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمَي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه: حدثني أبي: عبد الله بن زيد قال: لما أمَرَ رسول الله بالناقُوسِ يُعملُ ليُضربَ به للناسِ لجمع الصلاة، طَافَ بي- وأنا نَائم- رجَل يحمِلُ ناقُوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ الله! أتًبِيعُ الناقوسَ؟ قال: وما تَصنعُ به؟ فقلتُ: ندعو بهَ إلى الصلاةِ، قال: َ أفلا أدُلُك على ما هو خير من ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: فقال: تَقُول: اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن محمدَا رسول الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حب على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبرَُ، لا إله إلا الله. قالَ: ثم استَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعيد. ثم قال: ثم تَقولُ (1) إذا أقَمتَ الصلاةَ: الله أكبر الله أكبرُ، أشهد أنَ لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حَيَ على الفلاحِ، قد قَامَت الصلاةُ، قد قَامَتِ الصَلاةُ، الله أكبر الله أكَبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحَتَ أتيتُ رسولَ الله- فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: " إنها لرُؤيا حُقّ إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت، فليؤذِّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك " فقمتُ مع بلالٍ فجًعلتُ ألقِيه عليه ويُؤَذّنُ به. قال: فسمع ذلك عُمر بنُ الخطاب وهو في بَيته، فخرجَ يَجرُ رداءَه يقول (2) : والذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولً الله لقد رأيَتُ مثلَ ما أرِيَ (3) . فقال رسول اللهِ: " فللَهِ الحمدُ " (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " وتقول ". (2) في سنن أبي داود: " ويقول ". (3) في سنن أبي داود: " رأى "، وسيذكر المصنف أنها رواية. (4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان (189) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: بدء الأذان (706) .

ش- محمد بن منصور: ابن داود بن إبراهيم، أبو جعفر الطُوسي العابد، سكن بغداد. سمع: يعقوب بن إبراهيم، وروح بن عبادة، وإسماعيل بن عليّة، وابن عُيينة وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم. قال النسائي: هو ثقة، ومرة: لا بأس به. مات سنة أربع وخمسين ومائتين، وله ثمانون سنه (1) . ويعقوب: ابن إبراهيم بن سعد الزهري. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي. ومحمد بن إسحاق: ابن يسار. ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبدا ربه الأنصاري الخزرجي المدني. روى عن: أبيه، وأبي مسعود البدري. روى عنه: أبو سلمة، ونعيم ابن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي. روى له الجماعة (2) . قوله: " طاف بي " من الطيف؛ وهو الخيال الذي يُلم بالنائم، يقال منه: طاف يَطيف، ومن الطواف: طاف يطوف، ومن الإحاطة بالشيء: أطاف يُطِيف. قوله: " رجل " مرفوع على أنه فاعل طاف. قوله: " وأنا نائم " جملة حالبّة معترضة بين الفعل والفاعل. وقوله: " يحمل ناقوسَا " في محل الرفع؛ لأنه صفة رجل. قوله: " أتبيع الناقوس " الهمزة فيه للاستفهام، وكذلك الهمزة في قوله: " أفلا أدلك " والفاء للعطف. قوله: " من ذلك " أي: من الناقوس، أي: من ضَربه. قوله: " قال: فقال " أي: قال عبدُ الله بن زيد: قال الرجل الذي عمل الناقوس.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5631) . (2) المصدر السابق (25/5346) .

قوله: " الله كبر " إلى آخره مَقولُ القَول؛ ومعنى " الله أكبر " أي: أكبر من كل شيء، وقد عرف أن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد الأشياء الثلاثة: الألف واللام، والإضافة، و " مِن "؛ وقد يستعمل مجردا عنها عند قيام القرينة كقوله تعالى: (يَعلمُ السِّرَّ وأخفَى) (1) أي: أخفى من السِّرّ، ومنه " الله أكبر "، وقد ذكرنا مرةً أن " أن " في " أشهدُ أن " مخففة من مثقلة، وأن " إلا " بمعنى " غير ". قوله: " حيّ على الصلاة " أي: أسرِعوا إليها وهلموا وأقبلوا وتعالوا، وهو اسم لفعل الأمر، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها؛ كما قيل ليتَ، ولعلَّ، والعربُ تقول: حيَّ على الثريد. " والفلاح ": النجاة. قوله: " ثم استأخر عني " استأخر مثل تأخر، أي: تأخر عني؛ وليس السين فيه للطلب؛ وفيه دلالة على أن الإقامة تكون في غير موقف الأذان مستحبةً. قوله: " قد قامت الصلاة " أي: قد قربت وحانت؛ لأن " قد " فيها للتقريب. قوله: " إنها " أي: الرؤية التي رأيتها " لرؤيا حق " يعني: من الله تعالى؛ والرُّؤيا على وزن فُعلى بلا تنوين؛ يقال: رَأى في منامه رؤيا؛ وجمع الرؤيا: رُؤًى بالتنوين مثل (2) رُعًى؛ وإنما قال: " إن شاء الله " للتبرك؛ كقوله تعالى: (لَتَدخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إِن شَاءَ الله) (3) . /قوله: " فإنه أندى صوتَا منك " أي: أرفع وأعلى، وقيل: أحسن وأَعذب، وفيل: أبعد، وهو أفعل من النَدَى- بفتح النون وبالقَصر- وهو بمعنى الغاية، مثل المَدى، والنَدَى- أيضا- بعد ذهاب الصوت. وفيه دليل على أن من كان أرفع صوتا كان أولى بالأذان؛ لأنه إعلام، فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر.

_ (1) سورة طه: (7) . (2) في الأصل: " مثال ". (3) سورة الفتح: (27) .

قوله: " يَجرُّ رداءه " جملة وقعت حالاَ من الضمير الذي في " فخرج "، وكذلك قوله " يقول " حال- أيضا- والفعل الضارع المثبت إذا وقع حالا لا يحتاج إلى الواو؛ وقد عُرف في مَوضعه. قوله: " مثل ما أُرِي " - بضم الهمزة وكسر الراء- أيمما: مثل ما أُرِي عبد الله بن زيد. وفي رواية: " مثل ما رأى " على صيغة المعلوم. قوله: " فللَّه الحمد " الفاء فيه يجوز أن تكون عاطفة على محذوف تقديره: لله الشكر، فللَه الحمدُ، ويجوزُ أن تكون زائدة، قد زيدت فيه لتَحبير الكلام. و" (1) هذا الحديث والقصة: قد رُوِيَ بأسانيد مختلفة؛ وهذا الإسناد أصحها. وفيه: أنه ثنى الأذان وأفرد الإقامة؛ واستدل به الشافعي علي أن الإقامة فرادى. وبه قال مالك وأحمد، وهو قول الحسن، ومكحول، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه ". واستدل أبو حنيفة بأحاديث- نذكرها عن قريب إن شاء الله تعالى- على أن الإقامة مثل الأذان غير أن فيها " قد قامت الصلاة " مَرّتين. " (2) والحديث: أخرجه الترمذي؛ فلم يذكر فيه كلمات الأذان، ولا الإقامة، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه فلم يذكر فيه لفظ الإقامة وزاد فيه شعرا. ورواه ابن حبّان في " صحيحه " في النوع الرابع والتسعين من القسم الأول فذكر [هـ] بتمامه. وقال البيهقي في " المعرفة ": قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمدا سمعه من أبيه، وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زَيد. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " وزاد: وخبر ابن إسحاق هذا ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم

_ (1) انظر: معالم السنن (1/131) . (2) انظر: نصب الراية (1/259) .

التيمي؛ وليس هو مما دلّسه ابن إسحاق. وقال الترمذي في " علله الكبير ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح. ورواه أحمد في " مسنده " (1) . ص- قال أبو داود: هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب، عن عبد الله بن يزيد؛ وقال فيه ابن إسحاق، عن الزهري: " الله كبر، الله كبر، الله كبر، الله أكبر ". وقال معمرٌ ويونس، عن الزهري فيه: " الله أكبر، الله كبر " لم يُثنِّيا. ش- أي: مثل رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الله بن زيد: رواية ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المُسيب، عن عبد الله بن زيد. وقال الحاكم في " المستدرك (2) " في فضائل عبد الله بن زيد بن عبد ربه: " وإنما اشتهر عبد الله بن زيد بن عبد ربه بحديث الأذان؛ ولم يخرجاه في " الصحيحين " لاختلاف الناقلين في أسانيده، وقد تداوله فقهاء الإسلام بالقبول، وأمثل الروايات فيه: رواية سعيد بن المسيب، وقد توهم بعض أئمتنا أن سعيدا لم يلحق عبد الله بن زَيد؛ وليس كذلك، وإنما توفي عبد الله بن زيد في أواخر خلافة عثمان. وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب مشهور؛ رواه يونس بن يزيد (3) ، ومعمر بن راشد، وشعيب ابن أبي حمزة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. قوله: " لم يُثنيا " أي: لم يُثَنيا " الله أكبر الله أكبر " بمعنى قالا في روايتهما عن الزهري: " الله أكبر الله أكبر " مرةً واحدةً. وهو مذهب مالك- رضى الله عنه-. 482- ص- نا مُسدد: نا الحارث بن عُبيد، عَن محمد بن عبد الملك بنِ أبي مَحذورة، عن أبيه، عن جَده قال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمني سُنةَ الأذَانِ! قال: فمسَحَ مُقدَّمَ رأسِهِ (4) قال: تَقُولُ: " الله كبرَ، الله كَبر، الله

_ (1) (3/43) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) (3/336) . (3) في الأصل: " زيد " خطأ. (4) في سنن أبي داود: " رأسي وقال ".

أكبر، الله أكبر، تَرفعُ بها صَوتكَ، ثم تَقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، تَخفضُ بها صَوتَكَ، ثم تَرفعُ صوتَكَ بالشًّهادةِ: أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ، أشهَد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفَلاح، حَيَّ على الفَلاَح، فإن كان صلاة لصُّبحِ قلتَ: الصلَاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم، الله كبر، الله أكبر، لا إله إلا الله " (1) . ش- الحارث بن عُبيد: الإيادي أبو قدامة البصري/مؤذن مسجد الري. روى عن: ثابت البناني، وأبي عمران الجَوني، ومالك بن دينار، وعامر الأحول، ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن صُهيب، وهود بن شهاب. روى عنه: ابن البارك، ومسدد، وسعيد ابن منصور وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بذاك. روى له الجماعة إلا البخاريّ (2) . ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة: القرشي الجُمحي. روى عن: أبيه، عن جده. روى عنه: الحارث بن عُبيد. روى له: أبو داود (3) . وأبوه: عبد الملك بن أبي محذورة القرشي الجُمحي المكي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن محيريز. روى عنه ابنه: محمد، وابن ابنه: إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، والنعمان بن راشد، وإسماعيل بن عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6/379) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (191) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: كيف الأذان (2/4) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: الترجيع في الأذان (708) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1029) . (3) المصدر السابق (26/5426) . (4) المصدر السابق (18 /3553)

وأبو محذورة- بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ذال معجمة مضمومة، وراء مفتوحة، وتاء تأنيت- اسمه: سَمُرة بن مِعيَرِ- بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وراء- وقيل: اسمه: سَلمان، وقيل: مسلمة، وقيل: أوس ابن معير بن لوذان بن وهب بن سَعد بن جُمح. روى له: مسلم، وأبوَ داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " فمسَح مُقدم رأسه " أي: مسح رسولُ الله مقدم رأس أبي محذورة؛ ولذلك كان لا يَحُزُ ناصيته ولا يفرقها، لأنه- عليه السلام- مسح عليها. وقوله " مقدم ": بفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة. " (2) وحديث أبي محذورة في الأذان: رواه الجماعة إلا البخاري؛ فأخرجه مسلم مقتصرا منه على الأذان خاصةً؛ وفيه التكبير مرتين والترجيع، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصرا ومطولا، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه لما بلفظ أبي داود هذا المذكور. وبه استدل الشافعي على الترجيع، وبه قال مالك؛ إلا أن عنده لا يؤتى بالتكبير في أوله غير مرنين. وقال أحمد: إن رجّع فلا بأس به، وإن لم يرجّع فلا بأس به. والجواب عن هذا: ما قاله الطحاوي في " شرح الاَثار ": يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمدّ بذلك صوته كما أراده النبي- عليه السلام-، فقال له- عليه السلام-: " ارجع فامدد من صوتك ". وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": إن أبا محذورة كان كافرا قبل أن يُسلم، فلما أسلم ولقنه النبي- عليه السلام- الأذان، أَعاد عليه الشهادة وكرّرها ليثبت عنده ويحفظها، ويكرّرها على أصحابه المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/177) ، أسد الغابة (6/278) ، الإصابة (4/176) . (2) انظر: نصب الراية (1/263- 264) .

كررها عليه ظنها من الأذان، فعَده تسع عشرة كلمةً- وأيضا- فأذان أبي محذورة عليه أهل مكة؛ وما ذهبنا إليه عليه عمل أهل المدينة؛ والعمل على المتأخر من الأمور ". فإن قيل: يرد هذا: ما ذكره من قوله: " قلتُ: يا رسولَ الله، علمني سُنَّة الأذان "؛ وفيه " ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها " فجعله من سُنَّة الأذان، وهو كذلك في " صحيح ابن حبّان " و " مسند أحمد " (1) . قلت: هذا مُعارضُ بما أخرجه الطبراني عن أبي محذورة؛ وليس فيه ترجيع. 483- ص- نا الحسن بن علي: نا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عثمان بن السائب: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي- عليه السلام- نحو هذا الخبر؛ وفيه: " الصلاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم " في الأول من الصُّبح (2) . ش- الحسن بن علي: ابن محمد الخلال الحلواني، وأبو عاصم: النَّبيل، وعبد الرزاق: ابن همام، وعبد الملك: ابن جريج. وعثمان ابن السائب: المكي. سمع: أباه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة. روى عنه: ابن جريج، وحديثه في المكيّين. روى له: أبو داود، والنسائي (3) . والسائب: المكي. سمع: أبا محذورة الجُمحي. روى عنه: ابنه: عثمان. روى له: أبو داود، والنسائي (4) . قوله: " في الأول " أي: في الأذان الأول من صلاة الصبح. وروى

_ (1) (3/408) . (2) النسائي: كتاب الأذان، باب: الأذان في السفر (2/7) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3813) . (4) المصدر السابق (10/2175) .

ابن حزم بإسناده إلى أبي محذورة قال: كنت أؤذن لرسول الله في صلاة الفجر فأقول في الأذان الأول: حي على الفلاح قلت (1) : الصلاةُ خير من النوم. وصحّحه. وعند الدارقطني (2) : " فلما بلغتُ حي على الفلاح قال لي النبيُ - عليه السلام-: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم. صِ- قال أبو داود: وحديث مُسدّد أبينُ قال فيه: قال: وعلّمني الإقامة مرتين مرّتين: " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله كبر لا إله إلا الله ". ش- أي: حديث مسدد بن مسرهد أظهر من حديث غيره؛ قال مسدد في حديثه: قال أبو محذورة: " وعلمني الإقامة مرتين مرتين " إلى آخره. وهذه الرواية حجّة على الشافعي ومَن معه. ص- وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: " وإذا أقمت فقلها مرتين: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أسَمِعتَ؟ ". ش- أي: قال عبد الرزاق بن همام في روايته: " وإذا أقمت فقلها " إلى آخره، والضمير من " فقُلها " يرجع إلى لفظة " قد قامت الصلاة " ولا يُقال: إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن الإضمار قبل الذكر إنما لا يجوز إذا لم تكن ثَمَة قرينة تدل عليه؛ وهاهنا دلت القرينة عليه، ولا سيما فسره بقوله: " قد قامت الصلاَة، قد قامت الصلاة ". قوله: " أسمعتَ؟ " الألف فيه للاستفهام، والخطاب لأبي محذورة.

_ (1) كذا، وفي المحلى (3/109- 110) : " أنه كان إذا بلغ " حي على الفلاح " في الفجر فال: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ". (2) (1/237) .

ص- قال: فكان أبو محذورة لا يَجُر ناصيَتَه، ولا يَفرقُها، لأن النبيَ - عليه السلام- مسَحَ عليها ". ش- أي: قال أبو داود: فكان أبو محذورة لا يحزُ- أي: لا يقصّ- من جززتُ البُر والنخل والصوف جزا؛ والناصية: مقدم الرأس؛ والمراد منها: شعرها. قوله: " ولا يَفرقها " مِن فرَقَ شَعرَه إذا جَعله فرِيقين. 484- ص- نا الحسن بن عليّ: نا عفانُ وسعيدُ بن عامر والحجّاج- والمعنى واحد- قال عفان: نا همام: نا عامر الأحول: حدثني مكحول، أن ابن مُحَيريز حدَّثه أن أبا مَحذورةَ حدثه (1) أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمَهُ الأذانَ تسعَة عَشَرَ كَلمةً، والإقامةَ سَبعَةَ عَشَرَ كَلمةً؛ الأذانُ: اللهَ كبر، الله كبر، الله أكبر، الله أَكبر، أشهد أن لا إله إلا اللهَ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حَي على الصلاة، حَي على الصلاة، حَي على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله كبَر، لا إله إلا الله. واَلإقامة: الله كبر، الله أكبر، الله كبر، الله كبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول اللهِ، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَب على الصلاة، حَب على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَي على الفلاَح، قد قَامت الصلَاةُ، قد قامتِ الصلاَةُ، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ". كذا في كتاَبِهِ في حديثِ أبي مَحذورة (2) .

_ (1) سقط من سنن أبي داود. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6-379) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (192) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: كم الأذان من كلمة (2/5) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، كتاب الترجيع في الأذان (708) .

ش- عفان: ابن مسلم بن عبد الله الصفّار البَصري الأنصاري، أبو عثمان مولى عروة بن ثابت. سمع: شعبة، وهمام بن يحيى، وسليمان بن المغيرة، وأبا عوانة، وحماد بن زيد وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وقتيبة، والقواريري، وابن معين، وابنا أبي شيبة، وأبو زرعة وغيرهم. وقال أبو حاتم: هو ثقة متقن متقن (1) . مات ببغداد سنة عشرين ومائتين. روى له الجماعة (2) . وسعيدُ بن عامر: الضبعي، أبو محمد البصري. سمع: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. قال ابن معين: الثقة المأمون. وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحًا وفي حديثه بعض الغلط، وهو صدوقي. توفي لأربع بقين من شوال سنة ثمان ومائتين، وهو ابن ست وثمانين سنةً. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (3) . والحجاج: الأعور، وهمام: بن يحيى بن دينار العَوذي. وعامر الأحول: هو عامر بن عبد الواحد الأحول البصري. روى عن: عائذ بن عمرو، وعطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر، ومكحول وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمادان، وأبان بن يزيد وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء؛ وفي لفظ عنه: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: هو ثقة لا بأس به، قيل: يحتج بحديثه؟ قال: لا بأس به. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له: الجماعة إلا البخاريّ (4) . ومكحول: ابن زِير الدمشقي. /وابن مُحَيرِيز: هو عبد الله بن مُحيريز بن جنادة بن وهب بن لوذان،

_ (1) كذا بالتكرار، وفي تهذيب الكمال: " متقن متقن ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3964) . (3) المصدر السابق (10/2300) . (4) المصدر السابق (14/3054) .

أبو محيريز المكي، نزل الشام وسكن بيت المقدس. سمعِ: أبا محذورة، وعبادة بن الصامت، وأبا سعيد الخدريّ، وفضالة بن عُبيد، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. روى عنه: أبو قلابة الجرمي، والزهري، ومكحول، وعطاء الخراساني وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة، من خيار الناس. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . قوله: " تسعة عشر كلمةَ " صوابه: تسع عشرة كلمة، وكذلك سَبع عشرة. قوله: " الأذان " مَرفوع بالابتداء، وخبره: " الله أكبر " إلى آخره؛ والتقدير: الأذان هذه الكلمات، وهي " الله أكبر " إلى آخره، وكذلك قوله: " الإقامة " مَرفوع بالابتداء، وخبره ما بعده بالتقدير المذكور. قوله: " كذا في كتابه في حديث أبي محذورة " ليس بَموجود في بعض النسخ أي: في كتاب أبن محيرِيز. 485- ص- نا محمد بن بشار: نا أبو عاصم: نا ابن جريح: أخبرني ابنُ عبد الملك بن أبي محذورة- يعني: عبد العزيز-، عن ابن مُحيرِيز، عن أبي محذورة قال: أَلقى عَليَّ رسولُ الله- عليه السلام- التَّأذين هو بنَفسه فقال: " قُل: الله أكبر، الله كبر، الله أكَبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا اَللَه، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله (2) ، ثم قال: ارجع فمُدَّ من صَوتِكَ: أشهدَ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لاَ إله إلا الله، أشهد أن محمدَا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَ على الصلاة، حَيً على الفلاحِ، حَيَّ على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبَر، لا إله إلا الله " (3) .

_ (1) المصدر السابق (16/3555) . (2) في سنن أبي داود بعد " أشهد أن محمدا رسول الله ": " مرتين مرتين، قال: ثم ارجع.. " 0 (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان 6- (379) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (192) ، وقال: حديث حسن صحيح، النسائي: كتاب الأذان، باب: كيف الأذان (2/5) . 28* شرح سنن أبي داوود 2

ش- محمد بن بشار: أبو بكر، بُندار. وابنُ عبد الملك: هو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة القرشي. روى عن: عطاء الخراساني وغيره. روى عنه: أبو توبة الربيع بن نافع وغيره. روى له: أبو داود (1) . قوله: " التأذين " نصب على أنه مفعول " ألقى ". قوله: " هو بنفسه " أي: رسول الله بنفسه؛ ذكره للتأكيد " فقال " أي: رسول الله إلى آخره، والجواب عنه ما ذكرناه. 486- ص- نا النُّفيلي: نا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جَدّي: عبد الملك بن أبي محذورة، يذكرُ أنه سَمِعَ أبا محذورة يقولُ: ألقى عَليَّ رسولُ الله الأذانَ حَرفًا حَرفًا: " الله أكبر، الله أكبر (2) ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدَ أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إَلا الله، أشهد أن محمدا رسَولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حَيّ على الصلاة (3) حَيَّ على الفلاح (3) ". قال: وكان يقولُ في الفجرِ: " الصلاةُ خَير منَ النوم " (4) . ش- النفيلي: عبد الله بن محمد. وإبراهيم المذكور: أبو إسماعيل المكي القرشي. روى عن: أبيه وجَدّه. روى عنه: بشر بن معاذ، وعبد الله بن عبد الوهاب وغيرهما. روى له: الترمذي، والنسائي، وأبو داود (5) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3460) . (2) كذا، وفي سنن أبي داود أربع، وهي نسخة كما سيذكر المصنف. (3) كذا، وفي سنن أبي داود مرتان. (4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6-379) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: خفض الصوت في الترجيع في الأذان، ابن ماجه: كتاب الأذان والسُنَة فيه، باب: الترجيع في الأذان (708) . (5) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (2/147) .

قوله: " حرفا حرفًا " أي: كلمةً كلمة؛ من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل؛ وانتصابه على الحال. فإن قيل: شرطها أن يكون مشتقا، قلت: غير المشتق يقع حالا في مواضع؛ منها: إذا دلّ على الترتيب نحو: ادخلوا رجلا رجلاً، وتعلّم الحسابَ بَابًا بابًا؛ وقوله: " حرفا حرفًا " من هذا القبيل، فافهم. قوله: " الله أكبر " تقديره: هو الله أكبر إلى آخره، وهو في نسخة الحكم: أربع، وفي رواية ابن الأعرابي، وأبي عيسى: مثنى، وفيه حجة لمالك حيث يقول: التكبير في أول الأذان: مرتان، وحجة للشافعي في الترجيع. قلت: " (1) روى الطبراني في " معجمه الوسط (2) " ما يُعارض هذا قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن: ثنا أبو جعفر النُفيلي: ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي: عبد الملك ابن أبي محذورة يقول: إنه سمع أباه: أبا محذورة يقول: [أ] لقى عليّ رسولُ الله الأذان حرفًا: " الله أكبر الله أكبر " إلى آخره؛ لم يذكر فيه ترجيعا. وهذا كما رأيته (3) قد ذكره بالإسناد المذكور. وأسند البيهقي عن إسحاق بن راهويه/: أنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أدركت أبي وجذي يؤذنون هذا الأذان، ويقيمون هده الإقامة؛ فذكر الأذان مُفسرا بتربيع التكبير في أوله، وتثنية الشهادتين، ثم يرجع بهما مثنى مثنى- أيضا- وتثنية الحيعلتين والتكبير، ويختم بلا إله إلا الله [والإقامة فرادى، وتثنية التكبير] (4) أولها وآخرها. فظهرَ من هذه الروايات: أن أبا محذورة وأولاده لم يدوموا على الرواية المذكورة التي فيها التكبير مثنى في أوله، والترجيع في الشهادتين، والإفراد في الحيعلتين.

_ (1) انظر: نصب الراية (1/262 و 268) . (2) (2/1106) (3) غير واضحة في الأصل، وهي أقرب إلى ما أثبتناه. (4) زيادة من نصب الراية. .

487- ص- نا محمد بن داود الإِسكندراني: نا زياد- يعني: ابن يونس-، عن نافع بن عمر، عن عبد الملك بن أبي محذورة أخبره عن عبد الله بن مُحيريز الجُمحي، عن أبي محذورة، أن رسولَ الله- عليه السلام- عَلَّمه الأذانَ: يقولُ: " الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إلهَ إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله " ثم ذكر مثل حديث (1) ابن جريج، عن عبد العزيز ابن عبد الملك ومعناه (2) . ش- محمد بن داود: ابن أبي ناجية الإسكندراني، وزياد: ابن يونس الحضرمي. ونافع بن عمر: ابن عبد الله القرشي الجُمحي المكي. سمع: ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وبشر بن عاصم وغيرهم. روى عنه: يحيى القطان، وابن المبارك، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت صحيح الحديث 0 وقال ابن معين: ثقة. مات بمكة سنة تسع وستين. روى له الجماعة (3) . قوله: " ثم ذكر مثل حديث ابن جريج " وهو الذي رواه أبو عاصم عن ابن جريج الذي في أوله التكبير المربّع. ص- وفي حديث مالك بن دينار قال: سألت ابن أبي محذورة قلتُ: حدِّثنِي عن أذانِ أبيكَ عن رسولِ اللهِ، فذكر قال: " الله كبر الله أكبر " قط. ش- أي: قال أبو داود: وفي حديث مالك بن دينار، عن عبد الملك ابن أبي محذورة؛ والمقصود: أنه ذكر التكبير في أوله مَرتين. ومالك بن دينار: أبو يحيى البصري الزاهد. ص- وكذلك حديث جَعفر بن سليمان، عن ابن أبي محذورة، عن عمِّه عن جلِّه؛ إلا أنه قال: " ثم ترجع فترفعَ صوتكَ: الله أكبر الله أكبر ".

_ (1) في سنن أبي داود: " مثل أذان حديث ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 /6367) .

ش- أي: كحديث مالك بن دينار: حديث جعفر بن سليمان الضبعي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عمه ... (1) . وهذا- كما رأيت- قد اختلفت الروايات عن أبي محذورة وقال ابن عبد البر: علمه رسول الله الأذان بمكة عام حنين، فرُوِيَ عنه فيه تربيع التكبير في أوله، ورُوِيَ عنه فيه تثنيته؛ والتربيع فيه من رواية الثقات الحُفّاظ؛ وهي زيادة يجب قبولها، َ والعمل عندهم بمكة في آل محذورة بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. 488- ص- نا عمرو بن مرزوق: أنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال. سمعت ابن أبي ليلى ح ونا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال فال: ونا أصحابنا أن رسولَ الله قال: " لقد أعجبَنَي أن تكونَ صلاةُ المسلمًين أو (2) المؤمنين واحدة حتى لقد هَممتُ أن أبث رِجالاً في الدُورِ ينادُونَ الناسَ بحينِ الصلاة، حتى (3) همَمتُ أن آمُرَ رِجالاً يَقُومونَ على الآطَام ينادُونَ المسلمين بحيَنِ الصلاة، حتى نَقَسُوا أو كادوا أن يَنقُسُوا " قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ فقال: ياَ رسولَ اللهِ! إني لمّا رَجَعتُ لما رأيتُ من اهتمامِكَ، رأيتُ رجلاً كأن عليه ثوبَينِ أخضرينِ، فقامَ على المسجد فأدن، ثم قَعَدَ قَعدَةً، ثم قام فقال مثلَها؛ إلا أنه يقول: قد قَامت الصلاةُ، ولولا أن يقولَ الناسُ- قال ابن المثنى: أن تقولوا- لقلتُ: إني كنَتُ يقظانًا غيرَ نائمٍ، فقال رسولُ الله- وقال ابنُ المُثنى: " لقد أراكَ اللهُ خيرًا " ولم يَقُل عَمرو: " لقَد (4) " - " فمُر بلالاً فَليُؤذن ". قال: فقال عُمر: أما إني قد رَأيتُ مثلَ الذي رأى؛ ولكني لما سُبِقتُ استَحيَيتُ (5) .

_ (1) بياض في الأصل قدر ثلث سطر. (2) في سنن أبي داود: " أو قال ". (3) في سنن أبي داود: " وحتى ". (4) في سنن أبي داود: " لقد أراك الله خيراً!. (5) تفرد به أبو داود.

ش-/عَمرو بن مرزوق: البصري، أبو عثمان الباهلي. روى عن: شعبة، وعكرمة بن عمّار، والحمادين وغيرهم. روى عنه: أبو داود الطيالسي، وأبو حاتم، والبخاري تعليقًا، وأبو داود، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان ثقة من العُباد. مات بالبصرة في صفر سنة أربع وعشرين ومائتين (1) . وعمرو بن مُرة: ابن عبد الله المرادي الكوفي. وابن أبي ليلى: عبد الرحمن، واسم أبي ليلى: يَسار؛ وقد ذكرناه. وابن المثنى: محمد، أحد شيوخ أبي داود. ومحمد بن جعفر: الهُذلي المعروف بغندر. قوله: " أحيلت الصلاةُ ثلاثة أحوال " أي: غُيرت ثلاث تغييرات أو حُوِلّت ثلاثَ تحويلات، وهذه ما فسرت تفسيرًا جيّدا إلا في حديث مًثله أخرجه أحمد بن حنبلً في " مسنده (2) " وهذا لفظهُ: ثنا أبو النضر قال: ثنا المَسعوديّ قال: حدثني عمرو بن مُرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جَبل قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال؛ فأما أحوال الصلاة: فإن النبي- عليه السلاَم- قدِم المدينةَ وهو يُصلِّيِ سَبعة عشر شهرا إلى بَيت المَقدس، ثم إن الله عز وجلّ أنزل عليه (قَد نرَى تَقَلُبَ وَجهِكَ فِي السَمَاء فَلَنُولَيّنًّكَ قبلَةً تَرضَاها) الآية (3) ، فوجهَه الله إلى مكة؛ فهذا حَولٌ. قاَل: وكانواَ يجتمعون للصلاة (4) ويؤذن بها بَعضُهم بعضًا حتى نقسوا أو كادوا ينقسوا، ثم إن رجلا من الأنصار يُقال له: عبد الله بن زَيد أتى رسولَ الله فقال: يا رسول الله! إني رأيتُ فيما يرى النائم ولو قلتُ: إني لم أكن نائمًا لصدقتُ إني أنا بين النائم واليقظان إذ رأيتُ شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلةَ فقال: الله أكبرُ الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان ثم أمهل ساعةً، ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة قد قامت

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4446) . (2) (5/246) . (3) سورة البقرة: (144) . (4) في الأصل: الصلاة ".

الصلاة. فقال رسولُ الله: " عَلمها بلالاً فليؤذن بها " فكان بلالٌ أول من أذن بها. قالَ: وجاءهَ عُمر بن الخطاب فقال: يا رسولَ الله! إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبَقني؛ فهذان حَولان. قال: وكانوا يأتون الصلاة وقد سَبَقَهم النبيّ- عليه السلام- ببَعضِها فكان الرجل يُشيرُ إلى الرجل إذا جاء: كَم صَلّى؟ فيقول: واحدة أو اثنتَين، فيصليها ثم يدخل مع القَوم في صلاتِهم. قال: فجاء معاذٌ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنتُ عليها، ثم قَضيتُ ما سَبقنِي. قال: فجاء وقد سبقه النبي- عليه السلام- ببَعضِها. قال: فثبتَ معه، فلما قضى رسول الله صلاته قام فقضى، فقال رسول الله: " إنه قد سنن لكم مُعاذٌ فهكذا فاصنعُوا " فهذه ثلاثة أحوالٍ الحديثَ. قوله: " قال: وحدثنا أصحابنا " أي: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا. قلتُ: إن أراد به الصّحابةَ فهو قد سمع من جماعة من الصحابة؛ فيكون الحديث مُسندا؛ وإلا فهو مُرسلٌ، وذكر الترمذي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل. وقال الشيخ زكي الدين في " مختصر السنن ": وما قالاه ظاهر جدا؛ فإن ابن أبي ليلى قال: وُلدتُ لست بقين من خلافة عمر؛ فيكون مولده سنة سبع عشرة من الهجرة، ومعاذ توفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقد قيل: إن مولده لست مضين من خلافة عمر؛ فيكون مولده على هذا بعد موت معاذ. ولم يَسمع ابن أبي ليلى- أيضاً- من عبد الله ابن زيد الأنصاري. قوله: " أو المؤمنين " شكّ من الراوي. قوله: " لقد هممتُ أن أبُث رجالا " أي: لقد أرَدتُ؛ من هممتُ بالشيء اهُتم هَما إذا أرَدتُه؛ ومعنى أبُث: أُفرّق؛ من البَث وهو النَشر و" أن " مَصدرية؛ والتقدير: لقد هممتُ بَث رجالٍ " في الدور ". أي: القبائل.

قوله: " بحين الصلاة " أي: بوَقتها. قوله: " على الآطام " الآطام- بالمدّ- جمعُ أُطُم- بضم الهمزة والطاء-؛ وهو بناء مرتفع/وآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة، وفي " الصحاح ": الأطُم مثل الأُجُم- يخفف ويُثقلُ- والجمعُ: آطام؛ وهي حصون لأهل المدية، والواحد: أطَمة مثل أكَمة. انتهى. ويقال: الآطام: جمعُ إِطام- بكسر الهمزة- وهو ما ارتفع من البناء. قوله: " حتى نقَسُوا " - بفتح القاف- من النَقس، وهو الضربُ بالناقُوس؛ وهي خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، وقد ذكرناه. قوله: " أو كادوا أن ينقُسوا " - بضم القاف-؛ لأنه من نقس يَنقُس، من باب نصر ينصُر؛ وهو شك من الراوي، والمعنى: أو قربُوا من نَقس النَاقُوس؛ لأن " كاد " من أفعال المقاربة. قوله: " فجاء رجل من الأنصار " وهو مفسر في حديث أحمد الذي ذكرناه بعبد الله بن زيد الأنصاري. قوله: " لمّا رجعتُ لما رأيتُ " قد علمت أن " لما " على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يحزم المضارع ويقلبه ماضيًا، والثاني: أن يكون حرف استثناء، فيدخل على الجملة الاسمية نحو (إِن كُل نَفسٍ لَمَا عَلَيهَا حَافِظ) (1) فيمن شدد الميم، والثالث ت ظرف بمعنى " حين " فتختص بالماضي، فتقتضى جملتين وُجدت ثانيتهما عن وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويكون جوابها فعلا ماضيًا اتفاقا وجملة اسميةً مقرونة بإذا الفجائية أو بالفاء- عند ابن مالك- وفعلا مضارعا- عند ابن عصفور-؛ " ولمّا " هذه هاهنا من القسم الثالث. وقوله: " رأيتُ رجلاً " جوابُ كل واحد من " لما رجحتُ "، " لما رأيتُ ". قوله: " كان عليه ثَوبين أخضرين " قد وقع كذا في رواية أبي داود " ثوبين أخضرين " وفي رواية أحمد- كما ذكرنا- " كان عليه ثوبان أخضران "

_ (1) سورة الطارق: (4) .

وهو القياس؛ لأن ثوبين فاعل كان وهو اسمُه فيكون مرفوعًا، وخبره: قوله: " عليه ". ووجه رواية أبي داود- إن صحت- أن تكون " كان " زائدة، وهي التي لا تُخِل بالمعنى الأصلي، ولا يعملُ في شيء أصلا، ويكون نَصب " ثوبَين " بالفعل المقدر؛ والتقدير: رأيت رجلا ورأيت عليه ثوبَين أخضرين، فقوله: " رأيتُ " يكون دالا على " رأيت " الثاني المقدّر، وجَعلُنا " كان " هاهنا زائدةً لا يُخِلُّ بالمعنى الأصلي- كما قد رأيتَ. فإن قيل: فإذا لم تعمل " كان " الزائدة فما فائدةُ دخولها في الكلام؟ قلت: فائدته تأكيد جملة صُدرت بها، ويدلّ على الزمان- أيضا- ألا ترى أن " كان " في قولهم: ما كان أحسن زيدا، زائدةٌ لم تعمل بشيء؛ ولكنها دَلّت على الزمان، والمعنى: ما أحسن زيدا أَمسِ، فافهم. قوله: " ثم قَعَدَ قَعدةً " - بفتح القاف- والفَعلة- بالفتح- يدل على المرة، وبالكسر يدل على الهيئة؛ والمراد هاهنا: المرة لا الهيئة. وفيه دلالة على استحباب الفصل بَين الأذان والإقامة بقعدة ونحوها. قوله: " مثلها " أي: مثل كلمات الأذان. قوله: " ولولا أن يقول الناس " أي: قال ذلك الرجل من الأنصار- وهو عبد الله بن زيد-: لولا أن يقول الناسُ. قوله: " قال ابن المثنى " من كلام أبي داود، أي: قال محمد بن المثنى، وهو أحد شيوخه في روايته: " أن تقولوا " موضع " أن يقول الناس " 0 قوله: " لقلتُ " جواب قوله: لولا، وقوله " قال ابن المثنى: أن تقولوا " مُعترض بين " لولا " وجوابه. قوله: " يَقظانًا " - بفتح القاف وسكونها- وقوله لا غير نائم " تأكيد له من جهة المعنى. قوله: " لقد أراك اللهُ خيرًا " مقول لقوله: " فقال رسول الله ". وقوله: " وقال ابن المثنى " معترض بين القول ومَقُوله. قوله: " ولم يَقُل عَمرو: لقَد " من كلام أبي داود، أي: لم يقل عمرو ابن مرزوق أحد شيوخ أبي داود في روايته " لقَد " بل روايته " أراك الله خيرا " بدون " لقَد ".

قوله: " فمُر بلالا " من كلام النبي- عليه السلام-، يُخاطبُ عبد الله ابن زيد الأنصاري. قوله: " أما إِني " بفتح الهمزة في " أما " وكسرها في " إني " فافهم. قوله: " سُبقتُ " على صيغة المجهول أي: لما سبقني عبد الله بن زيد بمقالته " استحييتُ " أن أذكر منامي الذي رأيته كما رأى. ص- قال: وحدثنا أصحابنا قال: كان (1) الرجلُ إذا جاء يَسألُ فيُخبرُ بما سُبق من (2) صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله- عليه السلام- من بينِ قائمِ وراكعِ، وقاعد ومصلي (3) مع رسولِ اللهَ/قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حُصَينَ، عن ابن أبي ليلى حتى جاء مُعاذ. قال شعبةُ: وقد سمعتُها من حُصَينٍ فقال: لا أراهُ على حال إلى قوله " كذلك فافعلوا " ثم رجعتُ إلى حديث عَمرو بن مَرزُوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إليه. قال شعبةُ: وهذه سمعتُها من حُصَين قال: َ فقال مُعاذ: لا أراهُ على حال إلا كنتُ عليها. قال: " فقَال إن معاذا قد سَنَ لكم سُنةً كذلك فافعلُوا ".ً ش- هذا هو الحال الثاني من الأحوال الثلاث التي قالها ابن أبي ليلى: " أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال؛ فالحال الأول: قد بيّنه الشيخ بقوله: قال: ونا أصحابنا أن رسول الله قال: " لقد أعجبني " إلى آخره، وقد ببنها الإمام أحمد مُفسرةً واضحةً مجموعة- كما ذكرناه. وأبو داود بيّنها مفرقةً مختلطة بعضها في بَعض، وأدخل في أثناء الحديث بَعض رُواته- كما ترى. قوله: " قال: وحدثنا أصحابنا " أي: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ذكرنا أنه إن أراد به الصحابة فالحديث مُسند وإلا فمُرسلٌ. قوله: " كان الرجل إذا جاء يَسأل " يعني: كان الرجل من الرجال إذا جاء إلى الصلاة مع النبي- عليه السلام- يسأل ممن كان هناك: كم صلّى رسولُ الله من الركعات؟

_ (1) في سنن أبي داود: " وكان " (2) مكررة في الأصل. (3) في سنن أبي داود: " ومصل ".

قوله: " فيُخبرُ بما سُبق من صلاته " على صيغة المجهول، أي: يُخبره المُخبرُ بالَّذي سُبِق من أَعداد ركعات صلاته ركعةً أو ركعتين أو ثلاثا، فكان الرجل يُصليها وحده ثم يقوم ويدخل مع القوم في صلاتهم. قوله: " وإنهم قاموا " بكسر الهمز. وقوله: " من بين قائم " إلى آخره؛ إشارة إلى أن منهم من كان يدرك صلاة النبي- عليه السلامَ وهو في القيام، ومنهم من كان يدركه وهو في الركوع، ومنهم من كان يدركه وهو في القعدة، ومنهم من كان يدركه من الأول، وهو معنى قوله " ومُصلي مع رسول الله " وقوله " مع رسول الله " متصل بالجميع، أعني بقوله " من بين قائم " إلى آخره. قوله: " قال ابن المثنى: قال عمرو " أي: قال محمد بن المثنى: قال عمرو بن مُرة. قوله: " وحدثني بها حُصَين عن ابن أبي ليلى " أي: قال عمرو بن مرة: وحدثني بها- أي: بالقصّة المذكورة- وإنما قال: وحدثني بواو العَطف؛ لأنه قال في الرواية الأولى: عن ابن أبي ليلى، وفي هذه الرواية: حدثني بها حُصَين، عن ابن أبي ليلى فكأنه قال: حدثني بها ابن أبي ليلى، وحدثني بها حصين، عن ابن أبي ليلى؛ وهو حُصين بن عبد الرحمن أبو الهذيل السُلمي الكوفي، وقد ذكرناه. قوله: " حتى جاء معاذ " من تتمة قوله " ومُصلي مع رسول الله ". وقوله " قال ابن المثنى " إلى آخره معترض بينهما، وكذلك قوله " قال شعبة " إلى قوله " فقال: لا أراه " معترض بين قوله " حتى جاء معاذ " وبين قوله " لا أراه ". قوله: " قد سمعتها " أي: قد سمعت هذه القصة من حُصَين المذكور. قوله: " فقال: لا أراهُ " أي: قال معاذ: لا أرى النبي- عليه السلام- على حالٍ من الأحوال إلا كنتُ عليها. قوله: " ثم رجعتُ " من كلام أبي داود، أي: ثم رجعت إلى رواية عمرو بن مرزوق أحد شيوخه.

قوله: " فجاء معاذ " أي: جاء مُعاذ والنبيُّ- عليه السلام- يُصلَي مع القوم فأشاروا إليه، أي إلى مُعاذ بما سُبِق. قوله: " قال شعبة " إلى قوله " فقال معاذ " معترض بين قوله " فأشاروا إليه " وبَين قوله " فقال معاذ ". قوله: " قال: فقال معاذ " أي: قال شعبة: قال معاذ، حين أشاروا إليه: " لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها " بمعنى: أني لم أُخالفه في حال من الأحوال، مثل ما كانوا يفعلونه مِن أنهم إذا جاءوا إليه- عليه السلام- وهو يُصلي مع القوم يَسألونهم: كم صلّى من الصلاة؟ فيصلون ما سُبقوا، ثم يدخلون في صلاة القوم- كما ذكرناه- ومعاذ لم يَفعل ذلك؛ بلَ كما جاء شرع في صلاة النبي- عليه السلام-، ثم لما فرغ النبي - عليه السلام- قام معاذ وقضى ما عليه، فقال النبي- عليه السلام-: " إن معاذًا قد سَنّ لكم سُنَة، كذلك فافعلوا " أي: كما فعل معاذٌ فافعلوا- كما قد فسّر هكذا في حديث أحمد/رضي الله عنه. ويُستفاد من الحديث: أن المسبوق يجب أن يُشارك الإمامَ من حين وصوله، ثم إذا فرغ الإمامُ يقوم ويَقضي ما فاتَه، وفيه دليل لمن يُجوّز الاجتهاد بحَضرة النبي- عليه السلام-، وفيه دليل على إطلاق السُنَة لغير النبي- عليه السلام-؛ كما يقال: سُنَّة العمرين، وهذا سُنَّة معاذ - رضي الله عنه-. ص- قال: وحدثنا أصحابُنَا أن رسولَ الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِما قَدمَ المدينةَ أمرَهُم بصيام ثلاثة أيام، ثم انزِلَ رَمضانُ، وكانوا قوما لمَ يتعوّدُوا اَلصيامَ، وكان الصيام عليهَم شديدًا، فكان مَن لم يَصُم أطعَم مسكينًا، فنزلت هذه الآية (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) (1) فكانتِ الرُّخصةُ للمريضِ والمُسافرِ، فأمِروُا بالصِيام. ش- أي: قال ابن أبي ليلى؛ وفي " مسند أحمد (2) ": " وأما

_ (1) سورة البقرة: (185) . (2) (5/246- 247) *

أَحوال الصيام: فإن رسول الله- عليه السلام- قدم المدينة فجعل يصومُ من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله عز وجل فرض عليه الصيام، فأنزل الله تعالى (يَا أيُّهَا الَذينَ آمَنُوا كُتبَ عَلَيكُمُ الصَيامُ كَما كُتبَ عَلَى الَذينَ من قَبلِكُم) إلى قولهَ (وَعَلى الَّذَينَ يُطيقُونهُ فديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ) (1) وكَان مَن شَاء صام ومن شاء أطعمَ مسكينَا، فأَجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى (شَهرُ رَمَضانَ (2) الَّذي أنزِلَ فيه القُرانُ) إلى قوله (فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) فأثبت الله عز وجَلَ صيامَه على المقيم الصحيح، وَرخصَ فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعامُ للكبير الذي لا يَستطيع الصيام. فهذان حَولان. قال: وكانوا يأكلون ويَشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يُقال له: صرمة كان يعملُ صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله، فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح صائمًا، فراَه رسولُ الله وقد جهَد جَهدًا شديدًا، فقال: " مالي أراك قد جهدت جهدا شديدًا؟ " قال: يا رسول الله! إني عمِلتُ أمسِ فجئتُ حين جئت فألقيتُ نفسي فنمتُ، فأصبحتُ حين أصبحتُ صائما قال: وكان عُمر- رضي الله عنه- قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي - عليه السلام- فذكر ذلك له فأنزل الله عز وجل (أحلَّ لَكُم لَيلَةَ الصَيام الرفَثُ) إلى قوله (إِلَى اللَّيلِ) . وهذا من تتمة الَحديث الذي ذكرناه عن قريب. ص- قال: وحدثنا بعضُ أصحابنَا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يُصبح قال: فَجاء عُمر فأرَادَ امرأتَه فقالت: إني قد نمتُ، فظَنَّ أنها تعتل فأتاها، فجاء رجل من الأنصار فأراد طعامًا فقالوا: حتى نُسخن لك شيئا فنامَ فلما أصبحوا نزلت (3) هذه الآية فيها (احِلَّ لَكُم لَيلةَ الصمام الرَفَثُ إِلَى نِسَائِكُم) (4) .

_ (1) سورة البقرة: (183، 184) . (2) مكررة في الأصل. (3) في سنن أبي داود: " أنزلت ". (4) سورة البقرة: (187) .

ش- أي: قال ابن أبي ليلى. قوله: " فأراد امرأته " كناية عن طلب الجماع. قوله: " فأتاها " أي: جامعها. قوله: " فجاء رجل من الأنصار " وهو صِرمة المذكور في حديث أحمد. 489- ص- نا محمد بن المثنى، عن أبي داود ح ونا نصر بن المهاجر: نا يزيد بن هارون، عن المَسعوديّ، عن عَمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيلَت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال، وأُحيلَ الصيامُ ثلاثةَ أحوالٍ. وساقَ نصرٌ الحدَيث بطوله، واقتصر (1) ابنَ المثنى منه قصة صلاتهم نحو بَيت المقدس قط (2) .ً ش- أبو داود هذا: سليمان بن داود الطيالسي. ونصر بن المهاجر: أحد شيوخ أبي داود؛ وقد ذكرناه. ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي. والمَسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسعودي الكوفي. سمع: أبا إسحاق الشيباني، وجامع بن شداد، وعبد الرحمن بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرّة وغيرهم. روى عنه: وكيع، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة إذا حدّث عن عاصم وسلمة بن كهيل، وقال- أيضا- ثقة ثقة. مات سنة ستين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي/وابن ماجه (3) . قوله: " وساق نصر " أي: نصر بن المهاجر المذكور. قوله: " واقتصر ابن المثنى منه " أي: اقتصر محمد بن المثنى من الحديث و" قصةَ " منصوب على أنه مفعول " اقتصر " لأن افتعل يجيء بمعنى فعل؛ كمدح وامتدح.

_ (1) في سن أبي داود: " اقتص ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3872) .

ص- قال: الحال الثالث: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدمَ المدينةَ فصلَّى- يعنِيِ: نحو بَيت المقدس- ثلاثةَ عَشَرَ شَهرًا، فانزلَ اللهُ تَعالى هذه الآية (قَد نرى تَقَلُّبَ وَجهِكَ فيَ السَّمَاء فَلنُوَلينَّكَ قبلَةً تَرضَاهَا فَولِّ وَجهَكَ شَطر المَسجد الحَرامِ وحَيثُ مًا كُنتُم فَولوا وُجُوهَكم شَطرَهُ) (1) فوجّهه الله عز وجلّ إلَىَ الكعبة. وتَمّ حديثُه. ش- أي: قال ابن أبي ليلى: الحال الثالث من الأحوال الثلاث التي ذكرها في قوله: " أُحيلَت الصلاة ثلاثة أحول " الحال الأوّل: قضية عبد الله بن زيد في روياَ الأذان، والحال الثاني: قضيّة معاذ- رضي الله عنه- في الصلاة، والثالث: هذا؛ وهو قضيّة تحويل القبلة؛ وذلك أنه - عليه السلام- لما قدم المدينة أُمر أن يصلي إلى صخرة بَيت المقدس تألفًا لليهود ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر، ثم حُول إلى الكعبة؛ لأنه كان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت. وعن ابن عباس: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بَينه وبَينه، وكان تحويل القبلة قبل غزوة بدر. قال بعضهم: كان ذلك في رجب سنة ثنتين. وبه قال: قتادة، وزيد بن أسلم، وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقيل: في شعبان منها. وقال ابن إسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله، وحكاه ابنُ جرير عن ابن عباسٍ، وابن مسعود، وناسٍ من الصحابة، وهو قول الجمهور. وحُكِيَ عن الواقديّ أنها حُوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان. وقال بعضهم: نزل التحويل وقت الظهر. وقال بعضهم: كان بين الصلاتين. قوله (قَد نَرَى) معناه: ربّما نرى، ومَعناه: كثرة الروية، والحاصل: أن " قد " للتقليل؛ ولكنه استعير هاهنا للتكثير لمجانسة بين الضدين، كما أن التقليل قد يُستعار للتكثير.

_ (1) سورة البقرة: (144) .

قوله: (تَقَلُّبَ وَجهكَ) أي: تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء؛ وكان- عليهَ السلام- يَتوقعُ من الله أن يُحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم- عليه السلام-، وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، فكان يُراعي نزول جبريل - عليه السلام- والوَحي بالتحويل. قوله: (فَلَنُوَليّنًكَ) أي: فلنُعطينك ولنمكّننك من استقبالها، من قولك: وَليته كذا إذا جعَلته واليًا له. قوله: (تَرضَاهَا) أي: تحبّها وتميلُ إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمَرتها. قوده: (شَطرَ المَسجد الحَرَامِ) أي: نحوَه؛ وقرأ أُبي " تلقاءَ المسجد الحرام " وهو نَصب علَىَ الظرف، أي: اجعل تولية الوجه في جهة المسجد وسَمته؛ لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البَعيد، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين؛ ولهذا قال جماعة من أصحابنا: يجب على من كان في المسجد الحرام أن يستقبل عين الكعبة، ومن كان في مكة يستقبل المسجد الحرام، ومن كان خارج الحرم من أهل الدنيا يستقبل الحرم من أيّ جهة كان. قوله: " وتم حديثه " أي: حديث ابن المثنى. ص- وسمّى نصرٌ صَاحبَ الرؤيَا قال: فجاء عبدُ الله بنُ زيد رجل من الأنصارِ وقال فيه: فاستقبلَ القبلَة قال: الله كبر، الله أكبرَ، أشهدَ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدَا رسول الله، أشهد أن محمدَا رسول الله، مرتين (1) . حَيَّ على الصلاة مرتينِ، حَي على الفلاح مرتين، الله كبر، الله كبر، لا إله إِلا الله. ثم أمهلَ هُنيةَ، ثم قام فقال مثلها إلا أنه (2) زادَ بعدما قال: حيَ على الفلاح: قد قَامتِ الصلاةُ،

_ (1) كلمة مرتين غير موجودة في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " إلا أنه قال: زاد ".

قد قَامت الصلاةُ. قال (1) رسول الله- عليه السلام-: " لقنها بلالا " فأذن بها بلالاً. ش- أي: سمّى نصر بن المهاجر: صاحب الرؤيا وهو من كلام أبي داود. قوله: " قال: فجاء عبد الله " / أي: قال نصرٌ في بقية حديثه: فجاء عبدُ الله. قوله: " رجُل من الأنصار " مَرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو رجل من الأنصار، والجملة تكون صفة كاشفة، ويجوز أن تكون بدلاً من عبد الله، والتطابق بين البدل والمبدل منه ليس بشرط، وتبدل النكرة من المعرفة، والمعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة، والنكرة من النكرة، والبدل أربعة أنواع، فيصير الجملة ستة عشر بخلاف الصفة والموصوف؛ فإن التطابق بَينهما شرط تعريفا وتنكيرا وغير ذلك كما عرف في موضعه، على أن الرجل هاهنا اتصف بقوله " من الأنصار ". قوله: " وقال فيه " أي: في حديثه الذي حدّث من رؤياه. قوله: " ثم أمهلَ هُنيةً " بمعنى أبطأ ساعةً لطيفةً، وأَمهَلَ: أفعل؛ ولكنه بمعنى فعل كأنبت الزرع بمعنى: نبت. " وهُنية ": تصغير هَنَة، ويقال: هُنَيهة- أيضا- وهو القليل من الزمان. قوله: " مثلها " أي: مثل كلمات الأذان. ص- وقال في الصوم: قال: فإنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَصُومُ ثَلاثَة أيام من كل شهرٍ، ويَصومُ يَومَ عَاشُوراءَ، فأنزلَ اَللهُ عَر وجل (كُتبَ عَلَيكُم الصَيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَذين مِن قَبلِكُم) إلى قوله (طَعَامُ مسكين) (2) فكان من شاءً أن يَصومَ صًامَ، ومَن شَاءَ أن يُفطِرَ ويُطعم كل يوم مًسكينًا أجزاهُ ذلك. فهذا (3) حَول. فأنزلَ الله عز وجل (شَهرُ رَمَضانَ الَذِيَ انزِلَ

_ (1) في سنن أبي داود: " قال: فقال " . (2) سوية القرة: (183، 184) . (3) في سنن أبي داود: " وهذا ". 29. شرح سنن أبي داوود 2

فِيه القُرآنُ) إلى (أيامِ أُخَرَ) (1) فثبت الصيامُ على مَن شهر الشهر، وعَلى المُسافرِ أن يقضي، ولبت الطعامُ للشيخِ الكَبيرِ والعجوز اللَّذين لا يَستطيعانِ الصومَ، وجاء صِرمَةُ وقد عَمِلَ يَومَه. وساَقَ الحديث (2) . ش- أي: قال ابن أبي ليلى في روايته: قال مُعاذ- رضي الله عنه-. قوله: " كان يَصومُ ثلاثة أيام من كل شهر " وكانت هذه فرضًا قبل رمضان، وكذلك كان صوم عاشوراء؛ فلما أنزل الله تعالى (يَا أيهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتبَ عَلَيكُمُ الصّيَامُ) الآية نسخَ ذلك الصومَ؛ والصيام والَصوم واحدَ وَهو الإمساك لغةً، وشرعا: إمساك عن المُفطرات. قوله: (كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلكُم) يعني: الأنبياء والأمم من لدن اَدم، وفيه توكَيد للحكم وَترغيبٌ عَلى الفعل. قوله: (طَعَامُ مسكين) يعني: نصف صاع من بُر أو صاع من غيره عند فقهاء العراق، وَمُذ عند فقهاء الحجاز؛ رُخص لهم في ذلك أول الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه، ثم نسخ بقوله تعالى: (فَمَن شَهد َمنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) يعني: فمن حضر في أشَهر ولم يكن مسافراً فَليصَمه (ومن كَانَ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَر فَعدة مِّن أيَّام أُخرَ) أي: فعليه عدة من أيّام أخر؛ والمعنى: أن المريضَ إذا أفطر والمسافر إذا أفطر يجبُ عليهما أن يقضيا ذلك من أيام أخر؛ وكانت فرضية رمضان في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وقد قيل: إنه فرض في شعبان منها. قوله: " فهذا حول " أي: أمر الخيار بين الصوم الفرض وبين الإفطار والإطعام للمسكين حال واحد من الأحوال الثلاثة. والحال الثاني: فرضيّة الصوم على المقيم الصحيح من غير الخيار، والرُّخصة للمسافر والمريض. والحال الثالث: ما قَصَّه الله في قوله: (أحِلَّ لَكُم لَيلَةَ الصَيَام الرُّفَثُ) إلى قوله (اللَّيلِ) وقد مرّ هذا مُفسرا واضحا في حديث

_ (1) سورة البقرة: (185) . (2) تفرد به أبو داود.

28- باب في الإقامة

أحمد. وتخريجُ أبي داود مُفرقٌ يحتاج فيه إلى إِمعان النظر والفِكر القوِي، فافهم. قوله: " وجاء صِرمةُ " صِرمة- بكسر الصاد المهملة وسكون الراء- هو صرمة بن قيس، كنيتُه: أبو قيس، له صُحبةٌ وهو لا ينصرف للعلمية وتاء التأنيث. قوله: " وقد عمل يومه " جملة وقعت حالاً من " صرمة " وتمام قصته قد مرّ في حديث أحمد. *** 28- باب في الإقامةِ أي: هذا باب في بيان حكم الإقامة وصفته، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الإقامة " وهي مصدر من أقام يقيم/ إقامة، وفي اصطلاح الفقهاء: هي إعلام الحاضرين. 490- ص- نا سليمان بن حَرب، وعبد الرحمن بن المبارك قالا: نا حماد، عن سماك بن عطيّة ح ونا موسى بن إسماعيل: نا وهيبٌ - جميعا-، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: أُمرَ بلالٌ أن يَشفعَ الأذانَ ويُوترَ الإقامةَ (1) . ش- سُليمان بن حرب: الواشحي، أبو أيوب البصري، قاضي مكة. وعبد الرحمن بن المبارك: ابن عبد الله العَيشِي- بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- أبو بكر أو أبو محمد البصري. روى عن: وهيب بن خالد، وأبي عوانة بن جرم (2) ، وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم. روى

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: بدء الأذان (603) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (2-378) و (3-378) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في إفراد الإقامة (193) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: تثنية الأذان (2/3) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: إفراد الإقامة (729) . (2) كذا، وفي تهذيب الكمال " أبو عوانة اليشكري، وحزم القُطعي " فلعله مركب منهما، والله أعلم.

عنه: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم- وقال: صدوق-، وأبو داود وغيرهم. وروى النسائي، عن رجل، عنه. مات سنة ثمان وعشرين ومائتين (1) . وحماد: ابن زيد. وسماك بن عطية: البصري المِربَدي، روى عن: الحسن البصري، وأيوب السختياني. روى عنه: حمادَ بن زيد، والهيثم بن الربيع. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (2) . وموسى بن إسماعيل: المنقري. وَوُهَيب: ابن خالد بن عجلان البصري. وأيوب: السختياني. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي البصري. قوله: " جميعًا " حال عن " سماك " وَ " وُهيب " بمعنى: مجتمعَين. قوله: " أُمر بلال " أي: أمرَه رسول الله بذلك. وقد أخرجه النسائي في " سننه " مَبينا من حديث أبي قلابة، عن أنسِ أن رسول الله أمَر بلالا أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه. قوله: " أن يشفع الأذان " يعني: يأني به مثنى؛ وهذا مجمع عليه اليوم؛ وحكِي في إفراده خلاف عن بعض السلف. قوله: " ويوتر الإقامة " يعني: يأتي بها وترا ولا يثنيها بخلاف الأذان. " (3) واختلف العلماء في لفظ الإقامة؛ فالمشهور من مذهب الشافعي: أن الإقامة إحدى عشرة كلمة، وبه قال أحمد. وقال مالك في المشهور: هي عشر كلمات؛ فلم يثن لفظ الإقامة، وهو قول قديم للشافعي. وقال أصحابنا: الإقامة سبع عشرة كلمةَ، فيُثنيها كلها. واحتج الشافعي بالحديث المذكور. واحتج أصحابنا بما رواه الترمذي من حديث عمرو بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3946) . (2) المصدر السابق (12/2581) . (3) انظر: نصب الراية (1/268: 270) .

مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان رسول الله شفعا شفعا في الأذان والإقامة؛ وبما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن محيريز؛ وقد مرّ بيانه، وقال فيه النسائي: ثم عدها أبو محذورة تسع عشرة كلمةً وسبع عشر كلمةً، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " ولفظه: " فعلمه الأذان والإقامة مثنى مثنى ". وكذلك رواه ابن حبان في " صحيحه ". واعترض البيهقي (1) فقال: وهذا الحديث عندي غير محفوظ لوجوه؛ أحدها: أن مسلما لم يخرجه؛ ولو كان محفوظا لم يتركه مسلم؛ لأن هذا الحديث قد رواه هشام الدستوائي، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه مسلم في " صحيحه "، والثاني: أن أبا محذورة قد رُوِيَ عنه خلافه، والثالث: أن هذا الخبر لم يدم عليه أبو محذورة ولا أولاده، ولو كان هذا حكما ثابتَا لما فعلوا بخلافه. وأجاب الشيخ في " الإمام " بأن عدم تخريج مسلم إياه لا يدل على عدم صحته؛ لأنه لم يلتزم إخراج كل الصحيح، وعن الثاني: أن تعبين العدد بتسعة عشر وسبعة عشر ينفىِ الغلط في العدد؛ بخلاف غيره من الروايات؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف وإسقاط- وأيضا- قد وُجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر كما أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة قال: " علمني رسول الله الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة "، وعن الثالث: أن هذا داخل في باب الترجيح لأن باب التضعيف؛ لأن عمدة التصحيح: عدالة الراوي؛ وترك العمل بالحديث لوجود ما هو أرجح منه لا يلزم منه ضَعفُه، ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة يحكم بصحتها إذا كانت/رواتها عدولاً، ولا يُعمل بها لوجود الناسخ، وإذا آل الأمرُ إلى الترجيح فقد يختلف الناسُ فيه ". قلت: " وله طريق آخر عند أبي داود أخرجه عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب؛ وفيه: " وعلمني الإقامةَ

_ (1) لعل هذا الاعتراض ملتقط من السنن الكبرى (1/417) وما بعدها.

مرتين مرنين "، ثم ذكرها مفسرةً؛ وقد مر بيانه. وله طريق آخر عند الطحاوي أخرجه عن شريك، عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعتُ أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى. قال في " الإمام ": قال ابن مَعين: عبد العزيز بن رفيع ثقة. وحديث آخر: أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود ابن يزيد: أن بلالا كان يُثني الأذان ويثني الإقامة، وكان يبدأ بالتكبير. ويختم بالتكبير. ومن طريق عبد الرزاق: رواه الدارقطني في " سننه " والطحاوي في " شرح الاَثار ". فإن قيل: قال ابن الجوزي في " التحقيق ": والأسود لم يُدرِك بلالا. قلت: قال صاحب " التنقيح ": وفيما قاله نظر؛ وقد روى النسائي للأسود عن بلال حدينا. وحديث آخر: أخرجه الطبراني بإسناده إلى بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى وكان يجعل أصبعَيه في أذنيه. وحديث آخر: أخرجه الدارقطني في " سننه " بإسناده إلى بلال أنه كان يؤذن للنبي- عليه السلام- مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى؛ وفيه زياد البكائي وثقه أحمد. وقال أبو زرعة: صدوق، واحتج به مسلم، ويُرد بهذا تعليل ابن حبان في كتاب " الضعفاء " هذا الحديث بزياد. وفيه آثار - أيضا-. روى الطحاوي من حديث وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن مجمع بن حارثة (1) ، عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع، أن سلمة ابن الأكوع كان يثني الإقامة. حدثنا محمد بن خزيمة: نا محمد بن سنان: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كان ثوبان يؤذن مثنى ويقيم مثنى. حدثنا يزيد بن سنان: نا يحيى بن سعيد القطان: نا فِطر بن خليفة، عن مُجاهد قال في الإقامة مرة مرة ": إنما هو شيء أحدثه الأمراء، وأن الأصل: هو التثنية " (2) . وقد بان لك بهذه الدلائل أن قول الشيخ محيى الدين في " شرح

_ (1) في نصب الراية " جارية ". (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

مسلم (1) ": " وقال أبو حنيفة: الإقامة سَبع عشرة كلمة؛ وهذا المذهب شاذّ " قول واهي، لا يُلتفت إليه؛ وكيف يكون شاذا مع وجود هذه الدلائل الصحيحة؟ غاية ما في الباب كان ينبغي أن يقول على زعمه: إن هذا القول مَرجوح، أو قول غيره أقوى منه؛ على أن قول أبي حنيفة في هذا الباب أقوى وأجدر بالعمل من وجوه؛ الأول: كثرة الدلائل من الأخبار والآثار الدالة على أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، والثاني: أن قوله: " أُمِر بلال لما قد قيل فيه: إن الآمر فيه مُبهم، يحتمل أن يكون رسول الله، ويحتمل أن يكون غيره، وقد قيل: إن الآمر بذلك: أبو بكر، وقيل: عُمر؛ فحصل فيه احتمالات. وقال الشيخ محيي الدين (2) : " إطلاق ذلك ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو رسول الله؛ ومثل هذا اللفظ: قول الصحابي: " أُمرنا بكذا " أو " نُهينا عن كذا " و" أُمر الناس بكذا " ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله أم بعد وفاته ". قلت: فيه مناقشة؛ لأن من الإطلاق ينشاً وجوه الاحتمالات، وقوله " سواء " إلى آخره غير مسلم؛ لجواز أن يقول الصحابيّ بعد الرسول: " أُمرنا بكذا " أو " نهينا عن كذا " ويكون الآمر أو الناهي أحد الخلفاء الراشدين. والثالث: أن بعضهم ادّعوا أن حديث أبي محذورة ناسخ لحديث أنس هذا قالوا: وحديث بلال إنما كان أول ما شرعِ الأذان- كما دلّ عليه حديث أنس- وحديث أبي محذورة كان عام حُنين وبينهما مدةٌ مَديدة. فإن قيل: شرط الناسخ: أن يكون أصح سندا، وأقوى من جميع جهات الترجيح، وحديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس من جهة واحدة، فضلا عن الجهات كلها. قلنا: لا نسلم أن من شرط/الناسخ ما ذكر؛ بل يكتفى فيه أن يكون صحيحًا متأخراً، معارضا، غير ممكن

_ (1) (4/78) . (2) المصدر السابق

الجمع بينه وبين معارضه؛ فلو فرضناهما مُتساويَين في الصحة ووجد ما ذكرناه من الشروط لثبت النسخ، وأما أنه يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا نسلم، نعم لو كان دونه في الصحة ففيه نظرٌ. ص- زاد حماد في حديثه: إلا الإقامة. ش- أي: زاد حماد بن زَيد في روايته: إلا لفظ الإقامة؛ وهي قوله: " قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة " فإنه لا يُوترها؛ بل يُثنّيها. 491- ص- نا حُميد بن مَسعدة: نا إسماعيل، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس مثل حديث وُهَيب. قال إسماعيل: فحدثتُ به أيّوب قال: إلا الإقامة (1) . ش- حُمَيد بن مَسعدة: أبو علي الباهلي، وإسماعيل: ابن علية، وخالد: ابن مِهران الحذاء، وأبو قلابة: عبد الله. ووهيب: ابن خالد، وأيّوب: السختياني. قوله: " فحدثت به " أي: بهذا الحديث. قوله: " إلا الإقامة " أي: لفظ الإقامة- كما ذكرناه. 492- ص- نا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر: نا شعبة قال: سمعت أبا جَعفر يُحدّثُ عن مُسلمٍ أبي المثنى، عن ابن عمر قال: إنما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله مرتينِ مرتينِ، والإقامةُ مرةً مرةً، غيرَ أنه يقولُ: قد قَامت الصلاةُ، قد قامتَ الصلاةُ، فإذا سَمعنَا الإقامةَ توضأنَا ثم خرجنا إلى الصلَاةِ (2) . قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفرٍ غير هذا الحديثِ. ش- أبو جَعفر: مؤذن مسجد العُريان. روى عن: أبي المثنى المؤذن.

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) النسائي كتَاب الأذان، باب: تثنية الأذان (2/3) ، وباب: كيف الإقامة؟

روى عنه: شعبة. روى له: أبو داود، والنسائي، وقال في " الكمال ": أبو جعفر: محمد بن مهران بن مسلم الكوفي مؤذن مَسجد العُريان (1) . ومسلم بن المثنى أبو المثنى المؤذن القرشي الكوفي، وقيل: اسمُه: مهران. سمع: ابن عُمر. روى عنه: ابن ابنه: أبو جَعفر هذا، وإسماعيل بن أبي خالد، وحجاج بن أرطاة وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه. قال أبو زرعة: لا أعرف أبا جعفر إلا في هذا الحديث، وقال البَزّار: لم يَروِ هذا أحدٌ من غير هذه الطريق. 493- صِ- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا أبو عامر- يعني: عبد الملك بن عمرو-: نا شعبة، عن أبي جَعفر مؤذن مَسجد العُريان. قال: سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول: سمعتُ ابن عُمر. وساق الحديث (3) . ش- عبد الملك بن عمرو: العقدي البَصري. فوله: " مسجد العُريان " مسجد مشهور بالكوفة. و " مَسجد الأكبر " هو الجامع الكبير بالكوفة، ومعنى مسجد الأكبر: مسجد الجامع الأكبر. فإن قلت: الجامعُ صفة للمسجد، ولا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته. قلت: هذا مؤول، تأويله أنه محمول على حذف موصوف المضاف إليه، تقديره: مَسجد الوقت الجامع؛ فالمسجد مضاف إلى الوقت، وهو موصوف بالجامع، ومنه قوله تعالى: (ذَلكَ دينُ القيِّمَةِ) (4) فإن الدين يوصف بالقيم نحو قوده تعالى: (دينا قممًا) (5) فوجب تأويله بحذف موصوف المضاف إليه تقديره: دين الملَة الَقيمة أي:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5033) . (2) المصدر السابق (27/5940) . (3) انظر الحديث السابق. (4) سورة البينة: (5) . (5) سورة الأنعام: (161) .

29- باب: الرجل يؤذن ويقيم آخر

الملة المستقيمة؛ فأضيف دين إلى الملة إضافة بيان، كأنه قيل: دين الإسلام؛ لأن الدين أعم من الإسلام؛ إذ هو يستعمل في الحق والباطل، والإسلام لا يستعمل إلا في الحق، وقيل: المحذوف: الأمة أي: دين الأمة القيمة بالحق. *** 29- بَابُ: الرَّجلِ يؤذن ويُقيمُ آخرُ أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يؤذن ويقيم رجل آخر، وفي بعض النسخ: " ما جاء في الرجل يؤذن ". 494- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا حماد بن خالد: نا محمد بن عَمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه: عبد الله بن زبد قال: أَرادَ النبي - عليه السلام- في الأذانِ أشياءَ لم يَصنع منها شيئَا. قال: فأرِيَ عبدُ الله بنُ زيد الأذانَ في المنام، فأتى النبي- عليه السلام- فأخبرَهُ فقال: " ألقه عَلى بلالَ " قال: فألقاه عليه فأذنَ بلالٌ. فقالَ عبدُ الله: أنا رأيتُه وأنا كنتُ أرَيدُهُ. قَال. " فأقِم أنتَ " (1) . ش- حماد بن خالد: الخياط البصري. ومحمد بن عمرو: شيخ من أهل المدينة من الأنصار./روى عن: محمد بن عبد الله، وعن: عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان. روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، وحماد بن خالد. روى له: أبو داود (2) . ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري المدني، وثقه ابن حبان. روى له: الجماعة سوى البخاري. وهذا الحديث حجة على الشافعي؛ حيث يكره الإقامة من غير المؤذن. وقال أصحابنا: إذا أقام الصلاة: غير مَن أذن لا يكره؛ واستدلوا على ذلك بهذا الحديث، وبما رواه ابن أبي شيبة (3) - أيضا-: حدثنا يزيد بن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5516) . (3) المصنف (1/216) .

هارون، عن حجاج، عن شيخ من أهل المدينة، عن " بعض مؤذني النبي- عليه السلام- قال: كان ابن أم مكتوم يؤذن، ويقيم بلال، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم ". حدثنا محمد بن [أبي] عدي، عن أشعث، عن الحسن قال: لا بأس أن يؤذن الرجل ويقيم غيره (1) 495- ص- نا عُبيد الله بن عُمر: نا عبد الرحمن بن مهدي: نا محمد ابن عَمرو قال: سمعت عبد الله بن محمد قال: كان جَدي: عبدُ الله بن زيد يُحدّث بهذا الخبر، قال: فأقام جَدّي (2) . ش- عبيد الله بن عُمر: القواريري، وعبد الرحمن بن مَهدي: العنبري البصري، ومحمد بن عَمرو، مر آنفا. وعبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي المدني. روى عن: جده: عبد الله الذي رأى الأذان. روى عنه: ابن سيرين، ومحمد بن عمرو الأنصاري. روى له: أبو داود (3) . قوله: " بهذا الخبر " أي: الخبر المذكور. 496- ص- نا عبد الله بن مَسلمة: نا عبد الله بن عُمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن زياد (4) بن نُعَيم الحضرمي، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: لما كان أولُ أذانِ الصبحِ أمرني- يعني: النبيَّ عليه السلام- فأذنتُ فجعلت أقولُ: أُقيمُ يا رسولَ الله؟ فَجعلَ ينظرُ في ناحيةِ المشرقِ إلى الفجرِ فيقولُ: " لا "، حتى إذا طلَع الفجرُ نَزلَ فَبرزَ، ثم انصرفَ إليَّ وقد تلاحقَ أصحابُه- يعني: فتوضأ- فأرادَ بلال أن يُقيمَ فقال له نبيُّ اللهِ: " إن أَخَا صُدَاءِ هو أذنَ؛ ومَن أذنَ فهو يُقيمُ " قاَل: فأقمتُ (5) .

_ (1) المصنف (1/216) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3537) . (4) في سنن أبي داود: " أنه سمع زياد بن نعيم ". (5) الترمذي: كتاب الصلاة، باب. ما جاء أن من أذن فهو يقيم (199) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: السنَة في الأذان (717) .

ش- عبد الرحمن بن زياد: الإفريقي. وزياد بن نعيم الحَضرمي: البصري. روى عن: زياد بن الحارث الصدائي. وروى عنه: بكر بن سوادة الإفريقي، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وغيرهما (1) . وزياد بن الحارث الصدائي: الصحابي، قدم على النبي- عليه السلام-، وأذن له في سفره. روى عنه: زياد بن نعيم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . والصدَائي منسوب إلى صُداء- بضم الصاد وبالمدّ- وهو يزيد بن حَرب بن عُلة بن خالد (3) بن مالك بن أدد بن زيد ابن يشجب بن عُريب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ بن يَشجُب بن يَعرب بن قحطان؛ وهو قبيلٌ من اليمن. قوله: " أول أذان الصبح " وهو الذي يُؤذن ليقوم القائم ويتسحر الصائم. قوله: " فبرَز " أي: خرج، من بَرز الرجل يبرُز بروزًا. قوله: " إن أخا صُداء " يعني به: زياد بن الحارث. وبهذا الحديث استدل الشافعي على كراهة الإقامة من غير المؤذن. والجواب عن ذلك: أنه- عليه السلام- قال ذلك حتى لا تدخل الوحشة في قَلب زياد بن الحارث؛ لأنه كان حديث العهد بالإسلام؛ وذلك لأن قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث كان في حجة الوداع، وكان بعثه - عليه السلام- قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن، وأمره أن يطأ صُدَاء كان لما انصرف- عليه السلام- من الجعرانة سنة ثمان؛ على أن الترمذي قال: وحديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي؛ والإفريقي هو

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2041) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/566) ، أسد الغابة (2/269) ، الإصابة (1/557) . (3) كذا، وفي اللباب " جلد " بالجيم.

30- باب رفع الصوت بالأذان

ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي. 30- بَابُ رَفع الصَوتِ بالأذَان أي: هذا باب في بيان رفع الصوت بالأذان، وفي بعض النسخ: " باب رفع الصَوت " فقط، وفي بعضها: " باب ما جاء في رفع الصوت بالأذان ". الصوتُ زعم قوم أنه اصطكاك أجسام صلبة، وقيل: هو القَلع، وقيل: هو القرع، وقيل: تموج الهواء. وكل ذًلك باطل؛ لأن كل ذلك مُبصرٌ لا مَسموع؛ والحق أنه واضح عند العقل، غني عن التعريف، ومنهم من زعم أن سبَبه/القريب تموج الهواء، وسببَه البعيد: إمساسٌ عنيف وهو القَرع، أو تفريق عنيف وهو القَلعُ، والصوت القرعيُّ أشدّ انبساطا من القَلعِيّ. فإن قلت: ما الفرق بين الصَوت والنطق واللفظ؟ قلت: اللفظ هو النطق المعتمدُ على مقاطع الفم، فالنطق اللغوي أخصّ من الصوت؛ لأن الصَوت يكون من حي وغير حيّ، والنطق لا يكون إلا من حيّ؛ واللفظ أخصّ من النطق، لأنه لا يكون إلا من الإنسان. وإنما ذكرنا هذه الأشياء وإن كان هذا الموضع ليس محلّها تكثيرا لفائدة المحدّث، وترغيبا له أن لا يقتصر على معرفة المتون من غير معانيها. 497- ص- نا حَفص بن عُمر النَّمَريُّ: نا شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيِى، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " المؤذِّنُ يُغفرُ له مَدى صوته، ويَشهدُ له كلُّ رطب ويابس، وشاهدُ الصلاة يُكتبُ له خمسٌ وعشرون صَلاة، ويُكفرُ عنه ما بَينهًما " (6) . ش- مُوسى بن أبي عثمان: التّبَان مولى المغيرة بن شعبة. روى عن:

_ (1) النسائي: كتاب الأذان، باب: رفع الصوت بالأذان (2/12) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: فضل الأذان وثواب المؤذنين (724) .

أبيه، وأبي يحيى، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير. روى عنه: أبو الزناد، وشعبة، ومالك بن مغول، والثوري، وقال: وكان مؤذنا، وكان نعم الشيخ، وكان سمع إبراهيم بن مهاجر. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وأبو يحيى هذا لم يُنسَب فيُعرف حاله، وفي " الكمال " ذكره في أبواب الكُنى وقال: أبو يحيى. روى عن: أبي هريرة. روى عنه: موسى بن أبي عثمان. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . قوله: " المؤذن " مبتدأ، وخبره: " يُغفر له " وبُني على المجهول لعلم الفاعل. قوله: " مَدى صَوته " كلام إِضافي، ومَدَى الشيء: غايته؛ والمعنى: أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وُسعَه في رفع الصَوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت، والظاهر: أنه من باب التمثيل والتشبيه، بمعنى أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبٌ تملا تلك المسافة، لغفرها الله له. قوله: " ويَشهدُ له " أي: للمؤذن يوم القيامة " كل رُطب ويابس " قي الدنيا، وهذا يتناول الإنس والجن وسائر الحيوانات، وسائر الأشياء المخلوقة من الرطب واليابس. فإن قيل: أي شيء يحتاجُ إلى هذه الشهادة وكفى بالله شهيدا؟ قلت: المرادُ منها: اشتهارُه يومَ القيامة فيما بينهم بالفَضل وعُلو الدرجة، ثم إن الله تعالى كما يُهين قومًا بشهادة الشاهدين عليهم تحقيقا لفضوحهم على رءوس الأشهاد، وتَسويدا لوجوههم، فكذلك يكرم قوما بشهادة الشاهدين، تكميلا لسرورهم،، وتطييبًا لقلوبهم، وبكثرة الشهود نزداد قرة عيونهم، فأخبر أن المؤذنين كلما كانت أصواتهم أجهر كانت شهودهم

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6281) . (2) المصدر السابق (34/7701) .

فإن قيل: أليس قد جُمع بين الحقيقة والجاز في قوله " ويَشهدُ له " لأن الشهادة حقيقة في حق الإنس والجن، مجاز في حق غيرهما من الأشياء الرطبة واليابسة؟ قلت: قد عرفتَ أن مَعنى الشهادة كونه مشتهرا بينهم بالفضل حتى إن كل من شهده عرفه أنه إنما حصل له هذا من أذانه في الدنيا، فإذن لا شهادة لا حقيقة ولا مجازا. قوله: " وشاهدُ الصلاة " مبتدأ وخبرُه: " يكتبُ له " والمعنى: حاضِرُ الصلاة مع الجماعة يكتبُ له أجرُ خمسٍ وَعِشرين صلاةً. فإن قيل: ما الحكمة في تعبين الخمس والعشرين؟ قلت: الذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأَسرار الربانية، والعنايات المحمديّة: أن كل حسَنة بعشر أمثالها بالنّص، وأنه لو صلى في بَيته كان يَحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سُوقه كان يحصل له ثواب عشر صلوات، كل صلاة بعشرِ، ثم إنه لو صلى بالجماعة يحصل له ما كان يحصل له/من الصلاة في بَيته وفي سوقه، ويُضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاةً. وأما زيادة الخمسة؛ فلكونه أدى فرضا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نطير عدد الفروض الخمسة، زيادة على العشرين، إنعاما وفضلا منه عليه، فيصير الجملة خمسةً وعشرين. وجواب آخر: أن مراتب الأعداد: آحاد وعشرات ومئات وألوف: والمائة من الأوساط، وخير الأمور: أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المائة، وللربع حكم الكل. قوله: " ويكفر عنه ما بَينهما " أي: ما بَين الصلاتين؛ بَين الصلاة التي صلاّها وبين الصلاة التي تليها؛ والمعنى: تكفر ذنوبه التي ما بينهما غير الكبائر. والحديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه. 498- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا نُوديَ بالصلاة أدبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ حتى لا يَسمعَ التَأذينَ، فإذا قُضِيَ النداءُ أَقبل، حتىَ إذا ثُوِّبَ بالصلاةِ أدبَرَ،

حتى إذا قُضيَ التثويبُ أقيل، حتى بَخطُرَ بين المَرء ونَفسه ويَقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يَذكُرُ، حتى يَظل (1) الرجل إِن يَدرَي كم صَلَّى " (2) . ش- عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومالك: ابن أنس، وأبو الزناد: عَبد الله، وعبد الرحمن الأعرج. قوله: " إذا نودي بالصلاة " أي: إذا أذن بها. قوله: " أدبر الشيطان وله ضراط " الإدبار: نقيض الإقبال؛ يقال: دَبَر وأدبر إذا وَلّى؛ والواو في " وله ضراط " للحال. وفي رواية البخاري ومسلم بدون الواو؛ والجملة الاسمية تقع حالا بلا واو- أيضًا- كما في قوله: كلمته فوُه إلى فيَّ. وفي رواية مسلم: " وله حصَاص ". فإن قيل: ما حقيقة هذا الكلام؟ قلت: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال مَن حزقه- أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتى لم يزل يحصل له الضُّراط من شدة ما هو فيها؛ لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه فينفتح منه مخرج البول والغائط؛ ولما كان الشيطان- عليه اللعنة- تعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيَهرب حتى لا يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي يَنشا من كمال الخوف الشديد؛ وفي الحقيقة: ما ثم ضراط، ويحوز أن يكون له ريح لأنه روح، ولكن لم نعرف كيفيته (3) . فإن قيل: ما الحكمة أن الشيطان يهرب من الأذان ولا يَهرب من قراءة

_ (1) في سنن أبي داود: " يضل " وهى رواية كما سيذكر المصنف. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (6، 8) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود (19/389) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (2/21) . (3) بل الظاهر أنه ضراط على وجه الحقيقة، كما قال القاضي عياض وغيره، وانظر الفتح (2/84) .

القراَن وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنما يفرُ من الأذان وله ضراط لئلا يسمع فيحتاج أن يَشهد بما سمع إذا استُشهِد يوم القيامة؛ لأنه جاء في الحديث: " لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة (1) " والشيطان- أيضًا- شيء، أو هو داخل في الجنّ لأنه من الجن والحديث المذكور- أيضًا- " ويَشهد له كل رطب ويابس ". فإن قيل: الشيطان ليس بأهل للشهادة؛ لأنه كافر، والمراد من الحديث: يَشهد له المؤمنون من الجن والإنس. قلت: هذا ليس بشيء؛ لأن قوله: " ويَشهد له كل رطب ويابس " يَتناوَله، والأحسن: أن يقال: إنه يُدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعائر الإسَلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. قال أبو الفرج: فإن قيل: كيف يهرب الشيطان من الأذان، ويدنو من الصلاة، وفيها القراَن ومُناجاة الحق؟ فالجواب: بُعده عند الأذان لغيظه من ظهور الدين، وغلبة الحق، وعلى الأذان هَيئة يشتدُ انزعاجه لها، ولا يكاد يقع فيه رياء ولا غفلة عند النطق به؛ لأن النفس لا تحضره، وأما الصلاة: فإن النفس تحضر، فيفتح لها الشيطان أبواب الوساوس. قوله: " فإذا قضي النداء/أقبل " يعني: إذا فُرغ من الأذان أقبل الشيطان، لزوال ما يلحقه من الشدة والداهية. قوله: " حتى إذا ثُوِب بالصلاة " أي: حتى إذا أُقيم لها؛ " (2) والتثويب هاهنا: الإقامة، والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر: " الصلاة خير من النوم " حسب؛ ومعنى التثويب: الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه؛ وأصله: أن يلوح الرجل لصاحبه بثَوبه

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء (609) من حديث أبي سعيد الخدري. (2) انظر: معالم السنن (1/134) . 30. شرخ سنن أبي داوود 2

فيُديرُه عند الأمر يَرهقه من خوف أو عدو، ثم كثر استعماله في كل إعلام يُجهرُ به صوت؛ وإنما سميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه إعلام بإقامة الصلاة، والأذان إعلام بوقت الصلاة ". وقيل: سميت الإقامة تثويباً لأنه عود للنداء من ثاب إلى كذا إذا عاد إليه. قوله: " حتى يخطر بين المرء ونَفسه " - بضم الطاء وكسرها- قال عياض: ضبَطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه؛ ومعناه: يُوسوس؛ من قولهم: خطر العجل بذنبه إذا حركه يَضرب به فخذَيه. وأما الضم: فمن السلوك والمرور، أي: يدنو منه، فيمر بينه وبن قلبه، فيُشغله عما هو فيه، وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يُريده من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. وقال الهجري في " نوادره ": يخطِر بالكسر في كل شيء، وبالضم ضعيف. قوله: " حتى يظل الرجل إن يدري كم صَلّى " أي: حتى يصير الرجل ما يَدري كم صلّى من الركعات. و " يطل " بظاء قائمة مفتوحة، و" الرجل " مرفوع لأن فعله (1) بمعنى يصير كما في قوله تعالى: (ظَل وَجهُهُ) (2) وقيل: معناه: يبقى ويدوم. وحكى الداوديّ " يضِل " بالضاد المعجمة المكسورة بمعنى: ينسى ويذهب وهمُه ويَسهو، قال تعالى: (أن تَضِلَّ إِحدَاهُمَا) (3) . قال ابن قرقول: وحكى الداودي أنه روي " يضِل " و " يضَل " من الضلال وهو الحَيرة، قال: والكسر في المستقبل أشهر. قال الحافظ القشيري: ولو روى هذا الرجل " حتى يُضِل الرجلَ " لكان وَجها صحيحًا، يُريد حتى يُضل الشيطان الرجلَ عَن درايته كم صلّى، قال: ولا أعلم أحدًا رواه؛ لكنه لو رُوي لكان وَجها صحيحًا في المعنى غير خارج عَن مراده- عليه السلام-، وقوله " إن " بالكسر،

_ (1) في الأصل: " فاعله ". (2) سورة النحل: (58) . (3) سورة البقرة: (282) .

31- باب: ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت

" إن " نافيةٌ بمعنى " ما " قال القاضي عياض: وروي بفتحها قال: وهي رواية ابن عبد البرّ، وادعى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيلي في كتاب البخاري، والصحيح: الكسرُ. قلت: الفتح إنما يتوجه على رواية " يضل " بالضاد فيكون " أن " مع الفعل بَعدها بتأويل المصدر، أي: يجهل درايته، ويَنسى عدد ركعاته. فإن قيل: ما معنى أنه أثبت له الضراط في إدباره الأول ولم يثبت في إدباره الثاني؟ قلت: لأن الشدّة الأولى تلحقه على سبيل الغفلة، وتكون هي أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأوّل عن ذكره في الثاني. فإن قيل: ما مقدار بُعد إدباره؟ قلت: قد بَيّنه في رواية مسلم أن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء، قال الراوي: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاً؛ وهي بفتح الراء والحاء المهملة وبالمدّ. 31- بَابُ: مَا يجبُ عَلى المؤذنِ من تعاهُدِ الوَقت أي: هذا باب في بيان ما يجب على المؤذن من تعاهد وقت الصلاة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيما يجب " وفي بعضها: " من تعهد الوقت " فالتعاهد والتعهد بمعنًى واحد؛ وهو الحِفَاظُ والرعاية. 499- ص- نا أحمد بن حنبل: نا محمد بن فضيل: نا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " الإمامُ ضَامنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ، اللهم أرشدِ الأئمةَ، واغفر للمؤذِنِينَ " (1) . ش- محمد بن فضيل: ابن غزوان الكوفي، وأبو صالح: ذكوان السمان.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (207) .

قوله: " الإمام ضامن " أصل الضمان: الرعاية والحفظ؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم، وقيل: لأنه يتحمل القراءة عنهم، ويتحمل القيامَ إذا أدركه راكعًا، وقيل: صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته؛ فهو كالمتكفل/لهم صحة صلاتهم، وقيل: ضمان الدعاء يعمّهم به ولا يختص بذلك دونهم. وقال بعض أصحابنا: مَعناه: يتضمن صلاته صلاة القوم، وعن هذا قالوا: اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز؛ لأن تضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز وفيما دونه لا يحوز، وهو المَعنِيُ من الفرق؛ فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضا فصلاته تشتمل صلاة المتقدي وزيادة فيصحّ الاقتداء، وإذا كان متنفلا فصلاته لا تشتمل على ما تشتملُ عليه صلاة المقتدين؛ فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بناء القوي على الضعيف؛ فيكون منفردا في حق الوَصف. وهذا الحديث أصلٌ لِثلاثة من الفروع تُستفاد منه؛ الأول: فساد اقتداء المفترض بالمتنفل، والثاني: عدم وجوب القراءة على المقتدين، والثالث: فساد صلاة المقتدين إذا ظهر الإمام محدثا أو جنبا. وفي الكل خلاف الشافعي؛ والحديث حجة عليه. قوله: " والمؤذن مؤتمن " يعني: أمينٌ على صلاتهم وصيامهم؛ لأنهم يعتمدون عليه في دخول الأوقات وخروجها- وأيضا- هو يطلع على حرَم المسلمين لارتقائه على المواضع المرتفعة. وعن هذا قالوا: يكرهُ أذانُ الجاهلِ مواقيتَ الصلاةِ، وأذانُ الفاسقِ. قوله: " اللهم أرشد الأئمة " مِن الإرشاد؛ وهي الهداية إلى طريق الصواب، والرُشد خلاف الغي، والأئمة أصله: أأمَمةٌ جمع إمام؛ فقلبت الهمزة الثانية ألفًا فصَار آممة بالمدّ، ثم قلبت ياء بعد إدغام الميم في الميم لالتقاء الساكنين، ويجوز: أئِمة بالهمزتين، وقُرئ بها. وإنما قال في حق الَأئمة: " ارشد " وفي حق المؤذنين: " اغفر " لأن الإمامَ ضامِنٌ، فيحتاج إلى الإرشاد في طريق ضمانه، ليَخرج عن عُهدته بالسلامة، والمؤذن أمين فيحتاجُ إلى الغُفران؛ لأنه قد يقع منه تقصيرٌ.

32- باب: أذان فوق المنارة

والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: وفي الباب عن عائشة، وسهل ابن سعد، وعقبة بن عامر؛ قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري، وحفص بن غياث، وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-. وروى أسباط ابن محمد، وأبو بدر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-. وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي- عليه السلام- هذا الحديث، قال: وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة، قال: وسمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي هريرة ولا حديث عائشة. 500- ص- نا الحسن بن علي: نا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نبئتُ عن أبي صالح- ولا أُرَى (1) إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام مثله (2) . ش- الحسن بن علي: الخلال. وعبد الله بن نُمير: الكوفي. قوله: " نبّئتُ " على صيغة المجهول؛ أي: أُخبِرتُ. قوله: " ولا أُرى " بضم الهمزة وفتح الراء. قوله: " منه " أي: من أبي صالح السمان. 32- باب: أذان فَوق المنارة أي: هذا باب في بيان الأذان فوق المنارة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الأذان " والمنارة: علم الطريق، والمنارة: التي يؤذن عليها. 501- ص- نا أحمد بن محمد بن أيوب: نا إبراهيم بن سَعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جَعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،

_ (1) في سنن أبي داود: " ولا أراني " (2) انظر الحديث السابق.

عن امرأة من بني النجارِ قالت: كان بَيتِي من أطول بيت حولَ المسجد، فكان (1) " بلال يُؤَذنُ عليه الفجرَ، فيأتَي بسَحَر، فيجلسُ على البيت يَنظرُ إلَى الفَجرِ، فإذا رآهُ تمطَّى، ثم قال: اللهم إنَي أحمَدُكَ وأَستعينُكَ علىَ قريش أن يُقِيمُوا دينَكَ، قالت: ثم يُؤذنُ، قالت: والله ما علمتُه كان تَرَكَهَا ليلةً واحدة هذه (2) الكلمات (3) . ش- أحمد بن محمد بن أيوب: الوراق، أبو جعفر البغدادي، كان يورق للفضل بن يحيى بن خالد بن برمك. روى عن: إبراهيم بن سعد /وأبي بكر بن عياش. روى عنه: أبو داود، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وحنبل بن إسحاق، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهم. سئل عنه يحيى بن معين فقال: كذاب، وقال يعقوب بن شيبة: لا نعرفه أخذ بالطلب؛ وإنما كان وراقًا. وذكره ابن الجوزي في " الضعفاء " وقال: وكان أحمد وعلي يحسنان القول فيه. مات ببغداد ليلة الثلاثاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين ومائتين (4) . وإبراهيم بن سَعد: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني. ومحمد بن إسحاق: ابن يسار. ومحمد بن جَعفر بن الزبير: ابن العوام القرشي الأزدي المدني. سمع: عروة بن الزبير، وابن كلمه: عباد بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عنه: عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن الحارث، والوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وكان عالما فقيها. روى له الجماعة (5) . وعروة بن الزبير: ابن العوام.

_ (1) في سنن أبي داود: " وكان ". (2) في سنن أبي داود: " تعني هذه ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/93) . (5) المصدر السابق (24/5115) .

33- باب: المؤذن يستدير في أذانه

قوله: " من أطول بَيت " أي: أرفعه بناء. قوله: " فيأتي بسَحر " السحَر: قُبِيل الصبح؛ وهو هَاهنا مُنصرفٌ لأنه نكرة: كما في قوله تَعالى: (إِلاَّ آلَ لُوط نَجينَاهُم بسَحَرٍ) (1) فإذا قلت: سحرنا هذا إذا أردت به سحر ليلتك لًم تصرفه؛ لأنه معدول عن الألف واللام وهو معرفة، وقد غلب عليه التعريف بغير إضافة ولا ألف ولام كما غلب ابن الزبير على واحد من بنِيه، وتقول: سير على فرسخك سحَرَ يا فتى، فلا ترفعه لأنه ظرف غير متمكن، وإن أَردت به نكرةً أو سميتَ به رجلا أو صغرته انصرف؛ لأنه ليس على وزن المعدول كآخر يقول: سير على فرسخك سُحيراً؛ وإنما لم ترفعه لأن التَّصغير لم يُدخله في الظروفَ المتمكنة كما أدخله في الأسماء المنصرفة. قوله: " أن يقيموا دينك " أي: لأن يقيموا دينك. قوله: " تركها " أي: الكلمات المذكورة، وفسرها بقوله بعد ذلك: " هذه الكلمات ". والمقصود من تبويب هذا الباب: استحباب الأذان فوق الأماكن العالية؛ لأن الأذان إعلام الغائبين، فكلما كان المكان أرفع كان الإعلام أبلغ. وفي " المصنف ": نا أبو خالد، عن هشام، عن أبيه قال. أمر النبي- عليه السلام- بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة حدثنا أبو بكر قال: نا عبد الأعلى، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: من السُنَّة: الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عَبد الله يَفعله. 33- بَابُ: المُؤذّن يَستديرُ في أذانِه أي: هذا باب في بيان المؤذن يَستدير- أي: يدور يمينًا وشمالا- في أذانه، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في المؤذن ".

_ (1) سورة القمر: (34) .

502- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا قَيس- يعني: ابن الربيع ح ونا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان- جميعا-، عن عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيَ- عليه السلام- بمكةَ وهو في قُبةِ حمراءَ من أدَمٍ، فخرجَ بلالٌ فأذنَ، فكنتُ أتَتَبَعُ فَمَهُ هاهنا وهاهنا. قال: ثم خرجَ النبيُ- عليه السلام- وعليه حُلَةٌ حمراء برُودٌ يمانيةٌ قِطري. وقال موسى: قال: رأيتُ بلالاً خرجَ إلى الأبطحِ فأذنَ، فلما بلغَ حَيَ على الصلاة حَيَّ على الفلاحِ لَوَى عُنُقَهُ يمينًا وشِمالاً ولم يَستدر، ثم دَخَلَ فأخرجَ العَنَزَةَ. وساق حديثَه (1) . ش- قيس: ابن الربيع أبو محمد الأسدي الكوفي من ولد الحارث بن قيس الذي أَسلم وعنده تسع نسوة. سمع: عون بن أبي جُحيفة، والأعمش، وهشام بن عروة وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وشعبة وغيرهم. وقال عفان: كان قيس بن الربيع ثقة؛ يوثقه الثوري وشعبة. وعن ابن معين: ليس بشيء. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وعون بن أبي جُحيفة- وهب بن عبد الله السُّوائي الكوفي. روى عن: أبيه، والمنذر بن جرير. روى عنه: عمر بن أبي زائدة، ومسعر بن كدام، والثوري، وشعبة وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (3)

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان (634) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلى (503) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان (197) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: كيف يصنع المؤذن في أذانه (2/12) ، ابن ماجه: كتاب الأذان والسُنَة، باب: السُنَة في الأذان (711) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/4903) . (3) المصدر السابق (22/4549) .

وأبوه: وهب بن عبد الله السُّوائي- ويُقال: وهب بن وهب-، يقال له: وهب الخير، من (1) /بني حُرثان بن سُواءة بن عامر بن صَعصعة أبو جُحَيفة كان من صغار أصحاب النبي- عليه السلام-، قيل: مات رسول الله ولم يَبلُغ الحلم، نزل الكوفةَ وابتنى بها دارًا. رُوِيَ له عن رسول الله خمسة وأربعون حديثا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: ابنه: عون، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وأبو إسحاق السبيعي، وعلي بن الأقمر. روى له الجماعة (2) . قوله: " جميعا " حالٌ من قيس وسفيان- يعني: مجتمعَين. قوله: " وهو في قبة حمراء " الواو فيه للحال، القُبّة- بضم القاف وتشديد الباء- من الخيام، بَيت صغير مستدير؛ وهو من بيوت العرب، وفي " الصحاح ": القبة- بالضم- من البناء؛ والجمع: قبَب وقِبَابٌ. قوله: " من أدَمٍ " - بفتح الهمزة والدال- وهو جمع أديمِ؛ مثل: أفيقِ وأفَقِ؛ وقد يُجمع على آدمة، مثل رغيف وأرغفة؛ والأديم: الجلد. قوله: " هاهنا وهاهنا " يعني: يمينا وشمالاً. قوله: " وعليه حلة حمراء " جملة اسميّة وقعت حالا؛ والحُلة: ثوبان غيرُ لفتين رداء وإزار، وقيل: أن يكون ثوبين من جنس واحد؛ سُميا بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ على الأخر، وقيل: أصل تسميتهما بهذا: إذا كان الثوبان جديدَين كما حُل طيهما فقيل لهما حلة لهذا، ثم استمر عليها الاسمُ. وقال ابن الأثير: الحُقة واحدة الحلل؛ وهي بُرود اليمن، ولا تُسمّى حُلة إلا أن يكون ثوبين من جنس واحدِ. قوله: " بُرُودٌ " مرفوع لأنه صفة للحُلًة، من الصفات الكاشفة.

_ (1) مكررة في الأصل. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/36) ، أسد الغابة (5/460) و (6/48) الإصابة (3/642) .

وقوله: " يَمانيّة " صفة للبُرود؛ أي: منسوبة إلى اليمان. فوله: " قطريّ " - بكسر القاف وسكون الراء (1) - نسبة إلى قطر بلدٌ بين عُمان وسَيف البَحر، ويقال: إن البلد " قَطَر " - بَفتح القاف وفتح الطاء- فلما نُسب الحُللُ إليها خفّفوها وقالوا: قطريّ- بكسر القاف وسكون الطاء- والأصلُ: قطَري- بفتح القافَ والطاء-، ويُقال: القطري: ضرب من البرود فيها حمرة، وقيل: ثياب حمرٌ لها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: حُلَل جياد تحمل من قبل البحرين. فإن قيل: ما موقعه من الإعراب؟ قلت: رفعٌ؛ لأنه صفة للحلة؛ وإنما لم يقل: قطرية لأن التطاَبق بين الصفة والموصوف شرط؛ كما راعى التطابق في قوله " حمراء " وفي قوله " يمانية " لأن القطري بكثرة الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحُلل؛ ألا ترى إلى قول البعض: كيف فسّر القطري وقال: هو ضرب من البرود فيها حمرة- أي: نوع من البرود فلما صار كالاسم جاز فيه ترك علامة التأنيث، كما في حائض وخادم ونحوهما، لما خرَجت من الصفتيّة صارت كالاسم، فاستوى فيها التذكير والتأنيث؛ فالتذكير أولى لأنهَ الأصل. وهاهنا ثلاث صفات للحلّة؛ الأولى: صفة الذات؛ وهي قوله " حمراء "، والثانية: صفة الجنس؛ وهي قوله " بُرودٌ " بَيّن به أن جنسَ هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة: صفة النَوع؛ وهي قوله " قطري " لأن البُرود اليمانية أنواع؛ نوع منها: قطريّ، بينه بقوله " قِطري ". قوله: " وقال موسى: قال " أي: قال موسى بن إسماعيل في روايته: قال أبو جُحيفة: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح- يعني: أبطح مكة- وهو مَسيل واديها، ويُجمَع على البطاح والأباطح. قوله: " لَوَى عنقه " أي: أمالَ عنقه يمينًا وشمالاً؛ من لوى الرجلُ رأسَه، وألوى برأسه أمال وأعرض؛ من باب ضرب يضرب. قوله: " ولم يَستدِر " يعني: لم يَدُر؛ يُقال: دارَ يَدُور واستدار يستدير

_ (1) كذا، والجادة: " بكسر الطاء ".

بمعنى، إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه؛ والمقصود من هذا: أنه حول وَجهه في الأذان يمينًا وشمالاً مع ثبات القدمين. " (1) وفي رواية ابن ماجه: قال " أتيتُ النبي- عليه السلام- بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه وجعل إصبعَيه في أذنيه " أخرجه عن/حجاج بن أرطأة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره. وبهذا اللفظ رواه الحاكم في " المستدرك " وقال: لم يَذكرا فيه إدخال الإصبعين في الأذنين والاستدارة في الأذان؛ وهو صحيح على شرطهما جميعا. ورواه الترمذي: ثنا محمود بن غيلان: نا عبد الرزاق: أنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: " رأيتُ بلالا يؤذن ويَدُور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه "، وقال: حديث حسن صحيح. واعترض البيهقي (2) فقال: الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جحيفة، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة، عن عون، والحجاج غير محتج به، وعبد الرزاق وهم فيه؛ ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد، عن سفيان به؛ وليس فيه الاستدارة، وقد رويناه من حديث قيس بن الربيع، عن عون وفيه: " ولم يَستدر ". وقال الشيخ في " الإمام ": أما كونه ليس مخرجا في " الصحيح " فغير لازم، وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشأن، وأما أن عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل، كما أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " عن مؤمل، عن سفيان به نحوه؛ وتابعه- أيضا- عبد الرحمن بن مهدي؛ أخرجه أبو نعيم في " مستخرجه على كتاب البخاريّ ". وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج؛ أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: بينا رسول الله- عليه السلام- وحضرت

_ (1) انظر: نصب الراية (1/276: 278) . (2) السنن الكبرى (1/395) .

34- باب: في الدعاء بين الأذان والإقامة

الصلاة فقام بلال فأذّن، وجعل إصبعَيه في أذنيه، وجعل يَستديرُ لما. وأخرج أبو الشيح الأصبهاني في كتاب " الأذان " عن حمادَ وهشيم - جميعا-، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أن بلالا أذن لرسول الله بالبطحاء فوضع إصبعَيه في أُذنَيه وجعل يَستدير يمينًا وشمالاً " (1) . قلت: وفي " سنن الدارقطني (2) من حديث كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أُمر أبو محذورة أن يَستدير في أذانه. قوله: " فأخرج العنزةَ " العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا، وفيها سنان مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها. قوله: " وساق حديثه " وتمامه في رواية البخاري ومسلم: قال: " صلى ينا إلى العنزة الظهر أو العصر، تمر المرأة والكلبُ والحمارُ لا يمنع، ثم لم يزل يصلي ركعتَين حتى أتى المدينة ". وفي رواية أخرى: " وكان يمر من ورائها الحمار والمرأة، ثم قام الناس فجعلوا يأخذون فيمسحون بها وجوههم، فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المِسك ". وفي رواية: ثم قَدَّم بين يديه عنزةً بينه وبين مارة الطريق، ورأيت الشيب بعَنفقته أسفل من شفته السفلى ". وهذه الطرق كلها مخرجة في " الصحيَحين " وأخرجها أحمد في " مُسنده ". ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: استحباب الالتفات إلى اليمين والشمال في الحيعلتين. الثانية: جواز لباس الأحمر. الثالثة: نصب العنزة أو نحوها بَين يدَيه إذا صلى في الصحراء. *** 34- باب: في الدُّعاءِ بَينَ الأذَانِ والإقامَةِ أي: هذا باب في بيان الدعاء بين الأذان والإقامة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الدعاء ".

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) (1/239) .

503- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان، عن زَيد العَميّ، عنِ أبي إياس، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يُردُ الَدّعاءُ بَين الأذَانِ والإقَامةِ " (1) . ش- محمد بن كثير: العَبدي البصري، وسفيان الثوري. وزيد العمي: هو زيد بن الحواري البصري، أبو الحواري العمي قاضي هَراة في ولاية قتيبة بن مسلم، وهو مولى زياد ابن أبيه. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، ويزيد بن أبان، ومعاوية بن قرة وغيرهم. روى عنه: الثوري، والأعمش، وهشام بن حسان وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: هو صالح، وعن ابن معين: زيد العمي لا شيء، وفي موضع آخر: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: ليس بقوي،/واهي الحديث ضعيف، وقال النسائي: ضعيف. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . والعَمي- بفتح العين المهملة وتشديد الميم- نِسبة إلى بني العم أو إلى العَم وهي الجماعة. وأبُو إياس: مُعاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عُبيد بن دُريد بن سوُاءة أبو إياس البصري المزني. سمع: أباه، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معقل وغيرهم. قال: لقيت ثلاثين من أصحاب النبي- عليه السلام-، منهم خمسة وعشرون من مُزينة. روى عنه: ثابت البناني، وأبو إسحاق الهمداني، وسِماك بن حَرب، وأبو عَوانة، وقتادة، والأعمش وغيرهم. قال أبو حاتم وأحمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (3) .

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة (212) و (3594، 3595) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (68، 69) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2102) . (3) المصدر السابق (28 /6065) .

35- باب: ما يقول إذا سمع المؤذن

قوله: " الدعاء " مُعرف بالألف واللام بتناول جنس الدعاء، أو الاستغراق فيتناولُ الدعاء بأمُور الدنيا والآخرة. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي في اليوم والليلة، وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم، عن أنس، وهو أجود من حديث معاوية بن قُرة. وقد رُوِيَ عن قتادة، عن أنس موقوفًا. *** 35- باب: مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُؤذنَ أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن. 504- ص- نا عبد الله بن مَسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا سمعتمُ النداء فقولُوا مثلَ ما يقولُ المؤذنُ " (1) . ش- النداء: الأذان؛ والفرق بينهما: أن لفظ الأذان أو التأذين أخص من لفظ النداء لغة وشرعا. وهذا الحديث: خرجه الأئمة الستة. ثم الذي يستفادُ من عموم هذا الحديث أن يقولَ من يَسمع الأذان مثل ما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه كله؛ وهو مذهب الشافعي. وعند أصحابنا: يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين، ويقول في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لحديث عمر لما يجئ الآن، وقالوا: إن حديث أبي سعيد مخصوص بحديث عمر- رضي الله عنه-. واختلفوا أن هذا الأمر على الوجوب أو على الندب؟ فقال الشيخ محيى

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: ما يقول إذا سمع المنادي (611) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل فول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل له الوسيلة (1-383) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن (208) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: القول مثل ما يقول المؤذن (2/23) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، بابا: ما يقال إذا أذن المؤذن (720) .

الدين (1) : يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهرِ ومُحدث وجُنُب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة؛ فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما، ومنها: أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثلهَ، فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي؛ أطهرهما: يكره؛ لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حيّ على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالماً بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي. ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن، ويُتابعه في الإقامة كالأذان؛ إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله وأدامها، وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم قال سامعه: صدقت وبررت. هذا تفصيل مذهبنا. وقال أصحابنا: الإجابة واجبة على السامعين؛ لأن الأمر يدل على الوجوب؛ والإجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن إلا قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك يشبه المحاكاة والاستهزاء؛ وكذا إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم لا يقول السامع مثله؛ ولكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي أن لا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن، ولا يُسلم، ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن ينبغي أن يقطع القراءة ويسمع الأذان ويجيب ". وفي/ " فوائد الرُستَغفَنِي ": لو سمع وهو في المسجد يَمضي في قراءته، وإن كان في بَيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مُجيئا، ولو

_ (1) شرح صحيح مسلم (4/88) .

كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آثماً، ولا تجب الإجابة على من لا تجب عليه الصلاة، ولا يُجيب- أيضا- وهو في الصلاة سواء كانت فرضا أو نفلاً. " (1) وقال القاضي عياض: اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في صلاة الفريضة أو النافلة؟ أم لا يحكيه فيهما؟ أم يحكيه في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، ثم اختلفوا: هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ ". وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة، فقال: يجب عليه إجابة أذان مسجده؛ بالفعل. 505- ص- نا محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن ابن لَهِيعة (2) وحَيوة وسَعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، أنه سمع النبي- عليه السلام- يَقولُ: " إذا سمعتُمُ المؤذنَ فَقُولُوا مثلَ ما يَقولُ، ثم صَلُوا عَليَ؛ فإنه مَن صَلَّى عَلَيَ صلاةً صَلَى اللهُ عليه بها عَشراً، ثم سَلُوا (3) لي الوَسيلةَ؛ فإنها مَنزِلةٌ في الجَنَة، لا تَنبغِي إلا لَعَبد من عباد الله عز وجل، وأرجو أَن أكونَ أنا هو، فَمن سألً (4) ليَ الوسيلةَ حلت عليهَ الشَفاعةُ " (5) . ش- محمد بن سلمة: الباهلي الحراني، وعبد الله بن وهب، وعبد الله ابن لهيعة، وحيوة: ابن شريح. وسعيد بن أبي أيوب- مقلاص- الخزاعي المصري أبو يحيى. روى

_ (1) المصدر السابق. (2) في سنن أبي داود: " أبي لهيعة " خطأ. (3) في سنن أبي داود: " سلوا الله عز وجل ". (4) في سنن أبي داود: " سأل الله ". (5) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل الله له الوسيلة (11-384) ، الترمذي: كتاب المناقب، باب (1) (3614) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الأذان (2/25) .

عن: كعب بن علقمة، وعَقيل بن خالد، وجعفر بن ربيعة وغيرهم. روى عنه: ابن جريح، وابن المبارك، وابن وهب وغيرهم. قال أحمد ابن حنبل وأبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة.. تودي زمن أبي جعفر. روى له: الجماعة (1) . وكعب بن علقمة: ابن كعب بن عدي أبو عبد الحميد التنوخي المصري، رأى عبد الله بن الحارث بن جَزء الزبيدي. وروى عن: سعيد ابن المسيب، وعبد الرحمن بن جبير وغيرهم. روى عنه: سعيد بن أبي أيوب، والليث بن سَعد، ويحيى بن أيوب وغيرهم. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . وعبد الرحمن بن جُبير المصري القرشي مولى نافع بن عبد عمير بن نضلة القرشي العامري، أدرك عمرو بن العاص. وسمع ابنه: عبد الله ابن عمرو، وعقبة بن عامر، وخارجة بن حذافة 0 روى عنه: كعب بن علقمة، ودراج أبو السمح، وعبد الله بن هُبَيرة وغيرهم. توفي سنة سبع وتسعين. روى له. مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) . قوله: " فقولوا مثل ما يقول " يقتضي أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلى آخر الأذان؛ ولكنه مخصوص- أيضا- بحديث عمر- رضي الله عنه-. " ومثل " نصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: فقولوا قولا مثل قول المؤذن، و " ما " مصدرية. قوله: " ثم صلُّوا عليَ " أي: بعد الفراغ من الإجابة: صلوا علي. قوله: " فإنه " أي: فإنّ الشأن؛ والفاء فيه للتعليل. قوله: " صلاةً " أي: صلاةً واحدةً، ونصبها على الإطلاق. قوله: " بها " أي: بمقابلة صلاته الواحدة؛ و " الباء " تجيء للمقابلة كقولك: أخذت هذا بهذا.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2241) . (2) المصدر السابق (24/4976) . (3) المصدر السابق (17/3783) . 31* شرح سنن أبي داوود 2

قوله: " عشرا " أي: عشر صلوات؛ لقوله تعالى: (مَن جَاءَ بالحَسَنَة فَلَهُ عَشرُ أمثَالِهَا) (1) وصلاة الله على عبده رحمته عليه؛ لأن الصلاة من اللهَ: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. قوله: " ثم سلوا لي الوسيلة " أي: بعد الفراغ من الإجابة، والصلاة على النبيّ- عليه السلام-: سلوا الله لأجلي الوسيلة؛ الوسيلة: فعيلة؛ وهو في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير؛ وجمعها: وسُل (2) ووسائلُ؛ يقال: وَسَل فلان إلى ربّه وَسيلةً وتوسل إليه بوَسيلة إذا تقرب إليه بعملِ، وفسّرها في الحديث بأنها منزلَة في الجنة بالفاء التفسَيرية بقوله: " فإنها " أي: فإن الوسيلة منزلة في الجنة، والمنزلة مثل المنزل/وهي المنهلُ والدارُ. قوله: " لا تَنبغي " واعلم أن قولهم: لا تَنبغي، ويَنبغى من أفعال المُطاوعة يقولُ: بغَيته فانبغى من بغيتُ الشيء طلبتُه، ويقال: انبغى لك أن تفعل كذا أي: طاوعك وانقادَ لك فعلُ كذا وقوله تعالى: (هَب لِي مُلكَا لا يَنبَغي لأحَد) (3) أي: لا يحصل ولا يتأتى؛ ولا يُستعملُ فيه غيرُ هذين الَلفظين. ويُقال: معنى لا ينبغي: لا يَسهلُ ولا يكون، قال: في رأس حَلقاء عنقاء مُشرفة ... لا يَنبغي دونها سَهل ولا جبلُ قوله: " أن أكون أنا هو " أن، مَصدرية، ومحلّه النصبُ على المفعولية، والتقدير: أرجو كوني إياه أي: ذلك العَبدَ. و " أنا " إما اسمُ " أكونُ " وليس في " أكون " شيءٌ، وإما تأكيدٌ لـ " أنا " المُستكن فيه 0 وقوله " هُوَ " ضمير مرفوع وقع موضع الضمير المنصوب، وتقديره: أن أكون إياه. قوله: " حلت عليه الشفاعة " الألف واللام فيه بدل من المضاف إليه أي: حلت عليه شفاعتي. " وحلت " من حل يحل- بالكسر- أي: وَجَبَ، ويحُل- بالضم- أيضًا أي: نزل؛ وقُرِئَ بهما في قوله تعالى: (فَيَحل عَلَيكم غَضَبِي) (4) ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: وجوب إجاَبة المؤذن.

_ (1) سورة الأنعام: (160) . (2) في الأصل: " وسيل " خطأ. (3) سورة ص: (35) . (4) سورة طه: (81) .

الثانية: وجوب الصلاة على النبي- عليه السلام- بعد الإجابة، ولا سيما قد ذكر النبي- عليه السلام- في الأذان؛ فإن الطحاوي أجب الصلاة- عليه السلام- كلما سمع ذكره؛ وهو المختار. الثالثة: السؤال من الله الوسيلة للنبي- عليه السلام-. الرابعة: إثبات الشفاعة؛ خلافا للمعتزلة. والخامسة: اختصاصُ النبي- عليه السلام- بالوسيلة يوم القيامة. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. 506- ص- ثنا ابن السَّرح ومحمد بن سلمة قالا: نا ابن وهب، عن حُييَّ، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤَذنينَ يَفضلُونَنا، فقال رسولُ الله: " قُل كما يَقُولونَ، فإذا انتهَيتَ فسل تُعطَ (1) " (2) . ش- ابن السَّرح: هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عَمرو بن السَّرح أبو الطاهر القرشي المصري. وعبد الله: ابن وهب. وحُيَيّ: ابن عبد الله المُعَافري أبو عبد الله المصري. روى عن: أبي عبد الرحمن الحُبلي. روى عنه: الليث بن سَعد، وابن لهيعة، وابن وهب وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير. وقال ابن مَعين: ليس به بأس- وقال البخاري: فيه نظر. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وحُيي: بضم الحاء المهملة ويجوز كسرها ويائين الآخرة منهما مشددة. وأبو عَبد الرحمن، اسمُه: عبد الله بن يزيد الحُبلي العامري المصري. سمع: عبد الله بن عَمرو، وابن عُمَر، وفضالة بن عُبيد، وأبا ذر الغفاري وغيرهم. روى عنه: أبو هانئ الخولاني، وبكر بن سوادة،

_ (1) في سنن أبي داود: " تعطه ". (2) النسائي في " عمل اليوم والليلة " (44) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1585) .

وعقبة بن مسلم وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. توفي بإفريقية سنة مائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . والحُبلي: بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة. قوله: " يَفضلُوننا " من فَضلتُه إذا غلبتَه بالفضل، وجوابه بقوله: " قل كما يقولون " يدلّ على أن الرجل إذا أجاب المؤذن يحصل له فضله مثل ما حصل للمؤذن. قوله: " تُعط " مجزوم؛ لأنه جوابُ الأمر؛ وإنما حذف مفعول " سَل " ليدلّ على العموم. والحديث: أخرجه النسائي في " اليَوم والليلة ". 507- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن الحُكَيم بن عبد الله بن فيس، عن عامر بن سَعد بن أبي وِقّاص، عن سَعد بن أبِي وقّاص، عن رسول الله- عليه السلام- قال: " من قالَ حين يَسمعُ المؤذن: وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن (2) محمدًا عبدُهُ ورسولُه، رضيتُ باللهِ ربا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِينًا غُفِرَ له " (3) . ش-- الحكيم- بضم الحاء المهملة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف- بن عبد الله بن قيس: ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي المصري، أخو محمد بن عبد الله. سمع: ابن عمر، وعامر ابن سَعد بن أبي وقاص، ونافع بن جبير بن مطعم. روى عنه: الليث وغيره. توفي بمصر سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: الجماعة إلا البخاري (4) .

_ (1) المصدر السابق (16/3663) . (2) في سنن أبي داود: " وأشهد أن ". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل الله له الوسيلة (13-386) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء (210) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند الأذان (2/26) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن (721) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/ 1468) .

وعامر بن/ سَعد بن أبي وقّاص القرشي الزهري المدني. سمع: أباه، وعثمان بن عفان، وجابر بن سمرة وغيرهم. روى عنه: ابنه: داود، وسعيد بن المسيّب، وسَعد بن إبراهيم، ومجاهد، والزهري وغيرهم. توفي بالمدينة سنة أربع ومائة. روى له الجماعة (1) وسعد بن أبي وقاص- واسم أبي وقاص: مالك- بن أُهَيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري، يلقى رسول الله عند الأب الخامس، أسلم قديما، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله، وشهد بدرَا والمشاهد كلها مع رسول الله، وكان مجاب الدعوة، وهو أول مَن رَمَي بسَهم في سَبيل الله تعالى، وكان يقال له: فارس الإسلام. رُوِيَ له عن رسول الله مائتا حديث وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاريّ بخمسة ومسلم بثمانية عشر. روى عنه: ابن عُمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، وأولاده: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومُصعب بنو سَعد، وسعيد بن المُسيّب وغيرهم. مات بقَصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه مَروان بن الحكم سنة خمس وخمسين وهو الأصح. روى له الجماعة (2) . قوله: " رضيتُ بالله ربّا " أي: قنعتُ به، واكتفيتُ به، ولم أطلب معه غيره. قوله: " وبمحمد رسولاً " أي: رضيتُ بمحمد رسولا إليّ وإلى سائر المسلمين. قوله: " وبالإسلام دينا " أي: رضيت بالإسلام دينا بمعنى: لم أبتَغ في غير طريق الإسلام ولم أسلك إلا ما يُوافق شرع محمد- عليه السلام-، أو لم أبتغ غير الإسلام دينا.

_ (1) المصدر السابق (14/ 3038) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/18) ، أسد الغابة (2/366) ، الإصابة (2/33) .

فإن قيل: بماذا انتصب " ربا " و " رسولاً " و " دينا ". قلت: يحوز أن تكون منصوبات على التمييز، والتمييز وإن كان الأصل فيه أن يكون فاعلا في المعنى يحًوز أن يكون مفعولا- أيضا- كقوله تعالى: (وَفَجرنَا الأرضَ عُيُونًا) (1) ويجوز أن تكون مَنصوبَات على المفعولية؛ لأن " رَضي " إذا عُدي بالباء يَتَعدى إلى مفعول آخر. فإن قيل: ما المراد من قوله " دينا "؟ قلت: المراد من الدين هاهنا: التوحيدُ؛ وبذلك فسر صاحب " الكشاف " ' في قوله تعالى: (ومَن يَبتَغ غَيرَ الإِسلاَم دينا) (2) بمعنى التوحيد. وأما في الحديث الصحيح عن عُمر قال: " بينمَا نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب (3) " إلى آخره فقد أطلق رسول الله الدين على الإسلام والإيمان والإحسان بقوله: " إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم " وإنما علمهم هذه الثلاثة؛ والحاصل في هذا: أن الدين تارةً يُطلقُ على الثلاثة التي سأل عنها جبريل- عليه السلام-، وتارةً يُطلق على الإسلامِ كما في قوله تعالى: (اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأتمَمتُ عَلَيكم نعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلاَمَ دينا) (4) وبهذا يُمنَعُ قولُ مَن يقولُ: بينَ الآية والحدَيث معارضةٌ، حيثَ أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي الآية على شيء واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز، أو بالتواطؤ، ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة وهو أحد مَدلُولَيه، وفي الآية أطلق على الإسلام وَحده وهو مُسماه الآخر. فإن قيل: لم قال بالإسلام ولم يَقل بالإيمان؟ قلت: الإسلام والإيمان واحد فلا يرد السؤال؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: (فأخرَجنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤمِنين فمَا وَجَدنَا فِيهَا غَيرَ بَيتِ مّنَ المُسلِمِينَ) (5) والمراد

_ (1) سورة القمر: (12) . (2) سورة آل عمران: (85) . (3) مسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... (1 / 8) (4) سورة المائدة: (3) . (5) سورة الذاريات: (35، 36) .

بهما: آل لوط- عليه السلام-، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون وتارة بأنهم مسلمون؛ فدلّ على [أن] الإيمان والإسلام شيء واحد قوله: " غفر له " جوابُ قوله " من قال " أي: غفر له ذنوبه ما دون الكبائر. واستفيد من الحديث أن يقول بعد قوله: وأنا أشهد أن محمدا رسول الله رضيتُ بالله ربّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينا 0 والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 508- ص- نا إبراهيم بن مَهدي: نا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله كان إذا سَمِعَ المؤذنَ يتشهّدُ. قال: " وأنَا، وأنا " (1) . ش- إبراهيم بن مهدي: المصيصي، بغدادي الأصل، سكن المصيصة /وقال البخاري: من الأنبار. روى عن: إبراهيم بن سَعد، وحَمّاد بن زَيد، وأبي المليح الرقي، وعلي بن مسهر وغيرهم. روى عنه: أحمد ابن حنبل، وأبو داود، وأبو حاتم الرازي- وقال: كان ثقة-، والحسن بن محمد الصبّاح. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (2) . وعلي بن مسهر: الكوفي قاضي الموصل. وهشام: ابن عروة بن الزبير بن العوام. قوله: " يتشهد " أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. قوله: " قال: وأنا وأنا " أي: قال النبي- عليه السلام-: " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله " " وأنا " مبتدأ، وخبره محذوف وهو قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وكذلك " أنا " الثاني كرّره لَلتأكيد والمبالغة. 509- ص- نا محمد بن المثنى: نا محمد بن جَهضم: نا إسماعيل بن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/251) .

جَعفر، عن عمارة بن غَزِيًة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن بن إساف، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده: عمر بن الخطاب، أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا قالَ المؤذنُ: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدُكُم: الله أكبر الله كبر، فإذا قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسوِل الله، ثم قال: حَيَّ على الصلاة، قال: لا حَول ولا قوةَ إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح قال: لا حول ولاَ قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله كبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبِهِ دخلَ الجنة" (1) . ش- محمد بن جَهضم: الثقفي أبو جَعفر البصري، يعرف بالخراساني، أصله خراساني، وسكن أبوه اليمامة وسكن هو البصرة. سمع: إسماعيل لجن جعفر، وأزهر بن سنان. روى عنه: إسحاق بن منصور، ويحيى بن محمد، ويعقوب بن سفيان وغيرهم. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . وإسماعيل بن جعفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني. وعمارة بن غزية: ابن الحارث بن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري المازني المدني. روى عن: عباد بن تميم، ويحيى بن عمارة، وأبي الزبير، وخبيب بن عبد الرحمن وغيرهم. روى عنه: سليمان بن بلال، والدراوردي، والثوري وغيرهم. قال أبو زرعة وأحمد بن حنبل: ثقة. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما به بأس وكان صدوقا. توفي سنة أربعين ومائة 0 روى له: الجماعة إلا البخاريّ (3) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسال الله له الوسيلة (12-385) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5123) . (3) المصدر السابق (21/4195) .

وخُبَيب بن عبد الرحمن: ابن خُبَيب بن إساف الأنصاري الخزرجي، أبو الحارث المدني، خال عُبيد الله بن عمر. روى عن: أبيه، عن جده، وعن: عمته: أُنَيسة، وحفص بن عاصم وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، وعمارة بن غزيّة، ومالك، وشعبة وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة (1) . وخُبيب: بضم الخاء المعجمة 0 وحفص بن عاصم بن عمر: ابن الخطاب القرشي المدني. سمع أباه، وعمه: عبد الله بن عُمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري وغيرهم. روى عنه: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وخبَيب بن عبد الرحمن: قال الطبري: ثقة مجمع عليه. روى له: الجماعة (2) . قوله: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله كبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر " إلى آخره؛ كل نوع من هذا مثنى- كما هو المشروع- فاختصر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كل نوع شطره تنبيهاًَ على باقيه. قوله: " لا حول ولا قوة إلا بالله " يجوز فيه خمسة أوجه؛ الأول: فتحهما بلا تنوين، والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منونا، والثالث: رفعهما منوّنين، والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منونا، والخامس: عكسه. الحول: الحركة؛ أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، قاله ثعلب وغيره. وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته؛ وحُكِيَ هذا عن ابن مَسعود. وحكى الجوهري لغة عربيةً ضعيفة أنه يقال: لا حَيل ولا قوة إلا بالله- بالياء- قال: والحول والحيل بمعنًى. ويقال في التعبير عن قولهم " لا حول ولا قوة إلا بالله ": " الحوقلة "؛ قاله الأزهري، وقال الجوهري: " الحولقة "، فعلى الأولى - وهو الشهور- الحاء والواو من الحول، والقاف/من القوة، واللام

_ (1) المصدر السابق (8/1678) . (2) المصدر السابق (7/1392) .

من اسم الله، وعلى الثاني: الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها: الحيعلة والبسملة والحمدلة والهَيللة والسَّبحلة، في حيّ على الصلاة وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. قوله: " من قلبه " متعلق بقوله: " فقال أحدكم " أي: قال ذلك خالصا مخلصَا من قلبه؛ لا ممن الأصل في القول والفعل: الإخلاص؛ قال تعالى: (وَمَا أمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدينَ) (1) . قوله: " دخل الجنّة " جواب قوله: " فقال أحدكم " في المَعنى، وجزاء ذلك القائل. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 510- ص نا (2) سليمان بن داود العتَكي: نا محمد بن ثابت: حدثني رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامةَ أو عًن بعضِ أصحاب النبي- عليه السلام-، أن بلالا أخذَ في الإقَامة، فلما أن قال: قد قَامت الصَلاة، قال النبيُ- عليه السلَام-: " أقَامَها اَللهُ وَأدَامَها ". وقال في سائرِ اَلإقامةِ كنحوِ حديثِ عُمر- رضي الله عنه- في الأذانِ (3) . ش- سليمان بن داود: أبو الربيع الزهراني (4) العتكي، ومحمد بن ثابت: العَبدي البصري، وشهر بن حوشب: أبو سعيد الشامي الدمشقي، وأبو أمامة، صُدفي بن عجلان الباهلي. قوله: " أخذ في الإقامة " أي: شرع فيها. قوله: " أقامها الله وأدَامها " دعاء في صورة الإخبار؛ أي: اللهم أقمها وأدِمها. قوله: " وقال في سائر الإقامة " أي: في سائر ألفاظ الإقامة " كنحو حديث عمر " المذكور آنفا في الأذان.

_ (1) سورة البينة: (5) . (2) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب ما يقول إذا سمع الإقامة "، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (3) تفرد به أبو داود. (4) في الأصل: " الزاهراني ".

36- باب: الدعاء عند الأذان

ويستفاد من الحديث فائدتان: الأولى: يستحب أن يقال عند الإقامة مثل ما يقول المؤذن: إلا في الحيعلتين يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله- كما في الأذان-، والثانية: يستحب أن يقال عند قوله: " قد قامت الصلاة ". أقامها اللهُ وأَدامها. وفي إسناد هذا الحديث: رجل مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد ووثقه الإمام أحمد وابن معين. وفي بَعض النسخ: " باب ما يقول إذا سمع الإقامة " وليس بموجود في النسخ الصحيحة. 36- بَابُ: الدُّعَاءِ عندَ الأذانِ أي: هذا باب في بيان الدعاء عند الأذان، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الدعاء عند الأذان " (1) أي: عند فراغ المؤذن من الأذان. 511- ص- نا أحمد بن محمد بن حنبل: نا عليّ بن عياش: نا شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بنِ المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قالَ حين يَسمعُ النداءَ: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة، آت محمَداً الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثهَُ مَقاماً محَموداً الذي وعَدتَه، إلاَ حَفَت له الشفاعةُ يومَ القيامةِ " (2) . ش- علي بن عياش- بالياء آخر الحروف والشين العجمة- ابن مسلم الحمصي الألهاني، وشُعيب بن أبي حمزة- دينار- القرشي الحمصي. قوله: " حين يسمع النداء " أي: الأذان؛ والكلام في " اللهم " قد مر مستوفى.

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند النداء (614) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب منه آخر (211) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند الأذان (2/26) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن (722) .

قوله: " رَبّ هذه الدَعوة " " ربَّ " منصوب على النداء، ويحوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت رَبُّ هذه الدعوة؛ والرب: المُربّي المصلح للشأن؛ واشتقاقه من الرِّبَّة؛ وهي نبت يصلح عليه المال، يُقال: رَبّ يَرُبّ ربا، وربى يُربي تربيةً، وأصله: رَبَبٌ؛ وهو قول زيد ابن عليّ، وسعيد بن أوس. وقال الحسين بن الفضل: هو الثابت، أو نزل، من رَب بالمكان، ولبَّ: إذا أقام، وأرضٌ مُرِب ومربابٌ: دام بها المطرُ، وفي اللغة: الرب: المالكُ والسيّدُ والصاحبُ. وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمُربي غداء، والغافر انتهاء. وقال الزمخشري: يقول: رَبّه يربّه فهو ربّ كما يقول: نمّ عليه ينمّ فهو نم، ويجوز أن يكون وصفاًَ بالمَصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الربّ إلا في الله وحده، وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: ربّ الدار، وربّ الناقة. ومعنى " ربّ هذه الدعوة " أي: صاحب هذه الدعوة التامة؛ والدعوة- بفتح الدال- وكذلك كل شيء دعوته، ويريد بالدعوة التامة التوحيد، وقيل لها " تامة " لأنها لا نقص فيها ولا عيب، وقيل: وصفها بالتمام لأنها ذكر الله تعالى، ويدعى بها إلى عبادته وذلك/هو الذي يستحق التمام، وقيل: التامة: الكاملة؛ وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس. وقد ذكرت في " شرحي للكلم الطيّب " (1) أن معنى التمام. كونها محميةً عن النَّسخ والإبدال باقية إلى يوم القيامة. قوله: " والصلاة القائمة " أي: الدائمة التي لا تُغيرها: ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض. قوله: " آت " - بفتح الهمزة- أمرٌ من آتى يؤتي إيتاء، كأعطى يعطي إعطاء؛ وأصله: " أأت " لأنه من تُوأتي بهمزتين، فحذفت حرف الخطاب علامة للأمر، وحذفَت الياء علامة للجزم، فبقي " َأأتِ " بهمزتين

_ (1) انظره (ص/245) بتحقيقي.

ثانيتهما ساكنة، فقلبت ألفاَ لانفتاح ما قبلها، فصار " آت " على وزن أَفع. قوله: " الوسيلة " نَصبٌ على المفعولية؛ وقد مر تفسيرها عن قريبٍ أنها منزلة في الجنة، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هو القرب من الله تعالى. " والفضيلة " والفضل خلاف النقيصة والنقص؛ والمعنى: أعطه الكاملَ من كل شيء. قوله: " مقاماً محموداً الذي وعدته " يعني: المقام المحمود الذي يحمدُه القائم فيه وكل من رآه وعرفه؛ وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل: المرادُ: الشفاعة؛ وهي نوعٌ مما يتناوله. وعن ابن عباس: مقاماًَ يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل (1) فتُعطَى، وتشفَعُ فتُشَفّعُ، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " (2) . فإن قيل: المقام المحمود قد وعده ربه إياه والله لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قلت: الدعاء إما للثبات والدوام، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره، والاستعانة بدعائه في حوائجه، ولا سيما من الصالحين. قوله: " الذي وعدته " بدل من قوله: " مقاماً محموداً " أو منصوب باعِني، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأراد حكاية لفظ القرآن في قوله: (عَسَى أن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحمُوداً) (3) .

_ (1) في الأصل: " يسأل " بالياء والتاء. (2) أخرجه أحمد (2/441، 444، 528) ، والترمذي (3137) ، وانظر السلسلة الصحيحة (2369) . (3) سورة الإسراء: (79) .

قوله: " إلا حلت له الشفاعة " وليس في رواية البخاري " إلا " ووجهه هاهنا: أن تكون زائدة للتأكيد؛ كما في قول الشاعر: حَراجيج ما تنفكّ إلا مناخةَ ... على الخَسف أو ترمي بها بلداً قفَرا ذكره الأصمعي، وابن جنّي. ومَعنى " حلت له " وجبت له أو غشَيته، واللام بمعنى " على " أي: حَلت عليه، وقد مر مثله. 512- ص- نا (1) مؤمل بن إِهاب: نا عبد الله بن الوليد العَدني: نا القاسمُ بن مَعن: نا المسعودي، عن أبي كثير مولى أم سلمةَ، عن أم سلمةَ قالت: عَلَمني النبيُ- عليه السلام- أن أقولَ عندَ أذَان المغرب: " اللهم هذا إِقبالُ ليلِكَ، وإِدبار نَهَارِكَ، وأصواتُ دُعاتِكَ، فاغفِر لَي " (2) . ش- مؤمل بن إهاب- ويُقال: يهاب- بن عبد العزيز بن قُفل بن سدل، أبو عبد الرحمن الربعي الكوفي نزيل الرملة، ويقال: نزل مصر. روى عن: أبي داود الطيالسي، وعبد الله بن الوليد العدني، ومحمد بن يوسف الفِريابي، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. قال أبو داود: كتبتُ عنه بالرملة وبحمص وبحلب. وعن ابن معين: ضعيف. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. توفي بالرملة في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين (3) . وعبد الله بن الوليد بن ميمون بن عبد الله القرشي الأموي مولى عثمان ابن عفان، وهو العَدني المكي، وكان يقال: أنا مكي، ويقال لي: عدني. سمع: الثوري، والقاسم بن مَعن، ومصعب بن ثابت. روى عنه: مؤمل بن إهاب، وزهير بن سالم، ويَعقوب بن حميد وغيرهم.

_ (1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب ما يقول عند أذان المغرب "، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (2) الترمذي: كتاب الدعوات، باب: دعاء أم سلمة (3589) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6320) .

وقال عبد الرحمن: سألتُ أبي عنه فقال: هو شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . والقاسم بن مَعن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي قاضيها. روى عن: عاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وابن جريج. روى عنه: مالك بن إسماعيل، وأبو نعيم، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم. قال ابن معين: كان رجلاً نبيلاً. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان لا يأخذ على القضاء أجراً. مات في خلافة هارون. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . والمَسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله. وأبو كثير مولى أم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. روى عن: أم سلمة. روى عنه: المَسعودي، وابنته: حَفصة. قال الترمذي:/لا تُعرف حفصة ولا أبوها. روى له: أبو داود، والترمذي (3) . وأمّ سلمة: اسمها: هند بنت أبي أميّة، وقد ذكرناها. فوله: " هذا إقبال ليلك " أي: وقت إقبال ليلك، ووقت إدبار نهارك، ووقت أصوات دُعاتك 0 والدُّعاة جمعُ داعي، كالقضاة جمع " قاضي "، وإنما أضاف هذه الأشياء إلى الله تعالى وإن كانت جميع الأشياء لله تعالى لإظهار فضيلة هذه الأشياء، لأن المضاف يكتسي الفضيلة والشرف من المضاف إليه كما في " ناقة الله "، وإنما حثّ بالدعاء في هذا الوقت، لأن هذا الوقت وقت شريف باعتبار أنه آخر النهار، وهو وقت ارتفاع الأعمال، وأول الليل اللذان آيتان من آيات الله الدالة على وحدانيته وبقائه وقدمه، وأنه وقت حضور العبادة فيكون أقرب إلى الإجابة. والحديث

_ (1) المصدر السابق (16/3643) . (2) المصدر السابق (23/4827) . (3) المصدر السابق (34/7587) .

37- باب: أخذ الأجر على التأذين

أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب؛ إنما نعرفه من هذا الوجه. وفي بعض النسخ في أول هذا الحديث: " باب ما يقول عند أذان المغرب ". *** 37- بَابُ: أخذِ الأجرِ عَلَى التَأذِين أي: هذا باب في بيان أخذ الأجرة على التأذين، وفي بعض النسخ: " بابُ أخذ أجرِ على الأذان ". فإن قلت: ما الفرق بين الأذان والتأذين؟ قلت: التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعلِ وهيئة ونية، وأما الأذان: هو حقيقة تعقل بدون ذلك. 513- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيا الجُريري، عن أبي العلاء، عن مُطرّف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلتُ - وقال مُوسى في موضعِ آخرَ: أن عثمانَ بن أبي العاص- قال: يا رسولَ الله، اجعلنِي إمامَ قَومي، قال: " أنتَ إِمامُهم، واقتدي بأضعَفهِم، واتخذ مُؤذنَاً لا يأخذُ عَلى أذَانِهِ أجراً " (1) . ش- حماد بن سلمة، وسعيد بن إياس: النضري الجُريري. وأبو العلاء: حيان بن عُمير القيسي الجُرَيري. روى عن: عبد الله بن العباس، وعبد الله بن السائب، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن جندب، ومُطرف. روى عنه: سليمان التيمي، وقتادة، والجُريري. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (468) الجزء الأول منه، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجراً (209) الجزء الأخير منه، النسائي: كتاب الأذان، باب: اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً (2/23) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من أم قوماً فليخفف (987) ، (714) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1576) .

ومُطرف بن عبد الله: ابن الشخير، وعثمان بن أبي العاص قد ذكر مرةً. قوله: " وقال موسى " أي: موسى بن إسماعيل. قوله: " واقتدي بأضعفهم " معناه: مُراعاة ضُعفاء الجماعة في الصلاة بأن لا يطولها عليهم؛ والاقتداء بالأضعف الاتباع به في مراعاة حاله. والحديث: أخرجه أحمد في " مسنده ". وفي رواية: " جواز في صلاتك، وأقدِرِ الناسَ بأضعفهم؛ فإن فيهم الصغيرَ والكبيرَ والضعيفَ وذَا الحاجة ". قوله: " واتخذ مؤذناً " يعني: اجعل مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً، وكلمة " على لما هاهنا للتعليل كاللام؛ والمعنى: لا يأخذ لأجل أذانه أجراً؛ نحو قوله تعالى: (وَلتُكبرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم) (1) أي: لهدايته إياكم؛ وبهذا أخذ علماؤنا؛ لأنه يكون أخذ الأجرة على الطاعة؛ وهو قول أكثر العلماء، وكان مالك يقول: لا بأس به، ويرخص فيه. وقال الأوزاعي: الإجارة مكروهة ولا بأس بالجعل، ومنع منه إسحاق بن راهويه. وقال الحسن: أخشى أن لا تكون صلاته خالصةَ لله. وكرهه الشافعي وقال: لا يَرزق الإمامُ المؤذنَ إلا من خُمس الخُمس سهم النبي - عليه السلام-؛ فإنه مُرصد لمصالح الدين ولا يرزقه من غيره. وكذلك أخذ الأجر على الحج والإمامة وتعليم القرآن والفقه؛ ولكن المتأخرين جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة الناس إليه، وظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، وعليه الفتوى. والحديث: أخرجه ابن ماجه، والنسائي. وأخرج مسلم الفصل الأول، وأخرج الترمذي الفصل الأخير، قال: وفي الباب عن أبي رافع، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عَمرو، وعَبد الله بن ربيعة،

_ (1) سورة البقرة: (185) . 32 * شرح سنن أبي داوود 2

38- باب: في الأذان قبل دخول الوقت

وعائشة، ومعاذ بن أنس، ومعاوية. قال أبو عيسى: حديث عثمان (1) حديث حسن صحيح 0 *** 38- بَابٌ: فِي الأذَانِ قَبل دُخُول الوَقتِ أي: هذا باب في بيان الأذان قبل دخول الوقت، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الأذان ". 514- ص- نا موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب- المعنى- قالا: نا حماد، صت أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن بلالا أذنَ قبلَ طُلوع [الفجرِ، فأمَرَهُ النبيُ- عليه السلام- أن يَرجعَ/فيُنادي: ألا إن العبدَ نامَ (2) . زادَ موسى: فرجعَ فنادَى: الا إن العبدَ نامَ (2) ، (3) ش- داود بن شبيب: البصري الباهلي، وحماد: ابن سلمة، وأيوب: السختياني، ونافع: مَولى ابن عمر. قوله: " زاد موسى " أي: زاد موسى بن إسماعيل في حديثه: " فرجع " أي: بلال، " فنادى ألا إن العبد نام "، قيل: أراد به أنه غفل عن الوقت، كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يقم بها. وقيل: معناه: إنه قد عاد لنومه إذ كان عليه بقية من الليل، فعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم وسكونهم. وقيل: يُشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة؛ فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، وثبت عنه- عليه السلام- أنه قال: إن بلالاً ليؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وممن ذهب إلى أن تقديم أذان الفجر قبل دخول وقته جائز: مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف؛ اتباعاً للآثار الواردة به. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز؛ قياساً على سائر الصلوات؛ وهو مذهب الثوري، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن

_ (1) في الأصل: " أبي سعيد " خطأ. (2) في سنن أبي داود: " قد نام ". (3) تفرد به أبو داود.

ذلك جائز إذا كان للمسجد مؤذنان، كما كان لرسول الله- عليه السلام- فأما إذا لم يكن فيه إلا واحد، فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله في الوقت الذي نهى بلالاً إلا مؤذن واحد، وهو بلال، ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذناً؛ لأن الحديث في تأذين بلال قبل الفجر ثابت من رواية ابن عمر. ص- قال أبو داود: وهذا الحديث لم يَروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. ش- أي: الحديث المذكور لم يروه عن أيوب السختياني إلا حماد، وذكر الترمذي لفظ الحديث وقال: هذا حديث غير محفوظ، ولعل حماد ابن سلمة أراد حديث عمر؛ والصحيح: حديث ابن عمر أن النبي- عليه السلام- قال: " إن بلالاً يؤذن بليل " الحديث، ثم نقل عن علي بن المديني أنه قال: هو حديث غير محفوظ. وقال البيهقي: وقد تابعه سعيد بن زربي، عن أيوب، ثم أخرجه كذلك، قال: وسعيد بن زربي ضعيف. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وقد تابع حماد بن سلمة عليه سعيد بن زربي، عن أيوب؛ وكان ضعيفاً. قال يحيى: ليس بشيء. وقال البخاري: عنده عجائب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الحاكم: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه: سمعت أبا بكر المطرز يقول: سمعت محمد ابن يحيى يقول: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر: شاذ، غير واقع على القلب؛ وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر. 515- ص- نا أيوب بن منصور: نا شعيب بن حرب، عن عبد العزيز ابنِ أبي رواد: نا نافع، عن مؤذن لعُمر يقال له: مَسروح أذن قبل الصبح فأمره عُمر. ذكر نحوه (1) .

_ (1) انظر الحديث السابق.

ش- أيوب بن منصور: أحد شيوخ أبي داود. وشعيب بن حرب: المدائني، أبو صالح، من أبناء خراسان، سكن المدائن ثم نزل مكة. روى عن: الثوري، وشعبة، ويحيى نجن أيوب، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة مأمون، وكذا قال أبو حاتم. مات سنة تسع وتسعين ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي (1) . وعبد العزيز بن أبي رَوّاد- واسم أبي رواد: ميمون- المكي الأزدي مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صُفرة، وهو أخو جبلة وعثمان، وهو ابن عم عمارة بن أبي حفصة. سمع: نافعاً، والضحاك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم. روى عنه: ابنه: عبد الله، والثوري، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. قال ابن عدي: وفي بعض أحاديثه ما لا يُتابع عليه (2) . قوله: " مسروح " بالسين والحاء المهملتين. قوله: " ذكر نحوه " أي: نحو حديث بلال؛ وقال الترمذي: وهذا لا يصح؛ لأنه عن نافع، عن عمر منقطع. ص- قال أبو داود: وقد رواه حماد بن زيد، عن/عُبيد الله بن عُمر، عن نافع أو غيره، أن مؤذناً (3) يُقال له: مَسروح أو غَيرُه. ش- أي: قد روى هذا الحديث حمّاد بن زيد، عن عُبَيد الله بن عُمر. قوله: " أو غيره " أي: أو عن غير نافع. قوله: " أو غيره " أي: أو غير مسروح. ص- ورواه الدراورديِّ، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان لِعُمرَ مؤذن يُقالُ له: مسعود، ذكر نحوه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2746) . (2) المصدر السابق (18 /3447) . (3) في سنن أبي داود: " مؤذناً لعمر ".

ش- أي: وروى هذا الحديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر. قوله: " ذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور؛ ولكن في روايته: " مَسعود " موضع " مسروح ". ص- قال أبو داود: وهذا أصحّ من ذاك. ش- أي: ما رواه الدراوردي أصح من الذي رواه حماد بن سلمة. 516- نا زهير بن حَرب: نا وكيع: نا جَعفر بن بُرقان، عن شداد مولىِ عياض بن عامر، عن بلال، أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " لا تُؤذن حتى يَستَبين لك الفجرُ هكذا " ومَدَ يدَيه عَرضاً (1) . ش- جَعفر بن بُرقان- بضم الباء الموحدة- الجَزري، أبو عبد الله الكلابي مولاهم الرقي، كان يسكن الرقة وقدم الكوفة. سمع: عكرمة مولى ابن عباس، وميمون بن مهران، ونافعاًَ (2) مولى ابن عمر، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع، وعيسى بن يونس، وغيرهم. وقال يعقوب بن شيبة، عن يحيى: كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكان ثقة صدوقاً. وقال ابن سَعد: كان ثقة صدوقاًَ، له رواية وفقه وفتوى في دهره، وكان كثير الخط! في حديثه، مات بالرقة سنة أربع وخمسين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وشداد مولى عياض بن عامر: المُزني. روى عن: أبي هريرة، ووابصة بن معبد، وبلال 0 روى عنه: جعفر بن برقان. روى له: أبو داود (4) . فوله: " حتى يستبين " أي: حتى يظهر لك الفجر. وأعلّه البيهقي في

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " نافع ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/934) . (4) المصدر السابق (12/2711) .

" المعرفة " بالانقطاع. وقال ابن القطان: وشداد- أيضاً- مجهول لا يعرف بغير رواية جعفر بن برقان. [ص]- وقال أبو داود: شداد لم يُدرك بلالا. قلت: هو مَعنى تعليل البيهقي بالانقطاع. واستدل صاحبُ " الهداية " بهذا الحديث لأبي حنيفة ومحمد على عدم جواز الأذان قبل الفجر؛ فقال: وقال أبو يوسف: وهو قول الشافعي: يحوز للفجر في النصف الأخير من الليل، ثم قال: والحُجةُ على الكل: قوله- عليه السلام-؛ وروى هذا الحديث، ولهما ما رواه الأوزاعي- أيضاً-، عن عائشة أنها قالت: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر. أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عنها، ومَا رواه الطبراني بإسناده إلى بلال قال: كنا لا نؤذن بصلاة الفجر حتى نرى الفجر، وكان يضع إصبعَيه في أذنيه. والجواب عما روي في " الصحيحين ": " إن بلال كان يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ": أن أذانه لم يكن للصلاة؛ وإنما كان ليرجع القائم، ويتسحر الصائم، ويقوم النائم. 517- ص- نا (1) محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن ابنَ أمِّ مَكتُوم كان مُؤذناً لرسولِ اللهِ وهو أعمى (2) . ش- يحيى بن عبد الله: ابن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. روى عن: عبيد الله بن عمر العمري، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وعبد الرحمن بن الحارث، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، وابن وهب، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: " باب الأذان للأعمى "، وذكر في الشرح أنها نسخة. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: جواز أذان الأعمى إذا كان معه بصير (18 /381) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6861) .

وسعيد بن عبد الرحمن: ابن عبد الله بن جميل القرشي الجُمحي، أبو عبد الله المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد. روى عن: هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر العمري، وسهيل بن أبي صالح. روى عنه: الليث بن سَعد، وعبد الله بن وهب، ومحمد بن الصباح الدولابي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. مات سنة تسع وستين ومائة/. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وابن أم مكتوم: اسمه: عبد الله- ويُقال: عَمرو؛ وهو الأكثر- بن قيس بن زائدة، ويقال: زياد- بن الأصم؛ والأصم: جندب بن هرم ابن رواحة بن حجر بن عبد بن مغيض (2) بن عامر بن لؤي، ويقال: عمرو بن زائدة القرشيِ العامري المعروف بابن أم مكتوم، مؤذن النبي- عليه السلام- وأم مكتوم اسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عَنكثة بن عامر ابن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد، هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي- عليه السلام- واستخلفه النبي- عليه السلام- على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد فتح القادسية وقتل شهيداً بها، وكان معه اللواء يومئذ. روى عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . واستُفيد من الحديث: جواز أذان الأعمى بلا كراهة. وقالت الشافعية: يكره أن يكون الأعمى مؤذناً وحده. وفي بعض النسخ على رأس هذا الحديث: " باب أذان الأعمى ". والحديث أخرجه مسلم، وأبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه "، وأحمد في " مسنده ". ***

_ (1) المصدر السابق (10/2312) . (2) كذا، وفي مصادر الترجمة: " معيص " بالعين والصاد المهملتين. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/501) ، وأسد الغابة (4/263) ، والإصابة (2/523) .

39- باب: الخروج من المسجد بعد الأذان

39- بَابُ: الخُرُوج منَ المَسجد بَعد الأذان أي: هذا باب في بيان الخروج من المسجد بَعد أذان المؤَذن للصلاة. وفي بعض النسخ: " بعد النداء " موضع " بعد الأذان "، وفي بعضها: " باب: ما جاء في الخروج ". 518- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان، عن إبراهيم بن المُهاجر، عن أبي الشَعثاء قال: كُنَّا مع أبي هُريرةَ في المسجد قال: فخرجَ رجلٌ حينَ أذنَ المؤذنُ بالعَصرِ (1) ، فقال أبو هُريرةَ: أمّا هَذا فقدَ عَصَى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) . ش- سفيان: الثوري، وإبراهيم بن المُهاجر: الكوفي. وأبو الشعثاء: سُليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، والد أشعث. روى عن: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة بن اليمان، وأبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاريّ، وطارق بن عبد الله المحاربي، ومن التابعين: مسروق، والأسود بن يزيد. روى عنه: ابنه: أشعث، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عُتَيبة، وغيرهم. قال ابن معين: كوفي ثقة. مات سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم. روى له: الجماعة إلا الترمذي (3) . قوله: " أبا القاسم " أبو القاسم هو كُنية النبي- عليه السلام-. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ذكر بعضهم أن هذا موقوف، وذكر أبو عمر النمري أنه مسند عندهم، وقال: لا يختلفون في هذا؛ وذاك أنهما مسندان مرفوعان- يعني-: هذا وقول أبي هريرة: " ومن لم يُحب - يعني: الدعوة- فقد عصَى الله ورسوله- " وفيه: كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر من انتفاض طهرة، أو فوات رفقة، أو كان مؤذناً في مسجد آخر ونحو ذلك.

_ (1) في سنن أبي داود: " للعصر ". (2) مسلم: كتاب المساجد، باب: النهي عن الخروج من المسجد (258) ، (259) (655) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان (204) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان (2/29) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج (733) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2484) .

40- باب: في المؤذن ينتظر الإمام

40- بَاب: فِي المؤذن يَنْتظرُ الإِمَامَ أي: هذا باب في بيان المؤذن يَنْتظر الإمام بَعْد الأذان. 519- ص- نا عثمان بن أي شَيبة: نا شبابه، عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سَمُرة قال: كَان بلال يُؤَذنُ ثم يُمْهِلُ، فإذا رَأى النبي- عليه السلام- قد خَرجَ أقامَ الصلاة (1) . ش- شَبابةُ: ابن سوار الفزاري مولاهم المدائني، أبو عَمرو، أصله من خراسان، قيل: اسمُه: مروان , وإنما غلب عليه شبابة. سمع: جرير بن عثمان، وشعْبة، والليْثَ بن سَعْد، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، لإسحاق بن راهويه، وابن مَعين، وغيرهم. وقال ابن مَعين: هو صَدُوق. وقال محمد بن سَعْد: كان ثقةَ صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئاً وقال أبو حاتم: صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة أربع ومائتين. روى له الجماعة (2) . وإسرائيل: ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي، وسماك: ابن حَرْب الكوفي. قوله: " ثم يُمهل " أي: يَسْتنظرُ خروج النبي- عليه السلام-، فإذا خرج يقيم الصلاة. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وأخرجه الترمذي.

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (160 / 606) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام أحق بالإقامة (202) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12 / 2684) .

41- باب: في التثويب

ويُستفاد منه مسألتان , الأولى: استحباب الفصل بين الأذان والإقامة، والثانية: استحباب أداء الحق في البَيْت، فافهم. * * * 41- بَاب: في التَّثوِيْب أي: هذا باب في بيان التثويب وفي بعض النسخ: " باب / ما جاء في التثويب ". وهو العَوْد إلى الإعلام بعد الإعلام، وقد ذكرناه مستوفى , ومنه " الثيب " لأن مُصِيبها عائد إليها. 520- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان: نا أبو يحي القتات، عن مجاهد قال: كُنتُ مع ابنِ عُمرَ فَثَوَّبَ رجل في الظهرِ أو العَصْرِ، قال: اخرجْ بنا , فإن هذه بدْعة (1) . ش- أبو يحي: اسمه: زاذان القتات الكوفي الكُنَاسِي صاحب القت. وقال أبو حاتم: اسمه: دينار، ويقال: يزيد، ويقال: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زَبَّان. روى عن: مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وحبيب بن أبي ثابت. روى عنه: الأعمش، والثوري، وفِطْر بن خليفة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: روى عنه: إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير. وقال ابن معين: في حديثه ضعف، وفي رواية عثمان بن سعيد: ثقة. روى له: مسلم حديثين، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: " فثوب رجل في الظهر " معناه: أنه خرج إلى باب المسجد ونادى: الصلاة رحمكم الله. قوله: " بدْعة " البدْعة شيء لم يكن في زمن النبي- عليه السلام-،

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34 / 7699) .

42- باب: في الصلاة تقام ولم يأت الإمام ينتظرونه قعودا

ويُقال: البدعة: كل ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السُنَّة. وقال في " الصحاح ": البدْعة: الحدثُ في الدين بعد الإكمال. انتهى من أبدعتُ الشيء اخترعته لا عن مثال " والله بديع السموات والأرض " أي: مُبْدعها لا عن أصل ومادّة. ثم التثويب في الفجر بقوله: " حي على الصلاة حي على الفلاح " مرتين بين الأذان والإقامة حسن عنْد أصْحابنا. ويقال: هو قوله: " الصلاة خير من النوم " مرتين بعد الصلاة والفلاح. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا تثويب في الفجر كما في سائر الصلوات. واستدل أصحابنا بما رواه الترمذي وابن ماجه، عن أبي إسرائيل، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: أمرني رسول الله- عليه السلام- أن لا أثوب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر، وبحديث آخر رواه البيهقي، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: أمرني رسول الله أن لا أُثوب إلا في الفجر , والحديثاًن حجة عليهم. وأما التصويب في غير الفجر: فمكروه، لحديث ابن عمر هذا. وقال صاحب " الهداية ": والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التواني في الأمور الدينية. وقال أبو يوسف: لا أرى بأساً أن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، فاستبعده محمدٌ , لأن الناسَ سواسية في أمر الجماعة، وأبو يوسف خصّهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين، كيلا تفوتهم الجماعة، وعلى هذا القاضي والمُفْتِي. * * * 42- بابٌ: في الصَّلاة تقامُ ولمْ يأت الإمَامُ يَنْتظرُونه قُعُوداً أي: هذا باب في بيان الصَلاة تقامُ والحال: أَنه لم يأتي الإمام. قوله: " يَنْتظرونه " حال , أي: جال كون الجماعة ينتظرون الإمام. وقوله: " قعوداً " حال أخرى أي: حال كونهم قاعدين، والقعودُ: جمع قاعد، كالسجود جمع ساجد، والوفود جمع وافد , وهما حالاًن

متداخلتان أو مترادفتان. وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء فيما تقام الصلاة ولم يأت الإمام كيف ينتظرونه؟ ". 521- ص- نا مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبَانُ، عن يحي، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (1) ، عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروْني " (2) . ش- مسلم بن إبراهيم: أبو عمرو القصاب الفراهيدي، وموسى بن إسماعيل: المنقري البصري، وأبان: ابن يزيد العطار البصري، ويحيى: ابن أبي كثير أبو نصر اليمامي، وعبد الله بن أبي قتادة , وأبو قتاده: الحارث بن ربعي الأنْصاري السلمي. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. " (3) وفي رواية أبي هريرة: " أقيمت الصلاة فقُمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ". وفي رواية: " إن الصلاة كانت تقام لرسول الله، فيأخذ الناسُ مَصافهم قبل أن يقوم النبي- عليه السلام- مقامه ". وفي رواية جابر بن سمرة:" كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي- عليه السلام-، فإذا خرج أقام الصلاة / حين يراه ". وقال القاضي رياض: يجمع بين مختلف هذه الأحاديث بأن بلالا كان يُراقب خروج النبي- عليه السلام- من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم ولا يقوم الناس حتى يرَوْه، ثم لا

_ (1) في سنن أبي داود: "عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، عن أبيه " خطأ. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ (637) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (604) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر (517) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: إقامة المؤذن عند خروج الإمام (2 / 31) . (3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (5 / 101: 103) .

يقوم مقامه حتى يعدلوا الصفوف، وقوله في رواية أبي هريرة: " فيأخذ الناس مصافهم قبل خروجه " لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر , ولعلّ قوله- عليه السلام-: " فلا تقوموا حتى تروني " كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يرَوْه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه. واختلف العلماء من السلف فمن بَعْدهم متى يقوم الناس للصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فمذهب الشافعي وطائفة: أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة , وهو قول أبي يوسف. وقال مالك: السنة في الشروع في الصلاة: بعد الإقامة وبداية استواء الصف. ونقل القاضي عياض عن مالك: إنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن في الإقامة. وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وبه قال أحمد. وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة مرة قاموا وإذا قال ثانيا افتتحوا. وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حيّ على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها، فيجب تصديقُه ". ص- قال أبو داود: هكذا رواه أيوب وحجاج الصواف، عن يحي وهشام الدستوائي قال: كتب إلي يحي، ورواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك، عن يحي وقالا فيه:" حتى تَرونِي، وعليكُم السكينة ش- أي: هكذا روى الحديث المذكور: أيوب السختياني. وحجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت الكندي البصري، واسم أبي عثمان: مَيْسرة. روى عن: أبي الزبير، ويحيى بن أبي كثير، وأبي سنان، وغيرهم. روى عنه: الحمادان، ويحيى القطان، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة (1) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 1123) .

ويحيى: ابن أبي كثير، وهشام: ابن أبي عبد الله الاستوائي البصري، ومعاوية بن سلام: ابن أبي سلام الأسود الألهاني. وعليّ بن المبارك: الهنائي البصري. روى عن: يحيى بن أبي كثير، والحسن بن مسلم العبدي. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، وسفيان ابن حبيب، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له الجماعة إلا النسائي (1) . قوله: " وقالا فيه " أي: قال معاوية وعلي في الحديث المذكور: " حتى تروني، وعليكم السكينةُ " , السكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك. وقال الجوهري: السكينة: الودَاع والوقَارُ. 522- ص- نا إبراهيم بن موسى: أنا عيسى، عن معمر، عن يحي بإسناده مثله قال: " حتى تروني قد خرجتُ " (2) . ش- إبراهيم بن موسى: الفراء الرازي، وعيسى: ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي الكوفي، ومعمر: ابن راشد البصري. قوله: " مثله " أي: مثل الحديث المذكور، وفي روايته: " حتى تروني قد خرجتُ "، و" قد خرجت " في موضع الحال. ص- قال أبو داود: ولم يذكر " قد خرجتُ " إلا معمر. ورواه ابن عُيينة، عن معمرِ, ولم يَقل فيه: "قد خرجتُ " ش - أي: روى الحديث المذكور: سفيان بن عيينة، عن معمر المذكور, لم يقل في روايته: " قد خرجت ". 523- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد قال: قال أبو عَمرو ح، ونا داود بن رُشَيْد: نا الوليد- وهذا لفظه- عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إن الصلاةَ كانتْ تُقامُ لرسول الله فيأخذ الناسُ مَقامهُم، قبل أن يَأخذَ النبي- عليه السلام- (3) .

_ (1) المصدر السابق (21 / 4124) . (2) انظر الحديث السابق. (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (159 / 605) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: أقامة الصفوف قبل خروج الإمام (2 / 88) ، وقد سبق في كتاب الطهارة برقم (220) .

ش- محمود بن خالد: أبو عليّ السَّلَمي الدمشقي، والوليد: ابن مُسلم الدمشقي، وأبو عَمْرو: هو عبد الرحمن الأوزاعي. وداود بن رُشَيْد: الهاشمي مولاهم، أبو الفضل الخوارزمي، ْ سكن بغداد. روى عن: أبي المليح الرقي، وابن عليّة، وشعيب بن إسحاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو زرعة، وغيرهم. وكان يحي يوثقه. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) . وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن /. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. وقد ذكرنا وجه اختلاف الروايات. 524- ص- نا حُسَيْن بن معاذ: نا عبد الأعلى، عن حُميد قال: سألتُ ثابتا البنانيَّ عن الرجلِ يتكلمُ بعد ما تُقامُ الصلاةُ، فحدَّثني عن أنسِ بنِ مالك: قال: أقيمَت الصلاةُ فَعرَضَ لرسول الله رجلٌ، فحبَسَهُ بَعد ما أقيمت الصلاة (2) .ًًَ ش- حُسَيْن بن معاذ: ابن حليف- بالحاء المهملة-. روى عن: عبد الأعلى. روى عنه: أبو داود، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي. وحُميْد: الطويل. والحديث أخرجه البخاريّ. وفيه: جواز الكلام بعد الإقامة. وكرهه إبراهيم، والزهريّ، وهو قول أصحابنا , والجواب عن الحديث: أنه كان لعذر، ولم يكن باختياره- عليه السلام-. وقال مالك: إذا بَعُدت الإقامة رأيت أن تعاد الإقامة استحباباً. 225- ص- نا أحمد بن عليه السدوسي: نا عون بن كهمس، عن أبيه: كهْمس قال: قمنا بمنىَ إلى الصلاةِ (3) والإمامُ لم يَخرجْ، فَقَعَد بعضُنا

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 / 1758) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الكلام إذا أقيمت الصلاة (643) . (3) في سنن أبي داود: " قمنا إلى الصلاة بمنى ".

فقال لي شيخ من أهْل الكُوفَةِ: ما يُقْعدُكَ؟ قلتُ: ابنُ بُرَيْدةَ. قال: هذا السمود. فقال الشيخ (1) : حدثنى عبدَ الرحمن بن عَوْسجة، عن البراء بنِ عازب قال: كنا نَقُومُ في الصفُوف على عهد رسول الله- عليه السلامَ- طويلا قبلَ أن يُكبرَ. قال: وقال: "إن اللهَ وملاَئكَتَه يُصَلُّوَن على الذين يَلُونَ الصُّفُوف الأوَلَ، وما من خَطوة أحب إلى الله تعَالى من خَطوة يَمْشِيها يَصِلُ بها صفا" (2) . ش- كهمس: ابن الحسن، أبو الحسن التميمي البصري. روى عن: عبد الله بن بريدة، وعبد الله بن شقيق، وعباس الجُريري. روى عنه: معاذ بن معاذ، ووكيع، وخالد بن الحارث، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له الجماعة (3) . وابن بريدة: هو عبد الله بن بريدة بن الخصيب الأسلمي، قاضي مرو. وعبد الرحمن بن عَوْسجة التميمي الهمداني الكوفي. سمع: البراء ابن عازب. روى عنه: طلحة بن مصرف اليامي، وقتادة بن عبد الله التميمي، وإسحاق الهمداني، والضحاك. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: " بمنى" أي: في منى، وهي قرية تذبح بها الهَدايا والضحايا، سمّي ذلك الموضع منى لوقوع الأقدار فيه على الهدايا، من مَنى يمني مَنْيا أي: قدَر، ومنه: المنية، لأنها مقدرة على البرايا كلها. وقال الجوهري: ومِناً- مقصور- موضع بمكة، وهو مُذكر يُصْرف. قوله: " فقال لي شيخ": مجهول. قوله: " قلت: ابن بريدة " أي: أقعدني عبد الله بن بريدة.

_ (1) في سنن أبي داود:"فقال لي الشيخ ". (2) تفرد به أبو داود (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 5001) . (4) المصدر السابق (17 / 3922) .

قوله: " هذا السمود لما وقال الخطابي (1) : " السمود يُفسر على وجهن، أحدهما: أن يكون بمعنى الغفلة والذهاب عن الشيء، يقال: رجل سامدٌ هامد أي: لاهٍ غافلٍ، ومن هذا قوله تعالى: " وأنتُمْ سَامدُونَ) (2) أي: لاهون ساهون. وقد يكون السامد- أيضاً- الرافع رأسَه، قال أبو عبيد: ويقال منه: سَمد يسمِدُ ويَسْمُد- بالضم والكسْر- في المستقبل سُمُوداً. وروي عن علي- رضي الله عنه- أنه خرج والناس يَنْتظرونه قياما للصلاة، فقال: ما لي أراكم سامدين؟ وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياما، لكن قعوداً ويقولون: ذلك السُّمُودُ. قوله: " طويلا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قياما طويلاً. قوله: " يُصلُّون " قد عرفت أن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار. قوله: " يلُون) من الوَلْي، وهو القُرب والدنو، من وَلي يلي، من باب وَرث يرث، وأصله: يَلُون يَوْليُون، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، وهذه قاعدة في باب المثال كما في يَعد ويهَبُ ونحوهما، فبقي يَليُون فحذفت الضمة لاستثقالها على الياء، فاجتمع ساكنان وهما الياء والواو، فحذفت الياء لأن الواو علامة بالجمع، ثم أبدلت كسرة اللام ضمةً لأجل الواو، فصَار يلُون على وزن يَعُون، لأن المحذوف منه فاء الكلمة ولامها. قوله: " الأوَل "- بضم الهمزة- جمْعُ أولى، تأنيث الأول، والأول نقيض الآخر. قوله: "وما من خَطوة " الخطوة- بالفتح-: المرة، وبالضم: بعد ما بين القدمين في المشي، وهاهنا بالفتح.

_ (1) معالم الحق (1 / 136) . (2) سورة النجم: (61) .

قوله: " يمشيها " صفة للخطوة ومحلها الجر. [1 / 186 - ب] قوله: " يصل بها " أي: بالخطوة / وهذه الجملة حال من الضمير المرفوع الذي في " يَمْشيها"، و" صفا " نصبٌ على المفعولية، لأن وَصلَ عُدَّى بالباء. 526- ص- نا مسدد: نا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: أقيمَت الصلاةُ ورسولُ الله نَجي في جَانب المسجد، فما قامَ إلى الصلًاةِ حتى نامَ القومُ (1) .ًًَ ش- عبد الوارث: ابن سعيد البصري. وعبد العزيز بن صُهَيْب البناني مولاهم، وبَنانة من قريش. سمع: أنس بن مالك. روى عنه: شعبة، والحمادان، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم، وعن يحيى: هو ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " ورسولُ الله نجي " جملة اسمية وقعت حالاً و" نجي " بمعنى: مُناج، كنديم بمعنى: مُنادم، ووزير بمعنى: مُؤازر، وتناجى القوم إِذا دخلوا في حديثِ سر، وهم نجوى أي: متناجون، وفيه دليل على أن تأخير الصلاة من أول وقتها غير مكروه، وكذا الكلام بعد الإقامة إذا كان لأمر مهم من أمور الدين. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي 527- ص- نا عبد الله بن إسحاق الجوهري: أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضْر قال: كان رسولُ الله حين تُقام الصلاةُ في المسجد إذا رآهُم قليلاً جَلسَ ثم صلى (3) ، وإذا رآهم جَمَاعةً صَلى (4) .

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: الإمام تعرِض له الحاجة بعد الإقامة (642) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (376) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة (2 / 81) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3595) . (3) في سنن أبي داود: " لم يصل ". (4) تفرد به أبو داود.

ش- عبد الله بن إسحاق الجوهري: المصري المعروف ببدعة، مستملي أبي عاصم. روى عن: أبي عاصم، وبَدَل بن المحبر، وأبي زيد الهروي. روى عنه: أبو داود، وأبو حاتم- وقال: شيخ-، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. مات سنة سبع وخمسين ومائتين (1) . وأبو عاصم: النَّبِيل، وعبد الملك: ابن جرير. ومُوسى بن عقبة: ابن أبي عياش المُطرفي المدني الأسدي، أبو محمد مولى يل الزبير بن العوام، أخو محمد، وإبراهيم، أدرك عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وسهل بن سَعْد، ونافعاً وغيرهم. روى عنه: يحيي بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك ابن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. مات سنة إحدى وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وسالم بن أبي أميّة، أبو النضر المدني القرشي، تابعيّ. والحديث مُرْسل. قوله: " إذا رآهم " أي: إذا رأى الجماعة. قوله: " قليلا " نصب على الحال بمعنى قليلين، يقال: قوم قليلون وقليلات- أيضاً قال الله تعالى: " واذكروا إِذ كُنتُمْ قَلِيلا فكثركم) (3) . وليس بمفعول ثان ل " رأى "، لأن " رأى " هاهنا بمعنى: أبصر، فلا يحتاج إلى مفعول ثاني. قوله: " جماعة " نصب على الحال- أيضاً بمعنى: مجتمعين. وفيه دليل على تأخير الصلاة - أيضاً - من أول وقتها، وأن الإمام يُستحب له أن ينتظر الجماعة إذا كان الحاضرون قليلاً وأن لا يؤخر الصلاة إذا اجتمعوا، ولا سيما أئمة مساجد ألا سواق والطرقات.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14 / 3162) . (2) المصدر السابق (29 /6282) . (3) سورة الأعراف: (86) .

43- باب: التشديد في ترك الجماعة

528- ص- نا ابن إسحاق: أنا أبو عاصم، عن أبي جريج، عن موسى ابن عقبة، عن نافع بن جُبير، عن أبي مَسْعود الزرقي، عن علي بن أي طالب مثل ذلك (1) . ش- ابن إسحاق: هو عبد الله الجوهري، ونافع بن جُبَيْر: ابن مطعم القرشي. وأبو مَسْعود الزرقي، روى عن: علي بن أبي طالب، روى عنه: نافع بن جبير. روى له: أبو داود (2) . قوله: " مثل ذلك " أي: مثل الحديث المذكور. *** 43- بَاب: التشْدِيد في ترك الجماعة أي: هذا باب في بيان التشديد في ترك الصلاة مع الجماعة. 529- ص- نا أحمد بن يونس: نا زائدة: نا السائبُ بن حُبَيْش، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله عمليه السلام- يَقولُ: " ما منْ ثَلاثة في قَرية ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فيهم الصلاةُ، إلا قد استحوذَ عليهمُ الشيطانُ، ً فعليكَ بًالجماعة، فإنما يأكلُ الذئبُ القاصِيَة (3) . قال زائدةُ: قال السائب: يعني بالجماعةِ: الصلاةَ في الجماعةِ. ش- زائدة: ابن قدامه. والسائب بن حُبَيْش- بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره: شين معجمة- وصحفه بعضهم بحنَش - بفتح الحاء والنون- الكلاعي الحمصي. روى عن: معدان بن طلحة،

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34 / 7624) . (3) الكسائي: كتاب الإمامة، باب: التشديد في ترك الجماعة (2 / 106) .

وأبي الشماخ الأزدي. روى عنه: زائدة، وحَفْص بن رواحة /. وقال [1/ 187 - أ] أحمد العجلي: ثقة. وقال الدارقطني: صالح الحديث. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . ومَعْدان بن أبي طلحة- ويقال: ابن طلحة- اليعمري. سمع: عمر ابن الخطاب، وأبا الدرداء، وثوبان مولى رسول الله، وأبا نجيح: عمرو ابن عَبَسة السلمي. روى عنه: سالم بن أبي الجَعْد، والوليد بن هشام، والسائب بن حُبَيْش. قال ابن سَعد، وأحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " في قرية " القرية: المدينة, سمّيت قريةً لاجتماع الناس فيها، من قريته الماء في الحوض إذا جمعته، ويقال: قِرْية- بالكسر- لغة يمانية , ومكة أم القرى. قوله: " ولا بَدْوٍ " البَدْو: البادية؟ والنسبة إليه: بَدوي. قوله: " إلا استحوذت أي: غلب عليهم الشيطان، وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء في " استَرْوح " و" استصوبت. قال أبو زيد: هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، تقول العربُ: استصاب واستصوب، واستجاب واستجوب، وهو قياس مطرد عندهم، وقوله تعالى: " الَمْ نَسْتَحْوذ عَلَيكُمْ) (3) أي: ألم نغلب على أموركم ونستولي على مودتكم. قوله: " فعليك بالجماعة " عليك من أسماء الأفعال بمعنى: الزم، كما يقال: إليك بمعنى: تنح، والفاء فيه جواب شرط محذوف، تقديره: إذا كان الأمر كذلك فعليك. وقوله: " بالجماعة " أعم من أن تكون جماعة الصلاة، أو جماعة المسلمين. قوله: " فإنما " الفاء للتعليل.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10 / 2166) . (2) المصدر السابق (28 / 6082) . (3) سورة النساء (141) . 2. شرح سنن أبي داوود 3

قوله: " القاصية " أي: الشاة المنفردة عن القطيع، البعيدة منه، من قَصَى الْمكانُ يَقْصُو قُصُوا: بَعُد، فهو قَصِيّ وهي قاصية وقصيّة، وقصوتُ عن القوم: تباعدتُ، والقَصَاء بالمد: البُعْدُ والناحية، وكذلك القَصَى مقصوراً، ويُقال: قصِيَ فلان عن جوارنا- بالكسر- يَقْصَى - بالفتح- قَصًى، وأقْصيتُه أنا فهو مُقْصًى، ولا تقُلْ: مَقْصِي. يريد بذلك: أن الشيطان يستحوذ ويتسلط على تارك الجماعة، كما يتسلط الذئب على الشاة المنفردة من القطيع وإنما عنى الثلاثة، لأن أقل الجمع ثلاثة حتى يُقام بهم الجمعة، ويفهم من هذا: أن الاثنان في موضع إذا صلى كل واحد بذاته لا يأثمان، وقد روي أن الاثنان وما فوقهما جماعة. 530- ص- نا عثمان بن أي شيبة: نا أبو معاوية: نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بالصلاةِ فتُقامَ، ثم آمُرَ رجلاً يُصَلي بالناسِ، ثم أنطلقَ معي بِرِجال معهم حُزَمٌ من حَطب إلى قوم لا يَشْهدُونَ الصلاة، فاحَرَّقَ عليهم بيُوتَهم بالنارِ " (1) . ش- هممتُ أيْ: قصَدْتُ، " أن آمر "، مفعوله. وقوله: " فتقامَ " بالنَّصْب عطف على ما قبله، وكذلك " ثم آمرَ " و " ثم أنطلقَ " و " فأحرقَ " كلها مَنْصوبٌ. وقوله: " برجال " مُتعلق بقوله: " ثم أنطلقَ " فعُدى " أنْطلق به " , والمعنى: ثم أذهب برجال.

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة رقم (644) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة (651) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب، التغليظ في التخلف عن الجماعة (791) .

وقوله: " معي " حال من الرجال، والمعنى: مُصاحِبين لي. والحُزم - بضم الحاء- جمع حُزْمةٍ. وقوله: " بالنار " متعلق بقوله: " فاحْرقَ ". واستدل به من قال: الجماعة فرض عين , وهو مذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، وداوود. وقال في " شرح المُهذب ": وقيل: إنه قول الشافعي، وعن أحمد: واجبة وليست بشرط. وقالت الجمهور: ليْست فرض عين. واختلفوا: هل هي سُنة أم فرض كفاية؟ والمختار عند الشافعية: أنها فرض كفاية، وعند عامة مشايخنا: واجبة، وقد سماها بعض أصحابنا سُنَن مؤكدة، وهو قول القدوري- أيضاً- وفي " المُفيد ": الجماعة واجبة وتسميتها سُنَن لوجوبها بالسُّنَة. وفي والبدائع ": إذا فاته الجماعة لا يجب علي الطلب في مَسْجد آخر بلا خلاف بوش أصحابنا، لكن إن أتى مسجدا يَرْجو إدراك الجماعة فيه فحسن، وإن صلى في مسْجد حقه فحسن. وعن القدوري: يجمع بأهْله. وفي " التحفة ": إنما تجب على من قدر عليها من غير حرج، وتسقط بالعذر، فلا تجب على المريض، ولا على الأعمى والزمِنِ ونحوهم، هذا إذا لم يجد الأعمى قائداً، والزَّمِنُ مَن يحمله، وكذا إذا وجدا (1) عند أبي حنيفة، وعندهما: تجب. وعن شرف الأئمة: تركها من غير عذر يوجب التعزير، ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها. وعن بعضهم: لا تقبل شهادته، فإن اشتغل بتكْرار / اللغة لا يعذر في ترك الجماعة، وبتكْرار الفقه أو مطالعته يعذر، [1\187-ب] ، فإن تركها أهل ناحية قوتلوا بالسلاح. وفي " التنبيه ": يشتغل بتكَرارِ الفقه ليلاً ونهارا ولا يحضر الجماعة لا يعذر، ولا تقبل شهادته. وقال أبو حنيفة: سهى أو نام أو شغله عن الجماعة شغل، جَمَع بأهْله في منزله، وإن صلى وحده يجوز.

_ (1) في الأصل: " وكذا هذا إن وجدا ".

واختلف العلماء في إقامتها في البيْت؛ والأصح: أنها كإقامتها في المسْجد. وفي " شرح خواهر زاده ": هي سُنَة مؤكدة غاية التأكيد، وقيل: فرض كفاية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما، وهو قول الشافعي المختار، وقيل: سُنَة. وفي "الجواهر": عن مالك: سُنَّة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. والجواب عن الحديث من وجوه، الأول: أن هذا في المنافقين، ويَشْهد له ما جاء في " الصحيح": "لو يَعْلم أحدكم أنه يجدُ عظما سميناً أو مَرْمَاتَين حسَنَتَيْن لشهد العشاء " وهذه ليست صفة المؤمن، لا سيما أكابر المؤمنين وهم الصحابة، وإذا كان في المنافقين كان التحريق للنفاق لا لترك الجماعة فلا يتم الدليل، والثاني: أنه- عليه السلام- هَمّ ولم يَفْعل، والثالث: أنه- علية السلامِ- لم يخبرهم أن من تخلّف عن الجماعة، فصلاته غير مجزئة، وهو موْضع البيان. وفي هذا الحديث: دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وأجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة، واختلف السلف فيهما والجمهور على منع تحريق متاعهما. ثم إنه جاء في رواية: أن هذه الصلاة التي هم بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء. وفي رواية: إنها الجمعة، وفي رواية: إنهم يتخلفون عن الصلاة مطلقاً وكله صحيح، ولا منافاة بَين ذلك. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه. 531- ص- نا النفيلي: نا أبو المليح: حدَّثني يزيد بن يزيد: حدَّثني يزيد بن الأصم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله: " لقد هَممت أن آمُرَ فِتْيَتِي فيَجْمعُوا حُزما من حَطب، ثم آتِي قوماً يُصفُون في بُيُوتِهم ليْست بهم علَّةٌ، فأحرِّقَها عَليهم ". قلًتُ ليزيدَ بنِ الأصم: يا أبا عوفٍ: الجمعةَ عَنى أَو غيرَها؟ فقال: صامتا أذُنَايَ إن لم كنْ سمعتُ أبا هُريرةَ وأثره عن رسولِ اللهِ، ما ذَكَر جُمُعَةً ولا غيرها (1) . ـــــــــــــ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان-

ش- عبد الله بن محمد النُّفيلي. وأبو المليح: اسمه: الحسن بن عَمرو، ويقال: عُمر، الفِزاري مولاهم الرقي، وقيل: كنيته: أبو عبد الله، وغلب علي أبو المليح. سمع: ميمون بن مهران، والزهري، والوليد ابن زَرْوان، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وأبو توبة (1) الربيع بن نافع، وبقية بن الوليد، وغيرهم. توفي سنة إحدى وثماني ومائة، وهو ابن خمس وتسعين. قال أحمد: ثقة ضابط لحديثه صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي (2) . ويزيد بن يزيد: ابن جابر الشامي الدمشقي، أصله من البصرة. سمع: الزهري، ومكحولا ويزيد بن الأصم، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث وثلاثة ومائة. روى له: الجماعة إلا البخاري (3) . ويزيد بن الأصم: أبو عوف الكوفي. قوله: " فِتْيتي" الفِتْية: جمعُ فَتىَ. قوله: " فيَجْمعوا " عطف على قوله:"آمُرَ" فلذلك نُصِب. قوله: " الجمعةَ عَنى" أي: قَصَد، و" الجمعة" منصوب به، و "أو غيرها " عطف عليه. قوله: " صمتا أذناي" من قبيل كلوني البراغيث، حيْث جمع الفعل المسند إلى الفاعل الظاهر، وكذلك هاهنا ثنى الفعل المسند إلى الفعل الظاهر، والأصل: صمت أذناي بمعنى: طَرشت، وهو إنشاء في صورة الإخبار، والمعنى: لتصمم أذناي إذا صم الله أذناي، إنْ لم أكن سمعتُ أبا هريرة. ـــــــــــــ = ... (252 / 651) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب (217) . (1) في الأصل: " ثوبة" خطأ. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 / 1255) . (3) المصدر السابق (32 / 63 0 7) .

قوله: "تأثره " أي: يَرْويه ويحكيه عن رسول الله من أثر يأثر، من باب نصر ينصر من الأثر وهو الخبر، وخبر مأثور، أي: منقول ينقله خلف عن سلفٍ. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي مختصراً 532- ص- نا هارون بن عباد الأزدي: نا وكيع /، عن المَسْعودي، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي الأحْوص، عن عبد الله بن مَسْعود قال: حَافظُوا على هؤلاء الصلواتِ الخمسِ حيثُ يُنادَى بِهن، فمنهن من سُنَنِ الهُدًى، وأن الله عَزًّ وجل شَرعً لنبيِّه- عليه السلام- سُنَنَ الهُدَى، ولقد رأيتُنَا وما يتخلفُ عنها إلا مُنافق بين النفاقِ، ولقد رأيتُنَا وإن الرجلَ يُهادَى بين الرجلين حتى يُقامَ في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بَيْته، ولو صلًّيتُم في بيوتِكُم وتركتم مساجدَكم، تركتُمَ سُنَّةَ نبيكُم، ولو تركَتم سُنَّةَ نبيكُم لكفرتُم (1) . ش- هارون بن عباد الأزدي. روى عن: وكيع، ومروان بن معاوية. روى عنه: أبو داود (2) . وعليّ بن الأحمر: ابن عمرو بن الحارث بن معاوية الهمداني الوداعي الكوفي، أخو كلثوم بن الأحمر. سمع: أبا صحيفة الروائي، وعكرمة مولى ابن عباس، وأبا الأحَوص، وغيرهم. روى عنه: منصور بن المعتمر، ومسْعر، والثوري، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة حجة. قَال أبو حاتم: صدوق، ثقة. روى له الجماعة (3) . وأبو الأحوص: عوف بن مالك الجُشمي. قوله: " على هؤلاء " أصلُه: أولاء- بالمد والقصر- وهو للجمع سواء ــــــــــــ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى (257 / 654) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن (2 / 108) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: المشي إلى الصلاة (777) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30 / 6519) . (3) المصدر السابق (0 2 / 26 0 4) .

كان مذكرا أو مؤنثا، ويستوي فيه أولوا العقل وغيرهم، ومفرده في المذكر: ذا، وفي المؤنث: ذي، ثم دخلت الهاء علي للتنبيه. قوله: "من سنن الهدى "- بضم السين وفتح النون- جمع سُنَّة، وهي الطريقة والمنهج، والهُدَى: مَصْدر على فُعَل كالسُّرَى، وهو خلاف الضلال. قوله: " ولقد رأيتُنا"- بضم التاء- أي: رأيت أنفسنا. قوله: " عنها لا أي: عن الصلوات. قوله: "بين النفاق" أي: ظاهرُ النفاق، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العربُ بالمعنى المخصوص به؛ وهو الذي يَسْتر كُفْره ويُظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً، يقال: نافق يُنافق منافقة ونفاقا، وهو مأخوذ من النافقاء أحد جحرة اليَرْبوع، إذا طُلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه، وقيَل: هو من النَّفق، وهو السربُ الذي يُسْتتر فيه؛ لسَتره كُفْره. ويمكن أن يحمل النفاق في الحديث على معناه الأصليّ في حقّ من كان يتخلف عن الصلوات في زمن الرسول، لأجل بغضهم وعداوتهم، وهم الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهذا هو المنافق الحقيقي. وأما في هذا الزمان: فلا يمكن حمله على معناه الأصلي في حق من يتخلف عن الجماعة؟ لأنه لا يُبْطِن الكفر، بل إنما تخلفه يكون عن كسَل وتهاون، فيطلق علي اسم النفاق باعتبار أنه فَعل فِعْلَ من كان يُنافق، أو باعتبار أنه أظهر خلاف ما في باطنه، لأن في باطنه كان يَعْتقد أن الجماعة من سنن الهدى , ولكنه خالف في الظاهر بتخلفه عنهم كما جاء في الحديث:" أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها "، أراد بالنفاق هاهنا الرياء، لأن كليهما إظهار ما في الباطن. قوله: " وإن الرجل يُهادَى بين الرجلين " أي: يَمْشي بينهما، معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه، وكذا المرأة إذا تمايلت في مشيتها من غير أن يُماشيها أحد قيل: تهادى. ويهادى

هاهنا على صيغة المجهول. وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها، استحب له حضورها. قوله: " ولو تركتم سيئة نبيكم لكفرتم " بمعْنى: أنه يؤول بكم إلى الكفر، بأن تتركوا شيئا شيئا منها حتى تخرجوا من الملة. قلت: يجور أن يكون المراد بالكفر: كفران النعمة، يعني: لو تركتم سُنَن نبيكم كسلاً وتهاونا لكفرتم نعمة الإسلام، وأما إذا تركها جاحداً معاندا فهو كفر بلا خلاف، واحتج به من يقول: إن الصلاة مع الجماعة فرض على الأعيان، وهو محمول على أنهم منافقون، أو هو خرج مخرج الوعيد الشديد لأجل الزجر والتهديد. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. [1/ 188- ب] 533- ص- نا قتيبةُ: نا جرير، عن أبي جَنَابِ، عن مغراء العبْدي / عن عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال رسولَ الله صلي الله عليه وسلم: "مَنْ سَمِعَ المُنَادي فلم يَمْنعْهُ من اتباعه عُذرٌ" قَالوا: وما العُذرُ؟ قال: "خَوفٌ أو مَرض، لم تُقبلْ منه الصلاةُ اَلتَي صلى (1) " (2) . ش- قتيبة: ابن سعيد، وجرير: ابن عبد الحميد. وأبو جناب: يَحْيى بن أبي حية- بالياء آخر الحروف- الكلبي الكوفي، واسم أبي حية: حَي. روى عن: أبيه، ومعاوية بن قرة، وعكرمة، وجماعة آخرين. روى عنه: الثوري، ووكيع، وشريك القاضي، وغيرهم. قال الحاكم: ليس بالقوي. وقال أبو نعيم: لم يكن به بأس إلا أنه كان يدلس. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال ــــــــــــــــ (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: "قالي أبو داود: روى عن مدراء أبو إسحاق". (2) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة (793) .

ابن خراش: كان صدوقا مُدلساً في حديثه نكر [ة] مات سنة خمسين ومائة بالكناسة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . ومَغْراء- بالغين المعجمة- أبو المخارج العبدي النساج، من بني عائد الكوفي. روى عن: عبد الله بن عمر، وعدي بن ثابت. روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، والأعمش، والحسن النخعي، وغيرهم. روى له: أبو داود (2) . وعدي بن ثابت: الأنصاري الكوفي. قوله: "من سمع المُنادي" أي: المؤذن. وهذا الحديث حكمه الزجر والتهديد. وقوله: "لم تقبل لما من قبيل قوله- عليه السلام-: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، والمراد منه: نفي الفضيلة والكمال. والحديث: أخرجه ابن ماجه بنحوه، وإسناده أمثل، وفيه نظر. 534- ص- نا سليمان بن حرب: نا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهْدلة، عن أي رزين، عن ابن أم مكتوم، أنه سألَ النبي- عليه السلام- فقال: نا رسولَ الله، إني رجل ضريرُ البصرِ، شَاسِعُ الدارِ، ولي قائد لا يلاومني (3) فهلْ لي رُخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسْمَعُ النداءَ؟ " قال: نعم، قال: "لا أجِدُ لك رُخصةَ " (4) . ش- أبو رزين: مَسْعود بن مالك. (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31 / 6817) . (2) المصدر السابق (28 / 6120) . (3) في سنن أبي داود: "لا يلائمني". (4) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة (792) . مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: يجب إتيان المسجد لمن سمع النداء (255 / 653) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: المحافظة على الصلوات حيت ينادى (2 / 109) من حديث أبي هريرة.

قوله: " ضرير البَصر" أي: ذاهبُ البصر. قوله: " شاسع الدار" أي: بعيدها؟ الشاسع، والشيسُوع: البعيدُ. قوله: " لا يلاومني " قال الخطابي (1) : " هكذا يروى في الحديث، والصواب: لا يلائمني، أي: لا يُوافقني ولا يُساعدُني. فأما المقاومة: فإنها مفاعلة من اللوْم، وليْس هذا مَوْضعه. وظاهر الحديث يدل على أن الأعمى يجب علي حضور الجماعة إذا سمع النداء، سواء وافقه قائده أو لا. ويدل- أيضاً أن حضور الجماعة واجب، إذ لو كان ندبا لكان أوْلى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعْف. وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدفع الصلاة. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات، سمع النداء أو لم يسمَعْ ". والجواب عن هذا الحديث: أنه مؤول بمعنى: لا رخصة لك إن طلبت فضل الجماعة، وأنك لا تحرز أجْرها مع التخلف عنها بحال، واحتجوا بقوله عليه السلام: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسَبع وعشرين درجة " (2) ، وليس معناه: إيجاب الحضور على الأعمى، فقد رخص - عليه السلام- لعِتبان بن مالك. والحديث أخرجه ابن ماجه. وأخرج مسلم، والنسائي من حديث أبي هريرة قال: " أتى النبي- عليه السلام- رجل أعمى "، فذكر نحوه. 535- ص- نا هارون بن زَيْد بن أبي الزرقاء: لا أميي: نا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابنِ أم مكتومٍ قال: نا رسولَ الله، إن المدينةَ كَثيرةُ الهوام والسباع، فقال النبي- عليه السلام-: لا أتسمع: حَي على الصَلاةِ، حَي على الفلاح؟ فحيًّ هَلا، (3) . (1) معالم السنن (1 / 138) . (2) يأتي بعد أربعة أحاديث. (3) النسائي: كتابا الإمامة، باب: المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن (2/ 109، 110)

ش- هارون بن زيد: ابن يزيد بن أبي الزرقاء الموصلي، سكن الرملة. روى عن: أبيه، ويحيى بن عيسى الرملي. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وقال: صدوق (1) . وأبوه: زيد بن أبي الزرقاء الموصلي. روى عن: هشام بن سعد، وجعفر بن بُرْقان. روى عنه: محمد بن عبد الله العُمري. قال ابن معين: ليس به بأس /. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . [1/189 -أ] وعبد الرحمن بن عابس: ابن ربيعة الكوفي النخعي. سمع: أباه، وابن عباس. روى عنه: الثوري، وشعبة، وقيس بن الربيع. قال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: هو كوفي ثقة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (3) . قوله: "كثيرة الهوام لما الهوام": جمع هامة، وهي الحية وكل ذي سم يقتل، وقيل: دابة الأرض التي تهم بالناس. قوله: "أتسمع؟ " لما الألف فيه للاستفهام. قوله: "فحي هَلا " كلمة حيث واستعجال و" هلا " بالتنوين تجعل نكرة، وأما حي هلال بلا تنوين، فإنما يجور في الوقف، وأما في الإدراج فلغة جدية، يُقال: حي هَلَ- بفتح اللام- مثل خمسة عشر. قلت: فيه ست لغات: حي هلا بالتنوين، الثاني: فتح اللام بلا تنوين، الثالث: تسكين الهاء وفتح اللام بلا تنوين، الرابع: فتح الهاء وسكون اللام، الخامس: حي هلنْ بفتح اللام وسكون النون، السادس: حي هلِنْ بكسر اللام. قال الزجاج: الوجه الخامس: بالنون هو الأول بعينه لأن التنوين والنون سواء. قلت: سواء في اللفظ دون الكتابة. وقد قيل: إن حديث ابن أم مكتوم هذا يحتمل أن يكون في الجمعة لا في الجماعة، وقيل: كان في

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30 / 6511) . (2) المصدر السابق (0 1 /2109) . (3) المصدر السابق (7 1 / 0 386) .

أول الإسلام، وحين الترغيب في الجماعة، وسط الباب على المنافقين في ترك حضورها. وأعل ابنُ القطان حديثَ ابن أم مكتوم فقال: لأن الراوي عنه: أبو رزين، وابن أبي ليلى، فأما أبو رزين: فإنا لا نعلم سِنَهُ، ولكن أكبر ما عنده من الصحابة: علي، وابنُ أم مكتوم قتل بالقادسية زمن عمر. وابن أبي ليلى مولده ست بقين من خلافة عمر. قلت: يمكنُ مناقشته، لأن ابن حبان ذكر أنه كان أكبر سنا من أبي وائل، وأبو وائل قد علم إدراكه لسيدنا رسول الله، فعلى هذا لا تنكر روايته عن ابن أم مكتوم. وقوله " أعلى ما له الرواية عن علي " مردود بروايته الصحيحة عن ابن مسعود، وكذا قوله: "مات بالقادسية " مردود، ذكر ابن حبان في كتاب "الصحابة ": شهد القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها في خلافة عُمر، وقوله:" ما إن سن ابن أبي ليلى لا يقتضي له السماع من عمره" مردود بقول أبي حاتم الرازي وسأله ابنُه: هل سمع عبد الرحمن من بلال؟ فقال: بلال خرج إلى الشام قديمة في خلافة عمر، فإن كان رآه صغيراً فهذا أبو حاتم لم ينكر سماعه من بلال المتوفى سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، بل جوزه، فكيف ينكر من عمر رضي الله عنه؟! ص- قال أبو داود: وكذا رواه القاسم الجَرْمي، عن سفيان (1) . ش- أي: كذا روى هذا الحديث القاسم بن يزيد الجرمي الموصلي عن سفيان الثوري، وروى القاسم عن مالك بن أنسى، وابن أبي ذئب، والمسعودي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حَرب الموصلي، وإبراهيم ابن موسى الرازي، وإسحاق بن إبراهيم الهروي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح. روى له: النسائي (2) .

_ (1) جاء في سنن أبي داود قوله: " ليس في حديثه: حَي هلا ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23 / 4835) .

44- باب: في فضل صلاة الجماعة

والحديث: رواه النسائي. وقال: وقد اختلف على ابن أبي ليلى في هذا الحديث، فرواه بعضهم عنه مُرْسلاً. قلت: ورواه الحاكم في " المستدرك " وصححه. *** 44- بَاب: في فضل صلاة الجماعة أي: هذا باب في بيان فضيلة الصلاة بالجماعة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في نضل صلاة الجماعة "، وفي بعضها: " صلاة الجميع" موضع " الجماعة ". 536- ص- نا حرص بن عمر: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بَصير، أُبي بن أبي كعب قال: صلى بنا رسول الله- عليه السلام- يوما الصبح فقال: " أشاهد فُلانٌ؟ " قالوا: لا. قال: " أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: " إن هاتَينِ الصلاتَيْنِ أثقلُ الصلوات على المنافقينَ، ولو تعلمونَ ما فيهما لأتيتُمُوهُما ولو حبواً على الركَبِ، وان الصفَّ الأوَّلَ على مثلِ صف الملائكةِ، ولو علمتم ما فضيلَتُهُ / لابْتَدَرْتُموه، وأن صلاةَ الرجلِ [1/189- ب] مع الرجلِ أزكَى من صَلاِته وحده، وَصلاته مع الرجلينِ أزْكَى من صلاته مع الرجلِ، وما كثُرَ فهو أحب إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ " (1) . ش- حفص بن عُمر: ابن الحارث البَصْري، وأبو إسحاق: السبِيعي. وعبد الله بن أبي بَصِير. روى عن: أبي بن كعب، وعن: أبيه. روى عنه: أبو إسحاق، ولا نعلم روى عنه غيره. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) .

_ (1) النسائي: كتاب الإمامة، باب: الجماعة إذا كانوا اثنين (2 / 104) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: صلاة العشاء والفجر في جماعة (796) عن عائشة مختصراً (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14 / 3184) .

قوله: "أشاهد فلان؟ " أي: أحاضر مع القوم؟ وارتفاع " شاهد " على أنه مبتدأ. وقوله: " فلان " فاعله سد مسَد الخبر، وقد علم أن الصفة الواقعة بعد حرف الاستفهام أو حَرْف النفي يكون مبتدأ، ولكن لا تتعين الصفة في هذه الصورة للابتداء، وإنما تتعين إذا أسندت إلى التثنية أو الجمْع، نحو: أقائم الزيدان؟ وأقائم الزيدون؟ وأما في هذه الصورة: يجوز أن يكون " فلان " مبتدأ، ويكون " شاهد " خبره مقدماً كما في: أقائم زيد؟ قوله: " إن هاتين الصلاتين " أراد بهما صلاة الصبح والعشاء، وإنما كانتا أثقل الصلوات، لأن كلا منهما مكتنف بوقت النوم والثقالة والكسَل. قوله: " ولو حَبْو "، الحَبْو: حَبْو الصغير على يدَيْه ورجليه. وقال ابن الأثير (1) :" الحَبْو: أن يمشي على يدَيه وركبتَيْه أو إسته، وحَبَا البعير إذا برك ثم زحف من الإِعْياء، وحبا الصبي إذا زحف على إسته " انتهى. والمعنى: لو تعلمون ما في صلاة الصبح والعشاء من الفضل والخير، ثم لم تستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبوا، لحبَوتم إليهما، ولم تُفَوتوا جماعتيهما في المسجد، ففيه الحث البليغ على حضورهما. فإن قلت: بم انتصب حَبْواً؟ قلت: انتصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: ولو كان إتياناً حَبْوا، ويجور أن يكون خبر كان المقدر، والتقدير: ولو كان إتيانكُم حَبْواً. وقوله: "على الركب، متعلق به، وهي جمع رُكبةِ ". قوله: "وإن الصف الأولى على مثل صف الملائكة " كلمة "على " هاهنا للاستعلاء المعنوي، نحو: {وفَضلنا بَعْضَهُم عَلَى بَعض} ، وقد جاء عن سيبويه أنه " على " لا يكون إلا اسما، فيكون المعنَى على هذا: الصف الأول من الجماعة أعلى وأفضل من صف الملائكة.

_ (1) النهاية (1 / 336) .

قوله: " ما فضيلته؟ " أي: فضيلة الصف الأول. قوله: " لابتدرتموه " جواب " لوْ " أي: لسارَعْتم إليه، من الابتدار وهو الإسراع، وهو فعل متعدي، كما يقال: ابتَدَرُوا السلاح، أي: تَسَارعوا إلى أخذه. قوله: " أزكى " يعني: اْبْركُ وأنْمى بمعنى: أكثر ثوابا وفضِيلةً. قوله: " ومَا كثُر " " ما " هاهنا شرطية، فلذلك دخلت الفاء في جوابه، والمعنى: كلما كثر الناسُ فهو أحبّ إلى الله عز وجَل، لأن الجماعة رَحْمة. والحديث: أخرجه النسائي مطولاً وابن ماجه بنحوه مختصراً وقال النووي في " الخلاصة ": إسناده صحيح، إلا أن ابن [أبي] بَصِير سكتوا عنه ولم يضعفه أبو داود. وروى البيهقي معناه من حديث قَبَاث بن أشيم الصحابي، عن النبي- عليه السلام- وهو بضم القاف وفتحها بَعْدها باء موحدة وآخره ثاء مثلثة. 537- ص- نا أحمد بن حنبل: نا إسحاق بن يوسف: نا سفيان، عن أبي سهل- يعني: عثمان بن حكيم-: نا عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن عثمانَ بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن صَلى العشاءَ في جَمَاعة كان كَقِيَام نِصفِ لَيلةٍ، ومَن صَلى العِشاءَ والفَجْرَ في جَمَاعةٍ كَان كقيام لَيلةٍ " (1) ش- إسحاق بن يوسف: ابن مرْداس الأزرَق، أبو محمد الواسطي القرشي المخزومي. سمع: الأعمش، والثوري، وشريكا (2) النخعي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، ويحي بن معين، وغيرهم. قال ابن معين وأحمد العجلي: هو ثقة. وقال

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة (260 / 656) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في جماعة (221) . (2) في الأصل:" شريك ".

أبو حاتم: هو صحيح الحديث، صدوق، لا بأس به. توفي سنة ست وتسعن ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو سَهْل: عثمان بن حكيم بن عبادة بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي المدني ثم الكوفي، أخو حكيم. روى عن: عبد الله بن سَرْجس، وعامر بن سَعْد بن أبي وقاص، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشريك النخعي، وعيسى بن يونس، وغيرهم. قال ابن معين: / ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. روى له الجماعة (2) . وعبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، واسم أبي عروة: عمرو بن محصن. وقال ابن سَعْد: اسمه: بشير بن عمرو بن محصن بن عتيق بن عمرو بن مبذول، وهو عامر بن مالك بن النجار النجاري الأنصاري المدني. سمع: أباه- وله صحبة-، وعثمان بن عفان، وعبادة بن الصامت، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: مجاهد، وعثمان بن حكيم، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. روى له: الجماعة إلا النسائي (3) . والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، ولفظ مسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله"، فحمل بعضهم حديث مسلم على ظاهره، وأن جماعة العتمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة، وجماعة الصبح توازي في فضيلتها قيام ليلة. واللفظ الذي خرجه به أبو داود يُفسره، ويُبين أن المراد بقوله: " ومن صلى الملمح في جماعة فكأنما صلى الليل كله " يعني: ومن صلى الصبح والعشاء، وطرق هذا الحديث كلها مُصرحة بذلك، وأن كلا منهما يقوم مقام نصف ليلة، وأن اجتماعهما يقوم مقام ـــــــــــــــــ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2 / 395) . (2) المصدر السابق (9 1 / 4 0 38) . (3) المصدر السابق (17 / 0 392) .

45- باب: فضل المشي إلى الصلاة

ليلة، ومعناه: فكأنما قام نصف ليلة أو ليلةٍ لم يُصل فيها العتمة والصبح في جماعة، إذ لو صلى ذلك في جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام زائد عليه، وهذا نحو قوله تعالى: (لَيْلَةُ القَدْر خَيْر مِّنْ ألف شَهْرٍ) (1) يعني: من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدرَ. وفيه اختصَاص بعض الصلوات من الفضل بما لا تختمر غيْرها. * * * 45- بَاب: فَضل المشي إلى الصّلاة أي: هذا باب في بيان فضل المشي إلى الصلاة، وفي بعض النسخ: "باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة " (2) . 538- ص- نا مسدّد: نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن ابن مهران، عن عبد الرحمن بن سَعْد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: "الأبعدُ فالأبعدُ من المسجدِ أعظمُ أجراً" (3) . ش- يحيي: القطان، وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن المدني. وعبد الرحمن بن مهران: مولى بني هاشم. روى عن: عبد الرحمن ابن سَعْد، عن أبي هريرة. روى عنه: ابن أبى ذئب. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . وعبد الرحمن بن سَعْد: مولى آل {أبى} سفيان. روى عن: ابن عُمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة. روى عنه: عمرو بن حمزة ابن عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن مهران، وابن أبي ذئب، وكلثوم ابن عمار. روى له: مسلم، وأبو داود (ْ) . ــــــــــــــــــــــــ (1) سورة القدر: (3) . (2) كما في سنن أبي داود. (3) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا (782) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17 / 1 397) . (5) المصدر السابق (17 / 3830) . 3. شرح سنن أبي داود 3

قوله: " الأبعد " مبتدأ، و" فالأبعد " عطف عليه، وخبره: قوله: "أعظم أجراً"، و"أجرا" نصب على التمييز. وإنما كان الأبعد من المسجد أعظم أجرأ، لأنه عند توجهه إليه يحتاج إلى خطوات كثيرة، وقد رُوِيَ: " في كل خطوة: رفع درجة، وحط خطيئة " (1) . والحديث: أخرجه ابن ماجه. 539- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زُهير: نا سليمان التيمي أن أبا عثمان حدثه، عن أيِّ بنِ كعب قال: كان رجل لا أعلمُ أحداً من الناسِ ممن يُصلي القبلةَ من أهلِ المَدينة أبًعدَ مَنزلاً من ذلك الرجلِ (2) ، وكان لا تُخطئُهُ صَلاة في المسجد فقلَت: ولو (3) اشتريتَ حمارا تركبُهُ في الرَّمْضَاء والظلمة؟ فقالَ: ما أحب أن منزلي إلى جنبَ المسجدِ، فنمَى الحديثَُ إلى رسوَل الله فسألَهُ عن قولِه (4) ، فقال: أردت" يا رسولَ الله أن يكْتَبَ لي إقبالي إلي المسجد ورُجُوعِي إلى أَهْلِي إذا رَجعتُ فقال: " أعطًاكَ اللهُ ذَلك كُله، أنطاك اللهُ ما احتسبتَ كُله أَجْمعَ" (5) . ش- زهير: ابن معاوية بن حُديج، وسليمان: ابن طرفان، أبو المعتمر التيمي. وأبو عثمان هذا: هو عبد الرحمن بن مَل- بفتح الميم وكسرها- بن عمرو بن عدي، أبو عثمان النهْدي الكوفي، سكن البصرة، وأسلم على عهد النبي- عليه السلام- ولم يلقه، وصدق إليه. وسمع: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وغيرهم. روى ــــــــــــــــــــ (1) يأتي بعد حديثين. (2) في سنن أبي داود: " أبعدَ منزلا من المسجد من ذلك الرجل". (3) كذا، وفي سنن أبي داود: " لو". (4) في سنن أبي داود: " قوله ذلك". (5) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطى إلى المساجد (663) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا (783) .

عنه: أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وقتادة، وغيرهم. وقال أبو زرعة: بصري ثقة. وقال أبو حاتم: كان ثقة وكان عريف قومه. مات سنة / خمس وتسعين، وله نحو من مائة وثلاثين [11 / 190 - ب] سنةً. روى له الجماعة (1) . قوله: "كان رجل" "كان" تامة بمعنى: وُجد. قوله:"أبعد منزلا" "أبعد " منصوب على أنه صفة لقوله: "لا أعلم أحداً " و "منزلاً " منصوب على التمييز. قوله: في "الرمضاء" " الرمضاء": الرمْل الحارة، من الرمض، وهو شده وقع الشمس على الرمْل وغيره، والأرض رمضاء، وقد رمض يومُنا - بالكسْر- يرمَض رمضاً: اشتد حرة، ورمضَتْ قدمُه من الرمضَاء أي: احترقت، ومنه اشتقاق الرمضان. قوله: "ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد " المعنى: ما الحب أن يكون منزلي قريبا من المسجد، بل أحب أن يكون بعيدا منه، ليكثر ثوابي بكثرة خُطاي إليه. فإن قلت: "إلى " هاهنا ما معناه؟ قلت: الظاهرُ: انه بمعنى: "عنْد" أيْ: عند جَنْب المسجد كما في قول الشاعر: أم لا سبيل إلى الشبَاب وذكرهُ ... أشْهى إليكَ من الرحيق السلْسلِ ويجوز أن يكون بمعنى انتهاء الغاية المكانية، والمعنى: ما أُحب انتهاء منزلي إلى المسْجد. قوله: " فنمى الحديثُ إلى رسول الله لما أي: بلغ الخبر إلى رسول الله، يقال: نَميْتُ الحديث أنْميه: إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة، قلت: نميته- بالتشديد. قلتُ: نمى مخففا لازم ومتعد كما رأيته لازماً في الحديث، ومتعديا في ــــــــــــــــــ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17 / 3968) .

قولك: نميْتُ الحديثَ، ويجوز أن يكون لا نمى " في الحديث- أيضاً متعدياً ويكون "أبي " فاعله، ويكون "الحديث " منصوبا على المفعولية. قوله: " فسأله عن ذلك " أي: سأل رسول الله- عليه السلام- ذلك الرجل عن مقالته. قوله: "أَنْطاك " أي: أعطاك، وهي لغة أهل اليمن في "أعطى " وقرئ: "إِنَّا أنطينَاكَ الكَوثَرَ ". قوله: "ما احتسبتَ" من الاحْتساب، والاحتساب من الحسَب كالاعتداد من العد، وهو الطلب لوجه الله تعالى وثوابه، وإنما قيل لمن يَنْوي بعمله وجه الله احتسَبه، لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه مُعْتدّ به، والاحتساب في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدارُ إلى طلب الأجْر، وتحصيله بالتسليم والصَبْر، أو باستعمال أنواع البر، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبا للثواب المرجو منها. قوله: " كله أجمع" كلاهما من ألفاظ التأكيد، وقد عرفت أن التأكيد على نوعين: لفظي ومعنوي، فاللفظي تأكيد اللفظ الأول، كما تقول: جاءني زيد زيد، والمعنوي بألفاظ محفوظة، وهي: النفس، والعين، وكلا، وكل، وأجمع، وأكتع، وأبتع، وأبضع، ولا يؤكد بكل وأجمع إلا ذو أجزاء حسا أو حكما، نحو: جاءني القوم كلهم أجمعون، واشتريتُ العبد كله أجمع. والحديث: أخرجه مسلم، وابن ماجه بمعناه. 540- ص- نا أبو توبة: نا الهيثم بن حُميد، عن يحي بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي ثمامة أن رسول الله قال: "مَنْ خرجَ من بَيْته مُتطهراً إلى صلاة مكتُوبة فأجْرُه كأجْرِ الحاج المُحْرِم، ومَنْ خرج إلى تسَبَيح الضُّحَى لا يُنصِبُه ألا أيام، فأجرُهُ كأجر المعتمر، وصلاة على اثر صلاةٍ لا لَغْوَ بينهما كتاب في عِليين" (1) .ً ـــــــــــــــــ (1) تفرد به أبو داود.

ش- أبو توبة: الربيع بن نافع الحلبي، والهيثم بن حميد: الدمشقي. ويحيي بن الحارث: الذماري، أبو عمرو الغساني المقرئ، قارئ أهل الشام، إمام جامع دمشق، أدرك واثلة بن الأسقع وقرأ عليه وعلى عبد الله بن عامر المقرئ. وروى عن: أبي الأزهر المغيرة بن فروة، والقاسم أبي عبد الرحمن، وأبي الأشعث الصنعاني. روى عنه: يحيى ابن حمزة وإسماعيل بن عياش، والهيثم بن حميد، وغيرهم. قال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو حاتم: كان ثقة عالما بالقراءة في دهره بدمشق. مات وهو ابن تسعين سنةً سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي الدمشقي الأموي مولى خالد بن يزيد بن معاوية. وقال الطبراني: مولى معاوية بن أبي سفيان. روى عن: علي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي، وابن مسعود. / وسمع: أبا أسامة الباهلي. روى [1/91- أ] عنه: العلاء بن الحارث، وثابت بن عجلان، ويحيى بن الحارث، وغيرهم. وقال الترمذي: هو ثقة. وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه: مستقيم، وإنما ينكر عنه الضعفاء. توفي سنة ثنتي عشرة ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأبو ثمامة: الباهلي. قوله: " متطهراً " حال من الضمير الذي في " خرج ". وقوله: " إلى صلاة " متعلق بقوله: " خرج ". قوله: " فأجرُه " خبر لقوله: " مَنْ " ودخل الفاء فيه لِيُضَمنَ المبتدأ معنى الشرط.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31 /6803) . (2) المصدر السابق (23 / 4800) .

قوله: " إلى تَسْبيح الضحى، أي: صلاة الضحى، ويطلق التسبيح على الصلاة النافلة لوجود معنى النفل في كل منهما. قوله: " لا ينصِبه إلا إياه " يعني: لا يُزعجه ولا يُتْعبُه إلا ذلك , وأصله من النَصَب، وهو مُعاناة المشقة، يُقال: أنْصبني هذا الأمرُ، وهو أمر مُنْصِب، ويُقال: أمر ناصب أي: ذو نَصَبٍ، وقوله: لا إياها وقع موقع الضمير المرفوع، والمعنَى: إلا هُو. قوله: " وصلاة على إثر صلاة " أي: صلاة عقيب صلاة، والأثر- بفتح الهمزة والثاء، وبكسر الَهمزة وسكون الثاء- كلاهما بمعنى. وارتفاع " صلاة " على أنه مبتدأ، ولا يقال: إنه نكرة، لأنها تخصصت بقوله: " على إثر صلاةٍ " وخبره: قوله: " كتاب في عليين ". قوله: " لا لغو بينهما " أي: بين الصلاتين، واللَّغْوُ: الباطلُ، من لغة الإنسانُ يَلغو، ولغا يلغي ولغي يلغا إذا تكلّم بالمُطرح من القول وما لا يَعْني، ويجوز أن تكون " لا " لنفي الجنس، ويكون " لغوَ " مبنيا على الفتح، نحو: لا رجلَ في الدار، ويجوز أن تكون بمعنى " ليس "، ويكون " لغو " مرفوعا على أنه اسم " ليس " وخبره: قوله: " بينهما". فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: وقعت في المعنى صفة كاشفة للصلاة، لأن الصلاة التي تكتب في عليين موصوفة بشيئين، الأول: أن تكون مكتنفة بصلاة أخرى، والثاني: أن لا يكون بينهما لغو وأباطيل من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك. قوله: " كتاب في عليين " أي: مكتوب فيها كالحساب بمعنى المحسوب، قال الله تعالى: " كلا إن كتَابَ الأبْرَارِ (1) لَفِي علَيينَ * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم " (2) وعليّون جمع، واحدة: علي، مشتق من الَعُلو، وهو للمبالغة، ويُقال: جُمعَت كجمع الرجالَ إذ لا واحد لها ولا تثنية. وقال الفراء: اسم موضع عَلى صيغته كعشرين وثلاثة. وقال

_ - (1) في الأصل: "الأبرار" (2) سورة المطففين (18- 20) .

ابن مالك: عليون اسبق لأعلى الجنة، كأنه في الأصل " فعال " من العلو، فجُمع جمعَ ما يُعقلُ، وسُمي به أعلى الجنة، وله نظائرُ من (1) أسماء الأمكنة، نحو: صريفون، وصفون، ونصيبون، وسَلحون، وقنسرون، ويَبْرون، ودارون، وفلسطون. وقال ابن زيد: هي السماء السابعة. وقال قتاده: إليها ينتهي أرواح المؤمنة. وقال كعب: هي قائمة العرش اليمنى. وقال للضحاك: هي سدرة المنتهى. وقيل: لوح من زبرجدة خضراء، مُعلق تحت العرش فيها أعمالهم. 541- ص- نا مسدد: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاةُ الرجلِ في جَماعة تَزيدُ على صَلاته في بَيْته وصلاتهِ في سُوقه خمساً وعشرينَ درجةَ، وذلك بَأنَ أحَدَكُم إذا تَوَضَأ فأحًسنَ الوضوءَ، وَأتَى المسجد لا يُريدُ إلا الصلاةَ لا ينهِزُه (2) - يَعني: إلا الصلاةُ (3) - لم يَخطُ خَطوةً إلا رُفِعَ لَهُ بها درجة (4) وحط بها عنه خطِيئة حتى يدخُلَ المسجدَ، فإذا دَخَلَ المسجدَ كان في صلاة ما كانتا الصلاةُ هي تحبسُهُ، والملائكةُ يُصلُّون على أحدكُم ما دامَ في مجلَسه الذي صَلى فيه يقُولَون (5) : اللهم اغفِرْ له، اللهم ارَحَمْه، اللهم تُبْ عليه ما لم يُؤذِ فيه، أو يُحْدِثْ فيه " (6) . ش- " صلاة الرجل": مبتدأ، وخبره: قوله: " تزيدُ ". (1) مكررة في الأصل. (2) كتب في الأصل فوق ياءا ينهزم " ضمة وفتحة، وكتب فوقهما " معاً إشارة إلى جوار الأمرين. (3) في سنن أبي داود: " ولا ينهزه إلا الصلاة". (4) في الأصل: " أو". وفي سنن أبي داود: "وحط عنه بها". (5) في سنن أبي داود: "ويقولون". (6) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق (477) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة (272 / 649) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل الجماعة (216) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: فضل الصلاة في جماعة (786) .

قوله: " وصلاته في سوقه لما عطف على قوله: وصلاته في بيتها والمراد من قوله: أصلاة الرجل في جماعة ": صلاته في جماعة في مسجدِ، بقرينة قوله: ستزيد على صلاته في بَيْته ". 11 / 91 أصب، وأما قوله: / " وصلاته في سوقه " في الظاهر أعم من أن يكون منفرداً أو بجماعة، ولكن لا يمكن أن يجري على عمومه؟ لأنا قد قلنا: إن المراد من قوله: وصلاة الرجل في جماعة " في مسجد، فيكون مقابلات للصلاة في بَيْته والصلاة في سوقه، ولا تصح المقابلة إلا إذا كان المراد من صلاته في سوقه أن يكون منفرداًت، وإلا يلزم أن يكون نسيم الشيء قسما منه، وهو باطل، ويكون هذا خارجا مخرج الغالب، لأن من لم يحضر الجماعة في المسجد يصلي منفرداً سواء كان في بيْته أو سوقه. وقد قيل: إن قوله: ووصلاته في سوقها على عمومه، ولكن تفضل صلاة الرجل في جماعة المسجد على صلاته في سوقه، وإن كان بجماعة باعتبار أن الأسواق مواضع الشياطين كالحمام، فتكون الصلاة فيها ناقصةَ الرتبة كالصلاة في المواضع المكروهة. قلنا: هذا لا يطرد في البيوت، لأنا قلنا: إن قوله: وصلاة الرجل في جماعة " مقابل للصلاة في بيته والصلاة في سوقه، فيَنْبغي أن يتساويا في التقابل. وفيما قاله هذا القائل لا يتساوى التقابل، فلا يصح الإجراء على العموم، على أنهم لم يذكروا السوق في الأماكن المكروهة للصلاة، فافهم. قوله: " خمساً وعشرين درجةَ " نصب على أنه مفعول لقوله: "تزيدُ " نحوُ قولك: زدتُ علي عشرة ونحوها. وقد جاء في رواية:"بخمسة وعشرين جزءاً "، وفي رواية:، بسبع وعشرين درجةَ،، والجمع بين ذلك من ثلاثة أوجه، الأحول: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، فلا منافاة بينهما، والثاني: أن يكون أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه بزيادة الفضل فأخبر بها، الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلّين والصلاة، فيكون لبعضهم: خمْسٌ وعشرون، ولبعضهم: سبع وعشرون، بحسب

كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وشرف البقعة، ونحو ذلك. وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا ليس بصحيح، لأن في " الصحيحين ": (سبعاً وعشرين درجة " و "خمساً وعشرين درجة "، فاختلف القدرُ مع اتحاد لفظ الدرجة. والجواب عن تنصيص هذا العدد قد ذكرتُه في الكتاب مستوفًى. قوله: " وذلك بأن أحدكم " تعليل للحكم السابق بأنه لا يَحْصل إلا بأمُور هي علة لحصول تلك الفضيلة وهي: الوضوء، والإحسان فيه، والمشي إلى المسجد لأجل الصلاة، كما بينه بقوله: " إذا توضأ فأحسن الوضوء " أي: أسبغه، وأتى بشرائطه وآدابه، وأتى المسجد، أي: مسْجد الجماعة، لا يُريد إلا الصلاة؟ لأن الأعمال بالنيات، حتى إذا أتى المسجد لا لأجل الصلاة، بل لأجل حاجة لا تحصل له تلك الفضيلة، لأن الحكم يترتب على وجود العلة، فمتى انتفت العلة انتفى المعلول. قوله: لا لا ينهزُه، أي: لا يَبْعثه ولا يُشْخصه إلا ذلك، ومنه: انتظار الفرصة، وهو الانبعاث لها والمبادرة. وينهزه- بفتح الياء- من نهز الرجل نهض، وضبطه بعضهم بضم الياء، وقيل: إنها لغة. قوله: " إلا الصلاة" مرفوع لأنه فاعل لقوله:"لا ينهزم ". قوله: " خطوةً"- بفتح الخاء- لأن المراد بها: فعل الماشي. قوله: " بها " أي: بمقابلة تلك الخطوة. قوله: "حتى يدخل المسجد" أي: إلى أن يدخل المسجد. قوله: " ما كانت الصلاة هي تحبسُه " أي: تَمْنعه عن الخروج، وفي بعض الرواية:" هي " ليْست بموجودةِ، وهذا يسمى ضمير الفصل والعماد، لأنه يفصل بين كون ما بعده خبرا وصفةً، وسمي عمادا لكونه عمدة بيان الغرض، فالأول للبصريين، والثاني للكوفيين. وكلمة "ما " بمعنى المدة، والتقدير: كان في حكم الصلاة مدة حَبس الصلاة إياه. قوله: " يصلون" أي: يَسْتغفرون لكم.

11 / 192- قوله: " يقولون لما بدل عن قوله: " يصلون "، وتفسير لمعنى قوله: "يصلون "، ولذلك ترك العاطف. قوله: " ما لم يُؤذ فيه لما أي: ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحداً بقوله أو فعله من الإيذاء. وقوله: " أو يحدثك عطف علي، فلذلك جزم، من الأحداًث بمعنى الحدث، لا من / التحديث، وقد مرّ مثله مرةً. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بنحوه. 542- ص- نا محمد بن عيسى: نا أبو معاوية، عن هلال بن ميمون، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاةُ في الجَماعةِ (1) تعدلُ خمساً وعِشرينَ صلاةً، فإذا صَلاهَا في فَلاةٍ، فأتَم رُكُوعَهَا، وَسُجودها، بلغَتْ خمسينَ صلاةَ " (2) . ش- محمد بن عيسى: الطباع، وأبو معاوية: الضرير، وهلال بن ميمون: الجُهني الرملي. قوله: (تَعْدلُ " بمعنى تعادل أي: تُماثل، من العِفل- بكسر العين- وهو ما عادل الشَيء من جنسه، وبالفتح: ما عادل من غير جنْسه. قوله: وفي فلاةِ " الفلاة: السفارة، والجمع: فعلاً. قوله: " فأتم" إتمام الركوع والسجود، وهو الطمأنينة فيهما والإتيان بتَسْبيحاتهما. قوله: أبلغت خمسة صلاةَ " أي: بلغت صلاته تلك خمسين صلاة، والمعني: يحصلُ له أجر خمسين صلاة، وذلك ضعف ما يحصل له في الصلاة في الجماعة. وأخرجه ابن ماجه مختصراً (1) في سنن أبي داود: وجماعة،. (2) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: فضل الصلح في جماعة ألمه 7) مختصراً

ص- قال أبو داود: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديثِ: " صَلاةُ الرجلِ في الفَلاةِ تُضَاعَفُ على صلاِتهِ في الجَمَاعةِ لما وسَاقَ الحديثَ. ش- عبد الواحد بن زياد: أبو بشر البصري العبدي. وأخرج أبو بكر ابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " صلاة الرجل في جماعة تزيدُ على صلاته وحده خمساً وعشرين درجةً، وإن صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها وسجودها، بلغت صلاته خمسين درجةً ". 543- ص- نا (1) يحي بن معين: نا أبو عُبيدة الحداد: نا إسماعيل أبو سليمان الكمال، عن عبد الله بن أوْس، عن بريدة، عن النبي- عليه السلام- قال: "بشر المَشَّائينَ في الظلم إلى المَساجدِ بالنورِ التام يومَ القيامةِ " (2) . ش- أبو عُبيدة: عبد الواحد بن واصل السَّدُوسي مولاهم البصري أبو عبيدة الحداد. سمع: شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وإسرائيل بن يونس وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وزهير بن حرب، وغيرهم. قال أبو داود: ثقة. توفي سنة تسعين ومائة. روى له: البخاري، وأبو ما ود، والنسائي (3) . وإسماعيلُ بن سليمان الكحال: أبو سليمان البصري الضبي، ويُقال: اليَشكري. سمع: ثابتا البناني، وعبد الله بن أوْس الخزاعي. روى عنه: أبو عُبيدة الحداد، والنضر بن جميل، ويحيي بن كثير، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي (4) . (1) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت "باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلام". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (223) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/ 3593) . (4) المصدر السابق (3 / 451) .

46- باب: الهدئ في المشي إلى الصلاة

وعبد الله بن أوْس: الخزاعي. روى عن: بريدة، روى عنه: إسماعيل بن سليمان. روى له: أبو داود، والترمذي (1) . وبريدة: ابن الحُصَيْب. قوله: " بَشر المَشائين " البشارة: الإخبار بما يُظهر سرور المخبَر به، ومن ثم قالت الفقهاء: إذا قال الرجل لعَبيده: أيكم بشّرني بقدوم فلان فهو حر، فبَشّروه فرادى عتق أولهم، لأنه هو الذي أظهر سُروره بخبره دون الباقي، ولو قال مكان " بشرني ": " أخبرني " عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً اْخبروه. ومنه " البشرة " لظاهر الجلد، وتباشير الصباح: ما ظهر من أوائل ضوئه. المشائين: جمع مشاء، مبالغة ماشي، وصيغة التفعيل إما لتكثير الفعل نحو طَوّفتُ، أو لتكثير الفاعل نحو: مَوّت الحيوان إذا كثر فيها الموتُ، ومَوّت المال أي: مات أعداد كثيرة من المال، والمال: هو الحيوان، أو لتكثير المفعول، وهو إنما يكون إذا كان الفاعل وأحداً ومفعولاته كثيرةً ولفظ الفعل وأحداً، كقولك: قطعت الثياب، أي: قطعت ثيابا كثيرةً، وغلقت الأبواب، أي: أغلقت أبوابا كثيرةً. والمراد هاهنا من هذه الصيغة: تكثير الفعل، وهو الذي يكثر مَشْيَه إلى المساجد في الظلم، والظلم - بضم الظاء وفتح اللام- جمع ظُلْمة. وفيه حث وتحضيض- في كثرة السَّعْي إلى المساجد في ظلمات الليالي، وبشارة أن جزاءه يوم القيامة: نور دائم حيث يموج الناس في الظلمات. والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وقال الدارقطني: تفرد به إسماعيل بن سليمان، عن عبد الله بن أوس. * * * [1/192 -ب] / 46- بَابُ: الهَدْئ في المَشْي إلَى الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان الهدي في المشي إلى الصلاة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الهدي " (2) ، وفي بعضها: " باب الهُدوء ".

_ (1) المصدر السابق (14 / 3170) . (2) كما في سنن أبي داود.

الْهُدُوء والهدف: كلاهما بالهمز في آخره: السكون والوقار، من هدأ يهدأ هَدْأةً وهدوءا وهَدْياً. 544- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري أن عبد الملك بن عَمرو حدثهم، عن داود بن قَيْس قال: حدثني سَعْد بن إسحاق قال: حدَّثني أبو ثمامةَ الحَناطُ، أن كعبَ بنَ عُجرةَ أدركَهُ وهو يُريدُ المسجدَ، أدْركَ أحدُهما صاحبَه، قال: فوجَدني وأنا مُشبِّك بيديَّ فنهانِي عن ذلك وقال: إن رسولَ الله قال: " إذَا تَوضأ أحدُكُم، فأحْسنَ وُضوءَه، ثم خَرَجَ عامدا إلى المسجدِ، فَلا يُشبكَنَّ يديه فإنه في صَلاةٍ " (1) . ش- عبد الملك بن عَمرو: أبو عامر العقدي. وداود بن قيس: الفراء أبو اليمن الدباغ المدني القرشي مولاهم. سمع: السائب بن يزيد، ونافعا مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وغيرهم. روى عنه: ابنه: سليمان، والثوري، ويحيى القطان، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. قال الشافعي: هو ثقة حافظ، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات بالمدينة. روى له: الجماعة إلا البخاري (2) . وسَعْد بن إسحاق: ابن كعب بن عجرة الأنصاري السالمي. روى عن: أبيه، وعمته: زينب بنت كعب. روى عنه: الزهري، ومالك، والثوري، ويحيى القطان، وغيرهم. قال ابن معين والدارقطني: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وأبو ثمامة: القماح الحناط، روى عن: كعب بن عجرة، روى عنه: سعيد بن أبي سعيد المقبري، حديثه في أهل الحجاز. قال عباس:

_ (1) الترمذي: كتاب المواقيت، باب: ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (386) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يكره في الصلاة (967) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 / 1781) . (3) المصدر السابق (10 / 2201) .

قلت ليحيى: ما القماح؟ قال: يَبيعُ القمح، وقال الدارقطني: أبو ثمامة الحنان ويقال: القماح، لا يُعرف، يُترك. روى له: أبو داود، والترمذي (1) . وكعب بن عجرة: ابن أمية بن عدي بن عُبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم أبو محمد، أو أبو عبد الله، أو أبو إسحاق، شهد بيعة الرضوان. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- سبعة وأربعون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بأحْرف. روى عنه: بنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع- بنو كعب-، وابن عُمر، وابن عباس، وابن عَمرو، وجابر بن عبد الله، وطارق بن شهاب، والشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم. مات بالمدينة سنة اثنتين وخمسين، وله خمس وسبعون سنه. روى له الجماعة (2) . قوله: " وهو يريد " الواو فيه للحال. قوله: " مشبك بيدي " من تشبيك اليد , وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض والاشتباك بها، وقد يفعله بعض الناس عَبثا، وبعضهم ليُفرقع أصابعه عندما يجد من التمدد فيها، وربما قعدَ الإِنسَان فشتكَ بين أصابعه، احتبى بيدَيْه، يريدُ به الاستراحة، وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سببا لانتقاض طهره، فقيل لمن تطهر وخرج متوجها إلى الصلاة: لا تشبك بين أصابعك، لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها، لا يلائم شي، منها الصلاة، ولا يشاكل حال المُصلي. قوله: " فإنه في صلاة " أي: في حكم صلاة، لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه. والحديث: أخرجه الترمذي من حديث سعيد المقبري، عن رجل غير

_ (1) المصدر السابق (33 / 7272) (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 / 291) ، وأسد الغابة (4 / 481) ، والإصابة (3 / 2197) .

مسمى، عن كعب بن عجرة. وأخرجه ابن ماجه من حديث المقبري، عن كعب بن عجرة , ولم يذكر الرجل. 545- ص- نا محمد بن معاذ بن عبّاد العَنْبري: نا أبو عوانة، عن يعلى ابن عطاء، عن معبد بن هُرمزِ، عن سعيد بن المسيّب قال: حَضَرَ رجلاً من الأنصارِ الموتُ فقال: إني محدثكُم حديثاً ما أحَدثكُمُوه إلا احتِسَاباً: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: " إذا تَوضأ أحدُكُم، فأحسنَ الوُضوءَ، ثم خرجِ إلى الصلاة، لم يَرفعْ قَدَمَهُ اليُمْنَى إلا كَتَبَ اللهُ له حَسَنةً، ولم يَضَعْ قَدمه اليُسْرى إلام حَطَّ اللهُ عنه سيئةَ، فليُقَرِّبْ (1) أو ليُبعِّدْ، فإن أتى المسجدَ، فصلَّى في جماعة كُفرَ له، فإن أتى المسجدَ وقد صفَوا بعضا وبَقِيَ بعضٌ صَلَّى ما أدركَ، فًأتمَّ (2) ما بَقِيَ كان كذلك، / فإن أتى المسجدَ وقد صلَّوا [ا /93- أ] فأتمَّ الصلاةَ كان كذلك " (3) . ش- أبو عوانة: الوضاح، ويَعْلى بن عطاء: القرشي الطائفي. ومَعْبد بن هرمز: روى عن: ابن المسيّب، روى له: أبو داود. قوله: " حضر رجلاً " انتصاب " رجلاً " على المفعولية و" الموتُ " مرفوع لأنه فاعل حضر. قوله: " إلا احْتساباً لما أي: طلبا لوجه الله وثوابه. قوله:" فليُقرب أو ليبعد " كلاهما من باب التفعيل، يعني: فليُقرب قدمه اليمنى من قدمه اليُسْرى إن أراد كثرة الحسنات، وكثرة حط السيئات، لأن ذلك بحسب عدد الخُطَى، أو ليُبعد بَيْنهما إن لم يُردْ ذلك. وهذا الأمرُ للإباحة، وكلمة " أوْ " وإن كانت للتخيير، ولكن ليس هو مرادا في هذا الموضع، بل المراد: تقريب الخُطى ليس إلا، لأن هذا حث وتحريض على تحصيل مثل هذه الفضيلة، وذلك لا يحصل بالتخيير. وقوله: " أو ليُبعّد " وإن كان أمراً في الظاهر، ولكن المعنى على النَهْي,

_ (1) في سنن أبي داود " فليقرب أحدكم ". (2) في سنن أبي داود: " وأتم ". (3) تفرد به أبو داود

47- باب: فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها

ومثل هذا من باب المبالغة، كما يقول الرجل لابنه وهو يتمرد عليه: لا تسمع كلامي، وليس مراده أن لا يسمع كلامه، وإنما هو نهي شفقة حتى يرتدع مما هو فيه ويمتثل كلامه. قوله: " صلى ما أدرك " أي: ما أدرك من الصلاة مع الجماعة ركعةً أو ركعتين أو ثلاثاً، ثم أتم ما بقي عليه، وهذا حكم المَسْبوق. قوله: " كان كذلك " يعني: كان الأمر كما كان عند انتهائه إلى تمام الصلاة مع الجماعة, لأنه يشاركهم في صلاتهم، فدخل في حكمهم من الغفران. قوله: " فإن أتى المسجد وقد صلّوا " أي: والحال أن الجماعة قد صلّوا الصلاة ولم يدركهم معهم في جزء من الصلاة، فأتم هو الصلاة، كان الأمر كما كان في الصورتين- يعني: غفر له- أيضاً-، لأن الأعمال بالنيات، وقد كانت نيته أن يصلي معهم، فغفر له بذلك، لئلا يخيب في سَعْيه ذلك. ومناسبة هذا الحديث بالباب في قوله: " فليقرب " لأن تقريب الخطى هو المشي بالهُدو. * ** 47- بَاب: فيمَنْ خَرج يُريدُ الصّلاة فسُبِق بها أي: هذا باب في بيان من خرج من بيْته وهو يريد الصلاة مع الجماعة فسُبق بها، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمنْ خرج ". 546- ص- نا القعنبيّ- نا عبد العزيز- يعني: ابن محمد-، عن محمد- يعني: ابن طَحلاء-، عن محصن بن علي، عن عوف بنِ الحارث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تَوضأ فأحسن وُضوءَهُ، ثم راح فوجَدَ الناسَ قد صَفوا، أعطَاهُ اللهُ عز وجَلَّ مثلَ أجْر من " صلاهَا وحَضَرَهَا، لا ينقصُ ذلك من أجُورِهِم شيئا " (1) .

_ (1) النسائي: كتاب الإمامة، باب: حد إدراك الجماعة (2 / 111) .

ش- عبد الله بن مسلمة: القعنبي، وعبد العزيز: ابن محمد االدراوردي. ومحمد: ابن طحلاء المَديني، وكنية طحلاء: أبو صالح. روى عن: محصن بن عليّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، والأعرج. روى عنه: الدراوردي، ومحمد بن جعفر، وموسى بن عبيدة، وابنه: يَعْقوب. قال أبو حاتم: ليس به بأس. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . ومُحْصِن بن علي: الفهري المديني. روى عن: عوف بن الحارث. روى عنه: عمرو بن أبي عمرو، ومحمد بن طحلاء. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . وعوف بن الحارث: ابن الطفيل بن سخبرةَ بن جُرثُومة، من أهل اليمن. روى عن: ابن الزُّبير، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة. روى عنه: عامر بن عبد الله بن الزبير، والزهري، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ومحمد بن عبد الرحمن. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، والبخاري وابن ماجه (3) . قوله: " قد صلوا " جملة وقعت حالاً، من الناس. قوله: " مثل أجر " انتصاب "مثل " على أنه صفة لأجر مقدر، تقديره: أعطاه الله أجرأ مثل أجر من صلاها. قوله: " لا ينقص ذلك " أي: أجره الذي أعطاه الله، لا ينقص من أجور الجماعة الذين قد صلوا شيئاً. وفيه: حث- أيضاً على الاجتهاد في الصلاة بالجماعة. وأخرجه النسائي- أيضاً * * *

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25 / 5308) . (2) المصدر السابق (27 / 5808) 0 (3) المصدر السابق (22 / 4546) . 4. شرح سنن أبي داود 3

48- باب: في خروج النساء إلى المسجد

48- بَاب: في خروج النساء إلى المَسجد أي: هذا باب في بيان خروج النساء إلى المساجد لأجل الصلاة فيها، وفي بعض النسخ:" باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد "، (1) . 547- ص- نا موسى بن إسماعيل / [1/ 193 - ب] : نا حماد، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هرِيرِة أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " قال: " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ الله، ولكن لِيَخْرجْن وهُن تَفِلات " (2) . ش- حماد: ابن سلمة، ومحمد بن عمرو: ابن علقمة بن وقاص المدني، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " لا تمنعوا إماء الله " الإماء- بكسر الهمزة وبالمد- جمع أمةٍ، وأصل أمةٍ: أموة- بالتحريك- قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت فصار " أمة ". و " مساجد الله، منصوب لأن " منع " يتعدى إلى مفعولين، تقول: منعتُه مالَه. قوله: " وهن تفلات " جملة اسمية وقعت حالاً، والتفلات: جمع تَفلة- بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء- من التفْل، وهو سوء الرَائحة، يقال: أمرأة تفلة إذا لم تَطيب، ونساء تفِلاتْ، وفي الحديث: مَن الحاج؟ قال: " الشعِث التفلُ،، التفلُ: الذي قد ترك استعمال الطيب، يقال: رجل تفِلْ وامرأةَ تفلة ومِتْفال. ف قيل: لم قال: " لا تمنعوا إماء الله " ولم يقل: " لا تمنعوا نساءكم" 3 قلت: لأنه لما قال مساجد الله راعى المناسبة فقال: إماء الله، وهو أوقع في النفس من لفظ النساء. ثم حكم هذا الباب مختلف فيه بين العلماء، فعند أبي حنيفة: تخرج العجائز لغير الظهر والعصر، لأن وقتهما وقت انتشار الفُساق، وربما تكاد ترغب فتقع في الفتنة بخلاف المغرب، لأنه وقت الطعام، والعشاء -------------------------- (1) كما في سنن أبي داود. (2) تفرد به أبو داود.

والصبح لأنه وقت نومهم. وقال أبو يوسف ومحمد: يخرجن في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. والحديث المذكور عام في حق الشواب والعجائز، ولكن الفقهاء خصصوه في حق العجائز، لأن الشواب لا يؤمن عليهن من الفتنة، ولهذا منع أبو حنيفة العجائز- أيضاً- عن الخروج إلى الظهرين لذلك المعنى. على أنه قد روي عن عائشة رضي الله عنها - قالت: " لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المسجد " الحديث (1) لما يجئ الآن، والفتوى في هذا الزمان على عدم الخروج في حق الكل مطلقا، لشيوع الفساد، وعموم المصيبة، وشرطوا - أيضاً- أمورا كثيرة وهي: أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يُسْمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، وأن لا يكون في الطريق مَنْ يُفْتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها. 548- ص- نا سليمان بن حَرْب: نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ " (2) . ش- حماد: ابن سلمي، وأيوب: السختياني، ونافع: مولى ابن عمر. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. 549- ص-[نا] 0، عثمان بن أبي شيبة: نا يزيد بن هارون: أنا العَوام بن حَوْشب: حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ألا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المسجدَ، وبُيُوتُهن خير لَهن " (3) . ش- يزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي. ---------------------------- (1) يأتي بعد ثلاثة أحاديث. (2) البخاري: كتاب الجمعة، باب: حدثنا عبد الله بن محمد (900) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب علي فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة (136/ 442) . (3) تفرد به أبو داود.

والعوام بن حوشب: ابن يزيد بن رويم، أخو يوسف وخراش ومالك وبريدة وثمامة، وطلاب الشيباني الربَعي، أبو عيسى الواسطي، اْسلم جده يزيد على يد علي بن أبي طالب، فوهب له جارية، فولدت له حوشبا، وكان على شرطة علي- رضي الله عنه-. روى عن: حبيب ابن أبي ثابت، وإبراهيم التيمي، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وهُشيم، ويزيد بن هارون، وغيرهم. روى له. الجماعة (1) . وحبيب بن أبي ثابت: هو حبيب بن قيس بن دينار الكوفي. قوله: " وبيوتهن خير لهن " أي من الحضور في المساجد وهذا يدل على أن النهي في الحديث محمول على كراهة التَنْزيه. 550- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: قال النبي- عليه السلام-: " ائْذَنُوا للنساء إلى المساجد بالليلِ " فقال ابن له: والله لا نأذنُ لهن فيتخذنه دَغَلاً، واللْه لاَ نأذنُ لَهن. قَال: فسبهُ وغضبَ وقال (2) : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا ائْذنوا لهند وتقولُ: " لا نَأذنُ لَهن " (3) ؟ !! ش- جرير: ابن عبد الحميد، وأبو معاوية: الضرير، وسليمان: الأعمش، ومجاهد: ابن جبر. [1/ 194 - أ] قوله: " ائذنوا "، أمر من أذن يأذن، وأصله: أخْنوا- بهمزتين- قلبت الهمزة الثانية ياء فصارت ائذنوا ". قوله: " بالليل " أي: في الليل، والمراد منه: حضورهن في المغرب والعشاء والصبح- كما هو مذهب أبي حنيفة. -------------------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4541) . (2) في حق أبي داود:" قال: أقول ". (3) البخاري: كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد، مسلم: كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد له (138 / 442) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء إلى المساجد (570) .

قوله: " فقال ابن له "، أي: لعبد الله، واسمُه: بلال بن عبد الله بن عمر، جاء مثبتا في " صحيح مسلم" وغيْره، وقيل: هو ابنه واقد بن عبد الله، ذكره مسلم في " صحيحه " - أيضاً. أما بلال: فإنه روى عن: أبيه. وروى عنه: ابن هُبيرة، وكعب بن علقمة، وعبد الملك بن فارغ. قال أبو زرعة: مدني ثقة. روى له: مسلم (1) . وأما واقد: ف " نه روى عن: أبيه، وروى عنه: ابنه: محمد بن واقد (2) . قوله: " فيتخذنه دغلاً " أي: يتخذن الحُضور إلى المساجد دغَلا أي: خداعاً وسبباً للفساد، وأصل الدغل: الشجر الملتف الذي يكمنُ فيه أهل الفساد، وهو بفتح الدال المهملة وفتح الغين المعجمة. قوله: " فسَبه وغضب عليه " وفي رواية: " فزَبره " أي: نهره، وفي رواية: " فضرب في صدره "، وفيه تعزير المعترض على السنة، والمعارض لها برأيه، وفيه: تعزير الوالد لولده وإن كان كبيراً. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. 551- ص (3) - نا القعنبي، من مالك، عن يحي بن سعيد، عن عمرة بنْت عبد الرحمن أنها أخبرته من عائشة زوج النبي- عليه السلام- قالت: لو أدرك رسولُ الله ما أحدثَ النساءُ بَغدَهُ (4) لمَنَعَهُن المسجدَ كما مُنعَه نساءُ بني إسْرائيلَ. قالَ يحي: فقلتُ لعَمرةَ: أمُنِعَه نِساءُ بني إسرائيلَ؟ قالَتْ: نعم (5) . ------------------------------ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 784) . (2) المصدر السابق (0 3 / 6667) . (3) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث:" باب في التشديد في ذلك،. (4) كلمة " بعده "، غير موجودة في سنن أبي داود. (5) البخاري: كتاب الأذان، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم (869) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب علي فتنة (144 / 445) .

ش- مالك: ابن أنس، ويحيى بن سعيد: الأنصاري. قوله: " ما أحْدث النساء" يعني: من الزينة والطيب، وحُسن الثياب ونحْو ها. قلت: لو شاهدت عائشة- رضي الله عنها- ما أحدث نساء هذا الزمان من أنوع البدع والمنكرات، لكانت أشد إنكاراً، ولا سيما نساء مصْر، فإنهن أحدثن من البدع ما لا يُوصفُ، منها الشاشاتُ على رءوسهن كأسنمة البُخت، ومنها: القمصان بأكمام واسعة مفرطة، وربما طرق سمْعي من أهل مصر أن واحدة منهن، كانت تفصل قميصا من قريب مائة ذراع من الحرير الملون، ومنها: مشيُهن في الأسواق في ثياب فاخرة، وأنواع طيب فاتحة، مكشوفات الوجوه، مائلات متبخترات، ومنها: ركوبهن على الحمير الفُره، وجريُهن بين الرجال وأكمامهن سابلة من الجانبين، ومنها: ركوبهن على مراكب في نيل مصر وخلجانها مختلطات بالرجال، وبعضهن يغنينَ بأصوات عالية مُطرِبة، ومنها: غلبتهن على الرجال، وقهرهن إياهم، وحكمهن عليهم، ومنها: نساء يَبعن المنكرات بالأجهار، ويُخالطن بالرجال فيها، ومنها: صنف قوادات يفسدن الرجال والنساء، ومنها: صنف بَغايَا قاعدات مترصدات للفساد، ومنه صنف سوارقُ من الدور والحمامات، ومنها: صنف سَواحرُ يَسحرنَ ويَنفثن في العُقَدِ، ومنها: بياعات في الأسواق يتعايطن بالرجال، ومنها: صنف نوائحُ يَنحن على المؤتى بالأجْرة، ومنها: صنف دقاقات ولطامات، يدققن صدورهن، و َيلطمن خُدودهن وراء الموتى بالأجرة، ومنها: صنفٌ مغنيات يغنين بأنواع الملاهي بالأجرة للرجال والنساء، ومنها: صنف خطابات، يَخطُبن للرجال نِساءَ لها أزواج، توقع بينهن وبين أزواجهن فتنة حتى يُطلقن منهم، وغير ذلك من الأصناف الكثيرة الخارجة عن قواعد الشريعة. فانظر إلى ما قالت عائشة من قولها: " لو أدرك رسولُ الله ما أحدث النساء "، وليس بين هذا القول وبن وفاة النبي - عليه السلام- إلا مدة يَسيرة لطيفة؛ على أنهن ما أحدثن عُشَر معشار

ما أحدثت نساء هذا الزمان، ولو كانت هذه النساء في ذلك الزمان لمُنعِن الحياةَ فضلاَ عن أن يمنعن المسجد ونحوه. قوله: " بعده " أي: بعد الرسول، وهو ليس بثابت في الرواية الصحيحة / [1/ 194 - ب] قوله: " كما مُنعَه نساء بني إسرائيل، أي: كما مُنِعَ الحضورَ إلى المساجد نساءُ بني إسَرائيل- وهو بضم الميم وكسر النون-، و" نساء " مرفوع لإسناد الفعل إليه. قوله: " أمُنعه "؟ الألف فيه للاستفهام، والكلام فيه كالكلام في الأول. والحديث: أخرجه البخاري، ومُسلم 552- ص- نا ابن المثنى أن عَمْرو بن عاصم حدثهم قال: نا همام، عن قتادة، عن مرزوق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي- عليه السلام- قال: " صَلاةُ المرأةِ في بيْتِهَا أفضلُ من صلاتِهَا في حُجْرَتِهَا "، و " صلاتها في مُخْدَعِهَا أفضلُ من " صلاِتهَا في بيتِهَا " (1) . ش- محمد: ابن المثنى. وعمرو بن عاصم: ابن عبيد الله بن الوازع، أبو عثمان الكلابي القَيْسي البصري. سمع: جده، وهمام بن يحيى، وحماد بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: ابن بشار، ويعقوب بن سفيان، والبخاري، وروى عن رجل عنه. قال ابن معين: صالح. وقال ابن سعد: ثقة. مات سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة (2) . وهمام: ابن يحيى العَوْذي. ومُورق: ابن مُشَمْرِج، ويقال: ابن عبد الله العجلي، أبو المعتمر الكوفي. روى عن: أبي ذر، وابن عباس. وسمع: ابن عمر، وابن جَعفر، وأنس بن مالك، وأبا الأحول، وغيرهم. روى أعنه، ----------------------- (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 0 439) .

مجاهد، وقتادة، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال ابن سَعْد: كان ثقا. توفي في ولاية عمر بن هبيرة على العراق. روى له الجماعة (1) . وأبو الأحْوص: عوف بن مالك البجلي. قوله: " في مُخدعها " المخدع: الخرابة، وفيه ثلاث لغات: ضم الميم وفتحها وكسْرها. وقال ابن الأثير (2) : " المُخدع ": هو البيْت الصغير الذي يكون داخل البيْت الكبير ". وإنما كانت صلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ومن صلاتها في حجرتها، لأنها أستر لها، وأمنع لها من نظر الناس، ومَبْني حالهن على الستر ما أمكن. 553- ص- نا أبو معمر: نا عبد الوارث: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله: " لو تَرَكْنَا هذا البابَ للنساءِ؟ " قال نافع: فلم يدخلْ منه ابنُ عُمرَ حتى مَات (3) . ش- قد تقدم هذا الحديث بعينه في " باب اعتزال النساء في المسَاجد عن الرجال ". وأبو معمر: عبد الله بن عَمرو، وعبد الوارث: ابن سعيد، وأيوب: السختياني. ص- قال أبو داود: رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع: قال عُمر (4) ، وَهَذا أصح. ش- أي: روى هذا الحديث: إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية، عن أيوب السختياني، عن نافع قال: قال عُمر بن الخطاب: مَوضع " ابن عُمر " قوله: " وهذا أصح "، أي: ما رواه إسماعيل من حَديث عُمر، أصح ------------------- (1) المصدر السابق (29 / 6232) . (2) النهاية (2 / 4 1) . (3) تقوم برقم (444) . (4) في سنن أبي داود: وقال: قال عمر،.

49- باب: السعي إلى الصلاة

من الذي يروى عن (1) ابنه: عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه في " باب اعتزال النساء ". * * * 49- بَابُ: السعْي إلى الصّلاة أي: هذا باب في بيان السَعْي إلى الصلاة، وفي بعض (2) النسخ: " باب ما جاء في السعي إلى الصلاة ". 554- ص- نا أحمد بن صالح: نا عَنْبسةُ: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: أخبرني سعيدُ بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعتُ رسول الله " صلى الله عليه وسلم " يقولُ (3) : " إذا أقيمَت الصلاةُ فلا تَأتُوهَا تَسْعَونَ، وأتُوها تمشُونَ، وعليكُمُ السَّكينةُ، فما أدركْتُمَ فصلُّوا، وما فَاتَكُم فأتِمُّوا " (4) . ش- عنبسة: ابن خالد الأيلي، ويونس: ابن يزيد الأيلي. قوله: " تسعون " جملة وقعت، حالاً من الضمير الذي [في] " فلا تأتوها "، وكذلك " تمشون " حال عن الضمير الذي في " وأتوها " أي: لا تأتوا الصلاة حال كونكم ساعة، وأتوها حال كونكم ماشين، يُقالُ: سعَيتُ في كذا وإلى كذا إذا ذهبت إليه وعملت فيه، ومنه قوله تعالى: " وَأن ليْسَ للإنسَان إِلا مَا سَعَى " (5) ، وفي " الصحاح ": سعى الرجل يَسْعَى سعيا أَي: عدا، والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السَّعْي: أن ---------------------- (1) في الأصل: " من ". (2) مكررة في الأصل. (3) في الأصل: " يقول له " (4) البخاري: كتاب الأذان، باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة (636) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (151 / 602) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في المشي إلى المسجد (327) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: السعي إلى الصلاة (2 / 114) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: المشي إلى الصلاة (775) . (5) سورة النجم: (39) .

الذاهب إلى صلاة عامل في تحصيلها، ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبا بآدابها، ويكون على كمل الأحوال. قوله: " وعليكم السكينةُ، أي: التأني والوقارُ. قوله: " فما أدركتم فصلوا " أي: فالذي أدركتم من الصلاة مع القوم فصلوا، والذي فاتكم فأتموا. وفي قوله: " وما فاتكم " دليل على جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه / لا كراهة [1/ 195 - أ] فيه عند جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما لم ندركها. وقوله: " وما فاتكم فأتموا " هكذا ذكره مسلم في كثر رواياته، وفي رواية: " فاقض ما سبقك "، وفي رواية لأبي داود: "واقضوا ما سبقكم " لما نذكره الآن. واختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين، هل هما بمعنى واحد أو بمعنَيْين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإمام، هلَ هو أول صلاته أو آخرها؟ على أرْبعةِ أقوال، أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون ثَانيا علي من الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، وهو مروي عن علي، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، ورواية عن مالك، وأحمد، واستدلوا بقوله: " وما فاتكم فأتموا " لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائرُه. وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: ما أدركت فهو أول صلاتك. وعن ابن عمر بسند جيد مثله. الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وأخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك، قاله ابن بلال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأهم القرآن وسورة. وقال سحنون: هذا الذي لم نعرف خلافه " دليله: ما رواه

البيهقي من حديث قتادة أن علي بن أبي طالب قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقرأ فيها " بالحمد " وسورة مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى " بالحمد " وحدها لأنه آخر صلاته، وهو قول المزني، وإسحاق، وأهل الظاهر. الرابع: أنه آخر صلاته، وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقْوال، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية سفيان، ومجاهد، وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة: أنه آخر صلاته. قال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مَسْعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وأبي قلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله عليه السلام: روما فاتكم فاقضوا، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر، وابن حزم بسندِ مثله عن أبي هريرة، البيهقي بسند لا بأس به- على رأي جماعةِ- عن معاذ بن جبل. والجوابُ عفا استدل به الشافعية ومن معه وهو قوله:" فأتموا: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فحمل قوله: " فأتموا " على أن مَن قضى ما فاته فقد أتم، لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام لِما نقص. وقال الشيخ محى الدين: وحجة الجمهور (1) : أن كسر الروايات: روما فاتكم فأتموا"، وأجابوا عن رواية نواقض ما سبقك ": أن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح علي عند الفقهاء، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى: " فَقَضَاهُن شئتَ سَمَوَات " (2) ، وقوله تعالى: {فَإذا قَضَيْتُم مناسكَكُمْ} (3) ، وقوله تعالىَ: {فَإذَا قُضيَت الصلاة} ، ويُقال: َ قضيتُ حق فلان، ومعنى الجميعَ: الفعَل ------------------ (1) شرح صحيح مسلم (100 / 5) . (2) سورة فصلت: (12) . (3) سورة البقرة: (200) . (4) سورة الجمعة: (10) .

قلنا: أما الجواب عن قوله: " فأتموا " فقد ذكرناه آنفا، وأما قوله: المرادُ بالقضاء الفعلُ فمشترك الدلالة، لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء جميعاً، ومعنى: {قَضَاهُنَّ سبَح سَمَوَات} : قدرهن، ومعنى: {قَضَيْتُم منَاسِككُمْ} : فرغتم عنها، وكذًا معنى: {فَإذَا قُضيَت} ومعنى قضيتُ حق فلان: أنهيتُ إليه حقه، ولو سلمنا أنَ القضاءَ بمعَنى الأداء فيكون مجازا، والحقيقة أوْلى من المجاز ولا سيما على أصلهم: المجاز ضروري لا يُصار إليه إلا عند الضرورة والتعدد. ص- قال أبو داود: وكذا قال الزبيدي، وابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سَعْد، ومعمرٌ، وشُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: " وما فاتكم فأتِموا ". ش- أي: مثل الرواية المذكورة: قال محمد بن الوليد بن عامر الزُّبيدي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب- هشام- المدني، إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم الزهري / [1/ 195 - ب] القرشي المدني، ومعمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة- دينار- الحمصي. قوله:، وكذا " وفي نسخة الأصل: وكذلك. ص- وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: " فاقضوا ". ش- أي: قال سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري وحده: " فاقضوا " مكان " فأتموا ". وعند أبي نعيم الأصبهاني: " وما فاتكم فاقضوا "، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان، عن يحيى. وفي " المحلى " من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أنه قال: " إذا كان أحدكم مقبلاً إلى الصلاة فليمش على رِسْله، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصل، وما فاته فليقضه بعد " قال عطاء: وإني لأصْنعه. وعند مسلم: " صَل بما (1) أدركت واقض ما سبقك، فإن أحدكم إذا كان تعمد (1) إلى الصلاة فهو في صلاة ". وعند أحمد من حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عنهم: " وما فاتكم فاقضوا ". فإن قيل: حكى البيهقي عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها ------------------- (1) كذا، وعند مسلم (602) : أصل ما.... يعمد ".

عن الزهري غير ابن عيينة، وأخطأ. قلت: تابعه ابن أبي ذئب، فرواها عن الزهري كذلك، وكذا أخرج هذا الحديث أبو نعيم في " المستخرج على الصحيحين "، وفي " مسند أبي قرة " عن ابن جريج: أخْبِرت عن أبي سلمة، عن أبيه، عنه بلفظ: " وليقض ما سبقه "، وكذا في رواية مسلم: " واقض " كما ذكرنا. قوله: " وحده " حال من ابن عيينة؟ أي: قال ابن عيينة عن الزهري حال كونه منفرداً بهذه الرواية، وهي قوله: " فاقضوا ". فإن قيل: شرط الحال: أن يكون نكرة وصاحبها معرفة، ولفظ: " وحده " معرفة، فكيف وقع حالاً؟ قلت: مؤول بوجهين، الأول: أنه مصدر بمعنى الفاعل أي: منفرداً- كما قدرناه- فيكون نكرة من حيث المعنى، ولا يبعد أن يكون الشيء معرفة لفظا، نكرة معنى، نحو: مررت برجل مثلك، أو نقول: إنه معهود ذهني، والمعهود الذهني باعتبار الوجود نكرة في المعنى، كما أن أسامة معرفة باعتبار الذهن، نكرة باعتبار الوجود. والثاني: أن تقديره: ينفرد وحده، و " وحده " مفعول مطلق حذف فعله للقرينة، والجملة وقعت حالاً ومنه: ادخلوا الأول فالأول، ويقال: وحده مصدر بحذف الزوائد، أصله: إيحاداً، وقد جاء: وحَد يحدُ وحدة وحدة. ص- وقال محمد بن عَمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وجعفرُ ابن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: " فأتموا "، وابن مسعود، عن النبي - عليه السلام-، وأبو قتادة وأنس، عن الني- عليه السلام- كلهم: " فأتموا ". ش- أي: قال محمد بن عَمرو بن علقمة بن وقاص المدني، عن أبي كلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. قوله: " وجَعفر " عطف على قوله: " محمداً " أي: قال جعفر بن ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة المصْري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة.

قوله: " وابن مسعود " أي: قال عبد الله بن مسعود، وفي بعض النسخ: " هكذا ". قوله: " وأبو قتادة " أي: قال أبو قتادة الحارث بن ربعي (1) ، وأنس بن مالك، عن النبي- عليه السلام-. قوله: " كلهم " راجع إلى أبي هريرة، وابن مسعود، وأبي قتادة، وأ نس. 555- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمي، عن أي " هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " ائتوا الصلاة وعليكم السكينةُ، فصلوا ما أدركتُم واقضوا ما سبقكم " (2) . ش- أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، وسَعد بن إبراهيم: ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي. قوله: " ائتوا "- بكسر الهمزة- أمر من أتى يأتي إذا جاء. قوله: " ما سبقكم " أي: اقضوا الذي سبقكم به الإمام من ركعة أو ركعتين أو ثلاث، وهذا حكم المسبوق: أنه يصلي مع الإمام ما أدركه، فإذا سلم الإمام يقوم ويقضي ما فاته، وهو منفرد فيما يقضيه- كما عرف في الفروع. ص- قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: " ويقضي " (3) وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة. وأبو ذر، ورُوي (4) عنه: " فأتموا واقضوا " واختلف عنهم (5) فيه. ش- أي: مثل رواية أبي كلمة، عن أبي هريرة روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة: أويقضِي "، و" كذا قال أبو رافعا: إبراهيمُ أو أسْلمُ.

_ (1) في الأصل: وربعي بن الحارثي. (2) تفرد به أبو داود. (3) في سنن أبي داود: وليقض،. (4) في سنن أبي داود: اروى،، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (5) غير موجودة في سنن أبي داود.

50- باب: الجمع في المسجد مرتين

قوله: " وأبو ذر " عطف على قوله: / " أبو رافع " إن كانت النسخة [1/ 196 - أ] بالواو في قوله: " وروى عنه " 0 أي: وكذا قال أبو ذر، وفي بعض النسخ: " روى عنه " بلا واو، فعلى هذا يكون " أبو ذر " مبتدأ، وقوله: " روى عنه " خبره أي: أبو ذر روى عن أبي هريرة: " فأتموا واقضوا "، والأصح من النسخة أنه بالواو، وأن " رُوي " على صيغة المجهول، ثم إن الضمير في " عنه " يجور أن يكون عائداَ إلى أبي ذر، ويجوز أن يكون عائدا إلى أبي هريرة بمعنى: وروي عن لبي هريرة: " فأتموا واقضوا "، ولكن رجوعه إلى أبي ذر أنسب لقُربه. وفي المصنف: نا ابن علية، عن أيوب، عن عمرو، عن أبي نضرة، عن أبي ذر قال: إذا أقيمت الصلاة فامش إليها كما كنت تمشي، فصَل ما أدركتَ واقضِ ما سَبقك. ويجوز أن يكون " ورَوى " بالواو على صيغة المعلوم، ويكون التقدير: وقال أبو ذر: والحال أنه قد رَوى عن أبي هريرة: " فأتموا واقضوا "، وبكون " وروى " حالاً بتقدير: " قد " أو لا يحتاج إلى تقدير " قد " لأن الماضي إذا كان مثبتا بالواو لا يحتاج إلى " قد " - كما ذكرناه غير مرة. وفي " المصنف ": حدثنا الثقفي، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: إذا ثُوب بالصلاة فامشوا وعليكم بالسكينة والوقار، فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم. قوله: " واختلف عنهم فيه، أي: اختلف عن المذكورين في لفظ "اقضوا " أو " أتموا " وفي كثر النسخ: " اختلف عنه" أي: عن أبي ذر أو عن أبي هريرة، وأبو ذر أقربُ، وفي بعض النسخ: " اختلف علي وليس بصحيح. * * * 50- بَابُ: الجمع في المَسْجد مرتين أي: هذا باب في بيان الجمع بين صلاته وصلاةَ غيره في المسجد، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الجمعْ ". 556- ص- نا موسى بن إسماعيل: ما وُهَيْب، عن سليمان الأسود،

عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري أن النبي- عليه السلام- أبْصرَ رجلاً يُصلّي وحده فقال: " ألا رجل يتصدقُ على هذا فيُصلي معه " (1) . ش- وُهَيْب: ابن خالد. وسليمان الأسْود: الناجي المصري. روى عن: أبي المتوكل. روى عنه: وُهيب، وعبد العزيز بن مختار، ومرجا ابن رجاء وغيرهم. قال ابن معين هو ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي. وأبو المتوكل: اسمه: علي بن داود الناجي، من بني سامة ابن لؤي وقد ذكر مرةً. قوله: " أصَر " من أبصرتُ الشيء إذا راْيْته. قوله:" لا رجل يتصدق، أي: يحصل لنَفْسه خيراً، وفي رواية الترمذي: جاء رجل وقد صلى رسول الله فقال: " أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فَصلى معه. انتهى، فكأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارةً، أي: مكسبا فيوافق قوله: " فيتصدق "، لأن معناه: يحصل لنفسه خيراً- كما ذكرناه. وقال أبو بكر: نا هشيم: نا خُصَيف بن زيد التميمي: ما الحسن: أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى النبي- عليه السلام- فقال: " ألا رجل يقومُ إلى هذا فيُصلي معه؟ " فقام أبو بكر وصلى معه وقد كان صلى تلك الصلاة. وفي، سنن الدارقطني، عن أنس: أن رجلاً جاء وقد صلى النبي- عليه السلام- فقام يُصلي وحده، فقال رسول الله: " من يتجر على هذا فيصلي معه ". وقد بين في رواية أخرى أن هذه الصلاة كانت الظهرَ. وروى ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في صلاحهم مثل رواية أبي داود. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرج البحار في " مسنده " مثل رواية أبي داود، ولكن عن سلمان- رضي الله عنه-.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرة (220) .

51- باب: فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم

وحكم هذا الباب: أن تكرار الجماعة في مسجد هل يكره أم لا؟ فنقول: إن صلى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يُصلوا فيه جماعة، ولو صلى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله، وللباقين من أهله أن يصفوا فيه جماعة. وقال الشافعي: لا يكره. وعن أبي يوسف: أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة فقاموا في راوية من زوايا المسجد فصلوا بجماعة لا يكره. وروي عن محمد / أنه إنما يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي [1/ 196 - ب] والاجتماع، فأما إذا لم يكن فلا. واستدل الشافعي بالأحاديث المذكورة وقال: ولو كان مكروها لما أمره به- عليه السلام-، ولأن قضاء حق المسجد واجب، والقومُ الأخر ما قضوا، فيجب عليهم قضاء حقه به " قامة الجماعة فيه، وبه قال أحمد، وإسحاق. ولنا ما روى عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه: " أن رسول الله- عليه السلام- خرج من بَيْته ليصلح بين الأنصار لتشاجر جرى بينهم، فرجع وقد صُفيَ في المسجد بجماعة، فدخل رسول الله في منزل بعض أهله فجمع أهله، فصلى بهم جماعة،، ولو لم يكره تكرار الجماعة في المسجد لصلى فيه. ورُوي عن أنس: أن أصحاب رسول الله كانوا إذا فاتتهم الجماعة في المسجد صلوا في المسجد فرادى، وهو قول سفيان، وابن المبارك، ومالك. والجواب عما استدل به الشافعي: أن فيه أمر واحد وهو لا يكره، وإنما يكبره إذا كان على سبيل التداعي والاجتماع، بل ما احتج به حجة علي، لأنه - عليه السلام- لم يأمر أكثر من واحد لحاجتهم إلى إحراز الثواب، وقُضِي حق المسجد حيْث صُفي فيه بالجَماعة بأذان وإقامة، وعلى هذا الخلاف تكرار الأذان والإقامة- كما بمن ذلك في الفروع. **** 51- بَاب: فيمَن صَلى في مَنْزله ثم أدرك الجماعةَ يُصَلِي معَهُمْ أي: هذا باب في بيان من صَلى في منْزله، ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، وفي بعض النسخ: " باب فيما جاء فيمن ". **. شرح سنن أبي داود

557- ص- نا حفصُ بن عُمر: نا شعبةُ: أخبرني يَعلى بن عطاء، عن جابر؟ بن يزيد بن الأسود، عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام شاب فلما صلى إذا رجلاًن لم يُصليا في ناحية المسجد فَدَعى بهما ترعُدُ (1) فرائصُهما فقال: " ما منعكما أن تُصليا معنا؟ " فقالا (2) : قد صلينا في رحالنا فقال: " لا تفعلوا، إذا صلى أَحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يُصل فليُصل معه، فإنها له نافلة " (3) . ش- جابر بن يزيد السلولي الخزاعي. سمع: أباه. روى عنه: يعلى ابن عطاء. قال ابن المديني: لم يرو عنه غيرُه. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . ويزيد بن الأسود الحجازي، وقيل: خزاعي، حليف لقريش ويقال: العامري، معدود في الكوفيين، شهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنه حديثاً في الصلاة وهو هذا. روى عنه: ابنه: جابر بن يزيد. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. قوله:، إنه " أي: يزيد بن الأسود." قوله: " وهو غلام شاب" جملة اسمية وقعت حالاً عن الضمير الذي في " صلى".. قوله: " فلما صلى " أي: رسول الله. قوله: " فدعي بهما " أي: طلبهما.

_ (1) في سنن أبي داود: " فدعى بهما، فجيء بهما ترعد". - (2) في سنن أبي داود: " قالا" (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة (219) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده (2 / 112) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 878) . (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4 / 655) ، وأصد الغابة (5 / 476) ، والإصابة (4 / 1 65) .

قوله: " تَرْعُدُ فرائصهما، فيه حذف أي: فطلبهما فجيء بهما بين يديْه، وقوله: " تَرعد فرائصهما، حال عن الضمير الذي في " بهما "، الفرائص: جمع الفريصة؛ وهي لحمة وَسْط الجنب عند منبض القلب يفترس عند الفزع، أي: يَرتعد. وقال ابن الأثير: الفريصة: اللحمة التي جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعدُ، وقوله: أترعدُ، من باب نصر ينصر. قوله:" في رحالنا " الرحال: جمع رَحل، وهو منزل الإنسان ومسكنه نكنُه. قوله: " فإنها له نافلة " أي: فإن الصلاة التي يصليها مع القوم ثانيا له تطوع والفرض قد أذي بالأولى، وفيه بحث نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى. وبه استدل الشافعي أن من صلى في رَحْله ثم صادف جماعه يصلون، كان علي أن يُصلي معهم أية صلاة كانت من الصلوات الخمس، وبه قال أحمد، وإسحاق، وهو قول الحسَن، والزهري، وقال الأوزاعي: لا يصلي في المغرب والصبح، وهو قول النخعي. وقال مالك: لا يصلي في المغرب فقط، وهو قول الثوري. وقال أصحابنا: لا يصلي في العصر والصبح، وأما المغرب فإن صلى فيه فعليه أن يضم إليها ركعة رابعةَ لورود النهي عن التنقل بالبتيراء وقال الخطابي (1) : ظاهر الحديث حجة على مَن منع في شيء من الصلوات كلها، ألا ترى يقول: " إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل، فليصل معه "؟ ولم يستثن صلاةَ دون صلاة. فأما نهيه - عليه السلام- عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمسً، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فقد تأولوه على وجهين، أحدهما: أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سببٍ، فأما إذا كان لها سبب، مثل أن يُصادف / قوماً يصلون جماعةً فإنه يُعيدها معهم ليحرز [1/ 197 - أ]

_ (1) معالم السنن (1 / 142) .

الفضيلة، والوجه الآخر: أنه منسوخ، لأن حديث جابر بن يزيد (1) متأخر، لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله حجة الوداع، ثم ذكر الحديث، وفي قوله: "فإنها نافلة، دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب، وحجة أصحابنا: قول ابن عباس- رضي الله عنه-: " شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عُمر أن النبي- علي (2) السلام- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب "، وهذا بعمومه يتناولُ الصورة التي فيها النزاع. وقد روي عن أبي طلحة أن المراد بذلك كل صلاةِ. وعن ابن حزم: إن قوماً لم يروا الصلاة في هذه الأوقات كلها. وقال ابن بطال: تواترت الأحاديث عن النبي- عليه السلام- أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العَصْر. والجواب عما قال الخطابي: أما قوله: " إن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب " فغير مسلم، لأن هذا تخصيص من غير مخصصِ، فنهاية ما في الباب أنهم احتجوا بأنه- عليه السلام- قضى سنة الظهر بعد العَصْر، وقاسوا عليها كل صلاة لها سبب، حتى قال النووي: هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لهم أصح دلالة منه. ولكن يخدشه ما ذكره الماوردي منهم وغيره من أن ذلك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم. وقال الخطابي- أيضاً-: كان النبي- عليه السلام- مخصوصاً بهذا دون الخلق. وقال ابن عقيل: لا وجه له إلا هذا الوجه. وقال الطبري: فعل ذلك تنبيهاً لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم. وأما قوله: " إنه منسوخ " فغير صحيح، لأن عمر- رضي الله عنه- ما بَرح مع النبي- عليه السلام- إلى أن توفي، ولو كان منسوخا لعمل بناسخه مع أنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكيرِ، فدل هذا على أن النهي ليس بمنسوخ، وأن الركعتين بعد

_ - (1) في الأصل: " جابر يزيد بن " كذا. (2) مكررة في الأصل.

العصر مخصوصة به دون أمته. وقال أبو جعفر الطحاوي: ويدل على الخصوصية: أن أم سلمة هي التي روت صلاتَه إياهما، قيل لها: أفنَقْضهما إذا فاتتا بعد العصر؟ قالت: لا. وأما قوله: " دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس " فترده الأحاديث الصحيحة، منها: " لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس "، وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا الباب، على أن حديث جابر بن يزيد هذا حكى البيهقي عن الشافعي فيه أنه قال: إسناد مجهول، ثم قال البيهقي: وإنما قال ذلك، لأن يزيد بن الأسْود ليْس له راو غير ابنه جابر، ولا لجابر راوٍ غير يعلى بن عطاء. فإن قيل: الحديث صححه الترمذي، وذكره ابن منده في " معرفة الصحابة "، ورواه بقية، عن إبراهيم بن يزيد بن ذي حمامة، عن عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، فهذا راوٍ آخر لجابر غير يعْلى، وهو ابن عُمير. قلت: لو كان ما كان فلا يُساوِي حديث عمر- رضي الله عنه- ويُعارض كلامَ ابن منده: ما قاله علي بن المديني، روى عن جابر بن يزيد يَعْلى بن عطاء، ولم يَرْو عنه غيره- كما ذكرنا-، والنفي مقدم على الإثبات، فيكون يَعْلى مُنْفرداً بهذه الرواية فلا يتابع عليها. 558- ص- نا ابن معاذ: نا أبي: نا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد (1) ، عن أبيه قال: صليتُ مع رسول الله الصبح بمنىً، بمعناه (2) . ش- ابن مُعاذ: هو عُبيد الله بن معاذ، وقد مر ذكرُهما. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. ورواه الترمذي، والنسائي، عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي- عليه السلام-

_ (1) في الأصل: " زيد " خطأ. (2) انظر الحديث السابق.

صلاة الصبح في مسْجد الخِيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يُصليا معه فقال:" علي بهما " فجيء بهما ترعد فرائصهما قال: " ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول الله، إنا كنا صلينا في رحالنا. قال: " فلا تفعلاً، إذا صليتما في [1/197-ب] رحالكما (1) ، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة ". / قال الترمذي: حديث حسن صحيح (2) . وفي رواية للدارقطني والبيهقي:" وليَجْعل التي صلاها في بَيته نافلة "، وقالا: إنها رواية ضعيفة شاذة. قلت: دلت هذه الرواية- وإن كانت ضعيفة- على أن المراد من قوله- عليه السلام- في الحديث " فليصل معه " أن يصلي ناوياً للفريضة، لا ناوياً للنفل، لكراهة نية النفل في هذا الوقت فح (3) إذا صلى على هذه الهيئة لا يكره عندنا- أيضاً- ويكون الضمير في قوله:" فإنها نافلة " في الرواية الأولى راجعاً إلى الصلاة التي صلاها في رَحْله، ويمكن أن يكون قوله: " وليجعل التي صلاها في بيْته نافلةً " مخصوصاً بوقت الصبح لكراهة النفل بعدها، يؤيد ذلك كون القضية في الصبح، ويكون العصر في معناه لاشتراكهما في معنى الكراهة، وغيرهما يخرج عنهما لعدم النهي، ويستوي فيه نية النفل ونية الفرض، فافهم. 559- ص- نا قتيبةُ: نا معن بن عيسى، عن سعيد بن السائب، عن نوح ابن صعصعة، عن يزيد بن عامر قال: جئْتُ والنبي- عليه السلام- في الصلاة فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة قال: فانصرف علينا رسولُ الله فرأى يزيدَ جالسا فقال: " ألم تُسْلِم يا يَزيدُ؟ " قال: بلى يا رسول الله قد أسلمتُ، قال: " وما (4) منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " قال: أني كنتُ قد صليتُ في منزلي وأنا أحسبُ أن قد صليتم، فقال:" إذا جئتَ

_ (1) في الأصل: " رحالهما ". (2) الترمذي (219) . (3) أي: " فحينئذ " (4) في سنن أبي داود: " فما ".

الصلاة (1) فوجدت الناسَ فصل معهم، وإن كنتَ قد صليت تكنْ لك نافلةً وهذه مكتوبة " (2) . ش- معن بن عيسى: ابن يحيى بن دينار أبو يحيى القزاز الأشجعي مولاهم المدني. سمع: مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وإبراهيم بن طهمان، ومخرمة بن بكير، ومحمد بن هلال. روى عنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. وقال ابن سَعْد: كان يُعالج القز بالمدينة ويشتريه، وكان له غلمان حاكةُ، وكان ثقة كثير الحديث، ثبتاً مأموناً. مات سنة ثمان وتسعة ومائة. روى له الجماعة (3) . وسعيد بن السائب: الطائفي. ونوح بن صعصعة: يعد من أهل الحجاز. روى عن: يزيد بن عامر السُوائي. روى عنه: سعيد بن السائب. روى له: أبو داود، وا لنسائي (4) . ويزيد بن عامر: ابن الأسود بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، يكنى أبا حاجز السوائي، قيل: إنه شهد حَنيناً مع المشركين ثم أسلم بعد ذلك. روى عنه: السائب بن يزيد، ونوح بن صعصعة، وسعيد بن يسار. روى له: أبو داود (5) . قوله:" ألم تُسلِم؟ " استفهام على سبيل التقرير، إنما قال ذلك زجرا له لتخلفه عن الجماعة، وانفراده عن الناس وهم يصلون.

_ (1) في سنن أبي داود: " جئت إلى الصلاة ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28 / 6115) . (4) المصدر السابق (30 / 6493) . (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 / 651) ، وأسد الغابة (5 / 498) ، والإصابة (3 / 659) .

قوله: " تكن لك نافلة " أي: يكن الذي قد صليت في رحلك نافلةً، واسم " تكن " مستتر فيه، و" نافلة، نصب على أنه خبره. قوله: " وهذه " إشارة إلى الصلاة التي يصليها مع القوم وهو مبتدأ، وخبره: قوله: " مكتوبة ". وهذه الرواية تؤيدُ الرواية التي قال الدارقطني والبيهقي: إنها ضعيفة شاذة. وصريح هذا الحديث يَرد كل ما قاله الخطابي في الحديث السالف من أنه حجة على أصحابنا، وأنه حجة لهم، ويُبيّنُ أن الضمير في قوله في ذلك الحديث: " فإنها نافلة " يَرْجع إلى الصلاة التي صَلاها في رَحْله، لا إلى الصلاة التي صلاها مع القوم ويُبْطل- أيضاً- قوله: " وفيه دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب، لأن صلاة التطوع بعد الفجر لم توجد في هذا الحديث، لأنه صرح أن الذي يصليها مع القوم مكتوبة، فإذا لم يوجد ذلك كيف يكون دليلاً على ما ادعاه؟ على أن النووي قد صرّح في " الخلاصة " أن إسْناد هذا الحديث ضعيفٌ. 560- ص- نا أحمد بن صالح قال: قرأتُ على ابن وهب قال: أخبرني عَمْرو، عن بُكير أنه سمع عَفيف بن عَمرو بن المسيب يقول: حدثني رجل من بني أسد بن خزيمة أنه سأل أبا أيوب الأنصاري قال (1) : يصلي أحدنا في منزله الصًلاة، ثم يأتي المسجد وتُقام الصلاةُ فأصلي معهم فأجدُ في نفسي من ذلك شيئاً فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي- عليه السلام- فقال: " فذلك (2) له سَهْمُ جَمْعٍ " (3) . [1/198 - أ] ش- عمرو: ابن الحارث، وبكير: ابن (4) / عبد الله بن الأشج. وعفيف بن عَمرو بن المُسيّب. روى عن: رجل من بني أسد بن خزيمة، عن أبي أيوب الأنصاري. روى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، ومالك بن أنس. روى له: أبو داود (5)

_ (1) في سنن أبي داود:" فقال ". (2) في سنن أبي داود: " ذلك"، (3) تفرد به أبو داود. (4) مكررة في الأصل. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 3967 / 2) .

52- باب: إذا صلى ثم أدرك جماعة يعيد

قوله: " فذلك له سهمُ جَمعْ " بإضافة السَهْم إلى الجمْع، يريدُ أنه سهم من الخير جمع له " في حظان. َ وقال الأخفش: يريدُ سهم الجيْش، وسهمِ الجيش هو السهم من الغنيمة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {يَوْم التَقَى الجَمْعَان} (1) ، وبقوله تعالى: {سَيُهْزَمُ جَمع} (2) ، وبقوله: {فَلَما تَرَاءَىَ الجَمْعَانِ} (3) . وقيل: مثل أجْر من شهد جمعا وهي المزدلفة، وقيل: جمع أي جملة. قلت: قد وقع في خاطري هاهنا من الأنوار الإلهية، أن معنى قوله: " له سهم جمع " له نصيب الجمْع بين الصلاتين: سهم الصلاة التي صلاها في رحله، وسَهْم الصلاة التي صلاها مع القوم. والجَمْع- بفتح الميم لا غير- ويمكن أن يكون الجمع صفة للسهْم، ويكون الجمع بمعنى الجامع كعدل بمعنى العادلْ، والمعنى: سهم جامع للخيرات، أو سهم جامع لخيري الصلاتين، هذا على تقدير مساعدة الرواية، وفيه رجل مجهول. **** 52- بَاب: إذا صَلّى ثم أدرَكَ جَماعةً يُعيدُ (4) أي: هذا باب في بيان مَنْ إذا صلى صلاة في منزله، ثم أدرك جماعة هل يعيد أم لا؟ وفي بعض النسخ: " يعيد " بهمزة الاستفهام. 561- ص- نا أبو كامل: نا يزيد- يعني: ابن زُريع-: نا حُسَيْن، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت ابن عُمر على البَلاط وهم يُصَلُّون قلتُ (5) : ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت قد صليتُ (6) ــــــــــــــــــــــــ (1) سورة الأنفال: (41) . (2) سورة القمر: (45) . (3) سورة الشعراء: (61) . (4) في سنن أبي داود: شباب إذا صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أيعيد،؟ (5) في سنن أبي داود: " فقلت ". (6) في سنن أبي داود: لقد صليتم " واحدة " وكتب المصنف في الأصل فوقهما: " صح،.

إني سمعتُ رسول الله- عليه السلام- يَقُولُ: " لا تُصلوا (1) في يَوْم مَرتين " (2) . ش- أبو كامل: فُضيل بن حُسَيْن الجحدري، ويَزيدُ: ابن زريع أبو معاوية البصري، وحُسَيْن: ابن ذكوان المعلّم البصري، وسليمان مولى ميمونة هو سليمان بن يَسار، أخو عطاء بن يَسار مولى ميمونة زوج النبي- عليه السلام -. قوله: " على البَلاط " البَلاط- بفتح الباء الموحدة -: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، ثم سمّي المكان بلاطا اتساعا، وهو موضع مَعْروف بالمدينة. قوله: " قلتُ: ألا تصلي؟ " الهمزة فيه للاستفهام. قوله: " قد صليت، قد صليتُ " بالتكرار للتأكيد. قوله: " لا تصلوا في يَوْم مَرتين " محمول على صلاة الاختيار دون ما لها سببٌ، كالرجل يدرك جماعةً فيُصلي معهم في غير العصر والصبح، وقد كان صلى ليدرك فضيلة الجماعة جمعا بين الأحاديث؟ كذا قاله الخطابيّ. قلت: هذا محمولٌ على أن يصلي الفَرْض مَرتين بنية الفَرْض في كل منهما، آوْ هو مَحمول على صلاة العَصْر والصّبح، لأن تكرارهما مَنْهي، لورود النهي بعد صلاة العصر والصبح، ويكون سؤال سليمان عن ابن عمر، وجوابه إياه عنْد صلاة العصر أو الصُبْح. والحديث: أخرجه " النسائي- أيضاً

_ (1) في سنن أبي داود: " لا تصلوا صلاة ". (2) النسائي: كتاب الصلاة، باب: سقوط الصلاة لمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة (113 / 2) .

53- باب: جماع الإمامة وفضلها

53- بَابُ: جِمَاع الإمامة وفَضْلِها أي: هذا باب في بيان جماع الإمامة وفضلها، وفي بعض النسخ: "باب في جماع الإمامة من فضل الإمامة "، وفي بعضها: " أبواب الإمامة " والأول أصح، والجماع- بكسر الجيم وتخفيف الميم- ما يَجْمعُ عددا، وفي الحديث: " حدثني بكلمة تكون جماعاً " أي: كلمة تجمع كلمات، وقال الجوهري: وجماِع الشيء: جمعُه، تقول: جماع الخباء: الأخبية، لأن الجماعَ ما جمعَ عَددا، والمعنى هاهنا: ما يَجْمع أبوابَ الإمامة وأنْواعها. 562- ص- نا سليمان بن داود المهْري: نا ابن وهب: أخبرني يحيي بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حَرْملة، عن أبي علي الهمْداني قال: سمعت عقبة بن عامر يقولُ: سمعتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: " مَنْ أمّ الناسَ فأصابَ الوقْتَ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم " (1) . ش- سليمان بن داود: أبو الربيع المصري، وعبد الله: ابن وهب، ويحمى بن أيوب: الغافقي المصري. وعبد الرحمن بن حَرْملة: ابن عمرو الأسلمي أبو حرملة المدني. سمع: ابن المسيب، وأبا علي الهمداني، وعبد الله بن دينار. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، ويحيى القطان، ويحيى بن أْيوب المصري، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن معين: / صالح. قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . وأبو علي: اسمُه: ثمامة بن شُفي الهمداني، أبو علي، من

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يجب على الإمام (983) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17 / 3796) .

الأحروج بطن من هَمْدان، ويقال: الأصبحي المصْري، وقيل: إنه من أهل الإسكندريّة، وقال أبو أحمد: في المصرين، سكن الإسكندرية. سمع: عقبة بن عامر، وفضالة بن عُبيد، وقبيصة بن ذؤيب. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وابنه: عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن حرملة، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . قوله: " فله ولكم " يعني: له ثوابُ إصابته، ولكم ثواب الطاعة والسَّمعْ. قوله: " ومن انتقصَ من ذلك شيئاً " يَعْني: فرضا من فروض الصلاة. قوله: " فعليه ولا عليهم " يعني: على الإمام إثم ما ضيع وما نقص، ولا على القَوْم شيءٌ، هذا إذا لم يَعْلم القومُ أن الإمامَ ضيّعَ فرضاً من الفروض، أما إذا علموا يفسد صلاة مَنْ يعلَمُ وعليه أن يُعيدها، إذا علم حال الإمام من الأول لا يجوز اتباعه إلا أن يخاف منه، فيصلي معه بَعْد أن يُصلي في بَيْته أو يُصلي ثم يُعيدُ. وروى الحاكم على شرط مُسلم، عن سهل بن سَعْد: " الإمام ضامن، فإن أحسنَ فله ولهم، وإن أساء فعليه لا عليهم ". وروى- أيضاً- على شرط البخاري، عن عقبة بن عامر: " من أمَ الناسَ فأتم "، وفي نسخة: " فأصابَ " فالصلاة لهُ ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم "، وهذا مثل رواية أبي داود. وأعقه الطحاوي بانقطاع ما بَين عبد الرحمن بن حرملة وأبي عليّ الهمداني الراوي عن عقبة. وفي " مسند عبد الله بن وهب ": أخبرني يحيى بن أيوب، عن العلاء بن كثير، عن داود بن أيوب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبرة، عن أبي شريح العذري: " الإمام جنة، فإن أتم فلكم وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم التمام". وروى البخاريّ من حديث الفضل بن سهل بإسناده إلى أبي هريرة، عن النبي (1) المصدر السابق (4 / 853) .

54- باب: كراهية التدافع على الإمامة

- عليه السلام- قال: " يُصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم ". * * * 54- بَابُ: كراهية التَّدافُع على الإمامة أي: هذا باب في بيان كراهة التدافع على الإمامة، والتدافع: أرْ يدفع بعضهم إلى بعضٍ. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في كراهية التدافع ". 563- ص- نا هارون بن العباد الأزدي: نا مَرْوان قال: أخبرتني طلحة أم غراب، عن عقيلة أمرأة من بني فزارة مولاة لهم، عن سلامة بنْت الحر أخْت خَرَشَة بن الحرّ الفزاري قالت: سمعتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: " إن من أشراط الساعة: أن يتدافَع أهل المسجد لا يجدون إماماً يُصلِّي بهم " (1) . ش- مروان: ابن معاوية الفزاري الكوفي. وطلحة أم غراب. روت عن: عقيلة. روى عنها: وكيع بن الجراح، وهارون بن عباد. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (2) . وعقيلة امرأة من بني فزارة. روت عن: سلامة بنت الحر (3) . وقال أبو داود: عقيلة جدّة علي بن غراب. وروى عنها: طلحة أم غراب. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (4) . وسلامة بنْت الحرّ: الأسدية أخت خرشة بن الحرّ. روت عن: النبي - عليه السلام- أحاديث، روى حديثها: وكيع عن أم غراب، وروى لها: أبو داود، وابن ماجه (5) .

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يجب على الإمام (982) . (2) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35 / 7883) . (3) في الأصل:" الحارث " خطأ. (4) المصدر السابق (35 / 7894) . (5) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4 / 333) ، وأسد الغابة (7 / 144) ، والإصابة (4 / 0 33) .

55- باب: من أحق بالإمامة

قوله: " إن من أشراط الساعة " الأشراط: جَمع شرَط- بفتح الراء- وهو العلامة، والأشراط: العلامات، ومنه سفيت شُرَط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعْرفُون بها، كذا قال أبو عبيد. وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناسُ من صغار أمُورها قبل أن تقوم الساعة، وشُرَطُ السلطان: نُخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جُنْده. وقال "ابن الأعرابي: هم الشُرَط- بالفتح- والنسبة إليهم: شُرَطي، والشُرطة والنسبةُ إليهم: شُرطي. و " لساعة ": القيامة، وا لساعة: الوقت الحاضر، والجمع: [1/ 199 - أ] الساع والساعات، وأصلَ ساعة: سَوَعَة؟ قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والدليلُ علي إذا صغرتها تقول: " سُوَيْعة ". قوله: " أن يتدافع " من باب التفاعل وهي للمشاركة نحو: تقاسم القومُ، والمعْنى: كل واحد منهم يدفع الإمامة إلى الآخر، ولا يَرْضى أحد أن يتقدم إما لجهلهم بأحوال الإمامة، وإما لاختلافهم وعدم اتفاقِهم على إمامة واحدٍ، وإما لعدم مَنْ يَؤُم حسْبة لله تعالى، أو غير ذلك من الوجوه. َ والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً. 55- بَابُ: مَن أحق بالإمامة أي: هذا باب في بيان من أحق بالإمامة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن أحق بالإمامة 564- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة: أخبرني إسماعيل بن رجاء قال: سمعت أوْس بن ضَمْعجٍ يُحدث عن أي مَسْعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يؤمُّ القومَ أقرؤهُم لكتاب الله وأقدمُهُم قراءةً، فإن كانوا في القراءة سواءً فليؤمهم أقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهِجرة سواءً فليؤمَّهم أكبرهم سنا، ولا يُؤَمُّ الرجلُ في بَيْته ولا في سُلطانه، ولا يُجلسُ على تكْرمته إلا بإذنه " (1) .

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (ْ29 / 673) ،=

ش- إسماعيل بن رجاء: ابن ربيعة الزبيدي أبو إسحاق الكوفي. سمع: أباه، والمْعْرور بن سُوَيد، وأوس بن ضمعج، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، وإدريس، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وأوْس بن ضمعج- بفتح الضاد المعجمة، وإسكان الميم، وفتح العين- الحضرمي الكوفي. روى عن، سلمان الفارسي، وأبي مسعود البدري، وعائشة. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن رجاء الزبيدي، وابنه: عمران بن أوس، والسُدي. َ مات سنة أربع وسبعن في ولاية بشر بن مروان. روى له: الجماعة إلا البخاري (2) . وأبو مسعود: عُقْبة بن عَمرو؟ وقد ذكرناه. قوله: " أقرؤهم لكتاب الله، أي: أعلمهم بعلم القراءة، يقف في مواضع الوقف، ويصل في مَوْضع الوصل، ونحو ذلك من التشديد والتخفيف، وغير ذلك من وجوه القراءة، وبه تمسك أبو يوسف: إن الأقرب مقدم على الأفْقه، وبه قال أحمد وإسحاق. وهو وجه عند الشافعية، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: الأفقه مقدم على الأقرب، لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة احمر لا يَقْدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه؟ قالوا: ولهذا قدم النبي- عليه السلام- أبا بكر في الصلاة على الباقين (3) ، مع أنه- عليه السلام- نصر على أن غيره أقراص منه، قاله النووَي. كذا قلتُ: ولأن أبا بكر ممن كان قد جمع القرآن في حياته الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (235) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: من أحق بالعمامة، وباب: اجتماع القوم وفيهم الوالي (2 /77) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: من أحق بالإمامة (980) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3 / 443) . (2) المصدر السابق (3 / 579) . (3) في الأصل: " الباقيين ".

- عليه السلام-. ذكر ذلك أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب لا فضائل الخلفاء "، وكذا ذكره أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ، فقد اجتمع فيه جميع ما قاله رسول الله في هذا الحديث. وفي حديث مسلم- أيضاً الذي أخرجه عن (1) أبي مسعود البدري ولفظه: " يؤمُ القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُنَة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا". وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه- أيضاً وكذا أبو داود في رواية لما نذكره إن شاء الله تعالى. وأجاب أبو حنيفة ومن معه عن الحديث: أن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. لكن يُشكل على هذا قوله: د " فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة لما فإن هذا دليل على تقديم الأقرإ مطلقاً. وقد نسب الشيخ محيي الدين مذهب أبي يوسف إلى أبي حنيفة في " شرح مسلم " وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة هاهنا: أن الأفقه مقدم- كما ذكرنا- كما هو مذهب الشافعي. قوله: " فإن كانوا في القراءة سواءً " أي: مُتساويين؛ تقول: هما في هذا الأمر سواءٌ، وإن شئت: سواءان، وهم سَواءٌ للجمع، وهم أسْواء، وهم سَوَاسيةٌ، أي: أشباه، مثل ثمانية على غير قياس. قوله: " أقدمهم هجرةً " الهجرة في الأصل: الاسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرا وهجراناً، ثم غلب على الخروج من أرض [1/199-ب] ، إلى أرض، وترك الأولى للثانية / تقول منه: هاجر مهاجرة. وقال الخطابيّ: الهجرة قد انقطعت اليوم إلا أن فضيلتها موروثة، فمن كان من أولاد المهاجرين أو كان في آبائه وأسلافه من له قدم أو سابقة في الإسلام أو كان آباؤه أقدم إسلاماً، فهو مقدم على من لا يعدّ لآبائه سابقة أو كانوا قريبي العهد بالإسلام، فإذا كانوا متساويين في هذه الخلال الثلاث فأكبرهم سنا مقدم على من هو أصغر سنا لفضِيلة السن ولأنه إذا تقدم أصحابَه في (1) في الأصل: "من".

السن فقد تقدّمهم في الإسلام، فصار بمنزلة من تقدمت هجرته. وقال أصحابنا: لما لم تبق الهجرة لقوله- عليه السلام-:" لا هجرة بعد الفتح " أقيم الورع مقامها، لقوله عليه السلام: " المهاجرُ مَنْ هجر ما نهى الله عنه ". قوله: " فليؤمهم كبرهم سنا " يعني، بعد التساوي في الهجرة يقدّم الأسن، ولكن كان هذا قبل انقطاع الهجرة، وأما في هذا الزمان فالأورع يُقام مقام الهجرة- لما ذكرنا- فإذا تساووا في الورع يُقدّم أكبرهم سنا، فإن تساووا فيه فأصبحهم وَجْهاً، ثم أشرفهم نسباً، ثم يُقْرع أو الخيار إلى القوم. وقوله: " سنا " و" هجرةً " و" قراءةً " منصوبات على التمييز. قوله:" ولا يُؤم الرجل في بَيْته " على صيغة المجهول، و" الرجل " مرفوع لإسناد الفعل إليه، والمعنى: صاحب البيت أوْلى من غيره- إذا كان من القراءة والعلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة. قوله: " ولا في سُلطانه " هذا في الجمعات والأعياد لتعلّقهما بالسلاطين، وأما الصلوات المكتوبات فأعلمهم أوْلى بالإمامة، فإن جمع السلطانُ الفضائل كلها فهو أولاهم، وقد يتأول على معنى ما يتسلط عليه الرجل من ملكه في بَيْته أو يكون إمامَ مَسْجده. قوله: " ولا يُجلسُ على تكرمته " على صيغة المجهول- أيضاً- وفي رواية مسلم: "ولا يقعد في بَيْته على تكرمته إلا بإذنه "، وفي رواية أخرى: "ولا تجلس على تكرمته في بيْته إلا أن يأذن لك ". ص- قال شعبة: فقلتُ لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشُه. ش- أي: قال شعبة بن الحجاج: قلت لإسماعيل بن رَجَاء المذكور: ما تكرمته؟ أي: ما تكرمة الرجل؟ وهي بفتح الراء وكسر الراء، وهي الفراش ونحوه مما يُبْسطُ لصاحب البيْت (1) ويختص به. وقال ابن الأثير:

_ (1) في الأصل: " اللبيت ". 6. شرح سنن أبي داوود 3

التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراشِ وسرِيرِ مما يُعدّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكرامة. قلت: ذكره في باب الكاف، لأن التاء فيه زائدة. ص- قال (1) أبو داود: كذا قال يحيى القطان، عن شعبة: " أقدمهم قراءةَ ". ش- أي: كما روى أبو الوليد الطيالسي، عن شعبة في روايته المذكورة: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة " كذلك قال يحيى القطان، عن شعبة:" أقدمهم قراءةَ ". 565- ص- نا ابن معاذ: نا أبي، عن شعبة بهذا الحديث قال فيه: " ولا يؤم الرجلُ الرجلَ (2) " (3) . ش- ابن معاذ: هو عُبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري البصري. قوله: "بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور، وقال فيه: " ولا يَؤم الرجلُ الرجلَ في بَيْته " الرجل الأول مرفوع بالفاعلية، والثاني منصوب على المفعولية. 566- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الله بن نُمير، عن الأعمشِ، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج الحَضْرمي قال: سمعت أبا مسعود، عن النبي- عليه السلام- بهذا الحديث قال: " فإن كانوا في القراءة سواءَ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةَ "، ولم يَقُل: " فأقدمهم قراءةَ (4) " (5) .

_ (1) يأتي هذا النص في سنن أبي داود بعد الحديث الآتي. (2) زاد في سنن أبي داود: " في سلطانه ". (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (1 9 2 / 673) . (4) زيد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: رواه حجاج بن أرطأة، عن إسماعيل قال: "ولا تقعد على تكرمة أحد إلا بإذنه ". (5) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة=

ش- الحسن بن عليّ: الخلال الحلواني، وعبد الله بن نُمير: أبو هشام الخارفي (1) الكوفي. وهذه الرواية مثل رواية مسلم، وكذا رواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مُسْتدركه" إلا أن الحاكم قال عوض قوله: " فأعلمهم بالسنة": " فأفقههم (2) فقهاً، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا ". وفي بعض رواية مسلم: " فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْماً " مكان: " سنا ". وقال ابن أبي حاتم في " العلل ": اختلفوا في متنه، فرواه فِطْر، والأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود. ورواه شُعْبة / والمسعودي، عن إسماعيل فلم يقولا: [1/200-أ] "أعلمهم بالسنة " قال أبي: وكان شعبة يهاب هذا الحديث يقول: حكم من الأحكام لم يشارك إسماعيل فيه أحد؟ ! فقلت لأبي: أليس قد رواه السديّ عن أوْس؟ فقال: إنما هو من رواية الحسن بن يزيد الأصم، عن السديّ، وهو شيخ، أين كان الثوري وشعبة عن هذا الحديث؟ وأخاف أن لا يكون محفوظاً. وقد قال بعضهم: لو أطاع الناسُ أبا حاتم في هذا التعنت الزائد لبطلت السنَنُ. 567- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا أيوب، عن عَمرو بن سلمة قال: كنا بحاضر يمر بنا الناسُ (3) إذا أتوا النبي- عليه السلام- فكَانوا إذا رجعوا مروا بنًا فأخبرونا أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وقال (4) كذا، وكنتُ غلاما حافظا فحفظت من ذلك قرآنا كثيراً، فانطلق أبي وافدا إلى

_ = (290/674) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (235) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: من أحق بالإمامة (2 / 75) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (. 98) . (1) في الأصل: " الجارفي " خطأ. (2) في الأصل: " فأفقهم" (3) كلمة " الناس "غير موجودة في سنن أبي داود. (4) كلمة " وقال"غير موجودة في سنن أبي داود.

رسول الله صلى الله غليه وسلم في نفر من قومه، فعلمهم الصلاةَ وقال (1) : " يَؤمكُم أقرؤكم" فكنتُ (2) أقَرأهم لما كنتُ أحفَظ فقدموني، فكنتُ أؤُمهُم وعلي بُرْدة لي صفراء صغيرةٌ (3) فَكنتُ إذا سجدتُ انكشفَتْ (4) عني. فقالت امرأة من النساء: وارُوا عنا عورة قارِئكمَ، فاشْترَوْا لي قميصاً عُمَانيا، فما فرحتُ بشيء بعد الإسلام ما فرحتُ (5) به، فكنتُ أؤمُهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين (6) . ش- حماد: ابن سلمة، وأيوب: السختياني. وعَمْرو بن سلمة- بكسر اللام- بن نُفَيع، وقيل: سلمة بن قَيْس، وقيل: عمرو بن سلمة بن لائم (7) ، يكنى أبا بريدة (8) - بالباء الموحدة، وبالراء- الجَرْمي، روى قصته في صلاته بقومه على عهد النبي - عليه السلام-، وهو مَعدودٌ فيمنْ نزل البَصْرة ولم يَلْق النبي- عليه السلام- ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه: سلِمة على النبي- عليه السلام- وأسْلم، وقد رُوِيَ من وجه غريب أن عَمْراً- أيضاً- قدم على النبي- عليه السلام-. روى عنه: أبو قلاَبة عبد الله بن زيد الجرمي، وأيوب السختياني، وعاصم الأحول، وغيرهم. روى له: أبو داود، وا لنسائي (9) . قوله: " كنا بحاضر" الحاضرُ: القومُ النزولُ على ماء يُقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقال للَمناهل: المَحاضِر للاجتماع والحضور عليها.

_ (1) في سنن أبي داود: " فقال ". (2) في سن أبي داود: " وكنت ". (3) في سنن أبي داود: " صغيرة صفراء ". (4) في سنن أبي داود: " تكشفت ". (5) في سن أبي داود: " فرحي به " (6) البخاري: كتاب الأذان، باب: إمامة العبد والمولى تعليقاً، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إمامة الغلام قبل أن يحتلم (2 / 80) . (7) كذا، وفي أسد الغابة: " لاي ". (8) كذا، وفي تهذيب الكمال: " بريدة. (9) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 544) ، وأسد الغابة (4 / 234) ، وا لإصابة (2 / 1 54) .

قال الخطابي (1) : ربما جَعلوا الحاضر اسماً للمكان المَحْضور، يقال: نزلنا حاضِرَ بني فلان، فهو فاعل بمعنى مفعول. قوله: " وكنتُ غلاماً " الغلام الذي لم يَحْتلم. وقوله: " حافظاً " أي: ذا قوةِ حافظةِ. قوله: " فحفَظتُ من ذلك " أي: منْ قرآنهم الذي حفظوه من النبي - عليه السلام-. قوله: " وافداَ " نصب على الحال من قوله: " أبي"وهو فاعل من وفد يفد إذا قصد أميراً أو كبيراً للزيارة أو الاسترفاد أو غير ذلك، وقد ذكر غير مرة. قوله: " في نفر " النفر- بالتحريك- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنَّفيرُ مثله. قوله: " لما كنتُ أحفظ " أي: لأجل الذي كنتُ أحْفظ ما أسمع منهم من القراءة التي كانوا يحفظونه من النبي- عليه السلام- أو لكوني أحْفظُ منهم، فتكون " ما " مَصْدريةَ. قوله:" فقدموني" أي للإمامة. قوله:" وعلي بردة لي صفراءُ" جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " أؤمهم "، والبُردة- بضم الباء- الحملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صِفر تلبَسُه الأعرابُ، وجمعها: بُرَد، وقوله "صفراء" صفتها، وكذا قوله: " صغيرة ". قوله: " واروا " أي: استروا، من الموارة قوله: " عمانيا "- بضم العن المهملة وتخفيف الميم- مَنْسوب إلى عمان بلدة كبيرة من بلاد اليمن، وقيل: صُقْع عند البَحْرين، وقيل: كُورة.

_ (1) معالم السنن (1 / 146) .

قوله: " وأنا ابن سبع سنين " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " أؤمهم". واستدل الشافعي بهذا الحديث في جوار إمامة الصبي للبالغين في جميع الصلوات، وله في الجمعة قولان. وقال أبو حنيفة: المكتوبة لا يصح (1) خلفه. وهو قول أحمد، وإسحاق، وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة وأحمد. وقال داود: لا يصح فيهما، وحكاه ابن أبي شيبة، عن الشَعْبي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وجوزها مالك في [1/200-ب] النافلة دون الفريضة. وقال الزهري: إذا / اضْطروا إليه أمهم. وقال صاحب " الهداية": وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجور اقتداء المفترض به. وفي التراويح والسنن المطلقة جوزه مشايخ بلخ، ولم يجوزه مشايخنا، أي: علماء بخارى وسمرقند. والسنن المطلقة كالسنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها وصلاة العيد في إحدى الروايتين والوتر على قولهما وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء. والجواب عن الحديث: أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الإسلام، حين لم تكن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام. وقال ابن حزم: لو علمنا أن النبي- عليه السلام- عرف بإمامته وأقره لقلنا به. وقال الخطابي (2) : إن الإمام أحمد كان يضعف حديث عمرو بن سلمة. وقال مرةَ: دَعه ليس بشيء بينِ. وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلِمة، قال: لا أدري ما هذا، ولعله لم يتحقق بلوغ أمره النبي- عليه السلام- وقد خالفه أفعال الصحابة، قال: وفيه قال عمرو: وكنت إذا سجدتُ خرجت استي قال: وهذا غير سائغ. وذكر الأثرم بسند له عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤلم الغلام حتى تجب علي الحدود. وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى يَحتلم

_ (1) كذا. (2) معالم السنن (1 / 146) .

568- ص- نا النفيلي: نا زهير، نا عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة في هذا الخبر (1) قال: فكنتُ أؤمهم في بُرْدة مُوصلة فيها فتق، قال: فكَنتُ إذا سجدتُ خرجت اسْتي (2) . ش- النفيلي: عبد الله بن محمد بن نفيل، وزهير: ابن معاوية بن حُديج، وعاصم: ابن سليمان الأحول. قوله: "في هذا الخبر " أي: الخبر المذكور. قوله: " مُوصّلة " وهي العتيقة التي وُصِل بعضها ببَعضِ. قوله: "خرجت اسْتي" الاسْت: العجُز، وقد يراد به حلقة الدُبر، وأصلها: سَتَهْ على فعل بالتحريك، يدل على ذلك أن جمْعه: أسْتاه، مثل جَمل وأجْمال. 569- ص- نا قتيبة: نا وكيع، عن مسْعر بن حبيب الجَرْمي: حدثني عمرو بن سلمة، عن أبيه أنهم وفدوا إلى النبي- عليه السلام- فلما أرادوا أن ينصرفوا قَالوا: يا رسول الله، مَنْ يَؤُمنا؟ فقال: " أكثرُكُم جمْعا للقرآن، أو أخذاً للقرآن ". قال: فلم يكن أحد من القوم جَمَع ما جمَعْتُ، قالَ: فقدمُوني وأنا غلام وعلي شَملة لي، فما شهدتُ مجمعاً من جَرْمٍ إلا كنتُ إمامَهم، وكنتُ أصلي على جنائزهم إلى يَوْمي هذا (3) . ش- مسعر بن حبيب: أبو الحارث الجرمي البصري. سمع: عمرو ابن سلمة. روى عنه: يحيي بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد، وعبد الصمد. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (4) . قوله:" مَنْ يؤمنا؟ " "من" للاستفهام هاهنا.

_ (1) في سنن أبي داود:" بهذا الحبر". (2) انظر الحديث السابق. (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27 / 5905) .

قوله: " من جَرْم "- بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم- هو جَرْم ابن ربان من قضاعة، وربان: بفتح الراء، وتشديد الباء الموحدة، وبعد الألف نون. وفي بَجيلة: جَرْم، وفي عاملة: جَرْم- أيضاً-، وفي طيء: جرمٌ - أيضاً. قوله: " على جنائزهم " جمع جنازة، الجنَازة بالكسْر والفتح: الميّت بسريره، وقيل: بالكسْر: السر ير، وبالفتح: الميّت. صِ- قال أبو داود: رواه يزيد بن هارون، عن مسْعر بن حبيب الجرْمي، عن عمرو بن سلِمة قال: لما وفد قومي إلى النبي- عليه السلام- لم يَقُل: عن أبيه. ش- أي: روى هذا الحديث يزيد بن هارون السلمي أبو خالد الواسطي، ولم يَقُل في روايته: عن أبيه. 570- ص- نا القعنبي: نا أنس- يعني: ابن عياض ح، ونا الهيثم بن خالد الجهني- المَعْنى- نا ابن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العُصْبةَ قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا. زادَ الهيثم: وفيهم: عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد (1) . ش- أنس بن عياض: ابن ضمرة المدني. والهيثم بن خالد: أبو الحسن الجهني. روى عن: حسين بن عليّ الجُعْفي، ووكيع بن الجراح. روى عنه: أبو داود (2) . وابن نمير: هو عبد الله بن نمير الخارفي (3) الكوفي، وعبيد الله: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع: مولى ابن عمر. [1/201-أ] قوله: " نزلوا العَصْبة " العَصْبة- بفتح العين المهملة، / وسكون

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/4646) . (3) في الأصل: " الجارفي، خطأ.

الصاد، وفتح الباء الموحدة- وهو موضع بقُباء. وروي: " المُعصب " - بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الصاد المهملة، بعدها باء مُوَحدة- ويقال: العُصْبة بضم العن وسكون الصاد. وقال ابن الأثير: وضبطه بعضهم بفتح العَيْن والصاد. قوله: " قبل مقدم رسول الله " المقدم- بفتح الدال- مصدر ميمي بمعنى القدوم. قوله: " سالم مولى أبي حذيفة " وكنية سالم: أبو عبد الله، كان من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وكبارهم، كان من أهل فارس من إصطخر، وقيل: إنه من العجم من سَبْي كرمان، وكان يعد في قريش لتبني أبي حذيفة له، ويعد في العجم لأصله، ويُعد في المهاجرين لهجرته ويُعد للأنصار (1) لأن مُعتِقته أنصارية، ويُعد في القراء، وقيل: عُد في المهاجرين لِتَبني أبي حذيفة له، قتل يوم اليمامة شهيداً هو وأبو حذيفة، فوجد رأس سالم عند رجل أبي حذيفة ورأس أبي حذيفة عند رجل (2) سالم. 571- ص- نا مُسدد: نا إسماعيل ح، ونا مسدد: نا مسلمة بن محمد - المعنى واحد- عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن حُويرث أن النبي - عليه السلام- قال له أو لصاحب له: " إذا حَضَرت الصلاةُ فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما (3) " (4) .

_ (1) كذا، والجادة وفي الأنصار ". (2) في الأصل:" رأس ". (3) في سنن أبي داود:" أكبركما سنا ". (4) البخاري: كتاب الأذان، بابَ: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع (630) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (292 / 674) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الأذان في السفر (205) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: أذان المنفردين في السفر (2 / 9) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (979) .

ش- إسماعيل: ابن عُلية. ومسلمة بن محمد: الثقفي البصري. روى عن: داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، روى عنه: مُسدد. قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بمشهور يكتب حديثه. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وخالد: ابن مهران الحذاء. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي البصري. ومالك بن حُويرث: ابن حُشَيْش (2) بن عوف بن جندع أبو سُليمان الليثي، قدم على النبي- عليه السلام- وأقام عنده أياماً، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله، رُوِي له عن رسول الله خمسة عشر حديثاً، اتفقا على حديثين وللبخاري حديث واحد. روى عنه: أبو قلابة، ونصر بن عاصم، نزل البصرة، روى له: الجماعة (3) . والحديث أخرجه الأئمة الستة، ولفظ البخاري في "باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد ": حدَثنا مُعلى بن أسد: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث قال: أتيتُ النبي- عليه السلام- في نفرٍ من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيما رقيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: " ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلُوا، فإذا حَضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". ولفظ خالد، عن أبي قلابة في " باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعه ": أتى رجلاًن النبي- عليه السلام- يُريدان السفر فقال: " إذا أنتما خرَجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما"، وفي باب اثنان فما فوقهما جماعة": " إذا حضرت الصلاة فأذنا "، وفي "باب

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27 / 5961) . (2) في أسد الغابة: "حسيس" بمهملات. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش " الإصابة (3 / 374) ، وأسد الغابة (5 / 20) ، والإصابة (3/ 342) .

إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم": قدمْنا على النبي- عليه السلام- ونحنُ شبَبَة متقاربُون، وفيه: " لو رجعتَم إلى بلادكم فعلمتموهم، فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا "،ْ وفي "إجازة خبر الواحد ": فلما ظن أنا قد اشتَقْنا أهلنا، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال:" ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومُرُوهم " وذكر أشياء أحفظها و" صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفي " باب رحمة النساء والبهائم " نحوه. قوله: "فأذنا ثم أقيما " عام للمسافر وغيره. وقال قاضي خان: رجل صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يكره، قال: الكراهة مقصورة على المسافر، ومن صلى في بيْته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم، لتكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهر بالقراءة في حقه أفضل. قوله: " ليؤمكما أكبركما " قال القرطبي: يدل على تساويهما في شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن. قلت: لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً وأسلموا جميعاً وصحبوا رسول الله- عليه السلام- ولازموه عشرين ليلةَ، فاستووا في الأخذ عنه، فلم يبق ما يقدم به إلا السن. وفيه حجة لأصحابنا في تفضيل الإمامة على الأذان، لأنه- عليه السلام- قال: " ليؤمكما أكبركما " خص الإمامة بالأكبر، وفيه دليل أن الجماعة تصح بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين / وفيه الحض على المحافظة [1/201-ب] على الأذان في الحضر والسفر، وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين ص- وقال في حديث مسلمة: قال: وكنا يومئذ متقاربتين في العِلم. ش- أي: مسلمة بن محمد. قوله:" قال: وكنا يومئذ " أي: قال مالك بن الحويرث: وكنا يوم قال لنا النبي- عليه السلام- قوله ذلك متقاربَيْن- بفتح الباء الموحدة- أي:

مُتساوِيَيْن في العلْم، وفي رواية ابن حزْم: " مُتقارنَيْن " بالنون في الموضعين من المقارنة، تقول: فلان قرين فلان إذا كان قريبَه في السِن، وكذا إذا كان في العلم. ص- وقال في حديث إسماعيِل: قال خالد: قلت لأبي قلابة: فأينَ القراءةُ (1) ؟ قال: إنهما كانا مُتقارِبيْن. ش- أي: في حديث إسماعيل بن عُلية: قال خالد بن مهران الحذاء: قلت لأبي قلابة عبد الله بن زيد: فأين القراءة؟ قال: إنهما- أي: مالك بن الحويرث وصاحب له، وفي رواية ابن أبي شيبة: وابن عم له- كانا متقاربَيْن أي: في القراءة، ولما كانا متقاربَين في العلم والقراءة لم يبق إلا أن يؤمهما أكبرهما سنا- كما ذكرنا-. 572- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا حُسين بن عيسى الحنفي: نا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم (2) " (3) . ش- الحسين بن عيسى الحنفي: أخو سُلَيم القارئ الكوفي. روى عن: الحكم بن أبان، ومعمر بن راشد. روى عنه: عثمان بن أبي شيبة، وإسماعيل بن موسى السُّدِّي، وأبو سعيد الأشج وغيرهم، سئل عنه أبو حاتم (4) فقال: ليس بالقوي، روى عن الحكم أحاديث منكرة. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. روى له: أبو داود، وابن ماجه (5) والحكم بن أبان: العدني أبو عيسى. سمع: عكرمة، وطاوساً، وعبد الرحمن بن زامرد العدني. روى عنه: معمر، وابن عيينة، وابن جريج، وابنُ علية، والحُسين بن عيسى الحنفي، وغيْرهم. قال ابن

_ (1) في سنن أبي داود: " القرآن ". (2) في حق أبي داود:" قراؤكم ". (3) ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: فضل الأذان وثواب المؤذنين (726) . (4) في الأصل: "سئل عن أبي حاتم " خطأ. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 / 1329) .

56- باب: إمامة النساء

معين: ثقة. مات سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنةً. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله:" خِيارُكم " أي: خيْرُكم. قوله: " وليؤمكم أقرؤكم " أي: أعلمكم بعلم القرآن- كما ذكرنا. وذكر الدارقطني أن الحسن بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان. * * * 56- بَابُ: إمامة النِّساءِ أي: هذا باب في بيان إمامة النساء، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في إمامة النساء "، والنساءُ جمع " امرأة " من غير لفظه، وكذلك النُّسوة- بكسر النون وضمها- والنسوان، كما يقال: خلِفة ومخاض وذاك وأولئك. 573- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع بن الجراح: نا الوليد بن عبد الله بن جُميع قال: حدَّثتني جَدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنْت نوفل أن النبي- عليه السلام- لما غزا بدراَ قالت: قلتُ له: يا رسولَ الله، ائذنْ لي في الغَزْوِ معك أمر ض مَرْضاكم، لعل الله يَرْزقني (2) شهادةَ، قال: " قري في بيتك، فإن الله عَز وجَل يرزقك الشهادة " قال: فكانت تُسمى الشَهيدةَ، قالَ: وكانت قد قرأت القرآنً فاستأذنت النبي - عليه السلام- أن تتخذ في دارها مُؤذناً فأذنَ لها، وكانت قد دبرت غلاماً لها وجاريةَ، فقاما إليها بالليِل فغماها بقطيفةَ لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عُمر فقام في الناس فقال: منْ كان عنْدَه منَ هذين علم أو مَنْ رآهما فليجئْ بهما، فأمرَ بهما فصلِبَا، فكانا أول مَصْلوبِ بالمدينة (3) . ش- الوليد بن عبد الله بن جُميع: الزهري الكوفي. روى عن:

_ (1) المصدر السابق (7 / 1422) . (2) في سنن أبي داود: " لعل الله أن يرزقني". (3) تفرد به أبو داود.

عامر بن واثلة وغيره. روى عنه: أبو أسامة، وأبو أحمد الزبيري، الكوفي، ووكيع. روى له: مسلم، وأبو داود (1) . وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري: روى عن: أم ورقة بنت نوفل، ولها صحبة. روى عنه: الوليد بن عبد الله بن جُميع. روى له: أبو داود (2) . وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال: بنت نوفل الأنصارية، كان رسولُ الله يَزُورها ويسميها الشهيدة. روى عنها: عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري. روى لها: أبو داود (3) . قوله: " لما غزا بدرا" وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة. قوله: " أمرض " بتشديد الراء، من مَرضتُه تمريضا إذا قمت عليه في مرضه. [1/202-أ] قوله: " قرى " - بكسر القاف / وتشديد الراء- أمر من تقرين، من قر يقر من باب ضرب يضرب، ويجور فتح القاف في " قري" ويكون أمراً من باب علم يعلم، والأول أفصحُ. قوله: " وكانت دبرت " من التدبير، وهو تعليق العتْق بمُطلق مَوته، مثل أن يقول لعبده: إذا مت فأنت حر، أو: أنت حر عن دبر مني، أو: أنت مُدبر، أو: قد دبرتك، صار العبدُ في ذلك كله مدبرا، فلا يجوز بعد ذلك بيْعه ولا هبته، وهو حر من باقي الثلث، ويجور استخدامه وإجارته، ووطئها وتزويجها. قوله: "فغَماها بقطيفة " من غممتُه إذا غطيته، والقَطيفةُ- بفتح القاف وكسر الطاء-: كنساء له خمول. وقال في " الَصحاح ":

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31 / 6713) . (2) المصدر السابق (17 / 3810) . (3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4 / 504) ، وأسد الغابة (7 / 408) ، وا لإصابة (4 / 505) .

القطيفة دِثار مُخمل، والجمع: قطائفُ وقُطف مثل صحيفة وصُحفِ وصحائف. 574- ص- نا الحسن بن حماد الحَضْرمي: نا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جُميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة ابنة (1) عبد الله ابن الحارث بهذا الحديث والأول أتمّ قال: وكان رسول الله يَزورُها في بَيْتها وجعل لها مؤذنا يُؤذن لها، وأمَرها أن تؤم أهلَ دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذنَها شيخا كبيرا (2) . ش- الحسن بن حماد: ابن كُسيب أبو علي الحضرمي المعروف بسَجادة. سمع: أبا بكر بن عياش، وعطاء بن مسلم، وأبا خالد الأحمر، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: صاحب سُنَة، ما بلغني عنه إلا خيرا. وقال الخطيب: كان ثقة. مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين. وروى عنه: ابن ماجه، والنسائي، عن رجل عنه (3) . ومحمد بن فُضَيْل: ابن غزوان الكوفي. قوله: " والأول " أي: الحديث الأول أتم، ورواه الحاكم في " المستدرك"ولفظه: " فأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض" قال: ولا أعرف في الباب حديثاً مسندا غير هذا. ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: أن قرار النساء في بيوتهن أفضل من خروجهن إلى الجهاد، إلا إذا كان النفير عاما. الثانية: جوار اتخاذ المؤذن للنساء. وقال أصحابنا: ليس على النساء أذان ولا إقامة، لما روى أبو بكر: نا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن ومحمد بن سيرين قالا: ليس على النساء أذان ولا إقامة. وكذا روى بإسناده، عن عطاء، وعن ابن المسيب، وعن الزهري،

_ (1) في سنن أبي داود: "بنت". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 / 1219) .

وعن الضحاك. وإن أذنت أو أْقامت فلا بأس، لما روى أبو بكر قال: نا ابن علية، عن ليث، عن طاوس، عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم. الثالثة: فيه جواز التدبير. الرابعة: جواز صَلْب القاتل. الخامسة: جواز ثمامة النساء للنساء، وتقوم وسطهنّ، لما روى ابن عدي في " الكامل " (1) ، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب " الأذان " عن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي- عليه السلام- قال: " ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال، ولا تقدمهن امرأة، ولكن تقوم وسطهنّ " قلت: هذا الحديث أنكره ابن الجوزي في " التحقيق "فقال: لا نعرفه مرفوعا، إنما هو شيء يروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وردّه الشيخ في " الإمام" وحديث آخر موقوف: رواه عبد الرزاق في مصنفه: اْخبرنا إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصن، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساءَ تقوم في وسطهنّ. وقال أبو بكر: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه اسمها: حُجيرة قالت: أمتنا أم سلمة قائمة وَسْط النساء. حدَثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة أنها كانت تؤم النساء تقوم معهن في صفّهن. وقال صاحب " الهداية ": وإن فعلن قامت الإمام وسطهن، لأن عائشة- رضي الله عنها- فعلت كذلك، وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام. قلت: وكذا ذكر في" المبسوط" و" المُحيط "، ولكن فيه بُعْد؟ لأنه

_ (1) (2/479) ترجمة الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي.

57- باب: في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون

- عليه السلام- أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة- كما رواه البخاري ومسلم- ثم تزوج عائشة بالمدينة، وبنى بها وهي بنت تسع، وبقيت عنده - عليه السلام- تسع سنين، وما تصلي إماما إلا بعد بلوغها، فكيف يَسْتقيم حمله على ابتداء الإسلام؟ / لكن يمكن أن يقال: إنه منسوخ، [1/202-ب] وفعلت ذلك حين كانت النساء تحضرن الجماعات ثم نُسخت جماعتهن، والله أعلم. * * * 57- بَاب: في الرجل يَؤمُّ القومَ وَهُمْ لهُ كَارِهُونَ أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يؤم جماعة والحال أنهم كارهون إيّاه، وفي بعض النسخ: "باب ما جاء في الرجل". 575- ص- نا القعنبي: نا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد، عن عمران بن عَبْد المُعافِري، عن عبد الله بن عَمرٍ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ: " ثلاثة لا تقبل منهم (1) صلاة: من تَقدّم قوماً وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا- والدبارُ: أن يأتيها بعد أن تفُوتَه- ورجل اعْتَبد مُحرّرَهُ" (2) . ش- عبد الرحمن بن زياد: ابن أنعم الإفريقي وهو ضعيف- كما ذكرناه. وعمران بن عَبْد المُعافري: المصْري، أبو عبد الله. روى عن: ابن عَمرو بن العاص. روى عنه: عبد الرحمن بن زياد. وعمران بن عبْد (3) روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . قوله: "ثلاثة " أي: ثلاثُ طوائف لا يقبل الله منهم صلاة، وفي رواية كذا:" لا يقبل الله".

_ (1) في سنن أبي داود: " لا يقبل الله منهم" (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من أم قوماً وهم له كارهون (970) . (3) كذا بالتكرار. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4495) . 7. شرح سنن أبي داوود 3

قوله: " منْ تقدّم قوماً " أي: أحدها: من تقدم قوماً والحال أنهم كارهون إياه، وهذا الوعيد في حق الرجل الذي ليس من أهل الإمامة، فيتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما المستحق للإمامة فاللومُ على مَنْ كرِهَهُ. قوله: " ورجل " أي: وثانيها: رجل أتى الصلاة دبارا فهو أن يكون قد اتخذه عادةَ حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس، وقيل: أن يأتيها بعد ما يفوت وقتها أو يأتيها حين أدبر وقتها. قوله: " دبارا " نَصب على الظرفية، ويجوز أن ينتصب على الحالية بمعنى: ورجَل أتى الصلاة حال كونها مُدبرةَ أي: مُوليه "، بمعنى: أن يأتيها بعد توليها وذهابها. وقال في " الصحاح": فلان يأتي الصلاة دبارا أي: بعد ما ذهب الوقتُ. وقال ابن الأثير: وقيل: دبار جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء كالأدبار في قوله تعالى:" وَأدْبَارَ السجُود " (1) ويقال: فلان ما يَدْري قبالَ الأمر من دباره أي: ما أوله من آخره، والمراد: أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتُها. قلت: الدبار- بكسر الدال- وأما الدبار- بفتح الدال- مثل الدمَّار، وبضم الدال: اسمُ يَوم الأربعاء، من أسمائهم القديمة. قوله:" ورجل اعتبد مُحرّره " أي: ثالثها. رجل اتخذ محرره عبدا، وهو أن يعتقه ثم يكتم عتقه، أو يُنكره، أو يَعْتقله بعد العتق فيَستخدمه كرها، أو يأخذ حرا فيدعيه عبدا ويتملكه، وهذا الوجه قاله البعْض، ولكن فيه بُعْد، لأن قوله:" محرره" بالإضافة يَمْنعُ هذا الوجه ويتمشى هذا الوجه على رواية من روى " اعتبد حُرا " بدون الضمير، ويدخل في القسم الثالث: غالب ملوك الترك في هذا الزمان، فإن منهم من يَعْتق مملوكه، ثم يُنكر عتاقه، ومنهم من يعتقه ثم يستخدمه كرها، وهذا كثير جدا، ومنهم من يَشْتري الغلمان على أنهم مماليك، وهو يَعرف أنهم

_ (1) سورة ق: (40) .

58- باب: في إمامة الأعمى

أحرار أولاد أحرار، وهذا الصنف كثير- أيضاً. وقوله: " اعتبد " من باب الافتعال وهو الاعتباد فالاعتبادُ والاستعباد والتَعْبيد كلها بمعنى واحدة وهو أن يتخذه عبدا. * * * 58- (1) بَاب ٌ: فِي إمامة الأعْمى أي: هذا باب في بيان إمامة الأعمى، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في إمامة الأعمى "، الأعمى أفعلُ من عَمِي يعْمى عَما من باب علم يعلم، والعَمَى: ذهاب البصر. 576- ص- نا محمد بن عبد الرحمن العَنْبري أبو عبد الله: نا ابن مهدي: نا عمران القَطان، عن قتادة، عن أنس أن النبي- عليه السلام- استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناسَ وهو أعْمَى (2) . ش- ابن مَهْدي: هو عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري. وعمران القطان: هو عمران بن داور أبو العوام البصري. روى عن: الحسن، وابن سيرين، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: ابن مهدي، وأبو داود الطيالسي، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في " الثقات ". روى له: الجماعة إلا مسلما، [و] البخاري في المتابعات (3) . قوله: / [" استخلف "] من الاستخلاف، وهو أن يجعل غيره خلَفا [1/203-أ]

_ (1) جاء في سنن أبي داود قبل هذا الباب: " باب إمامه البر والفاجر": حدَثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدَثني معاوية بن صالح، عن العلاء ابن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم: بَرا كان أو فاجراَ، وإن عمل الكبائر" فلعله غير موجود في نسخة المصنف، والله أعلم. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4489) .

59- باب: إمامة الزائر

عنه. وحكى النمري أنه استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرةً: في غزوة الأبْواء، وبُواط، وذي العُسَيْرة، وخروجه إلى ناحية جهَيْنة في طلب كُرز بن جابر، وفي غزوة السويق، وغطفان، وأُحُد، وحمراء الأسد، وبُحْران (1) ، وذات الرِقاع، واستخلفه حين سار إلى بَدْر، ثم رد أبا لبابة واستخلفه عليها، واستخلفه عُمر- أيضاً- في حجة الوداع. وذكر البغوي أنه- عليه السلام- استخلفه يوم الخندق. ويُستفاد من الحديث أن إمامة الأعمى جائزة بلا خلاف، ثم إنها هل تكره أم لا؟ فقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا تكره. وقال أصحابنا: تكره، وعللوا بأنه لا يتوق النجاسة. وروى أبو بكر قال: نا وكيع، عن سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القِبْلة؟ ! ونا الفضل بن دكين، عن حسن بن أبي الحسْناء، عن زياد النميري قال: سألت أنسا عن الأعمى يؤم فقال: ما أفقركم إلى ذلك؟ وحدثنا زيد بن حباب، عن إسرائيل، عن مرزوق، عن سعيد بن جبير أنه قال: الأعمى لا يؤم. * * * 59- بَابُ: إمامة الزائر أي: هذا باب في بيان إمامة الرجل الزائر قوماً. 577- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا أبان، عن بُديل قال: حدثني أبو عطية مولى منَّا قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مُصلانا هذا، فأقيمت الصلاة فَقلنا له: تقدَّمْ فصَلهْ! فقال لنا: قدمَوا رجلاً منكم يُصلي بكم، وسَأحدثكم لم لا أصلي بكم، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: " مَنْ زار قوماً فلا يؤمَّهُم وليؤَمهم رجلٌ منهم " (2) .

_ (1) كتب فوقها " معا"، أي: بفتح الباء وضمها. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن زار قوماً لا يصلي بهم (356) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إمامة الزائر (2 / 80) .

60- باب: الإمام يقوم مكانا أرفع من مكان القوم

ش- مسلم بن إبراهيم: القصّاب، وأبان: ابن يزيد العطار. وبُدَيل: ابن مَيْسرة العقيلي البصري. روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية البَرَّاء، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وشعبة، وأبان بن يزيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له: الجماعة إلا " البخاري (1) . وأبو عطية مولى لبني عقيلٍ. روى عن: مالك بن الحويرث. روى عنه: بديل بن مَيْسرة. قال أبو حاتم: لا يُعرف ولا يسمّى. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . قوله: " فصلَّهْ " الهاء فيه هاء السكْت دون الضمير. والحديث: أخرجه النسائي مختصرا، وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسَن، والعملُ على هذا عند كثر أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق: لا يصلي اْحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم يقول: ليُصل بهم رجل منهم. * * * 60- بَابُ: الإِمَام يَقُوم مكانا أَرْفعَ مِن مكان القَوْم أي: هذا باب في بيان الإمام يقوم في مكان اْرفع من مكان القوم، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الإمام يقوم مكانا "، وانتصاب " مكانا " على الظرفية، و" أرفع " نصب على أنه صفته. 578- ص- نا أبو مسعود الرازي أحمد بن الفُرات، وأحمد بن سنان - المعنى- قالا: نا يعلى: ما الأعمش، عن إبراهيم، عن همام أن حذيفة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 648) . (2) المصدر السابق (34 / 7517) .

أمّ الناسَ بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجَبَذهَ، فلما فرِغَ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلكَ؟ قال: بلى، قد ذكرتُ حين مَدَدْتني (1) . ش- أحمد بن الفرات: ابن خالد الضبي أبو مسعود الرازي الوراق، أحد الأئمة الأعلام، وحفاظ الحديث، ونُقاد الأثر. سمع: حماد بن أسامة، ويعلى، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وحميد بن الربيع، وعبد الله بن جعفر بن أحمد، وغيرهم. قال أحمد ابن حنبل: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله من أبي مَسْعود. وقال إبراهيم بن محمد الطيّان: سمعت أبا مسعود يقول: كتبتُ عن ألف وسبع مائة وخمسين رجلاً، أدخلتُ في مُصنفي ثلثمائة وعشرة وعطلْتُ سائر ذلك، وكتبتُ ألف ألف حديث وخمس مائة ألف حديث، فأخذت [1/ 3.2 - ب] من ذلك ثلثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد / وغيره. توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين بأصبهان، وقبرُه ظاهر يُزارُ (2) . واْحمد بن سنان: القطان الواسطي. ويَعْلى: ابن عُبيد بن أبي أمية أبو يوسف الطنافسي الإيادي الحنفي الكوفي، أخو محمد وإبراهيم وعمر. سمع: يحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أخوه: محمد، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأحمد بن سنان، وأحمد بن الفرات، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: كان صحيح الحديث صالحا في نفسه. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة تسع ومائتين. روى له: الجماعة (3) . وإبراهيم: النخعي، وهمام: ابن الحارث النخعي الكوفي، وحذيفة: ابن أليمان.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 / 88) (3) المصدر السابق (32 / 7115) .

قوله: " بالمدائن " أي: في المدائن؛ وهي مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد سهما سَبْعة فراسخ، وفيها كانت إيوان كسْرى، واسمها بالفارسية: طَيْسَفُون. قوله: " على دكان" الدكان واحد الدكاكين وهي الحوانيت فارسي معرب، وقيل: الدكان: الدكة المَبْنِية للجلوس عليها، واختلف في النون فمنهم يَجْعلها أصلاً، ومنهم من يَجْعلها زائدةً. قوله: " أبو مسعود " هو عقبة بن عَمرو البدري. وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن الإمام إذا كان وحده على الدكان يكره ذلك، لأنه يُشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام بالمكان، وكذا إذا كان القوم على الدكان وحدهم، لأنه ازدراء بالإمام. 579- ص- نا أحمد بن إبراهيم: نا حجاج، عن ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن: فأقيمت الصلاةُ فتقدّم عمّار بن ياسر وقامَ على دُكانٍ يُصلي والناس أسفلَ منه، فتقدّمَ حذيفةُ فأخذ على يدَيْهً فاتبعَه عمَار حتى أنزلَه حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تَسْمَعْ رسول الله يَقولُ: " إذا أم الرجلُ القومَ فلا يَقُم في مكان أرفعِ من مقامِهم " أو نحو ذلك؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذتَ علي يدي (1) . ش- أحمد بن إبراهيم: ابن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي أبو عبد الله المعروف بـ " الدورقي ". سمع: أخاه: يعقوب، وابن مهدي، والحجاج، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغير هم. قال أبو حاتم: صدوق. مات بالعسكر يوم السبْت لسبع بقين من شعبان، سنة ست وأربعة ومائتين (2) . وحجاج: ابن محمد الأعور، وعبد الملك: ابن جريج.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/ 3) ،

61- باب: إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة

وأبو خالد: روى عن: عدي بن ثابت، روى عنه: ابن جريج. روى له: أبو داود (1) . قوله: " أسفل منه " منصوب على الظرفية. قوله: " لذلك " أي: لأجل قول النبي- عليه السلام- هذه المقالة. وفي إسناد الحديث رجل مجهول. * * * 61- بَابُ: إمامة مَنْ صَلى (2) بقَوْم وَقد صلى تِلك الصَّلاةَ أي: هذا باب في بيان إمامة من صلى بقوم والحال أنه قد صلى تلك الصلاة التي يصليها بالقوم. 580- ص- نا عُبيد الله بن عُمر بن مَيْسرة: نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان: نا عُبَيْد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، أن معاذَ بن جبل كان يُصلّي مع رسول الله " صلى الله عليه وسلم " العشاء، ثم يأتي قومَه فيُصلي بهم تلك الصلا (3) . ش- عبيد الله بن مقسم المديني مولى ابن أبي نمير. سمع: عبد الله ابن عُمر، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن أبي كثير، وابن عجلان، وسلمة بن دينار، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: الجماعة إلا الترمذي (4) . وبهذا الحديث استدل الشافعي على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، فقال: لأن صلاة معاذ مع رسول الله هي الفريضة، وإذا كان قد صلى فرضه كانت صلاته بقومه نافلة له، وبه قال أحمد، والأوزاعي، وهو قول عطاء وطاوس. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، وهو قول

_ (1) المصدر السابق (33 / 7339) . (2) في سنن أبي داود: " يصلي" (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19 / 3688) .

الزهري، وابن المسيب، والنخعي، وأبي قلابة، ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحمى بن سعيد الأنصاري، والحسن البصري في رواية، ومجاهد، ومالك بن اْنس، واستدل على ذلك بقوله- عليه السلام-: " إنما جعل الإمام ليُؤتم به، فلا تختلفوا علي ". قال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة / المتنفل لما [1/ 4، 2 - أ] شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف، لأنه- عليه السلام- كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته، وتكون الثانية له نافلةً وللطائفة الثانية فريضةً. والجواب عن حديث معاذ- رضي الله عنه- من وجوه، الأول: أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي- عليه السلام-، وشرطه: علمهُ بالواقعة، وجاز أن لا يكون علم بها، وأنه لو علم لأنْكر. فإن قيل: يَبْعُد أو يمتنعُ في العادة أن لم يعلم النبي - عليه السلام - بذلك من عادة معاذ. قلتُ: لا يَبْعدُ ولا يمتنع ذلك، ألا ترى إلى قوله - عليه السلام-: " يا معاذ، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك "، وذلك حين أتى سُلَيم رسولَ الله فقال: إنا نُصلي في أعمالنا فنأتي حين نُمسي فنُصلي، فيأتي معاذ بن جبلٍ فيُنادي بالصلاة فنأتيه فيُطوّل علينا، فقوله - عليه السلام - هذا يدل على أنه عند رسول الله كان يفعل أحد الأمْرين: إما الصلاة معه أو بقومه وأنه لم يكن يَجْمعهما، لأنه قال: إما أن تصلي معي أي: ولا تُصل بقومك، وإما أن تخففه بقومك أي: ولا تصل معي، ولو كان جمعه بينهما صحيحا لأمره بالتخفيف فقط. الثاني: أن النية أمر باطن لا يطلع علي إلا بإخبار الناوِي، فجاز أن تكون نيته مع النبي- عليه السلام- الفرض، وجاز أن تكون النفل ولم يَرِد عن معاذ ما يدل على أحدهما، وإنما يعرف ذلك بأخباره.

فإن قيل: قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطني (1) من حديث أبي عاصم وعبد الرزاق، عن عَمرو، أخبرني جابر، أن معاذا كان يصلي مع النبي- عليه السلام- العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة هي لهم فريضة وله تطوع. وفي " مسند الشافعي " بسند صحيح، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عمرو: فيُصليها لهم، هي له تطوع ولهم مكتوبة. قال: البيهقي: هذا حديث ثابت لا أعلم حديثاً يروى من طريق واحدة أثبت من هذا، ولا أوثق رجالا. وكذا رواه أبو عاصم النبيل، عبد الرزاق، عن ابن جريج بذكر هذه الزيادة. قلت: ذكر الطحاوي أن ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر فلم يذكر " هي له نافلة ولهم فريضة "، فيجور أن يكون من قول ابن جريج، أو من قول عمرو، أو من قول جابر بناء على ظن واجتهاد لا بجزم "، وزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد. زاد ابن قدامة في " المغني ": وقد روى الحديث: منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت كانت ظنا من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في " العارضة ". فإن قيل: لا يظن معاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي- عليه السلام- ويأتي بها مع قومه. قلت: قال ابن العربي: وفضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه تقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره- عليه السلام- في ثمامة قومه زيادة طاعة، أو يحمل على أن معاذا كان يصلي مع النبي- عليه السلام- صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: " فهي لهم فريضة وله نافلة، بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحدِ. الثالث: أن هذا حكاية حالِ لم يُعلم كيفيتها فلا يعمل بها، ويُستدل

_ (1) سننه (1 / 274، 275) .

بما في صحيح ابن حبان: " الإمام ضامن " يعني: يضمنها صحةً وفسادا، والفرض ليست مضمونا في النفل. فإن قيل: إن النبي- عليه السلام- قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " فكيف يظن بمعاذ مع سماع هذا، أن يصلي النافلة مع قيام المكتوبة؟ قلت: إن مفهومه أن لا يُصلي نافلة كير الصلاة التي تقام، لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور منتف مع الاتفاق في الصلاة المُقامة، ويؤيد هذا الاتفاق من الجمهور على جواَز اقتداء المتنفل بالمفترض، ولو تناوله النهي لما جاز مطلقا. الرابع: أن هذا حديث منسوخ، قال الطحاوي: يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام حتى نهى عنه، ثم ذكر حديث ابن عمر /: " لا تُصفى صلاة في يوم [1/ 4، 2 ب] مرتين " فإن قيل: إثبات النسخ بالاحتمال لا يجور. قلت: يُسْتَدلُّ على ذلك بوجه حسنِ، وذلك أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي- عليه السلام- بعد سنين من الهجرة صلاة (1) الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة، فيُقال: لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل، لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صُليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات- على تقدير جوار اقتداء المفترض بالمتنفل - دل على أنه لا يجور ذلك. الخامس: قال المُهلب: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقت عدم القراء، ووقت لا عوض للقوم من معاذ، فكًانت حال ضرورة فلا تجعل أصلاَ يُقاسُ عليه. 581- ص- نا مُسدد: نا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن

_ (1) في الأصل:" صلاف "

62- باب: الإمام يصلي من قعود

عبد الله يقول: إن معاذاً كان يُصلِّي مع النبي- عليه السلام- ثم يرجعُ فيؤمُ قومَه (1) . ش- الحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، ولفظ مسلم: " إن معاذا كان يُصلي مع رسول الله عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة ". ولفظ البخاري: " فيُصلي بهم الصلاة المكتوبة ". * * * 62- باب: الإمام يصلي من قعود أي: هذا باب في بيان حكم الإمام يصلي قاعدا، وفي بعض النسخ: " باب إذا صلى الإمام قاعدا وفي بعضها: " إذا صلى من قعود ". 582- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا، فصُرع عنه فجُحشَ شقُّهُ الأيمنُ، فصلى صلاةً من الصلواتِ وهو قاعد وصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا صلّى قائما فصلوا قياما، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا رفع فارْفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " (2) .

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى (701) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في العشاء (178 / 465) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في العشاء الآخرة بـ " سبح اسم ربك الأعلى " (2 / 172) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (687) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام (482) ، الترمذي: كتاب الصلاة باب: ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعوداَ (361) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الإمام المأموم الإمام (2 / 82) ، وكتاب التطبيق، باب: ما=

ش- " صرع عنه " أي: سقط؛ وكذا في رواية البخاري. قوله: " فجُحش "- بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وبالشين المعجمة- من الجحش وهو مثل الخَدْش، وقيل: فوقه. وقال الخطابي (1) : معناه: أنه قد انسحج جلْده، وقد يكون ما أصاب رسول الله من ذلك السقوط مع الخدش رض في الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة. قوله: "وهو قاعد " جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي في " فصلّى ". قوله: " قعودا " حال أي: قاعدين، وهو جمع قاعد، كالسجود جمع ساجدٍ. قوله: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " تمسّك به أبو حنيفة ومالك فقالا: يأتم به في الأفعال والنيات. وعند الشافعي وغيره: يأتم به في الأفعال " الظاهرة " قوله: " قياما " حال أيضاً- أي: قائمين، وهو جمع قائم، كالصيام جمع صائم. قوله: " وإذا رفع " أي: رأسه، فارفعوا رءوسكم. قوله: " وإذا قال: سمع الله لمنْ حمده " ما وهذا مجاز عن الإجابة، والإجابة مجاز عن الدعاء، فصار هذا مجاز المجاز، والهاء فيه للسكتة والاستراحة، لا للكتابة حتى لا يجوز فيه إلا الوقف. قوله: " ربنا ولك الحمد " انتصاب " ربنا " على أنه منادى، وحرف النداء محذوف، فهذه الواو زائدة، وقيل: عاطفة تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد. وبه استدل أبو حنيفة على أن وظيفة الإمام: التسميع،

_ = يقول المأموم (2 / 195) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به (1238) . (1) معالم الحق (1 / 149) .

ووظيفة المقتدي: التحميد، لأنه- عليه السلام- قسَم، والقسمة تنافي الشركة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وعند أبي يوسف ومحمد: يأتي الإمام بهما، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، والحديث حجة عليهم. وأما المؤتم: فلا يقول إلا " ربنا لك الحمد " ليس إلا عندنا. وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما، وسنَسْتوفي الكلام في هذا الباب عند انتهائنا إلى بابه إن شاء الله تعالى. قوله: " جلوسا " حال- أيضاً- أي: جالسين، وهو جمع جالس. قوله: " أجمعون " تأكيد للضمير المرفوع الذي في قوله: " فصَلوا ". والحديث أخرجه باقي الأئمة الستة، واستدلوا به الإمام أحمد، وإسحاق ابن راهويه، وابن حزم، والأوزاعي، ونفى من أهل الحديث: أن الإمام إذا صلى قاعدا يصليْ خلفه قعوداً. وقال مالك، لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائما ولا قاعداً. وقال أبو حنيفة، والشافعي، [1/ 5، 2 - أ] والثوري /، وأبو ثور، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يُصلي خْلف القاعد إلا قائما. وقال المرغيناني: النفل والفرض سواء. والجواب عن الحديث من وجوه، الأول أنه منسوخ، وناسخه:صلاة النبي- عليه السلام- بالناس في مرض موته قاعداً وهم قيام، وأبو بكر قائم يُعلمهم بأفْعال صلاته، بناء على أن النبي- عليه السلام- كان الإمامَ، وأن أبا بكر كان مأموما في تلك الصلاة. فإن قيل: كيف وجه هذا النَسْخ، وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أن هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه أنه كان -عليه السلام إماما وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنَسائي عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مَسْروق، عن عائشة قالت: " صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا ". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرج النسائي- أيضاً-، عن حُميد، عن أنسٍ قال: آخر صلاة صلاها رسول الله مع القوم صلى في

ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر؟ قلت: مثل هذا ما يُعارضُ مَا وقع في " الصحيح " مع أن العلماء جمعوا بيْنهما، فقال البيهقي في " المعرفة ": ولا تعارض بين الخبَريْن، فإن الصلاة التي كان فيها النبي- عليه السلام- إماما هي صلاة الظهر يوم السَّبْت أو الأحد، والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها- عليه السلام- حتى خرج من الدنيا. قال: وهذا لا يُخالفُ ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه- عليه السلام- الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه- عليه السلام- وجد في نفسه خفةً، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. وقال القاضي عياض: نسخْ إمامة القاعد محتملة بقوله- عليه السلام-: " لا يؤمن اْحد بَعْدي جالسا " وبفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم اْحد منهم قاعدا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي- عليه السلام- فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه- عليه السلام- عن إمامة القاعد بعده. قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في ما سننهما، عن جابر الجُعفي، عن الشعبي، وقال الدارقطني: لم يَرْوه عن الشعبي غير جابر الجُعْفي، وهو متروك، والحديث مُرْسل لا تقوم به حجة. وقال عبد الحق في " أحكامه ": ورواه عن الجُعْفي: مجالد، وهو- أيضاً- ضعيف. الثاني: أنه كان مخصوصا بالنبي- عليه السلام-. وفيه نظر، لأن الأصل عدم التخصيص حتى يدلّ علي دليل- كما عرف في الأصول. الثالث: يُحمل قوله: " فإذا صلى جالسا فصلّوا جلوسا " على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس فاجْلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك " إذا صلى قائما فصّلوا قياما " أي: إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: " فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ". ولقائل أن يقول: لا يَقْوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور أنه- عليه السلام- صلى جالسا والناس خلفه قيام، بل ولا يصلح لأنه

يجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائما ثم قعد لعُذر، ويجعلون هذا منه سيّما وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي- عليه السلام- أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر، رواه الدارقطني في " سننه " وأحمد في " مسنده " فإن قيل: قال ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام ": وهي رواية مُرْسلة، فإنها ليست من رواية ابن عباس عن النبي- عليه السلام-، وإنما رواها ابن عباس، عن أبيه: العباس، عن النبي- عليه السلام-، كذلك رواه البزار في " مسنده " بسند فيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف، ثم ذكر له مثالب في دينه قال: وكان ابن عباس كثيرا ما يُرْسل. قلت: رواه ابن ماجه من غير طريق قيس، فقال: حدَّثنا علي بن محمد: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره إلى أن قال: قال ابن عباس: وأخذ رسول الله في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر- رضي [1/ 5،2 - ب] الله عنه- /. وقال الخطابي (1) : وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر، وأبي هريرة، وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله- عليه السلام- آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام وهذا آخر الأمرين من فعله- عليه السلام-. ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب: أن يذكر الحديث في بابه ويذكر الذي يُعارضُه في باب آخر على إثْره، ولم أجده في شيء من النُّسَخ، فلستُ ادْري كيف أغفلَ ذكر هذه القصّة وهي من أمهات السنن؟ وإليه ذهب كثر الفقهاء. قلت: إما تركها سَهْواً وغفلةً، أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه الإمام أحمدُ، فلذلك لم يذكر ما يَنْقضه، والله أعلم. 583- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن

_ (1) معالم الحق (1 / 148) .

أبي سفيان، عن جابر قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرَعه على جذْم نخلة فانفكّت قدمُه، فأتيناه نَعُوده فوجدناه في مَشْرُبَة لعائشةَ يُسبح جالسا، قًال: فقمنا خَلفه فسكت عنّا، ثم أتَيْناه مرةً أخرى نعُوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا قال: فلما قضى الصلاةَ قال: " إذا صلى الإمامُ جالسا فصلوا جلوسا، " إذا صلى الإمام قائما فصَلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعلُ أهلُ فارسٍ بُعظمائها " (1) . ش- جرير: ابن عبد الحميد. وأبو سفيان: اسمه: طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي ويقال: المكي. روى عن: عبد الله بن عباس، وابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعُبيد بن عُمير. روى عنه: الأعمش، وأبو خالد الدالاني، وحجاج بن أرطاة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لا بأس به. روى له: الجماعة إلا البخاريّ (2) . وجابر: ابن عبد الله. قوله: "على جِذم نخلة "- بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة- أي: أصل نخلةٍ، وجذْم كل شيء: أصله. قوله: " في مَشْرُبة "- بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وضمها- وهي الغرفة، وقيل: كالجرانة فيها الطعام والشراب، وبه سفيت مشربةً، والميم فيها زائدة. قوله: " يُسبّح جالسا " أي: يصلي بصلاة الضحى حال كونه جالساً قوله: " بُعظماها " العُظماء: جمع عظيم، كالكرماء جمع كريم

_ (1) ابن ماجه: كتاب الطب، باب: موضع الحجامة (3485) مختصراً (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 2983) . 8. شرح سنن أبي داوود 3

فإن قيل: كيف سكت النبي- عليه السلام- في الحالة الأولى، وأشار إليهم بالقعود في الحالة الثانية؟ قلت: لأن الحالة الأولى كان النبي - عليه السلام- فيها متطوعا، والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض "، بخلاف الحالة الثانية فإنه كان فيها مفترضا، وقد صرح بذلك. والحديث: أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ثم قال: وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد، عن أنس أنه صلى بهم قاعدا وهم قيام أنه إنما كانت تلك الصلاة سبحة، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس فجلسوا، فكان أمر فريضة لا فضيلة. 584- ص- نا سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم- المعنى- عن وهيب، عن مُصْعب بن محمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي- عليه السلام-: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد "- قال مسلم: " ولك الحمد "- " وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يَسْجد، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون (1) " (2) . ش- وُهَيْب: ابن خالد البصري. ومصعب بن محمد: ابن شرحبيل بن محمد بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن أبي عزيز القرشي العَبْدري، من بني عبد الدار بن قصي. روى عن: أبي صالح، ونافع بن مالك. روى عنه: محمد بن عجلان، والثوري، ووُهَيب، وابن عيينة. قال أحمد: لا أعلم إلا

_ (1) في الأصل: " أجمعين "، وقد ذكرها في شرحه " أجمعون "، وفي كلامه ما يشعر بأنها سبق قلم، والله أعلم. (2) تفرد به أبو داود.

خيرا. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وأبو صالح: ذكوان الزيات. قوله: " فكبروا " وبه استدل أبو حنيفة على أن المقتدي يكبر مقارنا لتكبير الإمام، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه، لأن الفاء للحال. وقال أبو يوسف، ومحمد: الأفضل: أن يكبر بعد فراغ " الإمام من التكبير / لأن [1/ 6، 2 - أ] ، الفاء للتعقيب، وإن كبر مقارنا مع الإمام أجزأه عند محمد روايةً واحدةً، وقد أساء، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف. وفي روايةٍ: لا يصير شارعا ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية على قولهما أن يُوصل ألف " الله " براء " أكبر ". وقال شيخ الإسلام جواهر زاده: قول أبي حنيفة أدقُّ وأجودُ، وقولهما أرفقُ وأحوطُ، ثم قيل: الخلاف في الجواز والفتوى أنه في الأفضلية. وقول الشافعي كقولهما، وعند الماورديّ: إن شرع في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها، دم تنعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته، إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور. قوله: " وإذا ركع فاركعوا " الفاء فيه وفي قوله: " فاسجدوا " تدل على التعقيب، وتدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، حتى إذا سبق الإمام فيهما ولم يلحقه الإمام فسدت صلاته. قوله: " قال مسلم " أي: مسلم بن إبراهيم القصاب أحد شيوخ أبي داود. قوله: " أجمعون " تأكيد للضمير الذي في " فصلوا "، وفي بعض النسخ،" أجمعين "، فإن كان صحيحا فوجهه أن يكون تأكيداً لقوله: " قعودا ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال له (28/ 5989) .

ص- قال أبو داود: اللهم ربنا لك الحمد. أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان. ش- أي: بدون حرف الواو. وسليمان: هو ابن حرب، اْحد شيوخ أبي داود. 585- ص- نا محمد بن اَدم: نا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زبد ابن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " إنما جُعِل الإمامُ ليؤتم به " بهذا الخبر، زادَ: " وإذا قرأ فأنصتوا " (1) . ش- محمد بن آدم: ابن سليمان المصيصي. وأبو خالد هذا: هو سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر الجعفري الكوفي الأزدي، ولد بجرجان. سمع: يحيى الأنصاري، وسليمان التيمي، والأعمش، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. روى عنه: أحمد ابن حنبل، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال- أيضاً-: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة سبعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وزيْد بن أسلم: مولى عمر بن الخطاب. قوله: " بهذا الخبر" أي: الخبر المذكور المرويّ من طريق مُصعب، عن أبي صالح، وزاد أبو خالد في هذا الطريق المروي من " طريق " زيد بن أسلم عن أبي صالح: " وإذا قرأ " أي: الإمام " فأنْصِتوا ". وبهذا استدل أصحابنا أن المقتدي لا يقرأ خلْف الإمام أصلاً، وهو حجة على الشافعي، حيث يُوجب القراءة على المقتدي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: تأويل قوله عَر وجَل: {وإذا قرىْ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (2 / 141) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (846) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11 / 2504) .

وقال صاحب " الهداية ": يستحسن على سبيل الاحتياط، فيما يروى عن محمد، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد. قلت: المراد منه في غير الجهرية. وفي الجهرية اختلف المشايخ قال بعضهم: لا يكره، وإليه مال الشيخ الإمام أبو حفص، والأصح: أنه يكره، وقال شمس الأئمة السرخسي: تفسد صلاته. وقوله:، " لما فيه من الوعيد " وهو ما رواه أبو بكر (1) : حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن عليّ قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. وحدَّثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن أبي نجاد، عن سَعْدٍ قال: وددتُ أن الذي يَقرأ خلف الإمام في فيه جمرة. وحدثنا هشيم قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن وَبْرة، عن الأسود بن يزيد أنه قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئَ فُوه ترابا. وسَنَسْتوفي الكلام عند انتهائنا إلى باب " من ترك القراءة في صلاته " إن شاء الله تعالى. والحديث: رواه النسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة في " مصنفه ". ص- وهذه الزيادة: " إذا قرأ فأنصتوا " ليْست بمحفوظة، الوهمُ من أبى خالد عندنا. ش- " هذه ": مبتدأ، و " الزيادة ": مبتدأ ثان، وخبره: " ليْست بمحفوظة "، والجملة خبر المبتدأ الأول. وقوله: " إذا قرأ فأنصتوا " في محل البيان عن الزيادة. وقوله: " الوهمُ " مبتدأ، وخبره: قوله: " من أبي خالد "، وفي غالب / النسخ: " الوهم عندنا من أبي خالد " (2) ، وكذا قال البيهقي [1 / 206 - ب]

_ (1) انظره والآثار التي بعده في المصنف (1 / 376- وما بعدها) . (2) كما في سنن أبي داود.

في " المعرفة " بعد أن روى حديث أبي هريرة وأبي موسى وقد أجمع الحُفاظ على خطإ هذه اللفظة في الحديث: أبو داود، وأبو حاتم، وابن معين، والحاكم، والدارقطني وقالوا: إنها ليست بمحفوظة، وقال الدارقطني: وقد رواه أصحاب قتادة الحُفّاظ عنه، منهم: هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعَدي بن أبي عمارة، ولم يَقل أحد منهم: " وإذا قراْ فأنصتوا "، قال: وإجماعهم يدل على وهمه، وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة محفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان، وعن ابن معين في حديث ابن عجلان: " وإذا قرأ فأنصتوا ": ليس بشيء. قلت: في هذا كله نظر، لأن أبا خالد هذا من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في " صحيحيهما "، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة، فقد أخرج النسائي هذا الحديث في " سننه " بهذه الزيادة من طريق محمد بن سَعد الأنصاريّ، ومن طريق أبي خالد الأحمر ومحمد ابن سَعْد: ثقة، وَثقه يحيى بن مَعين، ومحمد بن عبد الله المخرمي والنسائي، فقد تابع ابنُ سَعْد هذا أبا خالد، وتابعه- أيضا إسماعيلُ ابن أبان، وبهذا ظهر أن الوهم ليس من أبي خالد كما زعم أبو داود، وابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان، ويؤكد هذا: ما يُوجد في بعض نسخ مسلم هذه الزيادة عقيب هذا الحديث. وقال أبو إسحاق صاحب مُسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث: أي طعن فيه؟ فقال مسلم: تريد احفظ من سليمان؟ " فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة تقول هذا صحيح؟ يعني: " وإذا قرأ فأنصتوا لا فقال: هو عندي صحيح، فقال: لمَ لمْ تضعه هاهنا؟ قال: ليْس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إَنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث أبي هريرة- رضي الله عنهما. وأيضا هذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والعجب من أبي داود نسَب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم يَنْسب إلى ابن عجلان وفيه كلام.

586- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي- عليه السلام- أنها قالت: صلّى رسول الله [صلى الله] عليه وسلم في بَيْته وهو جالس فصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: " إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صَلى جالسا فصَلّوا جلوسا " (1) . ش- " أن اجلسوا " أن تفسيريّة كما في قوله تعالى: {فَأوْحَيْنَا إِلَيْهِ أنِ اصْنَع الفُلكَ} (2) . وجواب هذا الحديث: ما مر في حديث أنس وجابر- رضي الله عنهم-. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. 587- ص- نا قتيبة بن سعيد، ويزيد بن خالد بن موهب المعنى أن الليث حدثهم عن أبي الزبير، عن جابر قال: اشتكى النبي- عليه السلام- فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُكبر يُسْمع (3) الناس تكبيره، ثم ساق الحديث (4) . ش- الليث: ابن سَعْد، وأبو الزُّبير: محمد بن مسلم بن تدرس المكي الأسدي. قوله: ما اشتكى النبي- عليه السلام- لما أي: مَرِضَ، من الشكْو وهو المَرضُ، تقول منه: شكى يشكو واشتكى شكايةً وشكاوة وشكوَى

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (688) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الإمام المأموم بالإمام (82 / 412) . (2) سورة المؤمنون: (27) ، وفي الأصل: " وأوحينا ". (3) في سنن أبي داود: " ليسمع ". (4) النسائي: كتاب السهو، باب: الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا، (3/ 8) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به (1240) .

وشكوى. قال أبو علي: والتنوين رَديء جدا. وقال ابن دريد: الشكوُ مصدر شكوتُه. قوله: " ثم ساق الحديث " وتمامُه في " صحيح مسلم ": " فالتفتَ إلينا صلى الله عليه وسلم فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: " إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارسَ والروم " يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صَلّوا قياما فصلوا قياما، وإن صلوا قعوداً فصلّوا قعودا ". وأخرجه النسائي، وابن ماجه. 588 - ص- نا عَبْدة بن عبد الله: نا زيد- يعني: ابن الحُباب، عن محمد بن صالح: حدَثني حُصَين من ولد سَعْد بن معاذ، عن أسَيْد بن [1/ 207 - أ] ، حُضَير / أنه كان يَؤُمهِم قال: فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُوده فقال (1) : يا رسولَ الله، إن إمامنا مريض فقال: " إذا صلى قاعداً فصلوا قعُودا " (2) . ش- عَبْدَة بن عبد الله: ابن عبْدة الصفار الخزاعي أبو سهل البصري، أصله كوفي. روى عن: معاوية بن هشام، ومحمد بن بشر العبْدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغيرهم. روى عنه: البخاريّ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثمان وخمسة ومائتين بالأهْواز (3) . وزيد: ابن الحُباب بن الريان الكوفي. ومحمد بن صالح: ابن دينار التمار المدني، أبو عبد الله، رأى ابن المسيّب. وروى عن: ابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وحميد بن نافع، وغير. روى عنه: عبد الله بن نافع الصائغ، وأبو عامر العقدي، والقعنبي، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي ولا يعجبني حديثه. وقال أحمد: ثقة ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فقالوا ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3616) . (4) المصدر السابق (25 / 5293) .

وحُصَيْن: ابن عبد الرحمن بن [عمرو بن] سَعْد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي المدني. روى عن: محمود بن عَمرو، وعبد الرحمن ابن ثابت، ومحمود (1) بن لبيد. روى عنه: محمد بن إسحاق، وعتبة بن جُبيرة المدني. وقال ابن سَعْد: ويكنى أبا محمد، وكان قليل الحديث. توفي سنة ست وعشرين ومائة (2) . وهذا الحديث وأمثاله كما قلنا منسوخ، لأن آخر ما صلى عليه السلام صلى قاعداً والناس خلفه قيام، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله عليه السلام، قاله الحُميدي. وابن حبان لم يَر بالنسخ، فإنه قال بعد أن روى حديث عائشة المذكور: وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة: جابر ابن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حُضير، وقيْس بن قَهْد، ولم يُرْو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسْناد متصل ولا منقطع فكان إجماعا، والإجماعُ عندنا إجماع الصحابة، وقد أفتى به من التابعين: جابرُ بن زيد، ولم يُرْو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا وَاه، فكان إجماعا من التابعين- أيضاً وأولُ من أبطل ذلك في الأمة: المُغًيرة بن مقسم، وأخذ عنه: حماد بن أبي سليمان، ثم أخذه عن حماد: أبو حنيفة، ثم عنه: أصحابه، وأعلى حديث احتجوا به: حديث رواه جابر الجُعْفي، عن الشعبي قال عليه السلام: " لا يؤمن أحد بعدي جالسا "؛ وهذا لو صح إسناده لكان مُرْسلاً، والمُرسل عندنا وما لم يُرْو سيان، لأنا لو قبلنا إرسال تابعي وإن كان ثقةً للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين، وإذا قبلنا لزِمَنا قبوله من أتباع أتْباع (3) التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا نقض الشريعة. والعجب أن أبا حنيفة يَجْرحُ جابرا الجُعفي ويكذبه، ثم لما اضطره الأمرُ جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحُسن بن (1) في الأصل:" محمد " خطأ. (2) المصدر السابق (6 / 1357) (3) كتب فوقها:" صح "

عبد الله بن يزيد القطان بالرقة: ثنا أحمد بن أبي الحوراء: سمعت أبا يحيى الحُماني: سمعت أبا حنيفة يقولُ: ما رأيْتُ فيمن لقيتُ أفضل من عطاء، ولا لقيتُ فيمن لقيت كذبَ من جابر الجُعْفي، ما أتيته بشيءٍ من رأى قط إلا جاءني فيه بحديثٍ. قلتُ: أما إنكاره النسخ: فليس له وَجْه، وقد ذكرنا وجهه مستوفى. وأما قوله: " أفتى به من الصحابة، جابر وغيره "، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ، وعِلمُ الخاصة يُوجد عند بَعْضٍ ويَغرب عن بعْضٍ. انتهى، وكذا مَنْ أفتى به من التابعين لم يبلغه خبر النسخ، وأفتى بظاهر الحديث المنسوخ، وأما قوله: " والإجماع عندنا إجماع الصحابة، فغير مُسلم، لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصرٍ، بل هي تتناول لأهل كل عصرٍ كتناولها لأفل عصر الصحابة، إذ لو كانت خطابا للموجودين وقت النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد مَوْت من كان موجودا وقت النزول، لأنه ح (1) لا يكون إجماعهم إجماع جميع المخاطبين وقت النزول، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسْلم، أو ولد من الصحابة بعد [1/ 207 - ب] النزول، لكونهم خارجين عن الخطاب، / وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف. وهذا الذي قاله ابن حبان هو مذهب داود وأتباعه. وأما قوله: " والمرسل عندنا وما لم يُرْو سيان، إلى آخره فغير مُسلم - أيضا لأن إرسال العدل من الأئمة تعديل له، إذ لو كان غير عدل لوجب علي التنبيه على جرْحه، والإخبار عن حاله، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيسا أو تحميلاً للناس على العمل بما ليس بحجة، والعدل لا يتهم بمثل ذلك، فيكون إرساله توثيقا له، لأنه يحتمل أنه كان مشهورا عنده فروي عنه بناء على ظاهر حاله، وفوض تعريف حاله إلى السامع حيث ذكر اسمه، وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق ------------------- (1) أي: " حينئذ ".

63- باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان

الصحابة، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس- رضي الله عنه- مع أنه لم يسمع من النبي- عليه السلام- إلا أربع أحاديث لصغر سنه - كما ذكره الغزالي- أو بضع عشر حديثاً- كما ذكره شمس الأئمة السرخسي. وقال ابن سيرين: ما كنا نُسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة. وقال بعضهم: ردّ المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة وأبو العالية والحسن من أهل البصرة ومكحول من أهل الشام كانوا يُرْسلون ولا يظن إلا الصدق، فدل على كون المرسل حجة، نعم وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث، فعند أبي الحسن الكرخي: نقبل إرسال كل عدل في كل عصر، لأن العلة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي العدالة والضبط يَشمل سائر القرون، فبهذا التقرير انتقض قوله: " وفي هذا نقض الشريعة ". وأما قوله: " والعجب من أبي حنيفة " إلى آخره، فكلائم فيه مجرد تشنيع بدون دليل جلي، فإن أبا حنيفة من اْين احتج بحديث جابر الجُعْفي في كونه ناسخا ومَنْ نقلَ هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون مُتناقضاً في قوله وفعله؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب بمثل ما احتج به غيره كالشافعي والثوري وأبي ثور وجمهور السلف- كما مر مستوفى. ص- قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمتصل. ش- أي: حديث حُصَين، لأنه يَرْوى عن التابعين، لا يحفظ له رواية عن الصحابة، سيما أسيد بن حضير، فإنه قديم الوفاة، توفي سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين- كما ذكرناه- وحصين هذا توفي سنة ست وعشرين ومائة- كما ذكرناه. *** 63- بَابُ الرَّجُلَيْن يَؤمُّ أحدُهما صاحبه كَيْفَ يقومانِ؟ أي: هذا باب في بيان الرجلة يؤم أحدهما صاحبَه كيف يقومان؟

وفي بعض النسخ: " يؤم أحدهما الآخر "، وفي بعضها: " باب ما جاء في الرجلين ". 589- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حَرام فأتوه بسَمْن وتمر فقالَ: " رُدّوا هذا في وعائه وهذا في سقائه فإني صائمٌ "، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعا، فقامت أم سُليم وأم حرام خلفنا. قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط؟ (1) . ش- حماد: ابن سلمي، وثابت: البناني. وأم حرام أخت أم سليم بنت ملحان، ويقال: اسمها: الغُميصاء. وقال أبو عمر النمري: لا أقف لها على اسم صحيح. وفي " الكمال ": اسم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن مالك بن النجار، يقال: اسمها: الرميصاء، ويُقال: الغُميصاء. روى عنها: اْنس بن مالك، وعطاء بن يَسار، ويعلى بن شداد. روى لها: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأم سليم بنت ملحان المذكور [ة] وهي أم أنس بن مالك، اسمها: سُهَيْلة، وقد ذكرناها، ويقال اسم ملحان: مالك. قوله: " هذا في وعائه" أي: ردوا التمر في ظرفه. قوله: " وهذا في سقائه " أي: ردوا السمن في سقائه، السقاء- بكسر السين- ظرف من الجلد يجعل فيه الماء واللبن ونحوهما والجمع: أسقية. قوله: " قال ثابت " أي: ثابت البناني، " ولا أعلمه " أي: ولا أعلم أنساً " إلا قال: أقامني رسول الله عن يمينه على بساط ". {1/ 208 - أ] ويُستفاد من / الحديث فوائد، الأولى: جواز دخول الرجل في بَيْت صاحبه ومَن بَيْنه وبينه انْبساط. -------------------------- (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35 / 7962) .

الثانيةُ: استحباب تقديم الطعام لمنْ ينزل عنده. الثالثة: جواز ترك الإفطار إذا كان صائماً، إلا إذا كان مَدْعوا فح (1) الإفطار أفضل. الرابعة: جواز الجماعة في التطوع. الخامسة: أن السُّنَّة فيمن يُصفي إماماً للرجال والنساء يجعل النساء وراء الرجال، فإن كان الرجل وأحداً يُوقفُه على يمينه متساوياً، فإن كان اثنان غير، يتقدم عليهما كما يجيء إن شاء الله تعالى. 590- ص- نا حَفْصُ بن عمر: نا شعبة، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس يُحدث عن أنس أن رسولَ الله- عليه السلام- أمه وامرأةً منهم فجعله عن يمينه والمرأة خلفً ذلك (2) . ش- حفص بن عمر: النمري البصري. وعبد الله بن المختار: البصري. روى عن: موسى بن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين، وغيرهم. روى عنه: شعبة وغيره. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وموسى بن أنس: ابن مالك الأنصاري قاضي البصرة، سمع: أباه. روى عنه: حميد الطويل، ومكحول، وابن عون، وشعبة، وغيرهم. قال ابن سعد: كانت أقه من أهل اليمن، وكان ثقة قليل الحديث. روى له: الجماعة (4) . ------------------------- (1) أي: فحينئذ. (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (269 / 660) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة (2 / 86) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الاثنان جماعة (975) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16 / 3556) . (4) المصدر السابق (29 / 6237) .

قوله: " وامرأةً " عطف على الضمير المنصوب في " أمه ". قوله: " والمرأةَ " أي: جعل المرأةَ خلف ذلك. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 591- ص- نا مسند: نا يحيى، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسولُ الله من الليل فأطلق القِربةَ فتوضأ ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة، فقمتُ فتوضأتُ كما توضأ، ثم جئت فقمتُ عن يَسارِه فأخذني بيمينه فأدَارني من ورائه، فأقامني عن يمينه فصليتُ معه (1) . ش- يحيى: القطان. وعبد الملك بن أبي سليمان العَرزمي (2) أبو محمد أو أبو عبد الله الكوفي، واسم أبي سليمان: ميْسرة، نزل حارة عرْزم (2) بالكوفة فنُسب إليها. روى عن: انس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وغير هم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ويحمى القطان، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. قال ابن معين: ضعيف. مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: الجماعة إلا البخاري (3) . وعطاء: ابن أبي رباح. وميمونة: بنت الحارث أخت أم ابن عباس أم الفضل بنْت الحارث. قوله: " فأطلق القربةَ " أي: أرسلها بمعنى: حل شدها ------------------------ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين (697) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (763) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل (232) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الجماعة إذا كانوا اثنين (2 / 104) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنة فيها، باب: الاثنان جماعة (973) (2) في الأصل: " العزرمي- عزرم " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال له (18 / 3532) .

قوله: " ثم أوْكأ القربة " أي: شد رأسها بالوِكاء، وهو الخيط الذي تشدُ به القربة والكيس ونحوهما، يُقال: أوكيتُ السقاء أوكِيه إيكاء فهو موكى. ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: جواز مبيت الرجل عند محارمه مع الزوج، وقيل: إن ابن عباس- رضي الله عنه- تحرى وقتاً لذلك لا يكون فيه ضرر بالنبي- عليه السلام-، وهو وقت الحيض، وقيل: إنه بات عندها لينظر إلى صلاة رسول الله- عليه السلام-. الثانية: جواز الائتمام بمنْ لم ينو الإمامة. الثالثة: أن الصبي له موقف في الصف مع الإمام. الرابعة: أن موقف المأموم الواحد مع الإمام يمين الإمام. الخامسة: أن العمل اليَسيرَ في الصلاة لا يُبْطلها. السادسة: جواز الجماعة في التطوع. السابعة: استحباب القيام من الليل. والحديث: أخرجه الستة مُطولاً ومختصراً. 592- ص- نا عمرو بن عون: نا هُشيم، عن أبي بشْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في هذه القصّة قال: فأخذ برأسي أول بذؤابتي، فأقامني عن يمينه (1) . ش- عمرو بن عون: أبو عثمان الواسطي البزاز، وهُشيم: ابن بَشير السُّلَمي الواسطي، وأبو بِشر: جَعْفر بن أبي وَحْشيّة. قوله: " في هذه القصة " أي: القصة المذكورة. قوله: " أو بذؤابتي " شك من الراوي، والذؤابة- بضم الذال المعجمة- من الشعر، وهو مهموز العين، وجمعها: ذوائب، فافهم. ***** (1) البخاري: كتاب اللباس، باب: الذوائب (5919) .

64- باب: إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون

64- بَابٌ: إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون؟ أي: هذا باب في بيان ما إذا كان المصلون ثلاثة أنفس كيف يقومون في الصلاة؟ 593- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن] 1/ 208 - ب] أبي طلحة، عن أنس / بن مالك أن جدته: مُليكة دعَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لطعامِ صنعَتْه فأكل منه، ثم قال: " قوموا فلأصلب لكم " قال أنس ": فقمتُ إلى حَصِيرِ لنا قد اسود من طول ما لُبسَ، فنضحتُه بماء فقام علي رسولُ الله،، فصففت (1) أنا واليتيم وراءه والَعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتَيْن ثم انصرف (2) . ش- مالك: ابن أنس، وإسحاق بن عبْد الله بن أبي طلحة: زيد بن سَهْل الأنصاري. قوله: " أن جدته مُليكة " الضمير في " جدته " يَرْجع على إسحاق المذكور، وهي جدة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة، وهي أم سليم بنْت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك، ويقال، الضميَر يرجع على أنس، وهو القائل: " أن جدته " وهي جدة أنس بن مالك أم أمه، واسمها: مُليكة بنت مالك بن عدي، ويؤيد الوجْه الأول أن في بعْض طرق الحديث: " أن أم سُليم سألت رسول الله- عليه السلام- أن يأتيها " أخرجه النسائي عن يحي بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله فذكره، وأم سُليم هي أم أنس، جاء ذلك مصرحاً في البخاري. وقال النووي في " الخلاصة ": الضمير في جدته لإسحاق على الصحيح ------------------------------- (1) في سنن أبي داود: " وصففت ". (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الحصير (380) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصيرة وخمرة وثوب وغيرهما من الطاهرات (658) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء (234) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إذا كانوا ثلاثة وامرأة (2 / 86) .

وهي أم إسحاق، وجدة إسحاق، وقيل: جدّة أنس، وهو باطل، وهي أم سليم صرّح به في رواية للبخاري. ومُليكة- بضم الميم وفتح اللام-، وبَعْض الرواة رواه بفتح الميم وكسر اللام، والأول أصح. قوله: " الطعام " أي: لأجل طعام. قوله: " فأكل منه " فيه حذف، أي: فأجاب دعوته فجاء فأكل منه. قوله: " من طول ما لُبس " أي: من كثرة ما استُعْمل. وقال الشيخ تقي الدين: دل ذلك أَن الافتراش يطلق علي لباس، ورتب على ذلك مسألتان، أحدهما: لو حلف لا يلبس ثوبا ولم يكن له نية فافترشه أنه يحنث، والثانية: أن افتراش الحرير حرام، لأنه كاللّبس. قلت: أما الأولى فإنما يحدث فيه، لان مبنى اليمن على العُرْف، وأما الثانية: فليْس الافتراش كاللبس، لأن بجواز الافتراش قد جاء الحديث. قوله: " فنضحته " إن كان لنجاسة متيقنة يكون النضح هاهنا بمعنى الغَسل، وإن كان لتوقع نجاسة لامتهانه بطول افتراشه يكون النضح بمعنى الرش لتطييب النفس، ويقال: إن كان النضح ليلين الحصير للصلاة يكون بمعنى الرش وأن كان لوَضَر الدوس والأقْدام يكون بمعنى الغَسْل. قوله: " فصففت أنا واليتيمُ وراءه " فيه حجة لجمهور الأمة في أن موقف الاثنين وراء الإمام، وكان بعض المتقدمة رأى أن يكون موقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وقوله: " واليتيم " عطف على ما قبله، إنما ذكر " أنا " لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل لا يجور إلا بعد الضمير المرفوع المنفصل، حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل، وقد ذكرناه غير مرة، وكالعجوز " عطف على واليتيم "، واسم اليتيم: سميرة بن سَعد الحميري، جذ حسين بن عبد الله بن ضُميرة. قوله: " ثم انصرف " أي: عن البَيْت، وهذا هو الأقرب، ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة، إما على رأي أبي حنيفة بناء على أن السلام 9. شرح سنن أبي داوود 3

لا يدخل تحت مُسمى الركعتين، وإما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلل الذي يَسْتعقب السلام. ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: فيه استحباب التواضع وحسن الخلق. الثانية: إجابة دَعْوة الداعي. الثالثة: فيه دليل على إجابة أولي الفضل لمنْ دعاهم لغير الوليمة. الرابعة: استحباب الصلاة للتعليم، أو لحصول البركة. الخامسة: فيه بيان موقف الاثنين وراء الإمام لما ذكرنا. السادسة: فيه دليل على أن للصبي موقفا في الصف. السابعة: فيه دليل على أن موقف المرأة وراء موقف الصبي. الثامنة: فيه دليل على جواز الاجتماع في النوافل خلف الإمام. التاسعة: فيه دليل على أن صلاة الصبي (1) صحيحة معتد بها. العاشرة: عدم كراهة الصلاة على الحصير ونحوه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. 594- ص- نا عثمان بن أبي شيبة /: نا محمد بن فضيل، عن هارون ابن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: استأذن علقمة والأسْودُ على عبد الله وقد كُنا أطَلنا القعود على بابه، فخرجت الجاريةُ فاستأذنت لهما فأذن لهما، ثم قام فصلى بيني وبَينه، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول اللهِ فعَلَ (2) . ش- محمد بن فضيل: ابن غزوان الكوفي. وهارون بن عَنْترة: الشيباني الكوفي، أبو عبد الرحمن. روى عن: ------------------------- (1) في الأصل: " صبي الصلاة " (2) النسائي: كتاب الإمامة، باب: موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة (2 / 84) .

65- باب: الإمام ينحرف بعد التسليم

أبيه، وعبد الرحمن بن الأسود. روى عنه: عمرو بن مُرة، والثوري، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به مستقيم الحديث. وقال الدارقطني: متروك يكذب. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وعبد الرحمن بن الأسود: ابن يزيد أبو بكر الكوفي. وأبُوه: الأسْودُ ابن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو عبد الرحمن، وقد ذكرناهما. وعلقمة: ابن قَيْس النخعي الكوفي عم الأسْود، وعبد الله: ابن مسعود الصحابي- رضي الله عنه. ويُستفاد من هذا الحديث: أن الإمام إذا كان معه اثنان يتساوى بهما ولا يتقدم عليهما، وبه استدل أبو يوسف في أن الإمام يتَوسطهما، والأصح: قول الجمهور للأحاديث الصحيحة، والجواب عن هذا: أنه محمول على أنه دليل الإباحة. وقال أبو محُمر النمري: هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم: التوقيف على ابن مَسْعود، أنه كذلك صلى بعلقمة والأسْود. وهذا الذي أشار إليه أبو محمر قد أخرجه مسلم في " صحيحه " أن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسْود وهو موقوف. وقال بعضهم: حديث ابن مسعود منسوخ، لأنه إنما يعلم هذه الصلاة من النبي- عليه السلام- وهو بمكة وفيها التطبيق، وأحكام أخَرُ هي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبي- عليه السلام- المدينة تركوه. ***** 65- بَابُ: الإمام ينحرف بعد التسليم أي: هذا باب في بيان الإمام ينحرف بعد تسليمه، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الإمام يَتحرف بعد السّلام " 595- ص- نا مسدد: نا يحيى عن سفيان: حدثني يعلى بن عطاء ------------------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30 / 6521) .

عن جابر بن يزيد بن الأسْود، عن أبيه قال: صَلّيتُ خلف النبي- عليه السلام- فكان إذا انصَرف انْحرف (1) . ش- يحيى: القطان، وسفيان: الثوري، ويعلى بن عطاء: القرشي الطائفي، وجابر وأبوه: يزيد الصحابي ذكرناهما. قوله: " إذا انصرف انحرف " يعني: إذا انصرف من الصلاة انحرفَ واستقبل القوم، والمراد من الانصراف: السلام. وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب، فقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يَقُوم، وما لا يتنفل بعدها كالعَصْر والصبح فلا، وقال أبو محمد: يتنفل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق علي من سجوده سهو ولا غيره. وقال مالك: لا يثبت الإمام بعد سلامه. وقال أشهب: له أن يتنفل في موضعه، أخذاً بما رُوي عن القاسم بن محمد. قال ابن بطال: ولم أجده لغيره من الفقهاء. وقال الشافعي: يستحب له أن يثبت ساعةً. وقال ابن بطال: وأما مكث الإمام في مصلاه بعد السلام فكرهه كثر الفقهاء إذا كان إماما راتبا، إلا أن يكون مكثه لعلة كما فعل رسول الله، وهو قول الشافعي، وأحمد. وقال مالك: يقومَ ولا يقعد في الصلوات كلها إذا كان مسجد جماعة، فإن كان في سفر فإن شاء قام وإن شاء قعد. قال ابن خربوذ: من غير أن يَستقبل القبْلة. وفي " المصنف ": حدَثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أَبي الأحوص قال: كان عبد الله إذا قضى الصلاة انفتل سريعاً، فإما أن يقوم وإما أن ينحرف. حدَّثنا هشيم، عن منصور وخالد، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر قال: كان الإمام إذا سلم قام، وقال خالد: انحرف. حدَثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي رزين قال: صليتُ خلف عليا فسلم عن يمينه وعن يساره، ثم وثب كما هو. ------------------------ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة (219) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده (2 / 112، 113) .

حدثنا علي بن مسهر، عن ليث، عن مجاهد قال: قال عمر- رضي الله عنه-: جلوس الإمام بعد التسليم بدْعة. حدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن أبي حصين قال: كان أبو عُبيدة ابن الجراح إذا سلم كأنه على الرضف حتى يقوم. حدثنا أبو معاوية /، عن عاصم، عن عبيد الله بن الحارث، عن [1/ 209 - ب] ، عائشة قالت: كان رسول الله- عليه السلام- إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا (1) الجلال والإكرام " حدثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن، أنه كان إذا سلم انحرف أو قام سريعاً. حدثنا أبو داود، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان إذا سلم قام وذهب كما هو ولم يجلس. حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم أنه كان إذا سلم انحرف واستقبل القوم. حدثنا وكيع، عن أبي عاصم الثقفي، عن قيس بن مسلم، عن طارق ابن شهاب أن عليا لما انصرف استقبل القوم بوجهه. وفي كتاب ابن شاهين من حديث سفيان، عن سماك، عن جابر: كان النبي- عليه السلام- إذا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا، ومن حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: صليتُ مع النبي- عليه السلام- فكان ساعةَ يُسلم يقومُ، ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثبَ من مكانه كأنه يقومُ عن رَضفة. قال ابن شاهين: الحديث الأول عليه العمل في الصلاة التي لا يتنفل بعدها، والثاني في الذي بعده تنفل. وحديث جابر بن يزيد هذا: أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. 596- ص- نا محمد بن رافع: نا أبو أحمد الزُّبيري: ما مِسْعر، عن ---------------- (1) كذا، وفي المصنف لابن أبي شيبة (1 / 302) : " يا ذا الجلال والإكرام ".

ثابت بن عُبيد، عن عبيد بن البراء، عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحْببنا أنْ نكُون عَنْ يَمِينه، فيُقْبلُ علينا بوَجْهِهِ (1) . ش- محمد بن رافع: القُشيري النيسابوري. وأبو أحمد: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الزبيري الأسدي مولاهم الكوفي، نُسب إلى جده، وليس من ولد الزبير بن العوام. سمع: مسْعراً، ومالك بن أنس، وزهير بن معاوية، وغيرهم. روى عنه: ابنه: طاهر، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن رافع، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال العجلي: ثقة. مات سنة ثلاث ومائتين بالأهواز. روى له الجماعة (2) . ومسعر: ابن كدام، وثابت بن عبيد: الأنصاري الكوفي. وعُبَيْد بن البراء: ابن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، أخو يزيد (3) والربيع ولوط. روى عن: لبيه. روى عنه: ثابت بن عبيد، ومحارب ابن دثار. قال أحمد بن عبد الله: كوفي تابعي ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . واختلف العلماء في الرجل إذا سلم، ينصرف عن يمينه أو عن يساره؟ فقالت طائفة: ينصرف عن يمينه، فاستدلوا بهذا الحديث، وكذا روى أبو بكر: نا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أنس أن النبي- عليه السلام- كان ينصرف عن يمينه. وقالت طائفة: ينصرف عن شماله، لما روى أبو بكر: نا وكيع، عن -------------------- (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب يمين الإمام (62 / 709) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: المكان الذي يستحب من الصف (1 / 94) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فضل ميمنة الصف (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25 / 5343) . (3) في الأصل: " زيد " خطأ. (4) المصدر السابق (9 1 / 3705) .

66- باب: الإمام يتطوع في مكانه

سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية أن أبا عُبيدة رأى رجلاً انصرف على يَساره فقال: أما هذا فقد أصاب السُّنَة. وقالت طائفة: إن كانت حاجته عن يمينه ينصرف عن يمينه، وإن كانت عن شماله ينصرف عن شماله، لما روى أبو بكر: نا الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي- رضي الله عنه- قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة، فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فحِد نحو حاجتك. وحديث البراء: أخرجه النسائي، وابن ماجه، وفي حديث ابن ماجه: عن ابن البراء، عن أبيه؟ ولم يُسمه. ****** 66- بَابُ: الإِمَام يتطوعُ في مكَانه أي: هذا باب في بيان أن الإمام هل يتطوع في المَكان الذي صلى فيه الفرض أم لا؟ وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الإمام ". 597- ص- نا أبو توبة الربيع بن نافع: نا عبد العزيز بن عبد الملك القرشي: نا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شُعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يُصلي الإمامُ في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول " (1) . ش- أي: حتى ينتقل من الموضع الذي صلى فيه الفرض، وعن هذا قالت العلماء: المستحب للإمام أن يتنفل بعد الفَرْض في غير مَوْضع الفرض. وقال أبو بكر: حدثَّنا شريك، عن ميسرة بن المنهال، عن عمار بن عبد الله، عن عليا قال: إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام. حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن ----------------- (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة النافلة حيث نصلى المكتوبة (1428) .

67- باب: الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه

الشعبي، عن ابن عُمر، أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه، ولم ير به لغير الإمام بأساً. حدَّثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه [1/ 210 - أ] الفريضة. وكذا / بإسناده عن ابن أبي ليلى، وابن المسيب، والحسن، وإبراهيم- رحمهم الله. ص- قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة. ش- لأن عطاء الخراساني مولى المهلب بن أبي صُفْرة، ولد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر. *** 67- بَابُ: الإمام يُحْدثُ بَعْدَ ما يَرْفعُ رأسَه (1) أيْ: هذا باب في بيان حكم الإمَام الذي يُحْدث بعد ما يرفع رأسه من آخر الركعة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاءَ في الإمام يُحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة ". 598- ص- نا أحمد بن يونس: نا زهير: نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عَمرو أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا قضى الإمامُ الصلاةَ وقَعدَ فأحْدث (2) قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته، ومَنْ كان خلفه ممن أتم الصلاة " (3) . ش- زُهير: ابن معاوية. ------------------- (1) في سنن أبي داود: " ... رأسه من آخر ركعة "، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (2) سقطت كلمة " فأحدث " من سنن أبي داود. (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يحدث في التشهد (408) .

وعبد الرحمن بن رافعِ: التنوخي قاضي إفريقية، يكنى أبا الجَهْم. روى عن: عبد الله بن عمرو، وعقبة بن الحارث. روى عنه: عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم الإفريقي، وسليمان بن عوسجة، وغيرهم. قال البخاري: في حديثه مناكير. توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وبكر بن سوادة: ابن ثمامة المصْري. قوله: " إذا قضى الإمامُ الصّلاةَ " مَعْناه: إذا فرغ منها وقعد في آخرها، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، لأنه لم يبق علي شيء من الفروض. قوله: " ومَنْ كان خلفه " أي: وصلاة من كان خلفه- أيضاً ممن أتم الصلاة، والمرادُ منه: صلاة المدركين بخلاف المَسبوقين فإن حَدَثَ. الإمام يكون في أثناء صلاتهم فتفسدُ. وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المصلي إذا سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهد، لا يضر ذلك صلاته، فيقوم ويتوضأ ويُسلم، لأنه لم يبق عليه إلا التسليم فيأتي به، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم، أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته لأنه لم يبق علي شيء من الأركان، وإن رأى المتيمم (2) الماء، أو كان ماسحاً فانقضت مدة مسحه، أو خلع خفيه بعمل يسيرِ، أو كان أمّيا فتعلم سورة، أو عرياناً فوجد ثوبا أو مُومئاً قَمَرَ على الركوع والسجود، أو تذكر فائتةَ علي قبل هذه، أو القارئ اسَتخلف أمياً في هذه الحالة، أو طلعت الشمس في الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعة، أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن بُرء، أو كان صاحب عُذر فانقطع عذره كالمستحاضة ومن بمعناها، لم تبطل الصلاة في الكل عند أبي يوسف ومحمد بهذا الحديث. وقال أبو حنيفة: تبطل في الكل، وذلك لأن الخروج ------------------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17 / 3811) . (2) في الأصل: " التيمم ".

من الصلاة بصُنعه فرض عنده، ولم يُوجَدْ صُنْعه، وفسروا ذلك: بأن يَبْني على صلاته إما فرضاً، أو نفلاً أو يضحك قهقهة، أو يُحدث عمداً أو يكلم، أو يَذهب أو يُسلم، وهاهنا بحث كبير ومحله كتب الفروع. والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده. وأخرجه الدارقطني (1) ثم البيهقي في " سننهما " قال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به. وقال البيهقي: وهذا الحديث إنما يُعرف بعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وقد ضعفه يحيى ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي. قال: وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم. وقال الخطابي (2) : هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره، لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك، لأنهم قالوا: إذا طلعت علي الشمس، أو كان متيمما فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يُسلم، [1/ 210 - أ] فقد فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس / قدر التشهد لا ينقض " الوضوء إلا أن يكون في صلاة، والأمرُ في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بين. قلت: هذا الحديث حجة عليهم، فلذلك يُثبتون له أنول الضعْف، فعبد الرحمن بن زياد وإن كان ضيفه البعضُ فقد وحقه آخرون. قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم، قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. ونقل أحمد بن محمد بن الحجاج ابن رشد، عن أحمد بن صالح قال: من يتكلم في ابن أنعام فليس بمقبول، ابن أنعام من الثقات. وقال عباس بن محمد: سمعت ابن معين ---------------- (1) سنن الدارقطني (1 / 379) . (2) معالم الحق (1 / 151) .

يقول: ليس به بأس. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: هو ثقة. وقال البخاري: روى عنه الثوري. وقال أبو عبد الرحمن: ليس به بأس. وقال أحمد: رأيت محمد بن إسماعيل يُقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث. وقد عرفت بهذا تحامل البيهقي وطعنه الواسع في الناس. وروى الحديث- أيضاً إسحاقُ بن راهويه في " مسنده ": أخبرنا جعفر بن عون: حدثني عبد الرحمن بن رافع، وبكر ابن سوادة قالا: سمعنا عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً، فذكره، ورواه الطحاوي - أيضاً بسَند السنن ولفظه: قال: " إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو، أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يُسلم الإمام، فقد تمت صلاته فلا يُعيدها ". ومما يؤيده: حديث رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب " الحلية " في ترجمة عمر بن ذر: حدثنا محمد بن المظفر: ثنا صالح بن أحمد: ثنا يحمى بن مخلد- المعنى-: ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج، عن عمر بن ذر، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله- عليه السلام- كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه وقال:" مَنْ أحدَث بعد ما فرغ من التشهد فقد تمت صلاته "، وما رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: إذا جلس الإمام في الرابعة ثم أحدث فقد تمت صلاته، فليقم حيث شاء. وأخرجه البيهقي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، فذكره، وراد فيه: قدر التشهد. وأخرج ابن أبي شيبة- أيضاً نحوه، عن الحسن، وابن المسيب، وعطاء، وإبراهيم النخعي. وقول البيهقي:" وان صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم " غير مسلم، لأنه مجرد دعوى، ولا نسلم أن التسليم فرض لحديث ابن مسعود، ولا يصح الاستدلال على فرضيته بقوله- عليه السلام-: " وتحليلها التسليم " لأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلا أنه خص التسليم لكونه واجباً، ويُرد بهذا التقرير قول الخطابي- أيضاً " وقد عارضته الأحاديث" إلى آخره. وقول الخطابي: أولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره، إلى آخره

غير صحيح، لأن علماءنا ولا سيما أبا يوسف ومحمداً قالا به، وليس المراد من قوله في الحديث: " وقَعد " نفس القعود، بل القعود قدر التشهد كما فسر به في حديث عمر بن ذر وفي حديث علي وغيرهما. وقوله: لا لأنهم قالوا: إذا طلعت الشمس إلى آخره غير صحيح - أيضاً-، لأن بطلان الصلاة من هذه الصُوَر عند أبي حنيفة بناء على أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض، وليس لهذا تعليق بالحديث المذكور عند أبي حنيفة، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يريان بطلان الصلاة في هذه الصور بهذا الحديث- كما ذكرناه مفصلاً- وكيف يلتئم كلام الخطابي؟ أم كيف يكون حجة لتضعيف هذا الحديث؟ 599- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - عليه السلام-: " مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم " (1) . ش- ابن عقيل: هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب. " (2) رُوي هذا من حديث علي، ومن حديث الخدري، ومن حديث عبد الله بن زيد، ومن حديث ابن عباس. أما حديث علي: فأخرجه أبو داود، والترمذي، وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسَن. وقال النووي في " الخلاصة ": / هو حديث حسَنٌ، وقال في " الإمام ": ورواه الطبراني ثم البيهقي (3) من جهة أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية رفعه إلى النبي- عليه السلام- قال: لا مفتاح الصلاة: الطهور " الحديث قال: وهذا على هذا الوجه مرسل. وأما حديث أبي سعيد: فرواه الترمذي، وابن ماجه من حديث طريف ---------------- (1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء مفتاح الصلاة الطهور (3) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهور (275) . (2) انظر: نصب الراية (1 / 307- 308) . (3) السنن الكبرى (2 / 173، 379) ، وأخرجه كذلك أحمد (1 / 123، 9 2 1) ، وا أد " ربطني (1 / 360، 379) ، والدارمي (63) .

ابن شهاب أبي سفيان السعْدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم " أخرجه الترمذي في الصلاة (1) ، ورواه الحاكم في " المُسْتدرك " (2) وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأما حديث عبد الله بن زيد: فأخرجه الدارقطني في " سننه " (3) ، والطبراني في " معجمه الوسَط " (4) عن محمد بن عمر الواقدي: ثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن عباد بن تميم، عن عمه: عبد الله بن زيد، عن النبي نحوه سواء. ورواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من حديث محمد بن موسى بن مسكين قاضي المدينة، عن فليح بن سليمان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن (5) عباد بن تميم به، وأعفَه بابن مسكين وقال: إنه يَسْرق الحديث ويَروي الموضوعات عن الأثبات. وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في " معجمه الكبير " (6) : ثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي: ثنا سليمان بن عبد الرحمن: ثنا سَعدان بن يحيى: ثنا نافع مولى يوسف السلَمي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- نحوه سواء. وهذا الحديث ذكره أبو داود مرةَ في (باب فرض الوضوء بهؤلاء الرواة بأعيانهم، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية فليراجع فيه الطالب. ---------------------- (1) الترمذي: باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها (238) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهور (276) . (2) (1 / 132) ، وأخرجه كذلك الدارقطني (1 / 359) ، والطبراني في الأوسط (3 / 2390) من طريق سعيد الثوري، عن أبي نضرة به. (3) (1 / 1 36) (4) (7 / 175 7) . (5) في الأصل: " بن " خطأ. (6) (11369) ، وكذا في معجمه الأوسط (9/ 9267) قال: حدثنا الوليد بن حماد: نا سليمان بن عبد الرحمن به.

وقال الخطابي (1) : في هذا الحديث بيان أن التسليم ركن للصلاة كما أن التكبير ركن لها، وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم دون الحدث والكلام، لأنه قد عرفه بالألف واللام وعينه كما عين الطهور وعرفه، فكان ذلك منصرفا إلى ما جاءت به الشريعة من الطهارة المعروفة، والتعريف بالألف واللام معِ الإضافة يوجب التخصيص، كقولك: فلان مَبيتُه المَساجد تُريدُ أنه لا مبيت له يأوي إليه غيرها. وفيه دليل على أن افتَتاح الصلاة لا يكون إلا بالَتكبير دون غيره من الأذكار. قلتُ: قوله: " إن التسليم ركن للصلاة كما أدق التكبير ركن لها " ممنوع، لأن هذا الحديث خبر الآحاد، وبمثله لا تَثبت الفرضية (2) ، وقياسه على التكبير فاصد، لأن التكبير ما فرض بهذا الحديث، بل بقوله تعالى:" {ربكَ فكبر} (3) . وقوله:"وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم " غير مُسلم، لأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليمِ، والألف واللام إذا دخلا في اسم سواء كان ذلك الاسم مفرداً أو جمعا يصرفه إلى الجنس، والجنس فرد من وجه حتى يقع على الأقل، وجمع من وَجه، لأن الجنس يتضمن معنى الجمع، فيكون المراد: جنس السلام من جنس التحليل، فكما أنه يقع بالسلام يقع بالكلام ونحوه، ولكن لما عين التسليم يكون واجبا. وقوله: " وفيه دليل على أن افتتاح الصلاة " إلى آخره غير صحيح، لأن الأصل في النصوص: التعليل، وقال تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ ربه فصلى} (4) والمراد: ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة، لأنه عقيب الصلاةَ الذكرَ بحرف التعقيب بلا فصل، والذكر الذي يتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجور تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، والحديث معلولٌ به، وقد استوفينا الكلام فيه في " باب فرض الوضوء " عند هذا الحديث. ------------- (1) معالم الحق (1 / 151- 152) . (2) انظر لحجية خبر الآحاد (1 / 184) . (3) سورة المدثر: (3) . (4) سورة الأعلى: (15) .

68- باب: ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام

68- بَابُ: ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام أي: هذا باب في بيان ما يؤمر المأموم من اتباع الإمام، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيما يؤمر المأموم من اتباع الإمام ". 600- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابن عجلان: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان / قال: قال [1/ 211 - ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تُبادرُوني بركُوع ولا بسجُود، فإنه مَهْما أسْبِقكُمْ به إذا ركعتُ تُدْركوَني به إذا رَفعتُ، واني (1) قد بَدنْتُ " (2) . ش- يحيى: القطان، ومحمد: ابن عجلان، ومحمد بن يحيى بن حبان: بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، وعبد الله: ابن محيريز المكي. قوله: " لا تبادروني " من المبادرة؟ وهي المُسارعة. قوله: " فإنه " أي: فإن الشأن. قوله:" مهما أسبقكم به " أي: بالركوع، ويجور أن يكون الضمير راجعا إلى " مَهْما "، وذلك لأن " مهما " اسم لعود الضمير إليها في قوله تعالى: {مهْمَا تَأتِنَا به} (3) وزعم السهيلي أنها تأتي حرفا، والأصح: أنها بَسيطة، ويقالً: إنها مركبة من " مه" و " ما" الشرطية، ويقال: من " ما " الشرطية و " ما " الزائدة ثم أبدلت الهاء من الألف الأولى دفعا للتكرار، ولها ثلاثة معان، أحدها: ما لا يعقل غير الزمان مع تضمن معنى الشرط، ومنه الآية، الثاني: الزمان والشرط، فيكون ظرفا لفعل الشرط، الثالث: الاستفهام، ذكره جماعة منهم: ابن مالك، واستدلوا بقوله: ------------------- (1) في سنن أبي داود: " إني" (2) ابن ماجه: كتاب " إقامة الصلاة، باب: النهي أن يسبق الإمام بالركوع والسجود (962) . (3) صورة الأعراف: (132) .

مهما لي الليلةَ مَهمالِيَهْ أوْدى بنَعْلي وسِرباليَة والذي في الحديث من القسم الثاني، فلذلك جزم "أسبقكم" وجزم الجزاء- أيضاً- وهو قوله: (تُدْركوني،، وعلامة الجزم: سقوط نون الجمع. قوله: " إذا ركعت " بمعنى: حين ركعت. قوله: " تدركوني به " أي: بالركوع إذا رفعت رأسي، وحاصل المعنى: لا تَسْبقوني أنتم بالركوع والسجود، فإني متى أسْبقكم بركوع حين أركع، فأنتم تدركونني حين أريد أن أرفع رأسي، وكذلك الكلام في السجود، وإنما بين حكم الركوع وحده بعد أن نهى عن المبادرة بالركوع والسجود، اكتفاء بما دل الحكم في الركوع على الحكم في السجود، ومن هذا قالت العلماء: إن (1) المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه، يصير مدركا لتلك الركعة، فإذا شرع وقد رفع هو رأسه، لا يَصير مدركا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافاً لزفر. قوله: " واني قد بدنت " يُروى على وجهين: بتشديد الدال ومعناه، كبر السن، يُقالُ: بَدن الرجلُ تبدينا إذا أسن، وبتخفيف الدال مع ضمها ومعناه: زيادة الجسم واحتمال اللحم، وروت عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما طعن في السن احتمل بدنُه اللحمَ، وكل واحد من كبر السن واحتمال اللحم يُثْقِلُ البدن ويُثبطه عن الحركة. والحديث أخرجه ابن ماجه، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه "، وعند ابن ماجه بسند منقطع فيما بين سعيد بن أبي بُردة وأبي موسى قال رسولُ الله: " إني قد بَدُنت فإذا ركعت فاركعوا، وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدتُ فاسجدوا، ولا ألفن رجلاً سَبقَني إلى الركوع ولا إلى السجود ". ---------------------- (1) مكررة في الأصل.

601- ص- نا حفص بن عُمر: نا شعبةُ، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبدَ الله بن يزيد الخطمي يخطبُ الناس قال: حدثنا البراءُ- وهو غير كذوب- أنهم كانوا إذاَ رفعوا رءوسهم من الركوع مع رسول الله قاموا قياما، فإذا رأوه قد سجد سجَدُوا (1) . ش- أبو إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي. وعبد الله بن يزيد: ابن زيد بن حُصَين (2) بن عمرو بن الحارث بن الخطْمَة، واسم الخطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس أبو مُوسى الأَنصاري الخطمي، سكن الكوفة، رُوِيَ له عن رسول الله سبعة وعشرون حديثاً، أخرج له البخاري حديثين ولم يخرج له مسلم شيئاً، ورويا له عن البراء بن عازب، شهد الحديبية مع رسول الله وهو ابن سبع عشرة سنا، وشهد صفين والجَمل والنهروان مع علي- رضي الله عنه- وكان أميرا على الكوفة. روى له أبو داود، والترمذي (3) . قوله: " وهو غير كذوب " جملة اسمية وقعت حالاً عن البراء / والذي يفهم من كلام يحمص بن معين في هذا الموضع أنه حال من عبد الله بن يزيد؛ لأنه قال: القائلُ: " وهْوَ غير كذوبا هو أبو إسحاق، قال: ومراده أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليْسِ المراد أن البراء غير كذوب / [1/ 212 - أ] لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يَحسنُ فيه هذا القولُ. قال الشيخ محي الدين: وهذا الذي قالهَ ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا: ---------------- (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: متى يسجد من خلف الإمام (690) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (197 / 474) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود (281) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (2 / 96) . (2) كذا، وفي مصادر الترجمة: " حِصن " وفي تهذيب الكمال (16 / 3656) كما عندنا. (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 391) ، وأعمد الغابة (3 / 416) ، والإصابة (2 / 382) . 10. شرح سنن أبي داوود 3

بل الصواب أن القائل: " وهو غير كذوب "0 هو عبد الله بن يزيد، ومراده من قوله: " غير كذوب " تقوية الحديث وتفخيمه والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره: قول ابن مسعود: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق، وعن أبي هريرة مثله، وفي " صحيح مسلم ": الخولاني: حدثني الحبيب الأمين: عوف ابن مالك الأشجعي، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم، فثقُوا بما أخبركم به. وقوله: " إن البراء صحابي فينزه عن هذا الكلام" لا وَجه له؛ لأن عبد الله بن يزيد صحابي- أيضاً- معدود في الصحابة، فالذي يقال في البراء يُقال فيه- أيضاً. قوله: " قاموا قياما " أي: قائمين، وذلك لأنه- عليه السلام- كان يدعو في الركوع كثيرا وكانوا (1) يرفعون رءوسهم قبله ويقومون قياما، فإذا رأوه قد سجد سجدوا معه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه. 602- ص- نا زُهير بن حَرْب، وهارون بن مَعْروف المعنى قالا: نا سفيان، عن أبان بن تغلب. قال زهير: قال: حدثنا الكوفيون: أبانُ وغيرُه، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحنُو أحد منا ظهرَه حتى نرى (2) النبي- عليه السلام- يضع (3) . ش- زهير بن حَرْب: ابن شداد النسائي، وهارون بن معروف: الخزاز المروري، وسفيان: ابن عُيينة. وأبان بن تغلب- بالتاء المثناة من فوق- الربعي أبو سَعد الكوفي القاري. روى عن: أبي إسحاق السبِيعي، والحكم، والأعمش، -------------------- (1) في الأصل: " وكان " (2) في سنن أبي داود: " يرى" (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (200) .

وغيرهم. روى عنه: ابن عُيينة، وحماد بن زيد، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عدي: ولأبان أحاديث ونسخ وعامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. روى له: الجماعة إلا البخاري (1) . والحكم: ابن عُتَيْبة. قوله: " فلا يحنو " من حَنَى يحنو، يُقال: حنَيتُ ظهري وحنَيْت العُودَ عَطفتُه، وجاء حنى يحني، وهما لغتان حكاهما صاحب " المنتهى " وغيره، يقال: حنيتُ وحنوتُ، والياء أكثرُ. قوله:" حتى يضع " أي: حتى يضع رأسه للسجود. وفي هذا دليل لمن قال: إن فعل المأموم يقع بعد فعل الإمام، ورواية البخاري: " كان رسول الله إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي- عليه السلام- ساجدا، ثم نقع سجودا بعده ". ورواية مسلم: " كان لا يَحنِي منا رجل ظهرَه حتى يستتم ساجدا- يعني: رسول الله ". وقال الدارقطني: هذا الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد، عن البراء، ولم يَقُل أحد: " عن ابن أبي ليلى " غيرُ أبان بن تغلب، عن الحكم، وغيرُ أبان أحفظُ منه. قلت: حديث أبان: خرجه مُسلم في " صحيحه ". 603- ص- نا الربيع بن نافع: نا أبو إسحاق- يعني: الفزاري-، عن أبي إسحاق، عن محارب بن دثار قال: سمعت عبد الله بن يزبد بقولُ على المنبر: حدثني البراء أنهم كانوا يُصلون معِ النبي- علبه السلام-، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده لم نزل قياما حتى يَرونه (2) قد وضع جبهته بالأرض، ثم يتبعونه (3) . ------------------ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2 / 135) . (2) في سنن أبي داود: " يروه " وسيذكر المصنف أنها نسخة. (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (199) .

ش- أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة ابن حُصين (1) بن حذيفة بن بدر الفِزاري الكوفي، سكن المصيصة. سمع: أبا إسحاق السبِيعي، وحميدا (2) الطويل، ومالك بن أنس، والثوري، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وحماد بن أسامة، وجماعة آخرون. قال ابن عُيينة: كان أبو إسحاق إماما. وقال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. توفي سنة ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة (3) . وأبو إسحاق الثاني هو السبيعي. ومُحارب بن دثار- بكسر الدال وبالثاء المثلثة- ابن كُردُوس بن قِرواش ابن جَعْونة السدوسي، أبو مطرف، أو أبو النضر، أو أبو كُردوس، أو أبو دثار الكوفي قاضيها. سمع: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، [1/ 212 - ب] وعبد الله / بن يزيد، وابن بُريدة، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومسْعر، والثوري، وشعبة، وابن عُيينة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة صدوق. وقال أبو زمعة: ثقة مأمون. وقال ابن مع " ين: ثقة. توفي في ولاية خالد بن عبد الله. روى له الجماعة (4) . قوله: " لم نزل قياما " أي: قائمين، وفي رواية: " لم يزالوا قياما ". قوله: " حتى يَروْنه " وحتى " هنا عاطفة، وفي بعض الرواية: وحتى يَرَوْه " بدون النون، فتكونت حتى، ناصبة بتقديري أنْ ". قوله: " ثم يتبعونه " بوَجْهين على اختلاف المعطوف عليه. والحديث: أخرجه مُسلم. ********* -------------------------- (1) في الأصل: " حضين " خطأ. (2) في الأصل: " حميد ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2 / 225) . (4) المصدر السابق (27 / 5793) .

69- باب: التشديد فيمن يرفع قبل الإمام أو يضع قبله

69- بَابُ: التَشْديد فيمَنْ يَرْفعُ قبل الإِمام أو يضع قبله أي: هذا باب في بيانَ التشديد فيمَنْ يرفع رأسه قبل الإمام أو يضعها قبل وضعه، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في التشديد ". 604- ص- نا حفص بن عُمر: نا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم " أمَا يخشىِ أو [أ] لا يَخشى أحدُكم إذا رفع رأسَه والإمامُ ساجداً أن يُحول الله رأسه رأسَ حمار، أو صُورتَه صورةَ حمارٍ " (1) . ش- محمد بن زياد: أبو الحارث القرشي الجُمحي مولى عثمان بن مَظعون، مديني الأصل، سكن البصرة. سمع: أبا هريرة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي. روى عنه: شعبة، وقرة بن خالد، والحمادان، وغيرهم. وقال أحمد، ويحيى، والترمذي: هو ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " أو [أ] لا يخشى " شك من الراوي. قوله: " والإمام ساجد " جملة اسمية وقعت حالاً. قوله: " أن يُحول اللهُ " في محل النَصْب على أنه مفعول " [أ] ، لا يخشى و " أنْ " مصدرية، والتقدير: لا يخشى أحدكم تحويلَ اللهِ رأسَه. قوله: " رأس حمار" منصوب بنزع الخافض أي، كرأس حمار ولا يجور أن يكون منصوبا بقوله:" يُحول " لأن حَول لا يتعدى إلى مفعولَين، ---------------------- (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: إثم من يرفع رأسه قبل الإمام، رقم (691) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، رقم (427) ، الترمذي: كتاب الجمعة، باب: ما جاء في التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام (582) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (2 / 96) ، ابن ماجه: كتاب " قامة الصلاة والمنَة فيها، باب: النهي أن بسبق الإمام بالركوع والسجود (961) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25 / 5222) .

بل الغالب فيه اللزوم، وقد يجيء متعديا إلى مفعول واحد، وهاهنا قد تعدى إلى قوله: " رأسَه ". قوله: " أو صورتَه " شك من الراوي- أيضاً- أي: أن يحولَ الله صُورتَه. فإن قيل: ما المراد من الصُّورة؟ قلت: الصُّورَة تطلَقُ على الوَجْه كما في قوله: " الصُّورة محرمة " أراد بها الوجه، وتُطلق على معنى حقيقة الشيء وهيئاته وعلى مَعنى صفته، يُقال: صورة الفعل كذا وكذا، أي: هيئاته، وصورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، ثم إنه يجوز أن يكون المراد من الصورة هاهنا معنى الوجه؟ والمعنى: يحولَ الله وَجْهه وجه حمار، ويجوز أن يكون بالمعنى الثاني بمعنى يُحول الله حقيقته وهيئته، ثم هذا الكلام يحتمل أن يكون حقيقةً وهو تغيير الصُورة الظاهرة، ويحتمل أن يكون مجازا على سبيل الاستعارة وذلك أن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب علي من فرض الصلاة ومُتابعة الإمام. فإن قيل: كيف وجه احتمال الحقيقة في هذا الكلام، ولم يقع ذلك مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام؟ قلت: ليس في الحديث ما يدل على وقوع ذلك؛ وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك، وكون فعله صالحا لأن يقع عنه ذلك الوعيدُ، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، وأيضا- فالمُتوعدُ به لا يكون موجوداً في الوقت الحاضِر أعني: عند الفِعْل. ثم اعلم أن في الحديث دليلاً على منع تقدّم المأموم على الإمام، لأنه توعد على هذا الفعل، ولا يكون التوعد إلا على ممنوع. فإن قيل: المنع المذكور مخصوص في حالة السجدة بظاهر الحديث أو عام؟ قلت: بل عام، والدليل على ذلك: ما روي عن ابن مسعود أنه نظر إلى من سَبق إمامَه فقال: " لا وَحْدك صليت، ولا بإمامك اقتديت " وعن ابن عمر نحوه، وأمره بالسعادة، ولكن خصّ في الحديث حالة

70- باب: فيمن ينصرف قبل الإمام

السجدة لكثرة وجود المخالفة في هذه الحالة، فيقاس عليها غيرُها. فإن قيل: ما حكم هذا المخالف، فهل تجوز صلاته أم لا؟ قلت: قال القرطبي وغيرُه: من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء /. وفي " المغنى " لابن قدامة: فإن سبق إمامه فعليه [1/ 213 - أ] ، أن يرفع ليأتي بذلك مؤتما بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً أو جهلاً فلا شيء علي، فإن سبقه عالما بتحريمه فقال أحمد في " رسالته ": ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ، لقوله: " أما يخشى الذي يرفع رأسه " الحديث، ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخش علي العقاب. والحديث أخْرجه الأئمة الستة، وفي " المصنف " عن أبي هريرة موقوفا: إن الذي يخفضُ ويرفعُ رأسَه قبل الإمام، إنما ناصيتُه بيد شيطان. وكذا قاله- أيضاً- سلمانُ من طريق ليْث بن أبي سُليم. **** 70- بَابٌ: فيمَنْ يَنصرفُ قبل الإمام أي: هذا باب في بيان مَنْ ينصرف من الصلاة قبل انصراف إمامه، وفي بعض النسخ: " باب الرجل ينصرف قبل الإمام "، وفي بعضها: " باب فيما جاء فيمن ينصرف ". 605- ص- نا محمد بن العلاء: نا حفص بن بُغيل الدهني: نا زائدةُ، عن المختار بن فلفل، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم حَضهم على الصلَاة ونهاهُم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة (1) . ش- حَفص بن بُغَيل- بضم الباء الموحدة، وفتح الغين المعجمة- الدهني (2) الكوفي. روى عن: زائدة، إسرائيل بن يونس. روى عنه: محمد بن العلاء، وأحمد بن بديل. روى له: أبو داود. والدهني: بضم الدال المهملة وكسر النون. -------------------- (1) تفرد به أبو داود. (2) جاه في تهذيب الكمال (7 / 5) بدل " الدهني: " المُرْهبي " وعلقِ محققه قائلاً: " علق المؤلف في الحاشية بقوله:" كان فيه الدهني، وهو وهم "

71- باب: جماع أثواب ما يصلى فيه

وزائدة: ابن قدامة. والمختار بن فُلْفُل: المخزومي الكوفي مولى اّل عمرو بن حريث. سمع: أنس بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البَصْري، وطلق ابن حبيب. روى عنه: الثوري، وزائدة، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وسئل عنه أحمد فقال: لا اعلم إلا خيراً (1) . قوله: " حضهم " أي: حرضهم على حفظ الصلاة في وقتها. قوله: " قبل انصرافه " أي: قبل انصراف النبي- عليه السلام-، والمراد منه: قبل سلامه، ثم إذا انصرف المقتدي قبل سلام الإمام بعد ما قعد قدر التشهد تجوز صلاته عندنا، ويكون مسيئا لتركه السلام الواجب مع الإمام، وارتكابه النهْي، وعند الشافعي: لا تجوز وتفسد صلاته؛ بناء على أن السلام فرض عنده. *** 71- باب: جمَاع أثواب (2) ما يُصَلى فيه أي: هذا باب في بيان جَماع أثواب ما يصلى فيه، والمعنى: عَدد أثواب ما يصلى فيه، وجماع الشيء- بكسر الجيم-: عدده، وفي بعض النسخ: " باب الصلاد في الثوب الواحد،، والنسخة الصحيحة: بابُ جامع ما يُصلى فيه ". 606- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم سُئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال النبي- عليه السلام-: " أو لكلكم ثوبانِ؟ " (3) . ------------------- (1) المصدر السابق (27 / 5827) . (2) في سنن أبي داود: " البواب ". (3) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل والشبان والقبان (365) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (275 / 515) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في الثوب الواحد (2 / 54) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: الصلاة في الثوب الواحد (1047) .

ش- الهمزة في " أو لكلكم " للاستفهام، و" ثوبان " مرفوع على الابتداء، وخبره: قوله: " لكلكم ". واعلم أن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى: الإخبار عما كان يعلمه عليه السلام من حالهم من العدم وضيق الثياب، يقول: فإذ كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وهذا الحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة بلا كراهة، ولا يعارضه قوله- عليه السلام-: " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد " لان هذا النهي للتنزيه لا للتحريم. وقد روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حَارم، عن أبي هريرة قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتَيْه، ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع قبض علي يخاف أن تبدو عورته. وعن ابن وهب: صلاة الرجل في ثوب واحد رخصةٌ، وفي ثوبين مأمور به. وذكر عبد الرزاق عن ابن عُيَيْنة، عن عمرو، عن الحسن قال: اختلف أبي بن كعب وابن مَسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أبي: لا بأس به. وقال ابن مَسْعود: إنما كان ذلك إذ كان النًاس لا يجدون ثيابا، فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين، فقام عُمر- رضي الله عنه- على المنبر فقال: الصواب ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود. ورواه في " المُصنف،- أيضاً- وحديث أبي هريرة: أخرجه البخاريّ /، ومسلم، [1/ 213 - ب] والنسائي، وابن ماجه. 607- ص- نا مسدد: نا سفيان، عن أبي الزناد، من الأعرج، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يصلي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء" (1) . ------------------------ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على=

ش- يُريدُ أنه لا يَتزر به في وسطه، ويشد طرفيه على حَقْويه، ولكن يتزر به ويرفع طرفَيْه، فيخالف بينهما، ويَشدُّه على عاتقه، فيكون بمنزلة الإزار والرداء، هذا إذا كان الثوب واسعا، فإذا كان ضيقا شده على حَقْوَيْه. وقالت العلماء: الحكمة: أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء، لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يدَيه، فيشتغل بذلك وتفوته سُنة وضع اليد اليمنى على اليُسْرى تحت سرته، ولأن فيه ترك ستر أعالي البدن ومَوْضع الزينة، وقد قال الله تعالى: {خُذوا زِينَتَكُمْ} (1) ، ثم قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي والجمهور: هذا النهي للتنزيه- كما ذكرنا- " للتحريم "، فلو صلى في ثوب واحد ساترٍ لعورته ليس على عاتقه منه شيء، صحت صلاته بالكراهة، سواء قدرَ على شيء يَجعله على عاتقِه أم لا. وقال أحمد وبعض السلف: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه، لظاهر الحديث. وعن أحمد رواية: إنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه. وحجة الجمهور: قوله - عليه السلام- في حديث جابر: " فإن كان واسعا فالْتحِفْ به، وان كان ضيقا فاتزِر به " رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال الطحاوي: صلاة النبي- عليه السلام- في الثوب الواحد في حال وجود غيره من " لأخبار المتواتر " والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 608- ص- نا مسدد: نا يحيى ح، ونا مسدد: ما إسماعيل المعنى، عن هشام بن أبي عبد الله، عن يحي بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة -------------------- =عاتقيه (359) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (516) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء (2/ 71) . (1) سورة الأعراف: (31) .

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا صلّى أحدُكم في ثوب فليخالِف بطرفيه على عاتقيه " (1) . ش- يحيى: القطان، وإسماعيل: ابن عليّة، وهشام بن أبي عبد الله - سنبر- البَصري، ويحيى بن أبي كثير- صالح- الطائي، وعكرمة: مولى ابن عباس. قوله: " على عاتقيه " العاتق: موضع الرداء من المنكب، يُذكر ويؤنث، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه: هو التوشحِ، وهو الاشتمال على منكبَيْه، وإنما أمر بذلك ليستر أعالي البدن، وموضع الزينة. وقال ابن بطال: وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع. قلت: يجور أن تكون الفائدة: أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور، حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء صحت صلاته- لما ذكرناه. والحديث: أخرجه البخاريّ. 609- ص- نا قتيبة بن سَعِيد: نا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي ثمامة بن سَهْل، عن عُمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله يُصلي في ثوب واحد ملتحفا مخالفا بين طرفيه على منكبَيْه (2) . ش- الليث: ابن سَعْد، ويحيى بن سعيد: الأنْصاري، وأبو أسامة: أسْعد بن سهل بن حُنيف الصحابي ابن الصحابي. وعمر بن أبي سلمة- عبد الله- بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله ---------------- (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه (360) . (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به (354) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (278 / 517) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد (339) النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في الثوب الواحد (2 / 71) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه (541)

ابن عمر بن مخزوم، يكنى أبا حفص، رَبيب النبي- عليه السلام- أفه: أم سلمة بنت أمية بن المغيرة روج النبي- عليه السلام-، مات النبي - عليه السلام- وهو ابن تسع سنن، رُوِيَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر حديثاً، اتفقا على حديثين. روى عنه: أبو أسامة بن سَهْل، وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، ووهب بن كيسان. توفي في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وثمانين، وقيل: كان مولده في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. روى له الجماعة (1) . قوله: " ملتحفا مُخالفاً " حالان من الضمير الذي في " فصلى " إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة، وفي رواية لمسلم: " مشتملاً به، واضعا طرفيه على عاتقيه"، وفي حديث جابر: " متوشحا به " المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا، ولفظ البخاريّ عن عمر ابن أبي سلمة أن النبي- عليه السلام- صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه، وفي لفظ: في بَيْت أم سلمة ألقى طرفيه على عاتقيه، وفي لفظ: واضعا طرفيه على عاتقيه. ويستفاد من الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد. وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [1/ 214 - أ] / 610- ص- نا مسدد: نا ملازم بن عَمرو الحنفي: نا عبد الله بن بَدْر، عن قَيْس بن طَلق، عن أبيه قال: قدمْنا على نبي الله- عليه السلام- فجاء رجل فقال: نا نبي الله، ما ترى في الَصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلقَ رسولُ الله إزارَه طارَقَ له (2) رداءه، فاشتملَ بهِما، ثم قام فصَلى بنا نبي الله، فلما أن قضى الصلاة قال: " أو كلكُم يجدُ ثوبيْن؟ " (3) . ش- مُلازم بن عمرو: ابن عبد الله بن بدر بن قيس بن طلق بن سنان الحنفي، قد ذكرناه، وعبد الله بن بدر: ابن عُميرة بن الحارث بن سمرة ---------------------------- (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 474) ، وأسد الغابة (4 / 183) ، والإصابة (2 / 519) . (2) في سنن أبي داود: " به ". (3) تفرد به أبو داود.

72- باب: الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي

الحنفي اليمامي، وقيس بْن طلق: ابن علي بن شيبان الحنفي، وطلق بن علي الصحابي، وقد ذكرناهم مرةً. قوله: " فأطلق رسول الله إزارَه " أي: أرسلها. قوله: "طارَقَ له رداءه " من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين إذا ظاهر بينهما، أي: لبسَ أحد " ما على الآخر، وطارق بين نعلين أي: خصف أحدهما فوق الأخرى، ومحلها النصب على الحال بتقدير: قدْ، أي: أطلقَ إزاره قد طارقَ له رداءه. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: " فأطلق النبي- عليه السلام- إزاره، فَطارقَ به رداءه، ثم اشتمل بهما " الحديث، فيكون قوله: " فطارق " بالفاء عطفا على قوله:" فأطلَق ". قوله:، فاشتمل بهما " أي: بالإزار والرداء، والاشتمالُ: التلقفُ. قوله: " أو كلكم يجدُ ثوبَيْن " لفظة استخبار، ومعناه: إخبارهم عن ضيق حالهم وتقريرها عندهم، وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصر عليهم واستزاد فهمهم فكأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبا والصلاة لازمةً، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ " **** 72- بَابُ: الرجل يَعْقدُ الثوب في قفاه ثم يصلي أي: هذا باب في بيان الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يُصلي، وفي بعض النُسخ: " باب ما جاء في الرجل ". 611- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد قال: لقد رأيتُ الرجال عاقدي أزْرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله- عليه السلام-َ في الصلاة (1) كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا مَعشر النساء، لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجالُ (2) . ----------------------- (1) قوله: وفي الصلاة، غير موجود في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: عقد الثياب وشدها، ومَن ضم أليه ذويه (ذا=

ش- سفيان: الثوري، وأبو حازم: كلمة بن دينار. قوله: " عاقدي أزرهم " أصله: عاقدين أزرهم، سقطت النون بالإضافة ونصبه علَى الحال؟ لأن " رأيتُ " بمعنى أبصرتُ فلا يتعدى الا (1) إلى مفعول واحد. والأزر- بضم الهمزة، وسكون الزاي- جمع إزار؛ والإزار يذكر ويؤنث، وجمعه للقلة: آزرة وللكثرة: أزْر، كحمار وأحمرة وحُمرٍ. قوله: " كأمثال الصبيان "، وفي رواية البخاري: " كهيئة الصبيان" وقال السفَاقُسي: لو كان لهم غيرها ما احتيج أي نهي النساء عن رفع رءوسهن حتى يجلسَ الرجالُ، وقال: لا خلاف بين العلماء أن المصلي إذا تقلّص مئزره، أو كشفت الريح ثوبه وظهرت عورته، ثم رجع الثوب في حينه وفوره، أنه " لا يضر ذلك المصلي شيئا، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة مثل ذلك، إنما يحرم النظر مع العمد، ولا يحرم النظر فجأة، فإذا صحت صلاة الإمام، فأحرى أن تصح صلاة المأموم. وقال ابن القاسم: إن فرط في رد إزاره فصلاته وصلاة من تأمل عورته باطلة. وعن سحنون: إن رفع الريح ثوب الإمام فانكشف عن دبره فأخذه مكانه، أجزأت ويُعيد كل مَن نظر إلى عورته ممن خلفه، ولا شيء على من لم ينظر وروي عنه: إن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة وإن أخذه مكانه. وعن الشافعي: لو انكشف شيء من العورة في الصلاة بطلت صلاته، ولا يعفى عن شيء منها ولو شعرة من رأس الحرة أو ظفرها. وعند أحمد: يعفى عن القليل ولم يحدها. وعند أصحابنا: الانكشاف القليل لا يمنع، وكذا الكثير في الزمن القليل، وهو أن لا يؤدي فيه ركنا من أركان الصلاة، حتى لو انكشفت عورته في الصلاة فغطاها في الحال لا تفسد صلاته ------------------ = خاف أن تنكشف عورته (814) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: آخر النساء المصليات آراء الرجال أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال ، (133 / 441) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في القرار (2 / 70) . (1) في الأصل: " إلى"

73- باب: في الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره

وإذا أدى به ركنا فسدت، ولا يصح شروعه في الصلاة مع الانكشاف. وذكر ابن شجاع: أن من نظر في زيقه فرأى فرجه لم تصح صلاته، وعامة أصحابنا جعلوا السَتر شرطا عن غيره لا عن نفسه، لأنها ليست عورة في حق نفسه. وبقول ابن شجاع: قال الشافعي، وأحمد. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. *** / 73- بَابٌ: في الرَّجُل يُصَلي في ثَوْب بَعْضُه عَلى غَيْره [1/214-ب] أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يصلي في ثوبِ والحال أن بَعْضه على غيره. وقوله: " بعضه " مبتدأ، وخبره: "على غيره "، ومحله من الإعراب يجوز أن يكون جرا على أنه صفة لثَوْب، ويجوز أن يكون نصبا على أنه حال بترك الواو من قبيل: كلمتُه فوه إلىَ فيَّ. وفي بعض النسخ: "باب ما جاء في الرجل يصلي في ثوب واحدِ بعضُه على غيره " (1) . 612- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا زائدة، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن عائشة أن النبي- عليه السلام- صلى في ثوبٍ واَحد بَعْضُه علي (2) .ً ش- رائدة: ابن قدامة، وأبو حَصِين- بفتح الحاء- عثمان بن عاصم الأسدي، وأبو صالح: السمان. قوله: "بعضُه " أي: بعض الثوب (علي) . وهذه الجملة محلها الجر، لأنها وقعت صفةً للثوب، ويجوز أن تكون حالاً بترك الواو كما ذكرنا الآن. وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب بعضُه عليه وبعضُه على المرأة، ما لم تكن المرأة مشاركة معه في الصلاة، وعلى غير المرأة- أيضاً- سواء كان مشاركا معه في الصلاة أو لم يكن، وسواء كانت المرأة

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) تفرد به أبو داود.

74- باب: الرجل يصلي في قميص واحد

حائضا أو جنبا أو طاهرة، لما رُوِيَ عن عائشة- رضي الله عنها-: كان النبي- عليه السلام- يُصلي من الليل وأنا إلى جَنْبه، وأنا حائض " وعَلَي مِرْط وعليه بَعْضُه إلى جَنْبه. *** 74- بَابُ: الرَّجل يُصَلي في قميصٍ واحد أي: هذا باب في بيان الرجل يصلي في قميص واحد، وفي بعض النسخ:" باب ما جاء في الرجل يُصلي في قميص واحد ". 613- ص- نا القعنبي: نا عبد العزيز- يعني: ابن محمد-، عن مُوسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل أَصيدُ أَفاصلّي في القميص الواحد؟ قال: " نعم، وازرُرْه ولو بشوكة" (1) . ش- عبد العزيز: ابن محمد الدراوردي. وموسى بن إبراهيم: ابن [عبد الرحمن بن] عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي. سمع: أباه، مسلمة بن الأكوع. روى عنه: عطاء بن خالد، والدراوردي، وعبد الرحمن بن أبي الموالي (2) . روى له: أبو داود، والنسائي (3) . قوله: " أفأصلي " الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: "نعم"أي: صَل. قوله: " وازْرُرْه " أمر من زر يَزر، من باب نصر ينصر، ويجوز فيه: " زُرَّ " من حيث القاعدة بالحركات الثلاث في الراء كمُد، وبالفك يكون فيه الربعة أحوال، وإنما أمره بالزر ليأمن من وقوع النظر على عورته من

_ (1) النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في قميص واحد (2 / 70) . (2) كذا، وفي تهذيب الكمال: " المَوَال" (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 / 6233) .

زيقه حالة الركوع. ومن هذا أخذ ابن شجاع من أصحابنا أن من نظر إلى عورته من زيقه تفسد صلاته، وقد مر عن قريب. قوله: " ولو بشوكة " الباء فيها متعلقة بمحذوف تقديره: ولو أن تزره بشوكة. وهذا الحديث: ليس بموجود في بعض النسخ، ولكنه صح في روايةَ أبي حفص الخولاني، عن أبي داود، وكذا رواه أبو سعيد بن الأعرابي، عن محمد بن عبد الملك، عنه. وأخرجه النسائي. 614- ص- نا محمد بن حاتم بن بزيع: نا يحيى بن أبي بُكير، عن إسرائيل، عن أبي حَرْمل (1) العامري- كذا قال: وهو أبُو (2) حَوْمل العامري-، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه قال: أمنا جابر بن عبد الله في قميص ليس علي رداء، فلما انْصرف قال: إني رأيتُ رسول الله يُصلي في قميصٍ (3) . ش- يحيى بن أبي بكير- نَسْر- أبو زكرياء الكرْماني، وإسرائيل: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وأبو حَوْمل العامري: روى عن: محمد بن عبد الرحمن، وروى عنه: إسرائيل. روى له: أبو داود (4) . وهو بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، وبعضهم قال: بالراء "حرْمل "، وليس بصحيح، والصواب بالواو، فلذلك نبه عليه أبو داود بقوله: " كذا قال وهو أبو حَوْمل " بالواو. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر: ابن عُبَيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة، أبو غِرارة القرشي التيمي المُليكي المكي، زوج جَبْرة- بالجيم

_ (1) في الأصل وفي سنن أبي داود: " حومل "، وانظر تعليق المصنف عليه. (2) في سنن أبي داود: " والصواب أبو حرمل". وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب ": " وهو الراجح عند أبي داود". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33 / 7332) . 11. شرح سنن أبي داوود 3

75- باب: إذا كان ثوبا ضيقا

والباء الموحدة- روى عن: أبيه، وابن أبي مُليكة، وموسى بن عقبة، وغيرهم. روى عنه: أبو حومل العامري، وأبو عاصم النبيل، ومسدد، وغيرهم، فقال أحمد: لا بأس به، وكذا قال أبو زرعة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) . وأبوه: عبد الرحمن، روى عن: جابر بن عبد الله، وابنه، وعمه: [1/215-أ] عبد الله، والقاسم بن محمد، / وغيرهم. روى عنه: أبو معاوية، ويزيد بن هارون، وروح بن عبادة، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . واستفيد من هذا الحديث: جواز الصلاة في قميصِ واحد. وعن ابن عباس: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان ضيقا. وبهذا أخذ أصحابنا حتى إذا كان القميص رفيعا بحيث أنه يُرى منه جسده لا تجور الصلاة فيه. *** 75- بَاب: إذا كان ثوبا ضيقا (3) أي: هذا باب في بيان ما إذا كان علي ثوبا ضيقا، وفي بعض النسخ: " إذا كان ثوب ضيق ". 615- ص- نا هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، ويحيى بن الفضل السِجسْتاني قالوا: نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل- نا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَة، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابرا- يعني: ابن عبد الله- قال: سرتُ مع رسول الله- عليه السلام- في غزوة فقامَ يُصلي وكانت علي بُردة ذهبتُ أخالفُ بَين طرفيها، فلم تبلغ لي وكانت لها ذباذبُ فنكستُها ثم خالفت بين طرَفيها، ثم تواقصتُ عليها لا

_ (1) المصدر السابق (5 2 /. 539) . (2) المصدر السابق (16/3768) . (3) في سنن أبي داود: " إذا كان الثوب ضيقا يتزر به"

تسقط، ثم جئتُ حتى قمتُ عن يَسارِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي (1) حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صَخْرٍ حتى قامِ عن يَسارِه، فأخذنا بيديْه جميعاً حتى أقامنا خلَفه، قال: وجعل رسولُ الله يرْمُقُني وأناَ لا أشعُرُ ثم فطنتُ به، فأشارَ إلي أن اتزرْ بها، فلما فرغ رسولُ الله قال: " يا جابرُ"، قلتُ (2) : لبيكَ يارسول الله، قال: " إذا كان واسعا فخالفْ بين طرفَيْه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حَقْوِك " (3) . ش- هشام بن عمار: أبو الوليد الدمشقي، وسليمان بن عبد الرحمن: أبو أيوب الدمشقي، وحاتم: ابن إسماعيل الكوفي المدني، ويعقوب بن مجاهد: القاص المدني، وعُبادة بن الوليد: ابن عبادة بن الصامت أبو الصامت الأنصاري المدني، والكل ذكرناهم. قوله: " بُرْدة " البُرْدة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مُربع، وقد ذكرت غير مرة. قوله: " ذباذبُ " ذباذب الثوب: أهْدابُه، سُميت بذلك لتذبذبها. وقال ابن الأثير: ذباذبُ الثوب: أطرافه، واحدها: ذِبْذب- بالكسْر- سميت بذلك لأنها تتحرك على لابسها إذا مشى. قو له: "فنكستُها " أي: قلبتُها. قوله: " ثم تواقصتُ عليها" أي: انحنيتُ وتقاصرتُ لأمسكها بعُنقي كأنه يحكي خلْقة الأوقص من الناس، وهو الذي قصرت عنقه خلْقةً. قوله: " فجاء ابن صَخْر " هو أبو عبد الله: جبار بن صخر الأنصاري السلمي، شهد بدرا والعقبة، جاء مبينا في " صحيح مُسلم ". قوله: " يَرْمُقني " أي: يَنظر إلي، من رَمَقْتُه أرمُقه رمقا نظرتُ إليه، ورمق ترميقاً: أدام النظرَ.

_ (1) في سنن أبي داود: " فأخذ بيدي فأدارني ". (2) في سنن أبي داود: " قال: قلت" (3) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب (18) ، حديث جابر (3010) .

قوله: " ثم فطنت به " أي: فهمته، من فطن للشيء بالفتح، ورجل فَطِن، وفَطُن- بكسر الطاء وضمها- وقد فطِن- بالكسْر- فطْنة وفِطانة وفَطانِية. قوله: " لبيك " معناه: لزمتُ لزوما بطاعتك بعد لزوم، وقيل: أجبتُ إجابةً بعد إجابة، من ألب بالمكان إذا أقام به، وأصله: ألبيتُ إلبابا بعد إلباب أي: إقامةً على طاعتك بعد إقامةٍ، ثم حذف الصلات تخفيفاً ثم الفعل استغناء بأحد المصدرين، ثم حذف زوائدهما، ثم ثُنيا وأضيفا إلى الكاف فصار لبيك، وقال يونس: هو مفرد أصله سبب، فقلبت لامه الأخيرة ياء ثم ألفاً ثم أضيف إلى الكاف فقلبت ياء، لأنه يلازم الإضافة وعدم التصرف كعليك ولديك، وهذا من القسم الذي حذف فعله سماعاً. وقد قيل: هذا النوع سماعية من جهة أنه لا يجاوز ما سمع من المثنى بهذا المعنى، ولا يقاس علي ما لم يُسْمع، وقياسيّة من جهة أن كل ما جاء مثنى بهذا (1) المعنى حذف فعله وجوبا من غير أن يحتاج إلى سماع. قوله: " على حَقْوك " الحقو- بفتح الحاء المهملة وكسرها-: الإزار، والأصل فيه: مَعْقدُ الإزار، ثم سمي به الإزار للمجاورة، وجمعه: أحْقٍ وأحْقاء. ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا صلى مع واحد يقيمه عن يمينه. الثانية: أنه إذا صلى مع اثنين يتقدم عليهما. الثالثة: أن العمل اليسير لا يفسد (2) الصلاة. الرابعة: أنه إذا رمق إلى صاحبه وهو في الصلاة لا بأس عليه. [1/215-ب) / والخامسة: أن الإشارة في الصلاة لا تُبطلها.

_ (1) مكررة في الأصل. (2) في الأصل: " تفسد".

76- باب: من قال: يتزر به إذا كان ضيقا

والسادسة: أن الثوب إذا كان واسعا يخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا يَشده على حَقْوه. والحديث: أخرجه مسلم في أثناء حديث آخر الكتاب. *** 76- بَابُ: مَنْ قالَ: يتّزرُ به إذا كَان ضيقا (1) أي: هذا باب في بيان من قال: يتزر بالثوب إذا كان ضيقا، ولم يقدر أن يخالف بين طرفيه. 616- ص- نا سليمان بن حرب: نا حَمادُ بن زَيْد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: قال عمر: إذا كان لأحدكم ثوبان فليُصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتّزر (2) ولا يَشْتملْ اشتمال اليهود (3) . ش- أيوب: السختياني. واشتمال اليهود المنهي عنه: هو أن يُجلّل بدنه الثوب، ويُسْبله من غير أن يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث: فهو أن يجللَ بدنه الثوب ثم يرفعَ طرفيْه على عاتقه الأيْسر. وفي " المصنف ": نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رأى رجلاً يُصلي ملتحفا فقال: لا تشبهوا باليهود، من لم يجد منكم إلا ثوبا وأحداً فليتّزر به. حدَّثنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد قال: إذا أراد الرجل أن يُصلي، فلم يكن له إلا ثوب واحد اتّزر به. 617- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا سعيد بن محمد: نا أبو تُمَيلة: نا أبو المُنيب: عبيد الله العتكي، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: نهى رسولُ اَلله أن يُصلى في لحاف ولا يُوشحَ (4) به، والآخر أَن تُصلي في سراويل ليْس عليك رداءٌ (5) . ش- سعيد بن محمد: ابن سعيد، أبو محمد الجرمي. سمع:

_ (1) هذا التبويب غير موجود في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " فليتزر به ". (3) تفرد به أبو داود (4) في سنن أبي داود:" لا يتوشح ". (5) تفرد به أبو داود.

شريكا، وعلي بن غراب، وأبا تُميلة، وأبا يوسف القاضي، وغيرهم. روى عنه: محمد بن هارون، والبخاري، ومسلم، وروى أبو داود وابن ماجة عن رجل، عنه. وقال ابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ثقة (1) . وأبو تُميلة- بضم التاء المثناة من فوق- اسمه: يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم المروري. سمع: ابن إسحاق، وأبا حمزة السكري، وموسى بن عبيدة، وأبا المُنيب، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، والنُّفيلي، وإسحاق بن راهوَيه، ويعقوب الدورقي، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ليس به بأس، زاد أحمد: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. روى له الجماعة (2) . وأبو المُنيب عُبيد الله: ابن عبد الله المروزي أبو منيب السًنجي العتكي. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن بُريدة، والحسن البصري، وغيرهم. روى عنه: زيد بن الحباب، وأبو تُميلة، وعلي بن الحسن، وغيرهم. قال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: هو صالح. وقال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وعبد الله بن بُريدة: ابن الحُصيب (4) . قوله: "في لحافٍ " للحافُ: اسم ما يلتحف به، وكل شيء تغطيتَ به فقد التحفت به. قوله: "ولا يوشح به" التوشح: أن يَتشح بالثوب، ثم يُخرج طرفه

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2348) . (2) المصدر السابق (32 / 6938) . (3) المصدر السابق (9 1 / 3656) . (4) في الأصل: والخصيب " خطأ.

77- باب: الإسبال في الصلاة

الذي ألْقاه على عاتقه الأيْسر من تحت يده اليمنى، ثم يعْقد طرفيهما على صدْره، وقد وشحه الثوبَ. قوله: " في سراويل " زعم ابن سيده أنه فارسيّ مُعرّب يُذكرُ ويؤنَث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، وجمعه: سراويلات، وقال سيبويه: لا يكسر، لأنه لو كسر لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد فترك. وقد قيل: سراويل جمع واحده سروالة، والسراوين: السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام، وفي " الجامع " للقزاز: سراويل وسرْوال وسرويل ثلاث لغات. وفي " الصحاح ": وهي مصروفة من النكرة، والعمل على هذا القول وعدم الصرف أقوى منه. وقال أبو حاتم السجستاني: السراويل مؤنثة لا يُذكرها أحد علمناه، وبعضُ العرب يَظنّ السراويلَ جماعةً، وسمعتُ من الأعراب من يَقولُ: الشِرْوال- بالشن المعجمة. قلتُ: الشروال مثل السراويل، ولكنه يُلْبسُ فوق القماش كله لأجل حفظه عن الطين والوسخ، وغالب ما يُلبْسُه المسافرون لأجل التشمِير وحفْظ القماش، / والعجم تقول للسراويل: شلْوار. [1/216-أ] . ووَجْه النهي عن الصلاة في لحاف لا يتوشحُ به: أنه إذا لم يتوشح به ربما تنكشف عورته، وأما وجهه عنً الصلاة في سراويل وليْس عليه رداء: فالظاهر أنه إذا كان قصيرا لا يَسْتر عورته، فأما إذا كان طويلاً وصلى فيه بدون الرداء، فصلاته جائزة، إلا أنها تكره، ومن هذا كره بعضُ أصحابنا الصلاة في السراويل وَحْدها. *** 77- بَابُ: الإِسْبَال فِي الصَّلاة أي: هذا باب في بيان إسْبال الإِزار في الصَلاةِ، والإسْبال: الإرْسالُ، وليْس في غالب النسخ: "باب الإِسْبال في الصلاة " بل ذكر حديث أبي هريرة الذي نذكره الآن عجيب حديث عبد الله بن بريدة بلا

فاصلٍ بينهما ببابٍ ونحوه، وفي بعض النسخ الصحيحة الحديثاًن اللذان ذكرا في هذا الباب ذُكِرا عَقيب حديث جابر مُتصلٍ به بدُون ذكر بابٍ، وذكر "بابُ مَن قال يَتزر به " عقيبَ هَذين الحديثين. 618- ص- نا (1) موسى بن إسماعيل: نا أبانٌ: نا يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة قال: بيْنما رجل يُصَلي مُسْبِلاً إزارَه إذ قال له رسول الله- عليه السلام-: " اذهب توضأ (2) " فذهب فتوضأ ثم جاء، ثم قال: " اذهب فتوضَأ " فذهبَ فتوضأَ ثم جاء / ثم قال: اذهب فتوضأ " فذهب فتوضأ ثم جاء / (3) فقال له رجل: يا رسول الله، مَا لكَ أمَرْتَه أن يَتَوضأ؟ قال (4) : " إنه كان يُصلي وهو مُسْبِلٌ إزارَه، وإن الله لا يقبلُ صلاةَ رجل مُسْبلٍ إزارَه " (5) . ش- أبان: ابن يزيد العطار، ويحيى: ابن أبي كثير، وأبو جَعْفر: رجل من أهل المدينة لا يُعْرف له اسمٌ. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. قوله: " بينما رجل " قد مرّ غير مرة أن أصله: " بَيْنَ"، وأنه ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويَحتاجُ إلى جواب يَتم به المعنى، وجوابه: " إذ قال له " وأنه يُضافُ إلى جملة من فعل وفاعل، أو مُبتدإ وخبر. وقوله: " رجل " مرفوع على أنه مُبتدأ قد تخصص بالصفة وهو قوله: " يُصلّي "، والخبر محذوف، و" مُسْبلاً " حالٌ، وتقدير الكلام: بَيْنما رجل مُشتغل بالصلاة في مكان، حال كونه مُسبلاً إزاره، إذ قال له- عليه السلام. وفي بعض النسخ المضبوطة: " مُسبلٌ إزاره" بالرفع، فوجهُه: أن يكون خبراً بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مسبل، هذا على

_ (1) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي. (2) في سنن أبي داود: " فتوضأ ". (3) ما بين الشرطين المائلتين غير موجود في سنن أبي داود. (4) في سنن أبي داود: " أن يتوضأ، ثم سكت عنه، فقال ". (5) تفرد به أبو داود.

تقدير صحة الرواية بالرفع. وإنما أمرَه- عليه السلام- بالوضوء مرتين زجرا علي لما فعل من إسبال إزاره، فكأنه- عليه السلام- رأى وضوءه وهو في هذه الحالة كَلا وضوء، والصلاة لا تجوز إلا بوضوء. والحديث منسوخ وضعيف- أيضاً-، لأن فيه رجلاً مجهول الاسم، وهو أبو جعفر المذكور. 619- ص- نا زبد بنِ أخزم: نا أبو داود، عن أبي عوانة، عَن عاصمٍ، عن أبي عثمان، عن ابن مسعُود- رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقول: " من أسْبَلَ إزارَه في صلاته خُيَلاءَ فليْس من الله في حل ولا حَرَ أم " (1) . ش- زيد بن أخزم: أبو طالب الطائي النبهاني الحافظ البصري. روى عن: عبد الرحمن بن مَهْدي، وأبي عاصم النبيل، وإبراهيم بن سَعْد، وغير هم. روى عنه: البخاري، ومسلم، َ وأبو ما ود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. مات بعد دخول الزنج البصرة وذبحته الزنج سنة سبع وخمسين ومائتين (2) . وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وأبو عوانة: الوضاح، وعاصم: ابن سليمان الأحول. وأبو عثمان: ابن سَنَّةَ الخزاعي الكعبي الشامي الدمشقي. روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مَسْعود. روى عنه: الزهري وغيره، سئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعْرف اسمَه (3) . قوله: " خُيلاء " نَصْب على التعليل يعني: لأجل الاختيال، أو نصب على الحال يعني: مختالا، الخُيلاء- بالضيم والكسر-:َ الكبْرُ والعُجْبُ

_ (1) النسائي في الكبرى: كتاب الزينة، باب: إسبال الإزار. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10 / 2085) . (3) المصدر السابق (34 / 7501) . تنبيه: ترجم المصنف أن أبا عثمان هو ابن سنة، بينما ذكر الحافظ المزي هذا الحديث (7/9379) في ترجمة أبي عثمان عبد الرحمن بن مل.

78- باب: في كم تصلي المرأة

يُقال: اختال فهو مُختال وفيه خُيلاء ومَخيلة أي: كبر، ويُقال: خَال الرجلُ فهو خَائل أي: مُختال. قوله: " فليس من الله في حل ولا حَرامٍ " الحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال والمعنى (1) ، وكلمة " من " هاهنا بمعنى: " عند " كما في قوله تعالى: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادهم مَّنَ الله شيئاً} (2) ، [1/216 - ب] والمعنى: / فليْس عند الله في شيء، وقد شاع بَيْنَ العَرب ضربُ المثل بقولهم: فلان لا ينفع للحلال ولا للحرام، ويُريدون به أنه سَاقط من الأعْين، لا يُلْتفتُ إليه، ولا يُعبا به وبأفْعاله، وكذلك معنى الحدَيث: من أسْبل إزاره في صلاته خُيلاء فليْس هو عند الله في شيء، ولا يَعْبا الله به ولا بصلاته، ثم إسبالُ الثوْب خارج الصلاة إن كان لأجل الاختيال يكره- أيضاً-َ، وإن لم يكن للاختيال لا يكره، وكرهه البعض " مطلقا في الصلاة وغَيْرها للاختيال وغيرها. ص- قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفا على ابن مسعود , منهم: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية. ش- أي: روى هذا الحديث جماعة من أهل الحديث عن عاصم الأحول غيرَ مرفوع إلى النبي- عليه السلام-، بل موقوفا على عبد الله ابن مَسعود، منهم: الحمادان، وأبو الأحوص: عوفُ بن مالك، وأبو مُعاوية الضرير. *** 78- بَاب: فِي كم تُصلِي المرأة؟ أي: هذا باب في بيان حكم المرأة تصلي في كم من الثياب؟ وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في كم تصلي المرأة؟ ".

_ (1) كذا، ولعلها مقحمة. (2) سورة آل عمران: (10) .

اعلم أن " كم " في كلام (1) العرب على وَجْهين، بمعنى: " كثيرِ " واستفهاميّة يعني: أيُ عدد؟ ويشتركان في خمسة أمور: الاسمية، والإبهام، والافتقار إلى التمَييز، والبناء، ولزوم التصدير، ويفترقان في خمسة أمور: الأول: أن الكلام مع الخبرية يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الاستفهامية، الثاني: أن المتكلم بالخبريّة لا يستدعي من مخاطبه جواباً، لأنه مخبر، بخلاف المتكلم بالاستفهامية، لأنه مُستخبِرْ، الثالث: أن الاسم المبدل من الخبريّة لا يقترن بالهمزة، بخلاف المبدل من الاستفهامية، يُقال في الخبرية: كم عبيد لي خمسون بل ستون، وفي الاستفهامية: كم مالك: عشرون أم ثلاثون؟ الرابع: أن تمييز الخبرية مفرد أو مجموع تقول: كم عبد ملكت؟ وكم عبيد ملكتُ؟ ولا يكون تمييز الاستفهامية إلا مفرداً، خلافاً للكوفيين، والخامسُ: أن تمييز الخبرية واجب الخفض وتمييز الاستفهامية منصوب، ولا يجوز جرة مطلقاً، خلافاً للفراء الزجاج وابن السِّراج، بل بشرط أن تجر " كم " بحرف جر، فح (2) يجوز في التمييز وجهان: النصب- وهو الكثير- والجرّ خلافاً للبعض. وإنما طولت الكلام- وإن كان هذا ليس بمناسب لهذا المقام- ليعرف المُحدّث كل " كم " تقع في هذا الكتاب من أي قسم هو؟ وما حالُه من الإعراب؟ فيَسْهلَ علي المعنى. 620- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن زَيْد بن قنفذ، عن أمه، أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت (3) : تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يُغيب ظهور قدمَيْها (4) . ش- مالك: ابن أنس. ومحمد بن زيد: ابن المهاجر بن قنفذ التيمي الجُدْعاني المدني. روى عن: عبد الله بن عمر، وعُمير مولى آبي اللحم، وأبي سلمة بن

_ (1) في الأصل: " كلاب " كذا. (2) أي: "فحينئذ" (3) في الأصل: " فقال " (4) تفرد به أبو داود.

عبد الرحمن، وأمّه. روى عنه: مالك بن أنس، ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، وحفص بن غياث، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: " ماذا تصلي فيه " اعلم أن " ماذا " على أوجه، أحدها: أن تكون " ما " استفهاماً، و" ذا " إشارةً نحو: ماذا الوقوف؟ والثاني: أن تكون " ما " استفهاماً، و " ذا " موصولة، نحو قوله تعالى: " ماذَا يُنفقُونَ " (2) في أحد الوجهين، الثالث: أن يكون " ماذا " كله استفهاماً علَى التركيب، كقولك: لماذا جئت؟ الرابع: أن يكون " ماذا " كله اسم جنس بمعنى " شيء " أو موصولاً بمعنى " الذي "، الخامس: أن تكون "ما" زائدة و " ذا " للإشارة، السادسُ: أن تكون " ما " استفهاماً و" ذا " زائدة؟ أجازه جماعة , منهم: ابن مالك في نحو: ماذا صنعتَ؟ قوله: " في الخمار " الخمار- بكسر الخاء- للمرأة، يُسمّى به لتخمير المرأة رأسَها به، أي: تُغطِيها به، ومنه الخمرُ، لأنها تغطي العَقْل. والخُمُر- بتحريك الميم- وهو كل ما سَتَرك من شجر أو بناء أو غيره، ومكان خِمرٌ - بكسر الميم- أي: ساتِرٌ، وخُمارُ الناس- بالضم- رَحمتهم. قوله: "الدرع السابغ " الدرعْ- بكسر الدال- القمِيصُ، والسابغ - بالغين المعجمة- بمعنى الشامل على جميع بدنها، يقال: شيء سابغ، أي: كامل وافِ. قوله: " الذي يُغيّب ظهور قدمَيْها " تفسير السابغ بمعنى الشامل- كما ذكرنا- لأنه / إذا كان شاملاَ يكون ساتراً ظهور قدمَيْها. [1/217 - ب] ويُسْتفادُ من الحديث: أن المرأة إذا صلّت وظهور قدميها مكشوفة لا تجور صلاتها، وبه قال مالك، والشافعي، وقال مالك: إن صلت

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25 / 5227) . (2) سورة البقرة: (219) .

وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت، وكذلك إن صلت وشعرها مكشوف. وقال الشافعي: تعيد أبداً. وقال أحمد: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وقال أبو حنيفة، والثوري: قدم المرأة ليست بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوف لم تُعدْ. ويروى عن أبي حنيفة أن قدميها عورة- أيضاً- لعموم قوله- عليه السلام-: " الحرة عَوْرة "، واستثني عنها الوجهُ والكفان ت لقوله تعالى: {ولا يبدينَ زِينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ منْهَا " (1) . وقال ابن عباس: هو الكحل والخاتمَ. وأخرج البيهقي عن عَقبة الأصم، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة في قوله تعالى: {ولا يبدينَ زينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ منْهَا} قالت: ما ظهر منها: الوجه والكفّان. قالَ الشيَخ في " الإمام ":َ وعقبة تكلم فيه. 621- ص- نا مجاهد بن موسى: نا عثمان بن عمر: نا عبد الرحمن بن عبد الله- يعني: ابن دينار-، عن محمد بن زيد بهذا الحديث قال عن أم , سلمة، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتصلي المرأةُ في درعْ وخمار ليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرعُ سابغاً يُغطي ظهور قدمَيْها " (2) . ش- مجاهد بن موسى: أبو علي الخوارزمي. وعثمان بن عمر: ابن فارس بن لقيط بن قيس أبو محمد أو أبو عدي العبدي البصري. روى عن: عبد الله بن عون، وداود بن قيس، ويونس بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: البخاري، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومجاهد بن موسى، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة رجل صالح. توفي ليلة الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة تسع ومائتين. وروى له: أبو داود، والنسائي (3) . وعبد الرحمن بن عبد الله: ابن دينار المديني العدوي مولى عبد الله بن

_ (1) سورة النور: (31) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3848) .

عمر بن الخطاب. روى عن: أبيه، وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار. روى عنه: يحيى القطان، ومعن بن عيسى، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: في حديثه ضعْف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: بعض ما يرويه منكر لا يُتابع علي. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . ومحمد بن زيد: قد مر الآن. قوله: " اتُصلي المرأة " الألف فيه للاستفهام. قوله: " إذا كان الدرع " إلى آخره جوابُه محذوف تقديره: إذا كان القميص شاملاَ على جميع بدنها يُغطي ظهور قدميها تُصلي فيه وإلا لا. وفي " المصنف ": نَا أبو أسامة، عن الجريري، عن عكرمة قال: تصلي المرأة في درع وخمار حَصِيف. ونا أبان بن صَمْعة، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صَفيقاً. ونا أبو أسامة، عن الجُريري، عن عكرمة أنه كان لا يرى بأساً بالصلاة في القميص الواحد حصيفاً. وذكر عن ميمونة بسند صحيح أنها صلت في درع وخمارٍ. ومن طريق أخرى صحيحة أنها صلت في درع واحد فُضُلاً، وقد وضعتْ بعض كمها على رأسها. ومن طريق مكحول، عن " عائشة وعلي- رضي الله عنهما-: تُصلي في درع سابغ وخمارِ. وعن ابن عمر بسند صحيح: في الدرع والخمار والملحفة. وعن عبيدة ومحمد بن سيرين: الدرع والخمار والحَقوة. وعن إبراهيم: في الدرع والجلباب. وعن عروة، وقتادة، وجابر بن زيْد،

_ (1) المصدر السابق (17 / 3866) .

وعطاء: في درع وخمار حَصيف. وعن الحكم: في درع وخمار. وعن حماد: درع وملحفة تُغطِي رأسهَا. ومن حديث ليْث، عن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. وعن مجاهد، وعطاء، وابن سيرين: إذا حضرتها الصلاة وليس لها إلا ثوب واحد، قالوا: تتزر به. وفي " صحيح البخاري ": قال عكرمة: لو وارَت جسَدها في ثوب جار- وفي نسخة: لأجْزأها (1) . وقوله: " وخمار حَصِيف " أي: محكم، من أحْصفتُ الأمرَ أحكمتُه- بالحاء والصاد المهملتين- والمرادُ منه: الصفيق. وقوله:" في درع واحد فُضُلاَ " أي: زيادة عليها. قوله: " والجلباب " الإزار والر داء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تُغطي به المرأة رأسها وظهرها وصَدْرها، وجمعها: جلابيب. ص- قال أبو داود: روى هذا الحديث: / مالك بن أنس، وبَكْرُ بن [11/ 217] مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جَعْفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي- عليه السلام-، قصَرُوا به على أم سلمة. ش- بكرُ بن مُضر: ابن محمد المصري، وحفص بن غياث: ابن طلق النخعي قاضي الكوفة، وإسماعيل بن جَعْفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني، وابنُ أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن، وابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق. قوله:" قصرُوا به " أي: بهذا الحديث على أم سلمة، ولم يرفعوه إلى النبي- عليه السلام-. " وسئل (2) الدارقطني عن هذا الحديث فقال: يَرويه محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة، واختلف عنه في رفعه، فرواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عنه مرفوعا إلى النبي- عليه السلام-

_ (1) في الأصل: " لأجزأته" (2) انظر: نصب الراية (1 / 299- 300) .

79- باب المرأة تصلي بغير خمار

وتابعه هشام بن سَعْد، وخالفه ابن وهب (1) ، فرواه عن هشام بن سَعْد موقوفا، وكذلك رواه مالك، وابن أبي ذئب، وابن لهيعة، وأبو غسان: محمد بن مطرف، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة موقوفا، وهو الصواب. وقال صاحب " التنقيح ": وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار روى له البخاري في " صحيحه "، ووثّقه بعضهم، لكنه غلط في رفع هذا الحديث. وروى الحاكم هذا الحديث في المستدرك " (2) وقال: إنه على شرط البخاريّ. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وهذا الحديث فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والظاهر أنه غلِط في رفع هذا الحديث. قلت: وكذا ذكره ابن حبان (3) في " الضعفاء والمتروكين ". 79- بَابُ المرأةِ تُصَلّي بغَيْر خِمَار أي: هذا باب في بيان المرأة التي تصلي بغير خمارِ، وفي بعض النسخ:" بابُ ما جاء في المَرأة تصلي بغير خمار ". 622- ص- نا محمد بن المثنى: نا حجاج بن منهال: نا حماد، عن قتاد (ة) ،،، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة زوج النبي- عليه السلام- قال: " لا تقبلُ صلاةُ (4) حائضٍ إلا بخمارٍ " (ْ) . (5)

_ (1) كما عند البيهقي (2 / 232) 0 (2) (1 / 0 25) . (3) في الأصل: " ابن الجوزي،، وانظر ترجمة عبد الرحمن في الضعفاء لابن حبان (2 / 51، 52، 249) . (4) في سنن أبي داود:" لا يقبل الله صلاةَ ... ،، وأشار المصنف إلى أنها نسخة. (5) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء " لا تقبل صلاة المرأة ألا بخمار " (377) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار (655) .

ش- حجاج بن المنهال: الأنماطي، أبو محمد السُّلمي مولاهم. وقيل: البُرساني، وبُرسان بطن من الأزْد. سمع: جرير بن حازم، وشعبة بن الحجاج، وأبا عوانة، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. وقال أحمد بن عبد الله: بصري ثقة، رجل صالح، وكان سمسارا يأخذ من كل دينار حبةً، فجاءه خراساني مُوسرٌ من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطاً فأعطاه ثلاثين ديناراً، فقال له: ما هذه؟ قال له: سَمْسرتك خذها، قال: دنانيرك أهون علينا من هذا التراب، هات من كل دينار حبةً، فأخذ دينارا وكسْرا. توفي في شوال سنة سبع عشرة ومائتين. روى له: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وحماد: ابن سلمة، وقتادة: ابن دعامة. وصفية ابنة الحارث: البصرية، وهي أم طلحة الطلحات، وهو طلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي. روت عن: عائشة- رضي الله عنها-، وكانت عائشة نزلت عليها قصر عبد الله بن خلف بالبصرة فسمعت منها صفية ونساء أهل البصرة. روى عنها: محمد بن سيرين، وقتادة. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: " لا تقبل صلاةُ "، وفي رواية: " لا يقبل الله صلاة حائض " " أراد بالحائض: المرأة التي قد بلغت سن المحيض، ولم يرد به المرأة التي هي في أيام حَيضتها، فإن الحائض لا تصلي بوجه، ويُقال: الحائض هاهنا: من بلغت وأدركت سن المحيض، كما يًقال: محرم ومُتْهِم ومُنْجِد لمن دخل الحرم وتهامة ونجدا، ولم يرد به الحائض في أيام حَيْضها. قلت: هذا من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، إذ الحيض من أسباب البلوغ. وبهذا الحديث استدل صاحب " الهداية " في وجوب ستر العورة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1128) . (2) المصدر السابق (35 /7872) . 12. شرح سنن أبى داوود 3

فقال: ويستر عورته لقوله تعالى: {خُذوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجد} (1) أي: ما يُواري عورتكم عند كل صلاة، وقال- عليه السلام-: " لا صلاة لحائض إلا بخمار ِ" أي: لبالغة، والحديث: أخرجه الترمذي- أيضاً- في الصلاة، وابن ماجه في الحيض، وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن خزيمة، وعنه: ابن [1/218- أ] حبان في "صحيحيهما" ولفظهما: " لا يقبل اللهُ / صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار " ذكره ابن حبان في أول القسم الثاني، ورواه الحاكم في " المستدرك "َ في أثناء الصلاة، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأظنه لخلاف فيه على قتادة، ثم أخرجه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن أن النبي- عليه السلام- قال: " لا صلاة لحائض إلا بخمارِ" قلتُ: بهذا اللفظ ذكره صاحب " الهداية " - كما ذكرناه. ص- قال أبو داود: رواه سعيد- يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي- عليه السلام. ش- أي: روى هذا الحديث: سعيد بن أبي عروبة، وقد وقع الخلاف فيه على قتادة- كما ترى- فلذلك لم يخرجاه، وإن كان الحديث صحيحا كما قال الحاكم. " (2) ورواه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في " مَسانيدهم " قال الدارقطني في كتاب " العلل ": حديث " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارِ " يَرويه قتادة، عن محمد ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، واختلف فيه على قتادة، فرواه حماد بن سلمة عن قتادة هكذا مسنداَ مرفوعا عن النبي - عليه السلام-، وخالفه شعبة، وسعيد بن بشير (3) ، فروياه عن قتادة موقوفا، ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حَسان، عن ابن سيرين

_ (1) سورة الأعراف: (31) . (2) انظر: نصب الراية (1 / 295- 296) . (3) في الأصل و " علل الدارقطني " (5 / 103- أ) : " بشر "، وفي " نصب الراية ": " بسر " خطأ.

مُرْسلاً، عن عائشة أنها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك ورفعا الحديث، وقول أيوب وهشام أشبه بالصواب. وروى الطبراني في " معجمه الوسط والصغير " (1) : حدثنا محمد بن أبي حرملة القلزمي بمدينة قلزم: ثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي: ثنا عمرو بن هاشم (2) البَيْروتي: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله - عليه السلام-: " لا يقبل الله من امرأة صلاةً حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر " انتهى. وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم (2) ، تفرد به: إسحاق بن إسماعيل (3) . 623- ص- نا محمدُ بن عُبيد: نا حمادُ بن زيد، عن أيوب، عن محمد أن عائشة نزلت على صَفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله دخلَ وفي حجرتي جارية فألقَى لي حَقْوَه، وقًال: شُقيه شقتَيْن (4) ، فأعْطي هذه نصفا والفتاةَ التي عند أم سلمة نصفا، فإني لا أراها إلا قد حاضَتْ، أَو لا أراهما إلا قد حَاضَتَا ". (5) ش- محمد بن عُبيد: الغبري- بالغين المعجمة- البَصْري، وأيوب: السختياني، ومحمد: ابن سيرين. قوله: " أم طلحة الطلحات " وقد ذكرنا أن طلحة الطلحات هو طلحة ابن عبد الله بن خلف، وإنما قالوا له: طلحة الطلحات، لأنه كان في أجداده جماعة اسم كل واحد منهم طلحة، فأضيف طلحة إليهم، كما يقال لعبد الله بن قيس: ابن قيس الرُّقَيات، لأنه نكح ثلاث نسوة اسم

_ (1) المعجم الأوسط (7 / 7606) ، الصغير (920) . (2) في الأصل:" هشام " خطأ. (3) في الأصل:" إسماعيل بن إسحاق " خطأ. (4) في سنن أبي داود: " بشقتين ". (5) تفرد به أبو داود.

80- باب السدل في الصلاة

كل واحدة: رقية، وقيل: كان له جدات اسم كل واحدة منهن: رقية، فأضيف إليهن. قوله: " حَقْوه " الحَقْو: الإزار، والأصل فيه: مَعْقد الإزار، ولكن سمي به الإزار للمجاورة، وقد ذكرناه مَرةً. قوله: " والفتاةَ " أي: وأعطي الفتاة، والفتاة الشابة. واستفيد منه: أن البنت إذا حاضت بلغت، وأنه يجب عليها أن تَسْتر بدنها، ولا تكشف منها إلا الوجه والكفيّن سواء كانت في الصلاة أو غيرها، لأن الحرة عورة، يعني جميع بدنها عورة إلا ما استثنى الله تعالى منها وهو الوجه والكفان، وفي القدمين روايتان عن أبى حنيفة، وقد ذكرنا الخلاف عن قريب. ص- وكذلك رواه هشام، عن محمد بن سيرين. ش- أي: هشام بن حَسان البصري القُرْدُوسِي. وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: لم يسمع ابن سيرين من عائشة شيئاً. * * * 80- بَابُ السَّدْل (1) في الصَّلاة أي: هذا باب في بيان حكم السَّدْلَ في الصّلاة، وَالسَدْلُ: الإرخاء، يُقال: سَدَل ثَوبَه يَسْدُله- بالضم- سَدْلا. وفسره أصحابنا منهم صاحب "الهداية " هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو كتفيه، ثم يُرْسِل أطرافه من جوانِبه. 624- ص- نا محمد بن العلاء، وإبراهيم بن موسى، عن ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء. قال إبراهيم: عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلام- نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطِي الرجل فاه (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: "باب ما جاء في السدل ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية السدل في الصلاة له (378) .

/ ش- إبراهيم بن موسى: الرازي الفراء، وعبد الله: ابن المبارك [1/218-ب والحسن بن ذكوان: البصري أبو سلمة، وليس بأخي الحُسين بن ذكوان. روى عن: أبي زيد، وعطاء، وسليمان الأحول، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ويحيى القطان، وسعيد بن راشد، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ووثقه ابن حبان (1) . وسليمان: ابن أبي مسلم الأحول المكي، خال ابن أبي نجيح، ويقال: ابن خالته. روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، وغير هم. روى عنه: ابن جريج، وشعبة، وابن عُيينة- وقال: كان ثقة-، وقال احمد: ثقة ثقة. روى له الجماعة (2) . وعطاء: ابن أبي رباح. قوله: " قال إبراهيم: عن أبي هريرة " أي: قال إبراهيم بن موسى في روايته عن عطاء: عن أبي هريرة أن رسول الله نهى عن السدل، والحكمة في النهي عن السدل: أنه يُشبه صنيع أهل الكتاب. قوله: " وأن يُغطي " أي: ونهى أن يغطي الرجل فاه أي: فمَه، والحكمة في هذا: أنه يُشبه فعل المجوس حال عبادة النيران، كذا قاله صاحب " المحيط ". والحديث: أخرجه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه الترمذي بدون قوله: " وأن يغطي الرجل فاه "، وقال: لا نعرفه من حديث عطاء، عن أبي هريرة مرفوعا إلا من حديث عِسْل بن سُفْيان. قلت: تابعه سليمان الأحول- كما تقدم لأبي داود- وتابعه- أيضاً

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 / 1229) . (2) المصدر السابق (2 1 / 2563) .

عامر الأحول كما أخرجه الطبراني في " معجمه الوسط " عن أبي بحر البكراوي- واسمه: عبد الرحمن بن عثمان-: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً فذكره، ورجاله كلهم ثقات إلا البكراوي، فإنه ضعّفه أحمد وابن معين وغيرُهما، وكان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه وروى عنه. وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه. ص- قال أبو داود: رواه عسْل، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي - عليه السلام- نهَى عن السدْلَ في الصلاة. ش- عِسْل- بكسْر العن وسكون اَلسين المهملتين- هو ابن سفيان التميمي اليًربُوعي البَصري، كنيته: أبو قرة. سمع: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة. روى عنه: شعبة، وحماد بن سلمة، والحجاج الباهلي، وغيرهم. قال ابن معين: هو ضعيف، وقال احمد: ليس هو عندي قوي الحديث. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو قليل الحديث، وهو مع ضعفه يكتب حديثه (1) . 625- ص- نا محمد بن عيسى بن الطباع: نا حجاج، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يُصلِّي سادلاً (2) . ش- حجاج: ابن محمد الأعور. وفي " المصنف " (3) : نا ابن إدريس "، عن عبد الملك، عن عطاء أنه لم يكن يرى بالسَّدْل بأساً. نا ابن علية، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يَسْدُل. نا ابن علية.، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم ابنه كان لا يرى به بأساً إذا كان علي قميص. نا وكيع قال: نا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن محارب قال: رأيت ابن عمر يَسْدُل في الصلاة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20 / 3921) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية السدل في الصلاة له (378) . (3) انظر هذه الآثار والتي بعدها في مصنف ابن أبي شيبة (2 / 259 وما بعدها) .

81- باب الصلاة في شعر النساء

نا وكيع قال: نا أبو شهاب موسى بن ثابت قال: رأيت سعيد بن جبير يسدل في التطوع وعليه شقتان (1) مُلفقة. نا وكيع: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود أنه كان يَسْدُل في الصلاة. نا وكيع: نا يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: لا بأس بالسَّدْل في الصلاة. نا عَبْدة، عن ابن أبى عروبة قال: رأيت ابن سيرين يَسدُل في الصلاة. نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي قال: رأيت مكحولا يَسْدل طيلسانه علي في الصلاة. نا وكيع، عن مهدي بن ميمون قال: رأيت الحسن يَسْدلُ على القباء. وروى أبو بكر- أيضاً عن جماعة كراهة ذلك؟ فقال: نا إسماعيل ابن إبراهيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه أن عليا رأى قوماً يصلون وقد سَدَلُوا فقال: كأنهم اليهودُ خرجوا من فِهرهم. نا ابن إدريس "، عن ليث، عن مجاهد قال: كره السدل. نا وكيع: نا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره السَدْل في الصلاة مخالفةً / لليهود، وقال: إنهم يَسْدُلون (1/219-1) * * * 81- بَابُ الصَلاة في شُعُرِ النسَاء أي: هذا باب في بيان الصلاة في شَعُر النساء، والَشُعُر- بضم الشين والعين - جمع شعار, وهو الثوب الذي يلي الجسدَ، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار. 626- ص- نا عبيدُ الله بن معاذ: نا أبي: نا الأشعث، عن محمد، عن

_ (1) في المصنف " مستقة " وأشار محققه إلى أنه في نسخة " مستقتان ملفقتان "

82- باب: الرجل يصلي عاقصا شعره

عبد الله بن شقيق (1) ، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يُصلي في شُعُرنا أو لحُفنا- شَكّ أبي (2) ، (3) . ش- قد تقدم هذا الحديث في كتاب الطهارة بهذه الترجمة، وبهؤلاء الرواة بأعْيانهم. قوله: " أو لحفنا " جمع لحاف؛ وهو ما يلتحف به، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به. قوله: " شك أبي " أي: قال عُبيد الله بن معاذ: شك أبي: في شعرنا أو لحُفنا؟ * * * 82- بَابُ: الرّجُل يُصَلي عَاقصاً شَعْرَه أي: هذا باب في بيان الرجل يصلي حال كونه مَعْقوص الشعر، وأصل العقص: الليُّ وإدخال أطرافْ الشعْر في أصُوله، ولكن المراد من الشعر المعقوص: المَضفُورُ. وقال صاحب " الهداية ": ولا يعقص شعره، وهو أن يجمعَ على هامته ويشده بخيطٍ أو بصَمغْ ليتلبدَ. 627- ص- نا الحَسنُ بن علي: نا عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبيِ سعيد المقبري يُحدث عن أبيه , أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام مر بحسن بن علي وهو يُصلي قائماً وقد غرَزَ ضفْرَه في قفاه فحلها أبو رافع، فالتفتَ حسن إليه مغضباً فقال أبو رافع: أقبلْ على صلاتِك ولا تَغضَبْ، فإني سمعتُ رسول الله يَقولُ: " ذلك كِفْلُ الشَيطان " - يعني: مَقْعَدُ الشيطان، يعني: مَغرزُ ضفره (4) .

_ (1) في سنن أبي داود:" عن عبد الله بن شقيق، عن شقيق، عن عائشة " كذا. (2) في سنن أبي داود: " قال عبيد الله: شك أبي ". (3) تقدم برقم (351) . (4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية كف الشعر في الصلاة (382) ، وقال: حديث حسن، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: كف الشعر والثوب في الصلاة (1042) .

ش- الحسن بن عليّ: الخلال، وعبد الرزاق: ابن همام. وعمران بن موسى: أخو أيوب. روى عن: سعيد المقبري، وعمر ابن عبد العزيز. روى عنه: ابن جريج. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . وأبو سعيد: اسمه: كيْسان المقبري، والد سعيد، الليثي الجندعي المدني، كان منزله عند المقابر فقيل له: المَقْبُري. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. روى عنه: ابنه: سعيد، وعمرو بن أبي عمرو، وحميد بن زياد، وغيرهم. قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بالمدينة. روى له الجماعة (2) . وأبو رافع: اسمُه: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، واشتهر بكنيته، وكان قبطيا، وقد ذكرناه. والحسن بن علي: ابن أبي طالب القرشي الهاشمي، سبط رسول الله وريحانته، يكنى أبا محمد، ولد سنة ثلاث من الهجرة في منتصف رمضان. روى عنه: ابنه: الحسن بن الحسن، وسويد بن غفلة، والشعبي، وجماعة آخرون. مات سنة تسع وأربعين ودفن بالبقيع وصلى علي سعيد بن العاص. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " وقد غرزَ ضفره " الضفر: المضفور من الشعر، وأصل الضفْر: الفتل، والضفائر هي العقائص المَضفُورة. قوله: " ذلك كفل الشيطان " الكِفْل- بكسر الكاف وسكون

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4507) . (2) المصدر السابق (24 / 5008) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1 / 369) ، وأسد الغابة (2 / 10) ، والإصابة (1 / 328) .

الفاء- أصله: أن يَجمع الكساء على سَنام البَعير ثم يُركَب، قال الشاعر: وراكبٍ على البَعير مكْتفِلْ يَحْفَى على آثارها ويَنتَعِل ومراده: مقعد الشيطان- كما فسره في الحديث. قوله: " يعني: مَغرز ضفره " المَغرز- بفتح الميم-: مَوضع الغَرْز. وقال الخطابي (1) : وإنما أمرَه بإرسال الشعر ليَسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فسجد معه. وقد روي: " أمرت أن أسجد على سَبْعة آراب، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً " (2) . وقال بعض أصحابنا: وجه الكراهة فيه: أنه تشبه بالنساء. " والحديث (3) : أخرجه ابن ماجه، ولفظه: عن شعبة، عن مخول ابن راشد: سمعت أبا سعيد يقول: رأيت أبا رافع مولى رسول الله وقد رأى الحسن بن علي وهو يصلي وقد عقص شعره فأطْلقه وقال: نهى رسول الله أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره. وأخرجه الترمذي [1/219- ب] كأبي داود، إلا أنه قال / فيه عن أبي رافع، لم يقل: إنه رأى أبا رافع وقال: حديث حسن. ورواه عبد الرزاق في" مُصنفه " (4) : أخبرنا سفيان الثوري، عن مخول بن راشد، عن رجل، عن أبي رافع قال: نهى رسول الله أن يصلي الرجل ورأسه معقوص. ورواه الطبراني في " معجمه " بإسناده إلى أبي رافع أن النبي- عليه السلام- نهى أن يصلي الرجل ورأسه مَعقوص.

_ (1) معالم السنن (1 / 156) . (2) يأتي برقم لعله (868) . (3) انظر: نصب الراية (2 / 93- 95) . (4) (2 / 183) ، وكذا أحمد (6 / 1 39) عن وكيع، عن سفيان به. و (6 / 8) عن عبد الرزاق به.

ورواه إسحاق بن راهويه في " مُسنده ". وقال الطحاوي في كتابه " مشكل الآثار" يَبْعد أن يكون أبو سعيد المقبري شاهد من أبي رافع هذه القصة، فإن وفاة أبي سعيد كانت سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت وفاة علي قبل ذلك بخمس وثمانين سنة، ووفاة أبي رافع قبل ذلك، وعلي كان وصي أبي رافع. وقال عبد الحق في " أحكامه ": وهذا الذي استبعده الطحاوي ليس ببعيد، فإن المقبري سمع عمر بن الخطاب على ما ذكر البخاري في " تاريخه ". وقال أبو عمر بن عبد البر: توفي أبو رافع في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة علي، وهو أصح. وقال ابن القطان في " كتابه ": وهذا الذي قاله يحتاج إلى زيادة، وذلك إذا سلمنا أن أبا سعيد توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأن بين وفاته ووفاة عليّ خمساً وثمانين سنة، لأن عليا مات سنة أربعين، فينبغي أن نضيف إلى ذلك أيّامه وهي: أربع سنين وتسعة أشهر، وأيام عثمان وهي ثنتا عشرة سنةً، فهذه سبع عشرة سنةً غير رُبْع، فجاء الجميع مائة سنة وسنتَيْن، فلنفرض أنه سمع من عُمر في آخر حياته فلا أقلّ أن يكون سن مَنْ يَضْبطُ كثمانِ سنين أو نحوها، فهذه مائة سنة وعشر فيحتاج سن أبي سعيد أن يكون هذا القدر، وإلا فلا يصحّ سماعُه من أبي رافع؟ وهذا شيء لا يُعرف له ولا ذكر به، قال: فالأولى في ذلك: أن يُقال: إن وفاة أبي سعيد المقبري لم تكن سنة خمس وعشرين ومائة، فإني لا أعرف أحداً قال ذلك إلا الطحاوي، وإنما المعروف في وفاته إما سنة مائة- كما حكاه الطبري في كتابها" ذيل المذيل " (1) ، وقاله أبو عيسى الترمذي- وإما في خلافة الوليد بن عبد الملك- كما قاله الواقدي وغيرُه، وكانت وفاة الوليد سنة ست وتسعين- وإما في خلافة عبد الملك- وهو قول أبي حاتم الرازي- فلينزل على أبعد

_ 11) في الأصل: " ذيل المربد"

هذه الأقوال- وهو قول من قال: سنة مائة- حتى يكون بين وفاته ووقت حياة أبي رافع ستون سنة أو أكثر بقليل، وهذا لا يعد فيه، ولا يحتاج معه إلى تقدير سماعه من عمر، فانه وإن حكاه البخاري مشكوك فيه، ولم يحكه بإسْناد، والذي قاله غير البخاري أنه روى عن عمر، وهذا لا ينكر فإنه قد يُرْسل عنه، قال: ويؤيد ما قلناه: أن المقبري لا يَبْعد سماعُه من أبي رافع أن أبا داود روى الحديث المذكور وقال فيه عن أبي سعيد أنه رأى أبا رافع مرّ بالحسن، ففي هذا اللفظ أنه رأى هذا الفعل من أبي رافع وشاهد، ولكن في إسناده: عمران بن موسى، ولا أعرف حاله، ولا أعْرِف روى عنه غير ابن جريج. انتهى كلامه (1) . 628- ص- نا محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن عَمْرو بن الحارث، أن بكيراً حدثه، أن كريباً مولى ابن عباس حدثه، أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يُصلي ورأسه مَعقوصٌ من ورائه فقَامَ وراءه فجعَل يَحلهُ وأقر له الآخر، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مَا لكَ ورأسي؟ قال: إني سمعتُ رسول الله يَقولُ: " إنما مثل هذا مثل الذي يُصلِي وهو مكتوف " (2) . ش- بُكير: ابن عبد الله الأشج، وكُريب: ابن أبي مسلم، وعَبْد الله ابن الحارث: ابن جَزْء الصحابي. قوله: " ورأسه مَعْقوص " جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي في " يُصلي ".

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب، وعقص الرأس " في الصلاة (492) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: مثل الذي يصلي ورأسه معقوصة (1 / 223) .

83- باب: في الصلاة في النعل

قوله: " وهو مكتوف " حال- أيضاً- المكتوف: الذي شذت يداه من خلفه، فشبّه به الذي يَعْقدُ شَعَره في رأسه. والحديث: أخرجه النسائي. وفي " المصنف ": نا ابن مهدي، عن زهير بن محمد، عن زيد بن اسلم، عن أبان بن عثمان قال: رأى عثمان رجلاً يُصلي وقد عقد شعره فقال: يا ابن أخي، مثل الذي يصلي وقد عقص شعره، مثل الذي يصلي وهو مكتوف. نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب /، عن عبد الله أنه (1/220-1) دخل المسجد، فإذا فيه رجل يُصلّي عاقصٌ شعرَه، فلما انصرف قال عبد الله: إذا صلّيت فلا تعقص شعرك، فإن شعرك يَسْجد معك، ولك بكُل شعرةٍ اجر، فقال الرجل: إني أخاف أن يتترّب، فقال: تَتْريبُه خير لك. * * * 83- بَاب: فِي الصَّلاة في النعْلِ أي: هذا باب في بيان الصلاة في النعْلَ، وفي بعض النسخ: " باب فيما جاء في الصلاة في النعل ". 629- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابن جريج: حدثني محمّد بن عباد بن جَعْفر، عن ابن سفيان، عن عبد الله بن السائب قال: رأيتُ رسولَ الله يُصلي يومَ الفتح ووَضع نعلَيْهِ عن يَسارِه (1) . ش- ابن سُفيان: اسمه: عبد الله أبو مسلمة، سماه أبو حاتم، وكناه البخاري ولم يسمه، وكذا سماه أبو بكر في " مصنفه ". روى عن: عبد الله بن السائب، وأبي أمية بن الأخنس (2) . روى عنه: محمد بن عباد، ويحيى بن صيفي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.

_ (1) النسائي: كتاب القبلة، باب: أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس (2 / 74) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في أين توضع النعل إذا خلعت في الصلاة (1431) . (2) في الأصل: " الأخفش ".

قال أحمد: ثقة مأمون. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعبد الله بن السائب: ابن أبي السائب- واسمه: صيفي- بن عابد (2) - بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي القارئ، يكنى أبا السائب، وقيل: أبا عبد الرحمن، رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- سبعة أحاديث، روى له مسلم حديثاً وأحداً. توفي بمكة قبل ابن الزبير بيسير. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (3) . وفي الحديث من الأدب: أن تصان الميامن عن كل شيء مما يكون محلاً للأذى. ومن الأدب: أن يضع المصلي نعله عن يَسارِه إن كان وَحْده. والحديث: رواه أبو بكر بن أبي شيبة. 630- ص- نا الحسنُ بن عليّ: نا عبد الرزاق، وأبو عاصم قالا: أنا ابن جريج قال: سمعتُ محمد بن عباد بن جعفر يَقولُ: أخبرني أبو سلمة ابن سفيان، وعبد الله بن المُسيب العَابدي، وعبد الله بن عَمْرو، عن عبد الله ابن السائب قال: صلى بنا رسول الله الصبحَ بمكة فاستفتح سُورةَ المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون وذكر مُوسَى وعيسى- ابنُ عباد شكّ أو اختلفوا- أخذت النبيَّ- عليه السلام- سَعْلة فحذف " فركعَ، وعبدُ الله بن السائب حاضر لذلك (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15 / 3310) . (2) كذا، وفي مصادر الترجمة عدا تهذيب الكمال:" عائذ " (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 /380) ، وأسد الغابة (3 /254) ، وا لإصابة (2 /314) . (4) البخاري تعليقاً كتاب الأذان، باب: الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة (2 /255) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (163 / 455) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة بعض السور (2 /175) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة الفجر (820) .

ش- عبد الله بن المُسيّب: ابن أبي السائب العابدي القرشي. روى عن: عبد الله بن السائب، وعن: عمر، وابن عمر. روى عنه: ابن أبي مليكة، وعبد الله بن أبي جميلة (1) ، والعابدي: بالباء الموحدة. وعبد الله بن عَمرو هذا: ليس عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي، بل هو عبدُ الله بن عَمرو الحجازي. روى عن: عبد الله بن السائب. روى عنه: أبو سلمة بن سفيان. روى له: مسلم، وأبو داود (2) . قوله: " ابن عباد شك " أي: محمد بن عَباد المذكور شكّ بين ذكر موسى وهارون وبين ذكر موسى وعيسى. قوله: " أو اختلفوا " أي: الرواةُ، منهم مَن قال: حتى إذا جاء ذكر مُوسى وهارون أخذت النبيَّ سَعْلة، ومنهم من قال: حتى إذا جاء ذكر موسى وعيسى أخذت النبيَّ سَعْلَة، والسَّعْلة- بفتح السن وسكون العن المُهملتين- وهي مرة من السُّعَالِ. قوله: " فحذفَ "- بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة وفاءِ- أي: ترك بقية القراءة، وحذف الشيء: إسقاطه. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، وعند ابن ماجه: " فلما بلغ ذكر عيسى وأمّه أخذته سَعْلة أو قال: شَهْقة "، وفي رواية: " شرْقة ". وأخرجه الطبراني ولفظهُ: " يوم الفتح ". وأخرجه البخاري تعليقاً. ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: استحباب القراءة الطويلة في صلاة الصبح، ولكن على قدر حال الجماعة. الثانية: جواز قطع القراءة، وهذا لا خلاف فيه ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن عذر فلا كراهة- أيضاً - وهذا مذهب الجمهور، وعن مالك في المشهور: كراهته

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16 / 3572) . (2) المصدر السابق (15 / 3461) .

الثالثة: جواز القراءة ببعض السورة. 631- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن أبي نعامة السعْدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسولُ الله ص يُصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يَساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نِعالهم، فلما قضى رسول الله صلاتَه قال: " ما حملكم على إلقائكم (1) / [1/220 - ب] نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيتَ نعلكَ (2) فألقينا نعالنا، فقال رسول الله - عليه السلام-: " إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهمَا قذراً (3) ، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعْليْه قذراً أو أذى فليَمْسَحْه، وليُصلي فيهما " (4) . ش- حماد: ابن سلمة. وأبو نعامة: اسمه: عبدْ ربه البصري السَّعْدي. روى عن: أبي عثمان النهدي، وشهر بن حوشب، وأبي نضرة. روى عنه: أيوب السختياني، وشعبة، وحماد بن سلمي، ومرحوم بن عبد العزيز العطار. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (5) . وأبو نَضْرة: المنذر بن مالك العَبْدي البصري. قوله: " إذ خلع نعليه " جواب قوله: " بينما "، وقد مر الكلام في "بينما" غير مرة. قوله: " أو أذى " أي: نجاسةً. والحديث: رواه ابن حبان في "صحيحه " في النوع الثامن والسبعة من القسم الأول، إلا أنه لم يقل فيه:

_ (1) في سنن أبي داود: " إلقاء ". (2) في سنن أبي داود: " نعليك " (3) في سنن أبي داود: " أو قال أذى ". (4) تفرد به أبو داود. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34 / 7671) .

" وليُصل فيهما ". ورواه عبد بن حُميد، وإسحاق بن راهوَيه، وأبو يعلى المَوْصلي في " مسانيدهم " بنحو أبي داود. وبالحديث استدل أبو يوسف (1) أن الخف أو النعل ونحوهما إذا أصابته نجاسة فَدلكه بالأرض ومسَحه يَطهرُ، سواء كان رطباً أو يابساً، وسواء كان لها جرمٌ أو لم يكن، لإطلاق الحديث، وبه أفتى مشايخ ما وراء النهر، لعموم البلوى. وقال أبو حنيفة: المراد من الأذى: النجاسة العينية اليابسة، لأن الرطبة تزداد بالمسْح انتشاراً أو تلوثاً. وقال محمد: لا يطهر إلا بالغسل، وبه قال زفر، والشافعي، ومالك، وأحمد. والحديث حجة عليهم. ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: المسألة المذكورة. الثانية: ذكرها الخطابي (2) أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإن صلاته مجزئة ولا إعادة علي. وقال أصحابنا: ولو رأى في ثوبه نجاسةَ، ولم يدر متى أصابته لا يُعيد صلاته حتى يتحقق بالإجماع، وفي رواية: يُعيد صلاة يوم وليلةِ. فإن قيل: هذا إذا علم بها بعد أن صلى، وأما إذا علم بها وهو في الصلاة، فلا خلاف فيه أن صلاته تبطل، وعليه أن يستأنفها، فكيف يكون الجواب عن الحديث؟ لأنه- عليه السلام- علم بالنجاسة وهو في الصلاة ولم يُعدها. قلت: الجواب عن ذلك من وجهن، الأول: أن الحظْر مع النجاسة نزل حينئذ. والثاني: يحتمل أنه كان أقل من الدرهم. الثالثة: أن الأدب للمصلي إذا صلى وحده فخلع نعليه أن يضعها عن يساره، وأما إذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس، فإنه يضعها بين رجليه. وفي " المصنف،: نا وكيع: نا ابن أبي ذئب،

_ (1) في الأصل:" أبو سف" (2) معالم الحق (1 / 157) . 13 شرح سنن أبى داود 3

عن سعيد المقبري، عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: كيف أصنع بنعلي إذا صليتُ؟ قال: اجعلهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلماً. ونا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: رأيت ابن عمر خلع نعليه فجعلهما خلفه. نا شبابة: نا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليْه ". الرابعة: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة، وهو الذي لا يحتاج فيه إلى استعمال اليدين. الخامسة: ذكرها الخطابي (1) : أن الاقتداء برسول الله- عليه السلام- في أفعاله واجب كهو في أقواله، وهو أنهم لما رأوا رسول الله خلع نعله خلعوا نعالهم. وقد قال الشيخ جلال الدين الخبازي في كتابه " المغني ": إن الأمر يتوقف على الصيغة عندنا خلافاً للشافعي حتى لا تكون أفعال النبي- عليه السلام- مُوجبة، لأنه يصح أن يقال: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه، ولو كان الفعل أمراً لكان هذا تناقضاً. انتهى. قلت: كأنه بنى على هذا الاختلاف أن أفعال النبي- عليه السلام- غير موجبة. فإن قيل: يرد عليه أن النبي- عليه السلام - إذا فعل فعلاً وواظب عليه من غير تركه مرة، تكون واجبة، مع أنه لم توجد فيه صيغة الأمر، قلت: يمكن أن يقال: المواظبة أمر زائد على نفس الفعل، والنزاع ليس إلا فيه، ثم تحرير / الخلاف في هذا الموضع أنه إذا نقل إلينا فعل من أفعاله- عليه السلام-، التي ليست بسَهو مثل الزلات ولا طبع مثل الأكل والشرب، ولا من خصائصه مثل وجوب التهجد والضحى، ولا ببيان

_ (1) معالم السنن (1 / 157) .

لمجمل مثل المسح على الناصية، هل يَسَعُنا أن نقول فيه: أمَر النبي- عليه السلام- بكذا؟ وهل يجب علينا اتباعُه في ذلك أم لا؟ فعند مالك في رواية وبعض الشافعية: يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة، ويجب علينا الاتباع، وعندنا: لا، من وجوه ثلاثة (1) ، الأول: يلزم التناقض في قولنا: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه على تقدير كون الفعل أمراً، والتناقض محال، وكل تقدير يلزم منه المحال فهو محال. الثاني: لو كان الأمر حقيقة في الفعل لاطرد في كل الفعلِ، إذ لاطراد من غير مانع من أمارات الحقيقة، ولكنه لم يَطرد، إذ لا يقال: الآكل أو الشارب آمِر، فوجب أن لا يكون حقيقة فيه، لأن كل مقصود من مقاصد الفعل كالماضي والحال والاستقبال، مختصة بصيَغ وُضعَت لها، والمراد بالأمر من أعظم المقاصد لحصول الابتلاء به، فاختصاصُه بالعبارة أحق من غيره، فإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقةَ، ولا يكون حقيقة في غيره وإلا يلزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، ويُؤيدُ هذا كله: أنه- عليه السلام- لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناسُ نعالهم، فقال عليه السلام منكراً عليهم بعد فراغه من الصلاة: " ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " فلو كان الفعلُ موجباً وأمراً لصَار كأنه أمَر بخلع النعال، ثم أنكر عليهم وهو باطل، وفيه نظر، لأنه- عليه السلام- عقل الإنكار في خلع النعال بأن جبريل- عليه السلام- قد أتاه وأخبره بأن فيهما قذراً، فالإنكار وقع لأمر زائد على الاتباع، وكيف يجوز الإنكار على نفس الاتباع؟ وقدْ أمِرنا بالاتباع والتأسي به لقوله تعالى: {فَاتبعُوني} (2) ، ولقوله: {لَقَدْ كانَ لَكُمِْ فِي رَسُول الله أسوَة حَسَنَة} (3) ،َ ولقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فخُذوهُ} (4) وَفعله مما أتى به. قلت: الصحيح المختار عند فخر الإسلام وشمس الأئمة ما قاله الإمام

_ (1) كذا، وسيذكر المصنف وجهين فقط. (2) سورة آل عمران: (31) (3) سورة الأحزاب: (21) (4) سورة الحشر: (7)

أبو بكر الرازي والجصاص: أن ما علمنا من أفعال النبي- عليه السلام- واقعاً على صفة من كونها واجبةً أو مَندوبةً أو مباحةً علينا اتباعُه، والاقتداء على تلك الصفة، وما لم نعلم من أفعاله على أي صفة فعلها قلنا: متابعته على أدنى منازل أفعاله وهي الإباحة، لأن الاتبَاع والاقتداء برسول الله هو الأصل لما تلونا. 362- ص- نا موسى: نا أبان: نا قتادة: حدَّثني بكر بن عبد الله، عن النبي- عليه السلام- بهذا (1) قال: " فيهما خبَث ". قال في الموضعين: خبث (2) . ش- موسى: ابن إسْماعيل، وأبان: ابن يزيد، وبكر بن عبد الله: ابن عمر بن هلال أبو عبد الله المصري. قوله: " قال: فيهما خبث " أي: في النعلين، والخبث- بفَتْحتين-: النجس. قوله: " قال في الموضعين " وهما: قوله: " فأخبرني أن فيهما "، وقوله: " فإن رأى في نعليه "، وهذه رواية مُرْسلة. 633- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا مروان بن معاوية الفزاري، عن هلال ابن ميمون الرملي، عن يَعْلى بن شداد بن أوس، عن أبيه قال: قال رسولُ الله: " خالِفوا اليهود، فإنهم لا يُصلون في نعالهم ولا خفافهم " (3) . ش- مروان بن معاوية: أبو عبد الله الوزاري الكوفي، وهلال بن ميمون: أبو علي الجهني الفِلَسطيني. ويَعْلى بن شداد بن أنس: ابن ثابت الأنصاري الخزرجي التجاري المقدسي. روى عن: أبيه، روى عنه: عيسى بن سنان، والحسن بن الحسن، وهلال بن ميمون. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . وشداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناف بن

_ (1) في الأصل: " بها " (2) تفرد به أبو داود. (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32 / 4 1 71) .

عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وشداد هو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر النبي- عليه السلام- الأنصاري النجاري المدني، يكنى أبا يعلى، سكن بيْت المقدس وأعقب بها، رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- خمسون حديثاً، وأخرج له البخاري حديثاً ومسلم آخر. روى عنه: ابنه: يعلى، وأبو إدريس الخولاني، ومحمود بن لبيد، وعبد الرحمن / بن [1/221-ب] عمرو، وأبو الأشعث الصنعاني، وجماعة آخرون. مات ببَيْت المقدس سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربع وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باقِ إلى الآن. روى له الجماعة (1) . قوله: " خالفوا اليهودَ " يعني: خالفوا اليهودَ في لُبس النعال والخفاف في الصلاة " فإنهم " الفاء فيه للتعليلَ، والخفاف جمع " خُف " وفيه جواز الصلاة في النعل والخف إذا كانا طاهرَين، وكذلك كل ما يَلبسه الرجل في رجْله تجوز الصلاة فيه إذا كان طاهراً. 634- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا علي بن المبارك، عن حُسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: رأيتُ رسولَ الله يُصَلي حافياً ومُنتعِلاً (2) . ش- مسلم بن إبراهيم: القصّاب البصري، وعلي بن المبارك: الهنائي البصري، وحُسَن المعلم: ابن أكوان المكتب البصري. قوله: " حافياً ومنتعلاً " حالاًن من الضمير الذي في " يُصفي " والحافي مِن حفِي يَحْفَى من باب علم يعلم، وهو الذي يَمشِي بلا خُف ولا نعلِ، وقال الكسائي: رجل حافِ بَين الحِفْوة والحِفْية والحِفاية والحِفاءِ بالمد،

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 135) ، وأسد الغابة (2 / 570) ، والإصابة (2 / 139) . (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الصلاة في النعال (1038) . تنبيه: سيذكر المصنف أن النسائي أخرج هذا الحديث، وقد عزاه الحافظ المزي في (تحفة الأشراف: 6 / 8686) إلى. ابن ماجه فقط، والله أعلم،

84- باب: المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما

وقال: وأما الذي حَفِي من كثرة المشِي أي: رقت قدمُه أو حافره فإنه حَف بَين الحَفَا مقصور، والمُنتعلُ مِن انتعلتُ إذا احتذيت وكذلك نعلتُ، ورجل ناعلٌ ذو نعلِ، والنعلُ: الحَذَاءُ مُؤنثة وتصغيرها: نُعَيْلةْ. وفي الحديث: جواز الصلاة بلا كراهة حافياً ومُنتعلاً. وإنما ذكر الشيخ هذا الحديث عقيب الحديث المذكور حتى يُفهم أن الصلاة في النعْل غير واجبة، وإنما هي جائزة. والحديث: أخرجه النسائي. *** 84- بَاب: المُصَلِّي إذا خَلع نَعْليْه أينَ يضعهما؟ أي: هذا باب في بيان المُصلي إذا قلع نَعْليه وهو يريدُ الصلاةَ أينَ يضعها؟ وفي بعض النسخ: " باب في المُصلي" 635- ص- نا الحسَنُ بن علي: نا عثمان بن عمر: ثنا صالح بن رستم أبو عامر، عن عبد الرحمن بن قَيْس، عن يوسف بن ماهك، عن أبي هريرة أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا صلى أحدكم فلا يضع نعلَيه عن يمينه ولاعن يَساره فيكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجْليه " (1) . ش- الحسَن بن علي: الخلال، وعثمان بن عمر: ابن فارس البصري. وصالح بن رستم: المزني مولاهم المصري أبو عامر الخزاز. سمع: الحسن البصري، وحميد بن هلال، وثابت بن أسلم البناني، وغيرهم. روى عنه: هشيم بن بشير، ويحي القطان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. وعن ابن معين: لا شيء. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود الطيالسي: نا أبو عامر، وكان ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (2) . وعبد الرحمن بن قَيس: روى عن: يوسف بن مَاهَك، وابن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 2 281) .

أبي رافع، حديثه في البصريين. روى عنه: صالح بن رستم. روى لي: أبو داود (1) . ويوسُف بن ماهك: ابن بهزاد القرشي الفارسي المكي. سمع: ْ ابن عباس، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعائشة، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم بن مهاجر، ومحمد بن يزيد البصري، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) . قوله: " فلا يَضع نعليه عن يمينه " كلمة "عَنْ " يجوز أن تكون بمعنى "عَلى"، والتقدير: على موضع في جهة يمينه، ويجوز أن تكون بمعنى: " جانب "، والتقدير: فلا يضع نعليه جانبَ يمينه. أما اليمين فلأنه تُصان عن كل شيء مما يكون محلا للأذى، وأما يساره: فإنما لا يَضع فيه إذا كان في يساره ناس، وهو معنى قوله: " ولا عن يساره " أي: ولا يضع عن يَساره فيكون عن يمين غيره أي: فلأنه يكون ذلك عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحدٌ فح (3) يضعهما عن يساره كما مر في الحديث في " باب الصلاة في النعْل ". قوله: " وليضعهما بين رجليْه " راجع إلى قوله: " ولا عن يساره " لما قلنا، لأنه إذا لم يكن عن يساره أحد يضعهما عن يساره- كما ذكرناه. ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: صون الميامن لما قلنا. والثانية: أنه يضع نَعْليه إذا أراد الصلاة / بين رجليه إن كان عن يساره أحد. [1/222- أ] الثالثة: يَضَعهما عن يَساره إذا كان خاليا عن أحدٍ. الرابعة: ذكرها الخطابية (4) : أن من خلع نعليه فتركها (5) من ورائه أو

_ (1) المصدر السابق (17 / 3938) . (2) المصدر السابق (32 / 7150) . (3) أي: " فحينئذ ". (4) معالم الحق (1 / 157) . (5) في معالم السنن: " نعله فتركها "

85- باب: الصلاة على الخمرة

عن يمينه أو متباعدة عنه من بين يَدَيْه، فتعقل بها إنسان فتلف، إما بأن خر على وَجْهه، أو تردى في بئرٍ بقُربه، أن عليه الضمان، وهذا لواضع الحجر في غير ملكه وناصِب السكن ونحوه لا فرق بَينهما. وقال الشيخ زكي الدين في " مختصر السنن ": وفي إسناده: عبد الرحمن بن قيس، ويشبه أن يكون الزعفراني البصري كنيته: أبو معاوية، ولا يحتج به. 636- ص - نا عبد الوهاب بن نجدة: نا بقية، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي: حدَثني محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: " إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يُؤذي بهما أحداً، ليجعلهما بين رجْليه أو ليُصل فيهما " (1) . ش- عبد الوهاب بن نجدة: أبو محمد الحوطي الجبلي. سمع: إسماعيل بن عياش، وبقية، وشعيب بن إسحاق وغَيرهم. روى عنه: ابنه: أحمد، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (2) . وبقية: ابن الوليد، أبو محمد الحمْصي. وشعيب بن إسحاق: الدمشقي. وعبد الرحمن: الأوزاعي. ومحمد بن الوليد: ابن عامر الزبيدي الحمْصي، وسعيد: المقبرة، وأبوه: كيْسان المقبري. قوله: " إذا صلّى أحدكم " أي: إذا أراد أحدكم أن يصلي فخلع نَعليه " فلا يُؤذي بهما أحداً " هذا في الصلاة مع الجماعة، يَضعُهما بَيْن رجليه إن تيسَّر علي، وإلا يُصلي فيهما ولا يقلعهما إن كانتا طاهِرتين. *** 85- بَاب: الصلاة عَلَى الخُمْرة أي: هذا باب في بيان الصلاة على الخُمْرة، وفي بعض النسخ: " باب

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3607) .

ما جاء في الصلاة على الخُمرة "، والخُمرة- بضم الخاء المعجمة وسكون الميم- كالحصير الصغير، يُعمل من سعَف النخل، ويُنسج بالسيُور والخيُوط، وهي على قدر ما يوضع علي الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك فهي حَصِير، وسميت بذلك لسَتْرها الوجه والكفين من حر الأرض وبَردها، وقيل: لأنها تخمرُ وجه الأرض أي: تستره، وقيل: لأن خيوطها مستورة بسَعَفها، وفي حديث ابن عباس: " جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله على الخُمْرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم "، وهذا ظاهر في إطلاق الخُمرة على الكبيرة من نوعها. 637- ص- نا عمرو بن عون: نا خالد، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني ميمونةُ ابنت الحارث قالت: كان رسول الله- عليه السلام- يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، ورُبما أصابني ثوبُه إذا سَجَد وكان يُصلي على الخُمْرة (1) . ش- عمرو بن عون: الواسطي، وخالد: ابن عبد الله الواسطي الطحان، والشيباني: أبو إسحاق، وعبد الله بن شداد: ابن الهاد المدني، الكوفي، ومَيْمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قوله: " وأنا حذاءه " جملة اسمية وقعت حالاً، أي: والحال أنا بإزائه، والحذاء والحُذْوة وَالحِذَةُ كلها بمعنىً. قوله: " وأنا حائض " أيضاً جملة وقعت حالاً واستفيد من الحديث فوائد، الأولى: جوار مخالطة الحائض. والثانية: إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأة ولو كانت حائضا لا يضر ذلك صلاته.

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الخمرة (381) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: جوار الجماعة في النافلة (513) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الخمرة (1028) .

86- باب: الصلاة على الحصير

والثالثة: جواز الصلاة على الخُمرة من غير كراهةٍ. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، وابن أبي شيبة، ولفظه عن ابن عباس: كان رسول الله يصلي على خُمرة، وأخرجه ابن ماجه ولفظه: على بساط، وعند أحمد عن أم سليم أن النبي- عليه السلام- كان يصلي في بيتها على الخُمرة. وذكر ابن أبي شيبة، عن أم كلثوم وعائشة مثله، وفعله جابر بن عبد الله، وأبو ذر، وزيد بن ثابت، وابن عُمر، وقال ابن المسيب: الصلاة على الخمرة سُنة. *** 86- بَابُ: الصلاة على الحصير أي: هذا باب في بيان الصلاة على الحَصِير، وفي بعض النسخ:، باب ما جاء في الصلاة على الحَصِير) . قال ابن سيده في " المحكم " و " المحيط الأعظم ": / إن [1/222- ب] الحصير سفيفة تُصنع من بَردي وأسَلٍ ثم يُفترش، سمي بذلك لأنه يَلي وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى حصيراً. وفي " الجمهرة ": الحَصيرُ عربي سمي حصيراً لانضمام بعضه إلى بَعضٍ. وقال الجوهري: الحَصِير: البارِية. 638- ص- نا عبيد الله بن مُعاذ: نا أبى: نا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار: نا رسول الله، إني رجل ضخم- وكان ضخماً- لا أستطيع أن أصلي معك وصنع له طعاماً ودَعاه إلى بيْته، فصَل حتى أرَاك كيف تصلي فأقتدي بك، فنَضحُوا له طرفَ حَصير (1) لهم، فقام فصلى ركعتين. قال فلانُ بنُ الجارُود لأنس: أكانَ يُصليَ الضحى؟ قال: لم أرَه صلى إلا يومئذ (2) . ش- " ضخم " أي: سمين، والضخم: الغليظ من كل شيء.

_ (1) في سنن أبي داود: " حصير كان لهم ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ (670) .

قوله: " فصَلِّ" خطابُ الرجل للنبي- عليه السلام. قوله: " فنضحوا له " أي: لأجل الرسول، والنضح بمعنى الرش إن كانت النجاسة متوهمةَ في طرف الحصير، وبمعنى الغسل إن كانت متحققة أو يكون النضح لأجل تَلْيينه لأجل الصلاة عليه. قوله: " قال فلان بن الجارود "، وفي رواية البخاري: " فقال رجل من آل الجارود" قوله: " كان يُصلي؟ " الهمزة فيه للاستفهام. والحديث: أخرجه البخاري، وابن أبي شيبة، ولفظه: نا ابن علية، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس قال: صنعِ بعض عمومتي طعاما للنبي- عليه السلام- فقال: أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه، قال: فأتاه وفي البيْت فَحل من تلكَ الفحول، فأمَر بجانب منه فكُنسَ ورُش، فصلى وصَليْنا معه. انتهى. الفَحْل - بفتح الفاء وسكون اَلحاء المهملة-: حَصِير يتخذ من فُخَال النَّخْل؟ وهو ما كان من ذكوره فحلاَ لإناثه، والجمع: الفحاحيل. ويُستفاد من الحديث فوائدُ، الأولى: جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل ليَسْتفيد من علمهم. الثانية: استحباب إجابة الدعوة. الثالثة: جواز الصلاة على الحَصير من غير كراهة، وفي معناه: كل شيء يُعملُ من نبات الأرض، وهذا إجماع، إلا مَا يروى عن عمر بن عبد العزيز، فإنه يعمل (1) على التواضع كما في قوله عليه السلام لمعاذ: "عفر وجهك بالتراب" فإن قيل: ما تقول في حديث يزيد بن المقدام من عند ابن أبي شيبة، عن المقدام، عن أبيه: شَريح أنه سأل عائشة: أكان النبي- عليه السلام-

_ (1) كذا.

يُصلي على الحَصِير؟ فإني سمعتُ في كتاب الله عَر وجَل: " وجَعَلنَا (1) جَهَنَّمَ للكافرِينَ حَصِيراَ " (2) ، فقالت: لا، لم يكن يُصلي عليه؟ قلت: هَذا لَيس بصحيح؟ لضعف يزيد، ويَردّه الرواية الصحيحة. وقال أبو بكر (3) : نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعِيد أن النبي- عليه السلام- صلى على حصيرٍ. نا وكيع: ما عمر بن ذر، عن يزيد الفقير قال: رأيتُ جابر بن عبد الله يُصلي على حَصيرٍ من بَرْدي. نا وكيع، عن هشام بن الغاز، عن مكحول قال: رأيتُه يُصلي على الحصير ويَسجد علي. نا الفضلُ بن دكين، عن صفوان، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر أنه كان يُصلي على الخُمْرة. نا حفصٌ، عن حجاج، عن ثابت بن عُبيد الله قال: رأيتُ زيد بن ثابت يُصلي على حصير يَسجُد عليه. نا وكيع، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: أخبرني مَن رأى زيدَ ابن ثابت يُصلي على حصيرٍ. نا وكيع، عن سفيان، عن توبة العَنْبري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يُصلي على حَصيرٍ. الرابعة: استحباب صلاة الضحى. الخامسة: جواز التطوع بالجماعة. السادسة: جواز ترك الجماعة لأجل السمن المُفْرِط، وزعم ابن حبان في كتابه " الصحيح" أنه تتبع الأعذار المانعة من إتيان الجماعة من السنن فوجدها عشراً:المرض المانع من الإتيان إليها، وحضور الطعام عند

_ (1) في الأصل: " نا جعلنا" (2) سورة الإسراء: (8) . (3) انظر هذه الآثار وما بعدها في مصنف ابن أبي شيبة (1 /398- 399) .

المغرب، والنسيان العارض في بعض الأحوال، والسمن المُفْرِط، ووجود المرء حاجته في نفسه، وخوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد، والبرد الشديد، والمطر المؤذي، ووجود الظلمة التي يخاف المرء على نفسه المشي فيها، وأكل الثوم والبصل والكراث. / 639- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا المثنى بن سَعيد: ما قتادة، عن [1/223-أ] أنس بن مالك أن النبي- عليه السلام- كان يَزورُ أمَّ سُلَيم فتُدرِكهُ الصلاةُ أحيانا، فيُصلي على بساطٍ لنا وهو حَصِيرٌ ننضحُه بالماء (1) . ش- المثنى بن سعيد: القَسام، أبو سعيد الضبعي الذارع البصري، كان نازلا في بني ضبيعة ولم يكن منهم، رأى أنس بن مالك. وسمع: قتادة، ونصر (2) بن عمران، ولاحق بن حميد، وغيرهم. روى عنه: يزيد بن زُريع، ويحي بن سعيد، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: هو ثقة. روى له: الجماعة (3) . قوله: " كان يزور أم سليم " وهي: أم أنس بن مالك. قوله: " أحْيانا " نَصب على الظرف، وهي جمعُ " حين" قوله: " وهو حصيرٌ " جملة اسمية وقعت تفسيراً لقولها: " على بساطٍ لنا" والمراد من هذه الصلاة: النوافل التي تصلى قبل الفرائض، لأنه - عليه السلام- ما كان يصلي الفرض إلا مع الجماعة، أو المراد منها: صلاة الضحَى. ويستفاد من الحديث: جواز زيارة الأصحاب، وجواز الصلاة على الحَصير من غير كراهة. 640- ص- نا عبَيد الله بن عمر بن ميسرة، وعثمان بن أبي شيبة بمعنى الإسناد والحديث قالا: نا أبو أحمد الزبيري، عن يونس بن الحارث، عن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " نضر " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27 / 5772) .

أبي عَون، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله يُصلي على الحصِير والفروة المدبوغة (1) . ش- أبو أحمد: اسمه: محمد بن عبد الله بن الزُّبير بن عُمر الكوفي الزبيري، ويونس بن الحارث: الطائفي. وأبو عون: هو محمد بن عُبَيد الله بن سعيد أبو عون الثقفي الأعور الكوفي. سمع: جابر بن سمرة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، والثوري. قال ابن سعد: توفي في خلافة خالد بن عبد الله. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (2) . وأبوه: عُبَيد الله بن سَعيد الثقفي. روى عن: المغيرة بن شعبة. روى عنه: ابنه: أبو عونَ. قال أبو حاتم: هو مجهول. روى له: أبو داود (3) . قوله:" والفروة المدبوغة " أي: الجلد المدبوغ. وبهذا استدل أصحابنا أن السجدة على الجلد لا تكره. وقال مالك: تكره، وكذا الخلاف في المِسح، وهو قول الأسود. وقال أبو بكر: نا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسْود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمُسوح. ولنا ما رواه أبو بكر قال: نا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر قال: صليت مع ابن عباس في بيْته على مِسح يَسْجد عليه. نا أبو أسامة، عن عيسى بن سنان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يصلي على مِسح. نا هشيم، عن مجالد، عن عامر، عن جابر أنه صلى على مِسح.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 / 433 5) . (3) المصدر السابق (19 / 0 364) .

87- باب: الرجل يسجد على ثوبه

نا عائذ بن حبيب، عن أبيه، عن رجل من بكر بن وائل قال: رأيت عليا يُصلي على مُصلى من مُسوح يركعُ عليه ويَسْجدُ. نا هشيم قال: أنا الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: صلى بنا ابن عباس على طنفسةِ. وعن ابن عمار قال: رأيت عُمر يصلي على عَبْقري. وعن بكر بن عبد الله المزني يقول: إن قيس بن عباد القيسي صلى على لَبد دابته. وعن إسماعيل بن أبي خالد: رأيت مُرة الهمداني يُصلي على لبدِ. *** 87- بَابُ: الرجل يَسْجُد على ثَوْبه أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يسجد على ثوبه، وفي بعض النسخ: "باب ما جاء" 641- ص- نا أحمدُ بن حنبل: نا بشْر- يعني: ابن المفضل-: نا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنَس بن مالك قال: كنا نُصلي مع رسول الله- عليه السلام- فيِ شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وَجْهه من الأرض بَسط ثوبه فسجد علي (1) . ش- غالب القطان: هو غالب بن خَطاف وهو ابن أبي غيلان القطان البَصْري الراسبي، وهو مولى عبد الله بن عامر بن كريز. قال أحمد: خطاف بفتح الخاء. وقال ابن معين: بضمها. روى عن: الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني، والأعمش، وغيرهم. روى عنه:

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: السجود على الثوب (385) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت (191 / 620) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما ذكر في الرخصة من السجود على الثوب (584) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: السجود على الثياب (2 / 215) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: السجود على الثياب في الحر والبرد (1033) .

88- باب: تفريع أبواب الصفوف

شعبة، وعبد الله بن شوذب، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. روى له الجماعة (1) . والحديث: أخرجه الأئمة الستة، وعند النسائي: كنا إذا صلينا خلف رسول الله- عليه السلام- بالظهائر سجدْنا على ثيابنا اتقاء الحر. وعند [1/223-ب] ابن أبي شيبة: كنا نصلي مع النبي- عليه السلام- / في شدة الحر والبَرْد فيَسجُد على ثوبه. قال: وحدثنا شريك، عن حُسَين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي- عليه السلام- صلى في ثوب واحدِ يتقي بفضوله حر الأرض وبَر د ها. ومن حديث إبراهيم قال: صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبَردها. ومن حديث إبراهيم قال: صلى عمر ذات يوم بالناس الجمعةَ في يوم شديد الحر، فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه، ثم قال: يا أيها الناسُ، إذا وجد أحدكم الحر فليَسْجد على طرف ثوبه. ورواه زيدُ بن وهب، عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيم- أيضاً- وعطاء، وفعله مجاهد. وقال الحسن: لا بأس به، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق والشعبي وطاوس والأوزاعي. وقال الشافعي: لا يجوز، والأحاديث حجة علي. وقال الخطابي: تأويل حديث أنس عنده: أن يَبسط ثوبا هو غيرُ لابسه. قلت: الأحاديث المذكورة يرد (2) هذا التأويل وتَخدُش فيه. *** 88- بَابُ: تفْريع أبْواب الصُّفُوفِ أي: هذا باب في بيان تفريع أبواب الصفوف، وإنما قال: تفريع

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4678) . (2) كذا.

89- تسوية الصفوف

أبواب الصفوف، لأن أحكام الصفوف كثيرة، ذكرها أولا بالعموم، ثم شرع في ذكرها مبينا كل نوع من أنواعها في باب مُستقلٍ بذاته. *** 89- تَسْويةُ الصُّفوف (1) أي: هذا الذي نذكره من الأحاديث هي تَسوية الصفوف، أي: بيان تسوية الصفوف، فيكون ارتفاع التسوية على أنها خبر مبتدأ محذوف، ويجور أن يكون " تسوية الصفوف" مبتدأ وخبره محذوفا، والتقدير: تسوية الصفوف هذه، أي: أحكام تسوية الصفوف هذه، ويجور انتصاب التسوية على تقدير: هاكَ تسْويةَ الصفوف. 642- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير قال: سألتُ سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة، فحدثنا عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تصُفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا: وكيف تصف الملائكةُ عند ربهم؟ قال: " يُتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف " (2) . ش- زهير: ابن معاوية، والمسيب بن رافع: الأسدي، والد العلاء. وتميم بن طرفة: الطائي الكوفي. سمع: جابر بن سمرة، وعدي بن حاتم الطائي، والضحاك بن قيس الفهري. روى عنه: سماك بن حرب،

_ (1) في سنن أبي داود:" باب تسوية الصفوف ". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد رفعها عند السلام وإتمام الصفوف والتراص فيها والأمر بالاجتماع (119 / 430) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها (2 / 92) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إقامة الصفوف (992) . 14* شرح سنن أبي داود 3

والمسيب بن رافع. مات سنة أربع وسَبْعين. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " الا تصفون " كلمة " ألا " للتحضيض، وهو حثهم على أن يصفوا كصف الملائكة. قوله: " عند ربهم" اعلم [أن] كلمة " عند " للحضُور الحسي، نحو (فَلما راَهُ مُسْتَقرا عندَهُ) (2) ، والمعنوي نحو: " قَالَ الذي عندَهُ عِلِم منَ الكتاب) (2) ، وللقُرب نحو: (وإِنهُمْ عِندَنَا لَمِنً المصطفين الأخْيَارِ) (3) " وعند ربهم" من هذا القبيل، ويجوز فتح عَيْنها وضمها، والكسر أكثر، ولا تقع إلا ظرفا أو مجرورة بمِنْ، وقول العامة: ذهبت إلى عنده لحن. قوله:" ويتراصون " أي: يتلاصقون حتى لا يكون بينهم فُرج، من رص البناء يرصه رَصا، إذا ألصق بعضه ببَعْضِ، فافهم. ويُستفاد من الحديث: استحباب إتمام الصف الأول، واستحباب التَراص في الصفوف. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 643- ص- نا عثمان بن أبى شيبة: نا وكيع، عن زكرياء بن أبى زائدة، عن أبي القاسمِ الجدَلي قال: سمعتُ النعمان بن بَشير يقولُ: أقبلَ رسولُ الله على الناس بوجْهه فقال:" أقيموا صفوفكم " - ثلاثا- " والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن اللهُ بين قلوبكم ". قال: فرأيت الرجل يُلزقُ منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بِكعْبه (4) . ش- أبو القاسم هذا: اسمه: الحسين بن الحارث أبو القاسم الجدلي

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 804) . (2) سورة النمل: (40) . (3) سورة ص: (47) . (4) تفرد به أبو داود.

- جَديلة قيس- الكوفي. سمع: ابن عُمر، والنعمان بن بشير، والحارث بن حاطب، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن السائب، وشعبة، وابن أبي زائدة. روى له: أبو داود (1) . قوله: " لتُقيمُن " بضم الميم؟ لأن أصله:" تُقيمون" دخل علي نون التأكيد الثقيلة، وحذفت الواو لالتقاء / الساكنين. [1/224-أ] قوله: " أو ليخالفن اللهُ " بفتح اللام الأولى، لأنها لام التأكيد، وكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ " الله" مرفوع بالفاعلية. اعلم أن " أو" في الأصل موضوع لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى (بل) وإلى معنى " الواو"، وهي حرف عطف، ذكر المتأخرون لها معاني كثيرةً، وهاهنا لأحد الأمْرين؟ لأن الواقع أحد الأمرين إما إقامة الصفوف أو المُخالفة، والمعنى: أو ليخالفن الله إن لم تُقيموا، لأنه قابلَ بين الإقامة وبيْنه، فيكون الواقع أحد الأمرين. ومعنى المخالفة بَيْن القلوب: أن يَتغيرَ بعضُهم على بَعْضٍ، فإن تقدم الإنسان على الشخص أو على الجماعة وتخليفه إياهم من غير أن يكون مقاما للإمامة، قد يُوغر صدورهم، وذلك موجب لاختلاف قلوبهم. قوله: " يُلزق منكبه " - بضم الياء- من ألزق أي: يُلصق، يقال: لزقَ به لزوقا أي: لصق به، وألزقه به غيره. قوله: " وكعبه بكعبه " أي: يلزق كعبه بكعب صاحبه. وفيه ما يدل على أن الكعب هو العَظم الناتِئ في مَفْصل الساق والقدم، وهو الذي يمكن إلزاقه، خلافاً لمَنْ قال: إنه مَعْقد الشراك من ظهر القدم. وأنكر الأصمعي قول من قال: إنه في ظهر القدم، قاله الشيخ زكي الدين في " مختصره". قلت: نعم، إن الكعب هو العظم الناتئ في مفصل الساق والقدم،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 / 2 0 13) ، و (34 / ص 93 1) .

وهو الصحيح عنْدنا- أيضاً- فكأنه يُشنعُ بقوله: " خلافاً لمنْ قال: إنه مَعْقد الشراك من ظهر القدم"على أصحابنا، فإن هشاما روى عن محمد ابن الحسن أن الكَعْب هو المفصل الذي على وسط القدم عند مَعْقد الشراك، ولكن تفسير محمد هذا ليس في باب الوضوء، وإنما هو في باب الحج، والخصمُ- أيضاً- يُفسر الكعب في باب الحج بهذا التفسير. وبهذا الحديث قالت العلماء: إن إقامة الصف من حسن الصلاة، وينبغي للإمام أن يتعهد تسوية الصفوف، فقد كان لعمر، وعثمان رجال وكَلاهُم بتسوية الصفوف. فإن قيل: قوله- عليه السلام-:" أقيموا صفوفكم " أمر قارنه التكرار، وذكر معه الوعيد على تركه، فينبغي أن تكون إقامة الصفوف واجبا. قلت: فليكن واجبا، ولكنه ليس منْ واجبات الصلاة بحيث إنه إذا تركها أفسَد صلاته أو نقصها، ولكنه إذا تركها يأثم. 644- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يَقولُ: كان النبي- عليه السلام- يُسوينا في الصفوف كما يُقومُ القدح، حتى إذا ظن أنَا قَدْ أخذنا ذلك عنه وصَفَفْنا (1) ، أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدْره فقَال: " لَتُسونَ صفوفَكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " (2) . ش- القِدح- بكسر القاف وسكون الدال-: خشب السهم حين تنحت وتُبرَى قبل أن يُنصلَ ويُراش، وجمعها: قداح- بكسر القاف. والمْعنى: يُبالغ في تسويتها حتى تصير كما تقوم السَهامُ. قوله:" وصففنا " وفي نسخةِ:" وَصفنا" وفي رواية:" وفقِهنا"-

_ (1) في سنن أبي داود:" وفقهنا" وسيذكر المصنف أنها رواية. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة (723) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإ قامتها وفضل الأول فالأول منها (4 2 1 / 433) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إقامة الصفوف (993) .

بكسر القاف- أي: فهمنا، من الفقه وهو الفهم، واشتقاقه من الشقً والفتح، يقال: فقه يَفقه فقها- بفتح القاف- وفقها- بسكونها- وفقُه - بضم القاف- صًار فقيها، وذكر ابن دريد فيه الكسر كالأول، وقد جعله العُرف خاصا بعلم الشريعة، وتخصيصا بعلم الفروع منها. قوله: " إذا رجل منتبذ بصَدْرِه " يعني: منفرد من الصف بعيد عنه، وثلاثيه نبذتُ الشيءَ أنبذهُ نبذأ فهو مَنْبوذ، إذا رمَيْتَه وأبْعدتَه. وفي الحديث: مر بقبر مُنتبذ عن القبورَ، أي: منفرد بعيد عنها. قوله: " لتسون " بفتح اللام وضم التاء وتشديد الواو وضمها. قوله: " أو ليخالفن الله " الكلام فيه كالكلام في " ليخالفن " في الحديث الأول، ومعنى المخالفة بين الوجوه: يحتمل أن تكون كقوله: "أن يحول الله صورته صورة حمار " يخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ، أو ليخالف بوجه من لم يُقِم صفه، ويُغير صورته عن وجه من أقامه، أو ليخالف باختلاف صورها بالمسخ والتغيير، / أو يكون المعنى: [1/224-ب] يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال: تغير وجهُ فلان علي، أي: ظهر لي من وجهه كراهية لي، وتغير قلبُه علي، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر هو سبب لاختلاف البواطن. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم من حديث سالم بن أبي الجعْد، عن النعمان بن بشير، فلفظ البخاري: قال النبي- عليه السلام-: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" ولفظ مسلم: " كان يُسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه خرج يومأ فقام حتى كاد أن يكبر، فرأَى رجلاً باديا صدره فقال:"عباد الله، لتسون صفوفكم) . وعند ابن ماجه: كان يسوي الصف حتى يجعله مثل الرمح أو القِدح، قال: فرأى صدرَ رجلٍ ناتئا فقال الحديث. وعند الترمذي، عن النعمان بن بشير قال: " كان رسول الله يسوي صفوفنا، فخرج يوما فرأى رجلاً خارجا صدرُه عن القوم، فقال

الحديث، وقال: حديث النعمان حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي- عليه السلام- أنه قال:" من تمام الصلاة: إقامة الصف". وروي عن عمر أنه كان يُوَكلُ رجالا بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يخبرُ أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استوُوا، وكان علي يقول: تقدمْ يا فلان وتأخر يا فلان. 645- ص- نا هناد بن السريّ، وأبو عاصم بن جوّاس الحنفي، عن أبي الأحْوص، عن منصور، عن طلحة الإيامي (1) ، عن عبد الرحمن بن عَوْسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله يتخللُ الصف من ناحية إلى ناحية يَمْسحُ صدورنا ومَناكبَنا، ويَقُولُ: " لا تختلفوا فتَخْتلفَ قلوبكم "، وكان يقوًلُ: " إن الله وملائكته يصلون على الصفُوفِ الأوَل " (2) . ش- أبُو عاصم: أحمد بن جواس الحنفي الكوفي. سمع: أبا الأحْوص، وابن المبارك، ومحمد بن الفضل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (3) . وأبو الأحوص: سلام بن سليم، ومنصور: ابن المعتمر، وطلحة: ابن مصرف الإِيامي (4) الهَمداني الكوفي، وعبد الرحمن بن عوسجة التميمي الهَمداني الكوفي. قوله:" يتخللُ الصفّ " أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه. قوله:" يَمْسح " بدل من قوله: " يتخلل، أو عطف بحذف حرف العطف، وحرف العطف قد يُحذف.

_ (1) في سنن أبي داود: " اليامي" (2) النسائي: كتاب الإمامة، باب: كيف يقوم الإمام الصفوف (2 / 89) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 / 21) . (4) كذا.

قوله: " فتختلفَ " بالنصب جواب النهي، وأصله: فإن تختلفَ، والمعنى: إن يكن منكم اختلاف في الصفوف فاختلافُ القلوب من الله، وذلك نحو قوله تعالى:" وَلا تَطغَوْا فِيهِ فَيَحِل عَلَيكُمْ غضَبِي " (1) ، والمعنى: إن يكن منكم طغيان فإحلال غضب من الله. قوله: " يصلون " قد ذكرنا غيْر مرة أن الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. والحديث أخرجه النسائي. وعند أحمد: " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ". 646- ص- نا ابن معاذ: نا خالد- يعني: ابن الحارث-: نا حاتم - يعني: ابن أبي صغيرة-، عن سماك قال: سمعتُ النعمان بن بشير قال: كان رسولُ الله يسَوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة إذا استوينا كبر (2) . ش- ابن معاذ: عُبيد الله. وحاتم بن أبي صغيرة: أبو يونس القشيري مولى بني قشير من أهل البصرة، واسم أبيه: مسلم، يَرْوي عن: عمرو بن دينار، وسماك بن حَرْب. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وأبو صغيرة الذي نسب إليه حاتم: أبو أمه. قلت: ذكره ابن حبان في" الثقات" ولم أجده في " الكمال " فكأنه سقط من الشيخ أو من الناسخ (3) . قوله: " إذا استوينا" بدل من قوله: " إذا قمنا "، وبه أخذ مالك، أن الإمام يشرع بعد الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف. 647- ص- نا عيسى بن إبراهيم الغافقي: نا ابن وهب ح، ونا قتيبةُ: نا الليثُ- وحديثُ ابن وهب أتم-، عن معاوية بن صالح، عن

_ (1) سورة طه: (81) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 996) .

أبي الزاهريّة، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر. قال قتيبةُ: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، لمِ (1) يذكر ابن عمر أن رسول الله- عليه [1/225-أ] السلام- قال: " أقيموا الصفوف / وحاذوا بَيْن المناكب، وسُدوا الخَللَ ولِينُوا بأيدي إخوانكم "- لم يَقُلْ عيسى: " بأيْدي إخوانِكم " ولا تذَرُوا فُرْجَات للشيطان، ومَنْ وَصَلَ صفا وصَله الله، ومنْ قطعَ صفا قطعه الله، (2) ، (3) . ش- عيسى بن إبراهيم: ابن عيسى بن مَثْرُود الغافقي مولاهم المَثْرودي الأحدبي نسبة إلى أحْدب- بالحاء المهملة- بطن من غافق، أبو موسى البصري. روى عن: ابن عيينة، وابن وهب، وحجاج بن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة إحدى وستين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقة ثبتا (4) . وابن وهب: هو عبد الله بن وهب، والليث: ابن سَعْد، ومُعاوية [ابن] صالح: أبو عمرو الحمصي، قاضي أندلس. وأبو الزاهرية: حُدَير بن كُريب- بالحاء المهملة- المخرمي، ويقال: الحميري الحمصي. روى عن: حذيفة، وأبي الدرداء، وابن عَمرو، ورافع بن عُمير، وغيرهم. روى عنه: معاوية بن صالح، وسعيد بن سنان، والأحوص بن حكيم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا بأس به إذا روى عن ثقة.

_ (1) في سنن أبي داود:" ولم". (2) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: "قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة. قال أبو داود: ومعنى "لينوا بأيدي إخوانكم": إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف" (3) النسائي: كتاب الإمامة، باب: من وصل صفا (2 / 93) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4616) .

توفي سنة تسع وعشرين ومائة. روى له: مسلم، وأبُو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وكثير بن مُرة: الحضرمي الرهاوي، أبو شجرة، ويُقال: أبو القاسم الحمصي. سمع: معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر الجُهني، وغيرهم. روى عنه: خالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وداود بن جميل، وغيرهم. قال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أدرك سبعين بَدريا. قال محمد بن سَعْد: كان ثقة. وقال عبد الرحمن بن يوسف: هو صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . قو له: "حاذوا "أي: ساووا. قوله:" وسدوا الخَلل " أي: الثلمة والفُرْجة. قوله: " ولِينُوا بأيدي إخوانكم" قال أبو داود: معناه: إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخلُ فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبَيْه حتى يدخل في الصفً. توله: " لم يقل عيسى " أي: لم يقل عيسى بن إبراهيم المذكور في روايته: " بأيدي إخوانكم" بل اقتصر على قوله: " ولِينُوا ". قوله: " ولا تذروْا " أي: لا تتركوا، من وذرَه يذره مثل وسعه يسعه، ولكن أميت الماضي ولا يُقال: وذره ولا واذر، ولكن يقال: تركه وتارك. والفُرْجات- بتسكين الراء- جمع "فُرجة"، ومعنى فرجات الشيطان: أنه إذا وجَد بَيْن الصفوف موضعا خاليا يدخل فيه ويُوَسْوس. والحديث روي مُرسلاَ- أيضاً-، أشار إلى ذلك بقوله: "عن أبي شجرة لم يذكر ابن عُمر، وهو كثير بن مرة. 648- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا أبان، عن قتادة، عن أنس بن

_ (1) المصدر السابق (5 / 1144) . (2) المصدر السابق (24 / 4963) .

مالك، عن رسول الله- عليه السلام- قال: " رصوا صفوفكم، وقاربوا بيْنها، وحَافُوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده، إني لأرَى الشَيطانَ يَدخلُ من خلل الصف كأنها الحَذف" (1) . ش- أبان: ابن يزيد العطار. قوله: " رُصوا " أي: ضُموا بَعْضها إلى بَعْض وقاربوا بينها، ومنه رَص البناء، قال الله تعالى: (كَأنهُم بنيَان مرْصُوص) (2) . قوله: " فوالذي " الفاء فيه للعطف وفيه معنى السببية، والواو للقسم، والتقدير: فوالله الذي، لأن الواو لا تدخل إلا على اسم مُظهر. قوله: " كأنها الحذف"- بفتح الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة، بعدها فاء- جمع حذفة، وهي غنم صغار سُود أكثر ما تكون باليمن، وقيل: هي صغار جُرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها من جُرَش اليمن، وقيل: هي غنم صغار حجازية. وعند الحاكم: " رصوا الصفوف لا يتخللكم مثلُ أولاد الحَذف) قيل: يا رسول الله، وما أولاد الحذَفِ؟ قال: " غنم سُود صغار تكوَن باليمن" وصححه. 649- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب قالا: نا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله: " سَووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " (3) . ش- أخرجه البخَاري، ومسلم، وابن ماجه، وفي رواية: " من حُسن الصلاة"، وعند السراج من حديث شعبة: قال قتادة: قال أنس: [1/225-ب] إن من حسن الصلاة: / إقامة الصف، وفي لفظ: من تمام الصلاة. ثم إن تَسوية الصفوف من سُنة الصلاة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي،

_ (1) النسائي: كتاب الإمامة، باب: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها (2/92) . (2) سورة الصف: (4) . (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: إقامة الصف في تمام الصلاة (723) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها (433) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف (993) .

وزعم ابن حزم أنه فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض، قال عليه السلام: "فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ". قلنا: قوله: "فإنه من حُسن الصلاة " يدل على أنها ليْست بفرضِ، لأن ذلك أمر رائد على نفس الصلاة، ومعنى قوله: " من تمام الصلاة ": من تمام كمال الصلاة، وهو- أيضاً- أمر زائد، فافهم. 650- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا حاتم بن إسماعيل، عن مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال: صليتُ إلى جنب أنس بن مالك يومأ فقال: هل تَدْري لم صنِع هذا العُودُ؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسولُ الله يَضَع علي يده (1) فيَقولُ: " استَوُوا وأعْدلوا (2) صفَوفكم " (3) . ش- حاتم بن إسماعيل: الكوفي المدني، نزل المدينة. ومُصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: ابن العوام القرشي الأسدي المديني. سمع: أبا حازم، وعمه: عامر بن عبد الله بن الزبير، وهشام ابن عروة. روى عنه: ابن المبارك، وعيسى بن يونس، وابنه: عبد الله ابن مصعب، وغيرهم. قال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط، ليس بالقوي. مات بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . ومحمد بن مسلم بن السائب: ابن خَباب (5) صاحب المقصورة. سمع: أنس بن مالك. وروى عن: أبي عبد الرحمن مولى أم فهكُم (6)

_ (1) في سنن أبي داود: " يده عليه ". (2) في سنن أبي داود: " وعدلوا". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/5980) . (5) في الأصل: "جناب" خطأ. (6) في الأصل: " فكهم ".

روى عنه: مصعب بن ثابت، والعلاء بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود (1) . قوله: " وأعدلوا "- بفتح الهمزة- من أعْدل يُعدِل بمعنى عَدلُوا. 651- ص- نا مسدد: نا حُميد بن الأسود: نا مصعب بن ثابت، عن محمد بن مسلم، عن أنس بن مالك بهذا الحديث قال: إن رسول الله كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: " اعتدلوا، سَوّوا صفوفكم " ثم أخذه بيساره وقال (2) : " اعتدلوا، سوّوا صفوفكم " (3) . ش- حُمَيد بن الأسود: الكرابيسي أبو الأسود البصري. روى عن: عبد الله بن عون، وحجاج الصواف، وأسامة بن زيد، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، ونصر بن علي، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . قوله: " بهذا الحديث " إشارة إلى الحديث المذكور. قوله: " أخذه " أي: أخذ العُود، وهو العود المذكور في الرواية الأولى من الحديث. قوله: " سوّوا " بيان لقوله: " اعتدلوا ". 652- ص- ما محمد بن سليمان الأنباري: نا عبد الوهاب- يعني: ابن عطاء-، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله- عليه السلام- قال: " أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من (5) نقصٍ فليكن في الصف المؤخر " (6) . ش- عبد الوهاب: ابن عطاء أبو نصر الخفاف البصري، وسعيد: ابن أبي عروبة.

_ (1) المصدر السابق (6 2 / 5603) . (2) في سنن أبي داود: " فقال". (3) انظر التخريج المتقدم. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7 / 523 1) . (5) في الأصل: " في "، وما أثبتناه من الشرح وسنن أبي داود. (6) النسائي: كتاب الإمامة، باب: الصف المؤخر (2 / 93) .

قوله: " فما كان من نقص " يعني: فالذي كان من الصف من نقصِ فليكن ذلك النقص في الصف الأخير، والقصدُ من ذلك: أن لا يخلى موضع من الصف الأول مهما أمكن، وكذلك من الثاني والثالث وهلم جرا إلى أن ينتهي وتتكمل الصفوف، ف " ذا كان ثمة نقص يجعل ذلك في الصف الأخير. والحديث: أخرجه النسائي. 653- ص- نا ابن بشار: نا أبو عاصم: نا جعفر بن يحيى بن ثوبان قال: أخبرني عمي: عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله: "خيارُكم ألينكم مناكبَ في الصلاة " (1) ، (2) . ش- ابن بشار: محمد، بندار، وأبو عاصم: النبيل. وجعفر بن يحيى بن ثوبان الحجازي، روى عن: عمه: عمارة بن ثوبان. روى عنه: أبو عاصم، وعبيد بن عقيل. قال عليا بن المديني: هو شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) . وعمارة بن ثوبان: روى عن: عطاء، وعامر بن وائلة، وموسى بن باذان. روى عنه: ابن أخيه: جعفر المذكور. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . وعطاء: ابن أبي رباح. قوله: " ألينكم مناكب" لين المناكب: هو لزوم السكينة / في الصلاة، [1/226-أ] والطمأنينة فيها: لا يلتفت، وقد تكون أن لا يمتنع على مَنْ يريد الدخول بين الصفوف لسد الخَلل، أو لضيق المكان، بل يُمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف، وتتكاثف الجموع.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود زيادة: " قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 960) . (4) المصدر السابق (1 2 / 77 1 4) .

90- باب: الصفوف بين السواري

وقوله: "خياركم" مبتدأ بمعنى: خيركم و " ألينكم" خبره أفعل التفضيل من الليَّن، و " مناكب" نصب على التمييز، وإنما لم يدخله التنوين لكونه لا ينصرف، لكونه على منتهى صيغة الجموع كمساجد، والمراد منها: المنكبان، لأن الرجل ليس له ثلاث مناكب، وقد يذكر الجمع ويراد به التثنية كقوله تعالى: (فَقَدْ صغَتْ قُلُوبُكُمَا) (1) أي: قلباكما. *** 90- بَابُ: الصفُوف بيْن السواري أي: هذا باب في بيان حكم الصفوف بين السواري، وفي بعض النسخ: " باب الصلاة والصف بين السواري) ، وفي بعضها: " الصلاة والصف بين السواري"، وفي بعضها: " باب ما جاء في الصفوف بين السواري"، وهي جمع سَاريةٍ وهي الأسطوانة. 654- ص- نا محمد بن بشار: نا عبد الرحمن: نا سفيان، عن يحيى ابن هانئ، عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدُفعْنا إلى السَّواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا عَلى عَهد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم (2) . ش- عبد الرحمن: ابن مَهْدي العنبري البصري، وسفيان: الثوري. ويحيى بن هانئ: ابن عروة بن قعاص (3) ، ويقال: فضفاض المرادي، أبو داود الكوفي كان من أشراف العرب. روى عن: عبد الله ابن مسعود، وفروة بن مُسَيك. وسمع: أباه، وأنس بن مالك،

_ (1) سورة التحريم: (4) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الصف بين السواري (229) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الصف بين السواري (2 / 94) . (3) في الأصل:" عقاص" خطأ.

وعبد الحميد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. وقال الدارقطني: يحتج به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . وعبد الحميد بن محمود: المِعْوَلي البصري. روى عن: ابن عباس، وأنس بن مالك. روى عنه: يحيى بن هانئ، وعمرو بن هَرِم، وابنه: حمزة بن عبد الحميد. قال أبو حاتم: هو شيخ. وقال الدارقطني: كوفي ثقة يحتج به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . قوله: "فدفعنا إلى السواري " هذا إما لانقطاع الصف، وإما لأنه موضع جمع النعال، والأول أشبه، لأن الثاني محدث ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما مع السعة فمكروه. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وقد رَخص قوم من أهل العلم في ذلك. وقال أبو بكر: نا هشيم: أنا خالد، عمن حدثه، عن أنس قال: نُهِينا أن نصلي بين الأسَاطين. نا وكيع: ما سفيان، عن أبي إسحاق، عن معدي كرب، عن ابن سَعْد قال: لا تَصُفوا بين الأساطين، ولا تأتموا بقوم يمترون ويلغون. نا فضيل بن عياض، عن حصين بن هلال، عن حذيفة أنه كره الصلاة بين الأساطين. نا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم أنه كره الصلاة بيْن الأساطين. ثم بين أبو بكر مَنْ رخص فيه فقال: نا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالصف بين السواري.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32 / 6936) . (2) المصدر السابق (6 1 / 3728) .

91- باب: من يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر

نا يحيى بن سعيد، عن وقاء قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا بين ساريتين. نا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد قال: رأيت إبراهيم التيمي يؤم قومه بين أسطوانتين. نا وكيع: نا سفيان وإسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى قال: كان سُويد بن غفلة يؤمنا بين أسطوانتين. *** 91- بَابُ: مَنْ يستحب أن يَلِي الإِمامَ في الصف وكراهية التَّأخُّرِ أي: هذا باب في بيان من يستحب أن يقرب من الإمام في الصف وكراهة التأخر عنه، وفي بعض النسخ، "باب ما جاء فيما يستحب "، وفي بعضها: "باب مَن يلي الإمام " إلى آخره. 655- ص- نا ابن كثير: نا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عُمير، عن أبي معمر، عن أبي مَسْعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليَلِني منكُم أولُو [1/226-ب] الأحْلام والنهى، ثم الذين / يَلُونهم، ثم الذين يلونهم " (1) . ش- ابن كثير: هو محمد بن كثير البصري، وسفيان: الثوري، وسليمان: الأعمش. وعُمارة بن عمير: التيمي تيم الله بن ثعلبة الكوفي، رأى عبد الله بن عُمر. وسمع: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبا معمر، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، والحكم بن عُتَيْبة وغيرهم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (2) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة عليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام (122/432) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: من يلي الإمام ثم الذي يليه (2 / 87) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من يستحب أن يلي الإمام (976) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4193) .

وأبو مَعْمر: عبد الله بن سَخْبرة الأزدي من أزد شنُوءة، ويُقال: الأسْدي- بسكون السن- الكوفي. روى عن: أبي بكر الصديق مُرسلاً. وروى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. وسمع: عبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرَت، وأبا مسعود البدري، والمقداد ابن الأسود. روى عنه: مجاهد، ويزيد بن شريك، وإبراهيم النخعي، وعمارة بن عُمير. قال ابن معين: هو ثقة. روى له الجماعة (1) . وأبو مَسْعُود: عقبة بن عمرو البدري. قوله: " لِيلني منكم " بكسر اللامين وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، من وَلي يلي أصله: يَوْلِي، حذفت الواو لوقوعهما بين الياء والكسرة فصار " يلي" وأمر الغائب منه " لِيَلِ" لان الياء تسقط للجزم، وأمر الحاضر "لِ" مثل " ق " على وزن " ع ". وقال الشيخ محيي الدين: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد. قلت: القاعدة: أن النون المؤكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو المحذوفتان فيصيرُ " ليليني منكم أولو الأحلام " أي: العُقلاء، وقيل: البالغون، والأحلام جمع حُلم- ب " م الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم، تقول: حلَم- بالفتح- واحتلم، وتقول: حلَمتُ بكذا وحلمتُه - أيضاً ولكن غلب استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، فكان المراد هاهنا، ليلني البالغون. وذكر في " الفائق ": أمَر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا، قيل: المراد: مَنْ بلغ وقت الحُلْم حَلَم أو لم يَحلُمْ. قوله: " والنهى "- بضم النون- جمع نُهْية- بضم النون وسكون الهاء- وهي العقل، ويقال: بفتح النون- أيضاً-، لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وكذلك العقل لعَقْله، وهو مأخوذ من عقال البعير، وكذلك الحكمة من حكمة البعير، وهي حديدة لجامها التي تمنعها من العدول عن الاستقامة. وقيل: " أولو النهى " لأنه ينتهي إلى رأيهم واختياراتهم

_ (1) المصدر السابق (15 / 3291) . 15* شرح سنن في داوود3

لعقلهم، ويُقالُ: رَجل نَه ونَهِي من قوم نهين. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون" النُّهَى"مصدرا كالهُدى، وأن يكون جمعا كالظلَم، قال: والنهى معناه في اللغة: الثبات والحَبْس، ومنه النهْيُ والنَهْيُ- بكسر النون وفتحها- والتَنْهِيَةُ للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيُسْتنقع. قال الواحدي: فيرجع القولان في اشتقاق النُهْية إلى قول واحد وهو الحَبْس، فالنُهْية هي التي تَنْهى وتَحْبس عن القبائح. قلت: التنهية- بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون النون، وكسر الهاء، وفتح الياء آخر الحروف- وقال في" الصحاح ": تنهية الوادي بحيث ينتهي إليه الماء من حروفه، والجمع: التناهِي. فإن قيل: ما وجه هذا العطف؟ قلت: إن فسر أولو الأحلام بالعُقلاء يكون عطف قوله:" والنهى" على " الأحلام " للتأكيد، لأن المعنى واحد وإن اختلف اللفظ، وإن فسر أولو الأحلام بالبالغين يكون المعنى: ليَقْرُبْ مني البالغون العقلاء. فإن قيل: ما وجه تخصيصهم بذلك؟ قلت: لاستخلافه إن احتاج، ولتبليغ ما سمعوه منه، وضبط ما يحدث عنه، والتنبيه على سَهْو إن وقع، ولأنهم أحق بالتقدّم، وليقتدي بهم مَن بعدهم. وكذا ينبغي لسائر الأمة الاقتداء بسيرته- عليه السلام- في كل حال من جموع الصلاة، ومجالس العلم والذكر، ومجالس الرأي ومعارك القتال. قوله: " ثم الذين يلونهم " معناه: الذين يقربون منهم في هذا الوصف. واستدل بهذا الحديث أصحابنا في ترتيب الصفوف، فقال صاحب " الهداية": ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء، لقوله- عليه السلام-: [1/227-أ] " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى". / واستدلّ- أيضاً بهذا الحديث أن محاذاة المرأة الرجلَ وهما مشتركان في صلاةِ تُفسِدُ صلاة الرجل. فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بهذا وهو خبر الآحاد؟ قلنا: إنه من المشاهير، فتثبت به فرضيّة تمييز مقام المرأة من مقام الرجل، ويجور به

الزيادة على الكتاب. وقال صاحب " الأسرار ": إن لم تثبت فروض الصلاة بخبر الواحد ففروض الجماعة تثبت، لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة فافهم. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. وروى الحاكم في " المستدرك " في كتاب " الفضائل" من حديث عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله- عليه السلام- يأتينا إذا أقيمت الصلاة، فيَمْسحُ عواتقنا ويَقولُ: " أقيموا صفوفكم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلني منكم أولو الأحلام والنُهى" انتهى. وسكتَ عنه. 656- ص- نا مسدّد: نا يزيد بن زريع: نا خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي- عليه السلام- مثله، وزاد: " ولا تختلفوا فَتخْتلفَ قلوبكم، وإياكم وهَيْشاتِ الأسْواق" (1) . ش- خالد: الحذاء، وأبو معشر: زيادُ بن كليب، وإبراهيم: النخعي، وعلقمة: ابن قيس النخعي، وعبد الله: ابن مسعود. قوله: " مثله " أي: مثل الحديث المذكور. قوله: (فتختلف" بالنصب جواب النهي، وقد مر نظيرُه. قوله: " وإياكم وهيشات الأسواق " أي: اتقوا أنفسكم ابن تتعرض لهَيْشات الأسواق، وهذا من المنصوبات باللازم إضمارُه كما في قولك: إياك والأسَدَ. والهيشات- بفتح الهاء، وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- وروية "هَوْشات" وأصله من الهَوْش وهو الاختلاط، والهَوْشة: الفتنة، وبينهم تهاون أي: اختلاط واختلاف، والمعنى:

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وفضل الأول فالأول منها ... إلخ (123 / 432) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء ليلني منكم أولو الأحلام والنهى (228) ، النسائي في الكبرى: كتاب الشروط.

92- باب: مقام الصبيان من الصف

اتقوا أنفسكم من المنازعات والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الدارقطني: تفرد به: خالد بن مهران الحذاء، عن أبي معشر زياد بن كليب. 657- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا معاوية بن هشام: نا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله وملائكته يُصلون على ميامن الصفوف" (1) . ش- عثمان بن عروة: ابن الزبير بن العوام الأسدي القرشي. روى عن: أبيه. روى عنه: أخوه: هشام، وابن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وأسامة بن زيد، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات قبل الأربعين ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (2) . قوله: " على ميامن الصفوف " الميامن: جَمْع مَيْمنة، لأن اليمين لها فضل على اليَسار في كل شيء. والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً رحمه الله. *** 92- بَابُ: مقام الصِّبْيان مِن الصَّفِّ أي: هذا باب في بيان مقام الصبْيان من الصف، وفي بعض " النسخ: " باب ما جاء في مقام الصبيان من الصف ". 658- ص- نا عيسى بن شاذان: نا عياش الرقّام: نا عبد الأعلى: نا قرة ابن خالد: نا بُديل: نا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنْم قال: قال أبو مالك الأشعري: ألا أحدّثكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقامَ الصلاةَ

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فضل ميمنة الصف (1005) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 1 / 5 384) .

فصف (1) الرجالَ، وصف خلفهم الغلمانَ، ثم صلى بهم، فذكر صلاتَه، ثم قال:" هكذا صلاة ". قال عبد الأعلى: لا أحْسِبُه إلا قال: "أمتي (2) " (3) . ش- عيسى بن شاذان: البصري نزيل مصر، حدّث بها سنة ثلاثين ومائتين، ومات بعد ذلك. روى عن: عياش الرقام. روى عنه: أبو داود (4) . وعياش بن الوليد أبو الوليد الرقام البصري القطان. سمع: عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، وأبا معاوية الضرير، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم- وقال: هو من الثقات-، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم. توفي سنة ست وعشرين ومائتين (5) . وعبد الأعلى: ابن عبد الأعلى السامي القرشي، أبو همام. وقرة بن خالد: أبو خالد ويقال: أبو محمد السدُوسي البصري. روى عن: أبي رجاء العطاردي /، والحسن البصري، وابن سيرين، [1/227-ب] وقتادة، وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين: هو من أثبت شيوخنا. وقال أبو حاتم: ثقة. توفي سنة نيف وسبعين ومائة. روى له الجماعة (6) . وبُديل: ابن مَيْسرة البصري، وشَهر بن حَوْشب: الشامي الحمصي. وعبد الرحمن بن غنم: ابن كريب بن هانئ الأشعري، كان ممن قدم على رسول الله في السفينة، وكان يسكن فلسطين وقدم دمشق، وبعضهم ينكر صحبته. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: هو جاهلي، ليست له

_ (1) في سنن أبي داود: "فأقام الصلاة وصف" (2) في سنن أبي داود: "صلاة أمتي ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4628) . (5) المصدر السابق (22 / 3 0 46) . (6) المصدر السابق (23 / 0 487) .

صحبة. روى عن: النبي- عليه السلام-، وعن: عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي مالك الأشعري. رو ى عنه: ابنه: محمد، وأبو سلام الحبشي، وشهر بن حوشب، وجماعة آخرون. مات سنة ثمان وسبعين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن الصحابة، ولم يرووا له عن رسول الله - عليه السلام- (1) . وأبو مالك الأشعري: اختلف في اسمه، فقيل: الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: عمرو. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قوله: " قال عبد الأعلى: لا أحْسبه إلا قال " مُعترض بين قوله: " صلاة"وبين قوله:" أمتي " بيْن المضاف والمضاف إليه، والضمير المنصوب في "لا أحسبُه " راجع إلى قرة بن خالد، وكذا الضمير الذي في " قال ". وأخرج أحمد في " مسنده " عن أبي مالك الأشعري أنه قال يوما: يا معشر الأشعريين، اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم حتى أريكم صلاة رسول الله، فاجتمعوا وجمعوا أبناءهم ونساءهم، ثم توضأ وأراهم كيف يتوضأ، ثم تقدم فصف الرجال في أَدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الصبيان. ورواه ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري أن النبي - عليه السلام- صلى فأقام الرجال يلونه، وأقام الصبيان خلف ذلك، وأقام النساء خلف ذلك. ومن طريقه: رواه الطبراني في " معجمه ". وقال أبو بكر: حدثنا عبد الله، عن أبان العطار، عن أبي هاشم، عن إبراهيم، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاما في الصف أخرجه.

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 424) ، وأسد الغابة (3 / 487) ، وا لإصابة (2 / 17 4) .

93- باب: صف النساء والتأخر عن الصف الأول

93- بَابُ: صف النسَاء والتأخّر (1) عَنِ الصَّفِّ الأوّل أي: هذا باب في بيان حكمَ صف النساء وحكم التأخر عن الصف الأول، وفي بعض النسخ:" باب ما جاء في صف النساء والتأخير عن الصف الأول ". 659- ص- نا محمد بن الصباح البزاز: نا خالد، وإسماعيل بن زكرياء، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خيرُ صفوف الرجال: أولها، وشرها: آخرها، وخير صفوف النساء: آخرها، وشرها: أولها " (2) . ش- خالد: ابن عبد الله الواسطي. وإسماعيل بن زكرياء: الخُلقاني أبو زياد الكوفي الأسدي- أسد خزيمة- مولاهم، نزل بغداد، يلقب: شَقُوصا. سمع: الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصما الأحول، وغيرهم. روى عنه: محمد بن الصباح، وأبو الربيع الزَّهْراني، ومحمد بن بكار، وغيرهم. قال أحمد: هو مقارب. وقال ابن معين: هو صحيح الحديث. توفي ببغداد في أول سنة ثلاث وستين ومائة وهو ابن خمس وستين سنة. روى له: الجماعة إلا النسائي (3) . وسُهَيل بن أبي صالح: ذكوان الزيات. قوله: "خير صُفوف الرجال: أولها " لما رُوي أن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأوَل، ولأن أصحاب الصف الأول هم المبادرون المُسارعون ولهم فضيلة السبق والقرب من الإمام، وليس بينهم وبيْن القبلة أحد، ثم

_ (1) في سنن أبي داود: " وكراهية التأخر ". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف (132 / 0 44) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصف الأول (224) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال (2 / 93) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: صفوف النساء (1000) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3 / 445) .

هذا الممدوح من الصفوف هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا. وقال بعضهم: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأوّل، بل الأول ما لا يتخلله شيء وان تأخر. وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخرِ. [1/228-أ] وقال الشيخ محيى الدين: هذان القولان / غلط صريح. قلت: لفظ الأوّل من الأمور النسْبيّة، فيُطلقُ على كل صف في المَسْجد من عند الإمام إلى أن ينتهي إلى آخر الصُفوف، فآخر الصفوف هو نقيض كل صف قبله إلى الإمام، فيُطلقُ على كل واحد من الصفوف غير الصف الأخير أنه خير الصفوف، ولم يُطلق شرّ الصفوف إلا على آخر الصفوف ليس إلا فافهم. وإنما صار آخر صفوف الرجال شر الصفوف إما لبُعدهم من الإمام، أو لقربهم من النساء، وقد يكون شرا لمخالفتهم أمرَه فيها عليه السلام، وتحذيراً من فعل المنافقين بتأخرهم عنه وعن سماع ما يأتي به، ومعنى كونها شرا: أقلّها أجراً فهو بالنسبة إلى الأول مطلقا ناقصٌ. قوله: " وخير صفوف النساء: آخرُها " هذا إذا صلّين مع الرجال، وأما إذا صلين جماعةً وحدهن فهن كالرجال خيرُ صفوفهن: أولها، وشرها: آخرها، وأما إذا صلين مع الرجال فخيرُ صفوفهن: آخرها لبُعْدهن من الرجال ورؤيتهم، وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم ونحو ذلك، وشر صفوفهن: أولها لِعكسِ ذلك المعْنى. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر في " مصنفه ". 660- ص- نا يحيى بن معين: نا عبد الرزاق، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله- عليه السلام-: " لا يزالُ قوم يَتأخرُون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النارِ " (1) . ش- عبد الرزاق: ابن همام. وعكرمة بن عمار: أبو عمار اليمامي العجلي البَصْري. سمع: سالم ابن عبد الله، وسماك بن الوليد، ونافعا مولى ابن عمر، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون. قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث عن غير إياس، وكل حديثه عنه صالح، وحديثه عن يحيى بن أبي كثير صالح. وقال ابن معين: صدوق ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان صدوقا وربما وهم في حديثه وربما دلس، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري، وكان مستجاب الدعوة (2) . وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " حتى يؤخرهم الله في النار" أي: يوقعهم فيها، وهذا تغليظ في حق من يتكاسل عن المبادرة إلى الصف الأول، ويجيء في أخريات الناس وتعود بذلك. 661- ص- نا موسى بن إسماعيل، ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا: نا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: " تقدموا فَائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللهُ " (3) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20 / 4008) . (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول=

94- باب: مقام الإمام من الصف

ش- أبو الأشْهب: جعفر بن حيان العطاردي السعْدي الخراز (1) البصري الأعمى. روى عن: الحسن البصري، وأبي رجاء العطاردي، وأبي نضرة العبدي، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) . وأبو نضرة: منذر بن مالك. قوله: " وليأتم بكم مَنْ بعدكم " معناه: يَستدلون بأفعالكم على أفعالي، لا أنهم يقتدون بهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمام واحد، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يَسْمعه على مَبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعا للإمام. وقوله: " مَنْ " - بفتح الميم- اسم فاعل لقوله:" وليأتم ". قوله: " لا يزال قوم يتأخرون " أي: عن الصفوف الأوَل حتى يؤخرهم الله عن رحمته، أو عظيم فضله، ورفع المنزلة ونحو ذلك. وقد قيل: هذا في حق المنافقين. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. *** 94- بَابُ: مَقام الإِمَام مِنَ الصَّفّ أي: هذا باب في بيان مقام الإمام من الصف، وفي بعض النسخ: "في الصف ". 662- ص- نا جعفر بن مسافر: نا ابن أبى فديك، عن يحيى بن بشير ابن خلاد، عن أمه، أنها دخلت على محمد بن كعب القُرظي فسمعته

_ - = (130 / 438) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الائتمام بمن يأتم بالإمام (2 / 83) ، ابن ماجه: كتاب " قامة الصلاة " باب: من يستحب أن يلي الإمام (978) . (1) في الأصل:" الجرار ". (2) المصدر قبل السابق (5 / 937) .

يقولُ: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وَسطُوا الإمامَ وسُموا الخللَ " (1) . ش- جعفر بن مسافر: التنيسي / أبو صالح الهذلي، وابن أبي فديك: [1/228-ب] محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك- دينار- المدني. ويحيى بن بشير بن خلاد: الأنصاري. روى عن: أمه: [أمة] الواحد (2) بنت يامين بن عبد الرحمن بن يامين. روى عنه: اَبن أبي فديكَ، وإبراهيم بن المنذر. روى له: أبو داود (3) . ومحمد بن كعب: ابن حيان بن سليم بن أسد، أبو حمزة القُرظي المدني، من حلفاء الأوس بن حارثة، وكان أبوه من سَبْي القريظة، سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة، قال قتيبة: بلغني أنه ولد في زمن النبي - عليه السلام-. سمع: معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وزيد بن أرقم، ويقال: سمع ابن مسعود، ورأى ابن عُمر بن الخطاب. وروى عن: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي ذر، وغيرهم. ومن التابعين: عبد الله بن شداد. روى عنه: عمرو بن دينار، ونافع بن مالك، ومحمد بن المنكدر، وجماعة آخرون. قال أبو زمعة: مدني ثقة وقال ابن سَعْد: كان ثقة عالما كثير الحديث ورعا. مات سنة ثمان ومائة وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة (4) . قوله: " وَسِّطُوا الإمام " مِنْ وَسطتُ القومَ- بالتَشديد- بمعنى: توَسّطتُهم إذا كنتَ في وسَطهم، ويُقالُ: وَسَطْتُ القوم- أيضاً بالتخفيف- أسِطُهم وسطا وسِطَةً، وفي بعض النسخ:"توسطوا " من توسطتُ، والمقصود من ذلك: أن تكون الجماعة فرقتين،فرقة عن يمين الإمام وفرقة

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " الواجد " خطأ، وهي مترجمة في تهذيب الكمال (35 / 7787) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمالي (31 / 6796) . (4) المصدر السابق (26 / 5573) .

95- باب: الرجل يصلي وحده خلف الصف

عن يساره، ويكون الإمامُ وسْطهم، وليس المعنى أن يقوم مساويا معهم في وسطهم، لأن وظيفة الإمام التقدم على القوم. قوله: " وسدُوا الخلل " أي: الفُرْجة التي تكون في الصفوف. وقال أبو بكر: نا وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سد فرجةً في صَفّ رفعه الله بها درجةً، أو بنى له بيتاً في الجنّةِ ". وقال- أيضاً-: نا ابن أبي عدي، عن محمد بن عون قال: سألت محمداً عن الإمام يُصلي بالقوم يقوم في راوية ولا يقوم وسَطاً؟ فقال: لا أعلم به بأساً. فإن قيل: هذا يُخالفُ حديث أبي هريرة. قلت: حديث أبي هريرة محمول على الفضيلة دون الوجوب، حتى إذا قامت الجماعة كلهم عن يمين الإمام أو عن يساره تجوز صلاتهم، ولكن يكونون تاركين للسُنَّة والفضيلة. *** 95- بَابُ: الرَّجُل يُصَلِّي وَحْدهَ خَلفَ الصَّفِّ أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُصلي وحده خلف الصفّ، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الرجل " إلى آخره. 663- ص- ما سليمانُ بن حرب، وحفصُ بن عُمر قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مُرة، عن هلال بنِ يَساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يُصلي خلف الصف وَحْده فأمرَه أن يُعيدَ. قال سليمان: الصلاةَ (1) . ش- عمرو بن راشد: الأشجعي أبو راشد الكوفي. روى عن: عمر

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده (230، 231) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: صلاة الرجل خلف الصف وحده (1004) .

ابن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، ووابصة. روى عنه: هلال بن يِسَاف. روى له: أبو داود، والترمذي (1) . ووابصة- بكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- ابن معبد بن عتبة بن الحارث بن مالك الأسدي أبو سالم أو أبو الشعثاء، أو أبو سعيد، قدم على النبي- عليه السلام- في عشرة رهط من بني أسد سنة تسع، فأسلموا ورجع إلى بلاد قومه، ثم نزل الجزيرة وسكن الرقة، وقدم دمشق وكانت له بها دار بقنطرة سنان. روى عن النبي- عليه السلام-، وعن: ابن مسعود، وغيره. روى عنه: ابناه: سالم وعمرو، والشعبي، وعمرو بن راشد، وغيرهم. توفي بالرقة وقبره بها عند منارة مسجد جامع الرقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: " قال سليمان " أي: ابن حرب. وأخذ بظاهر الحديث: أحمد، وإسحاق، والنخعي، وعن بعض أصحاب أحمد: إذا افتتح صلاته منفرداً خلف الإمام، فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع، فإنه لا صلاة له، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة أو كثر. وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك: صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة، / وتأولوا أمره إياه بالإعادة على الاستحباب [1/ 229 - أ] ، دون الوجوب. وفي حديث أبي بكرة الذي يأتي الآن دلالة على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة، لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز على حال الانفراد جاز سائر أجزائها، ويدل- أيضاً - حديث المرأة المصلية خلفه في حديث أنس منفردةً، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد. وروى الطبراني في " الأوسط " (3) من حديث يونس بن عُبيد، عن ثابت، عن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4363) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 / 641) ، وأسد الغابة (5 / 427) ، والإصابة (3 / 626) . (3) (3 /2711) ، وفيه زيادة: " بعدُ " بعد " الناس ".

أنس أنه صلى خلف النبي- عليه السلام- وحده ووراءه امرأة حتى جاء الناسُ، وقال: تفرد به: إسماعيل. وحديث وابصة: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، عن حُصين، عن هلال بن يساف قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة فقام بي على شيخَ يُقال [له] ، وابصة، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ- والشيخ يَسْمع- أن رجلاً صلى، فذكره، وقال: حديِث حسن. قال: واختلف أهل العلم فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة أصحِ، وقال بعضهم: حديث حصين أصح، وهو عندي أصح من حديثِ عمرو، لأنه رُوِيَ من غير وجه عن هلال، عن زياد، عن وابصة. انتهى، وليس في حديث ابن ماجه: " أخبرني هذا الشيخ " فكأن هلالاً، (1) رواه عن وابصة نفسه، وقال ابن حبان: سمع هذا الخبر هلال، عن عمرو، عن وابصة، وسمعه من زياد عن وابصة، فالطريقان جميعاً محفوظان، وليس هذا الخبر مما تفرد به هلال بن يساف، ثم أخرجه عن يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عم عبيد الله بن أبي الجعد، عن أبيه: زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فذكره. ورواه البزار (2) في " مسنده " بالأسانيد الثلاثة المذكورة، ثم قال: أما حديث عمرو بن راشد: فإن عمرو بن راشد رجل لا نعلم حدث إلا بهذا الحديث، وليس معروفاً بالعدالة، فلا يحتج بحديثه، وأما حديث حُصين: فإن حُصيناً لم يكن بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في الحكم، وأما حديث يزيد بن أبي زياد: فلا نعلم أحداً من أهل العلم إلا وهو يضعف أخباره فلا يحتج بحديثه، وقد روُيَ عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، عن وابصة، وهلال لم يَسمع من وابصة فأمسكنا عن ذكره لإرسالهَ. انتهى. وقال الشافعي: سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أن بعض المحدثين يُدخِل بين هلال ووابصة رجلاً، ومنهم مَن يَرويه عن هلال، عن وابصة سمعه منه.

_ (1) في الأصل: " هلال ". (2) في الأصل: " البزاز " خطأ.

قلتُ: كأنه يُوهنُه بذلك. وقال البيهقي: لم يُخرجاه لما حكاه الشافعي من الاختلاف في سنده، ولما في حديث علي بن شيباَن من أن رجاله غير مشهورين. وقال الشافعي في موضع آخر: لو ثبت الحديثُ لقلتُ به. وقال الحاكم: إنما لم يخرج الشيخان لوابصة في كتابيهما لفساد الطريق إليه. وقال ابن المُنذر: بينه أحمدُ وإسحاق. وقال أبو عمر: فيه اضطراب ولا يُثْبتُه جماعة. وقال: الإشبيلي: غيرُ أبي عُمر يَقولُ: الحديث صحيحْ، لأن حُصَيناً ثقة، وهلالَاً مثله وزياداً كذلك، وقد أسْندوه والاختلاف فيه لا يضره. فإن قيل: أخرج ابن ماجه، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن ابن علي بن شيبان، عن أبيه قال: صلينا وراء النبي- عليه السلام-، فلما قضى الصلاة رأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف، قال: فوقف علي نبي الله حتى انصرف ثم قال له: " استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده " (1) . قلتُ: رواه ابن حبان في " صحيحه، والبزار في " مُسْنده " وقال: وعبدُ الله بن بدر ليس بالمعروف، إنما حَدث عنه ملازمُ بن عمرو، ومحمدُ بن جابر، فأما ملازم: فقد احتُمل حديثُه وإن لم يُحتج به، وأما محمد بن جابر: فقد سكت الناسُ عن حديثه، وعلي بن شيبان: لم يحدث عنه إلا ابنه، وابنه هذا صفته، وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجةً، ولا ارتفعت جهالته. فإن قلتَ: حديث آخر أخرجه البزار فيه مسنده عن النضر بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- نحو حديث ابن شيبان /. قلت: قال البزار: ولا نعلم رواه عن عكرمة إلا النضرُ وهو [1/229 - ب] لين الحديث، وقد روى أحاديث لا يتابع عليها وهو عند بعض أهل العلم ضعيف جداً فلا يحتج بحديثه. انتهى. وسئل أبو عبد الله عن حديث ابن (1) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: صلاة الرجل خلف الصف وحده (1003) .

96- باب: الرجل يركع دون الصف

عباس فقال: هذا حديث منكرٌ أو باطلٌ. قال الأثرم: قلتُ له: أي شيء أحْسنها إسناداً؟ قال: حديث شعبة، عن عمرو بن راشد، عن وابصة *** 96- بَابُ: الرَّجُل يَركعُ دونَ الصَّف أي: هذا باب في بيان الرجلِ الذي يَركع خارج الصف، وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء في الرجل ". 664- ص- نا حُميد بن مَسْعدة، أن يَزيدَ بن زُرَيْع حدثهم قال: نا سَعيد بن أبي عروبة، عن زياد الأعلم قال: ما الحسن أن أبا بكرة حدّث أنه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع قال: فركعتُ دون الصف "، فقال النبي - عليه السلام -: " زادك الله حرْصاً ولا تَعُدْ " (1) . ش- زياد الأعلم: هو زياد بن حسان بن قرة البصري، والحسَن: البصري، وأبو بكرَة: نُفَيْع بن الحارث. قوله: " دون الصف " أي: وراءه. قوله: " زادك الله حرصاً " أي: في الخير والمبادرة إليه، لأنه استعجل في الركوع قبل أن يتساوى مع من في الصف. قوله: " ولا تعد " إرشاد له في المستقبل إلى ما هو الأفضل. وفيه دليل على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة، لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز في حال الانفراد جاز سائر أجزائها، ولو لم تكن جائزة لأمره- عليه السلام- بالإعادة، فعلم من هذا أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة على الاستحباب دون الوجوب- كما ذكرناه. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي.

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف (783) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الركوع دون الصف (2 / 118) .

97- باب: ما يستر المصلي

665- ص-[نا] ، موسى بن إسماعيل: نا حَماد: أنا زياد الأعلم، عن الحسن، أن أبا بكرة جاء ورسول الله راكع، فركع دون الصَّفّ ثم مشى إلى الصف، فلما قضىِ النبي- عليه السلام- صلاته قال: " أيكم الذي ركعَ دون الصف ثمِ مَشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي- عليه السلام-: " زادكَ اللهُ حِرصاً ولا تَعُدْ " (1) . ش- فيه: أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مُفسد، ولكنه مُقدر، فقدره بعض أصحابنا بخَطوة حتى لو مشى خطوتين أو كَثر فسدت صلاته، وقدر [5] ، بعضهم بموضع سجوده، كذا في " المُحيط ". وفيه: أن الصلاة خلف الصف وحده تكره وإن كانت جائزةً. وعن أبي حنيفة: إذا لم يجد فرجةَ في الصف ينتظر حتى يجيء آخرُ فيقوم معه، فإن لم يجد أحداً حتى أراد الإمام الركوع يجذبُ وأحداً من الصف، فيقوم معه لئلا يصير مرتكباً للمنهي عنه، وإن كان في الصحراء، قيل: يكبر أولاً ثم يجذب أحداً من الصف حتى تأخذ تلك البقعة حرمة الصلاة، فلا تفسد صلاة المجذوب، وقيل: وإن لم يكبر لا تفسد صلاته، لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت، تلك البقعة حرمة الصلاة. وقال أبو بكر: نا عباد بن عوام، عن عبد الملك، عن عطاء في الرجل يدخل المسجد وقد تم الصفوف؟ قال: إن استطاع أن يدخل في الصفّ دخل، وإلا أخذ بيد رجل فأقامه معه، ولم يَقُمْ وحده. *** 97- بَابُ: مَا يَسْتُر المُصلي أي: هذا باب في قدر ما يستر المصلي، وفي بعض النسخ: " تفريع أبواب السترة في الصلاة، قدْرُ ما يستر المصلي " (2) .

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف (783) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الركوع دون الصف (2 / 118) . (2) كما في سنن أبي داود 16. شرح سنن أبي داود 3

666- ص- نا محمد بن كثير العَبْدي: أنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه: طلحة بن عُبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا جعلت بين يديك مثل مُؤخرة الرحل فلا يضرك مَنْ مر بين يديك " (1) . ش- إسرائيل: ابن يونس، وسماك: ابن حَرْب. ومُوسى بن طلحة: ابن عبيد الله أبو عيسى أو أبو محمد المدني، سكن الكوفة. سمع: أباه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبا أيوب الأنصاري، والزبير بن العوام، وأبا ذر الغفاري، وغيرهم. روى عنه: عبد الملك بن عُمير، وأبو إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة. مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (2) . وطلحة بن عبيد الله: ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سَعْد بن تيم [1/ 230 - أ] ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، / يلقى رسول الله في الأب السابع مثل أبي بكر الصديق، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى، سماه رسول الله طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، قتل يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وقبره بالبصرة. روى عنه: السائب بن يزيد، والأحنف بن قيس، وأبو سلمي، وجماعة آخرون. روى له الجماعة (3) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلي (241 / 499) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في سترة المصلى (335) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يستر المصلي (940) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 / 6269) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 219) ، وأسد الغابة (3 / 85) ، والإصابة (2 / 229) .

قوله: " مثل مؤخرة الرحل " المؤخرة: بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة، ويُقال: بفتح الخاء المشددة مع فتح الهمزة، ويقال: بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الواو، ويقال: آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء - وهي: الخشبة التي يستند إليها الراكبُ من كور البَعير. وفيه: بيان الندب إلى السُّترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقلها كمؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه. وشرط مالك أن تكون في غلظ الرمح، وقال صاحب " الهداية ": ومقدارها: ذراع فصاعداً. انتهى. وقيل: مثل مقدار سهم. وقال صاحب " الهداية ": وقيل: في غلظ الإصبع , لأن ما دونه لا يبدُو للناظرين من بعيد فلا يَحْصله المقصود. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه. 667- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء قال: آخرة الرحل: ذراع " فما فوقه (1) . ش- عطاء: ابن أبي رباح. وقال أبو بكر: نا زيد بن حباب: أنا عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة بن معبد الجهني قال: اخبرني أبي، عن أبيه قال: قال النبي- عليه السلام-: " ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسَهْم ". نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك في المشعر الحرام قد نصَبَ عصاً فصلى إليها. نا مَعْنُ بن عيسى، عن ثابت بن قيس أبي الغصن قال: رأيتُ نافع بن جُبير يُصلي إلى السوْط في السفر وإلى العَصَا. 668- ص- نا الحسن بن علي: نا ابن نمير، عن عُبَيْد الله، عنِ نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله- عليه السلام- إذا خرج يوم العيد أمر بالحرْبة

_ (1) تفرد به أبو داود.

فتوضعُ بين يدَيْه، فيُصلي إليها والناسُ وراءه، وكان يفعل ذلك في السَفر فمِن ثم اتخذها الأمراًء (1) . ش- ابن نُمير: هو عبدُ الله بن نُمير الكوفي، وعُبيد الله بن عُمر: ابن حفص العدوي المدني، ونافع: مولى ابن عمر. قوله: " أمر بالحرْبة " قال في " المطالع ": قيل: إنه هو الرمح العريض النصل. قوله: " فيصلي إليها " أي: إلى جهة الحرْبة. قوله: " وكان يفعل ذلك " أي: كان رسول الله- عليه السلام- يفعلُ وضع الحرْبة بين يديه للصلاة في السفر. قوله: " فمن ثم " أي: فلأجل ذلك اتخذ الحربةَ الأمراء. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 669- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة، عن عَوْن بن أبى جُحيفة، عن أبيه أن النبي- عليه السلام- صلى بهم بالبطحاء وبن يديه عنزة الظهرَ ركعتين والعصرَ ركعتين، يمرُّ خلف العنزة المرأةُ والحمارُ (2) . ش- أبو جُحيفة: وهب بن عبد الله السوائي، قد ذكرناه، وابنَه: عَوْن (3) مرةً.

_ - (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إدخال البعير في المسجد للعلة (464) ، وباب: الصلاة إلى الحربة (498) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلى (245 / 501) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الحربة يوم العيد (1305) . (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة إلى العنزة (499) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلى (249 / 503) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الانتفاع بفضل الوضوء (1 / 87) . (3) كذا.

98- باب: الخط إذا لم يجد عصى

قوله: " بالبَطحاء " أي: بطحاء مكة , وبَطحاء الوادي وأبطحه: حصَاه اللينُ في بطن المَسِيل. قوله: " وبين يديه عنزة " حال، والعنزة: عصا في أسفلها حديدة، ويقال: العنزة: قدر نصف الرمح أو أطول شيئاً فيها سنان مثل سنان الرمح، والعكازة نحو منها، وقيل: العنزة: ما دُور نصلُه، والآلة والحربة العريضة النصل. قوله: " الظهر " منصوب بقوله: "صلى بهم "، و " العصر" عطف علي. قوله: " المرأة " مرفوع لأنها فاعل قوله:" يمر " و " الحمار " عطف علي، وهي- أيضاً- جملة وقعت حا" ويستفاد منه فوائد؟ الأولى: استحباب نَصْب العنزة ونحوها إذا صلى في الصحراء بين يدَيْه. الثانية: أن الأفضل: قصر الصلاة في السفر وإن كان بقرب بلدِ ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يوماً. / والثالثة: أن مرور المرأة والحمار ونحوهما من خلف السّترة لا يضر [1/230-ب] ، المُصلي. والحديث: أخرجه البخاري، ومُسلم. *** 98- بَابُ: الخَطَّ إذا لم يَجِدْ عَصى أي: هذا باب في بيان الخط إذا لم يجد عصى ونحوها للسترة. 670- ص- نا مسدد: نا بشر- يعني: ابن المفضل-: نا إسماعيل - يعني: ابن أمية- قال: حدثني أبو عَمرو بن محمد بن حُريث أنه سمع جده: حُريثاً يُحدث عن أبي هريرة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا صلى أحدكم فليجعَلْ تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاه (1) فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا ثم لا يَضره ما مر أمامَه " (2) . (1) في سنن أبي داود: " عصا " (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يستر المصلي (943) .

ش- إسماعيل: ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي. سمع: أباه، وسعيد بن المسيّب، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) . وأبو عمرو بن محمد بن حريث: العذري. سمع من جَده حديثا عن أبي هريرة. وقال ابن معين: هو جد لإسماعيل بن أميّة من أمِّه. وقال الطحاوي: هو مجهول. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) . قوله: " أمامه " أي: أمام الخط , والمراد منه: خلفه، لأن " الإمام " مشترك بين الخلف والقدام. ثم هذا الحديث تكلموا فيه، فقال القاضي عياض: هو ضعيف، وإن كان قد أخذ به أحمد. وقال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث- على ما يجيء الآن- وكان إسماعيل ابن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟. وقد أشار الشافعي إلى ضعْفه. وقال البيهقي: ولا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محي الدين: فيه ضعف واضطراب. واختلف قول الشافعي فيه، فاستحبه في " سنن حرملة " وفي " القديم " ونفاه البُويطي، وقال جمهور أصحابه باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. وقال القاضي عياض: ولم ير مالك وعامة الفقهاء الخط. قلت: وكذا قال أصحابنا، فقال صاحب " المحيط ": والخط ليس بشيء، لأنه لا يصيرُ حائلاً بينه وبَيْن المار. وكذا قال صاحب " الهداية " ونقل بعض أصحابنا أن الخط معتبر عند عدم ما يَنْصبُه، فقيل: يُخط طولاً، وقيل: مثل المحراب، ونذكره الآن إن شاء الله. وهذا الحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً- وأبو بكر في " مصنفه ".

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3 / 426) . (2) المصدر السابق (34 / 7534) .

ص- قال (1) أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئلَ عن الخط غير مرة فقال: هكذا- يعني: عَرْضاً مثل الهلال. ش- يعني: يخطه عرضاً مثل الهلال ولا يخطه طولاً، وبه قال بعض أصحابنا- كما ذكرناه. ص- قال أبو داود: وسمعت مُسدداً قال: قال ابن داود: الخط بالطول (2) . ش- ابن داود: هو عبد الله بن داود بن عامر الخُرَيْبي البصري. قوله: " الخط بالطول" يعني: الخط المذكور في الحديث هو أن يكون طولاً لا عرضاً، وبه قال بعض أصحابنا. 671- ص (3) - نا عبد الله بن محمد الزهري: نا سفيان بن عيينة قال: رأيت شريكاً صلى بنا في جنازة (4) فوَضع قلنسوته بَيْن يديه- يعني: في فريضة حضرت (5) . ش- عبد الله بن محمد: ابن عبد الرحمن بن المسْور بن مخرمة بن نوفل البصري الزهري. روى عن: سفيان بن عيينة، وأبي داود الطيالسي، ومالك بن سعير. روى عنه: محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو حاتم - وقال: صدوق-، والجماعةُ إلا البخاري. مات سنة ست وخمسين ومائتين (6) . وشريك: النخعي.

_ (1) هذا النص والذي بعده جاء في سنن أبي داود عقب الحديث بعد الآتي. (2) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: " قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل وصف الخط غير مرة فقال: هكذا- يعني: بالعرض حوراً دوراً مثل الهلال- يعني: منعطفاً". (3) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود بعد الحديث الآتي. (4) في سنن أبي داود: وفي جنازة العصر ". (5) تفرد به أبو داود. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16 / 3540) .

قوله: " فوضع قلنسوته " ذكر في " شرح الفصيح ": هي غشاء مُبطن يُلبَسُ على الرأس، وذكر ثعلب في " فصيحه " فيها لغة أخرى وهي "القُلَيْسِيَة "- بضم القاف، وفتح اللام، وسكون الياء الأولى، وكسر السين، وفتح الياء الثانية- وقال في " الجامع ": الجمع: قلانس وقلاس وحكى فيه القَلَنْس، كما قال الراجز: لا نوم حتى تلحقي بعَنْس....... أهل الرباط البيض والقَلَنْس وهي: القلاسي. وفي " شرح الفصيح " لابن خالويه: والعربُ تسمي [1/231 - أ] القلنسوة بُرنُساً، وفي " التلخيص " لأبي هلال العسكري /: البرنس: القلنسوة الواسعة التي تُغطى بها العمائم ويَسترُ من الشمس والمطر، وفي " العين ": الكُمه: القَلنسوة. وقال ابن هشام في " شرحه ": هي التي يقول لها العامة: الشاشية، وعن يونس: أهل الحجاز يقولون: قلَنْسية- بالنون بعد اللام- وتميم يقولون: قلَنْسُوَة، وبعضهم يقول: قلَيْسَية- بالياء بعد اللام-، وهي ردية، وإذا صغرتها تقول: قُلَيْنِسَةْ وقُلَيْسَيةْ وقلنسية. ذكر هذه الوجوه الثلاث الجوهري في " الصحاح " 672- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا عليّ، عن سفيان- يعني: ابن عيينة-، عن إسماعيل بن أميّة، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جَدّه: حُريث رجل من بني عُذْرة، عن أبي هريرة، عن أبي القاسمِ. قال فذكر حديث الخط. قال سفيان: لم نجدْ شيئاً نَشدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوَجه. قال: قلتُ لسفيان: إنهم يَخْتلفون فيه فتفكر ساعة ثم قال: ما أحفظُ إلا أبا محمد بن عمرو، قال سفيان: قدمَ هنا رجل بعد ما مات إسماعيل بن أمية فطلبَ هذا الشيخَ أبا محمد حتى وجَده فسأله عنه فخلَط عليه (1) . ش- علي: ابن عياش بن مسلم الحمصي. قوله: " عن أبي محمد بن عَمرو " هكذا في رواية ابن عُيينة، عن

_ (1) انظر التخريج المتقدم.

99- باب: الصلاة إلى الراحلة

إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد: بن عمرو بن حريث، عن جده، وفي رواية بشر بن المفضل، عن إسماعيل بن أمية: " نا، أبو عمرو بن محمد ابن حريث- كما مر في الرواية المتقدمة. قوله: " من بني عُذرة " بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة. قوله: " قال: قلت لسفيان " أي: قال علي بن عياش: قلت لسفيان بن عُيينة: إن الرواة يختلفون في راوي هذا الحديث، هل هو أبو محمد بن عمرو بن حريث أو هو أبو عمرو بن محمد بن حريث؟ قوله: " فطلبَ هذا الشيخَ ": الشيخ منصوب لأنه مفعول " طلب " و" أبا محمد " منصوب لأنه بدل من الشيخ أو عَطْفُ بيان، والمقصود: أشار أبو داود بهذا الكلام إلى أن هذا الحديث فيه ضَعْف واضطراب، والله أعلم. *** 99- باب: الصّلاةِ إلَى الرَّاحلةِ أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة إلى الراحلة، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وقد مر تفسيرها غير مرة. 673- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، ووهب بن بقية، وابنُ أبي خلف، وعبد الله بن سعيد، قال عثمان: نا أبو خالد قال: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمر أن النبي- عليه السلام- كان يُصلي إلى بعيره (1) . ش- وهب بن بقية: الواسطي. وابن أبي خلف: اسمه: أحمد بن محمد بن أحمد بن [محمد بن] أبي خلف البغدادي القطيعي، حدث عن: حصين بن عمر الأحمسي،

_ (1) البخاري: كتاب الوتر، باب: الوتر على الدابة، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جوار صلاة النافلة على الدابة (36) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة إلى الراحلة (352) .

100- باب: إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه؟

وابن عيينة. وروى عنه: أبو داود، وإبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وهو ثقة (1) . وعبد الله بن سعيد: ابن حُصَين أبو سعيد الأشج الكوفي الكندي. سمع: عيسى بن يونس، وحفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والجماعةُ، وغيرهم. وقال ابن مَعين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال النسائي: صدوق، وفي رواية: لا بأس به. مات سنة سبع وخمسين ومائتين (2) . وأبو خالد: سليمان بن حيان الأحْمر الجعْفري الكوفي، وعُبيد الله: ابن عمر العمري. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. ولا يُعارضُه حديث كراهة الصلاة في أعطان الإبل، لأنه ليس في هذا الحديث أنه صلى في مَوضع الإبل، وإنما صلى إلى البعير، لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطناً أو مأوى للإبل، والمعاطن: هي مواضع إقامتها عند الماء واستيطانها. وقال القرطبي: فيه دلالة أن أبوال الإبل ليست بنجسة، وكذا أرواثها. وقال ابن التيًن عن مالك: ولا يُصلى إلى الخيل والحُمر، لأن أبوالها نجسة. وعند محمد من أصحابنا: أبوال الفرس طاهرة فيُصلي إليها. * * * 100- باب: إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه؟ أي: هذا باب في بيان / حكم الرجل إذا صلى إلى سارية- أي: أسطوانة- أو نحوها أين يجعل السارية منه؟ 674- ص- نا محمود بن خالد الدمشقي: نا علي بن عياش: نا

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 / 92) . (2) المصدر السابق (15 / 3303) .

أبو عُبيدة: الوليد بن كامل، عن المهلب بن حُجْرِ البَهراني، عن ضُباعة بنْت المقداد بن الأسود، عن أبيها قال: ما رأيتُ رسول الله يصلي إلى عُود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيْسر، ولا يصمُد له صَمْداً (1) . ش- الوليد بن كامل: ابن معاذ بن محمد بن أبي أمية (2) أبو عُبيدة البجلي مولاهم الشامي الحمصي، وقيل: إنه دمشقي. روى عن: المُهلب بن حجر، ونصر بن علقمة الحضرمي، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. روى عنه: على بن عياش، وبقية بن الوليد، ويحيى بن صالح الوحاظي، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البخاري: عنده عجائب. روى له: أبو داود (3) . والمهلب بن حُجر البهراني: الشامي. روى عن: ضباعة بنت المقداد. روى عنه: الوليد بن كامل. روى له: أبو داود (4) . وضُبَاعة: بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحدة، روت عن: أبيها. وروى عنها: المهلب المذكور. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (5) . قوله: " ولا يَصْمد له صَمْداً " من صَمدتُ الشيء صَمْداً: قصَدته. قال الجوهري: صَمَده يصمُده صمْداً: قصده. قلت: من باب نَصر ينصرُ. والصَمَد: السيد الذي يُصمَد إليه في الحوائج، أي: يقصد فيها. وبهذا الحديث: استند أصحابنا أنه يجْعلُ السترة على حاجبه الأيْمن أو الأيْسرِ. وقال صاحب " الهداية ": ويجعلُ السترة على جانبه (6) الأيمن أو على الأيْسر، به ورَد الأثرُ.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل:" عبيدة ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 3 / 1 673) . (4) المصدر السابق (29 / 6228) . (5) المصدر السابق (35 / 7882) . (6) في الأصل: (جانب) .

101- باب: الصلاة إلى المتحدثين والنيام

(1) والحديث: أخرجه أحمد في " مسنده " (2) ، والطبراني في "معجمه" وابن عدي في " الكامل " (3) ، وأعلَّه بالوليد بن كامل. وقال ابن القطان: فيه علتان , علة في إسناده، وعلة في متنه، أما التي في إسناده، فقال: إن فيه ثلاثة مجاهيل، فضباعة مجهولة الحال ولا أعلم أحداً ذكرها، وكذلك المهلب بن حجر مجهول الحال، والوليد بن كامل من الشيوخ الذين لم تثبت عدالتهم، وليس له من الرواية كثير شيء يستدل به على حاله. وأما التي في مَتنه: فهي أن أبا علي بن السكن رواه في " سننه " هكذا: نا سعيد بن عبد العزيز الحلبي: نا أبو تقي هشام بن عبد الملك: ما بقية، عن الوليد بن كامل: نا المهلب بن حجر البهراني، عن ضُبَيْعة بنْت المقدام بن معدي كرب، عن أبيها قال: قال رسول الله: " إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يَجْعله نصْبَ عينَيْه وليجعله على حاجبه الأيْسر ". قال ابن السكنَ: أخرج هذا الحديث أبو داود من رواية عليا بن عياش، عن الوليد بن كامل، فغير إسناده ومَتْنه. فإنه عن ضباعة بنْت المقداد بن الأسود، عن أبيها , وهذا الذي روى بقية هو عن ضبيعة بنت المقدام بن معدي كرب، عن أبيها، وذلك فعل، وهذا قول " (4) . * * * 101- باب: الصَّلاةِ إلى المتحدثين والنِّيام أي: هذا باب في بيان الصلاة إلى ناس متحدثين وناس نيام، والنيام: جمع نائم كالصيام جمع صائم، والقيام جمع قائم. 675- ص- نا عبد الله بن مسلمة القعنبي: نا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يَعْقوب بن إسحاق، عن مَنْ حدّثه، عن محمد بن

_ (1) انظر: نصب الراية (2 / 83- 84) . (2) (6/4) (3) (8/ 362- ترجمة الوليد بن كامل) . (4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

كعب القرظي قال: قلت (1) - يعني: لعمر بن عبد العزيز-: حدَّثني عبد الله بن عباس، أن النبي- عليه السلام- قال: " لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث " (2) . ش- عبد الملك بن محمد بن أيمن: روى عن: عبد الله بن يعقوب. وروى عنه: ابن مسلمة. روى له: أبو داود (3) . وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق: المدني. روى عن: أبي الزناد، وعمن حدثه عن ابن كعب. روى عنه: عبد الملك المذكور، وعبد الله ابن أبي الزناد. روى له: أبو داود، والترمذي (4) . وهذا الحديث: أخرجه ابن ماجَه، وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفي سند ابن ماجه: أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه. وقال الخطابي (5) : هذا الحديث لا يصح عن النبي- عليه السلام-، لضعف سَنده، وعبد الله بن يعقوب لم يسمِّ من حدثه عن محمد بن كعب، وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان / كلاهما ضعيفان: تمام [1 /232-أ] ابن بَزِيع، وعيسى بن مَيْمون، وقد تكلم فيهما ابن معين والبخاريّ، ورواه- أيضاً- عبد الكريم أبو أميّة، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعبد الكريم: متروك الحديث. قال أحمد بن حنبل: ضربنا علي فاضربوا عليه. وقال ابن معين: ليس بثقة ولا يحمل عَنه، وقد ثبت عن النبي- عليه السلام- أنه صلى وعائشة نائمة معترضة بينه وبين القِبْلة. انتهى. وروى البزار في " مسنده ": حدثنا محمود بن بكر: نا أبي، عن عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد،

_ (1) في سنن أبي داود: " قلت له ". (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من صلى وبينه وبين القبلة شيء (959) ، وباب: من رفع يديه في الدعاء ومسح بهما وجهه (1181) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3554) . (4) المصدر السابق (16 /3671) . (5) معالم الحق (1 / 161) .

102- باب: الدنو من السترة

عن ابن عباس أن النبي- عليه السلام- قال: " نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين "، وقال: لا نعلمه يُروَى إلا عن ابن عباس. انتهى. قلت: وفي إسناده: عبد الكريم، وقد سمعتَ ما قالوا فيه. وروى البزار (1) - أيضاً-: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي: ثنا إسماعيل بن صبيح: نا إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن محمد ابن الحنفية، عن علي أن رسول الله رأى رجلاً يُصلي إلى رجل فأمَره أن يُعيد الصلاة، قال: يا رسول الله، إني صليتُ وأنت تنظر إلي. قال: هذا حديث لا نحفظه إلا بهذا الإسْناد. وكأن هذا المصلي كان مستقبل الرجل بوَجْهه فلم يتنح عن حياله. انتهى. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا إسماعيل بن علية، عن ليث، عن مجاهد يرفعه قال: " لا يأتم بنائم ولا محدثٍ ". ونا وكيع: نا سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية، عن مجاهد أن النبي - عليه السلام- نهى أن يصلى خلف النوام والمتحدثين. انتهى. قلت: في إسناده- أيضاً عبد الكريم. ثم حكم الصلاة خلف النائم أنه يجوز بلا خلاد، لحديث عائشة. وأما الصلاة خلف المتحدث: فقال صاحب " الهداية ": ولا بأس أن يُصلي إلى ظهر رجل قاعدٍ يتحدث، لأن ابن عمر- رضي الله عنهما- ربما كان يستتر بنافع في بعضِ أسْفاره. وقال الخطابي: وأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي، وأحمد بن حنبل، وذلك من أجل أن كلامهم يُشْغل المُصلي عن صلاته. *** 102- باب: الدنو من الستْرة أي: هذا باب في بيان الدنو- أي: القرب- من السُّترة. 676- ص- نا ابن الصباح: أنا سفيان ح، ونا عثمان بن أي شيبة،

_ (1) كشف الأستار (1 / 583)

وحامد بن يحيى، وابن السرحْ قالوا: ثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سَهْل بن أبي حثمة يبلغ به النبي- عليه السلام- قال: " إذا صلى أحدكم إلى سترة فَليُدن منها، لا يقطعُ الشيطانُ عليه صلاته " (1) . ش- محمد: ابن الصباح الدولابي، وسفيان: ابن عيينة. وحامد بن يحيى: ابن هانئ البلخي، أبو عبد الله، سكن طرسوس. روى عن: ابن عُيينة، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سليم، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. قال أبو حاتم: صدوق. روى له: الترمذي (2) . وابن السرْح: هو أحمد بن طاهر بن السَرْح، وصفوان بن سليم: المدني. وسهل بن أبي حَثْمة- واسم أبي حثمة: عبد الله- بن ساعدة الأنصاري المدني أبو يحيى أو أبو محمد، مات النبي- عليه السلام- وهو ابن ثمان سنين وقد حفظ عنه، رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- خمسة وعشرون حديثاً اتفقا على ثلاثة أحاديث. روى عنه: بشير بن يَسار، وصالح بن خوات، وأبو ليلى بن عبد الله، ونافع بن جبير، وغيرهم. روى له الجماعة (3) . قوله: " فليدن منها " أي: فليقرب من السترة. قوله: " لا يقطع الشيطان علي صلاته " خرج مخرج التعليل، ومعنى " قطع الشيطان صلاته عليه " إذا لم يدن من السّترة: أنه ربما يمر بينه وبينها أحد أو حيوان فيحصل له التشوش بذلك، ولا يدري كم صلى، فيحصل

_ (1) النسائي: كتاب القبلة، باب: الأمر بالدنو من السترة (2 / 62) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 1063) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (97 / 2) ، وأسد الغابة (2 / 468) ، وا لإصابة (2 / 86) .

له وَسوسة فيقطع صلاته، وإنما نُسب إلى الشيطان، لأن قطع العبادة وإبطالها من أعمال الشيطان. والحديث: أخرجه النسائي، وكذلك رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والتسعين من القسم الأول. ص- قال أبو داود: رواه واقد بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه أو عن محمد بن سهل، عن النبي- عليه السلام-. وقال [1 / 232- ب] بعضهم: عن نافع بن جبير، / عن سهل بن سَعْد، واختلف في إسناده. ش- أشار أبو داود بهذا الكلام إلى اختلاف إسناد هذا الحديث، ولا يضر ذلك، فإن الحاكم أخرجه وقال: على شرط البخاري ومسلم. وواقد بن محمد: ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي أخو أبي بكر، وعمر، وزيد، وعاصم. روى عن: أبيه، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن مرجانة، ونافع مولى ابن عمر. روى عنه: شعبة، وأخوه: عاصم. وقال أحمد ويحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة يحتج بحديثه. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . وصَفْوان: ابن سليم المذكور. ومحمد بن سَهْل: ابن عسكر أبو بكر. روى عن: عبد الرزاق. وروى عنه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابنُ صاعد، وجماعة آخرون. قوله: " وقال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سَعْد " يعني: عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير. وبهذا الطريق أخرجه الطبراني في " معجمه " عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان ابن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن سَعْد الساعدي أن رسولَ الله قال: " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يمرّ الشيطان بينه وبيْنها ". وبهذا السند رواه أبو نُعيم في " الحلية، في ترجمة صفوان بن سليم. ورواه الطبراني- أيضاً بطريق أخرى، عن جُبير بن مطعم

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30 / 6670) .

مَرفوعاً نحوه سواء. ورواه البزار في " مسنده "- أيضاً- من " حديث، جبير بن مطعم. ورواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سَعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها، ولا يدع أحداً يمرّ بين يديْه ". 677- ص- نا القعنبي والنفيلي قالا: نا عبد العزيز- هو ابن أبي حازِم- قال: أخبرني أبي، عن سهل قال: كان بَيْن مقام النبي- عليه السلام- وبيْن القبلة ممرُّ العَنْزِ (1) ، (2) . ش- عبد العزيز: ابن أبي حازم- سلمة- بن دينار، أبو تمام المدني المخزومي مولاهم. سمع: أباه، وزيد بن أسلم، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. روى عنه: القعنبي، والنفيلي، ويحيى بن بكير، وإبراهيم ابن محمد الشافعي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة أربع وثمانين ومائة. روى له الجماعة (3) . وأبوه: سلمة بن دينار أبو حازم المدني الأعرج، وسهل بن سَعْد الساعدي الأنصاري. قوله: ما ممرّ العنز " مرفوع على أنه اسم " كان "، وفي بعض النسخ: "ممرّ عَنزِ " وهو الصحيح، والعَنْز: ا"عز، وهي الأنثى من المعْز. وأخرجه: البخاري، ومسلم، وفيه: " ممرّ الشاة ". وزعم القرطبي أن بعض المشايخ حملَ حديثَ ممر الشاة على ما إذا كان قائماً، وحديثَ بلال أن النبي- عليه السلام- " صلى في الكعبة جعل بينه وبين القبلة قريباً من ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد، قال: ولم يحد مالكٌ في ذلك

_ (1) في سنن أبي داود: " ممر عنز "، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: قدركم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة (496، 497) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: دنو المصلي من السترة (508 / 262) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3439) . 17. شرح سنن في داوود 3

103- باب: ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه

حدا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه، وقيده بعض الناس بشبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول عطاء، وآخرون بستة أذرع، ذكر السفاقسي: قال أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلي بينه وبين القبلة ستة أذرع، وفي نسخة: " ثلاثة أذرع " وفي " مصنف ابن أبي شيبة " بسند صحيح نحوه. ص- قال أبو داود: الخبرُ للنفيلي. ش- أي: الخبر المذكور لعبد الله بن محمد النفيلي. *** 103- باب: مَا يُؤمر المُصلي أَنْ يَدْرأ عن الممر بينَ يديه أي: هذا باب في بيان ما يؤمر المصلي أن يدرأ- أي: يدفع- عن الممر- أي: المرور- بيْن يدَيْه، وفي بعض النسخ: " عن المرور ". 678- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان أحدكم يُصلي فلا يدع أحداً يمر بين يمَيْه وليَدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان " (1) . ش- مالك: ابن أنس، وزيد بن أسلم: أبو أسامة القرشي. قوله: " وليدرأه ما استطاع " أي: وليدفعه قدر استطاعته. قال الشيخ [1 / 233- أ] محيي الدين (2) : هذا أمر ندب متأكد / ولا أعلم أحداً من الفقهاء أوجبه، قال القاضي عياض: وأجمعوا أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: منع ا"ر بين يدي المصلي (505) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: التشديد في المرور بين يدي المصلي وسترته (2 / 67) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: اقرأ ما استطعت (954) . (2) شرح صحيح مسلم (223 / 4) .

ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قوَد عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم يكون هدراً؟ فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك. قال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، ذكره ابن التين. قال عياض: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده؛ إنما يدافعه ويرده من مَوقفه، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يَناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مروراً ثانياً، وقد رُوِيَ عن البَعض أنه يَردُه، واختلفوا إذا جاز بين يَديه وأدركه هل يرده أم لا؟ فقال ابن مسعود: يردهُ، ورُوِيَ ذلك عن سالم، والحسن. وقال أشهب: يرده بإشارة ولا يمشي إليه، لأن مشيه أشد من مروره، فإن مشى إليه ورده لم تفسد صلاته. وقال بعضهم: معنى فليُقاتله: فليلعنه. قال تعالى: " قتِلَ الخَراصُونَ " (1) أي: لعنوا، وأنكره بعضهم. قوله: " فإنما هو شيطان " قال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: الحامل له على ذلك شيطان، يؤيده حديث ابن عمر من عند مسلم: " لا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليُقاتله فإن معه القرين "، وعند ابن ماجه: " فإن معه القرين ". وفي " الأوسط ": " فرُدَه فإن عاد فرده، فإن عاد الرابعة فقاتله، فإنما هو الشيطان ". وقيل: فعل الشيطان لشغل قلب المصلي كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه. قلت: الشيطان اسم لكل متمرد، قال في " الصحاح ": كل عات متمرد من الإنْس والجن والدواب فهو شيطان، فعلى هذا يحمل الكلام على ظاهره، أو يكون هذا من باب التشبيه البليغ، نحو: زيد أسد، شبه ا"ر بين يديه بالشيطان لاشتراكهما في شغل قلب المصلي والتشْويش عليه.

_ (1) سورة الذاريات: (10) .

فإن قيل: المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي أو هو من أجل ا"رّ؟ قلت: الظاهر أنه من أجل ا"ر؛ يدل عليه قوله عليه السلام: " لأن يقف أربعين خير له من أن يمرّ بين يديْه " (1) . وقال في حق المصلي- أي الصلاة -: " لا يقْطعها شيء " ثم المقاتلة إنما تكون بعد الدفع، لاحتمال أن يكون ا"ر ساهياً، أو لم ير المصلي، أو لم يتبين له أنه يُصلي، أو فعله عامداً، فإن رجع حصل المقصود، فإن لم يرجع قُوتل. وحكى السفاقسي عن أبي حنيفة بطلان الصلاة بالدفع، وهو قول الشافعي في " القديم ". وقال ابن المنذر: يدفع في نحره أول مرة ويُقاتله في الثانية، وقيل: يُؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويُؤنّبه، وقيل: يدفعه دفعاً أشد من الردّ منكراً عليه، وهذا كله ما لم يكثر، فإن كثر فسدت صلاته. وضمّن عمر بن عبد العزيز رجلاً دفع آخر وهو يُصلي فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 679- ص- نا محمد بن العلاء: نا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: رسولُ الله- عليه السلام -: " إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ثم ساق معناه (2) . ش- أبو خالد: الأحمر، ومحمد: ابن عجلان. قوله: " وليدن منها " أي: ليقرب من السترة. قوله: " ثم ساق معناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. ورواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا صلى

_ (1) يأتي بعد ثلاثة أحاديث. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: منع ا"ر بين يدي المصلي (258 / 505) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته (2 / 66) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ادرأ ما استطعت (954) .

أحدكم إلى سترة فليدن منها، فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها، ولا يدع أحداً يمر بين يديْه ". انتهى. قلت: وإسناد أبي داود صحيح- أيضاً- وكذا قال الشيخ محي الدين في " الخلاصة ". 680- ص- نا أحمد بن أبي سُريج الرازي: أنا أبو أحمد الزبيري: أنا مَسَرَّةُ بن مَعْبد اللخمي- لقِيتُه بالكوفة- / قال: حدثني أبو عبيد حاجب [1 / 233- ب] سليمان قال: رأيتُ عطاء بن يزيد الليثي قائماً يُصلّي فذهبتُ أمُرُّ بين يدَيْه فَردّني ثم قال: حدثنى أبو سعيد الخدريّ أن رسول الله قال: " من استطَاع منكم أن لا يحول بَيْنه وبين قِبْلته أحد فليَفْعَل " (1) . ش- أحمد بن أبي سُريج: هو أحمد بن الصباح النهشلي، وأبو أحمد الزبيري [] (2) . ومَسرة بن معبد اللخمي: من بني أبي الحرام الفلسطيني، كان يسكُن كورة بيْت جبرين، وهي على فراسخ من بيت المقدس. سمع: أبا عبيد حاجب سليمَان بن عبد الملك، والزهري، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: أبو أحمد الزبيري، وضمرة بن ربيعة الرملي، والوليد بن النضر الرملي، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ ما به بأس. روى له: أبو داود (3) . وأبو عُبيد: اسمه: حُيى، ويقال: حُوَي حاجب سليمان ومولاه. روى له: البخاري، وأبو داود (4) . قوله: " أن لا يحول " أي: أن لا يفصل بينه وبين قبْلته أحد فليفعل ذلك. وفي " المصنف ": حدَثنا أبو معاوية، عن عَاصم، عن ابن سيرين قال: كان أبو سعيد قائماً يُصلي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) بياض قدر كلمة. (3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (27 / 5900) . (4) المصدر السابق (34 / 7492) .

ابن هشام يمر بين يديْه فمنعه وأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ ! فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذتُ. 681- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا سليمان- يعني: ابن المغيرة -، عن حميد- يعني: ابن هلال- قال: قال أبو صالح: أحدثك عما رأيتُ من أبى سعيد وسمعتُه منه، دخل أبو سعيد على مروان فقال: سمعت رسولَ الله- عليه السلام- يَقُول: " إذا صلى أحدُكم إلى شيء يَسْتُره من الناسِ فأراد أحد أن يجتاز بن يدَيْه فليَدْفعه (1) في نَحره، فإن أبى فليُقاتله، فإنما هو شيطان " (2) . ش- حُميد: ابن هلال بن هُبيرة البصري، أبو نصر العَدوي- عدي تميم-، روى عن: عتبة بن غزوان، وعبد الله بن مغفل. وسمع: أنس بن مالك، وأبا قتادة العدوي، وعبد الله بن الصلت، وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وأيوب السختياني، وشعبة، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (3) . وأبو سعيد الخدري، ومروان بن الحكم بن أبي العاص، وقد ذكرناه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم بمعناه أتم منه، فقال البخاري: نا أبو معمر: نا عبد الوارث: نا يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، أن أبا سعيد قال: قال النبي- عليه السلام-[ح] ، ونا آدم: نا سليمان بن المغيرة: نا حُميد بن هلال: نا أبو صالح قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يَستره من الناسِ، فأراد شاب من بني أبي مُعَيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في

_ (1) في سنن أبي داود: " فليدفع" (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إثم ا"ر بين يدي المصلي (501) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: منع ا"ر بين يدي المصلي (259 / 505) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7 /1542) .

104- باب: ما ينهى عنه من المرور بين يدي المصلي

صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديْه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكى إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله يقول: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يَستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديْه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ". وعند مسلم: " فليدفع في نحره، وَلْيدرأه ما اسْتطاع ". وعند ابن ماجه: " إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر فليُقاتله فإنه شيطان ". وفي " صحيح ابن حبان ": " فليدن منها " - يعني. السترة - " فإن الشيطان يَمر بينه وبَيْنها ". ص- قال أبو داود: قال سُفيان الثوريّ: يَمر الرجلُ يتبَخْترُ بَيْنَ يدي وأنا أصلي فأمْنعُه، ويَمرّ الضعِيفُ فلا أمْنعه. ش- هذا ليس بمَوْجُود في النسخ الصحيحة. قوله: " يَتبخْترُ، حَال من الرجل، التبختر في المشي: هو مشْية المتكبر المُعْجب بنفسه. وفهم من كلام سفيان أن منعه لم يكن لأجلَ كونه مارا بين يديه مطلَقا. وقد ورد ترك التعرض إلى ا"ر على ما روى أبو بكر بن أبي شيبة: نا أبو خالد الأحمر، وابن فضيل، عن داود بن أبي هند /، [1/234- أ] عن الشعبي قال: إن مرّ بين يديك فلا ترده. وقد قلنا: إن الأمر بالدفع ندب، فذا ترك الندب لا يُلام عليه، والله أعْلم. * * * 104- باب: مَا يُنهى عنه منَ المُرور ِبين يَدَي المُصلي أي: هذا باب في بيان ما نُهِي عنه من الجواز بين يدي المُصلي، وفي بعض النسخ: " باب النهي عن المرور بين يدي المصلي ". 682- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر مولى عُمر بن

عُبيد الله، عن بُسْر بن سعيد، أن زيد بن خالد الجُهني أرسله إلى أبي جُهَيْم يَسْأله ماذا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في ا"رّ بين يدي المُصلي، فقال أبو جُهيم: قال رسولُ الله: " لو يَعلمُ ا"رُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يَقفَ أربعين خيرٌ له من أن يَمرّ بين يديه " (1) . قال أبو النضر: لا أدْري قال: أربعين يوماً أو شهرا أو سنةً. ش- مالك: ابن أنس، وأبو النضر: اسمه سالم بن أميّة المدني القرشي. وبُسْر بن سعيد: بالسين المهملة، المدني، مولى ابن الحضرمي. سمع: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: أبو النَّضْر سالم، وبكير بن عبد الله الأشج، ويعقوب بن عبد الله الأشج، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن سَعْد: وكان من العُباد المنقطعين، وأهل الزهد في الدنيا، وكان ثقة كثير الحديث ورعاً. مات بالمدينة سنة مائة. روى له الجماعة (2) . وزَيْد بن خالد الجهني: الصحابي قد ذكر مرةً. وأبو جُهَيْم: هو ابن الحارث بن الصمّة بن عمرو بن عتيك بن عمرو ابن مبذول- وهو عامر- بن مالك بن النجار الأنصاري، قيل: اسمه: عبد الله، اتفقا له على حديثين. روى عنه: بُسْر بن سعيد، وعُمير مولى ابن عباس. روى له الجماعة (3) .

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إثم ا"ر بين يدي المصلي (510) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: منع ا"ر بين يدي المصلي (261 / 507) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية المرور بين يدي المصلي (336) ، النسائي: كتاب القبْلة، باب: التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته (2 / 65) ، ابن ماَجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: المرور بين يدي المصلي (945) (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/688) . انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4 / 36) ، وأسد الغابة (6 / 59) والإصابة (4 / 36) .

قوله: " ماذا عليه " محله نصبٌ على أنه مفعول لقوله: " لو يعلم " أي: ماذا عليه من الإثم والخطيئة. قوله: " لكان" جوابُ " لو". قوله: " أن يقف " أن مصدرية، والتقدير: لكان وقوفه، وهو في محل الرفع على أنه اسم كان وخبره: قوله: " خيراً " في رواية نصب " خيراً " وأما في رواية رفع " خيرٌ " فيكون ارتفاعه على أنه اسم " كان "، ويكون " أن يقف " في محل النصب خبره، والتقدير: لكان خيرٌ وقوفَه. قوله: " من أن يمر " أن مصدرية - أيضا ً- مجرور بمنْ، والتقدير: منْ مروره. ومعنى الحديث: النهي الأكيد والوعيد الشديد. قوله: " لا أدري قال: أربعين يوماً " أي: لا أدري قال أبو الجهيم عن الرسول: أربعين يوماً أو أربعين شهرا أو أربعين سنة، وذلك لأنه لا بد من مميّز للعدد المذكور ولايح (1) ذلك عن هذه الأشياء. والحديث: أخرجه الستة في كتبهم، وعند ابن ماجه: نا هشام بن عمار: نا ابن عيينة، عن أبي النضر، عن بُسْر قال: أرسلوني إلى زيد ابن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، فأخبرني عن النبي- عليه السلام- قال: " لأن يقوم أربعين خير له من أن يمرّ بين يديه " قال سفيان: فلا أدري: أربعين سنة أو شهرا أو صباحا أو ساعةً؟ ، وفي (2) " مسند البزار ": أخبرنا أحمد بن عَبْدة: حدثنا سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد قال: أرسلني أبو جَهيم إلى زيد ابن خالد أسأله عن ا"ر بين يدي المُصلي ماذا عليه؟ فقال: سمعت رسول الله يَقولُ: " لو يعلم ا"ر بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقفَ أربعين خريفاً خير له من أن يقوم بين يدَيه ". انتهى.

_ (1) كذا، ولعلها بمعنى: " لا يخرج ". (2) انظر: نصب الراية (2 / 79) .

قلت: وفيه شيئان، أحدهما: قوله: " أربعين خريف"، الثاني: أن مَتْنه عكس متن " الصحيحين "، فالمسئول في لفظ " الصحيحين " هو أبو الجهيم، وهو الراوي عن النبي- عليه السلام-، وعند البزار: المسئول: زيد بن خالد. ونسب ابن القطان، وابن عبد البر الوهم فيه إلى ابن عيينة، وقال ابن القطان في كتابه بعد أن ذكره من جهة البزار: وقد خطأ الناسُ ابن عُيينة في ذلك لمخالفته رواية مالك، وليس خطؤه بمتعين، لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بُسر بن سعيد إلى زيد بن خالد، وزيد ابن خالد بعثه إلى أبي جُهيم بعد أن أخبره بما عنده ليَستثبته فيما عنده، [1/234-ب] فأخبر كل واحد منهما بمحفوظه، وشك أحدهما وجزم الأخر بأربعين / خريفاً، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر وحدث به. وقال ابن عبد البر في " التمهيد ": روى ابن عُيينة هذا الحديث مقلوبا، فجعل في موضع زيد بن خالد أبا جهيم، وفي موضع أبي جهيم زيد بن خالد، والقول عندنا قول مالك ومن تابعه، وقد تابعه الثوري وغيرُه. وروى ابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة مرفوعا: " لو يعلمُ أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأنْ يُقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطى " (1) . وقال الطحاوي: وهذا عندنا متأخر عن حديث أبي جهيم. وروى الطبراني في " الأوسط " عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن الذي يمر بين يدي المصلي عمدا يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ". وفي " المصنف " عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم ا"ر بين يدي المُصلي ما عليه لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه ". وقال عمر: لكان يقوم حولا خير له من مروره. وقال كعب الأحبار: لكان أن يخسف به خير له من أن يمر بين يديْه. * * *

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

105- باب: ما يقطع الصلاة

105- باب: مَا يَقْطعُ الصّلاةَ أي: هذا باب في بيان ما يقطع الصلاة. 683- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة. ح ونا عبد السلام بن مُطهّر، وابن كثير المعنى، أن سليمان بن المغيرة أخبرهم عن حُميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر. قال حفص: قال: قال رسول الله- عليه السلام- (1) ، وقالا: عن سليمان قال: قال أبو ذر: " يقطعُ صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يديه قِيدُ آخرة الرحْل: الحمارُ، والكلبُ الأسْودُ، والمرأةُ " فقلت: ما بالُ الأسْود من اَلأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: نا ابن أخي، سألتُ رسولَ الله عما (2) سألتني فقال:، الكلبُ الأسودُ شيطان " (3) . ش- عبد السلام بن مطهر: ابن حسام أبو ظفر الأزدي البصري. روى عن: شعبة، وسليمان بن المغيرة، وجعفر بن سُليمان، وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، وأحمد بن أبي خيثمة، وأبو زُرعة، وأبو حاتم وقال: صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتي (4) . وابن كثير: هو محمد بن كثير البصري، وعبد الله بن الصامت: هو ابن أخي أبي ذر الغفاري، وحَفْص: هو ابن عمر البصري المذكور

_ (1) في سنن أبي داود: " يقطع صلاة الرجل، وقالا ... " (2) في سنن أبي داود:" كما ". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي (265 / 510) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أنه لا يقطع الا الكلب والحمار والمرأة (338) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين المصلي سترة (2 / 63) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يقطع الصلاة (952) ، كتاب الصيد، باب: صيد كلب المجوس والكلب الأسود البهيم (3210) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3426) .

قوله:"وقالا" يعنى: عبد السلام بن مطهر، ومحمد بن كثير " عن سليمان " وهو: ابن المغيرة. قوله: " قِيدُ آخِرة الرحل " أي: قدر مؤخر الرحل، واعلم أن قِيد وقادَ وقاسَ وقِيسِ وقدى وقَاب كلها بمعنى القدر، وقد قيل في قوله تعالى: " قابَ قَوْسيْنِ " (1) إن القوس: الذراع بلغة أزْد شَنُوءَةَ، وقيل: القابُ: ظفر القوس، وهو ما وراء معْقد الوتر. وارتفاع " قِيدُ " على أنه اسم " لم يكن ". قوله: " الحمارُ " مرفوع على أنه فاعل قوله: " يقطعُ " وصلاة الرجل: مفعوله. واختلف العلماء في هذا الحديث، فقال بظاهره غير واحد من الصحابة والتابعين، وهو قول ابن عمر، والحسن البصري. وقالت طائفة: يقطع الصلاة: الكلبُ الأسودُ، والمرأة الحائض، رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. وقالت طائفة: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود رُوِيَ ذلك عن عائشة، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وقال أحمد: في قلبي من المرأة والحمار شيء. وقالت طائفة: لا يقطع الصلاة شيء، رُوِيَ هذا القول عن عليّ، وعثمان، وكذلك قال ابن المسيّب، وعَبيدة، والشعبي، وعروة بن الزبير، وإليه ذهب مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والشافعي، وهو قول أصحابنا وقول أبي ثور. وقال بعض أصحابنا: الصلاة لا يقطعها ما يمرّ بين يدي المُصلي بوجه من الوجوه ولو كان خنزيرا، وإنما يقطعها ما يُفسدها من الحدث وغيره مما جاءت به الشريعة. والجواب عن الحديث: أن المراد بالقطع: المبالغة في الخوف على فسادها بالشَّغْل بهم، كما يُقالُ: قطعت عنق أخيك أي: فعلت به فعلا يخاف علي هلاكه منه كمن قطع عنقه. وذهب بعضهم إلى أن حديث

_ (1) سورة النجم: (9) .

أبي ذر وما في معناه منسوخ، وقيل: فيه نظر، لأن الجمع ممكن / ولا (1/235-أ) يتحقق التاريخ. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بنحوه مختصرا ومطولا. 4 ملا- ص- نا مسدّد: نا يحيى، عن شعبة: نا قتادة قال: سمعت جابر ابن زيد يُحدّث عن ابن عباس- رفعَه شعبة- قال: " يقطع الصلاة: المرأة " لحائضُ، والكلبُ " (1) . ش- أي: رفعه شعبة بن الحجاج إلى النبي- عليه السلام-. وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وفي حديث ابن ماجه: " والكلب الأسود ". وقال الطحاوي: أجمعوا أن مرور بني آدم بعضهم ببعض لا يقطع الصلاة، رُوِيَ ذلك عن النبي- عليه السلام- من غير وجه من حديث عائشة وأم كلمة ومَيْمونة أنه كان يُصلي وكل واحدة منهن معترضة بيْنه وبن القِبْلة، وكلها ثابتة. وقد رُوِيَ عن الرسول- عليه السلام- رد المصلي مَنْ مرّ بين يديه، فدل ذلك على ثبوت النسخ عنه- عليه السلام- أو أنه على وجه الكراهَة. ص- أوقفه (2) سَعيد، وهشام، وهمام، عن قتادة، عن جابر بن زيد على ابن عباس. ش- أي، أوقف الحديث المذكور: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيي، عن قتادة بن دعامة، عن جابر بن زيد. قوله: " على ابن عباس " متعلق بقوله: " أوقفه ". وأما جابر بن زيد: فهو أبو الشعثاء اليَحْمدي الجَوفي- بالجيم - من ناحية عمان، وقيل: موضع بالبصرة يقال له: درب الجَوْف البصري.

_ (1) النسائي: كتاب القِبْلة، باب: ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (2 / 63) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يقطع الصلاة (949) . (2) في سنن أبي داود:" قال أبو داود: وقفه ".

سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والحكم بن عمرو الغفاري. روى عنه: عمرو بن دينار، وقتادة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (1) . 685- ص- نا محمد بن إسماعيل البصري: نا معاذ: نا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحْسبُه عن رسول الله قال: " إذا " صلى أحدُكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاتَه: الكلبُ، والحمارُ، والخنزيرُ، واليهوديُّ، والمَجُوسي، والمرأةُ، ويُجزئ عنه إذا مَروا بَيْن يديه على قذفة بحجر " (2) . ش- محمد بن إسماعيل: ابن أبي سَمينة أبو جعفر البصري، روى البخاري حديثاً عن محمد بن أبي غالب، عنه، وروى عنه: أبو داود، وأبو يعلى الموصلي. قال البخاري: كان قد قدم بغداد ثم خرج إلى الثغر، فمات به سنة ثلاثين ومائتين (3) . ومعاذ: ابن فَضالة البَصْري الزهراني، ويُقال: القرشي مولاهم، ويقال: الطفاوي. سمع: الاستوائي، والثوري، وابن لهيعة، وغيرهم. روى عنه: ابن وهب، والبخاري، وأبو حاتم وقال: ثقة صدوق (4) . وهشام: الدستوائي، ويحيى: ابن أبي كثير. قوله:" ويُجزئ عنه " أي: عن الذي صلى إلى غير السترة " إذا مروا " أي: هؤلاء المذكورون. قوله: " على قذفة " أي: رَمْية بحجرٍ. وقال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أرَ أحداً جاء به عن هشام ولا يَعْرفه، ولم أر أحداً يحدث به (5)

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 866) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 5065) . (4) المصدر السابق له (28/ 34 0 6) . (5) في سنن أبي داود: وجاء به".

عن هشامِ، وأحْسبُ الوهم من ابن أبى سمينة (1) ، والمنكر فيه: ذكر المجوسي، وفيه:" على قذفة بحجر "، وذكرَ الخنزير، وفيه نكارة. قال: ولم أسْمع هذا الحديث إلا من ابن أَبي سمينة (2) ، وأحْسبه وهم لأنه كان يُحدثنا من حفظه. وقال ابن القطان: ليس في سنده متكلم فيه، غير أن علته بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يُقال: إنه مرفوع، وفي " العِلل " لابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن حديث رواه عُبَيس بن ميمون، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يَرفعه: " يقطع الصلاة: " لكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ، واليهوديُ، والنصراني، والمجوسي، والخنزيرُ "، فقال: هذا حديث منكر. وهو عند مسلم: " يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار ". وكذا رواه ابن مغفل عند ابن ماجه بسند صحيح. 686- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، من سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران فال: رأيت رجلاً بتبُوكَ مُقعدا فقالَ: مررتُ بين يدي النبي- عليه السلام- وأنا على حمار وهو يُصلي فقال: " اللهم اقطعْ أثرَه " فما مَشيتُ عليها بَعدُ (3) . ش- يزيد بن نمران: ابن يزيد بن عبد الله المذْحجي الذماري، ويقال: يزيد بن غزوان. روى عن: عمر بن الخطابَ، وأبي الدرداء، وعن: مُقْعَد المذكور. روى عنه: مولى له اسمه: سعيد، وإسماعيل بن عبيد الله ابن أَبي المهاجر. روى له: أبو داود (4) . / قوله: (بتبوك " أي: في تبوك، وهي بفتح التاء المثناة من فوق، وضم (1/235-ب) (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: " ويعني: محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم ". (2) في سنن أبي داود: " محمد بن إسماعيل بن سمينة " (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32 / 0 6 0 7) .

الباء الموحدة، بُليدة بين الحجْر والشام، وبها عين ونخيل، وقيل: كان أصحاب الأيكة بها، وهي لا تنصرف للعلمية والتأنيث. قوله: " مُقْعدا "- بضم الميم وسكون القاف - وهو الذي لا يقدر على القيام لزَمَانة به، كأنه قد ألْزم القُعودَ، وقيل: هو منَ القُعَاد، وهو داء يأخذ الإبل في أوراكها، فيُميلها إلى الأرض. وقال الشيخ زكي الدين في " مختصره ": ومولى يزيد مجهول. قلت: قد ذكره عبد الغني في " الكمال " وقال: اسمه سعيد- كما ذكرناه-، ولكنه كأنه أشار به إلى ضَعف الحديث. وقال ابن القطان: هذا الحديث في غاية الضعْف ونكارة المتن وزعم الحازمي أنه على تقدير الصحة يكون منسوخا بحديث ابن عباس؟ لأن حجة الوداع بعد تبوك فافهم. 678- ص- نا كثير بن عُبيد: نا أبو حَيْوة، عن سعيد بإسناده ومعناه، زاد: فقال: " قطع صلاتَنا قطعَ الله أثرَه " (1) . ش- كثير بن عُبَيْد: ابن نمير الحمْصي، إمام جامع حمص. سمع: أيوب بن سُويد الرمْلي، وابن عُيينة، ووكيعاً، وأبا حَيْوة، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. توفي سنة سبع وأربعين ومائتْين (2) . وأبو حيوة: شريح بن يزيد الحَضرمي الحمْصي المقرئ. روى عن، شعيب بن أبي حمزة، وصفوان بن عَمرو، وأرطاة بن المنذر، وغيرهم. روى عنه: ابنه: حَيْوة، ويحيى بن عثمان، والوليد بن عتبة، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي (3) . وسعيد: ابن عبد العزيز المذكور. قوله: " قطع صلاتنا " أي: فعل فعلا يخاف منه القطع، لا أنه قطع

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 4949) . (3) المصدر السابق (12 / ص455)

حقيقة، و" قطع " الثاني إنشاء في صورة الإخبار بمعنى: اللهم اقطع أثره، ويستفاد منه: أن المصلي إذا دعى على من يمرّ بين يدَيْه فلا بأس علي. ص- قال أبو داود: رواه أبو مُسْهِرٍ، عن سَعيدٍ قال (1) : " قطع صلاَتنا " ش- أبو مسهر: عبد الأعلى بن مسْهر. وأشار بهذا أن في رواية أبي مُسْهر، عن سعيد بن عبد العزيز: " قطع صلاتنا " كرواية أبي حيوة عنه. 688 - ص- نا أحمد بن سعيد الهمْداني ح، ونا سليمان بن دَاوُد: أنا ابن وهب قال: أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا برجل (2) مُقْعد فسأله عن أَمْره فقال: سأحدثك بحديث (3) فلا تُحدِّثْ به ما سمعْت أنيً حب: إنّ رسول الله " شَي " نزلَ بتبوِك إلى نخلة فقال: " هذه قبْلتُنا "، ثم صلّى إليها قالَ: فأقبلتُ وأنا غلام أسْعى حتىِ مَررًتُ بَيْنه وبَيْنها فَقال: " قطعَ صلاتنا قطع الله أثره " فما قمتُ عليها إلى يوْمي هذا (4) . ش- مُعاوية: ابن صالح الحمصي قاضي الأندلس. وسَعيد بن غزْوان. روى عنه: أبيه، وصالح بن يحيى بن المقدام. روى عنه: معاوية بن صالح، والحارث بن عبيدة الكلاعي. روى له: أبو داود (5) . وفي " الكمال " (6) : غزوان روى عن رجل مقعد بتبوك، روى عنه: ابنه: سعيد بن غزوان، روى له: أبو داود (7) . قوله: " وهو حاج " أي: قاصد الحج.

_ (1) في سنن أبي داود:، " قال فيه ". (2) في سنن أبي داود: (فإذا هو برجل ". (3) في سنن أبي داود:، فقال له: سأحدثك حديثا ". (4) تفرد به أبو داود. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6058) . (6) كذا انتقل إلى ترجمة أبيه مباشرة. (7) المصدر السابق (23 / 4687) . 18. شرح سنن أبى داود 3

106- باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه

قوله: " أني حي " بفتح الهَمْزة في محل المفعولية، والتقدير: ما سمعْت حياتي في الدنيا. قوله: " إن رسول الله " بكسر الهمزة، لأنه ابتداء كلام. قوله: " عليها " أي: على رجْلي، وليس ب " ضمار قبل الذكر لوجود "القرينة. * * * 106- باب: سترة الإِمَام سترة لِمَنْ خَلفَه أي: هذا باب في بيان أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. 689- ص- نا مسدد: نا عيسى بن يونس: نا هشام بن الغاز، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: هبطنا مع النبي- عليه السلام- من ثَنية أذَاخِرَ، فحضرتِ الصلاةُ فصَلى إلى جَدْرٍ فاتخذه قبلةً ونحن خَلفه فجاءت بَهْمة تمر بين يدَيْه، فما زال يُدارئُها حتى لصق بَطنُهَ بالجدر، ومرّت من ورائه، أو كما قال مُسدد (1) . ش- عيسى بن يونس: ابن أبي إسحاق السبيعي. وهشام بن الغار: ابن ربيعة الجرشي، أبو عبد الله الشامي الدمشقي، نزل بغداد. سمع: نافعا، وعطاء، وعمرو بن شعيب، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وعيسى بن يونس، والوليد بن مسلم، وغيرهم. قال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس به بأس. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. روى له: البخاريّ، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: " من ثنية " الثنية: اسم لكل فج في جبلِ يخرجك إلى فضاء؟ وقيل: لا تسمى ثنيةَ حتى تكون مَسلوكةَ، وقال ابن الأثير: الثنية في

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30 /6588)

الجبل كالعقبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه. قوله: " أذاخر " - بفتح الهمزة، وبعدها ذال معجمة مفتوحة، وخاء معجمة مكسورة وراء-: موضع بين مكة والمدينة، وكأنها مسماة بجمع " الإِذخِر. قوله: (فصلى إلى جَدْر " - بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة - / الجَدْر، والجدار: "الحائطُ. (1/236-أ) قوله: " بَهْمة " البَهْمة: اسم للذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش والغنم والمعْز، وقيل: البهمة: السَخْلة. وقيل: البهمة اسم للأنثى، لقوله- عليه السلام- للراعي: ما ولدتَ؟ قال: " بهمة. قال: " اذبح مكانها شاةً " (1) ، فلولا أن البهمة اسم لجنس خاص " كان في سؤاله صلى الله عليه وسلم الراعيَ وإجابته عنه بهمة كثير فائدة، إذْ يُعْرف أن ما تلد الشاة: إما يكون ذكرا أو أنثى، ف" أجاب ببهمة فقال: " اذبح مكانها شاة، دَل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي: دع هذه الأنثى في الغنم واذبح مكانها شاةً. وفيه فوائد، الأولى: أن سترة الإمام هي سترة للقوم، حيث صلى رسول الله- عليه السلام- إلى جَدْرٍ والناس خلفه، وفيه التبويبُ. الثانية: أن مرور الحيوان بين يدي المُصلي لا يقطع الصلاة، لأن البهمة وإن كانت مرت من خلف النبي- عليه السلام-، ولكنها من بين يَدي القوم وسترته سترتهم. والثالثة: المدارأةُ بالمار مهما أمكن حتى لا يمر من بين يدَيْه. 690- ص- نا سليمان بن حرب، وحفص بن عمر قالا: نا شعبة، عن

_ (1) تقدم برقم (131) باب في الاستتار.

107- باب: من قال: المرأة لا تقطع الصلاة

عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس أن النبي- عليه السلام- كان يُصلي فذهب جَدْي يمرّ بين يدَيْه فجعلَ يتّقِيه (1) . ش- عمرو بن مُرة: ابن عبد الله المرادي الكوفي. ويحيى بن الجزار- بالجيم والزاي المعجمة وآخره راء- العرني (2) الكوفي، يلقب " زَبّان "- بالزاي والباء الموحدة-. سمع: عليا، وابنه: الحُسن بن علي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. روى عنه: الحكم بن عتيبة، وعمرو بن مرة، والحسن العرني (2) . قال أبو حاتم وأبو زرعة: هو ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (3) . قوله: " فذهب جَديٌ " الجدي- بفتح الجيم وسكون الدال المهملة-: الصغير من ولد المعز، وجمعه في الكثرة: جداء، وثلاثة أجْد، ولا تقل في الكثرة: الجَدايا ولا الجِدْ- بكسر الجيم. قوله: " فجعل يتقي" أي: جعل رسول الله يحترز من مروره من بَيْن يديْه، ويدارئه حتى لا يمرّ من بين يديه. * * * 107- باب: مَنْ قال: المرأةُ لا تَقْطعُ الصَّلاةَ أي: هذا باب في بيان من قال: إن المرأة إذا مرت من بين يدي المصلي لا تقطع صلاته. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في أن المرأة لا تقطع الصلاة ". 691- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن عروة،عن عائشة قالت: كنتُ بين النبي- عليه السلام- وبَيْن القِبْلة. قال شعبة: وأحسبها قالت: وأنا حائض (4) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل:" الغرني " خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31 /6800) . (4) تفرد به أبو داود.

ش- سَعْد بن إبراهيم: ابن عبد الرحمن بن عَوْف قاضي المدينة. قوله: " وأحسبها قالت " أي: وأحسب عائشة قالت: والحال أنا حائض في ذلك الوقت. والحديث دَلّ على أن مرور المرأة من بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، لأن المعترضة الحائض بَيْنه وبن القِبْلة إذا لم تقطع فا"رة بطريق الأولى، وهو وأمثاله حجة على من يرى أن المرأة تقطع الصلاة. ص- قال أبو داود: رواه الزهري، وعطاء، وأبو بكر بن حفص، وهشام ابن عروة، وعراك بن مالك، وأبو الأسْود، وتميم بن سلمة- كلهم-، عن عروة، عن عائشة (1) ، وأبو الضحى، عن مسروق، عن عائشة، والقاسم ابن محمد، وأبو سلمي، عن عائشة، ولم يذكر واحد منهم (2) : "وأنا حائض ". ش- أي: روى هذا الحديث: الزهريّ، وعطاء بن أبي رباح، وأبو بكر: عبد الله بن حفص بن عمر بن سَعْد بن أبي وقاص، وعراك ابن مالك: المدني، وأبو الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن الأسود الأسدي المدني. وتميم بن سلمة: السُّلَمي الكوفي، وهو رأى عبد الله بن الزبير، وسمع أخاه: عروة بن الزبير، وشريحا (3) القاضي، وعبد الرحمن بن هلال. روى عنه: طلحة بن مصرف، والأعمش، ومنصور بن المعتمر. قال ابن معين: ثقة. مات سنة مائة. روى له الجماعة، البخاري " استشهادا (4) . قوله: " كلهم " أي: كل هؤلاء المذكورون رووا الحديث المذكور عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة أم المؤمنين.

_ (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: " وإبراهيم عن الأسود، عن عائشة ". (2) في سنن أبي داود: " ولم يذكروا ". (3) في الأصل: " شريح ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 803) .

قوله: " وأبو الضحى " أي: رواه أبو الضحى / مُسلم بن صُبيح- بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- العطار الكوفي الهَمْداني مولى يل سعيد بن العاص. سمع: ابن عباس، وابن عمر، والنعمان بن بشير، ومَسْروق ابن الأجدع، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات في خلافة عمر ابن عبد العزيز. روى له الجماعة (1) . والقاسم بن محمد: ابن أبي بكر الصديق، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله:" ولم يذكر واحد منهم " أي: من هؤلاء المذكورين في روايتهم عن عائشة:" وأنا حائض ". 692- ص- نا أحمد بن يونس: نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة أن رسول اله كان يُصلي صلاةَ (2) من الليل وهي معترضة بَيْنه وبين القِبْلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه حتى إذا أراد أن يُوتر أيْقظها فأوترتْ (3) . ش- زهير: ابن معاوية. قوله: " وهي معترضة، جملة اسمية وقعت حالا " وقوله: " راقدة " خبر بعد خبرِ. قوله: وعلى الفراش الذي يرقد عليه " أي: الفراش الذي ينام عليه رسول الله- عليه السلام -. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه من حديث الزهري، عن عروة. ويستفاد من الحديث فوائد؛

_ (1) المصدر السابق (27 / 5931) . (2) في سنن أبي داود:" صلاته ". (3) البخاري: كتاب الصلاة، باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء (515) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي (267 / 512) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنة فيها، باب: من صلى وبينه وبين القبلة شيء (956) .

الأولى: استدلت به عائشة والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل. الثانية: فيه جواز صلاة الرجل إليها، وكرهه البعض لغير النبي- عليه السلام- لخوف الفتنة بها، وتذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي- عليه السلام- منزّه عن هذا كله، مع أنه كان في الليل والبيوت يومئذ ليس فيها مَصابيح. الثالثة: استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه. الرابعة: استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها. 693- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن عبيد الله قال: سمعت القاسم يُحدث عن عائشة قالت: بئسَ ما عدَلتمونا بالحمار والكلب، لقد رأيت رسولَ الله يُصلي وأنا معترضة بين يدَيْه، فإذا أراد أن يَسْجد غمز رجلي فضممتها إلى ثم سجَد (1) ، (2) . ش- يحيى: القطان، وَعُبَيْد الله: ابن عمر بن حفص، والقاسم: ابن محمد بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-. قوله: " بئس ما عدَلتمونا " اعلم أن " بئس " من أفعال الذم كما أن " نعم، من أفعال المدح، وشرطهما: أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرّفا باللام، أو مضافا إلى المعرف بها، أو مُضمرا مميزا بنكرة منصوبة، وقد ذكرناه مستوفى في " نعم ". وأما بيان هذا الكلام فقوله مَا يجوز أن يكون بمعنى،" الذي " ويكون فاعلاَ لبئِس والجملة- أعنى " عدلتمونا "- صلة له، ويكون المخصوص بالذم محذوفا، والتقدير: بئس الذي عدلتمونا بالحمار ذلك الفعلُ، ويجور أن يكون فاعل بئس مُضمرا مميزا، وتكون الجملة بعده صفة له،

_ (1) في سنن أبي داود:" يسجد ". (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد (519) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من مس الرجلِ امرأتَه من غير شهوة (1 / 102) .

والمخصوص- أيضاً- محذوفا، والتقدير: بئس شيئاً ما عدلتمونا بالحمار شيء، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ، وخبره يكون الجملة التي قبله، ومعنى " عدلتمونا بالحمار ": جعلتمونا مثله، ونظيره من قولك: عدلتُه بهذا إذا سوّيت بينهما وكذلك عادلتُ. قوله: " غمز رجلي " قال الجوهري: غمزت الشيء بيدي، وقال: وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قوم كسرتُ كعوبَها أو تَسْتقيما وغمزته بعَيْني، قال تعالى: " وإذا مروا بهم يتغامزون " (1) والمراد هاهنا: الغمز باليد. وفيه حجة لأصحابنا، لأن الأصل فني الرجل أن يكون بغير حائل عرفا، وكذلك اليد، كذا قاله ابن بطال وقال: وقول الشافعيّ: " كان غمزه إياها على ثوب " فيه بعدٌ. انتهى. وأيضا- من الجائز أن يمسّ منها عضوا بغير حائل، لأن المكان إذا كان بغير مصباح لا يتأتي فيه الاحتراز كما إذا كان فيه مصباح، والنبي- عليه السلام- في هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية، إذ من المعلوم أن الله تعالى عصمه في جميع أفعاله وأقواله. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وفي رواية البخاري- أيضاً- عن عائشة أنها قالت: لا كنت أنامُ بين يدي رسول الله ورجْلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت برجلي، وإذا قام بَسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ". (1/237-أ) ومن حديث الزهري، عن عروة، عنها: كان يُصلِّي وهي بَيْنهُ وبين القِبْلة على فراش أهله اعتراض الجنازة. ومن حديث عراك، عن عروة، أن النبي- عليه السلام- كان يُصلي وعائشة معترضة بَيْنه وبن القِبْلة على الفراش الذي ينامان عليه. وعند مسلم: كان يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين

_ (1) سورة المطففين: (30) .

القبْلة على فراش أهله اعتراض الجنازة. وفي لفظ: يصلي وسط السرير وأَنا مضطجعة بينه وبين القبْلة، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالا من قبل رجلَيْه. وفي لفظ: وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما قالت: أصابني ثوبه إذا سجد. وفي لفظ: عليّ مرْط وعليه بعضُه. 694- ص- نا عاصم بن النضر: ثنا المعتمر: نا عبيد الله، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: كنت أكون نائمةً ورجْلاي بَيْن يدي رسول الله وهو يُصلي من الليل، فإذا أرادَ أن يَسْجد ضربَ رجْلي فقبضتها (1) ، فسَجد (2) . ش- عاصم بن النضر: ابن المنتشر الأحول التيمي البصري. روى عن: معتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث. روى عنه: موسى بن إسحاق الأنصاري، ومُسلم، وأبو داود، وروى النسائي، عن رجل، عنه (3) . وعُبيد الله، ابن عمر العمري، وأبو النَّضْر: سالم بن أبي أميّة. قوله: " وهو يُصلي " جملة حاليّة. والحديث يدلّ على أمور، منها: جواز الصلاة إلى المرأة، ومنها: جواز الصلاة إلى نائم، ومنها: أن المرأة لا تقطع الصلاة، ومنها: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ومنها: أن الصلاة في الظلام غير مكروهة، ومنها: استحباب صلاة الليل، ومنها: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي بنحوه أتم منه. 695- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا محمد بن بشرح، ونا القعنبي:

_ (1) في سنن لبي داود: " فقبضتهما ". (2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد (519) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي (512 / 272) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة (1 / 101) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 3029) .

108- باب: من قال: الحمار لا يقطع الصلاة

نا عبد العزيز- يعني: ابن محمد، وهذا لفظه -، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: كنتُ " أنام " وأنا مُعترضة في قِبْلة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فيصلى، رَسولُ الله وأنا أمامه إذا أرادَ يُوترُ. زاد عثمان: غمزني، ثم اتفقا فقال:" تَنَحيْ " (1) . ش- عبد العزيز: الدراوردي، ومحمد بن عمرو: ابن علقمة بن وقاص. قو له: " وأنا أمامه " أي: قدامه. قوله: " زاد عثمان " أي: ابن أبي شيبة، وهذه الجملة معترضة بين قوله: " يوتر"، وبين قوله: " غمزني ". قوله: " ثم اتفقا " أي: عثمان والقعنبي. قوله: " فقال: تَنَحيْ " أي: قال النبي- عليه السلام-:" تنحي" أي: تحولي، وهو أمر من تَنَحى يتنحى، فللمذكر: تَنَح وللمؤنث: تنحَيْ- بفتح الحاء وإسكان الياء. * * * 108- باب: مَنْ قال: الحمارُ لا يقطعُ الصلاةَ أي: هذا باب في بيان مَنْ قال: الحمار لا يقطع الصلاة إذا مر بين يدي المصلي. 696- ص- نا عثمان بن أبى شيبة: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: جئتُ على حمار ح، ونا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال: أقبلتُ راكبا على أتانِ وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلامَ ورسول الله يُصلي بالناسِ بمِنىَ، فمررتُ بين يدي بعض

_ (1) تفرد به أبو داود.

الصف فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع ودخلت الصف (1) فلم ينكر ذلك أحد (2) . ش- الأتان- بالفتح- الحمارة، والجمع: " أتُن وأتُن وأتْن، ويقال: بالكسر لغة- أيضاً-، ذكره ابن عُدَيس في " المثنى "، وفي " المحكم ": الأتان: الحمارة، والمأتونا اسم للجمع، واستأتن الحمارُ صار أتانا، وفي " الصحاح ": ولا تقل أتانة، وقال ابن قرقول: جاء في بعض الحديث: أتانة، وضبط الأصيلي حمار أتان على النعت أو البدل مُنونين وجاء على حمار وجاء على أتان، فالأولى الجمع بينهما. وقال سراج بن عبد الملك: أتان وصف للحمار، ومعناه: صلب قوي مأخوذ من الأتان وهي الحجارة الصلبة، قال: وقد يكون بدل غلط، قال: وقد يكون / (1/ 237 - ب) ، البعض من الكل، لأن الحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير. وقال ابن سراج: وقد يكون على حمار أتان على الإضافة أي: على حمار أنثى، وكذا وجلله مضبوطا في بعض الأصول. قوله:" وقد ناهزت الاحتلام " ذكر في " الموعب " إذا دنى الصَبي للفطام قيل: ناهز، وقد نهز، والجارية: ناهزة، ومعنى كلامه: قارنتُ البلوغ. وقد اختلف في سنه يوم وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: خمس عشرة، وصوبه أحمد بن حنبل. وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشر سنين، وفيه بُعد، وقيل غير ذلك. قوله: " بمنى " قد مر الكلام فيه، سمي به " يُمْنى فيها من الدماء أي: يراق، َ وقيل: لأن آدم تمنى بها الجنة، وقيل: لأن الأقدار وقعت

_ (1) في سنن أبي داود: " في الصف ". (2) البخاري: كتاب العلم، باب: متى يصح سماع الصغير؟ (76) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلى (256 / 504) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء لا يقطع الصلاة شيء (337) ، النسائي: كتاب القِبلة، باب: ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (2 / 64) ، ابن ما-: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما يقطع الصلاة (947) .

على الضحايا بها فذبحت، من قولهم: منى الله عليك خيراً أي: قدره. وقيل: لأن جبريل- عليه السلام- " أتى آدم بمنى قال له: تمنّ. قوله: " ترتع " أي: تأكل وتَنْبسط وتتسع في رَعْيها مُرْسلة. والحديث: أخرجه الأئمة الستة، ولفظ النسائي، وابن ماجه: " بعرفة ". وأخرج مسلم اللفظين، والمشهور أن هذه القضية كانت في حجة الوداع. وقد ذكر مسلم حديث معمر، عن الزهري وفيه: وقال في حجة الوداع أو يوم الفتح، فلعلها كانت مرّتين. وعند البزار بسند صحيح، عن ابن عباس: أتيتُ أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله- عليه السلام- بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يَسْتره يحول بيننا وبيْنه. وعند أبي بكر بن خزيمة (1) : جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار، وفيه: وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما فنزع إحديهما من الأخرى فما بالا ذلك. وعند النسائي: فأخذتا بركبَتَي النبي- عليه السلام- ففرع بينهما ولم ينصرف (2) . وعند الطبراني: كان الفضل أكبر مني، فكان يُرْدفُني فأكون بين يدَيْه، فارتدفت أنا وأخي حمارة. وفي لفظ: ربما رأيتُه صلى الله عليه وسلم يُصلي والحمرُ تعترك بين يدَيْه. وهذا الحديث دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة. ودعم ابن القصار أن من قال: إن الحمار يقطع الصلاة قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف. قلت: هذا كلام جيّد، لولا رواية البزار من أن ذلك كان بين يدي النبي- عليه السلام-، ولا يُعارِضه حديث المُقْعد بتبوك الذي مضى ذكره، لأنه ضعيف أو منسوخ- كما ذكرناه.

_ (1) في الأصل: وأبو بكر بن أبي خزيمة " خطأ. (2) يأتي بعد الحديث الآتي.

ص- هذا لفظ القعنبي، وهو أتم. قال مالك: وأنا أرى ذلك واسعا إذا قامت الصلاة. ش- أي: هذا الذي رويناه لفظ عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو أتم من رواية عثمان بن أبي شيبة. قوله: " وأنما أرى ذلك واسعا " أي: مرور الحمار بين يدي المصلَي، والمقصود أشار به إلى أن الحمار لا يقطع الصلاة، خلافاً لمن رأى ذلك. 697- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن منصور، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء قالَ: تَذاكرنا ما يَقطع الصلاةَ عند ابن عباس فقال: جئتُ أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورَسُولُ الله بُصلِي، فنزلَ ونزلتُ فتركنا (1) الحمارَ أمامَ الصف فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالا ذلك (2) . ش- أبو عوانة: الوضاح، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن عتيبة، ويحيى بن الجزار: مر عن قريب. وأبو الصهباء: اسمه: صهيب مولى عبد الله بن عباس، وقيل: إنه بصري. وقال في " الكمال ": أبو الصهباء الكوفي. روى عن: سعيد ابن جبير. روى عنه: حماد وسعيد ابنا زيْد، وعمارة بن زاذان، والحسن بن أبي جعفر. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وفي " مختصر السنن ": وسئل عنه أبو زمعة فقال: مديني ثقة (3) . قوله: " أمام الصف " أي: قدامه. قوله: " فما بالاه " أي: فما اكترث له وهو من بَالى يبالي مُبالاةً. واستفيد من الحديث: أن الحمار والمرأة لا يقطعان الصلاة. والحديث أخرجه ابن خزيمة (4) - كما ذكرناه آنفا.

_ (1) في حق أبي داود: " وتركنا ". (2) النسائي: كتاب القبْلة، باب: ذكر ما يقطع وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (2 / 65) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33 / 7446) . (4) في الأصل:" ابن أبي خزيمة " خطأ.

109- باب: من قال: الكلب لا يقطع الصلاة

(1 / 238 -أ) / 698- ص- نا عثمان بن أي شيبة، وداود بن مخراق الفريابي: نا جرير، عن منصور بهذا الحديث بإسناده قال: فجاءت جاريتان من بني (عبد) المطلب اقتتلتا فأخذهما. قال عثمان: فَفَرَعَ بينهما، وقال داود: فنزع إحديهما من الأخرى فما بالا ذلك (1) . ش- داود بن مخراق الفريابي: سمع: سفيان بن عيينة، وعيسى بن يونس، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن موسى الفِطْري. روى عنه: أبو داود، وجعفر بن محمد الفريابي، ومحمد بن أشرس. مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (2) . وجرير: ابن عبد الحميد، ومَنْصور: ابن المعتمر. قْوله: " بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور. قوله: " قال عثمان " يعني: ابن أبي شيبة ما ففرع بينهما " أي: حجَز وفرق. قال الجوهري: فرَعتُ بينهما: حجزتُ وكففتُ. انتهى، وهو بالفاء والراء والعين المهملتين، من باب فتح يفتح، ويقال: فرغ بالتشديد يُفرع تفريعا أي: فرق تفريقا. ْقوله: " وقال داود " أي: داود بن مخراق " فنزع إحديهما " أي: إحدى الجاريتين من الأخرى. والحديث: أخرجه النسائي، وابن خزيمة (3) . * * * 109- باب: من قال: الكلبُ لا يَقْطعُ الصلاة أي: هذا باب في بيان من قال: إن مرور الكلب بين يدي المصلي لا يقطع صلاته. وفي بعض النسخ: " باب فيمن رأى الكلب لا يقطع الصلاة"

_ (1) انظر تخريج الحديث المتقدم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/ 1785) . (3) في الأصل: " ابن أبي خزيمة " خطأ.

699- ص- نا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حَدثني أبي، عن جدي، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن على، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، في الفَضْل بن عباس قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ونحن في بادية (1) ومعه عباس فصلى في صحراء ليْس بين يديه سُترة وحمارة لنا وكلبًة تعْبثان بين يديه فما بالَى ذلك (2) . ش- يحمى بن أيوب: الغافقي المصري. ومحمد بن عمر بن علي: ابن أبي طالب - كرم الله وجهه (3) -، كنيته: أبو عبد الله، وأمه: أسماء بنت عقيل بن أبي طالب، يروى عن: علي بن أبي طالب، وكثر روايته عن أبيه، وعلي بن الحُسين. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، والثوري، ويحيى بن أيوب، وغير هم (4) . وعباس0 بن عبيد الله بن العباس: ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي. روى عن: الفضل بن عباس. روى عنه: محمد بن عمر بن علي. روى له: أبو داود، والنسائي (5) . والفضل بن عباس: ابن عبد المطلب الهاشمي القرشي ابن عم رسول الله، أبو عبد الله أو أبو محمد أو أبو العباس، رُوِيَ له عن رسول الله أربعة وعشرون حديثا، اتفقا على حديثين. روى عنه: أخوه: عبد الله ابن عباس، وأبو هريرة، وعباس بن عبيد الله بن عباس، وخلق سواهم. مات بالشام في طاعون عَمْواس سنة ثمان عشرة وهو الأظهر، وقيل: قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة، وقيل: قتل يوم اليرموك سنة

_ (1) في سنن أبي داود: " بادية لنا " (2) النسائي: كتاب القِبلة، باب: ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (2 / 65) . (3) تقدم التعليق على خطأ هذه الكلمة في (1 / 182) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 / 5496) . (5) المصدر السابق (14 / 3130) .

أربع عشرة أو خمس عشرة، وقيل: قتل يوم مَرْج الصّفْر سنة ثلاث عشرة. روى له الجماعة (1) . قوله: " وحمارةٌ لنا " مبتدأ خضت بالصفة، و" كلبةٌ " عطف عليها، وخبره: " تعْبثان " أي: تلعبان، والعبَث: الإفْساد، وفي نسخة: "تَعِيثان " من عَاث الذئب في الغنم يعيث عَيْثا إذا أفسد، ويجوز أن يكون من عِثي يعثى عثيا إذا أفسَدَ من باب علم يعلم، ويقال: عثا يَعْثو من باب نصر ينصر، ويكون التثنية: تعثيان - بتقديم الثاء المثلثة -. ويفهمُ من الحديث مسألتان، الأولى: إذا صلى في الصحراء بلا سترة لا بأس علي. قال الأبهري: لا خلاد أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من المرور بين يديه، واختلفوا في موضع يأمن، فعن مالك قولان، وهي عند الشافعي مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث، فإن كان في الفضاء هل يصلي إلى غير سترة؟ فأجازه ابن القاسم لهذا الحديث ولحديث عبد الله. وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من السترة. وذكر عن عروة، وعطاء، وسالم، والقاسم، والشعبي، والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترةِ. الثانية: أن الحمار والكلب لا يقطعان / الصلاة، وقال بعضهم: لم يذكر فيه نعت الكلب، وقد يجوز أن يكون الكلب ليْس بأسْود، وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود. وفي كتاب أبي نعيم الدكيني بسند صحيح متصل قال: نا يونس، عن مجاهد، عن عائشة قالت: " لا يقطع صلاة المسلم إلا الهرّ الأسود، والكلب البهيم ". قال: وحدَّثنا ابن عجينة، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: ادرءوا ما استطعتم عن صلاتكم، وأشد ما يتقى عليها الكلاب. وحدَّثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجاح، عن مجاهد قال:

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/208) ، وأسد الغابة (4 / 366) ، والإصابة (3 / 8 0 2) .

110- باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء

الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة. وعن ابن طاوس قال: كان أبي يشدد في الكلاب. وحدَثنا ابن عيينة، عن أيوب، عن بكر المزني أن ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يدَيْه. وقد ذكرنا أن عند الجمهور: لا يقطع الصلاة شيء، رُوِيَ ذلك عن عثمان، وعلي، وحذيفة، وعروة، والشعبي، وغير هم. والحديث: أخرجه النسائي بنحوه، وذكر بعضهم أن في إسناده مقالا. * * * 110- باب: مَنْ قال: لا يقطعُ الصّلاةَ شيءٌ أي: هذا باب في بيان من قال: لا يقطع الصلاة شيء من الحيوان إذا مر بين يدي المصلي، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن قال: لا يقطع الصلاة شيء ". 700- ص- نا محمد بن العلاء: أنا أبو أسامة، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقطع الصلاة شي " وادرءوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان " (1) . ش- أبو أسامة: القرشي الكوفي اسمه: حماد بن أسامة بن زيد، روى له الجماعة، وقد مر مرة. ومجالد: ابن سعيد الكوفي، قد ذكرناه وفيه مقال. وأبو الوداك- بتشديد الدال- جَبْر بن نوْف البِكاليُّ. روى عن: أبي سعيد الخدري، وشريح القاضي. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ومجالد بن سعيد، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وجبر: بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، ونوف: بفتح النون وسكون الواو، وفي آخره فاء.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 895) . 19. شرح سنن أبي داوود 3

قوله: " شيء " يعني: من بني آدم وغيرهم من الحيوان. قوله: " وادرأوا " أي: ادفعوا ما قدرتم. قوله: " فإنما هو شيطان " أي: فإن الذي يمر بين يدي المصلي شيطان، وقد ذكرنا أن هذا تشبيه بليغ. والحديث: أخرجه الدارقطني ثم البيهقي. وقال محيى الدين: وحديث " لا يقطع الصلاة شيء " حديث ضعيف. " (1) وأخرج الدارقطني- أيضاً-، عن إبراهيم بن يزيد: ثنا سالم ابن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرءوا ما استطعتم. انتهى. ووقفه مالك في " المُوطأ ": حدَّثنا الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: لا يقطع الصلاة شيء، ووقفه البخاري في " صحيحه " على الزهري، فأخرجه عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري أنه سأل عمّه ابن شهاب الزهري عن الصلاة أيقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء. وروى الدارقطني- أيضاً- عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي ثمامة، عن النبي- عليه السلام - قال: " لا يقطع الصلاة شيء ". وروى - أيضا ً- عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلى بالناس، فمرّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، ف" سلم رسول الله قال: " من المُسبّح آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، فقال النبي- عليه السلام -: " لا يقطع الصلاة شيء ". وروى ابن الجوزي في " العلل المتناهية " هذه الأحاديث الثلاثة من طريق الدارقطني وقال: لا يصح منها شيء، قال في " التحقيق ": أما حديث ابن عمر، ففيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال أحمد، والنسائي: هو متروك. وقال ابن معين: ليس بشيء، وأما حديث أبي أسامة، ففيه عُفير بن معدان. قال أحمد: ضعيف منكر

_ (1) انظر: نصب الراية (2 / 76- 78) .

الحديث. وقال يحيى: ليس بثقة. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بثقة، وأما حديث أنس، ففيه صخر بن عبد الله /. قال ابن عدي: يُحدّث (1/ 239 -أ) ،عن الثقات بالأباطيل عامّة ما يَرْويه منكر، أو من موضوعاته. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه. وقال صاحب " التنقيح ": إنه وهم في صخر هذا، فإن صخر بن عبد الله بن حرملة الراوي، عن عمر بن عبد العزيز لم يتكلم فيه ابن عبدي ولا ابن حبان، بل ذكره ابن حبّان في "الثقات ". وقال النسائي: هو صالح، وإنما ضعّف ابن عدي صخر بن عبد الله الكوفي المعروف بالحاجبي وهو متأخر عن ابن حرملة. روى عن: مالك، والليث، وغيرهما. وروى الطبراني في " معجمه الوسط " (1) عن عيسى بن ميمون، عن جرير بن حازم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان رسول الله- عليه السلام- قائماً يُصلي، فذهبت شاة تمر بين يديه فساعاها حتى ألزقها بالحائط، ثم قال: " لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم "، وقال: تفرّد به: عيسى بن ميمون. وقال ابن حبان في كتابه في " الضعفاء ": عيسى بن ميمون أبو سلمة الخواص الواسطي يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (2) . 701- ص - نا مسدّد: نا عبد الواحد بن زياد: نا مجالد: نا أبو الودّاك قال: مرّ شاب من قريش بين يديْ أبي سعيد الخدري وهو يُصلى فدفعه، ثم عاد فدفعه ثلاث مرات، ف" انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسولُ الله: " وادرءوا ما استطعتم فإنه شيطان " (3) . ش- عبد الواحد بن زياد: أبو عبيدة البصري، ومجالد: ابن سعيد. قوله: " وهو يصلى " جملة حالية. وفيه: ابن ا"ر إذا تقوى على المرور فللمصلي أن يدفعه إلى ثلاث مراتٍ، ولا تفسد صلاته، لأن هذا

_ (1) (7 / 7774) . (3) تفرد به أبو داود. (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

111- باب: في رفع اليدين

يمكن بيد واحدة، والعمل الكثير الذي يفسد الصلاة هو ما لا يوجد إلا باليدين. ص- وقال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبي- عليه السلام - نُظِر (1) ما عمل به أصحابُه من بعده. ش- من عادته أن يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يُعارضُه في باب آخر على إثره، و" ذكر الأبواب التي فيها انقطاع الصلاة بالشيء ثم أعقبها بهذا الباب، فكأنه أشار به إلى أن العمل اليوم على أن الصلاة لا يقطعها شيء، وهو مذهب الجمهور- كما بيناه مُفصلاً مُستوفًى، والله أعلم. * * * أَبْوابُ: استفْتاح الصّلاة أي: هذه أبواب استفتاح الصلاة، وهذه إشارة إلى بيان الأحاديث المتعلقة بأفعال الصلاة وفي بعض النسخ: " تفريع استفتاح الصلاة " (2) . والاستفتاح: طلب الفتح، والمراد منه: الافتتاح وهو الشروع فيها. وقد سمعت بعضهم يُفحم أئمة المساجد بقوله: ما مفتاح الصلاة؟ وما افتتاحها؟ وما استفتاحها؟ فالذي عنده قصور يَبْهَتُ في الفرق بَيْنها، فمراده من المفتاح: الطهور، ومن الافتتاح: تكبيرة الإحرام، ومن الاستفتاح: قراءة " سبحانك اللَّهُم وبحمدك " إلى آخره. * * * 111- باب: في رَفع اليدين (3) أي: هذا باب في بيان رفع اليدين في أول الصلاة، وفي بعض النسخ: " باب رفع اليدين " بدون (في) .

_ (1) في سنن أبي داود:" نظر إلى ماء ". (2) كما في سنن أبي داود. (3) كما في سنن أبي داود: " باب رفع اليدين في الصلاة ".

702- ص- نا أحمد بن حنبل: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا استفتح الصلاة رفع يدَيْه حتى يحاذي منكبَيْه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع. وقال سفيان. مرة: وإذا رفع رأسه، وكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفعُ بين السجدتين (1) . ش- الحديث: أخرجه الأئمة الستةُ. الكلام فيه من وجوه، الأول: في نفس رفع اليدين. قال ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله- عليه السلام- كان يرفع يدَيْه إذا افتتح الصلاة. وفي " شرح المهذب،: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح. وقال ابن المنذر: ونقل العبدري عن الزيدية أنه، لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم. وفي " فتاوى القفال " أن أبا الحسن أحمد بن سيار المروزي قال: إذا لم يرفع لم تصح صلاته، لأنها واجبة، فوجب الرفع لها بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع لها، لأنها غير واجبة. وقال النووي: وهذا مردود بإجماع من قبله. وقال ابن حزم: رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تجزئ الصلاة إلا به، وقد رُوِيَ ذلك عن / الأوزاعي. (1/239-ب) الثاني: في كيفية الرفع، فقال الطحاوي: يرفع ناشرا أصابعه مستقبلاً بباطن كفيه القِبْلة، كأنه لمح ما في " الأوْسط " (2) للطبراني من حديثه عن محمد بن حرب: نا عمير (3) بن عمران، عن ابن جرير، عن

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء (735) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود (21 / 390) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في رفع اليدين عند الركوع (255) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين (2 / 182) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (858) (2) (8 / 1 0 78) . (3) في الأصل: " محمد " خطأ.

نافع، عن ابن عمر مرفوعا: " إذا استفتح أحدكم فليرفع يديه، وليستقبل بباطنهما القِبْلة، فإن الله عَز وجَلَّ أمامه ". وفي " المحيط ": ولا يفرج بين الأصابع تفريجا كأنه يشيرُ إلى ما رواه الترمذي من حديث سعيد بن سمعان: دخل علينا أبو هريرة مسجد بني زريق فقال: ثلاث كان يعمل بهن تركهن الناسُ: كان عليه السلام إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، وأشار أبو عامر العقدي بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها، وضعفه. وقال ا"وردي: يجعل بطن كل كف إلى الأخرى. وعن سحنون: ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض. وعن القابسي: يُقيمهما محنيين شيئاً يسيراً. ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع. وقال الغزالي: لا يتكلف ضما ولا تفريقا، بل يتركهما على هيْئتهما. وقال الرافعي: يفرق تفريقا وسطا. وفي ما المغني " لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض. الثالث: إلَى أيْن يَرْفع؟ ففي " المحيطة: حذاء أذنيه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتيهما، وبرءوس أصابعه فروع أذنيه، وذلك لحديث عبد الجبار ابن وائل، ونذكره عن قريب في موضعه، ولحديث مسلم، عن مالك ابن الحويرث: " كان النبي- عليه السلام- إذا كبر رفع يدَيْه حتى يحاذي بهما أذنيه ". وفي لفظ: " حتى يجاوز بهما فروع أذنيه ". وعن أنس مثله من عند الدارقطني، وسنده صحيح، وعن البراء من عند الطحاوي: رفع يدَيه حتى يكون إبهامه قريبا من شحمتي أذنيه. وقال الشافعي وأحمد ومالك وإسحاق: حذْو منكبَيْه، مستدلا بحديث سالم، عن أبيه. وقال القرطبي: هذا أصح قولي مالك، ورواية عنه: إلى صدره. وذهب ابن حبيب إلى رفعهما إلى حذو أذنيه، ورواية: فوق رأسه وقال ابن عبد البر: رُوِيَ عن النبي- عليه السلام- الرفع مدا فوق الأذنين مع الرأس. ورُوِيَ أنه كان يرفعهما حذاء أذنيه، ورُوِيَ: حذو منكبيه، وروي: إلى صدره، وكلها آثار محفوظة مشهورة دالة على

التَوْسعة. والجواب عن حديث رفع اليدين إلى المنكبين: أنه محمول على حالة العذر. وقال الطحاوي في " شرح الآثار ": إنما كان رفعهم الأيدي إلى المناكب لعلة البُرْد، بدليل أن وائل ابن حُجر " روى الرفع إلى الأذنين قال في حديثه: ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم إلى المناكب، قال: وتحمل أحاديث المناكب على حالة العذر، وتتفق الاَثار بذلك. الرابع: في حكمة الرفع، قال ابن بطّال: ورفعهما تعتدٌ، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: حكمته: أن يراه الأصم فيَعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لإسماع الأعمى فيعلم بدخوله في الصلاة، وقيل: انقياد، وقيل: إشارةٌ إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة، وقيل: استكانة واستسلام، وكان الأسير إذا غلب مد يدَيْه علامة لاستسلامه، وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. الخامس: الرفع مقارن بالتكبير أم لا؟ فقال في " المبْسوط ": يرفع ثم يكبر، وقال: وعليه كثر مشايخنا، وقال خواهر زاده: يرفع مقارنا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور من مذهب مالك. وفي " شرح المهذب ": الصحيح: أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه، وهو المنصوص، وقيل: يرفع بلا تكبير ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين، وقيل: يرفع بلا تكبير ثم يُرسلهما بعد فراغ " التكبير، وهو مصحح عند البغوي، وقيل: يبتدئ بهما معا، ويبتدئ التكبير مع انتهاء الإرسال، وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ولا استحباب في الانتهاء. وهذا مصحح عند الرافعي. وفي ما شرح المجمع ما: قال أبو يوسف /: يُقارن رفع اليدين مع التكبير، وبه قال الطحاوي وبعض (1/240-أ) ، الشافعية، وقال أبو حنيفة ومحمد: يقوم الرفع على التكبير، وهو الذي ذكره صاحب " المبسوط "، لأن الرفع إشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبيرَ إثباتها له، والنفي مقدم على الإثبات. السادس: في رفعهما إذا أراد الركوع وبعدما يرفع رأسه منه،

الشافعي وأحمد إسحاق: يستحب رفعهما- أيضاً- عند الركوع وعند الرفع منه؛ وهو رواية عن مالك، واستدلوا بالحديث المذكور وبأمثاله، قال الخطابي: وهو قول أبي بكر الصدَّيق، وعلي بن أبي طالب، وابن، صره عمر، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وإليه ذهب الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم، وقتادة، ومكحول، وبه قال الأوزاعي، ومالك في آخر أمره، وقال البخاري: رُوي عن تسعة عشر نفرا من الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، منهم: أبو قتادة، وأبو أسيد، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سَعْد، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عَمرو، وعبد الله بن الزُّبير، ووائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حُميد الساعدي، قال: وكان الحميدي، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن معين وأحمد، وإسحاق يثبتون عاقة هذه الأحاديث عن رسول الله- عليه السلام- ويرونها حقا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم، ولم يثبت عند أحد منهم في ترك رفع الأيدي عن النبي- عليه السلام- ولا عن أحد من أصحابه أنه لم يرفع يدَيْه. وزاد البيهقي: أبا بكر الصدِّيق، وعمر، وعلى، وجابراً، وعقبة بن عامر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن جابر أبياضي، وأبا سعيد، وأبا عبيدة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وسَعْد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن بن علي، وسلمان الفارسي، وبُريدة، وعمارا، وأبا ثمامة، وعُمير بن قتادة الليثي، وأبا مَسْعود، وعائشة، وأعرابيا له صحبة. زاد ابن حزم: أم الدرداء، والنعمان بن عياش، قال: ورويناه- أيضاً عن عبد الرحمن بن سابط، والحسن، وسالم، والقاسم، وعطاء، ومجاهد، وابن سيرين، ونافع، وقتادة، والحسن ابن مسلم، وابن أبي نجيح، وعمرو بن دينار، ومكحول، والمعتمر، ويحيى القطان، وابن مهدي، وابن علية، وابن المبارك، وابن وهب،

ومحمد بن نصر المروزي، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، والربيع، ومحمد بن عبد الحكم، وابن نُمير، وابن المديني، وابن معين، وابن هارون في آخرين، وهو رواية أشهب، وابن وهب، وأبي المصعب وغيرهم عن مالك، أنهُ كان يفعله ويُفتي به. وفي " تاريخ ابن عساكر " بسند لا يحضرني الآن، عن أبي سلمة الأعرج القاص قال " أدركت ألفا منَ الصحابة كلهم يرفع يدَيْه عند كل خفض ورفع. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك في رواية ابن القاسم وهي المعمول بها في المذهب: لا يرفع يدَيْه إلا في تكبيرة الإحرام خاصةً، وهو قول الثوري، وابن أبي ليلى، والنخعي، والشعبي، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار، منها: ما رواه مسلم من حديث تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله " " فقال: لا ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة ". واعترض علي البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين بأن هذا كان في التشهد لا في القيام، يُفسره رواية عبد الله ابن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي- عليه السلام- قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم- وأشار بيده إلى الجانبين- فقال: " ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شُمُسِ؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ". وهذا قول معروف لا اختلاف فيه ولو كان كما ذهبوا إليه / لكان الرفع في (1 / 240 - ب) ، تكبيرات العيد - أيضاً منهيا عنه، لأنه لم يَسْتثنِ رفعا دون رفع، بل أطلق. والجواب عن هذا: أن هذان حديثان لا يُفسرُ أحدهما بالآخر كما جاء في الحديث الأول: " دخل علينا رسول الله وإذا الناسُ رافعي أيديهم في الصلاة فقال: " ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة "، والذي يرفع يديه في أثناء الصلاة وهو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك، هذا هر الظاهر، والراوي روى هذا في

وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر كما شاهده وليس في ذلك بعد. ومنها: ما أخرجه أبو داود (1) ، والترمذي، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسْود، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله؟ فصلى ولم يرفع يدَيْه إلا في أول مرة. وفي لفظ: فكان يرفع يده في أول مرة ثم لا يَعودُ. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي، عن ابن المبارك، عن سفيان. وقد اعترض علي وسنبينه مع جوابه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: ما رواه أبو (2) داود من حديث البراء بن عازب قال: كان النبي- عليه السلام- إذا افتتح الصلاة رفع يدَيْه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود، وسيجيء بيانه مع اعتراضه إن شاء الله تعالى (3) . ومنها: ما أخرجه البيهقي في " الخلافيات " عن عبد الله بن عون الخَراز: ثنا مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبي - عليه السلام- كان يرفع يديْه إذا افتتح الصلاة ثم لا يَعُود. والخراز: بالخاء المعجمة، بعدها راء ثم زاي. وقال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة، عن مالك بخلاف هذا، ولم يذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك. ومنها: ما رواه البيهقي- أيضاً في "الخلافيات ": أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق، عن الحسن بن الربيع، عن حفص بن غياث، عن محمد بن يحيى، عن عباد بن الزبير أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يدَيْه في أول

_ (1) يأتي برقم (729) . (2) في الأصل: " ابن " (3) يأتي برقم (732) .

الصلاة، ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ. انتهى. قال الشيخ في " الإمام ": وعبّاد هذا تابعي، فهو مُرْسل. ومنها: ما رواه الطبراني في " معجمه ": نا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: نا محمد بن عمران: حدّثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- قال: " لا ترفع الأيْدي إلا في سَبْع مَواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى أبيت، حين يقوم على الصفا، ويقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة، وبجمع، والمقامين حين يرمي الجمرة ". ورواه البخاري- مُعلّقا - في كتابه المفرد في " رفع اليدين "، ثم قال: قال شعبة: لم يَسْمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، ليْس هذا منها، فهو مرسلْ وغير محفوظ، لأن أصحاب نافع خالفوا، وأيضا - فهم قد خالفوا هذا الحديث، ولم يعتمدوا علي في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت. والجواب: أن قول شعبة مجرد دعوى، ولئن سلمنا فمرسلُ الثقات مقبول يحتج به، وكونهم لم يَعتمدوا علي في تكبيرات العيدين وتكبير" القنوت لا يُوجب المخالفة، لأن الحديث لا يدل على الحصْر ( ... ) (1) ورواه" البزار في " مسنده " أيضاً وقال: حدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء: ما عبد الرحمن بن محمد المحاربي: ثني ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي- عليه السلام- قال:" ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال أبيت، والصفا، والمروة، والموقفين، وعند الحَجر" ثم قال: وهذا حديث قد رواه غير واحد موقوفاً وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ، وإنما قال: " ترفع الأيدي / ولم يقل: " لا ترفع الأيدي إلا (1/241 / -أ) في هذه المواضع) . انتهى.

_ (1) بياض في الأصل قدر سطر وثلث السطر.

قلت: رواه موقوفا ابن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " تُرْفَعُ الأيدي في سبع مواطن، إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى أبيت، وعلى الصفا والمروة، وفي جمع، وفي عرفات، وعند الجمار ". قال الشيخ في " الإمام ": ورواه الحاكم ثم البيهقي بإسناده عن المحاربي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر قالا: قال رسول الله- عليه السلام-:" ترفع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال أبيت، والصفا والمروة، و " الموقفين، والجمرتين ". ومن الآثار: ما رواه الطحاوي ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. قال: ورأيت إبراهيم، والشعبي يفعلان ذلك. قال الطحاوي: فهذا عمر- رضي الله عنه- لم يكن يرفع يديه أيضاً إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عياش، وهو ثقة حجة، ذكر ذلك يحيى بن معين عنه. واعترضه الحاكم بأن هذه رواية شاذة لا تقوم بها الحجة، ولا تعَارضُ بها الأخبارُ الصحيحة عن طاوس، عن كيسان، عن ابن عمر (1) : أن عمر كان يرفع يديه قي الركوع، وعند الرفع منه.

_ (1) قال محقق نصب الراية (1 / 405 / هامش 2) : هذه المعارضة ذكرها الحافظ أيضاً في الدراية (ص 85) ، وذكر ابن عمر فقط، ولم يذكر عمر. وقال الشيخ المحمى ظهير أحسن النيموي الهندي في كتابه " آثار السنن" (1 / 106) : راجعت (كذا) إلى نسخة صحيحة مكتوبة من " نصب الراية " في الخزانة المعروفة بـ " أيشياتك سوسائتي - كلكتة " فوجدته فيها هكذا: عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه 10 هـ. وفي " فتح القدير " (1 / 319) : وعارضه الحاكم برواية طاوس بن كيسان، عن ابن عمر- رضي الله عنه-: كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه ".1هـ

قلت: قال الإمام: ما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية على رواية، لا من باب التضعيف. ومنها: ما أخرجه الطحاوي (1) عن أبي بكر النهشلي، نا عاصم بن كليب، عن أبيه: أن على- رضي الله عنه- كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعود يرفع ". انتهى. وهو أثر صحيح. ومنها: ما أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي: "أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران، ثم لا يعودان "، ثم قال البيهقي: قال الحاكم: وعطية سيء الحال، وسوار أسوأ حالا منه. وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال: سوار بن مصعب منكر الحديث. وعن ابن معين: أنه غير محتج به. قلت: قال يحمى بن سعيد: عطية صالح، كذا في الكمال. ومنها: ما أخرجه الطحاوي في " شرح الآثار " (2) عن إبراهيم النخعي قال: " كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح ". قال الطحاوي: فإن قالوا: إن إبراهيم عن عبد الله غير متصل، قيل لهم: كان إبراهيم لا يرسل عن عبد الله إلا ما صح عنده، وتواترت به الرواية عنه، كما أخبرنا، وأسند عن الأعمش أنه قال لإبراهيم: إذا حدثتني عن إبراهيم فأسند. قال: إذا قلت لك: قال عبد الله، فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه، وإذا قلت لك: حدثني فلان، عن عبد الله، فهو الذي حدثني وحده عنه. ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الله بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: ألا أريكم صلاة النبي- عليه السلام- فلم يرفع يديه إلا مرة. ومنها: ما رواه أيضاً: حدَّثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن

_ (1) (1/132) . (2) (1/313) .

قطاف النهشلي، عن عاصم بن كليب،عن أبيه: أن عليا كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. ومنها: ما رواه أيضاً: نا ابن مبارك، عن أشعث، عن الشعبي: أنه كان يرفع يديه في أول التكبيرة، ثم لا يرفعهما. ومنها: ما رواه أيضاً: نا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله، وأصحاب علي لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح (1) الصلاة. قال وكيع: ثم لا يعودون. ومنها: ما رواه أيضاً: ما أبو بكر بن عياش، عن حصين ومغيرة، عن إبراهيم قال: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة إلا في الافتتاحية " لأولى. ومنها: ما رواه أيضاً: نا أبو بكر، عن الحجاج، عن طلحة، عن خيثمة وإبراهيم قال: كانا لا يرفعان أيديهما إلا في بدوء الصلاة. ومنها: ما رواه أيضاً: نا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل قال: كان قيس يرفع يديه أول ما يدخل في الصلاة، ثم لا يرفعهما. (1/241 -ب) ومنها: ما رواه أيضاً: نا معاوية بن هشام / عن سفيان، عن مسلم الجهني قال: كان ابن أبي ليلى يرفع يديه أول شيء إذا كبَّر. ومنها: ما رواه: لا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن الأسود وعلقمة: أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا افتتحا، ثم لا يعودان. ومنها: ما رواه: لا ابن آدم، عن حسن بن عياش، عن عبد الملك ابن أبشر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة. قال عبد الملك: ورأيت الشعبي، وإبراهيم، وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة.

_ (1) في الأصل: " الافتتَاح "، وما أثبتناه من مصنف ابن أبي شيبة (1 / 236) .

وقال الطحاوي: ومذهبنا أيضاً قوي من جهة النظر، فإنهم أجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما، واختلفوا في تكبيرة الركوع، وتكبيرة الرفع منه، فخالفهما قوم بالتكبيرة الأولى، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين " (1) . وقال أشرف الدين بن نجيب الكاساني في " البدائع ": وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة. قلت: فعلى هذا مذهب أبي حنيفة مذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، أما من الصحابة: فأبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر ابن عبد الله بن الجراح، فهؤلاء العشرة، وعبد الله بن مسعود، وجابر ابن سمرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، ومن التابعين ومَن بعدهم: مذهب إبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وعلقمة، والأسود، والشعبي، وأبي إسحاق، وخيثمة، وقيس، والثوري، ومالك، وا بن القاسم، والمغير، ووكيع، وعاصم بن كليب، وجماعة آخرين. والجواب عن أحاديث الرفع أنها منسوخة بدليل ما روي عن ابن مسعود أنه قال: " رفع رسول الله فرفعنا، وترك فتركنا، على أن ترك الرفع عند تعارض الأخبار أولى، لأنه لو ثبت الرفع لأنزلوا درجته على السنة،

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية عدا بعض آثار أوردها الشارح من مصنف ابن أبي شيبة.

ولأن ترك الرفع مع ثبوته لا يوجب الفساد- أعني: فساد الصلاة- والتحصيل مع عدم الثبوت يوجب فساد الصلاة لأنه اشتغال بعمل اليدين جميعا، وهو تفسير العمل الكثير. السابع: هل يرفع بين السجدتين؟ فقال ابن المنذر، وأبو علي الطبري من الشافعية: يرفع، وهو قول جماعة من أهل الحديث، وعند الجمهور: لا يرفع لقوله: " ولا يرفع بين السجدتين ". 703- ص- نا محمد بن المصلى الحمصي، نا بقية، نا الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر قال: كان رسولُ الله- عليه السلام- إذا قامَ إلى الصلاة رَفَعَ يَدَيه حتى يكُونا (1) حَذوَ مَنكِبَيه، ثم كَبر وهما كذلك، فيركَعُ، ثمَ إذا أرادَ أَن يَرفعِ صُلبَه رِفَعَهُما حتى يَكونا (1) حَذوَ مَنكبَيه، ثم قال: " سَمعَ اللهُ لمن حَمده "، ولا يرفعُ يديه في السجود، ويرفَعُهُماَ فيَ كل تكبيرَة يكبرهَا قبلَ الركوَع حتى تنقضِي صلاتُه (2) . ش- محمد بن المصلى بن بهلول الحمصي أبو عبد الله القرشي الشامي روى عن: على بن عباس، ومحمد بن حرب، وبقية بن الوليد بن مسلم، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، وأبو داود، والنسائي وقال: صدوق، وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة أربعين ومائتين بمكة (3) . والزبيدي: هو محمد بن الوليد. قوله: " حذو، بفتح الحاء، وسكون الذال، بمعنى حذاء. قوله: " وهما كذلك " يعني: يداه كذلك حذو منكبيه. قوله: " صُلبه " بضم الصاد، أي: ظهره، وجمعه أصلاب. قوله: أولا يرفع يديه في السجود " وبهذا أخذ الجمهور، وقد ذهبت

_ (1) في سنن أبي داود: " تكون ". (2) انظر التخريج المتقدم. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 / 5613) .

طائفة إلى الرفع في السجود أيضاً، " روى أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس: أن النبي - عليه السلام- كان يرفع يديه في الركوع والسجود. واعترض الطحاوي في " شرح الآثار " حديث ابن عمر فقال: وقد روي / عن ابن عمر خلاد هذا، ثم أسند عن أبي بكر بن عياش، عن 242 / 11 صا، حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة. قال: فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي- عليه السلام- يفعله. قال: فإن قيل فقد روى طاوس، عن ابن عمر خلاد ما رواه مجاهد. قلنا: كان هذا قبل ظهور الناسخ. وقال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حتى ساء حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف تجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ أو نقول: إنه تركه مرة للجوار، إذ لا نقول بوجوبه، ففعله يدل على أنه سُنَة، وتركه يدل على أنه غير واجب. قلت: لا نسلم أن ذلك الحديث ضعيف، لأن إسناده صحيح، فيجوز به النسخ. ولقائل أن يقول لهم- ولا سيما للشافعية-: أنتم تثبتون سنية الرفع في الحالتين بحديث ابن عمر، وتنكرون النسخ، فلم لا تعملون بالزيادة التي فيه، وهي الرفع عند القيام من الركعتين؟ وهي زيادة مقبولة، فإذا ألزمتمونا بالقول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه، ألزمناكم بالقول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين. 704- ص- نا عبيد الله بن عمر بن مَيْسرة، ما عبد الوارث بن سعيد، نا محمد بن جُحادة قال: حدثنيِ عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: كنتُ فغلاماً لا أعْقلُ صَلاةَ أبي، فحدثني وائلُ بنُ علقمةَ، عن أبي: وائل بن حُجر قال: صليتُ مع رسول الله- عليه السلام- فكانَ إذا كَبرَ رَفَعَ يَديه. قال: ثم التَحَفَ، ثم أخَذَ شمَالَهَ بيمينه، وأدخلَ يديه في ثوبه. قال: فإذاَ أرادَ أن يركعَ أخرجَ يديهِ ثم رفًعَهُمَا، وَإَذا أرادَ أن يرفَعَ رأسَه مًن الركوع رَفعَ يديه 2. شرح سنن ني داود ُ

ثم سَجَدَ، ووضعَ وجهَهُ بين كَفيه، وإذا رفعَ رأسَه من السجود أيضاً رفعَ يديه حتى فرغ من صلاته. قال محمَد: فذكرتُ ذلك للحسن بن أَبي الحسن، فقال: هي صلاةُ رسولِ اَللهِ صلى الله عليه وسلم " فعلَهُ مَن فعلَهُ، وتركَهُ مَن تركَه (1) . ش- محمد بن جحادة الكوفي الأودي، ويقال: الأيامي. روى عن: أنس بن مالك. وسمع: الحسن البصري، وطلحة بن مصرف، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم. وعن أحمد: هو من الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى له الجماعة (2) . وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي كوفي. روى عن أبيه وأمه ولم يصح له عنهما شيء، وروى عن أخيه علقمة. روى عنه: ابنه سعيد، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن جحادة، وغيرهم. قال يحيى بن معين: هو ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئاً، وفي رواية: ثقة. وقيل: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر. روى له الجماعة إلا البخاري (3) . ووائل بن علقمة روى عن وائل بن حجر. روى عنه: عبد الجبار بن وائل. روى له: أبو داود (4) . ووائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان أبو هند أو أبو هنيدة. روى عنه: ابناه: علقمة وعبد الجبار، وعبد الرحمن اليحصبي، وغيرهم. رُوي له عن رسول الله أحد وسبعون حديثاً روى له مسلم ستة أحاديث. روى له الجماعة إلا البخاري (ْ (5) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره فوق سرته ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه (2) انظرْ ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 5114) . (3) المصدر السابق (16 / 3697) . (4) المصدر السابق (0 3 / ص 422) . (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 / 642) ، وأسد الغابة (5 / 435) ، والإصابة (3 / 628) .

قوله: " عن أبي: وائل بن حُجْر " فقوله:" وائل" عطف بيان لقوله: " أبي"، وليس هذا بكنية، فافهم. قوله: "ثم التحف " من قولهم: التحف بالثوب، تغطى به. قوله: " قال محمد " أي: محمد بن جحادة. قوله: " للحسن " وهو الحسن البصري. والحديث أخرجه مسلم من حديث عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم، عن أبيه وائل بن حجر بنحوه، وليس فيه ذكر الرفع مع الرفع من السجود. وقال الطحاوي في " شرح الآثار": وحديث وائل هذا مُعارض بحديث ابن مسعود: أنه- عليه السلام- كان يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، ثم لا يعود. وابن مسعود أقدم صحبة وأفهم بأفعال النبي- عليه السلام- من وائل. ثم أسند عن أنس قال: كان رسول الله يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه. وابن مسعود كان من أولئك الذين يقربون من النبي- عليه السلام- فهو أولى مما جاء به من هو أبعد منه. ص- قال أبو داود: روى الحديث (1) همام، عن ابن جُحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود. / ش- أي: همام بن يحيى بن دينار العوذي. [1/242-ب] قوله: " لم يذكر الرفع " أي: رفع اليدين مع رفع الرأس من السجود، وهو رواية مسلم كما نبهنا علي. 705- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان، عنِ الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: أنه أَبصر النبي- عليه السلام- حين قامَ إلى الصلاة رَفعَ يديه، حتى كانَتَا بحيال مَنكبيهِ، وحاذى إبْهاميهِ (2) أذنيهِ، ثم كبر (3) .

_ (1) في سنن أبي داود:" روى هذا الحديث". (2) في سنن أبي داود:" بإبهاميه ". (3) تفرد به أبو داود.

ش- عبد الرحيم بن سليمان أبو علي الأشل الكناني، ويقال: الطائي الرازي، سكن الكوفة. روى عن: عبيد الله بن عمر العمري، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو الهمام الوليد بن شجاع، وأبو سعيد الأشل، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (1) . والحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي. روى عن: الشعبي، وإبراهيم النخعي، وإبراهيم بن سويد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وحفص بن غياث، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " بحيال منكبيه " أي: بإزاء منكبيه. قوله: " وحاذى " أي: ساوى من المحاذاة. وقد قلنا: إن عبد الجبار لم يصح له شيء من أبيه، وكذا قال في " مختصر السنن " وقال: وأهل بيته مجهولون. 706- ص- نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا المَسْعُودي، نا عبد الجبارِ بن وائل قال: حدَثني أهلُ بيتي، عن أبى، أنه حدثهم، أنه رأى رسولَ الله يرفعُ يديهِ معَ التكبيرَةِ (3) . ش- يعني: مقارنا بالتكبيرة، وبه قال أحمد، ومالك في المشهور، وهو رواية عن أصحابنا، وقد مر الكلام فيه مستوفى. 707- ص- نا مسدد، نا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: قلتُ: لأنظُرَن إلى صلاة رسول الله- عليه السلام- كيفَ يصلي؟ قال: فقامَ رسولُ الله فاستقبَلَ اَلقبْلَةَ، فَكَبرَ فَرفعَ يديه حتى حَافَتَا أذُنَيه، ثم أخذَ شمَالَهُ بيمينه، فَ" أرادَ أن يرَكَعَ رفَعَهُمَا مثلَ ذلكَ، ثم وَضعَ يديها على رُكبتَيهِ، ف" رَفعَ رأسَه من الركوع رفَعَهُمَا مثلَ

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3407) . (2) المصدر السابق (6 / 1242) . (3) تفرد به أبو داود.

ذلك، ف" سَجدَ وضعَ رأسَه بذلكَ المنزلِ من يديه، ثم جَلسَ فافترشَ رِجلَهُ اليُسْرَى، ووضعَ يده اليُسْرَى على فَخذه اليُسْرَى، وحَد مِرْفَقِهِ الأيمنِ على فخذه اليُمْنَى، وقبضَ ثِنتينِ، وحَلقَ حَلقةً- ورأيتُه يقولُ هكذا، وحلقَ بشر الإِبهامَ والوُسْطَى- وأشار بالسبابةِ (1) . ش- عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي. سمع: أباه، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبا الجويرية، وأبا بردة بن أبي موسى. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . وأبوه كليب بن شهاب الجرمي الكوفي. سمع: أباه، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ووائل بن حجر. روى عنه: ابنه عاصم، وإبراهيم بن مهاجر. قال ابن سعد: كان ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " بذلك المنزل من يديه " يريد به أنه وضع رأسه بين يديه، بحيث أنهما حاذتا أذنيه. قوله: " وحَد مرفقِه " أي: جعل مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى حدا عليها، لأن فيه يكون توجيه أصابع يديه إلى القِبْلة. قوله: " وقبض ثنتين " وهو أن يعقد الخنصر والبنصر. قوله: ما وحلق حلقة " وهو أن يحلق الوسطى مع الإبهام، و" حَلقَ" بالتشديد، و"حَلْقةً " بفتح الحاء وسكون اللام مثل حلقة الدرع، وحَلْقة الباب، وحَلْقة القرط، وأما حَلْقة القوم فيجور فيها الفتح والسكون.

_ (1) يأتي برقم (933) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 3024) . (3) المصدر السابق (24 / 4991) .

وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام " حلَقة " بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حَلَقَة، للذين يحلقون الشعر، جمع حَالقٍ، وأما انتصاب " حلقة " هاهنا فعلى المفعولية. قوله: " " رأيته يقول هكذا " من كلام بشر. وقوله: ما وأشار بالسبابة " من كلام وائل، فيكون قوله: " ورأيته " إلى قوله: " وأشار" معترضا بينهما، فافهم. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استقبال القِبْلة. الثانية: تكبيرة الافتتاح. الثالثة: رفع اليدين في أول الصلاة. الرابعة: محاذاة اليدين بالأذنين عند الرفع، وهو قول أصحابنا. (1/243-أ) الخامسة: أخذ الشمال باليمن /، ولم يبين فيه كيفية الأخذ، ولا محل الوضع. السادسة: رفع اليدين عند الركوع، وبه أخذ الشافعي، والجواب عنه ما ذكرناه. السابعة: وضع اليدين على الركبتين في الركوع، ولم يبين كيفية الوضع. الثامنة: رفع اليدين عند رفع رأسه من الركوع. التاسعة: وضع الرأس في السجدة بين اليدين محاذيا أذنيه بهما، وبه قال أصحابنا، وقال صاحب " الهداية ": ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه، " روي أنه- عليه السلام- فعل كذلك. وقال صاحب "المحيط ": ويضع يده في السجود حذاء أذنيه. العاشرة: افتراش رجله اليسرى، وبه أخذ أصحابنا أنه يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، ولم يبين فيه حكم اليمنى.

الحادية عشر: وضع اليدين على الفخذين في التشهد. الثانية عشر: أن يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام. وهكذا رُوي عن الفقيه أبي جعفر من أصحابنا، وقال صاحب " الهداية ": ويبسط أصابعه. وقال في " المحيط ": وعن محمد أنه يضع يديه على فخذيه، لأن فيه توجه الأصابع إلى القِبْلة كثر، وعن بعضهم أنه يفرق أصابعه. الثالثة عشر: يشير بالسبابة، وبه قال أبو يوسف من أصحابنا، وذكره في " الإملاء "، وقال: ويروى الإشارة عن النبي- عليه السلام- وبينه مثل ما رُوي عن الفقيه أبي جعفر، وعن بعض أصحابنا: ويكره الإشارة. وهو غير صحيح، لأن أبا يوسف نص عليها في " الإملاء "، وكذلك نص عليها محمد في كتابه، وقال في " المحيط ": والإشارة قول أبي حنيفة. 708- ص- نا الحسن بن علي، نا أبو الوليد، نا زائدة، عن عاصم بن كليب، بإسناده ومعناه قال فيه: ثم وضَعَ يدهَ اليُمْنى على ظهرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، والرصغْ (1) والساعد. قال فيه: ثمِ جئتُ بعدَ ذلك في زمان فيه بَرْد شَديد فرأيتُ الناسَ عليهم جُلُّ الثيابِ، تَحرك أيديهم تحتَ الثيابِ (2) . ش- الحسن بن علي الخلال، وأبو الوليد الطيالسي، وزائدة بن قدامة. قوله: ما بإسناده ومعناه " أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه. قوله: " قال فيه " أي: قال وائل في الحديث في هذه الرواية: " ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرصغ بضم الراء وسكون الصاد المهملة وبغين معجمة، وهو مفصل ما بين الكف والساعد، ويقال: " رسغ، أيضاً بالسن المهملة، ويقال لمجمع الساق مع القدم:" رسغ " أيضاً ويقال: رُسغ ورسُغ، مثل: عُسْر وعُسُر.

_ (1) في سنن أبي داود:" والرسغ " وهي لغة. (2) انظر تخريج الحديث المتقدم.

قوله: " جل الثياب " جل الشيء معظمة، والمعنى أنهم لبسوا معظم الثياب لأجل البرد. والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه. ويستفاد من الحديث في هذا الطريق فائدتان غير ما ذكرناه: الأولى: بين فيه كيفية وضع اليمن على الشمال، وقال صاحب " المحيط ": ويقبض بكفه اليمنى على رسغه اليسرى كما (1) فرغ من التكبير. وقال أبو يوسف: يقبض بيده اليمنى رسغ اليسرى، ويكون الرسغ وسط الكف. وقال ابن قدامة: يضعهما على كوعه. وقال القفال: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها، وهو مخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل، وبين نشرها في صوب الساعد، وإذا بزغ من التكبير يضعهما. الثانية: ترك الوضع عند البرد الشديد، وعند مالك الوضع غير مستحب وإنما هو مباح، فعنده البرد وغيره سواء، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. 709- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيتُ النبي- عليه السلام- حين افْتَتَح الصلاةَ رَفعَ يَديه حيَالَ أذُنيه. قال: ثم أَتيتُهُم فرأيتُهم يرفَعُون أيديهم إلى صدُورِهم في افتتَاحَ الصلاةِ، وعليهم بَرَانِسُ، وأكسية (2) . ش- شريك بن عبد الله النخعي. قوله: " برانس " جمع بُرنس- بضم الباء الموحدة، وبعد الراء الساكنة نون مضمومة، وسن مهملة- وهو كل ثوب له رأس / ملتزق به، دراعةً (3) كانت أو جبة أو غير ذلك، كان يلبسه العُباد وأهل الخير، وهو

_ (1) كذا. (2) النسائي: كتاب التطبيق، باب: موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول (2 / 235) . (3) ثوب من صوف.

112- باب: افتتاح الصلاة

عربي، اشتق من البِرْس- بكسر الباء وسكون الراء- وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. وقال الجوهري: " البرنس ": قلنسوة طويلة وكان النّسّاك في صدر الإسلام يلبسونها. قوله: " وأكْسِية " جمع كساء. والحديث أخرجه النسائي. وبهذا الحديث قال أصحابنا: إن أحاديث المناكب محمولة على العذر، وقد مر الكلام فيه مستوفى. * * * 112- باب: افتتاح الصلاة أي: هذا باب في بيان افتتاح الصلاة، وليس في بعض النسخ " باب ". 710- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن وائلِ بن حُجرِ قال: أتيتُ النبي - عليه السلام- في الشتاء، فرأيتُ أصحابَه يرفعُونَ أيديهُم في ثيابِهِم في الصلاةِ (1) . ش- دل الحديث على أن رفع اليدين من غير أن يخرجهما من كمّيه غير مكروه إذا كان للبرد، وأما لغير البرد فجعله بعض أصحابنا من ترك السُّنَة، وجعله البعض من ترك الأدب. 711- ص- ما أحمد بن حنبل، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ح، ونا مسدد، لا يحيى- وهذا حديث أحمد- أنا عبد الحميد - يعني: ابن جعفر- قال: أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحابِ النبيّ- عليه السلام- منهم أبو قتادةَ. قال أبو حميد: أنا أعلَمكُم بصَلاة رسول الله- عليه السلام- قالوا: فَلِم َ؟ ! فوالله ما كنتَ بأكثَرنَا له تَبعَةً، ولا أَقدمنَاَ له صُحبةً. قال: بلى. قالوا: فاعْرضْ. َ قال: كان رسوَلُ اللهِ هَذا قامَ إلى الصَلاةِ يرفعُ يديْهِ حتى يُحَاذِي بهما مَنكِبيهِ، ثم كَبَّرَ (2)

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود: " يكبر ".

حتى يَقَر كلُّ عَظمِ في مَوضِعِه معتدلاً، ثم يَقرأ، ثم يُكبرُ ويرفعُ (1) يديه حتى يُحَاذِي بهما مَنكِبيهِ، ثم يَركعُ ويَضعُ راحتَيْهِ على رُكبتَيه، ثم يَعتدِلُ فلا يَصُبُّ رأسَه ولا يُقْنِعُ، ثم يرفعُ رأسَه، فيقول: " سَمِعَ اللهُ لمَن حَمدَه "، ثم يَرفعُ يديه حتى تُحاذِي (2) مَنكبيهِ معتدلاً، ثم يقولُ: " اللهُ كبر "، ثم يَهْوِي إلى الأرضِ فيُجَافِي يديه عن جنبَيهِ، ثم يَرفعُ رأسَه، ويَثْني رِجلَهُ اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، وبَفْتَحُ أصَابِعَ رِجلَيهِ إذا سَجَدَ، ثم يَسْجُدُ (3) ، ثم يقولُ: "الله كبر" ويرفعُ (4) ، ويثنِي رجْلَه اليُسْرَى فيقعدُ عليها حتى يَرْجِعَ كلُّ عظمِ إلى مَوضِعِه، ثم يَصنعُ في الأخرَى مثلَ ذلك، ثم إِذا قامَ من الركعتينِ كَبَّرَ " رَفعَ يديهِ حتى يُحَاذِي بهما مَنكبيه، كما كَبَّر عندَ افتتاح الصلاة، ثم يَصنعُ ذلكَ في بقيةِ صَلاتهِ، حتى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسليمُ أخًّرَ رجلَهُ اليُسْرَى وقَعدَ مُتَوَركّاً على شِقِّهِ الأيسرِ. قالوا: صَدَقْتَ، هكذا كان يُصَلًّي (5) . ش- الضحاك: ابن مخلد أبو عاصم النبيل، ويحيى القطان. وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري أبو الفضل. سمع: أباه، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وسعيداً (6) المقبرة، وغيرهم. روى عنه: يحيى القطان، وعيسى بن يونس، وأبو نعيم، وجماعة آخرون. قال أحمد: ليس به بأس. وقال يحمى بن سعيد: كان سفيان يضعفه من أجل القدر. وقال ابن معين وابن سعد: ثقة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة. روى له الجماعة إلا البخاري (7) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فيرفع" (2) في سنن أبي داود:" يحاذي بهما ". (3) في سنن أبي داود:" ويسجد ". (4) في سنن أبي داود:" ويرفع رأسه ". (5) يأتي برقم (934) . (6) في الأصل:" سعيد" (7) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3709) .

ومحمد بن عمرو بن عطاء بن عباس (1) بن علقمة بن عبد الله القرشي المدني أبو عبد الله. سمع: أبا قتادة السلمي، وأبا حميد الساعدي، وابن عباس. روى عنه: وهب بن كيسان (2) ، وموسى بن عقبة، وعبد الحميد بن جعفر، وغيرهم. وقال ابن سعد: وكان ثقة، له أحاديث. توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. روى له الجماعة (3) . وأبو حميد عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن عمرو الساعدي. قوله: " في عشرة من أصحاب النبي- عليه السلام- " محلها النصب على الحال، وكلمة " في " للمصاحبة نحو: " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زينَته " (4) ، والتقدير: سمعت أبا حميد حال كونه مصاحبا لعشرَةَ من أصًحَاب النبي- عليه السلام- والمعنى: كان جالسا بين عشرة أنفس من الصحابة، منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي. قوله: " تبعةً " نصب على التمييز، وكذلك قوله: " صحبةً " / (1/244-أ) والتبعة - بفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الباء- اسم للاتباع، وكذلك التبعة- بضم التاء وسكون الباء- والتباعة بالفتح. قوله: " حتى يقر " من القراءة، من باب ضرب يضرب، والمعنى: حتى يستقر كل عظم في موضعه ويثبت. قوله: " معتدلاً " حال من الضمير الذي في " يرفع يديه ". قوله: " ثم يكبر فيرفع يديه " يعني: بعد الفراغ " من القراءة يكبر فيرفع يديه، أشار بالفاء إلى أنه يرفع يديه عقيب التكبير.

_ (1) كذا في الأصل، وفي تهذيب الكمال: " عياش "، وعلق محققه قائلاً " "جود ابن المهندس تقييده " ووقع في كثير من المصادر " عباس "، وهو كما قيدناه في باقي النسخ، وهو الصواب إن شاء الله. (2) في الأصل: " غسان " خطأ. (3) المصدر السابق (26 / 5512) . (4) سورة القصص: (79) .

قوله: " فلا يَصُب رأسه " يعني: فلا يميلها إلى أسفل، وفي بعض الرواية: " فلا ينصب " من الانصباب، ورواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان (1) ، عن عيسى، عن عباس، عن أبي حميد فقال فيه: " فلا يُصبي " يقال: صبى الرجل رأسه تصبيةً إذا خفضه جدا. قوله: " ولا يُقنِع " من الإقناع، يعني: لا يرفع رأسه حتى تكون أعلى من ظهره. قال الله تعالى: " مقْنعِي رءوسهِمْ " (2) أي: رافعي رءوسهم. وقال ابن عرفة: يقال: أقنع رأسه، إذا نصبه لا يلتفت يمينا ولا شمالاً، وجعل طرفه موازياً " بين يديه. قوله: " ثم يهوي " أي: ينزل. قو له: " فيجافي " أي: يباعد. قوله: " ويثني رجله اليسرى " من ثنيت الشيء ثنيا، إذا عطفته. قوله: " ويفتخ أصابع رجليه " بالخاء المعجمة، أي: ينصبها ويغمز موضع المفاصل منها، ويثنيها إلى باطن الرجل، فيوجهها نحو القبْلة. وقال الأصمعي: أصل الفتخ اللين، ومنه قيل للعُقَابِ (3) فتحاً،َ لأنها إذا انحطت كسَرَتْ جناحَها. قال أبو العباس: فتخ أصابعه، أي: ثناها. قوله: " متوركا "ً حال من الضمير الذي في قعد، والتورك أن يجلس على أليتيه وينصب رجله اليمنى، ويخرج اليسرى من تحتها. واستفيد من هذا الحديث أحكام كثيرة، الأول: رفع اليدين إلى المنكبين، وقد قلنا: إنه كان للعذر. الثاني: أن التكبير بعد رفع اليدين، لأنه قال: إثم كبر "، وكلمة " ثم، تقتضي التراخي، وقد ذكرنا الخلاف فيه.

_ (1) في الأصل:" سليم " خطأ. (2) سورة إبراهيم: (43) . (3) طائر من كواسير الطير، قوي المخالب، مسروَلْ، له منقار قصير أعقف، حاد البصر.

الثالث: رفع اليدين أيضاً للركوع، وقد قلنا: إنه منسوخ. الرابع: سُنَة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه إلى فوق ولا ينكسه، ومن هذا قال صاحب " الهداية ": ويبسط ظهره، لأن النبي- عليه السلام- كان إذا ركع بسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، لأن النبي - عليه السلام - كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه. الخامس: سُنَة الإمام أن يقول:" سمع الله لمن حمده "، ويكتفي به، وهو قول أبي حنيفة. السادس: رفع اليدين للهَوِي، وهو أيضاً منسوخ. السابع: السُنَة أن يجافي بطنه عن فَخِذيه، ويديه عن جنبيه. الثامن: هيئة الجلوس في القعدة الأولى من ذوات الأربع، أن يجلس على رجله اليسرى، ولم يبين فيه كيف يفعل باليمنى، فعند أبي حنيفة ينصبها نصبا، وهذه هيئة الجلوس في القعدتين عند أصحابنا، وهو قول الثوري " في " صحيح مسلم " (1) عن عائشة: " كان رسول الله يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى "، وفي رواية أبي داود (2) أيضاً كما يجيء الآن: " فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قلله اليسرى، ونصب اليمنى ". وقال مالك: يجلس فيهما متوركا. وقال الشافعي: إن كانت الصلاة ركعتين يجلس متوركا، وإن كانت أربعا افترش في الأولى، وتورك في الثانية. وقال أحمد: إن كانت ركعتين افترش، وإن كانت أربعا فكقول الشافعي. التاسع: التكبير ورفع اليدين إلى المنكبين عند النهوض من التشهد، وهو منسوخ عندنا أيضاً وقال أبو حامد: انعقد الإجماع على أنه لا رفع في هذا الموضع، فاستدللنا بالإجماع على نسخ الحديث. وقال في " شرح المهذب ": هذا كلام مردود غير مقبول، ولم ينعقد الإجماع على ذلك؛

_ (1) كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة ... يعه (498/ 240) . (2) يأتي في الحديث الآتي.

بل قد ثبت الرفع في القيام من الركعتين عن خلائق من السلف والخلف منهم: علي، وابن عمر، وأبو حميد مع أصحابه العشرة، وهو قول البخاري. وقال الخطابي: وبه قال جماعة من أصحاب الحديث. ولم (11 / 244-ب) يذكره الشافعي، والقول به لازم على أصله / في قبول الزيادات. وقال البيهقي: مذهب الشافعي متابعة السُّنَّة إذا ثبتت. وقال صاحب " التهذيب: لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الركعتين، ومذهبه اتباع السنة، وقد ثبت ذلك. وقال الشيخ محمى الدين: يتعين القول باستحباب رفع اليدين إذا قام من الركعتين، وأنه مذهب الشافعي لثبوت هذه الأحاديث. قلت: قد صرح صاحب " التهذيب " أن الشافعي لم يذكر هذا، وادعى أبو حامد الإجماع على تركه ونسخ الحديث، وهؤلاء كيف يجعلون هذا مذهبا للشافعي بصورة الإلزام؟ فربما ثبت عند الشافعي انتساخ الحديث، فلذلك لم يذكر رفع اليدين، لأن الغفلة منه في مثل هذا بعيدة، وقولهم مذهب الشافعي اتباع السُنَّة ليس على الإطلاق، فإنه لا يتبع السنن المنسوخة، فافهم. العاشر: توجيه أصابع رجليه إلى القِبْلة في السجود. الحادي عشر: التورك في القعدة الأخيرة، وقد ذكرنا الخلاف فيه، وعندنا هذا محمول على العذر، إما لكبرِ أو لعلة أخرى، فافهم. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراً ومطولاً. " (1) واعترضه الطحاوي في " شرح الآثار" (2) فقال: هذا الحديث لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد، وبينهما رجل مجهول، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبا قتادة وسنه لا يحتمل ذلك، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر

_ (1) انظر: نصب الراية (1 / 410- 412) . (2) (1/153،154)

طويل، لأنه قتل مع علي- رضي الله عنه-، وصلى علي علي، وقد رواه عطاف بن خالد، عن محمد بن عمرو، فجعل بينهما رجلاً، ثم أخرجه عن يحمى بن سعيد بن أبي مريم، ثنا عطاف بن خالد، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني رجل: أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا ... فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء. قال: فإن ذكروا ضعف عطاف قيل لهم: وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر كثر من تضعيفكم لعطاف، مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله، إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه، هكذا ذكره ابن معين في كتابه. وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعاً لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد، وهو عندكم أضعف، ثم أخرج عن عيسى بن عبد الله (1) بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني مالك، عن عباس بن سهل الساعدي، وكان في مجلس فيه أبوه سهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد، وأبو هريرة، وأبو أسيد، فتذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ... الحديث. وليس فيه: " فقالوا: صدقت " قال: وقوله فيه: " فقالوا جميعاً صدقت " ليس أحد يقولها إلا أبو عاصم. انتهى. وأجاب البيهقي في كتاب " المعرفة " فقال: أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود، لأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في" صحيحه "، وأما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك؟ فقد حكم البخاري في " تاريخه " بأنه سمع أبا حميد، وأبا قتادة، وابن عباس. وقوله: إن أبا قتادة قتل مع علي رواية شاذة رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع علي أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي والواقدي والليث، وابن منده، ثم قال: وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق ابن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد ومن سماه من الصحابة،

_ (1) في الأصل: " عبد الرحمن " خطأ.

وكده برواية فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، عنهم، فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السُنَة " (1) . والجواب عما قاله البيهقي: أما قوله: " أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود " مردود، لأن مثل يحيى بن سعيد طعن في حديثه، وهو (1/245-أ) إمام الناس / في هذا الباب، وذكره ابن الجوزي في كتاب " الضعفاء والمتروكين " فقال: كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه، وكان الثوري يحمل عليه ويضعفه. وفي " الكمال ": وقال يحيى بن سعيد: كان سفيان يضعفه من أجل القدر. على أن الطحاوي نسب تضعيفه إليهم. وأما قوله: " وأما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك؛ فقد حكم البخاري في " تاريخه " بأنه سمع أبا حميد (2) ، وأبا قتادة، وابن عباس، فمجرد تشنيع وتعصب، لأن الطحاوي ما قال هذا من عنده، بل إنما حكم بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع من أبي حميد، ولم ير أبا قتادة، لعدم احتمال سِنه ذلك، لأنه قتل مع علي، وصلى عليه علي، وهو قول مثل الشعبي الإمام في هذا الفن، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي " الكمال ": قيل: توفي سنة ثمان وثلاثين، فكيف يقول البيهقي: هذه رواية شاذة؟ فيجعل رواية البخاري في " تاريخه " صحيحة، ويجعل كلام مثل هؤلاء الأجلة شاذا؟ على أن ابن الحزم قال: ولعله وهم فيه، يعني: عبد الحميد، وأيضا قد اضطرب سند هذا الحديث ومتنه، فرواه العطاف بن خالد فأدخل بين

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. وقد قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية (1 / 424) :" قلت: قد تقدم في حديث رفع اليدين تضعيف الطحاوي لحديث أبي حميد، وكلام البيهقي معه، وانتصار الشيخ تقي الدين للطحاوي مستوفى، ولله الحمد، 10هـ. قلت: ولم أر هذا الانتصار في النسخة المطبوعة، فلعل ما سيذكره الشارح في جوابه على البيهقي، هو انتصار تقي الدين، وكأنه كان موجودا في نسخته من نصب الراية، والله أعلم. (2) في الأصل: " أبا قتادة " خطأ.

محمد بن عمرو وبين النفر من الصحابة رجلاً مجهولاً، والعطاف وثَّقه ابن معين، وفي رواية قال: صالح. وفي رواية: ليس به بأس. وقال أحمد: من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث. ويدل على أن بينهما واسطة، أن أبا حاتم ابن حبان أخرج هذا الحديث في " صحيحه " من طريق عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن عباس بن سهل الساعدي، أنه كان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي ... الحديث، وذكر المزي، ومحمد بن طاهر المقدسي في " أطرافهما " أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق، وأخرجه البيهقي في " باب السجود على اليدين والركبتين " من طريق الحسن بن الحر، حدَثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك، عن عياش أو عباس بن سهل ... الحديث، ثم قال: وروى عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس ابن سهل، عن أبي حميد، لم يذكر محمداً في إسناده. وقال البيهقي في " باب القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين ": وقد قيل في إسناده عن عيسى بن عبد الله، سمعه عباس بن سهل، أنه خص أبا حميد، ثم في رواية عبد الحميد أيضاً أنه رفع عند القيام من الركعتين، وقد تقدم أنه يلزم الشافعي، وفيها أيضاً التورك في الجلسة الثانية، وفي رواية عباس بن سهل التي ذكرها البيهقي بعد هذه الرواية خلاد هذه ولفظها: " حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبْلته "، وظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن، وظهر أن قولهَ: " والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السنة " كلام واقع عليه. 712- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة، عن يزيد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو العامري قال: كنتُ في مجلسٍ من أصحاب رسول الله فتذاكَرُوا صَلاتَه، فقال أبو حميد- فذكرَ بعض هذا الحديثَ وقال- إذا رَكَعَ أمكَنَ كَفيه من رُكْبَتَيْه، وفَرج بين أصابعه، ثم هَصَر ظًهْرَه غيرَ مُقْنِعٍ رأسه ولا صَافحٍ بخدهِّ، وقَال: فإذا قَعَد في اَلرَكَعتينِ 2. شرح سنن أبى داود 3

قَعدَ على بَطنِ قَلله اليُسرى ونَصَبَ اليُمْنَى، فإذا كان في الرابعَة أفضَى بِوَرِكِهِ اليُسْرَى إلى اَلَأرضِ، وأخرجَ قَدميهِ من ناحيةٍ واحدةٍ (1) .َ ش- ابن لهيعة: هو عبد الله بن لهيعة، وفيه مقال كما ذكرناه، ويزيد بن أبي حبيب: سويد المصري. قوله: " فقال أبو حميد: فذكر بعض " هذا الحديث " من كلام محمد بن عمرو، والإشارة إلى الحديث المذكور. قوله: " ثم هصر ظهره " بتخفيف الصاد المهملة، أي: ثناه وعطفه للركوع، وأصل الهصر: أن تأخذ رأس العود فتثنيه إليك وتعطفه، وفي "الصحاح ": الهصر: الكسر، وقد هصره، واهتصره بمعنىً، وهصرت الغُصْن بالغصن إذا أخذت برأسه وأملته، والأسد هيصر وهَصار. (1/245-ب) / قوله: " غير مقنع " حال من الضمير الذي في " هصر " من الإقناع وقد ذكرناه قريبا. و " رأسه " منصوب لكونه مفعول اسم الفاعل. قوله: " ولا صافح بخده " عطف على قوله: " غير مقنع " أي: غير مُبرز صفحة خده، ولا مائل في أحد الشقين. قوله: " أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض " يعني: مس الأرض بوركه اليسرى، والورك- بفتح الواو وكسر الراء- وهو ما فوق الفخذ، وقد يخفف مثل: فَخِد وفَخْد، وهي مؤنثة. 713- ص- نا عيسى بن إبراهيم المصري، نا ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن محمد القرشي، وبزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن الحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، نحو هذا، قال: فإذا سَجَد وضعَ يديه غيرَ مُفْتَرش، ولا قَابضهما، واستقبلَ بأطراف أصابعه القِبْلةَ (2) .ًًً ش- يزيد بن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) السابق.

القرشي المصري. روى عن: عبد الله بن واقد، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، وسعد بن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد العزيز، وعبد الرحيم بن ميمون، وغيرهم. روى له البخاري مقرونا بالليث بن سعد، وأبو داود (1) . قوله: " نحو هذا " أي: نحو الحديث المذكور في الرواية المذكورة. وفيه من الفقه: أن لا يفترش المصلي يديه في السجدة، ولا يقبضهما، ويستقبل بأطراف أصابع يديه ورجليه نحو القِبْلة. 714- ص- نا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، نا زهير أبو خيثمة، نا الحسن بن حر قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي: أنه كان في مَجْلِس فيه أبوه- وكان من أصحاب رسولِ الله- وفي المَجْلسِ أبو هُريرةَ، وأبو أشَيدٍ، وأبو حميد الساعدي. بهَذا الخبر يَزيدُ ويَنقصُ (2) قال فيه: ثم رَفَع رأسَه- يعني: منً الركوع- فقال: " سَمِعَ الله لمن حَمدَهُ، اللَهُم ربنا لك الحمد "، ورفعَ يديهِ، ثم قال: " اللهُ أكبر " فسجًَد فانتصبَ على كَفيه ورُكْبتيهِ، وصدُور قَدَمَيهِ وهو سَاجِد، ثم كَبرَ فجلسَ فَتَوَركَ، ونصبَ قَلله الأخْرى، ثم كَبرَ فسجَدَ، ثم كَبرَ فَقَامَ، ولم يَتَوَركْ، ثم ساقَ الحديث. قال: ثم جَلسَ بعدَ الركعتينِ حتى إذا هو أرادَ أن يَنهضَ للقيام قامَ بتكبيرة، ثم رَكَع الركعتينِ الأخريين، ولم يذكر التوركَ في التشهدِ (3) .ً ش- على بن الحسين بن إبراهيم بن الحارث يقال له إشكاب أخو محمد وِهو الأكبر. سمع: ابن علية، ومحمد بن ربيعة، وحجاج بن محمد الأعور، وأبا بدر، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: ثقة، وابن ماجه، وغيرهم. توفي سنة إحدى وستين ومائتين (1) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32 / 46 70) . (2) في حق أبي داود: " أو ينقص" (3) انظر الحديث السابق. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20 / 4049) .

وأبو بدر: شجاع بن الوليد الكوفي، وزهير بن حرب النسائي: أبو خيثمة. والحسن بن حر النخعي أبو محمد الكوفي. سمع: الشعبي، وخاله عبدة، ونافعا مولى ابن عمر، وغيرهم. روى عنه: ابن عجلان، وزهير، وحسين بن على الجعفي، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. توفي بمكة سنة ثلاث وثلاثين ومائة. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وعيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب. روى عن: زيد بن وهب، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعطية بن سفيان. روى عنه: محمد بنِ إسحاق، وابن لهيعة، والحسن بن حر. قال ابن المديني: هو مجهول، لم يرو عنه غير محمد بن إسحاق. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) . وعباس بن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري المدني، أدرك زمن عثمان ابن عفان وهو ابن خمس عشرة سنة. سمع: أباه، وسعيد بن زيد، وأبا هريرة، وأبا حميد، وأبا أسيد الساعديين، وأبا قتادة، وعبد الله بن الزبير. روى عنه: محمد بن عمرو بن عطاء، وعمر (و) ، بن يحيى ا"رني، وفليح بن سليمان، وابناه: أبَي وعبد المهيمن ابنا عباس، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. توفي رمن الوليد بن عبد الملك بالمدينة. روى له الجماعة إلا النسائي (3) . قوله: " أو عياش " بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشن المعجمة. وأبو أسيد- بضم الهمزة وفتح السن- مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري، وقد ذكرناه. قوله: " بهذا الخبر " أي: الخبر المذكور.

_ (1) المصدر السابق (6 / 1213) . (2) المصدر السابق (22 / 4635) . (3) المصدر السابق (14 / 3122) .

/ قوله: " يزيد وينقص " حال، يجوز أن يكون من عباس، ويجوز أن (1/246-أ) يكون من محمد بن عمرو، أو ممن روى منه، يظهر بالتأمل. قوله: " فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه " من نصبته فانتصب، والمراد من الصدور صدران، ذكر الجمع وأراد التثنية. قوله: "وهو ساجدا " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في " انتصب" وفيه من الأحكام: أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، ورفع اليدين للركوع وهو منسوخ. وفيه: أن يضع أولا كفيه، ثم ركبتيه، ثم قدميه، وهو قول الشافعي، ومالك. وعندنا السُّنَّة أن يضع أولا ركبتيه، ثم يديه " نذكره بدليله إن شاء الله تعالى. وفيه: أنه تورك في القعدة الأولى، وهو مذهب مالك، وعندنا مثل هذا محمول على العذر. 715- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو قال: أخبرني فُليح قال: حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حُميدِ، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مَسلمة فذكروا صلاةَ رسول الله- علي السلام- فقال أبو حُميدِ: أنا أعلمُكُم بصلاة رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم "، فذكَر بعضَ هذا، قال: ثم ركَعَ فوضَعَ يديه على رُكبتيه كَأنه قَابَض عليها" (1) ، وَوَتَر يَديهِ فتجافَى عن جنبيه، وقال: ثم سَجدَ فأمَكَنَ أنفَه وجَبهَتَهُ، ونَحى يديه عن جَنبيهِ، ووضعَ كَفيَهِ حَنْوَ مَنكبِيهِ، ثم رَفَع رأسَهُ حتى رَجَعَ كُلُّ عَظمِ في مَوضعه حتى فَرِغِ، ثم جَلَسَ فافترشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وأَقبلَ بصدْرِ اليُمْنَى على قِبَلَته، ووضعَ كَفهُ اليُمْنَى على رُكبته اليُمْنَى، وَكَفهُ اليُسْرَى على رُكبته اليُسْرَ ى، َ وأَشَار َبإصْبَعِهِ (2) .ً

_ (1) في سنن أبي داود: " عليهما ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في أنه يجافي يديه عن جنبيه في=

ش- عبد الملك بن عمرو بن قيس أبو عامر العقدي البصري. وفليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين أبو يحيى المدني، ويقال: اسمه: عبد الملك، وفليح لقب غلب عليه. روى عن: عثمان بن عبد الرحمن، وعامر بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وغيرهم. روى عنه: زياد بن سعد، وابن وهب، وأبو الربيع الزهراني، وغيرهم. قال ابن معين: هو ضعيف. وفي رواية: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه. وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به. مات سنة ثمان وستين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (1) . ومحمد بن مَسلمة بن " حريش بن "، خالد الحارثي الأنصاري أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو سعيد، شهد بدرا والمشاهد كلها. روى عنه: جابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والمسور بن مخرمة، والحسن البصري، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم. اعتزل الفتنة، وأقام بالربذة، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين، وصلى علي. مروان بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة. روى له: " النسائي، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي (2) . قوله: " ووتَّر يديه " بتشديد التاء، معناه: وضعهما على ركبتيه ممدود تين. قوله: " فتجافى عن جنبيه " أي: أبعد يديه عن جنبيه. قوله: " ونحى " أي: أبعد يديه عن جنبيه. قوله: " بصدر اليمنى " أي: الرجل اليمنى. والأحكام التي فيه ظاهرة، وقد مر ذكرها غير مرة.

_ = الركوع (260) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (863) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23 / 4775) . (2) المصدر السابق (26 / 5610) .

ص- قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عتبةُ بنُ أبي حكيمٍ، عن عبد الله ابن عيسى، عن العباس بن سهل، لم يذكر التوركَ نحو فُليحٍ (1) ، وذكر الحسنُ بنُ حُر نحو جِلسَة حديثِ فُليحٍ وعتبةَ. ش- عُتْبة بن أبي حكَيم أبو العباس الشامي الطبراني الأردني. سمع: عمرو بن حارثة، وطلحة بن نافع، ومكحولا، وعيسى بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وبقية بن الوليد، وصدقة بن خالد، وجماعة آخرون. قال يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح لا بأس به، وكان أحمد يوهنه قليلا. وقال النسائي: ضعيف. وقال الطبراني: هو من ثقات المسلمين. مات بصُور سنة سبع وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. قوله: " لم يذكر التورك " يعني: لم يذكر في روايته التورك في القعدة / كرواية فليح. (1/246-ب) 716- ص- نا عمرو بن عثمان، خبَّرنا بقية قال: حدثني عتبة قال: حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباسِ بن سهل الساعدي، عن أبي حُميد فيِ هذا الحديث قال: وإذا سَجدَ فَرج بين فَخذيه، غيرَ حامل بطنَهُ علىً شيء من فَخِذَيهَِ (3) .ً ش- عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، وبقية بن الوليد الحمصي. قوله: " غير حامل " حال من الضمير الذي في " فرَّج ". ص- قال أبو داود: رواه ابن المبارك قال: أنا فليح قال: سمعت عباس ابن سهل يحدثُ فلم أحفظهُ فحدثنيه، أرَاهُ ذكرَ عيسى بن عبد الله، أنه سمعه من عباسِ بنِ سهلٍ قال: حضرتُ أبا (4) حميد الساعدي (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " لم يذكر التورك، وذكر نحو حديث فلاح ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3771) . (3) تفرد به أبو داود. (4) في الأصل: " حضرت أنا وحميد " خطأ. (5) في سنن أبي داود:" بهذا الحديث ".

ش- أي: عبد الله بن المبارك. قوله: " فحدثنيه " من كلام فليح، فافهم. 717- ص- نا محمد بن معمر، نا حجاج بن المنهال، نا همام، نا محمد بن جُحَادةَ، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النبيّ- عليه السلام- في هذا الحديث قال: ف" سَجَدَ وقَعَتَا رُكبتَاهُ إلى الأرض قبلَ أن تَقَعَا كَفَّاهُ (1) ، ف" سَجَدً وضَعَ جَبهتَهُ بين كَفيهِ، وجَافَى عن إِبْطَيْهِ (2) . ش- محمد بن معمر بن ربعي القيسي البصري أبو عبد الله، يعرف بالبحراني. سمع: مؤمل بن إسماعيل، وحميد بن حماد، وأبا عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه: الجماعة، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. قال أبو بكر البزار، كان من خيار عباد الله. وقال الخطيب: كان ثقة (3) . وهمام بن يحيى العَوْذي. قوله: " وقعتا ركبتاه " من باب أكلوني البراغيث، وكذلك قوله: " قبل أن تقعا كفاه "، ويجوز أن يكون " ركبتاه " بدلا من الضمير الذي في "وقعتا "، و " كفاه " بدلا من الضمير الذي في " يقعا "، والمُعْرِب يُعْرِب بطريقه. وفيه كلام، لأن عبد الجبار لم يسمع من أبيه كما ذكرناه. ص- قال حجاج: قال همام: ونا شقيق قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- بمثل هذا. ش- أي: قال حجاج بن المنهال: قال همام بن يحيى: حدثنا محمد ابن جُحادة، وحدثنا شقيق بن سلمة الأسدي قال: حدَثني عاصم بن كليب، عن أبيه كليب بن شهاب (4) الجرمي الكوفي. روى عن النبي - عليه السلام- مرسلا ولم يدركه، وقد مر مرة.

_ (1) في سنن أبي داود: " قبل أن تقع كفاه قال: ... " (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 / 5621) . (4) في الأصل: " شهاب ".

ص- وفي حديث أحدهما- وكبر علمي أنه حديث محمد بن جُحادة-: وإذا نَهَض نَهَضَ على رُكبتَيهِ، واعتمدَ على فَخِنَيهِ. ش- أي: في حديث أحدهما من شقيق ومحمد بن جحادة- يعني شك فيهما- ثم قال: " وكبر علمي " أي: ظني- والعلم يأتي بمعنى الظن- أن الحديث حديث محمد بن جحادة، وليس حديث شقيق، وفيه: " إذا نهض ... " إلى آخره. 718- ص- نا مسدد، نا عبد الله بنِ داود، عنِ فطر، عن عبد الجبار بنِ وائل، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ اللهِ يرفعُ إِبهَاميْهِ في الصلاةِ إلى شَحْمةِ أذُنَيهِ (1) . ش- عبد الله بن داود الخريبي، وفِطر بن خليفة. وفيه حجة للحنفية. والحديث: أخرجه النسائي، وهو مرسل. وقد ذُكر أن من هنا إلى الحديث الذي رواه النضر بن علي سقطت لابن داسة (2) وثبتت لأبي عيسى منها ما هو للخولاني عن ابن الأعرابي، ومنها ما هو للؤلؤي. 719- ص- نا (3) عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبيد المحاربي قالا: نا محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن محارب، عن ابن عمر قال: كان النبط- عليه السلام- إذا قَامَ من الركعتينِ كَبرَ ورَفَعَ يديهِ (4) . ش- محمد بن عبيد بن محمد النحاس المحاربي أبو جعفر الكوفي. روى عن أبيه، ومحمد بن فضيل، ويحيى بن زكرياء بن أبي زائدة،

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: موضع الإبهامين عند الرفع (2 / 123) . (2) في الأصل: " لابن راشة " خطأ. (3) حدث هنا تقديم وتأخير في الأحاديث بين نسخة المصنف وسنن أبي داود، فذكر هذا الحديث تحت " باب من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من الثنتين " ولم يذكر هذا التبويب في نسخة المصنف. (4) تفرد به أبو داود.

وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، والترمذي، ولو حاتم، وأبو زرعة (1) ومحمد بن فضيل بن غزوان الكوفي. وهذا الحديث من جملة ما يحتج به الشافعية، وقد ذكرنا أن أحاديث الرفع في غير تكبيرة الإحرام منسوخة. 720- ص- نا الحسن بن عليّ، نا سليمان بن داود الهاشمي، ما عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن (2) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الرحمن الأعرج عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن على بن أبي طالب، عن رسول الله - عليه السلام-: أنه كانَ إذا قامَ إلى الصلاة المكتوبة كَبرَ، " رَفَعَ يَديهِ حَذوَ مَنكبَيه ويَصنعُ مثلَ ذلك إذا قَضَى قراءَتَه، وَإذا أرادَ (3) أن يركَع، / ويصنَعُهُ إذا فًرِغَ (4) من الركوع، ولا يَرفَعُ يَديه في شيء من صلاته وهو قَاعد، وإذا قامَ من السَّجدَتينِ يرفعُ (5) يديهِ كذلكَ وكَبَّرَ (6) . ش- سليمان بن داود بن داود (7) بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو أيوب، سكن بغداد. سمع:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 / 5446) . (2) " ابن عبد الرحمن " غير موجودة في سنن أبي داود، وذكر محقق تهذيب الكمال (15/ 432 / 433) أنه جاء في حواشي النسخ تعليق يتعقب صاحب " التهذيب " صاحب " الكمال " نصه: " كان فيه عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمان بن العباس، وعبد الرحمان زيادة لا حاجة إليها ". (3) في سنن أبي داود: " وأراد ". (4) في سنن أبي داود: " رفع ". (5) في سنن أبي داود:" رفع" (6) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا رفع رأسه من الركوع (226) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر والدعاء (2/129) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: سجود القرآن (1045) (7) " صح ".

إبراهيم بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن إدريس الشافعي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو يحيى صاعقة، والحسن بن علي الحلواني، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة. توفي ببغداد سنة سبع عشرة ومائتين. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . وموسى بن عقبة المطرفي المدني الأسدي. وعبيد الله بن أبي رافع، واسم أبي رافع: أسلم، ويقال: إبراهيم، مولى النبي- عليه السلام- كاتب على بن أبي طالب. سمع: عليا، وأباه، وأبا هريرة. روى عنه: الحسن بن محمد ابن الحنفية، وعبد الرحمن الأعرج، وعطاء بن يسار. وقال أبو حاتم: هو ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " إذا قضى قراءته " أي: إذا فرغ من قراءته. قوله: " ويصنعه " أي: يصنع رفع اليدين. قوله: " وهو قاعد " جملة حالية. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، " (3) وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي (علل الخلال" قال: سئل أحمد عن حديث علي هذا فقال: صحيح. وقال الشيخ في " الإمام": وقوله فيه: " وإذا قام من السجدتين" يعني: الركعتين. وقال النووي في " الخلاصة": وقع في لفظ أبي داود: " السجدتين"، وفي لفظ الترمذي:" الركعتين"، والمراد بالسجدتين: الركعتان. وقال الخطابي: وأما ما روي في حديث علي أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين، فلست أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه، وإن صح الحديث فالقول به واجب. انتهى. قلت: قد غلط الخطابي في هذا لكونه لم يقف على طرق الحديث، فافهم. وقال الطحاوي في " شرح الآثار": وقد روي عن علي خلاد

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11 / 2509) . (2) المصدر السابق (9 1 / 3632) . (3) انظر: نصب الراية (1 / 2 1 4- 13 4) .

هذا. ثم أخرج عن أبي بكر النهشلي، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه: أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعده. قال الطحاوي: فلم يكن علي- رضي الله عنه- ليرى النبي- عليه السلام- يرفع ثم يتركه إلا وقد ثبت عنده نسخه. قال: ويضعف هذه الرواية أيضاً أنه روي من وجه آخر وليس فيه الرفع، ثم أخرجه عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل (1) ، عن الأعرج به، ولم يذكر فيه: " الر فع " (2) . ص- قال أبو داود: في حديث أبي حميد الساعدي حين وصفَ صلاةَ النبي- عليه السلام- إذا قامَ من الركعتين رَفَعَ (3) يديه حتى يُحَاذي يهما مَنكِبَيهِ كما كبرَ عندَ افتتاح الصلاةِ (4) . ش- إنما ذكر هذا تفسيرا لقول علي- رضي الله عنه- في الحديث السابق: " وإذا قام من السجدتين " لنعلم أن المراد من السجدتين الركعتان كما ذكرناه، وهو الموضع الذي اشتبه على الخطابي. 721- ص- نا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن قتادة، عنِ نصر بن عاصم، عن مالك بن الحُويرث قال: رأيتُ النبي- عليه السلام- يرفعُ يَديه إذا كَبَّرَ، وإذا رَكَعَ، واذا رفَعَ رأسَهُ من الركوع حتى يَبْلُغَ بهما فُرُوعً أفُنَيهِ (5) .

_ (1) في الأصل: " عن عبد الله، عن عبد الله بن الفضل" كذا. (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (3) في سنن أبي داود: " كبر ورفع" (4) تفرد به أبو داود. (5) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود (25 / 391) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين (2 / 122) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (859)

ش- نصر بن عاصم الليثي البصري. روى عن: عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وابن معاوية الليثي. روى عنه: قتادة، وعمران بن حدير، وأبو سلمة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (1) .ْ والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. وقد أخرج البخاري ومسلم بنحوه من حديث أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث. وأخرجه الدارقطني عن أنس مثله. 722- ص- نا ابن معاذ، نا أبي ح ونا موسى بن مروان، نا شعيب - يعني: ابن إسحاق- المعنى، عن عمران، عن لاحق، عن بَشير بن نَهيك قال: قال أبو هُريرةَ: لو كنتُ قُدامَ النبيِّ- عليه السلام- لرأيتُ إبطَه (2) . زاد ابنُ معاذ: يقولُ لاحق: ألا تَرى أنه في صَلاة (3) ، ولا يَستطيع أن يكونَ قُدامَ رسول الله؟ وزاد موسى: يعني: إذا كَبرَ رَفعً يَديهِ (4) . ش- ابن معاذ عبيد الله بن معاذ بن معاذ البصري، وموسى بن مروان الرقي، وشعيب بن إسحاق الدمشقي. / وعمران بن حدير أبو عُبيدة (5) السدوسي البصري. روى عن: [1/247-ب] عكرمة مولى ابن عباس، وقسامة بن زهير، ولاحق بن حميد. روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، ووكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد: بخ بخ، كان ثقة. وقال ابن معين: ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (6) . ولاحق بن حميد بن سعيد بن خالد بن كثير أبو مجلز السدوسي الأعور البصري. سمع: عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وبَشير بن نَهيك، وجماعة آخرين. روى عنه: أيوب السختياني، وقتادة، وعمرانَ بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 / 6399) . (2) في سنن أبي داود: " إبطيه". (3) في سنن أبي داود: " الصلاة". (4) النسائي: كتاب الصلاة، باب: صفة السجود (2 / 212) . (5) فيه الأصل: "عَبدة " خطأ. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4484) .

حدير، وغيرهم. قال أبو زرعة: بصري ثقة، وكذلك قال ابن معين. مات في ولاية ابن هبيرة سنة ست ومائة. روى له الجماعة (1) . وبشير بن نَهيكِ السدوسي، ويقال: السلولي، أبو الشعثاء البصري. سمع: أبا هريرة، وبشير بن الخصاصية. روى عنه: النضر بن أنس، وأبو مجلز لاحق، وخالد بن سُمير. وقال أبو حاتم: تركه يحيى القطان. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " وزاد موسى " يعني: ابن مروان. والحديث أخرجه النسائي، وهذا حجة للحنفية أيضاً، لأن من رفع يديه إلى منكبيه لا يرى إبطه، ولا يرى الإبط إلا ممن يرفع يديه إلى أذنيه. 723- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلَ في الصلاة رَفَع يَديهِ مدا (3) . ش- يحيى القطان، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن. وسعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي مولاهم المدني. سمع: أبا هريرة. روى عنه: ابن أبي ذئب. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . قوله: " مدا " نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: رفعا مدا. ويجوز أن يكون " مدا" بمعنى " مادا "، ويكون حالا من الضمير الذي في " رفع "، والتقدير: حال كونه مادا يديه. 724- ص- ما عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي، عن

_ (1) المصدر السابق (1 3 / 6772) . (2) المصدر السابق (4 / 0 73) . (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير (239) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: رفع اليدين مدا (2 / 124) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 1 / 2293) .

جدي، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرةَ أنه قال: كان رسولُ الله إذا كَبَرَ للصلاة جَعَل يَديه حَذاءَ (1) مَنكبيه، وإذا ركَعَ فَعلَ مثلَ ذَلكَ، وَإذا رَفعَ للسجُوَد فَعلَ مثلَ فَلك، وإذا قَامَ مَنَ الركعتينِ فعلَ مثلً فلك (2) . ش- يحيى بن أيوب الغافقي المصري. وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، اسمه كنيته، وكان من سادات قريش، وكان فقيها عابدا يصوم الدهر كله، وكان يُعرف براهب قريش. روى عن جماعة من أصحاب النبي- عليه السلام-. روى عنه: أهل المدينة، والشعبي، والزهري، ومجاهد، وجماعة آخرون. وقال في " الكمال": قيل: اسمه: محمد، وقيل: اسمه: أبو بكر، وكنيته: أبو عبد الرحمن. والصحيح أن اسمه كنيته، وكان مكفوفا. مات بالمدينة سنة أربع وتسعين. روى له الجماعة (3) . 725- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة، عن ابن هُبيرة، عن ميمون المكي، أنه رَأى عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ وصلى بهم يُشيرُ بكفيه حينَ يَقُومُ، وحين يَركعُ وحين يَسجدُ، وحين يَنهَضُ للقيام، فيقوم فيُشيرُ بيَديه، فانطلقتُ إلى ابنِ عباس فقلت: إِني رأيتُ ابنَ الزبير ِصلى صَلاَةَ لم أرً أحداً يُصَليهَا، ووصفت (4) له هذه الإشارةَ، فقال: إنْ أحْبَبتَ أن تَنظُرَ إلى صلاةِ رسولِ اللهِ فاقتدِ بصلاةِ ابنِ الزبيرِ (5) . ش- ابن هُبيرةَ هو عبد الله بن كبيرة بن أسعد بن كهلان السبئي الحضرمي أبو هبيرة المصري. روى عن: مسلمة بن مخلد، وميمون

_ (1) في سنن أبي داود: "حذو". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع 000 (28) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33 / 43 72) . (4) في سنن أبي داود: "فوصفت". (5) تفرد به أبو داود.

المكي، وأبي تميم الجيشاني. روى عنه: حيوة بن شريح، ويحيى الأنصاري، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. مات سنة ست وعشرون ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . وميمون المكي روى عن: عبد الله بن الزبير، روى عنه: ابن هبيرة، روى له: أبو داود (2) . وفيه ابن لهيعة وهو معروف. 726- ص- نا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبان- المعنى- قالا: نا [1/248-أ] النضر بن كثير- يعني: السعدي- قال: / صلى إلى جَنبي عبدُ الله بنُ طاوس فِي مَسْجد الخيف، فكانَ إذا سَجَدَ السجدةَ الأولَى فَرفَعَ رأسَهُ منَها، رَفَعَ يَديه تِلقَاءَ وَجههَ، فَأنكَرتُ ذلك، فقلتُ لوهيبِ بن خالد، فقال (3) وهيب: تَصنعُ شيئاً لًم أرَ أحداً يصنَعُهُ؟ فقال ابنُ طاوس: رأيتُ أي يصنَعُهُ وقال أبي: رأيتُ ابنُ عباس يَصنَعَهُ، ولا أعلم إلا أنه قال: كان (4) النبي - عليه السلام- يصنَعُهُ (5) . ش- محمد بن أبان: [ابن] وزير البلخي أبو إبراهيم، يعرف بحمدويه، مستملي وكيع. سمع: وكيعا، وعبدة بن سليمان، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. روى عنه الجماعة إلا مس". وقال النسائي: هو ثقة. مات سنة أربع وأربعين ومائتين (6) . والنضر بن كثير السعدي أبو سهل البصري. رأى عبد الله بن طاوس، وروى عنه، وعن سعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. روى عنه: نصر بن علي، وإبراهيم الدورقي، وموسى بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16 / 3628) . (2) المصدر السابق (29 / 6343) . (3) في سنن أبي داود:" فقال له ". (4) كلمة" كان " غير موجودة في " سنن أبي داود" (5) النسائي: كتاب التطبيق، باب: رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه (2 / 232) . (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 5021) .

عبد الله البصري، وغيرهم. قال أبو حاتم: هو شيخ، فيه نظر. وقال أحمد: هو ضعيف الحديث.. وقال الدارقطني: فيه نظر. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . ووهيب بن خالد بن عجلان الباهلي البصري. وقال الحافظ أبو أحمد النيسابوري: هذا حديث منكر من حديث ابن طاوس. 727- ص- نا نصر بن عليّ، أنا عبد الأعلىِ، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا دَخلَ في الصلاة كَبرَ ورفَعَ يديهِ، وإذا رَكَعَ، وإذا قال: " سَمِعَ الله لمن حَمِدَهُ "، وإذا قامَ منَ الركعتين رفَعَ يديهِ، وبرفعُ ذلك إلى رسولِ اللهِ (2) . ش- نصر بن عليّ بن نصر البصري، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-. قوله: " وير فع ذلك " أي: الحديث. وأخرجه البخاري، وقال: ورواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام-. ص- قال أبو داود: الصحيحُ قولُ ابنِ عُمَر، وليس (3) بمرفوعِ. ش- أي: الصحيح أن هذا قول ابن عمر، وليس بمرفوع إلى النبي - عليه السلام-. ص- قال أبو داود: روى بقيةُ أولَه عن عبيدِ اللهِ وأسنده. ش- أي: روى بقية بن الوليد أول الحديث عن عبيد الله بن عمر

_ (1) المصدر السابق (29 / 6433) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع اليدين إذا قام من الركعتين (739) . (3) في سنن أبي داود: " ليس" 22. شرح سنن في داود 3

العمري. وقال الدارقطني: رواه بقية، عن عبيد الله، عن نافع بلفظ: " أن النبي- عليه السلام- كان إذا افتتح رفع يديه " لم يزد على هذا. ص- ور " ى هذا الحديثَ الثقفي، عن عبيدِ الله أوقفه (1) على ابن عُمَر، وقال فيه: إذا قامَ من الركعتينِ يرفَعهُما إلى ثَديَيْهِ، وهذا (2) الصحيح. ش- الثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن عبد الله بن الحكم بن أبي العاص أبو محمد البصري الثقفي. سمع: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم. روى عنه: هاشم بن القاسم، وقتيبة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومسدد، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وفيه ضعف. توفي سنة أربع وتسعين ومائة، ومولده سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة (3) . قوله: " وهذا الصحيح " أي: كونه موقوفا على ابن عمر هو الصحيح. وقد قلنا: أنه روي بأسانيدَ صحيحة عن ابن عمر خلاد هذا، فلا يكون هذا إلا وقد ثبت عنده نسخ. ص- ورواه الليث بن سعد، ومالك، وأيوب، وابن جريج موقوفا. ش- أي: روى هذا الحديثَ الليثُ بن سعد، ومالكُ بن أنس، وأيوب السختياني، وعبد الملك بن جريج موقوفا على ابن عمر- رضي الله عنه-. وقال الدارقطني: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا. ورواه أبو صخرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وقال: رواه إسماعيل بن أمية، والليث كذلك. ص- وأسنده حماد بن كلمة وحلَه عن أيوب.

_ (1) في سنن أبي داود:" وأوقفه" (2) في سنن أبي داود: " وهذا هو ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال له " / 3604) .

ش- أيوب السختياني. وقال البيهقي: نا أبو عبد الله الحافظ، نا محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق الصغاني، نا عفان، نا حماد ابن سلمة، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه حَذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. ص- لم يذكر أيوب ومالك الرفع إذا قام من السجدتينِ. ش- أما رواية أيوب فقد قال أبو الحسن محمد بن الحسين العُلوي: أنا أحمد بن (1) / محمد بن الحسن الحافظ، نا أحمد بن يوسف السلَمي، [1/248-ب] نا عمر بن عبد الله بن رزين أبو العباس السلمي، نا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائماً من ركوعه حَذَو منكبيه ويقول: كان رسول الله يفعل ذلك. وأما رواية مالك فعن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود. ص- وذكره الليث في حديثه. ش- أي: ذكر الرفع إذا قام من السجدتين الليثُ بن سعد في حديثه. ص- قال ابنُ جريج فيه: قلت لنافعِ: كان ابنُ عُمَر يجعلُ الأولَى أرفَعَهُن؟ قال: لا، سواء. قلت: أشِرْ لي، فأشَارَ إلى الثديينِ أو أسفلَ من ذلك. ش- أي: في هذا الحديث، والهمزة في " كان " للاستفهام. قوله: " يجعل الأولى أرفعهن " أي: يجعل الحالة الأولى- وهي حالة الافتتاح- أرفع الحالات.

_ (1) مكررة في الأصل.

قوله: " لا " أي: لا يجعل الأولى أرفعهن. قوله:" سواء " بالرفع " على أنه، (1) خبر مبتدأ محذوف، أي: الكل سواء، ويجوز أن ينصب على معنى: يجعلها سواء. 728- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع: أن عبدَ الله بنَ عُمَر كان إذا ابتدأ الصلاةَ يَرفعُ يَديهِ حَذوَ مَنكبَيه، وإذا رَفَعَ رأسَهُ من الرَكوع رَفَعَهُمَا دُون ذلك. ولم يذكر " رفَعَهُما دون ذلك " أحد غير مالك فيما علمت (2) . ش-" إذا ابتدأ" أي: إذا افتتح الصلاة. قوله: " دون ذلك " أي: دون المنكبين. قوله: " ولم يذكر رفعهما " إلى آخره من كلام أبي داود. " (3) واعلم أن حديث ابن عمر هذا رواه مالك في " موطئه" (4) عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبي- عليه السلام- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حَذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود. انتهى. لم يذكر فيه الرفع في الركوع، هكذا وقع في رواية يحيى بن يحيى، وتابعه على ذلك جماعة من رواة " الموطأ" منهم: يحيى بن بكير، والقعنبي، وأبو مصعب، وابن أبي مريم، وسعيد بن عفير، ورواه ابن وهب، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وابن أبي أويس، عن مالك، فذكروا فيه " الرفع من الركوع"، وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، وهو الصواب. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتاب " التقصي". وقال في" التمهيد": وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع، إنما وقع من جهة مالك، فإن جماعة حفاظا رووا عنه الوجهين جميعا. انتهى. وكذلك قال الدارقطني في " غرائب مالك" أن مالكا لم يذكر في

_ (1) في الأصل: " وابنه" كذا. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر: نصب الراية (1 / 408- 409) . (4) كتاب الصلاة، باب: افتتاح الصلاة (17) .

113- باب: من لم يذكر الرفع عند الركوع

" الموطأ " الرفع عند الركوع، وذكره في غير " الموطأ "، حدث به عشرون نفرا من الثقات الحفاظ، منهم: محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، وغيرهم. قال: وخالفهم جماعة من رواة " الموطأ" فرووه عن مالك وليس فيه الرفع من الركوع، منهم: الإمام الشافعي، والقعنبي، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير، وسعيد بن أبي مريم، وإسحاق الحُنيني، وغيرهم " (1) . وقد ذكرنا اعتراض الطحاوي واعتراض البيهقي علي والجواب عنه مستوفى. *** 113- باب: مَن لم يذكر الرفع عند الركوع أي: هذا باب في بيان أقوال من لم يذكر رفع اليدين عند الركوع، وفي بعض النسخ" باب فيما جاء فيمن لم يذكر ". 729- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم - يعني: ابن كليب- عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلى بكم صلاةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال: فَصلى، فلم يَرفعْ يديه إِلا مرةً (2) . ش- علقمة بن قيس / النخعي. والحديث: أخرجه الترمذي، [1/249-أ] وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي عن ابن المبارك، عن سفيان. واعترض على هذا الحديث بأمور، منها: ما رواه الترمذي (3) بسنده عن ابن المبارك قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود أنه

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا في أول مرة (257) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: مواضع أصابع اليدين في الركوع (2 / 186) . (3) جامعه (2 / 38) .

- عليه السلام- لم يرفع يديه إلا في أول مرة، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من الركعتين، ورواه الدارقطني ثم البيهقي في " سننهما "، وذكره المنذري في " مختصر السنن". ومنها: ما قال المنذري. وقال غير ابن مبارك: إن عبد الرحمن لم يسمع من علقمة. ومنها: تضعيف عاصم بن كليب، نقل البيهقي في " سننه" عن أبي عبد الله الحاكم أنه قال: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه في " الصحيح" وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى، وأن لفظه: " ثم لا يعود " في الرواية الأخرى غير محفوظ في الخبر. والجواب عن الأول: أن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه، وهو يدور على عاصم بن كليب، وقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به. وعن الثاني: أن قول المنذري غير قادح، فإنه عن رجل مجهول. وقال الشيخ في الإمام: وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في " مراسيله "، وإنما ذكره في كتاب " الجرح والتعديل " فقال: وعبد الرحمن بن الأسود أدخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها، وروى عن أبيه وعلقمة ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان في كتاب " الثقات، وقال: إنه مات فيِ سنة تسع وتسعين، فكان سِنُه سِنَّ إبراهيم النخعي، فإذا كان سنُّه سِنّ إبراهيم فما ا"نع من سماعه من القمة مع الاتفاق على سماع النَخعي منه؟ ومع هذا كله فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابا المتفق والمفترق " في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة. قلت: وكذا قال في " الكمال "، سمع عائشة زوج النبي- عليه السلام- وأباه وعلقمة بن قيس. وعن الثالث وهو تضعيف عاصم فقد قلنا: إن ابن معين قال فيه: ثقة

وأنه من رجال الصحيح، وقول الحاكم أن حديثه لم يخرج في " الصحيح " غير صحيح، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة، عن علي في الهدي، وحديثه عنه عن علي: " نهاني رسول الله- عليه السلام- أن أجعل خاتمي في هذه والتي تليها "، وغير ذلك، وأيضا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو في " المستدرك " عن جماعة لم يخرج لهم في " الصحيح"، وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله: " لم يخرج حديثه في الصحيح " أي: هذا الحديث فليس ذلك بعلة، وإلا لفسد علي مقصوده كله من كتابه " المستدرك ". 730- ص- نا (1) الحسن بن علي، نا معاوية وخالد بن عمرو بن سعيد وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان لإسناده بهذا قال: " فَرَفَعَ يَديْهِ في أؤَلِ مَرةِ، وقال بعضُهُم: مَرةَ وَاحدةَ (2) . ش- معاوية 000 (3) . وخالد بن عمرو بن سعيد القرشي الأموي، أبو سعيد (4) الكوفي. سمع: الثوري، وهشاما الدستوائي، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: الحسن بن علي، ويوسف بن عدي، وإبراهيم بن موسى الفراء، وغيرهم. روى له: أبو داود، وابن ماجه (5) . وأبو حذيفة النهدي اسمه: موسى بن مسعود. قوله: "بهذا " أي: بهذا الحديث، قال في روايته: " فرفع يديه في أول مرة" 731- ص- نا (6) عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس، عن عاصم بن

_ (1) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود بعد الحديثين الآتيين. (2) تفرد به أبو داود. (3) بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات. (4) في الأصل: " سعد" خطأ. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1638 / 8) . (6) ذكر هذا الحديث في سنن أبي داود تحت الباب السابق.

كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة قال: قال عبد الله: عَلمَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّلاةَ فكبرَ فرَفَعَ يَديْهِ، ف" رَكَعَ طبقَ يَديه بين رُكْبَتَيْه قال: فَبَلَغ ذَلكَ سَعْداً فقال: صَدَقَ أخي، كُنَّا (1) نفعلُ هذا، ثم أمرْنًا بهذا - يعني: الإمساكَ على الركبتينِ- (2) . ش- ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الكوفي. قوله: " طبَّقَ يديه " من التطبيق، وهو أن يجعل بطن كل واحدة لبطن الأخرى، ويجعلهما بين فخذيه في الركوع، وهو مذهب ابن مسعود وهو [1/249-ب] / منسوخ، كان في أول الإسلام. وقال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم مستدلا بما رواه الجماعة عن مصعب بن سعد يقول: صليت إلى جنب أبيَ فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنُهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب (3) . واستدل البيهقي بحديث رواه عمرو بن مرة، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي سبرة الجُعفي، قال: قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يُطبق أصحاب عبد الله، فقال رجل من المهاجرين: ما يحملك على هذا؟ قلت: كان عبد الله يفعله، ويذكر أن رسول الله كان يفعله، فقال: صدق عبد الله، ولكن رسول الله ربما صنع الأمر ثم يُحدث الله له أمرأ آخر، فانظر ما اجتمع علي المسلمون فاصنعه، فكان بعد لا يُطبق. قال البيهقي: وهذا الذي صار إليه موجود في وصف (4) أبي حُميد ركوع النبي- عليه السلام- (5) . وعند الحاكم على شرط مسلم: " " بلغ سعد بن أبي وقاص التطبيق

_ (1) في سنن أبي داود: " قد كنا ". (2) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: التطبيق (2 / 184) . (3) جامع الترمذي (2 / 44) . (4) في السنن الكبرى: "حديث أبي حميد وغيره في صفة ركوع النبي صلى الله عليه وسلم ". (5) السنن الكبرى (2 / 84) .

عن عبد الله قال: صدق عبد الله، كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا، ووضع يديه على ركبتيه ". وفي " الأوسط ": " كان النبي- عليه السلام- إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه ". وقال ابن عمر في حديث غريب قاله الحازمي: إنما فعله النبي- عليه السلام- مر ة. وفي كتاب " الفتوح " لسيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، عن مسروق سألت عائشة عن إطباق ابن مسعود يديه بين ركبتيه إذا ركع؟ فقالت: إن النبي- عليه السلام- كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، زيادة من الله زاده إياها في حجته، فرأى أناسا يصنعون كما كان يصنع الرهبان، فحولهم من ذلك إلى ما علي الناس اليوم من إطباق الركب بالأكف وتفريج الأصابع. وفي "علل الخلال" عن يحيى بن معين: هذان ليسا بشيء- يعني: حديث ابن عمر هذا وحديث محمد بن سيرين: أنه- عليه السلام- ركع يطبق. قوله: " فبلغ ذلك سعداً" يعني: سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- فإن قيل: ما مناسبة هذا الحديث في هذا الباب؟ قلت: كأنه أشار بهذا إلى ما قال بعضهم من القائلين بالرفع، يجور أن يكون ابن مسعود نسي الرفع في غير التكبيرة الأولى كما نسي في التطبيق، فخفي علي كما خفي علي نسخ التطبيق، ويكون ذلك كان في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخا، وصار الأمر في السُّنة إلى رفع اليدين عند الركوع، ورفع الرأس منه. والجواب عن هذا: أن هذا مستبعد من مثل ابن مسعود، والدليل علي: ما أخرجه الدارقطني في " سننه "، والطحاوي في " شرح الآثار " عن حصين بن عبد الرحمن قال: دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو ابن مرة قال: صلينا في مسجد الحضرميين فحدثني القمة بن وائل عن أبيه، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يفتتح، وإذا ركع، وإذا

سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباه رأى رسول الله إلا ذلك اليوم الواحد فحفظ عنه ذلك، وعبد الله بن مسعود لم يحفظه، إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. انتهى. ورواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " ولفظه: أحَفِظَ وائلٌ ونسي ابن مسعود؟ ورواه الطحاوي في" شرح الآثار " وزاد فيه: فإن كان رآه مرة يرفع، فقد رآه خمسين مرة لا يرفع. وقال صاحب " التنقيح ": قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق: هذه علة لا تسوي سماعها، لأن رفع اليدين قد صح عن النبي- عليه السلام- ثم الخلفاء الراشدين، ثم الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، قد نسي ابن مسعود من القراَن ما لم يختلف فيه المسلمون بعدُ وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيفية قيام الاثنين خلف [1/250-أ] الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي- عليه السلام- / صلى الصُبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي- عليه السلام- بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي- عليه السلام- (وَمَا خَلَقَ الذكر وَالأنثَى) (1) ، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين؟ انتهى. والجواب عن ذلك، أما قوله: " لأن رفع اليدين قد صح عن النبي - عليه السلام- " فنقول: قد صح تركه أيضاً كما في رواية الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وأما قوله:" ثم الخلفاء الراشدين " فممنوع، إذ قد صح عن عمر وعلي- رضي الله عنهما- خلاد ذلك كما ذكرناه، والذي رُوي عن عمر في الرفع في الركوع، والرفع منه. ذكر البيهقي سنده، وفيه مَن هو

_ (1) سورة الليل: (3) .

مستضعف. ولهذا قال: ورويناه عن أبي بكر وعمر وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصحة كما فعل ابن إسحاق المذكور. وقال علاء الدين ا"رديني في " الجوهر النقي في الرد على البيهقي": ولم أجد أحداً ذكر عثمان- رضي الله عنه- في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع وأما قوله: " ثم الصحابة والتابعين " فغير صحيح أيضاً، فإن في الصحابة مَن قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح، وهم الذين ذكرناهم سالفا، وكذا جماعة من التابعين منهم: الأسود، وعلقمة، وإبراهيم، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وأبو إسحاق، وغيرهم. روى ذلك كله ابن أبي شيبة في " مصنفه " بأسانيد جيدة. وروى ذلك أيضاً بسند صحيح عن أصحاب علي وعبد الله، وناهيك بهم. وأما قوله: " وليس في نسيان عبد الله " إلى آخره، فدعوى لا دليل عليها، ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه، والأدب في هذه الصور التي نسبه فيها إلى النسيان أن يقال: لم يبلغه، كما فعل غيره من العلماء. وقوله: " ونسي كيفية قيام الاثنين خلف الإمام " أراد به ما رُوي أنه صلى بالأسود وعلقمة، فجعلهما عن يمينه ويساره، وقد اعتذر ابن سيرين عن ذلك بأن المسجد كان ضيقا. ذكره البيهقي في باب ا"موم يخالف السنَة في الموقف (1) . وقوله: " ونَسي أنه- عليه السلام- صلى الصبح في يوم النحر في وقتها " ليس بجيد، إذ في " صحيح البخاري" وغيره عن ابن مسعود: " انه- عليه السلام- صلى الصبح يومئذ بغلس "، فما نسي أنه صلاها في وقتها، بل أراد أنه صلاها في غير وقتها المعتاد، وهو الإسفار، وقد يُبين ذلك بما في " صحيح البخاري" من حديثه: "ف" كان حين يطلع

_ (1) السنن الكبرى: كتاب الصلاة (3 /98) .

الفجر قال: إن النبي- عليه السلام- كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان في هذا اليوم ". قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس، والفجر حين يبزغ الفجر. وقوله: " ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد " إلى آخره. أراد بذلك ما رُوي عن ابن مسعود: " أنه قال: هُيئت عظام ابن آدم للسجود، فاسجدوا حتى بالمرافق "، إلا أن عبارة ابن إسحاق ركيكة، والصواب أن يقال: من كراهية وضع المرفق والساعد. وفي "المحتسب " لابن جني قرأ: (والذكًرَ وَالأنثَى) بغير " ما "، النبي - عليه السلام-، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وفي " الصحيحين": " أن أبا الدرداء قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله" يثبت أن ابن مسعود لم ينفرد بذلك، ولا نسلم أنه نسي كيف كان النبي- عليه السلام- يقرؤها، وإنما سمعها على وجه آخر فأدى كما سمع. قلت: قوله، " في أول كلامه " لا تسوي " لفظة عامية، والصواب أن يقال: لا تساوي، وفي " الصحاح " [قال] الفراء: هذا الشيء لا يساوي- كذا ولم يعرف يُسوي كذا، وهذا لا يساويه أي لا يعادله. 732- ص- نا محمد بن الصباح البزاز قال: نا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أن رسولَ الله- عليه السلام- كان إذا افْتَتَح الصلاة رَفَعَ يديه إلى قريب مِن أذنيهِ، ثم لا يَعُوَد " (1) . [1/250-ب] /ش- أي: لا يعود بعد ذلك إلى رفعَ اليدين، وفيه مسألتان، الأولى: أن رفع اليدين إلى قريب الأذنين. والثانية: أنه في تكبيرة الافتتاح ليس إلا، وما رُوي غير ذلك فمنسوخ كما ذكرناه غير مرة.

_ (1) تفرد به أبو داود.

ص- قال (1) أبو داود: روى هذا الحديث هشيم وخالد، وابنُ إدريس، عن يزيدَ بن أبي زياد، لم يذكروا: " ثم لا يعودُ ". ش- أي: هشيم بن بشير الواسطي، وخالد بن مهران الحذاء، وعبد الله بن إدريس، وأشار أبو داود بهذا الكلام إلى انفراد شريك برواية هذه الزيادة، ولهذا قال الخطابي: لم يقل أحد في هذا: "ثم لا يعود " غير شريك، وأشار أيضاً إلى تضعيف الحديث، ولهذا قال الشافعي: ذهب سفيان أي تغليظ يزيد، وفي " تاريخ ابن عساكر " عن الأوزاعي: هو مخالف السّنَة. وقال أبو عمر في " التمهيد ": تفرد به يزيد، ورواه عنه الحُفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله: " ثم لا يعود ". وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين: " ثم لا يعود ". وقال الدوري عن يحيى: ليس هو بصحيح الإسناد. وقال البيهقي عن أحمد: هذا حديث واه، قد كان يزيد يحدث به لا يذكر: "ثم لا يعود " ف" لقن أخذه، فكاًن يذكره فيه. وقال البخاري: إنما حدث ابن أبي ليلى هذا من حفظه. وقالت جماعة: إن يزيد (2) كان تغير بآخره، وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة كما أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم: ثنا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: " رأيت النبي- عليه السلام- حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه. فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد. قال: لا أحفظ هذا، ثم عاود به فقال: لا أحفظه. وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول، يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ، ف" كبر ساء حفظه، وكان يقلب الأسانيد، ويزيد في المتون، ولا يميز، وادعوا المعارضة أيضاً برواية إبراهيم بن بشار، عن سفيان، ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله

_ (1) جاء هذا النص في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي. (2) في الأصل: " يزيدا ".

- عليه السلام- إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قال سفيان: ف" قدمت الكوفة سمعته يقول: " يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود " فظننتهم لقنوه. رواه الحاكم ثم البيهقي عنه. قال الحاكم: لا أعلم ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو ثقة من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة جالس ابن عيينة نيفا وأربعين سنة. ورواه البخاري في كتابه في " رفع اليدين": حدثنا الحميدي، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد بمثل لفظ الحاكم. قال البخاري: وكذلك رواه الحُفَّاظ ممن سمع يزيد قديما منهم: شعبة، والثوري، وزهير، وليس فيه " ثم لم يعد " انتهى. وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء": يزيد بن أبي زياد كان صدوقا إلا ابنه " كبر تغير، فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة ليس بشيء. قلت: يعارض قول أبي داود قول ابن عدي في "الكامل ": رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد لإسناده وقالوا فيه: " ثم لم يعد ". وأما قول الخطابي: " لم يقل أحد في هذا ثم لا يعود غير شريك"، فغير صحيح، لأن شريكا قد توبع عليها كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكرياء، ثني يزيد بن أبي زياد به نحوه. وأخرجه البيهقي في " الخلافيات " من طريق النضر بن شميل، عن إسرائيل- هو ابن يونس بن أبي إسحاق-، عن يزيد بلفظ:" رفع يديه حذو أذنيه ثم لم يعد ". وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث حفص بن عمر، أنا حمزة الزيات كذلك. وقال: لم يروه عنه إلا حفص. تفرد به محمد بن حرب، ثم إنا نظرنا في حال يزيد فوجدنا [1/251-أ] العجلي / قال فيه: جائز الحديث. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: يزيد وإن كان قد تكلم فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش، فهو مقبول القول عدل ثقة. وقال

أبو داود: ثبت، لا أعلم أحداً ترك حديثه، وغيره أحب أي منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه في آخر عمره اختلط. و" ذكره ابن شاهين في كتاب " الثقات" قال: قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وخرّج ابن خزيمة حديثه في " صحيحه "، وقال الساجي: صدوق. وكذا قاله ابن حبان، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم، وخرج حديثه في " صحيحه "، واستشهد به البخاري، فلما كانت حاله بهذه المثابة جاز أن يُحمل أمره على أنه حدّث ببعض الحديث تارة وبجملته أخرى، أو يكون قد نسي أو، ثم تذكر، وأما دعوى المعارضة برواية إبراهيم بن بشار الرمادي فلا تتجه، لأنه لم يرو هذا المتن بهذه الزيادة غير إبراهيم بن بشار، كذا حكاه الشيخ في " الإمام" عن الحاكم، وابن بشار قال فيه النسائي ليس بالقوي، وذمه أحمد ذما شديدا. وقال ابن معين: ليس بشيء لم يكن يكتب عند سفيان، وما رأيت في يده ق" قط، وكان يُملي على الناس ما لم يقله سفيان. ورماه البخاري وابن الجارود بالوهم، فجائز أن يكون قد وهم في هذا، والله أعلم. 733- ص- نا عبد الله بن محمد الزهري، نا سفيان، عن يزيد نحو شريك لم يقل: " ثم لا يعود ". وقال سفيان: قال لنا بالكوفة بعدُ: "ثم لا يعودُ " (1) . ش- سفيان بن عيينة، قد ذكرنا هذه الرواية آنفا من [طريق] إبراهيم ابن بشار، ودعواهم المعارضة بهذه الرواية وذكرنا جوابها. قوله: " قال لنا بالكوفة " أي: قال لنا يزيد بن أبي زياد بالكوفة بعد أن قال لنا بمكة من غير هذه الزيادة:" ثم لا يعود،، وقد عرفنا حال يزيد ابن أبي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي أبي عبد الله، وذكر أبو الحارث الفردي: قال أبو الحسن: يزيد بن أبي زياد جيد الحديث.

_ (1) تفرد به أبو داود.

734- ص- نا حسين بن عبد الرحمن، أنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيتُ رسول الله- عليه السلام- رَفَعَ يَديه حين افْتتحَ الصلاة ثم لم يَرفَعْهُمَا حتى انصَرفَ (1) . ش- حسين بن عبد الرحمن الجرجرائي. روى عن طلق بن غنام، وعبد الله بن نمير، والوليد بن مسلم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الأنصاري الفقيه، الكوفي، قاضيها. أبوه من كبار التابعين ولجده صحبة. سمع: عطاء بن أبي رباح، والشعبي، ونافعا مولى ابن عمر، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن جريج، وشريك، وغير هم. قال أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال أحمد: هو سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقهه أحب إلي من حديثه، حديثه فيه اضطراب. وقال يحيى: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن عبد الله: كان فقيها صاحب سُنة، صدوقا، جائز الحديث. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وعيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن حكيم. روى عنه: أخوه محمد. قال ابن معين: ثقة. روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. والحكم بن عتيبة. قوله: "حتى انصرف" أي: خرج من الصلاة بالسلام. ص- قال أبو داود: هذا الحديث ليس بصحيحٍ.

_ (1) تفرد به أبو داود.

114- باب: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة

ش- كأنه ضعفه بمحمد بن أبي ليلى، وذكره البخاري في كتابه في "رفع اليدين " معلقا لم يصل سنده به، ثم قال: وإنما روى ابن أبي ليلى هذا من حفظه. فأما من روى عن ابن أبي ليلى في كتابه فإنما حدث عنه عن يزيد بن أبي زياد، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد والمحفوظ ما رُوي عن الثوري، وشعبة وابن عيينة قديما ليس فيه: " ثم لم يرفع ". قلت: وإن سلمنا أن حديث محمد بن أبي ليلى / ضعيف، أليس هو [1/251-ب] متابع ليزيد بن أبي زياد؟ ويؤكده أيضاً حديث ذكره في " التمهيد " عن أبي هريرة: " أنه كان يصلي بهم، وكان لا يرفع اليدين إلا حين يفتتح الصلاة، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم". *** 114- باب: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة أي: هذا باب في بيان وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة، وفي بعض النسخ: "باب فيما جاء في وضع اليمين على اليسار في الصلاة" 735- ص- نا نصر بن عليّ، نا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين، وَوَضع اليدِ على اليدِ من السنة (1) . ش- نصر بن علي بن نصر البصري، وأبو أحمد الزبيري. والعلاء بن صالح التيمي. روى عن: عدي بن ثابت، والمنهال بن عمرو، وأبي سليمان المؤذن، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن نمير، وأبو أحمد، وأبو نعيم. قال ابن معين: ثقة. وفي رواية: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وزعة بن عبد الرحمن الكوفي. روى عن ابن عباس، وعبد الله

_ (1) تفرد به أبو داود. *. شرح سنن أبي داوود 3

ابن الزبير. روى عنه: مالك بن مغول. روى له: أبو داود، وابن ماجه. وفيه مسألتان، الأولى: صف القدمين في القيام، وعن هذا قال أصحابنا: يستحب للمصلي أن يكون بين قدميه في القيام [قدر] أربع أصابع يديه، لأن هذا أقرب للخشوع. والثانية: وضع اليد على اليد في القيام أيضاً، وقد ذكرنا الكيفية فيه عن قريب. وقال ابن حزم: وروينا فعل ذلك عن النخعي، وأبي مجلز، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، وابن سيرين، وأيوب، وحماد بن سلمة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، والثوري، لإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير، وداود. وقال ابن الجوزي: هو مستحب عندنا. و"لك روايتان، إحداهما: كقولنا، والثانية: إنه غير مستحب إنما هو مباح، وفي " المدونة ": يكره فعله في الفرض، ولا بأس به في النافلة إذا طال القيام. قال أبو عمر: رواية ابن القاسم عنه إرسال اليدين، وهو قول الليث بن سعد. وروى ابن نافع، وعبد الملك ومطرف عن مالك: توضع اليمنى على اليسرى في الفريضة والنافلة، وهو قول المديني من أصحابه: أشهب، وابن وهب، وابن عبد الحكم. 736- ص- نا محمد بن بكار بن الريان، عن هشيم بن بشير، عن الحجاجِ بن أبي زينب، عن أي عثمان النهدي، عن ابن مسعود أنه كان يُصَفي فوضعَ يده اليُسْرى على اليُمنى، فَراَهُ النبي- عليه السلام-، فَوضعً يدَه اليُمنى على اليُسرى (1) . ش- محمد بن بكار بن الريان الهاشمي مولاهم البغدادي الرصافي،

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: في الإمام "ذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه (2 / 126) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: وضع اليمن على الشمال في الصلاة (811) .

أبو عبد الله. سمع: قيس بن الربيع، وهشيما، وأبا عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال صالح بن محمد البغدادي: هو صدوق يحدث عن الضعفاء. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين في ربيع الآخر. والحجاج بن أبي زينب الواسطي، أبو يوسف السُّلمي الصيقل. روى عن: أبي عثمان النهدي، وأبي سفيان طلحة بن نافع. روى عنه: هشيم، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وأبو عثمان النهدي: اسمه: عبد الرحمن بن قُل من قضاعة. والحديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه. وفي أفراد البخاري عن سهل بن سعد قال: " كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". وعند مسلم عن وائل بن حجر: " رأيت النبي- عليه السلام- وضع يده اليمنى على اليسرى ". وعند ابن خزيمة: " وضع كفه اليمنى على ظهر كفه والرصغ والساعد ". وفي لفظ: ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها. وفي لفظ: وضعها على صدره. وعند البيهقي: قبض على شماله بيمينه. وعند البزار: عند صدره. وذكر البيهقي من حديث عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن أبي العباس عبد الله بن عباس: (فَصَل لربكَ وَانْحَرْ) قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. 737- ص- نا محمد بن محبوب، نا حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عبن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، أن عليا رضي الله عنه- قال /: السنةُ (1) وضع الكَف على الكَف في الصلاة [1/252-أ] تحت السرة (2) .

_ (1) في سنن أبي داود:" من السنة". (2) تفرد به أبو داود.

ش- محمد بن محبوب، وقيل: إن محبوبا لقب، وهو ابن الحسن البناني، أبو عبد الله البصري. روى عن: حماد بن سلمة، وأبي عوانة وحماد بن زيد، وغيرهم. روى عنه: مسدد، وأبو داود، والبخاري، وكان ابن معين يثني عليه ويقول: هو كثير الحديث، وكان مسدد خيرا منه. توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين. روى له النسائي. وعبد الرحمن بن إسحاق الكوفي أبو شيبة. روى عن: أبيه، والشعبي، والنعمان بن سعد، وغيرهم. روى عنه: عبد الواحد بن زياد، ومحمد بن فضيل، وأبو معاوية، وغيرهم. قال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: ِ ليس بقوي. وقال البخاري: فيه نظر. روى له: الترمذي، وأبو داود. وزياد بن زيد السوائي الأعسم. روى عن: أبي جحيفة، وروى عنه: عبد الرحمن بن إسحاق. قال الذهبي: لا يعرف. وقال أبو حاتم: مجهول. روى له أبو داود. وأبو جحيفة: وهب بن عبد الله السوائي الصحابي. وهذا الحديث ليس بموجود في غالب نسخ أبي داود، وإنما هو موجود في النسخة التي هي من رواية [ابن] داسة، ولذلك لم يعزه ابن عساكر في " الأطراف" إليه، ولا ذكره المنذري في " مختصره"، ولم يعزه ابن تيمية في " المنتقى، إلا لمسند أحمد، والشيخ محيى الدين لم يعزه إلا للدارقطني. والبيهقي في "سننه" لم يروه إلا من جهة الدارقطني، وما عزاه لأبي داود إلا عبد الحق في " أحكامه". واستدل به أصحابنا: أن سُنَة الوضع تحت السرة، ويؤيد هذا الحديث ما رواه ابن حزم عن (1) حديث أنس- رضي الله عنه- " من أخلاق النبوة وضع اليمين على الشمال تحت السرة". وروى الطبراني في "معجمه

_ (1) كذا.

115- باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء

الكبير " من حديث إبراهيم بن أبي معاوية، عن أبيه، عن الأعمش، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي الدرداء: " من أخلاق النبيين صلى الله عليهم أجمعين وضع اليمين على الشمال في الصلاة ". وقال الترمذي: نا قتيبة، نا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قبيصة ابن هُلب، عن أبيه قال: كان رسول الله يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه. قال: وفي الباب عن وائل بن حجر وغطيف بن الحارث، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سعد. قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- والتابعين ومَن بعدهم، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة. ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم. *** 115- باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء أي: هذا باب في بيان ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، وفي بعض النسخ: " باب فيما يستفتح به ". 738- ص- نا عُبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن على بن أبي طالب قال: " كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قَامَ إلى الصلاة كبرَ ثم قال: وَجهتُ وَجْهِي للذي فَطَرَ السمواتِ واَلأرض حنيفا (1) ومَا أنَاَ من المشركينَ، إن صَلاتي ونُسُكِي ومَحيايَ ومماتي لله رب العالمَينَ، لا شريكَ له، وبذلك أمرتُ وأنا أولُ المسلمينَ، اللهم أنت الملكُ لا إلهَ إلا أنتَ ربي (2) ، وأنا عبدُكَ، ظلمتُ نَفْسِي فاعْترفْتُ بذنبِي، فاغفر لي ذُنُوبي

_ (1) في سنن أبي داود: "حنيفا مسلماً ". (2) في سنن أبي داود: " لا إله لي إلا أنت، أنت ربي"

جميعا، لا (1) يَغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، واهدني لأحسن الأخلاقِ، لا يَهْدِي (2) لأحسنِهَا إلا أنتَ، واصرف عنَّي سَيئَها، لا يصرف سَيئَها إلا أنت لبيكَ وسعْديْكَ، والخيرُ كله في يديكَ (3) ، أنا بكَ وإليكَ، تباركتَ وتَعاليتَ، أَستغْفِرُكَ وأتوبُ إليكَ، وإذا ركعِ قال: اللهم لكَ رَكَعْتُ، وبكَ آمنت، ولك أسلمتُ خشعَ لك سَمعِي وبَصرِي ومُخَّي وعظامِي وعَصَبِي، وإذا رفعَ قال: سَمِعَ اللهُ لمن حَمدَهُ، رَبّنا ولكَ الحمدُ مِلءَ السموات والأرضِ وما بينهما (4) ، ومِلءَ مَا شئتَ من شيء بعدُ، وإذا سَجَدَ قال. اللهم لك سجدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمتُ، سُجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَهُ فَصَوَّرَهُ (5) فأحسنَ صُورتَه، فَشَق (6) سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، وتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ، وإذا سَلَمَ من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أَسرفتُ، وما أنتَ أعلمُ به مني، أنتَ المقدمُ والمؤخرُ لا إله إلا أنتَ " (7) . ش- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون الماجشون، قد ذكرناه، وعمه الماجشون اسمه: يعقوب بن أبي سلمة، أبو يوسف، المدني القرشي التيمي، أخو عبد الله بن أبي سلمة. روى عن: عبد الله بن، [1/252-ب] عمر /، وقيل: سمع منه، وسمع من عمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن الأعرجْ، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، وهؤلاء كلهم يعرفون (1) في سنن أبي داود:" إنه لا". (2) في سنن أبي داود: " لا يهد ني". (3) في سنن أبي داود بعد هذا: " والشر ليس إليك". (4) في سنن أبي داود: " وملء ما بينهما". (5) في سنن أبي داود: " وصوره". (6) في سنن أبي داود:" وشق". (7) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (1 77 / 1 0 2، 2 0 2) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (266) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة (2 / 129) ، وباب: نوع آخر منه (2/292) ، وباب: نوع آخر (2 / 0 22- 221) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رفع اليدين إذا ركع 00. (864) ، وباب: سجود القرآن (1054) .

الماجشون، مات سنة أربع وستين ومائة، روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وعبيد الله بن أبي رافع أسلم أو إبراهيم، مولى النبي- عليه السلام-. قوله: " وجهت وجهي " أي: قصدت بعبادتي "للذي فطر السموات " والأرض، أي: ابتدأ خلقهما، وقيل: معناه: أخلصت ديني وعملي. قوله: " حنيفا " أي: مستقيما مخلصا. وقال أبو عبيد: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم- عليه السلام-، ويقال: معناه مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، وأصل الحنَف: الميل، ويكون في الخير والشر، ومنه يصرف إلى ما تقتضيه القرينة، والنسبة إليه حنيفي، وأما الحنفي بلا ياء فهو الذي ينسب إلى أبي حنيفة في مذهبه، حذف هاهنا الياء ليكون فرقأ بينهما، وانتصاب " حنيفا " على أنه حال من الضمير الذي في " وجهت " أي: حال كوني في الحنيفية. قوله: ما وما أنا من المشركين " بيان للحنيف بإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافرِ من عابد وثن وصنم ويهودي، ونصراني ومجوسي، ومرتد وزنديق، وغيرهم. قوله: " إن صلاتي " يعني: عبادتي" ونسكي " يعني: تقربي كله، وقيل: وذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: (فَصَل لرَبّكَ وَانْحَرْ) وقيل: صلاتي وحجي، وأصل النسك: العبادة من الَنسيكة، وهي الفضة المذابة المصفاة من كل خلط، والنسيكة أيضاً: كل ما يتقرب به إلى الله عَز وجَل. قوله: " ومحياي ومماتي " أي: وما آتيه في حياتي وأموت علي من الإيمان والعمل الصالح، خالصة لوجهه لا شريك له، وبذلك من الإخلاص أمرت في الكتاب " وأنا أول المسلمين "، ويقال: ومحياي ومماتي، أي: حياتي وموتي، ويجور فتح الياء فيهما وإسكانها، والأكثرون على فتح ياء محياي وإسكان ياء مماتي، واللام في " لله " لام الإضافة، ولها معنيان: الملك والاختصاص، وكلاهما مراد هاهنا، والرب ا"لك، والسيد، والمدبر، والمربي، والمصلح، فإن وصف الله

برب لأنه مالك، أو سيد فهو من صفات الذات، وإن وصف بأنه [المدبر] ، لأنه مدبر خلقه ومربيهم، ومصلح لأحوالهم فهو من صفات فعله، ومتى دخلته الألف واللام اختص بالله تعالى، وإذا حذفنا جار إطلاقه على غيره فيقال: رب ا"ل ورب الدار ونحو ذلك، والعالَمون جمع عالَم، وليس للعالَم واحد من لفظه، والعالَم اسم " سوى الله تعالى، ويقال: الملائكة والجن والإنس، وزاد أبو عبيدة: والشياطين. وقيل: بنو آدم خاصة. وقيل: الدنيا وما فيها، ثم هو مشتق من العَلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه، وقيل: من العِلم، فعلى هذا يختص بالعقلاء. وذكر ابن مالك أن العالمين اسم جمع لمن يعقل، وليس جمع عالم، لأن العالَم عام، والعالَمين خاص، ولهذا منع أن يكون الأعراب جمع عرب، لأن العرب للحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين. وقال الزمخشري: إنما جمع ليشمل كل جنس مما سُمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء، أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم فيه. قوله: " وأنا أول المسلمين" من هذه الأمة، قاله قتادة، أو في هذا الزمان، قاله الكلبي، أو بروحي مذ كنتُ، كقوله- عليه السلام-: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين"، وفي رواية: " وأنا من المسلمين" بلا " أول". قوله: " اللهم أنت الملك " قد ذكرنا معنى " اللهم" مستوفى، ومعنى أنت الملك، أي: ا"لك الحقيقي لجميع المخلوقات. فإن قلت: ما الفرق بين الملك وا"لك؟ قلت: الملك أمدح، " إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك". قال أبو عبيدة: لأن الملك ينفد على ا"لك دون عكسه. وقال أبو حاتم: ا"لك أمدح، لأنه في صفة الله يجمع المُلك والملك، لأن مالك الشيء ملكُه ومَلكه قد لا يملكه وهما [1/253-أ] جميعا من الملكَ وهو الشد والربط، ومنه مَلْكَ العجين /. وقال

الزمخشري: المُلك يعم، أراد بضم الميم، والمِلك يخص، أراد بكسرها. قلت: ليس مراده العموم والخصوص المنطقيان فإنهما على العكس، بل المراد بالعموم كثرة الشمول، والتوابع والتعلقات، فإن الملك كثر بسطة وسلطة من ا"لك ويقال: المُلك بالضم عبارة عن القدرة الحَسية العامة، فإذا قلت: هذا مُلك فلان يدخل فيه ما يملكه، وما لا يملكه، وإذا قلت: هذا مِلك فلان- بالكسر- لا يدخل فيه ما لا يملكه فافهم. قوله: " وأنا عبدك " أي: معترف بأنك مالكي ومدبري، وحكمك نافذ في. قوله: " ظلمت نفسي " اعتراف بالتقصير، قلله على سؤال المغفرة أدبا كما قال آدم وحواء- عليهما السلام-: (ربّنا ظَلَمْنَا أنفُسَنَا ... ) الآية (1) ، ومعنى ظلمت نفسي: أوردتها موارد المعاصي. قوله: " واعترفت بذنبي " يعني: رجعت عن ذنبي، لأن الاعتراف بالذنب بمنزلة الرجوع منه. قوله: "فاغفر لي " أمر صورةْ، وسؤال وطلب معنى. قوله: " جميعا " حال من الذنوب. قوله:" لا يغفر الذنوب إلا أنت " بمنزلة التعليل، يعني: لأن مغفرة الذنوب بيدك، وليس هي إلا إليك، ولا يتولاها غيرك، ولا يقدر عليها أحد غيرك. قوله: " واهدني لأحسن الأخلاق " أي: أرشدني لصوابها ووفقني للتخلق به. قوله:" واصرف عني سيئها " أي: قبيحها.

_ (1) سورة الأعراف: (23) .

قوله: " لبيك " أصله: لبين تثنية لبَّ، فحذفت النون للإضافة. وقد مر الكلام فيه مستوفى. قوله: " وسعديك" معناه: مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة لديك بعد متابعة، أو إسعادا بعد إسعاد، ونصبه على المصدر والمعنى: ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة. قوله: " والخير كله في يديك " أي: في تصرف قدرتك الباسطة. قوله: " أنا بك" مبتدأ وخبر، والمعنى: أنا مستجير بك، أو أنا موفق بك، أو نحو ذلك، فعلى جميع التقدير " بك " متعلق بمحذوف في محل الرفع على الخبرية. قوله: " وإليك " عطف على قوله: " بك " أي: أنا إليك، والمعنى: أنا ملتجئ إليك، أو متوجه إليك ونحو ذلك. قوله: " تباركت" أي: استحققت الثناء عليك. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك. قوله: " وتعاليت" أي: تعاظمتَ عن متوهم الأوهام، ومتصور الأفهام. قوله: " اللهم لك ركعت " تأخير الفعل للاختصاص، والركوع: الميلان والخرور، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وقد يذكر ويراد به الصلاة من إطلاق اسم الجزء على الكل. قوله: " وبك آمنت " أي: صدقت. قوله: " ولك أسلمت " أي: انقدت وأطعت. قوله: " خشع لك سمعي " أي: خشي وخضع، وخشوع السمع والبصر والمخ والعظم والعصب كالخضوع في البدن. فإن قلت: كيف يتصور الخشوع من هذه الأشياء؟ قلت: ذكر الخشوع وأراد به الانقياد والطاعة، فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم.

فإن قلت: ما وجه تخصيص السمع والبصر من بين الحواس، وتخصيص المخ والعظم والعصب من بين سائر أجزاء البدن؟ قلت: أما تخصيص السمع والبصر فلأنهما أعظم الحواس، وكثرها فعلاً، وأقواها عملاً، وأمسها حاجة، ولأن كثر الآفات للمصلي بهما فإذا خشعت قَلَّت الوساوس الشيطانية، وأما تخصيص المخ والعظم والعصب فلأن ما في أقصى قعر البدن المخ، ثم العظم، ثم العصب، لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب، وسائر أجزاء البدن مركبة عليها، فهذه عمد بنية الحيوان وأطنابها، وأيضا العصب خزانة الأرواح النفسانية واللحم والشحم غاد ورائح، فإذا حصل الانقياد والطاعة من هذه فمما الذي يتركب عليها بالطًريق الأولى. فإن قلت: ما معنى انقياد هذه الأشياء؟ قلت: أما انقياد السمع، فالمراد به قبول سماع الحق، والإعراض عن سماع الباطل، وأما انقياد البصر فالمراد / به صرف نظره إلى كل ما ليس فيه حرمة، والاعتبار به في [1/253-أ] المشاهدات العلوية والسفلية، وأما انقياد المخ، والعظم، والعصب، فالمراد به انقياد باطنه كانقياد ظاهره، لأن الباطن إذا لم يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيدا معتبرا، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن دنس الشرك والنفاق، وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة، وترك الغل والغش والحقد والحسد والظنون والأوهام الفاسدة، ونحو ذلك من الأشياء التي تخبث الباطن، وانقياد الظاهر عبارة عن استعمال الجوارح بالعبادات، كل جارحة بما يخصها من العبادة التي وضعت لها. فإن قلت: ما وجه ارتباط قوله: " خشع لك سمعي " بما قبله؟ وما وجه ترك العاطف بين الجملتين؟ قلت: كأن هذا وقع بيانا لقوله: "ولك أسلمت "، ولذلك ترك العاطف، لأن معنى: " لك أسلمت ": انقدت وأطعت، ومعنى " خشع سمعي " إلى آخره: الانقياد والإطاعة كما قررناه، فكأنه- عليه السلام- بريق نوعي الانقياد والإطاعة بقوله: " خشع سمعي" إلى آخره. بعد الإجمال. فقوله: " خشع سمعي

وبصري " بيان الانقياد الظاهر. وقوله: ما ومخي وعظمي وعصبي " بيان الانقياد الباطن، فهذه الأسئلة والأجوبة قد لاحت لي في هذا المقام من الأنوار الربانية، من نتيجة الأفكار الرحمانية. قوله: " سمع الله لمن حمده " أي: تقبل الله منه حمده وأجَابَه، تقول: اسمع دعائي، أي: أجب، وَضَعَ السمع موضع القبول والإجابة للاشتراك بين القبول والسمع، والغرض من الدعاء القبول والإجابة، والهاء في " لمن حمده " هاء السكتة لا هاء الكتابة، فلذلك لا يجوز تحريكه فيسكن دائما. قوله: " ربنا ولك الحمد " بالواو، وفي رواية بلا واو، والأكثر على أنه بالواو وكلاهما حسن، ثم قيل: هذه الواو زائدة. وقيل: عاطفة تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد. قوله: " ملء السموات وملء الأرض وما بينهما " إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، فإنه- عليه السلام- حمده ملء السموات والأرض، وهذه نهاية أقدام السابقين، وهذا تمثيل وتقريب. والكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد، حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجساما تملأ الأماكن، ولبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرض، المِلء- بكسر الميم-: ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، والمَلء- بالفتح- مصدر ملأت الإناء فهو مملوء، ودلو ملأى على فعلى، وكوز ملآن ماء. والعامة تقول: ملأى ماءً. وهاهنا بكسر الميم، وأما انتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمداً ملء السموات والأرض، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: هو ملء السموات والأرض. قوله: " وملء ما شئت من شيء بعد " إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يعتوره الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان، فأحال الأمر فيه على المشيئة،

وليس وراء ذلك الحمد منتهى، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق أن يُسمى أحمد لأنه كان أحمد من سواه. وقوله: "بعدُ" مبني على الضم، لأنه قطع عن الإضافة فبني على الضم كما قد عرف في موضعه. قوله: " وشق سمعه وبصره" من الشَق- بفتح الشن- أي: فلق وفتح، والشق- بكسر الشين- نصف الشيء. واستدل الزهري بقوله: " سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره " على أن الأذنين من الوجه. وعند أبي حنيفة هما من الرأس، لقوله- عليه السلام-: " الأذنان من الرأس "، والمراد به: بيان الحكم لا الخلقة. قال جماعة: أعلاهما من الرأس وأوسطهما من الوجه. وقال آخرون: ما أقبل على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس. وقال الشافعي: هما عضوان مستقلان لا من الرأس ولا من الوجه. والجواب للجمهور عن احتجاج الزهري: أن المراد بالوجه جملة الذات، / كقوله تعالى: (كل شَيْء هَالك إلا وَجْهَه) (1) ، ويؤيد هذا [1/254-أ] أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه، والثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد. قوله: " تبارك الله أحسن الخالقين " أي: المقدرين والمصورين، ومعنى تبارك: تعالى وتعاظم، وقد مر الكلام فيه مستوفى. قوله: " ما قدمت" أي: من الذنوب. قوله: " وما أخرت " أي: من الأعمال، قال الله تعالى: (ينَبأ الإِنسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدمَ وأخرَ) (2) . قوله: " وما أسررت " أي: وما أخفيت من الأعمال، و " ما أعلنت " بها أي: جهرت بها.

_ (1) سورة القصص: (88) . (2) سورة القيامة: (13) .

قوله: " وما أسرفتُ " أي: وما بذرت من الأوقات والساعات التي في غير الطاعة. قوله: " وما أنت أعلم به مني" من الذنوب التي نسيتها وأغفلتها. فإن قيل: النبي- عليه السلام- مغفور له ومعصوم عن الذنوب، فما وجه هذا القول؟ قلت: هذا تواضع منه- عليه السلام- وهضم النفس، أو هو عد على نفسه فوات الكمال من الذنوب، فكل ما وقع في أدعية الرسول من هذا القول، فالجواب فيه هكذا، ويجوز أن يكون هذا تعليما لأمته وإرشاداً إلى طريق الدعاء، لأنهم غير معصومين وهم مبتلون بالذنوب والتقصير في الطاعات. قوله: " أنت المقدم وأنت المؤخر " بكسر الدال والخاء، والمعنى: تقدم من شئت بطاعتك وغيرها، وتؤخر من شئت عن ذلك كما تقتضيه حكمتك، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، ثم هذا الدعاء وأمثاله محمولة عندنا على صلاة الليل النافلة. وقال ابن الجوزي: كان ذلك في أول الأمر أو في النافلة. وقال أبو محمد ابن قدامة: العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحدا استفتح بالحديث كله، وإنما يستفتحون بأوله. وفي " شرح المسند ": الذي ذهب إليه الشافعي في " الأم " أنه يأتي بهذه الأذكار جميعها من أولها إلى آخرها في الفريضة والنافلة. والمنقول عن المزني أنه يقول: " وجهت وجهي " إلى قوله: " من المسلمين". وقال الشيخ محيى الدين: وفي هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح في كل الصلوات حتى في النافلة، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين إلا أن يكون إماما لقوم لا يؤثرون التطويل. وفيه استحباب الذكر في الركوع والسجود. والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي مطولا. وأخرجه ابن ماجه مختصرا. 739- ص- نا الحسن بن علي، نا سليمان بن داود، ما عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن

عبد المطلب، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أي رافع، عن عليّ بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قامَ إلى الصلاة المكتوبة كَبر ورفعَ يديه حَذوَ مَنكبيه، يَصنعُ (1) مثلَ ذلك إذا قَضَى قراءتَه، وإذا أرَادَ أن يركعَ، ويصنعُهُ إذا رفعً من الركوع، ولا يرفعُ يديه في شيء من صلاِتهِ وهو قاعا، وإذا قَامَ من السجدتين رفعَ يديه كذلك وكَبر ودَعَى نحو حديث عبد العزيز في الدعاء، يزيدُ وينقصُ الشيء لم (2) يذكر: " والخير (3) في يديك، والشر ليس إلَيك"، وزاد فيه: " وبقولُ عندَ انصرافه من الصلاة: " اللهم اغفر لي ما قدمتُ وأخرتُ وأسررتُ وأعلنتُ، أنت إلَهَي، لا إله إَلا أنت " (4) . ش- سليمان بن داود بن داود أبو أيوب القرشي الهاشمي، وموسى ابن عقبة، أبو محمد الأسدي. قوله: " إذا قضى قراءته " أي: إذا فرغ منها. قوله: " وهو قاعد " حال من الضمير الذي في " ولا يرفع". قوله: " وإذا قام من السجدتين " أي: الركعتين. قوله: " نحو حديث عبد العزيز " أي: الحديث الذي رواه عبد العزيز ابن أبي سلمة الذي مر آنفاً قوله: " يزيد وينقص " حال من " عبد العزيزة ".

_ (1) في سنن أبي داود:" ويصنع". (2) في سنن أبي داود:" ولم ". (3) في سنن أبي داود: "والخير كله ". (4) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (201 / 771) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (266) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبيرة والقراءة (2 / 129) ، وباب: نوع آخر منه (2 / 292) ، وباب: نوع آخر (2 / 220) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (864) ، وباب: سجود القرآن (1054)

قوله: " لم يذكر " أي: لم يذكر الحسن بن علي في روايته، أو لم يذكر عبد العزيز في هذه الرواية: " والخير في يديك، والشر ليس إليك "، ولكن راد في هذا الحديث: " ويقول عند انصرافه " أي: خروجه من الصلاة:" اللهم اغفر لي " إلى آخره. وأخرجه الدارقطني هكذا. وفي رواية لمسلم عن عبد العزيز بعد قوله: " والخير كله في يديك، والشر ليس إليك "، وكذا في رواية أحمد في " مسنده "، ولم أجد في غالب نسخ أبي داود المصححة: " والشر ليس إليك ". واعلم أن مذهب أهل الحق من المحدثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من علماء المسلمين: أن جميع الكائنات خيرها وشرها، نفعها وضرها كلها من الله سبحانه وتعالى، وبإرادته [1/254-ب] وتقديره، وإذا ثبت هذا فلابد من تأويل هذه اللفظة /، فذكر العلماء فيه أجوبة، أحدها: وهو الأشهر قاله النضر بن شميل والأئمة بعده معناه: والشر لا يتقرب به إليك. والثاني: لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب. والثالث: لا يضاف إليك أدبا فلا يقال: نا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنازير وإن كان خالقها. والرابع: ليس شرا بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلق شيئاً عبثا. 740- ص- نا عمرو بن عثمان، نا شريح بن يزيد قال: حدثني شعيب ابن أبي حمزة: فقال لي ابن المنكدر وابن أبي فروة وغيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قُلتَ أنتَ ذاكَ فقل: وأنا من المسلمينَ- يعني: قوله: " وأنا أولُ المسلمينَ " (1) . ش- عمرو بن عثمان القرشي الحمصي، وشريح بن يزيد الحضرمي أبو حيوة الحمصي، وابن المنكدر هو محمد بن المنكدر القرشي التيمي. وابن أبي فروة إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، أبو سليمان المدني الأموي، مولى عثمان بن عفان أخو عبد الحكيم، وعبد الأعلى،

_ (1) تفرد به أبو داود.

ومحمد. أدرك معاوية. روى عن: ابن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، الزهري، وغيرهم روى عنه: الليث بن سعد، وعبد السلام بن حرب وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم. قال الترمذي: تركه بعض أهل العلم منهم: أحمد بن حنبل. قال أبو حاتم والنسائي متروك متروك. وقال أبو زراعة ذاهب الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه. مات بالمدينة سنة أربعة وأربعين ومائة. وروى له: الترمذي، وابن ماجة 741- ص -نا موسى ابن إسماعيل نا حماد عن قتادة وثابت وحميد، عن أنس ابن مالك، أن رجلا جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس فقال: الله أكبر، والحمد لله (1) كثيرا طيبا مباركا فيه، ف" قضى رسول الله صلاته قال: " أيكم المتكلم بالك"ت، فإنه لم بقل بأسا؟ "، فقال: أنا يا رسول الله جئت وقد حفزني النفس فقالتها. قال: " لقد رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يرفعها " ش - حماد بن سلمة وقتادة بن دعامة وثابت البناني وحميد الطويل قوله: " وقد حفزه " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في " جاء " وهو بالحاء المهملة المفتوحة والفاء، والزاي، أي: جهده النفس من شدة السعي إلى الصلاة، وأصل الحفز الدفع: الدفع العنيف. قوله: " كثيرا " نصب على انه صفة لمصدر محذوف، أي: حمداً كثيراً، وكذلك انتصاب " طيبا مباركا فيه "، ومعنى طيبا خالصا صالحا أو نظيفا من الرياء. ــــــــــــــــــــ (1) في سنن أبي داود: " الحمد لله حمدا ... " (2) مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (600) ، والنسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح وبين القراءة (2/ 131) 42 هـ شرح سنن أبي داوود 3

قوله: " يبتدرونها " من الابتدار وهو الاستباق، ومعناه: يستبقونها أيهم يرفعها ويكتبها في ديوانه، أو يرفع إلى الله سبحانه وتعالى، ووجه تخصيص العدد في الملائكة بالمقدار المذكور مفوض إلى علم الله تعالى وعلم رسوله وقد وقع في خاطري هاهنا من الأنوار الإلهية في تعيين العدد " اثني عشر " أن كلمات " الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه " ست كلمات فبعث الله لكل كلمة منها ملكين تعظيما لشأنها وتكثيرا لثواب قائلها وإنما لم نعتبر كلمتي " الله أكبر " لأن هذا المعني الذي في زاده الرجل من عنده وهو لم يزد إلا هذه الكلمات الست، وكان يمكن أن يقال: إن حروف هذه الكلمات جميعها بإسقاط المكرر منها اثني عشر حرفا إذا جعلنا " كبيرا " بالباء الموحدة، فأنزل الله لكل حرف من حروفها ملكها ولكن الرواية بالثناء المثلثة. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وقد مر أن مثل هذا كان في أول الأمر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا قال هذا في صلاته عند الشروع لا باس عليه والثانية: أن الحسنات تضاعف بأمثالها. الثالثة: أن هذا يدل على كثرة الملائكة، وأنه لا يجوز أن يكون هؤلاء الملائكة من الكرام الكاتبين، لأنه ورد أن مع كل مؤمن ملكان، وقيل: ستون وقيل مائة وستون ويحتمل أن يكون من غيرهم الرابعة: أن الملائكة يرون كما يرى يرى بنو آدم، لأنه - عليه السلام - قال: " لقد رأيت "، ولكنه مخصوصة بالنبي - عليه السلام - حيث رآهم رسول الله ولم يرهم غيره كما في قضية بدر. [1/ 255 - أ] / الخامسة: فيه دليل أن الكلام في الصلاة حرام، حيث سأل رسول الله - عليه السلام - عن هذا المتكلم بعد انصرافه من الصلاة، ولم يسأل وهو في الصلاة.

ص - وزاد حميد فيه:" وإذا جاء أحدكم فليمش نحو ما كان يمشي، فليصل ما أدرك (1) ، وليقض ما سبقه. ش - أي زاد: حميد الطويل في الحديث في روايته، والراد: أن يأتي الصلاة بسكينة ووقار، ولا يأتها سعيا كما جاء: " إذا أقمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، ف" أدركتم فصلوها وما فاتكم فاقضوا " وقد مر هذا في بابه 742 - ص - نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة - قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي - قال (3) : الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا (4) ، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه " (5) ش- عاصم بن عمير العنزي. روى عن.انس بن مالك ونافع بن جبير بن مطعم. وروى عنه: عمرو بن مرة، ومحمد بن أبي إسماعيل، وشعبة. وروى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. ابن جبير هو نافع ابن جبير. قوله: " قال عمرو " أي: عمرو بن مرزوق: " لا أدري أي صلاة هي " فرضا أو نفلا وهو معترض بين قوله: " صلاة " وبين قوله " الله أكبر كبيرا " يعني: كان يقول بعد الشروع قبل القراءة، وانتصاب " كبيرا " بالباء الموحدة بإضمار فعل كأنه قال: أكبر كبيرا، وقيل: منصوب على ـــــــــــــــــ (1) في سنن أبي داود: " ما أدركه " (2) انظر الحديث السابق. (3) في سنن أبي داود " فقال " (4) في سنن أبي داود ذكر قوله: " والحمد لله كثيرا " (5) ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة، باب: الاستعاذة في الصلاة (807، 808)

القطع من اسم الله تعالى، وانتصاب " كثيرا " بالثناء المثلثة على أنه صفة لمصدر محذوف، وأي: حمدا كثيرا قوله: " سبحان الله " أي: أسبح الله تسبيحا، وانتصاب " بكرة " أي: غدوة، و " أصيلا " أي: عشيا على الظرفية،والعامل فيهما " سبحان " وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. قوله: " ثلاثا " من الراوي، أي: قالها ثلاث مرات. قوله: " أعوذ بالله " أي: ألتجئ به من شر الشيطان. قوله: " من نفخه " بدل اشتمال من الشيطان. ص - قال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة ش- أي نفث الشيطان الشعر،إنما سمي النفث شعرا لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، قيل: إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل عنه، وإن من قول بعض الرواة فلعله يراد منه السحر، فإنه أشبه " شهد له التنزيل قال الله تعالى {ومن شر النفاثات في العقد} (1) قوله: " ونفخه " بالخاء المعجمة: الكبر، ونفخه كناية عما يسوله للإنسان من الاستكبار والخيلاء فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه ولهذا قال عليه السلام للذي رآه قد استطار غضبا " نفخ فيه الشيطان ". قوله: " وهمزه الموتة " بضم الميم، وسكون الواو، وفتح التاء المثناة من فوق: وهي الجنون، وسماه همزا لأنه جعل من النخس والغمز، ومعدل عنه وإلا فالأشبه أن همزه ما يوسوس به قال الله تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} (2) ، وهمزاته خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمز. ــــــــــــــــ (1) سورة الفلق: (4) (2) سورة المؤمنين: (97)

734 - ص - نا مسدد، نا يحيى، عن مسعر، عن عمرو بن مرة عن رجل عن ابن جبير، عن أبيه قال: سمعت النبي - عليه السلام - يقول في التطوع ذكر نحوه ش يحيى القطان، ومسعر بن كدام قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور، ولكنه عين في هذه الرواية أن هذه كان في صلاة التطوع دون الفرض والرواية الأخرى محمولة على هذا المعنى، وهذه الرواية أخرجها ابن ماجة، وفيها رجل مجهول 744 - ص - نا محمد بن رافع نا زيد بن حباب قال: أخبرني معاوية ابن صالح قال: أخبرني أزهر بن سعيد الحرازي، عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول الله قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبر عشرا وحمد الله عشرا، وسبح عشراً وهلل عشراً واستغفر عشراً، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ / من ضيق (2) المقام يوم القيامة " (3) [1/ 255- ب] ش- أزهر بن سعيد الحرازي - بفتح الحاء المهملة والراء المخففة، وكسر الزاي -: نسبة إلى حراز بن عوف بن عدي بن مالك الحميري. سمع: أبا أمامة الباهلي، وعاصم بن حميد السكوني. روى عنه: معاوية بن صالح. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات سنة تسع وعشرين ومائة. وروى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. قوله: " قيام الليل " أي: صلاة الليل، أطلق القيام عليها من باب إطلاق الجزء على الكل. ــــــــــــــــــــ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) قوله: " من ضيق " مكررة في الأصل. (3) النسائي: كتاب قيام الليل، باب: ذكر ما يستفتح به القيام (2/ 208) ، ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل (1356)

قوله: " عشراً " أي: عشر مرات سأل فيه الغفران لذنوبه، والهداية في طريقه، والرزق في معاشه، والعافية في بدنه، ثم تعوذ من ضيق المقام يوم القيامة، وهذا كله تعليم وإرشاد للأمة، والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: رواه خالد بن معدان عن ربيعة الجُرَشي عن عائشةَ نحوه. ش- أي: روى هذا الحديث خالد بن معدان الحمصي، عن ربيعة بن عمر، ويقال: ابن الغاز القرشي الشامي، ويقال: إن له صحبة. روى عن: أبي هريرة، وعائشة. روى عنه: ابنه الغاز، وبشير بن كعب، ويحيي بن ميمون، وغيرهم. وكان يقضي في زمن معاوية. وروى عن النبي حديثاً وقال الدارقطني: في صحبته نظر. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. 745- ص- نا ابن المثنى، نا عمر بن يونس، نا عكرمة قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدَّثني أبو سلمي بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألتُ عائشةَ بأيِّ شيء كان نَبي الله- عليه السلام- يَفتتحُ صَلاتَهُ إذا قامَ من الليلِ؟ قالت (1) : كانت إذا قَامَ من الليلِ كان (2) يَفتتحُ صَلاته: اللَّهُمَّ رَب جبريلَ ووميكائيل ووإسرافيل، فَاطِرَ السمَوَات وَالأرْضِ، عَالمَ الغَيب وَالشهادة، أنتَ تحكُم بينه عبادٍكَ فيما كانوا فيه يَخَتلفُونَ، اهدنِي " اختلَفُواَ فيه من الَحقّ بإِذنِكَ، إنك (3) تهْدِي من تَشَاءُ إلى صَراطِ مُستقيمِ " (4) . ــــــــــــــــــــ (1) في الأصل:" قال". (2) كلمة " كان " غير موجودة في سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: " إنك أنت ". (4) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (770) ، الترمذي: كتاب الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل (3420) ، النسائي: كتاب قيام الليل، باب: بأي شيء يستفتح صلاة الليل (2 / 212) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل (1357) .

ش- عمر بن يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، أبو حفص. سمع: أباه، وعكرمة بن عمار. روى عنه: إسحاق بن وهب، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وغيرهم. قوله: " رب جبريل " رب " منصوب على النداء، وحرف النداء محذوف، والتقدير: يا رب جبريل، إنما خص هؤلاء الملائكة بالذكر من بين سائر المخلوقات كما جاء في القرآن والسُّنَة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر، فيقال له: رب السموات والأرض، ورب الملائكة والروح، ورب المشرقين، ورب المغربين ورب الناس، ورب كل شيء. وكل ذلك وشبهه وصف له سبحانه وتعالى بدلائل العظمة وعظم القدرة والملك، ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر، فلا يقال: رب الحشرات، خالق القردة والخنازير، وشبه ذلك على الانفراد، وأنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شيء، فيدخل فيه كل ما قل وجل، وصغر وكبر، ومعنى جبريل: عبد الله، لأن "جبر" معرب "كبر "، وهو العبد و" إيل" هو الله، وهو ملك متوسط بين الله ورسوله، وهو أمين الوحي، وكذلك ميكائيل معناه: عبد الله. وقيل: إنما خص هؤلاء الملائكة تشريفا لهم، إذ بهم تنتظم أمور العباد، أما جبريل فإنه- عليه السلام- كان هو الذي أنزل الكتب السماوية على أنبياء الله- عليهم السلام-، وعلمهم الشرائع وأحكام الدين. وأما ميكائيل فإنه- عليه السلام- موكل على جمع القطر والنبات وأرزاق بني آدم، وغيرهم. وأما إسرافيل فإنه- عليه السلام- على اللوح المحفوظ، الذي فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو صاحب الصور الذي ينفخ فيه. قوله: " فاطر السموات" أي: خالقها. قوله: " عالم الغيب والشهادة " أي: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. - قوله: " اهدني " بكسر الهمزة معناه: ثبتني على الحق، كقوله تعالى: (اهْدنَا الصرَاطَ المُسْتَقِيمَ) .

قوله: " من الحق" بيان " في قوله: " " اختلف ". قوله: " بإذنك" أي: بتيسيرك وفضلك. قوله: " إلى صراط مستقيم " أي: طريق الحق والصواب. والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 746- ص- نا محمد بن رِافع أنا أبو نوح قراد، نا عكرمة بإسناده بلا [1/256-أ] إخبار، / ومعناه: قال: " إذا قَام كبر وبقولُ " (1) . ش- أبو نوح قراد اسمه: عبد الرحمن بن غزوان المعروف بقراد أبو نوح، مولى عبد الله بن مالك الخزاعي، سكن بغداد. سمع: الليث بن سعد، وشعبة، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة. مات سنة سبع ومائتين. روى له: البخاري، وأبو دا ود، والترمذي، والنسائي. قوله: " ومعناه "عطف على قوله: " بإسناده " أي: قال قراد: حدثنا عكرمة بن عمار بهذا الحديث بإسناده بلا إخبار، وفي بعض النسخ: " بالإخبار ومعناه" قال: إذا قام، أي: رسول الله من الليل كبّر ويقول: " اللهم رب جبريل ... " إلى آخره. 747- ص- نا القعنبي قال مالك: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله، وفي (2) أوسطِه، وفي آخره في الفريضَةِ وغيرِها (3) . ش- حدَث عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك بن أنس أنه قال: لا بأس بأن يدعو هذه الأدعية في الصلوات كلها، سواء كان في أولها، أو في أوسطها، أو في آخرها. وكذا رُوي عن الشافعي، وقال البغوي: وبأي دعاء من هذه الأدعية استفتح حصل سُنَن الاستفتاح، وقال أصحابنا:

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) كلمة " في" غير موجودة في سنن أبي داود. (3) تفرد به أبو داود.

لا يستفتح إلا بقوله: " سبحانك اللَهُمَّ" إلى آخره. " نذكره إن شاء الله تعالى عن قريب. وأما هذه الأدعية فإن (1) أراد يدعو بها في آخره صلاته بعد الفراغ من التشهد في الفرض، وأما باب النفل فواسع، وكل ما جاء في هذه الأدعية فمحمول على صلاة الليل. 748- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى الشرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الشرقي قال: كنا يوماً نُصَلي وراءَ رسول الله، ف" رفع رسولُ الله من الركوع (2) قال: " سَمِعَ اللهُ لمن حَمدَهُ ". قالَ رجل وراءَ رسولِ الله: ربنا (3) ولكَ الحمدُ حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ف" انصرفَ رسولُ الله قال: " مَنِ المتكلمُ بها (4) ؟ " قال (5) الرجلُ: أنا يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله: " لقدْ رأيتُ بضعا وثلاثينَ ملكا يَبتَدِرُونَها، أيُّهُم يكتُبُهَا أولُ " (6) . ش- نعيم بن عبد الله أبو عبد الله المجمر العدوي المدني، مولى آل عمر بن الخطاب، سُمي المجمر لأنه كان يجمر المسجد. سمع: أبا هريرة، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعلي بن يحيى، وسالماً مولى شداد، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، وعمارة بن غزير، وابن عجلان، وغيرهم. روى له الجماعة. وعلي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان الشرقي الأنصاري المدني. روى عن: أبيه. روى عنه: شريك بن عبد الله بن

_ (1) كذا، ولعلها:" فإنه" (2) في سنن أبي داود: "رأسه من الركوع". (3) في سنن أبي داود: " اللهم ربنا". (4) في سنن أبي داود: "بها آنفاً". (5) في سنن أبي داود: " فقال ". (6) البخاري: كتاب الأذان، باب: حدثنا معاذ بن فضالة (799) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: ما يقول ا"موم (2 / 196) .

أبي نمر، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وابنه يحيى بن علي، ونعيم بن عبد الله المجمر، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ويحيى بن خلاد الزرقي الأنصاري المدني، قيل: إنه ولد في عهد النبي- عليه السلام- فحنَّكه وسماه يحيى. روى عن: عمر بن الخطاب وعمه رفاعة بن رافع. روى عنه: ابنه علي بن يحيى. توفي سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا مس" ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الشرقي أبو معاذ، شهد بدرا هو وأبوه، وكان أبوه نقيباً رُوي له عن رسول الله أربعة وعشرون حديثاً روى له البخاري ثلاثة أحاديث. روى عنه: ابنه معاذ، ويحيى بن خلاد الزرقي، وعبد الله بن الشداد بن الهاد، مات في أول خلافة معاوية. روى له الجماعة إلا مس" قوله: " ف" رفع رسول الله " أي: رأسه من الركوع. قوله: " بضعة وثلاثين " البضعة- بكسر الباء- في العدد- وقد يفتح- ما بين الثلاث إلى التسع، َ وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقال الجوهري: تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلاً، وبضع عشرة امرأة، وإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، لا نقول: بضع وعشرون. انتهى. وهذا الحديث الصحيح يدفع ما قاله، فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار؟ قلت: قد استُفتح علي هاهنا أيضاً من الفيض الإلهي، أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفاً وبالمكرر ستة وثلاثون حرفاً فأنزل الله بعدد حروف هذه الكلمات ملائكة. وقد [1/256-ب] عرفت أن / البضعة ما بين الواحد إلى العشرة، فتكون الملائكة أيضاً ما بين الثلاثة والأربعة عدد حروف هذه الكلمات، لأن عددها ما بين الثلاثة والأربعة، وذلك تعظيما لهذه الكلمات، حيث أنزل في مقابلة كل حرف منها ملك من الملائكة. قوله: " أول " بالضم من الظروف كما تقول: أبدأ بهذا الفعل أول كل

شيء، ثم تحذف المضاف إليه، ويبنى " أول" على الضم. وفيه من الفوائد ما ذكرناه في حديث حميد، عن أنس عن قريب. وفيه: أن وظيفة الإمام التسميع، ووظيفة المقتدي التحميد، حيث استحسن رسول الله فعل الرجل، وأخبر بثوابه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. 749- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، أن رسولَ الله كان إذا قامَ إلى الصلاة من جوف الليلِ يقولُ: اللهمَ لكَ الحمدُ، أنتَ نُور السمواتِ والأرضِ، وَلك الحمدُ، أنتَ قَيامُ السموات والأرض، ولك الحمدُ، أنتَ رافع السموات والأرض ومَن فيهن، أنتَ الحق، وقَولكَ الحق، وَوَعْدُكَ الحق، ولقاؤُكَ حق، والجنة حق والنارُ حَق، والسَاعَةُ حَق، اللهم لكَ أسلمتُ، وبَكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوكلتُ، وإليكَ أنبتُ، وبكَ خَاصَمْتُ، وإليكَ حَاكَمْتُ، فاكفر لي ما قدمتُ وأخرتُ، وأسررتُ وأعلنتُ، أنتَ إِلهِي، لا إله إلا أنتَ " (1) . ش- أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وطاوس بن كيسان اليماني. قوله: " أنت نور السموات " معناه: أن كل شيء استنار فيها واستضاء وتقدر بك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك، والحواس والعقل خلقك وعطيتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة علي سعة إشراقه، وفشل إضاعته، وعلى هذا فسر قوله تعالى: (اللهُ نُورُ السمَوَات وَالأرْضِ) (2) ، وقد فسر كثير من العلماء النور في أسمائه تعالى بمعنىَ المنور، وجدوا في الهرب عن إطلاق هذا الاسم على الله إلا من هذا الوجه، وقالوا: إن النور يضاده الظلمة ويعاقبه، فتعالى الله أن يكون له ضد ونِد، وقال بعضهم: معنى النور الهادي.

_ (1) البخاري: كتاب التهجد، باب: التهجد بالليل (1120) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (769) ، النسائي: كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: ذكر ما يستفتح به القيام (3 /209) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل (1355) . (2) سورة النور: (35) .

قلت: قد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه النور بالكتاب والسُّنَة، وقد ورد في الكتاب على صفة الإضافة، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو ذر من غير إضافة، وذلك قوله: " نور أنى أراه " حين سأله أبو ذر: "هل رأيت ربك؟ "، وقد أحصى أهل الإسلام النور في جملة الأسماء الحسنى، وقد عرفنا في أصول الدين أن حقيقة ذلك ومعناه يختص بالله سبحانه، ولا يجوز أن يفسر بالمعاني المشتركة، وصح لنا إطلاقه على الله بالتوقيف، ونقول في بيان ما أشير إليه: إن الله سبحانه سمى القمر نوراً وسمى النبي- عليه السلام- نورا وهما مخلوقان، وبينهما مباينة ظاهرة في المعنى، فتسمية القمر نورا للضوء المنتشر منه في الأبصار، وتسمية النبي- عليه السلام- به للدلالات الواضحة التي لاحت منه للبصائر، وسمى القرآن لمعانيه التي تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة، وسمى نفسه نورا " اختص به من إشراق الجلال وسبحات العظمة، التي تضمحل الأنوار دونها، وهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق فيه لغيره بل هو المستحق له المدعو به، (وللهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوه ُبِهَا) (1) . قوله: " قيام السموات "، وفي رواية:" قيم السموات" قالت العلماء: من صفاته القيَام والقيم كما صرح به الحديث، والقيوم بنص القرآن وقائم، ومنه قوله تعالى: (أفَمَنْ هُوَ قَائم عَلَى كُلِّ نَفْس بمَا كَسَبَتْ) (2) . قال الهروي: ويقال: قوام. قالَ ابن عباس، القيَوم الذي لا يزول. وقال غيره: هو القائم على كل شيء ومعناه: مدبر أمر خلقه. وقال الجوهري: القيوم اسم من أسماء الله. وقرأ عُمر: الحي القيام، وهو لغة، وفي" المطالع ": أنت قيام السموات والأرض، كذا للجماعة وهو القائم بأمرهما. وعند أبي عتاب: قيام. والقَيام والقَيوم والقوام والقيم والقائم سواء. [1/257-أ] قوله: " أنت رب السموات والأرض " أي: أنت مالك / السموات والأرض ومن فيهن، وقد مر الكلام في معنى" الرب ".

_ (1) سورة الأعراف: (180) . (2) سورة الرعد: (33) .

قوله: " أنت الحق " الحق: اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الوجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته. قوله: " وقولك الحق " أي: غير كذب، بل هو صدق حقا وجزمت. قوله: " ووعدك الحق " أي: الثابت غير الباطل، قال الله تعالى: (إِن اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) (1) . قوله: " ولقاؤك حق " أي: واقع كائن لا محالة، والمراد من لقاء الله تعالى: المصير إلى الدار الآخرة، وقيل: المراد به الموت. وقال الشيخ محيى الدين: " وهذا القول باطل في هذا الموضع، إنما نبهت علي لئلا يغتر به، والصواب البعث، فهو الذي يقتضيه سياق الكلام وما بعده، وهو الذي يرد به على الملحد، لا بالموت. قلت: يمكن أن يفسر اللقاء بالموت، ويرد على الملحد بقوله: " والساعة حق ". قوله: " والجنة حق " أي: موجود معد للمؤمنين. قوله: " والنار حق " أي: موجود معد للكافرين. قوله: " والساعة حق " أي: واقع كائن لا محالة، والمراد من الساعة يوم القيامة. قوله: " اللَّهمَّ لك أسلمت " أي: انقدت، وأطعت. قوله: " وبك آمنت " أي: صدقت بك، وبكل ما أخبرت، وأمرت، ونهيت. قال الشيخ محيى الدين:" فيه الإشارة إلى الفرق بين الإيمان، وا لا سلام ". قلت: المراد من الإسلام والإيمان هاهنا: معناهما اللغوي، لا الشرعي، ولا نزاع لأحد أن بينهما فرقا من حيث اللغة، ولكن الخلاف هل بينهما فرق من حيث اَلشرع أم لا؟ وقد ذكرناه. قوله: " وعليك توكلت " أي: فوضت أمري إليك في كل شيءِ.

_ (1) سو رة آل عمران: (9) .

قوله: " واليك أنبت" أي: أقبلت بهمتي وطاعتي، وأعرضت عضا سواك. قوله: " وبك خاصمت " أي: بك أحتج وأدافع وأقاتل من عاند فيك وكفر بك، وقمعته بالحجة والسيف. قوله: " واليك حاكمت " أي: رفعت محاكمتي إليك في كل من جحد الحق، وجعلتك الحكم بيني وبينه لا غيرك، مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم من صنم ونارٍ وكاهنٍ وشيطان وغيرها، فلا الرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيره. قوله: " فاغفر لي ما قدمت " أي: من الذنوب، " وما أخرت" أي: من الأعمال، " وما أسررت " أخفيت من الأعمال، " وما أعلنتُ " بها أي: جهرت بها، وقد مَر قبلُ هذا عن قريب، والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجه البخاري، ومسلم من رواية سليمان الأحول، عن طاوس. 750- ص- نا أبو كامل، نا خالد- يعني: ابن الحارث- نا عمران بن مسلم، أن قيس بن سعد، حَدَّثه قال: لا طاوس، عن ابن عباس: " أن رسول الله- عليه السلام- كان في التهجد يقول بعد ما يقول الله أكبر"، ثم ذكر معناه (1) . ش- أبو كامل الجحدري، وخالد بن الحارث البصري. وعمران بن مسلم: أبو بكر القصير المقرئ البصري. سمع: أبا رجاء العطاردي، والحسن البصري، وابن سيرين، وأنس بن سيرين، وقيْس ابن سعد. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان، ومهْدي بن ميمون، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين. ثقة. وقال يحيى بن سعيد: كان مستقيم الحديث. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود (2) .

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4502) .

وقيس بن سعد أبو عبد الملك المكي، مولى نافع بن علقمة. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار. روى عنه: هشام بن حسَان، والحمادان، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. مات سنة تسع عشرة ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " في التهجد " والتهجد: صلاة الليل، وهجد يهجد، أي: نام (2) ليلاً، وهجد وتهجد، أي: سهر، وهو من الأضداد. قوله: " ثم ذكر معناه " أي: معنى الحديث. 751- ص- نا عتيبة بن سعيد، وسعيد بن عبد الجبار نحوه. ش- أي: نحو ما روى سعيد بن عبد الجبار. ص- قال قتيبة: نا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع (3) ، عن أبيه قال: " صليتُ خلفَ رسول الله، فعَطَسَ رفاعةُ " لم يقل قتيبة:" رفاعة "، فقلت: الحمدُ لله حمداً كثيراً طَيبا، مباركا عليه (4) ، كما يُحبُّ ربنا ويرضَى، ف" صَلَّى رسولُ الله انصرفَ، فقالَ: مَنِ المتكلمُ في الصَلاةِ؟ "، ثم ذكر نحو حديث مالك، وأَتم منه (5) . ش- رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر (6) بن زُريق بن عبد حارثه بن غصب بن

_ (1) المصدر السابق (24 / 4907) . (2) مكررة في الأصل. (3) في الأصل: " عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع " كذا بالتكرار. (4) في سنن أبي داود:" فيه" (5) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة (404) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قول ا"موم إذا عطس خلف الإمام (2 / 145) . (6) في الأصل: " عاصم " خطأ.

[1/257-ب] جشم بن الخزرج / الأنصاري الشرقي، إمام مسجد بني زريق. روى عن: عم أبيه معاذ بن رفاعة. روى عنه: عتيبة بن سعيد، وسعيد ابن عبد الجبار. روى عنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . ومعاذ بن رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو الشرقي الأنصاري المدني، أبو عبيد. سمع: أباه، وجابر بن عبد الله، وخولة بنت حكيم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن محمد ابن عقيل. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . ورفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان الصحابي الشرقي، أبو معاذ، وقد ذكرناه. قوله: " ثم ذكر نحو حديث مالك" أي: الحديث الذي رواه القعنبي، عن مالك بن أنس، الذي سلف الآن، وأخرجه أيضاً الترمذي، والنسائي، وتمامه بعد قوله: " من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: قلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيباً مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي- عليه السلام-: والذي نفسي بيده لقد ابتدروها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها". قال: وقيل: الحديث مطلق، ويقال: وكان هذا الحديث في التطوع. وقال صاحب" الهداية": ومن عطس، فقال له آخر: يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته، لأنه يجري في مخاطبات الناس، فكان من كلامهم بخلاف ما إذا قال العاطس، أو السامع: الحمد لله، على ما قالوا، لأنه لم يتعارف جواباً قلت: فعلى هذا لا يحتاج أن يحمل حديث قتيبة على التطوع، لأنه إذا عطس، وقال:" الحمد لله" فقط، أو قال:" الحمد لله حمدا كثيرا " إلى آخره كما في الحديث، ينبغي أن لا تفسد صلاته، سواء كان

_ (1) انظر ترجمته في، تهذيب الكمال (9/1919) . (2) المصدر السابق (28 / 25 0 6) .

في الفرض، أو النفل، لأن مثل هذا لم يتعارف جواباً ورُوي عن أبي حنيفة أنه يحمد الله في نفسه، ولا يحرك لسانه، ولو حرك تفسد صلاته، كذا في " المحيط "، والصحيح ما قاله برهان الدين صاحب " الهداية ". وقال الترمذي: " وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع، لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يَحمدُ الله في نفسه، ولم يوسعوا في أكثر من ذلك. وفي والمصنف،: نا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، قال: قلت لابن سيرين:" إذا عطست في الصلاة ما أقول؟ قال: قل: الحمد لله رب العالمين. نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " في الرجل يعطس في الصلاة، قال: يحمد الله في المكتوبة وغيرها ". 752- ص- نا العباس بن عبد العظيم، نا يزيد بن هارون، أنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: "عَطسَ شاب من الأنصار خلفَ رسول الله- عليه السلام- وهو في الصلاة فقال: " الحمدُ لله [حمداً] (1) كثيرا طيبا مباركا فيه، حتى يرضى ربنا، وَبعدَ ما يرضَى من أَمرِ الدنيا والآخرة، ع" انصرفَ رسولُ الله عمليه السلام- قال: مَنِ القائلُ الكلمةَ؟ قال: فسكتَ الشاب، ثم قالَ: مَنِ القائلُ الكلمةَ؟ فإنه لم يقلْ بأساً فقال: يا رسولَ الله، [أنا] (1) قلتُها، لم أرِدْ بها إلا خيراً، قال: ما تَناهَتْ دونَ عرشِ الرحمنِ جَل ذكره (2) " (3) . ش- شريك بن عبد الله، وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني. روى عن: أبيه عبيد الله، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وجماعة آخرين. روى عنه: الثوري، وشعبة،

_ (1) زيادة من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " تبارك وتعالى ". (3) تفرد به أبو داود. *2. شرح سنن أبي، داود 3

وشريك، وابن عجلان، ويحيى القطان، وغيرهم. قال البخاري: هو منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يحتج به. ومات في أول خلافة بني العباس. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . وعبد الله بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة. روى عن: أبيه، وعن: عائشة. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم ابن عبيد الله (2) . وعامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة العنزي، أسلم قبل عمر ابن الخطاب، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد، روي له عن رسول الله اثنان وعشرون حديثاً اتفقا على حديثين، وقد روى عن أبي بكر، وعمر. روى عنه: ابنه: عبد الله بن عامر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعيسى الحكمي. توفي سنة ثلاث وثلاثين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . قوله: " من القائل الكلمة " انتصاب " الكلمة " بقوله: " القائل"، وأطلق الكلمة على الكلام مجارا كما في قوله: (وكَلمَةُ الله هيَ العُليَا) (4) .ً قوله: " ما تناهت دون عرش الرحمن " كناية عن قبولها، وكونها عملاً [1/258-أ] ، صالحاً. قال تعالى: / (إلَيْه يَصْعَدُ الكلمُ الطيب وَالعَمَلُ الصَالِحُ يَرْفَعه (ْ (5) ، والحديث معلول بعاَصم، وشريك.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 3014) . (2) المصدر السابق (15 / 3352) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 / 4) ، وأسد الغابة (3 / 121) ، وا لإصابة (2 / 249) . (4) سورة التوبة: (40) . (5) سورة فاطر: (10) .

116- باب: من رأى الاستفتاح بـ " سبحانك "

116- باب: من رأى الاستفتاح بـ " سبحانك " (1) أي: هذا باب في بيان من رأى استفتاح الصلاة بقوله: " سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك " إلى آخره. 753- ص- نا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: " كان رسولُ الله إذا قامَ منذ الليلِ كَبَّرَ، ثم يقولُ: سبحانَكَ اللهمَ وبحمدكَ، تبارَكَ اسمُكَ، وتعالىَ جَمدُك، ولا إله غيرُك، ثم يقولُ: لا إلَه إلا اللهُ ثلاَثا، ثم يقولُ: الله أكبر كبيرا ثلاثاً أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطانِ الرجيم، من: هَمْزِه، ونفْخِهِ، ونفْثِهِ، ثم يقرأ " (2) . ش- جعفر بن سليمان الضبعي، وعليه بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي المصري أبو إسماعيل. سمع: أبا المتوكل الناجي، والحسن البصري، وأخاه سعيداً (3) . روى عنه: جعفر بن سليمان، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: هو صالح، قيل له: كان يُشَبه بالنبي- عليه السلام- قال: كذا كان يقال. وقال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . وأبو المتوكل: علي بن داود الناجي بالنون والجيم. قوله: " سبحانك اللهم " أي: أنزهك يا الله، وقد مر غير مرة. قوله: " وبحمدك " عطف على محذوف، أي: أسبحكُ بتسبيحك، وأحمدك بحمدك.

_ (1) في سنن أبي داود: " بسبحانك اللهم وبحمدك ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (842) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة (2 / 132) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: افتتاح الصلاة (806) عن عائشة. (3) في الأصل: " سعدا " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21 / 4110) .

قوله: " تبارك " تفاعل من البركة، وهي الكثرة والاتساع، ومعناه: تعالى وتعظم، وكثرت بركته في السموات والأرض، إذ به تقوم، وبه تستنزل الخيرات، ونُهي أن يتأول في وصفه معنى الزيادة، لأنه ينبئ عن النقصان. قوله: " وتعالى" أي: علا وارتفع. قوله: " جدك " أي: عظمتك. قوله: "ثلاثا " أي: ثلاث مرات، والباقي قد فسرناه عن قريب. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: هذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن (1) ، الوهم من جعفر. ش- أي: الحسن البصري، ولكن الوهم من جعفر بن سليمان. وقال الترمذي: وحديث أبي سعيد الشهر حديث في هذا الباب، وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. قلت: قد تقدم أن ابن معين وثق علي بن علي، وكذا وثقه وكيع، ومحمد بن عبد الله بن عمار. 754- ص- نا حسين بن عيسى، نا طلق بن غنام، نا عبد السلام بن حرب المُلائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: "كان رسولُ الله- عليه السلام- إذا اسْتَفتحَ الصلاةَ، قال: سبحانكَ اللهم وبحمدِكَ، وتبارَكَ اسمُكَ، وتعالى جَدك، ولا إله غيرُك " (2) . ش- حسين بن عيسى البسطامي.

_ (1) في سنن أبي داود: " عن الحسن مرسلا ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (243) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسمعة فيها، باب: افتتاح الصلاة (806) .

وطلق بن غنام بن طلق بن معاوية، وهو ابن [عم] حفص بن غياث، وكاتب شريك بن عبد الله. روى عن: عبد السلام بن حرب، وشريك ابن عبد الله، وزائدة بن قدامة، وغيرهم. روى عنه: محمد بن العلاء، والحسن بن عيسى، وأحمد بن عثمان، وغيرهم. مات في رجب سنة إحدى عشرة ومائتين. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (1) . وأبو الجوزاء- بالجيم، والزاي- هو أوس بن عبد الله الربعي البصري، من رَبَعة الأزد، والطبعة هو ابن الغطريف الأصغر بن عبد الله ابن الغطريف الأكبر. سمع: عبد الله بن عباَس، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصديقة. روى عنه: بديل بن ميسرة، وعمرو بن مالك، وأبو الأشهب، وغالب القطان، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (2) . والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، من حديث حارثه بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، وبه استدل أبو حنيفة أن المصلي بعد التكبير يستفتح به الصلاةَ، وهو قول محمد بن الحسن، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وجماعة آخرون (3) . وقال الشافعي: يستفتح بما روى عبيد الله بن رافع، عن عليّ، وقد ذكرناه. وقال مالك: إذا كبر وفرغ من التكبير يقرأ (الحمد لله رب العالمين) . وقال أبو يوسف: أن يجمع بينه وبين " وجهت وجهي " إلى آخره، وقال: لأن الرواية جاءت بهذا وبهذا، واستحسنت أن / يقولهما (4) المصلي جميعاً. [1/258-ب] ص- قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة جماعة غير واحد، عن بديل، لم يذكروا فيه شيئاً من هذا.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 2991) . (2) المصدر السابق (3 / 580) . (3) كذا. (4) قوله: " أن يقولهما " مكررة في الأصل.

ش- أشار به إلى أن الحديث غير قوي، وكذا قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه. قلت: " (1) قد أخرجه الحاكم في ما المستدرك " (2) بالإسنادين، أعني إسناد أبي داود، وإسناد الترمذي. وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ولا أحفظ في قوله: " سبحانك اللهم وبحمدك " في الصلاة أصح من هذا الحديث، وقد صح عن عمر بن خطاب أنه كان يقوله، ثم أخرجه عن الأعمش، عن الأسود، عن عمر، قال: وقد أسنده بعضهم عن عمر، ولا يصح، وأخرجه مسلم في " صحيحه " (3) عن عبدة، وهو ابن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وقال المنذري: وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه راعى عمر رؤية. وقال صاحب " التنقيح ": وإنما أخرجه مسلم فيه صحيحه،، لأنه سمعه مع غيره. وقال الدارقطني في كتابه " العلل ": وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن حميد ابن أبي غنية، عن أبي إسحاق الطبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي- عليه السلام- وخالفه إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود، عن عمر قوله، وهو الصحيح. وروى الطبراني في " معجمه ": نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا أبو كريب، نا فردوس الأشعري، نا مسعود بن سليمان قال: سمعت الحكم يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: وكان رسولُ الله إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك " إلى آخره. وروى الطبراني أيضاً: حدَّثنا محمد بن إدريس المصيصي، والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا محمد بن النعمان الفراء المصيصي، نا يحيى

_ (1) انظر: نصب الراية (1 / 0 32- 323) (2) (1 / 235) . (3) كتاب الصلاة، باب: حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (399 / 52) .

ابن يعلى الأسلمي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير الشمالي، قال: " كان رسول الله يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم ثم قولوا: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإن لم تزيدوا على التكبير أجزأكم ". وروى الطبراني أيضاً (1) ، عن مكحول، عن واثلة: " أن رسول الله - عليه السلام- كان يقول إذا استفتح الصلاة" نحوه سواء. وروى الدارقطني في " سننه " (2) : نا أبو محمد بن صاعد، نا الحسين بن عليّ بن الأسود، نا محمد بن الصلت، نا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، قال: " كان رسول الله إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك "، ثم قال: إسناده كلهم ثقات. وروى الطبراني أيضاً في كتابه المفرد في " الدعاء "، فقال: نا أبو عقيل أنس بن سلم الخولاني، نا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، نا مخلد بن يزيد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك: " أن النبي - عليه السلام- كان إذا استفتح الصلاة يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ". وروى أيضاً من طريق آخر بإسناده إلى حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: " كان رسول الله إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم " إلى آخره (3) . وفي " المصنف ": نا هشيم، أنا حصين، عن أبي وائل، عن الأسود

_ (1) (22 / رقم 155) : وقال في المجمع (2/106) : فيه عمرو بن الحصين وهو ضعيف. (2) (1 / 300) . (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

117- باب: السكتة عند الاستفتاح

ابن يزيد، قال: " رأيت عمر بن الخطاب افتتح الصلاة فكبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ونا عبد السلام، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: " أنه كان إذا افتتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم 100 " إلى آخره. نا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، قال: " بلغني أن أبا بكر كان يقول مثل ذلك ". [1/259-أ] نا هشيم، / أنا جويبر، عن الضحوك في قوله تعالى: (وسبحْ بحَمْد ربِّكَ حين تَقُومُ) (1) قال: حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء اَلكلمات: سبَحانك اللهم وبحمدك " إلى آخره. نا ابن فضيل، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: قال ابن مسعود: ومن أحب الكلام إلى الله أن يقول الرجل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". *** 117- باب: السكتة عند الاستفتاح أي: هذا باب في بيان السكتة عند استفتاح الصلاة، وفي بعض النسخ: " باب التكبير عند الافتتاح "، وفي بعضها: " باب فيما جاء في التكبير عند الافتتاح ". 755- ص- نا يعقوب بن إبراهيم، نا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، قال: قال سمرة: " حَفظتُ سكتتين في الصلاةِ، سكتةً إذا كَبرَ الإمامُ حين (2) يقرأ، وسكتةً إذا فًرغً من فاتحةِ اَلكتابِ وسورةٍ عند الركوع "

_ (1) سورة الطور: (48) . (2) في سنن أبي داود: " حتى ".

قال: فأنكر ذلك علي عمران بن حصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبَي، فصدق سمرة (1) . ش- يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل ابن علية، ويونس بن عبيد البصري، والحسن البصري، وسمرة بن جندل، وأبي بن كعب. قوله: " سكتة " أي: إحديهما سكتة إذا كبر الإمام، حين يقرأ، وفيه دليل لأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والجمهور أنه يستحب دعاء الافتتاح، ولأحاديث أخرى جاءت في هذا الباب. وقال مالك: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الافتتاح، ودليل الجمهور ظاهر. قوله: " وسكتة إذا فرغ " أي: الأخرى سكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب، وسورة، وقوله: " عند الركوع " متعلق بقوله: " وسكتة ". وقال الخطابي: " وهذه السكتة ليقرأ مَنْ خلف الإمام، ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب" الشافعي " (2) ، وعند أصحابنا: لا يقرأ المقتدي خلف الإمام فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بحق القراءة والركوع بالتأني، وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حد هذه السكتة قدر ما يقع به الفصل بحق القراءة والركوع، حتى إذا طال جدا، فإن كان عمدا يكره، وإن كان سهوا يجب عليه سجدة السهو، لأن فيه تأخير الركن. عن- قال أبو داود: وكذا قال حميد: " وسكتة إذا فرغ من القراءة ". ش- أي: حميد الطويل، والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة.

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في سكتتي الإمام (845) . (2) معالم السنن (1 / 171) .

756- ص- نا أبو بكر بن خلاد، نا خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي- عليه السلام-: " أنه كان يسكتُ سكتتينِ إذا استفتحَ، وإذا فَرغَ من القراءةِ كلها "، ثم ذكر معنى [حديث] يونس (1) . ش- أبو بكر بن خلاد، اسمه: محمد بن خلاد الباهلي البصري، والد أبي عمر محمد بن محمد بن خلاد ثقة. روى عن: ابن عيينة، ويحيى القطان، وآخرين. روى عنه: أبو داود، وغيره (2) . وأشعث بالثاء المثلثة، هو: ابن عبد الملك الحمراني، أبو هانئ البصري. روى [عن] : الحسن البصري، ومحمد بن سيرين. روى عنه: ابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد: هو عندي ثقة مأمون. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة ست وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وا لنسائي (3) . قوله: " إذا استفتح " أي: إذا استفتح الصلاة. قوله: " ثم ذكر معنى [حديث] يونس " أي: يونس بن عبيد المذكور. وفي " المصنف": نا حفص، عن عمرو، عن الحسن، قال: وكان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - ثلاث سكتات: سكتة إذا افتتح التكبير حتى يقرأ الحمد، وإذا فرغ من الحمد حتى يقرأ السورة، وإذا فرغ من السورة حتى يركع ". قلت: أما السكتة الأولى فلأجل دعاء الافتتاح، وفيه دليل للجمهور، وإما السكتة الثانية فلأن يقول: آمين، بعد الفراغ من الفاتحة، وفيه دليل لأصحابنا، وأما السكتة الثالثة فليقع الفصل والتمييز بين الركنين. 757- ص- نا مسدد، نا يزيد، نا سعيد، نا قتادة، عن الحسن، أن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25 / 5199) . (3) المصدر السابق (3 / 531) .

سمرة بن جندب، وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب: " أنه حفظَ من رسول اللهِ / سكتتين: سكتة إذا كبرَ، وسكتة إذا فرغَ من [1/259-ب] ، قراءة: (غيْرِ المَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلا الضالّيِنَ) فحفظَ ذلك سمرةُ، وأنكرَ عليه عمرانُ بنُ حصين، فَكتبا في ذلك إلى أبيِّ بن كعب، وكان في كتابِه إليهما، أو في ردِهِ عليهَما: إن سمرةَ قد حَفِظَ " (1) . ش- يزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة. قوله: " وسكتة إذا فرغ من قراءة: (غيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ) هذه السكتة كانت لأجل أن يقول: " آمين "، وفيه حجة للحنفية في إخفاء " آمين "، كما ذكرنا الآن في حديث أبي بكر بن أبي شيبة. 758- ص- نا ابن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد بهذا، قال: عن قتادة عن الحسن، عن سمرة، قال: " سكتتانِ حفظتهما عن رسول الله - عليه السلام- قال فيه سعيد: قلنا لقتادةَ: ما هاتانِ السكتتان؟ قال: إذاَ دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعدُ: وإذا قَال: (غيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضالِّينَ) " (2) . ش- عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وسعيد بن أبي عروبة. قوله: "ثم قال بعدُ " أي: بعد أن قال: " وإذا فرغ من القراءة " قال: " وإذا قال: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضالينَ) يعني: بعد قراءة الفاتحة كانت السكتة الثانية. والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه بنحوه. وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن، وهو قول غير

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في السكتتين في الصلاة (251) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في سكتتي الإمام (844) . (2) انظر الحديث السابق.

واحد من أهل العلم، يستحبون للإمام أن يسكت بعد ما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة، وبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا. 759- ص- نا أحمد بن أبي شعيب، نا محمد بن الفضيل، عن عمارة ح، ونا أبو كامل، عن عبد الواحد، المعنى، عن عمارة (1) ، عن أي زرعة، عن أبي هريرة، قال: " كان رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم - إذا كبرَ في الصلاة سكتَ بين التكبير والقراءةِ، فقلتُ له: بأبي أنتم وأمي، ورأيت سكوتًَك التكبيرة والقراءة؟ أخبرني ما تقولُ، قالَ: اللهم باعدْ بيني وبن خطايايَ كما باعدْت بين المشرق والمغرب، اللهم أنقنِي من خطايايَ كالثوب الأبيضِ من الدنسِ، اللهم اغسِلَني بالثلجَ، والماءِ، وَالبَرَدِ " (2) . ش- أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني. وعمارة بن القعقاع بن شبرمة، ابن أخي عبد الله بن شبرمة الضبي الكوفي. سمع: أبا زرعة، وعبد الرحمن بن أبي نعم (3) . روى عنه: الأعمش، والثوري، وشريك، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (4) . وأبو كامل الجحدري، وعبد الواحد بن زياد البصري، وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير البجلي. قوله: " بأبي أنت وأمي " أنت مُفَدى بأبي وأمي، وقد ذكر هذا غير مرة. قوله: " أرأيت " بمعنى: أخبرني سكوتك.

_ (1) في سنن أبي داود:"عن عمارة المعني ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير (744) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يقول بعد الإحرام والقراءة (147 / 598) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء بالثلج (1 / 50) ، وكتاب المياه ، باب: الوضوء بماء الثلج والبرد (1 / 176) ، وكتاب الافتتاح، باب: سكوت الإمام بعد افتتاحه التكبير (2 / 128) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: افتتاح الصلاة (805) . (3) في الأصل: " نعيم " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21 / 4196) .

قوله: " وبين خطاياي " الخطايا جمع خطية، كالعطايا جمع عطية. قوله: " اللهم أنقني " وفي رواية: " نقني " من التنقية. قوله: " كالثوب الأبيض " وجه التشبيه أن الثوب الأبيض إذا نظف من الدنس والوسخ لم يبق فيه أثر ما من آثار الدنس، ويبقى مثل ما كان أولاً فكذلك البدن إذا نقي من الذنوب، بأن غفرت له ذنوبه، وتطهر من آثارها عاد إلى حالته الأولى، وهي أنه كان مثل الثوب الأبيض في عدم تلبسه بالآَثام والأوزار، وإنما شبه ذلك بالثوب الأبيض دون غيره من الألوان، لأن ظهور النقاوة في الأبيض أشد وكمل، لصفاء أبياض، بخلاف غيره من الألوان. قوله: " اللهم اغسلني بالثلج " ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة، والنظافة في شيء إلا بأحدها، تبيانا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها، والمعنى: طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأصول الثلاثة في (1) إزالة الأرجاس، ورفع الجنابة والأحداث، ويحتمل ابنه سأل الله أن يغسل خطاياه بهذه الأصول التي يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث، والمعنى: كما جعلتها سبباً لحصول الطهارة، فاجعلها سبباً لحصول المغفرة، وبيان ذلك في حديث أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن فغسل وجهه / خرج من [1/260-أ] وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء " الحديث (2) . وقال بعضهم: معنى قوله:" بالثلج، والماء، والبرد " أنها أمثال، ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد التقيد في التطهير، ويقال: هذه استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب، والحديث محمول على صلاة الليل كما ذكرناه، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.

_ (1) مكررة في الأصل. (2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء (244 / 32) . -

118- باب: من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

وعند البزار بسند جيد من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله- عليه السلام- قال: فإذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبن خطيئتي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني بوجهك يوم القيامة، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أحيني مس" وأمتني مس" ". وخبيب وثقه ابن حبان، وكذلك أبوه، وابن القطان رد حديثه بجهل حالهما. *** 118- باب: من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم أي: هذا باب في بيان أقوال من لم ير الجهر بالتسمية في الصلاة، وفي بعض النسخ:" باب فيما جاء فيمن لم ير الجهر". 760- ص- نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن أنس: " أن النبي- عليه السلام- وأبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ كانوا يفتتحونَ القراءةَ ب (الحمدُ للهِ رَب العَالَميِنَ) (1) ". ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وهشام الدَستوائي. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: " صليت خلف رسول الله، وخلف أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وفي لفظ لمسلم: " فكانوا يستفتحون القراءة ب (الحمد لله رب العالمين) لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها".

_ (1) تفرد به أبو داود.

ورواه النسائي في " سننه "، وأحمد في " مسنده " (1) ، وابن حبان في" صحيحه " في النوع الرابع من القسم الخامس، والدارقطني في " سننه " (2) ، وقالوا فيه: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وزاد ابن حبان:" ويجهرون ب (الحمد لله رب العالمين) " وفي لفظ للنسائي، وابن حبان أيضاً أفلم أسمع أحداً منهم يجهر به ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في " مسنده": "فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به ب (الحمدُ للهِ رَبَّ العَالَمينَ) "، وفي لفظ للطبراني في "معجمه "، وأبي نعيم في "الحلية "، وابن خزيمة في " مختصر المختصر " (3) :" فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، ورجال هذه الروايات كلهم ثقات، مخرج لهم في" الصحيح "، وفي" المصنف": نا ابن علية، عن الحريري، عن قيس بن عبادة، قال: حدَثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال:" ولم أر رجلاً من أصحاب النبي- عليه السلام- كان أشد علي حدث في الإسلام منه، قال: سمعني وأنا أقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: يا بني، إياك والحدث، فإني قد صليت خلف رسول الله، وأبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فلم أسمع أحداً منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: (الحمدُ لله ربَّ العَالمينَ) ". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) . ثم اعلم أن الكلام في التسمية على وجوه، الأول (5) : في كونها من

_ (1) (3 / 264) . (2) (1 / 315) . (3) (1 / 249) كتاب الصلاة. (4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ترك الجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) (244) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك الجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) (2 / 135) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: افتتاح القراءة (815) ، وكذلك أحمد (4 / 85) . (5) انظر: نصب الراية (1 / 327- 1 36) .

القرآن أم لا؟ ، الثاني: في أنها من الفاتحة أم لا؟ ، والثالث: أنها من أول كل سورة أم لا؟ ، والرابع: تجهر بها أم لا؟ . أما الأول: فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن، لأن الأمة أجمعت على أن ما كان مكتوبا بين الدفتين نقله الوحي، فهو من القرآن والتسمية كذلك، وكذلك روى الأعلى، عن محمد، فقال:" قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن "، وكذا روى الجصاص، عن محمد أنه قال:" التسمية آية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور، وللبداية بها تبركاً وليست باقية في كل واحَدة منها ". ويبتني على هذا أن فرض القرآن في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة، إذا قرأها على قصد القراءة، دون الثناء عند بعض مشايخنا، لأنها آية من القرآن. وقال بعضهم: لا يتأدى، لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه رُوي عن الأوزاعي، أنه قال: "ما أنزل الله في القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم) إلا في سورة النمل وحدها، ليست بآية تامة، وإنما الآية في قوله: (وإنهُ مِن سلَيْمَانَ وَإنهُ بِسْم اللهِ الرحمَنِ الرحيم) (1) " فوقع الشك في كونها / آية تامة، فلا يجور بالشك، وكذا يحرم على الجنب، والحائض، والنفساء قراءتها على قصد القرآن، أما على قياس رواية الكرخي فظاهر، لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة، فيحرم عليهم قراءتها احتياطي، وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وقالت طائفة: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وقالت طائفة: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه، وقد نقل عن

_ (1) سورة النمل: (30) .

الشافعي أنها ليست من الفاتحة عند أبي حنيفة وأصحابه، ولا من رأس كل سورة. وقال الشافعي: إنها من الفاتحة قولا واحدة، وله في كونها من رأس كل سورة قولان، وعن أحمد روايتان، إحداهما: إنها من الفاتحة دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة، والثانية وهي الأصح: إنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وإن قراءتها في أول الفاتحة كقراءتها في أول السور. والرابع: أنه يجهر بها عند الشافعي حيث يجهر بالفاتحة. وقال أبو حنيفة: لا يجهر بها، وهو قول جمهور أهل الحديث، وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي، وقيل: يخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم، ثم الحديث الذي رواه أبو داود وغيره يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وهو حجة على من يجعلها من الفاتحة، وهذا الحديث أيضاً من أقوى الحجج لمنع الجهر بالبسملة، والحديث أخرجه جماعة من أصحاب الصحاح، والحسان. ومنها: ما رواه النسائي في " سننه "، وأحمد في " مسنده "، وابن حبان في " صحيحه "، والدارقطني في " سننه "، وقالوا فيه: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) " كما ذكرناه. وفي لفظ للطبراني في " معجمه "، وأبي نعيم في " الحلية "، وابن خزيمة في "مختصر المختصر "، والطحاوي في " شرح الآثار ": " فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". ولحديث أنس طرق أخرى دون ذلك في الصحة، ومنها ما لا يحتج به، وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضاً، وهي سبعة ألفاظ، فالأول: " كانوا لا يستفتحون القراءة ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والثاني: " فلم أسمع أحداً يقول، أو يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ". 26. شرح سنن أبي داوود 3

والثالث: " فلم يكونوا يقرءون (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والرابع: " فلم أسمع أحداً منهم يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والخامس: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والسادس: " فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والسابع: " فكانوا يستفتحون القراءة ب (الحمد للْه رب العالمين) ". وهذا اللفظ هو الذي صححه الخطيب، وضعف ما سواه، لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابها، وحمله على الافتتاح بالسورة، لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضا لها؟ ! فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهراً، أو سرا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب؟ ويؤكده قوله في رواية مسلم: " لا يذكرون (بسم اللْه الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها "، لكنه محمول على نفي الجهر، لأن أنسأ إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه، فانه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن فيها القراءة سرا، ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها من لم يرَ هاهنا سكوتا كمالك وغيره، لكن ثبت في " الصحيحين "، عن أبي هريرة، أنه قال: " يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول ... " كذا وكذا إلى [1/261-أ] آخره، على ما ذكرنا، وإذا كان له سكوت لم يمكن / لأنس أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر، والاستفتاح، والسماع، مرادا به الجهر بذلك، يدل علي قوله: " فكانوا لا يجهرون "، وقوله: " فلم أسمع أحداً منهم يجهر "، ولا تعرض فيه للقراءة سرا ولا على نفيها، إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها، أو ينفيها، ولذلك قال لمن سأله: " إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه "، فإن العلم بالقراءة السرية إنما

يحصل بإخبار، أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منهما، ورواية من روى: " فكانوا يسرون " كأنها مروية بالمعنى من لفظ: " لا يجهرون "، وأيضا فحمل الافتتاح ب (الحمدُ لله رَب العَالَمينَ) على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة، وتمجه الأفهامَ الصحيحةَ، لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذا فائدة، فكيف يجوز أن نظن أن أنسأ قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه؟ وإنما مثل هذا مثل من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود، أو فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر، وأيضا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو سورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم، وأما تسميتها (الحمدُ لله رَب العَالمينَ) فلم ينقل عن النبي- عليه السلام- ولا عن الصحابة وَالتابعين، ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعُرْف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد، وأين هذا من قوله: " فكانوا يفتتحون القراءة ب (الحمدُ للهِ رَب العَالمينَ) ؟ فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح. فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة. قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم عن الوليد بن مسلم،- عنه، عن قتادة، عن أنس، قال (1) : " صليتُ خلف أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فكانوا يستفتحون ب (الحمدُ لله رب العَالمينَ) ، لا يذكرون (بسم الله الرحمنِ الرحيم) في أول قرَاءة، ولا في آخرها ".

_ (1) مكررة في الأصل.

ثم أخرجه مسلم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، هكذا رواه مسلم في " صحيحه " عاطفا له على حديث قتادة، وهذا اللفظ المخرج في " الصحيح " هو الثابت عن الأوزاعي، واللفظ الآخر إن كان محفوظا فهو مَروي بالمعنى، فيجب حمله على (1) الافتتاح بأم القرآن. ورواه الطبراني في" معجمه " بهذا الإسناد: " أن النبي- عليه السلام- وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يجهرون ب (بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم) ". ومن الأحاديث التي فيها منع الجهر حديث قيس بن عباية الذي ذكرناه عن قريب. قال الترمذي فيه: حديث حسن، والعمل علي عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومَن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون الجهر ب (بسم الله الرحمنِ الرحيم) في الصلاة، ويقولها في نفسه. وقال النووي في " الخلاصة ": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول. قلت: رواه أحمد في " مسنده " من حديث أبي نعامة، والطبراني في " معجمه " من طريقين: طريق من عبد الله بن شريدة، وطريق من أبي سفيان، فالطرق الثلاثة عن ابن عبد الله بن مغفل، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة كما ذكرناه، وقد رواه من طريق ابن عبد الله. وقال الخطيب: عبد الله بن بريشة أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي

_ (1) مكررة في الأصل.

وإن تكلم فيه، ولكنه يعتبر به ما تابعه علي غيره من الثقات، وهو الذي يسمى ابن عبد الله بن مغفل. قلت: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة الأجلاء عنه، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة، وهو وإن لم يكن / من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة [1/261-ب] الحسن، وقد حسَنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل، واحتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع، ولم يُحْسِن البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذ قال بعد أن رواه في كتاب " المعرفة " من حديث أبي نعامة: تفرد به أبو نعامة قيس بن عبادة، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح. قلت: قوله: " تفرد به أبو نعامة " ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله ابن بريدة، وأبو سفيان السعدي. وقوله:، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح " ليس بلازم في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به، وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثا عن نبيهم- عليه السلام- يتوارثونه خلفُهم عن سلفهم، وهذا وجه كان في المسألة، لأن الصواب الجهرية دائمة صباحا ومَساء، فلو كان- عليه السلام- يجهر بها دائما " وقع فيه اختلاف ولا اشتباه، ولكان معلوما بالاضطرار، و" قال أنس: " لم يجهر بها- عليه السلام- ولا خلفاؤه الراشدون "، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضا،ً وسماه حَدَثاً، و" استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي- عليه السلام- ومقامه على ترك الجهر، فتوارثه آخرُهم عن أولهم، وذلك جار عندهم مجرى الصاع والمد، بل أبلغ من ذلك، لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة، ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج

إلى صاع ولا مد، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله- عليه السلام- يفعله. ومنها: ما أخرجه مسلم في " صحيحه " (1) ، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب " الحمدُ لله رَبّ العَالمينَ " انتهى. َ وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل. فإن قيل: هذا الحديث معلول بأمرين. الأول: أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة. والثاني: أنه يروى عن عائشة: " أنه- عليه السلام- كان يجهر ". قلنا: يكفينا ابنه حديث أودعه مسلم في " صحيحه "، وأبو الجوزاء اسمه: أوس بن عبد الله الربعي، ثقة كبير، لا ينكر سماعه من عائشة، وقد احتج به الجماعة. وبديل بن ميسرة تابعي، مُجمع على عدالته وثقته، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار، وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم، وما رُوي عن عائشة من الجهر فكذب بلا شك، فيه الحكم بن عبد الله بن سعد، وهو كذاب دجال، لا يحل الاحتجاج به، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح والاحتجاج بالباطل. ومنها: ما رواه الإمام أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن ": أخبرنا أبو الحسن الكرخي، ثنا الحضرمي، أنا محمد بن العلاء، ثني معاوية بن هشام، عن محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله،

_ (1) كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة ... (489/240) .

قال:، ما جهر رسولُ الله في صلاة مكتوبة ب " بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم "، ولا أبو بكر، ولاَ عمرُ ". انتهى. قلت: هذا الحديث وإن لم يقم به حجة، ولكنه شاهد لغيره من الأحاديث، فإن محمد بن جابر تكلم فيه غيرُ واحد من الأئمة، وإبراهيم لم يلق عبد الله بن مسعود، فهو ضعيف ومنقطع، والحضرمي هو: محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين، وشيخه محمد بن العلاء أبو كريب الحافظ، روى عنه الأئمة الستة بلا واسطة، وللقائلين بالجهر أحاديث، أجودها حديث نعيم المجمر، قال: " صليت وراء أبي هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن، حتى قال: (غير المَغْضُوب عليهم ولا الضَّالين " قال: آمين /، وفي آخره: " ف" سلم [1/262-أ] قال: إنيَ لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي في " سننه "، وابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما "، والحاكم في " مستدركه "، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في " سننه "، وقال: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات، والبيهقي في (سننه "، وقال: إسناد صحيح، وله شواهد (1) . وقال في " الخلافيات ": رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح، والجواب عنه من وجوه، الأول: أنه معلول، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمع من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب، وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة، أنه- عليه السلام- كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة: " كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها " الحديث؟

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم " (2 / 134) ، وابن خزيمة (1 /251) : كتاب الصلاة، وابن حبان (5 /1797) ، والحاكم (1 /232) ، والدارقطني (1/305-306) ، والبيهقي (2 /46) .

فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة، حافظا، ثبتا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: " من المسلمين " في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط، بل كل (1) زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: " جُعلت لي الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا ". وفي موضع يجزم بخطإ الزيادة كزيادة معمر ومن وافقه قوله:" وإن كان مائعا فلا تقربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث:" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين "، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيفا، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز: " الصلاة عليه "، رواه البخاري في " صحيحه "، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه:" ولم يصل علي " فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو: عبد الرزاق، وقد اختلف علي أيضاً، والصواب أنه قال:" ولم يصل عليه ". وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قال بالجهر، لأنه قال: " فقرأ " أو" فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وذلك أعم من قراءتها سرا أو جهرا، وإنما هو حجة على من لا يرى قراءتها. فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر

_ (1) في الأصل: وكان " خطأ، وما أثبتناه من نصب الراية (1 / 336) .

عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة والبسملة تناولا واحدا، ولقال: " فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة "، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه، وتأمين المأمومين. قلنا: ليس الجهر فيه بصريح ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن، فإنه قال: " فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم قرأ أم القرآن"، والعطف يقتضي المغايرة. الوجه الثاني: أن قوله:" فقرأ " أو" قال " ليس بصريح أنه سمعها منه إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في: قيامه، وقعوده، وركوعه، وسجوده، ولم يكن ذلك منه دليلاً على الجهر. الوجه الثالث: أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة، فإن التكبير وغيره / من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان [1/262-ب] مقصوده الرد على من تركه، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأن الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة:" وهو يؤم الناس، رافعا صوته في المكتوبة، إذا فرخ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم". فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في "الصحيحين" عنه " فما أسمعنا- عليه السلام- أسمعناكم وما أخفانا أخفيناكم" (1) ، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي- عليه السلام- قال: يقول الله تعالى:" قسمت الصلاة بيني وبين

_ (1) يأتي برقم (774) ، وعندهم: " وما أخفى علينا أخفينا عليكم ".

عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: ومالك يوم الدين " قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: (إياكَ نعبدُ وإياكَ نَستعينُ) قال الله: هذا بيني وبن عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهْدنَا الصراطَ المستقيمَ أو صِراطَ الذينَ أنعمت عليهم غير المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ) قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ " أخرجه مسلم في " صحيحه "، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره (1) . وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب (2) ، عن أبي هريرة (3) ، وعن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن [به] (4) ، وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لابتدأ بها، لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمَس ليرتفع الإشكال. قال ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطعُ تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين، أحدهما: لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث ليس بذاك، هو ضعيف، رُوي عنه هذه الألفاظ جميعها. وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به.

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... (395 / 38) . (2) في الأصل: " عن أبيه"، وما أثبتناه من صحيح مسلم. (3) مسلم (395 / 39) . (4) زيادة من نصب الراية (1 / 339) ، وانظره في صحيح مسلم (395 / 0 4) .

الثاني: قال: وعلى تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - عليه السلام- يقول: " قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: (بسم الله الرحمن الرحيم) فيذكرني عبدي، ثم يقول: (الحمد لله رب العالمين) فأقول: حمدني عبدي ... " إلى آخره (1) ، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف، ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية. قلت: هذا القائل حمله الجهل، وفرط التعصب، ورداءة الرأي والفكر، على أنه ترك الحديث الصحيح، وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه وقال: لا يعتبر بكونه في مسلم، مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمةُ الثقات الأثبات: كمالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وشعيب، وعبد العزيز الدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير، وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في " سننه " التي يروي فيها غرائب الحديث. وقال عمر ابن عبد الواحد: سألت مالكا عنه، أي: عن ابن سمعان، فقال: كان كذابا. وقال يحيى بن بكير: قال هشام بن عروة / فيه: لقد كذب [1/263-أ] علي، وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها، وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث، وسئل ابن معين عنه؟ فقال: كان كذابا، وقيل لابن إسحاق: إن ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدا، فقال: لا إله إلا الله، أنا والله أكبر منه، ما رأيت مجاهداً ولا سمعت منه. وقال ابن حبان: كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع. وقال أبو داود: متروك الحديث، كان من الكذابين. وقال النسائي: متروك.

_ (1) سنن الدارقطني (1 / 312) .

وكيف يعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في " صحيحه " بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني عن كذاب متروك لا شيء؟ ! وهلا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم موجبا لرده؟ إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن. ومنها: ما أخرجه الخطيب، عن أبي أويس، واسمه: عبد الله بن أويس، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة " أن النبي- عليه السلام- كان إذا أم الناس جهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". ورواه الدارقطني في " سننه " (1) ، وابن عدي في " الكامل " (2) فقالا فيه: " قرأ " عوض " جهر "، وكأنه رواه بالمعنى، والجواب: أن هذا غير محتج به، لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، وكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ ! مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفهْ آخرون، وممن ضعفه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، وممن وثقه: الدارقطني، وأبو زرعة. وقال ابن عدي: يكتب حديثه. فإن قيل: أبو أويس قد أخرج له مسلم في " صحيحه ". قلت: صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما توبع علي، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلا، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على " الصحيحين"، فتساهلوا في استدراكهم، وفي أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه " المستدرك " فإنه يقول: هذا على شرط الشيخين، أو أحدهما، وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون

_ (1) (1/306) (2) (5 / 301) ترجمة عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر أبي أويس.

الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في كتابه " العلم المشهور ": ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط، ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده، وقلده في ذلك، والمقصود أن حديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه، بل لتفرده به، ومخالفة الثقات له، وعدم إخراج أصحاب المسانيد، والكتب المشهورة، والسنن المعروفة، ولرواية مسلم الحديث في " صحيحه " من طريقه، وليس فيه ذكر البسملة. فإن قيل: قد جاء من طريق آخر، أخرجه الدارقطني (1) ، عن خالد ابن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: " علمني جبريل الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) فيما يجهر به في كل ركعة ". قلت: هذا إسناد ساقط، فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه. قال البخاري، عن أحمد: إنه منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: منكر الحديث وقال النسائي: متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال الحاكم: روى عن المقبري، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة. فإن قيل: قد جاء آخر رواه الدارقطني (2) أيضاً، عن جعفر بن مكرم، نا أبو بكر الحنفي، نا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا قرأتم الحمد، فاقرءوا (بسم الله الرحمن الرحيم) إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و (بسم الله الرحمن الرحيم) أحد آياتها ". قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا / فحدثني [1/263-ب] " عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مثله، ولم يرفعه.

_ (1) (1 / 307) . (2) (1 / 312) .

فإن قيل: قال عبد الحق في " أحكامه الكبرى ": رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثقه ابن معين. قلت: كان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سلم، فالصواب فيه الوقف كما قال الدارقطني: اختلف فيه على نوح بن أبي بلال، فرواه عبد الحميد عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا، ورواه أسامة بن زيد، وأبو بكر الحنفي، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة موقوفا، وهو الصواب. فإن قيل: هذا موقوف، في حكم المرفوع، إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف، أو دليل قوي ظهر له، وح (1) يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر، والإسرار. قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي- عليه السلام- يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القراَن، ولكن النزاع في موضعين، أحدهما: أنها آية من الفاتحة، والثانية: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسرا، ونحن نقول: إنها آية مستقلة قبل السورة، وليست منها، جمعا بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي- عليه السلام- أنه قال: هي إحدى آياتها، وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي- عليه السلام- لها وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة، وأيضا فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه " من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " والحمد لله " هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم "، ورواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح (2) على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثَّقه أكثر

_ (1) أي: " وحينئذ ". (2) يأتي برقم (1427) .

العلماء، واحتج به مسلم في " صحيحه "، وليس تضعيف مَن ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث، والله أعلم. ومنها: ما رواه الحاكم في " مستدركه " (1) : عن سعيد بن عثمان الخراز ثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن، ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي، وعمار: " أن النبي- عليه السلام- كان يجهر في المكتوبات ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وقال: صحيح الإسناد، لا أعلم في راويه منسوبا إلى الجرح، والجواب: قال الذهبي في " مختصره ": هذا خبر واهي، كأنه موضوع، لابن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعفه ابن معين، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول. وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " بسنده ومتنه، وقال: إسناده ضعيف، إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفي. قلت: وفطر بن خليفة قال السعدي: غير ثقة، روى له البخاري مقرونا بغيره والأربعة، وتصحيح الحاكم لا يعتد به سيما في هذا الموضع، فقد عرف تساهله في ذلك. قال ابن عبد الهادي: هذا حديث باطل، ولعله أدخل علي. وروى الدارقطني هذا الحديث في " سننه " (2) ، عن أسيد بن زيد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار نحوه، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفيان كلاهما لا يجوز الاحتجاج به، لكن عمرا أضعف من جابر. قال الحاكم: عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره. وقال الجُوزجاني: عمرو بن شمر زائغ كذاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي، والدارقطني، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان رافضيا يسب الصحابة، وكان يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وأما جابر الجعفي فقال فيه الإمام أبو حنيفة: ما رأيت أكذب

_ (1) (1 / 439) كتاب العيدين. (2) (1 / 302) .

من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي إلا أتاني فيه بأثر، وكذبه أيضاً: أيوب، وزائدة، وليث بن أبي سليم، والجُوزجاني، وغيرهم. ورواه الدارقطني [1/264-أ] (1) أيضاً / عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب، حدَثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: قال: " كان- عليه السلام- يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في السورتين جميعا الفاتحة ". والجواب: أن عيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر. قال ابن حبان، والحاكم: روى عن آبائه أحاديث موضوعة، لا يحل الاحتجاج به. ومنها: ما رواه الحاكم في " المستدرك " (2) ، عن عبد الله بن عمرو ابن حسان، َ ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) . قال الحاكم: إسناده صحيح وليس له علة. والجواب: أن هذا الحديث غير صريح ولا صحيح، أما كونه غير صريح فإنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما غير صحيح فإن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث، قاله إمام الصنعة علي بن المديني. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بشيء، كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه مقلوبات. ورواه الدارقطني (3) عن أبي الصلت الهروي، واسمه: عبد السلام بن صالح، ثنا عباد بن العوام، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:" كان النبي- عليه السلام- يجهر في الصلاة ب (بسم الله الرحمن

_ (1) (1 / 302) . (2) (1 / 208) ، وقال الذهبي في " مختصره ": صحيح وليس له علة! كذا قال المصنفة وابن حسان كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف. (3) سنن الدارقطني (1 / 303) .

الرحيم) ، وهذا أضعف من الأول، فإن أبا الصلت متروك. قال أبو حاتم: ليس عندي بصدوق. وقال الدارقطني: رافضي خبيث. ومنها: ما رواه البزار في " مسنده " عن المعتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل، عن أبي خالد، عن ابن عباس: " أن النبي- عليه السلام- كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة. قال البزار: وإسماعيل لم يكن بالقوي في الحديث. قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في " سننه " (1) ، والترمذي في " جامعه " بهذا السند (2) ، والدارقطني في "سننه " (3) ، وكلهم قالوا فيه: " كان يفتتح صلاته ب (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال أبو داود: حديث ضعيف. ورواه العقيلي في " كتابه " (4) ، وأعله بإسماعيل هذا، وقال: حديثه غير محفوظ، ويرويه عن مجهول، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند. انتهى. ورواه ابن عدي، وقال: حديث غير محفوظ، وأبو خالد مجهول (5) وله طريق آخر عند الدارقطني (6) ، عن عمر بن حفص المكي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: " أن النبي- عليه السلام- لم يزل يجهر في السورتين ب (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى قبض " انتهى. وهذا لا يجوز الاحتجاج به، فإن عمر بن حفص " ضعيف. قال ابن الجوزي في " التحقيق": أجمعوا على ترك حديثه. ومنها: ما رواه الدارقطني (7) : ثنا عمر بن الحسن بن عليّ الشيباني، ثنا جعفر بن محمد بن مروان، لنا أبو طاهر أحمد بن عيسى، ثنا ابن

_ (1) ذكره الحافظ المزي في التحفة (5 / 6537) ، وعزاه إلى أبي داود، وقال: حديث" د " في رواية أبي الطيب بن الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم. اه. (2) كتاب الصلاة، باب: من رأى الجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) (245) . (3) (1 / 304) . (4) (1/ 80-81) . (5) الكامل (1 / 505- ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان) . (6) (304 / 1) (7) (1 / 305) . 27. شرح. سنن أبي داوود3

أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " صليت خلف النبي- عليه السلام- وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الهاشمي، وقد كذبه الدارقطني، فيكون كاذبا في روايته عن مثل هذا الثقة، وعمر ابن الحسن شيخ الدارقطني، تكلم فيه الدارقطني أيضاً، وقال: هو ضعيف، وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمد الخلال عنه، فقال: ضعيف، وجعفر بن محمد بن مروان ليس بمشهور بالعدالة، وقد تكلم فيه الدارقطني أيضاً، وقال: لا يحتج به، وله طريق آخر عند الخطيب، عن عَبادة بن زياد الأسدي، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن المعتمر ابن سليمان، عن ابن أبي عبيدة، عن مسلم بن حبان، قال:، صليت خلف ابن عمر، فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في السورتين، فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله حتى قبض، وخلف أبي بكر، حتى قبض، وخلف عمر حتى قبض، فكانوا يجهرون بها في السورتين، فلا أدع الجهر بها حتى أموت" انتهى. وهذا أيضاً باطل، وعَبادة بن زياد بفتح العين. قال أبو حاتم: كان [1/264-ب] من رؤساء الشيعة. / وقال الحافظ محمد النيسابوري: هو مجمع على كذبه، وشيخه يونس بن أبي يعفور فيه مقال، ضعفه النسائي، وابن معين. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجور الاحتجاج عندي بما انفرد به، ومسلم بن حبان غير معروف. ومنها: ما رواه الدارقطني في " سننه " (1) ، عن يعقوب بن يوسف ابن زياد الضبي، ثني أحمد بن حماد الهمداني، عن فَطر بن خليفة، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله- عليه

_ (1) (1 / 309) .

السلام-: " أمني جبريل- عليه السلام- عند الكعبة، فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا حديث منكر، بل موضوع. وقال الشيخ جمال الدين الزيلعي: يعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور، وقد فتشت علي في عدة كتب من الجرح والتعديل فلم أر له ذكرا أصلاً، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني، وسكوت الدارقطني، والخطيب، وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا. ومنها: ما رواه الدارقطني (1) : ثنا أبو القاسم الحسن (3) بن محمد ابن بشر الكوفي، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، ثنا إبراهيم ابن حبيب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير، وكان بدريا، قال: " صليت خلف النبي- عليه السلام- فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الجمعه. والجواب: إن هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل هو حديث باطل لوجوه، الأول: أن الحكم بن عمير ليس بدريا، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا يعرف له صحبة، فإن موسى بن [أبي] حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل "، الحكم بن عمير روى عن النبي - عليه السلام- أحاديث منكرة، لا يذكر سماعا ولا لقاء. روى عنه: ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو ضعيف الحديث، سمعت أبي يذكر ذلك، وقد ذكر الطبراني في " معجمه الكبير " الحكم بن عمير، وقال في نسبته الثمالي، ثم روى له بضعة عشر حديثا منكرا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه. وروى له ابن عدي في، الكاملة قريبا من عشرين حديثاً ولم يذكرا فيها هذا الحديث، والراوي عن موسى هو: إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي. قال الدارقطني: متروك الحديث،

_ (1) (1 / 310) . (2) في الأصل: " الحسن " خطأ.

ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته، فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم، لم يذكروا هذا الحديث فيها، كبقي بن مخلد، وابن عدي، والطبراني، وإنما رواه فيما علمنا الدارقطني، ثم الخطيب، ووهم الدارقطني، فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب، وراد وهما ثانيا، فقال الضبي- بالضاد المعجمة والباء الموحدة وإنما هو الصيني- بالصاد المهملة والنون-. ومنها: ما رواه الدارقطني (1) : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن رشد بن خثيم، ثنا عمي سعيد بن خثيم، ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر: " أنه كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وذكر أن رسول الله كان يجهر بها " والجواب: إن هذا لا يصح، وسعيد بن خثيم تكلم فيه ابن عدي وغيره، والحمل فيه على ابن أخيه أحمد بن رشد بن خثيم، فإنه متهم، وله أحاديث بواطيل، ذكرها الطبراني وغيره، والراوي عنه هو: ابن عبدة الحافظ، وهو كثير الغرائب والمناكير، روى في الجهر أحاديث كثيرة عن ضعفاء، وكذابين، ومجاهيل، والحمل فيها عليهم لا عليه، وروى له الخطيب في أول " تاريخه " حديثا موضوعا، هو الذي صنعه بسنده إلى العباس، أنه- عليه السلام- قال له:" أنت عمي، وصنو أبي، وابنك هذا أبو الخلفاء من بعدي، منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي" ومنها: ما رواه الحاكم في" المستدرك " (2) ، عن عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة أن رسول الله- عليه السلام- قرأ في الصلاة: (بسم الله الرحمن الرحيم) فعدها آية [1/265-أ] / (الحمد لله رب العالمين) آيتين، (الرحمن الرحيم) ثلاث آيات " إلى آخره.

_ (1) (1/304 -305) . (2) (1 / 232) ، والدارقطني في وسننه، (1 / 7 0 3) .

والجواب: إن هذا ليس بحجة لوجوه، الأول: إنه ليس بصريح في الجهر، ويمكن أنها سمعته سرا في بيتها، لقربها منه. الثاني: إن مقصودها الإخبار بأنه كان يرتل قراءته، ولا يسردها. الثالث: إن المحفوظ فيه والمشهور أنه ليس في الصلاة، وإنما قوله: "في الصلاة " زيادة من عمر بن هارون، وهو مجروح تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال أحمد بن حنبل: لا أروي عنه شيئاً. وقال ابن معين: ليس بشيء، وكذبه ابن المبارك. وقال النسائي: متروك الحديث. وسئل عنه ابن المديني فضعفه جدا. ومنها: ما رواه الحاكم في " مستدركه " (1) ، والدارقطني في " سننه " (2) من حديث محمد بن المتوكل (3) بن أبي السرى، قال: " صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: الصبح، والمغرب، فكان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل فاتحة الكتاب، وبعدها، وقال المعتمر: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما لو أن أقتدي بصلاة رسول الله - عليه السلام- ". قال الحاكم: رواته كلهم ثقات. والجواب: إن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في " مختصره " (4) ، والطبراني في " معجمه "، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس: " أن رسول الله كان يسرب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، وأبو بكر، وعمر "، " وفي الصلاة "، زادها ابن خزيمة. ومنها: ما رواه الحاكم (5) من طريق آخر عن محمد بن أبي السري:

_ (1) (1 / 233- 234) (2) (1 / 8 0 3) . (3) في الأصل: " محمد بن أبي المتوكل " خطأ، وانظر: تهذيب الكمال (26 / 5578) . (4) (1 / 250) كتاب الصلاة، من طريق عمران القصير، عن الحسن، عن أنس به. (5) (1 / 234) .

ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا مالك، عن حميد، عن أنس، قال: "صليت خلف النبي، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فكلهم كانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". قال الحاكم: وإنما ذكرته شاهداً. وقال الذهبي في " مختصره ": أمَا استحَى الحاكمُ؟ ! يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع! فأنا أشهد بالله والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه " لا" ومنها: ما رواه الخطيب، عن ابن أبي داود، عن ابن أخي ابن وهب، عن عمه، عن العمري، ومالك، وابن عيينة، عن حميد، عن أنس " أن رسول الله كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الفريضة ". والجواب: ما قاله ابن عبد الهادي: سقط منه " لا " كما رواه الباغندي، وغيره، عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكا رواه في "الموطأ" (1) : عن حميد، عن أنس، قال: " قمت وراء أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، فكلهم لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا افتتحوا الصلاة ". قال ابن عبد البر في " التقصي ": هكذا رواه جماعة موقوفا، ورواه ابن أخي ابن وهب، عن مالك، وابن عيينة، والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعا، فقال: " إن النبي- عليه السلام- وأبا بكر، وعمر، وعثمان لم يكونوا يقرءون "، قال: وهذا خطأ من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك، عن عمه، عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأ على خطإ، والصواب فيه عدم الرفع وعدم الجهر.

_ (1) كتاب الصلاة، باب: العمل في القراءة (31) ، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة (399 / 50) من طريق قتادة عن أنس به.

ومنها: ما رواه الحاكم في " المستدرك " (1) : عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال: ، صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فبدأب (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القراَن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، ف" سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين، والأنصار، ومن كان على مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ أين (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ وأين التكبير إذا خفضت، وإذا رفعت؟ ف" صلى بعد ذلك قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجد ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ورواه الدارقطني (2) ، وقال: رواته / كلهم ثقات، وقد اعتمد [1/265-ب] ، الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر. وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد علي في هذا الباب. والجواب عنه من وجوه، الأول: أن مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإن كان من رجال مسلم، لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية. وقال النسائي: لين الحديث، ليس بالقوي فيه. وقال الدارقطني: لَينوه. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرَّد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضاً من أسباب الضعف، أما في إسناده فإن ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص، عن أنس، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في " المعرفة "، لجلالة رواتها، وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية. ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عن إسماعيل بن عياش،

_ (1) (1 / 233) . (2) (1 / 311) .

وهي عند الدارقطني، والأولى عنده، وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي. وأما الاضطراب في متنه فتارة يقول: " صلى فبدأب (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها " كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: " فلم يقرأ ب (بسم الله الرحمن الرحيم) حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب "، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: " فلم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها " كما هو عند الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند، والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنه مشعر بعدم ضبطه. الوجه الثاني: إن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا، ولا معللاً، وهذا شاذ ومعلل، فإنه مخالف " رواه الثقات الأثبات، عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجا به وهو مخالف " رواه، عن النبي- عليه السلام- وعن خلفائه الراشدين؟ ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسأ كان مقيما بالبصرة، ومعاوية " قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسأ كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. الوجه الثالث: إن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً. قال عروة بن الزبير- أحد الفقهاء السبعة-: " أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ". وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقال عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل.

الرابع: إن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه لكان هذا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل، لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك: لا يقرأها سرا ولا جهرا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي- عليه السلام- فلو سمع النبي- عليه السلام- يجهر بالبسملة " تركها حين يُنكر علي رعيتُه أنه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل فيه، ويقال: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظا فإنما هو إنكار لترك إتمام التكبير / لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان [1/266-أ] مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى أنه كان مذهب عمر بن عبد العزيز وهو: عدم التكبير حين يهوي ساجدا بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلا فلا وجه لإنكارهم علي ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضاً، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عَدمهما، أو عدم أحدهما وكيف تكون صحيحة وليست مخرجة في الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي رواتها: الكذابون، والضعفاء، والمجاهيل الذين لا يوجدون في التواريخ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وحصين بن مخارق، وعمر بن حفص المكي، وعبد الله بن عمرو بن حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي الملقب " بجراب الكذاب "، وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني، وآخرون وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري، ومسلم في " صحيحيهما " من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات، ومنهم: قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في

الحديث، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولم يضعفه أحد بحجة إلا ركب هواه، وحمله فرط التعصب على أن علله، ورده باختلاف ألفاظه، مع أنها ليست مختلفة، بل يصدق بعضها بعضا- كما بيناه- وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع، أو بمثل حديث عليّ الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى مثل هذا، فجعل الصحيح ضعيفاً، والضعيف صحيحا، والمعلل سالماً من التعليل، والسالم من التعليل معللاً سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله أمر بالعدل، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد، والغرض الكاسد، وهذا تَمْشِية للباطل، والله يحق الحق ويبطل الباطل، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة، والسنن المعروفة، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم، ومسائْل الدين، فالبخاري مع شدة تعصبه، وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثا واحدة، والله تعالى يدري، ويعلم ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر، حتى يخرجه في " صحيحه " فما ظفر به، ولو ظفر به ما تركه أصلاً، وكذلك مسلم - رحمه الله- لم يذكر شيئاً من ذلك، ولم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء. فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في " صحيحيهما " كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة. قلت: هذا لا يقوله إلا كل سخيف، أو مكابر، فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل، ومعضلات الفقه، ومن أثرها دورانا في المناظرة، وجولانا في المصنفات، والبخاري كثيرا ما يتتبع " يرد على أبي حنيفة من السُّنَّة، فيذكر الحديث، ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض الناس كذا وكذا، يشير به إليه، وشنع به علي، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة وهو يقول في أول كتابه: " باب الصلاة من الإيمان "، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: " إن الأعمال ليست من

الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟ ومسألة الجهر يعرفها عوام الناس، ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانا مؤكدة أنه لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه، أو قريب من شرطه لم يخل منه كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود، والترمذي، وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة، والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا / منها شيئاً، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية " تركوها، وقد [1/266-ب] تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بينا ضعفه من وجوه، وأخرج الحاكم منها حديث عليّ، ومعاوية، وقد عرف تساهله، وباقيها عند الدارقطني في" سننه " التي هي مجمع الأحاديث المعلولة، ومنبع الأحاديث الغريبة، وقد بيناها حديثا حديثا. * الآثار في ذلك: منها: ما رواه البيهقي في " الخلافيات "، والطحاوي في كتابه من حديث عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال:" صليت خلف عمر- رضي الله عنه- فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وكان أبي يجهر بها". والجواب عنه: إن هذا الأثر مخالف للصحيح الثابت، عن عمر أنه كان لا يجهر، كما رواه أنس، فإن ثبت هذا عن عمر فيحمل على أنه فعله مرة، أو بعض أحيان، لأحد الأسباب المتقدمة. ومنها: ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:" إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، كانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا باطل، وعثمان بن عبد الرحمن، هو: الوقاصي أجمعوا على ترك الاحتجاج به. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: كذاب، ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به. وقال النسائي: متروك الحديث.

ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، قال، " صليت خلف علي بن أبي طالب، وعدة من أصحاب رسول الله، كلهم يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا لا يثبت، وعطاء بن أبي رباح لم يلحق عليا، ولا صلى خلفه قط، والحمل فيه على ابنه يعقوب، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال أحمد: منكر الحديث. وقال أبو زرعة، وابن معين: ضعيف. وأما شيخ الخطيب فيه فهو أبو الحسن محمد بن [الحسن بن] أحمد الأصبهاني الأهوازي، ويعرف بابن أبي علي، فقد تكلموا فيه، وذكروا أنه كان يُركبُ الأسانيد، ونقل الخطيب عن أحمد بن علي الجصاص، قال: كنا نسمي ابن أبي علي الأصفهاني: " جراب الكذب ". ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً من طريق الدارقطني عن الحسن بن [محمد بن] عبد الواحد، ثنا الحسن بن الحسين، ثنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن صالح بن نبهان، قال: " صليت خلف أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي هريرة، فكانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا لا يثبت، والحسن بن الحسين هو: العرني إن شاء الله، وهو شيعي ضعيف، أو هو: حسين بن الحسن الأشقر، وانقلب اسمه، وهو أيضاً شيعي، ضعيف مجهول، وإبراهيم بن أبي يحيى قد رمي بالرفض والكذب، وصالح بن نبهان مولى التوأمة قد تكلم فيه مالك، وغيره من الأئمة، وفي إدراكه للصلاة خلف أبي قتادة نظر، وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي- عليه السلام- وأصحابه، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في الجهر بها ما صار من شعار الروافض، وغالب أحاديث الجهر تجد في روادها من هو منسوب إلى التشيع.

ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً، عن محمد بن أبي السرى، ثنا المعتمر، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: " صليت خلف عبد الله بن الزبير فكان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) وقال: ما يمنع أمراءكم أن يجهروا بها إلا الكبر ". قال ابن عبد الهادي: إسناده صحيح، لكنه يحمل على الإعلام بأن قراءتها سُنَة، فإن الخلفاء الراشدين كانوا (1) يسرونها، فظن كثير من الناس أن قراءتها بدعة، فجهر بها من جهر بالصحابة ليُعْلموا الناس أن قراءتها سُنَة، لا أنه فعدها دائما، وقد ذكر ابن المنذر، لن ابن الزبير ترك الجهر، والله تعالى أعلم /، وأما أقوال التابعين في ذلك فليست [1/267-أ] بحجة، مع أنها اختلفت، فروي عن غير واحد منهم الجهر، وروي عن غير واحد منهم تركه، وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب، ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة، والواجب في مثل هذا الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال، وقد نقل الجهر عن غير واحد من الصحابة، والتابعين، والمشهور عنهم غيره، كما نقل الخطيب الجهر عن الخلفاء الراشدين الأربعة، ونقله البيهقي، وابن عبد البر، عن عمر، وعلي، والمشهور عنهم تركه، كما ثبت ذلك عنهم. قال الترمذي في ترك الجهر: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم ومَن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وكذلك قال ابن عبد البر: لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس، قال: ولا أعلم أنه اختلف في الجهر بها عن ابن عمر، وشداد بن أوس، وابن الزبير، وقد ذكر الدارقطني، والخطيب، عن ابن عمر عدم الجهر، وكذلك روى الطحاوي، والخطيب، وغيرهما، عن ابن عباس عدم الجهر، وكذلك ذكر ابن

_ (1) في الأصل: " كان ".

المنذر، عن ابن الزبير عدم الجهر، وذكر ابن عبد البر، والخطيب، عن عمار بن ياسر الجهر، وذكر ابن المنذر عنه عدمه، وذكر البيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، عن عكرمة الجهر، وذكر الأثرم عنه عدمه، وذكر الخطيب وغيره عن ابن المبارك وإسحاق: الجهر، وذكر الترمذي عنهما تركه كما ذكرناه، وذكر الأثرم، عن إبراهيم النخعي، أنه قال: " ما أدركت أحداً يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) والجهر بها بدعة "، وذكر الطحاوي، عن عروة قال: " أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) . قال وكيع: كان الأعمش، وابن أبي خالد، وابن أبي ليلى، وسفيان، والحسن بن صالح، وعلي بن صالح، ومن أدركنا من مشايخنا: " لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". وروى سعيد بن منصور في " سننه ": حدَّثنا خالد، عن حصين، عن أبي وائل، قال: " كانوا يسرون البسملة، والتعوذ في الصلاة ". حدَّثنا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، أن الحسن سئل عن الجهر بالبسملة؟ فقال: " إنما يفعل ذلك الأعراب ". حدَّثنا عتاب بن بشير، أنا حصين، عن سعيد بن جبير، قال: " إذا صليت فلا تجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، واجهر ب (الحمد لله رب العالمين) ". فإن قيل: أحاديث الجهر تُقدمُ على أحاديث الإخفاء بأشياء، منها: كثرة الرواة، فان أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابيا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات، والإثبات مقدم على النفي. ومنها: أن أنسأ قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة، فروى أحمد، والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد (1) أبي مسلمة، قال: سألت أنساً

_ (1) في الأصل: " سعيد بن زيد " خطأ، وانظر: تهذيب الكمال (11 / 2381) .

" أكان رسول الله يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) أو (الحمد لله رب العالمين) ؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك ". قال الدارقطني: إسناده صحيح (1) . قلنا: الجواب عن الأول: إن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف حديث الإخفاء، فإنه صحيح صريح، ثابت، مخرج في الصحيح، والمسانيد المعروفة، والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وأحاديث الجهر- دان كثرت رواتها- لكنها كلها ضعيفة، وكم من حديث كثرت رواته، وتعددت طرقه وهو ضعيف؟ كحديث " الطير "، وحديث " الحاجم، والمحجوم "، وحديث:" من كنت مولاه فعلي مولاه "، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا، وأحاديث الجهر لم يروها إلا الحاكم، والدارقطني، فالحاكم عرف تساهله، وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة، والغريبة، والشاذة، / والمعللة، وكم [1/267-ب] فيه من حديث لا يوجد في غيره، وقد حكي: أن الدارقطني " دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزءا فأتاه بعض ا"لكية، فأقسم علي أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: " كل ما روي عن النبي- عليه السلام- في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف ". وعن الثاني: إن هذه الشهادة- وإن ظهرت في صورة النفي- فمعناها الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات، وعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم على المثبِت، وإليه ذهب الآمدي، وغيره. وعن الثالث: إن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه

_ (1) أحمد (3 / 66 1، 0 9 1) ، والدارقطني (1 / 6 31) ، وأخرجه كذلك أحمد (3 / 273) من طريق قتادة، عن أنس به. -

في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرا، كما سئل يوماً عن مسألة، فقال: عليكم بالحسن فاسألوه، فإنه حفظ ونسينا، وكم ممن حدث ونسي، ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلاَ، لا عن الجهر بها وإخفائها. فإن قيل: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وأنه كان صبيا يومئذ. قلت: هذا مردود، لأنه- عليه السلام- هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوماً من الدهر يجهر؟ هذا بعيد، بل مستحيل، ثم قد روي هذا في زمن رسول الله، فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر، وعمر، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم، وروايته للحديث؟ وقد روى أنس، قال: " كان رسول الله يحب أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليأخذوا عنه". ورواه النسائْي، وابن ماجه (1) . وقال النووي في " الخلاصة ": إسناده على شرط البخاري، ومسلم " (2) . وقد ذهب البعض إلى أن أحاديث الجهر منسوخة " نبينه عن قريب، إن شاء الله تعالى. 761- ص- نا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: " كان رسول الله يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، والقراءةَ ب (الحمدُ لله ربَّ العَالمينَ) ، وكان إذاَ ركعَ لم يُشخصْ رأسَه، ولم يُصوِبْهُ، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفعَ رأسَه من الركوع لم يسجدْ حتى يستوي قائماً وكان إذا رفِعَ رأسَه من السجودِ لم يسجدْ حتى يستويَ قاعداً، وكان (3) إذا جَلَسَ يفرِشُ رِجلَه اليُسرَى،

_ (1) النسائي في الكبرى، كتاب المناقب، باب: مناقب المهاجرين والأنصار (5 / 8311) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من يستحب أن يلي " لإمام (977) . (2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (3) في سنن أبي داود أتى قوله:" وكان إذا جلس ... اليمنى، بعد قوله: " وكان يقول في كل ركعتين: " التحيات ".

ويَنصبُ رجلَه اليُمْنى، وكان يقولُ في كُلِّ رَكعتينِ: " التحياتُ "، وكان يَنهَى عنَ عَقب الشيطانِ، وعن فرشة السبع، وكان يختمُ الصلاةَ بالتسليم " (1) . ش " - أبو الجوزاء بالجيم والزاي: أوس بن عبد الله البصري، وقد ذكر ناه. قوله: " كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب (الحمد لله رب العالمين) فيه حجة لأبي حنيفة، ومالك أن البسملة ليست من الفاتحة، وفيه حجة لأبي حنيفة أن البسملة لا يجهر بها، لأنه صرح أنه- عليه السلام- كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم بفاتحة الكتاب، وقد ثبت أنه- عليه السلام- كان له سكتتان: سكتة بعد التكبير، وكان فيها البسملة، ودعاء الاستفتاح على ما ذكرناه مفصلاً، وفيه إثبات التكبير في أول الصلاة. وقال الشيخ محيي الدين (2) : " وفيه إثبات التكبير، وأنه يتعين لفظ التكبير، لأنه ثبت أنه- عليه السلام- كان يفعله، وأنه- عليه السلام- قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ، وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف ". قلت: اشتراط التعيين أمر زائد، لأن المراد من التكبير التعظيم، وبكل لفظ حصل التعظيم يجوز الافتتاح به، وقد مر الخلاف في قوله- عليه السلام-: " تحريمها التكبير "، ثم إن تكبيرة الافتتاح من أركان الصلاة، أو من شروطها؟ فيه خلاف، فقال أصحابنا: هي من الشروط. وقال مالك، والشافعي، وأحمد: من الأركان، وثمرة الاختلاف تظهر في

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة (240 / 98 4) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: افتتاح القراءة (812) ، وباب: الركوع في الصلاة (862) . (2) شرح صحيح مسلم (4 / 214) . (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ... (631) من حديث مالك بن الحويرث. 28. شرح سنن أبي داوود 3

جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافا لهم، وكذا على [1/268-أ] الخلاف لو بنى التطوع بلا تحريمة جديدة يصير / شارعا في الثاني، وكذا على الخلاف إذا كبر مقاربا لزوال الشمس. وقال ابن المنذر: قال الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال أبو بكر: ولم يقل به غيره. وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام، وذهبت طائفة إلى أنها سُنَّة، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، والزهري، والأوزاعي، وقالوا: إن تكبير الركوع يجزئه من تكبير الإحرام، ورُوي عن مالك في ا"موم ما يدل على أنه سُنَّة، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد منهما، وأن من نسيها يستأنف الصلاة، وفي " المغني " لابن قدامة: التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، سواء تركه سهوا، أو عمدا، قال: وهذا قول ربيعة، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وحكى أبو الحسن الكرخي الحنفي، عن ابن علية والأصم كقول الزهري في انعقاد الصلاة بمجرد النية بغير تكبير. وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة: قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله، وعكس آخرون فقالوا: كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقا، منهم: ابن شهاب وابن المسيب، وغيرهما، ثم تكبيرة الافتتاح مرة واحدة عند جمهور العلماء، وعند الرافضة ثلاث مرات، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث، من حديث أبي أمامة: " كان- عليه السلام- إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات " رواه أبو نعيم الدكيني، عن شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل، عنه، وفي " العلل " لابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث كذب، لا أصل له. قوله: " بالحمدُ لله " برفع الدال على الحكاية، والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى، كقولك: " دعني من تمرتان " في جواب من قال: " تكفيك تمرتان "، وبدأت " بالحمدُ لله " وبدأت ب " سورة أنزلناها "، ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيدا: من زيدا؟

قوله: " وكان إذا ركع لم يشخص رأسه " من أشخص رأسه إذا رفعها، وأشخص الرامي إذا جاوز سهمه الغرض من أعلاه. قوله: " ولم يصوبه " أي: لم يخفضه، مِن " صوَب " بالتشديد، وفيه من السُنَة للراكع أن يسوي ظهره، بحيث يستوي رأسه مع مؤخره. قوله: " ولكن بين ذلك " أي: بين الإشخاص والتصويب، والمعنى: استواء رأسه مع ظهره- كما ذكرنا-. قوله: " حتى يستوي قائماً " أي: حال كونه قائماً، وفيه سُنَة الاعتدال في الانتصاب، وكذلك سُنَّة الاعتدال في ما إذا رفع رأسه من السجدة يعتدل قاعدا، ثم يسجد، ومن هذا أخذ الشافعي وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي يوسف، وهو خلاف مشهور، وفيه وجوب الجلوس بين السجدتين. قوله: " وكان إذا جلس يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى " فيه حجة لأبي حنيفة، سواء كان في القعدة الأولى، أو الثانية، وهو حجة على مالك في رؤيته التورك سُنَة فيهما، وعلى الشافعي في روْيته التورك في القعدة الثانية. قوله: " وكان يقول في كل ركعتين التحيات " فيه: أن قراءة التشهد في كل ركعتين سُنة. وقال أحمد: هما واجبان. وقال الشافعي: الأول سُنة، والثاني: واجب، وقول مالك كقول أبي حنيفة. وقال الشيخ محيى الدين: فيه حجة لأحمد بن حنبل، ومَن وافقه مِن فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان. قلت: الوجوب لا يستفاد من هذا الحديث، فافهم. قوله: " وكان ينهى عن عقب الشيطان " بفتح العين، وكسر القاف، وفي رواية:" عن عقبة الشيطَان "، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء.

قوله: " وعن فرشة السبُع " وهو أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط السبع، والكلب، والذئب ذراعيه. قوله:" وكان يختم الصلاة بالتسليم " فيه دليل على أن السلام سنة. وقال الخطابي (1) : " وفي قولها: " كان يفتتح الصلاة بالتكبير، [1/268-ب] ويختمها بالتسليم " دليل على / أنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا تجزئ إلا بهما". قلت: لا نسلم ذلك، لأن ما فيه شيء يدل على الفرضية، وفرضية التكبير في أول الصلاة ليس بهذا الحديث، بل بقوله: (ورَبكَ فكَبِّرْ) (2) ولئن سلمنا ذلك، فلا يلزم من كون التكبير فرضاً أن يكون التسليم فرضاً مثله، بدليل حديث الأعرابي، حيث لم يعلمه- عليه السلام- حين علمه الواجبات، غاية ما في الباب يكون إصابة لفظ السلام واجبا، وقد مر ما يشابهه في قوله- عليه السلام-: " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم "، والحديث أخرجه: مسلم، وابن ماجه بنحوه. 762- ص- نا هناد بن السري، نا ابن فضيل، عن المختار بن فُلفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " أنزِلَتْ علي آنفا سُورةٌ فقرأ: (بسم الله الرحمنِ الرحيم إنا أعْطَيْنَاكً الكَوْثَرَ) حتى خَتمَهَاَ، قال: هل تدرُونَ ما الَكوثرُ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، قال: فإنه نَهرٌ وَعَدَنِيهِ ربي في الجنةِ " (3) . ش- ابن فضيل هو: محمد بن فضيل الكوفي. قوله: " آنفا " أي: قريبا، وهو بالمد، ويجوز القصر، وهو لغة قليلة وأصله من الائتناف، وهو الاستئناف، ومعناه: الابتداء. وقال ابن

_ (1) معالم السنن (1 / 172) . (2) سورة المدثر: (3) . (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة (0 0 4 / 53) ، وكتاب الفضائل (4 0 23 / 0 4) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (2 / 133) .

الأثير (1) :" وفعلت الشيء آنفا، أي: في أول وقت يقرب مني ". وقال في " الصحاح ": وقلت كذا آنفا، وسالفا. قلت: انتصابه على الظرفية، لأنه بمعنى: الآن، وهو من الظروف الزمانية. قوله: " الكوثر" وزنه فوعل من الكثرة، كنوفل من النفل، وجوهر من الجهر بمعنى: الخير الكثير، وقد فسره- عليه السلام- بقوله: " فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة ". وقد اختلف المفسرون في تفسيره، فقال أبو بكر بن عياش: كثرة الأمة. وقال الحسن: القرآن. وقال عكرمة: النبوة. وقال المغيرة مرفوعا: الإسلام. وقال ابن عمر، وأنس مرفوعا: نهر في الجنة، ترده طير خضر، قيل: ما أنعم هذا الطائر! قال- عليه السلام-: " الا أخبركم بأنعم منه؟ من أكل الطائر، وشرب الماء، وفاز برضوان الله ". وعن عائشة: من أراد أن يسمع خريره فليدخل إصبعيه في أذنيه. وقال عطاء: هو حوضه لكثرة وارديه. وقال الفضل: الشفاعة في أكثر الأمة. وقيل: الصلاة وكثر المصلين، وقيل: الذكر وكثرة الذاكرين، وقيل: معجزاته- عليه السلام- وقيل: الفقه، وكثرة الفقهاء، وقيل: نور في قلبك قطعك عما سوى ربك، وقيل: قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فَصَل الفجر والمزدلفة، وانحر الهدي. وقال عطاء: صَل العيد وانحر الأضحية. وعن ابن عباس: ضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة. وقال سليمان التيمي: ارفع يديك بالدعاء لا تحرك. وقال ذو النون: اذبح هواك في قلبك، إن شانئك مبغضك. قال ابن عباس: عدوك الأبتر الحقير الذليل، ويقال: المنقطع عن بلوغ أمله فيك. واستدل به بعض من يقول بالجهر بالبسملة، واستدلاله غير صحيح، لأنه

_ (1) النهاية (1 / 76) .

ليس فيه ذكر الصلاة، واستدل به أيضاً من يقول: إن البسملة [آية] من أول كل سورة سوى براءة. والجواب: إن قراءته- عليه السلام- تدل على أنها آية مفردة بذاتها، ولا يدل على أنها من أول كل سورة، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي: فجاءه الملك، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ ثلاث مرات، ثم قال له: (اقْرَأ باسْم ربكَ الذي خَلَقَ) (1) ، فلو كانت البسملة من أول كل سورة لقالَ: اقرأ (بسمَ الله الرحمن الرحيم) (اقرأ باسم ربك) ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أصحاب السنن الأربعة، عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي (2) ، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له، وهي (تَبَارَكَ الَذي بيَده المُلكُ) . وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه أحمد في " مسَندهَ " (3) ، وابن حبان في "صحيحه " والحاكم في " مستدركه " (4) وصححه، وعباس الجشمي (2) ، يقال: إنه عباس (5) بن عبد الله، ذكره ابن حبان في " الثقات "، ولم يتكلم فيه أحد- فيما علمنا- ولو كانت البسملة في أول كل سورة لافتتحها- عليه [1/269-أ] السلام- بها، وقد قلنا: إن مذهب المحققين / أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة كما تلاها النبي- عليه السلام- حين أنزلت عليه: (إنا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ) ، وهذا قول ابن

_ (1) البخاري: كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ،مسلم: كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (160/252) (2) في الأصل: " عياش الجهني " خطأ. (3) (2 / 299، 321) . (4) (2 / 497- 98 4) . (5) في الأصل: " عياش " خطأ.

ابن المبارك، وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قالت جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة. قلت: ولذلك قال الشيخ حافظ الدين النسفي: وهي آية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور، وهذا القول فيه الجمع بين الأدلة، وعن ابن عباس: " كان النبي- عليه السلام- لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وفي رواية: " لا يعرف انقضاء السورة " رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين (1) ، وحديث أنس: أخرجه مسلم، والنسائي. 763- ص- نا قَطَنُ بنُ نُسَيرٍ، نا جعفر، ثنا حميد الأعرج المكي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وذكر الإفك، قالت:" جَلسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكشفَ عن وجهِهِ، وقال: أعوذُ بالسميع العليم من الشيطانِ الرجيم: (إِن الذين جَاءُوا بِالإِفْكِ) الآية (2) " (3) . ش- قَطَن- بالقاف والنون-: ابن نُسَير- بالنون في أوله- الغُبَري- بالغين المعجمة، والباء الموحدة- أبو عباد البصري، يعرف بالذارع. روى عن بشر بن منصور، وعدي بن أبي عمارة، وجعفر. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والبغوي. وروى الترمذي عن رجل عنه (4) . وجعفر ابن سليمان الضبعي. وحميد بن قيس الأعرج أبو صفوان الأسدي، مولاهم المكي. سمع: عطاء بن أبي رباح، ومجاهدا، والزهري، وغيرهم. روى عنه: جعفر ابن سليمان، وجعفر الصادق، ومالك، والثوري، وابن عيينة،

_ (1) يأتي بعد ثلاثة أحاديث. (2) سورة النور: (11) . (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23 / 6 88 4) .

وغيرهم. وقال أحمد: ثقة، وكذا قال يحيى بن معين. روى له الجماعة (1) . قوله: " وذكر الإفك " أي: قضية الإفك، والإفك: الكذب، والافتراء، والمراد به: ما أفك به على عائشة- رضي الله عنها- حين استصحبها- عليه السلام- في بعض الغزوات وهي قصة مشهورة، فأنزل الله تعالى ثماني عشرة آية في براءتها، وتعظيم شأنها، وتهويل الوعيد لمن تكلم فيها، والثناء على من ظن بها خيرا، وقد اختلف العلماء كيف التعوذ قبل القراءة، فعند الجمهور: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " دون غيره، وذلك لموافقته الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله- عَز وجل-: (فَإِذَا، قَرَأتَ القُرآنَ فَاسْتَعِدْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم) (2) . وأما السُّنَّة: فما رواه نافع بن جبير بن مَطعم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام- أنه استعاذ قبل القراءة بهذا اللفظ بعينه (3) ، وهو قول عاصم وأبي عمرو ويعقوب، وعند أهل المدينة والشام يقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم "، وهو قول علي، وعند أهل مكة: " أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم،، وعند حمزة: " استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم "، وعند سهل:" أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم "، وعن الصديق:" استعذت بالله من الشيطان الرجيم "، وعند ابن الحنفية:

_ (1) المصدر السابق (7 / 1535) . (2) سورة النحل: (8 9) . (3) قال الشيخ الألباني في " الإرواء" (2 / 53) : صحيح لكن بزيادتين، وأما بدونهما فلا أعلم له أصلاَ ... وقد ورد بلفظ: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه،، وقد روي من حديث جبير ابن مطعم، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وأبي أسامة: فأما حديث جبير فرواه أبو داود (947) ، وابن ماجه (764) ، وغيرهما" 10 هـ بتصرف. وانظر: الإرواء لباقي التخريجات.

" أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي ". وقال صاحب " التيسير": ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القرآن وعند الإبتداء برءوس الأجزاء، وغيرها في مذهب الجماعة اتباعا للنص، واقتداء بالسُّنَة. وروى إسحاق المسيبي، عن نافع أنه كان يخفيها في جميع القرآن. وروى سليم، عن حمزة أنه كان يجهر بها في أول أم القرآن خاصة، ويخفيها بعد ذلك في سائر القراَن، كذلك قال خلف عنه، وقال خلاد عنه: إنه كان يجيز الجهر والإخفاء جميعا، ولا ينكر على من جهر، ولا على من أخفى، والباقون لم يأت عنهم في ذلك شيء منصوص، ثم حكم الاستعاذة في الصلاة فهي سُنَة عند عامة العلماء خلافا "لك، وأما وقته بعد الفراغ من الثناء قبل القراءة عند الجمهور. وقالت الظاهرية: وقته بعد الفراغ من القراءة، وأما من يسن في حقه التعوذ: الإمام، والمنفرد، دون المقتدي عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف هو سُنَة أيضاً في حقه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وقد عرف / بتفصيله في الفروع. [1/269-ب] ص- قال أبو داود: هذا الحديث منكر، قد روى هذا الحديث، عن الزهري جماعة لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة منه (1) كلامَ حميد. ش- أشار به إلى أن حميدا اَلأعرج انفرد به مخالفا " رواه الثقات عن الزهري، أو يكون ذلك وهما منه. قوله: " أمر الاستعاذة منه " أي: من الشيطان، وفي بعض النسخ: " فيه " أي: أمر الاستعاذة في هذا الحديث. قوله: " كلام حميد " منصوب على أنه خبر " أن يكون"، وهذا الحديث ليس له مناسبة في هذا الباب أصلاً، وإنما وقع هذا هاهنا اتفاقا. ***

_ (1) في سنن أبي داود: " من ".

119- باب: من جهر بها

119- باب: من جهر بها أي: هذا باب في بيان قول من جهر بالبسملة، وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء فيمن جهر بها ". 764- ص- نا عمرو بن عون، أنا هشيم، عنِ عوف، عن يزيد الفارسي، قال: سمعت ابن عباس، قال: " قلتُ لعثمان بنِ عفانَ: ما حَمَلَكُم أن عَمَدتُم إلى" بَراءةَ "، وهي من المئين، وإلى " الأنفال " وهي من المَثَاني، فجعلتموها (1) في السَّبعْ الطوَالَ، ولم تكتُبُوا بينهَمَا سَطرَ (بسمَ الله الرحمنِ الرحيم) ؟ قال عثمانُ: كَان النبيُّ- عليه السلام- مما تنزلُ علي الآياتُ، فيدعو بعضَ من كان يَكتبُ له، ويقولُ: ضَعْ هذه الآية في السورة التي يُذكَرُ فيها كَذا وكَذا، وتَنزل علي الآية والآيتان، فيقولُ مثلَ ذلكَ، وِكانت " الأنفالُ " من أول ما نَزلَ علي بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما نزلَ منَ القراَن، وكانت قصَتها شَبيهةً بقصَّتهَا، فظننتُ أنها منها، فمن هناك وضعتُها (2) فَي السبعْ الطّوَالِ، ولَم أكتبَْ بينهما سَطرَ: (بسم الله الرحمن الرحيم) (3) . ش- هشيم بن بشير الواسطي. وعوف هذا هو ابن أبي جميلة، واسم أبي جميلة: بندوية، ويقال: رزينة العبدي الهجري، البصري، يعرف بالأعرابي، ولم يكن أعرابيا. روى عن: أبي عثمان النهدي، وأبي العالية، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صالح. وقال ابن معين: ثقة. وقيل: كان يتشيع. مات سنة ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فجعلتموهما ". (2) في سنن أبى داود:" وضعتهما ". (3) الترمذي: كتاب التفسير، ومن سورة التوبة (6 308) ، النسائي في الكبرى: كتاب فضائل القرآن، باب: كتابة القرآن. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22 / 4545) .

ويزيد الفارسي هو ابن هرمز، أبو عبد الله الليثي مولاهم المدني، وهو والد عبد الله بن يزيد، أحد الفقهاء بالمدينة، وهو معلم مالك بن أنس. روى عن: ابن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: سعيد المقبري، وعوف الأعرابي، وقيس بن سعد المكي، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان ثقة- إن شاء الله- روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وا لنسائي (1) . قوله: " أن عمدتم " أي: أن قصدتم، و" أن " في محل الرفع على أنه فاعل قوله: "حملكم ". قوله: " وهي من المئين " أي: من السور التي تشتمل على أكثر من مائة آية. لأن البراءة مائة وتسع وعشرون آية عند الكوفيين، وعند البصريين مائة وثلاثون آية، والشئون بكسر الميم جمع مائة، وبعضهم يقول: شؤون بالضم، وأصل مائة، مأى، نحو معاً والهاء عوض عن الياء. قوله: " وهو من المثاني " المثاني: السور التي تنقص عن المئين، وتزيد على المفصل، والأنفال خمس وسبعون آية عند الكوفيين، وسبع وسبعون عند الشاميين، وست وسبعون عند الباقين، وإنما سأل هذا السؤال، لأن المئين جعلت مبادئ، والتي تليها مثاني. قوله: " فجعلتموها " أي: الأنفال، أي: سورة الأنفال في السبع الطوال، وهني: البقرة، وآل عمر أن، والنساء، والمائدة، وا لأنعام، والأعراف، والتوبة، والطول- بضم الطاء وفتح الواو- جمع الطولى، تأنيث الأطول، مثل: الكبر في الكبرى، وهذا البناء تلزمه الألف واللام أو الإضافة. قوله: " بينهما " أي: بين الأنفال والتوبة. قوله: " وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة " يعني من السنة

_ (1) المصدر السابق (32 / 62 0 7) .

الأولى من الهجرة، " وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن "، نزلت في سنة تسع من الهجرة. قوله:" وكانت قصتها" أي: قصة براءة " شبيهة بقصة الأنفال "، لأن في، الأنفال " ذكر العهود، وفي " براءة " نبذها. [1/270-أ] قوله: " فظننت أنها منها" / أي: أن سورة براءة من سورة الأنفال، فلأجل ذلك وضعها في السبع الطُّوَلِ، ولم يكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ، ويقال: تركت البسملة بينهما، لأنها نزلت لرفع الأمان، و" بسم الله " أمان، وقيل: " اختلفت الصحابة في أنهما سورة واحدة هي سابعة السبع الطُوَلِ، أو سورتان تركت بينهما فرجة، ولم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وقيل: لم تكتب البسملة لأنها رحمة، والسورٍ، في المنافقين. والحديث أخرجه الترمذي، وفي روايته زيادة، وهي " فقبض رسول الله ولم يبين أنها منها" (1) وقال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد الرقاشي هو: يزيد بن أبان الرقاشي، ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي، وأخرج الترمذي هذا الحديث في أبواب تفسير القرآن، وليس في الحديث شيء مما يتعلق بالجهر والإخفاء، وليس له مناسبة للباب أيضاً ولذلك غالب النسخ ليس فيه باب من جهر بها، وهذا هو الأجدر المناسب. ص- قال أبو داود: قال الشعبي، وأبو مالك، وقتادة، وثابت بن عُمارة:

_ (1) هذه الزيادة ذكرت في سنن أبي داود في حديث مستقل، فقال: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مروان- يعني: ابن معاوية- أخبرنا عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، حدثنا ابن عباس بمعناه، قال فيه: " فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها"

" إن النبي- عليه السلام- لم يكتبْ (بسم الله الرحمنِ الرحيم) حتى نَزلتْ سورةُ النملِ " هذا معناه (1) . ش- هذا مرسل، وسورة النمل مكية بلا خلاف، وأبو مالك سعد ابن طارق، وثابت بن عُمارة الحنفي أبو مالك البصري. سمع: غنيم ابن قيس ا"زني، وخالد بن الأحدب، وربيعة بن شيبان. روى عنه: شعبة، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتن. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . 765- ص- نا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح، قالوا: ثنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة: عن ابن عباس قال: " كان النبي- عليه السلام- لا يَعرفُ فَصْلَ السور (3) حتى تَنزِلَ علي: (بسم الله الرحمنِ الرحيم) (4) . ش- أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار، المعروف بمردويه. سمع: ابن المبارك، وإسحاق بن يوسف، وغيرهما. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وقال: لا بأس به (5) وسفيان الثوري. وعمرو بن دينار، أبو محمد المكي الجمحي. سمع: عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: ابن المسيح، وأبا سلمة، ونافع بن جبير، ومجاهداً وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: جعفر الصادق،

_ (1) في سنن أبي داود:" وهذا مرسل ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 24 8) . (3) في سنن أبي داود: " السورة ". (4) تفرد به أبو داود. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 / 100) .

120- باب: تخفيف الصلاة

وأيوب، وقتادة، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وهو أثبت الناس فيه، والحمادان، وابن جريج، وغيرهم. قال ابن عيينة: كان ثقة ثقة ثقة. مات سنة ست وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . واستدل بالحديث أصحابنا الذين قالوا: إن البسملة آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور. والحديث أخرجه: الحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين (2) . ص- وهذا لفظ ابن السرح. ش- أي: لفظ أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، وهو أحد شيوخ أبي داود، ولفظ غيره: " لا يعرف انقضاء السورة حتى تنزل علي: (بسم الله الرحمن الرحيم) . *** 120- باب: تخفيف الصلاة (3) أي: هذا باب في بيان تخفيف الصلاة. 766- ص- نا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو سمعه من جابر: " كان معاذ يُصلي مع النبي- عليه السلام- ثم يَرجِعُ فيؤُمنا، وقال مرة: ثم يَرجعِ فَيُصَلي بقومه، فأخرَ النبي- عليه السلام- ليلة الصَّلاةَ، وقال مَرة: العشاءَ، فصلى معاَذ مع النبيِّ- عليه السلام- ثمِ جَاءَ يَؤمُ قومَهُ فَقرأ البقَرةَ، فاعتزلَ رجل من القَوم، فصلَّى، فقيلَ: نَافقت يا فلانُ، قال: ما نَافقتُ، فأتى النبيَّ- عليه السلام- فقالَ: إن معاذا يُصلي، ثم يرجعُ فيؤُمنا يا رسولَ الله، إِنا (4) نحنُ أصحابُ نَوَاضحَ، ونَعملُ بأيدينَا، وإنه جاءَ يؤُمّنا فقرأ بسَورةِ البقرةِ، فقال: نا معاذُ، أفَتان أنتَ (5) ؟ ! اقَرأ بكذا. فقال أبو الزبير:

_ (1) المصدر السابق (22 / 0 436) . (2) المستدرك (1 / 1 23- 232) . (3) هذا الباب متأخر في سنن أبي داود عن باب:" تخفيف الصلاة للأمر يحدث ". (4) في سنن أبي داود: "إنما ". (5) ذكر " أفتان أنت " في سنن أبي داود مرتين

(سبِّح اسْمَ ربِّكَ الأعْلَى) ، (واللَيْلِ إِذا يَغْشَى) فذكرنا لعمرو، فقال: أراه قد ذكرَه " (1) . / ش- عمرو بن دينار [1/270-ب] قوله: " فاعتزل رجل من القوم " قيل: هو: حزم بن أبي كعب، وقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حازم، وقيل: سليم. قوله: " أصحاب نواضح " النواضح جمع ناضح، وهو: البعير الذي يستقى عليه، والأنثى ناضحة، سميت بذلك لنضحها الماء باستقائها، والنضح، الرش، وأراد: إنا أصحاب عمل وتعب فلا نستطيع تطويل الصلاة. قوله: " فقرأ سورة البقرة " فيه دليل على جواز قول من جوز أن يقال: سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة، ونحوها، ومنعه بعض السلف، وزعم أنه لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها البقرة، ونحو هذا، والحديث الصحيح حجة عليه. قوله: " أفتان أنت؟ ! " أي: منفر عن الدين، وصاد عنه، ففيه الإنكار على من ارتكب ما يُنهى عنه، وإن كان مكروها غير محرم، وفيه جواز الاكتفاء في التعزير بالكلام، وفيه الأمر بتخفيف الصلاة، والتعزير على إطالتها، إذا لم يرض الجماعة. قوله: " فقال أبو الزبير " محمد بن مسلم بن تدرس المكي: (سبح اسْمَ ربكَ الأعْلَى) أي: اقرأ سورة (سبح اسْمَ ربِّكَ الأعْلَى) في الركعة الأولى، واقرأ في الثانية: (واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ، وفي " مسند

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: من شكا إمامَه إذا طول (705) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (465) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في العشاء الآخرة ب (الشمس وضحاها) (2 / 2 0 1) ، وانظر: (2 / 97، 68 1، 172) .

السراج، (1) : فقال النبي- عليه السلام-: " أما يكفيك أن تقرأ ب (السمَاء وَالطَّارق) ، (والشَّمْس وَضُحَاهَا) ، وعند السفاقسي: (إذا السَمَاءُ انفًطَرَتْ) ، و (اقْرَأ بِاسْم ربكَ) قوله: " فذكرنا (2) لعمرو " أي: عمرو بن دينار، وقد استدل الشافعي بهذا الحديث في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ولم يجوزه أبو حنيفة، ومالك، وربيعة، والزهري، وابن المسيب، والنخعي، وأبو قلابة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحسن البصري، ومجاهد، وآخرون، وأجبنا عن الحديث: إما أنه منسوخ، أو كان معاذ يصلي مع النبي- عليه السلام- متنفلاً، ومع قومه فرضاً، واستوفينا الكلام فيه في باب 00. (3) والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم. 767- ص- نا موسى بن إسماعيل، ثنا طالب بن حبيب، قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر، يحدث عن حزم بن أبي كعب (4) " أنه أتى مُعاذا وهو يُصلي بقومٍ صَلاةَ المغرب- في هذا الخبر- قال: فقالت رسولُ الله: يا معاذُ، لا تكنْ فَتَّانا، فإنه يُصَلى وراءَكَ: الكبيرُ، والضعيفُ، وذو الحَاجَة والمُسافرُ " (5) . ش- طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل بن قيس الأنصاري المدني الضجيعِي، ويقال: طالب ابن ضَجِيع، لأن جَده ضجيعُ حمزةَ بن عبد الَمطلب. سمع: عبد الرحمن ومحمدا ابني جابر بن عبد الله. روى عنه: موسى بن إسماعيل، وأبو داود الطيالسي، ويونس بن محمد

_ (1) عزاه الشيخ الألباني في " الإرواء " (1 / 330) إلى " مسند السراج " (ق 33 / 1) ، و (ق 33 / 2) ، و (ق 35 / 1) ، وقال: سنده صحيح. (2) في الأصل: " فيذكرنا ". (3) بياض في الأصل، وقد تقدم الكلام علي في " باب إمامة من يصلي بقوم وقد صلى تلك الصلاة" (4) في سنن أبي داود: " حزم بن أبي بن كعب " خطأ. (5) تفرد به أبو داود.

المؤدب. قال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. روى له أبو داود (1) . وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي المدني أخو محمد. سمع: أباه، وأبا بردة بن نيار، وحزم بن أبي كعب. روى عنه: سليمان بن يسار، وعاصم بن عمرو بن قتادة، وطالب بن حبيب، وغيرهم. وقال ابن سعد: في روايته، ورواية أخيه ضعف، وليس يحتج بهما. وقال أحمد بن عبد الله: عبد الرحمن بن جابر ثقة. روى له الجماعة (2) . وحزم بن أبي كعب الأنصاري الصحابي، روى عنه: عبد الرحمن بن جابر، روى له أبو داود (3) . قوله: " في هذا الخبر " أي: الخبر المذكور الذي رواه عمرو بن دينار، عن جابر، وقال أبو حاتم: فيه دلالة أن المغرب ليس له وقت واحد، ورد البيهقي رواية المغرب، وقال: إن رواية العشاء أصح. قوله: " الكبير " أي: الكبير في السن، والضعيف أعم من أن يكون سقيما في بدنه، أو في عضو من أعضائه، وفيه من الفقه: أن الإمام لا ينبغي أن يطول بالصلاة على الجماعة، ولا سيما إذا كان في مسجد الشوارع والطرقات، ومسجد الأسواق، أو إمام قوم كسالى، فإذا رضي القوم به لا يكره التطويل. 768- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن علي، عن زائدة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي- عليه السلام- قال: قال النبي- عليه السلام- / لرجل: " كيفَ تقولُ في الصلاة ِ؟ قال: [1/271-أ]

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13 / 2956) . (2) المصدر السابق (17 / 0 378) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1 / 88 3) ، وأسد الغابة (2 / 4) ،والإصابة (1 / 325) . 29. شرح سنن أبي داوود 3

أَتشهدُ، وأقولُ: اللهُمَ إني أسألُكَ الجنةَ، وأَعوذُ بك من النار، أمَا إني لا أحْسِنُ دندَنَتَكَ، ولا دَنْدَنَةَ مُعاذ، فقال- عليه السلام-:َ حَوْلَهُمًا (1) نُدَنْدِنُ " (2) . ش- حسين بن علي الجعفي الكوفي، وزائدة بن قدامة، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو صالح ذكوان الزيات. قوله: " دندنتك " الدندنة: قراءة مبهمة- غير مفهومة، والهينمة مثلها، أو نحوها. قوله: " حولهما " أي: حول الجنة والنار، " ندندن " أي: في طلبهما من دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد مجيئا وذهابا. وقال ابن الأثير (3) : " وفي رواية عنهما: " ندندن " معناه: أن دندنتنا صادرة عنهما وكائنة بسببيهما ". والحديث أخرجه: ابن ماجه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، وذكر الخطيب أن هذا الرجل الذي قال له النبي: " كيف تقول " هو سليم الأنصاري السلمي. وفيه من الفقه: أن التخفيف في الأدعية من الصلاة مطلوب، ولذلك حسن النبي- عليه السلام- كلام الرجل بقوله: " حولهما ندندن "، ولا سيما إذا كان إماما، حتى قال البعض: إذا عرف الإمام ملل القوم يترك الأدعية بالكلية. 769- ص- نا يحيى بن حبيب، نا خالد بن الحارث، نا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، ذكر قصة معاذ، قال: وقال- يعني: النبي- عليه السلام- للفتى: " كَيفَ تَصنعُ نا ابنَ أخي إذا صَلَّيتَ؟ قال: أَقرأ بفاتحة الكتاب، وأَسألُ الله الجنةَ، وأعوذُ به من النار، وإني لا أَدرِي ما دندنَتُكً وَدنْدًنَةُ (4) مُعاذ، فقال رسول الله: إني ومُعاذاً حولَ هاتين، أو نحوَ هذا " (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: " حولها " (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يقال في التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (910) . (3) النهاية (2 / 137) . (4) في سنن أبي داود:" ولا دندنة ". (5) تفرد به أبو داود.

ش- الفتى: هو سليم الأنصاري. قوله:" ومعاذا " بالنصب، عطف على اسم " إن " في قوله: " إني " وخبره محذوف، والتقدير: إني ومعاذا ندندن حول هاتين أي: الجنة، والنار، و " حول " منصوب على الظرفية، والعامل فيه الخبر المقدر. قوله: " أو نحو هذا " شك من الراوي، والحديث أخرجه: ابن خزيمة في " صحيحه " (1) . 770- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، أن النبي- عليه السلام- قال: " إذا صلى أحدُكم للناسِ فَليخَففْ، فإن فيهم الضعيفَ، والسقيمَ، والكَبيرَ، وإذَا صَلَّى لنفسه فليُطَولْ مَا شَاءَ" (2) .ً ش- الحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وفي لفظ لمسلم: " والمريض "، وفي لفظ له: " الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة "، والفرق بين الضعيف والسقيم: أن الضعيف أعم من السقيم، لأن السقيم من استقام وهو المرض، والضعيف من الضعف، وهو خلاف القوة، فلا يلزم أن يكون ضعيف القوة سقيما كالشيخ الصحيح، فإنه ضعيف القوة غير سقيم. قوله: " وإذا صلى لنفسه " معناه: إذا صلى منفردا فليطول ما شاء، وفي رواية عبد الرزاق: " وإذا قام وحده فليطل صلاته "، وفي " مسند السراج ": " وإذا صلى وحده فليطول إن شاء "، وفي رواية لمسلم: " وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ".

_ (1) (1 / 358- 359) كتاب الصلاة. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: من شكا إمامه إذا طال (704) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة (467) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاه إذا أم أحدكم بالناس فليخفف (236) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: ما على الإمام من التخفيف (2 / 94) .

121- باب: تخفيف الصلاة للأمر يحدث

وفيه من الفقه: أن الإمام ينبغي أن لا يطول بالصلاة على الجماعة، بل يخففها، بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، وأنه إذا صلى لنفسه طول ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل كالقيام، والركوع، والسجود، دون الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. 771- ص- نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة (1) ، عن أبي هريرة، أن النبي- عليه السلام- قال: " إذَا صلى أحدُكُم للناسِ فليخفف،، فإن فيهمُ السقيمَ، والشيخَ الكَبِيرَ، وذا الحَاجَةِ " (2) . ش - عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. فإن قيل: ما حكم الأمر المذكور في هذه الأحاديث؟ قلت: أمر ندب واستحباب، وقيل: أمر وجوب، حتى أوجب على الإمام تخفيف الصلاة بمطلق الأمر، قلنا: القرينة الدالة على ما ذكرنا تنفى الوجوب، والله أعلم. *** [1/271-ب] / 121- باب: تخفيف الصلاة للأمر يحدث أي: هذا باب في بيان تخفيف الصلاة لأجل أمر يحدث. 772- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا عمر بن عبد الواحد، وبشر ابن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأقُومُ إلى الصلاة وأنا أريدُ أنْ أطَولَ فيها، فأسْمَعُ بُكَاءَ الصبي، فأتَجَوزَ كَرَاهِيَة أنْ أشُق على أمهِ " (3) .

_ (1) في الأصل:" عن ابن المسيب، عن أبي سلمة " خطأ، وانظر: التحفة (10 / 13304) ، و (11 / 15288) . (2) انظر الحديث السابق. (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: من أخف الصلاة عند بكاء الصبي (707) ، =

ش- عبد الرحمن بن إبراهيم القرشي الدمشقي، وعمر بن عبد الواحد الدمشقي. وبشر بن بكر التنيسي الدمشقي أبو عبد الله البجلي. سمع: الأوزاعي، وحريز بن عثمان، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم. روى عنه: الإمام الشافعي، وابن وهب، وهما أقدم وفاة منه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس. مات سنة خمس ومائتين. روى له: البخاري، وأبو داود، وابن ماجه (1) . قوله: " فأتجوز " من التجوز، والمراد به: تقليل القراء ة كما ذكره ابن سابط وغيره، كما جاء في رواية مسلم: " فيقرأ السورة الخفيفة "، واستدل بعض الشافعية بهذا على ابن الإمام إذا كان راكعا فأحس بداخل يريد الصلاة معه، ينتظره ليدرك معه فضيلة الركعة في جماعة، وذلك لأنه إذا كان له ابن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا، كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هذا أحق وأَوْلى. وقال القرطبي: ولا دلالة فيه، لأن هذا زيادة عمل في الصلاة، بخلاف الحذف. وقال ابن بلال: وممن أجاز ذلك الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال آخرون: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال مالك: لا ينتظر، لأنه يضر مَن خلفه، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي. وقال السفاقسي، عن سحنون: إن صلاتهم باطلة. قلت: هذه رواية عن بعض أصحابنا، حتى قال بعضهم: يخشى عليه

_ = مسلم: كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (191- 470) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: ما على الإمام من التخفيف (824) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر (911) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 / 679) .

الكفر، وقيل: إذا لم يعرف الداخل لا يكره، وقيل: إن كان الداخل غنيا يكره، وإن كان فقيرا لا يكره. قوله: " كراهية " نصب على التعليل، أي: لأجل كراهية أن أشق، ومحل " أن " الجر بالإضافة، وهي مصدرية، والتقدير: كراهية الشق. وفيه من الفقه: الدلالة على الرفق بالقوم، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم، دان كان يسيراً، من غير ضرورة، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وأن الصبي يجوز إدخاله في المسجد، دان كان الأولى تبرئة المسجد عمن لا يؤمن منه الحدث، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم من حديث قتادة، عن أنس بن مالك، وأخرجه النسائي، وابن ماجه أيضاً. 773- ص- نا (1) قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عَنمةَ المزني، عن عمار بن ياسر، قال: سمعت رسول الله- عليه السلام- يقول: " إن الرجُلَ لَيَنْصَرفُ وما كُتبَ له إلا عُشرُ صلاة (2) ، تُسعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصْفُها " (3) . ش- بكر بن مضر بن محمد المصري. وعمر بن الحكم بن ثوبان الحجازي المدني. روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. روى عنه: سعيد المقبري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة. روى له الجماعة (4) . وعبد الله بن عنمة- بفتح العن المهملة، وفتح النون- ويقال: بسكون النون، ويقال: عثمة- بالثاء المثلثة الساكنة- المدني. روى عن:

_ (1) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت: " باب ما جاء في نقصان الصلاة ". (2) في سنن أبي داود:" صلاته ". (3) النسائي في الكبرى، كتاب الصلاة. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21 / 4219) .

122- باب: القراءة في الظهر

عمار بن ياسر- رضي الله عنه- روى عنه: عمر بن الحكم بن ثوبان. روى له: أبو داود (1) . قوله: " وما كتب له " الواو فيه للحال، والمعنى: أن الناس تختلف أحوالهم في ثواب صلواتهم على حسب حالاتهم في إقامتها، فمنهم من يحصل له ثواب عشر صلاة، ومنهم تسعها، ومنهم ثمنها إلى نصفها، فالرجل السعيد أن يحصل له ثواب كلها. *** / 122- باب: القراءة في الظهر [1/272-أ] أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة الظهر. 774- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس بن سعد، وعمارة بن ميمون، وحبيب، عن عطاء بن أبي رباح، أن أبا هريرة قال: " في كُل صَلاة يُقرأُ (2) ، فما أسمعَنَا النبيُّ- عليه السلام- أسمعنَاكُم، وما أَخفَى عَلَينَا أخفينا عَليكُم " (3) . ش- حماد بن سلمة، وقيس بن سعد المكي. وعمارة بن ميمون، روى عن: عطاء، روى عنه: حماد بن سلمة، روى له: أبو داود (4) . وحبيب بن أبي قُريبة المعلم البصري، روى له: مسلم. قوله: " في كل صلاة يقرأ " يعني: في كل صلاة لا بد من قراءة القرآن.

_ (1) المصدر السابق (15 / 3468) . (2) في الأصل: " تُقرأ " كذا، فلعله أراد أنها بالتاء والياء. (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: القراءة في الفجر (772) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... (396 / 42، 44) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة النهار (2 / 163) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21 / 98 41) .

وقوله: " يقرأ " على صيغة المجهول، أي: يقرأ القرآن، وروي:" نقرأ " بالنون، أي: في كل صلاة نقرأ نحن القرآن. قوله: " فما أسمعنا النبي " يعني: الذي أسمعنا النبي إياه، أراد بالذي جهر فيه بالقراءة كالمغرب، والعشاء، والصبح أسمعناكم إياه، والذي أخفاه علينا كالظهر، والعصر أخفينا عليكم، وقد أجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في الصبح، والأولين في المغرب، والعشاء، وفي الجمعة، وعلى الإسرار في الظهر، والعصر، وثالثة المغرب والأخريين من العشاء، واختلفوا في العيد، والاستسقاء، أما العيد فإنه يجهر فيه عندنا، وعند الشافعي، وأما الاستسقاء فليس فيه صلاة عند أبي حنيفة، وإنما هو دعاء واستغفار. وقال أبو يوسف، ومحمد: يصلي الإمام بالناس ركعتن، ويجهر فيهما بالقراءة، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأما صلاة الكسوف والخسوف، فلا جهر فيها عند أبي حنيفة، ومحمد. وقال أبو يوسف: فيها الجهر، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: يسر بها نهارا، ويجهر ليلاً، وأما باقية النوافل ففي النهار لا جهر فيها، وفي الليل يتخير. وقال الشيخ محيى الدين: وفي نوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر، والإسرار. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وا لنسائي. 775- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله ح، ونا ابن المثنى، نا ابن أبى عدي، عن الحجاج- وهذا لفظه- عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة، قال ابن المثنى: وأبي سلمة، ثم اتفقا على أبي قتادة، قال: "كان النبي- عليه السلام- يُصفي بنا، فَقَرأ في الظهر، والعَصرِ في الركعتين الأولَين بفاتحة الكتابِ وسورتينِ، ويُسْمعُنَا الآيةَ أحيانا، وكان يُطَولُ الرَكعةَ الأولَى منَ الظهَرِ، ويُقصرُ الثانيةَ، وكذَلك في الصبح ". لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة (1) .

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: القراءة في الظهر (759) ، مسلم: كتابة

ش- يحيى القطان، وهشام بن أبي عبد الله الدَستوائي البصري، وابن المثنى هو: محمد بن المثنى، وابن أبي عدي هو: محمد بن أبي عدي، والحجاج هو: ابن أبي عثمان الصواف، ويحمص الثاني هو: يحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة هو: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله، " وهذا لفظه " أي: لفظ الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير. قوله: " قال ابن المثنى: وأبي سلمة " أي: قال محمد بن المثنى: يحمى عن عبد الله بن أبي قتادة، وعن أبي سلمة أيضاً، ثم اتفق كلاهما على أبي قتادة الحارث بن ربعي. قوله: " في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب " فيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الأولين من ذوات الأربع، والثلاث، وكذلك جمع السورة إلى الفاتحة، وفيه استحباب قراءة سورة قصيرة بكمالها، وأنها أفضل من قراءة بقدرها من طويلة، وفي " شرح الهداية ": إن قراءة بعض سورة في ركعة، وبعضها في الثانية الصحيح أنه لا يكره، وقيل: يكره، ولا ينبغي أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة، ومن آخرها، ولو فعل لا بأس به، وفي النسائي: " قرأ رسول الله من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة فركع " (1) ، وقال في " المغني ": لا يكره قراءة آخر السورة، وأوساطها في إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الثانية مكروهة. قوله: " ويسمعنا الآية أحيانا " أي: في بعض الأحيان، أي: الأوقات، هذا محمول على أنه أراد بأن جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار

_ الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في الظهر والعصر (451) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر (2 / 164) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر والعصر (829) . (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة بعض السورة (2 / 176) .

ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنة، ويحتمل أن الجهر بالاَ ية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر. [1/272-ب] قوله: " وكان يطول الركعة الأولى من الظهر / ويقصر الثانية " أي: الركعة الثانية، وبه استدل محمد بن الحسن في أن تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية، وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يسوي بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، والجواب عن الحديث: إنه كان يطول الأولى بدعاء الاستفتاح، والتعوذ، أو استماع دخول داخل في الصلاة ونحوه، لا في القراءة. قوله: " وكذلك في الصبح " أي: وكذلك كان يطول الركعة الأولى في صلاة الصبح، وهذا بالإجماع، لأنه وقت نوم وغفلة. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 776- ص- نا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون أنا همام، وأبان بن يزيد العطار، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه بعض هذا، وزاد: " وفي الأخْرَيَين بفاتحة الكتاب "، وزاد عن همام، قال: " وكانَ يُطَولُ في الركعة الأولَى مَا لا يُطَولُ في الثانية، وهكذا في صَلاة العصر، وهكذا في صلاةَِ الغَدَاةِ " (1) . ش- همام بن يحيى العوذي. قوله: " ببعض هذا " أي: الحديث المذكور، وزاد فيه: " وفي الأخريين " يعني: قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب. وقال الشيخ محيي الدين (2) : " وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في جميع الركعات، ولم يوجب أبو حنيفة في الأخريين قراءة، بل خيره بين القراءة والتسبيح، والسكوت، والجمهور على وجوب القراءة، وهو الصواب الموافق للسنن الصحيحة ".

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) شرح صحيح مسلم (4/ 175) .

قلت: إنما لم يوجب أبو حنيفة القراءة في الأخريين " روى أبو بكر، قال: نا شريك، عن أبي إسحاق، عن عليّ، وعبد الله، أنهما قالا: " اقرأ في الأولين، وسبح في الأخريين ". ونا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنه قال: " يقرأ في الأوليين، ويسبح في الأخريين ". حدثنا جرير، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة؟ قال: " سبح، واحمد الله، وكبر ". حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن الأسود، قال: "يقرأ في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب، وسورة، وفي الأخريين يسبح، ويكبر ". وكفى أبا حنيفة علي- رضي الله عنه- قدوة في الباب، على أن الحسن روى عن أبي حنيفة: إن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيا يلزمه سجدة السهو، واتفق أصحابنا كلهم على أن القراءة أفضل في الأخريين، وكل حديث ورد بالقراءة في الأخريين محمول على الفضيلة. قوله: " وزاد: عن همام " أي: زاد يزيد بن هارون: عن همام بن يحيى، وقد أجبنا عن وجه هذه الزيادة. 777- ص- نا الحسن بن عليّ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: " فَظَننا أنه يُريدُ بذلكَ أن يُدْركَ الناسُ الركعةَ الأولى " (1) . ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، ويحيى بن أبي كثير. قوله: " يريد بذلك " بتطويله الأولى على الثانية، وقد ذكرنا هل يجور ليمام أن يطول لأجل إدراك داخل أم لا.

_ (1) انظر الحديث قبل السابق.

778- ص- نا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال: " قُلنا لخَباب: هلْ كانَ رسولُ الله - عليه السلام- يَقرأ في الظهر، والعصر؟ قال: نعَم، قال (1) : بم كُنتمَ تَعرفونَ (2) ؟ قال: باضطرابِ لَحيتِهِ " (3) . ش- أبو معمر: عبد الله بن سخبرة. وخباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد أبو عبد الله، شهد بدرا مع رسول الله، روي له عن رسول الله اثنان وثلاثون حديثا، اتفقا على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بواحد. روى عنه: قيس بن أبي حازم، ومسروق، وأبو معمر. نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعينَ سنة، وصلى عليه علي بن أبي طالب. روى له الجماعة (4) . قوله: " باضطراب لحيته " أي: بحركتها، وفي بعض النسخ: " لحييه " بفتح اللام، وبالياءين، أوليهما مفتوحة، والأخرى ساكنة، وهي تثنية " لحي " بفتح اللام، وسكون الحاء، وهي: منبت اللحية من الإنسان وغيره. ويستفاد من الحديث مسألتان، الأولى: وجوب القراءة في الصلاة، والثانية: وجوب الإخفاء في الظهر، والعصر. والحديث أخرجه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه. ثم إن الرجل إن جهر فيما يخافت فيه، أو خافت فيما يجهر فيه، فعند أبي حنيفة يسجد للسهو، وعن أبي يوسف: إن جهر بحرف يسجد، [1/273-أ] وفي رواية عنه: إن زاد في المخافتة / على ما سمع أذنيه تجب سجدتا السهو، والصحيح إذا جهر مقدار ما تجور به الصلاة، وقال بعض

_ (1) في سنن أبي داود: " قلنا ". (2) في سنن أبي داود: " تعرفون ذاك". (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (746) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر (826) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1 / 423) ، وأسد الغابة (2 / 114) ، والإصابة (1 / 416) .

أصحابنا: الإسرار سنة، وليس بواجب، وفي " المصنف ": وممن كان يجهر بالقراءة في الظهر، والعصر: خباب بن الأرت، وسعيد بن جبير، والأسود، وعلقمة، وعن جابر، قال: " سألت الشعبي، وسالماً، وقاسما، والحكم، ومجاهدا، وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر، والعصر، فقالوا: ليس علي سهو ". وعن قتادة: أن أنسا جهر بهما فلم يسجد، وكذا فعله سعيد بن العاص إذ كان أميراً بالمدينة، ويستدل من رأى الإسرار واجبا بما في " المصنف ": عن يحيى بن أبي كثير، قالوا: " يا رسول الله، إن هنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال: ارموهم بالبعر"، وعن الحسن، وأبي عبيدة: صلاة النهار عجماء، وقد قيل: إن هذا حديث، وليس بصحيح، وسمع ابن عمر رجلاً يجهر بالقراءة نهارا، فقال له: " إن صلاة النهار لا يجهر فيها بالقرآن، فأسر قراءتك ". 779- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا عفان، نا همام، نا محمد بن جُحادةَ، عن رجل، عن عبد الله بن أبي أوفى: " أن النبي- عليه السلام- كان يَقومُ في الركعةِ الأولى مِن صَلاةِ الظُّهرِ حتى لا يَسْمَعَ وَقع القَدمَ " (1) . ش- عفان بن مسلم البصري، وهمام بن يحيى. وعبد الله بن أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد - بفتح الهمزة- بن رفاعة بن ثعلبة أبو إبراهيم، أو أبو محمد، أو أبو معاوية الأسلمي، أخو زيد، شهد بيعة الرضوان، روي له عن رسول الله- عليه السلام- خمسة وتسعون حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. روى عنه، طلحة بن مصرف، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن مرة، وغيرهم، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. روى له الجماعة (2) .

_ - (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 264) ، وأسد الغابة (3 / 182) ، والإصابة (2 / 279) .

123- باب: تخفيف الأخريين

والحديث معلول برجل مجهول. قوله:" وقع القدم " بسكون القاف، وهو سقوطه، والمراد منه: حسه، وفي رواية: " وقع قدم " بدون التعريف، وروى أبو بكر بن أبي شيبة بهذا الإسناد بعينه، عن ابن أبي أوفى، أن النبي- عليه السلام- كان ينتظر ما سمع وقع نصل علي. *** 123- باب: تخفيف الأخريين أي: هذا باب في بيان التخفيف في الركعتين الأخريين، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في تخفيف الأخريين ". 780- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن محمد بن عبيد الله أبي عون، عن جابر بن سمرة، قال: قال عمرُ لسعد: قد شَكَاكَ الناسُ في كلِّ شيء حتى في الصلاةِ! قال: " إذا أنَا فأمدُّ في الأولَيَينِ، أو كما قال، وأحذفُ في الأخْرَيين، وما آلو ما اقتديتُ (1) من صلاة رسول الله، قال: ذاك الظنُّ بكَ " (2) .ً ش- أي: قال عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنهما-. قوله: " أما أنا فأمد في الأوليين " أي: أطول. قوله: " أو كما قال " شك من الراوي، وفي رواية البخاري ومسلم: " إني لأر كد بهم في الأوليين ". قوله:" وأحذف في الأخريين " يعني: أقصرهما عن الأولين لا أنه

_ (1) في سنن أبي داود:" ولا آلو ما اقتديت به ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة للأمام وا"موم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت (755) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر (159- 453) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: الركود في الركعتين الأوليين (2 / 174) .

يُخلهما بالكلية، وقد استدل به البعض لأبي حنيفة في أن لا قراءة في الأخريين، لأن ظاهر العبارة يدل على أنه كان يحذف القراءة، أي: يتركها في الأخريين. قوله: " وما آلو " بالمد في أوله، وضم اللام، أي: ما أقصر فيما اقتديت به من صلاة رسول الله، ومنه قوله تعالى: (لا يَألُونَكُمْ خَبالا) (1) من آل يألو، فهو آل، وهي آلية، وجمعها أوال، وتمام الحديث في " الصحيحين " عن جابر بن سمرة: " شكى أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فعزله، واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي! قال: أما أنا، والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك نا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلاً، أو رجالا إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة- يكنى أبا سعدة- قال: أما إذا نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون / بثلاث، اللهم إن كان عبدك هذا [1/273-ب] كاذبا، قام رياء وسمعة: فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، فكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن" ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: أن الإمام إذا شكي إليه نائبه ينبغي أن يبعث إليه، ويستفسر عن ذلك، ولا يسكت، فإن خاف من ذلك فتنة أو مفسدة عزله، ويولي غيره، وإن لم يكن فيه خلل، ألا ترى كيف

_ (1) سورة آل عمران: (118) .

عزل عمر- رضي الله [عنه]- سعدا مع أنه لم يكن فيه خلل، ولا ثبت عنده ما يقدح في ولايته، وأهليته، وقد ثبت في " صحيح البخاري " في حديث مقتل عمر، والشورى، أن عمر قال: " إن أصابت الإمارة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز، ولا خيانة " (1) . الثانية: جواز المدح للرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف علي فتنة الخليل بإعجاب نفسه. الثالثة: جواز خطاب الرجل الخليل/ الجليل بكنيته دون اسمه. الرابعة: جواز ترك القراءة في الأخريين من ذوات الأربع. الخامسة: فيه نفوذ دعوة الرجل الصالح. السادسة: الاحتراز عن دعوة المظلوم. 781- ص- نا عبد الله بن محمد، نا هشيم، أنا منصور، عن الوليد بن مسلِم الهجيمي، عن أي الصديق الناجي، عن أبى سعيد الخدري، قال: "حَزرْنَا قيَامَ رسول الله- عليه السلام- في الظهر، والعصر، فَحَزَرْنَا (2) في الركَعتينِ الأولًيَينَ من الظهرِ قَدْرَ ثَلاثينَ آية قَدرَ: (الم تنزيل) السجدة، وحَزَرْنَا قيامَه في الأخْرَيين على النصف من ذلك، وَحزَرْنَا قِيامه في الأولَين من العَصرِ على قدرِ الأخْرَيين من الَظهرِ، وحَزَزنَا قيامَه في الأخْرَيينِ منَ العصرِ على النِّصفِ من ذلك " (3) . ش- منصور بن المعتمر. والوليد بن مسلم بن شهاب العنبري أبو بشر، يعد في البصريين.

_ (1) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة 000 (3700) . (2) في سنن أبي داود:" فحزرنا قيامه ". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر (452) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: عدد صلاة العصر في الحضر (1 / 237) .

روى عن: طلحة بن نافع، وحِمران بن أبان، وأبي الصديق الناجي روى له مسلم، وأبو داود (1) . قلت: قد يلتبس كثيراً لوليد بن مسلم هذا بالوليد بن مسلم الدمشقي على كثير من الناس، فلذلك أوضحته، والهُجَيمي- بضم الهاء، وفتح الجيم- نسبة إلى هجيم، والهجيم، والعنبر أخوان، وهما ابنا عمرو بن تميم. وأبو الصديق الناجي اسمه: بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس البصري سمع: عبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري. روى عنه: مطرف بن عبد الله، وقتادة، وعاصم الأحول، والوليد بن مسلم العنبري، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة (2) . والناجي بالنون والجيم، نسبة إلى ناجية قبيلة. قوله: " حزرنا " من حزرت الشيء أحزُره أحزِره بالضم والكسر حَزْراً، والحزر التقدير، والخرص. قوله:" قدر (الم تنزيل) ، بدل من قوله: " قدر ثلاثين ". قوله: " السجدة " يجوز فيه الجر على البدل، والنصب على تقدير: أعني، والرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي السجدة، وسورة السجدة مكية، ثلاثون آية عند أهل الكوفة والمدينة، وتسع وعشرون عند أهل البصرة، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثماني عشر حرفا، واستدل به بعض أصحابنا أن يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين (3) منه ثلاثين آية، وكذا في الصبح، لاستوائهما في سَعة الوقت، وفي العصر يقرأ بخمسة عثر آية، وذلك من قوله: " وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر "، وكان قدر الأخريين من الظهر قدر خمسة عشر آية، لأنه على النصف من قدر الأوليين،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 3 / 6736) . (2) المصدر السابق (4 / 751) . (3) كذا. .3. شرح سنن أبي داوود 3

وقدر الأوليين كان قدر ثلاثين آية، وقال صاحب " الهداية ": ويقرأ في الحضر في الفجر في ركعتن بأربعين آية، أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب، ويروى من أربعين إلى ستين، ومن ستين إلى مائة، وبكل ذلك ورد الأثر، وجه التوفيق أنه يقرأ بالراغبين مائة، وبالكسالى أربعين، وبالأوسط ما بين خمسين إلى ستين، وقيل: ينظر إلى طول الليالي وقصرها، وإلى كثرة الاشتغال وقلتها، قال: وفي الظهر مثل ذلك، أي: مثل الفجر، وقال في الأصل: أو دونه، لأنه وقت الاشتغال [1/274-أ] / فينقص عنه، محرزا عن الملال، والعصر، والعشاء سواء، يقرأ فيهما بأوساط المفصل، وفي المغرب دون ذلك، يقرأ فيها بقصار المفصل، والأصل فيه كتاب، عمر إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في الفجر، والظهر بطوال المفصل، وفي العصر، والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل ". قلت: " (1) هذا بهذا اللفظ غريب، ولكن روى عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا سفيان الثوري، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن الحسن، وغيره قال: " كتب عمر إلى أبي موسى- رضي الله عنهما- أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل ". وروى البيهقي في " المعرفة " من طريق مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه: " أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في ركعتي الفجر سورتين طويلتين من المفصل ". وقال الترمذي في باب القراءة في الصبح: ورُوي عن عمر، أنه كتب إلى أبي موسى: بأن اقرأ في الصبح بطوال المفصل " ثم قال في الباب الذي يليه: ورُوي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: " أن اقرأ في الظهر

_ (1) انظر: نصب الراية (2 / 5) . (2) قال الحافظ في " الدراية " (ص / 92) : " إسناده ضعيف منقطع ".

124- باب: قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر

بأوساط المفصل "، ثم قال في الباب الذي يليه: ورُوي عن عمر، أنه كتب إلى أبي موسى: " أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل " (1) . *** 124- باب: قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر أي: هذا باب في بيان قدر القراءة في صلاة الظهر، وصلاة العصر، وفي بعض النسخ: " باب في قدر القراءة في الظهر ". 782- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: " أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهرِ، والعصر ب (السمَاءِ وَالطارِقِ) ، (والسماء ذاتَ البُرُوج) ونحوهما من السورِ" (2) . ش- (والسماء والطارق) مكية، وهي سبع عشرة آية وإحدى وستون كلمة، ومائتان وتسع وثلاثون حرفا، (والسماء ذات البروج) مكية، وهي اثنتان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربعمائة وثمان وخمسون حرفا، وبهذا الحديث قال صاحب " المبسوط ": يقرأ في الظهر دون ما يقرأ في الفجر، وكان ذكر في الفجر خمسين آية، وفي رواية ستين، وفي رواية أربعين آية وما دون ذلك قدر سورة البروج. والحديث أخرجه: الترمذي، وفي روايته: " كان يقرأ في الظهر والعصر ب (السمَاء ذات البُرُوج) ، (والسمَاء وَالطارِقِ) وشبههما " قدم "البروج " عَلى "َ الطارق "- كما ترى- وفيَ رواية أبي داود على العكس، ولا يفهم من رواية أبي داود أنه كان يقرأ في الركعة الأولى (الطارق) ، وفي الثانية: (البروج) لأن الواو لا يدل على الترتيب، بل كان يقرأ أولا " البروج "، وثانيا " الطارق "، لأن " البروج " أطول من

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في الظهر والعصر (307) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر (2 / 166) .

" الطارق " - كما ذكرنا- فمتى قلنا بقراءة: " الطارق " أولا، يلزم تطويل الثانية على الركعة الأولى، وهو مكروه، ثم قال الترمذي: حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي- عليه السلام-:" أنه قرأ في الظهر قدر (تنزيل) السجدة "، وروي عنه: " أنه كان يقرأ في الركعة الأولى من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الركعة الثانية قدر خمس عشرة آية "، والنسائي أيضاً أخرج حديث جابر بن سمرة هذا. 783- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن سماك، سمع جابر بن سمرة، قال: " كان رسولُ الله- عليه السلام- إذا دَحَضَت الشمسُ صلى الظهرَ، وقَرأَ بنحو من (وَالليْل إذَا يَغْشَى) والعَصرَ كذلك، والصلوَات إلا الصبحَ، فإنه كَان يُطِيلُها (1) " (2) . ش- معنى " دحضت ": زالت، وسورة الليل مكية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمائة وعشرة أحرف، وسورة العصر مكية، وهي ثلاث آيات، وأربع عشرة كلمة، وثمان وستون حرفا، وقالت العلماء: كانت صلاته- عليه السلام- تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان القوم يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له ولا لهم طول، وإذا لم يكن كذلك خفف، وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه، ويضم إلى [1/274-ب] هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت / فيخفف، وقيل: إنما طوّل في بعض الأوقات وهو الأقل، وخفف في معظمها، فالإطالة لبيان الجوار، والتخفيف لأنه الأفضل، وقد أمر النبي- عليه السلام-

_ (1) في الأصل: " فإنه كان لا يطيلها " خطأ. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة، في الصبح (460) ، وكتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر (188/ 618) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر (2 / 166) . -

بالتخفيف- كما مضى- في حديث معاذ وغيره، وقيل: طول في وقت، وخفف في وقت ليتبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة، لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، والحديث أخرجه مسلم مختصرا، وأخرجه النسائي. 784- ص- نا محمد بن عيسى، نا معتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون، وهشيم، عن سليمان التيمي، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر: " أن النبيَّ- عليه السلام- سَجَدَ في صَلاة الظهرِ ثم قام َ، فَركَعَ، فَرَأوْا (1) أنه قَرأ: (تنزيل) السجدة " (2) . ش- سليمان التيمي هو: أبو المعتمر سليمان بن طرخان، وأمية. روى عن: أبي مجلز. روى عنه: سليمان التيمي. روى له: أبو داود. وأبو مجلز لاحق بن حميد الأعور البصري. قوله: " فرأوا أنه " أي: علموا أنه- عليه السلام- قرأ في صلاته (الم تنزيل) السجدة، وهي ثلاثون آية- كما ذكرناه-. ص- قال ابن عيسى: لم يذكر أمية أحد إلا معتمر. ش- أي: قال محمد بن عيسى، أحد شيوخ أبي داود: لم يذكر أمية في هذه الرواية أحد غير معتمر بن سليمان، ولم يذكر في " الكمال " لأمية نسبا ولا نسبة، ولا تعرض إلى حاله بشيء. 785- ص- نا مسدد، نا عبد الوارث، عن موسى بن سالم، نا عبد الله ابن عبيد الله، قال: " دَخلتُ على ابنِ عباس في شباب من بني هاشمٍ، فقلنا لشاب" منا: سَلِ ابنَ عباسٍ: كانَ رسولًُ الله يَقرأ فيه الظهر، والعصرِ؟ فقالَ: لا، لا، فقيلَ له: فلعله كان يقرأ في نفسِهِ؟ فقال: خَمَشا! هذه شَر من الأولَى، كان عبداً مَأموراً، بَلَغَ ما أرسِلَ بهِ، وما اخْتَصنا دونَ الناسِ

_ (1) في سنن أبي داود: " فرأينا". (2) تفرد به أبو داود.

بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنَا أن نُسبِغَ الوُضوءَ، وأنْ لا نأَكلَ الصدَقَةَ، وأَنْ لاً نُنزِي الحِمًارً علىً الفَرَسِ " (1) . ش- عبد الوارث بن سعيد البصري. وموسى بن سالم أبو جهضم الهاشمي، مولى آل العباس بن عبد المطلب. سمع: عبيد الله بن عبد الله، وسلمة بن كهيل. روى عنه: عبد الوارث بن سعيد، ويحيى بن آدم، وحماد بن زيد، والثوري، وإسماعيل ابن علية. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وعبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المدني، والد حسين. سمع عمه: عبد الله بن عباس، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري (3) . وأبو جهضم موسى بن سالم، سئل عنه أبو زرعة، فقال: مديني ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قوله: " في شباب " الشباب جمع شاب، وكذلك الشبان، وكلمة "في " هاهنا للمصاحبة بمعنى مع شباب كما في قوله تعالى: (ادْخُلُوا في أمَم) (4) . قوله: "أكان " الهمزة فيه للاستفهام. قوله: " خمشا " دعاء علي بأن يخمش وجهه، أو جلده، كما يقال: جدعا، وصلباً وطعناً وقطعاً ونحو ذلك من الدعاء بالسوء، وهو

_ (1) الترمذي: كتاب الجهاد، باب: في كراهية أن تنزي الحمر على الخيل (1701) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الأمر بإسباغ الوضوء (1 / 88) مختصراً، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في إسباغ الوضوء (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 / 6254) . (3) المصدر السابق (15 / 03 34) . (4) سورة الأعراف: (8 3) .

منصوب بفعل لا يظهر، والخمش في الوجه، والخدش في غيره، وقيل: هما بمعنى. قوله: " هذه شر من الأولى " أي: هذه المسألة شر من المسألة الأولى، أو هذه الحالة، وشر بمعنى أشر، لأنه قد علم أن خيرا وشرا يستعملان للتفضيل على صيغتهما. قوله: " كان " أي: رسول الله، عبدا مأمورا من الله. قوله: " وأن لا نأكل الصدقة " المراد بها الزكاة، لأنها حرام على بني هاشم. قوله: " وأن لا ننزي " من أنزى ينزي إنزاء، وثلاثيه نزا الذكر على الأنثى ينزو نزاء، بالكسر، قال في " الصحاح ": " يقال ذلك في الحافر، والظلْف، والسباع ". ثم اعلم أن حديث ابن عباس هذا سنده صحيح رواه مسدد بن مسرهد في " مسنده الكبير " بسند صحيح، وأبو داود أخذه منه، وهو يدل على مسألتين، الأولى: أن لا قراءة في الظهر، والعصر أصلاً، وبه قالت طائفة، وقال بعضهم: إذا تركها ناسيا في الظهر، والعصر تمت صلاته / واستدلوا على ذلك بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (1) : حدثنا [1/275-أ] عبد الوهاب، عن هشام، عن الحسن، وعن ابن أبي عروبة، عن قتادة في رجل نسي القراءة في الظهر، والعصر حتى فرغ من صلاته قالا: " أجزأت عنه إذا أتم الركوع، والسجود "، وقالت طائفة: إذا تركها في سائر الصلوات ناسيا تمت صلاته، واستدلوا بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (2) : حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم، قال: فإذا صلى الرجل فنسي أن يقرأ حتى فرغ من صلاته؟ قال: يجزئه، ما كل الناس يقرأ ".

_ (1) 1لمصنف (1 / 396) . (2) 1لمصنف (1 / 397) .

وروى أيضاً قال: ثنا عبد الله (1) بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، قال: " صلى عمر المغرب، فلم يقرأ، ف" انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ! قال: فكيف كان الركوع والسجود، تام هو؟ قالوا: نعم، فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعيرٍ، جهزتها بأقتابها وحقائبها ". وقالت طائفة: القراءة في الصلواتً مستحبة غير واجبة، وإليه ذهب: الأصم، وابن علية، والحسن بن صالح، وابن عيينة، حتى لو لم يقرأ مع القدرة عليها تجزئه صلاته. وقال الشافعي: فرض في الكل. وقال مالك: فرض في ثلاث ركعات. وقال الحسن: فرض في واحدة. وقال أصحابنا: فرض في الركعتين من غير تعيين، ولهم حجج عرفت في موضعها. والمسألة الثانية: ظاهر الحديث يدل على أن بني هاشم مخصوصون بثلاثة أشياء: إسباغ الوضوء، وترك الأكل من الزكاة، وترك إنزاء الحمير على الخيل، فإن كان المراد من الإسباغ كونه فرضاً فوجه التخصيص ظاهر، وإلا فكل الناس مشتركون في استحباب إسباغ الوضوء. وأما الأكل من الصدقة " (2) فقد ورد في " صحيح مسلم " (3) في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعا: " إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد "، وفي رواية الطبراني (4) : " إنه لا يحل لكم أهل أبيت من الصدقات شيء، إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم "، وفي " المصنف " (5ْ) : ثني وكيع، هنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد،

_ (1) في الأصل: " أبو عبد الله " خطأ. (2) انظر: نصب الراية (2 / 404) . (3) كتاب الزكاة، باب: ترك استعمال النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة (1072/167،168) . (4) قال الهيثمي في " المجمع " (3 /91) : " فيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن ". (5) مصنف ابن أبي شيبة (3 / 61) ، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (10 / 5) عن ابن وكيع به.

قال: " كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس " (1) 0 انتهى. وبنو هاشم: آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، ومواليهم، وفي " شرح الاَثار " للطحاوي، عن أبي حنيفة: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم، والحرمة في عهد رسول الله للعوض، وهو خمس الخمس، ف" سقط ذلك بموته - عليه السلام- حلت لهم الصدقة. قال الطحاوي: وبالجواز نأخذ. وأما إنزاء الحمير على الخيل فإنه جوزه العلماء، لأنه ثبت أنه- عليه السلام- ركب البغلة واقتناه، ولو لم يجز " فعله، لأن فيه فتح بابه، ثم الجواب عن قول ابن عباس- رضي الله عنه- فقال الخطابي (2) : " هذا وهم من ابن عباس، قد ثبت عن النبي- عليه السلام- أنه كان يقرأ في الظهر، والعصر من طرق كثيرة، منها: حديث أبي قتادة، ومنها: حديث خباب بن الأرت "، وقد ذكرناهما. قلت: عندي جواب أحسن من هذا، مع رعاية الأدب في حق ابن عباس- رضي الله عنهما- فنقول: أولا: إسناد ابن عباس في قوله هذا قوله تعالى: (أقيمُوا الصلاة) (3) ، وهو مجمل بيَّنه- عليه السلام- بفعله، ثم قال: َ " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4) والمرعي هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسما للفعل في حق الظهر والعصر، وللفعل والقول في حق غيرهما، ولم يبلغ ابن عباس قراءته- عليه السلام- في الظهر والعصر، فلذلك قال في جواب عبد الله بن عبيد الله في الحديث المذكور: " لا، لا "، ف" بلغه خبر قراءته- عليه السلام- في الظهر والعصر، وثبت عنده، رجع من ذلك القول،

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) معالم الحق (1 / 174) . (3) سورة البقرة: (43) . (4) البخاري: كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ... (631) من حديث مالك بن الحويرث.

125- باب: قدر القراءة في المغرب

والدليل علي ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، فقال: نا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن الحسن العُرَني، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ّ: " يُقرأُ في الظهر والعصر "، وإسناده صحيح، قال يحيى بن [1/275-ب] معين: الحسن / بن عبد الله العُرني الكوفي ليس به بأس، صدوق، إنما يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: كوفي، ثقة. ورُوي عن ابن عباس أيضاً، أن رجلا سأله: " أقرأ خلف إمامي؟ فقال: أما في صلاة الظهر، والعصر، فنعم ". 786- ص- ثنا زياد بن أيوب، ثنا هشيم، أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لا أدري، كان رسولُ الله يَقرأ في الظهر، والعصر، أم لا؟ " (1) .ًَ ش- حصين بن عبد الرحمن الكوفي، والجواب عن هذا الحديث ما ذكرناه في الحديث قبله. *** 125- باب: قدر القراءة في المغرب أي: هذا باب في بيان قدر القراءة في صلاة المغرب. 787- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: " أن أمَ الفضلِ ابنةَ الحارثِ سمعتْهُ وهو يقرأ: (والمُرْسَلاتِ عُرْفا) ، فقالتْ: يا بُني، لقد ذَكَرتْني قراءَتُكَ هذه السورةَ (2) ، إنها لآخر ما سمعتُ رسولَ الله يَقرأ بها في المَغرَبَِ " (3) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود: " لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة ". (3) البخاري، كتاب الأذان، باب: القراءة في المغرب (763) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (462) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في المغرب (308) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في المغرب بالمرسلات (2 / 168) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة المغرب (831) .

ش- " سمعته " أي: سمعت ابن عباس، والحال أنه يقرأ سورة (والمُرْسَلات عُرْفا) وهي مكية، إلا قوله عَزَّ وجَل: (وإِذَا قيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكًعُونَ) وهي خمسون آية، ومائة وإحدى وثمانون كَلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفا. والحديث أخرجه الستة، وفي الترمذي (1) : " خرج إلينا رسول الله، وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب ب (المرسلات) فما صلى بعدها حتى لقي الله- عَزَّ وجَل "، وفي النسائي (2) : " صلى بنا في بيته المغرب، فقرأ (المرسلات) وما صلى بعدها صلاة حتى قبض- عليه السلام "، وفي " الأوسط " (3) للطبراني: " ثم لم يصل لنا عشاء حتى قبض- عليه السلام- ". 88 7- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه قال: " سمعتُ رسولَ الله- عليه السلام- قَرأ ب (الطورِ) في المغربِ " (4) . ش- محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني أبو سعيد، أبوه من كبار أصحاب النبي- عليه السلام- روى عن: عمر بن الخطاب، وسمع: أباه، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: بنوه سعيد، وجبير، وعمر، والزهري،

_ (1) كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في المغرب (308) ، من حديث أم الفضل. (2) كتاب الافتتاح، باب: القراءة في المغرب بالمرسلات (2 / 168) من حديث أم الفضل. (3) (6 / 6280) . (4) البخاري: كتاب الأذان، باب: الجهر في المغرب (765) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (463) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في المغرب بالطور (2 / 168) ، ابن ماجه: كتاب " قامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة المغرب (832) .

وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: مدني، تابعي، ثقة. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له الجماعة (1) . قوله: " قرأ ب (الطور) ، أي: سورة (والطورِ * وَكتَاب فَسْطُور) وهي مكية، وهي تسع وأربعون آية عند أهل الكوفة، وثماَن وأربعون عند أهل البصرة، وسبع وأربعون عند أهل المدينة، وثلاثمائة واثنا عشر كلمة، وألف وخمسمائة أحرف، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 789- ص- نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: حدَثني ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: " قال لي زيدُ بنُ ثابت: مالكَ تَقرأ في المغرب بقصار المُفَصَلِ، وقد رأيتُ رسولَ الله- عليه السلام- يَقرأ في المغرب بطُولى الطوليين، قال: قلتُ: ما طُولَى الطَولَيين؟ قال: الأعرافُ " (2) قالَ: وسألتُ أنا ابَنَ أبي مليكة فقال لي مِن قِبَلِ نفسِهِ: المائدةُ والأعرافُ " (3) . ش- ابن أبي مليكة هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله، وقد ذكر مرة. قوله: " بقصار المفصل " المفصل: السبع السابع، سمي به لكثرة فصوله، وهو من " سورة محمد "، وقيل: من " الفتح "، وقيل: من " قاف " (4) ، إلى آخر القرآن، وقصار المفصل من (لَمْ يَكُنِ) إلى آخر القرآن، وأوساطه من (والسَمَاء ذَاتِ البُرُوج) إلى (لَمْ يَكُنِ) ، وطواله من " سورة محمد " أو مَن " الفتح " إلى (وَالسمَاء ذَات البُرُ وج) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24 / 5113) . (2) في سنن أبي داود: " الأعراف والأنعام ". (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: القراءة في المغرب (764) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في المغرب ب (المص) (2 / 170) . (4) كذا

قوله: " بطولى الطوليين " طولى فعلى بالضم، تأنيث أطول، ككبرى تأنيث أكبر. وقوله: " الطوليين " تثنية الطولى، وأراد بهما الأعراف والأنعام، والأعراف أطول من أختها الأنعام، لأن الأعراف مائتان وخمس آيات عند أهل البصرة، وست عند أهل الكوفة، وثلاثة آلاف، وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة /، وأربعة عشر ألف حرف، وعشرة أحرف، وأما [1/276-أ] الأنعام فهي مائة وست وستون آية، وثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، واثنا عشر ألف حرف وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا، فإن قيل: طولى الطوليين هي البقرة، لأنها أطول السبع الطول. قلت: لو أرادها لقال: بطولى الطول، ف" لم يقل دل على أنه أراد الأعراف، وهي أطول السور بعد البقرة، ويعضده أنها جاءت مذكورة في بعض الطرق أنها الأعراف، وإنما قلنا: إن الأعراف أطول السور بعد البقرة، لأن البقرة مائتان وثمانون وست آيات، وهي ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمسة وعشرون ألف حرف، وخمسمائة حرف، وسورة آل عمران مائتا آية، وثلاثة آلاف وأربعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفا، وسورة النساء مائة وخمس وسبعون آية، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسة وأربعون كلمة، وستة عشر ألفا وثلاثون حرفا، وسورة المائدة مائة واثنان وعشرون آية، وألف وثمانمائة كلمة وأربع كلمات، وأحد عشر ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا. والحديث أخرجه: البخاري مختصراً، والنسائي، وفي لفظ النسائي: عن زيد بن ثابت، أنه قال لمروان بن الحكم: " أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب (قلْ هُوَ الله أحَد) و (إنا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثرَ) ، وفي " صحيح ابن حبان ": قال زيد: "فحلفت له بالله، لقد رأيت النبي- عليه السلام- يقرأ " الحديث، وفي " الأطراف " لابن عساكر: قيل لعروة: " ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف، ويونس ". ***

126- باب: من رأى التخفيف فيها

126- باب: من رأى التخفيف فيها أي: هذا باب من رأى التخفيف في القراءة، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن رأى التخفيف ". 790- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا هشام بن عروة، " أن أباه كان يَقْرأ في صَلاة المغرب بنحو ما تَقرَءُونَ، (والعَاديات) ونحوها من السُورِ) (1) .ًً ش- أن أباه أي: عروة بن الزبير بن العوام، وسورة " العَاديات " مكية عند ابن مسعود، ومدنية عند ابن عباس، وهي أحد عشرَة آيةَ، وأربعون كلمة، ومائة وستون حرفا. ص- قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ. ش- أي: هذا الذي رواه هشام بن عروة من قراءة أبيه في صلاة المغرب من قصار المفصل، يدل على أن الذي رواه عروة من حديث مروان ابن الحكم منسوخ، لأن الراوي إذا روى شيئاً ثم فعل هو غيره، يدل على انتساخ ذلك الشيء، ودعوى أبي داود النسخ صحيحة، وفي بعض النسخ: " وهذا أصح " بعد قوله: " منسوخ ". 791- ص- نا أحمد بن سعيد السرخسي، نا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: " مَا مِن المُفَضَلِ سورة صَغيرة، ولا كَبِيرة إلا قَدْ (2) سَمعتُ رسولَ الله يَؤم بها الناسَ في الصلاةِ المَكتُوَبةِ" (3) . ش- أحمد بن سعيد بن صخر بن عُليم بن قيس الدارمي، النيسابوري السرخسي، ولد بسرخس، ونشأ بنيسابور. سمع: النضر بن شميل، وجعفر بن عون، ووهب بن جرير، وغيرهم. روى عنه: البخاري،

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود: توقد ". (3) تفرد به أبو داود.

ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وجماعة آخرون، وكان من الحُفاظ المتقنين الأثبات. توفي بنيسابور سنة ثلاث وخمسين ومائتين (1) . ووالد وهب هو: جرير بن حازم البصري، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب " المغازي ". قوله: " ما من المفصل " قد ذكرنا أن المفصل هو: السُبع السابع من القرآن، وهي من " سورة محمد " إلى آخر القراَن، وفي " سنن ابن ماجه " (2) بسند صحيح: " كان رسول الله يقرأ في المغرب: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هوِ الله أحد) ، وعند الطبراني بسند صحيح: " أمهم في المغرب ب (الذِين كَفَرُوا وَصَموا عَن سَبيلِ الله (3)) "، وخرجه ابن حبان / في " صحيحه " مثله، وروى أبو بكَر أحَمد بن موسى في " كتابه " [1/276-ب] بسند حسن: " انه- عليه السلام- كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) "، وعن الشعبي:" انه- عليه السلام- قرأ في المغرب: (والتين والزيتون) " ذكره ابن بطال، وذكر ابن حبان: " أنه- عليه السلام- كان يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة ليلة الجمعة: سورة الجمعة، والمنافقين "، وذكر أيضاً:، أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة ب (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) "، وعن بريدة: " كان النبي- عليه السلام- يقرأ في المغرب، والعشاء: (واللَيْلِ إذا يَغْشَى) ، (والضحَى) ، وكان يقرأ في الظهر، والعصر: (سبح اسْمَ ربكَ الأعْلَى) و (هَلْ أتَاكَ) " رواه البزار بسند صحيح. وفي " الموطأ " (4) عن الصنابحي، قال: " صليت وراء أبي بكر

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 / 39) . (2) كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة المغرب (833) من حديث ابن عمر. (3) في الأصل: " رسول الله "، والتلاوة كما أثبتناه. (4) كتاب الصلاة، باب: القراءة في المغرب والعشاء (26) .

127- باب: القراءة في الفجر

الصديق- رضي الله عنه- فقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بأم القرآن وسورة، سورة من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة فسمعته قرأ بأم القًرآن، وهًذه الآية: (ربنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) ". وقال ابن الحفار: هذا المقروء في الثالثة كان قنوتا، والله أعلم. 792- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبى، أنا قرة، عن النزال بن عمار، عن أبي عثمان النهدي:" أنه صلى خلفَ ابن مسعود المغربَ، فَقرأَ: (قلْ (1) هُوَ الله أَحَد) " (2) . ش- والدُ عبيد الله: معاذُ بن معاذ بن نصر البصري، وقرة بن خالد البصري، والنزال بن عمار، روى عن: أبي عثمان النهدي، روى له: أبو داود. وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي، وقد ذكر مرة. *** 127- باب: القراءة في الفجر (3) أي: هذا باب في بيان القراءة في صلاة الفجر. 793- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن إسماعيل، عن أصبغَ مولى عمرو بن حريث، عن عمرو بن حريث، قال:" كَأني أسمعُ صوت النبي- عليه السلام- يَقرأ في صَلاة الغَداة: (فَلا أقْسمُ بالخنسِ* الجَوَار الكنَّسِ) " (4) .ًً ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد الكوفي.

_ (1) في سنن أبي داود:" ب (قل000) ". (2) تفرد به أبو داود. (3) جاء هذا الباب في سنن أبي داود بعد الباب الآتي، وهوا باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين" (4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (456) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الصبح:" إذا الشمس كورت " (2 / 157) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة الفجر (817) .

وأصبغ المخزومي القرشي مولى عمرو بن الحارث، روى عنه: إسماعيل المذكور. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: أبو داود. قوله: " (فَلا اقْسِمُ بالخُنَّسِ) " أراد به أنه كان يقرأ سورة: (إذا الشمْسُ كُوّرَتْ) وهيَ مكية، وتسع وعشرون آية. زاد أبو جعفر: (فَأينَ تَذهبونَ) ومائة وأربعون كلمة، وخمسمائة وثلاث وثلاثون حرفا، والخنس: النجوم التي تخنس بالنهار فلا ترى، وتكنس بالليل إلى مجاريها، أي: تستتر، كما تكنس الظباء في المغار، وهي الكنائس، ويقال: سميت خنسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيزة التي ترجع، وتستقيم. وقال الفراء: إنها النجوم الخمسة: زحل، والمشترى، والمريخ، والزهرة، وعطارد. وفي " تفسير السجاوندي ": وقيل: هي الأنجم الخمسة: بهرام، وزحل، وزهرة، وبرجيس، وعطارد، وهو مثل قول الفراء، ولكن الأسماء تختلف لفظا. والحديث أخرجه: ابن ماجه، وأخرجه مسلم من حديث الوليد بن سَرِيع، مولى عمرو بن حريث، عن عمرو بن حريث، بنحوه أتم منه، وعند مسلم (1) أيضاً عن قطبة بن مالك، سمع النبي- عليه السلام- يقرأ في الصبح: (والنخْلَ بَاسقات لَّهَا طَلع نضيدٌ) . وعند ابن حبان: " قرأ النبي- عديه السلام- في صلاَة الصبح: َ (قلْ أعوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) و (قُلْ أعوذُ برَبِّ النَّاسِ) "، وصححه أبو زرعة في " تاريخه الكبير ". وقال الحاكم (2) : صحيح على شرط الشيخين، وفي " الأوسط " (3) : " كان يقرأ في الصبح بياسين "، وفيه أيضاً (4) : " كان يقرأ بالواقعة ونحوها من السور "

_ (1) كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (457 / 166) . (2) المستدرك (1 / 240) من حديث عقبة بن عمرو. (3) (4 /3 0 39) من حديث جابر بن سمرة. (4) (4 / 36 0 4) من حديث جابر بن سمرة بلفظ: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح بالواقعة ... ". " 3. شرح سنن لأبي داوود3

وفي " علل ابن أبي حاتم " بسند ضعيف: " صلى النبي- عليه السلام- بالناس في سفر، فقرأ: (قلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ) و (قلْ هُوَ الله أحَدٌ) ، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن، وربعه "، وفي " مسند السراج " بسند صحيح، عن البراء: " صلى بنا النبي- عليه السلام- صلاة الصبح، [1/277-أ] فقرأ بأقصر / سورتين في القرآن ". وعن ابن سابط: لا قرأ النبي- عليه السلام- في الفجر في أول ركعة بستين آية، ف" قام، سمع صوت صبي، فقرأ ثلاث آيات " رواه عن سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عنه. وفي " الأوسط " (1) بسند صحيح، عن أنس، قال: " صلى بنا رسول الله الفجر بأخصر سورتين من القرآن، وقال: إنما أسرعت لتفرغ الأم إلى صبيها، وسمع صوت صبي ". وفي " سنن البيهقي " (2) : " صلى أبو بكر في صلاة الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما ". وقال الفُرافصة بن عمير: " ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها " (3) . وفي " الموطأ " (4) : قال عامر بن ربيعة: " قرأ عمر في الصبح بسورة الحج، وسورة يوسف قراءة بطيئة ". وقال أبو هريرة: " لما قدمت المدينة مهاجرا صليت خلف سباع بن عرفطة الصبح، فقرأ في الأولى سورة مريم، وفي الأخرى سورة (ويل للمطففين) ذكره ابن حبان في " صحيحه "، ولم يسم سباعا. وعن عمرو بن ميمون: " لما طُعن عمرُ- رضي الله عنه- صلى بهم ابنُ عوف الفجر، فقرأ: (إذَا جَاءَ نَصْر الله) و (الكوثر) . وقال ابن بطال: ذكر أن عمر قرأ في الصبح بيونس، وبهود، وقرأ عثمان بيوسف، والكهف، وقرأ علي بالأنبياء، وقرأ عبد الله بسورتي، إحديهما بنو إسرائيل، وقرأ معاذ بالنساء، وقرأ عبيدة بالرحمن، وقرأ إبراهيم بياسين،

_ (1) (8 / 8889) . (2) السنن الكبرى (2 / 389) بسنده إلى مالك في " الموطأ ": كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (35) عن هشام بن عروة، عن أبيه به. (3) الموطأ رقم (37) . (4) رقم (36) .

128- باب: الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين

وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل، وفي "كتاب الصلاة " لأبي نعيم، عن الحارث بن فضيل، قال: " أقمت عند ابن شهاب عشراً، فكان يقرأ في صلاة الفجر: (تبارك) و (قل هو الله أحد) ". وقال أبو داود الأودي: " كنت أصلي وراء علي الغداة، فكان يقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) و (إذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) ، ونحو ذلك من السور". *** 128- باب: الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين أي: هذا باب في بيان شأن الرجل الذي يقرأ في صلاته في الركعة الأولى سورة، ثم يقرأها بعينها في الركعة الثانية، وفي غالب النسخ الحديث الذي في هذا الباب بحذاء الحديث الذي في الباب الماضي من غير ذكر باب، ولا فصل، ولكني وجدته في " مختصر السنن " لعبد العظيم، فلذلك ذكرته اتباعا له. 794- ص- نا أحمد بن صالح، أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني، أن رجلاً من جهينة أخبره: " أنه سَمعَ النبي- عليه السلام- يَقرأ في الصبح (إذَا زُلزِلَت) في الركْعتينِ كِلتَيْهِمَا، فلا أَدرِي، أنسيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أم قَرَأ ذَلك عَمْدا؟ " (1) . ش- ابن وهب: عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، وابن أبي هلال هو سعيد بن أبي هلال الليثي المصري. وبهذا الحديث قال بعض مشايخنا: إنه إذا كرر سورة في ركعتين لا يكره، وقيل: يكره، وفي " الأصل ": إذا قرأ سورة واحدة في ركعتين اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يكره، ولكن ينبغي أن لا يفعل، ولو فعل لا بأس به، وكذا لو قرأ وسط السورة، أو آخر سورة أخرى، والأفضل ابن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة كاملة في المكتوبة،

_ (1) تفرد به أبو داود.

129- باب: من ترك القراءة في صلاته

وإن جمع بين السورتين في ركعة واحدة لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل لا بأس به. وذكر في " الخلاصة ": وإن قرأ في ركعة سورة، وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة، أو فعل ذلك في ركعة مكروه، وهذه كلها في الفرائض، أما في النوافل لا يكره شيء. *** 129- باب: من ترك القراءة في صلاته (1) أي: هذا باب في بيان من ترك القراءة في صلاته، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن ترك القراءة في صلاته "، وفي بعضها: " باب القراءة بفاتحة الكتاب ". [1/277-ب] 795- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا همام، عن قتادة، / عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: " أمِرْنَا أنْ نَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ، وما تَيَسَّرَ " (2) . ش- أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهمام: ابن يحيى، وأبو نضرة: المنذر بن مالك البصري. " 2) والحديث رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع السادس والأربعين من القسم الأول، ولفظه: " أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر "، ورواه أحمد، وأبو يعلى الموصلي في "مسنديهما " وراه البزار في " سننه "، وقال: لا نعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا همام في الصلاة. وقال الدارقطني في " علله ": هذا يرويه قتادة، وأبو سفيان السعدي، عن أبي نضرة مرفوعا، ووقفه أبو مسلمة، عن أبي نضرة، هكذا قال أصحاب شعبة عنه، ورواه ربيعة، عن عثمان، عن عمر، عن شعبة، عن أبي سلمة مرفوعا، ولا يصح رفعه عن شعبة ".

_ (1) في سنن أبي داود: " باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب ". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر: نصب الراية (1 / 364) .

ويستفاد من هذا الحديث مسألتان، الأولى: وجوب قراءة الفاتحة، لأن مطلق الأمر للوجوب، ومن أثبت الفرضية فقد زاد على مطلق النص، وهو قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسرَ مِنَ القُرآنِ) (1) بخبر الواحد، وذا لا يجوز، لأنه نسخ. الثانية: وجوب ضم شيء من القرآن إلى الفاتحة، لقوله: " وما تيسر " وهو يطلق على سورة، أي سورة كانت، وعلى آية، أي آية كانت طويلة، أو قصيرة. 796- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن جعفر بن ميمون البصري، نا أبو عثمان النهدي، قال: حدَثني أبو هريرة، قال: قال (2) رسول الله- عليه السلام-: " اخْرجُ فناد في المدينة: إنه لا صَلاةَ إلا بقرآن ولو بفاتِحَةِ الكِتَابِ، فما زَادَ " (3) .ً ش- عيسى بن يونس. وجعفر بن ميمون الأنماطي، بياع الأنماط أبو علي، ويقال: أبو العوام البصري. سمع: أبا عثمان النهدي، وأبا تميمة الهجيمي، وخليفة بن كعب. روى عنه: الثوري، ويحيى بن سعيد، وعيسى بن يونس، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عنه؟ فقال: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن معين: ليس بذاك. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي. ْ" (5) والحديث رواه الطبراني في" معجمه الوسط " (6) من حديث

_ (1) سورة المزمل: (20) . (2) في سنن أبي داود: " قال لي ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 959) . (5) انظر: نصب الراية (1 / 367) . (6) (9 / 9415) .

إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الكريم، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: " أمرني رسول الله أن أنادي في أهل المدينة: أن لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب ". انتهى. وقال: لم يروه عن الحجاج بن أرطاة إلا ابن طهمان. طريق آخر أخرجه أبو محمد الحارثي في " مسنده "، وابن عدي، عن أحمد بن عبد الله بن محمد الكوفي، المعروف باللجلاج، ثنا نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، أنا أبو حنيفة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، قال: " نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب " وحديث آخر أخرجه أيضاً عن اللجلاج: ثنا إبراهيم بن الجراح الكوفي، ثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- عليه السلام- أنه قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها ". انتهى. وكلاهما ضعيف باللجلاج. قال ابن عدي: حدث بمناكير لأبي حنيفة، وهي بواطيل. وذكر النووي في لا الخلاصة، هذين الحديثين، وضعفهما. وعند أبي محمد ابن الجارود في " المنتقى "، عن أبي هريرة، قال: " أمرني رسول الله أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد ". وقال البزار في كتاب " السنن ": هذا إسناد مستقيم، ولفظه: " أمر مناديا فنادى "، وفي كتاب " الصلاة " لأبي الحسن أحمد بن محمد الخفاف: " لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد ". وفي " الصلاة " للفريابي: " أنادي بالمدينة: أن لا صلاة إلا بقراءة أو بفاتحة الكتاب، فما زاد "، وفي لفظ: " فناديت أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب،، وعند البيهقي (1) : " الا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"،

_ (1) السنن الكبرى (2 / 37) . -

وفي " الأوسط " (1) : " في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب ". / وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة بل غالبها ينفي [1/278-أ] الفرضية، فا فهم. 797- ص- نا ابن بشار، نا يحيى، نا جعفر، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة قال: " أمرني النبيُّ- عليه السلام- أن أنَادي: إنه لا صَلاةَ إلا بِقِراءَةِ فَاتحةِ الكِتابِ، فما زادَ " (2) . ش- ابن بشار هو: محمد بن بشار، ويحيى القطان، وجعفر بن ميمون، وأبو عثمان: عبد الرحمن النهدي. قوله: " إنه " أي: الشأن، وقد ذكرنا أن هذا الحديث قد روي: " لا صلاة إلا بقراءة، أو بفاتحة الكتاب؟ فما زاد "، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بالفاتحة، دلت الأخرى على جوازها بلا فاتحة، فنعمل بالحديثين، ولا نهمل أحدهما، بأن نقول بفرضية مطلق القراءة، وبوجوب قراءة الفاتحة، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار، وأيضا في هذا الحديث أمران، أحدهما: أن جعفرا هذا هو ابن ميمون فيه كلام- كما ذكرناه- حتى صرح النسائي أنه ليس بثقة. والثاني: أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة، لأن معنى قوله: فما زاد " الذي زاد على الفاتحة، أو بقراءة الزيادة على الفاتحة، وليس ذاك مذهب الشافعي. 798- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله: " مَن صَلَّى صَلاة دم يقرأ فيها بأمّ القُراَن فهي خدَاج، فهي خداج، فهي خداج، غيرُ تمامِ، قال: فقدتُ: يا أبا هريرَةَ، إني كَونُ أحيانا وَرَاءَ الإمام؟ قَال: فَغَمَزَ ذراعيِ، وقال: اقرأ بها في نفسِكَ نا فارسي (3) ،

_ (1) (2 / 6 0 13) من حديث أبي سعيد، و (8 / 66 80) من حديث أبي هريرة. (2) انظر التخريج المتقدم. (3) في سنن أبي داود: " يا فارسي في نفسك ".

فإنيِ سمعتُ رسولَ الله يقولُ: قال الله- عَزَّ وجل-: قَسمتُ الصلاةَ بيني وبن عبدي نصفينِ، فنَصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سألَ، قال رسولُ الله: اقرءُوا، يقولُ العبدُ: (الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمَينَ) يقولُ الله: حَمِدنَي عَبدي، يقولُ: (الرحمن الرحيم) يقولُ الله: أَثنَى علي عبدي، يقولَ العبدَُ: (مالكِ يوم الدينِ) يقولُ الله: مَجَّدَنِي عبدي، فهذه اَلآيةُ بيني (1) وبن عبدي، ولعبدي ما سألَ، يقولُ العبدُ: (اهدنا الصِّرَاطَ المستقيم * صرَاَطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهمْ غَيْر المَغْضُوب عًلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ) فهؤلاءِ (2) لعبدي، ولعبدي ما سَألَ" (3) . ش- أبو السائب لا يعرف اسمه، وهو مدني فارسي، كان جليسا لأبي هريرة، وفي " الكمال ": أبو السائب الأنصاري المدني مولى هشام ابن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة. روى عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة. روى عنه: صيفي مولى أفلح، وشريك بن عبد الله، والعلاء ابن عبد الرحمن، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري. وقال الشيخ محيى الدين في " شرح مسلم " (4) : وهو ثقة (5) . قوله: " بأم القرآن " أم القرآن اسم للفاتحة، سميت به لأنها فاتحته،

_ (1) في سنن أبي داود: (هذه بيني 100) . (2) في سنن أبي داود: " يقول الله: فهؤلاء". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (395) ، الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب (2953) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (2 / 135) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام (838) . ْ (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33 / 0 738) .

كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها، أو سميت به لأنها علامته، قال الشاعر: على رأسه أم لنا يقتدى بها ... جماعُ أمور لا تعاصِي له أمراً وقيل: لأنها مقدمه، والأم العمر الماضي لتقدمه، قال الشاعر: إذا كانت الخمسون أمك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب وقيل: لتمامها في الفصل، ومن أسمائها: السبع المثاني، والوافية، والكافية، والأساس، والشافية، والكنز، والصلاة، وسورة تعليم المسألة، وسورة الواقية، وسورة الحمد، والشكر، والدعاء، والفاتحة، وأول القرآن، وهي مكية، وقيل: مكية ومدنية، لأنها نزلت بمكة مرة، وبالمدينة أخرى، وهي سبع آيات بالاتفاق، إلا أن منهم من عد (أنعمتَ عَليهم) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس، وسبع وعشرون كلمة، ومائة واثنان وأربعون حرفا. قوله:" فهي خداج " بكسر الخاء: النقصان، يقال: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الثُّدَية: مخدج اليد أي: ناقصها، ومعنى قوله:" فهي خداج " أي: ذاتَ خداج، أو يكون وصفها بالمصدر مبالغة. قوله: " غير تمام " تفسير لقوله: " خداج ". / قوله: " اقرأ بها في نفسك " قال محيى الدين: " ومما يؤيد وجوب [1/278-ب] قراءة الفاتحة على المأموم قول أبي هريرة هذا، ومعناه: اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك". قلت: هذا لا يدل على الوجوب، لأن المأموم مأمور بالإنصات، لقوله تعالى: (وأنصِتُوا) والإنصات: الإصغاء، والقراءة سرا بحيث

_ (1) . شرح صحيح مسلم (4 / 103) . 32. شرح سنن أبي داوود 3

يسمع (1) نفسه يخل بالإنصات فح (2) يحمل هذا على أن المراد تدبر ذلك وتذكره، ولئن سلمنا القراءة حقيقة، فلا يدل ذلك على الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإمام لحانا. قوله: " يا فارسي " خطاب لأبي السائب. قوله: " قسمت الصلاة " المراد بها الفاتحة، وقد ذكرنا أن من جملة أسماء الفاتحة الصلاة، سميت بها، لأنها تقرأ دائما في سائر الصلوات. وقال الشيخ محيي الدين (3) : " ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، سميت بذلك لأنها لا تصح الصلاة إلا بها، كقوله- عليه السلام-: " الحج عرفة ". قلت: لا نسلم ابن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها، لأن تسميتها بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات، لا باعتبار أنها فرض بعينها، ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها، كالتسميع والتحميد، ونحوهما، فإن صلاة لا تخ (4) عن شيء من ذلك، وليس ذاك بفرض، وقياسه على قوله: " الحج عرفة" ليس بصحيح، لأن معنى هذا الكلام معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، وليست العرفة بعينها عبارة عن الحج، لأن العرفة لا تخ (4) إما أن تكون اسمه لليوم المعهود، أو للموضع المعهود، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج فافهم، ثم معنى قوله: " قسمت" قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول: تحميد الله تعالى وتمجيده، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال، وتضرع، وافتقار، وهذا من جملة ما احتج به أصحابنا على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنها سبع آيات بالإجماع، فثلاث في أولها

_ (1) في الأصل: " تسمع ". (2) أي: " فحينئذ ". (3) شرح صحيح مسلم (4/ 103) . (4) كذا، ولعلها بمعنى: " لا تخرج ".

ثناء، أولها: (الحمد) وثلاث دعاء، أولها: (اهدنا الصراط) ، والسابعة متوسطة، وهي: (إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعين) ولأنه قال: يقول: (الحمد لله رب العالمين) فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها لذكرها، وقد مر الكلام في هذا الباب مستوفى. قوله: " مجدني عبدي " أي: عظمني. قوله: " فهؤلاء لعبدي " فيه دليل على أن (اهدنا) وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، لأن لفظة " هؤلاء " إشارة إلى الجمع، فإذا كان هذا ثلاث آيات فلا خلاف أن من قوله: (الحمد لله) إلى (نستعين) أربع آيات، فصارت الجملة سبع آيات، ولا خلاف في ذلك، فلم تكن البسملة منها، وفي رواية مسلم: " فهذا لعبدي "، وهو إشارة إلى المذكور في " اهدنا " إلى آخره. ذكر الضمير باعتبار المذكور، والمذكور ثلاث آيات. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وذكر ابن عدي بسند ضعيف: " كل صلاة لا يقرأ [فيها] ، بفاتحة الكتاب وآيتين فهي خداج " (1) . وفي سنن (2) الطبراني: " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي مخدجة مخدجة مخدجة ". وعند الدارقطني مضعفاً من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عمرو: " من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً فليقرأ فيها بأم الكتاب وسورة معها، فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام " (3) .

_ (1) الكامل (5 / 50، ترجمة شبيب بن شيبة) من حديث عائشة. (2) كذا. (3) سنن الدارقطني (1 / 321) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، وقال الدارقطني: " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ضعيف "

وروى ابن عدي (1) بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعداً "، وقال: هذا حديث غير محفوظ. وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية الفاتحة، لأنه فسر في الحديث بقوله: " غير تمام "، وهذا يدل على أن الصلاة بدونها صحيحة، ولكنها ناقصة، لأن معنى قوله: " غير تمام " ناقصة، ونحن نقول أيضاً: إذا ترك الفاتحة تكون صلاته ناقصة. [1/279-أ] / 799- ص- نا قتيبة بن سعيد، وابن السرح، قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عند عبادة بن الصامت، يبلغ به النبي " عليه السلام- قال: " لا صَلاةَ لمن لمْ يقْرَأ بفاتحَة الكتَابِ فَصَاعِداً " (2) . قال سفيان: لمن يُصَلي وحده. ً ش- محمود بن الربيع بن سراقة بن " عمرو بن، زيد بن عبدة بن عامر ابن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الخزرجي الأنصاري، يُكنى: أبا نعيم، ويقال: أبو محمد، عقل عن النبي- عليه السلام- مَجة مَجهَا في وجههِ من دلوٍ، من بئر في دارِهم، وهو ابن خمس " سنين، وهو ختن عبادة بن الصامت، نزل بيت المقدس. روى عن: النبي- عليه السلام-، وعن عتبان بن مالك، وعبادة بن الصامت، وغيرهم. روى عنه: أنس بن ماَلك، وابنه أبو بكر بن أنس،

_ (1) الكامل (6/55، ترجمة عمر بن يزيد) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر، فيها وما يخافت (756) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (34/394) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أنه لا صلاة الا بفاتحة الكتاب (247) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة (2 / 135، 136) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام (837) .

ورجاء بن حيوة، والزهري، ومكحول، مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. روى له الجماعة (1) . والحديث أخرجه: الأئمة الستة، وليس في حديث بعضهم: "فصاعدا ". " (2) ورواه الدارقطني (3) بلفظ: " لا تُجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، وقال: إسناده صحيح. وصححه ابن القطان أيضاً. وقال صاحب " التنقيح ": انفرد زياد بن أيوب بلفظ: " لا تجزئ " ورواه جماعة: " لا صلاة لمن لم يقرأ " وهو الصحيح، قال: وكأنَّ زياداً رواه بالمعنى. انتهى. والحديث في " صحيح ابن حِبَّان " بهذا اللفظ، بغير هذا الإسناد، قال ابن حبَّان: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثني محمد بن يحيى الذهلي، هنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنتُ خلف الإمام قال: فأخذني بيدي، وقال: اقرأ في نفسك ". قال ابن حبان: لم يقل في خبر العلاء هذا: " لا تجزئ صلاة " إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير. انتهى. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " كما تر " (4) . واستدل الشافعي، ومن تبعه بهذا الحديث على فرضية الفاتحة في الصلاة، ولأنه- عليه السلام- واظب عليها في كل صلاة، فيدل على الفرضية، ولنا قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسرَ منَ القُرآن " أمر بمطلق القراءة من غير تعيينٍ، فتعيين الفاتحة فرضاً نَسْخ الإطلاق، والنسخ بالخبر المتواتر لا يجوز عند الشافعي، فكيف يجوز بخبر الواحد؟ " فقلنا: الحديث في حق الوجوب عملاً حتى تكون الصلاة ناقصة بتركها،

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3 /421) ، وأسد الغابة (5 /116) ، والإصابة (3 / 386) . (2) انظر: نصب الراية (1 / 365- 366) . (3) سنن الدارقطني (1 / 318) . (4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (5) سورة المزمل: (20) .

ومواظبته- عليه السلام- لا تدل على الفرضية، فإنه كان يواظب على سائر الواجبات. وقال الشيخ محي الدين (1) : ودليل الجمهور قوله- عليه السلام-: " لا صلاة إلا بأم القرآن "، فإن قالوا: المراد: لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف ظاهر اللفظ. ومما يؤيده حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله: " لا تجزىْ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " رواه أبو بكر بن خزيمة في " صحيحه " بإسناد صحيح، وأما حديث: " اقرأ ما تيسر ... ، محمول على الفاتحة فإنها مُتَيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها، أو على من عجز عن الفاتحة. قلت: كل هذا فيه نظر، فقوله: (هذا خلاف ظاهر اللفظ،، يعارضه قوله: " وأما حديث: " اقرأ ما تيسر " فمحمول على الفاتحة، لأن هذا أيضاً خلاف ظاهر اللفظ؟ لأن " ما تيسر " وقع مفعولا لقوله: لا اقرأ،، وهو عام يتناول قراءة الفاتحة، وغيرها، فقوله: " محمول على الفاتحة تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، فليت شعري، كيف جوزوا الحمل هاهنا على خلاف ظاهر اللفظ، ولم يُجَوزوا في قوله: "لا صلاة إلا بأم القرآن "؟. وقوله: " أو على ما زاد على الفاتحة بعدها غير صحيح أيضاً، لأنه لا يمشي على مقتضى مذهبهم، لأن قراءة ما زاد على الفاتحة، غير فرض عندهم. وأما دعواه التأييد بحديث ابن خزيمة لا تُفيدهم، لأن هذا ليس له من القوة ما يُعارِض ما أخرجه الأئمة الستة، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء: " لا تجزىْ صلاة ... " إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب كما ذكرناه، وأيضا فلفظ: (فصاعداً " في حديث عبادة يشير بفرضية قراءة ما زاد على الفاتحة، على مقتضى دعواهم، والحال أن هذا [1/279- ب] ، ليس مذهبهم، فظهر من هذا التقرير أن الذي يفهم من / الأحاديث

_ (1) شرح صحيح مسلم (4/102) .

الواردة في هذا الباب وجوب الفاتحة ليس إلا، والفرضية لا تثبت بمثل هذا، على أنه قد رُوي عن جماعة من الصحابة وغيرهم سُنَّيةُ مطلق القراءة في الصلوات، " ذكرنا من حديث عمر وغيره في " باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر ". قوله: " فصاعدا " نصبْ على الحال، والمعنى: لا صلاة كاملةً لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فزاد القراءة صاعدا على الفاتحة، كما نقول: أخذت هذا بدرهم فصاعدا، أي: فزاد الثمنَ صاعدا على الدرهم، ولكن تذكير " صاعدا باعتبار المذكور، وإلا فالقياس يقتضي أن يقال: فصاعدةً أو نقول: فصاعدا في مثل هذا الموضع مثل الاسم الجامد، فاستوى فيه التذكير والتأنيث، والفاء فيه زائدة لازمة. وقال البخاري في كتاب " القراءة خلف الإمام ": وقال معمر عن الزهري:" فصاعدا "، وعامة الثقات لم يتابع معمرا في قوله: " فصاعدا ". قلت: هذا سفيان قد تابع معمرا في هذه اللفظة، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، وغيرهم، كلهم عن " الزهري. قوله: " قال سفيان: لمن يُصَلى وحده " المراد به سفيان بن عيينة، يعني: عدم جوار الصلاة لعدم قراءة فاتحة الكتاب في حق من يصلي وحده، وأما المقتدي فإن قراءة إمامه قراءة له، وكذا قال الإسماعيلي إذا كان وحده. فعلى هذا يكون الحديث مخصوصا في حق المنفرد، فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم. 800- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن كلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: كنا خَلفَ النبيذ- علي السلة "- في صلاة الفَجْرِ، فَقرأَ رسولُ الله فَثَقُلَتْ علي القِراءة فلما فَرِغَ قال: " لَعَلكُم تًقْرَءُونَ خَلفَ

إِمَامكُمْ "؟ " قلنا: نعم، هَذا نا رسولَ الله، قال:، لا تَفْعَلُوا إلا بفَاتحةِ الكِتاَبِ، فإنه لا صَلاةَ لمن لم يَقْرَأ بِهَا " (1) . ش- محمد بن سلمة الباهِلي الحراني، ومحمد بن إسحاق بن يَسَار، ومكحول بن زبر الشامي. والحديث أخرجه الترمذي عن هَنَاد، عن عبدة، عن ابن إسحاق، إلى آخره، وقال: حديث حسن. وفي كتاب الدارقطني (2) : " لا تقرأ بشيءِ من القرآن إذا جهر إلا بأم القرآن "، وفي المصنَف (3) : نا ابن نمير، نا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ابن الصامت، قال: صلى بنا رسول الله- عليه السلام- صلاة العشاء، فثقلت علي القراءة "، فانصرف قال: " لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قال: قلنا: أجل يا رسول الله إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها. قوله: " هَذا " الهَذ: الزرعة، أراد: نَهُذ القرآن هَذا، فنُسْرِعُ فيه من غير تَفكُرِ، ولا ترتيلِ، كما في قراءة الشعر، ونصبه على المصدر، وقيل: أراد بالهذ الجهرَ بالقراءة، وكانوا يُلبسُون عليه- عليه السلام- قراءته بالجهر. قوله: " لا تفعلوا " يحتمل أن يكون أراد بالنهي ما راد من القراءة على الفاتحة، ويحتمل أن يكون نهاهم عن الْهَذ، كذا قاله الخطابي، بناءَ على مذهبه، وسنجيب عنه إن شاء الله تعالى، ولنا أحاديث تدل على أن

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أنه لا صلاة إلا " بفاتحة الكتاب (247) . (2) (1 / 319) وفيه: أفلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن" (3) (1 / 373- 374) .

المقتدي لا يقرأ خلف الإمام، " (1) منها ما أخرجه ابن ماجه في" سننه " (2) عن جابر الجُعْفِي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله: " من كان له إمام، فإن قراءة الإمام له قراءة ". والحديث، وإن كان معلولا بجابر الجُعْفي، ولكن له طرق أخرى وهي وإن كانت مدخولة، ولكن يَشُدّ بعضها بعضا، منها ما رواه محمد بن الحسن في " موطئه " (3) : أخبرنا الإمام أبو حنيفة، ثنا أبو الحسن موسى ابن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَاد، عن جابر، عن النبي- عليه السلام-، قال: " من صَلَّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة" ورواه الدارقُطْني في " سننه " (4) ، وأخرجه هو، ثم البيهقي (ْ) ، عن أبي حنيفة مقرونا بالحسن بن عمارة، وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد المذكور. قال الدارقطني: وهذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله، غيرُ أبي حنيفة، والحسنُ بن عمارة، وهما ضعيفان، وقد رواه سفيان الثوري، وأبو " الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وسفيان بن عيينة، / 1 [وجرير] ، بن عبد الحميد، وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي مرسلاً، وهو الصواب (6) . قلتُ: قد ظهر لك تحامل الدارقطني على أبي حنيفة، وتعصُبُهُ الفاسد، فمن أين للدارقطني تضعيف مثل أبي حنيفة؟ والحال أنه بهذا يستحق التضعيف، ثم هو يُضَعف حديث أبي حنيفة، وقد روى هو في " سننه" أحاديث سقيمة معلولة، وأحاديث غريبة منكرة، وأحاديث موضوعا، وكيف يُضَعفُهُ، وقد قال يحيى بن معين حين سئل عنه: ثقةٌ،

_ (1) انظر: نصب الراية (2 / 7- 9) . (2) كتاب " إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (850) ، ووقع في سنده اختلاف انظره في " الإرواء " (2 / 268) . (3) كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصلاة خلف الإمام " رقم 117". (4) (1 / 323: 325) . (5) السنن الكبرى (2 / 59 1) . (6) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

ما سمعت أحداً ضَعَّفَهُ. هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يُحَدث، ويأمرُه، وشعبةُ شعبةُ (1) ذكره الحافظ أحمد بن الحسن، عن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي. وقال ابن كثير في " تاريخه ": قال يحيى بن معين: كان أبو حنيفة ثقةً، وكان من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا، وسئل يحيى بن معين: هل حدَّث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقا في الحديث والفقه، مأمونا على دين الله تعالى، وأثنى علي ابن المبارك، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وحمَّادُ ابن أبي سليمان، ومسعر بن كدام، وأيوب السختياني، والأعمش، ويقال: إنه خرج إلىَ الحج، فلما صار بالحيرة، قال لعلي بن مسهر: اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك، وأثنى علي شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وعبد الرزاق، وسعيدُ ابن أبي عروبة، وحمَّاد بن زيد، وابن جرير، وشريك القاضي، وابن شُبْرُمَة، ووكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة، ويحيى بن سعيد القطان، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد، وخالد الواسطي، وعيسى بن يونس، وأبو عاصم النبيل، وعبد الله بن داود، وأبو نعيم الفضل بن دكن، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعبد العزيز الماجشون، وأبو معاوية، وابن أبي ليلى وياسين بن الزيات، وابن السماك، ويحيى بن اليمان، وقيس بن الربيع، وخلف بن أيوب، ويحيى بن آدم، ويوسف بن خالد السَّمْتي، والنضر بن شميل، ويحيى بن كثم، ومقاتل ابن حَيَّان، ومقاتل بن سليمان، ومكي بن إبراهيم، وجماعة آخرون كثيرة، وروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وعليه بن عاصم، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وهشيم، وجعفر الصادق، وسفيان الثوري، وشعبةُ، وعبد الكريم الجاري، إمام أهل الجزيرة، وكان يفتي بقوله،

_ (1) كذا بالتكرار.

والأحوص بن حكيم، والحكم بن هشام، ومعمر بن راشد، وشريك النخعي، والمغيرة بن موسى، ومقاتل بن حيان، وجماعة آخرون، ذكرتهم في " تاريخي "، مقدار سبعمائة وثلاثين رجلاً، من العلماء الأجلاء، والثقات الأثبات، وأما عُدَّة مشائخه الذين روى عنهم تبلغ أربعَة آلاف نفس، ف " ذا كان الرجل بهذه المثابة، كيف لا يستحيي الدارقطني، وأمثاله، مثل البخاري، وابن الجوزي، والبيهقي، حتى يحطون على مثل هذا الإمام، ويتكلمون في عِرْضِهِ، لأجل حظ الأنفس، وارتكاب الهَوى الباطل، ولقد صدق الشاعر في قوله: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوَه والقوم أعداء له وخصوم وفي المثل السائر: البحر لا يكدره وقع الذباب، ولا ينجسه ولوغ الكلاب. وأما محمد بن الحسن فإنه أخذ العلم عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وسمع منهما (1) ، وكذلك سمع من مِسْعر، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وغيرهم، وأثنى عليه غير واحد من أهل العلم، وأكثرهم ثناء الشافعي، وكتب عنه الشافعي ببغداد، وبالغ الشافعي في الثناء علي. وقال محمد: ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشرة ألفا على النحو، والشعر، وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه، وقال: أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسْرا. وأما موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي، فإنه من الثقات الأثبات. روى عنه: أبو حنيفة، والثوري، وغيرهما. وقال ابن عيينة: كان من الثقات. وقال ابن معين: ثقة. وروى له الجماعة. / وإما عبد الله بن شَدَاد فهو من كبار التابعين، وثقاتهم، كما ذكرناه [1/280-ب] في ترجمته، فإذا كان الأمر كذلك، يكون ما رواه محمد بن الحسن في " موطئه " عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن

_ (1) غير واضحة في الأصل.

شَدَاد، عن جابر- رضي الله عنه- حديثا صحيحا، بإسنادِ صحيح، مسلسلٍ بسلسلة الذهَب، فبطل بهذا قول الدارقطني، ومن تبعه. ومنها: ما رواه الدارقطني في " سننه "، والطبراني في " معجمه الوسط، (1) ، عن سهل بن عباس المروزي، ثنا إسماعيل ابن عُلَية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ". قال الدارقطني: هذا حديث منكر، وسهل بن عباس متروك، وليس بثقةٍ. وقال الطبراني: لم يرفعه أحد عن ابن عُلَية إلا سهل بن عباس، ورواه غيره (2) موقوفا. ومنها: ما رواه أحمد، في " مسنده " (3) عن جابر بن عبد الله، " عن النبي- عليه السلام: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ". وفي " المصنف ": ثنا مالك بن إسماعيل، عن حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي- عليه السلام- قال: " كل من كان له إمام فقراءته له قراءة هذا سند صحيح، وكذا رواه أبو نعيم، عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير، ولم يذكر جابرا، كذا في أطراف المزي ". ومنها: ما رواه الدارقطني في " سننه " (4) ، عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بق عمر، عن النبي- عليه السلام-، قال:" من كان له إمام فقراءته له قراءة، قال الدارقطني: محمد بن الفضل متروك، ثم أخرجه عن حارثة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، أنه قال في القراءة خلف الإمام: يكفيك قراءة الإمام، قال: وهو الصواب.

_ (1) (8 / 7903) بلفظ:" من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة ". (2) في الأصل:" غير، خطأ. (3) (3 / 339) . (4) (1 / 325- 326) .

قلت: وكذلك " (1) رواه مالك في " الموطأ " (2) ، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا صَلّى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام. ومنها: ما رواه الطبراني في " معجمه الوسط " (3) : نا محمد بن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي عن جدي، عن النضر بن عبد الله، ثنا الحسن بن صالح، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ": من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة "، وأخرجه ابن عدي في " الكامل " (4) ، عن إسماعيل ابن عمرو بن نجيح أبي إسحاق البجلي، عن الحسن بن صالح به سندا ومتنا. قال ابن عدي: هذا لا يتابع عليه إسماعيل، وهو ضعيف. قلت: قد تابعه النضر بن عبد الله كما تقدم، عند الطبراني. ومنها: ما أخرجه الدارقُطْني في " سننه " (6) عن محمد بن عباد الرازي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن سهيل بن أبي صالح؟ عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه سواء. وقال الدارقطني: لا يصح هذا عن سهل، تفرد به محمد بن عَباد الرازي، وهو ضعيف. ومنها: ما رواه الدارقطني في "سننه" (6) من حديث عاصم بن عبد العزيز المدني، عن أبي سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- قال:، يكفيك قراءة الإمام خافتَ، أو جَهر (7) ". قال الدارقطني: قال أبو موسى: قلت لأحمد ابن حنبل في حديث ابن عباس هذا فقال: حديث منكر. ثم أعاده

_ (1) انظر: نصب الراية (2 / 11- 13) . (2) كتاب الصلاة، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه (45) . (3) (7 / 7579) . (4) (1 / 524، ترجمة إسماعيل) . (5) (333 / 1) ، وفيه:" أبو يحيى التيمم ومحمد بن عبد الله ضعيفان ". (6) نفسه. (7) في سنن الدارقطني: " أو قرأ".

الدارقطني في موضع آخر، قريبِ منه. وقال: عاصم بن عبد العزيز ليس بالقوي، ورفعه وهم (1) . ومنها: ما رواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء "، عن غنيم بن سالم، عن أنس بن مالك، قالَ: قال رسول الله: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة،، وأعله بغنيم، وقال: إنه يخالف الثقات في الروايات، لا تعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج به؟ " ومن الاَثار: ما روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " قال: نا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن عبد الرحمن الأصبهاني- هو ابن عبد الله- عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. ومحمد الأصبهاني قال الذهبي: صدوق، وقال في " الكاشف ": أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقَوَّاه ابن حبَّان، وباقي السند على شرط الصحيح. وروى عبد الرزاق في " مصنفه " عن داود بن قيس، عن محمد بن عجلان، قال: قال علي: من قرأ مع الإمام فليس على الفطرة، قال: وقال ابن مسعود: مُلئَ فوه ترابا، قال: َ وقال عمر بن الخطاب: وددتُ أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر. وقال صاحب " التمهيد ": ثبت عن علي، وسعْد، وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الإمام لا فيما أسرَّ، ولا فيما جهر. وروى / عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: وددتُ أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئَ فوه ترابا. وعن معمر، عن أبي إسحاق، أن علقمة قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئَ فوه- أحسبه، قال: ترابا أو رضيفا. وقال ابن أبي شيبة، ثني الأحمر، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: أول ما أحدثوا القراءَة خلف الإمام، وكانوا يقرءون.

_ (1) سنن الدارقطني (1 / 331) .

وأخرج الطحاوي في " شرح الآثار "، عن حمّاد بن سلمة، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: أقرأ والإِمام بين يدي؟ فقال: لا. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن جابر، قال: لا يُقرأ خلف الإمام، إن جهر، ولا إن خافت " (1) .َْ وإذا تأملت ما ذكرناه كله عرفت بطلان ما حمله البيهقي في كتاب " المعرفة " من أحاديث: " من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة " على ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام وعلى قراءة الفاتحة دون السورة، وكيف يصح هذا؟ " وقد رو " ابن أبي شيبة: نا وكيع، عن عمر بن محمد، عن موسى ابن سعد، عن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له. ونا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: سألته عن القراءة خلف الإمام، قال: ليس وراء الإمام قراءة. ونا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: 3 نصت للإمام. وهذه الأسانيد كلها صحاح، وذكر أصحابنا أن منع المقتدى " عن القراءة مأثور عن ثمانين من كبار الصحابة، منهم علي، والعبادلة رضي الله عنهم-. والجواب عن حديث الكتاب: فقوله:" لا تفعلوا إِلا بأم القرآن " يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات عند قراءة القرآن، ف" نزل قوله تعالى: " وإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنصتُوا " (2) ، بطلت القراءة خلف الإمام، وقد وردت أخبار في أن هذه اَلآية نزلت في القرآن خلف الإمام، والدليل على ما قلنا: ما أخرجه البيهقي (3) ، عن

_ (1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) سورة الأعراف 9204) (3) السنن الكبرى (2 / 155) .

مجاهد قال: " كان رسول الله- عليه السلام- يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتىً من الأنصار، فنزلت: وإذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتُوا "، وأخرج عن الإمام أحمد قالَ: أجمع الناسُ على أَن هذه الآية فَي الصلاة. ويحتمل أن يكون ذلك بطريق تحصيل الفضيلة والكمال، لا الوجوب للأحاديث التي ذكرناها، وقوله: " فإنه لا صلاة لمن " لم، يقرأ بها " معناه: لا صلاة كاملة لمن " لم، يقرأ بها، ونحن نقول أيضاً بذلك، ولكن هذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المقتدي فليس علي ذلك أصلاً، فإن قالوا المقتدي مصل وكل مصل تجب علي القراءة، فالمقتدي تجب علي القراءة، قلنا: المقتدي أيضاً قارئ، لأن قراءة إمامه قراءته، وليست صلاة المقتدي صلاةً بلا قراءة، بل صلاته صلاة بقراءة، فافهم. وقال الخطابي: هذا الحديث يصرح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءةَِ، أو خافت بها، " إسنادهُ جيد لا طعن فيه. قلت: قد حصل للخطابي ولغيره جوابهُ بما ذكرناه، ولو كان هذا الحديث مما يستدل به أصحابنا لقال الخَطابي أو غيرهُ منهم: هذا الحديث معلولٌ بمحمد بن إسحاق، لأن عادة غالبهم إذا كان الحديث لهم يجعلونه من أعالي الأحاديث وأثبتها، وإن كان في نفس الأمر معلولا، وإذا كان عليهم يجعلونه معلولا وإن كان صحيحا، يتحققُ ذلك من يتأمل في وجوه الاستدلالات في كتبهم. 801- ص- نا الربيع بن سليمان الأزْدي، ثني عبد الله بن يوسف، هنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني زيد بن وأقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطَأ عُبادةُ عن صَلاة الصبْح، فأقامَ أبو نُعيم المُؤَذنُ الصلاة، فَصلى أبو نعيبه بالناسِ، وأقْبَلَ عُبادَ" بنُ الصامت، وأنا معه حتى صَفَفْنَا خَلفَ أبي نُعيد، فَجَهَرَ بالقِراءَةِ (1) ، فَجَعَلَ عُبادة

_ (1) في سنن أبي داود: " وأبو نعيم يجهر بالقراءة"

يَقْرَأ بأمِّ (1) القُراَنِ، ف" انصرفَ قلتُ لعُبادة: سَمعتُكَ تَقرأ بأمِّ القُرَان وأبو نُعيمٍ يَجْهَرُ؟ قال: أَجَلْ، صَلَّى بنا رسولُ الله- عليه السلام- بعضَ الصلَوات التي يُجْهَرُ فيها بالقِراءَة، فالتبسَتْ (2) / علي القِراءةُ، ولما (3) [1/ 281- ب] ، انصرفَ أَقبلَ علينا بوجْهِهِ، وقالَ: " هَلْ تَقْرءُونَ إذا جَهَرْت بالقِرَاءَة "؟ فقال بَعضُنَا: إنَا نَصنعُ ذلك، قال: " فلا، وأنا أَقولُ: مالي يُنازِعُنِي القُرآنُ، فلا تَقرءُوا بشيءٍ من القُرآنِ إذا جَهَرْتُ، إلا بأمِّ القُرآنِ " (4) . ش- الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري الأعرج الأزدي مولاهم. روى عن: عبد الله بن وهب، وأبي زرعة وهب " الله "، بن راشد، (والشافعي (ْ، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو جعفر الطحاوي. وقال الخطيب: كان ثقة. مات في ذي الحجة سنة " ست وخمسين ومائتين (6) . وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسِيُّ أبو محمد المصري الدمشقي، أصله دمشقي، نزل تنيس 10 روى عن: عيسى بن يونس) (5) والليث بن سعد، والهيثم بن حميد، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، والربيع بن سليمان، وبكر بن سهل الدمياطي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقةٌ. توفي بمصر سنة ثماني عشرة ومائتين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (7) . والهيثم بن حميد أبو الحارث الدمشقي. وزيد بن واقد الشامي أبو عُمر، ويقال: أبو عَمْرو الدمشقي. روى

_ (1) في سنن أبي داود: " أم ". (2) في سنن أبي داود: " قال: فالتبست ". (3) في سنن أبي داود: " ف"أ. (4) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به " الإمام (2 / 141) . (5) غير واضح في الأصل. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 / 1863) . (7) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 1 / 3673) . 33 شرح سنن أبي داوود 3

عن: جبير بن نفير، ومكحول، وعبد الملك بن مَرْوان، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن حمزة، والهيثم بن حميد، وعمرو بن واقد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقةٌ. روى له الجماعة، إلا الترمذي (1) . ونافع بن محمود بن الربيع، ويقال: ربيعة، روى عن: عبادة بن الصامت، روى عنه: حرام بن حكيم الدمشقي، روى له: أبو داود، والنسائي (2) . قوله: " أجل " أي: نعم. قوله: " فلا " أي: لا تصنعوا ذلك. قوله: " مالي ينازعني القراَن " أي: يجاذبني، من المنازعة، وهي المجاذبة في الأعيان والمعاني، كأنهم إذا جهروا بالقراءة خلفه شغلوهُ، و " القرآن " مرفوع بالفاعلية. وقد استدلوا به في فرضية قراءة الفاتحة، وأنها لا تترك أصلا سواء منفردا أو إماما، أو مقتديا، وسواء كان الإمام في الصلاة الجهرية، أو غيرها " [ويغني] (3) عن هذا ما ذكرناه مستوفى عن قريب، ويلزمُهم في ذلك مسألة: وهو أن الرجل إذا أتى الإمام وهو راكع فيكبر ويركع معه، ويعتد ذلك من الركعة بالإجماع، وإن لم يقرأ فيها شيئاً، فَذلك أن القراءة ليست واجبة " في حقه، (3) ، وأن قراءة الإمام كقراءته. والحديث أخرجه النسائي. 802- ص- نا على بن سَهْل الرملي، نا الوليد، عن ابن جابر وسعيد ابن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة نحو حديث الربيع بن سليمان قالوا: فكان مَكْحُول يقولُ: اقْرَءُوا في المغربِ (4) ،

_ (1) المصدر السابق (0 1 / 0 13 2) . (2) المصدر السابق (29 / 6369) . (3) غير واضحة في الأصل. (4) في سنن أبي داود: " فكان مكحول يقرأ في المغرب ".

والعشاءٍ، والصبح بفاتحة الكتاب في كُل رَكعة سرا، قال مَكحول: اقرأ بها فيماَ جَهرَ به الإِمَامِ إَذا قَرَأ بفاَتحة اَلكتاب، وسَكتَ سرا، فإن لم يَسكُتْ اقْرَأ بها قَبْلَهُ، ومَعَهُ، وبعْدهُ، ولا تَتْركْهَاَ علىَ حَالٍ (1) ،َ (2) . ش- عليُّ بن سهل بن قادم الرملي، قد مَرَّ مَرَّة. والوليد بن مسلم " القرشي، (3) مولاهم أبو العباس الدمشقي. وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (4) أبو عُتْبَةَ الشامي ْ (5) الدمشقي الداراني. روى عن: الزهري، ومكحول، ومحمد بن واسع، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الله، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. روى له الجماعة (6) . وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، وعبد الله بن العلاء الدمشقي. وهذا منقطع لأن مكحول، لم يدرك عبادة بن الصامت، وقد ذكرنا أخبارا من الصحابة والتابعين في ترك القراءة خلف الإمام سواء جهر، أو خافت. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله. يَتْلُوه الجزء الثاني، أوله: " باب من رأى القراءة إذا لم يجهرْ ".

_ (1) في سنن أبي داود: " على كل حال". (2) انظر التخريج المتقدم. (3) غير واضحة في الأصل. (4) في الأصل: " ... ابن جابر وغيرهم روى عنه الأزدي ... " وهو سبق فلم. (5) كذا، ولعله يقصدا " السلمي " كما في تهذيب الكمال. (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3992) .

وقد فرغتْ يَمِينُ مؤلفه من هذا الجزء يوم الأحد الثالث من ربيع الأول عام خمس وقت ما تم، وكان الابتداء فيه غُرة محرم من هذه السنة، وكان مكثي فيه تسويدا وتبييضا وإصلاحا، وغير ذلك مدة شهرين ليس إلا مع تَخَللات الحوادث في الأيام، ووقوع الفترات بين الأيام، وهجوم العوارض، والعوائق، وعدم السلامة من الموانع واللواحق، ولكن الله يَسَرَهُ بفَضْله، وهَوَنه بلطفه (1) . * * *

_ (1) جاء بهامش الأصل بخط مغاير لخط المصنف: " وهو الأول من شرح سنن أبي داود للإمام العيني ".

130- باب: من رأى القراءة إذا لم يجهر

/ (1) 1 بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، (2) وبه نستعين [2/ 1- أ] 130- باب: من رأى القراءة إذا لم يجهر (3) [أي: هذا باب في بيان] (4) القراءة خلف الإمام إذا لم يجهر الإمام بالقراءة. 803- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة اللـ[يثي عن] (5) أبي هريرة- رضى الله عنه- أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جَهر فيها بالقراءة فقال: هل قَرَأ معي أحاسنكم آنفاً فقال رجل: نعم يا رسًول الله، قال: إِني أقولُ مَالي أنازعَ القرآنَ؟ قال: فانتهى الناسُ عن القراءة، (5) مع رسوِل الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهَرَ فيه النبي- عليه السلام- بالقراءة من الصلوات حين سًمعُوا ذلك من رسول الله، (5) عليه السلام (6) -. ش- ابن أكيمة الليثي اسمه عمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة، وذكر غير الترمذي أن أسـ[مه من عامر. وقـ[، (4) ـيل جل: عمار، وقيل يزيد، وقيل عباد، وأن كنيته أبو الوليد الحجازي. روى عن: أبي هريرة، روى عنه: الزهري، [ومالك بن] ، (7) أنس، ومحمد بن عمرو. (1) بداية الجزء الثاني من تجزئة الأصل. (2) بياض في الأصل. (3) في سن أبي داود: " باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام "، وانظر تعليق المصنف عليه بعد حديثين. (4) بياض في الأصل، وأثبتناه على غرار شرح المصنف. (5) بياض في الأصل، وأثبتناه من سوق أبي داود. (6) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (312) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (2/ 140) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (848) . (7) بياض في الأصل.

توفي سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وسبعين سنة، وفي الكمال: ومنهم من لا يُحتج بحديثه. يقول: هو شيخ مجهول. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وقوله: " مالي أنازع القرآن؟ " بصيغة المجهول، ونَصْب " القرآن "، ومعناه: أداخل في القراءة، وأغالب عليها، وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة، والمداولة، ومنه منازعة الكأس في المدام. والحديث رواه الطحاوي، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن. وهذا الحديث ينافي فرضية قراءة الفاتحة مطلقا، لأنها لو كانت فرضا، لما انتهى الناس عن القراءة مع رسول الله فيما جهر فيه بالقراءة، ولم يقل أحد: إن قراءة الفاتحة فرض في حالة دون حالة، لعدم القائل بالفصل، فتبين أنها ليست بفرض. ثم القراءة خلف الإمام إذا كان فيما يخافت فقد رآها بعض أصحابنا، ومنعها الكثير منهم، وقد مر بيانه مستوفى، ص - قال أبو داود: روى حديث ابن أكيمة هذا معمر، ويونسُ، وأسامةُ بنُ زيدِ على معنى مالك (2) . ش- أي: معمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وأسامة بن زيد الليثي المدني. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة فقال: نا ابن علية، عن الزهري، عن ابن أكيمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - نظن أنها الصبح- فلما قضاها قال: هل قرأ منكم أحد؟ قال رجل: أنا. قال: إني أقول؟ مالي أنازع القرآن؟ ". 804- ص-: نا مسدد وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح قالوا: نا سفيان، عن الزهري قال: سمعتُ ابن أكيمةَ يحدث [عن،] سعيد بن المسيب قال: ----------------------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/ 4175) . (2) في سنن أبي داود: ".. وأسامة بن زيد عن الزهري، على ... ،.

سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسولُ اللهِ صلاة- نَظُن أنها الصبحُ- بمعناه، إلى قوله: (مالي أنَازعُ القُرآنَ) (1) . ش- أي: بمعنى الحديث المذكور. ورواه ابن أبى شيبة عن ابن علية كما ذكرناه الآن. ص- قال أبو داود: قال مسدد في حديثه قال معمر: فانتهى الناسُ عن القراءةِ فيما جَهَرَ به رسولُ اللهِ. ش- أي: قال مسدد بن مسرهد في روايته: " قال معمر بن راشدا إلى آخره، وقوله:" فانتهى الناسُ عن القراءة " عام يتناول الفاتحة وغير ها. ص- وقال ابن السرح في حديثه: قول معمر: عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناسُ. ش- أي: قال أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح في روايته: قال معمر: عن محمد بن مسلم الزهري. إلى آخره. ص- وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. وقال معمر: إنه قال: " فانتهى الناسُ ". ش- أي: قال عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البصري الزهري من بين الجماعة المذكورين: قال سفيان بن عيينة؟ وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. قوله: " فقال معمرة تفسير لقوله: " بكلمة لم أسمعها " فلذلك ذكره بالفاء، إنه قال ": أي: أن الزهري قال: " فانتهى الناس ". ص- قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: " مالي أنازعُ القرآنَ ". =------------------ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (312) " النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (2/ 140، 141) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (848) .

1/21- ب ش- أي: روى هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث [2/ 1- ب] القرشي العامري المدني. روى عن أبيه، والزهري/ وسعيد المقبري وغيرهم. روى عنه ابن عيينة وحماد بن سلمة [] ، (ا) . وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يُحتج به، وهو قريب من محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وهو حسن الحديث، ليس بثبت، (2) ولا قوي. وقال ابن عدي: في حديثه بعض ما يُنكر ولا يُتابع عليه. والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث. روي له الجماعة إلا البخاري (3) .ص - وروى الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: فاتَعَظَ المسلمون بللك، فلم يكونوا يقرءون معه فيما يَجهرُ به. ش- أي: في هذا الحديث قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك ". أي: بقوله- عليه السلام-: مالي أنازع القرآن. ص- قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيي بن فارس، قال: قوله: (فانتهى الناسخ من كلام الزهري. ش- محمد بن يحيي النيسابوري الإمام، من جملة شيوخ أبي داود، وقد ذكر غير مرة، قال: " فانتهى الناس " إلى آخره من كلام الزهري. وكذا روى ابن أبي شيبة من غير قوله: " فانتهى الناس " كما ذكرنا. وفي بعض النسخ عقيب هذا الكلام " باب من رأى القراءة إذا لم "يجهر " أعني: الباب الذي ذكرناه قريبا، مذكور في بعض النسخ هاهنا. 805- ص - نا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة ح ونا محمد بن كثير العبدي، نا شعبة- المعنى- عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، --------------- (1) طمس في الأصل قدر نصف سطر. (2) طمس في الأصل، وأثبتناه من الجرح والتعديل (5/ ترجمة 1000) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/ 3755) .

أن النبي- عليه السلام- صلي الظهرَ فجاءَ رجل فقرأ خَلفَهُ بـ {سبح اسْمَ ربكَ الأعْلَى} فلما فَرغَ قال " أيكُم قَرَأ؟ قالوا: رجل، قال: قد عرفتُ أن بعَضَكُم خالجنيها " (1،. ش- وزرارة بن أوفى (2) العامري. قوله: " رجلا أي: قرأ رجل. قوله:" خالجنيها " أي: نازعني قراءتها. وقال الخطابي (3) : " جاذبنيها "، والخلف: الجذب، وهذا وقوله: "نازعنيها" سواء، وإنما أنكر عليه تجاذبته إياه في قراءة السورة حيث تداخلت القراءتان، وتجاذبتا". قلت: وإنما ذكر من باب المفاضلة، ليَدل على المشاركة، لأن الخلل الجذب بسرعة فنفل إلى المخالجة ليدل على المشاركة، ومنه: الخليج، وهو نهر يُساق من النهر الأعظم إلى موضع، لأنه اختُلِجَ منه. أي: جذب وقال الخطابي (4) : (وأما قراءة الفاتحة، فإنه مأمور بها على كل حال، إن أمكنه أن يقرأ في السكتتين فعل، وإلا قرأ معه لا محالة،. قلت: يَرد قوله: إطلاق الأحاديث المذكورة، وقوله- عليه السلام-: أمن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، (5) . ---------------------- (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه لها، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه (2/ 140، وكتاب قيام الليل (3/ 247) . (2) في الأصل: اابن أبي أوفوا خطأ. (3) معالم السنن (1/ 178) . (4) المصدر السابق. (5) رُوي عن جماعة من الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس. فأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه (580) وغيره، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني (1/ 326) والخطيب في "تاريخه" (1/ 237) . وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الخطيب في تاريخه، (11/ 426) . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الدارقطني (1/ 326 - 331) . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا الدارقطني (1/ 333) ، والحديث حسنه الشيخ الألباني في الإرواء (500) .

ص- قال أبو (1) الوليد في حديثه: قال شعبة " فقلت وقتادة: أليسَ قولُ سعيدِ أنصت للقرآن؟ قال: ذاك إذا جهر به. ش- أي: قال أبو الوليد الطيالسي في حديثه: قال شعبة بن الحجاج: فقلت ولقتادة بن دعامة: قول سعيد بن المسبب: " أنصت للقرآن" فقوله: " قول سعيدة اسم " ليس"، وخبره قوله: وأنصت للقرآن، قوله: وقال ذاك، أي: قال قتادة، قول سعيد: أنصت للقرآن إذا جهر بها أي: بالقرآن. وروى ابن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: " أنصت للإمام " قلت: قول سعيد هذا مطلق، ولكن قتادة قيده بما إذا جوهر بالقرآن، وقد روى ابن أبي شيبة فقال: نا وكيع، عن للضحاك بن عثمان، عن عبد الله بن يزيد، عن ابن ثوبان، عن زيد بن ثابت قال: " لا تقرأ خلف الإمام إذا جهر، ولا إن خافت " قلت: وهذا يؤيد أيضا إطلاق قول ابن مسعود ولأن قتادة أيضا هو الذي روى عن سعيد قوله: وأنصت للقرآن، ولم يقيده بالجهر، ولكن شعبة هو الذي ذكر التقييد به. ص- قال ابن كثير في حديثه: قال: قلت لقتادة: كأنه كرهه قال: لو كرهه نهى عنه. ش- أي: قال محمد بن كثير في حديثه: قال شعبة: قلت وقتادة: وكأنه كرهه، أي: كأن رسول الله كره القرآن، أي: القراءة خلفه. قال: لو كرهه نهى عنه، وقد قيل: إن هذا نهي دلالة، وهو أبلغ من الصريح، لأنه لو لم يكن نهيا وإنكارَا على من فعل ذلك، لما سأل: هذا السؤال بعد فراغه من الصلاة، ولما قال: لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها، وألا لم يكن في هذا الكلام فائدة. 806- ص- نا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد (2) ، عن قتادة [2/ 2- أ] عن / [زرارة، عن عمران بن حصني، أن النبي " (3) الله- عليه السلام- ------------------ (1) سقط " أبو" من سنن أبي داود. (2) في الأصل: " شعبة "، خطأ. (3) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.

131- باب: ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة

صَلى بهم الظهر، فلما انفَتَل قال: أيكُم قَرأ، {سبحِ اسْمَ ربكَ الأعْلَى} ؟ فقال رجل أنا فقال: علمتُ، (1) أن بعضَكُم خَالجَنِيهَا " (2) . ش- ابن المثنى: محمد بن المثنى، وابن أبي عدي: محمد بن أبي عدي. قوله: وفلما أنفتـ[ل " أي (3) نصرف من صلاته. وهذا الكلام أيضا الإنكار عليه بالقراءة، والذي يرى بالقراءة خلف الإمام يقول [] (4) في جهره بالقراءة، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة والحديث أخرجه مسلم والنسائي. *** 131- باب: ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة أي: هذا باب في بيان ما يجزئ الأمي والأعجمي [] ، (5) وفي بعض النسخ باب: " ما جاء فيما يجزئ الأمي"، والأمي الذي لا يكتب، وهو نسبة إلى الأمة، وهي: العامة، أكثرهم لا يكتبون، أو إلى أمه كأنه على أصل الولادة، والأعجمي غير المفصح، وأن كان من العرب، والعجمي من كان من العجم، وإن كان فصيحاً والعجم غير العرب. 807- ص- نا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: خَرَج علينا رسولُ الله ونحنُ نقرأ القرآنَ وفينَا الأعرابي والعجمي، فقال: "اقرَؤوا فكل حَسن، وسيجِيءُ أقوام يُقِيمونَه كما يُقامُ القدح، يتعَجلونَهُ ولا يتأجلُونَه " (6) . ------------------- (1) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: نهى المأموم عن جهره بالقراءة خلف أمامه يعد 398، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به (2/ 140) ، وكتاب قيام الليل (2/247) . (3) غير واضح في الأصل. (4) طمس في الأصل قدر كلمتين. (5) طمس في الأصل قدر كلمتين، ولعل فيها من القراءة ". (6) تفرد به أبو داود.

ش- وهب بن بقية بن عثمان الواسطي، وخالد بن عبد الله الواسطي. قوله: " وفينا الأعرابي " الأعرابي بفتح الهمزة الذي يُنسب إلى الأعراب، سكان البوادي، وقد مر الكلام فيه مرةَ، و " العجمي " من كان من العجم، وقد ذكرناه آنفَا، وفي بعض النسخ و " الأعجمي بالهمزة المفتوحة. قوله: " فكل حسن " أي: كل واحد من قرائكم حسن. قوله: " يقيمونه " أي: يقيمون القرآن كمال يقام القِدح، القِدم - بكسر القاف وسكون الدال- السهم إذا قوم واستوى قبل أن ينصل ويراش، فإذا رُكب فيه النصل والريش فهو سهم. قوله: " يتعجلونه " يقال: أعجله وتعجله وعجله تعجيلاَ، إذا استحثه، والمراد يتعجلون أجره في الدنيا، ويطلبون على قراءتهم أجرة من الأعراض الدنياوية، ولا يصبرون إلى الأجر والثواب الذي يحصل لهم في دار الآخرة، وقد وقع مثل ما قال- عليه السلام-. 808- ص- نا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو وابن لهيعة (1) ، عن بكر بن سوِادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، عن سهل بنِ سعد الساعدي قال: خَرجَ علينا رسولُ الله- عليه السلام- يومًا ونحنُ نقْتَرئُ، فقال: الحمدُ لله كتابُ اللهِ واحد، وفيكمُ الأحمرُ، وفيكمُ الأبيضَُ، وفيكمُ الأسودُ، اقَرؤوه قبلَ أن يَقْرَأهُ أقوام يُقيمُونَه كما يُقومُ السهمُ، يَتَعَجلُ أجرَهُ ولا يتأجُله " (2) . ش- عمرو بن الحارث، ووفاء- بالفاء- وشريح- بالشن المعجمة- ورواه أحمد بن حزم، عن ابن الأعرابي وابن رحيم، عن أبي عيسى الرقلي بالقاف. ووفاء بن شريح الصدفي المصري. روى عن سهل بن سعد، ورويفع ------------- (1) في سنن أبي داود: وعمرو بن لهيعة، خطأ. (2) تفرد به أبو داود.

ابن ثابت الأنصاري. روى عنه: بكر بن سوادة، وزياد بن نعيم. روى له أبو داود (1) . قوله:" ونحن " نقترئ" جملة حالية. " ونقترئ " بمعنى نقرأ. قوله:" وفيكم الأحمر " المراد من الأحمر: العجم، لأن الغالب على ألوانهم الحمرة، والمراد من الأبيض أهل فارس، لأن الغالب على ألوانهم البياض. والمراد من الأسود العرب، لأن الغالب عي ألوانهم الأدمة والسمرة، والمقصود: أن فيكم طوائف مختلفة، "اقرءوا هذا القرآن قبل أن يقرأه أقواما كذا وكذا. 809- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح نا سفيان الثوري عن أبي خالد الدالاني عن إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جَاءَ رجل إلى النبي- عليه السلام- وقال: إِني لا أسْتَطيعُ أن اَخذَ من القُراَن شيئًا فعلمني ما يُجْزئني منه. فقال (2) قلْ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلا الله، والله كبر، َ ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله (3) . قال: يا رسولَ الله هذا لله فما لي؟ قال: قلْ: اللهم ارحَمْني وعَافني واهدني وارزقني (4) . فلما قامَ قال هكذا بيدهِ. قال رسولُ اللهِ: أَما هذا فَقدَ ملأ يده من الخير" (5) . / ش- أبو خالد هو يزيد بن عبد الرحمن الأزدي الدالاني. وإبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل [السكسكي أبو إسماعيل الكوفي، (6) . سمع عبد الله بن أبي أوفى، وأبا بردة بن أبي موسى. روى عنه مسعر، والعوام بن حوشب، وأبو خالد الدالاني، وغيرهم. ------------------------ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6691) . (2) في سنن أبي داود: فقالا. (3) في سنن أبي داود: زيادة " العلي العظيم ". (4) في سنن أبي داود: جاء قوله " وارزقني بعد وارحمني ". (5) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن (2/ 143) . (6) طمس في الأصل، وأثبتناه من تهذيب الكمال.

2/21- ب، قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف إبراهيم السكسكي. وقال أحمد ابن حنبل: هو ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك القوي، يكتب حديثه. روى له البخاري، وأبو داود، والنسائي (1) . قوله: ما يجزئني منه " أي: ما يكفيني من القرآن. قوله: " هذا لله " معناه: هذا تنزيه الله تعالى، والحمد له، وتوحيده وتكبيره، والأصل في هذا أن قراءة القرآن من أركان الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا به، ولو فرضنا أن شخصَا عجز عن تعلم القرآن إما لعجز معنوي في طبيعته، أو سوء حفظه، اهو عجمة لسانه أو آفة تعرض له، كان أولى الذكر بَعْد القرآن ما علمه النبي- عليه السلام- من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وقد رُوي عنه- عليه السلام- أنه قال: " أفضل الذكر بعد كلام الله- عز وجل- سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ويُبتَنى على هذا الأصل أن العاجز عن العربية إذا قرأ القرآن بالفارسية جاز بلا خلاف بين أصحابنا. وقال الشافعي: لا يجور سواء عجز عن العربية أو لم يعجز، فإذا عجز يُسبح ويُهلل، وعند أبي حنيفة في قوله المرجوع عنه: يجوز بالفارسية. وإن لم يعجز عن العربية، وقد بين هذا في الفروع. ولو قرأ شيئا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور في الصلاة، إن تيقن أنه غير محرف يجوز عند أبي حنيفة مطلقَا، وإن لم يتيقن لا يجور ويُبتنَى على هذا الأصل مسألة اللحان أيضا، فإذا قرأ في صلاته " الحمد الله بالهاء، أو الرحمن الرحيم بالهاء، أو غير المغضوب عليهم " بالدال، أو قل أعوذ " بالدال المهملة، أو الله الصمد بالسين، ونحو ذلك، إن كان يجتهد آناء الليل والنهار في تصحيحه، ولا يقدر عليه، فصلاته جائزة، لأنه عاجز، وإن ترك جهده فصلاته فاسدة، لأنه قادر، وإن ترك جهده في بعض عُمُره فلا يسعه أن يترك شيئا في باقي عمره، فإن ترك فصلاته فاسدة، إلا أن يكون الدهر في تصحيحه. ----------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 201) .

وأما الألثغ، والفأفأ، والذي لا يقدر على إتيان بعض الحروف لعجز طبيعي، ونحو ذلك، فهم أصحاب عجز شرعي، فصلاتهم في حق أنفسهم جائزة، ولا يقتدي بهم غيرُهم إلا من كان مثلهم، كمسألة الأمي العاجز عن قراءة القرآن أصلان. والحديث أخرجه النسائي. 810- ص- نا أبو توبة الربيع بن نافع، نا أبو إسحاق- يعني: الفزاري- عن حميد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله. قال: (كُنا نصلي التطوعَ، نَدعُو قِياما وقُعُودا، سجودا (1) وسجوده، (2) . ش- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري الكوفي، وحميد الطويل، والحسن البصري. قوله: " قياما": حال بمعنى قائمين. وكذلك " قعودا بمعنى قاعدين." " وركوعها " بمعنى راكعين " وسجوداً": بمعنى ساجدين. وذكر ابن المديني وغيره أن الحسن البصري لم يسمع من جابر بن عبد الله. وبهذا الحديث استدل من يقول إن القراءة سيئة في التطوع، حتى لو سبح أو هلل أو دعي بما شاء من الأدعية المأثورة يجوز عندهم، ومنهم من يرى جواز الصلاة بدون القراءة، سواء كانت فرضَا أو نفلا، وهي رواية شاذة عن مالك، وعند جمهور العلماء لا تجوز الصلاة- أي صلاة كانت- ألا بمطلق القراءة، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى، وحديث جابر وأمثاله منسوخة. 811- ص- نا موسى بن إسماعيل نا حماد عن حميد، مثله " لم يذكر التطوع (2) . ش- حماد بن سلمي. قوله: " عن حميد مثله: أي: روى حماد عن حميد الطويل مثل ما روى أبو إسحاق الفزاري، ولكنه لم يذكر في روايته التطوع، وروايته: --------------- (1) في سنن أبي داود: " ونسبح ركوعا وسجودا ". (2) تفرد به أبو داود.

132- باب: تمام التكبير

" كنا نصلي ندعو قيامَا " إلى آخره، وبهذه الرواية يستدل من لا يرى القراءة فرضَا في الصلاة مطلقَا كما ذكرناه. ص- قال: كان الحسن يقرأ في الظهر والعَصر إمامًا، (1) وخلف إمام بفاتحة الكتاب، وبُسبحُ ويكبرُ ويهللُ قدر (ق) و" الذاريات " (2) . [2/3 - أ] ، ش- أي: قال حميد: كان الحسن البصري [] ، (3) . وقوله: " وخلف إمام " عطف عليه. وفي بعض النسخ أو خلف إمام) . قوله: (بفاتحة الكتابة متعلق بقوله (يقرأ (4) . قوله: " قدر" ق أي: قدر سورة ق، وقدر سورة (الذاريات) ، وسورة ق مكية، وخمس وأربعون آية، وثلاثمائة وخمس وتسعون كلمة، وألف وأربعمائة وتسعون حرفا، وسورة الذاريات مكية أيضا، وستون أية، وثلاثمائة وستون كلمة. وألف ومائتان وسبع وثمانون حرفَا.،،، 132- باب: تمام التكبير أي: هذا باب في بيان تمام التكبير. 812- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد عن غيلان بن جرير، عن مطرف قال: صليتُ أنا وعمرانُ بنُ حصين خلفَ علي بنِ أبي طالب - رضي الله عنه -، فكان إذا سَجَدَ كبر، وإذا ركع كبر، وإذا نَهَضَ منذ الركعتين كبر، فلما انصرفْنَا، أخذ عمرانُ بيدي، وقال: لقد صَلى هذا قِبَل أو لقد صَلى بنا هذا قِبَلُ صلاة محمدٍ - عليه السلام- (5) . ------------------------ (1) في سنن أبي داود: اأو، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (2) انظر: الحديث السابق. (3) طمس في الأصل قدر أربع كلمات. (4) غير واضح في الأصل. (5) البخاري: كتاب الأذان، باب: إتمام التكبير في السجود (786) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة ألا رفعه من الركوع فيقول فيه سمع الله لمن حمده (393) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: التكبير للسجود (2/ 204) ، وكتاب السهو (3/ 2) .

ش- سليمان بن حرب قاضي مكة، وحماد بن زيد، ومطرف بن عبد الله ابن الشخير. قوله:" وإذا نهض " أي: إذا قام. قوله: وهذا " إشارة إلى علي بن أبي طالب- رضى الله عنه -. قوله: " قبَلُ صلاة محمداً بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى عيان صلاة محمد- عليه السلامَ-، كما في قولك، رأيته قِبَلاَ. أي: عيانًا. قال تعالى: {أوْ يَأتيَهُمُ العَذَابُ قُبُلا} (1) ، وفي بعض الرواية: " لقد صلى بنا هذا مثلَ صلاة محمد- عليه السلام -، ثم اختلف العلماء في تكبيرات الانتقالات، فقال قوم: هي سُنَة، قال ابن المنذر: وبه قال أبو بكر الصديق، وعمر، وجابر، وقيس بن عبادة، والشعبي، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ونقله ابن بطال أيضا عن عثمانَ، وعليه، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن الزبير، والنخعي، ومكحول، وأبي ثور، وقال أهل الظاهر وأحمد في رواية: كلها واجب. قال: وممن كان ينقص التكبير فيما ذكر الطبري: أن أبا هريرة سئل: من أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه، وإذا وضعه؟ قال: معاوية. وعن عمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، والقاسم، وسالم، وابن جبير مثله. وقال ابن بطال: كان ابن عمر ينقص التكبير، وقال مسعر: إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر، وإذا أراد أن يسجد الثانية من كل ركعة لم يكبر. وقال سعيد ابن جبير: إنما هو شيء يزينُ به الرجل صلاته. وقال قوم: إنما هو إذن بحركة الإمام، وليس سُنة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، مستدلين بأن ابن عمر فيما ذكره أحمد بن حنبل كان إذا صلى وحده لا يكبر، واستدل من يقول بنقص التكبير بما رواه أحمد من حديث عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه، أنه صلى مع النبي- عليه ------------------------------ (1) سورة الكهف: (55) . 2. شرح سنن أبي داوود 4

3/21- ب السلام-، فكان لا يتم التكبير- يعني إذا خفض وإذا رفع- قال البخاري في وتاريخه، عن أبي داود الطيالسي: هذا عندنا باطل. وقال أبو جعفر: راويه الحسن بن عمران وهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به. وقال البيهقي، وقد يكون كبر، ولم يسمع الراوي، أو يكون تركه مرة لبيان الجواز، وتتولى الكرخي على حذفه، وذلك نقصان صفة لا نقصان عدد، وفي لا المصنف، عن إبراهيم: أول من نقصه: زياد. وفي " شرح الهداية،: سئل أبو حنيفة عن التكبير. فقال: احذفه واجزمه. ومثله عن صاحبيه. وقال السفاقسي: واختلفوا فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر، أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام سجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام، سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته. وفي " الموضحة ": وإن نسي تكبيرين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته. وإن ترك تكبيرة واحدة اختُلِف، هل عليه سجود أم لا؟ وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل متى تباعد، فلا شيء عليه. وقال أصحابنا: لا [2/ 3 - ب] يجب السجود بترك الأذكار/ كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود، وتسبيحاتها. وفي " شرح المهذب " 0: لو ترك التكبير عمدا، (1) أو سهواً حتى ركع لم يأت به لفوات محله. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي بنحوه. وفي " سنن البزار" هذا الحديث رواه غير واحد عن مطرف، عن عمر أن. ----------------- (1) غير واضح في الأصل وأثبتناه. من شرح المهذب، (4/ 51) .

813- ص- نا عمرو بن عثمان، نا أَبِي (1) وبقية، عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سومة: " أَن أبا هُريرةَ كان يكبرُ في كُل صلاة من المكتُوبَة وغيرها، فيكبرُ (2) حينَ يَقُومُ، ثم يكبرُ حين يَركعُ، ثم يقولُ: سمع اللهُ لمنَ حَمِدهَ، ثم يقولُ: ربنا ولكَ الحمدُ قبلَ أن يَسجُدَ، ثم يقولُ: اللهُ أكبر حينَ يَهْوِي سَاجدا، ثم يكبرُ حينَ يَرفعُ رأسَه ثم يكبرُ حين يسْجدُ، ثم يكبرُ حين يَرفَعُ رأسَهُ، ثم يكبر حينَ يقومُ من الجُلُوسِ في اثنتين، فَيفعلُ ذلكَ في كل رَكعة حتى يفْرغُ من الصلاةِ، ثم يقولُ حينَ يَنصَرِف: والذي نفسي بيده. إني لأقْرَبكُم شَبَها بصلاة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، إِنْ كانت هذه لَصَلاَتهُ حتى فَارقَ الدنيا " (3) . ش- عمرو بن عثمان الحمصي. وأبوه: عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي الحمصي، أبو عمرو. سمع شعيب (4) بن أبي حمزة، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوت، وحريز بن عثمان وغيرهم. روى عنه ابناه عمرو ويحيى، ونعيم بن حماد، وغيرهم. روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وبقية بن الوليد الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث المدني وقد ذكرناه وكنيته اسمه على الصحيح. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: فيكبر حين يقوم تفسير لقوله: " كان يكبر في كل صلاة " (1) في سنن أبي داود: " أبي " كذا، وهو خطأ. (2) في سنن أبي داود: " يكبر "، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: إتمام التكبير في الركوع (785) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة (392) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القنوت في صلاة الصبح (2/ 201) ، وباب: التكبير للنهوض (2/ 235) .. (4) في الأصل: " سعيد " خطأ. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3815) .

ولذلك ذكره "بالفاء" وفي بعض النسخة يكبر بدون الفاء فوجهه أن تكون بدلا عن "يكبر" الأولى. قوله: وإن كانت هذه " كلمة وإن " مخففة عن المثقلة، وأصلها " إنه " أي: إن الشأن كانت هذه الصلاة على هذه الهيئة، كصلاة النبي- عليه السلام- إلى أن فارق الدنيا، وفيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع، فإنه يقول: " سمع الله لمن حمده " وهذا مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف ذكرناه، ففي كل صلاة ثنائية أحد عشرة تكبيرة، وهي: تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة، وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس: أربع وتسعون تكبيرة، وفي قوله: " ثم يكبر حين يركع " إلى آخره، دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمده حتى يصل حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الهَوي إلى السجود، ويمده حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويبدأ في قوله: " سمع الله لمن حمده " إن كان إمامَا، أو ربنا لك الحمد إن كان مقتديَا، حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائمَا، ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول، ويمده حتى ينتصب قائمَا، هذا مذهب العلماء كافةَ إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك: إنه لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمَا. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، بنحوه، من حديث الزهري عن أبي سلمي وحده، ومن حديث أبي بكر بن عبد الرحمن وحده. ص- قال أبو داود: هذا الكلام الأخيرُ يجعله مالك والزبيديُ وغيرُهما عن الزهري، عن علي بن الحسين، ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيبُ بن أبي حمزة، عن الزهري. ش- أشار بقوله: وهذا الكلام الأخير، إلى قوله: وإن كانت هذه

لصلاته حتى فارق الدنيا وقوله: " هذا مبتدأ و " الكلام " مبتدأ ثاني، وخبره قوله: " يجعله مالك، والجملة خبر المبتدأ الأول، ومالك " فاعل قوله: " يجعله "، و " الزبيدي " عطف عليه، وهذا الذي ذكره قسم من أنزل المدرج. قوله: أشعيب " فاعل "وافقأ، و " عبدَ الأعلى" منصوب، لأنه مفعوله. وعلي بن حسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو الحسين، أو أبو الحسن، أو أبو محمد المدني، وهو زين العابدين./ سمع أباه [2/4 - أ] [] (1) والمسور بن مخرمة، وأبا رافع مولى النبي- عليه السلام- وعائشة، وأم سلمة، وصفية زوجات النبي- عليه السلام- وغيرهم. روي عنه أبو سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري وجماعة آخرون. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي. وقال أحمد بن عبد الله: علي بن الحسن تابعي ثقة. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين. روى له الجماعة (2) . قوله (3) : " ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيب، ارتفاع وشعيب على أنه فاعلا وافقأ و" عبد الأعلى " منصوب على المفعولية، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي القرشي، ومعمر بن راشد. 814- ص- نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا: نا أبو داود، نا شعبة، عن الحسن بن عمران. قال ابن بشار (4) : قال أبو داود: أبو عبد الله العسقلاني. في ابن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يُتِم التكبيرَ (5) . ------------------------- (1) كلمتان غير واضحتين. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/ 4050) . (3) كذا، وهو مكرر لما قبله ببعض الأسطر. (4) في سنن أبي داود: قال ابن بشار: الشامي. (5) تفرد به أبو داود.

133- باب: كيف يضع ركبتيه قبل يديه

ش- أبو داود الطيالسي. والحسن بن عمران أبو عبد الله العسقلاني. سمع عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي. وقيل: سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي. قال أبو داود الطيالسي: هذا أصح. روى عنه: شعبه. قال عبد الرحمن: سألته عنه- يعني أباه- فقال: شيخ روى له أبو داود (1) . قوله:" قال أبو داود: أبو عبد الله " أي: قال أبو داود الطيالسي: الحسن بن عمران هو أبو عبد الله العسقلاني. وفي بعض النسخ: " قال أبو داود: هو أبو عبد الله العسقلاني ". وأما ابن عبد الرحمن بن أبزي فهو إما عبد الله، وإما سعيد كما ذكرناه، وكلاهما ذُكر في الكتاب. قوله: أفكان لا يتم التكبيرة. أو، قال أبو داود: ومعناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر. وذكر في ومختصر السنن يُريدُ لا يريد بالتكبير في الانتقالات كلها، إنما يأتي به في بعضها، والأحاديث الثابتة على خلافه، وقد ذكرنا عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. **************** 133- باب: كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟ أي: هذا باب في بيان كيف يضع ركبتيه قبل يديه. وفي بعض النسخ باب في وضع ركبتيه قبل يديه. 815- ص- نا الحسن بن علي وحسين بن عيسى قالا: نا يزيد بن هارون نا شريك، عن عاصمِ بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر قال: " رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سَجدَ، وَضعَ رُكْبتيه قبلَ يَديه، وإذا نَهَضَ رَفعَ يَديه قبلَ رُكبتيهِ، (2) --------------------------------- (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/ 1261) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين فيه

ش- الحسن بن علي الخلال، وحسين بن عيسى القُومسي البسطامي، وشريك بن عبد الله القاضي. وقد ذكرنا عاصمًا وأباه كليب بن شهاب الكوفي. وقد اختلف الناس في هذا، فذهب أصحابنا وكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين، وهذا أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل، وفي رأي العين. وقال مالك: يضع يديه قبل ركبتيه، وكذا قال الأوزاعي، واستدلا بحديث الأعرج، عن أبي هريرة: " وليضع يديه قبل ركبتيه، كما نذكره الآن. وقال الخطابي: لا حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وزعم بعض العلماء أن هذا منسوخ، ونقل أصحابنا عن مالك أنه مخير في البداية بيديه أو ركبتيه والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه غير شريك. وروي همام عن عاصم هذا مرسلاً، ولم يذكر فيه عن وائل بن حجر. وقال النسائي: لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به. وقال البيهقي: هذا حديث يعد من أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلاً، هكذا ذكر البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين. 816- عن- نا محمد بن معمر نا حجاج بن منهال نا همام نا محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: أن النبي- عليه السلام- فذكر حديث الصلاة، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرضِ قبلَ أن يَقَعَا (2) كفاه" (3) . -------------------- السجود (268) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان معه (1088) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: السجود (882) . (1) في سنن أي داود: " تقع ". (2) تفرد به أبو داود.

ش- محمد بن معمر البصري، وهمام بن يحيي، وعبد الجبار بن وائل ابن حُجر الحضرمي. [2/ 4 - ب] ، قوله: " وقعتا/ ركبتاه " من قبيل أكلوني البراغيث، وكذلك قوله: وقبل أن يقعا كفاه. ص- قال همام: ولا شقيق قال: حدثني عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي- عليه السلام- بمثل هذا، وفي حديث أحدهما:- وأكبرُ علمي أنه في حديث محمد بن جحادة- وإذا نهضَ نهضَ على ركبتيه، واعتَمدَ على فخذيه. ش- هذا إشارة إلى أن همام بن يحيي روى هذا الحديث من طريقين: طريق محمد بن جحادة، وطريق شقيق. هذا مرسل. قوله: " مثل هذا " أي: بمثل الحديث المذكور، والضمير في "احدهما يرجع إلى محمد بن جحادة وشقيق. قوله: " وأكبر علمي " أي: ظني. قوله: وعلى فخذيه " وفي رواية صحيحة وعلى فخذه،. 817- ص- نا سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد حدثني محمد ابن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا سَجدَ أحدكُم فلا يبرُك كما يبرُكُ البَعيرُ، وَليَضَعْ يديه قبلَ رُكبتيه"، (1) . ش- سعيد بن منصور الخراساني، وعبد العزيز الدراوردي. ومحمد (2) ابن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني. قال ابن أبي حاتم: قتل سنة خمسِ وأربعين بالمدينة،. هو ابن خمس ----------------- (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب آخر منه (269) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (2/ 207) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/ 5338) .

وأربعين، وقد لقي نافعَا وغيره، وحدثَ عنه الدراوردي وغيره. سمعتُ أبي يقول ذلك. روى له أبو داود والنسائي، وقال البخاري: محمد بن عبد الله بن حسن، لا يتابع عليه، وقال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ " قلت: وثقه النسائي، وقولُ البخاري: " لا يتابع على حديثه " ليس بصريح في الجرح فلا يعارض توثيق النسائي. وبهذا الحديث استدل مالك والأوزاعي- كما ذكرناه- في وضع اليدين أولاً وقد قلنا: إنه منسوخ عند البعض. وروى الطحاوي، وقال: نا ربيع المؤذن، نا أسد بن موسى، نا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعد، عن جده، عن أبي هريرة، أن النبي- عليه السلام- قال: فإذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كما يبرك البعير على يديه ". ثم قال: إن وائلاَ لم يُختلف عنه، وإنما الاختلاف عن أبي هريرة، فكان ينبغي أن يكون ما روي عن وائل أثبت. 818- ص-نا عتيبة بن سعيد نا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله ابن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: " يَعْمدُ أحدُكُم في صلاته فيبرُكُ كما يَبْرُكُ الجَمَلُ؟ " (1) .ً ش- " يعمدُ بكسر الميم، أي: يقصد وفي بعض النسخ ويعتمد،. والحديث أخرجَه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: وهذه سُنة تفرد بها أهل المدينة. قال البيهقي: (وللدراوردي في إسناد آخر، ولا أراه إلا وهمَا ". ثم أخرجه من حديثه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: وكان ----------------------- (1) الترمذي، كتاب الصلاة، باب آخر منه (269) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (2/ 206) .

134- باب: النهوض في الفرد

5/21- أ، يضع يديه قبل ركبتيه، قال: وكان- عليه السلام- يفعلها ثم علله بأن المشهور عن ابن عمر أنه قال: ما إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما إلى آخره. قلت: حديث ابن عمر المذكور أولا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وما علله به البيهقي من حديثه المذكور ثانيا فيه نظر، لأن كلا منهما بمعناه منفصلٌ عن الأخر، وحديث أبي هريرة المذكور دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، فيمكن أن ترجيحه (1) على حديث وائل، لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين ولهذا قال النووي في شرح المهذب ": لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة،، وحديث ابن عمر المذكور أخرجه الدارقطني أيضا في سننه بإسنادٍ حسن. ******************* 134- باب: النهوض في الفرد أي: هذا بابٌ في بيان النهوض في الركعة الفرد. 819- ص- نا مسدد، نا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جَاءَنا أبو سليمانَ مالكُ بنُ الحُويْرث في مسجدنَا فقال: أني لأصلي بكم، ولا (2) أريدُ الصلاةَ، ولكني أريدُ أَن أريكُم كيفَ رأيت رسولَ الله- عليه السلام- يُصَلي؟ قال: قلتُ لأبي قلابة: كيفَ صَلَّى؟ قال: مثْلً صَلاة [2 / 5 - أ] شيخنَا/ هذا- يعني: عمرو بن سَلمًة إمَامَهُم. وذكر أنه كان إذا رَفعَ رأسَهَ من السجدة الأخرة في الرَّكْعة الأولىَ َقعَدَ، ثم قَامَ " (3) . ش- إسَماعيلَ ابن عُلية، َ وأيوب السختياني، وأبو قلابة عبد الله بن زيد. قوله: " قال، قلت لأي قلابة أي: قال أيوب. قلت لأبي قلابة: ، كيف صلى مالك بن الحويرث. قوله:" عمرو بن سَلِمة بفتح السين، وكسر اللام، أبو بريد (4) ------------------------ (1) كذا، ولعل " لن " مقحمة ". (2) في سنن أبي داود: " وما ". (3) البخاري: كتاب: الأذان، باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمَهم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته (677) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: الاعتماد على الأرض عند النهوض (2/ 234) . (4) في الأصل: بريدة " خطأ، إنما المحكي في اسمه بريد - مصغرا- أو يزيد على وزن عظيم، كما في مصادر ترجمته.

الجرمي الصحابي واستدل به الشافعي في أن السُنة أن يقعد بعد السجدة الثانية جِلْسة خفيفة ثم ينهض، معتمدها على يديه. والجواب عن هذا وأمثاله أنها محمولة على حالة العذر يسبب الكبر، أو غيره ولأن هذه الجلسة للاستراحة، والصلاة غير موضوعة لتلك، وبقولنا قال مالك، وأحمد. والحديث أخرجه البخاري، والنسائي. 820- ص- نا زياد بن أيوب، نا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جَاءَنا أبو سليمانَ- مالكُ بنُ الحويرث - إلى مسجدنَا، فقال: والله إني لأصلي، وما أريدُ الصلاةَ، ولكني أريدُ أنه أريَكُم كيفَ رَأيتُ رسولَ اللهَ يُصَلي؟ قال: فَقعدَ في الركعةِ الأولى حينَ رَفَعَ رأسَهُ من السجْدةَ الآخرة " (1) . ش- قد مَر أنه كان جلس لعذرِ به، كما روي أنه- عليه السلام- قال: لا تبادروني، إني بدنت. وكما تَربع ابن عمر لكون رِجْلَيْه لا تحملانه حتى لا يقع التضاد بينه، وبين ما روي عن أبي هريرة قال: وكان رسول الله ينهض في الصلاة على صدور قدميه " رواه الترمذي، وقال: حديث أبي هريرة هذا عليه العمل عند أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة في (مصنفه عن عبد الله بن مسعود بأنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه، ولم يجلس ". وأخرج نحوه عن علي، وعن ابن عمر، وعن ابن الزبير، وعن عمر أيضا، وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر، وعلي، وأصحاب رسول الله ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. وأخرج عن النعمان: وكان إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولي والثالثة نهض كما هو، ولم يجلس،، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه " عن ابن مسعود، وعن ابن عباس، وعن ابن عمر، وأخرجه البيهقي، عن عبد الرحمن بن يزيد، أنه رأى عبد الله بن مسعود ------------------ (1) انظر الحديث السابق.

135- باب: الإقعاء بين السجدتين

يقوم على صدور قدميه في الصلاة، ولا يجلس إذا صَلى في أول ركعة حتى يقضي السجود. وفي التمهيد: اختلف الفقهاء في النهوض من السجود إلى القيام، فقال مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وان أصحابه: ينهض على صدور قدميه، ولا يجلس، وروى ذلك، عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي- عليه السلام- يفعل ذلك، وقال أبو الزناد: ذلك السنَُة. وبه قال أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وقال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا. قال الأثرم: ورأيت أحمد ينهض بعد السجود على صدور قدميه، ولا يجلس قبل أن ينهض. 821- ص- نا مسدد، نا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك اِبنِ الحويرث، أنه رأى النبي- عليه السلام- إذا كان في وِتْرٍ من صلاته لم ينْهضْ حتى يستوي قَاعدا (1) . ش- هشيم بن بشير، وخالد الحذاَء. قوله: " إذا كان في وتر من صلاته " والوتر من الصلاة الركعة الأولى والركعة الثالثة ". والحديث أخر له البخاري، والترمذي، والنسائي. ************* 135- باب: الإقعاء بين السجدتين أي: هذا باب في بيان الإقعاء بين السجدتين في الصلاة، وفي بعض النسخ " باب: ما جاء في الإقعاء " وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، كما يدعي الكلاب، والسباعُ، وقيل: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. ----------------------- (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض (823) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء كيف النهوض من السجود (287) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: الاعتماد على الأرض عند النهوض (2/ 234)

822- ص- نا يحيي بن معين، نا حجاج بن محمد، عن ابن جرير، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاوسا (1) يقول: قلنا لابن عباس في الإقْعَاء على القَدَمين في السجودِ، فقال: هي السنة. قال: قلنا: إِنا لَنَرَاهُ جَفَاء باَلرجلِ، فقال ابن عباسٍ: هي سُنة نَبِيك (2) . ش- حَجاج بن محمد الأعور، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي. / قوله: " إنا لنراه جفاء بالرجل " بفتح الراء، وضم الجيم، أي: [2/ 5 - ب] بالإنسان، وكذا نقل القاضي عياض عن جميع " رواة مسلم "، (3) في هذا الحديث، وضبطه أبو عمر بن عبد البر، بكسر الراء، وإسكان الجيم، يريد جلوسه على رجله في الصلاة، وقال أبو عمر: من ضم الجيم فقط غلط، وقال الشيخ محيي الدين (4) : " وَرَد الجمهور على ابن عبد البر، وقالوا: الصواب الضم، وهو الذي يليق إضافة الجفاء إليها. قلت: كلاهما له وجه، وشاهد يشهد له، فقد وقع في " مسند أحمد ": " إنا لنراه جفاء بالقدم ". وهو شاهد لرواية أبي عمر، ووقع في كتاب ابن أبي خيثمة " إنا لنراه جفاء بالمرء" وهو شاهد لما رواه القاضي عياض. وقال الشيخ محى الدين (4) : اعلم أن الإقعاء ورد فيه حديثان. ففي هذا الحديث أنه سُنة، وفي حديث آخر النهي عنه، رواه الترمذي، وغيره من رواية عليه، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة، وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة، وأنس، ---------- (1) في الأصل: " طاوس." (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الإقعاء على العقبين (536) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في الإقعاء (283) .- (3) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من شرح صحيح مسلم (5 / 19) . (4) المصدر السابق.

وأسانيدها كلها ضعيفة وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافا كثيرًا، لهذه الأحاديث والصواب الذي لا معدل عنه، أن الإِقعاء نوعان، أحدهما: أن يلصق أليته بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فَسرَهُ أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. والنوع الثاني: أن يجعل أليته على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مُرَادُ ابن عباس بقوله: (سنَة نبيكم- عليه السلام) وقد نَص الشافعي في "البويطي) و "الإملاء، على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل حديث ابن عباس عليه جماعات من المحققة منهم البيهقي، والقاضي عياض، وآخرون، قال القاضي: وقد روي عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرًا عن ابن عباس: من السنة أن تمس عقبيك إليتك. فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نصا آخر، وهو الأشهر: أن السنة فيه الافتراش، وحاصله أنهم سنتان، وأيهما أفضل؟ فيه قولان". وقال الخطَابي (1) : أكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء في الصلاة. ورُوي أنه عقب الشيطان، وقد ثبت من حديث وائل بن حجر، وحديث أبي حميد الساعدي أن النبي- عليه السلام- قعد بين السجدتين مفترشًا قدمه اليسرى". ورويت الكراهة في الإقعاء عن جماعة من الصحابة، وكرهه النوعي، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، لإسحاق بن راهويه، وهو قول أصحاب الرأي، وعَامة أهل العلم، ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخًا، والعمل على الأحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله- عليه السلام-) . ------------------ (1) معالم السنن (1/ 180) .

وقال النووي في الخلاصة ": ليس في الإقعاء حديث صحيح إلا حديث عائشة قالت:" كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير "- إلى أن قالت:" وكان ينهى عن عقبة الشيطان " الحديث أخرجه مسلم، ولكن أخرج مسلم حديث طاوس هذا أيضا. وروى البيهقي عن ابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس أنهم كانوا يقعوون، ثم قال: والجواب عن ذلك: أن الإقعاء على نوعين: مستحب، ومنهي عنه. فذكره كما ذكرنا عنه الآن. ثم قال: وقد بسطناه في شرح المهذبَ، وهو من المهمات، وقد غلط فيه جماعة لتوهمهم أن الإقعاء نوع واحد، وأن الأحاديث فيه متعارضة، حتى ادعى بعضهم أن حديث ابن عباس منسوخة، وهذا غلط فاحش، فإن لم يتعذر الجمع، ولا تاريخ فكيف يصح النسخ. قلت: قد روى ابن ماجه من حديث الحارث، عن علي يرفعه: " لا تقع بين السجدتين " (1) وفي لفظ: " لا تقعْ إقصاء الكلب " (2) . وعنده أيضا- بسند ضعيف- عن أنس قال لي النبي- عليه السلام-: " إذا رفعت رأسك منذ الركوع فلا تقع كما يُقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظاهر قدميك/ بالأرض " [وروى كذلك بسند [2/6 - أ] صحيح] ، (4) عند البيهقي:" نهى رسول الله عن الإقعاء" ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: حديثه صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وصحح الحاكم سماع الحسن من سمرة- رضى الله عنه-، وبَوب الترمذي فيه بابَا فقال:" باب ما جاء في كراهية الإقعاء في السجود ": حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، نا عبيد الله، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال لي رسول الله- عليه السلام-: نا علي أحب لك ما أحب لنفسي، وكره لك ما كره لنفسي لا تقع بين السجدتين " (5) . ---------------------- (1) كتاب أقامة الصلاة، باب: الجلوس بين السجدتين (894) . (2) (895) (3) 896 (4) غير واضح في الأصل. (5) كتاب الصلاة (282) .

136- باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه من حديث علي إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد ضَعف بعض أهل العلم الحارث الأعور، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يكرهون الإقعاء، قال: وفي الباب عن عائشة، وأنس، وأبي هريرة. ************ 136- باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع أي: هذا باب في بيان ما يقول المصلي إذا رفع رأسه من الركوع، وفي بعض النسخ "باب: ما جاء فيما يقول..... " 823- ص- نا محمد بن عيسى، نا عبد الله بن نمير، وأبو معاوية، ووكيع، ومحمد بن عبيد كلهم عن الأعمش، عن عُبَيْد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كان النبي- عليه السلام- إذا رفعَ رأسَه من الرُكوع يقول: "سَمِعَ اللهُ لمن حَمده، اللهم ربنا لك الحَمدُ مِلءَ السمواتِ، ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شِئتَ من شَيء بعد" (1) . ش- محمد بن عيسى الطباع، وعبد الله بن نمَير أبو هاشم الكوفي، وأبو معاوية الضرير. ومحمد بن عبيد بن أبي أمية أبو عبد الله الطنافسي الأيادي الأحدب الكوفي. سمع هشام بن عروة، والعوام بن حوشب، والأعمش، وغيرهم. روى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن سنان القطان، وغيرهم، وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، توفي في سنة أربع ومائتان في خلافة المأمون. روى له الجماعة إلا أبا داود (2) . وعبيد بن الحسن المزني (3) الكوفي. سمع عبد الله بن أبي أوفى. ------------ (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (771) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (878) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5440) . (3) في الأصل المدني

روى عنه منصور بن المعتمر، والأعمش، ومسعر، وشعبة، قال ابن معين: هو ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (1) . قوله: "سمع الله لمن حمده" "سمع " هاهنا بمعنى أجاب، وقد فسَرْناه غير مرة. قوله: "ملء السماوات" بنصب الهمزة، ورفعها، والنصب أشهرُ، وهو الذي اختاره ابن خالويه، وروحه، وأطنب في الاستدلال له، وجَوز الرفع على أنه مرجوح، وحكي عن الزجاج أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، وقد مَر الكلام فيه أيضا، ومعنى " ملء السماوات " لو كان أجسامًا لملا السموات، والأرض. قوله: " بعدُ " مبني على الضم، أي: بعد ذلك، فلما قطع عن الإضافة بني على الضم. ويستفاد من الحديث فوائد: الأولى: استحباب هذا الذكر عند رفع الرأس من الركوع، ولكن الزيادة على التسميع والتحميد عند أصحابنا محمولة على النوافل. الثانية: استحباب الجمع بين التسميع والتحميد سواء كان إمامًا، أو منفردة، وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، والشافعي وهو قول ابن سيرين وعطاء، وعند أبي حنيفة: يقتصر الإمام على التسميع، والمأموم على التحميد، وأما المنفرد فيجمع بينهما بلا خلاف. قال ابن المنذر: وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي. ثم مذهب أبي حنيفة حذف الواو من قوله: " لك الحمد " كما وقع في هذه الرواية، وهي رواية مسلم أيضا، وفي "المحيط": اللهم ربنا لك الحمد أفضل لزيادة الثناء، فكأنه استدل بهذه الرواية. وعن أبي حفص لا فرق بين قوله " لك" وبين قوله: و "لك" وعند -------------- (1) المصدر السابق (19/ 3711) . (3) ، (4) شرح سنن أبي داود 4

الشافعي يأتي بالواو؛ ولو أسقطها جاز، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرِو بن العلاء عن هذه الواو، فقال: هي زائدة، ويقال: هي عاطفة على محذوف، أي: أطعنا ربنا، أو حمدناك ربنا، ولك الحمد، فلو قال: لك الحمد، أو ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد، أو ولك الحمد كان ذلك كله جائزا. الثالثة: يفهم منه استجابة الاعتدال، والطمأنينة في الركوع، أو [2/ 6-ب] وجوبهما / على الاختلاف، والحديث أخرجه مسلم، وابن ماجه، وأخرج الطبراني، عن ابن عباس مرفوعًا: " كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من [شيء] بعد". وأخرج الدارقطني عن بريدة- بسند ضعيف- قال لي النبي- عليه السلام-: " يا بريدة، إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده.. اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد". ص- قال أبو داود، قال سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، عن عبيد ابن (1) الحسن: هذا الحديث ليس فيه " بعد الركوع". قال سفيان: لقينا الشيخ عبيد بن (2) الحسن بَعْدُ، فلم يقل فيه " بعد الركوع. ش- " هذا الحديث " أي: الحديث المذكور فيه عبيد بن الحسن، وفي بعض النسخ " عبيد أبا الحسن، وأبو الحسن كنية الشيخ ". ص- قال أبو داود: ورواه شعبة، عن أبي عصمة، عن الأعمش، عن عبيد، قال: "بعد الركوع". ش- أي: روى هذا الحديث شعبة بن الحجاج، عن أبي عصمة: نوح ابن أبي مريم الخراساني روى له الترمذي، وابن ماجه في " التفسير ".

_ (1) في سنن أبي داود: " أبي الحسن "، وانظر: تعليق المصنف بعدُ. (2) في سنن أي داود: " أبا ".

824- ص- نا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليدة ونا محمود بن خالد، نا أبو مسهر ح نا ابن السرح، نا بشر بن بكر ح ونا محمد بن محمد ابن مصعب، نا عبد الله بن يوسف كلهم عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية، عن قزعة بن يحيى، عن أبى سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول حين يقول "سَمِعَ اللهُ لمن حَمدَهُ، اللهم ربنا لك الحمدُ مِلءَ" (1) قال مؤمل: مِلءَ السموات، ومِلءَ الأرَض، ومِلءَ ما شئْتَ مِن شَيء بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجد، أحق ما قَالَ العبدُ، وكُلنَا لك عبد لا مَانعَ لما أعطيتَ"، زَاد مَحمودْ: "وَلا مُعطِي لما مَنعتَ" ثم اتفقا: "لا ينفعُ ذا الجَد منكَ الجَد، قال بشر: "ربنا لك الحمدُ، لم يقل محمود (2) : " اللهم قال: " ربنا ولك الحمدُ" (3) . ش- الوليد بن مسلم، ومحمود بن خالد الدمشقي، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وابن الطرح أحمد بن عمرو، وبشر بن بكر التنيسي الدمشقي. ومحمد بن محمد بن مصعب أبو عبد الله الصوري، المعروف بِوحشِي. روى عن خالد بن عبد الرحمن، ومؤمل بن إسماعيل، ومحمد بن المبارك الصيرفي. روى عنه أبو داود، والنسائي، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمكة، وهو صدوق (4) . وعبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد المصري الدمشقي، وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي فقيه أهل الشام.

_ (1) في سنن أبي داود: " ملء السماوات ". (2) في سنن أبي داود: "لم يقل "اللهم" لم يقل محمود ... ". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، (477) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: ما يقول الإمام إذا رفع رأسه من الركوع (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5587) .

وعطية بن قيس الكلابي، وقيل الكلاعي أبو يحيي الجهضمي، المعروف بالمذبوح (1) ، وقيل: إنه دمشقي، قال أبو مسهر: ولد في حياة النبي - عليه السلام- روى عن عبد الله بن عُمر، وابن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن غنم، وغيرهم. روى عنه ابنه سعد، وربيعة بن يزيد، وسعيد بن عبد العزيز وغيرهم، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع ومائة. روى له الجماعة إلا مسلما (2) . وقَزعة- بفتح القاف، وسكون الزاي، وقيل: بفتحها، وفتح العين المهملة- بن يحيي أبو الغادية، مولى زياد بن أبي سفيان، ويقال: مولى عبد الملك بن مروان. سمع عبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عَمرو، وأبا سعيد، وأبا هريرة. روى عنه: مجاهد وعبد الملك بن عُمَير، وقتادة، وعطية بن قيس، وغيرهم. دور له الجماعة (3) . قوله: "قال مؤمل " أي: مؤمل بن الفضل، أحد شيوخ أبي داود. قوله: " أهل الثناء والمجد" انتصاب "أهل" على النداء، وهو المشهور، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت أهل الثناء. و" الثناء" الوصف الجميل، والمدح، و" المجدد العظمة، ونهاية الشرف هذا هو المشهور من الرواية هنا، وفي مسلم أيضا، وقال القاضي عياض: ووقع في رواية ابن ماهان "أهل الثناء والحمد" وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول. قوله: " أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد " هكذا هو هاهنا وفي "صحيح مسلم": "أحق" بالألف، "كلنا" بالواو، " (4) وأما ما

_ (1) قال محقق تهذيب الكمال (153/20) : " جاء في فراشي النص تعقيب للمصنف على صاحب " الكمال، نصه: كان فيه المعروف بالمذبوح وهو وهم، أنما ذاك أبو عطية". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 2/ 1 396) . (3) المصدر السابق (23/ 4877) . (4) انظر: شرح صحيح مسلم (194/ 196) .

وقع، في كتب الفقه "حق ما قال العبد، كلنا ... " بحذف الألف، والواو، فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان كلامًا صحيحًا، وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، فيكون ارتفاع "أحق " على الابتداء، وخبره قوله/ [" لا مانع [2/7- أ] لما أعطيت" و "كلنا لك عبد "، (1) معترض بينهما تقديره أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت، وكلنا لك عبد فيجب أن نقوله، وفائدة الاعتراض الاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، ونظيره في القرآن {فسُبْحَانَ الله حين تُمْسُونَ} الآية (2) فإن قوله: {وَلَهُ الحَمْدُ} اعتراض بين قَولهَ: {وَحينَ تُصْبِحُونَ} {وعَشِيا} والجملة المعترضة، لا محل لها من الإعراب، وقد عُرف في موضعه. فإن قيل: ما وجه كون هذا أحق ما يقوله العبد؟ قلت: لأن فيه التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشر منه " (3) . قوله: زاد محمود، أي: محمود بن خالد. قوله: ثم اتفقا لا أي: مؤمل ومحمود. قوله: " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " " (4) أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العملُ بطاعتك، أو معناه: لا يُسْلمُهُ من عذابك غناه، والجَد في اللغة: الحظ والسعادة، والغنى، ومنه "تَعالى جدك " أي علا جلالك وعظمتك، والمشهور فيه فتح الجيم، هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرون. قال ابن عبد البر: ومنهم من رواه بالكسر. وقال أبو جعفر الطبري:

_ (1) غير واضح في الأصل. (2) سورة الروم: (17، 18) . (3) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم. (4) المصدر السابق.

هو بالفتح قال: وقاله الشيباني بالكسر، قال: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل، قال: ولا نعلم من قاله غيره، وضعف الطبري ومَن بعده الكسْر، قالوا: ومعناه على ضَعْفه الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه ويُنْجيه رحمتك. وقيل: المراد ذا الجد والسَعْي التام في الحرص على الدنيا، وقيل معناه: الإسراع في الهرب. أي: لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هَرَبه، فإنه في قبضتك وسلطانك". فإن قلت: بأن لي إعراب هذا الكلام، قلت: "ذا الجدد" منصوب على أنه مفعول " لا ينفع" وكلمة "مِن" في " منك" للبدل، والمعنى لا ينفع ذا الحظ حَظُه من الدنيا بدلك، أي: بدل طاعتك، أو بدل حظك، أو بدل حَظهُ منك، كما في قوله تعالى: (لَن تُغْني عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ فَلاَ أوْلاَدهم من اللهِ شَيْئا، (1) أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله، وكما في قوله تعالى: "أرَضيتُم بالحَيَاة الدُّنْيَا من الآخِرَة" (2) وقوله: (لَجَعَلنَا منكُم ملائكَة فِي اَلأرْضِ يَخْلفُونَ" (3) أي: بدَلكم، لأن الملائكة لا تكون من الإَنس، وقال أبو حيران: إثبات البداية لـ "من " فيه خلاف وأصحابنا ينكرونه، وغيرهم قد أثبته، وزعم أنها تأتي لمعنى البدل، واستدل بالآيات التي تلونا، وبقول الشاعر: (أ) خذوا المخاض من الفصيل غلبة ... وظلما وتكتب للأمير إفيلا أي: بدل الفصيل، ويجوز أن تكون "من " في الحديث بمعني "عِنْد"، والمعنى لا ينفع ذا الغنى عندك غناه. قلت: يجوز أن تكون "من" على حالها للابتداء، ويكون المعنى لا ينفع ذا الغنى من ابتداء نعمتك، أو من ابتداء عذابك غناه، ويقال: ضمَّن "ينفع " معنى " يمنع "، ومتى علقت " مِن " بالجد انعكست المعنى، وأما ارتفاع " الجد" فعلى أنه فاعل قوله: "لا ينفع".

_ (1) سورة آل عمران: (1) . (2) سورة التوبة (38) (3) سورة الزخرف: (60) .

قوله:" قال بشر " أي: بشر بن بكر. قوله: ما لم يقل محمود " أي: محمود بن خالد لم يقل "اللهم "، بل قال: "ربنا ولك الحمد". والحديث أخرجه مسلم، والنسائي. 825-ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُمَي، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا قالَ الإِمَامُ سَمِعَ الله لمن حَمدَه، فقولوا: ربنا لك الحمدُ، فإنه مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قولَ الملائكةِ غُفِر لهُ ما تقدم مِن ذَنبِهِ " (1) . ش- مالك بن أنس، وسُمَي القرشي المخزومي المدني، وأبو صالح ذكوان. قوله:" من وافق قوله قول الملائكة" يعني في قوله "آمين " في زمن واحد وقيل: الموافقة بالصفة من الإخلاص والخشوع، وقيل: موافقته إياهم دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم، وقيل: الموافقة الإجابة، أي: ممن استجيب له كما يستجاب لهم، وهو بعيد. وقيل: هي إشارة إلى الحفظة، وشهودها الصلاة مع المؤمنين، فَتُؤمنُ إذا أمن الإمام، فمن فعل فعلهم، وحضر حضورهم الصلاة، وقال قولهم غفر له، والقول الأول/ أولى. وقال الخطابي (2) : وفيه دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول، ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر. واستدل أبو حنيفة بهذا الحديث أن وظيفة الإمام أن يأتي بالتسميع،

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: فضل اللهم ربنا ولك الحمد (796) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين (409/ 71) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: (267) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قوله وربنا ولك الحمد " (2/ 196) . (2) معالم السنن (1/ 181) .

والمقتدي بالتحميد، لأنه- عليه السلام- قَسَمَ، والقسمة تنافي الشركة، وهو حجة على صاحبيه والشافعي. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. وأخرج مسلم أيضا، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد عن حسان بن عبد الله الرقابي، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم ". وأخرج الحاكم في " المستدرك " عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: ده إذا قال الإمام الله كبر فقولوا: الله أكبر، "إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ومسلم ولم يخرجاه. 826 - ص -: نا بشْر بن عمار، نا أسباط، عن مُطرف، عن عامر، قال: لا يَقُولُ القَومُ خَالفَ الإمام سَمِعَ اللهُ لمن حَمدَهُ، ولكن يقولُ (1) : ربنا لك الحمدُ" (2) .َ ش- بشر بن عمار. روى عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن القرشي، الكوفي. روى عنه: أبو داود. ومتطرف بن طريف أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن الحارثي الكوفي. روى عن الشعبي، والحكم بن عتيبة، وأبي الجهم، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وأسباط بن محمد، قال سفيان، وأحمد بن حنبل: كان ثقة، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة. روى له الجماعة (3) . وعامر هو ابن شراحيل الشعبي الكوفي. وقول الشعبي هذا هو قول أبي حنيفة، وأصحابه، أن المقتدي لا يقول

_ (1) في سنن أبي داود. ويقولون،. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 6000) .

137- باب: الدعاء بين السجدتين

إلا "ربنا لك الحمد " وقال الشافعي، ومالك: يجمع بين التسميع، والتحميد. 137- باب: الدعاء بين السجدتين أي: هذا ثالث في بيان الدعاء بين السجدتين. 827- ص- نا محمد بن مسعود، ما زيد بن الحبيب، نا كامل أبو العلاء. قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي- عليه السلام- كان يقولُ بين السجدتينِ: " اللهم اغفرْ لي، وارْحَمْنِي، واهدني، وعافني، وارزقنِي " (1) . ش- محمد بن مسعود بن يوسف بن جعفر النيسابوري نزيل طرسوس، يعرف بابن العجمي. روى عن زيد بن الحباب، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعبد الرزاق بن هَمام، وأبي عاصم النبيل. روى عنه: أبو داود، ويحي بن محمد بن صاعد، وأبو عبد الله المحاملي القاضي، قال الخطيب: وكان ثقة، وقال أبو القاسم الآبندوني: لا بأس به (2) . وكامل بن العلاء أبو العلاء، ويقال أبو عبد الله التميمي السعدي، الحِماني. روى عن حبيب بن أبي ثابت، وأبي صالح السمان، ومنصور ابن المعتمر، وغيرهم. روى عنه زيد بن الحبيب، ومحمد بن يوسف الفريابي، ووكيع، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة. روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريمه هكذا رُوِيَ عن عليه، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق،

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول بين السجدتين (284) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما يقول بين السجدتين (898) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5600) . (3) للصدر السابق (24/ 4934) .

138- باب: رفع النساء إذا كن مع الرجال رءوسهن من السجدة

يرون هذا جائزا في المكتوبة والتطوع. وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلا، وعند أصحابنا مثل هذا محمول على النوافل. 138- باب: رفع النساء إذا كُن مع الرجال رءوسهن من السجدة أي: هذا ثالث في بيان رفع النساء إذا كن مصليات مع الإمام رءوسهن من السجدة، وقوله " من السجدة".. متعلق بقوله: " رَفْع ". 828- ص- نا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن عبد الله بن مسلم- أخي الزهري- عن مولىً لأسماء أبنت (1) أبي بكر، عن أسماء ابنة أبو بكر، قالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: {منِ كانَ منكُنَّ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، فلا تَرفع رَأسَهَا حتى يَرْفَعَ الرجالُ رُؤُوسهم، كَرَاهِيةَ أن يريْنَ من عَوْرَات الرجال " (2) . ش- محمد بن المتوكلَ العَسْقَلاني أبو عبد الله. سمع الفضيل بن عياش، وعبد الرزاق بن هَمام، ومروان بن معاوية الفزاري وغيرهم. روى عنه:/ أبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم وغيرهم. توفي بعسقلان سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين (3) ، ومعمر بن راشد. وعبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي، أبو محمد المدني- أخو محمد بن مسلم الزهري- وكان كبر من الزهري. سمع عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وحمزة ابن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: أخوه محمد بن مسلم، وابنه محمد ابن عبد الله، ومعمر بن راشد، وغيرهم (4) . قوله: "عن مولى لأسماء" مجهول. قوله: "فلا ترفع رأسها" أي: من السجدة، حتى يرفع الرجال رءوسهم منها.

_ (1) في سنن أبي داود: وابنة،. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5578) . (4) المصدر السابق (16/ 3566) .

139- باب: طول القيام من الركوع وبين السجدتين

قوله: " كراهية أن يَرين" انتصاب " كراهية " على التعليل. أي: لأجل كراهية أن ترى النساء من عورات الرجال إذا رفعن رءوسَهُن قبلهم، وذلك لأنهم كان عليهم أزر قصيرة، فإذا سجدوا ربما ينكشف موضع من عوراتهم. * * * 139- باب: طول القيام من الركوع وبين السجدتين أي: هذا ثالث في بيان طول القيام من الركوع، وبين السجدتين. 829- ص- نا حرص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أي ليلى، عن البراء، أن رسولَ الله يكن كان سُجُود ورُكُوعُهُ (1) ، ومَا بينَ السجدتين قريبًا من السَواء " (2) . ش- "قريبا" نصب على أنه خبر "كان "، ومعنى " من السواء ": من السوية، والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد في " مسنده "، ولفظ البخاري: "كان ركوع رسول الله، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبَا من السواء"، ولفظ الترمذي: وكانت صلاة رسول الله إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود قريبَا من السواء"، ولفظ أحمد: " كانت صلاة رسول الله إذا صلى فركع، وإذا رفع رأسه من السجود، وبين السجدتين قريبَا من السواء" وفي قولهم قريبَا من السواء " دلالة على أن بعضها كان فيه طولٌ يسير عن بعض، وذلك في القيام. ولعله أيضا في التشهد، وهذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت أحاديث بتطويل

_ (1) في سنن أبي داود زيادة "وقعوده". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: حد إتمام الركوع والاعتدال فيه (792) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام (93/471 1، 94 1) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من السجود والركوع (279) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود (2/ 97 1) و (2/ 232) و (3/ 66) .

القيام، وأنه- عليه السلام- كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر "الم تنزيل " السجدة، وأنه قرأ في المغرب بالطور، والمرسلات، وفي البخاري بالأعراف، وأشباه هذا، فكله يدل على أنه- عليه السلام- كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في رواية أخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاري في رواية، وفي أخرى: " ما خلا القيام والقعود" كما ذكرناه، وهذا يُفَسر الرواية الأخرى، وقال القشيري: نسب بعضهم ذكر القيام إلى الوهم، قال: وهو بعيد عندنا، لأن توهين الراوي الثقة على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قومي لا يمكن الجمع بينه، وبين الزيادة، وليس هذا من باب العموم والخصوص، حتى يحمل العام على الخاص فيما عدا القيام، فإنه قد صَرح في حديث البراء بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهِما، وذلك أن يكون فِعْلهُ- عليه السلام- في ذلك كان مختلفَا، فتارة يستوي الجميع، وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود، وتكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الرفع من الركوع، هل هو ركن طويل أو قصير؟ وراح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير، وفائدة الخلاف فيه أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة، ومن هذا قال بعض الشافعية: إنه إذا طَولهُ بطلت صلاته، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنَا كقراءة الفاتحة، والتشهد، وذهب بعضهم إلى أن الفعل المتأخر بعد ذلك التطويل، قد ورد في بعض الأحاديث- يعني: عن جابر بن سمرة- "وكانت صلاته بعد ذلك تخفيفَا". 830- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حداد، أنا ثابت وحميد، عن [2/8-ب] ، أنس بن مالك، قال: ما صَليْتُ/ خَلفَ رجل أوْجَزَ صَلاةً من رسول الله عليه السلام-[في تمام. وكان رسولُ الرأي إذا قالَ سمع اللهُ لمن حًمِده قام حتى نَقُولَ، (1) قد وَهمِ (2) ، ثم يمرر، ويَسْجدُ وكان يَقْعُدُ بين السجدتينِ حتى نَقولَ: قد وَهِم (2) (3) .

_ (1) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: "أوهم "، وسيذكر المصنع أنها نسخة. (3) تفرد به أبو داود.

ش- حماد بن سلمي، وثابت البُنَاني، وحميد الطويل. قوله: أوجز صلاة " أي: أقصر صلاةَ في تمام " من الأقوال والأفعال. قوله: " قد وهم" وفي بعض النسخ "قد أوهم"، ويقال الوهم في صلاته ركعة إذا أسَقطها، ووهم وهمَا إذا سهَى، ووهم إذا غلط، ووهم بالفتح إذا ذهب وهمهُ إلى شيءٍ، وقد ذكرنا أن فِعْلَهُ- عليه الإسلام- في ذلك كان مختلفًا بحسب اختلاف الأحوال. 831- ص- نا مسدد وأبو كامل- دخل حديث أحدهما في الآخر- قالا: نا أبو عوانة عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رَمَقْت محمدا- عليه السلام- قال أبو كامل: رسولَ الله- عليه السلام- في الصلاة، فوجدتُ قيامَه كركْعتِهِ، وسَجْدتُه، واعْتدَالَهَُ في الركعة كَسجْدَته، وجالَسَتَهُ بين السجدتين، وسجدته ما بين التسلَيم والانصرافَ قريبًا منه اَلسواءِ (1) . ش- أبو كامل: فُضَيْل بن حسين الجَحدري، وأبو عوانة: الوضاح، وهلال بن أبي حُمَيد، ويقال: ابن حميد، ويقال: ابن عبد الله الجهني مولاهم، ويقال: ابن مقلاص أبو عَمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الجهم، الجهبذ الصيرفي الوزان. سمع عبد الله بن عكيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير. روى عنه مسْعَر، وشعبة، وابن عيينة، وأبو عوانة، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (2) . قوله: " رمقت محمدا " من رَمَقْتُه أرْمُقُهُ رَمْقًا نظرت إليه.

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (30/ 6615) .

140- باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود

قوله: " قال أبو كامل: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: قال أبو كامل في روايته: (رمقت رسول الله" موضع "محمداً". قوله: " واعتداله " بالنصب عطفَا على قوله: "قيامه " وكذاب "جلْستَه" عطف عليه، وكذا قوله: "وسجدتَهُ" فيه دليل على تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع، والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود. ص- قال أبو داود: قال مسدد: فركعتَه، فاعتداله (1) بين الركعتين، فسجدته، فجلسَتَه بين السجدتين، فسجدته، فجلستَه بين التسليم والانصراف قريَبًا من السَّواءِ. ش- رواية مسدد هذه هي رواية البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، أي: قال مسدد: نا أبو عوانة، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رَمَقْتُ الصلاة مع محمد، فوجدت قيامه فركعتَه " إلى آخره، وفي بعض النسخ.. (فقعدتَهُ بين التسليم والانصراف " بدل " فجلسته ". * * * 140- باب: صلاة مَن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (2) أي: هذا باب في بيان صلاة من لا يقيم صلبه، وفي بعض النسخ "باب: ما جاء في صلاة من لا يقيم ... " إلى آخره. 832- ص- نا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن سليمان، عن عُمارة بن عُمير، عن أبي معْمَر، عن أبي مسعود البدريِّ، قال: قال رسول الله يكن: "لا تُجْزِئُ صلاةُ الرجُلِ حتى يُقِيمَ ظَهْرَهُ في الركُوع والسجُودِ، (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: "واعتداله ". (2) في سنن أبي داود: ".. في الركوع والسجود، حديث المسيء صلاته". (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: فيمن لا يقيم صلبه من الركوع والسجود (265) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: إقامة الصلب في الركوع (2/ 82 1) ، باب: إقامة الصلب في السجود (2/ 4 1 2) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الركوع في الصلاة (870) .

ش- سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي، وعُمارة بن عُمير التيمي الكوفي، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة، وأبو مسعود البدري- عقبة بن عَمرو الأنصاري. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه "، وكذا ابن حبان، والبيهقي وقال: إسناده صحيح. وكذا قال الدارقطني: هذا إسنادَْ ثابتْ صحيح، وفي رواية بعضهما حتى يقيم صُلْبَه "، وعن طلحة السحيمي، أن النبي- عليه السلام- قال: "لا ينظر الله تعالى إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه في ركوعه، وسجوده " ذكره أبو حاتم الرازي في كتاب "العلل". وعن أبي هريرة يرفعه "لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده ". ذكره أحمد فيه مسندها بسند لا بأس به. وعن أبي قتادة يرفعه ( ... أسوأ الناس سرقةَ الذي يسرق من صلاته، قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتِم ركوعها ولا سجودها" ذكره الطبراني في "معجمه الأوسط " (1) . /0001، (2) عن النبي- عليه السلام- أنه قال: أما من مصل إلا [2/9-أ] وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها، وإن لم يتمها ضربا بها وجهه " ذكره ابن الجوفي في كتابه "الحدائق ". وبهذه الأحاديث استدل الشافعي، ومالك، وأحمد أن الطمأنينة في الركوع والسجود فرض، حتى تبطل الصلاة بتركها، وهو قول أبي يوسف، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وابن وهب، وداود، وقال أبو حنيفة، ومحمد: الطمأنينة فيهما واجبة وليست بفرض، وذكر في "الخلاصة" أنها سنة عندهما. قلت: في تخريج الجرجاني هي سيئة عندهما، وفي تخريج الكرخي

_ (1) (8/ 8179) . (2) طمس في الأصل قرر خمس كلمات.

واجبة يجب سجود السهو بتركها، وذلك لأن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض لغة، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما، وأيضا فإنه - عليه السلام- أطلق اسم الصلاة على التي ليس فيها الطمأنينة حتى قال في آخر حديث أبي هريرة الذي يجيء الآن: " وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك، ولو كانت باطلة لما سماها صلاة، لأن الباطلة ليست بصلاة، وأيضا وصفها بالنقص، فدل أنها صحيحة، ولكنها ناقصة وكذا نقول. ويكون المراد من الأحاديث المذكورة وأمثالها نفي الكمال، لا نفي ذات الصلاة. 833- ص- نا القعنبي، نا أنس- يعني: ابن عياض- ح ونا ابن المثنى قال: حدثني يحيي بن سعيد، عن عبيد الله- وهذا لفظ ابن المثنى- قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دَخلَ المسجدَ، فدخلَ رجل فصلَّى، ثم جَاءَ فَسَلَّم على رسول الله، فَر رسولُ الله عليه السلام وقال: " ارجِعْ فَصَل فإنكَ لم تُصَل ". فرجَعً الرجلُ فصلَّى كمَا كان صلى، ثم جَاءَ إلى النبي- عليه السلام- فسلَّم عليه، فقال له رسولُ الله: " وعليكَ السلامُ " ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تُصَل " حتى فَعَل ذلكَ ثلاثَ مرَار، فقال الرجل: والذي بَعَثَكَ بالحق ما أحْسِنُ غيرَ هذا، علمني (1) . قالَ: "إذا قُمتَ إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركعْ حتَى تطمئنَّ راكعًا، ثم اَرفع حتى تعتَدلَ قائمًا، ثم اسجدْ حتى تَطمئن ساجدا، ثم اجلسْ حتى تطمئن جالسًا، ثم افعلْ فلك في صَلاِتكَ ككل" (2) .

_ (1) في سنن لبي داود: "فعلمني ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام (757) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: وجوب قرار الفاتحة في كل ركعة.. (397) ، الترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في رد السلام (2692) ، النسائي: كتاب السهو، باب: أقل ما يجزئ من عمل الصلاة (3/ 59) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إتمام الصلاة (1060) .

ش- أنس بن عياض بن ضمرة الليثي المدني، ويحيي بن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر العمري، وسعيد المقبري. قوله: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " تنافي فرضية قراءة فاتحة الكتاب، إذ لو كانت فرضا لأمره النبي- عليه السلام- بذلك، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة كما هو مذهب أبي حنيفة - رضى الله عنه-، وقال الخطابي (1) : " قوله: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها، بدليل قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وهذا فيه الإطلاق كقوله تعالى: "فَمَن تَمَتعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ من الهَدْي " (2) ثم كان أقل ما يُجزئ من الهدي معينا معدومَ المقدار، ببيَان السنة وهو الشاة". قلت: يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلا على حسب اختياره بكلام ينقض ادخره أوله، حيث اعترف أولا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير، وحكم المطلق أن يجزئ على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه الإجمال، وقوله: " وهذا في الإطلاق كقوله تعالى" إلى آخره فاسد، لأن الهدي اسم " يُهدَى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم، وأقل ما يجزئ شاة، فيكون مرادا بالسُّنَة بخلاف قوله: "ما تيسر معك من القرآن"، فإنه ليس كذلك، فإنه يتناول كل ما يطلق عليه اسم القرائن، فيتناول الفاتحة وغيرها، ثم تخصيصه بالفاتحة من غير مخصص ترجيح بلا مرجح وهو باطل، ولا يجور أن يكون قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتابة مخصصها لأنه ينافي معنى التيسير، فينقلب إلى تعسير، وهذا باطل، ولأن هذا المقام مقام التعليم، ولو كانت الفاتحة فرضا، أو مرادة هاهنا، لعلمه النبي- عليه السلام- فافهم.

_ (1) معالم السنن (1/ 182) . (2) سورة البقرة: (196) . 4. شرح سنن أبي داود 4

[2/9 -ب] قوله: " ثم افعل ذلك " أي: ما ذكرنا من الهيئات/ في صلاتك كلها. وقال الخطابي (1) : "وفيه دلالة على أن يقرأ في كل ركعة كما كان [عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة] (2) . وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، لان شاء أن يسبح سبح، لان لم يقرأ فيهما شيئا أجزأته، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: يقرأ في الأوليين، ويسبح في الأخريين، من طريق الحارث عنه، وقد تكلم الناس في الحارث قديما، وممن طعن فيه الشعبي، ورماه بالكذب، وتركه أصحاب (الصحيح) ، ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة، لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك، منهم أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة، وغيرهم، وسنة رسول الله أولى ما اتبع، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يأمر أن يُقرأ في الأول مِن في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". قلت: وإن دل قوله ذلك على أن يقرأ في كل ركعة، فقد دل غيره أن القراءة في الأولين قراءة في الأخريين، بدليل ما رُوي عن جابر بن سمرة قال: "شكى أهل الكوفة سعدَا" الحديث. وفيه " وأحذف في الأخريين". أي: أحذف القراءة في الأخريين، وتفسيره بقولهم: أقصرُ القراءة ولا أحذفها كلها خلاف الظاهر. وقوله: "لأن الجماعة من الصحابة قد خالفوه" غير مُسَلم؛ لأنه رُوي عن ابن مسعود مثله، على ما روى أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي، وعبد الله أنهما قالا: "قرأ في الأولين، وسبح في الأخريين" وكذا رُوي عن عائشة، وكذا رُوي عن إبراهيم وابن الأسود. وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر، عن الزهري، عن

_ (1) المصدر السابق. (2) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن.

عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان- يعني: عليا- يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين"، وهذا إسناد صحيح، وينافي قول الخطابي: "بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله " إلى آخره. وفي "التهذيب " لابن جرير الطبري: وقال حماد: عن إبراهيم، عن ابن مسعود، أنه كان لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر شيئا. وقال هلال بن سنان: صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد فسمعته يسبح. وروى منصور، عن جرير، عن إبراهيم قال: ليس في الركعتين الأخيرين من المكتوبة قناعة، سبح الله، واذكر الله. وقال سفيان الثوري: اقرأ في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب. أو سبح فيهما بقدر الفاتحة. أفي ذلك فعلتَ أجزأك، وإن سبح في الأخيرتين أحب إليكَ. ثم اعلم أنه- عليه السلام- بين في هذا الحديث بعض الواجبات ولم يبين بعضها، مثل النية، والقَعدة الأخيرة، وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي. - عليه السلام- وإصابة لفظة " السلام "، فلعل كانت هذه الأشياء معلومة عند السائل، فلذلك لم يبينها. وفيه دليل على أن التعوذ، والثناء، والبسملة، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس ونحو ذلك مما لم يذكره في الحديث ليس بواجب. وقال الشيخ محيي الدين (1) : (وفيه دليل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، ولم يُوجِبهَا أبو حنيفة وطائفة يسيرة. وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب صحيح ".

_ (1) شرح صحيح مسلم (4/ 108) .

قلت: ليس الأمر كما زعمه الشيخ، بل فيه دليل على أن الطمأنينة ليست بفرض، إذ لو كانت فرضا لما أطلق عليه الصلاة بقوله في آخر الحديث: "وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك "، وقد ذكرناه مستوفى عن قريب، فصار الحديث حجة عليهم، وأيضا قوله لتعالى: "ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" (1) أمر/ [بالركوع والسجود، وهما لفظان] (2) خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك، [وافتراض] (2) الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص وهو نسخ، وذا لا يجوز، نعم، نقول: إما بوجوبها أو بسُنيتها، حتى إذا تركها تكون صلاته ناقصة لا باطلة، كما هو صريح الحديث، فإذن صار لنا عن هذا جوابا صحيحا، ولم يبق لهم جواب صحيح. " (3) وفي الحديث من الفقه: أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل، ولم يسأله عنه، يستحب له أن يذكره له، ليكون ذلك من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يَعْنِي. وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وفيه استحباب السلام عند اللقاء ووجوب رده، وأنه يستحب تكرَاره إذا تكرر اللقاء، وإن قرب العهد، وأنه يجب رده في كل مرة، وأن صيغة الجواب وعليكم السلام أو وعليك بالواو، وهذه الواو مستحبة عند الجمهور، وأوجبها بعض الشافعية وليس بشيء، بل الصواب أنها سُنة. قال الله تعالى: "قَالُوا سَلامَا قالَ سَلاَم" (4) . والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه. وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة. ص- قال أبو داود: قال القعنبي: عن سعيد بن أي سعيد المقبري، عن

_ (1) سورة الحج: (77) . (2) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من عمدة القاري (5/ 70) . (3) انظر شرح صحيح مسلم (108/4) . (4) سورة هود: (69) .

أبي هريرة، وقال في آخره: " وإذا (1) فَعلتَ هذا فقد تَمَّتْ صَلاتُكَ، وما انتقَصْتَ من هذا (2) فإنما انتقصتَ من صلاِتكَ". وقال فيه: " إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغْ الوضوءَ ". ش- لما بين أولا رواية ابن المثنى بقوله: وهذا لفظ ابن المثنى قال: "حدثني سعيد" إلى آخره، بين ثانيا رواية القعنبي وفيها هذه الزيادة، وهي قوله: " وإذا فعلت هذا" إلى آخره. وكذا رواه الترمذي، والنسائي، وأما الترمذي فقد قال: حدثنا علي بن حجر، نا إسماعيل ابن جعفر، عن يحيي بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، أعن أبيه،، عن جده، عن رفاعة بن رافع، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد يوما قال رفاعة: ونحن معه إذ جامح" رجل كالبدوي، فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي- عليه السلام-، فقال له: "وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه فقال: وعليك، ارجع فصل فإن لم تصل". فعل ذلك مرتين أو ثلاثا (3) ، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، وإنما أنا بشر أصيب وأخطئ. فقال: " أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأقم أيضا، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله، وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعًا، ثم اعتدل قائما، ثم اسجد فاعتدل ساجدا، ثم اجلس فاطمئن (4) جالسا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك". وقال: حديث حسن وقد رُوي عن رفاعة من غير وجه.

_ (1) في سنن لبي داود: " فإذا ". (2) في سنن لبي داود: " من هذا شيئا فقد انتقصته. (3) في جامع الترمذي بعد قوله: " أو ثلاثا "، كل ذلك يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل، فخاف الناس وكَبُرَ عليهم أن يكون مَن أخذ صلاته لم يصل، فقال الرجل ... " (4) في الأول: " فاظهر " وما أثبتناه من جامع الترمذي.

وأما النسائي فقال: أخبرنا سويد بن نصر، نا عبد الله بن المبارك، عن داود بن قيس، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، حدثني أبي، عن عم له بدري قال: كنت مع رسول الله جالسًا في المسجد، فدخل رجل فصلى ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي - عليه السلام- وقد كان- عليه السلام- يرمقه في صلاته، فرد عليه السلامَ ثم قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل "، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي فرد عليه السلامَ، ثم قال له: " ارجع فصل فإنك لم تصل " حتى كان عند الثالثة أو الرابعة فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت فأرني وعلمني. قال: " إذا أردت أن تصلي فتوضأ وأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع، فإذا [2/10 - ب] أتممت/ صلاتك على هذا فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنقصه من صلاتك. قوله: "وقال فيه: [. . . .] (1) في الحديث: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء" وأخرج مسلم هذه الرواية ولفظه: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" وفي رواية النسائي: " إذا أردت أن تصلي فتوضأ" كما مَر. وفي رواية الترمذي: " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ" إلى آخره كما بينا الآن. 834- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن إسحاق بن عبد الله، ابن أبي طلحة، عن علي بن يحيي بن خلاف، عن عمه، أن رجلاً دخلَ المسجدَ- فذكر نحوه- قال فيه: فقال النبي- عليه السلام-: "إنه لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يَتوضأ فيضع الوُضُوءَ- يعني: مَواضعَه- ثَم يكبرُ، ويَحمدُ الله، ويثني عليه، ويقرأ بما شَاءَ (2) من القراَنِ، ثم يقَولُ: الله

_ (1) كلمتان غير واضحتين. (2) في سنن أبي داود: " بما تيسر ".

أكبر، ثم يَركعُ حتَى تَطمَئن مَفاصلُهُ، ثم يقولُ: سَمِعَ اللهُ لمن حَمدهُ حتى يَستويَ قائما، ثم يقولُ: الله أكبر، ثَم يَسجدُ حتى تَطمَئن مفاصلُهُ، ثَم يقول: الله أكبر، ويَرفعُ رأَسَهُ حتى يَستوي قاعدًا، ثم يقولُ: الله أكبَر، ثم يَسجِدُ حتى تَطمئن مَفاصِلُهُ، ثم يرفع رأسَه فيكبرُ، فإذا فعلَ ذلك فقد تمتْ صلاَتهُ " (1) . ش- حماد بن سلمة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري، وعلي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري المدني، وعمه رفاعة بن رافع الأنصاري الصحابي. وفي "مختصر السنن ": " والمحفوظ فيه: علي بن يحيي بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع " كما سيأتي. قوله: "فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور. قوله: "قال فيه " أي: في هذا الحديث. قوله: " إنه لا تتم " أي: إن الشأن. قوله: "ويقرأ بما شاء من القرآن "، صريح ينادي بأعلى صوته أن قراءة الفاتحة ليست بفرض في الصلاة. قوله: " فإذا فعل ذلك " إشارة إلى ما ذكر من الأقوال والأفعال. 835- ص- نا الحسن بن علي، نا هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال قالا: نا همام، نا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيي بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع بمعناه قال: فقال رسول الله: "إنها لا تَتمِ صَلاةُ أَحَدكُم حتىَ يُسبغِ الوضُوءَ كما أَمَرَ (2) اللهُ عز وجل، فَيغسلُ وجوهه ويديه إلاَ المرْفقين، ويمْسَحُ برأسه ورِجلَيْه إلى الكَعْبينِ، ثم يكبرُ اللهَ ويَحمَدُه، ثم يقرأ القَرآنِ ما أذِنَ له فيَهَ وتَيَسَر".

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وصف الصلاة (302) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الإقامة لمن يصلي وحده (2/ 0 2) و (2/ 93 1، 225) ، و (3/59، 0 6) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء على ما أمر الله تعالى (460) . (2) في سنن أبي داود: "أمره".

فذكر نحو حماد (1) ، قال: " ثم يكبرُ فيسجدُ فيمكنُ وجهَه ". قال همام: وربما قال: " جبهَتَهُ من الأرضِ حتىِ تَطمئن مَفاصلُهُ وتَسترخي، ثم يكبرُ فَيستوي قاعدا على مَقْعَده، ويُقيم صُلبَهَ، فَوصفَ الصلاة هكذا أربعَ ركعاتِ حتى فَرغً، لا تَتمُ صًلاةُ أحَدِكم حتى يفعلَ ذلك " (2) . ش- هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، وهمام بن يحيى. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. قوله: " قال: فقال رسول الله" إلى آخره بيان هذا الحديث الذي بمعنى الحديث المذكور. قوله: " إنها " أي: إن القضية أو القصة. قوله: "ورجليه إلى الكعبين" أي: يمسح برجليه إلى الكعبين، فهذا أو أمثاله من الاثار الدالة على مسح الرجلين في الوضوء من غير خف منسوخة بالأحاديث الواردة بغسلهما، وقال الطحاوي: فذكر عبد الله بن عَمْرو أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله- عليه السلام- وإسباغ الوضوء وخوفهم فقال:" ويل للأعقاب من النار " فدل ذلك على أن حكم المسح الذي قد كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا، يعني: من الأحاديث التي وردت بالغسل. قوله: " ما أذن له " على صيغة المجهول. قوله: " فذكر نحو حماد ". أي: نحو حديث حماد بن سلمي. قوله: "وربما قال جبهته". قال الخطابي (3) : " فيه دليل على أن السجود لا يجزئ على غير الجبهة، وأن من سجد على كور العمامة ولم يسجد معها على شيء من جبهته لم تجزئ صلاته ".

_ (1) في سنن أبي داود: "نحو حديث حماد". (2) انظر الحديث السابق. (3) معالم السنن (1/ 183) .

قلت: لا نسلم ذلك، لأنه قال: " فيمكن وجهه "، والوجه مشتمل على الأنف والجبهة، فإذا سجد على أحدهما حصل القصد، وأما الذي يسجد على كور العمامة فإنه ساجد على الجبهة أيضا، على أن السجدة على كور العمامة" (1) رويت من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وحديث عبد الله بن أبي أوفى، وحديث جابر، وحديث أنس، وحديث ابن عمر- رضي الله عنهم-. أما حديث أبي هريرة فرواه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا عبد الله ابن محرر، أخبرني/ [يزيد بن الأصم] (2) ، أنه سمع أبا هريرة يقول: [2/11- أ] كان رسول الله يسجد على كور عمامته. قال ابن محرر: وأخبرني سليمان بن موسى، عن مكحول، عن النبي- عليه السلام- مثله. وأما حديث ابن عباس فرواه أبو نعيم في " الحلية" في ترجمة" إبراهيم ابن أدهم ": ثنا أبو يعلى الحسن بن محمد الزبيري، ثنا أبو الحسن عبد الله بن موسى الحافظ الصوفي البغدادي، نا لاحق بن الهيثم، نا الحسن بن عيسى الدمشقي، نا محمد بن فيروز المصري، نا بقية بن الوليد، نا إبراهيم بن أدهم، عن أبيه أدهم بن منصور العجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي- عليه السلام- كان يسجد على كور عمامته. وأما حديث ابن أبي أوفى فرواه الطبراني في "معجمه الوسط " (3) بإسناده إلى عبد الله بن أبي أوفى قال: رأيت رسول الله يسجد على كور عمامته. وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في" الكامل (4) " من حديث عمرو ابن شمر، عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر ابن عبد الله قال: رأيت رسول الله يسجد على كور العمامة.

_ (1) انظر: نصب الراية (1/ 384-385) . (2) غير واضح في الأصل. (3) (7/ 7184) . (4) (228/6) ، ترجمة عمرو بن شمر.

وأما حديث أنس- رضي الله عنه- فرواه ابن أبي حاتم في كتابه "العلل": ثنا أبي نا عبد الرحمن بن بكر (1) بن الربيع بن مسلم، حدثني حسان بن سياه (2) ، نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن النبي- عليه السلام- سجد على كور العمامة. ثم قال: قال أبي: هذا حديث منكر. وأما حديث ابن عمر فرواه الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في "فوائده": أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، نا أبو بكر أحمد ابن عبد الرحمن بن أبي حسين بطرسوس (3) ، ثنا كثير بن عبيد، ثنا سويد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر- رضي الله عنه-، أن النبي- عليه السلام- كان يسجد على كور العمامة. وأخرج البيهقي في "سننه" (4) عن هشام، عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته. وذكره البخاري في "صحيحه" تعليقَا فقال: وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه" (5) . قلت: ذكر هذا التعليق ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي أسامة، عن هشام، عن الحسن قال: إن أصحاب النبي- عليه السلام- كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته، وكان عبد الرحمن بن زيد يسجد على كور عمامته، وكذلك الحسن، وسعيد بن المسيب، وبكر بن عبد الله، ومكحول، والزهري، وعبد الله ابن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن يزيد. فإن قيل: قد قال البيهقي في قول الحسن وكان أصحاب رسول الله

_ (1) في الأصل: وابن أبي بكر، خطأ، وتصحف كذلك في نصب الراية إلى "ابن بكير ". (2) في الأصل: أسنان " خطأ. (3) في نصب الراية: "الطرسوسي". (4) (106/2) . (5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

يسجدون " إلى آخره: يحتمل أن يكون أراد يسجد على عمامته وجبهته. قلت: هذه زيادة من غير دليل، إذ لا ذكر للجبهة أصلا. فإن قيل: ما تقول في الحديث المرسل الذي أخرجه أبو داود (1) عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن صالح بن حيوان السبئي، أن رسول الله رأى رجلاَ يسجد إلى جنبه وقد اعتم على جبهته، فحسر رسول الله عن جبهته. قلت: قال عبد الحق: صالح بن حيوان لا يحتج به وهو بالحاء المهملة ومن قال: بالخاء المنقوطة فقد أخطأ. ذكره أبو داود وليس في هذا المرسل حجة. قوله: "وتسترخي" بالنصب عطف على قوله: "حتى تطمئن ". قوله: "ثم يكبر" بالرفع عطف على "يكبر " الأول. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، وحديث ابن ماجه مختصر، وقال الترمذي: حديث حسن. 836- ص- نا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد- يعني: ابن عمرو- عن علي بن يحيي بن خلاف، [عن أبيه] ، عن رفاعة بن رافع بهذه القصة فقال: إذا قُمتَ فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شَاءَ اللهُ أن تَقرأ، وإذا رَكعت فَضعْ راحًتيكَ على رُكبتيكَ، وامدد ظَهرَك. وقال: "إذا سَجدت فمكنْ لِسُجودكَ، فإذا رَفعتَ فاقعد على فَخِذكَ اليسرى" (2) . ش- وهب بن بقية الواسطي، وخالد بن عبد الله الواسطي، ومحمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص المدني. قوله: "بهذه القصة" أي: القصة المذكورة. / قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" أي: فاتحة الكتاب، ولا تعلق لهم [2 /11 - ب]

_ (1) انظره والرد عليه في: نصب الراية (1/ 385- 386) . (2) انظر التخريج السابق.

بذلك في فرضية الفاتحة، لأنه- عليه السلام- أمر [بقراءة] (1) الفاتحة وقراءة ما شاء الله من القرآن، ولا خلاف أن القراءة بهذه الحيثية ليست بفرض، فتعين أن القراءة بكل واحد منهما ليس بفرض، وتعين أن مطلق القراءة فرض، وتعين أن قراءة الفاتحة واجبة، وكذا ضم شيء إليها من القرآن للأمر الدال على الوجوب. قوله: أفضع راحتيك ". أي: كفيك على ركبتيك. ومن جملة تعاليق البخاري: قال أبو حميد في أصحابه: أمكن رسول الله يديه من ركبتيه. وعند النسائي من حديث أبي مسعود بن عمرو، أنه ركع فوضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه. وقال: هكذا رأيت رسول الله يصلي. وعند الحاكم على شرط مسلم: "لما بلغ سعد بن أبي وقاص التطبيق عن عبد الله قال: صدق عبد الله، كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا، ووضع يديه على ركبتيه. وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" (2) : كان النبي- عليه السلام- إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه. قوله: " وامدد ظهرك " أي: ابسطه. قوله: "فإذا رفعت". أي: رأسك من السجدة فاقعد على فخذك اليسرى، وفيه حجة للحنفية. 837- ص- نا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل، عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا علي بن يحيى بن خلاف بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي- عليه السلام- بهذه القصة قال: "إذا أنتَ قُمتَ في صَلاِتكَ فكبرِ الله، ثم اقرأ ما تَيَسرَ عليكَ من القرآنِ". وقال فيه: "فإذا جَلَستَ في

_ (1) غير واضحة في الأصل. (2) (2/ 2050) من حديث سعد بن أبي وقاص.

وَسَط الصلاةِ فاطمئنَّ، وافترِضْ فَخذكَ اليُسرى، ثم تَشهدْ، ثم إذا قُمتَ فمثل ًذلك، حتى تَفرغَ من صلاِتكَ " (1) . ش- إسماعيل ابن علية. قوله: " في وسط الصلاة " بفتح السين، وقد ذكرنا الفرق بين وسط ووسَط مرة. قوله: " فاطمئنَّ " بتشديد النون المفتوحة لأنه من مشعبه الرباعي، وأصله من طَمْأنَ يَطمئنُّ كدحرج يدحرج فنقل إلى باب الافتعللال فصار اطمأنَنَ يطمأنِن، فنقلَت حركة النون الأولى إلى الهمزة، فأدغمت النون في النون، فصار اطمأن كاقشَعَر يَقشعرُّ اقْشعر، وأصله قَشْعَرَ، فأحواله مثل أحوال اطمأن. قوله: " فمثل ذلك " بالنصب. أي: فافعل مثل ذلك إلى أن تفرغ من صلاتك. 838- ص- نا عباد بن موسى الختلي، نا إسماعيل- يعني: ابن جعفر- قال: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، أن رسول الله. فقصَّ هذا الحديثَ قال فيه: "فَتوضأ كما أمركَ الله، ثم تَشهد فأَقمْ، ثم كبر، فإن كان معك قُرآنٌ فاقرأ به" وإلا فاحْمَد الله وكبرْه وهللهُ ". قال فيه: " وإن انتقَصَت منه شيئًا انتقصتَ من صلاتك " (2) . ش- الختلي- بضم الخاء المعجمة، والتاء المثناة من فوق المشددة- نسبة إلى ختلان- بضم الخاء، وضم التاء المشددة ثم لام ألف ونون- قال في " اللباب": هي بلاد مجتمعة وراء بلخ، والنسبة إليها خُتُلي. ش- وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري. ووقع في رواية ابن داسة: نا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني علي بن يحيي بن خلاف بن رافع الشرقي، عن أبيه، عن جده، وصوابه: إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاف. وكذلك ثبت لأبي سعيد بن

_ (1) انظر التخريج السابق. (2) تفرد به أبو داود.

الأعرابي، ويحي بن علي بن يحيي بن خلاد الأنصاري الزرقي المدني. روى عن أبيه، عن جده. روى عنه إسماعيل بن جعفر. روى له: أبو داود والنسائي. قوله: " قال فيه" أي: في الحديث في هذه الرواية. قوله: " فإن كان معك قرآن " مطلق تناول الفاتحة وغيرها. قوله: "وإلا". أي: وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله، وقد مر أن العاجز عن القرآن إما لمعنى في طبيعته، أو لعذر آخر يجور له أن يصلي بالأدعية ونحوها. 839- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن جعفر بن الحكم ح ونا قتيبة، نا الليث، عن جعفر بن عبد الله الأنصاري،، عن تميم بن المحمود عن عبد الرحمن بن شبل قال:/ نَهَى رسولُ الله- عليه السلام- عن نَقْرَة الغُراب، وافترَاشِ السبع، وأن يُوطَّنَ الرجلُ (1) ، المكانَ في المسجدِ كما يُوطنُ البعِيَرُ (2) . ش- جعفر بن الحكم هو جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان بن رافع الأنصاري الأوسي المدني، والد عبد الحميد. سمع عقبة بن عامر، وأنس بن مالك، وتميم بن محمود وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الحميد، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد وغيرهم. روى له: الجماعة إلا البخاري (3) . وتميم بن محمود. روى عن عبد الرحمن بن شبل. روى عنه: جعفر ابن عبد الله المذكور، قال ابن عدي: ليس له في الحديث إلا عن

_ (1) مكررة في الأصل. (2) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: النهي عن نقرة الغراب (2/ 214) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في توطين المكان في المسجد يصلي فيه (1429) (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 945) .

عبد الرحمن بن شبل، وعبد الرحمن له صحبة، وله حديثان أو ثلاثة. روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . وعبد الرحمن بن شبل بن عمرو بن زيد بن نجدة بن مالك بن لوذان بن عمرو بن عوف، وبنو مالك بن لوذان يقال لهم: بنو السَمِيعة (2) كان يقال لهم في الجاهلية بنو الصماء، وهي امرأة من مزينة أرضعت أباهم (3) مالك بن لوذان، فسماهم رسول الله بني السميعة (2) ، سكن الشام. روى عنه ابن له غير مسمى، وتميم بن محمودَ، وأبو راشد الحبراني، وأبو سلام الأسود. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: "نقرة الغراب " كناية عن تخفيف السجود يعني: لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره في لَقْطِ الحَب. قوله: " وافتراش السبع " وهو أن يمد ذراعيه على الأرض، لا يرفعهما ولا يجافي مرفقيه عن جنبيه. قوله: "وأن يوطن الرجل " من إيطانه البعير، فيه وجهان، أحدهما: أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه، واتخذه مناخَا، لا يبرك إلا فيه، والوجه الآخر: أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود، بروك البعير على المكان الذي أوطنه، وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومَهَلِ، وَذَكرهما الخطابي. ولا دلالة في الحديث على الوجه الثاني فافهم. والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه. وفي "مسند " أحمد عن أبي هريرة قال: نهاني رسول الله- عليه السلام- عن ثلاثة، عن نقرة

_ (1) المصدر السابق (4/ 806) . (2) في الأصل: "السمعية" خطأ. (3) في الأصل: 5 إياهم " خطأ. (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 419) ، أسد الغابة (3/ 459) ، الإصابة (2/ 403) .

كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب ". وفي " معجم الطبراني" عن أبي هريرة: "نهاني خليلي- عليه السلام- أن أقعي إقعاء القرد، وأنقر نقرة الغراب، وألتفت التفات الثعلب ". ص- هذا لفظ قتيبة. ش- أي: الحديث المذكور هو لفظ قتيبة بن سعيد، أحد شيوخ أبي داود. 840- ص- نا زهير بن حرب، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد قال (1) : أتينا عقبةَ بنَ عمرِو الأنصاري أبا مسعود فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسولِ الله، فقام بين أيدينا في مسجدِ (2) ، فكَبَّرَ، فلما رَكَعَ وضعَ يديه عَلي رُكبتيَه، وجعلَ أصابعَه أسفَلَ من ذلك، وجَافَى بين مِرفقَيه حتى استقر كلُّ شيء منه، ثم قالَ: سَمِعَ اللهُ لمن حمده. فقام حتى استقرَ كل شيء منه، ثم كَبّر وَسَجَدَ، فوضعَ (3) كفيه على الأرضِ، ثم جافى بمرفقيه حَتى استقرَّ كل شيء منه، ثم رفع رأسَه فجلس حتى استقرَّ كل شيء منه، ففعلَ مثلَ ذلك أيضا، ثم صَلَّى أربعَ ركعات مثلَ هذه الركعة، فًصلَّى صلاتَه، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله- عليهً السلام- يُصَلي (4) . ش- جرير بن عبد الحميد. وسالم البراد هو سالم بن عبد الله أبو عبد الله المصري- بالنون- المدني مولى شداد بن الهاد، وقيل: مولى مالك بن أوس بن الحَدَثان. وقيل مولى دوس وهو سالم سَبَلان- بفتح السين- وهو سالم البراد، وهو سالم مولى النصريين، وإنما سمي برادا لأنه كان يبرد الماء في الكيزان وفي الجرار. وفي الرواية الأخرى نسبه إلى بيع البرود. روى عن عثمان

_ (1) مكررة في الأصل. (2) في سنن أبي داود: "المسجد". (3) في سنن أبي داود: " ووضع". (4) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: مواضع الراحتين في الركوع (2/ 186) .

ابن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي مسعود البدري، وعائشة زوج النبي- عليه السلام-/. روى عنه سعيد المقبري، ويحيى [2/21 - ب] اسم ابن أبي كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم. قال ابن معين: [ثقة. روى له مسلم] (1) والنسائي وابن ماجه (2) . وفي الحديث من الفقه: استحباب وضع اليدين على الركبتين، واستحباب المجافاة بين المرفقين، واستحباب قوله: "سمع الله لمن حمده" للإمام، واستحباب الطمأنينة في الركوع والسجود، وغير ذلك. والحديث أخرجه النسائي. * * *

_ (1) غير واضح في الأصل. قد فرق صاحب تهذيب الكمال بين سالم البراد، وسالم بن عبد الله النصري، فترجم للأول (10/ 2159) ، وللثاني (10/ 2150) ، وذكر محقق التهذيب في ترجمة الأول أنه جاء في حاشية النسخة من تعقبات المؤلف على صاحب الكمال قوله: "خلط في الأصل هذه الترجمة بسالم بن عبد الله المصري، وذلك وهم، والصواب: ما ذكرنا، والله أعلم". وذكر في ترجمة الثاني أنه جاء كذلك في حاشية النسخة من تعقبات المؤلف على صاحب الكمال قوله: كان فيه: وهو سالم البراد. وكان فيه: روى عن أبي مسعود البدري، وعبد الله بن عمر. وكان فيه الكلام على سالم البراد وتوثيقه، وذلك وهم، وإنما سالم البراد شيخ آخر كوفي، وهو الذي يروي عن أبي مسعود وأبي هريرة. ويروي عنه عطاء بن السائب كما سيأتي في موضعه، وممن فرق بينهما: البخاري، وأبو حاتم، وعبد الغني بن سعيد فيه أوهام الحاكم "، ومما ذكر فيه الحاكم أنه سالم بن أبي سالم الجيشاني، وهو مما استدركه عليه عبد الغني بن سعيد أيضا في هذه الترجمة. وكان فيه حكاية كلام عبد الغني بن سعيد، وهو سالم مولى شداد بن أوس، وإنما هو مولى شداد بن الهاد " اهـ. 5. شرح سنن أبي داود 4

141- باب: قول النبي- عليه السلام-: " كل صلاة لا يتمها صاحبها يتم من تطوعه"

141- باب: قول النبي- عليه السلام-: " كل صلاة لا يتمها صاحبها يتم (1) من تطوعه" أي: هذا باب في بيان قول النبي- عليه السلام-، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في قول النبي- عليه السلام-"، إلى آخره. 841- ص- نا يعقوب بن إبراهيمِ، نا إسماعيل، نا يونس، عن الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي قال: خَاف من زياد أو ابن زياد فأتى المدينة فلقي أبا هريرة- رضي الله عنه- قال: فَنَسبَني فانتسبًتُ له قال: يا فتى ألا أحَدثك حديثا؟ قال: قلتُ: بلى يرحمُكَ (2) الله. قال يونس: وأحسبُه ذكره عن النبي- عليه السلام- قال: " إن أولَ ما يُحاسَبُ الناسُ به يوم القيامة من أعمالهم الصلاةُ. قال: يقولُ ربُّنا عز وجل لملائكته- وهو أعلَمٍ -: انظرُوا في صلاة عبدي أتَمَّهَا أم نَقَصَها؟ فإن كانت تَامةً كُتبتْ له تامة، وإن كان انتقَصَ منَها شَيئًا قال: انظُرُوا هل لعبدي من تَطوع؟ فَإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدِي فريضتَه من تطوعه، ثم تُؤخَذُ الأعمال على ذاكم (3) . ش- إسماعيل ابن علية، ويونس بن عبيد، والحسن البصري. وأنس بن حكيم الضبي البصري. سمع أبا هريرة. روى عنه الحسن البصري. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . قوله: " من زياد أو ابن زياد" وزياد هذا يقال له: زياد بن أبيه، وزياد ابن أمه، وزياد بن سمية، وزياد بن عبيد، كل هذا قبل ابن يستلحقه معاوية، وليست له صحبة ولا رواية، وولاه معاوية العراقيين جميعا، وابنه عبيد الله بن زياد، ولاه معاوية البصرة، وأقره يزيد بعد البيه، وضمَّ إليه الكوفة.

_ (1) في سنن أبي داود:"تُتَمُ". (2) في سنن أبي داود: "رحمك ". (3) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة والسنة فيها (1425) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 565) .

قلت: قد ذكرت في كتابي "التاريخ البدري" أن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد ابن أبيه، وزياد ابن سمية وهي أمه، مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين، وكان كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي، ويميني فارغة، وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا، فلما بلغ أهل الحجاز جاءوا إلى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد فيعسفَهم كما عسفَ أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة، فدعا عَلى زياد والناس يؤمنون، فطعن زياد بالعراق في يده، فضاق ذرعا بذلك، واستشار شريحَا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى لك ذلك، فإن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم، قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيغترَ ولدُك بذلك، فصرفه ذلك. فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس، وقالوا: هلا تركته يقطع يده؟ فقال: قال رسول الله: " المستشار مؤتمن" ويقال: إن زياد جعل يقول: أأنَامُ أنا والطاعون في فراش واحد؟ فعزم على قطع يده، فلما جيئ بالمكاوي والحديد، خاف من ذلك فترك ذلك، ويذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبَا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم، فمات في ثالث شهر رمضان من سنة ثلاث وخمسين، وقد أقام في إمرة العراق خمس سنين ودفن بالنوبة خارج الكوفة، وكان قد برز منها خارجَا إلى الحجار أميرَا عليها، فلم بلغ خبرُ موته عبد الله بن عمر قال: أذهب إليك يا ابن سمية؟ فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. وكان مولده عام الهجرة، وكان استلحاق معاوية زيادا في مدة أربع وأربعين، وذلك أن رجلا شهد على إقرار أبي سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، فإنها حملت بزياد هذا منه، فاستلحقه معاوية بأبيه أبي سفيان،/ [. . .] ، (1) قيل له: زياد بن أبي سفيان، وقد قيل: إن سمية كانت [2/ 13 -أ]

_ (1) كلمتان غير واضحتين.

جارية للحارث بن كلدة الثقفي، فزوجها بعبد له رومي يقال له: عبيد، فولدت سمية زيادا على فراشه، فهو ولد عبيد شرعًا، وكان أبو سفيان قد سار في الجاهلية إلى الطائف، فنزل على إنسان يبيع الخمر يقال له: أبو مريم، ثم أسلم بعد ذلك، وكانت له صحبة، فقال له أبو سفيان: قد اشتهيت النساء، فقال له أبو مريم: هل لك في سمية؟ فقال أبو سفيان: هاتها على طول ثدييها ودفر بطنها، فأتاه بها فوقع عليها، فيقال: إنه علقت منه بزياد، ثم وضعته في السنة التي هاجر فيها رسول الله- عليه السلام-، ونشأ زياد فصيحَا وحضر يومَا بمحضر من جماعة الصحابة في خلافة عمر- رضي الله عنه-، فقال عمرو بن العاص: لو كان أبو هذا الغلام من قريش لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان لعلي ابن أبي طالب: إني لأعرف من وضعه في رحم أمه. فقال علي: فما يمنعك من استلحاقه؟ قال: أخاف الأصلع- يعني: عمر- أن يقطع إهابي بالدرة. وأما ابنه عبيد الله بن زياد أبو جعفر، فكان مولده سنة تسع وثلاثين. قال ابن العساكر: وروى الحديث عن معاوية، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري، وأبو المليح بن أسامة، وقتل يوم عاشوراء سنة ست وستين. وقيل: سبعة وستة وهو الأشهر، قتله إبراهيم بن الأشقر، وبعث برأسه إلى المختار بن أبي عبيد إلى الكوفة، وأحرقت جثته، وكان ذلك بأرض الموصل. قوله: "فنسبني" من نسبت الرجل أنسبه بالضم نِسبة إذا ذكرت نسبه. قوله: "يا فتي" مكبر، وفي بعض النسخ: "فتي" مصغر. قوله: (الصلاة) مرفوع على أنه خبر "إن" في قوله: "إن أول ". قوله: " أتمها" وفي بعض النسخ فيه بهمزة الاستفهام. قوله: "على ذاكم" ذاكم من أسماء الإشارة، يقال: ذاك ذاكما ذاكم، ويزاد فيه اللام فيقال: ذلك، ذلكما، ذلكم، وتتصرف مع المخاطب في أحواله من التذكير، والتأنيث، والنية، والجمع، وحاصل

الكلام أن الكاف للخطاب، وما قبلها إشارة إلى غائب، ويتصرف هذا بحسب تصرف ما قبل كاف الخطاب، وبحسب كاف الخطاب، ففي قوله: " على ذاكم " المشار إليه واحد مذكر، وهو قول الله تعالي: "انظروا"، والمخاطب جمع وهو الناس، ومثل هذا: "ذلِكُم اللهُ رَبكُمْ " (1) ففيه المشار إليه واحد مذكر، والمخاطب جمع، أي: الذي تقدم ذكر قدرته هو الله ربكم: أي: الناس، فافهم. والحديث أخرجه ابن ماجه. وفي "المصنف" نا وكيع، عن أبي الأشهب، عن الحسن، أن أبا هريرة لقي رجلا فقال: كأنك لست من أهل البلد؟ قال: أجل. قال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله- عليه السلام- لعلك أن تنتفع به؟ سمعت رسول الله يقول: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن كان أتمها وإلا قيل للملائكة: كملوا صلاته من تطوعه " قال الحسن: وسائر الأعمال على ذلك. [نا] جرير، عن منصور، عن نمير بن سلمة قال " أول ما يسأل عنه العبد يسأل عن صلاته، فإن تقبلت منه تقبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه رد عليه سائر عمله ". 842- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سُليط، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- نحوه (2) . ش- حماد بن سلمي، وحميد الطويل، والحسن البصري، وفيه رجل مجهول. قوله: "نحوه" أي: نحو الحديث المذكور. 843- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي- عليه السلام- بهذا المعنى، قال: ثم الزكاةُ مثلُ ذلك، ثم تُؤخذُ العمال على حَسَبِ ذلك (3) .

_ (1) سورة الزمر: (6) . (2) ابن ماجه: كتاب: إقامة الصلاة والسُنة، باب: ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة (1426) . (3) انظر الحديث السابق.

142- باب: تفريع أبواب الركوع والسجود

ش- تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جَذيمة (1) بن ذراع بن عدي ابن عبد الدار الداري، يكنى أبا رقية، وكان بالمَدينة ثم انتقل إلى الشام، ونزل بيت المقدس بعد قتل عثمان بن عفان، وكان إسلامه في سنة تسع لمن الهجرة. رُوي له عن رسول الله/ ثمانية عشر حديثا. روى له مسلم حديثًا واحدًا من رواية عطاء بن يزيد الليثي، وقد روى عنه عن رسول الله قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة له، وتدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر. روى عنه: ابن عباس، وأنى بن مالك، وأبو هريرة، وجماعة آخرون. روى له الجماعة إلا البخاري (2) . قوله: " بهذا المعنى" إشارة إلى معنى الحديث المذكور. قوله: " ثم الزكاة كذلك " أي: مثل الصلاة، "وكذلك " سائر الأعمال على حسب ما ذكر في الصلاة. وأخرجه ابن ماجه أيضا. * * * 142- باب: تفريع أبواب الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين أي: هذا باب في " تفريع أبواب الركوع " إلى آخره، وفي بعض النسخ " باب ما جاء في تفريع أبواب الركوع " إلى (3) آخره، وفي بعضها " أبواب الركوع والسجود" بلا قوله: " باب تفريع ". 844- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي يعفور (4) ، عن مصعب بن سعد، فال: صليتُ إلى جَنبِ أبي، فجعلتُ يَديَّ بين رُكبتي

_ (1) كذا في الأول وفي الإصابة وتهذيب الكمال، وفي الجمهرة والاستيعاب وأسد الغابة- عن ابن منبه وأبي نعيم- " خزيمة ". (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 184) ، أسد الغابة (1/ 256) ، الإصابة (1/ 183) . (3) مكررة في الأول. (4) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: اسمه فقدان ".

فنهاني عن ذلك، فعدتُ فقال: لا تصنعْ هذا، فإنا كُنا نفعلُهُ فنُهِينَا عن ذلك، وأمِرْنَا أن نَضَعَ أَيدينا على الرُّكَبِ (1) . ش- أبو يعفور: وقدان ويقال: واقد. والأول أشهر، أبو يعفور الكبير العبدي الكوفي. رأى عبد الله بن عمر، وأدرك المغيرة بن شعبة. وسمع أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعرفجة (2) بن شريح، ومصعب بن سعد، وعبد الله بن أأبي، سعيد، ولم يرو أبو يعفور الصغير عن هؤلاء، واسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نِسطاس. روى عنه ابنه يونس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا ابن ماجه (3) . ومصعب بن سعد بن أبي وقاص ألا زرارة القرشي الزهري المدني. سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، ورأى طلحة بن عبيد الله، وصهيبَا. روى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو يعفور وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفى سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (4) . والحديث أخرجه الستة، وقال الترمذي: التطبيق منسوخ بهذا الحديث عند أهل العلم، إلا ما رُوي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، أنهم كانوا يطبقون، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى.

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: وضع الأكف على الركب في الركوع (790) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: الندب في وضع الأيدي على الركب في الركوع (535) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وضع اليدين على الركبتين (259) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نسخ ذلك (2/ 185) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: وضع اليدين على الركبان (873) . (2) في الأصل: معرفة، خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6694) . (4) المصدر السابق له (28/ 5982) .

845- ص- نا محمد بن عبد الله ابن نمير، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: إذا رَكَعَ أحدُكُم فليفرشْ ذراعيه [على] ، فَخذيه، وليُطبقْ بين كَفيه، فكأني أنظُرُ إلى اختلاف أصابع رسولِ الله- عليه السَلامَ- (1) . ش- قد ذكرنا غير مرة أن حديث التطبيق منسوخ، وكان ينبغي لأبي داود أن يذكر هذا الحديث أولا، ثم يذكر ناسخه بعد ذلك كما هو عادته، والحديث رواه مسلم والنسائي. ورواه الطحاوي وقال: حدثنا علي قال: نا عبيد الله، قال: نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد/ الرحمن بن الأسود عن ابن حفص قال: نا أبي قال: نا الأعمش قال: حدثني إبراهيم عن الأسود قال: دخلت أنا وعلقمة على عبد الله فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: نعم. قال: فصلى بنا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، فقمنا خلفه فقدمنا، فقام أخدُنا عن/ يمينه والآخر عن شماله، فلما ركع وضع يديه بين رجليه وحنا قال: وضربت يدي على ركبتي، وقال هكذا وأشار بيده، فلما صلى قال: إذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعاً، وإذا كنتم كثر من ذلك فقدموا أحدكم، فإذا ركع أحدكم فليقل هكذا- وطبق يديه- ثم ليفرش ذراعيه بين فخذيه. فكأني أنظر إلى أصابع رسول الله. قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا واحتجوا بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ينبغي له أن يضع يديه على ركبتيه شِبه القابض عليهما، ويفرق بين أصابعه، واحتجوا فيا ذلك: بما حدثنا يزيد بن سنان. قال: نا بشر بن عمر وحبان بن هلال قالا: نا شعبة قال:

_ (1) مسلم: كتاب المساجد، باب: الندب في وضع الأيدي على الركب في الركوع (534) النسائي: كتاب المساجد، باب: تشبيك الأصابع في المسجد (2/ 9 4) ، وكتاب الافتتاح، باب: التطبيق (2/ 183) .

143- باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده

أخبرني أبو حصين، عن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر: أمسُّوا، فقد سنت لكم الركب (1) . وذكر أحاديث أخر كلها حجة للجمهور، وأن التطبيق منسوخ، ثم قال:/ فقد ثبت بما ذكرنا نسخ التطبيق وأنه كان متقدماً لما فعله رسول الله [2/ 14- أ] من وضع اليدين على الركبتين. قوله: " أصلى هؤلاء خلفكم "؟ يعني الأمير والتابعين له، وفيه إشارة إلى إنكار تأخيرهم الصلاة. قوله: " وصلوا " فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يسقط بها فرض الكفاية إذا قلنا أنها فرض كفاية، بل لابد من إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود على فعلها في البيت لأن الفرض كان سقط بفعل الأمير وعامة الناس، وإن أخروها إلى آخر الوقت. قوله: " فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة " هذا مذهب ابن مسعود، وبعض السلف من أصحابه، أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه، وتقام الصلاة بالجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم. قوله: " فقام أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله " هذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفا وأجمعوا إذا كان ثلاثة أنهم يقفون وراعه، وأما الواحد فإنه يقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياش عن ابن المسيب، أنه يقف عن يساره، ولا أظن أنه يصح عنه، صان صح فلعله لم يبلغه حديثُ ابن عباس، وكيف كان فَهُمُ اليوم يجمعون على أنه يقف عن يمينه. * * * 143- باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده من الأدعية، وفي بعض النسخ "باب ما جاء فيما يقول!! ".

_ (1) انظر شرح معاني الآثار (1/ 229) .

846- ص- نا الربيع بن نافع أبو توبة، وموسى بن إسماعيل- المعنى- قالا: نا ابن المبارك، عن موسى. قال أبو سلمة: موسى بن أيوب، عن عمه عن عقبة بن عامر قال: لما أنزِلَتْ (1) "فَسبِّحْ بِاسْ" ربكَ العَظيم " قال رسولُ الله: " اجْعلوها في رُكُوعكُم " فلما نَزَلَتْ "سبخ اَسْمَ ربِّكَ الأعْلَى" قَال: " اجعَلُوها في سُجُودِكُم " (2) . ش- عبد الله بن المبارك. وموسى بن أيوب بن عامر الغافقي المصري. روى عن عقبة بن عامر الجهني، وسهل بن رافع بن خديج. وسمع عمه. روى عنه: الليث ابن سعد، وابن لهيعة، وابن المبارك. قال ابن معين: ثقة. روى له أبو داود وابن ماجه (3) . وعمه إياس بن عامر الغافقي المَنَارِي. ومنارة بطن من غافق. سمع علي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر. روى عنه ابن أخيه موسى بن أيوب. قال ابن يونس: كان من شيعة علي بن أبي طالب والوافدين عليه من مصر، وشهد معه مشاهده. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) . قوله: " لما أنزلت " وفي بعض النسخ: " لما نزلت " وبهذا الحديث استدل أبو حنيفة وأصحابه في أن السُّنَّة للمصلي أن يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم وبحمده"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى وبحمده". واختلف العلماء في سائر الأذكار في الركوع والسجود، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: هو سُنَّة، فلو تركه لم يأثم، وصلاته صحيحة سواء تركه سهوًا أو عمدًا، لكن يكره عمدًا. وقال إسحاق،

_ (1) في سنن أبي داود: " نزلت"، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود (887) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6238) . (4) المصدر السابق (3/ 591) .

وأحمد: هو واجب، فإن تركه عمدا بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل. زاد أحمد: ويسجد للسهو. وفي رواية عنه: هو سُنَة. وقال ابن حزم: هو فرض، فإن نسيه سجد للسهو، وفي " شرح الطحاوي ": يسبح الإمام ثلاثا. وقيل: أربعا ليتمكن المقتدي من الثلاث، وعند الماوردي أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس. وفي "شرح الهداية": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى اثنتى عشر فهو أفضل عند الإمام، وعندهما إلى سبع وعن بعض الحنابلة الكمال أن يسبح مثل قيامه، وعند الشافعي عشرة، وهو منقول عن عمر ابن الخطاب- رصْي الله عنه-. والحديث رواه ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك " قال: وقد اتفقا على الاحتجاج برواية غير إياس بن عامر، وهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الطحاوي. /847- ص- نا أحمد بن يونس، نا الليث- يعني: ابن سعد- عن [2/14 - ب] أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، عن رجل من قومه، عن عقبة بن عامر بمعناه، زاد قال: فكان رسولُ الله إذا ركع قال: " سبحانَ ربي العظيم وبحمده" ثلاثا، وإذا سَجَد قال: " سَبحان ربي الأعلى وبحمده " ثلاثا (1) . ش- شك أحمد بن يونس في موسى بن أيوب، أن أيوبَ ابن أو أب. وقال أبو داود: الصواب موسى بن أيوب. قوله: " بمعناه" أي: بمعنى الحديث المذكور، وبهذا أخذ أصحابنا أن أدنى الكمال فيه أن يقول ثلاث مرات. ص- قال أبو داود: وهذه الزيادة أخاف (2) أن لا نكون محفوظة.

_ (1) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود (887) . (2) في سنن أبي داود: نخاف "، وجاء في سنن أبي داود بعد هذا النص: قال أبو داود: انفرد أهل مصر بإسناد هذين الحديثين: حديث الربيع، وحديث أحمد بن يونس.

ش- أشار فيه إلى قوله: " قال: فكان رسول الله، إلى آخره. وهذه الزيادة رواها الطبراني في " معجمه ". ورُوي عن أبي بكر أنه- عليه السلام- كان يقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً" رواه بكار بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي بكر- رضي الله عنه-. وفي "المصنف " نا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عون، عن ابن مسعود قال: " ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود". ونا ابن مبارك، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن عمر كان يقول في الركوع والسجود قدر خمس تسبيحات سبحان الله وبحمده. ونا حفص، عن ليث، عن مجاهد قال: صليت خلف عمر بن عبد العزيز فعددت له في الركوع أربعا أو خمس تسبيحات، وفي السجود خمسًا أو ست تسبيحات. ونا هشيم، عن يونس، عن الحسن، أنه كان يقول وسطا من الركوع والسجود، أن يقول الرجل في ركوعه وسجوده: سبحان الله وبحمده ثلاثا. ونا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي الضحى قال: كان علي- رضي الله عنه- يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا. 848- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة قال: قلت لسليمان: أدعو في الصلاة إذا مَررتُ بآيةِ تَخَوف؟ فحدثني عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفًة، أنه صلَّى مع رسولِ اللهِ- عليه السلام- فكان يقولُ في رُكُوعِهِ: سبحانَ ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربى

الأعلى، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآيةِ عَذاب إلا وقف عندها فتعوذَ (1) . ش- سليمان الأعمش. وسعد بن عبيدة السلمي أبو حمزة الكوفي، ختن عبد الرحمن السلمي. سمع عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، والمستورد وغيرهم. روى عنه الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعلقمة بن مرثد، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، كان يرى رأي الخوارج ثم تركه. روى له الجماعة (2) . ومستورد بن الأحنف. روى عن عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، ومعبد بن عامر (3) ، وصلة بن زفر. روى عنه: عفان ابن عاصم، وسلمة بن كهيل، وسعد بن عبيدة. ثقة، روى له الجماعة (4) . وصله بن زفر العبسي أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفي. سمع حذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود. روى عنه أبو وائل، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق الطبيعي، وأيوب السختياني. قال الخطيب: كان ثقة، مات في ولاية مصعب. روى له الجماعة (5) . (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (772) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع، والسجود (262) و (263) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب (2/ 176) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (1351) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/ 2220) . (3) في تهذيب الكمال "معقل بن عامر، وذكر محققه أنه جاء في حاشية نسخة المؤلف التي بخطه من تعقباته على صاحب الكمال: قوله: " كان فيه معبد ابن عامر، وهو خطأ". (4) المصدر السابق (27/ 5896) . (5) المصدر السابق (13/ 2 0 29) .

قوله: (بآية رحمة) وهي الآية التي يذكر فيها الجنة، أو الوعد ونحوهما، "وآية عذاب" هي الآية التي يذكر فيها النار، أو الوعيد ونحوهما، ثم حكم هذا الحديث أنه محمول عندنا على التطوع. وقال صاحب "المحيط": صلى منفردَا تطوعَا، فمر بذكر النار استعاذ، أو بذكر الجنة فسأل جاز، ويستحب لما روى حذيفة الحديث. وإن كان إمامَا يكره له ولمن خلفه، أما الإمام فلأنه يؤدي إلى تطويل الصلاة، والتثقيل على القوم، وأما المؤتم فلأنه مأمور بالسكوت والاستماع، وإن كان منفردَا فصلى المكتوبة يكره أيضا خلافا للشافعي، لأن الاشتغال بالدعاء يقطع دوام القراءة، وأنه مكروه لكن تركنا هذا في التطوع بالنص [2/15 - أ] والحديث رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، بنحوه مختصرا ومطولا. 849- ص- نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، نا قتادة، عن مطرف، عن عائشة- رضي الله عنها-، أن النبي- عليه السلام- كان يقولُ في رُكُوعِهِ وسُجُوده: "سبوح قُدوس رب الملائكةِ والروح " (1) . ش-َ مسلم بن إبراهيم القصاب، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير. قوله: "سبوح قدوس " يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالا. وقال الخطابي: لم يأت من الأسماء على فعُول بضم الفاء إلا "سبوح وقدوس" وقد يفتحان كسَفود وتلوب. وقال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذروح. وقال أبو الحسن الهنائي: ومعنى سبوح قدوس. أي: تسبيح وتقديس وتعظيم، ويقال: القدوس: الطاهر من العيب. وقال ابن فارس وغيره: معنى السبوح المسبح، أي: المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية، ومعنى القدوس المقدس، أي: المطهر من كل مالا يليق بالخالق. وقال القروي: قيل: القدوس المبارك.

_ (1) مسلم كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (487) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر منه (2/ 191) ، باب: نوع آخر (2/ 224) .

قوله: "رب الملائكة والروح" قيل: الروح ملك عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. وقيل: يحتمل أن يكون جبريل- عليه السلام-. وقيل: الروح صنف من الملائكة. وقيل: يحتمل أن يراد به الروح الذي به قوام كل حي. أي: رب الملائكة ورب الروح. فإن قيل: ما وقع قوله: "سبوح قدوس" من الإعراب؟ قلت: هما خبرا مبتدأ محذوفٍ، تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس. وقال القاضي عياض: وقيل فيه: سبوحا قدوسا على تقدير أسبح سبوحاً، أو أذكر، أو أعظم، أو أعبد ونحو ذلك. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي. 850- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوت بن مالك الأشجعي قال: قمتُ معَ رسول الله ليلةً، فقامَ فقرأ سورةَ البقرة، لا يمر بآية رحمة ألا وَقفَ فسأَلَ، ولا يَمر بآيةَ عَذاب الا وقفَ فتعوذَ. قالَ: ثم رَكَعً بقدرً قيامه يقولُ في رُكُوعه: "سبَحان ذيً الجبروت والملكوت والكبرياء والعَظًمَة" ثم سجدَ بقدر قيَامه، ثم قال في سُجُوده مثَلَ ذلك، ثَم قامً فقرأَ بال عِمرَانَ، ثم قَرأ سُورةً سورة (1) . ش- عمرو بن قيس بن ثور بن مازن بن خيثمة السكوني الكندي أبو ثور الحمصي، وفد مع أبيه على معاوية. وسمع معاوية، وعبد الله ابن قرط الثمالي، وواثقة بن الأسقع، وجده مارن بن خيثمة وله صحبه، وعبد الله بن عمرو، وعاصم بن حميد السكوني وغيرهم. روى عنه الأوزاعي، ومعاوية بن صالح، وحسان بن نوح، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان صالح الحديث. توفى سنة خمس وعشرين ومائة. روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .

_ (1) المساير: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر (2/ 191، 223) ، والترمذي في " الشمائل". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/ 4435) .

وعاصم بن حميد السكوني الحمصي. وعوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو حماد، أو أبو عمرو. شهد فتح مكة مع رسول الله - عليه السلام-، نزل الشام وسكن دمشق، وكانت داره بها عند سوق الغزل العتيق. رُوي له عن رسول الله سبعة وستون حديثًا. روى له البخاري حديثا واحدَا، ومسلم خمسة. روى عنه أبو هريرة، وأبو مسلم، وأبو إدريس الخولاني، وجبير بن نفير، وخلق سواهم. مات سنة ثلاث وسبعين بحمص. روى له الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: " فقرأ سورة البقرة" فيه دليل على جواز القول بسورة البقرة ونحوها، خلافَا لمن كره ذلك. قوله: " ذي الجبروت " الجبروت فعلوت من الجبر والقهر، وكذلك الملكوت فعلوت من الملك. وقال في "الصحاح": الملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة، ويقال: إن زيادة الواو والتاء لأجل المبالغة في التعظيم، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله. ويقال: الكبرياء العظمة والملك. وقال في "الصحاح": الكبر- بالكسر- العظمة، وكذلك الكبرياء. [2/15 - ب] قلت: فعلى هذا/ قوله: "والعظمة" وقع تفسيرا لقوله: "والكبرياء". قوله: " ثم قرأ سورة سورة" أي: ثم قرأ القرآن سورة سورة، وانتصاب سورة على الحال وقد مر نظيره في قوله: (حرفا حرفا) ، وقد قلنا: إن الحال يقع من غير المشتقات إذا دل على الترتيب كما في قولك: ادخلوا رجلان رجلاً والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي.

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 131) ، أسد الغابة (5/ 2 31) ، 1 الإصابة (3/ 43) .

851- ص- نا أبو الوليد الطيالسي وعلي بن الجعد قالا: نا شعبة، عن عمرو، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة، أنه رأى رسولَ الله يصلي من الليلِ فكان يقولُ: " الله أكبر" ثلاثا " ذو المَلكُوت والجبَروتَ والكبرياء والعَظَمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم رَكَع فكان رُكوعُه نحوا من قَيامهَ، فكان (1) يقولُ في رُكوعه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العَظيَمَ، ثم رفعَ رأسه من الركوع، َ فَكان قيامِه نحوا من قيامهِ (2) ، يقول: لربي الحمد. ثم سجدَ فكانَ سجود نحوا من قَيامه، فكان يقَولُ في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثم رفعَ رأسه من السجوَدَ، وكان يقعدُ فيما بين السجدتين نحوِا من سجوده، وكان يقولُ: رب اغفَرْ لي، رب اغفر لي. فصلَّى أربع رَكعات فقرأ فيهنَّ البقرةَ وآلَ عِمرانَ والنساءَ والمائدةَ أو الأنعامَ. شك شعبة (3) . ش"- علي بن الجعد بن عبيد الجوهري أبو الحسن البغدادي الهاشمي مولاهم. سمع الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة، وشريكًا وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيي بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، وأبو القاسم البغوي وغيرهم. وقال ابن معين: ما روى عن شعبة من البغداديين أثبت منه. وقال أبو زرعة: كان صدوقا في الحديث. وقال أبو حاتم: كان متقنا صدوقا لم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيي الحماني في شريك، وعلي بن الجعد في حديثه، توفي في سنة ثلاثين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، وله يوم توفي ستة وتسعون سنة وأشهر (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: "وكان ". (2) كذا. (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود (262) النسائي: كتاب التطبيق، باب: ما يقول في قيامه ذلك (2/ 197) ، باب: الدعاء بين السجدتين (2/ 231) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 2/ 34 0 4) .

144- باب: في الدعاء في الركوع والسجود

وعمرو بن مرة الكوفي. وأبو حمزة اسمه طلحة بن زيد كذا قال الترمذي. وقال النسائي: أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد. وقد سقط ذكره في الكمال فلعله سها عنه، وهو طلحة بن زيد مولى قرظة بن كعب الأنصاري أبو حمزة الكوفي، احتج به البخاري، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال طلحة ابن يزيد الأنصاري. روى عن: زيد بن أرقم. روى عنه: عمرو بن مرة (1) . قوله: "شك شعبة" أي: شك بين المائدة والأنعام. والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي. واعلم أن كل ما جاء من مثل هذه الأدعية فهو محمول على صلاة الليل النافلة. * * * 144- باب: في الدعاء في الركوع والسجود أي: هذا باب في بيان الدعاء في الركوع والسجود. 852- ص- نا أحمد بن صالح، وأحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد ابن سلمة. قالوا: نا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة ابن غزية، عن سمى مولى أبي بكر (2) ، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلام- قال: "اقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثِرُوا (3) الدعاءَ (4) . ش- معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله (5) .

_ (1) المصدر السابق (13/ 2986) . (2) سقط "بكر" من سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: "فأكثروا من الدعاء". (4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (482) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل (226/2) . (5) بل المراد منه قربا حقيقيا يليق به سبحانه، وهو كنزوله في الثلث الأخير من-

وقوله: "أقرب ما يكون" مبتدأ حذف خبره لسد الحال وهو قوله: "وهو ساجد" مسده، فهو مثل قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما، إلا أن الحال ثمة مفرد، وهنا جملة مقرونة بالواو، وعلم من ذلك خطأ من زعم أن الواو في قوله: " وهو ساجد" زائدة، لأنه خبر قوله: "أقرب " وتحقيق الكلام هاهنا أن " ما" في " ما يكون" مصدرية، والفعل الذي بعدها بمعنى المصدر، وهو بمعنى الجمع هنا، لأن أفعل التفضيل يجب أن يكون بعض ما أضيف هو إليه فتقديره أقرب أكوان العبد من ربه حاصل إذا كان وهو ساجد، ثم حذف الخبر- أعني: " حاصل" - لأن حذف متعلقات الظروف شائع كثير، ثم حذف الظرف- أعني: "إذا كان " لدلالة الحال عليه، لأن الحال يدل على الوقت والزمان، فالحال يدل على الظرف، والظرف على الخبر، فالحال على الخبر، لأن الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء. / فإن قيل: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين [2/16- أ] سائر أحواله؟ قلت: لأنه حالة تدل على غاية تذلل، واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكانت مظنة الإجابة، فلذلك أمر- عليه السلام- بإكثار الدعاء في السجود بقوله: " فأكثروا الدعاء" أي: في حالة السجود، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السجود أفضل من القيام، ومذهب أبي حنيفة أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، قال الشافعي لقوله- عليه السلام-: " أفضل الصلاة طول القنوت " رواه مسلم (1) ، ومعناه القيام، وقال الشيخ محيي الدين (2) : (وفي

_ = الليل، وكتقربه من عباده المتقربين إليه ذراعا بشبر، وباعا بذراع. . .، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} اعتقاد أهل السنة والجماعة، وانظر الرسالة الدموية لشيخ الإسلام ابن تنمية، ومجموع الفتاوى (5/ 124: 134) و (226/5: 244) و (5/6: 32) . (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: أفضل الصلاة طول القنوت (756/ 164) من حديث جابر بن عبد الله. (2) انظر: شرح صحيح مسلم (36/6- 37) .

هذه المسألة ثلاثة مذاهب، أحدها: أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي، والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر- رضي الله عنهما-، والمذهب الثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل لما ذكرنا، والمذهب الثالث: أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة، ولم يقض فيها بشيء، وقال إسحاق ابن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما بالليل فتطويل القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل ". والحديث أخرجه مسلم، والنسائي. 853- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن سليمان بن سُحيم، عن إبراهيم ابن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي- عليه السلام- كَشَفَ الستَارة والناسُ صفوف خلفَ أي بكر فقال: "يا أيها الناسُ" إنه لم يبقَ من مُبَشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يرَاها المسلمُ أو تُرَي له، وإنى نُهِيتُ أن أقرأ راكعَا أَو ساجدا، فأما الركوعُ فعظمُوا الرب فيه، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاءِ، فَقمنُ أن يُستجاب لكم " (1) . ش- إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي. سمع أباه، وميمونة بنت الحارث زوج النبي- عليه السلام-. روى عنه نافع مولى ابن عمر، وسليمان بن سُحيم، وابن جريج. روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) ، وعبد الله بن معبد بن عباس القرشي الهاشمي المدني. روى عن: عمه عبد الله بن العباس. روى عنه: ابنه إبراهيم، وابن أبي مليكة، ومحمد بن عباد بن جعفر.

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (279) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: تعظيم الرب في الركوع (2/ 189) ، ابن ماجه: كتاب تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (3899) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 198) .

قال أبو زرعة: مديني ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: "كشف الستارة " هي بكسر السين الستر الذي يكون على باب البيت والدار. قوله: "والناس صفوف " جملة اسمية وقعت حالا، وكذلك قوله: "خلف أبي بكر" حال. قوله: "إنه " أي: إن الشأن. قوله: " من مبشرات النبوة " المبشرات جمع مبشرة، وهي الأمور المبشرة، ثم صار بغلبة الاستعمال كالاسم واشتقاقها من البشارة، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير من بشرت الرجل أبشره- بالضم- بشرَا وبشورَا من البشرى، وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات، والاسم البشارة، والبشارة- بالكسر والضم- والنبوة من النبأ وهو الخبر، تقول: نبأ ونبّأ وأنبأ، أي: أخبر، ومنه أصل النبي، لأنه أنبأ عن الله، وهو فعيل بمعنى فاعل. قوله: " إلا الرؤيا الصالحة " الرؤيا مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزها كنظائرها من رأى في منامه رؤيا على وزن فُعلى، والمراد بالصالحة صحتها أو حسن ظاهرها. قوله: " راكعَا أو ساجدا " حالان من الضمير الذي في "أقرأ". فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن القراءة في حالتي الركوع والسجود، قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام، هو أن النبي- عليه السلام- الخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، وعزاهم عن مبشرات النبوة، ثم نبههم على جلالة قدرها ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل- وهو الكتاب العزيز، الذي لم يؤت نبي مثله- بقرينة مستكنة في صيغة النهي، وذلك

_ (1) المصدر السابق (16/ 3584) .

أن الركوع والسجود من باب الخضوع، وأمارات التذلل من العباد لجلال وجه الله الكريم، فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه، وارتفع محله عند هيئة موضوعة للخضوع والتذلل، ليتبين لأولي العلم معنى الكتاب العزيز، وينكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم. [2/16- ب] فإن قيل/ لم تأخر هذا النهي إلى آخر الرسالة؟ قلت: ليكون مورده على تمام النعمة بمواقع النجوم [واستيفاء أنصبة القرب] (1) باطلاعه على مطالع الوحي ومقاطعه. فإن قيل: إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه أو سجوده هل تبطل صلاته أم لا؟ قلت: لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقَا، سواء قرأ عامدَا أو ناسيَا، ولكن في الناسي يجب سجدتا السهو. وقال الشيخ محيي الدين (2) : "فلو قرأ في الركوع أو السجود غير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان عمدَا، فإن قرأ سهوَا لم يكره، وسواء قرأ عمدا أو سهوَا يسجد للسهو عند الشافعي. وقال الخطابي (3) : " قوله نهيت عن القراءة راكعَا أو ساجدَا " يَشدّ قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذكر في الركوع والسجود، وذلك أنه إنما أخلى موضعهما من القراءة ليكون محلا للذكر والدعاء ". قلت: لا نسلم أن إخلاءهما من القراءة ليكون محلا للذكر والدعاء، بل لحكمة ذكرناها الآن، ولو قال يشد قول إسحاق الأمر بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود، كان له وجه، فافهم. قوله: "فأما الركوع فعظموا الرب فيه". أي: سبحوه ونزهوه ومجدوه، فاستحب أصحابنا وغيرهم من العلماء أن يقول في ركوعه: سبحان ربي

_ (1) غير واضح في الأصل، وأثبته من "العلم الهيب في شرح الكلم الطيب " للمصنف (ص/ 285) ، فالنص فيه بلفظه. (2) شرح صحيح مسلم (6/ 197) . (3) معالم السنن (1/185) .

العظيم وبحمده " وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ويكرر كل واحد منهما ثلاث مرات، ويقتصر على هذا عندنا في الفرائض سواء كان إمامَا أو مقتديا أو منفردا، فإن ضم إليه ما جاء من الأدعية التي ذكرناها في التطوع فلا بأس به. قوله: " فقمن أن يستجاب لكم" بفتح القاف، وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة "قمين" بزيادة ياء، وفتح القاف، وكسر الميم، ومعناه حقيق وجدير، وإعراب هذا الكلام أن "أن" مصدرية، والتقدير الاستجابة لكم في محل الرفع مبتدأ. وقوله: "قمن " خبره أي: الاستجابة لكم في هذه الحالة حقيق وجدير، ويجوز أن يكون ارتفاع "أن يستجاب" على الفاعلية، لكونه مستندَا إلى الصفة، وهو "قمن" بكسر الميم. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 854 - ص- نا عثمان بن أبى شيبة، نا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله- عليه السلام- يُكثر أن يقولَ في ركُوعهِ وسجُوده: "سبحانك اللهم ربنا وَبحمدك، اللهم اغفرْ لي" يتأولُ القرآنَ " (1) . ش- جرير بن عبد الحميد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الضحى مسلم ابن صبيح، ومسروق بن الأجدع. قوله: " يتأول القرآن " يعني: يعمل ما أمر به في قول الله تعالى: فَسبحْ بحَمْد ربكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنهُ كَانَ تَوابا " (2) وفيه حجة لمن أجاز الدعاء فيه الركَوع، إذ فيه "اللهم اغفر لي".

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: الدعاء في الركوع (794) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (484) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: نوع آخر من الذكر في الركوع (2/ 190) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود (889) . (2) سورة النصر: (3) .

والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وعند مسلم: كان رسول الله يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك. قالت: قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: " جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها "إذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ " (1) إلى آخر السورة. وفي لفظ: " ما رأيت النبي- عليه السَلام- منذ نزلت عليه: "إذا جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ " يصلي صلاة إلا دعا أو قال: "سبحانك ربي وبحمدك، اللَهم اغفر لي " وفي لفظ: " كان يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه " قالت: فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده؟ فقال: " إنه أخبرني ربي عز وجل أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها كثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها "إذا جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ " فتح مكة وَرَأيْتَ النَاسَ إلي أفواجَا. وفي لفظ: رأيته يقول وهو راكع أو ساجد: [2/17 - أ] سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت،/ وفي تفسير [. . . .] ، (2) عاش - صلى الله عليه وسلم - بعد نزولها ستين يومَا. وذكر القرطبي وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق، في حجة الوداع. 855- ص- نا أحمد بن صالح، ونا ابن السرحِ، نا ابن وهب قال: أخبرني يحيي بن أيوب، عن عمار" بن غَزية، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبيَّ- عليه السلام- كان يقولُ في سُجُوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخِرَه ". زاد ابن السرح: " عَلانِيَته وسِره " (3) . ش- " دقه " بكسر الدال. أي: قليله، وفي الأصل هو مصدر من دق الشَّيء إذا لَطف، و" جله" بكسر الجيم، أي: كثيره. وهو أيضا في الأصل مصدر من جل الشيء إذا عظم.

_ (1) سورة النصر: (1) . (2) كلمة غير واضحة. (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (483) .

وقوله: "دقه وجله " إلى آخره تفصيل بعد إجمال، لأنه لما قال: "اغفر لي ذنبي كله" فقد تناول جميع ذنوبه مجملاَ، ثم فصله بقوله: كذا وكذا، وفائدته أن التفصيل بعد الإجمال أوقع وآكد. وانتصاب "دقه" على أنه بدل من قوله "ذنبي" و "جله" إلى آخره عطف عليه. قوله: "زاد ابن السرح " أي: زاد أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح في روايته "علانيته " أي: علانية الذنب وسره. والحديث أخرجه مسلم. 856- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبدة، عن عبيد الله، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت: فَقدتُ النبي- عليه السلام- ذاتَ لَيلة فَلَمستُ المسجدَ فإذا هو سَاجد وقَدَمَاه مَنصوبتان، ويقولُ: أعوذُ برضَاكً من سَخَطكَ، وأعوذُ بمُعَافَاتِكَ من عُقُوبَتكَ، وأعَوذُ بك منكَ، لاَ أحصِي ثَنَاءَ عليكً أنتَ كما أثنيتَ على نَفْسِكَ " (1) . ش- عَبْدة بن سليمان الكوفي، وعبيد الله بن عمر العمري. قوله: "فقدت النبي " - صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مسلم "افتقدت " وفي أخرى له "فقدت " وهما لغتان بمعنى. قوله: "فإذا هو" أي: رسول الله "ساجد". قوله: " وقدماه منصوبتان " جملة حالية، وفيه أن السنة نصبهما في السجود. قوله: "ويقول" جملة حالية أيضا. قوله: " أعوذ برضاك " إلى آخره. قال الخطابي (2) : "فيه معنى

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (486) ، النسائي: كتاب الطهارة، وباب: ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة (1/ 103) ، ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب: ما تعوذ به رسول الله (3841) . (2) معالم السنن (1/ 185) .

145- باب: الدعاء في الصلاة

لطيف وذلك أنه استعاذ بالله، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له- وهو الله سبحانه وتعالى- استعاذ به منه لا غير. ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في سنن عبادته والثناء عليه". قوله: "لا أحصي ثناءً عليك " أي: لا أطيقه ولا آتي عليه. وقيل: لا أحيط به. وقال مالك: معناه لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك بها، وإن اجتهدتُ في الثناء عليك. قوله: " أنت كما أثنيتَ على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد ثناءه إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى، المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية لصفاته، لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء نافع للمُثني عليه، فكل ثناء أثني عليه به، وإن كثر، وإن طال، وبولغ فيه، فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته كبر وكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى، كما يضاف إليه الخير لقوله: "أعوذ من سخطك ومن عقوبتك ". والحديث أخرجه مسلم، وابن ماجه، والنسائي. * * * 145- باب: الدعاء في الصلاة أي: هذا باب في بيان الدعاء في الصلاة، وفي بعض النسخ "باب ما جاء في الدعاء في الصلاة". 857- ع- نا عمرو بن عثمان نا بقية نا شعيب عن الزهري عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في صلاته: "اللهم إني أعوذُ بك مِن عَذَابِ القَبْرِ، وأعوذُ بك من فِتنةِ المسيح الدجالِ، وأعوذُ بك من

فتنة المحْيا والمَمَاتِ. اللهم أني أَعوذُ بك من المَأثَم" والمَغْرَم" فقال له قائل: ما كًثرَ ما تَستعيذُ/ من المغرم؟ فقال: كان الرجلَ إذا غرمَ حَدثَ فكَذَبَ، [2/17 - ب] ووَعدَ فأخْلَفَ " (1) . ش- بقية بن الوليد، وشعيب بن أبي حمزة. قوله: " كان يدعو في صلاته " يعني بعد التشهد الأخير قبل السلام. ولهذا قال البخاري: "باب الدعاء قبل السلام"، ثم روى هذا الحديث وغيره. قوله: "من عذاب القبر" فيه إثبات عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة. قوله: " المسيح الدجال " أما تسميته بالمسيح " (2) فلان الخير مُسحَ منه فهو مسيح الضلالة وقيل سمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى. وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها، وقال أبو الهيثم: إن مِسيحَ على وزن سكيت، وأنه الذي مُسح خلقه، أي: شوه، فكأنه هرب من الالتباس بالَمسيح ابن مريم- عليهما السلام- ولا التباس، لأن عيسى- عليه السلام- إنما سمي مسيحا لأنه كان لا يمسح بيده المباركة ذا عاهةٍ إلا برأ، وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحة بدهن. وقيل المسيح: الصديق، وقيل: هو بالعبرانية: مشيحَا فعرًب، وأما تسميته بالدجال، فلأنه بدل متلبس من الدجل وهو الخلط، ويقال: الطلي والتغطية، ومنه البعير المدجل أي: المهنوء بالقطران، ودجلة: نهر ببغداد، سُميت

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: الدعاء قبل السلام (832) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة (589) ، النسائي: كتاب السهو، باب: نوع آخر (3/ 57) . (2) انظر: النهاية (4/ 326- 327) .

بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها، وهذا المعنى أيضا في الدجال، لأنه يغطي الأرض بكثرة أتباعه، أو يغطي الحق بباطله، وقيل: لأنه مطموس العين من قولهم، دجل الأثر إذا عفي ودرِسَ. وقيل من دجل؛ أي: كذب، والدجال: الكذاب". قوله: "من فتنة المحيا والممات " كلاهما مصدران ميميان بمعنى الحياة والموت ويحتمل زمان ذلك لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد، أما فتنة الحياة فهي: التي تعرض لإنسان مدة حياته من الافَتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأشدها وأعظمها- والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت، وأما فتنة الموت فاختلفوا فيها، فقيل: فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار، أضيفت إلى الموت لقربها منه. فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: "وفتنة الممات" وفتنة القبر، يكون هذا مكررَا، لأن قوله: "من عذاب القبر" يدل على هذا، قلت: لا تكرَار، لأن العذاب يزيد على الفتنة، والفتنة سبب له، والسبب غير المسبب. قوله: "من المأثم " أي: الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة. قوله: "والمغرم " الدين، يقال: غَرِمَ الرجل- بالكسر- إذا ادان، وقيل الغُرم والمغرم: ما ينوبُ الإنسان في ماله من ضرر لغير جنايةِ منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه، ومنه الغرامة، والغريم الذي عليه الدين، والأصل فيه الغَرام وهو الشر الدائم والعذاب. قوله: "فقال له: قائل " أي: قال للنبي- عليه السلام- قائل، سائلا عن وجه الحكمة في كثرة استعاذته من المغرم فقال- عليه السلام-: "إن الرجل إذا اغَرِم" يعني: إذا لحقه دين حدثَ فكذب، بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه، ولم يقم به فيصير كاذبَا، ووعد وأخلف، بأن قال لصاحب الدين أوفيك دينك في يوم كذا، أوفي شهر كذا، أو في وقت كذا، ولم يوف فيه فيصير مخالفَا لوعده، والكذب وخلف الوعد من

صفات المنافقين، كما ورد في الحديث المشهور، فلولا هذا الدين عليه لما ارتكب هذا الإثم العظيم، ولما اتصف بصفات المنافقين وكلمة " ما" في قوله: " ما أكثر ما تستعيذُ" للتعجب، و " ما " الثانية: مصدرية، يعني: ما أكثر استعاذتك من المغرم. فإن قيل: قوله: "فتنة المحيا والممات " يشمل جميع ما ذكر فلأي فائدة خصص هذه الأشياء بالذكر؟ قلت: لعظم شأنها، وكثرة شرها. ولا شك/ أن تخصيص معنى ما يشمله الَعام من باب الاعتناء بأمره لشدة [2/18- أ] حكمه، وفي هذا الكلام عطف العام على الخاص أيضا، وذلك لفخامة أمر المعطوف عليه، وعظمة شأنه، فافهم. فإن قيل: ما فائدة تعوذه- عليه السلام- من فتنة المسيح الدجال، مع علمه- عليه السلام- بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟ قلت: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأنه كذاب مبطل مفترى، ساع على وجه الأرض بالفساد، مموه ساحر، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه- عليه اللعنة- ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة، كما أخبر به رسول الله- عليه السلام-، ويجوز أن يكون هذا تعليمَا منه لأمته، أو تعوذاً منه لأمته. فإن قيل: يُعارض التعوذ بالله عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر يرفعه: "إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله عز وجل " وكان ابن جعفر يقول لخادمه: فاذهب فخذ لي بدينِ فإني أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي"، قال الطبري: "وكلا الحديثين صحيح ". قلنا: الغرم الذي استعاذ منه، إما أن يكون في مباح ولكن لا وجه عنده لقضائه، فهو متعرض لهلاك مال أخيه، أو يستدين وله إلى القضاء سبيل غير أنه يَرى ترك القضاء. وهذا لا يصح إلا إذا نُزعت كلامه- عليه السلام- على التعليم لأمته، أو يستدين من غير حاجة طمعا في مال أخيه ونحو ذلك، وحديث جعفر "فيمن كان محتاجا إليه احتياجا شرعيا، فيستدين ونيته القضاء. وإن لم يكن له سبيل إلى

القضاء في ذلك الوقت، لأن "الأعمال بالنيات "، و" نية المؤمن خير من عمله "، ثم اختلف العلماء في الأدعية التي يدعى بها قبل السلام، فالجمهور على أنها مستحبة. وقال ابن حزم بفرضية التعوذ الذي في حديث عائشة، وذكر مسلم أن طاوسَا أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع به فيها، وظاهر هذا: أنه حَمل هذا على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته. وقال الشيخ محيي الدين (1) : "ولعل طاوسَا أراد- تأديب ولده، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه " والله أعلم. واختلفوا أيضا فيما يدعو به الإنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة، وأحمد لا يجور الدعاء فيها إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن العظيم. وإليه ذهب إبراهيم، وطاوس، وابن سيرين. وقال الشافعي ومالك، يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز به الدعاء خارج الصلاة، من أمور الدنيا والدين، مما يشبه كلام الناس، ولا تبطل صلاته بشيء من ذلك عندهما. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 858- ص- نا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: صليتُ إلى جَنْب رَسول الله في صلاة تَطَوع فسمعته يقولُ: أعوذُ بالله من النار، ويَل لأهلِ النارِ" (2) . ش- عبد الله بن داود الخُرَيبْي البصري، وابن أبي ليلى اسمه محمد بن عبد الرحمن وهو: ضعيف الحديث وقد ذكرناه، وأبو ليلى له صحبة لقبه االأيسر " واختُلف في اسمه فقيل: "يسار، وقيل: داود وقيل: أوس،

_ (1) شرح صحيح مسلم (5/89) . (2) ا"بن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (1352)

وقيل: بلال، وقيل بلال أخوه. وفي الكمال: يسار؛ أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال مسلم وابن نُمير: اسمه يَسار، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: اسم أبي ليلى داود بن بلال بن بليل بن أحيحة بن الجُلاح بن جحجبي بن كَلْفة الأنصاري، من الأوس. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، قُتل بصفين مع علي بن أبي طالب. روى له: الترمذي، وابن ماجه، وأبو داود (1) . قوله:" ويل لأهل النار " أي: شدة عذاب، قاله ابن عباس، وقال الأصمعي: تقبيح، وقال الفضل: حزن، وقال أبو سعيد الخدري: واد في جهنم، وقال ابن بريدة: جبل فيها، وقال ابن كيسان: كلمة كل مكروب، وقال الزجاج: كل واقع في الهلكة، ويقال/ معناه: خزي [2/ 18- ب] لأهل النار، ويقال: عويلْ وصياح. ويقال: دعاء بالثبور، وارتفاعه على الابتداء، وخبره [" لأهل النار"] ، (2) وأخرجه ابن ماجه. 859- ص- نا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: "قَامَ رسولُ اللهِ إلى الصلاةِ وقُمْنَا معه، فقال أعرابي في الصَّلاة "اللهم ارْحَمْنِي ومُحمدا ولا تَرْحَمْ معنا أحدَا. فلما سَلَّمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: "لقد تَحَجَّرْتَ وَاسِعَا"- يُريدُ رحمةَ اللهِ- (3) . ش- يونس بن يزيد. قوله: "لقد تحجرتَ واسعا" أي: ضيقتَ ما وسعه الله، وخصصت

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/ 170) ، أسد الغابة (6/ 269) ، الإصابة (4/ 169) . (2) غير واضح في الأصل. (3) البخاري: كتاب الوضوء، باب الأعرابي الذي بال في المسجد، النسائي: كتاب الطهارة، باب التوقيت في الماء (1/ 47) ، وكتاب: السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/ 14) .

به نفسك دون غيرك، وفيه أن تخصيص الرجل نفسه بالدعاء مكروه، بل يُعمم الدعاء فإنه أقربُ إلى القبول، لأن رحمة الله واسعة، والحديث أخرجه البخاري، والنسائي. 860- ص- نا زهير بن حرب، نا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي- عليه السلام- كَانَ إذا قَرَأ (سبح اسْمَ ربكَ الأعْلَى " (1) قال: "سبحانَ ربي الأعْلى " (2) . ش- إسرائيل بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ومسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن أبي عبد الله البطين، أبو عبد الله الكوفي. روى عن سعيد [بن جبير] ، (3) ، وإبراهيم التيمي، ومجاهد وغيرهم. روى عنه الأعمش 0001، (3) والمسعودي، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة. روى له [الجماعة] (3) إلا النسائي (4) . وإنما كان يقول- عليه السلام- سبحان ربي الأعلى لأنه أمر به، حيث قال له ربه "سبح اسْمَ ربكَ الأعْلَى" والخطاب للنبي- عليه السلام. وقد روي هذا موقوفاً ص- قال (5) أحمد: يعجبني في الفريضةِ أن يَدْعُو بما في القرآن. ش- أي: قال أحمد بن حنبل، وأشار به إلى أن المصلي يدعو في الفرض بقوله: فسبحان ربي الأعلى في السجود (6) وسبحان ربي العظيم في الركوع. ص- قال أبو داود: خُولفَ وكيع في هذا الحديث. رواه أبو وكيع وشعبةُ عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفَا.

_ (1) سورة الأعلى: (1) . (2) تفرد به أبو داود. (3) غير واضح في الإلحاق. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 936 5) . (5) هذا القول ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي. (6) في الأصل: " الركوع ".

ش- أشار أبو داود بهذا إلى أن الحديث المذكور. رواه غير وكيع موقوفَا على ابن عباس، وهو أبو وكيع الجراح بن مليح بن عدي بن فرس ابن جمحة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤَاس واسمه الحارث بن كلاب بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار الرُّؤَاسي الكوفي، والد وكيع ولي بيت المال ببغداد في زمن هارون الرشيد، وكان على دار الضرب بالري، وأصله من قرية من قرى نيسابور، يقال لها أُسْتُوا، يقال كنيته أبو وكيع. روى عن أبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وعاصم الأحول وغيرهم. روى عنه: ابنه وكيع، وأبو الوليد الطيالسي، ومسدد وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتبُ حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن معين: ضعيف، وقال في رواية عباس: ثقة، وفي رواية عثمان: ليس به بأس، وقال أبو الوليد الطيالسي: هو ثقة، وقال أبو داود: ثقة، وقال الدارقطني: ليس بشيء، لا يُعتبر به، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وروايات مستقيمة، وحديثه لا بأس به. وهو صدوق، ولم أجد في حديثه منكرَا، وعامة ما رواه عنه ابنه وكيع، وقد حدَّث عنه غير وكيع. والثقات من الناس، مات سنة ست وسبعين ومائة. روى له مسلم، والترمذي (1) . 861- ص- نا محمد بن المثنى قال: حدثني محمد بن جعفر، نا شعبة عن مُوسى بن أبي عائشة قال: كان رجلٌ يُصلِّي فوق بيته، فكانَ إذا قَرَأ، "أليس ذَلكَ بقَادر عَلَى أن يحيي المَوْتَى" (2) . قالَ. س"بحَانَكَ فَبَلَى، فَسَألُوهُ عن ذلكَ فقَاَل: سمعتُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) . ش- محمد بن جعفر البصري المعروف بغُندر، وموسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 910) . (2) سورة القيامة: (40) . (3) تفرد به أبو داود. 7. شرح سنن أبي داوود 4

146- باب: مقدار الركوع والسجود

وبه استحب بعض العلماء أن القارئ إذا ختم سورة القيامة يقول عُقيب قوله: "ألَيْسَ ذلكَ بقَادر عَلَى أَن يحيي المَوتَى" "سبحانك اللهم بلى" وكذلك إذا ختم سورةَ التَين. وفي " تفسير السجاوندي " في سورة القيامة وفي الحديث، أن رسول الله لما ختم السورة قال: "سبحانك اللهم ربي" وذكر في سورة التين قال قتادة/ [. . . .] ، (1) بسورة وأنا على ذلك من الشاهدين" يعني: في الصلاة، وسيذكره أبو داود من حديث إسماعيل ابن أمية، عن عروة، عن أبي هريرة (2) . * * * 146- باب: مقدار الركوع والسجود أي: هذا باب في بيان مقدار الركوع والسجود، وفي بعض النسخ هذا الباب مؤخر عن الباب الذي يتلوه، ويقال إنه في رواية اللؤلؤي كذا. 862- ص- نا مُسدد، نا خالد بن عبد الله، نا سعيد الجريري، عن السعدي، عن أبيه أو عمه قال: رَمَقتُ النبي- عليه السلام- في صلاة فكانَ يَتَمكنُ في رُكُوعِهِ وسُجُوده قدرَ ما يقولُ سبحانَ الله وبحمده ثلاثا (3) . ش- خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وسعيد بن إياس أبو مسعود الجريري البصري، والسعدي مجهول كذا قال في " مختصر السنن". وقال ابن حبان، وابن أبي عاصم في كتابه " الصحابة" اسمه عبد الله. قوله: " فكان يتمكن في ركوعه" إلى آخره، المراد منه الطمأنينة في الركوع والسجود، وإلا فنفس الركوع يتأدى بالانحناء، ونفس السجود يتأدى بوضع الجبهة على الأرض. "روى أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" نا هشيم عن جرير، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: لا إذا أمكن الرجل يديه من ركبتيه، والأرض جبهته فقد أجزأه".

_ (1) طمس في الأصل قدر أربع كلمات. (2) يأتي برقم (864) . (3) تفرد به أبو داود. والسعدي، قال عنه ابن حجر في التقريب (8499) وذكر الحديث: لا يعرف ولم يسم.

ونا وكيع، عن الأعمش، عمن سمع محمد بن علي يقول: يجزئه من الركوع إذا وضع يديه على ركبتيه، ومن السجود إذا وضع جبهته على الأرض ". ونا أبو معاوية، عن أبي مالك، عن سَعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: "إذا وضع الرجل جبهته بالأرض أجزأه". ونا ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "يجزئ من الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه، ومن السجود إذا أمكن جبهته الأرض". فظهر بجميع ما ذكرنا أن لبثه- عليه السلام- في ركوعه وسجوده قدر ما يقول سبحان الله وبحمده ثلاثا سنة، وأن الفرض يتأدى بمجرد الانحناء، ووضع الجبهة على الأرض. 863- ص- نا عبد الملك بن مروان الأهوازي، نا أبو عامر وأبو داود، عن ابن ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رَكَعَ أحدُكُم فليقلْ ثلاثَ مَرات: سُبحانَ ربي العَظيم، وذلك أدناهُ، وإذا سَجَدَ فليقلْ: سبحان ربي الأعْلَىً ثلاثا وذلك أدناهُ " (1) . ش- عبد الملك بن مروان الأهوازي. روى عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقدي، وأبي داود الطيالسي. روى عنه: أبو داود (2) ، وابن أبي ذئب هو محمد بن أبي عبد الرحمن بن المغيرة العامري المدني، وإسحاق بن يزيد الهذلي المدني. روى عن عون بن عبد الله. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) .

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود (261) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب التسبيح في الركوع والسجود (890) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/ 3560) . (3) المصدر السابق (2/ 392) .

وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي أخو عبيد الله الفقيه. سمع: عبد الله بن عمرو، وأبا هريرة وعائشة زوج النبي- عليه السلام-، ويوسف بن عبد الله بن سلام وغيرهم. روى عنه: الزهري، وأبو الزبير محمد بن مسلم، وأبو إسحاق الشيباني، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، كل منهما ثلاث مرات، وذلك أدناه، وقد فسر صاحب "الهداية" قوله: "وذلك أدناه" أي: أدنى كمال الجمع وقال بعض أصحابنا: أي أدنى كمال السنة. ونقل عن الشافعي أنه قال وذلك أدناه أي: أدنى الكمال. وروى الطحاوي أحاديث في هذا الباب منها ما قال: حدثنا فهد بن سليمان قال: نا سحيم الحراني. قال: نا حمْص بن غياث، عن مجالد عن الشعبي عن صلة، عن حذيفة قال: كان رسول الله يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا". ثم قال فهذا أيضا قد دل على ما ذكرنا من وقوفه على دعاء بعينه في الركوع والسجود. والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدركْ عبدَ اللهِ. ش- أي: هذا الحديث مرسل، لان عون بن عبد الله لم يدرك عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-، وكذا قال البخاري في "تاريخه الكبير" وأحمد فيما حكاه الخلال، والطوسي في "أحكامه" وقال،/ الترمذي: ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود. ورواه البزار فيه "سننه " مرفوعا: " إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا؛ وذلك أدناه". ثم قال إسحاق بن يزيد عن

_ (1) المصدر السابق (22/ 4553) .

عون: لا نعلم روى عنه إلا ابن أبي ذئب وعون لم يسمع من ابن مسعود، وذكره الدارقطني من حديث مسروق عن عبد الله قال: "من السنة أن يقول الرجل في ركوعه سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده". وعن جبير بن مطعم وعبد الله بن أقرم " كان رسول الله يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا". قال البزار في" سننه": حديث جبير لم يصح. وعن أبي هريرة يرفعه: "إذا ركع أحدكم فسبح لله ثلاث مرات، فإنه يُسبح من جسده ثلاثة وثلاثون وثلاثمائة عظم، وثلاثة وثلاثون وثلاثمائة عرق". 864-ص- نا عبد الله بن محمد الزهري، نا سفيان. قال: حدثني إسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-:" مَنْ قَرأ منكُم بـ "التين (1) والزيتون " فانتهى إلى آخرها ألَيْسَ اللهُ بأحكَم الحَاكمينَ " فليقل (2) : وأنا عَلى ذلك من الشاهدينَ، ومًنْ قَرأ "لا أقْسمُ بيَوم القيَامَةِ" فانتهى إلى "ألَيْسَ ذلكَ بقَادرِ بقادر على أن يُحْيىَ المَوْتَى" فليَقلْ: بَلَى، وَمَنْ قَرأ "والمُرسَلاَتِ " فَبَلغَ "فَبِأي حديث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ " فليقلْ: "آمَنَا باللهِ " (3) . ش- سفيان الثوري. قوله: "التين" أي: سورة "والتين والزيتون " والحديث أخرجه النسائي (4) أيضا وقال: إنما يُروى بهذا الإسناد عن الأعرابي ولا يُسمى. ثم إن المصلي إذا قرأ هذه السور هل يقول هذه الألفاظ في الصلاة؟ فقال جماعة من أصحابنا: يقولها خارج الصلاة، ولا يقولها في

_ (1) في سنن أبي داود: و "التين". (2) في سنن أبي داود: "فليقل: بلى". (3) الترمذي كتاب: تفسير القرائن، باب: ومن سورة التين (3347) . (4) كذبا، وهو سبق قلم، والصواب "الترمذي" وانظر: تحفة الأشراف (11/ 15500)

الصلاة، فإن قالها لا تفسد صلاته سواء كان عامدا أو ناسيا. وقد قيل: يقولها مطلقا لإطلاق الأمر، ثم لا خلاف أن هذا الأمر أمر استحباب لا وجوب، فافهم. ص- قال إسماعيل: ذهبتُ أعيدُ على الرجلٍ الأعرابي وأنظرُ لعلَّهُ؟ " فقال: يا ابنَ أخِي، أتظنُّ أني لمِ أحْفظهُ؟ لقد حجَجْتُ ستينَ حَجةً ما منها حَجة إلا وأنا أعْرِفُ البَعيرَ الذي حججْتُ عليه. ش- أي: قال إسماعيل بن أمية، وأراد بهذا الكلام أن هذا الخبر صحيح، والأعرابي متثبت فيه، لا يشك ولا يتمارى، لأن الذي يعرف ويتحقق البُعران التي حج عليها ستين حجة، لا يتمارى في مثل هذا الخبر الذي سمعه من النبي- عليه السلام-. قوله: " وأنظر لعله " جواب لعل محذوف، أي: لعل الأعرابي وهم فيه، أو سمع من غير النبي- عليه السلام-. قوله: " فقال" أي: الأعرابي إلى آخره. 865-ص- نا أحمد بن صالح وابن رافع قالا: نا عبد الله بن إبراهيم ابن عمر بن كيسان قال: حدثني أبي، عن وهب بن مأنوس قال: سمعت سعيد بن جُبير يقول: سمعتُ أنسِ بن مالك يقول: ما صلَّيتُ صَلاة أحد بعدَ رسول الله- عليه السلام- أشْبَه صلاةً برسولِ الله من هذا الفَتَى- يعني: عمرِ بن عَبد اَلعزيز- قال: فَحَزَرْنَا ركُوعَه عَشْرَ تسبيحَات، وفي سُجُوده عَشْر تَسبيحَات (1) . ش- ابن رًا فع؛ محمد بن رافع النيسابوري. وعبد الله بن إبراهيم بن عُمر بن كيسان الصنعاني أبو يزيد. روى عن: أبيه، وعبد الرحمن بن عمر بن بوذويه. روى عنه: أحمد بن صالح المصري، ومحمد بن رافع، وعلي بن المدينة وغيرهم، قال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له أبو داود، والنسائي (2) .

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: عدد التسبيح في السجود (2/ 224) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/ 3151) .

147-باب: الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع؟

وأبوه إبراهيم بن عمر. سمع وهب بن مأنوس، ووهب بن منبه. روى عنه ابنه عبد الله، وأبو عاصم النبيل، وهشام بن يوسف، وغيرهم. وقال ابن معين: هو يماني ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . والحديث أخرجه النسائي. ويقال في إسناد هذا الحديث مقال. قلت: لعله كان من جهة وهب بن مأنوس. ص- قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس؟ قال: أما عبد الرزاق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس. ش- يعني مأنوس بالنون أو بالباء الموحدة. قال أحمد بن صالح: أما عبد الرزاق ابن همام فيقول: مأبوس بالباء، وأما حفظي فمأنوس بالنون، وذكر البخاري في "تاريخه"/ بأنوس؛ [2/20- أ] بالباء الموحدة في أوله والنون، وقال ابن أبي حاتم، مأهنوس بزيادة الهاء قبل النون، ويقال ميناس، كان من عدن. وقال بعضهم كان من أهل البصرة سمع سَعيد بن جبير. روى عنه: إبراهيم بن عمر بن كيسان، وإبراهيم بن نافع. روى له: أبو داود، والنسائي (2) . ص- وهذا لفظ ابن رافع، قال أحمد: عن سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك. ش- أي: هذا الذي ذكره لفظ محمد بن رافع. قال أحمد بن صالح المصري: عن سعيد بن جبير عن أنس بن مالك بدون لفظ "سمعت" في الموضعين. * * * 147-باب: الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع؟ (3) أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يدرك الإمام حال كونه ساجدا كيف يصنع.

_ (1) المصدر السابق (2/ 217) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6766) . (3) ذكر هذا الباب في سنن أبي داود بعد الباب الآتي.

866- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: نا نافع بن يزيد قال: حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتاب، وابن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "إذا جئتُم إلى الصلاة ونَحْنُ سُجُود فاسْجُدُوا ولا تَعُدوَها شَيْئًا، ومن أدرَكَ الركَعة فقد أدْركَ الَصَلاةَ " (1) . ش- سعيد بن الحكم بن محمد المصري، ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري. ويحيى بن أبي سليمان المديني. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وسعيد المقبري، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه: نافع بن يزيد، وأبو الوليد الطيالسي. قال أبو حاتم: مضطرب، يكتب حديثه. روى له: أبو داود، والترمذي (2) . وريد بن أبي العتاب مولى أم حبيبة زوج النبي- عليه السلام-، ويقال: مولى أخيها معاوية. روى عن: سعد بن أبي وقاص، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبي سلمة وغيرهم. روى عنه: موسى بن يعقوب الزمعي، وزياد بن سعد، ونوح بن أبي بلال، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود (3) . قوله: " ونحن سجود " جملة حالية، و "السجود" جمع ساجدِ. قوله: "ولا تعدوها " أي: لا تعدوا تلك السجدةَ شيئا، والمعنى أنها لا تحسب بركعة، بخلاف ما إذا أدرك الإمام وهو في الركوع، فإن ذلك الركوع يعد من تلك الركعة، لأن للركوع حكم القيام بخلاف السجدة. قوله: أومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة"، أجمعت العلماء أن هذا ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة، وتقديره

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6843/31) . (3) المصدر السابق (10/ 2116) .

أدرك حكم الصلاة أو وجوبها، أو فضلها، وقال القرطبي: هذا ظاهره لا يصح لقوله- عليه السلام-: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا". وروى جابر: " من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يُسلم فقد أدرك فضل الجماعة ". رده أبو أحمد بكثير بن شنظيرِ، وقال القرطبي: والصحيح أنه أدرك فضل الجماعة. وقيل: أدرَكَ حكم الصلاة. أي: يلزمه من أحكامها ما لزم الإمام من الفساد وغيره. ثم إذا قلنا إنه أدرك فضل الجماعة، فهل يكون ذلك مُضاعفاً كما يكون لمن حضرها من أولها؟ أو يكون غير مضاعف؟ اختُلف فيه على قولين، وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف، وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء، كما جاء في ظاهر حديث أبي داود عن أبي هريرة: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها " (1) وإلى عدم التضعيف ذهبت طائفة أخرى. والى هذا يشير قول أبي هريرة: " ومن فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خيرْ كثير،، واختلفوا هل يكون مدركا للحكم أو للفضل أو للوقت، بأقل من ركعة، فذهب مالك وجمهور الأمة- وهو أحد قولي الشافعي- إلى أنه لا يكون مدركاً شيئا من ذلك بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف والشافعي- في أحد قوليه- إلى أنه يكون مدركا لحكم الصلاة. قال القرطبي: واتفق هؤلاء على إدراكه العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي في قول هو مدرك بالتكبيرة لها لاشتراكهما في الوقت، وعنه أنه بتمام القيام للظهر يكون قاضياً لها بعدُ، ثم هذه الركعة التي يدرك بها الوقت هي/ بقدر ما يكبر فيها للإحرام، ويقرأ أم القرآن [2/20 - ب] قراءة معتدلة، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين يفصل بينهما، ويطمئن في كل ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب

_ (1) تقدم برقم (546) .

قراءة أم القرآن في كل ركعة تكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها. وأشهبُ لا يراعي إدراك السجدة بعد الركعة. وسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعية أو اللغوية؟ وأما التي يدرك بها فضيلة الجماعة وحكمها، بأن يكبر لإحرامها، ثم يركع، ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه وهذا مذهب الجمهور. ويروى عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. ورُوي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وان لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام، وقيل: يجزئه لان رفع الإمام ما لم يرفع الناس، ونقل هذا عن الشعبي، قال: وإذا انتهى إلى الصف الآَخر ولم يرفعوا رءوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه، وقد رفع الإمام رأسه، فإنه يركع وقد أدرك الصلاة لأن الصف الذي هو فيه إمامه. وقال ابن أبي ليلى، وزفر، والثوري: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الصلاة. وقال قتادة وحميد: إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام قبل أن يضع يدَيْه على ركبتيه فإنه لا يعتد بها. وقال ابن سيرين: إذا أدرك تكبيرةً يدخل بها في الصلاة وتكبيرة للركوع، فقد أدرك تلك الركعةَ. قال القرطبي: وقيل: يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. وقال أبو العالية: إذا جاء وهم سجود سجد معهم، فهذا سلم الإمام قام، فركع ركعة ولا يَسجدُ، ويعتد بتلك الركعة، وعن ابن عمر: أنه إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رءوسهم، اعتد بها، وإن رفعوا رءوسهم قبل أن يصل إلى الصف، فلا يعتد بها. والحديث: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" وعند الدارقطني: "من أدرك ركعةً قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها،. وعند الطحاوي في " المشكل": "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها".

148- باب: أعضاء السجود

قال: وكثر الرواة لا يذكرون: "وفضلها" قال: وهو الأظهر؛ لأن معنى قوله:" فقد أدرك الصلاة" أي: أدرك فضلها ولو أدركها بإدراك ركعة منها لما وجب عليه قضاء بقيتها، وقد جعل بعض العلماء هذا المقدار مدركا لها في الجمعة، والمغمى عليه يُفيق، والحائض تطهر، والكافر يُسلم، فهؤلاء يدركون الوجوب. وعند النسائي- أيضا-: " من أدرك من صلاة ركعةً فقد أدركها"، وعنده- أيضا-: " فقد أدرك الفضيلة ويُتم ما بَقي" وضعفه. وفي "سنن الكجي ": " من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها". وعند مسلم: " من أدرك [ركعة] من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة،. وفي لفظ: " فقد أدرك الصلاة كلها". ورواه النسائي بسند صحيح: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته". وروى أبو علي الحنفي، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة: من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الفَضْل. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا يَرْويه عن مالك غيرُه. وفي رواية عمار ابن مطر، عن مالك، وتفرد به: فقد أدرك الصلاة ووقتها". وعند النسائي من حديث سالم مُرسَلاً: "فقد أدرك الصلاة إلا أنه يقضي ما فاته". * * * 148- بَاب: أعْضَاء السجُود أي: هذا باب في بيان أعضاء السجود في الصلاة. وفي بعض النسخ: " باب في أعضاء السجود". 867- ص- نا مُسدد، وسليمان بن حرب قالا: نا حماد بن زيد (1) ، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- قال: " أمرتُ ". قال حماد: أمِرَ نَبيكم أن يَسْجدَ على سَبْعة، ولا يَكفُّ شعرا، ولاَ ثَوبا (2) .

_ (1) في الأصل: "حماد بن سلمة" خطأ، وانظر: التحفة (5/ 5734) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: السجود على سبعة أعظم (809) ، مسلم: =

ش- قال البخاري: نا قبيصةُ: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أمِر النبي- عليه السلام- أن يسجد على [2/21 - أ] سبعة أعضاء، ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة، واليدين/ والركبتين والرجلين،. وفي حديث شعبة، عن عمرو: "أُمرنا أن نسجد على سَبعة أعظم،. وفي حديث عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال النبي - عليه السلام-: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة، - وأشار بيده إلى أنفه- والرجلين، وأطراف القدمين، ولا يكفتُ الثياب، ولا الشعر". وعند ابن ماجه: قال ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين، والركبتين، والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدَا. وعند مسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين والقدمين". وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من الآراب السَبْعة بعد إجماعهم على أن السجود على الأرض فريضة. وقال الشيخ محيي الدين (1) : أعضاء السجود سبعة وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً وأما الجبهة: فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز. هذا مذهب الشافعي، ومالك، والأكثرين. وقال أبو حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء. وقال أحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً لظاهر

_ = كتاب الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب (490) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في السجود على سبعة أعضاء (273) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: على كم السجود (2/ 7 0 2) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: السجود (883) . (1) شرح صحيح مسلم (4/208) .

الحديث. وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد؛ لأنه قال في الحديث: " سبعة " فإن جعلا (1) عضوين صارت ثمانيةً، وذكر الأنف استحبابا. وقال ابن بطال: وقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه. رُوي ذلك عن: ابن عمر، وعطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، والقاسم، وسالم، والشعبي، والزهري، قال: وهو قول مالك، ومحمد، وأبي يوسف، والشافعي في أحد قوليه، وأبي ثور، والمستحب عندهم: أن يسجد على أنفه مع جبهته. ورُوي عن أبي حنيفة: إن اقتصر على أحدهما- الأنف أو الجبهة- جاز، هذا هو الصحيح من مذهبه. وروى أسد بن عَمرو عنه: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، وهو قول تلميذيه. وفيا شرح الهداية لما عنه: إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما. وفي " الأسرار " للدبوسي: يُجزئه. وقد أشار أبو حرص في "المنظومة": إنه يجوز بلا عذر، وحكى ابن شاس في " الجواهر " أنه قول مالك. وقال ابن جرير في "تهذيب الآثار": حكم الجبهة والأنف سواء فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتَيْه دون الأصابع، أو الأصابع دونهما للفرق بين ذلك، قال: وبنحو هذا الذي قلناه قال جماعة من السلف. وقال ابن بلال: وبه قال طاوس، وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم. وفي " المبسوط": ونقل عن ابن عمر مثل قول: إمامنا النعمان، وذكر أصحاب التشريح أن عَظْمتي الأنف تبتدآن من قرية الحاجب وتنتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة

_ (1) في الأصل: " جعل" وما أثبتناه من شرح مسلم، وهو الجادة.

- التي هي أعلى الخد- واحداً، وهو المعنى المشار إليه في الحديث على الجبهة: " وأشار بيده إلى أنفه"، فقد سوى بينهما ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعا، ولا يكون سبعة إلا إذا كانت الجبهة والأنف عضواً واحداً. وذكر ابن بطال أن في بعض طرق حديث ابن عباس.: " أُمرتُ أن أسجد على سبْعة، منها: الوجْه ". انتهى. يُؤيده قوله- عليه السلام-:- "وهو ساجدٌ"- فيما رواه مسلم: " سجَد وجهي للذي خلقه " الحديث. وفي " العارضة" لابن العربي: في بعض طرقه: " الجبهة أو الأنف ". وأما اليدان والركبتان والقدمان: فهل يجب السجود عليها؟ فقال الشيخ محيي الدين (1) : فيه قولان للشافعي: أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحبابا متأكداً، والثاني: يجبُ وهو الأصح، وهو الذي رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، وإذا أوجبنا لم يجب كشف القدمين والركبتين. وفي الكفين/ قولان للشافعي، أحدهما: يجب كشفهما كالجبهة، وأصحهما لا يجبُ. وفي "شرح الهداية": السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب. وفي " الواقعات": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يُجزئه. وقال أبو الطيب: مذهب الشافعي: أنه لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر وأحمد بن حنبل: يجبُ، وعن أحمد في الأنف روايتان. قوله:" ولا نكُف (2) شعرا ولا ثوبا"، وعند مسلم: " ولا نكفت الثياب ولا الشعر"؛ وهما بمعنى واحد، وهو الجمع والضم، والكفْت: الجمع والضم ومنه قوله تعالى: "ألمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كفاتاً" (3) أي: نجمع الناس في حياتهم وموتهم، وهو بمعنى الكل.

_ (1) شرح صحيح مسلم (208/4) . (2) كذا، وفي من الحديث: " يكف ". (3) سورة المرسلات: (25) .

" (1) واتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمرا، أو كمه أو نحوه، أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته. واحتج الطبري في ذلك بالإجماع، وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري، ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقاً لمن صلي كذلك، سواء تعقده للصلاة أم كان كذلك قبلها، لا لها بل لمعنى آخر. وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح: هو الأول. قال العلماء: والحكمة في النهي: أن الشعر يَسْجد معه، ولهذا مَثلَهُ بالذي يُصلي وهو مكتوف. 868- ص- نا محمد بن كثير: أنا شعبة، عن عَمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- قال: " أمِرتُ "- "وربما قال-: " أمِرَ نبيكُم أن يَسْجدَ على سبعْةِ آرَاب " (2) . ش- الآرابُ: جمع إِرْب- بكسر الهمزة، وسكون الراء- وهو العُضو، أي: أمر أن يَسْجد على سبْعة أعضاء: الجبهة، واليدَيْن، والركبتين، والقدمَين. والحديث: رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ورواه البزار في (سننه) بلفظ: "أمر العبد أن يَسْجد على سَبْعة آراب "، وقال: وقد روى هذا الحديث سَعْد، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم لا نعلم أحدا قال: (آراب) إلا العباسُ. قلت: قد قالها ابن العباس- أيضا- كما أخرجه أبو داود عنه مرفوعا، وقالها سَعْد- أيضا- كما رواه أبو يَعْلى الموصلي في " مُسنده" والطحاوي في "شرح الآثار" من حديث عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عَن أبيه: سَعْد بن أبي وقاص، عن النبي- عليه السلام- قال: "أُمِر العبدُ أن يَسْجد على سبْعة

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (209/4) . (2) انظر التخريج المتقدم.

آراب "، وأخطأ المنذري إذ عَزَى في " مختصره " هذا الحديث للبخاري ومسلم؟ إذ ليس فيهما لفظ "الآراب " أصلا. 869- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا بكر- يعني: ابن مضر-، عن ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سَعْد، عن العبّاس بن عبد المطلب أنه سمعَ رسولَ اللهِ- عليه السلام- يقولُ: " إذا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ معه سَبْعةُ آرَابٍ: وجهُهُ، وكَفاهُ، ورُكبتَاه، وقدَمَاهُ " (1) . ش- بكر: ابن مضر المصري، وابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ومحمد بن إبراهيم: ابن الحارث التيمي، وعامر بن سَعْد: ابن أبي وقاص. والعباس بن عبد المطلب: ابن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي، يكنى أبو (2) الفضل، عم رسول الله، وكان أسن من رسول الله- عليه السلام- بسنتَيْن أو ثلاثة، شهد بدرا مع المشركين وأسر يومئذ فأسلم بعد ذلك، وقيل: أسلم قبل بدْر، وكان يكتم إسلامه، وأراد القدوم إلى المدينة فأمره النبي- عليه السلام- بالمقام بمكة وقال له: إن مقامك بمكة خير، وكان يكتب إلى النبي- عليه السلام- بأخبار المشركين وكان المسلمون يتقون به، ولذلك أمره- عليه السلام- بالمقام بمكة، رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- خمسة (3) وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث ولمسلم ثلاثة أحاديث. روى عنه: ابناه: عبد الله وكثير، وجابر بن عبد الله، والأحنف بن قيس، وعامر

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب (491) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في السجود على سبعة أعظم (272) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: تفسير ذلك (2/ 8 0 2) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسمعة فيها، باب: السجود (5 ول) . (2) كذا. (3) في الأصل: "خمسون" خطأ.

ابن سَعْد، وغيرهم. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وهو/ ابن ثمان [2/22- أ] وثمانين. روى له الجماعة (1) . والحديث: رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه" والحاكم في " مستدركه " وسكت عنه. ورواه الطحاوي - أيضا- ثم قال: فكانت هذه الأعضاء هي التي عليها السجود، فنظرنا كيف حكمُ ما اتُفِقَ عليه منها، ليُعلمَ كيف حكمُ ما اختَلَفوا فيه منها؟ فرأينا الرجل إذا سجد يَبْدأُ بوضع أحد هذين: إما ركبتَيْه وإما يدَيْه، ثم رأسه بعدهما، ورأيناه إذا رفع بدأ برأسه، فكان الرأس مُقدماً في الرفع، مُؤخراً في الوضع، ثم يُثني بعد رفع رأسه برفع يَديْه ثم ركبتيه، وهذا اتفاق منهم جميعاً، فكان النظر على ما وصَفنا في حكم الرأس إذا كان مؤخرا في الوضع لما كان مقدما في الرفع، أن تكون اليدان كذلك، لما كانتا مقدّمتين على الركبتين في الرفع أن يكونا مؤخرين عنهما في الوضع، فثبت بذلك ما روى وائل. أرادَ به ما روى وائلُ بن حجر قال: كان رسول الله- عليه السلام- إذا سجد بدأ بوضع ركبتيه قبل يدَيْه، ثم قال: فإذا هو النظر وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقد روي ذلك- أيضا- عن عمر، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. واعلم أن حديث العباس هذا عَزاهُ جماعةٌ إلى مُسلم، منهم: أصحاب الأطراف، والحُميدي في " الجمع بين الصحيحين "، والبَيْهقي في "سننه" وابن الجوري في " جامع المسانيد" وفي " التحقيق "، ولم يذكره عبد الحق في " الجمع بين الصحيحين "، ولم يذكر القاضي عياش لفظ "الآراب" في " مشارق الأنوار" الذي وضعه على ألفاظ البخاري ومسلم و "الموطأ"، وقال القاضي: وهذه اللفظة لم تقع عند شيوخنا في مسلم، ولا في النسخ التي رأينا، والتي في كتاب مسلم: " سَبْعة أعظم ".

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 94) ، وأسد الغابة (3/ 164) ، والإصابة (2/ 271) . 8. شرح سنن لكي داوود 4

انتهى. والذي يظهر- والله أعلم- أن أحدهم سبق بالوهم وتبعه الباقون، وهو محل اشتباه، فإن العباس يَشتبه بابن عباس، و"سبْعة آراب" قريب من "سَبْعة أعظُم ". 870- ص- نا أحمدُ بن حَنْبل: نا إسماعيل- يعني: ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رفعَه قال: "إِن اليَدينِ تَسْجُدَانِ كما يَسْجُد الوَجْهُ، فإذا وَضعَ أحدُكُم وَجْهَه فليَضعْ يدَيْه، "إذا رَفعَه فليَرْفَعْهُمَا" (1) . ش- إسماعيل: ابن إبراهيم، أبو بشْر البصري، وأيوب: السختياني. قوله: " كما يَسجد الوجهُ " أراد به الجبهة، من باب إطلاق الكل على الجُزء، حتى لو سجد على خديه أو ذقنه لا يجور لأن المراد من السجود تعظيم الله تعالى، والسجود عليها لم يُعرف تعظيما في الشاهد، فلم يَصيرا محلاً للسُجود بالإجماع، والأصل في السجود: وضع الوَجْه ولكنه متعذر لأن الجَبْهة والأنف عظمان ناتئان يمنعان وضع الكل، فكان المرادُ من قوله:" فإذا وضع أحدكم وجهه" بعْض الوجه وهو الجبْهة. وقد استدل مَنْ يرى وضع اليَدْين واجبا بقوله:" فليَضَع يدَيْه"، وقد ذكرنا الخلاف فيه، وأنه عند أصحابنا ليس بواجب لتحقق السجدة بدونه، وكذلك وضع الركبة؛ لأن السجدة تتحقق بدونها. وأما وضع القدمين: فقد ذكر القدوري في " شرح مختصر الكرخي" أنه فريضة في السجود لأنه لا يتحقق بدون وضع القدمين. والجواب عن الحديث: أن الأمر فيه محمول على النَّدْب، ولهذا تصح صلاة المكتوف بالإجماع. وقد ذكر أصحابنا أن من السُنَّة أن يضع أولا ما كان أقرب إلى الأرض: الركبة، ثم اليد، ثم الوجْه، وعند الرفع يرفع

_ (1) النسائي: كتاب التطبيق، باب: وضع اليدين مع الوجه في السجود (207/2) .

149- باب: السجود على الأنف والجبهة

أولا ما كان أبْعد من الأرض، فيَرفع وجهه، ثم يديْه، ثم ركبتيه. والحديث: أخرجه النسائي. 149- بَاب: السجُود على الأنف والجبهَةِ أي: هذا باب في بيان السجود على الأنف والجَبهة وليْس في غالب النسخ لفظ الباب. 871- ص- نا محمد بن المثنى: نا صفوان بن عيسى: نا معمر، عن يحيي بنِ أبي كثير، عن أي سلمة، عن أي سعيد الخدري، أن رسولَ الله " رُؤي على جبهَتِه وعلى أرْنبتِهِ أثَر طينٍ من صَلاةِ صَلاهَا بالناس" (1) . ش- صفوان بن عيسى: أبو محمد البصري، ومعمر: ابن/ راشد [2/22- ب] قوله: "رؤِيَ" على صيغة المجهول. قوله: "وعلى أرْنبته" الأرْنبةُ: طرف الأنْف. وبهذا الحديث استدل من قال: لابد من السجدة على الجبهة والأنف جميعاً، ولا يقتصر على إحديهما، وبما روى الترمذي من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي- عليه السلام- كان إذا سجدَ أمكن أنفه وجبهته الأرض، ونحى يدَيْه عن جَنْبيه، ووضع كفيه حذو منكبَيه، ثم قال: حديث أبي حُميد حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم: أن يَسجد الرجل على جبهته وأنفه، فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم: يُجزئه، وقال غيرهم: لا يُجزئه حتى يَسْجد على الجبهة والأنف.

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ (66) ، مسلم: كتاب الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها (1167) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: السجود على الجبن (208/2) ، ابن ماجه: كتاب "الصيام" باب: في ليلة القدير (1766) ، ويأتي برقم (1352) .

وروى أبو بكر بن أبي شيبة: نا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة قال: مرّ رسول الله على إنسان ساجد لا يَضع أنفَه في الأرض فقال: "مَنْ صلى صلاة لا يُصيبُ الأنفُ ما يُصيب الجبينُ لم تُقبل صلاتُه ". قلت: هذا مُرسل. وقال- أيضا-: نا ابن فضيل، عن وِقاء، عن سعيد بن جبير قال: سمعته يقولُ: ما تمت صلاة رجل حتى يُلْزق أنفه كما يُلزق جبهته. واستدل من يرى الاقتصار على الجبهة بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة - أيضا- من طريق جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله يَسْجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر. ونا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال: إن شئت فاسجد على أنفك، وإن شئت فلا تفعل. ونا معن، عن خالد بن أبي بكر قال: رأيت القاسمَ وسالما يسجدان على جباههما، ولا تمس الأرض أنوفهما. نا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر في رجل لم يَسجد على أنفه قال: تجزئه. نا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: لا يضره. وحديث الخدري: أخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه. وأخرجه أحمد- أيضا- في " مسنده" في حديث طويل، وفي آخره: "فرأيتُ رسول الله وإن على أنفه وجبهته أثر الماء والطين". وطريق آخر:" وإن جبهته وأرنبة أنفه لفي الماء والطين،. 872- ص- نا محمد بن يحيى: نا عبد الرزاق، عن معمر نحوه (1) . ش- أشار به إلى طريق آخر، وهو عن محمد بن يحيي بن فارس، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد نحو الحديث المذكور.

_ (1) انظر الحديث السابق.

150- باب: صفة السجود

150- بَاب: صِفَة السُّجُودِ أي: هذا باب في بيان صفة السجود، وفي بعض النسخ: " باب كيف السجود؟ ". 873- ص- نا الربيع بن نافعِ أبو توبة: نا شريك، عن أبي إسحاق قال: وَصَفَ لنا البراءُ بنُ عازب فوضعَ يدَيْهِ واعتمدَ على رُكبتَيهِ، ورفعَ عَجِيزَتَه وقال: هكذا كان رسولُ اللهِ يَسْجدُ (1) . ش- شريك: ابن عبد الله، وأبو إسحاق: السبِيعي. قوله: " ورفع عجِيزته " العجِيزَة: العجزُ وهي للمرأة خاصة، فاستعارها للرجل. واستفيد من الحديث ثلاث فوائد؛ الأولى: وضع اليدين، والثانية: الاعتماد على الركبتين، والثالثة: رفع العجيزة، والمرادُ منه: التجافي. والحديث: أخرجه النسائي، وابن أبي شَيْبة. 874-ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة، عن قتادة، عن أنس أن النبي- عليه السلام- قال: " اعتَدلُوا في السجود، ولا يَفترشْ أحدُكُم ذرَاعَيْهِ افْتراشَ الكلبِ " (2) . ش- اعتدال السجود: استقامته وتثقيفه. والحديث: أخرجه الأئمةُ الستة. وعند ابن خزيمة عن أبي هريرة يرفعه: " إذا سجد أحدكم فلا يفترش يدَيْه افتراش الكلب، وليضم فخذيه ". وروى أبو بكر بن أبي

_ (1) النسائي: كتاب التطبيق، باب: صفة السجود (2/ 212) . (2) البخاري: كتاب المواقيت، باب: المصلي يناجي ربه عبر وبَئَ (532) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الاعتدال في السجود ووضع الكفن على الأرض (493) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الاعتدال في السجود (275) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: الاعتدال في الركوع (2/ 187) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الاعتدال في السجود (892) .

شيبة: نا حفص بن غياث وأبو معاوية وأبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال النبي- عليه السلام-: " إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب". والحكمة في هذا: أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبْعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، فلو تركه كان مُسيئاً، مرتكباً لنهي التنزيه، وصلاته صحيحة. 875- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا سفيان، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن عمّه: يزيد بن الأصم، عنِ ميمونةَ، أن النبي- عليه السلام- كانَ إذا سَجَدَ جَافَى بين يديْهِ حَتى لو أن بهْمة أرَادَتْ أن تمر تحتَ يديْه مَرت" (1) . [2/23 - أ] / ش- عُبَيد الله بن عَبْد الله: ابن الأصم أخو عَبْد الله وهو أصغرهما. سمع: عمه: يزيد بن الأصم. روى عنه: مروان بن معاوية الفزاري، وعبد الواحد بن زياد. روى له: مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه (2) . ويزيد بن الأصم: واسم الأصم: عَمرو، وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي- عليه السلام- وابن خالة ابن عباس، وقد ذكرناه. قو له: " جافى" أي: باعد. قوله: "أن بَهْمة" قال أبو عُبيد وغيره من أهل اللغة: البَهْمة واحد البَهْم وهي الولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البَهْم: بِهام - بكسر الباء- ت وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصةً، وتطلق على الذكر والأنثى، قال: والسؤال: أولاد المعزى.

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختتم به وصفة الركوع والاعتدال منه والسجود والاعتدال منه (496) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: التجافي في السجود له 110) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: السجود (. من) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3647) .

والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. " وفي مسند أبي يَعْلى المَوْصلي ": أن تَمرَّ تحت يديْه" مثل رواية أبي داود. وعند غيرهما: "أن تمرّ بين يدَيْه،. ورواه الحاكم في "مستدركه"، والطبراني في " مُعجمه " وقالا فيه: " بُهَيْمة " بتَصْغير "بهمة". وقال الشيخ جمال الدين الزيلعي (1) : ورأيت على الباء ضمة بخط بعض الحُفاظ تصغير بهمة، وهو الصواب وفتح الباء فيه خطأ. ورواه البيهقي في " المعرفة " عن الحاكم بسنده، وفي آخره. وقال فيه " بُهَيمة" يعني أن الحاكم رواه بلفظ "بُهيمة"، وسكت الحاكم عنْه. والحديث رواه مسلم بطريقين: الأول: عن ابن عيينة، عن عبيد الله ابن عبد الله بن الأصم، عن عمه: يزيد بن الأصمّ، والثاني: عن مروان الفِزاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم. قال الشيخ محيي الدين (2) : هكذا وقع في بعض الأصول: عُبَيد الله ابن عبد الله بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها: عبد الله مكبرا في الموضعين وفي كثرها بالتكبير في الرواية الأولى والتصغير في الثانية، وكله صحيح فعَبْد الله وعُبيد الله أخوان وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وعبد الله بالتكبير أكبر من عبيد الله، وكلاهما روى عن عمّه: يزيد بن الأصم، وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال، والذي ذكره خلف الواسطي في كتابه "أطراف الصحيحين " في هذا الحديث عبد الله بالتكبير في الروايتَيْن، وكذا ذكره أبو داود وابن ماجه في "سننهما " من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يَذكرا رواية الفزاري، ووقع في "سنن النسائي " اختلاف في الرواة عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقي في " السنن الكبير" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الوزاري بالتكبير.

_ (1) انظر: نصب الراية (387/1) . (2) شرح صحيح مسلم (4/ 1 1 2- 2 1 2) .

قلتُ: النُّسخ المضبوطة المصححة لأبي داود: عُبيد الله بن عبد الله بالتصغير من رواية سفيان ولكنَّ الذي ظهر لي صحة كلام الشيخ محيي الدين أنه بالتكبير من رواية سفيان، وأما الذي بالتصغير فهو من رواية مروان الفزاري، وأبو داود لم يخرج من روايته. وأما ترجمة عَبْد (1) الله بن عَبْد الله بالتكبير فهو ابن الأصم أخو عُبيد الله وهو كبر من أخيه، واسم الأصم: عمرو بن عرْس بن معاوية ابن معاوية بن عبادة بن البكاء بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري، رأى الحسن والحسين، وسمع عمّه: يزيد بن الأصم. روى عنه: سفيان الثوري، وابن عيينة، وعبد الواحد بن زياد، وعبدة بن سليمان، ومروان بن معاوية. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: مُسلم كذا قال صاحب " الكمال " واقتصر على مسلم، وهذا يدل على أن أبا داود لم يَرْو لعبد الله بن عبد الله بالتكبير، وأن الذي روى له هو عبيد الله بالتصغير: ابن عبد الله، كما هو في النسخ المضبوطة؛ فافهم. 876- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير: نا أبو إسحاق، عن التميمي الذي يُحدث التفسيرِ عن ابن عباس " قال: أتيتُ النبيَّ- عليه السلَام- مِن خلفِهِ فرأيتُ بَيَاض إِبْطيِه وهو مُجَخ قد فَرَّجَ يديه (2) . ش- زُهَيْر: ابن معاوية، وأبو إسحاق: السبيعي. والتميميّ جماعة؟ ولكن المراد هاهنا: التميمي الذي يُحدث عن ابن عباس بالتفسير، روى عنه: أبو إسحاق الطبيعي، ولم يَرو عنه غيره، واسمه: أرْبدُ، وقيل: أربدَةُ- بالهاء- وكان يُجالس ابن عباس. روى له: أبو داوود (3) . قوله: " وهو مُجخ"- بضم الميم، وبعدها جيم مفتوحة، وخاء معجمة مشدّدة-، وروي: " كان إذا صلى جخ"- بفتح الجيم،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/ 3360) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 297) .

[2/ 23 - ب] / وبعدها خاء معجمة مُشددة- أي: فتح عضديه عن جَنْبيْه وجَافَاهما عنهما، ويروى: "جَخى"- بالياء- وهو أشهَرُ وهو مثل جَخَّ، وقال بَعضُهم: كان إذا صلى جَخَّ أي: تحوَّل من مكان إلى مكان. وروَى البزار: كان النبي- عليه السلام- إذا صلى جَخَّا، قال: وقال النضر ابن شميل: جخا: لا يتمددُ في ركوعه ولا سجوده. وقال الحاكم: صحيح على شَرْط الشيخين ولم يُخْرجاه، وهو مَعْدود في أفْراد النضر بن شميل. 877- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا عبّاد بن راشد: ثنا الحسن: نا أحمرُ ابن جَرِي صاحبُ رسول اللهِ- عليه السلام- أنَّ رسولَ الله- عليه السلام- كان إذا سَجَدَ جَافَى عَضُديهِ عن جَنْبَيهِ حَتى نَأوِيَ له (1) . ش- عباد بن راشد: التميمي مولى بني كُليب بن يربوع البصري. سمع: الحسن البصري. وروى عن: سعيد بن أبي خيرة (2) . روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر العقدي، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صدوق صالح. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وأنكر على البخاريّ إدخال اسمه في كتاب "الضعفاء" وقال: يحول من هناك. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه (3) . وأحمرُ بن جَرِفي بن ثعلبة بن زيد بن مالك بن سنان، عداده في البصريين. روى عنه: الحسن البصري، ولم يرو عنه غيرُه، روى عن النبي- عليه السلام- حديثا واحدا. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) وأحمرُ بالحاء والراء المهملتين، وجَري: بفتح الجيم، وكسر الراء، وقيل

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: السجود (886) . (2) في الأصل: " حمزة عنه" خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 1/ 77 0 3) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 94) ، وأسد الغابة (1/ 66) ، والإصابة (1/ 22) .

بالتصغير، وقيل: حري- بالحاء المهملة، وقيل: جزء- بفتح الجيم وسكون الزاي، وفي آخره همزة (1) . قوله: "نأوي له " أي: نرِق له ونُرْثي؛ يقال: أوَيْتُ للرجل آوِي له إذا أصابه شيء، فرثيت له. والحديث: أخرجه ابن ماجه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا وكيع، عن عباد بن راشد، عن الحسن قال: حدَّثني أحْمرُ صاحب رسول الله قال: إن كُنا لنَأوِي لرسول الله - عليه السلام- فما يُجافي بفخذيه عن جَنْبيه إذا سَجد. 878-ص- نا عبد الملك بن شعيب بن الليث: نا ابن وهب قال: أخبرني الليث، عن دراج، عن ابن حُجَيْرة، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ عليه السلام- قال: "إذا سَجدَ أحدُكُم فلا يَفْترِشْ يدَيْه افْتِرَاشَ الكَلب، وليضم فَخِذيه " (2) .َ ش- دراج: ابن سَمْعان أبو السَمْح القرشي السَهْمي، مولى عبد الله ابن عَمْرو بن العاص، قال يحيي بن بكير: هو ابن عم عبد الرحمن، رأى عبد الله بن عمرو. وسمع: عبد الله بن الحارث بن جَزء، وأبا الهيثم سليمان بن عمرو، وابن حُجَيرة. ورَوَى عن: السائب مولى أم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. وروى عنه: الليث بن سَعْد، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وغيرهم. قال أحمد: حديثه منكر. وقال ابن معين: ثقة. وقال الدارقطني: مصري متروك. وقال النسائي: مصري ليس بالقوي. توفي سنة ست وعشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي (3) . وابن حُجيرة: اسمُه: عبد الرحمن بن حُجَيرة أبو عبد الله الخولاني المصري قاضي مصْر. سمع: عبد الله بن عَمرٍ و، وأبا هريرة، وعقبة بن عامر. روى عنه: ابنه: عبد الله، والحارث بن يزيد، ودراج،

_ (1) وحكى الذهبي في "المشتبه": " جَزِي " بفتح الميم وكسر الزاي. (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/ 1797) .

151- باب: الرخصة في ذلك

وغيرهم. توفي في المحرم سنة ثلاث وثمانين. روى له: الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: "افتراش الكلب " منصوب بنزع الخافض، أي: كافتراش الكلب. * * * 151- بَابُ: الرخصَة في ذلك (2) أي: هذا باب في بيان الرخصة في افتراش اليدين عند الضرورة. 879- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: اشتَكَى أصحابُ النبي- عليه السلام- إلى النبي- عليه السلام- مَشقةَ السجود عليهم إذا انفرَجُوا، فقال: " اسْتَعِينُوا بالركَبِ " (3) . ش- سُمَي: القرشي المدني، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبو صالح: ذكوان الزيات. قوله: " استعينوا بالركب" قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعي. والحديث: أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي لفظ: " قالوا: يا رسول الله، إن تفريج الأيدي في الصلاة يشق علينا فأمرهم أن يستعينوا بالركب ". ورواه الترمذي- أيضا- وقال: هذا حديث لا نعرفه/ من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي [2/24 - أ]- عليه السلام- إلا من هذا الوجه من حديث الليث، عن ابن عجلان، وقد روى هذا الحديث سفيانُ بن عيينة وغير واحد، عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي- عليه السلام- نحو هذا وكأن رواية هؤلاء أصح، وكذا قاله أبو حاتم في كتاب " العلل".

_ (1) المصدر السابق (17/ 3794) . (2) في سنن أبي داود: " ... في ذلك للضرورة". (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الاعتماد في السجود (286) .

152- باب: التخصر والإقعاء

وفي " المصنف " قال أبو بكر: نا يزيد بن هارون، عن ابن عون، قال: قلت لمحمد: الرجل يَسْجدُ يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال: ما أعلم به بأسا. نا [أبو] عاصم، عن ابن جريج، عن نافع قال: كان ابن عمر يضم يديه إلى جَنْبَيْه إذا سجَد. نا وكيع، عن أبيه، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن قيس بن سكن قال: كل ذلك قد كانوا يفعلون، وينضمون ويتجافون، كان بعضهم ينضم وبَعضهم يجافي. ونا ابن نمير: نا الأعمش، عن حبيب قال: سأل رجل ابنَ عمر: أضَع مرْفقي على فخذي إذا سجدتُ؟ فقال: اسجد كيف يتيسر عليك. 152- بَابُ: التَخصُّر والإِقعاء أي: هذا باب في بيان التخصّر والإقعاء. والتخصّر: وضع اليد على الخاصرة، والإقعاء: فسّرناه غير مرة. 880 - ص- نا هناد بن السري، عن وكيع، عن سعيد بن زياد، عن زياد ابن صُبَيح الحنفي قال: صَلَّيتُ إلى جَنب ابنِ عُمر فَوَضعتُ يَدَيَّ على خَاصرَتي، فلما صَلَّى قال: هذا الصَّلبُ فيَ الصلاة، وكان رسولُ الله- عليه السلاَم- يَنْهَى عنه (1) . ش- سعيد بن زياد: ابن صُبيح الحنفي، روى عن: ابن عمر، روى عنه: وكيع، روى له: أبو داود، والنسائي (2) .

_ (1) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: النهي عن التخصص في الصلاة (2/ 127) . (2) قال الحافظ المضي في تهذيب الكمال (10/ 439) : (ومن الأوهام: سعيد بن زياد بن تسبيح الحنفي، وهو وهم قبيح، وخطأ فاحش- يعني: مِن صاحب "الكمال "- إنما هو سعيد بن زياد الشيباني، عن زياد بن صبيح الحنفي، وقد كتبنا حديثه في ترجمة زياد بن صبيح ". اهـ. يعني: حديث الباب.

153- باب: البكاء في الصلاة

وزياد بن صُبَيح- بضم الصاد المهملة- وقال ابن أبي حاتم: بفتح الصاد، الحنفي المكي ويقال: البصري. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عُمر. روى عنه: سعيد بن زياد. وقال ابن معين: صالح ثقة بصري، وليس بأخي عبد الله بن صُبَيْح. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . قوله: "هذا الصلبُ " أي: شبه الصَّلْب لأن المصلوب يمد باعه على الجذع، وهيئة الصَّلْب في الصلاة: أن يضع يدَيْه على خاصرته ويجافي بين عضدَيه في القيام، وستجيء أحاديث تتعلّق بهذا الباب في " باب الرجل يصلي مختصرا". * * * 153- بَابُ: البُكاء في الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان البكاء في الصلاة. 881- ص- نا عبد الرحمن بن محمد بن سَلام: نا يزيد- يعني: ابن هارون-: نا حماد- يعني: ابن سلمه-، عن ثابت، عن مُطرف، عن أبيه قال: رأيتُ النبي- عليه السلام- يُصَلي وفي صَوْته (2) أزيز كأزيز الرحَى منذ البُكَاءِ (3) .ً ش- عبد الرحمن بن محمد بن سلام: أبو القاسم البغدادي، نزيل طَرسوس. روى عن: يزيد بن هارون، وريحان بن سعيد. روى عنه: أبو داود، والنسائي، ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (4) . وثابت: البُناني، ومتطرف: ابن عبد الله بن الشِخير.

_ 0 (1) المصدر السابق (9/ 2051) . (2) في سنن أبي داود: أصدرها، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (3) النسائي: كتاب السهو، باب: البكاء في الصلاة (3/ 12) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/ 3950) .

154- باب: كراهة الوسوسة وحديث النفس في الصلاة

قوله: " أزيز"- بفتح الهمزة وكسر الزاي الأولى- أي: حنين من الخَوف- بالخَاء المعجمة- وهو صوت البكاء، وقيل: هو أن تجيش جَوْفه وتعلى بالبكاء. وفي "الصحاح": الأزيز: صوت غليان القِدر، وقد أزت القدرُ تؤز أزيزا: غلت، والأز الذي في قوله تعالى: "تَؤُزهُمْ أزا " (1) فهو التهييج والإِغْراء. وفي بعض النسخ: (وفي صَدْره " موضع "وفي صوته". قوله: " كأزيز الرحى" وهو صوتها وجرجرتها، ويُرْوَى: "كأزِيز المِرْجل" والمِرجل- بكسر الميم-: القدْر، وأزيز المِرجل: صوت غليانه وقد سُئلَ بعضُ الجهلة ممن يدعي الفقَه والفضيلة، في مجلس كبير من أكابر مصْر عن معنى (كأزيز المرجلَ) فقال: كصَوْت فرخ الحمام، فضحك كل من هناك على سخافة عقله، وقبح جوابه بجهْله. واستدل صاحب "المحيط" من أصحابنا بهذا الحديث، أن المصلي ينبغي أن يخشع، ويكون قلبه فيها على الخوف من عدله، والرجاء في فضله، ومن لازم الخوف الشديد في القلب: البكاء عادةً، فإذا بكى في صلاته من ذلك الوجه من غير أن يعلو بصوته فلا بأس، أو بكى من اشتياقه إلى الجنة، أو خوفه من النار، ويكره أن يَبكِي لمُصيبة لحقته، أو لذِكر موتاه، ونحو ذلك. والحديث: أخرجه الترمذي، والنَّسائي. 154- بَابُ: كراهة (2) الوسوسة وحديث النفس في الصلاة أي: هذا باب في بيان كراهة الوسوسة، وحديث النفس بالأمور الدنياوية في الصلاة. 882- ص- نا أحمد بن محمد بن حنبل: نا عبد الملك بن عَمرو: نا هشام- يعني: ابن سعد-، عن زيد، عن عطاء بن يَسار، عن زيد بن خالد

_ (1) سورة مريم: (83) . (2) في سنن أبي داود: "كراهية".

الجهني أن النبي- عليه السلام- قال: "من تَوَضأ فأحسنَ وُضوءهُ ثم صَلَّى رَكعتينِ لا يَسْهو فيهما غفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه " (1) . ش- عبد الملك بن عمرو: أبو عامر العقدي، وهشام: ابن سَعْد أبو سَعيد (2) المدني، وزيد: ابن أسلم أبو أسامة القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب. قوله: "فأحسن وضوءه " إحسان الوضوء: تكميل شروطه وسننه وآدابه. قوله: " لا يَسْهُو" أعم من أن يكون السَهْو في الأركان أو الأقوال أو الأفعال؛ والسهو لا يكون إلا من اشتغال القلب بأمور الدنيا، فإذا انقطع عن تعلقات الدنيا، وتوجه بكليته إلى الله، غفر له ما تقدم من ذنبه ما خلا الكبائر وحقوق العباد. 883 - ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا زيد بن الحُباب: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جُبَير بن نُفَيْر الحَضْرمي، عن عقبةَ بن عامر الجهني أن رسولَ الله- عليه السلام- قال: "مَا من أَحد يَتوضأ فيُحسِنُ الوُضُوء، ويُصلي رَكعتين مُقْبل (3) بقلبه وَوَجْهِهِ عليهَما ألا وَجَبتْ له الجنةُ " (4) . ش- أبو إدريس: اسمه: عائذُ الله بن عبْد الله، وقد ذكرناه. والحديث قد تقدم مطولا في كتاب الطهارة، في "باب ما يقول الرجل إذا توضأ" (5) . * * *

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " أبو سعد " خطأ. (3) في سنن أبي داود: " يقبل ". (4) تفرد به أبو داود. (5) تقدم برقم (157) .

155- باب: الفتح على الإمام في الصلاة

155- بَابُ: الفتح على الإمَام فِي الصَّلاة أي: هذا باب في بيان فتح المصلي علىَ إمامه في الصلَاة إذا استَطْعَمَ ذلك. 884 - ص- نا محمد بن العلاء، وسليمانُ بن عبد الرحمن الدمشقي قالا: أنا مروانُ بن معاوية، عن يحيى الكاهلي، عن المُسَورٍ بن يزيد المالكي أن رسولَ الله- عليه السلام-. قال يحيى: "ربما قال: شهدتُ رسولَ الله يَقْرأ في الصلَاة فَتركَ شَيئا لم يَقرأهُ فقال له رجل: يا رسول الله، تَرَكْتَ آيةً كَنَا وكَذا؟ فقاَلَ له رسولُ الله: " فَهلا أذكَرْتَنِيهَا"؟ (1) . ش- سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: ابن بنت شرحبيل. ويحيي: ابن كثير الكاهلي الأسدي الكوفي. سمع: المُسور بن يزيد. روى عنه: مروان بن معاوية. قال أبو حاتم: هو شيخ. روى له: أبو داود (2) . والمُسورُ- بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد الواو وفتحها- ابن يزيد الأسدي المالكي. قال أبو بكر الخطيب: يروى عنه عن النبي - عليه السلام- حديث واحد. انتهى. وروى له: أبو داود. والمالكي هذا نسْبة إلى بطن من بني أسد بن خزيمة. وفي الرواة: المالكي نسبة إلى قبائل عدة، والمالكي إلى الجد، والمالكي إلى المذهب، والمالكي إلى القرية المشهورة على القراءة، يُقال لها: المالكية. وذكره ابن أبي حاتم وأبو عُمر النمْري وغيرهما في باب من اسمه: مِسْور - بكسر الميم وسكون السين- والذي قيده الحُفاظ فيه ما ذكرناه (3) . قوله: " قال يحيى" أي: يحيي الجاهلي المذكور، ثم حكم هذا

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6905) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (418/3) ، وأسد الغابة (5/ 176) ، والإصابة (3/ 0 42) .

الحديث أن العلماء " (1) اختلفوا فيه؛ فروي عن عثمان بن عفان، وابن عمر أنهما (2) كانا لا يَريان بتلقين الإمام بأساً؛ وهو قول عطاء والحسن (3) ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن ابن مَسعود الكراهة في ذلك، وإليه ذهب الشعبي والثوري". وقال أصحابنا: إذا فتح على غير إمامه فسدت صلاته؛ لأنه تعليم وتعلم، فكان من كلام الناس، وفي الأصل: شرط التكرار- أي: في الفتح- لأنه ليس من أعمال الصلاة فيُعفى القليل منه، ولم يشترطه (4) في " الجامع الصغير" لأن الكلام نفسه قاطع وإن قل، وإن فتح على إمامه " يكن كلاما استحسانا، سواء قرأ ما تجوز به الصلاة أو لم يقرأ هذا هو الصحيح لجواز أن يجري على لسانه ما يكون مفسدا للصلاة، فيكون المقتدي مضطرا إلى الفتح. وقيل: إذا قرأ ما تجوز به الصلاة ففتح عليه، فسدت صلاته لأنه " لا يحتاج ح (5) إلى الإصلاح، ثم إنه ينوي الفتح على إمامه دون القراءة هو الصحيح لأنه مرخص فيه، وقراءته ممنوع عنه، ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقي من غير ضرورة، وينبغي للمقتدي أن لا يعجل بالفتح، وللإمام أن لا يُلجئهم إليه بل يركع/ إذا جاء أوانه، أو ينتقلُ إلى آية أخرى، وتفسير الإلجاء: أن [2/25 - أ] يُردد الآية، أو يقف ساكتاً. ص- قال سليمان في حديثه: قال: كُنتُ أرَاها نُسِخَت. ش- أي: قال سُليمان بن عبد الرحمن: كنتُ أظنها نُسخت، والضمير راجع إلى قصة فتح المصلي على الإمام ولهذا قال إبراهيم النخعي: الفتح كلام، على ما روى أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا

_ (1) انظر: معالم السنن (1/ 187) . (2) في الأصل: " أنها " خطأ. (3) في المعالم زيادة: "وابن سيرين". (4) في الأصل: "يشترط". (5) أي: "حينئذ". 9. شرح سنن أبي داوود 4

شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وعن مغيرة، عن إبراهيم قالا: هو كلام- يعني: الفتح على الإمام. حدَثنا ابن علية، عن ميمون أبي حمزة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود في تلقين الإمام: إنما هو كلام يلقنه إليه. ونا حفص، عن محمد بن قيس، عن مسلم بن عطية أن رجلاً فتح على إمام شريح وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له: اقض صلاتك. ص- وقال سليمان: حدثنا يحيي بن كثير (1) . ش- أشار بهذا أن سليمان روى هذا الحديث من طريقين: طريق مروان ابن معاوية، وطريق يحيي بن كثير بإسقاط مروان من البين. ورَواه أحمدَُ في "مسنده" عن سريج (2) بن يونس، عن مروان بن معاوية، عن يحيي بن كثير، عن مسور بن يزيد. ص- نا يَزيد بن محمد الدمشقي: نا هشام بن إسماعيل: نا محمد بن شعيب: نا عبد الله بن العلاء بن زبر، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرَ، أن النبي- عليه السلام- صلي صَلاةً فقرأ فيها فلُبسَ (3) عليه، فلفا انصرف قال لأبيّ: " أصليتَ مَعنا؟ " قال: نعم، قال: "فما مَنَعَكَ؟ ". ش- يزيد بن محمد: ابن عبد الصمد بن عبد الله بن يزيد بن ذكوان القرشي الهاشمي مولاهم الدمشقي أبو القاسم، روى عن: هشام بن إسماعيل العطار، وأبي مسْهر، ويحي بن صالح، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو عوانة الإسفرائيني وغيرهم. توفي بدمشق سنة- سبع وسبعين ومائتين، وكان ثقة. وقال النسائي والدارقطني وابن أبي حاتم: هو ثقة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: "حدثنا يحيى بن كثير الأزدي قال: حدثنا المسور بن يزيد الأسدي المالكي". (2) في الأصل: "شريح" خطأ. (3) سبب فوقها المصنف. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 44 70) .

156-باب: النهي عن التلقين

وهشام بن إسماعيل: ابن يحيى بن سليمان بن عبد الرحمن العطار أبو عبد الملك الحنفي، وقيل: الخزاعي الدمشقي. سمع: إسماعيل بن عياش، ومحمد بن شعيب، ومروان بن محمد الطاطري، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، والعباس بن الوليد، وأحمد بن عبد الواحد الدمشقيون، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان شيخا صالحا. مات سنة عشر ومائتين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) . ومحمد بن شعيب: ابن شابور الدمشقي، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر: الدمشقي أبو زبر الربًعي. قوله: "فلُبسَ عليه"- بضم اللام وكسر الباء المخففة- من اللَبْس- بفتح اللام- وَهو الخَلْط. قوله: "فلما انصرف " أي: فلما خرج من الصلاة. قوله: "قال لأي " أي: قال النبي- عليه السلام- لأبي بن كعب: "أصليتَ معنا؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وفي بعض الرواية: " كُنتَ معنا؟ "، وإنما قال له من بين سائر الأصحاب لأنه كان أقرأهم. قوله: " فما يَمنعك" أي: من الفَتْح؛ وهذا فيه تصريح على جواز الفتح على إمامه، وتقييد بأن الفتح إنما يجوز إذا كان ممنْ هو في صلاته. 156-بَابُ: النهي عَن التَّلقين أي: هذا باب في بيان النهي عن تلقين المصلي الَإمامَ في الصلاة. 885 - ص- نا عبد الوهاب بن نجدة: نا محمد بن يوسف الفريابي، عن يُونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " يا علي، لا تَفتحْ على الإِمَام في الصلاةِ" (2) .

_ (1) المصدر السابق (30/ 6568) . (2) تفرد به أبو داود.

ش- يونس بن أبي إسحاق: عَمرو بن عبد الله السبِيعي. والحارث: ابن عبد الله الأعور، أبو زهير الهمداني الخارفي الكوفي. سمع: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. روى عنه: عبد الله ابن مرة الخارفي، وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي يقولَ: الحارث الأعور كذاب. وقال أبو إسحاق السبيعي: زعم الحارث الأعور وكان كذابا. وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا ممن يحتج بحديثه. وقال علي بن المديني: الحارث كذاب، وكان ابن سيرين يَرى أن عامة ما يروي عن علي باطل. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وهذا الحديث فيه تصريح على عدم جواز الفتح؛ ولكن فيه مقال من جهة الحارث. ص- قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمعْ من الحارثِ إلا أربعةَ أحاديثَ ليْس هذا منها. [2/ 25 - ب] ش- أي: ابو إسحاق السبيعي/ لم يسمع من الحارث الأعور إلا أربعة أحاديث ليْس هذا الحديث منها. والحاصل: أن هذا الحديث ضعيف؛ بل هو قريب من البطلان؛ لأن أبا إسحاق وإن كان سمع هذا الحديث من الحارث فحال الحارث معلوم. وفي بعض النسخ عقيب هذا الباب: باب السجود على الأنف: لا مؤمل ابن الفضل: لا عيسى، عن معمر، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله رُؤِي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها للناس. قال أبو علي اللؤلؤي: لم يَقرأه أبو داود في العَرْضة الرابعة. * * *

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1025) .

157- باب: الالتفات في الصلاة

157- بَابُ: الالتِفات فِي الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان حكم الالتفات في الصلاة. 886- ص - نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا الأحوص يُحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب قال: قال أبو ذر: قال رسولُ الله: "لا يَزَالُ الله عز وجل مُقبلاَ على العبد وهو في صلاِتهِ ما لم يَلتفت، فإذا التَفتَ انصرفَ عنه" (1) . ش- يونس: ابن يزيد. وأبو الأحوص هذا: لا يُعرفُ له اسم، وهو مَولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار، ولم يَرو عنه غير الزهري. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . قوله: "مقبلا " نصب على أنه خبر "لا يزال"، ومعنى إقبال الله على العَبْد: نظره إليه بالرحمة، ومعنى انصرافه عنه: ترك ذلك (3) . والحديث: أخرجه النسائي، ورواه الحاكم في "مُسْتدركه" وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال النووي في "الخلاصة": أبو الأحوص فيه جهالة؛ ولكن الحديث لم يُضعفه أبو داود؛ فهو حسَن عنده. 887- ص- نا مسدد: نا أبو الأحوص، عن الأشعث- يعني: ابن سليم-، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشةَ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ عن

_ (1) النسائي: كتاب السهو، باب: التشديد في الالتفات في الصلاة (1195) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/ 96 1 7) . (3) بل المراد من الإقبال إقبالا حقيقيا يليق به سبحانه، وكذا انصرافه عن العبد: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" اعتقاد أهل السنة والجماعة، وانظر: مجموع الفتاوى (5/ 593 وما بعدها) .

التفات الرجل في صَلاته فقال: " هو (1) اخْتلاس يختلسُهُ الشيطانُ من صَلاةِ اَلعَبْدِ" (2) ،، (3) . ش- أبو الأحوص: سلام بن سُليم الحنفي الجشمي مولاهم الكُوفي. وأشعث: ابن أبي الشعثاء- سليم- بن أسود المحاربي الكوفي. سمع: أباه، وسعيد بن جبير، والأسود بن يزيد النخعي، وغيرهم. روى [عنه] : الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، وغير هم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له الجماعة (4) . وأبوه: سُليم بن أسود، ذكرناه. قوله: " اختلاس" لما من خلستُ الشيءَ واختلستُه إذا سلبته، والمعنى: أن المُصلي إذا التفت يمينا أو شمالا يظفرُ به الشيطان في ذلك الوقت، ويُشْغله عن العبادة، فربما يَسْهو أو يَغلط لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود، ولما كان هذا الفعل غير مَرضي منه نُسب إلى الشيطان. وعن هذا قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة. َ وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن حطان العصفري، عن الحكم قال: إن من تمام الصلاة: أن لا تعرف مَنْ عن يمينك ولا مَن عن شمالك.

_ (1) في سنن أبي داود: "إنما هو ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الالتفات في الصلاة (751) ، النسائي: كتاب السهو، باب: التشديد في الالتفات في الصلاة (3/ 8) . (3) جَاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: باب السجود على الأنف: حدثنا مؤمل بن الفضل: حدثنا عيسى، عن معمر، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله يكن رُوي على جبهته وعلى أرنبته أثر طيب من صلاة صلاها بالناس ". قال أبو علي: "هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة ". اهـ. وقد تقدم عندنا هذا الحديث برقم (1 87) ، وعند أبي داود برقم (894) ، ولم يتكرر هذا الحديث في نسخة المصنف، وقد نبه الشارح على هذا معى/ 132) . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 526) .

158-باب: النظر في الصلاة

وقال: لا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: إذا صليت فإن ربك أمامك وأنت مُناجيه، فلا تلتفت. قال عطاء: وبلغني أن الرب يقول: "يا ابن آدم، إلى من تلتفتُ؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه". وحديث عائشة: أخرجه البخاري، والنسائي، وابن أبي شيبة. * * * 158-بَابُ: النَّظَر في الصلاة أي: هذا باب في بيان النظر في الصلاة. 888- ص- نا مسدد: نا أبو معاوية ح، ونا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير- وهذا حديثه، وهو أتم-، عن الأعمش، عن المُسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة الطائي، عن جابر بن سمرةَ. قال عثمانُ: قال: دخلَ رسولُ الله- عليه السلام- المسجدَ فَرَأى فيه نَاساً يُصلونَ رافعي أيديَهُم إلى السَّماء-َ ثم اتفقا- فقال: لينتهِيَن رِجَال يَشخصُون أبصارَهمَ إلى السَماءِ في الصلاةَ أو لا يرجعُ (1) إليهم أبصارُهم " (2) . ش- أبو معاوية: الضرير، وجرير: ابن عبد الحميد. قوله: "وهذا حديثه" أي: حديث عثمان، والحال أنه أتم من حديث مسدد. قوله: "عن الأعمش" يرجع إلى كل واحد من جرير/ وأبي معاوية؛ [2/26 - أ] لأن كلا منهما روى عن الأعمش. قوله: "ثم اتفقا" أي: مُسدد وعثمان.

_ (1) في سنن أبي داود: " إلى السماء. قال مسدد: في الصلاة، أو لا ترجع". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة رقم4 له 42) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة رقم (1045)

قوله: " يَشْخصُون أبصارهم " من شخص بصرَه فهو شاخص إذا فتح عَيْنيْه وجعل لا يطرف، وهو بفتح العين، وشخُص- بالضم- فهو شخيص أي: جسيم، وهذه الجملة في محل الرفع لأنها وقعت صفةً للرجال. قوله: " أو لا يرجع إليهم أبصارُهم " والمعنى: إن لم ينتهوا، وأحد الأمرين واقع: إما الانتهاء، أو عدم رجوع أبصارهم إليهم، وفيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك. وقال القاضي عياض: واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريح وآخرون، وجوزه الأكثرون، قالوا: لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، فلا ينكر رفع الأبصار إليها، كما لا يكره رفع اليد، قال الله تعالى: وَفي السمَاء رزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون " (1) . والحديث: أخرجه مسلم، والَنسائي، َ وَأخرج ابن ماجه طرفا منه. ص- نا مسدد: نا يحيي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " ما بَالُ أقوامٍ يَرفَعُونَ أبصارَهم في صلاِتهِم؟ " فاشْتَد قولُه في ذلك فقال: "لينتَهِيَن عن ذلك أو لتُخْطَفَن أبصارُهم " (2) . ش- أي: ما شأن أقوام؟ وذكر الجوهري "البَالَ " في الأجْوف الواوي، وقال: البال: الحالُ. قوله: "فاشتد قولُه في ذلك" أي: قول النبي- عليه السلام- في رفع البصر إلى السماء في الصلاة. (1) سورة الذاريات: (22) (2) البخاري كتاب الأذان، باب: رفع البصر إلى السماء في الصلاة (750) ، النسائي: كتاب السهو، باب: النهي عن رفع البصر إلى السماء (3/ 7) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة (1044) .

قوله: " أو لتخطفن " على صيغة المجهول، والمعنى مثل ما ذكرنا إن لم ينتهوا عن ذلك فأحدُ الأمرين واقع. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه. وذكر الواحدي في " أسباب النزول " من حديث ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، أن فلانا كان إذا صلى رفع بصرَه إلى السماء فنزلت: "الَّذينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ " (1) . وروي عن ابن عباس: كان النبيَ- عليه السلام- إذا استفتَح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده. وروى أبو بكر قال: نا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: كان رسول الله مما يَنظر إلى الشيء في الصلاة، فيرفعِ بصرَه حتى نزلت آية، إنِ لم تكن هذه فلا أدري ما هي "الَّذِين هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون " قال: فوضع النبي- عليه السلام- رأسه. ونا هشيم، عن حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، أنه رأى رجلاً رافعا بصره إلى السماء، فقال عبد الله: ما يدري هذا لعل بصره سيَلتمع قبل أن يرجع إليه. فإن قيل: إذا غمض عَيْنيه في الصلاة ما حكمه؟ قلت: قال الطحاوي: كرهه أصحابنا. وقال مالك: لا بأس به في الفريضة والنافلة. وقال النووي: والمختار: أنه لا يكره إذا لم يخف ضررا، لأنه يجمع الخشوع، ويمنع مِن إرسال البصر وتفريق الذهن. 890- ص- نا عثمان بن أمر شيبة: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: صَلّى رسولُ الله- عليه السلام- في خَميصة لها أعْلام فقال: " شَغَلَتْنِي أعلامُ هذه، اذهبوا بها إلى أَبي جَهْم بنِ حذيفةَ وائتُوني بأنبجَانيّةٍ " (2) . (1) سورة المؤمنون: (2) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الالتفات في الصلاة (752) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام (61/ 556) ، النسائي:=

ش- " الخميصة": كساء مُرتع من صوف، وقال ابن حبيب في "شرح الموطأ": الخميصة: كساء صوف أو مِرْعِزي مُعْلم الصَنِفة. قوله: "شغلتني أعلام هذه " يعني: عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع، ففيه الحث على الحضور والتدبر، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يُشْغِل، وإزالة ما يخاف اشتغال القلب به، وكراهة تزْويق المحراب وحائط المسجد ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأنه- عليه السلام- جعل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى، وفيه: أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر، وفيه: صحة الصلاة في ثوب له أعلام، وأن غيره أوْلى. قوله: " إلى أبي جَهْم" واسمه: عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي المدني الصحابي، ويقال: عُبيد بن حذيفة، أسلم عام الفتح، وكان مُعظما في قريش وعالما بالنسب، شهد بنيان الكعبة مَرتين، وهو غير أبي جُهيم بالتصغير. وأما بَعثه- عليه السلام- بالخميصة إلى أبي جهم وطلب أنبجانيه فهو من باب الإدلال عليه، لعلمه بأنه يؤثر هذا [2/26 - ب] ويفرح به./ ويقال: َ إنما خصه بذلك لأنه كان بعث إلى النبي- عليه السلام- خميصة لها أعلام، فلما شغلته في الصلاة قال: ردوها عليه وائتوني بأنبجانية، لئلا يؤثر رَد الهدية في قلبه. وقال ابن الأثير: اختلفوا في هذه الخميصة؛ فمنهم من قال: إن رسول الله- عليه السلام- أتِي بخميصتَيْن سوداوَيْن فلبس إحديهما وبعث بالأخرى إلى أبي جَهْم، فلما ألهتَه بعثها إلى أبي جَهْم، وطلب التي كانت عند أبي جهْم بعد أن لبسها لبْساتِ. قوله: " وائتوني بأنبجانية" قال القاضي عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسْرها في غيرْ مسلم بالوجهين ذكرها ثعلب،

_ = كتاب القبْلة، باب: الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام (770) ، ابن ماجه: ككتاب اللباس، باب: لباس رسول الله- عليه السلام- (3550) .

قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معا في غير مسلم؛ إذ هو في رواية مسلم: "بأنبجانية" مشدد مكسور على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير كما قال في الرواية الأخرى كساء له أنبجانيا. وفي "مختصر السنن": الأنبجانية- بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، وتاء تأنيث-: هو ما كثُف والتف، وقيل: إذا كان الكساء ذا علَمين فهو الخميصة، وإن لم يكن له علم فهو الأنبجانية، وقيل: هو منسوب إلى "منبِج " المدينة المشهورة؛ وهي بكسر الباء كما قالوا في النسبة إلى سلمة: سلمي وغير ذلك. وقال في " الصحاح": إذا نسبت إلى " منبج" فتحت الباء، قلت: كساء منبجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، قلت: يكون منسوبا على غير قياس، وقيل: نسبة إلى موضع يُقال له: أنبجان، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجاني- بكسر الباء وفتحها- إذا كان ملتفا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك. قال ابن القصار في "تعريب المدارك": من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم. وفي " شرح الموطأ": هي كساء غليظ يُشبه الشملة، يكون سداه: قطنا غليظا، أو كتانا غليظا، ولحمته: صوف ليس بالمُبرم في فتله لين غليظ، يلتحف بها في الفراش، وقد يُشتمل بها في شدة البرد. وفي كتاب " المغيث": المحفوظ: كسر باء الإنبجانية. وعند السفاقسي: رأيت هذا الحرف في بعض الكتب بالخاء المعجمة، قال: وسماعي بالجيم. وقال الأصمعي: هو كساء من صوف أو خز مُعلم بسُودٍ. وقال غيرُه: كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود، ويجمع على خمائص؛ وسُميت خميصة للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طُوِيت. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، ومالك في " الموطأ"، والطحاوي- أيضا- بسند صحيح، عن المزني، عن الشافعي: حدثنا مالك، عن القمة بن أبي القمة، عن أمه، عن

159- باب: الرخصة في ذلك

عائشة قالت: أهدى أبو جَهْم إلى النبي- عليه السلام- خميصة شامية لها علَم يشهد فيها النبي- عليه السلام- الصلاة، فلما انصرف قال: "ردي هذه الخميصة إلى أبي جَهْم، فإنها كانت تَفْتِنُني ". 891- ص- نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا عبد الرحمن- يعني: ابن أبي الزناد- قال: سمعتُ هشاما يُحدثُ عن أبيه، عن عائشةَ- رضي الله عنها- بهذا الخبرِ قالَ: وأخذَ كَرْدي (1) كان لأبي جهْمِ، فقيل: يا رسولَ الله، الخَمِيصَةُ كانتْ خيرا مِنَ الكَردي (2) . ش- هشام: ابن عروة بن الزبير. قوله: " بهذا الخبر": أي: الخبر المذكور. قوله: " وأخذ كردكن " على صيغة المجهول، وفي بعض الرواية وهي الصحيحة: "وَأخذ كرديا" أي: أخذ رسول الله كرديا كان لأبي جهم، والكَردي- بفتح الكاف- كساء ساذج ليس لها أعْلام ولا حَرِير. قوله: "فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي " يعني: من حيث النفاسة والقماش، ألا ترى أن هذه الخميصة كانت لها أعلام من حرير، ولأجل هذا قال بعضهم: إنما كرهها لما فيها من الحرير. فإن قيل: كيف يَبْعث- عليه السلام- إلى غيره بشيء يكرهُه؟ قلت: هذا كما أرْسل إلى عمر- رضي الله عنه- بالحلة ليبيعها، وينتفع بها، لا ليَلْبسها. * * * 159- بَابُ: الرخصَةِ في ذلك أي: هذا باب في بيان الرخصة في النظر والالتفات لضرورة. 892- ص- نا الربيع بن نافع: نا معاوية (3) - يعني: ابن سلام-، عن [2/27 -أ] زيد أنه سمع أبا سلام قال:/ حدثنا السلُولي، عن سَهْل ابن الحنظلية قال:

_ (1) في سنن أبي داود: "وأخَذَ كرديا "، وسيشير المصنف إلى أنها نسخة. (2) تفرد به أبو داود. (3) في الأصل: "أبو معاوية " خطأ.

ثُوّب بالصلاة- يعني: صَلاةَ الصُبحِ- فجعلَ رسولُ الله يُصلّي وهو يَلتَفتُ إلى الشّعْبِ (1) . ش- زيد: ابن سلام بن أبي سلام الحبشي الدمشقي وقع. إلى اليمامة، أخو مُعاوية، روى عن: جده: أبي سلام ممطور الحبشي، وعبد الله بن زيد الأزرق، وعدي بن أرطاة. روى عنه: أخوه: معاوية، ويحيي بن أبي كثير. قال الدارقطني: زيد بن سلام، عن جده ثقتان. وقال يعقوب بن شيْبة: ثقة صدوق. روى له: الجماعة إلا البخاريّ (2) . وأبو سلام: ممطور بن الأعرج الباهلي الحبشي- نُسِب إلى حيّ من حمْير من اليمن لا إلى الحبشة- الدمشقيّ. روى عن: عليّ بن أبي طالب، وثوبان مولى النبي- عليه السلام-، وأبي سلمه راعي النبي- عليه السلام-، وغيرهم. روى عنه: ابنا ابنه: معاوية وزيد ابنا سلام، ومكحول، والأوزاعي، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. وقال البرقاني: زيد وجده ثقتان. روى له: الجماعة إلا البخاري (3) . والسَّلُولي: أبو كبيشة، روى عن: عبد الله بن عَمْرو، وسهل ابن الحنظلية، وثوبان مَوْلى رسول الله. روى عنه: أبو سلام المذكور، وحسان بن عطية. وقال أحمد بن عبد الله: تابعيّ شامي ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد في " الأوهام " التي أخذها على الحاكم أبي عبد الله: قال: قال أبو كبشة السَّلُولي: اسمه: البراء بن قيس؛ وهذا وهم؛ لأن أبا كبوة السلولي يُعد في الشاميين، وهو من هوازن، وهوازن ترجع إلى مضر، والبراء بن قيس كوفي من السكون، والسكون من اليمن، والبراء ابن قيس يكنى أبا كيسة مثلها في الخط إلا أنه بالياء باثنتين من تحتها والسين المهملة. روى له: البخاريّ، وأبو داود، والترمذي (4) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/ 2111) . (3) المصدر السابق (28/ 172 6) . (4) المصدر السابق (34/ 7583) .

وسهل: ابن الربيع بن عَمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة، وهو سهل ابن الحنظلية؛ وهي أمه، شهد بَيْعة الرضوان مع رسول الله - عليه السلام-، وروى عن النبي- عليه السلام-، وكان متعبدا متوحدا لا يُخالط الناس، سكن دمشق وكانت داره بها في حَجَرِ الذهب. روى عنه: أبو كبشة السلولي، وقَيْس بن بشر التغلبي، والقاسم بن عبد الرحمن. مات بدمشق في أول خلافة معاوية، ولا عقب له. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . قوله: " ثُوب بالصلاة " أي: أقيم لها. قوله: " وهو يَلتفتُ " جملة حالية. قوله: لا إلى الشِّعْب،- بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة- وهي الطريق في الجبل، وجمعها: شِعاب. وبهذا قالت العلماء: إذا التفت المصلي في صلاته لأجل ضرورة أو حاجة شديدة، لا بأس به، ولا يضر ذلك صلاته، وبغير الضرورة يكره- لما قلنا- ولو نظر بمؤخر عيْنه يمنةً أو يسرةً من غير أن يَلْوي عنقه لا يكره؛ " (2) لما روى الترمذي، والنسائي بإسنادهما إلى ابن عباس قال: " كان رسول الله يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا، ولا يَلْوي عنقه خلف ظهره ". قال الترمذي: حديث غريب. ورواه ابن حبان في 9 صحيحه " في النوع الأول من القسم الرابع مرفوعا، والحاكم في "المستدرك " (3) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ورواه الدارقطني في " سننه ". وقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث صحيح؛ دان كان غريبا. وروى البزار في "مُسنده" بإسناده إلى ابن عباس أن النبي- عليه السلام- كان إذا صلى يُلاحظ أصحابه في الصلاة يمينا وشمالا ولا يلتفت. ورواه

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 95) ، وأسد الغابة (3/ 469) ، والإصابة (2/ 86) . (2) انظر: نصب الراية (2/ 89- 90) (3) (1/ 226، 256) .

160- باب: العمل في الصلاة

ابن عدي في "الكامل ". وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة أن رسول الله كان يلحظ في الصلاة من غير أن يثني عنقه. قلت: فيه مجهول وانقطاع. وحدَّثنا هشيم قال: نا خالد، عن أنس بن سيرين قال: رأيتَ أنسَ ابن مالك يَتشرفُ إلى الشيء، يَنظرُ إليه في الصلاة. وحدَّثنا وكيع، عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال: رأيتُ إبراهيم يَلحظُ يمينا وشمالا. ص- قال أبو داود: يعني: وكان أرسلَ فارسا إلى الشعْبِ مِن الليلِ يحرس. ش- أي: كان رسولُ الله- عليه السلام- أرْسلَ فارسا إلى الشعْب من الليْل يَحْرسُ [....] ، (1) /. * * * 160- بَابُ: العَمَل فِي الصَّلاة أي: هذا باب في بيان حكم العمل في الصلاة. 893- ص- نا القعنبي: نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبَير، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قتادةَ أن رسولَ الله كان يُصلي وهو حَامل أمَامةَ بنت زينبَ ابنةَ (2) رسولِ الله، فهذا سجَدَ وضًعَها وافق قَامَ حَملَها (3) . ش- أبو قتاده: الحارث بن رِبْعي، وقد ذكرناه. وأمامه- بضم

_ (1) بيض له المصنف قدر ثلاثة أرباع سطر. (2) في سنن أبي داود: "بنت". (3) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (516) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة (543) ، النسائي: كتاب السهو، باب: حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة (3/ 10) .

الهمزة- بنت زيْنب- رضي الله عنها-، وكانت زينب أكبر بنات رسول الله- عليه السلام-، وكانت فاطمة أصغرَهن وأحبهنّ إلى رسول الله- عليه السلام-، وكان أولاد النبي- عليه السلام- كلها من خديجة سوى إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، وتزوج النبي- عليه السلام- خديجة بنت خويلد بن أسد بن عَبد العزى بن قصَيّ بن كلاب القرشية قبل البعثة. وقال الزهري: وكان عمر رسول الله- عليه السلام- يومئذ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسا وعشرين سنة زمان بُنيت الكعبة، قاله الواقدي، وزاد: ولها من العمر خمس وأربعون سنة، وقيل: كان عمره- عليه السلام- ثلاثين سنة وعمرها أربعين سنةً، وقال ابن جريج: كان- عليه السلام- ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسمِ- وبه كان يكنى- والطاهر- وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وتزوج بزينب أبو العاص بن الربيع فولدَت منه عليا وأمامة، وهي التي كان رسول الله يحملها في الصلاة، ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة، وكأنها كانت طفلا صغيرةً، وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة، فولدت منه محمداً، وكانت وفاة زينب في سنة ثمان، قاله الواقدي، وقال قلادة عن ابن حزم: في أول سنة ثمان. قوله: " وهو حامل " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في "يُصلي "، ثم تكلم الناسُ في حكم هذا الحديث، فقال الشيخ محيي الدين (1) : هذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبيّة وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد. قلت: أما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة فقد قال صاحب "البدائع" في بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة والقليل الذي لا يفسد: فالكثير

_ (1) شرح صحيح مسلم (32/5) .

ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، حتى قالوا: إذا زَرّر قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حل إزراره لا تفسد، وقال بعضهم: كلُّ عمل لو نظر إليه الناظرُ من بعيد لا يَشك أنه في غير الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه الناظرُ بما يَشتبه عليه أنه في الصلاة فهو قليل، وهذا أصح، وعلى هذا الأصل يخرجُ ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسدُ صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وكذا إذا أخذ قوساً ورمى فسدت صلاته، وكذا لو دَهَن أو سرح رأسه، أو حملت امرأة صبيها فأرضعته لوجود العمل الكثير على العبارتين، فأما حملُ الصبي بدون الإرضاع فلا يُوجب الفساد؛ لما روي أن النبي- عليه السلام- كان يُصلي في بيْته وقد حمل أمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها، ثم هذا الصنيع لم يكره منه- عليه السلام- لأنه كان محتاجا إلى ذلك لعدم من يحفظها، أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غيرُ موجب فسادَ الصلاةِ، ومثل هذا- أيضا- في رماننا لا يكره لواحد منا لوً فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه. انتهى. وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله- عليه السلام- في صلاة النافلة، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة. قال أبو عُمر: حَسْبك بتفسير مالك، ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم خلافا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه. وقال الشيخ محيي الدين (1) : هذا التأويل فاسد؛ لأن قوله: "يؤم الناسَ" صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. قلت: هو ما رواه سفيان بن عيينة يُسنِدهُ إلى أبي قلادة الأنصاري قال: رأيت النبي- عليه السلام- يؤم الناسَ/ وأمامة بنت أبي العاص وهي [2/28 - أ]

_ (1) المصدر السابق. 10- شرح سنن أبي داوود 4

بنت زينب ابنة رسول الله- عليه السلام- على عاتقه؛ ولأن الغالب في إمامة رسول الله- عليه السلام- كانت في الفرائض دون النوافل. وقال الشيخ محيي الدين (1) : وادعى بعض المالكية أنه منسوخ. وقال الشيخ تقي الدين: وهو مروي عن مالك- أيضا. وقال أبو عمر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة. وقد رد هذا بأن قوله- عليه السلام-: " إن في الصلاة لشغلا" كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك؛ ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاجتهاد. وروى أشهب، وابن نافع، عن مالك: أن هذا كان للضرورة. وادعى بعض المالكية أنه خاص بالنبي- عليه السلام-، ذكره القاضي عياض. وقال الشيخ محيي الدين (2) : وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة؛ فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها؛ بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي- عليه السلام- هذا بيانا للجواز وتنبيها به عليه. قلت: وقد قال بعض أهل العلم: إن فاعلاً لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث، لان كنت لا أُحب لأحد فعله. وقد كان أحمد بن حنبل يُجيز هذا. قال الأثرم: سئل أحمدُ: َ أيأخذ الرجلُ ولده وهو يُصلي؟ قال: نعم، واحتج بحديث أبي قتادة. وقال الخطابي (3) : يُشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله- عليه السلام- لا عن قصدِ وتعمد له في الصلاة ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة، كانت تتعلق به، حتى تلابسه وهو

_ (1) المصدر السابق (2) نفسه. (3) معالم السنن (1/188) .

في الصلاة فلا يدفعها عن نَفسه ولا يُبْعدها، فإذا أراد أن يَسْجد وهي على عاتقه وضعها بأن يَحُطها أو يُرسلها إلىَ الأرض حتى يَفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادت الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يَمْنعها، حتى إذا قام بقيت محمولةً معه. هذا عندي وجه الحديث، ولا يكاد يتوهم عليه- عليه السلام- أنه كان يتعمد لحملها عليه ووضعها وإمساكها في الصلاة تارةً بعد أخرى؛ لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرّر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، ثم ليس في شيء كثر من قضائها وطرا من لعبٍ لا طائل له، ولا فائدة فيه، وإذا كان علم الخميصة يُشْغلهُ عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمْر؟ وفي ذلك بيان ما تأولناه، والله أعلم. وقال الشيخ محيي الدين (1) : بعد أن نقل ملخّص كلام الخطابي: هذا الذي ذكرناه وهو باطل ودعوى مجردة، ومما يَرُد قولَه في "صحيح مسلم": " فإذا قام حملها"، وقوله: " فإذا رفع من السجود أعادَها "، وقوله في غير رواية مسلم: " خرج علينا حاملاً أمامة فصلّى،، وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة: فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يُشغلُ القلبَ، وإن شغله فيترتبُ عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشَّغْل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة؛ فالصواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين. قلت: الصواب مع الشيخ محيي الدين؛ لأن الحديث صحيح، والنسخ والخصوصية والتقييدُ بالفعل وغير ذلك لم يثبت، فوجب العمل به، ولا حاجة إلى تكثير الكلام الذي ليْس تحته طائل ولا منفعة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 894- ص- لا قتيبةُ: لا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو بن

_ (1) شرح صحيح مسلم (5/32 - 33) .

سُليم الزرقي سمع أبا قتادةَ يقولُ: بينا نحنُ في المسجد إذ خَرجَ علينا [2/ 28 - ب] ، رسولُ الله يَحملُ أمَامة بنتَ أبي العاصِ بنِ الربيع، وأمُهاَ زينبُ بنتُ/ رسول اللهَ- عليه السلام- وهي صَبية يَحملُها على عاتِقه، فَصلي رسولُ الله وهي عَلَىَ عَاتقه يَضَعُها إذَا رَكعَ وَيُعيدُها إذا قَامَ حتى قضَى صَلاتَه، يَفْعلُ ذلك بها (1) .َ ش- "بينا" أصله "بَيْن " زيدت فيه الألف للإشباع؛ وقد مر الكلام فيه غير مرة. قوله: " بنت أبي العاص بن الربيع " " (2) هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة وكتب الأنساب وغيرهما، أنه أبو العاص بن الربيع، ورواه كثر رواة "الموطأ" عن مالك فقالوا: ابن ربيعة، وكذا رواه البخاري من رواية مالك. قال القاضي عياض: وقال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة. فنسبه مالك إلى جَدته. قال القاضي: وهذا الذي قاله غير معروف، ونسبُه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمُ أبي العاص: لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم". وقال الزبير، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه: اسمُه: القاسم. وقال أبو عُمر: وا"ثر: لقيط ويُعرفُ بجرْو البطحاء، وربيعة عَمّه، وأم أبي العاص: هالة، وقيل: هنْد بنت خويلد، أخت خديجة- رضي الله عنها- لأبيها وأمها. وفال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانةً وتجارةً وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله أن يُزوجه بابنتها زينب، وكان لا يخالفها، وذلك قبل الوحي، وكان عليه السلام قد زَوج ابنته رُقية من عُتبة بن أبي لهب، فلما جاءه الوَحيُ قال أبو لهب: اشغلوا محمداً بنفسه، وأمَر ابنه عُتْبة فطلق ابنة رسول الله قبل الدخول، فتزوَجها عثمان

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (516) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة (543) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: إدخال الصبيان المساجد (2/ 45) ، وكتاب الإمامة، باب: ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة (2/ 95) و (3/ 10) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (33/5) .

ابن عفان- رضي الله عنه- ومَشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارِقْ صاحبتك ونحنُ نُزوجك بأي امرأة من قريش شئتَ. قال: لا والله، إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأةً من قريش، َ وكان رسول الله يثني عليه في صهْره، وكان رسول الله لا يُحِل بمكة ولا يحرّم مغلوباً على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب وبين أبي العاص، فكان لا يقدرُ على أن يُفرق بينهما. وقال ابن كثير: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة. انتهى. وكان أبو العاص في غزِوة بدر مع المشركين ووقع في الأسرى. قال ابن هشام: وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حَرَام. وقال ابن إسحاق، عن عائشة- رضي الله عنها-: لما بعث أهل مكة في فداء أسْراهم بعثت زيْنب بنت رسول الله في فداء أبي العاص بمالٍ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله رق لها رقةً شديدةً وقال: " إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرَها، وترقوا عليها الذي لها فافعلوا، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، ووفوا عليها الذي لها. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب- يعني: أن تهاجر إلى المدينة- فوفى أبو العاص بذلك. وقال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة أمَرها باللحوق إلى أبيها فخرجت ولحقت بأبيها - عليه السلام-، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب، فاستجار بها فأجارته فلما خرج رسول الله لصلاة الصبح وكبر وكبّر الناسُ خرجت من صُفة النساء: أيها الناسُ، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع، فلما سلم رسول الله أقبل على الناس فقال: " أيها الناسُ، هل سمعتم الذي سمعتُ؟ " قالوا: نعم، قال: "أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعتُ ما سمعتم، وإنه يجيرُ على المسلمين أدناهم "، ثم انصرف رسول الله

فدخل على ابنته زينب، فقال: " أيْ بُنية، أكرمي مثواه ولا يخلصُ إليك؛ فإنك لا تحلين له" قال: وبعث رسول الله فحثهم على رد ما كان معه، فردوه بأسْره لا يفقد منه شيئا، فأخذه أبو العاص ورجع به إلى مكة، فأعطى كل إنسان ماله ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد معكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا/ فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردتُ أن آكل أموالكم، فلما أدى الله إليكم، وفرغت منها أسلمتُ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله. قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ورد عليه رسول الله ابنته زينب على النكاح الأول، لم يُحدث شيئاً وسنذكر حقيقة هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: " يضعها إدْا ركع " إلى آخره أي: يَضع أمامة إذا أراد الركوع. فإن قيل: أليْس هذا بعمل كثير؟ والعمل الكثير يُفسد الصلاة؟ قلت: هذه الأفعال وإن تعددت ولكنها غير متوالية في كل ركن من أركان الصلاة، فلا يضر ذلك، فصار ذلك الفعل منه- عليه السلام- بيانا للتشريع والجوار في حمل الحيوان الطاهر، وأن ثياب الأطفال وأجْسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن دخولهم المساجد جائز. وقال الخطابية (1) : وفي الحديث دلالة على أن لَمْس ذوات المحارم لا ينقض الطهارة؛ وذلك لأنها لا تلابسُه هذه الملابسة إلا وقد تمسكه ببعض أعضائها. قلت: قال الشيخ تقي الدين: أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل، وهذا يُستمد من أن حكايات الأحوال لا عموم لها. وقال القرطبي: حكم من لا تُشتَهي منهن بخلاف حكم من تُشتَهى.

_ (1) معالم السنن (1/188) .

قلت: ويُستفادُ من هذا الحديث فائدة أخرى وهي عظيمة؛ وهي أن حمل الجارية على العُنق إذا لم تضر الصلاة، فمُرورُها بَيْن يدي المُصلي أوْلى وأجدر أن لا تقطعَ صلاته، فافهم. 895- ص- نا محمد بن سلمة المرادي: نا ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن عمرو بن سُليم الزرقي قال: سمعتُ أبا قتادةَ الأنصاريَّ يَقول رَأيتُ رسولَ الله يُصلي للناس وأمَامةُ بنتُ أي العاص على عُنُقه، فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا (1) .ًً ش- مخرمة: ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم أبو المسور المدني. روى عن: أبيه. روى عنه: مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، والقعنبي، وغيرهم. وقال أحمد بن صالح: كان مخرمة من ثقات الناس. وقال أحمد: ثقة. وقال عباس (2) ، عن ابن معين: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وأبوه: بكير بن عبد الله، قد ذكرناه. قوله: "فإذا سجد" أي: إذا أراد أن يَسْجد وضع أمامة. ص- قال أبو داود: مخرمةُ لم يَسْمعْ (4) من أبيه ألا حديثا واحدا. ش- أشار بهذا الكلام إلى أن مخرمة لم يسمع هذا الحديث من أبيه: بكير بن عبد الله، ويُناقض هلما: ما روي عن مالك: قلتُ لمخرمة: ما حدثتَ عن أبيك سمعتَه منه؟ فحلَف بالله لقد سمعتُه. وما قال أبو حاتم: صالح الحديث إن كان سمع من أبيه، فكل حديث عن أبيه إلا

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) في الأصل: " ابن عباس " خطأ، وأنما هو عباس الدوري. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 5829) . (4) في سنن أبي داود: " لم يسمع مخرمة ".

حديث يُحدثُ به عن عامر بن عبد الله بن الزبير، وما قال مَعْنُ بن عيسى: مخرمةُ سمع من أبيه. قلتُ: ومما يؤيدُ كلامَ أبي داود: ما رُوي أن أحمد بن حنبل سئل عنه فقال: ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئا؛ إنما يَرْوي من كتاب أبيه. ومَا قال ابن أبي خيثمة ويحيي بن معين: وقع إليه كتابُ أبيه ولم يَسْمعْه منه. وما قال ابن المديني: ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة، أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعتُ أبي. 896- ص- نا يحيى بن خلف: نا عبد الأعلى: نا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عَمرو بن سُليم الزرقي، عن أبي قتادةَ صاحب رسول الله- عليه السلام- قال: بينما نحن نَنتظرُ رسول الله للصلاة في الظهَرِ أو الَعَصرِ وقد دَعاهُ بلال للصلاة إذ خَرجَ إلينا وأمًامةُ بنتُ أبي العاصِ بنتُ ابنتَهِ على عُنُقه، فَقَامَ رسولُ الله في مُصَلاه وقُمْنَا خَلفَه وهي في مَكَانهَا الذي هي فيه، قال: فَكَبر فَكَبرنَا قال: حتى إذا أرَادَ رسولُ اللهِ أن يَرْكَعَ أخذها فوضَعَها، ثم رَكَعَ وسجدَ، حتىِ إذا فَرغَ من سُجُوده ثم قَامَ أخذها فَرَدها في مَكَانهَا، فما زالَ رسولُ الله يصْنعُ بها ذلك في كُلَّ رَكعةِ حتى فَرغَ من صَلاِتهِ (1) . ش- يحيي بن خلف: أبو سلمه الباهلي البصري، يُعرف بالجُوبَاري [2/ 29 - ب] روى عن: معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. مات بالبصرة سنة اثنتين وأربعين ومائتين (2) . قوله: "في الظهر أو العَصْر" صريح أنه- عليه السلام- صلى الفرض وهو حامل أمامة؟ وهذا يرد قول من يقول: إنه كان في النفل، وقد ذكرناه.

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6819) .

قوله: "على عنقه" وفي رواية: "على عاتقه"، وقد مر الكلام فيه مستوفى. 897- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا علي بن المبارك: نا يحيي بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْسٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ [اللهِ]- عليه السلام-: "اقْتُلُوا الأسْودينِ في الصلاةِ: الحَيةَ، والعَقْربَ " (1) . ش- علي بن المبارك: الهنائي البصري. وضمضم بن جَوْس: الهِفاني اليماني. سمع: أبا هريرة، وعبد الله ابن حنظلة بن الراهب. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار اليمانيان. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي (2) . قوله: "اقتلوا الأسْودين، الأسود: أخبث الحيات وأعظمها، وهي من الصفة الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء، وجُمع جمعها، فيُقال: أسَاودُ، ولو استُعمل استعمالَ الصفة لقيل: سُود، ويُقال: أسَود سالخ غيرُ مضاف لأنه ينسلخُ جلده كل عامَ، والأنثى: أسْوَدة ولا تُوصَفُ بسَالخة، وإطلاق الأسود على العقرب- أيضا من باب التغليب كالعُمرَيْن والقمرين ونحوهما. وبهذا اتخذ علماؤنا أن المصلي إذا قتل الحية والعقرب لا بأس به؛ لأن فيه إزالة الشغْل، فأشْبه درْء المال، وقد قيل: هذا إذا قتله بضربة، والأظهر أن الضرب والضربات سواء؛ لأن القليل والكثير فيما ثبت رخصةَ سواء كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ بِه. وقال الخطابية (3) : وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القَتْل، كالزنابير والشبثان ونحوها.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في قتل الحية والعقرب (390) ، النسائي: كتاب السهو، باب: قتل الحية والعقرب في الصلاة (1201) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة (1245) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 2941) . (3) معالم السنن (1/ 189) .

قلت: الشبثان جمع شَبَث، وهي دُوَيبة تكون في الرمْل، كثيرة الأرجل، من أحناش الأرض؛ وهو بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، وفي آخره: ثاء مثلثة- والشِبْثان- بكسر الشين. وقال: ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة، إلا إبراهيم النخعي. قلت: روى أبو بكر بن أبي شيبة وقال: حدَّثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن قتل العقرب في الصلاة فقال: إن في الصلاة لشغلا. قلت: لعل السُّنَّة المتبعة لم تبلغه فلذلك منع من ذلك. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام-، وغيرهم، وبه يقولُ أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهلُ العلم قَتلَ الحية والعقرب في الصلاة. وقال إبراهيم: إن في الصلاة لشُغْلا، والقولُ الأول أصحّ. والحديث: رواه ابن حبان في " صحيحه لما في النوع السبعين من القسم الأول، وفي النوع السبعين من القسم الرابع، وأحمد في "مسنده"، والحاكم في " مستدركه". وقال: حديث صحيح ولم يُخرجاه. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه "، وقال: وحدَّثنا معمر، عن برد، عن سليمان بن موسى قال: رأى نبي الله - عليه السلام- رجلا يُصلي جالسا، فقال النبي- عليه السلام-: "لِمَ تُصلي جالسا؟ "، فقال: إن عقربا لسَعَتْني، قال: (فإذا رأى أحدكم عقربا وإن كان في الصلاة، فيأخذ نعله اليُسْرى فليقتلها بها". حدَّثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار: رأى ابن عمر ريشة وهو يصلي، فحسب أنها عقرب فضرَبها بنعله. 898- ص- نا أحمد بن حنبل، ومُسدّد- وهذا لفظه- قال: نا بشر - يعني: ابن المفضل- نا بُرْد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشةَ- رضي الله عنها- قالت: كان رسولُ اللهِ- عليه السلام- قال أحمدُ:

161- باب: رد السلام في الصلاة

يُصليِ وِالبَابُ عليه مُغلَق فجئتُ فاسْتفتَحتُ. قال أحمدُ: فَمشَى ففتَحَ لي، ثم رَجع إلى مُصَلاهُ، وذكر أَن البابَ كان في القِبلةِ (1) . ش- بُرْد: ابن سنان الشامي أبو العلاء. قوله: "قال أحمد" أي: أحمد بن حنبل. والحديث: أخرجه النسائي، وفي حديثه: " يُصلي تَطوُّعا". وقد قال الترمذي: " باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع "، ثم قال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف: نا بشْرُ بن المفضل، عن بُرد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جئتُ ورسول الله- عليه السلام- يُصلي في البيْت والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه، ووصفت الباب في القِبْلة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قوله: "ومشى" محمول على أنه مشى أقل من ثلاث خطوات لقُربه من الباب، وفتحه الباب- أيضا- محمول على أنه فتحه بيده الواحدة، وذلك لأن الفتح باليدين عمل كثير، فتفسد به الصلاة. وعن هذا قال أصحابنا: لو غلق المصلي الباب لا تفسد صلاته، ولو فتحه (2) فسدت؛ لأن الفتح يحتاج غالبا إلى المعالجة باليدين بخلاف الغلق، حتى لو فتحه (2) بيده لا تفسد. / 161- بَابُ: رَد السَّلام فِي الصلاة أي: هذا باب في بيان حكم رَد السلام في الصلاة، وفي بعض النسخ: (باب رد السلام) . 899-ص- نا محمد بن عبد الله بن نُمير: نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنا نُسلم على النبي- عليه

_ (1) أخرجه النسائي: كتاب الافتتاح، باب: المشي أمام القِبلة (3/ 11) . (2) في الأصل: "فتحها".

السلام- وهو في الصلاة فيَرُدُ علينا، فلما رَجَعْنَا من عند النجاشيِّ سَلَّمنا عليه فلم يرَدَّ علينا وقال: " إن في الصلاةِ لشُغْلاً " (1) . ش- محمد بن عبد الله بن نُمير: أبُو عبد الرحمن الكوفي الهَمْداني الخارفي، وخارف بَطن من همدان. سمع: أباه، وأبا معاوية، وابن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين في شعبان أو رمضان. وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي (2) . قوله: "فلما رجعنا من عند النجاشي" ذكر الواقدي أن خروج الصحابة إلى الحبشة كان في رجب سنة خمس، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البَحْر ما بين ماشٍ وراكبٍ، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وامرأته: رقية بنت رسول الله، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته: سهْلة بنت سُهيل، والزبير بن العوام، ومُصْعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمه بن عبد الأسد، وامرأته: أم سلمي بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته: ليلى بنت أبي حَثْمَة، وأبو سَبْرة بنُ أبي رُهْم، وحاطب بن عَمرو، وسُهَيْل ابن بَيْضاء، وعبد الله بن مَسْعود. وقال آخرون: بل كانوا اثنين وثمانين رجلاً سوى نسائهم وأبنائهم، ثم بعد ذلك خرج جَعْفر بن أبي طالب ومعه: امرأته: أسماء بنْت عُميْس، وولدت له بها عبد الله بن جَعْفر، وتتابع

_ (1) البخاري: كتاب التهجد، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة (1199) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من مباحة له (538) ، النسائي: كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/ 19) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/ 5379) .

المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة. وعد ابن إسحاق من خَرج صحبة جَعْفر فبلغ ثلاثة وثمانين رجلاَ، ثم إن عبد الله بن مسعود تعجل في الرجوع حتى أدرك بدراً وشهدها، وأما جَعْفر: فإنه قدم مع من كان بقي هُناك على رَسُول الله وهو مخيم بخيْبر سنة سبع من الهجرة. وأما النجاشي: فهو اسم كل مَن ملك الحَبشة، كما أن كل من ملك الشام مع الجزيرة مع بلاد الروم يُسمى "قيصر"، وكل من ملك الفُرْس سمي "كسْرى"، وكل من ملك مصْر كافرا سمي" فرعون"، وقد ذكرناه مرةَ. قوله: "إن في الصلاة لشُغْلا " أي: لشغلا للمُصلي، معناه: وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما يقوله ولا يعرج على غيرها فلا يرد سلاما ولا غيره. واختلف العلماء في هذه المسألة؟ فقالت جماعة: يَرد السَّلام فيها نُطقا؛ منهم: أبو هريرة، وجابر، والحسن، وسَعيد بن المسيب، وقتادة، وإسحاق. وقيل: يرد في نفسه. وقال عطاء، والنخعي، والثوري: يرد بعد السلام من الصلاة. وقال الشافعي، ومالك: يرد إشارةَ ولا يَرد نطقا. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يرد لا نطقا ولا إشارةً بكل حال. أما رده بلسانه؛ فلأنه كلام، وأما بيده؛ فلأنه سلام معنَى حتى لو صًافح بنية التسليم تفسد صلاته. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 900- ص- نا مُوسى بن إسماعيل: لا أبان: نا عاصم، عن أي وائل، عن عبد الله قال: كُنَّا نُسلم في الصلاة ونَأمُرُ بحاجَتنَا، فقدمتُ على رَسُولِ الله- عليه السلام- وهو يُصلي فسَلمْتُ عليه فلمَ يرد عَلي السلامَ، فأخذني مَا قَدُمَ وحَدُث (1) ، فلما قضَى رسولُ الله الصلاةَ قال: "إن اللهَ تَعالى يُحْدِثُ من أمْرِه ما يَشاءُ، وإن الله قد أحْدَثً (2) أن لا تكَلَمُوا في الصلاةِ" فردَّ عَلَيَّ السلَامَ (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: "وما حدث". (2) في سنن أبي داود: "قد أحدث من أمره أن لا. . . " (3) النسائي: كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/ 19) .

ش- أبان: ابن يزيد العطار، وعاصم: ابن بهدلة الأسدي الكوفي، وأبو وائل: شقيق بن سلمة. قوله: "فأخذني ما قدُم وحَدُث " بضم الدال فيهما. قال ابن الأثير: يعني: همومُه وأفكارُه القديمةُ والحديثةُ، يقال: حدث الشيء بالفتح يحدُث حدوثا، فإذا قرن بقَدُم ضم للازدواج بقَدُم. قوله: "أن لا تكَلمُوا " أصله: تتكلموا، فحذفت إحدى التائين للتخفيف كما في "نَارا تَلظي" (1) أصله: تتلظى. ويُستفاد من الحديث مسائل؛ الأولى: عدم جواز رد السلام في الصلاة. الثانية: عدم جواز الكلام فيها أيضا. الثالثة: ينبغي أن يَرُد السلام بعد الفراغ من الصلاة. [2/ 30 - ب] ثم استدل/ أصحابنا بهذا الحديث أن من تكلم في صلاته بطلت صلاته سواء كان عامدا أو ساهيا لإطلاق قوله: "وإن الله أحْدث أن لا تكلموا في الصلاة"، وهو حُجة على الشافعي حَيْث قال: لا تفسد في الخطأ والنسيان. وقال الشيخ محيي الدين (2) : وقالت طائفة منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث ذي اليدين، وأما الناسي: فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك وأحمد والجمهورُ. وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطلُ دليلنا حديث ذي اليدين. فإن كثر كلام الناسي ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما: تبطل صلاته؛ لأنه نادر. وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل صلاته بقليله. وأجابَ بعضُ أصحابنا أن حديث قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم؛ لأن ذا اليدين قُتِلَ يوم بَدرٍ؛ كذا رُوي عن

_ (1) سورة الليل: (14) . (2) شرح صحيح مسلم (21/5) .

الزهري، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخِرُ الإسْلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يَرْوي ما لا يَحضره بأن يَسْمعه من النبي- عليه السلام- أو صحابي آخر. وقال البيهقي: "باب ما يستدل به على أنه لا يجور أن يكون حديث ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخا لحديث أبي هريرة وغيره في كلام الناسي" وذلك تقدم حديث عبد الله وتأخر حديث أبي هريرة وغيره. قال ابن مسعود فيما روينا عنه في تحريم الكلام: "فلما رجعنا من أرض الحبشة، ورجوعه من أرض الحبشة كان قبل هجرة النبي- عليه السلام-، ثم هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي- عليه السلام- بدرا، فقصة التسليم كانت قبل الهجرة. والجواب عن هذا: أن أبا عُمر ذكر في "التمهيد " أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن الا بالمدينة، وبها نُهي عن الكلام في الصلاة، وقد روي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلمُ في الصلاة: يكلمُ الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: "وَقُومُوا لله قانتين " (1) ، فأُمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام "، وهو حديث صحيح صريح في أن تحريم الكلام كان بالمدينة؛ لأن صحبة زيد لرسول الله إنما كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، ثم ذكر حديث ابن مسعود من جهة شعبة، ولم يقل: إنه كان حين انصرافه من الحبشة، ثم ذكره من وجه آخر بمعنى حديث زيد سواء؛ ولفظه: "إن الله أحدث أن لا تكلموا الا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين، ثم ذكر حديثا ثم قال: ففيه وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المنع من الكلام كان بعد إباحته. فإن قيل: حديث ابن مسعود في سنده: عاصم ابن بهدلة. قال البيهقي في كتاب "المعرفة": صاحبا الصحيح توقيا روايته لسُوء حفظه. وقال أبو عمر في "لتمهيد ": مَن ذكر في حديث ابن مسعود: "إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " فقد وهم، ولم يقل ذلك غير عاصم، وهو عندهم سيء الحفظ كثير الخطأ. قلت:

_ (1) سورة البقرة: له 23) .

الحديث رواه ابن حبان في " صحيحه"، والنَّسائي في " سننه" (1) . وقال البيهقي: ورواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح يتوقيان روايته لسُوء حفظه؟ فأخرجاه منْ طريق آخر ببَعْض مَعْناه. وقال أبو عمر: وقد رُوي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم- كما ذكرناه. وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال. ثم إن حديث عاصم ليس فيه: " فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة" بل يحتمل أن يُريد: "فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة" ليتفق حديث ابن مسعود وحديث ابن أرقم. وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن مسعود " عاد من الحبشة إلى مكة، رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله بالمدينة وهو يتجهزُ لبدرٍ. وذكر البيهقي فيما بعد في هذا الباب من كلام الحميدي، أن إتيان ابن مسعود من الحبشة كان قبل بدر، وظاهر هذا يؤيد ما قلناه، وكذا قول صاحب" الكمال" وغيره: هاجر ابن مسعود إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ولهذا قال الخطابي (2) : إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة/ يسيرة، وهذا يدل على اتفاق حديث ابن مسعود وابن أرقم على أن التحريم كان بالمدينة كما تقدم من كلام صاحب "التمهيد". وقد أخرج النسائي في "سننه" (3) من حديث ابن مسعود قال: كنت آتي النبي- عليه السلام- وهو يُصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيتُه فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: "إن الله عَز وجَل أحدث في الصلاة أن لا تتكلموا ألا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين". وظاهر قوله: "وأن تقوموا لله قانتين" يدل على

_ (1) كتاب السهر، باب: الكلام في الصلاة (3/ 19) . (2) معالم السنن (1/ 203) . (3) كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/ 19) .

أن ذلك كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: "وَقُومُوا (1) لله قانتين " مُوافقا لحديث زيد بن أرقم؛ فظهر بهذا كله أن قصة التسليم كَانت بعد الهجرة بخلاف ما ذكره البيْهقي، ثم إنه استدل على ما ذكره بحديث أخرجه عن ابن مسعود قال: بَعثنا رسول الله- عليه السلام- إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً؛ وفي آخره قال: فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدرا. والجواب: ليس فيه أنه جاء إلى مكة كما زعمه؛ بل ظاهره أنه جاء من الحبشة إلي المدينة؛ لأنه جعل مجيئه وشهوده بدرا قريب هجرته إلى الحبشة بلا تراخ. ثم خرفي عن مُوسى بن عقبة أنه قال: وممن يذكر أنه قدم على النبي - عليه السلام- بمكة من مهاجرة أرض الحبشة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة، فذكرهم وذكر فيهم ابن مَسْعود قال: وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله، وهكذا ذكره سائر أهل المغازي بلا خلافٍ. والجواب: أما قول ابن عقبة: " قدم على النبي- عليه السلام- بمكة من مهاجرة الحبشة" أراد به الهجرة الأولى؛ فانه- عليه السلام- كان بمكة حينئذ، ولم يُرد هجرة ابن مسعود الثانية؛ فإنه- عليه السلام- لم يكن بمكة حينئذ. بل بالمدينة فلم يُرد ابن عقبة بقوله: " ثم هاجر إلى المدينة" أنه هاجر إليها من مكة؛ بل من الحبشة في المرة الثانية. وأما قول البيهقي: " وهكذا ذكره سائر أهل المغازي" إن أراد به شهود ابن مسعود بدرا فهو مسلم؛ ولكن لا يثبت به ما ادعاه أولا وإن أراد به ما فهمه من كلام ابن عقبة أن رجوعه في المرة الثانية كان إلى مكة، وأنه هاجر منها إلى المدينة، ليستدل بذلك على أن تحريم الكلام كان بمكة، يُقال له: كلام ابن عقبة يدل على خلاف ذلك- كما قررناه- ولئن أراد ابن عقبة ذلك فليس هو مما اتفق عليه أهل المغازي كما تقدّم عن ابن الجوزي وغيره.

_ (1) في الأصل: "فقوموا ". 11* شرح سنن أبي داود 4

فإن قيل: فقد ذكر في كتاب "المعرفة " عن الشافعي أن في حديث ابن مسعود، أنه مر على النبي- عليه السلام- بمكة، قال: فوجدته يُصلي في فناء الكعبة، الحديث. قلنا: لم يذكر ذلك أحد من أهل الحديث غير الشافعي، ولم يذكر سنده ليُنظر فيه، ولم يجد له البيهقي سندا مع كثرة تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي. وذكر الطحاوي في "أحكام القرآن " أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلا إلى المدينة، وأنكر رجوعهم إلى دار قد هاجروا منها؛ لأنهم منعوا من ذلك، واستدل على ذلك بقوله- عليه السلام- في حديث سَعْد: " ولا تردهم على أعقابهم ". ثم ذكر البيهقي عن الحميدي أنه حَمَل حديث ابن مسعود على العَمْد وإن كان ظاهره يَتناولُ العمد والنسيان، واستدل على ذلك فقال: كان إتيان ابن مسعود من أرض الحبشة قبل بدر ثم شهد بدرا بعد هذا القول، فلما وجدنا إسلام أبي هريرة والنبي- عًليه السلام- بخيبر قبل وفاته بثلاث سنين، وقد حضر صلاة رسول الله، وقولَ ذي اليدين، ووجدنا عمران بن حصين شهد صلاة رسول الله مَرةً أخرى، وقولَ الخرباق، وكان إسلام عمران بعد بدرٍ، ووجدنا معاوية بن حُدَيج حضَر صلاةَ رسول الله، وقولَ طلحة بن عبيد الله، وكان إسلامِ معاوية قبل وفاة النبي- عليه السلام- بشهرين، ووجدنا ابن عباس يُصوبُ ابن الزبير في ذلك، ويذكر أنها سُنَة رسول الله، وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين [2/31 - ب] قبض النبي- عليه السلام-،/ ووجدنا ابن عمر روى ذلك، وكان أجازه (1) النبي- عليه السلام- ابنَ عمر يوم الخندق بعد بدر، علمنا أن حديث ابن مسعود خُص به العمدُ دون النسيان، ولو كان ذاك الحديث في النسيان والعمد يومئذ لكانت صلاة رسول الله هذه ناسخةً له لا بعده. والجواب: أنه ليس للحميدي دليل على أن ابن مسعود شهد بدرا بعد

_ (1) كذا.

هذا القول، وعلى تقدير صحة ذلك نَقول: هذا القول كان بالمدينة قبل بدر، وقضية ذي اليدين- أيضا- كانت قبل بدر؛ لكن قضية ذي اليدين كانت متقدمة على حديث ابن مسعود وابن أرقم، فنسخت بهما؛ يدل على ذلك: ما رواه البيهقي في آخر " باب من قال: يسجدهما قبل السلام في الزيادة والنقصان " بسند جيد من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة، فذكر صلاة النبي - عليه السلام- وسَهوَه، ثم قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعدُ، فهذا يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة لتأخر إسلامه عن هذا الوقت، وأيضا- فإن ذا اليدين قُتِل ببدرٍ. وروى الطحاوي عن ابن عمر قال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. وذكر ذلك ابن عبد البر، وابن بطال، وذكر عن ابن وهب أنه قال: إنما كان حديث ذي اليدين في بَدء الإسلام، ولا أرى لأحد أن يَفْعله اليوم، وقولُ أبي هريرة: صلى بنا رسول الله- يعني: بالمسلمين- وهذا جائز في اللغة. روى عن النزال بن سَبرة قال: قال لنا رسول الله: " أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف" الحديث. والنزالُ لم يرَ رسول الله، وإنما أراد بذلك: قال لقومنا. وروى طاوس قال: قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئا، وإنما أراد: قدم بلدنا؛ لأن معاذا إنما قدم في عهد رسول الله قبل أن يُولد طاوس، ذكر ذلك الطحاوي، ومثله هذا ذكره البيهقي في " باب البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة " (1) عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر إلى آخره، ثم قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر؛ وقوله: " جاءنا " يعني: جاء بلدنا. قال الطحاوي: ومما يدل على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة:

_ (1) السنن الكبرى: كتاب الصلاة (2/ 461) .

أن أبا سعيد الخدري روي عنه أنه قال: كنا نرد السلامَ في الصلاة حتى نُهينا عن ذلك، فأخبر أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة؛ وهو في السن دون ابن أرقم بدهر طويل. فإن قيل: قد ورد في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن أبا هريرة قال: "بينما أنا أصلي مع النبي- عليه السلام- "، وهذا تصريح منه أنه حضر تلك الصلاة، فانتفى بذلك تأويل الطحاوي. قلنا: يحتملُ أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة: (صلى بنا) أنه كان حاضرا، فروى الحديث بالمعنى على زعمه قال: "بينما أنا أصلي" هذا لان كان فيه بعد إلا أنه يُقر به ما ذكرنا من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر، ويدل عليه- أيضا- أن في حديث أبي هريرة: "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها" وفي حديث عمران بن حصين: "ثم دخل منزله"، ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القِبلة ويمشي، وقد بَقي عليه شيء من صلاته، فلا يخرجه ذلك عنها. فإن قيل: فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة. قلنا: فيلزمُ على هذا: أنه لو كل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة، أنه لا يخرجه ذلك منها، وأيضا فقد أخبر النبي- عليه السلام- ذو اليدين، وخبر الواحد يجب العمل به، ومع ذلك تكلم- عليه السلام- وتكلم الناسُ معه مع إمكان الإيماء، فدل على أن ذلك كان والكلام في الصلاة مُباح ثم نسخ كما تقدم. فإن قيل: قد جاء في رواية حماد بن زيد: "أنهم أومأوا". قلنا: قد اختلف على حماد في هذه اللفظة؛ قال البيهقي في كتاب (المعرفة) : هذه اللفظة ليست في رواية مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد؛ وإنما هي في رواية أبي داود، عن محمد بن عُبيد. وروى/ الطحاوي أن عمر - رضي الله عنه- كان مع النبي- عليه السلام- يوم ذي اليدين، ثم حدثت به تلك الحادثة بعد النبي- عليه السلام-، فعمل فيها بخلاف ما عمل- عليه السلام- يومئذ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من

الصحابة، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ ما كان منه- عليه السلام- يوم ذي اليدين، ويدل على ذلك- أيضا- أن الأمة أجمعت على أن السنة من الإمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به، ولم يُسبح ذو اليدين برسول الله، ولا أنكره- عليه السلام- عليه، فدل على أن ما أمر به- عليه السلام- من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان في حديث ذي اليدين. فإن قيل: قد سجد النبي- عليه السلام- سجدتي السهو في حديث ذي اليدين، ولو كان الكلام حينئذ مباحا كما قلتم لما سجدهما. قلنا: لم تتفق الرواةُ على أنه- عليه السلام- سجدهما؛ بل اختلفوا في ذلك. قال البيهقي: لم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة، ولا عن جماعة حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة. وخرج الطحاوي، عن الزهري قال: سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحد منهم أنه صلاها- يعني: سجدتي السهو- يوم ذي اليدين؛ فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجدهما نقول: الكلام في الصلاة- "أن كان مباحا حينئذ- لكن الخروج منها بالتسليم قبل تمامها لم يكن مباحا، فلما فعل- عليه السلام- ذلك ساهيا كان عليه السجود لذلك. وقال الشيخ علاء الدين المارديني في "الجوهر النقي في الرد على البيهقي": ثم إني نظرتُ فيما بأيدينا من كتب الحديث، فلم أجد في شيء منها أن عمران بن الحصين حضر تلك الصلاة، ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سَوْقه للطُرق؛ بل في كتاب النسائي، عن عمران أنه- عليه السلام- صلي بهم وسهى، فسجد ثم سلم، وكذا في "صحيح مسلم " وغيره بمعناه؛ والأظهر: أن ذلك مختصر من حديث ذي اليدين؛ فظاهر قوله: مصلى بهم " أنه لم يحضر تلك الصلاة، وإذا حُمل حديث أبي هريرة على الإرْسال بما ذكرنا من الأدلة، فَحمْلُ حديث عمران على ذلك أوْلى، وحديث مُعاوية بن حُدَيْج رواه عنه سُويدُ بن قَيْس المِصْري التُجِيبي. قال الذهبي في كتابه " الميزان" و "الضعفاء": مجهول

تفرد عنه: يزيد بن أبي حبيب. وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه، وفيه: أنه- عليه السلام- أمر بلالا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة، وأجمعوا على العمل بخلاف ذلك، وقالوا: إن فعلَ الإقامة ونحوها يقطع الصلاة، وتَصويبُ ابن عباس لابن الزبير في ذَلك ذكره البيهقي من طريقي، في أحدهما: حماد ابن سلمي، عن عسل بن سفيان، وقال في " باب منْ مر بحائط إنسان": ليس بالقوي، وعسْل: ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم. وفي الطريق الثانيَ: الحارث بن عُبيد أبو قدامة. قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث، وعنه قال: لا أعرفه. وقال البيهقي في "باب سجود القرآن إحدى عشرة": ضعفه ابن معين. وأما قوله: "وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي- عليه السلام-" فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول: إن قضية ذي اليدين كانت قبل بدر؛ لأن ظاهر قول ابن عباس: ما أماط عن سُنَة نبيه- عليه السلام- يدلُ على أنه شهد تلك القضية، وقبل بدر لم يكن ابن عباس من أهل التمييز، وتحمل الرواية لصغره جدا، ونحنُ بعد تسليم دلالته على أنه شهد القضية نمنع كون سنه كذلك؛ بل قد رُوِي عنه أنه قال: توفي- عليه السلام- وأنا ابن خمس عشرة. وصوب أحمد بن حنبل هذا القول، ويدل عليه ما روي في " الصحيح " (1) عن ابن عباس أنه قال في حجة العدل: وكنتُ يومئذ قد ناهزتُ الحُلم. ولا يلزمُ من رواية [2/32 - ب] ابن عمر ذلك، وإجازته- عليه السلام- بعد بدر أن لا تكون/ القضية قبل بدر؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمل. وقوله: " علمنا أن حديث ابن مسعود خص به العمد دون النسيان ". قلنا: لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهواً وكذا من النبي - عليه السلام- وأصحابه؛ لأن ذا اليدين لما قال: " بلى قد كان بعض

_ (1) البخاري: كتاب العلم، باب: متى يصح سماع الصغير؟ (76) .

ذلك" علم- عليه السلام- أن النسيان قد وقع، فابتدأ عامدا فسأل الناس فأجابوه- أيضا- عامدين؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر، وأن النسيان قد وقع. ثم خرج البيهقي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، ثم قال: فلم يأمره النبي- عليه السلام- بإعادة الصلاة، فمن تكلم في صلاته ساهيا أو جاهلاَ مضت صلاته. والجواب: أن الوليد بن مسلم مُدلس ولم يصرح هاهنا بالسماع من الأوزاعي، وكان معاوية جاهلاَ بتحريم الكلام. ثم قال البيهقي: الذي قُتل ببدرِ هو ذو الشمالين ابن عبد عمر [و] ، بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي- عليه السلام- بسَهوه فإنه بقي بعد النبي- عليه السلام-؛ كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال: حدثني شعيب بن مطير، عن أبيه- ومطير حاضر وصدقه- قال شعيب: "يَا أبتاه، أخبرتَني أن ذا اليدين لَقيك بذي حُسْب فأخبرك أن رسول الله" الحديث. ثم قال البيهقي: وقالَ بعض الرواة فًي حديث أبي هريرة: "فقال ذو الشمالين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ ". وكان شيخنا أبو عبد الله يقولُ: كل من قال ذلك فقد أخطأ؟ فإن ذا الشمالين تقدم موتُه ولم يُعقِب، وليس له راوِ. والجواب في "المُوطأ": مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن (1) أبي حثمة: بلغني أن رسول الله- عليه السلام- ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار: الظهر أو العَصْر، فسلم من اثنتَيْن، فقال له ذو الشمالين- رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟ الحديث؛ وفي آخره: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمه بن عبد الرحمن مثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين وأنه من بني زهرة.

_ (1) في الأصل: "عن" خطأ.

فإن قيل: إنه مُرسل. قلنا: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أنه متصل من وجوه صحاح، وقد قال النسائي في " سننه" (1) : نا محمد بن رافع: ثنا عبد الرزاق: نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة قال: صلى النبي- عليه السلام- الظهر أو العصرَ فسلّم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عَمْرو: أنقصَ الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنه ذو الشمالين. وقال النسائي (2) - أيضا-: نا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: نسي رسول الله فسلّم في سجدتين فقال له ذو الشمالين: أقصرت الصلاة؟ الحديث. وهذا- أيضا- سند صحيح صرح فيه- أيضا- أنه ذو الشمالين. فإن قيل: فقد ذكر أبو عمر في "التمهيد" و" الاستيعاب " أن هذا وهم من الزهري عند كثر العلماء. قلنا: قد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس. قال النسائي (3) : نا عيسى بن حماد: نا الليث، عن يزيد بن (4) أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله- عليه السلام- صلى يومأ فسلم في ركعتين ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح على شرط مسلم يثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك، وأن المخاطب للنبي- عليه السلام- ذو الشمالين، ويؤيد ذلك ما في كتاب النساَئي من قوله: ذو الشمالين بن عَمرو، وكأنه ابن عبد عمرو، فأسْقط الكاتب لفظة " عبد"، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في "الصحيحين" عدم صحته على ما عرف، وثبت- أيضا أن ذا اليدين وذا الشمالي واحد، وقد ورد اللقبان جميعاً

_ (1) كتاب السهو، باب: ما يفعل من سلم ركعتين ناسيا وتكلم (3/ 24) . (2) (3/ 24) . (3) (صم 23) . (4) في الأصل: "عن " خطأ.

/ في كتاب النسائي من الوجهين المتقدمين. وقال السَمْعاني في "الأنْساب": ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وفي "الفاصل " للرامهُرمزي: ذو اليدين وذو الشمالين، قد قيل: إنهما واحد. وقال ابن حبان في "الثقات": ذو اليدين، ويقال له- أيضا-: ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال- أيضا-: ذو الشمالين عمرو بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي حليف بني زهرة. وهذا أوْلى من جعله رجلين لأنه خلاف الأصل. والحديث الذي استدلّ به البَيْهقي وغيره على بقاء ذي اليدين بعد النبي- عليه السلام- سندُه ضعيف؛ لأن مَعدي بن سليمان متكلم فيه. قال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يُحدّث عن ابن عجلان بمناكير. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والمُلزقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وشعيب ما عرفنا حاله ووالده: مَطير قال فيه ابن الجارود: سمع ذا اليدين، روى عنه: ابنه: شعيب، لم نكتب حديثه. وفي لا الضعفاء، للذهبي: لم يصح حديثه، وفي "الكاشف ": مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه: ابناه: شعيب وسليم، لم يصح حديثه. ولضَعْف هذا السند قال البيهقي في كتاب "المعرفة ": ذو اليدين بقي بعد النبي- عليه السلام- فيما يُقال، ولقد أحسن وأنصف في هذه العبارة، وقول الحاكم عن ذي الشمالين: " لم يُعقِب " يفهم من ظاهره: أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك. ثم ذكر البيهقي حديث أبي سعيد بن المعلى وقوله- عليه السلام-: ما ما منعك أن تُجيبني حين دعوتك؟ أما سمعت الله يَقولُ: استجيبوا لله وللرسول؟ " الحديث، ثم قال: وفي هذا دلالة على أن جواب أصحاب النبي- عليه السلام- حين سألهم عما يقول ذو اليدين لم تبطل صلاتهم مع ما روينا عن حماد بن زيد في تلك القصة أنهم أومأوا. والجواب: "قوله: مع ما روينا عن حماد " إلى آخره لا يلائم كلامَه

المُتقدم؛ لأنه استدل أولا على أن كلامهم لم يُبطل الصلاة، وفي رواية حماد بن زيد أنهم لم يتكلموا؛ بل أومأوا، على أن حمادا اختلف عليه في هذه اللفظة، والله أعلم. فإذا تأملت جميع ما ذكرنا في هذا الموضع حصل لك جواب عما قاله الخطابيّ في " معالم السنن"، وما قاله البيهقي في "سننه"، وكتابه "المعرفة"، وما قاله الشيخ محيي الدين في "شرح مُسلم "، وما قاله غيرهم، ويَظهر لك ضعف كلامهم، ويَحصل لك الريُّ؛ وليْس الري من التشاف. 901- ص- ثنا يَزيدُ بن خالد بن مَوْهب، وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهمِ عن بُكَير، عن نَابل صاحب العبَاء، عن ابن عُمر، عن صُهَيب أنه قال: مرَرْتُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصلي فَسلمتُ عليه فرَد إِشارةً، قال: ً ولا أعلَمُه إلا قال: إشارَةً بإِصْبعه (1) . ش- نابل: بالنون في أَوَله، وبالباء الموحدة المكسورة صاحب العَبَاء، ويقال: صاحب الشمال، وهي [جمع] شملة. سمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة. روى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، وصالح بن عُبَيد. قال البرقاني: قلت للدارقطني: نابل صاحب العباء ثقة؟ فأشار بيده أن لا. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . وصهيب: ابن سنان بن مالك القيمي، أبو يحيي، كان أبوه عاملا لكسرى على الأبلة، وكانت ديارهم بأرض الموصل، ويقال: كانوا في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيبا وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم فصار ألْكَن، فابتاعه كلب منهم فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة (367) ، النسائي: كتاب السهو، باب: رد السلام بالإشارة في الصلاة (3/ 5) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6349) .

منهم فأعتقه، وقيل غير ذلك، شهد صهيب بدرا مع رسول الله وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول في النصف منه، وأدرك رسول الله بقباء قبل أن يدخل المدينة. روى عنه: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وبنوه: عثمان، وصيفي، وسَعْد/، وعباد، وحبيب، ومحمد، [2/ 33 - ب] وصهيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار. مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ودفن بالبقيع. روى له: الجماعة إلا البخاري (1) . قوله: " فرد إشارةً " أي: فرد السلام علي من حيث الإشارة بإصبعه. وبهذا استدل الشافعي ومالك أن المصلي إذا سُلم عليه يَرد إشارة. وقال الخطابي (2) : والإشارة حَسنة، ثم روى هذا الحديث؛ فكأنه استدل به على ما قال. وقال أصحابنا: لا يرد لا نطقا ولا إشارة- كما ذكرناه-؛ لأن قول عبد الله: "فلم يَرُدَّ علي السلام يَتناولُ جميع أنواع الرد، على أن الحديث فيه مقال؛ حيث رواه النسائي، ثم قال: نابل ليس بالمشهور. وأخرجه الترمذي وقال: حديث صهيب حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بكير. وفي "المصنف ": حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بشر بن سعيد قال: سلم على النبي - عليه السلام- رجل وهو يُصلي فأشَار إليه بيده كأنه يَنْهاهُ. ص- وهذا لفظُ حديثِ قُتيبةَ. ش- أي: الحديث المذكور لفظ حديث قتيبة بن سعيد، أحد شيوخ أبي داود. 902- ص- نا عبد الله بن محمد النُفيلي: لا زهير: لا أبو الزبير، عن

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 174) ، وأسد الغابة (3/ 36) ، والإصابة (2/ 95 1) . (2) معالم السنن (1/ 189) .

جابر قال: أرْسَلَني نبي الله- عليه السلام- إلى بَني المُصْطَلَق فأتيتُه وهو يُصلِّي على بَعيرهَ فكلَمْته فقَالَ لي بيده هكذا، ثم كلَمتُه فقال ليَ بيده هكذا وأنا أسمَعُه يَقرأَ ويُومئُ برأسه قال: فلما فَرغ قال: " ما فَعلتَ في الذي أرسلتُك؛ فإنه لم يَمْنعَنِي أن أكلِّمَكَ إلا أني كنتُ أصَلِّي" (1) . ش- زُهَيْر: ابن معاوية، وأبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس المكي. قوله: "إلى بني المُصطلق " هو مُفتعل من الصَّلْق، وهو رفع الصَوْت؛ وبنو المصطلق هم بنو جذيمة بن سَعْد بن عمرو بن ربيعة بن جابر بن عَمرو ابن عامر، بطن من خزاعة. قوله:" أن أكلمك " في محل النَّصْب، و"أنْ" مَصْدرية؛ والمعنى: لم يَمْنعني كلامَك، وفاعل " لم يَمْنعْني " قوله: " أني كنت أصلي "، والتقدير: إلا كَوْني في الصَلاة. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 903- ص- نا حُسَيْن بن عيسى الخُراسَاني الدامغاني: نا جَعْفر بن عون: نا هشام بن سَعْد: نا نافع قال: سمعت عبد الله بن عُمرَ يَقولُ: خرجَ رسولُ الله- عليه السلام- إلى قُبَاءَ يُصلِّي فيه، قال: فجاءته الأنْصار فَسلَّمُوا عَليْه وهو يُصلي، قال: فقلتُ لبلال: كيف رَأيتَ رسولَ الله يَرد عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلي؟ قَال: يقولُ هكذا وبَسَطَ كَفَّه، وبَسَطَ جَعْفرُ بنُ عونٍ كَفَّه، وجَعلاَ بَطنَه أسفلَ وظهرَه إلى فوقَ (2) .

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة (539) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به (351) ، النسائي: كتاب السهو، باب: رد السلام بالإشارة في الصلاة (3/ 6) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: المصلي يسلم عليه كيف يرد (1017) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة (368) .

ش- حسين بن عيسى المذكور، أحد شيوخ أبي داود. روى عن: جَعفر بن عَوْن بن جعفر بن عَمرو بن حريث المخزومي أبو عون، وجَعْفر ابن عون: ثقة، قاله ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق. مات بالكوفة سنة ست ومائتين. روى له الجماعة. ونافع: مولى ابن عمر- رضي الله عنهما-. قوله: "إلى قُبَاء" قد مر تفسير قُباء غير مرة. 904- ص- نا أحمد بن حنبل: نا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، عن النبي- عليه السلام- قال: "لا غِرَارَ في صلاة ولا تسليمَ " (1) . ش- سفيان: الثوري، وً أبو مالك: سَعْد بن طارق، الكوفي الأشجعي. وأبُو حازم: اسمُه: سَلْمان الأشجعي الكوفي، مولى عزةَ الأشجعية. روى عن: الحسن بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة وكثر عنه، وقال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين. روى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعدي بن ثابت، وغيرهم. قال أحمد ويحيى: ثقة. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له الجماعة (2) وقال الطبراني: أبو حازم أربعة، كل منهم يروي عن أبي هريرة، أحدهم: هذا، والثاني: أبو حازم التمار، اسمه: دينار مولى بني رهم، والثالث: أبو حازم: سلمه بن دينار الزاهد، والرابع: أبو حازم نَبتل الكوفي. قوله: "لا غِرارَ" الغِرار- بكسر الغين المعجمة-: النقصان، وغرار

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/ 2440) .

النوم. قلته: ويُريد بغرار الصلاة: نقصان هيئاتها وأركانها، وغِرارُ التسليم: أن يقول المُجيبُ: وعليك، ولا يقول: السلامُ، وقيل: أراد بالغرار النوم أي: ليس في الصلاة نوم. قوله: "ولا تسليمَ " يُروى بفتح الميم، ويروى بالجر، فمَنْ فتحها كان معطوفا على (1) / الغرار، ويكون المعنى: لا نَقْص ولا تسليمَ في الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز، ومَنْ جَرها يكون معطوفا على الصلاة ويكون المعنى: لا نقص في صلاة ولا في تسليم. واعلم أن " لا" هاهنا لنفي الجنْس، واسمها مبني على الفتح، نحو: لا رجلَ في الدار؛ وإنما عملت في الاسم لاختصاصها بالاسم، إذ هو الذي له أفراد يقصد نفي جميعها بها، وإنما بني اسمها لتضمنه معنى الحرف؛ لأن معنى" لا رجل": لا من رجل، وعلى الفتح لأنه أخف الحركات، فيكون المعنى في الحديث نفي جنس الغرار، ونفي جنس التسليم على عطفه على اسم "لا" كما قررناه، وإذا نُفي جنس التسليم يُنْفى- أيضا- جنس الجواب، وهو يَشملُ أنواعه من اللسان والإشارة ونحو هما، فافهم. ص- قال أحمدُ: يعني فيما أرَى: أن لا تُسلم ويُسَلم عليكَ ويُغررُ الرجلُ بصلاِتهِ فينصرفُ وهو شاك (2) . ش- أي: قال أحمد بن حنبل: فيما أرَى أي: فيما أظن أن لا تسلم أنْت في الصلاة، ولا يُسلم غيرُك عليك؛ وهذا تفسيرُ "ولا تسليمَ". وقوله: "ويُغررُ الرجل " إلى آخره تفسير قوله: " لا غرارَ" وهو أن يغرر الرجل بصلاته فيسلم ويخرج منها وهو شاك، هل صلى ثلاثا أو أربعا؟ فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين، ويَنْصرف وهو شاك. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في " جامع المسانيد"، فقال: نا أحمد قال: نا عبد الرحمن قال: ثني سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن

_ (1) مكررة في الأصل. (2) في سنن أبي داود: "وهو فيها شاك".

أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لا إغرار في صلاة ولا تسليمَ ". قال أحمد: سألت أبا عمرو الشيباني عنه فقال: إنما هو " لا غِرارَ" قال أحمد: ومعناه: لا يخرج من الصلاة وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال. 905- ص- نا محمد بن العلاء: نا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي مالك، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: أرَاهُ رفَعه قال: " لا غِرارَ في تسليمِ ولا صلاة" (1) . ش- " أراهَ "- بضم الهمزة- أي: أظنه رَفعَ الحديثَ وقال: " لا غرارَ في تسليم ولا صلاة"، وهذه الرواية تؤيدُ قول من جر: " ولا تسليم" في الرواية الأولىً عطفا على قوله: " في صلاة". وأخرج البيهقي الطريقين ثم قال: هذا اللفظ- أعني: الطريق الثاني- وهي طريق معاوية بن هشام يقتضي نفي الغرار عن الصلاة والتسليم جميعاً والأخبار التي مضت تُبيح التسليمِ على المصلي والرد بالإشارة، وهي أوْلى بالاتباع. وأراد بالأخبار التي مَضتْ: خبر صهَيب ونحوه. قلنا: لا يلزم من نفي الغرار عن الصلاة والتسليم تحريم التسليم حتى يكون ذلك مُعارضا للأخبار المُبيحة للتسليم والرد بالإشارة حتى يحتاج إلى الترجيح، نعم الرواية الأولى تقتضي منع التسليم مطلقا، وهي التي تقتضي المُعارضة للأخبار المُبيحة، وكان يتعين عليه أن يُذكر هذا، ثم نقولُ: لا نُسلم أن المُبِيح والمحرم إذا اجتمعا أنْ يكون المُبيح أولى؛ بل المحرم أولى كما هي القاعدة عند المحققين من العلماء، فالأخبارُ التي مضت تشيرُ بإباحته السلام على المصلي وإباحة رد المصلي إشارةً، وهذا الخبرُ يُحَرًمُ السلامَ بالكلية، فلا يَستحق المُسلم بالسلام الحرام جوابا، لا نطقا ولا إشارةً، وهذا أولى بالاتباع عكس ما قاله البيهقي، عملاً بالقاعدة المذكورة، فافهم.

_ (1) تفرد به أبو داود.

162- باب: تشميت العاطس في الصلاة

ص- قال أبو داودَ: ورواه ابنُ فضيلِ على لفظِ ابن مَهْدي، ولم يَرفَعْهُ. ش- أي: وروى هذا الحديث محمد بن فضيل على لفظ عبد الرحمن ابن مَهدي، فأوقفه على أبي هريرة ولم يَرْفعه. * * * 162- بَاب: تشميت العاطس في الصلاة أي: هذا باب في بيان تشميت العاطس في الصلاة. والتشميت - بالشين المعجمة والسن المهملة-: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما يقال: شمت فلانا (1) ، وشمت عليه تشميتا فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتَة وجَنبك ما يُشمَتُ به، عليك، والشماتة: فرح/ العَدو ببليةِ تَنْزلُ بما يُعاديه، يُقال: شمِت به يَشمَتُ فهو شامت، وأشْمته غَيْره. 906- ص- نا مسدد: نا يحيي ح، ونا عثمان بن أي شيبة: نا إسماعيل - يعْني: ابن إبراهيم- المعنى، عن حجاج الصواف قال: حدَّثني يحيي بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاءَ بن يَسار، عن معاويةَ بن الحكم السلمي قال: صَلَّيتُ مع رسول الله- عليه السلام- فَعَطسَ رجل من القوم فقُلتُ: يرحَمُكَ الله، فرمَانِي القًومُ بَأبْصارِهم فقُلتُ: وَاثكلَ أمياهُ، ما شأنكم تنظرون ليَّ؟ قال: فجَعَلُوا يَضْربونً بأيديهم على أَفْخَاذهم، فعَرَفْتُ أنهم يُصَمتونَني. قال عثمانُ: فلما رأيتُهم يُسَكتُونَنِي (2) لَكَنِي سكتُ، فلما صلَّى رسولُ الله بأبي وأمي ما ضَرَبَنِي ولا كَهَرَني ولا سبَّني، ثم قال: " أن هذه الصلاةَ لا يَحل فيها شيء من كلام الناسِ هذا، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن " أو كما قال رسولُ الله. قلتُ: يا رسولَ الله"

_ (1) في الأصل: " فلا" كذا، وما أثبتناه من النهاية (2/ 499- 0 0 5) ، فالنص فيه بلفظه. (2) في سنن أي داود: " يسكتوني ".

إنا قوم حديثُ عهد بالجَاهلية (1) وقد جَاءَنا اللهُ بالإسلام ومنَّا رجال يأتُون اَلكُهَّان، قال: "فلاً تأتهِمْ " قَالَ: قلتُ: ومنا رجال يتطيّرُونَ، قال: " ذاك شيءٌ يَجدُونه في صُدورهم فلا يَصُدَّهُم ". َ قال: قلت:، وَمنا رجال يخُطُّون، قال: "كان نبيّ من الأنبياء يخُطُّ فمَنْ وَافَقَ خَطَّه فذاك" قال: قلتُ: جارية لي كانت تَرْعَى غنَيماتَ قِبلَ أحُد والجَوَّانيّة إذ اطلَعتُ عليهِا اطلاعةً فإذا الذئبُ قد ذهَب بشاة منها، وأنا منْ بًني آدم آَسًفُ كما يأسَفُون، لكني صككْتها صَكَّةً، فَعَظَّمَ ذلكً (2) عَليَّ رَسولُ الله. فقلتُ: أَفلا أُعْتقُهَا؟ قال: " ائتِني بها " قال: فجئتُ بها، فقال: " أينَ اللهُ؟ " قالَتْ: في السَماء، قال: " مَنْ أنا؟ " قالَتْ: أنتَ رسولُ اللهِ، قال: "أَعتِقْها فإنها مُؤمنه" (3) . ش- إسماعيل: ابن إبراهيم المعروف بابن عُلية. وهلال بن أبي ميمونة: ويقال: ابن أبي هلالْ، وهو هلال بن علي ابن أسامة الفهري العامري مولاهم القرشي المديني. سمع: أنس بن مالك، وأبا سلمة، وعطاء بن يسار، وغيرهم. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وزياد بن سعد (4) ، ومالك بن أنس، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ. مات في آخر خلافة هشام. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) . ومعاوية بن الحكم السُّلمي: وقيل: عمر بن الحكم؛ وعُمر وهم والصحيح: معاوية، رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- ثلاثة عشر حديثا، روى له مسلم حديثا واحداً، روى له: أبو داود، والنسائي (6) .

_ (1) في سنن أبي داود: " بجاهلية". (2) في سنن أبي داود: " ذاك". (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة فيها، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (537) ، النسائي: كتاب السهر، باب: الكلام في الصلاة. (4) في الأصل؛ " سعيد " خطأ. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6626) . (6) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 403) ، وأسد الغابة (5/ 7 0 2) ، والإصابة (3/ 432) . 12. شرح سنن ني داوود 4

قوله: "واثكل أمياه " الثكْلُ- بضم الثاء المثلثة، وإسكان الكاف وبفتحهما- جميعاً- لغتان كالبُخل والبَخَل حكاهما الجوهري وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، وامرأة ثكلى وثاكل، وثكلته أمّه. بكسر الكاف، وأثكله اللهُ أمه، وثكلت المرأة وأثكلت فقدَتْ ولدهَا؛ والواو في قوله: "واثكل " يُسمَّى واوَ النُدبة نحو: وازيداه، والندبة، والندب مأخوذ (1) من ندبت الميت إذا بكيت عليه وعددت محاسنه؛ وأصله من ندبَه إذا حثه؛ كأن الحزنُ يَحث النادبَ على مَد الصَوْت باسم الميت، ودعاء الناس إلى التضجر معه؛ والأولى بالندبة: النساء؛ لضعفهن عن تحمل المصيبة، فيبنَى المفرد على ما يرفع، نحو: وازيد، وازيدان، ويُنصب المضاف وشبهه نحو: واعبدَ الله، ثم يلحقونه حرف مَدّ ليطول الصوت به فيكون أظهر للغرض وهو التفجع، وإظهار اسم المندوب، فيقال: وازيداه، واختير الألف؛ لأنه أقعد في المد من أختيْها، أو لأنها أخف، وزيادتها أكثر، ولا تلحق الألف المضاف عند الإضافة، لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بل يلحق المضاف إليه نحو: واعَبْد الملكاه، وإن كان المضاف إليه منونا فسيبويه يحذف تَنْوينه نحو: وَاغُلام زيداه، ثم هاهنا قوله: لا والكل المياه " مضاف ومضاف إليه، فدخل الألف في المضاف إليه وهو " أمياه "، و "أمياه " بكسر الميم، وأصله: ثكلت أمي، فزيدت في أوله واو الندبة، وفي آخره الألف- لما ذكرناه- وأما الهاء: فهي هاء السكْت، دخلت ليتبين بها الألف؛ لأنها حرف خفي، فالوقف [2/35 - أ] / عليه يَزيدها خفاء. قوله: " فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم " يعني: فعلوا هذا ليُسكتوه؛ وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وابنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة.

_ (1) غير واضحة في الأصل.

قوله: " فلما رأيتهم" جواب "لما " محذوف تقديرُه: ما خالفتهم بَلْ سكتُّ. قوله: " بأبي وأمّي " في محل الرفع تقديره: هو مُفدَى بأبي وأمي، وقد مر مثله غير مرة. قوله: " ولا كهرني، معناه: ما انتهرني ولا أغلظ لي، وقيل: الكَهْرُ: استقبالك الإنسان بالعُبوس، وقرأ بعض الصحابة:" فأما اليتيم فلا تكهر" وقيل: كهَره وقهره بمعنىً. قوله: " لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس " نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدا لحاجة أو لغيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيًه إمام ونحوه سبح إن كان رجلاً، وصفقت إن كانت امرأة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف. وقالت طائفة- منهم الأوزاعي-: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث ذي اليدين. وقال الشيخ محيي الدين (1) : هذا في كلام العامد العالم، أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام عندنا، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطل؛ دليلنا: حديث ذي اليدين. وقد بينا دلائلنا والجواب عن حديث ذي اليدين مستو"ى مُطولا. قوله: " هذا " إنما هو إشارة إلى الصلاة باعتبار المذكور، أو باعتبار نفس الفعل، والمعنى: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم؛ وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، ذكر بعض الأركان وبعض الشروط وبعض السنن، واقتصر بها عن غيْرها لعلم المخاطبين بذلك؛ فقوله: "التسبيحُ " يتناولُ كل ذكر في الصلاة من الثناء، وتسبيحات الركوع والسجود، والأدعية التي يدعى بها فيها، وكذلك قوله: "والتكبير" يتناول تكبيرة الافتتاح وغيره من تكبيرات الانتقالات. وقال

_ (1) شرح صحيح مسلم (21/5) .

النوويُ (1) : وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم فسبح أو كبر أو قرأ القراَن لا يحنث؛ وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا، وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها. وقال أبو حنيفة: ليست منها؛ بل هو شرط خارج عنها، متقدم عليها. قلت: عدم الحنث في المسألة المذكورة مَبني على العُرْف فلا يحتاج إلى الاستدلال بهذا، وقوله: " وفيه دلالة لمذهب الشافعي " إلى آخره غير مسلم؛ لأن قوله: "والتكبير" يتناولُ سائر التكبيرات- كما ذكرناه- ولا يفهم منه فرضية تكبيرة بعينها، ولا سُنية تكبيرة بعينها؛ بل يتناول ذا وذا، ومن أن الدليل الواضح على مُدعَاه، ليتَ شعري! كيف يَذكرون أشياء غير جلية ويجعلونها حجةً لإمامهم على غيره، ويتركون الشيء الواضح الجلي الذًي هو حجة عليهم؟ فإن قوله- عليه السلام-:" وقراءة القرآن" نص صريح على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة، وهو يُنافي فرضية فاتحة الكتاب؛ إذ لو كانت فرضا لقال: وقراءة الفاتحة، وليس لهم أن يقولوا؛ المراد به: فاتحة الكتاب؛ لأنه تخصيص بلا مخصص؛ وهو باطل؛ وليْس فيه إجمال حتى يكون قوله- عليه السلام-: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " بيانا له. ثم في هذا الحديث: النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتَفْسد به. وقال صاحب " الهداية ": ومن عطسَ فقال له آخرُ: يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس، فكان من كلامهم، بخلاف ما إذا قال العاطسُ أو السامعُ: الحمد لله- على ما قالوا-؛ لأنه لم يُتعارف جوابا. قلت: قوله: لا على ما قالوا، إشارة إلى خلاف فيه رُوي عن أبي حنيفة أن العاطس إذا حمد الله في نفسه، ولم يحرك لسانه لا تَفسد

_ (1) شرح صحيح مسلم (21/5) .

صلاته، ولو حرك تفسدُ. وفي "المحيط ": رجل عطس فقال المصلي: يرحمك الله،/ أو يرحمك ربك، تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس [2/35 - ب] منزلة قوله: أطال اللهُ بقاءك، وعافاك اللهُ، ولو قال له: الحمدُ لله لم تفسد وان أراد به الجواب، لأن التحميد لا يستعمل لجواب العاطس؛ فإذاً فَحَمْدُ العاطس في الصلاة إذا خاطب نفسه فقال: يرحمك الله لم يضره لأنه لم يكلم غيره وإنما يَدْعو لنفسه. وقال الشيخ محيي الدين (1) : وقال أصحابنا: إن قال: يرحمك اللهُ، أو يرحمكم اللهُ بكاف الخطاب بطلت صلاته، وان قال: يَرْحمه اللهُ، أو: اللهم ارحمه، أو: رحم الله فلانا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيُستحبُّ له أن يحمد الله تعالى سرّا هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وغيره. وعن ابن عمر، والنخعي، وأحمد: أنه يجهرُ به. والأول أظهر. وفي " المصنف": ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبى صدقة قال: قلتُ لابن سيرين: إذا عطستُ في الصلاة ما أقول؟ قال: قل: الحمد لله رب العالمين. لا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في الرجل يَعطسُ في الصّلاة قال: يحمد الله في المكتوبة وغيرها. نا عبدة، عن سفيان، عن غالب بن الهذيل قال: سئل إبراهيم عن رجل عطس في الصلاة فقال له آخرُ: وهو في الصلاة: يرحمك اللهُ. فقال إبراهيم: إنما قال معروفاً وليس عليه إعادة. قوله: " إنا قوم حديثُ عهد بالجاهلية " الجاهليةُ: ما قبل ورود الشرع سموا جاهليةً لكثرة جهالاتهم وفحشها. قوله: " يأتون الكُهّان "- بضم الكاف وتشديد الهاء- جمع كاهن؟ وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويَدعي معرفة

_ (1) شرح صحيح مسلم (21/5) .

الأسْرار، والعراف: الذي يتعاطى بمعْرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما؛ وبهذا حصل الفرق بينهما. " (1) وإنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في. مغيبات، قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحُلْوان؛ وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة منهم: أبو محمد البغوي. وقال الخطابي (2) : كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور، فمنهم من يزعم أن له ربيبا من الجن يلقي إليه الأخبارَ، ومنهم مَنْ يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيَه، ومنهم من يُسمى عرافا؛ وهو الذي يَزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباَب يستدل بها، كمعرفة من سرق الشيء الفلاني، ومعرفة من يُتهم به المرأة (3) ونحو ذلك، ومنهم مَن يُسمي المنجمَ كاهنا؛ ذكر ذلك في قوله- عليه السلام-: " مَنْ أتى كاهنا فصدقه " الحديث، ثم قال: فالحديث يشمل النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدعونه" (4) . قوله: "يتطيرون " من التطير؟ وهو التشَاؤمُ بالشيء، وكذلك الطيرة وهي مصدر تطير- أيضا- يقال: تطير طيرةً كتخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما؛ وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبَوارح من الطير والظباء وغيم هما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، ونهى عنه.

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (22/5) . (2) معالم السنن (4/ 209- 210) . (3) في الأصل: "المعرفة " خطأ. (4) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.

قوله: " ذاك شيء يجدونه في صدورهم " معناه: " (1) أن الطيرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة، ولا عتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير مكتَسَب لهم فلا تكليف به؛ ولكن لا يمتنعوا بسببه من التصرف في أمورهم، فهذا هو الذي يقدرون عليه وهو مكتسب لهم، فيقع به التكليف، فنهاهم النبي- عليه السلام- عن العلم بالطيرة، والامتناع من تصرفاتهم بسببها، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، والطيرة هنا محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. قوله: "فلا يَصدهم " أي: لا يصدهم ذلك عن التصرفات، كما ذكرناه. قوله: " يخطون" من الخط. وهو الضربُ في الرمْل على ما ذكر في كيفيته. " (2) وقال/ ابن الأعرابي في تفسير الخط: كان الرجل يأتي [2/36- أ] لا العَرافَ وبين يدَيه غلامْ، فيأمره بأن يَخُط في الرمل خطوطا كثيرةً وهو يقول: ابنَيْ عيَانْ أسرعا البَيانْ، ثم يأمره أن يَمْحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى آخر ما يبقي من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها زوجا فهو دليل الفَلْج والظفر، وإن بقي فردا فهو دليل الخيْبة واليأس. قوله: " فمَنْ وافقَ خطه فذاك " أي: من وافقَ خط هذا النبي فذاك، يعني: فهو مُباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا تُباحُ. وقال الشيخ محيي الدين (3) : والمقصود: أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها؛ وإنما قال- عليه السلام-: "فمَنْ وافق خطه فذاك"، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخلُ فيه ذلك النبي الذي كان يَخُط، فحافظ

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (23/5) . (2) انظر: معالم السنن (1/ 192) . (3) شرح صحيح مسلم (23/5) .

النبي- علية السلام- على حرمة ذاك النبي- عليه السلام- مع بيان الحكمة في حقنا؛ فالمعنى: أن ذاك النبي- عليه السلام- لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته؛ ولكن لا علم لكم بها. قلت: هذا الكلام كله خارج عما دل عليه اللفظ النبوي، ولا يدل اللفظ صريحا على الحرْمة ولو بَيَّنَ النبي- عليه السلام- حرمته من غير تعليقٍ ما كان يحصل التوهُم المذكور؛ لأن كثيرا من الأمور كانت مباحةً في شريعة من قبلنا، وهي حرام عندنا، ولا يلزم من ذلك ما ذكره من التوهم؛ لأن غايته يكون منسوخا في شرعنا. وقال الخطابي (1) : يشبه أن يكون أراد به الزجْر عنه، وترك التعاطي له؛ إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي؛ لأن خطه كان عَلَما لنبوته، وقد انقطعت نبوته وذهبَتْ معالمها. " (2) وقال القاضي عياض: المختار: أن معناه: من وافق خطه فذاك تجدون إصابته فيما يقول؛ لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا. وذكر المازري في كتاب "المُعلم " قوله: "فمَنْ وافق خطَه فذاك " أي: من أصاب ذلك فقد أصابَ، وقيل: إنما قال ذلك على وجه الإِبْعاد لمن يَسْلك هذا، فكأنه يقول: وكيف لكم موافقة خطه؟!. وقال ابن عبَاس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذي يَخطه الحازي؛ وهو علمٌ قد تركه الناسُ. قلت: الحازي،- بالحاء المهملة- والزاي- من حَزَى الشيءَ تَحْزِية وتحزُوة إذا قدره. وقال الجوهري: الحازي: الذي ينظر في الأعضاء وخيلان الوجه يتكهن. قوله: " غُنَيمات" جمع غُنَيْمَةِ؛ وهي تصْغيرُ غنم؛ والغنم يقع على الذكر والأنثى.

_ (1) معالم السنن (1/ 192) . (2) شرح صحيح مسلم (23/5) .

قوله: "قبَل أحد"- بكسر القاف وفتح الباء- أي: في جهة أحُد، والأحُد: الَجبل المعروف بالمدينة، سمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أُخَر هناك. و" الجَوانِية"- بفتح الجيم، وتشديد الواو المفتوحة، وبعد الألف نون مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، وحكي في الياء التخفيف- وهي أرض من عمل المدينة من جهة الفُرع، كأنها نُسبت إلى جَوان؛ قاله القاضي عياض. وقال الشيخ محيي الدين (1) : الجوانية موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي: " إنها من عمل الفرع " فليس بمقبول؛ لأن الفُرع بين مكة والمدينة، والمدينة بعيد من الفرع، وأحد في شام المدينة، وقد قال في الحديث: " قِبلَ أُحد والجوانية"، فكيف يكون عند الفرع"؟. قلت: الصواب مع الشيخ محيي الدين؛ لأن الفرع- بضم الفاء، وسكون الراء وبالعين المهملتين- من المدينة على أربعة أيام في جِنوبِيها، وهي عدة قرى آهلة، والطريق القريبة من المدينة إلى مكة إنما هي على الفُرع؛ ولكن لاَ يكاد يَسْلم المار بها من قطاع الطريق، وكذا ذكرته في تاريخي في كتاب " البلدان" في فصل "إقليم الحجاز". وفيه: دليل على استخدام السيّد جاريته في الرعي وإن كانت تنفردُ في المَرعى. قوله: "آسف " أي: أغضبُ كما يغضبون، من أسف يأسَفُ من باب علم يعلم؛ والأسَف بفتحتين: أشد الحزن. قوله: "لكني صككتها" فيه حذف حتى يصح الاستدراك؛ / والتقدير: [2/36 - ب] فلم أصبر على ذلك، فما اكتفيت بشَتمها؛ لكني صككتُها؛ الصك: الضربُ، ويُقالُ: اللطمُ. قوله: "فعظم ذلك على" وفاعِلُ "عَظم": رسولُ الله- عليه السلام-

_ (1) شرح صحيح مسلم (23/5-24) .

وهو من التعظيم بمعنى: جعل هذا الف [ـعل عظيما] (1) وذلك إشارة إلى ما أخبره في فعله بالجارية شفقةَ منه عليها. قوله: " فقالَ: أين اللهُ " أي: فقال النبي- عليه السلام- سائلاَ عنها: أين الله؟ إنما أراد- عليه السلام- أن يَتطلبَ دليلاَ على أنها مُوحدة، فخاطبَها بما يفهم قصدها؛ إذ من علامات الموحدين: التوجهُ إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبدُ الأصنامَ تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأرادَ- عليه السلام- الكشفَ عن مُعتقدها هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء، وهي الجهة المقصودة عند الموحدين. وقيل: إنما وَجْهُ السؤالِ بـ " أين " هاهنا سُؤال عما يَعتقدُه من جلال الباري، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يَدل استقبالُ الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها، لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله عَزَّ وجَلَّ فيها (2) . قوله: "اعتقها" إنما أمر بعتقها لأنه ضربها من غير ذنب، وكان عتقها كفارةً لذلك الذنب، وفيه: دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر. قوله: " فإنها مؤمنه " الفاء فيه للتعليل؟ فكان إيمانها بالله وبرسوله هو الذي حبب عتقها، ثم إن النبي- عليه السلام- حكم بإيمانها بالإقرار بالله وبرسالته، وهكذا هو الحكم في كل كافر لا يَعتقدُ دينا باطلاً، ولا يَعْرف إلا الله تعالى، فإنه متى أقر بالله وبرسالة نبيه- عليه السلام- جزما يَصيرُ مؤمنا، ويكون من أهل القِبْلة والجنة، ولا يكلف على إقامة الدليل والبرهان، وأما الكافر الذي يَعْتقدُ دينا من الأديان الباطلة، أو

_ (1) غير واضح في الإلحاق. (2) بل أن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله في السماء، مستو على عرشه، محيط بكل شيء وفوقه، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، وانظر: " مختصر العلو".

كتابا من الكتب السماوية، فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله وبرسوله حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، والبيهقي؛ ولفظه: " إنما هو التسبيح والتكبير" موضع قوله: "إنما هُو". وفي لفظ للطبراني: "إن صلاتنا لا يحل فيها شيء من كلام الناس". وأخرج ابن أبي شيبة كثره في " مصنفه". وقال الخطابي (1) : في هذا الحديث من الفقه أن الكلام ناسيا في الصلاة لا يُفسد الصلاة؛ وذلك أن النبي- عليه السلام- علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها، ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه، وقد كان تكلم بما تكلم به، ولا فرق بين مَنْ تكلم جاهلاً بتحريم الكلام عليه وبين من تكلم ناسيا لصلاة في أن كل واحد منهما قد تكلم، والكلام مباح له عند نفسه. والجواب عن هذا: أنا لا نُسلم أن كلام معاوية بن الحكم كان على وجه السهو والنسيان؛ بل كان عامدا؛ ولكن كان جاهلاً بتحريم الكلام، وأما قوله:" ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه "، فيحتمل أن يكون أقره بها ولم ينقل إلينا، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمرَه بالإعادة، كان الرجوع إلى عموم قوله: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" في دلالة بطلان الصلاة بكلام الناسِي أوْلى؛ فالحديث لا يدل على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، ورُبما دل على عكسه. 907- ص- نا محمد بن يونس النسَائي: نا عبد الملك بن عَمرو: نا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: لما قَدمْتُ عَلَى رسولِ الله عُلمتُ أمورا من أمورِ الإسلام، فكان فيما عُلِّمتُ أن قيل (2) لي: " إذاَ عَطستَ فاحْمدِ الله، وإذا عَطِسَ العاطسُ

_ (1) معالم السنن (1/ 191- 193) . (2) في سنن أبي داود: " قال ".

فحمدَ الله فَقلْ: يَرْحَمُكَ اللهُ " قال: فَبينما أنا قائم مع رسولِ الله في الصلاةِ إذ عًطسَ رجُل فحمدَ اللهَ فقلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ- رافعا بها صَوتِي- فَرَمَانِي الناسُ بأبْصارِهم حتَى احتمَلَني ذلك، فقلتُ: ما لكم تنظرونَ؟ (فقلت: ما لكم تنظرونً) (1) إِلي بأعين شَزْر؟ قال: فَسَبَّحوا، فلما قَضى النبيُّ - عليه السلام- الصلاةَ قال: " مَنِ المتكلمُ؟ " قيل: هذا الأعرابي فدعاني رسولُ الله/ فقال: " إنمَا الصلاةُ لقرَاءَة القراَن وذكرِ الله، فإذا كنتَ فيها فليكنْ ذلَك شأنَكَ،، فما رأيتَُ مُعلمَا قط أَرفقَ من رسول الله- عليه السلام (2) . ش- محمد بن يونس النسَائي: روى عن: أبي عامر العقدي، وعبد الله بن يزيد المقرئ. روى عنه: أبو داود، وفُلَيْح بن سُليمان المدني. وهلال بن علي: هو هلال بن أبي ميمونة القرشي المديني. قوله: " رافعا"، نصب على الحال من الضمير الذي في "فعلتُ ". قوله: "حتى احتملني ذلك " أي: حتى أغْضبَني فعلُهم ذلك. قوله:" بأعين شَزْر" الشزْر: النظر عن اليمين والشمال، وقيل: هو النظر بمُؤخر العين، وأكثر ما يكون النظر الشزْر في حال الغضب وإلى الأعْداء. قوله: "إنما الصلاة لقراءة القراَن وذكر الله" إنما اقتصر على هَذَيْن النَوْعين مطابقة لما صدر من معاوية من الكلام؛ وهذا من بلاغة الكلام، وفصاحة البيان. قوله:" فليكن ذلك شأنك " أي: فليكن ما ذكر من قراء القرآن وذكر الله، فعلك وقولك في الصلاة. قوله: " فما رأيتُ مُعَلما " إلى آخره؛ لأنه- عليه السلام- لم

_ (1) غير موجود في سنن أبي داود، والظاهر أنها مكررة. (2) تفرد به أبو داود.

163- باب: التأمين وراء الإمام

يَنْهره، ولم يغضب عليه على ما فَعل من الفعل المحرم في الصلاة، وهذا من كمال خلقه الحسن، ولطافة ذاته الكريمة - صلى الله عليه وسلم -. * * * 163- بَابُ: التَأمين وَرَاء الإمام أي: هذا باب في بيان حكم التأمين وراء الإمام. 908- ص- لا محمد بن كثير: نا سفيان، عن سلمة بن كهَيل، عن حُجر أبي العَنْبَس الحَضرمي، عن وائل بن حُجر قال: كان رَسولُ الله- عليه السلام- إذا قَرَأ "ولا الضالِينَ" قال: "آمين "، "رفعَ بها صَوتَه (1) . ش- حُجر- بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم-: ابن العنبس الحضرمي، أبو العنبس الكوفي، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي- عليه السلام-. سمع: علي بن أبي طالب، ووائل بن حُجر. روى عنه: سلمة بن كهيل، وموسى بن قيس الحضرمي، والمغيرة بن أبي الحر الكندي. قال ابن معين: شيخ كوفي ثقة ومشهور. روى له: أبو داود، والترمذي (2) . الكلام في "آمين" من وجوه: الأول في لفظه ومعناه، فلفظه صوت سُمي به الفعل، الذي هو استجب، كما أن رويد وحيهل وهلم أصوات سُميت بها الأفعال التي هي: أمْهل، وأسرِعْ، وأقبل. فإن قيل: الصوت: لفظ حكي به صوت، أو صُوت به للبهائم وهو ليس من القسمين. قلت: إن الصوت ربما يطلق على اللفظ لأنه صَوت يعتمدُ على مخرج الحَرف، وهو المراد هاهنا، وفيه لغتان مد الهمزة وقصرها، وفي حركاته أوجه أصحها: فتح النون؛ وهي القراءة الظاهرة.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التأمين (248) " ابن ماء: كتاب إقامة الصلاة والسمعة فيها، باب: الجهر بأمين (855) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1135) .

لأن أصله: يا أميناه، فحذفت الهاء والألف تخفيفا، فبقيت النون على الفتحة، ويكون محله الرفع لأنه نداء ندبة، ويقال: إنه مبني على الفتح ككيف، وأين، وقد تكسر- أيضا-؛ لأن الأصل في البناء: السكون، فإذا حُركَ حُركَ بالكسْر، وقد يُرفع ظاهره- أيضا- على تأويل من جعله اسما لله تَعالى فكأنه قال: يا أمينُ، وبالإمالة لغة وقراءة- أيضا- ولو قرأها بالتشديد فهو خطأ قيل: تفسد به الصلاة. وذكر شمس الأئمة الحلواني أنه لا تفسد تصحيحا لصلاة العامة؛ لأن له نظيرا، وهو قوله تعالى: "وَلا آمينَ البَيْتَ الحَرَامَ " (1) ومعناه: ندعو قاصدين، وأما معناه: فذكر ابن بُزَيزة في " شرح الأحكام" أن ابن عباس سأل رسول الله عن معنى آمين، فقال: " كذلك يكون ". وعن هلال بن يَساف ومجاهد وحكيم بن جابر: هي اسم من أسماء الله. وقال عطية العَوْفي: هي كلمة عبْرانية أو سريانية. وقال عَبْد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي كنز من كنوز العرش لا يعلمه إلا الله تعالى. وقيل: هي خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين. وفي "بسيط " الواحدي، عن جعفر بن محمد: معناه: قصدي إليك، وأنت كرم من أن تخيب قاصدا. وفي "الزاهر" لابن الأنباري: اللهم استجب. وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمن أي: يا الله، وأضمر في نفسك استجب لي. وقال ابن عباس: معناه: اللهم [2/ 37 - ب] افعل/. وقال الضحاك: هي حروف من أسماء الله عَر وجَل، تختم به قراءة أهل الجنة والنار. وقال وهب: يخلق بكل حرف منه ملك يقول: اللهم اغفر لمن (2) قال: آمين. وقال أبو علي: وزنه: فعال، والمس لإشباع؛ لأنه مشى في الكلام أفعال ولا فاعيل ولا فيعيل. وقال الأخفش: مثلها في العجمية شاهد. الثاني: هي من القرآن أم لا؟ قال الزمخشري: وليْس من القرآن، بدليل أنه لم تثبت في المصاحف. وقال ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الإسلام أنها ليست من القرآن العظيم، ولم يكتبها أحد في المصحف.

_ (1) سورة المائدة: (2) . (2) في الأصل: "اللهم اغفر لي لمن ".

الثالث: مَن يَقُولها في الصلاة وكيف يقولها؟ قال أصحابنا: وإذا قال الإمام: "ولا الضالين" قال: "آمين" ويَقولُها المؤتم. وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا يقولها الإمام لأنه دل والمستمع المأموم، وإنما يؤمن المستمع دون الداعي كما في سائر الأدعية خارج الصلاة. فإن قيل: ما يقولُ في قوله- عليه السلام-: "إذا أمّن الإمام فأمنوا"؟ قلنا: سُمِّي الإمامُ مُؤمنا باعتبار التسبيب، والمُسببُ يجوز أن يسمى باسم المُباشِر كما يُقال: بَنَى الأميرُ داره، وبمثل هذه الرواية في "المدونة" عن مالك، وفي (العارضة) عنه: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر. وقال ابن حبيب: يُؤمِّن. وقال يحيي بن بكير: هو بالخيار. وقال السفاقسي: وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها، وعن بعضهم: أنها تفسد الصلاة. وقال ابن حزم: يقولها الإمام سُنَةَ والمأموم فرضا. وأما كيفية قولها: فقال أصحابنا: الإمام والجماعة يخفونها. وقال الشافعي: يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة، والمأموم يخافت؛ هكذا ذكر المزني في "مختصره". وفي (الخلاصة) للغزالي: ومن سنن الصلاة: أن يجهر بالتأمين في الجهرية. وقال في (شرح البخاري) : ويجهر بها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود. وقال جماعة: يخفيها؛ وهو قول أبي حنيفة والكوفيين، وأحد قولي مالك والشافعي في "الجديد"، وفي "القديم ": يجهر. وعن القاضي حسين عكسُه. قال النووي: وهو غلط؛ ولعله من الناسخ. وقال ابن الأثير: لو قال: "آمين رب العالمين"، وغير ذلك من ذكر الله كان حسناً ثم الشافعي ومن معه تمسكوا في الجهر بالتأمين بهذا الحديث وأمثاله. واحتج أصحابنا بأخبار وآثار؛ منها: ((1) ما روى أحمد، وأبُو داود الطيالسي، وأبُو يعلى الموْصلي في "مسانيدهم"، والطبراني في "معجمه"، والدارقطني في

_ (1) انظر: نصب الراية (1/ 369) .

" سننه "، والحاكم في "المستدرك " من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه أنه صلى خلف النبي- عليه السلام-، فلما بلغ " غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال: "آمين "، وأخفى بها صوته. أخرجه الحاكم في كتاب " القراءة" ولفظه: وخفض بها صوته. وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الدارقطني: هكذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته " ويُقالُ: إنه وهِم فيه شعْبة؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: "ورفع بها صوته"؛ وهو الصواب. وطعن صاحب "التنقيح، في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه؟ كما أخرجه البيهقي في " سننه" عن أبي الوليد الطيالسي: نا شعبة، عن سلمه بن كهيل: سمعت حجرا أبا عنبس يُحدثُ عن وائل الحضرمي أنه صلى خلف النبي- عليه السلام- فلما قال: "ولا الضالين" قال: "آمين " رافعا بها صوته. قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في " المعرفة": إسناد هذه الرواية صحيح، وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ. وقال يحيى القطان ويحيى بن معين: إذا خالف شعبةُ سفيانَ (1) ، فالقولُ: قول سفيان- قال: وقد أجمع الحفاظ- البخاري وغيره- أن شعبة أخطأ، وقد روي من أوجه: فجهر بها. انتهى. قلنا: يكفي لصحة الحديث تصحيح الحاكم وقول الدارقطني، ويقال: إنه وَهم فيه شعبة يدلُ على قلة اعتنائه بكلام/ هذا القائل- وأيضاً قولهم في مثل شعبة: " إنه وهم" لكونه غير معصوم موجود في سفيان، فربما يكون هو وهم، ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحاً وقد قال بعض العلماء: والصوابُ أن الخبرين بالجهر بها والمخافتة صحيحان، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء، وإن كنتُ مختارا خفضَ الصوت بها؛ إذ كانت الصحابةُ والتابعون على ذلك.

_ (1) في الأصل: "إذا خالف شعبة يقول سفيان" كذا، وما أثبتناه من نصب الراية.

فإن قيل: (1) قال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث فيه أربعة أمور؛ أحدها: اختلاف سفيان وشعبة؛ فشُعبةُ يقولُ:" خَفضَ "، وسفيانُ يقول: " رَفعَ "؛ الثائي: اختلافهما في حُجْر؛ فَشعبةُ يقولُ: حُجر أبو العَنْبس، والثوريُّ يقولُ: حُجر بن عَنْبَسْ، وصوب البخاري وأبو زرعة قولَ الثوري، ولا أَدْري لمَ لم يُصَوبْ قولُهما جميعاً حتى يكون حُجرُ بن عنبس أبا العَنْبس، اللهَم إلا أن يكونا قد علما أنه له كنيةً أخرى، الثالث: أن حُجراً لا يُعرفُ حالُه، والرابع: اختلافُهما - أيضا-؛ فجعَلَه الثوري من رواية حُجْر، عن وائل، وجعَله شعبةُ من رواية حُجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل. قلنا: أما الجوابُ عن الأول: فيُقال: لا يَضر اختلاف سفيان وشعبة؛ لان كلا منهما إمامٌ عظيمٌ في هذا الباب، فلا يُسقطُ رواية أحدهما برواية الآخر، فكل ما يُقالُ في أحدهما من الوَهْم ونحوه يَصدُقُ على الآخر، فلا تحصل بهذا فائدة- كما قررنا آنفا. والجواب عن الثاني: أن هذا ليس باختلاف؛ لأن حُجراً يجوز أن تكون كنيته: أبا العنبس، ويكونَ هو ابن العَنْبس، فذكره شعبة بكُنْيته والثوريُّ بنَسَبه. وقوله: " اللهم إلا أن يكونا قد عَلما أن له كنيةً أخرى" لا يَضرّنا هذا؛ لأن الشخصَ يجوز أن يكون له كنيتان أو كثر، وكذلك قال الترمذي في " العلل الكبير": سمعتُ محمد بن إسماعيل يَقولُ: حَديثُ الثوري، عن سلمة في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، وشعبةُ اخطأ في هذا الحديث في مواضع قال: عن سلمة بن حُجر أبي العَنْبس؛ وإنما هو ابن عنبس وكنيتُه: أبو السَّكن. وهذا- أيضا- بَعيدٌ من البخاري، فكيف يُخطئ مثلَ شعبة بمثل هذا الكلام؟ لأنه لمَ لا يجوز ابن يكون حُجر مكنى بكُنيتَين بأبي العنبر وبأبي السَّكن، فذكَره شعبةُ بكُنيته التي عَرفه بها، وغيرهُ ذكره بكُنْيته الأخرى، فهذا ليس بمستحيل ولا مُستَبْعدِ حتى يُخطَّأ شُعْبةُ بمثل هذا.

_ (1) انظر: نصب الراية (1/ 369- 0 37) . 31. شرح سنن أبي داود 4

والجواب عن الثالث: أن قوله: " إن حجرا لا يُعرفُ حاله " ممنوع وكيف لا يُعرفُ حاله؟ وقد ذكره أبو القاسم البغويُّ وأبو الفرج البغدادي وابنُ الأثير وغيرهم في جملة الصحابة، ولئن نزلناه عن رُتبة الصحابة إلى التابعين فقد وجَدنْا جماعة أثنَوْا عليه ووثقوه؟ منهم: الخطيبُ أبو بكر البغدادي، قال: سار مَعَ علي إلى النَهْروان، وورَد المدائنَ في صحبته وهو ثقة، احتج بحديثه غيرُ واحد من الأئمة، وذكره ابن حبان في "الثقات ". وقال ابن معين: كوفي ثقة مشهورٌ. والجواب عن الرابع: أن دخول علقمة في الوسط ليس بعَيْب؛ لأنه سمعه من علقمة أولا بنُزولي ثم رواه عن وائل بعلُوّ؛ بينَ ذلكَ الكجي في "سُنَنه الكبير". ومنها: ما روى محمدُ بن الحسن في كتاب "الاَثار": حدثنا أبو حنيفة: نا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: أربع يُخفيهن الإمامُ: التَعوذُ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم، وآميَن. ورواه عبد الرزاق في " مُصنفه": أخبرنا معمر، عن حماد به، فذكره إلا أنه قال عوض قوله:"سبحانك اللهم ": " اللهم ربنا لك الحمد"، ثم قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: خمسٌ يخفيهن الإمامُ، فذكرها، وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك. ومنها: ما روى الطبري في " تهذيب الاَثار": نا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: لم يكن عمرُ وعلي يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بآمين. وحديثُ وائل: أخرجه الترمذي- أيضا-، وابن ماجه؛ ولفظ [2/38 - ب] الترمذي: (ومَدَّ بها صوتَه " / وقال: وفي الباب عن عليه وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- والتابعين ومَن بعدهم، يَرَوْن أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.

909- ص- نا مخلد (1) بن خالد الشعيري: نا ابنُ نمير: نا علي بن صالح، عن سَلمة بن كُهيل، عن حُجر بنِ عنْبَس، عن وائل بن حُجر أنه صَلَّي خلفَ النبيٍّ - عليه السلام- فجهَر بآمينَ وسلّم عن يمينه وعن شمَاله حتى رَأيتُ بياض خَدهِ (2) .ًً ش- مخلد (3) بن خالد 00. (4) ، والشعِيري: بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة، وابن نُمير: هو عبد الله بن نُمير. وعلي بن صالح: ابن حي الهمداني أبو محمد، ويقال: أبو الحسن الكوفي أخو الحَسن؛ وهما توأمان. روى عن: أبيه، وإبراهيم بن مهاجر، وسلمة بن كُهيل وغيرهم. روى عنه: أخوه: الحسن، ووكيع، وأبو الزبير، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (5) . واستدلّ أشرف الدين بن مجيب الكاساني صاحب " البدائع" لأبي حنيفة في إخفاء آمين بقوله- عليه السلام-: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين،، فإن الإمام يَقولُها، ولو كان مسموعا لكانوا علموا بقولها؛ ولأنه من باب الدعاء؛ لأن معناه: اللهم أجبْ أو ليكن كذلك قال الله تعالى: "قَدْ أجيبَت دعوَتُكُمَا" (6) ومُوسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، والسُّنَّة فيه الدعاء: الإِخفاء. وحديث وائل طعن فيه إبراهيم النوعي وقال: أشهِد وائل وغابَ عبدُ الله؟ على أنه- عليه السلام- جهر مرةً للتعليم.

_ (1) في الأصل: "محمد" خطأ. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاه في التأمين (249) . (3) في الأصل: "محمد". (4) بيض له المصنف قدر ثلاثة أرباع السطر، وهو مترجم في تهذيب الكمال (27/ 5834) ، وكأن المصنف- رحمه الله- لما ذكره بمحمد لم يجد له ترجمة فبيض له لذلك. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/ 4084) . (6) سورة يونس: (89) .

910- ص- نا نصر بن علي: نا صفوان بن عيسى، عن بشْر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ قال: كان رسولُ اللهِ إِذا تَلا: "غير المَغْضُوب عليهم ولا الضالينَ " قال: آمين حتى يُسْمِعَ منْ يليه من الصف الأولِ (1) . ش- نَصْر بن علي: الجهضمي البصري، وصفوان بن عيسى: القرشي البصري. وبشْر بن رافع: النجراني- بالنون والجيم- أبو الأسباط الحارثي إمام أهل نجران ومفتيهم. سمع: أبا عبد الله ابن عم أبي هريرة، وعبد الله ابن سليمان بن جنادة، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وعبد الرزاق بن همام، وصفوان بن عيسى. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال النسائي: هو ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو مقارب الحديث، لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثا منكراً وعند البخاري: إن بشر بن رافع هذا أبو الأسباط الحارثي. وعند يحيى ابن معين: إن أبا الأسباط شيخ كوفي ثقة. ولكن ذكر يوسف بن سلمان، عن حاتم، عن أبي أسْباط الحارثي اليمامة (2) . وعند النسائي: أن بشْر بن رافع غير أبي الأسباط. وما قاله كل واحد منهم محتمل، والله العلم، وإن كانا اثني فكأن أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث أبي الأسْباط. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وأبو عبد الله الدولي ابن عم أبي هريرة: قال ابن أبي حاتم في كتاب " الكنى ": اسمُه: عبد الرحمن بن هضاض، ويقال: هضهاض، والصحيح: هضاض. روى عن: أبي هريرة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) .

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الجهر بأمين (853) . (2) في تهذيب الكمال: " اليماني ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/687) . (4) المصدر السابق (34/ 7473) .

قوله: " حتى يُسمع" منْ أسمع يُسمع إسْماعاً. والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضا- بسند ضعيف. 911- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عنْ أبي صالح السمان، عن أبي هريرةَ، أن النبي- عليه السلام- قال:، إذا قال الإمامُ: "غَيرِ المغضُوب عَلَيهم ولا الضالينَ " فقولوا: آمين فإنه مَن وافَق قولُه قَولَ الملائكة غفِرَ له ما تقدمًّ من ذنبِه " (1) . ش- أي: من الصَغائر وما لا يكاد ينفك عنه في الغالب من اللمَم. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وعبد الرزاق في "مصنفه " وابْنُ حبان في " صحيحه"، (2) وزاد فيه البخاري في كتاب "الدعوات ": "فإن الملائكة تؤمن، فمَنْ وافق تأمينه" الحديث. وقال ابن حبان في "صحيحه": "فإن الملائكة تقولُ: َ آمين، ثم قال: يُريدُ أنه إذا أمن كتأمين الملائكة/ من غير إعجاب ولا سُمْعة ولا رياء، خالصا [2/39- أ] لله تعالى؛ فإنه حينئذ يغفر له. قلت: هذا التفسيرُ يندفع بما في "الصحيحين " عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: [آمين] ، ووافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه،. انتهى. وزاد فيه مسلم: "إذا قال أحدكم في الصلاة " ولم يقلها البخاري وغيره؛ وهي زيادة حسنة، نبه عليها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين،، وفي هذا اللفظ فائدة أخرى وهي: اندراج المنفرد فيه، وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام وفي المأموم أو فيهما، والله أعلم. 912- ص- لا المعنى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن

_ (1) البخاري: كتاب الدعوات، باب: التامين (6402) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: جهر الإمام بأمين (2/ 144) . (2) انظر: نصب الراية (1/368) .

المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرةَ، أن رسول الله- عليه السلام- قال: " إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمَنوا، فإنه مَنْ وَافقَ تأمِينُه تَأمنَ الملائكة غُفِرَ له ما تقلَّمَ مِنْ ذنبه" (1) . ش- الأَمر فيه للاستحباب بإجماع العلماء، خلافا لابن حَزْم، فإنه فرض التأمين على المأموم، كما ذكرناه. والحديث: أخرجه الستةُ في كتبهم؛ ولفظ النسائي، وابن ماجه: " إذا أمن القارئ ". ورواه البيهقي؛ ولفظه: " إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلفه: آمين، ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين، غفر له ما تقدمّ من ذنبه ". ورواه أبو محمد الدارمي في "مسنده ". ص- قال ابن شهاب: وكان رسولُ الله يقولُ: آمين. ش- أي: قال محمد بن مسلم الزهري: كان رسول الله- أيضا- يقولُ: آمين. وقال البخاري- أيضا: قال ابن شهاب.. إلى آخره. قال السَّفاقُسي: هذا مُرسل ولمِ يُسنده، ولو أسنده لم يكن فيه دليل للمتعلّق، لأنه لم يَقل أنه كان يقولُه في صلاة الجهر، ولعله قاله فيما صلى سرا. 913- ص- نا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال أنه قال: يا رسولَ اللهِ، لا تسبقْنِي بآمين (2) .

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين (780) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين (410) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل التأمين (250) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: جهر الإمام باسمين (2/ 143، 144) ، وله عنده ألفاظ أحدها مثل لفظ الباب، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الجهر بأمين (852) . (2) تفرد به أبو داود.

ش- إسحاق بن إبراهيم: ابن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر أبو يَعْقوب المروزي المعروف بابن رَاهويه، سكن نيسابور، وسمع: عبدة ابن سليمان، وأبا عامر العَقدي، وإسماعيل ابن عليّة، ووكيعا، وابن المبارك، وجماعة آخرين كثيرة. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وجماعة آخرون كثيرةٌ. وقال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال أبو داود الخفاف: أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها عليه، فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وعن محمد بن يحيى بن خالد: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مُزوّرة، فقيل له: ما معنى المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة قلبتُه منها قلبا. وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: لم قيل لك ابن راهَوَيْه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يُقال لك هذا؟ قال: اعلم أيها الأميرُ: أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة: راهوَيْ؛ لأنه وُلد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلستُ كرَهُه. وتوفي إسحاق بن راهويه ليلة النصف من شعبان، سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن سبْع وسبعين سنة (1) . وعاصم: الأحول، وأبو عثمان: عبد الرحمن بن مَل النهدي، وبلال: ابن رباح (2) - رضي الله عنه-. قوله: " لا تسبقني بآمين" أوّلُوه على وجهين؛ الأول: أن بلالا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكوتي الإمام، فربما يبقى عليه شيء منها ورسول الله- عليه السلام- قد فرغ من قراءتها، فاستمهله بلال في

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 332) . (2) في الأصل: " ابن أبي رباح".

التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة، حتى ينال بركة على بركة موافقته في التأمين له، الثاني: أن بلالا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف فإذا قال: قد قامت الصلاة كبّر النبي- عليه السلام-، [2/39 - ب] فربما سبقه ببعض ما يقرأه، فاستمهله بلال قدر ما يلحق/ القراءة والتأمينَ. قلت: هذا الحديث مُرسل، وقال الحاكم في "الأحكام ": قيل: إن أبا عثمان لم يُدرك بلالا. وقال أبو حاتم الرازي: رفعه خطأ، ورواية الثقات عن عاصم، عن أبي عثمان مُرسلاً. وقال البيهقي: وقيل:- عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال بلال؛ وهو ضعيف ليس بشيء. 914- ص- نا الوليد بن عُتبة الدمشقي، ومحمودُ بن خالد قالا: نا الفريابي، عن صَبِيح بن مُحْرز الحمْصي قال: حدَّثني أبو مُصبِّح المُقْرائي قالَ: كنا نجلسُ إلى أبي زُهَيْر النُمَيْرَي- وكان من الصحابة- فنَتحدّثُ (1) أحسنَ الحديث، فإذا دَعَى الرجلُ منا بدُعاء قال: اختِمْه بَآمين؛ فإن آمينَ مِثلَ الطَّابَع على الصَّحيفة. قال أبو زهير: أخبرُكُم عن ذلكَ؟ خَرجْنَا مع رسول اللهِ ذاتَ ليلة فأَتَيْناَ على رجل قد ألغ في المسألة، فوقفَ النبيُّ- عليه السلام- يَسْتمعُ منهَ، فقال النبي- عليه السلام-: " أَوْجَبَ إن خَتَم " فقال رجل من القوم: بأي شيء يختمُ؟ قال: " بآمين؛ فإنه إن ختم بآمينَ فقد أوْجبَ" فانْصرفَ الرجلُ الّذي سألَ النبي- عليه السلام- فأتَى الرجَلَ فقال له (2) : اختِم يا فلانُ بآمين وأبشِرْ (3) . ش- الوليد بن عتبة: أبو العباس الدمشقي الأشجعي. روى عن: الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، والفريابي، وغيرهم. روى عنه: أبو زمعة الدمشقي، والرازي، وأبو داود، وجماعة آخرون. وقال

_ (1) في سنن أبي داود: "فيتحدث ". (2) كلمة "له" غير موجودة في سن أبي داود. (3) تفرد به أبو داود.

البخاري: معروف الحديث. مات في جمادى الأولى سنة أربعين ومائتين، وولد سنة ست وسبعين ومائة، ويقال: مات بصُور (1) . ومحمود بن خالد: أبو علي الدمشقي، والفرْيابي: هو محمد بن يوسف بن واقد الفِريابي. وصبيح بن مُحْرز- بفتح الصاد، وكسْر الباء-: الحِمصي. روى عن: أبي مُصبح. روى عنه: الفِريابي. روى له: أبو داود (2) . وأبو مُصبح المُقْرائي: الأوزاعي الحمْصي، ذكر ابن أبي حاتم أنه دمشقي؛ والصحيح: أنه حِمصيّ. روى عن: أبي زهير النُّميري، وجابر بن عبد الله، وثوبان مولى رسول الله، وشرحبيل بن السًّمْط، وكعب الأحْبار. روى عنه: ابن جابر، وحصين بن حرْملة، وأمية بن يزيد. سئل عنه أبو زرعة فقال: ثقة، لا أعرف اسمه. روى له: أبو داود (3) . وأبو زُهير: قيل: اسمه: فلان بن شرحبيل، وقال أبو حاتم الرازي: إنه غير معروف بكنيته فكيف نعرف اسمَه؟. وفي " الكمال": قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قيل لأبي: إن رجلاً سماه يحيى بن نُفير فلم يَعْرفه، وقال: إنه غير معروف بكنيته فكيف نَعرف اسمه. كان يسكن الشام. روى له: أبو داود (4) . قوله: " مثل الطابع " الطابَع- بفتح الباء-: الختم؛ يريد أنه يختم عليها ويُرفع كما يفعل الرجل بما يعْسر عليه، والطابع بكسر الباء لغة فيه؛ والطبعْ: الختم؛ وهو التأثير في الطين ونحوه. قوله: " أوْجَبَ إن ختم " يقال: أوْجب الرجل إذا فعل فعلا وجبت له

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6720) . (2) المصدر السابق (13/ 2849) . (3) المصدر السابق (34/ 0 763) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (79/4) ، وأسد الغابة (6/ 126) ، والإصابة (4/ كلام.

164- باب: التصفيق في الصلاة

به الجنة أو النارُ. وعند البَيْهقي: عن أبي زهير النميري: سمع - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يلح في المسألة، فقال النبي- عليه السلام-: " أوجبَ إن ختم " فقال رجل: بأي شيء يختم؟ قال: "بآمين؛ فإنه إن ختم بآمين فقَدْ أوجبَ "، وذكر هذا الحديث لأبي عمر (1) النمري فقال: ليس إسناده بالقائم. ص- وهذا لفظُ محمودِ. ش- أي: هذا الحديث بهذا اللفظ: لفظ محمود بن خالد الدمشقي. ص- وقال أبو داود: والمُقْرَاء قبيلٌ (2) من حِمْيرِ. ش- أراد به بيان نسْبة أبي مُصَبح المُقْرائي. المُقْرِئ: بضم الميم، وسكون القاف، ويقال: بفتح الميم، وصوبه بعضهم وهي قبيل من حمير؛ والنسبة إليها "مقرائي " بضم الميم وفتحها. وذكر أبو سعيد المروزي أن هذه نسْبة إلى مَقَراء قرية بدمشق، والأولُ أشهرُ. وأبو مُصبح: بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسْر الباء الموحدة وتشديدها، وبعدها حاء مهملة. 164- بَابُ: التصْفيق في الصلاة أي: هذا باب في بيان حكم التصفيق في الصلاة، وهو مصدر من صفق إذا ضَرب يده على يده. 915-ص- نا قتيبة بن سعيد: نا صفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، [2/40 - أ] ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله يكن: " التَسبِيحُ للرجال/ والتَّصْفيقُ للنساء" (3) .ً

_ (1) في الأصل: " عمرو" خطأ. (2) في سنن أي داود: " والمقراء قبيلة". (3) البخاري: كتاب العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء (1203) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تسبح الرجل وتصفيق المرأة (422) ، النسائي: كتاب السهو، باب: التصفيق في الصلاة (1206) .

ش- أراد أن السُّنَة لمن نابه شيء في الصلاة كإعْلام من يَسْتأذن عليه، وتنبِيه الإمام ونحو ذلك، أن يُسبح إن كان رجلاً، فيقول: سبحان الله، وأن تصفق إن كانت امرأةً، فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللُّعْب واللهو، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة. وعن هذا قال صاحب، "المحيط": إذا استأذن على المصلي غيره، فسبّح إعلاما أنه في الصلاة لا تفسد، ثم قال: والمرأة تصفق لإعلام، وروى هذا الحديث. والحديث: أخرجه البخاريّ، ومسلم، والنسائي. 916- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل ابن سَعْد، أن رسول الله ذهب إلى بني عَمرو بن عوف ليُصلحِ بَيْنهم وحانتْ الصلاةُ، فجاء المؤذنُ إلى أبي بكرٍ فقال: أتُصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاءَ رسولُ اللهِ والناس في الصلاة فتخلص حتى وَقَفَ في الصَف، فصَفقً الناسُ وكان أبو بكر لا يَلتفتُ في الَصلاة، فلمّا أكثَرَ الناسُ التصفيقَ التفتَ، فرأى رسولَ الله، فًأشار إليه رسولُ اللهِ أَن امكُثْ مَكانَكَ، فرفع أبو بكرٍ يديه فحمدَ اللهَ علىَ ما أمرَه به رسولُ الله من ذلك، ثم اسْتأخرَ أبو بكر حتى اسْتَوى فيَ الصف وتقدّمَ رسولُ الله وصلى، فلما انصرفَ قال: " يا أبا بًكر، ما مَنَعَكَ أن تَثبُتَ إذ أمَرْتُكَ؟ " قالَ أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافةَ أن يصليَ بين يدَيْ رسولِ الله، فقال رسولُ الله: "ما لي رأيتُكم كْثرْتُم من التصْفِيح؟ مَنْ نابَه شيء؛ في صلاته فليُسبحْ؛ فإنه إذا سبّحَ التُفتَ إليه، فإنما (1) التصفيحُ للنساءِ" (2) .ً

_ (1) في سنن أبى داود:" وإنما ". (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته (684) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ولم يخافوا مفسدة بالتقديم (421) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟ (2/ 77) .

ش- أبو حازم هذا: اسمه: سلمة بن دينار الأعرج، وقد ذكرناه. قوله: " ذهب إلى بني عمرو بن عوف" هم من ولد مالك بن الأوس وكانوا بقُباء. قوله: " وحانت الصلاة " أي: قربت، وحلت، وكانت صلاة العصر، كما صرح بها في الراوية الأخرى. قوله: " أتُصلي " الهمزة فيه للاستفْهام. قوله: " والناسُ في الصلاة " جملة حالية. قوله: " فتخلص حتى وقف في الصف " معناه: خرق الصفوف وتخلص منها حتى وقف في الصف الأول. قوله: " أن امكث " "أنْ" هاهنا تفسيرية. قوله: " فرفع أبو بكر يدَيْه فحمد الله على ما أمَره به رسول الله " قال ابن الجوزيّ: إنما كان إشارة منه إلى السماء لا أنه تكلم. وقال مالك: من أُخبر في صلاته بسُرُور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته. وقال ابن القاسم: ومن أخبر بمُصيبة فاسترجع أو أخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا تُعجبني وصلاته مجزئة. وقال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة. وكذلك عند أبي يوسف من أصحابنا: إذا أخبر المصلي بما يَسُوؤه فاسترجع، أو أخبر بما يَسرة فحمد الله تعالى، لا تبطل صلاته؛ لفِعل أبي بكر- رضي الله عنه- وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسدُ؛ لأنه خرج مخرج الجواب. ويجاب لهما عن فعل أبي بكر بما قاله ابن الجوزي، وأن أراد بتلك الألفاظ إعلامه أنه في الصلاة لا تفسد بالإجماع. قوله: "ثم استأخر " بمعنى: تأخر، فإن قيل: لمَ لَمْ يثبت أبو بكر إذْ أشار إليه سيدنا - صلى الله عليه وسلم - بالثبات؟ وظاهره يقتضي المخالفةَ. قلنا: علم أبو بكر أنها إشارة تكريم لا إشارة إلزام؟ والأمور تُعرف بقرائنها، ويدل على

ذلك: شق رسول الله الصفوف حتى خَلُص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى. وقال الشيخ محيي الدين (1) في تقدمه- عليه السلام-: يَسْتدلُّ به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يُحرمُ بالصلاة بعد الإمام الأول؛ فإن الصديق- رضي الله عنه- أحرم بالصلاة أولا، ثم اقتدى بالنبي - عليه السلام- حين أحرم بعده. قال: وهو الصحيح من مذهبنا. وقال ابن الجوزي. ودل هذا الحديث على جواز الصلاة بإمامَيْن؛ وذلك أن النبي- عليه السلام- لما وقف عن يَسار أبي بكر علم أبو بكر أنه نوى/ الإمامة، فعندها نوى أبو بكر الائتمام. قال السفاقسي: وفيه دليل على جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجبُ ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وبه قال عمر، وعلي، والحسن، وعلقمة، وعطاء، والنخعي، والثوري. وعن الشافعي وأهل الظاهر: لا يستخلف الإمام. وقال بعض المالكية: تأخرُ أبي بكر وتقدّمه- عليه السلام- من خواص النبي- عليه السلام-؛ لأنهم كانوا تقدموا النبي- عليه السلام- بالإحرام، ولا يفعل ذلك بعد النبي- عليه السلام-. قلت: هذا الحديث حُجَّة على الشافعي في منعه صحة الاستخلاف، وأصحابنا جوزوا الاستخلاف بهذا الحديث وبحديث عائشة: لما مرض النبي- عليه السلام- مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: " مروا أبا بكر فليصل بالناس" الحديث. فإن قيل: أنتم ما يجوزون الاستخلاف إلا فيمن سبقه الحدثُ، حتى لو تعقد ذلك أو قهقه أو تكلم لا يجوز الاستخلاف، فكيف تستدلون بالحديث؟ قلت: لأن الذي سبقه الحدث عاجز عن المضيف في الصلاة، فيجوز له الاستخلاف، كما أن أبا بكر عجز عن المضي فيها لكون المضي

_ (1) شرح صحيح مسلم (146/4) .

من باب التقدم على رسول الله، وقد قال الله تعالى: "يَا أيُّهَا الَّذينَ اَمَنُوا لا تُقَدمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ ورَسُوله " (1) ، فصار هذا أصلاً في سنن كَل إمام عجز عن الإتمام أنَ يتأخر ويَسْتَخَلف غيره. وقال الطبري: وفي هذا دلالة راجحة على أن من سبق إمامه بتكبيرة الإحرام، ثم ائتم به في صلاته، أن صلاته تامة، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا تجزئه؛ وذلك أن أبا بكر كان قد صلى بهم بعض الصلاة وقد كانوا كبروا الإحرام معه، فلما أحرم رسول الله لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام، ولم يستقبل القوم صلاتهم، بل بنوا عليها مُؤتمن به، وقد كان تقدم تكبيرهم للإحرام تكبيرَه. والجواب عن هذا: أن إمامهم كان أبا بكر أولا ولم يسبق تكبيرهم على تكبيره، ثم إن النبي- عليه السلام- أتم صلاة أبي بكر ولم يَبتدئها من أولها حتى يلزم ما ذكره، وهذا ظاهر لمن يتكلم بالتأمل. وقال ابن بطال: لا أعلم مَنْ يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي؛ بناء على مذهبه وهو: أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإِمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه. قوله:" لابن أبي قحافة " أبو قحافة: اسمه: عثمان، أسلم يوم الفتح، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنةً، وكانت وفاة الصديق قبله، فورث منه السدسَ فرده على ولد أبي بكر، والصديقُ خليفةٌ ورثه أبُوه. قوله: " من التصْفيح " التصفيح: هو التصفيق؟ يقال: صفح بيده وصفق، وقيل: الذي بالحاء: الضربُ بظاهر اليد إحديهما على باطن الأخرى، وقيل: بإصْبعين من إحديهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتَنْبيهُ، والذي بالقاف: ضرب إحدى الصفحتَيْن على الأخرى؛ وهو لِلهو واللعب. قال للداودي: في بعض الروايات: " فصفح القومُ "

_ (1) سورة الحجرات: (1) .

فيحتمل أنهم ضربوا بأكفهم على أفخاذهم. وقال السفاقسي: احتج به جماعة من الحذاق على أبي حنيفة في قوله: "إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاتُه ". ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفَ أن يقع في بئرٍ، أو من دابة أو حيةٍ أنه جائر. قلت: لا نسلم أن يكون هذا حجة على أبي حنيفة؛ لأن الذي في الحديث: " فصفق الناس " وهو غير التسبيح. وأما قولُه- عليه السلام-: " مَنْ نابه شيء في الصلاة فليُسبّح فأبو حنيفة- أيضا- يعمل به كما بينا- ولئن سلمنا ذلك فمرادُ أبي حنيفة من قوله: " إذا سبح الرجل لغيْر إمامه لم يجزه " إذا كان على وجه الجواب مثل ما أخْبر الرجل لمنْ في الصلاة بخبرٍ يُعجبه وقال: سبحان الله، وأما إذا كان لا على وجه الجواب لا تُفْسد صلاته، كما في المسألة المذكورة؛ لعموم قوله- عليه السلام-: " من نابه شيء" الحديث. ويُستفاد من الحديث فوائد أخرى؛ الأولى: " (1) أن الإمام إذا تأخر عن الصلاة يُقدم غيرُه/ إذا لم يخف فتنه ولا إنكارا، [1] الإمام. الثانية: ينبغي أن يكون المقدمَ نيابة عن الإمام أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر، وأقومهم به. الثالثة: أن المؤذن وغيرهُ يَعرض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يُوافقه. الرابعة: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة لقوله: "وصفق الناس". الخامسة: جواز الالتفات في الصلاة للحاجة. السادسة: استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة. السابعة: جواز رفع اليدين بالدعاء. الثامنة: جواز المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين.

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (145/4- 146) .

التاسعة: أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء، وفهم منه الإِكرام، وعدم الإلزام، وترك الامتثال لا يكون مخالفةً للأمر. العاشرة: استحباب ملازمة الآداب مع الكبار. الحادية عشَر: أن السُّنَة لمنْ نابه شيء في الصلاة أن يسبح إن كان رجلاً، وتصفق إن كانت امرأة. الثانية عشر: فيه بيان فضيلة أبي بكر الصديق على سائر الصحابة. الثالثة عشر: أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة. الرابعة عشر: جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج لخرقها؛ لخروجه إلى طهارة أو لرعاف ونحوهما ورجوعه، وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذْر، وكذا خرقها في الدخول إذا رأى قدامهم فرجة؛ فإنهم مُقصّرون بتركها. وقال الشيخ محيي الدين: وفيه: أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السُّنَّة، ولو أقام غيره كان خلاف السُّنة؛ ولكن يعتد بإقامته عندنا. قلنا: لا يلزم من ذلك أن غيره إذا أقام أن يكون خلاف السنة، وليس هاهنا دلالة على هذه الدعوى، وقد بينا الكلام فيه في " كتاب الأذان " مستوفى. وقال- أيضا-: وفيه تقديم الصلاة لأول وقتها. قلنا: هذا- أيضا- لا يدل على فضيلة التقديم؛ لأنهم ربما كانوا استعجلوا بها خوفا على فواتها بصَبْرهم، وانتظارهم إلى حضور رسول الله؛ لأنه- عليه السلام- قد كان ذهب إلى قباء وهي بعيدة من المدينة، وفي مثل هذا نحنُ- أيضا- نقولُ بالتقديم. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. ص- قال أبو داود: هذا في الفريضة. ش- يعني: قوله- عليه السلام-: من نابَه شيءْ في صلاته" الحديث في الصلاة الفريضة، فإذا كان هذا الحكم في الفَريضة ففي التطوع أولى.

165- باب: الإشارة في الصلاة

917-ص- نا عمرو بن عَوْن: نا حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سَعْد قال: كان قتالٌ بين بني عَمْرو بنِ عوف، فبلغَ ذاك النبي - عليه السلام- فأتَاهم ليُصَلحَ بينهم بعد الَظهرِ، فقال لبًلال: " إن حَضرتْ صَلاةُ العَصْر ولم آتكَ فمُرْ أبا بكر فليُصل بالناسِ لما، فلماً حَضَرتْ العَصْرُ أذن بلال ثم أَقَام، ثم أمَر أبا بكرِ، فتَقدمَ، قال في آخره: "إذا نابكُم شيء في الَصلاةِ فليُسبَح الرَجالُ، وليُصفح النساءُ " (1) . ش- هذا تصريح من النبي- عليه السلام- بتقديم أبي بكر على غيره، فإذا قُدم على غيره في الإمامة الصُّغْرى في حياة النبي- عليه السلام-، فكذلك يقدم في الإمامة الكُبرى بعد وفاته- عليه السلام-. قوله: " قال في آخره " أي: في آخر الحديث. وعند ابن خزيمة: "مَنْ نابه في صلاته شيءٌ فليَقل: سبحان الله. إنما هذا للنساء " يعني: التصفيق. 918- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد، عن عيسى بن أيوب قال: قوله: " التصفيحُ للنساءِ " تضِربُ بإصبَعَيْنِ من يمِينِهَا على كَفهَا اليُسْرى (2) . ش- الوليد: ابق مسلم الدمشقي، وعيسى بن أيوب: أبو أحمد، روى عن: العلاء بن الحارث، روى عنه: الوليد بن مسلم، روى له: أبو داود. وإنما فسر التصفيح بهذا التفسير حتى لا يتوهم منه قصد اللَهْو؛ لأن الذي يصفح للهو يضربُ بجميع أصابعه على كفه. * * * 165- بَابُ: الإِشارَةِ في الصلاة أي: هذا باب في بيان الإشارة في الصلاة. 919- ص- نا أحمد بن محمد بن شَبويَه، ومحمد بن رافع قالا: نا

_ (1) البخاري: كتاب الأحكام، باب: الإمام يأتي قوما فيصلح بينهم (7190) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: استخلاف الإمام إذا غاب (2/ 82) . (2) تفرد به أبو داود. 14. شرح سنن أبي داود 4

عبد الرزاق: نا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي- عليه السلام- كان يُشيرُ في الصلاة (1) . / ش- أحمد بن محمد: ابن ثابت بن عثمان بن مسعود أبو الحسن الهروي الخزاعي؛ وهو أحمد بن شَبويَه، كان يَسْكنُ طرسوسَ. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم. روى عنه: ابن معين، وأبو داود. وقال الدارقطني: إن البخاري روى عنه وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم. وقال النسائي: هو ثقة. مات بطرسوس سنة ثلاثين ومائتين وهو ابن ستين سنة (2) . وشَبُويَه: بفتح الشن المعجمة، وضم الباء المُوحدة، وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره هاء. قوله: " كان يشيرُ في الصلاة " استدل به الشافعي ومن تبعه أن المصلي يردّ السلام إشارة. قلتُ: قال ابن حبان: اختصر عبد الرزاق من الحديث: " أن النبي - عليه السلام- لما ضعف قدم أبا بكر يصلي بالناس"، وأدخله في " باب من كان يُشيرُ بإصبعه في الصلاة"، وأوْهم أن النبي- عليه السلام- إنما أشار بيده في التشهد؛ وليس كذلك، وقال غيره: إنما كانت إشارة النبي - عليه السلام- لأبي بكر قبل دخوله في الصلاة فلا حجة فيه. وقد يجابُ عن أحاديث الإشارة: أنها كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة؛ يُؤيّدهُ حديث ابن مسعود: "كنا نُسلم على رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا"، ولم يقل فأشار إلينا، وكذا حديث جابر: "انه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني كنتُ أصَل" " فلو كان الردّ بالإشارة جائزا لفعله. وحديث أنس هذا: أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحهما"، والدارقطني في " سننه ". وقال النووي: إسناده على شرط مسلم. 920- ص- نا عبد الله بن سعيد: نا يونس بن بكير، عن محمد بن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/ 94) .

إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غطفان، عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " التسبيحُ للرجال "- يعني: في الصلاةِ- "والتصْفيقُ للنساء، مَن أشارَ في صلاته إشارةً تفْهَمُ عنه فليُعدْ لها" يعني: الصلاَة (1) .ً ش- عبد الله بن سعيد: أبو سعيد الأشج الكوفي. ويعقوب بن عتبة: ابن المغيرة بن الأخنس- واسمه: أبيُّ بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج- واسمه: عُمير- بن سلمة بن عبد العرى الحجازي الثقفي المديني. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وأبي غطفان. روى عنه: محمد بن إسحاق بن يسار، وإبراهيم بن سَعْد، والوليد بن مسافر، وغيرهم. وقال أبو الزناد: كان ثقةً، له أحاديث كثيرة. وقال أبو حاتم والدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأبو غطفان: ابن طريف المري. وبهذا الحديث استدل أصحابنا على أن المصلي لا يرد السلام لا نطقا ولا إشارةً، حتى لو صافح بنيَّةِ التسليم تبطل صلاته. ص- قال أبو داود: هذا الحديثُ وَهم. ش- إنما قال أبو داود: هذا وهم بناء على حال أبي غطفان من أنه مجهول؛ كما قال البيهقي: قال الدارقطني: قال لنا ابن أبني داود: أبو غطفان مجهول، ومعتمدا على ما نقل من أحمد على ما قال إسحاق ابن إبراهيم بن هانئ: سئل أحمد عن حديث:؛ من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد الصلاة" فقال: لا يثبت، إسناده ليس بشيء. وكذا قال ابن الجوزي في "التحقيق"، وأعلّه بابن إسحاق وقال: أبو غطفًان مجهول. قلت: ليس الأمر كذلك؛ بل إسنادُ الحديث جيّد، أما أبو داود: فإنه لم يُبيّن كيفية الوهم، وليس يُبنى عليه شيء، وأما ابن أبي داود: فمتكلم

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 96 0 7) .

166- باب: مسح الحصى في الصلاة

فيه، وأما أبو غطفان: فقد قال صاحب " التنقيح ": هو ابن طريف، ويُقال: ابن مالك المري. قال عباس الدوري؛ سمعتُ ابن معين يقولُ فيه: ثقة. وقال النسائي في " الكُنَى ": أبو غطفان ثقة، قيل: اسمه: سَعْدٌ. وذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج له مسلم في " صحيحه " وأما تعليل ابن الجوزي بابن إسحاق فليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور- على ما ذكرنا في ترجمته- ولو كان الحديث لهم لجعلوا إسناده من أصح الأسانيد، ولكانوا شنعوا على مَنْ تكلم في ابن إسحاق أو في أبي غطفان، فهذا دأب غالبهم في هذا الفن. * * * [2/42 - أ] 166- بَابُ: مَسْح الحَصَى في الصلاة أي: هذا باب في بيان مسح الحصى في الصلاة، وفي بعض النسخ: "باب مَس الحَصَى في الصلاة ". 921- ص- نا مسدد: نا سفيان، عن الزهري، عن أبي الأحوص - شيخ من أهل المدينة- أنه سمع أبا ذَر يَرْويه عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا قامَ أحدُكم إلى، الصَّلاةِ فإن الرَّحْمَةَ تُوَاجهُهُ، فلا يَمسح الحَصَى" (1) . ش- به استدل أصحابنا أن المصلي لا يُقلَب الحَصى لأنه نوع عبث، ولأنه- عليه السلام- علل بقوله: "فإن الرحمة تواجهُه " فتقليًبُ الحصَى ومَسْحُه اشتغالٌ عن ذلك. وقولُه:" فلا يَمسح الحصَى" جواب لقوله: "إذا قام ". وقوله: " فإن الرحمة" تعليل لذلك؛ ولكنه قدمه للاهتمام بتقديم الرحمة، وتقدير الكلام: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصَى فإن الرحمة تُواجهُه. والحديث: رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وَقال الترمذي: حديث حسنٌ.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية مسح الحصى (379) ، النسائي: كتاب السهو، باب: عن مسح الحصى في الصلاة (1190) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: مسح الحصى في الصلاة (1027) .

922- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن مُعيقيب أن النبيَّ- عليه السلام- قال: "لا تَمْسَحْ وأنْتَ تُصَلِّي؛ فإن كُنتَ لا بدَّ فاعِلاً فواحدةً تسْويةَ الحَصَى" (1) . ش- هشام: ابن أبي عبد الله الدستوائي، ويحيى: ابن أبي كثير. ومُعيقيب: ابن أبي فاطمة الدَّوْسي حليف بني عبد شمس، وقال موسى بن عقبة: مولى سعيد بن العاص، أسلم قديما بمكة وهاجر منها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، وكان على خاتم رسول الله، واستعمله أبو بكر، وعمر على بيْت المال، روي له عن رسول الله سبْعة أحاديث؛ اتفقا على حديث واحد، ولمسلم آخر، وبقي إلى زمن عثمان بن عفان، وتوفي في آخر خلافته، وقيل: سنة أربعين في خلافة عليّ. روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (2) . قوله: "لا تَمْسحْ وأنت تصلي " أي: لا تمسح الأرض والحال أنك تصلي. وفي بعض نسخ ابن داسةَ: "لا تَمْسح الأرضَ ". قوله: "لابد فاعلاً " انتصاب " فاعلاً " على أنه خبر كان، وأما "لابُدّ" فمعناه: لا فراقَ ولا مفارقة من هذا؛ وأصله: من البدّ؛ وهو التفريق، و"بُدّ " اسْم "لا "، مبني على الفتح، وخبره محذوف أي: لا بد منه أو من ذلك ونحوهما. وفي معنى " لا بُدّ": لا محالة، ولا حيلة، ولا وَعَى، ولا حُمَّ، ولا عُنْدد، ولا مُعلَنْددَ، فمعنى الجميع معنى " لابُد".

_ (1) البخاري: كتاب العمل في الصلاة، باب: مسح الحصى في الصلاة (1207) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة (546) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية مسح الحصى (380) ، النسائي: كتاب السهو، باب: الرخصة في مسح الحصى في الصلاة مرة واحدة، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنَة فيها، باب: مسح الحصى في الصلاة (1026) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 476) ، وأسد الغابة (5/ 240) ، والإصابة (3/ 450) .

167-باب: الاختصار في الصلاة

قوله: " فواحدة" معناه: امسحْ مَسْحةً وَاحدةً، وذلك إذا لم يمكنه السجود على الأرض. ومن هذا اللفظ قالت الفقهاء في تعليل تقليب الحصَى لأجل السجدة: جاء في الخبر عن أبي ذر في تَسْوية الحجر عن سيد البشر: "يا أبا ذر مرةً أو ذَرْ". وقال صاحب " الهداية": ولا يُقلب الحصى؛ لأنه نوع عبث، إلا أن لا يمكنه السجودُ فيُسَويه مرةً؛ لقوله- عليه السلام-: "مَرةً يا أبا ذر، وإلا فذَرْ ". قلت: الحديث ليس هكذا؛ وإنما لفظه مثل ما روى أبو داود وغيْره من الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في " مسنده" (1) عن أبي ذر قال: سألت النبي- عليه السلام- عن كل شيء حتى سألتُه عن مسح الحصَى فقال: "واحدةً أو دع" هكذا عزاه صاحب "التنقيح على التحقيق"؛ ولكن ليس فيه إلا عن حذيفة، حدَّثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن شيخ يُقال له هلال، عن حذيفة، فذكر نحوَه سواء. ورواه ابن أبي شيبة كذلك سواء؛ ولكن حديث أبي ذر رواه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت النبي- عليه السلام- عن كل شيء إلى آخر اللفظ المتقدم. وكذلك رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا عبد الله بن أمير، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى به. وقال الدارقطني في "علله ": وحديث أبي ذر رواه ابن عُيينة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي ذر، وخالفه ابن أبي نجيح فرواه عن مجاهد، عن أبي ذر مرسلاً، وحديث الأعمش أصحّ. قوله: "تسويةَ الحصى" نصت على التعليل أي: لأجل تسوية الحصَى حتى يتمكن من السجود عليه. * * * [2/42 - ب] / 167-بَابُ: الاخْتِصَارِ فِي الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان الاختصار في الصلاة، وفي بعض النسخ:

_ (1) (5/ 163) .

"باب الرجل يُصلّي مختصرا" (1) ، والأول أصح، وسنبين معنى الاختصار إن شاء الله تعالى. 923- ص- نا يعقوب بنِ كعْب: نا محمد بن سَلمة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرةَ قال: نَهى رسولُ اللهِ عن الاختصارِ في الصلاةِ (2) . ش- يعقوب بن كعب: الأنطاكي، وهشام: ابن حسان البصري، ومحمد: ابن سيرين. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه، ورواه الحاكم في "المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو وهم منه؛ فقد أخرجاه. ص- قال أبو داود: يَعنِي: يضع يدهَ على خاصرَتِهِ. ش- أشار بهذا إلى تفسير الاختصار؟ وهذا تفسير ابن سيرين على ما روى أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله عن الاختصار في الصلاة، قال محمد: وهو أن يضع يده على خاصرته وهو يُصلي. ونا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة أنها كرهت أن يضع يده على خاصرته في الصلاة، وقالت: يفعله اليهود. ونا وكيع قال: نا ثور الشامي، عن خالد بن معدان، عن عائشة أنها رأت رجلاً واضعا يده على خاصرته فقالت: هكذا أهل النار في النار. ونا وكيع قال: نا سفيان، عن ابن جرير، عن إسحاق بن عُويمر، عن مجاهد قال: وضع اليدين على الحقو: استراحة أهل النار.

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب العمل في الصلاة، باب: الخصر في الصلاة (1220) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: كراهة الاختصار في الصلاة (545) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: النهي عن الاختصار في الصلاة (383) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: النهي عن التخصص في الصلاة (2/ 127) .

168- باب: الرجل يعتمد في الصلاة على عصى

وحدَّثنا الثقفي، عن خالد، عن حميد بن هلال أنه إنما كره التخصر في الصلاة؛ لأن إبليس اهْبط متخصرا. ويُقالُ: الاختصارُ: أن يُصلي وبيده عَصًى يَتوكأ عليها، مأخوذ من المِخْصرة وهي العَصا، ويقرب من ذلك إذا صلى وهو يَعتمدُ على الحائط. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن أنه كان يكره أن يَعتمد الرجل على الحائط في الصلاة المكتوبة إلا من علة، ولم يَرَ به في التطوع بأسا. حدَّثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يكره أن يتساند الرجل على الحائط في الصلاة، وكان يكره رفع رجليه إلا من علةٍ، وقال: وكان ابن سيرين يكرهه أي: الاستناد على الحائط في الفريضة والتطوع. ويقال: الاختصار: أن لا يتم ركوع الصلاة ولا سجودها كأنه يختصرها، ويقال: أن يقرأ فيها من آخر السورة آيةً أو آيتين ولا يتم السورة في فرضه، ومنه: اختصار السجدة وهو أن يقرأ السورة، فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها، وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة فيَسْجد فيها. * * * 168- بَابُ: الرّجُل يَعتمدُ في الصَّلاةِ على عَصى أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يعتمد على عصًى في الصلاة. 924- ص- نا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابِصِي: نا أبي، عن شَيْبان، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يَسَاف قال: قَدمْتُ الرقةَ فقال لي بعضُ أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبَي- عليه السلام-؟ قال: قلتُ: غنَيْمَة، فدُفعْنَا إلى وَابصَةَ فقلتُ (1) لَصاحِبِي: نَبدأ فننظُرَ إلى دله، فإذا عليه قَلَنْسُوة لاَطئَة ذاتُ أذنينِ، وبُرنسُ خَز أغبر، وإذا هو مُعتمِدٌ على عصا في صلاِتهِ، فَقلنا بعد أن سلمْنَا، فقال: حدثتني

_ (1) في سنن أبي داود: "قال".

أم؟ قيس بنْتُ محصن أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أسَن وحَمَلَ اللحْمَ اتخذَ عموداً في مُصلاهُ يعْتمِدُ عليه (3) . ش- عبد السلام بن عبد الرحمن: ابن صَخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن مَعبد الأسدي أبو الفضل الرَّقّي قاضي الرقة وحران وحلب، وولي القضاء ببغداد في أيام المتوكل. سمع: أباه. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو عروبة الحراني، وأبو داود، سئل عنه أحمد بن حنبل فأحسن القول فيه وقال: ما بلغني عنه إلا خير. مات سنة سبع وأربعين ومائتين (2) . وأبوه: عبد الرحمن بن صخر. روى عن: شيبان، وجعفر بن برقان، وطلحة بن زيد، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد السلام. روى له: أبو داود (3) . وشيبان: ابن/ عبد الرحمن النحوي البصري المؤدب. وهلال بن يَسَاف: بكسر الياء آخر الحروف وفتحها، ويقال: إِساف- بكسر الهمزة- وقد ذكر مرةً. قوله: " قدمتُ الرقةَ " الرقة- بفتح الراء والقاف- ويُقال لها: الرافقة، بلدة بالَثغور الجزرية. وقال ابن سعيد: هي مدينة كبيرة خراب، وكان لها سور، وهي على جانب الفرات من الجانب الشمالي الشرقي، واسمُها: البيضاء، وهي قاعدة ديار مُضر في الجزيرة. وقال ابن حوقل: الرقةُ أكبر مدن ديار بكر. وقال في "المشترك ": الرافقةُ مدينة على الفرات وهي الرقةُ. قوله: غنيمة" خبر مبتدأ محذوف أي: هو غنيمة، والغنيمة: ما يتغنم به الشخصُ. قوله: " إلى وابصة" وهو وابصةُ بن مَعْبد بن عُتبة بن الحارث الأسدي؛ وقد ذكرناه.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/ 3423) . (3) المصدر السابق (17/ 3853) .

قوله: " فَننظر إلى دله" الدَلُّ- بفتح الدال، وتَشديد اللام- والهَدْيُ والسَّمْتُ كلها بمعنى واحد، وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار، وحُسْن السيرة والطريقة، واسْتقامة المنظر والهيأة. قوله: " فإذا عليه " الفاء فيه فاء المفاجأة، و" القلنسوة" معروفة، وقد ذكرنا فيها وُجوها. قوله: " لاطئة " أي: مُنبسطة على رأسه، وليست بعالية إلى فوق. قوله: " ذات أذنيْن " صفة للقلنسوة. قوله: " وبُرْنس خَز " البرنس: كل ثوب رأسه منه مُلتزق به من درَّاعة أو جُبَّة أو مِمْطرِ أو غيره. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النُّساك يلبسونها في صدْر الإسْلام، وهو من البِرْس- بكسر الباء-: القطن، والنون زائدة، وقيلَ: إنه غير عربي. والخز: ما خلط من الحرير والوَبر وشبهه، وأصله من وبر الأرنب. ويُسمى ذكر الأرانب: الخُزَزُ فسُمي به، وإن خُلط بكل وبر جزء من أجْل خلطه. والأغبرُ من الألوان: ما هو شبيه بالغبار. قوله: "أم قيس " وهي بنْت مُحصنِ بن حَرثان الأسَدية، وقد ذكرت مرةَ. وبهذا الحديث قال أصحابنا: إن الضعيفَ أو الشيخ الكبير إذا كان قادر على القيام مُتكئا على شيء، يُصلي قائما مُتكئا ولا يَقعدُ. وذكر في "الخُلاصة": ولو كان قادرا على القيام مُتكئا يُصلي قائما مُتكئا، ولا يجور غير ذلك، وكذا لو قدر على أن يَعْتمد على عَصًى أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام، فإنه يقوم ويتكئ. انتهى. ولو صلى الرجل معتمدا على العَصَى من غير علة هل يكره أم لا؟ فقيل: يكره مطلقاً وقيل: لا يكره في التطوع لمَا روى أبُو بكْر بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قَال: كان عمرو بن ميمون أوتدَ له وتد في حائط المسجد، وكان إذا سئم من القيام في الصلاة أو شق عليه أمْسك بالوتد يعتمد عليه.

169- باب: النهى عن الكلام في الصلاة

ونا مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن عراك بن مالك، عن أبيه قال: أدركتُ الناسَ في شهر رمضان تُرْبطُ لهم الحبالُ يتمسكون بها من طُول القيام. ونا وكيع، عن عكرمة بن عمار، عن عاصم بن سميح قال: رأيتُ أبا سعيد الخدري يُصلي متوكئا على عَصى. ونا وكيع، عن أبان بن عبد الله البجلي قال: رأيتُ أبا بكر بن أبي موسى يُصلي متوكئا على عصي. * * * 169- بَابُ: النَّهْى عن الكلام في الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان النهي عن الكلام في الصلاة. 925- ص- نا محمد بن عيسى: نا هُشيم: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شُبَيْل، عن أبي عَمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: كان أحدنَا يكلمُ الرجلَ إلى جَنْبه في الصلاة فنزلت: "وَقُومُوا لله قَانتينَ " (1) ، فأُمِرْنَا بالسُكُوتِ، ونُهِينَا عنَ الكَلام (2) . ش- هشيم: ابن بَشِير، وإسماعيل: ابن أبي خالد- هرمز- الكوفي. والحارث بن شُبَيل: ابن عوف الأحمسي أبو الطفيل الكوفي. روى عن: أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد بن الهند. روى عنه:

_ (1) سورة البقرة: (238) . (2) البخاري: كتاب العمل في الصلاة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة (1200) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته (539/ 35) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة (405) ، وكتاب التفسير، باب: ومن سورة البقرة (6 ما 2) ، النسائي: كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (3/ 18) .

] 2/43 - ب] إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق. قال ابن معين:/ لا يُسأل عن مثله لجلالته. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (1) . وأبو عمرو الشيباني [] (2) اسمُه: سَعْد بن إياس الكوفي الشيباني، أدرك زمن النبي- عليه السلام- ولم يَره. سمع: عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان، وأبا مسعود البدري. روى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، وسلمة بن كهيل، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: الجماعة (3) . وزيد بن أرقم: ابن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر، أبو عَمرو، أو أبو حمزة، أو أبو سَعْد، أو أبو سعيد، غزى مع النبي - عليه السلام- سبع عشرة غزوة، روي له عن رسول الله سبعون حديثاً، اتفقا على أربعة، وللبخاري حديثان، ولمسلم ستة. روى عنه: أنس بن مالك، وأبو عمرو الشيباني، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن كعب القرظي، وجماعة آخرون. نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمان وستين. روى له الجماعة (4) . قوله: " قانتين " نصب على الحال من الضمير الذي في "قُومُوا" من القنوت، وهو السكوت؟ ويَرِدُ القنوت لمعان كثيرة: للطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. وقد مر الكلام في هذا الباب مُستوفًى. * * *

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1023) . (2) كلمة غير واضحة. (3) المصدر السابق (10/ 2205) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 556) ، وأسد الغابة (2/ 276) ، والإصابة (1/ 0 56) .

170- باب: في صلاة القاعد

170- بَابٌ: في صَلاةِ القَاعِدِ أي: هذا باب في بيان صلاة القاعد. 926- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين: نا جرير، عن منصور، عن هلال- يعني-: ابن يَسَاف-، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عَمرو قال: حُّدثتُ أن رسولَ الله- عليه السلام- قال: " صَلاةُ الرجلِ قاعداً نصفُ الصلاة " فأتيتُه فوجدَتُه يصلِّي جالساً، فوضعتُ يَدِي على رأسي فَقال: "مالكً يا عبدَ الله بنَ عمرو؟ " قلتُ: حُدِّثْتُ يا رسولَ الله أنكَ قُلتَ: "صلاةُ الرجل قاعَداً نصفُ الصلاة "، وأنت تصلِّي قاعداً، قَال: " أجل؛ ولكني لستُ كَأحَد منكُم " (1) . ش- جرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، وأبو يَحْيى: يروي عن: عبد الله بن عمرو، روى عنه: هلال بن يَساف، وهو مولى عفراء، كذا ذكره ابن حبان في باب الكنى في " الثقات ". قوله: " حُدثت" على صيغة المجهول في الموضعين. قوله: ما قال: أجل ما أي: قال النبي- عليه السلام-: نعم صلاةُ الرجل قاعدا نصف الصلاة، معناه: صلاة القاعد فيها نصف ثواب القائم فيها. وقال الشيخ محيي الدين (2) : هذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعدا لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه؛ بل يكون كثوابه قائما،/ وأما الفرض: فإن صلاته قاعدا مع القدرة على القيام لا تصح فضلاً عن الثواب، وإن صلى قاعدا لعجزه عن القيام أو مضطجعا لعجزه عن القعود، فثوابه كثوابه قائما لا ينقص. وحكي عن الباجي من أئمة المالكية أنه حمله على المُصلي فريضةً لعذر، أو نافلة لعُذر أو لغير عذرٍ.

_ (1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز النافلة قائما وقاعدا وفعل بعض الركعة قائما وبعضها قاعدا (735) ، النسائي: كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: فضل صلاة القائم على صلاة القاعد (223/3) . (2) شرح صحيح مسلم (14/6- 15) .

قلت: كما ذكره الشيخ محيي الدين حمله أصحابنا على صلاة النفل، حتى استدلوا به في جواز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام. وقال صاحب " الهداية": ويصلي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام لقوله - عليه السلام-: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم". قوله: " ولكني لستُ كأحد منكم " بمعنى: أن صلاته النفل قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائم"، لا ينقص من أجره شيء تشريفا له وهذا من خصائصه- عليه السلام-. " (1) وقال القاضي عياض: معناه: أن النبي- عليه السلام- لحقه مشقة من القيام لحطم الناس وللسن، فكان أجرُه تاما، بخلاف غيره ممن لا عذر له. وقال الشيخ محيي الدين: هذا ضعيف أو باطل؛ لأن غيره- عليه السلام- إن كان معذوراً فثوابُه- أيضا- كامل، وإن كان قادراً على القيام فليس هو كالمعذور؛ فلا يبقى فيه تخصيص ولا يحسن على هذا التقدير: " لست كأحدٍ منكم " وإطلاق هذا القول. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 927- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُريدة، عن عمران بن حُصين أنه سألَ النبيَّ- عليه السلام- عن صلاة الرجلِ قَاعداً فقال: "صَلاتُهُ قائما أفضلُ من صَلاته قَاعداً، وصلاتُهُ قاعداً [2/44 - أ] على النصف من صَلاته/ قَائما، وصلاتُهُ نائما على النصف من صلاته قاعداً " (2) ً

_ (1) المصدر السابق. (2) البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب: صلاة القاعد (1115) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (371) ، النسائي: كتاب قيام الليل، باب: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم (3/ 223- 224) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (1231) .

ش- يحيي: القطان، وحُسَيْن: ابن ذكوان المعلم، وعبد الله بن (1) بريدة: ابن الحُصَيب الأسلمي. قوله: " وصلاته قاعدا على النصف من صلاته قائما " إنما هو في التطوع - أيضا-؛ لان الفرض لا جواز له قاعدا وهو يقدر على القيام لما قلنا. قوله: " وصلاته نائما على النصف من صلاته قاعدا" أي: صلاته مضطجعا؛ يدل عليه: قوله- عليه السلام- في الحديث الآخر: "فعلى جَنْب" وترجم له النسائي" باب: صلاة النائم" وقال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع، حدثنا محمد بن بشار: نا ابن أبي عدي، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما أو جالسا أو مُضطجعا (2) . وقال بعض الناس: قوله: "وصلاته نائما" تصحيف؛ وإنما هو بإيماءٍ أي: صلاته بإشارة على النصف من صلاته قاعدا؛ كما روى في صلاته - صلى الله عليه وسلم - على ظهر الدابًة يُومِئ إيماء. وقال الخطابيُّ (3) : وأما قوله: "وصلاته نائما على النصف من صلاته قاعدا" فإني لا أعلم أني سمعته إلا في هذا الحديث، ولا أحفَظُ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائما كما رخصوا فيها قاعدا، فإن صحت هذه اللفظة عن النبي- عليه السلام- ولم تكن من كلام بعض الرواة أدرَجَه في الحديث، وقاسَه على صلاة القاعد، أو اعتبره بصلاة المريض نائما إذا لم يقدر على القعود؛ فإن التطوع مضطجعا للقادر على القعود جائز كما يجوز- أيضا- للمسافر إذا تطوع على راحلته، فأما من جهة القياس فلا يجوز له أن يصلي مضطجعا كما يجوز له أن يصلي

_ (1) مكررة في الأصل. (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (2/ 209) . (3) معالم السنن (1/ 194) .

قاعدا؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، وليس الاضطجاع في شيء من أشكال الصلاة. قلت: كلام الترمذي الذي ذكرناه يُسْقِطُ كلامَ الخطابي جميعه، فليتأمل. وروى أحمدُ هذا الحديث في "مسنده" ولفظه: ثنا عبد الوهاب الخفّاف، عن سعيد، عن حسين المعلم. قال؛ وقد سمعته، عن حسين، عن عبد الله بن بُريدة، عن عمران بن حصين قال: كنتُ رجلاً ذا أسْقامٍ كثيرة، فسألتُ رسولَ الله- عليه السلام- عن صلاتي قاعدا؟ فقال: "صلاتك قاعدا على النصْف من صلاتك قائما، وصلاة الرجل مضطجعا على النصف من صلاته قاعدا " انتهى. قلت: هذا يُفسّر أن معنى قوله في رواية أبي داود "وصلاته نائما" معناه: مضطجعا، وأنه في حق مَن به سقمٌ، بدلالة قوله: "كنت رجلا ذا أسقام كثيرة، وأن ثواب مَن يُصلي قاعدا نصْف ثواب مَن يُصلي قائما، وثواب من يصلي مضطجعا نصف ثواب من يُصلي قاعدا على ما ذهب إليه البعض. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 928- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن إبراهيم [بن] طهمان، عن حُسين المُعلم، عن ابن بُريدة، عن عمران بن حُنَين قال: كان بي النَّاصُورُ، فسألتُ النبي- عليه السلام- فقال: " صَل، قَائما، فإن لم تَستطعْ فقاعدا، فإن لم تَستطعْ فعلى جنبٍ " (1) . ش- إبراهيم بن طهمان: ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد القروي، ولد بهرام وسكن نيسابور، ثم قدم بغداد وحدث بها، ثم سكن مكة ومات بها سنة ثلاث وستة ومائة. سمع: عمرو بن دينار، وعبد الله

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (372) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة المريض (1223) .

ابن دينار، وأبا إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وثابتا البناني، والثوري، والأعمش، وحسين بن ذكوان المعلم وغيرهم. روى عنه: أبو حنيفة- رضي الله عنه-، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وجماعة آخرون، قال أحمد: هو ثقة، قال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق حسن الحديث. روى له الجماعة (1) . قوله:" كان بي النَّاصور"- الناصور- بالنون والصاد وبالسين- أيضا- الناسور- علة تحدث في مآقي العين، يسقى فلا ينقطع، وقد يحدث- أيضا- في حوالي المقعدة؛ وهو المراد هاهنا، وقد يحدث - أيضا- في اللثة/ وهو معرب، والبَاسُور- بالباء الموحدة- علة تحدث [2/44 - ب] في المقعدة، وفي داخل الأنف- أيضا- وجاء في حديثه: " كان لي بواسير"- بالباء- وفي لفظ: " مَبْسورا" وفي لفظ بالنون. وقيل: لا يسمى بَاسُورا إلا إذا جرى وتفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج. وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المريض إذا عجز عن القيام صلى قاعدا يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء قاعدا، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه نحو القبلة، وأومأ بالركوع والسجود، وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، إلا أن الأوْلى هو الأولى عندنا خلافا للشافعي. وقال بعض أصحابنا: المستلقي ينبغي أن يَنْصب ركبتيه إن قدر عليه حتى لا يمر رجليه إلى القبلة. وأما كيفية القعود فيما إذا صلى قاعدا فبحسب طاقته وتمكنه. وقال الشيخ محيي الدين (2) : واختلف العلماء في الأفضل في كيفية القعود موضع القيام في النافلة وكذا في الفريضة إذا عجز، وللشافعي قولان، أظهرهما: يَقعدُ مفترشا، والثاني: متربعًا. وقال بعض

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 186) . (2) شرح صحيح مسلم (6/15) . 15* شرح سنن أبي داود 4

أصحابنا: متوركا وبعض أصحابنا: ناصبا ركبتيه وكيف قعد جاز؛ لكن الخلاف في الأفضل. قلت: اختلف أصحابنا في حد المرض الذي يُبيح الصلاة قاعدا؛ فقيل: أن يكون بحالٍ لو قام سقط من ضعف، أو دوران رأسٍ، أو غير ذلك، وقيل: أن يصير صاحب فراشٍ؛ وأصح الأقاويل: أن يلحقه ضرر بالقيام، وإذا كان قادرا على بعض القيام دون تمامه كيف يصنع؟ قال الفقيه أبو جَعْفر: يؤمر بأن يقوم مقدار ما يقدر، فإذا عجز قعد، حتى إذا كان قادرا على أن يكبر قائما ولا يقدر على القيام للقراءة، أو قادرا على القيام ببعض القراءة دون تمامها، قالوا: يؤمر بأن يكبر قائما ويقرأ ما يقدر عليه قائما، ثم يقعد إذا عجز. وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وزاد النسائي: فإن لم يستطع فمستلقيا "لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إِلا َوُسْعَهَا" (1) ووهم الحاكم في " المستدرك " فقال بعد أن رواه كذلك: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ذكره البخاري عقيب صلاة المُسافر. 929- ص- نا أحمد بن عبد الله بن يونس: نا زُهير: نا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ما رأيتُ رسولَ اللهِ يَقرأ في شيء من صَلاة الليلِ جَالسا قَط حتى دَخلَ في السّنّ، فكانَ يَجلس" فَيَقرأ (2) حتىً إذا بَقي أرَبعين أو ثلاثينَ (3) آية قَامَ فًقَرَأَهَا ثم سَجَدَ " (4) .

_ (1) سورة البقرة: (286) . (2) . في سنن أبي داود: " فكان يجلس فيها فيقرأ ". (3) في سنن " أبي داود: وأربعون أو ثلاثون" وانظر المشرح لزاما. (4) البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب: إذا صلى قاعدان ثم صح، أو وجد خفة، تمم ما بقي (1118) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز النافلة قائما وقاعداَ، وفعل بعض الركعة قائمَا".. (731) .

ش- أحمد بن عبد الله بن يونس: ابن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي أبو عبد الله الكوفي. سمع: مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وزهير بن معاوية وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة آخرون، قال أبو حاتم: كان ثقة متقنا، آخر من روى عن سفيان الثوري. وروى كل واحد من الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن رجل، عنه. توفي في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بالكوفة (1) . قوله: "حتى إذا بقي أربعين أو ثلاثين آية ": هكذا قد وقع في كثير من النسخ؛ والصحيح: "حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آيةً" ويمكن أن نأول الوجه الأول على تقدير: حتى إذا بقي قراءتُه مقدار أربعين أو ثلاثين آية قام فقرأها ثم سجد. فيه جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وعامة العلماء، وسواء في ذلك: قام ثم قعد أو قعد ثم قام. ومنعه بعض السلف وهو غلط. ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم، ومنعه أشهبُ. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. 930- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر، عن أبي سلمه بن عبد الرحمن، عن عائشةَ- رض الله عنها-/ زوج النبي - عليه السلام-، أن النبي- عليه السلام- كان يُصَلي جَالسًا فيَقرأ وهو جَالس، فإذا بَقِيَ (2) من قِرَاءَتِهِ قَدرُ ما يكونُ ثلاثينَ أو أربعينَ أَيةً قَامَ فَقرأ وهو قَائم، ثم رَكَع وسجدَ (4) ، ثم يَفعل في الركعة الثانية مثلَ ذلك (5) .َ

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/ 64) . (2) في سنن أبي داود: "كان يصلي وهو جالس، وإذا بقي". (3) في سنن أبي داود: "فقرأها". (4) في سنن أبي داود: "ثم سجد". (5) البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب: إذا صلى قاعداً ثم صح، أو وجد=

ش- عبد الله بن يزيد: المقرئ المدني. وأبو النضر مولى عمر بن عُبيد الله. روى له: البخاري، ومسلم (1) . فيه دليل على استحباب تطويل القيام في النافلة، وقال صاحب "المحيط ": وطول القيام أفضل من طول الركوع والسجود، وتكثير الركعات أفضل من طول القيام، وقال الشافعي بالعكس. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم. ص- قال أبو داود: روى علقمةُ بنُ وقاصٍ، عن عائشةَ- رضي الله عنها-، عن النبي- عليه السلام- نحوَه. ش- علقمة بن وقاص بن مِحصن بن كلدة بن عبد ياليل بن طريف الليثي من أهل المدينة. يروي عن: عمر، وعائشة. روى عنه: الزهري، وابناه: عبد الله، وعمرو، وهو جد محمد بن عمرو بن علقمة. مات في ولاية عبد الملك بن مروان بالمدينة، ذكره ابن حبان في "الثقات " ووثقه النسائي- أيضا- (2) . قوله: " نحوه" أي: نحو الحديث المذكور. 931- ص- نا مُسدد: نا حماد بن زيد قال: سمعتُ بُدَيل بن مَيْسرة، وأيوب يحدثان عن عبد الله بن شقيق، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله يُصلي ليلاً طويلاً قَائمًا، ويصلي (3) ليلاً طويلاً قاعدا، فهذا صلي قائمًا ركَعً قَائمًا، وإذا صلي قاعدا ركعَ قاعدا (4) .

_ - خفة، تمم ما بقي (1119) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جوار النافلة قائما وقاعدا، وفعل بعض الركعة 112- (731) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/ 2141) . (2) المصدر السابق (20/ 4021) . (3) كلمة "ويصلي " غير موجودة في سنن أبي داود. (4) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز النافلة قائما وقاعدا وفعلا =

171- باب: كيف الجلوس في التشهد

ش- أيوب: السختياني. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 932- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا يزيد بن هارون:.أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشة: كانَ رسولُ اللْه يَقرأ السُّوَرَ (1) في رَكعة؟ قالت: المفصلَ، قال: قلتُ: وكان يُصلِّي قاعدا، قالت: حين حطمه الباسُ (2) (3) . ش- الهمزة في (كان) للاستفهام. قوله: "المفصل" منصوب بفعل محذوف أي: كان يَقرأ المُفصل، وهو من أول سورة محمد، وقيل: من الحجرات وقيل غير ذلك على ما ذكرناه؛ سميت بذلك لفصل بعضها بعض أو لكثرة الفصل بينها ببسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: لإحكامه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. قوله: " حين حَطَمه البَاسُ " بالباء الموحدة هكذا وقعَ وله وَجْه؛ لأن الباس في اللغَة: الشدة، ويكون كناية عن كبر السن بمعنى: حين هجم عليه كبر السن. والمشهور فيه: "الناسُ "- بالنون-، والرواية الأخرى تفسره وهي: قوله: وسألتها: أكان يصلي قاعدًا؟ قالت: بَعْدما حطمتموه، يقال: حطم فلانًا أهلُه إذا كبُر فيهم، كأنهم بما حمّلوه من أثقالهم صيرُوه شيخًا مَحْطوما؛ والحَطْمُ: كَسْر الشيء اليابِس. * * * 171- بَاب: كيفَ الجُلوُس في التَشَهُّد؟ أي: هذا باب في بيان كيفية الجلوس في التشهد، وفي بعض النسخ: "تفريع أبواب التشهد باب كيف الجلوس في التشهد؟ ".

_ =بعض الركعة قائما وبعضها قاعداً 109- (730) ، النسائي: باب: كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائما؟ (3/ 220) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في صلاة النافلة (1228) . (1) في سنن أبي داود: "السورة". (2) في سنن أبي داود: "الناس" وسيذكر المصنف أنها نسخة. (3) تفرد به أبو داود.

933- ص- نا مسدد: نا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر قال: قلتُ: لأنْظُرَنَّ إلى صلاةِ رسول اللهِ كيف يُصلِّي، فقامَ رسولُ الله فاستقبلَ القِبلةَ فكَبر فَرفعَ يَدَيْه حتى حَاذتَا بأذنيه، ثم أخَذَ شمَالَهُ بيمينه، فلَما أرادَ أن يَركَعَ رَفَعَهُمَا مثلَ (1) ذلكَ، قالَ: ثم جلس فافترش رَجلَهُ اليُسرى، ووَضع يَدَهُ اليُسرى على فَخِذه اليُسرى، وَحَدَّ مِرْفَقه اليُمنى (2) على فَخذه اليُمنى، وقَبَضَ ثنتينِ، وحَلَّقَ حَلقة، ورأيتُه يقولُ هكذا- وحَلقَ بشرٌ الَإَبهَامَ والوُسْطى وأشاَرَ بالسبابَةِ (3) (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " رفعهما إلى مثل". (2) في سنن أبي داود: " الأيمن ". (3) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: رفع اليدين إذا ركع ... (867) ، وتقدم برقم (7 0 7) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: موضع اليمين من الشمال في الصلاة (126/2) و (2/ 1 1 2) و (3/ 35، 37) . (4) الأحاديث من (ص 958: 962) لم ترد في نسخة المصنف، وقال في " عون المعبود": هذه الأحاديث ليست في رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكرها المنذري في "مختصره"، ولم توجد في عامة النسخ، وإنما وجدت في نسخة واحدة صحيحة ذكرها المزي في "الأطراف" اهـ. قلت: وقد رأيت إثبات هذه الأحاديث وهي: 958- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر قال: سُنَة الصلاةِ أن تَنصِبَ رِجلَك اليمنى، وتَثنِي رِجلَك اليُسرى. 959- حدثنا ابن معاذ، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى، قال: سمعت القاسم يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: من سُنة الصلاة أن تُضْجعَ رِجلَكَ اليُسْرى وتَنصِبَ اليُمنى. 960- حدثنا عثمَان بن أبَي شيبة، حدثنا جرير، عن يحيي بإسناده مثله. قال أبو داود: قال حماد بن زيد عن يحيي أيضا: من السُنَّة، كما قال جرير. 961- حدثنا القعنبيِ، عن مالك، عن يحيِى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهُم الجلوس في التشهد، فذكرَ الحديث. 962- حدثنا هنًاد بن السوري، عن وكيع عن، سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، قال: كان النبي فيه إذا جَلَسَ في الصلاةِ افترش شك رجلَهُ اليُسرَى حتى اسود ظهرُ قدمِهِ.

172- باب: من ذكر التورك في الرابعة

ش- الحديث بعيْنه قد مر في " باب رفع اليدين " وشرحناه هنالك فليراجع فيه. قوله: "وحلق بِشْر " أي: بشْر بن المفضل. * * * 172- بَاب: مَنْ ذكرَ التَّورك في الرابعة أي: هذا باب في بيان من ذكر التورك على آخر الركعة الرابعة؛ والتورك: أن يجلسَ على أليتيه ويَنْصبَ رجله اليمنى ويخرج اليُسرى من تحتها. 934- ص- نا أحمد بن حنبل: نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد: أنا عبد الحميد- يعني: ابن جعفر- ح ونا مسدد: نا يحيى: نا عبد الحميد - يعني: ابن جعفر- قال: حدثني محمد بن عمرو، عن أبي حميد الساعدي قال: سمعته في عشْرة من أصحاب رسول الله- عليه السلام-. وقال أحمد: أخبرني محمد بن عمرو بن عَطاء قالَ: سمعت أبا حميد الساعدي في عشْرة من أصحاب النبيَ- عليه السلام-/ منهم أبو قتادةَ قال [2/45 - ب] ، أبو حميد: أنا أَعْلَمكُم بصلاة رَسول الله- عليه السلام-، قالوا: فاعْرِضْ فذكَرَ الحديثَ قال: ويفْتح أصابعَ رِجلَيَه إذا سَجدَ، ثم يُقر (1) ثم يقولُ: الله أكبر، ويرفعُ ويَثْني رِجلَه اليسْرى فَيَقعُدُ عليها، ثم يَصْنعُ في الأخَرى مثل فلك، فذَكَرَ الحَديثَ قال: حنى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسْليمُ أَخر رِجلَهُ اليُسْرى وقَعدَ مُتَوركا على شفه الَأيْسر. زادَ أحمدُ: قالوها: صدقتَ، هكذا كان يُصغي، ولم يذكرا فهي حَديثهما الجلوسَ في الثامن كيف جَلَسَ (2) .َ

_ (1) قوله: " ثم يقر " غير موجود في سنن أبي داود. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: سُنة الجلوس في التشهد (828) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وصف الصلاة (304، 305) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: الاعتدال في الركوع (2/ 187) ، وباب: فتح أصابع =

ش- الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبِيل، ويحيي: القَطان، ومحمد ابن عَمرو: ابن عَطاء العامري القرشي. قوله: " سمعتُه في عشرة ": أي: سمعته حال كونه بين عشرة من أصحاب النبي- عليه السلامَ-، ويجوز أن يكون "في" بمعنى "مع" أي: مع عشرة أنفس؛ كما في قوله تعالى: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه في زينَتِهِ" و (1) . قوله: "وقال أحمد: أخبرني محمد بن عَمْرو" أي: قال أحمد بن حنبل في روايته: قال عبد الحميد بن جعفر: أخبرني محمد بن عمرو موضع "حدثني ". قوله: "فاعرِض" أمر من عَرَض يَعْرض، وهمزته تسقط بالدرج بخلاف ما إذا أخذت الأمر من الإعراض فإن همزته للقطع. والحديث قد تقدم بأتم منه في "باب رفع اليدين " وشرحناه مستوفى فليراجع فيه. وأخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 935- ص- نا عيسى بن إبراهيم المصري: نا ابنُ وهْب، عن الليث، عن يزيد بن محمد القرشيِ، ويزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عَمرو بن حَلحَلةَ، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جَالسا مع نفر من أصحاب رَسُول الله- عليه السلام- بهذا الحديث ولم يذكرْ أبا قتادة، قال: فإذا جَلَسً في الركعتين جَلَسَ على رجله اليُسْرَى فإذا جَلَسَ في الركعةِ الأخِيرةِ قَدمَ رِجلَه اليُسرى وَجَلَسَ على مقعَدتِهِ (2) . ش- ابن وهب: هو عبد الله بن وهب، والليث: ابن سَعْد، ويزيد

_ الرجلين في السجود (2/ 211) ، و (3/ 2، 35) ، ابن ماجه: كتاب (قامة الصلاة، باب: افتتاح الصلاة (803) ، وباب: رفع لليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (862) ، وباب: إتمام للصلاة (1061) ، وقد تقدم برقم (711) . (1) سورة القصص: (79) . (2) انظر الحديث للسابق.

ابن محمد: ابن قيس القرشي المصري، ويزيد بن أبي حبيب- سُويد- المصْري، ومحمد بن عمرو بن حَلْحلة: الديلي المدني. قوله: " بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور، ولم يذكر أبا قتادة: الحارث بن ربعي المدني. قوله: " في الركعتين " أراد به التشهد الأول، وأراد بالركعة الآخرة: التشهد الأخير. وقد مر هذا الحديث- أيضا- بأتم منه في الباب المذكور. والشافعي تمسك بهذا الحديث في أن السنة: الافتراش في الأولى والتورك في الثانية. وبه قال أحمد، وقال مالك: السُّنَة: هي التورك فيهما. وعندنا: السنة: أن يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى نصبًا في القعدتين جميعاً. واستدلوا بحديث عائشة في "صحيح مسلم": "قالت: كان رسول الله يفتتح الصلاة- إلى أن قالت-: وكان يفرش اليسرى ويَنْصب رجله اليمنى، الحديث. وروى النسائي بإسناده إلى ابن عمر، عن أبيه قال: " من سُنَة الصلاة: أن تنصب القدم اليمنى واستقبالك بأصابعها القبلة، والجلوس عَلى اليُسْرى". ورواه البخاري في " صحيحه" بلفظ: "إنما سُنَّة الصلاة: أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليُسْرى لما؛ لم يذكر فيه استقبال القبلة بالأصابع. وروى الترمذي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: قدمتُ المدينة قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله، فلما جلس - يعني: التشهد- افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى،. وقال: حديث صحيح. وقال الشيخ محيي الدين (1) : الجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عجيب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير؛ فالجميع تسن مفترشا إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متورطا جلس

_ (1) شرح صحيح مسلم (215/4) .

المسبوق مفترشا؛ لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح: أن يجلس مفترشا في تشهده، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. وأما جلوس المرأة: فهو التورك عندنا. وقال الشيخ محيي الدين (1) : وجلوسُ المرأة كجلوس الرجل. وحكى القاضي عياش عن بعض السلف: إن سُنَة المرأة: التربع، وعن بعضهم: التربع في النافلة. وفي " مصنف " ابن أبي شيبة: نا وكيع، عن ثور، عن مكحول أن 46/21- 7 أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة/ كجلسة الرجل، وكان أنس يقول: تجلس المرأة كما يجلس الرجل. وبه قال النخعي، ومالك، وقالت طائفة: تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، منهم عطاء، والشعبي. وقال ابن بطال: وكانت صفية- رضي الله عنها- تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه. وقال- أيضا-: روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتربعون في الصلاة كما فعله ابن عمر، منهم ابن عباس، وأنس، وسالم، وعطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وجوزه الحسن في النافلة، وفي رواية: كرهه هو والحكم وابن مسعود. 936- ص- نا قتيبةُ: نا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد ابن عَمرو بن الحلة، عن محمد بن عمرو العامري قال: كنتُ في مَجلسِ، بهذا (2) قال فيه: فإذا قَعدَ في الركعتينِ قَعدَ على بطنِ قَدَمه اليُسْرى، ونَصبَ اليُمنى، فإذا كانت الرابعةُ أفضَى بِوَرِكه اليُسْرى إلي لأرْضِ، وأخْرَجَ قدمَيْهِ من نَاحيةِ وَاحده (3) . ش- أي: بهذا الحديث.

_ (1) المصدر السابق. (2) في سنن أبي داود: وبهذا الحديث،. (3) انظر التخريج السابق.

قوله: " فإذا كانت الرابعةُ" برفع الرابعة على أنها اسم " كان"، ولا يحتاج إلى الخبر لأنها تامة. وقوله: " أفضى" إلى آخره تفْسيرُ التورك، وهذا وأمثاله كلها محمولة على حالة العذر إما لكبر سن أو غيره من الأعذار. 937- ص- نا علي بن الحسين بن إبراهيم: نا أبو بدر قال: حدثني زُهير أبو خيثمة: نا الحسنُ بن حُر: نا عيسى بن عبد الله بن مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي أنه كان في مجلسٍ فيه أبوه، فذكر فيه قال: فَسَجدَ فانتصب على كَفيْه ورُكبتَيْه وصُدور قَدمَيْه وهو جالس فَتوركَ ونصبَ قَدمَه الأخرى، ثم كَبر فَسجَدَ، ثم كَبر فَقام، وَلم يَتَوَركْ، ثم عَادَ فركع الركعةَ الأخرى فكَبر كذلك ثم جَلَس بعد الركعتين حتى إذا هو أَرادَ أن ينهضَ للقيام قَامَ بتكبير، ثم رَكعً الركعتين الأخَريينِ، فَلما سلم الركعتين عن يمينِه وعن شِمالِهِ. لَم يذكرْ في حديثِه ما ذكرَ عبدُ الحميدِ من التوَرك في الرفع (1) إذا قام من ثِنتين (2) . ش- أبو بدْر: شجاع بن الوليد، وزهير: ابن معاوية أبو خيثمة، والحسن بن حر: النخعي، وعيسى بن عبد الله بن مالك الدار: مولى عمر بن الخطاب. وقد تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في" باب استفتاح الصلاة" إلا أنه راد هناك في الإسناد رجلا بين عيسى بن عبد الله وبن عباس بن سهل، وهو محمد بن عمرو بن عطاء، وقال فيه: " وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك " وقال هنا:" وهو جالس "، وقد شرحناه هناك مُستوفى. 938- ص- نا أحمد بن حنبل: نا عبد الملك بن عَمرو قال: أخبرني

_ (1) في سنن أبي داود: "في التورك والرفع ". (2) تقدم برقم (714) .

173- باب: التشهد

فُليح قال: أخبرني عباس بن سَهْل قال: اجتمع أبو حُميد وأبو أسيد وسَهْل ابن سَعْد ومحمد بن مَسْلمة، فذُكِرَ هذا الحديثُ، لم يُذْكَرْ الرفعُ إذا قامَ من ثنتين ولا الجلوسَ، قال: حتى فَرِغَ ثم جَلَسَ فافترشَ رجْلَه اليُسرى، وأقبلً بصدْرِ اليُمنى على قِبلَتِهِ (1) . ش- قد تقدم هذا الحديث- أيضا- في " باب رفع اليمَيْن ". قوله: " فذكر هذا الحديث" برفع الحديث وبناء " ذُكِرَ" على صيغة المجهول، وكذا قوله: "لم يذكر الرفع". * * * 173- بَابُ: التَّشهُّدِ أي: هذا باب في بيان التشهد، وفي بعض النسخ: "باب ما يقول في التشهد" والأول أصح. 939- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن سليمان الأعمش قال: حدثنا شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود قال: كُنا إذا جَلَسْنَا مع رسول الله - عليه السلام- في الصلاة قلنا: السلامُ على الله قَبْلَ عبَاده، السلامُ عَلىَ فلان وفلان، فقال رسولُ اَلله: "لا تقولوا: السَلامُ علىَ اَلله؛ فإن الله هو السلَامُ؛ ولكَن إذا جَلَسَ أحدُكُم فليقلْ: التحياتُ لله والصلَواتُ والطيبات، السلامُ عليكَ أيها النبي - صلى الله عليه وسلم -رحمةُ الله وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين؛ فإنكم إذا قُلتُم ذلك أصَاَبَ كل عَبد صالحِ في السماءِ والَأرضِ أو بينَ السماء والأرضِ، أشهدُ أن لا إله إلام اللهُ وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسولُه، ثم ليَخترْ أحدكُم من الدعاءِ أعجبَه إليه، فيَدْعو بهِ " (2) .

_ (1) تقدم برقم (15) . (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: التشهد في الآخرة (831) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: التشهد في الصلاة (58/ 402) ، النسائي: كتاب السهو، باب: إيجاب التشهد (3/ 40) و (3/ 41، 50) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في التشهد (899) .

ش- السلامُ: اسم من أسماء الله تعالى؛ ومعناه: السالم من النقائص وسمات الحدث، ومن الشريك والند، وقيل: بمعنى المسلم أوليائه، وقيل: المسلم/ عليهم. [2/46 - ب] قوله: " التحيات لله " التحيات: جمع تحية وهي السلامة من جميع الآفات، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وفي "المحكم": التحية: السلام. وقال الخطابي: رُوي عن أنس في تفسيرها في أسماء الله: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يحيي بها غيرُه. وقال ابن الأثير (1) : التحيات: كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك كقولهم: أبيْت اللعن، وأنعمْ صباحا، وعم ظلام: "وزي دَه هزار سَال " (2) أي: عِش عشرة آلاف سنة، وكلها لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى فتركت واستعملت بمعنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات لله أي: الثناء والعظمة والتمجيد كما يستحقه ويجبُ له. قوله: "لله " اللام فيه لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ وللثاني أحسن. وقال القرطبي: فيه تنبيه على أن الإخلاص في العبادات والأعمال لا يُفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد به الاعتراف بأن ملك ذلك كله لله تعالى. قوله: "والصلوات " قيل: أراد الصلوات الخمس، وقيل: النوافل، قال ابن الأثير: والأول أولى. وقال الأزهري: العبادات. وقال الشيخ تقي الدين: والصلوات يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: إنها واجبة لله، ولا يجوز أن يقصد بها غيره أو يكون ذلك إخبارا عن قصد إخلاصنا الصلوات له أي: صلاتنا مخلصة له لا لغيره؛ ويجور

_ (1) النهاية (1/ 183) . (2) هذه الجملة جملة فارسية، ومعلوم أن المصنف كان يجيد اللغة التركية، فلعله ذكرها عرضا.

أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون مبنى قوله " لله" أي: المتفضل بها، والمُعْطي هو الله؛ لأن الرحمة التامة لله تعالى لا لغيره. قوله: " والطيبات " أي: الكلمات الطيبات. وقال الشيخ تقي الدين: وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى، أعني: الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف؛ وطيب الأوصاف كونها صفة الكمال وخلوصها عن شوائب النقص. وقال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية. قوله: "السلام عليك أيها النبيّ، قيل: معناه: التعوذ باسم الله الذي [هو] السلام كما تقول: الله معك أي: الله متوليك وكفيل بك، وقيل: معناه: السلامة والنجاة لك كما في قوله تعالى: "فسلام لكَ منْ أصْحَاب اليَمين" (1) . وذكر الفخْر الفارسي الخُبْري: معنى السلَام على النبَي- عَليه السلام- أي: اسم الله عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسًلِمْتَ من المكاره والمذامّ والآفات، فإذا قلنا: اللهم صلي على محمد إنما نُريدُ: اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته، وذكره السلامة من كل نقص، وقال الشيخ حافظ الدين: يعني السلام الذي سلمه الله تعالى عليك ليلة المعراج، ورفع ليدل على الثبوت والاستمرار. وقال ابن الأثير: السلام مُنكر، أراد: " سلام عظيم لا يدرك كُنهه، ولا يعرف قدره"، وكثر ما جاء في القرائن مُنكَّرا، ومن رواه مُعَرفا فلأنه أراد إما سلاما معهودة أو جنْس السلام. قلت: يقتضي تفسير الشيخ حافظ الدين أن يكون الألف واللام فيه للعهد، وهو السلام الذي سلمه الله عليه ليلة المعراج. قوله: " وبركاته " البركات: جمع بركة؛ وهي: الخير الكثير من كل شيء؛ واشتقاقه من البرك وهو الإبل الكثير.

_ (1) سورة الواقعة: (91) .

قوله: " السلام علينا " أراد به الحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة عليهم السلام. قوله: " وعلى عباد الله الصالحين " الصالح: هو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد. وقال القرطبي: فيه دليل على أن الدعاء يصلُ من الأحياء إلى الأمْوات. قوله: " وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " قال أهل اللغة: يُقال: رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة. وقال ابن الفارس: وبذلك سمى نبينا محمداً يعني: لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة. قلت: الفرق بين محمد وأحمد أن محمداً مُفعّل للتكثير، وأحمدُ أفعل للتفضيل، والمعنى: إذا حمدني أحد فأنت أحمدُ منهم، وإذا حمدتُ أحدا فأنت محمد/ والعبدُ: الإنسان حرا كان أو رقيقا، وجَمعُه: اعبدٌ [2/47 - أ] وعبيد وعباد وعُبْد وعبْدان وعُبدان، وأعابد جمع أعبُد، والعِبْدي والعبد والعُبُوداء والعبدة أسمَاء الجمع، وجعل بعضهم العبادَ لله وغيره من الجَمع لله والمخلوقين، وخصّ بعضهم بالعبْدَى العَبيد الذين وُلدُوا في الملْك، والأنثى: عَبْدة، والعَبْدل: العَبْدُ، َ ولامه زاَئدة. وقالَ أبو علي الدقاق: ليْس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي- عليه السلام- ليلة المعراج وكانت أشرف أوقاته في القرب "سبحانَ الَّذي أسْرَى بعَبْده " (1) وقال في تلك الليلة" فأوْحَى إِلَى عبدهِ مَا أوْحَى" (2) . وفي قوله: "أصابَ كل عبد صالح في السماء " دلالة على أن الألف واللام الداخلتين للجنس تقتضي الاستغراق والعموم. قوله: " ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبَه إليه " فيه استحباب الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام. وقال الشيخ محيي الدين: وفيه: أنه يجور الدعاء بما شاء من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا، وهذا مذهبنا

_ (1) سورة الإسراء: (1) . (2) سورة النجم: (10) .

ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يجور إلا الدعوات الواردة في القرآن أو السنة. قلنا: لأن الدعاء من أمور الدنيا مثل قوله: " اللهم زوجني فلانة، أو: ارزقني ألف دينار" من كلام الناس، وقد صح في الحديث: " إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس"- كما ذكرناه-. وقال الشيخ تقي الدين: بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي استثنى بعض صور من الدعاء تُقبحُ كما لو قال: اللهم أعطني امرأةً صفتها كذا وكذا- وأخذ يذكر أوصاف أعضائها-. وهذا الحديث: أخرجه الأئمة الستة عن عبد الله بن مسعود، ولفظ مسلم قال: علمني رسول الله التشهد كفي بين كفيه كما يُعلمني السورة من القرآن فقال: " إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ السلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابَتْ كل عبد صالح في السماء والأرضِ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". زادوا في رواية إلا الترمذي، وابن ماجه: " ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به " قال الترمذي: أصح حديث عن النبي - عليه السلام- في التشهد: حديث ابن مسعود، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. ثم أخرج عن معمر، عن خصيف قال: رأيت النبي- عليه السلام- في المنام فقلتُ له: إن الناس قد اختلفوا في التشهد فقال: عليك بتشهد ابن مسعود (1) . وأخرج الطبراني في "معجمه" عن بشير بن المهاجر، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: ما سمعتُ في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود وذلك أنه رفعه إلى النبي- عليه السلام-ووافق ابن مسعود في روايته عن النبي - عليه السلام- هذا التشهد جماعة من الصحابة فمنهم معاوية، وحديثه

_ (1) جامع الترمذي (2/ 82) .

عند الطبراني في " معجمه" أخرجه عن إسماعيل بن عياش، عن جرير بن عثمان، عن راشد بن سعد، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه كان يُعلم الناس التشهد وهو على المنبر عن النبي- عليه السلام-: " التحيات لله والصلوات والطيبات" إلى آخره سواء. ومنهم: سلمان الفارسي، وحديثه عند البزار في " مُسنده " والطبراني في "معجمه "- أيضا- أخرجاه عن سلمة بن الصلت، عن عُمر بن يزيد الأزدي عن أبي راشد قال: سألت سلمان الفارسي عن التشهد فقال: أعلمكم كما علمنيهن رسول الله- عليه السلام-: " التحيات لله والصلوات والطيبات" إلى آخره سواء. ومنهم عائشة- رضي الله عنها- وحديثها عند البيهقي في "سننه " عن القاسم، عنها قالت: هذا تشهد النبي- عليه السلام-: " التحيات لله " إلى آخره. قال النووي في " الخلاصة": سنده جيد، وفيه: فائدة حسنة؛ وهي أن تشهده- عليه السلام- بلفظ: تشهدنا. وقال الخطابي: / أصح الروايات وأشهرها رجالا: تشهد ابن مسعود. وقال ابن المنذر، [2/47 - ب] وأبو علي الطوسي: قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه؛ وهو أصح حديث رُوي في التشهد عن النبي- عليه السلام-. وقال أبُو عُمر: بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم لثبوت فعله عن النبي- عليه السلام-. وقال علي بن المديني: لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى. وبنحوه قاله ابن طاهر. وقال النووي: أشدها صحة باتفاق المحدثين: حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس. قلت: ولأجل ذلك اختار أبو حنيفة وأصحابه تشهد ابن مسعود. وقال صاحب " الهداية": والأخذ بتشهد ابن مسعود أولى؛ لأن فيه الأمْر، وأقلى: الاستحباب، والألف واللام وهما للاستغراق، وزيادة الواو وهي لتجديد الكلام كما في القسم وتأكيد التعليم.

قلت: أما الأمر وهو قوله " فليقل" وليس في تشهد ابن عباس في ألفاظهم الجميع إلا في لفظ للنسائي: " إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا" وفي لفظ له: " قولوا في كل جلسة" وأما الألف واللام: فإن مسلما، وأبا داود، وابن ماجه، لم يذكروا تشهد ابن عباس إلا معرفا بالألف واللام. وذكره الترمذي، والنسائي مُنكرًا: " سلام عليك أيها النبي، سلام علينا". وكان برهانُ الدين اعتمد على هذه الرواية. وأما الواو: فليْس في تشهد ابن عباس عند الجميع. وأما التعليم: فهو- أيضا- في تشهد ابن عباس عند الجميع: " كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القراَن". هكذا لفظ مسلم، وفي لفظ الباقين: كما يعلمنا القراَن. وفي تشهد ابن مسعود: تَراجيح أُخر؛ منها: أن الأئمة الستة اتفقوا عليه لفظا ومعنى؛ وذلك نادر، وتشهد ابن عباس معدود في أفراد مسلم، وأعلى درجة الصحيح عند الحُفاظ: ما اتفق عليه الشيخان، ولو في أصله فكيف إذا اتفقا على لفظه؟. ومنها: إجماع العلماء على أنه أصح حديث في الباب- كما تقدم من كلام الترمذي. ومنها: أنه قال فيه: "علمني التشهد كفي بين كفيه"، ولم يقل ذلك في غيره؛ فدل على مزيد الاعتناء والاهتمام به. ثم اختلفت العلماء في التشهد هل هو واجب أم سُنة؟ فقال الشافعي وطائفة: التشهدُ الأولُ سُنة، والأخير: واجب. وقال جمهور المحدثين: هما واجبان. وقال أحمد: لأول واجب، والثاني: فرض. وقال أبو حنيفة، ومالك، وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك رواية بوجوب الأخير. وقال ابن بطال: أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، والليث، وأبو ثور على أن التشهد الأول ليس بواجب، حاشا أحمد؛ فإنه أوجبه، ونقل ابن الأثير وجوبهما عن أحمد وإسحاق، ونقله ابن التين- أيضا- عن الليث وأبي ثور. وفي " المغني": إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية، فهما

واجبان فيهما على إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق؛ لأنه - عليه السلام- فعله وداوم عليه وأمَر به في حديث ابن عباس بقوله: "فقولوا: التحيات لله " وقال ابن قدامة: والأخرى: ليسا بواجبين. وفي شرح "الهداية": قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة، وهو المختار والصحيح، وقيل: سُنَّة؛ وهو أقيس؛ لكنه خلاف ظاهر الرواية ثم السُّنَة في التشهد: الإخفاء؛ لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود: " من السنة: أن تخفي التشهد" (1) ، وقال: حسن غريب. وعند الحاكم عن عبد الله: من السّنَة: أن يخفى التشهد (2) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في التشهد "ولا تَجْهَرْ بِصلاَتكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا" (3) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (4) . 940- ص- نا تميم بن المنتصر: أنا إسحاق- يعني: ابن يوسف- عن شريك، عن أبي إسحاق/ عن أبي الأحول، عن عبد الله قال: كنا لا نَدْري ما نقولُ إذا جَلَسْنا في الصلاةِ، وكان رسول اللهِ قد عُلمَ، فذكر نحوه (5) . ش- تميم بن المنتصر: ابن تميم بن الصلت بن تمام بن لاحق الواسطي، أبو عبد الله الهاشمي مولى ابن عباس. سمع: إسحاق بن يوسف الأزرق، ومحمد بن يزيد الكلاعي، وأحمد بن سنان القطان. روى عنه:

_ (1) يأتي في "باب إخفاء التشهد ". (2) مستدرك الحاكم (1/268) . (3) سورة الإسراء: (110) . (4) كذا، ولم أره عند الحاكم، فلعلها سبق قلم، والله أعلم. (5) الترمذي: كتاب الصلاة، باب منه أيضا (290) ، النسائي: كتاب السهو، باب: إيجاب التشهد (3/ 40) ، كتاب التطبيق، باب: كيف التشهد الأول (238/2) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في التشهد (899) .

أبو داود، والنسائي- وقال: ثقة- وابن ماجه. ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة أربع وأربعين ومائتين (1) . وشريك: ابن عبد الله النخعي، وأبو إسحاق: السبيعي، وأبو الأحوص: عَوْف بن مالك الجُشمي الكوفي، وعبد الله: ابن مسعود. قوله: " قد عُلم " على صيغة المجهول مِن التَعْليم أي: عُلم قراءة التحيات في التشهد، ثم علمنا، ويُقال: قد علم- بالتخفيف على صيغة المعلوم- أي: علم ذلك منها، ثم أمرنا أن نقول: " التحيات لله " إلى آخره. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ص- قال شريك: ونا جامع، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله بمثله. ش- أي: شريك بن عبد الله، وجامع: ابن شداد، أبو صخرة الكوفي، وأبو وائل: شقيق بن سلمة. قوله: "بمثله " أي: مثل الحديث المذكور. ص- قال: وكان يُعَلِّمُنَا كَلمات ولم يكنْ يُعلمُنَاهُنَّ كما يُعلِّمُنا التشهد: " اللهم ألّفْ بين قُلُوبِنَا وأصلِحْ ذاتً بيننَا واهْدنَا سُبُلَ السلام، ونَجنّاَ من الظلماتِ إلى النورِ، وجنِّبْنَا الفَوَاحش ماَ ظَهرَ منوها وما بَطَنَ، وبَارِكْ لنا في أسْمَاعنَا وأبْصارنَا وقُلوبنَا وأزواجنا وذرياتنَا، وتُبْ علينا إنك أنت التوابُ الرحيم، واجعلنَا شَاكِرين لنِعمَتِكً، مثنِينَ بَها، قَائِلِيهَا (2) ، وأتِمّهَا عَلينا ". ش- أي: قال ابن مسعود: وكان النبي- عليه السلام- يُعلمنا كلمات. قوله: " ألف بين قلوبنا " من التأليف، والألفة بين القلوب: الأنس والمُداراة، ورعاية بعضهم بعضًا، وعدم الخلف؛ لأن خلف القلوب يورِث فساد الأبدان.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 807) . (2) في سنن أبي داود: "قابليها".

قوله: " وأصلح ذات بَيْننا" مراده: أصلح بيننا، ولفظة "ذات" رائدة للتأكيد؛ وإصلاح البَيْن: أن يكونوا متفقين على الحقَّ، راضين بما بينهم مما أعطاهم الله تعالى من النعم، متحابين في الله تعالى. قوله: " واهدنا سبل السلام" السبل- بضم السين والباء- جمع سبِيلٍ، أي: طُرُق السلامة. قوله: "ونجنا من الظلمات إلى النور" المراد من الظلمات: الضلالات؛ جُمعت لاختلافها، واتحد النور؛ لأن الإيمان واحد؛ والمعنى: اصرفنا مبتدئين من الظلمات منتهين إلى النور، وتحقيق المعنى: ثبتنا على ما كنا عليه من الانصراف والبُعْد عن الضلالة، والثبات على النور. قوله: "وجنبنا الفواحش" أي: أبعدنا من الفواحش؟ وهي جمع فاحشةٍ، وهي كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال. وقوله: نا ما ظهر منها وما بطن لما نوعان للفاحشة؛ فالذي ظهر هو الذي يكون بيْنه وبين العباد، والذي بطن: هو الذي يكون بيْنه وبين الله، أو الذي ظهر: هو ما يكون من الجوارح، والذي بطن: ما يكون من القلوب. قوله: "وبارك لنا في أَسْماعنا وأبْصارنا" سأل الله تعالى أن يُبارك في سمعه وبصره إذا أدركه الكبرُ، وضعف منه سائرُ القوة، ليكونا وارثي سائر القُوى، والباقين بَعْدهما، ويُقال: أراد بالأسماع والأبصار: الأولاد والأعْقاب، وقيل: بالأسْماع: وَعْي ما يَسْمعُ، وبالأبْصار: الاعتبار بما يرى. قوله: " وقلوبنا" أي: بارك لنا في قلوبنا بمعنى: أثبتْ لها وأدِمْ ما أعطيتها من اليقين والمعرفة والاعتقاد الصحيح. قوله: "وأزواجنا" أي: وبارك لنا في أزواجنا بمعنى: أثبت لهن وأدم ما أعطيتهن من الألفة والسكون إلى أزواجهن، ومن حفظ حقوقهم،

وتحصين أنفسهن، ورضاهن عليهم. ورأيتُ في بعض النسخ الصحيحة ضبطها بالحاء المهملة (1) ، يعني: وبارك لنا في أرواحنا بمعنى: أثبت وأدمْ ما قد [ر] ت لها من البقاء إلى وقتها المعلوم عندك بالخير والهُدى، والَانتفاع بها بالصحة والسلامة. قوله: " وذرياتنا " أي: وَبارك لنا في ذرياتنا؛ بمعنى: أثبت لهم وأدم ما قدرت لهم من البقاء في دار الدنيا بالصلاح والخيْر؛ وهي جمع ذريةِ، وذرية الرجل: نَسْله، وأصله من ذرَأ الله الخلقَ يذرؤهم. قوله: "مثنين بها" من أثنى يُثْني أي: قائمين بثناء نعمتك. 22/48 - ب] / قوله: "قائليها" بمعنى: مُعترفين بها غير مُنكريها؟ والقول بالنعمة: عبارة عن إقامة شكرها، والاعتراف بها بأنها فضل من الله تعالى. 941- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زُهَير: نا الحَسن بن الحُرّ، عن القاسم بن مُخيمرة قال: أخذَ علقمةُ بيدي فحدثني أن عبد الله بنَ مَسْعود أخذَ بيده، وأن رسولَ الله- عليه السلام- أخذَ بيد عبد الله يعلَّمُه (2) التشهّدَ في الصَلَاةِ. فذكر مثلَ دَعاء حديثِ الأعمشِ: " إذاَ قُلَت هذا أو قَضيتَ هذا فقد قَضيتَ صلاتَكَ إن شَئتَ أن تَقومَ [فقمْ] ، وإن شئتَ أن تَقْعُدَ فاقعُدْ " (3) . ش- زهير: ابن معاوية. والقاسم بن مخيمرة: أبو عروة الهمداني الكوفي، سكن دمشق. روى عن: عبد الله بن عكيم، وعلقمة، وشريح بن هانئ وغيرهم. روى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، والحكم بن عُتَيبة، والأوزاعي وغيرهم، قال ابن معين، وأبو حاتم، وأحمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة مائة بالمدينة في خلاقة عمر بن عبد العزيز (4) .

_ (1) يعني: بالراء والحاء المهملتين مفرد الروح. (2) في سنن أبي داود: "فعلمه ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4825) .

وعلقمة: ابن قيس النخعي. قوله: " مثل دعاء حديث الأعمش " هو الحديث الذي مضى في أول لباب. قوله: "إذا قلتَ هذا " أي: التحيات لله إلى آخره. قوله: "أو قضيت هذا " أي: أو فعلت هذا أي: القعود. قوله: " فقد قضيتَ صلاتك " أي: أديتها وأتممتها. وقد استدل أصحابنا بهذا الحديث في مسائل، الأولى: أن هذا يُنافي فرضية الصلاة على النبي- عليه السلام- في الصلاة؛ لأنه- عليه السلام- علق التمام بالقعود؛ وهو حجة على الشافعي،- وأيضًا- أنه - عليه السلام- علم التشهد لعبد الله بن مسعود، ثم أمر عقيبه أن يتخير من الدعاء ما شاء، ولم يُعلم الصلاة عليه، ولو كانت فرضًا لعلمه؛ إذ موضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب،- وأيضًا- لما علم الأعرابي أركان الصلاة لم يُعلمه الصلاة عليه، ولو كانت فرضا لعلّمه، وكذا لم يُرْو في تشهد أحد من الصحابة، ومن أوجبها فقد خالف الآثار. وقالت جماعة من أهل العلم: إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة؛ وليس له سلف يقتدي به؛ منهم: ابن المنذر، وابن جرير الطبري، والطحاوي، وهو يستدل بقوله تعالى: "صلوا عَلَيْه " (1) والأمر للوجوب، فلا يجب خارج الصلاة فتعينت الصلاة. وليسَ في الآية دلالة على ما قال؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار؛ بل يجب في العمر مرةً- كما اختاره الكرخي- أو كلما ذكر اسم النبي- عليه السلام- كما اختاره الطحاوي-، وسنستوفي الكلام فيه في موضعه. الثانية: أن هذا يُنافي فرضية السلام في الصلاة؛ لأنه- عليه السلام- خير المصلي بعد القعود، بقوله: إن شئت أن تقوم، وإن شئت أن تقعد؛

_ (1) سورة الأحزاب: (56) .

وهو حجة على الشافعي- أيضا- حيث افترض السلام، وسنستكمل (1) بقية الكلام في (باب السلام) إن شاء الله تعالى. الثالثة: استدل به أصحابنا على فرضية القعدة الأخيرة.؛ وذلك لأنه - عليه السلام- علق تمام الصلاة بالقعود، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض؛ وهو حجة على مالك؛ حيث لم يفترض القعدة الأخيرة. فإن قيل: أو لأحد الشيئين، وليس فيه دلالة على ما ادعيتم. قلت: معناه: إذا قرأت التشهد وأنت قاعدٌ؛ لأن قراءته في غير الصلاة لم تشرع ولم يُعتبر إجماعاً فصار المعنى: إذا قلت هذا يعني: قرأت هذا وأنت قاعد أو قعدت ولم تقل، فصار التخييرُ في القول لا في الفعل؛ إذ الفعل ثابت في الحالين. فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بخبر الواحد؟ قلت: ليس الثبوت به؛ بل هو بالكتاب؛ لأن نفس الصلاة ثابتة به، وتمامها منها؛ فالخبر بيان لكيفية الإتمام والبيان به يصح كما في مسح الرأس. الرابعة: استدل به أبو يوسف، ومحمد في الاثني عشرية المشهورة أن الصلاة لا تبطل بها؛ لأنه لم يبق عليه شيء، فاعتراض العوارض عليه كاعتراضها بعد السلام، وقد عرف مستوفًى في موضعه. [2/49 - أ] ثم بقي الكلام في صحة/ هذا الحديث ورفعه إلى النبي- عليه السلام-؛ " (2) فقد قال الخطابي (3) : اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي- عليه السلام- أو من قول ابن مسعود؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبي- عليه السلام- ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي- عليه السلام- في التشهد غير واجبةٍ. وقال البيهقي (4) : وقد بينه شبابة بن

_ (1) في الأصل: "وسنتكلم". (2) انظر: نصب الراية (1/ 424- 425) . (3) معالم السنن (1/198) . (4) السنن الكبرى (2/ 174) .

سوار في روايته عن زهير بن معاوية وفصَل كلام ابن مَسعود من كلام النبي - عليه السلام-، وكذلك (1) رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحر مُفصلا مُبينا. وقال ابن حبان بعد أن أخرج الحديث في " صحيحه" في النوع الحادي والعشرين من القسم الأول بلفظ السنن: وقد أوهم هذا الحديث مَنْ لم يُحكِم الصناعة أن الصلاة على النبي ليست بفرض؛ فإن قوله: "إذا قلت هذا " زيادة أدرجها زهير بن معاوية في الخبر عن الحسن بن الحر. ثم قال: ذكر بيان أن هذه الزيادة من قول ابن مسعود، لا من قول النبي- عليه السلام- وأن زهيرا أدرجه في الحديث، ثم أخرجه عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مُخيمرة به سنداً ومتنًا، وفي آخره: قال ابن مسعود: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت وإن شئت فانصرف. ثم أخرجه عن حسين بن علي الجُعْفي، عن الحَسن بن الحُر به، وفي آخره: قال الحسن: وزادني محمد بن أبان بهذا الإسْناد قال: فإذا قلت هذا فإن شئت فقم، قال: ومحمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب "الضعفاء". وقال الدارقطني في" سننه" (2) بعد أن أخرج الحديث: هكذا أدرجه بعضهم في الحديث عن زهير، ووصله بكلام النبي- عليه السلام- وفَصَله شبابة بن سوار، عن زهير فجعله من كلام ابن مسعود؛ وهو أشبه بالصواب؛ فإن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخره من قول ابن مسعود؟ ولاتفاق حُسين الجُعفي، وابن عجلان، ومحمد ابن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره، عن ابن مسعود على ذلك، ثم ساق جميع ذلك بالأسانيد، وفي آخره: قال ابن مسعود: إذا فركت من هذا إلى آخره (3) .

_ (1) السنن الكبرى (2/ 175) منفصلا عن القول الأول. (2) (1/ 352- 353) . (3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

والجواب عن جميع ما ذكروه من وجوه؛ الأول: أن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، ولو كان فيه ما ذكروه لنبه عليه؛ لأن عادته في كتابه أن يُلوح على مثل هذه الأشياء. الثاني: زعم أبو زيد الدبوسي وغيره أن هذه الزيادة رواها أبو داود الطيالسي، وموسى بن داود الضبي، وهاشم بن القاسم، ويحي بن أبي كثير، ويحيى بن يحيى النيسابوري في آخرين متصلا؛ فرواية من رواه مفصولا لا يقطع بكونه مُدرجًا، لاحتمال أن يكون نسيه ثم ذكره، فسمعه هؤلاء متصلاً وهذا مُنفصلا، أو قاله ابن مسعود فُتيا كعادته، وقد وجدنا في كتاب النسائي من حديث الأفريقي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - عليه السلام-: "إنه إذا حدّث الرجلُ في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته " ولفظ أبي داود: "فقد تمت صلاته". الثالث: أن عبد الرحمن بن ثابت الذي ذكره البيهقي قد ضعّفه ابن معين، هو بنَفْسه ذكره في "باب التكبير أربعاً" وكذلك غَسان بن الربيع الذي رَوى عن عبد الرحمن بن ثابت ضعفه الدارقطني وغيره، وبمثل هذا لا تُعللُ رواية الجماعة الذين جعلوا هذا الكلام متصلا بالحديث، وعلى تقدير صحة السند الذي روي فيه موقوفا، فرواية من وقف لا تعلل بها رواية من رفع؛ لأن الرفع زيادة مقبولة على ما عرف من مذاهب أهل الفقه والأصول، فتُحمل على أن ابن مسعود/ رضي الله عنه سمعه من النبي- عليه السلام- فرواه كذلك مرةً، وأفتى به مرة أخرى، وهذا أولى من جعله من كلامه "إذ فيه تخطئة الجماعة الذين وصلوه، ثم لو سلّمنا حصول الوهم في رواية من أدرجه لا يتعين أن يكون الوهم مِن زُهير؛ بل ممن رواه عنه؛ لأن شبابة رواه عنه موقوفا. 942- ص- نا نَصْر بن علي قال: حدثنا أبىِ: نا شعبة، عن أبي بشر قال: "سمعتُ مجاهدا يُحدث عن عبد الله بنِ عمر، عن رسول الله في التشهد: "التحيات لله، الصلواتُ اَلطيباتُ، السلام عليكم أيها النبي - صلى الله عليه وسلم -رحمة اللهِ وبركاتُه " قال: قال ابنُ عمرَ: زدتُ فيها: وبركاته "السلام علينا

وعلى عباد الله الصالحينَ، أشهدُ أن لا إله إلا الله ". قال ابنُ عمرَ: زدتُ فيها: وحَده "لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُه " (1) . ش- نصر بن علي: أبو عمرو الصغير البصري، وأبوه: علي بن نصْر ابن علي البصري. وأبو بشْر: جعفر بن أبي وحشية. قوله: " الصّلوات " بدون واو العطف وكذلك " الطيبات" وهذا السند صحيح. وروى مالك في " الموطأ " (2) عن نافع، عنه موقوفا بلفظ: بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله، الزكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً (3) رسول الله، فإذا أراد أن يُسلم قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. السلام عليكم. زاد رزين في كتابه: وقال: إن رسول الله أمره بذلك. وقال البيهقي: أما التسمية في هذا عن ابن عمر- وإن كانت صحيحة- فيحتمل أن تكون زيادةً من جهته هو، روينا عنه، عن النبي- عليه السلام- حديث التشهد ليس فيه التسمية. قال: روى ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام، عن أبيه، عن عائشة- كلاهما- عن النبي- عليه السلام- في التسمية قبل التحية، وثابت: منكر الحديث، والصحيح: عن ابن عمر موقوف- كما رويناه. قال: روينا عن ابن عباس أنه سمع رجلا يقولُ: بسم الله التحيات لله، فانتهره. 943- ص- نا عَمرو بن عون: أنا أبو عوانة، عن قتادة ح ونا أحمد بن حنبل: نا يحيي بن سعيد: نا هشام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطانَ بن عبد الله الرَّقَاشي قال: صَلَّى بنا أبو موسى الأشعريُّ فلما جلسَ في آخر صَلاِته قال رجل من القول: أقرَّت الصلاةُ بالبرِّ والزكاة، فلما انفتلَ أبو موسى أَقبلَ على القول فقال: أيكم القائل كَلِمةَ كذا وكَذا؟ قال: فأرَمَّ

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) كتاب الصلاة، باب: التشهد (57) . (3) في الأصل: "محمد".

القومُ، قال: أيكُم القائلُ كَلمةَ كذا وكذا. قال: فَأرَم القومُ، قال: فلعلك يا حطانُ أنتَ قلتَها. قال: ما قلتُها، ولقد رَهبتُ أن تَبكعَني بها. قال: فقالَ رجل من القوم: أنا قُلتُها ومَا أردتُ بها إَلا الخيرَ، فقال. أبو موسَى: أما تَعلمُون كيفَ تَقولون في صلاتكُم؟ إن رسولَ الله خَطبَنا فعلمنا وبَيَّنَ لنا سنتنا وعلمنا صلاَتَنا فقال: " إذا صليتُم فأقيمُوا صفُوَفَكُم، ثم ليؤمَّكُم أحدُكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قَرأ "غيرِ المغضوب عَلَيهم ولا الضالينَ " فقولوا: آمين يُجِبكُم الله تعالى، وإذا كبر وركَعَ فكبِّرُواَ وارْكَعوا، فإن الإمامَ يركعُ قَبْلَكُم، ويَرْفَعُ قَبْلَكُم ". قال رسولُ الله: "فتِلكَ بتلك، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ فقولُوا: اللهم ربنا لك الحَمدُ يَسْمعُ الله لكم، فإن الله قال على لسانِ نبيه: سَمِعَ الله لمنْ حَمدَهُ، وإذا كبر وسَجَدَ فكبِّروا واسجدُوا فإن الإمام يَسْجدُ قَبلَكُم ويرفعُ قَبلًكُم " قال رسولُ الله: "فتلكَ بتلكَ" فإذا كان عندَ القَعْدة فليكنْ مِنْ أول قول أحدكُم: أن يقوَلَ: التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله، السَلامُ عليكَ أيهاَ النبي - صلى الله عليه وسلم -رحَمة الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصَالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأَشهدُ أن محمداً عبده ورسوله "- لمَ [2/50 - أ] يَقُلْ أحمدُ: وبركاتُه، ولا قال: وأشهدُ، قال:-/ وأن محمداً (1) . ش- أبو عوانة: الوَضاح، ويحي بن سعيد: الأنصاري، وهشام: الدستوائي. ويونس بن جبير: الباهلي أبو غلاب البصري. سمع: عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله، وحطان الرقاشي وغيرهم. روى عنه: محمد ابن سيرين، وعبد الله بن عون، وقتادة، قال ابن معين: كان ثقة، قال ابن سَعْد: مات قبل أنس وأوصى أن يصلي عليه أنس. روى له الجماعة (2) .

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، رقم (404) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: قوله: " ربنا ولك الحمد " (2/ 196) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (847) ، وباب: ما جاء في التشهد، رقم (901) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 7172) .

وحطان بن عبد الله الرقاشي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: بصري. يروي عن: علي، وأبي موسى. روى عنه: الحسن، ويونس ابن جبير. مات في ولاية عبد الملك وولاية بشر بن مروان على العراق. انتهى. وقال العجلي: هو بصري تابعي ثقة وكان رجلا صالحًا (1) . قوله: " أقرت الصلاة بالبرّ " قيل: قُرِنت أي: إنها تُوجب لصاحبها البر؛ وهو الَصدق وجماع الخير، والزكاة: التطهير، ويحتمل أن يكون من القرار أي: أثبت معها، وتكون الباء بمعنى "مع ". قوله: "فلما انفتل " أي: انصرف من الصلاة. قوله: " أيكم القائل كلمةَ كذا " بنصب " كلمة" أطلق الكلمة وأراد بها الكلام. قوله: "فأرَمَ القومُ "- بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم- يعني: سكتوا مُطرقين ولم يُجيبوا، يُقال: أرم فلان حتى ما به نُطق؛ ومنه قول الشاعر. يَردن والليلُ مُرِمّ طائرُهْ كأنهم أطبقوا شفاههم والمِرمة- بكسر الميم وفتحها- شفة البقرة وكل ذات ظلف؛ لأنها بها تأكل فاستُعيرَت للناسِ. وروي: "فأزَم القوم "- بزايِ مفتوحة وميم مخففة- أي: أمسكوا عن الكلام؛ ومعناه مثل الأول. قوله: "ولقد رَهبتُ "- بكسر الهاء- أي خِفْتُ. قوله: " أن تَبكَعني بها" أي تجبهني بها أو تُبكًتني بها، أو نحو ذلك من الكلام. قال الأصمعي: يُقال: بكَعتُ الرجلَ بكعَا إذ استَقْبلته بما يكره، وهو من باب فتح يفتح. وعن سليمان بن معبد: قلتُ للأصمعي: ما قولُ الناس: "الحق مُغْضَبة"؟ فقال: يا بُنى! وهَلْ يَسألُ عن مثل هذا إلا رَازِم، قلما بكِعَ أحد بالحقد إلا إِعزَيْزَمَ له؟!.

_ (1) المصدر السابق (6/ 1384) .

قلت: الرازم: الضعيفُ الذي لا يقدرُ أن يقوم من الهزال، والإعزيزام: الاجتماع. قوله: "يجبكم الله "- بالجيم- من إجابة الدعاء، وبعضهم يقرأه بالحاء من المحبّة، وليس موضعه. قوله: " فتلك بتلك" معناه: تلك الدعوة مُعلقة بتلك الكلمة أو مضمنة بها أعني بالدعوة: قراءة الإمام "اهدنا الصراط المستقيم" السورة وأعني بالكلمة: قوله " آمين "، فقوله: (فتلك) مبتدأ في محل الرفع، وخبره: " تلك " الثاني، ومتعلقه محذوف- كما قدرنا- ويجوز أن يكون المراد من " تلك " الأول: الصلاة، ومن "تلك" الثاني: قوله " إذا كبر فكبروا، وإذا قرا {غير المَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالينَ} فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا"، ونحو ذلكَ من الأفعال والأقوال، ويكون المعنى: صلاتكم متعلقة بصلاة إمامكم، فاتبعوه ولا تخالفوه، فتلك إنما تصح وتثبت بتلك، وكذلك الكلام في " فتلك بتلك " الثاني على الوَجهين. قوله: " يَسْمع الله لكم" أي: يَستجيبُه، ومعنى "سمع الله لمن حمده": أجاب دعاء من حمده، وقيل: أراد به الحث على التحميد. قوله: "ربنا لك الحمد " وفي رواية: "ولك الحمد"؛ وكلاهما صحيح. قوله: " فليكن من أوّل قول أحدكم: التحيات" استدل جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه ولا يقول: باسم الله. وقال الشيخ محيي الدين: وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال: "فليكن من أول"، ولم يقل: فليكن أوّل. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 944- ص- نا عاصم بن النضر: نا المعتمر قال: سمعت أبي قال: نا قتادة، عن أبي غَلاّب يحدثه عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث

زادَ: " فإذا قَرَأ فَأنِصتُوا" وقال في التشهد بعد أن قال: لا إله إلا الله " (1) زادَ: " وحده لا شريك له " (2) . ش- المعتمر: ابن سُلَيْمان، وأبو غلاب: يونس بن جُبير. قوله: " بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور؛ زاد فيه: فإذا قرأ - أي الإمام- " فأنْصتوا"، وفيه حجة للحنفية في أن الواجب على المقتدي/ أنْ يسكت ويَنْصت ولا يقرأ شيئًا؛ لأن القراءة تَخِل بالإنْصات [2/50 - ب] وكذا زاد بعد قوله: " لا إله إلا الله ": "وَحْدهَ لا شريكَ له". ص- قال أبو داود: قولُه: "وأنصِتُوا " ليْس بمحفوظ، لم يجئْ به إلا سليمانُ التيْمي في هذا الحديث. ش- قد تقدم الكلام على قوله " فإذا قرأ فأنصتوا في " باب الإمام يُصلي من قُعود " في حَديث أبي هريرة. وأما هذه الزيادة من سُليمان التيمي- وهو سليمان بن طرخان أبو المعتمر- فهي صحيحة، صحّحها مُسلم، وذكرَها مسلم في " صحيحه " وكفى به قدوةً، ويُقدمُ كلامه على كلام أبي داود. ولما طعَن أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث قال له مسلم: أحفظ من سليمان؟! معناه: أنه كامل الحفظ والضبط، فلا تضره مخالفة غيره. وإذا كان الأمرُ كذلك فلا يُلتفت إلى قول مَن يُضعفُ هذه الزيادة. 945- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسولُ الله- عليه السلام- يُعلمُنا التشهدَ كما يُعلمُنا القرآنَ، فكان يَقولُ: " الَتحياتُ المُبَاركاتُ

_ (1) في سنن أبي داود: "وقال في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله ". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: التشهد في الصلاة (62/ 4 0 4) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (2/ 96) ، كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من التشهد (2/ 242) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (847) ، وباب: ما جاء في التشهد (901) .

الصلواتُ الطيباتُ لله، السلامُ عليكَ أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً رسولُ اللهِ " (1) . ش- أبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وبه أخذ الشافعي. وقال الشيخ محيي الدين: تقديره: " التحيات والمباركات والصلوات والطيبات" كما في حديث ابن مسعود وغيره؛ ولكن حذفت الواو اختصارًا. قلت: واو العطف لا يجوز حذفه عند الجمهور، وبعضهم ما جَوزه إلا في الضرورة؛ ولا ضرورة هاهنا ولا فائدة في اختصارها. ويقال: في حديث ابن عباس اضطراب؛ فمن اضطرابه: أن الشافعي رواه بتنكير (2) "السلام "، وأحمد بتعريفه، وقال الشافعي وأحمد: " وأن محمداً" وفي رواية مسلم وغيره؛ "وأشهد أن محمدا" وفي رواية لمسلم: "وأن محمدًا" والسلام معرف. فإن قالوا: رجحناه لزيادة " المباركات" لموافقتها الآية الكريمة "تَحيةَ مّنْ عند الله مُبَارَكَةَ" (3) فيُقال: قال الطحاوي: لم يشرع في السلَام " حياَكمَ الله وإن وافق ذلك لفظ القرآن في قوله تعالى: "وَإذا حييتُم بتَحية فَحَيُّوا بِأحْسَنَ منْهَا" (4) وفي حديث جابر زيادات كان ينبغي أن تعمدَ وكَذَا في حديث عليَ- رضي الله عنه-. أما حديث جابر: فرواه الحاكم في" المستدرك" بإسناده إلى جابر بن عبد الله: كان رسول الله يُعلمنا التشهد كما يُعلمنا السورة من القرآن:

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب التشهد (60/ 403) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: منه أيضا (290) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: نوع آخر من التشهد (2/ 242) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ماجاه في التشهد (900) . (2) في الأصل: "بتكثير ". (3) سورة النور: (61) . (4) سورة النساء: (86) .

"بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنةَ وأعوذ به من النار " ثم قال: هذا حديث صحيح على شرطهما. وقال الترمذي في " العلل ": سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو غير محفوظ وهو خطأ؛ والصحيح: ما رواه الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد، وطاوس، عن ابن عباس. وقال النووي: لا نقبل من الحاكم تصحيحه حديث جابر؛ فإن الذين ضعفوه أجلّ من الحاكم وأتقن. وأما حديث عليّ- رضي الله عنه-: فما رواه الطبراني في "الأوسط " (1) من حديث عبد الله بن عطاء، عن البهزي قال: سألت الحسن عن تشهد علي، فقال: هو تشهد النبي- عليه السلام-: " التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والراكبات، والناعمات السابغات الطاهرات لله، الحديث. وقال: لم يروه عن ابن عطاء إلا عمرو بن هاشم. 946- ص- نا محمد بن داود بن سفيان: نا يحيي بن حسان: نا سليمان بن موسى أبو داود: نا جَعْفر بن سَعْد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خُبَيْب بن سليمان، عن أبيه: سليمان بن سَمُرةَ، عن سمرةَ بن جندب: أما بعدُ، أمَرنَا رسولُ الله- عليه السلام- إذا كُنا (2) في وسَط الصلاةَ/ أو حين انقضائها " فابدءوا قبل التسليم فقولُوا: التحيات الطيباتُ [2/51- أ] والصلوَاتُ والمُلكُ لله، ثم سلموا عن النبي (3) ، ثم سلموا على قارئكُم وعلى أنفسِكُم، (4) . ش- يحيي بن حسان: بن حيان التِّنيسي، وسليمان بن موسى أبو داود:

_ (1) (2917/3) . (2) في سنن أبي داود: " كان،. (3) في سنن أبي داود: " على اليمين" (4) تفرد به أبو داود. 17. شرح سنن أبي داود 4

174- باب: الصلاة على النبي- عليه السلام- بعد التشهد

الزهري الخراساني، وخُبيب هذا بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وقد ذكرناه. وهذا الحديث: إسناده صحيح على شرط ابن حبّان. قوله: " ثم سلموا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قوله: " ثم سلّموا على قارئكم " المراد منه: الإمام، " وعلى أنفسكم " بأن تقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ص- قال أبو داودَ: سليمانُ بن مُوسى كوفيُ الأصلِ كان بدمشق. قال أبو داودَ: ودلَّت هذه الصحيفةُ على أن الحسَنَ سمِعَ من سَمُرةَ. ش- قد ذكرنا أن سليمان بن موسى أبا داود كان خراساني الأصل، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق. وقول أبي داود: "كوفي الأصل " باعتبار سكناه العام في الكوفة؛ ولكن أصله من خراسان. قوله: " ودلت هذه الصحيفة " أراد بالصحيفة: الجزء الذي (1) كان فيه هذا الحديث 000 (2) . * * * 174- بَابُ: الصَّلاة عَلى النَبِي- عليه السلامُ- بَعْد التَّشَهُّدِ أي: هذا باب في بيانَ الصلاة عدى النبي- عديه السلام- بعد الفراغ من التشهد. 947- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قلنا: يا رسولَ الله" أمَرْتَنَا أن نُصلي عَليكَ، وأن نُسلمَ عليكَ، فأما السلامُ فقد عرَفْنا، فكيفَ نُصلي؟ قال: " قُولُوا: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليتَ على إبراهيمَ، وباركْ على محمد واَلِ محمدِ كما بَاركتً علي آلِ إبراهيمَ، إنك حَميد مجيد " (3) .

_ (1) في الأصل: "ألذ ". (2) بيض له المصنف قدر سطر وثلث. (3) البخاري: كتاب الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل (3370) ،=

ش- "اللهم " يعني: يا الله؛ وقد مر البحث فيه مستوفى. ومعنى "صلَّ على محمد": عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته وفيً الآخرة: بِتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته. قوله: " واَل محمد " آل الرجل: أهله. واختلف في آله- عليه السلام-؛ فقيل: أهله: الأدنون، وعشيرته الأقربون، وقيل: الحسن والحسين، وقيل: آله: كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة. واختار الشافعي أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، والآل أصله: الأوَلُ؛ كذا في "الصحاح". وقال غيره: أصله: أهل؛ ولهذا يقال في تصغيره: أهيل، والفرق بينهما: أن الآل قد خص بالأشراف؛ فلا يُقال: آل الحائك ولا آل الحجام. فإن قيل: قيل: آل فرعون. قلت: لتصوره بصورة الأشراف. وقد ذكرتُ في شرحي "المستجمع في شرح المجمع " أن آل الرسول من جهة النسب: أولاد علي، وعباسٍ، وجعفر، وعقيلٍ، ومن جهة السبب: كل مؤمن تقي إلى يَوْم القيامة. قوله: "كما صليت على إبراهيم " هذا تَشْبيه بأداة الكاف. فإن قيل: المشبه دون المشبه به فكيف وجه هذا التشبيه؟ قلت: التشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة؛ لا القدر بالقدر، كما في قوله تعالى "كُتبَ علَيكُمُ الصيامُ كَمَا كُتِبَ عَلى الذينَ مِن قَبْلكُمْ " (1) فإن المراد: أصلَ الصيام، لا عَيْنه ووقته. ويقال: اَلتشبيه فيه الصلاة على الآل، لا على النبي، فكان قوله: "اللهم صل على محمد " منقطع عن التشبيه.

_ = مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد (406) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في صفة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (483) ، النسائي: كتاب السهر، باب: نوع آخر (3/ 5 4) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (904) . (1) سورة البقرة: (183) .

وقوله: " وعلى آل محمد " متصل بقوله: " كما صليتَ على إبراهيم واَل إبراهيم " ويقال: إنه تشبيه المجموع بالمجموع بمعنى: تشبه الصلاة على النبي وآله بالصلاة على إبراهيم وآله؛ ومُعظم الأنبياء- عليهم السلام- هم آل إبراهيم- عليه السلام- فإذا تقابلت الجملة بالجملة وتعذر أن يكون لآل الرسول ما لآل إبراهيم الذين هم الأنبياء، كان ما توفر من ذلك حاصلا للرسول- عليه السلام-، فيكون رائدا على الحاصل لإبراهيم- عليه السلام-، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كان في حقه كثر كان أفضل. ويقال: كان ذلك قبل أن [2/51 - ب] يعلم أنه أفضل من (1) / إبراهيم- عليه السلام-. فإن قيل: لم خص إبراهيم- عليه السلام- من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام- بذكرنا [إياه] في الصلاة؟ قلت: لأن النبي- عليه السلام- رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم على كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم- عليه السلام-، فأمرنا النبي - عليه السلام- أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاة على إحسانه. ويقال: إن إبراهيم- عليه السلام- لما فرغ من بناء الكعبة دعى لأمة محمد- عليه السلام- وقال: اللهم من حج هذا البيت من أمة محمد فهَبْه مني السلام، وكذلك دعى أهله وأولاده بهذه الدعوة فأمرنا بذكَرهم في الصلاة مُجازاة على حُسْن صنيعهم. فإن قيل: الله تعالى أمرنا أن نصلي على النبي- عليه السلام- بقوله: "يا أيهَا الَّذينَ آمَنُوا صلوا عَلَيْه وَسلّموا تَسْليماً" (2) ثم نحن نقول: اللهم صل عَلى محمد إلى آخره، فنسأل الله أن يُصلي عليه ولا نُصلي نحنُ عليه بأنفسنا. قلت: لأن النبي- عليه السلام- طاهر لا عيب فيه، ونحنُ فينا العيوبُ والنقائصُ، فكيف يُثْنِي مَن فيه عيب على طاهر؟ " فنسألُ الله أن يُصلي عليه لتكون الصلوات من رَب طاهر على نَبي طاهرٍ.

_ (1) مكررة في الأصل. (2) سورة الأحزاب: (56) .

قوله: " وبارك على محمد " معنى البركة: الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير والتزكية، وقيل: الثبات على الخير والكرامة؛ من قولهم: بركت الإبل أي: ثبتت على الأرض، ومنه: بركة الماء؛ لثبات الماء فيها. قوله: " إنك حميد مجيد " كلاهما صيغة المبالغة، فحمد بمعنى محمود أي: مستحق لأنواع المحامد، ومجيد بمعنى ماجد من المجْد وهو الشرف، وهذا كالتعليل للصلاة المطلوبة؛ فإن الحمد والشكر متقاربان من معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الأفضال والأعطاء لما يراد من الأمور العظام، وكذلك للمجد والشرف مناسبة لهذا المعنى ظاهرة. وقال القاضي عياض: ولم يجئ في هذه الأحاديث ذكر الرحمة على النبي- عليه السلام-، وقد وقع في بعض الأحاديث الغريبة، قال: واختلف بعض شيوخنا في جواز الدعاء للنبي- عليه السلام- بالرحمة، فذهب بعضهم - وهو اختيار ابن عبد البر- إلى أنه لا يقال، وأجازه غيره وهو مذهب محمد بن أبي زيد. وقال الشيخ محيي الدين: والمختار: أنه لا يذكر الرحمة. قلت: وكذلك اختلف أصحابنا؛ والأصح مثل ما قال ابن عبد البر، ويقال: الأصح: أن يذكر الرحمة؛ لأن كل أحد لا يستغني عن رحمة الله تعالى. ثم اختلف العلماء في جواز الصلاة على غير الأنبياء؛ فقال أصحابنا - وهو قول مالك والشافعي والأكثرين-: إنه لا يصلى على غير الأنبياء استقلاله، فلا يقال: اللهم صل على أبي بكر، أو على عمر، أو غيرهما؟ ولكن يصلي عليهم تبعا. وقال أحمد وجماعة: يصلي على كل واحد من المؤمنين مستقلا. ثم اختلفوا- أيضا- في وجوب الصلاة على النبي- عليه السلام- في التشهد الأخير، فقال أبو حنيفة، ومالك، والجماهير: إنها سُنَّة حتى لو تركها صحت صلاته. وقال الشافعي، وأحمد: واجبة، لو تركها لم

تصح الصلاة. وقال في "شرح المهذب": ونقله أصحابنا عن عمر بن الخطاب وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود، وأبي مسعود البدري، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وقال إسحاق: إن تركها عمدا لم تصح صلاته، وان تركها سهوا رجوت أن يُجزئه، وقد استوفينا الكلام فيه في "باب التشهد ". والحديث: أخرجه الجماعة. 948- ص- نا مسدد: نا يزيد بن زريع: نا شعبة بهذا الحديث قال: "صَلِّ على محمدِ وعلى آلِ محمد كما صليتَ على إبراهيمَ " (1) (2) . ش- أي: حدّث شعبة عن الَحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: " صل على محمد " إلى آخره. و949- ص- نا محمد بن العلاء: نا ابْن بشر، عن مسعر، عن الحكم بإسناده بهذا قال: " اللهم صَلِّ [على] محمد وعلى آلِ محمد كما صليتَ على إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد " (3) (4) .َ وش- ابن بشر: محمد بن بشر، ومسعر: ابن كدام، والحكم؛ ابن عُتيبة. قوله: " عن الحكم بإسناده " أي: بإسناده المذكور، وهو عن ابن [2/ 52 - أ] ، أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: " اللهم " إلى آخره/ وهذه الرواية لم تثبت في النسخ إلا من رواية ابن دَاسَةَ.

_ (1) في سنن أبي داود: "على آل إبراهيم ". (2) البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل (3370) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد (406) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في صفة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (483) ، النسائي: كتاب السهو، باب: نوع آخر (3/ 47) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (904) . (3) جاء في سنن أبي داود بعد الحديث: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". (4) انظر التخريج المتقدم.

ص- قال أبو داود: رواه الزُّبيرُ بن عدي، عن ابن أبي ليلى كما رواه مسْعر؟ إلا أنه قال: " كما صلَّيتَ على إبراهيم (1) إنك حميدٌ مجيد وبَاركْ عَلى محمد " وسَاقَ مثلَه. ش- أي: روى الحديث المذكور: الزُبير بن عدي أبو عدي الكوفي اليامي الهمداني قاضي الري. سمع: أنس بن مالك، وأبا وائل الأسدي، وأبا رزين وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، ومسعر، والثوري وغيرهم، قال أحمد: هو من أصحاب إبراهيم، ثقة ثبت. مات بالري سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له: الجماعة إلا أبا داود (2) . 950- ص- نا القعنبي، عن مالك ح ونا ابن السَرحْ: أنا ابن وهب قال: أخبرني مالك، عن عَبْد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن عَمرو بن سُليم الزُّرقي أنه قال: أخبرني أبو حُميد الساعديُّ أنهم قالوا: يا رسولَ اللهِ" كيفَ نصلِّي عليكَ؟ قال: " قُولُوا: اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ (3) ، وبَاركْ على محمد وأزواجهِ وذريتًِه كما بَاَرَكتَ على اَلِ إبراهيمَ، إنك حميد مجيد " (4) . ش- عبد اللهَ بن أبي بكر بن محمد: يروي عن: عروة، وأبيه: أبي بكر، وأهل المدينة. روى عنه: الزهري، وهو يروي عن الزهري، كنيته: أبو محمد. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وله يومَ مات سبعون سنةً (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: "على آل إبراهيم ". (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1969) . (3) في سنن أبي داود: " على آل إبراهيم ". (4) البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل (3369) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد 69- (407) ، النسائي: كتاب السهو، باب: نوع آخر (3/ 49) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (905) ، (تحفة الأشراف: 9/ 11896) . (5) نظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/ 3190) .

وأبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم: الأنصاري المدني. يَرْوي عن: عمرة بنت عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وعَمرو بن سليم. يروي عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وابنه: عبد الله. توفي بالمدينة سنة عشرين ومائة، وكان قاضيا بالمدينة ولا يعرف له اسم غير كنيته. وعن مالك: كان أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم قاضيا، وكان فقيها، وأقره عمر بن عبد العزيز على المدينة بعد أن كان قاضيا. قال مالك: ولم يكن على المدينة أمير أنصاري غير أبي بكر بن محمد. روى عنه: الليث، وأبو حميد: اسمه: منذر، وقيل: عبد الرحمن، وقد ذكرناه. قوله: "وذريته "- بتشديد الياء- أفصح، ويجوز فيه التخفيف، والذرية: اسم يجمع نَسْل الأب من ذكر وأنثى، وقيل: الذرية: نسل الثقلين. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. 951- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نُعَيم بن عبد الله المُجْمر، أن محمد بن عبد الله بن زَيْد- وعبد الله بن زيد هو الذي أري النداءَ بالصَلاة- أخبرَه عَنْ أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتَانَا رسولُ الله- عليَه السلام- في مَجلس سَعْد بن عُباده فقال له: بشيرُ بن سَعْدِ: أمَرنَا الله أن نُصليَ عليكَ يا رسولَ الله، فَكيفً نُصلي عليك؟ فسًكَتَ رسولُ الله حتى تَمنيْنَا أنه لم يَسْألهُ، ثم قال رَسُولُ الله- عليه السلام-: "قُولوا" فذكَر معنى حَد يثق كعبِ بنِ عُجرةَ، زاد في آخره: "في العالمين، إنك حميدٌ مجيدٌ " (1) . ش- أبو مسعود: عقبة بن عمرو البدري. وبشير بن سَعْد: هو والد نعمان بن بَشير. وسَعْد بن عبادة: ابن سليم بن حادثة ابن أبي حَزِيمَة- بفتح الحاء

_ (1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد (405) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب (3220) ، النسائي: كتاب السهو، باب: الأمر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (3/ 45) .

المهملة، وكسر الزاي- ابن ثعلبة الخزرجي الأنصاري سيد الخزرج، شهد العقبة وبدرا، وقيل: لم يشهد بدرا. روى عنه: قيس بن سعد (1) ، وإسحاق، وابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وغيرهم. مات سنة ست عشرة بحوران من أرض الشام، وبالمنيحة قرية بالقرب من دمشق قبر يقال: إنه قبر سَعْد بن عبادة، ويحتمل أنه حمل من حوران إليها. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: " أمرنا الله أن نُصلي عليك " معناه: أمرنا الله بقوله "صَلُّوا عَلَيْه وَسَلمُوا تَسْلِيمَا". قوله: " فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله " معناه: كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي- عليه السلام- كره سؤاله وشق عليه. قوله: " في العالمين " الإنس والجن، وقيل: الإنس/ والجن والملائكة [2/ 52 - ب] والشياطين، وقيل لكلّ وهي عالم، وقد حققنا هذا البحث مرة. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحهما " عن أبي مسعود قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي النبي- عليه السلام- فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قال: فصمت حتى أحَببنا أن الرجل لم يسأله ثم قال: "إذا أنتم إذا صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" الحديث. وقال الدارقطني: إسناده حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال البيهقي: إسناد صحيح. وقال الشيخ محيي الدين: وأصحابنا يحتجون بحديث أبي مسعود- يعني: هذا الحديث- لقوله: "قولوا " والأمر للوجوب، وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضم إليه الرواية الأخرى: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في

_ (1) في الأصل: " قيس بن سعيد " خطأ. (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 35) ، أسد الغابة (2/ 356) ، الإصابة (2/ 30) .

صلاتنا؟ فقال: قولوا " الحديث، وهذه الزيادة صحيحة رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان- بكسر الحاء- البستي، والحاكم أبو عبد الله في " صحيحيهما " قال الحاكم: هي زيادة صحيحةٌ. والجواب عن هذا: أن هذه الزيادة تفرد بها: ابن إسحاق. وقد ذكر البيهقي في " باب تحريم قتل ماله روح " أن الحُفاظ يتوقون ما ينفرد به ابن إسحاق، والعجب من البيهقي كيف يقولُ في هذه الزيادة: وإسناده صحيح، وقوله ذلك يُنافي هذا الكلام. وقد عرفت من هذا وأمثاله أنه دائرٌ مع غرضه فإن قيل: " (1) قد روى الدارقطني من حديث جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود الأنصاري: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من صلّى صلاةً لم يُصل علي فيها ولا على أهل بَيتي لم تُقبَلْ منه) . وروى ابن ماجه، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سَعْد السعدي، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لمن لا وضوءَ له، ولا وضوء لمنْ لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاةَ لمن لا يُصلي على النبيّ، ولا صلاةَ لمن لم يحب الأنصار" ورواه الحاكم في "المستدرك". وروى البيهقي، عن يحيي بن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليتَ وباركتَ وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". ورواه الحاكم في " المستدرك" وقال: إسناده صحيح. قلت: أما حديث جابر الجُعفي: فهو ضعيفٌ؛ وقال الدارقطني: جابر الجُعفي ضعيف، وقد اختلف عليه فيه؛ فوقفه تارةَ ورفعه أخْرى؛ ولئن سلمنا؛ فالمراد: نفي الكمال. وأما حديث عبد المهيمن: فضعيف - أيضا-؛ لأن الدارقطني رواه في "سننه " وقال: عبد المهيمن

_ (1) انظر: نصب الراية (1/ 426- 427) .

ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وبعضهم أخرجه عن أبي ابن عباس بن سهل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده مرفوعا بنحوه سواء؛ ولكن تكلموا في أبي بن عباس؛ منهم: الإمام أحمد، والنسائي، وابن معين، والعقيلي، والدولابي. وأما حديث يحيى بن السباق: ففيه رجل مجهول وقال القاضي عياض: فهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه النبي- عليه السلام- إياه؛ ليس فيه الصلاة على النبي- عليه السلام- وكذلك كل من روى التشهد عن النبي - عليه السلام- كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير؛ لم يذكروا فيه ذلك. وقد قال ابن عباس وجابر: " كان النبي- عليه السلام- يُعلمنا التشهد كما يُعلمنا السورة من القرآن" ونحوه عن أبي سعيد. وقال ابن عمر: كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب، وعلمه- أيضا- على المنبر عمر بن الخطاب. انتهى. وفي " المصنف ": نا هشيم: نا عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب، عن ابن عمر قال: كان رسول الله يُعلمنا التشهد في الصلاة كما يُعلم المكتب الولدان. / 952- ص- نا أحمد بن يونس: نا زهير: نا ابن إسحاق- يعني: محمد-: نا محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن عقبة بن عَمرو بهذا الخبر قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمّد النبيِّ الأمِّيِّ وعلى آلِ محمدٍ " (1) . ش- عقبة بن عمرو: هو أبو مسعود البدري. والأمي: الذي هو على صفة أمة العَرب "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وكثر العرب لا تكتب ولا تقرأ. وكونه- عليه السلام- أميا من جملة المعجزة، وقيل: منسوب إلى أم القرى، وقيل: إلى الضفة؛ وهي العادة، وأكثرهم لا يكتبون أو إلى أمه كأنه على أصل الولادة.

_ (1) انظر التخريج السابق.

- 953- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حبّان بن يَسار الكلابي قال: حدثني أبو مطرف: عُبيد الله بن طلحة بن عُبيدَ الله بن كَرِيز قال: حدثني محمد بن علي الهاشمي، عن المُجْمر، عن أبي هريرةَ، عنً النبي- عليه السلام- قال: " مَنْ سَرةُ أن يَكتَالَ بالمكْيال الأوْفَى إذا صلي عَليْنَا أهْلَ البَيْت فَليَقُلْ: اللهم صَل على محمد النبي وأزوَاجه أمهات المؤمنين وذريته وأهلَ بَيْتِه، كما صَليتَ على آلِ إبراهيَمَ، إنك حميد مجيد " (1) . ش- حبان- بكسر الحاء- بن يَسار: أبو رَوْح الكلابي. سمع: محمد بنَ واسع، وثابتا البناني، وهشام بن عروة، وأبا مطرف وغيرهم. روى عنه: موسى بن إسماعيل، وعمرو بن عاصم الكلابي، وعلي بن عثمان اللاحقي وغيرهم، وقال ابن عدي: وحديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذي ذكر عنه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا بالمتروك. روى له: أبو داود (2) . وأبو مطرف: عُبَيد الله بن طلحة بن عُبيد الله بن كَرِيز- بفتح الكاف، وكسر الراء- الخُزاعي. سمع: الحسن، والزهري، ومحمد بن علي الهاشمي. روى عنه: حبان بن يسار، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحماد بن زيد، وعمران القطان. روى له: أبو داود (3) . ومحمد بن علي الهاشمي: روى عن: نعَيْم بن عبد الله المجمر. روى عنه: عبيد الله بن طلحة. روى له: أبو داود (4) . قوله: " أن يكتال " في محل الرفع على الفاعلية؛ لأن "أن " مصدرية؛ والتقدير: من سره الاكتيال؛ والمكيال- بكسر الميم- آلة الكيْل كالمفتاح ألف الفتح، و "الأوفى": أفعل منذ الوافي بمعنى الكامل؛ والاحتيال هاهنا مجاز عن تحصيل الثواب الكثير، أوْ حقيقة، إذا قدّر الثوابُ الذي يحصل من الصلاة على النبي- عليه السلام- أجْسامًا.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1074) . (3) المصدر السابق (19/ 3645) . (4) المصدر السابق (26/ 5490) .

قوله: " أهلَ البيت " نَصْب على الاختصاص أي: مُتخصصين من بين الناس. 954-ص- نا أحمد بن حنبل: نا الوليد بن مسلم: نا الأوزاعي قال: حدثنا حَسّان بن عَطية قال: حدثني محمد بن أبي عائشة أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله- عليه السلام-: "إذا فرِغ أحدُكُم من التشهد الأخيرِ (1) فليتعوذ بالله من أرْبع: من عَنَاب جَهَنم، ومن عَذاب القبرِ، ومن فِتْنةِ المحيا والمَمَاتِ، ومن شَر المسيح الدجّاَلِ" (2) . ش- محمد بن أبي عائشة: ويقال: ابن عبد الرحمن بن أبي عائشة القرشي مولى بني أمية المدني، سكن دمشق، خرج مع بني أمية حين أخرجهم ابن الزبير. سمع: أبا هريرة، وجابر بن عبد الله. روى عنه: حسان بن عطيّة، وأبو قلابة الجرمي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) . وقد فسرنا ألفاظ هذا الحديث في "باب ما جاء من الدعاء في الصلاة". وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. وفي بعض النسخ على رأس هذا الحديث: "باب ما يقول بعد التشهد" (4) . 955- ص- نا وَهْبُ بن بقية: أنا عُمر بن يونس اليمامي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- أنه كان يقولُ بعدَ التشهدِ: "اللهم إِني أعُوذُ بك

_ (1) في سنن أبي داود: " الآخر". (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستفاد منه في الصلاة (128/558) ، النسائي: كتاب السهو، باب: نوع آخر (3/ 57) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يقال في التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (909) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5318/25) . (4) كما في سنن أبي داود.

من عَذاب جَهنمَ، وأعوذُ بك من عَذاب القبرِ، وأعوذُ بك من فتنة الدجال، وأَعوذُ بكَ من فِتنةِ المحْيا والمَمَاتِ" (1) . ش- محمد بن عبد الله بن طاوس: ابن كيْسان اليماني. سمع: أباه. روى عنه: عمر بن يونس اليمامي (2) ، ونعيم بن حماد الخزاعي. روى له: أبو داود (3) . ثم الأدعية بعد التشهد كلها مستحبة عند الجمهور إلا ما قال ابن حزم من فرضية/ التعوّذ الذي في حديث عائشة؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى. 956- ص- نا عَبْد الله بن عَمرو أبو مَعْمر: نا عبد الوارث: نا الحُسين المعلم، عن عَبْد الله بن بُريدة، عن حنظلة بن علي أن محْجن بن الأدرع حدثه قال: دَخلَ رسولُ الله المسجد، فإذا هو برجل قد قَضى صلاته وهو يَتشهدُ وبقولُ (4) : اللهمّ إنيَ أَسألُكَ يا أللهُ الأحدُ الصًمدُ، الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، ولم يكنْ له كُفُوا أحد أن تَغفر لي ذُنُوبي، إنك أنتَ الغفورُ الرحيمُ. قال: فقال: "قد غُفِرَ له، قد غُفِر لًه " ثلاثا (5) . ش- عبد الوارث: ابن سعيد. وحنظلة بن علي: ابن الأسقع السُلَمي، وقيل: الأسْلمي المديني. روى عن: أبي هريرة. روى عنه: الزهري، وعمران بن أبى أنس، عداده في أهل المدينة، ذكره ابن حبان في "الثقات ". روى له: مسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه (6) . ومِحْجن بن الأدرع: الأسْلمي، من ولد أسْلم بن أفْصَى بن حارثة، كان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النبي- عليه السلام-: "ارمُوا

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: "اليماني". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/ 5350) . (4) في سنن أبي داود: "وهو يقول". (5) النسائي: كتاب السهو، باب: الدعاء بعد الذكر (3/ 52) . (6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1563/7) .

175- باب: إخفاء التشهد

وأنا مع ابن الأدرع" سكن البصرة، وهو الذي اختط مسجدها. يُقال: إنه مات في آخر خلافة معاوية. روى له: أبو داود، والنسائي (1) . قوله: " أن تغفر لي" في محل النَصْب، و "أن" مصدرية، والتقدير: أسألك غفران ذنوبي. قوله: " ثلاثا" أي: قالها ثلاث مَرّات. والحديث: أخرجه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه" وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. * * * 175- بَابُ: إِخْفاء التَّشهُّدِ أي: هذا باب في بيان إخفاء التشهد في الصلاة. 957- ص- نا عبد الله بن سعيد الكنْدي: نا يونس- يعني: ابن بكير-، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسْود، عن أبيه، عن عبد الله قال: من السنةِ: أن يُخْفى التشهدُ (2) . ش- عبد الله: ابن مسعود. والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريبْ. وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وبهذا أخذ العلماء، أن المُصلي يخفي التشهد، ولأنه دعاء، والأصل في الدعاء الإخْفاء. * * * 176- بَابُ: الإشارة في التَّشهُّدِ أي: هذا باب في بيان الإشارة بالإصبع في التشهد في الصلاة. 958- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن مُسلم بن أبي مريم، عن علي ابن عبد الرحمن المُعاوِي قال: رآنِي عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وأنا أعْبَثُ بالحَصَى في

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 412) ، أسد الغابة (5/ 69) ، الإصابة (3/ 366) . (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أنه يخفى التشهد (291) .

الصلاة، فلما انصرفَ نَهَاني وقال: اصنع كما كان رسولُ الله- عليه السلامَ- يَصْنعُ. فقلتُ: وكَيف كان رسول الله يَصْنعُ؟ قال: إذا (1) جلسَ في الصلاة وضعَ كَفه اليُمْنىِ علىِ فَخذه اليُمْنى، وقَبَض أصابعَه كلَّها وأشارَ بإصبعِهِ التيَ تَلِي الإبهامَ، ووضع كَفة اَليسرى على فَخِذِهِ اليُسرى (2) . ش- مسلم بن أبي مريم: المدني الأنصاري مولاهم، وقيل: مولى بني سليم- واسم أبي مَرْيم: يَسَار- روى عن: أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن سرجس، وعلي بن عبد الرحمن المُعاوي (3) وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وشعبة وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح. روى له: الجماعة إلا الترمذي (4) . وعلي بن عبد الرحمن المُعاوي: من بني معاوية بن مالك بن عوف بن عَمرو بن عوف من الأوْس الأنصاري المدني. سمع: عبد الله بن عُمر، وجابر بن عبد الله. روى عنه: مسلم بن أبي مريم، والزهري، قال أبو زرعة: مديني ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (5) . قوله: " التي تلي الإبهام " هي المسبحة. وبهذا قال كثر العلماء: الإشارة بالمُسبحة مستحبة عند قول "الا الله " من الشهادة، ويشير بمُسبحته اليمنى لا غير، فلو كانت مقطوعة أو عليلةً لم يُشر بغيرها لا من أصابع اليمنى ولا من أصابع اليُسْرى. وقال في "المحيط ": ثم قيل: لا يُشير بالمسبحة عند قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله " وقد نص محمد على أنه

_ (1) في سنن أبي داود: "كان إذا". (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين 116- (580) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: موضع البصر في التشهد (236/2) و (3/ 36) . (3) في الأصل: "علي بن عبد الله المعاوي " خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 5944) . (5) المصدر السابق (21/ 4102) .

يُشير؛ فقال: حدثنا عن رسول الله أنه كان يفعل ذلك- أي: يُشيرُ-، وقال: نصْنع بصنيع رسول الله، وهذا قول أبي حنيفة وقولنا. قلت: الذي ذكر في "مُنْية المغني" من كراهة الإشارة غير صحيح. وقال في " الفتاوى": لا إشارة في الصلاة إلا عند الشهادة في التشهد، وهو حسَنٌ. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 959-ص- أنا، محمد بن عبد الرحيم البزاز: أنا عفّان: نا عبد الواحد بن زياد: نا عثمان بن حكيم: نا عامر بن عبد الله/ بن الزبير، [2/54 - أ] عن أبيه قال: كان رسولُ الله إذا قَعَدَ في الصلاةِ جَعَلَ قَدَمَه اليُسْرى تحتَ فخذه (1) وسَاقِه وفَرَشَ قَدًمَهُ اليُمنى، وَوَضَعَ يده اليُسْرى على رُكبَته اليُسرًى، ووضَعَ يدَه على فَخِذِهِ اليُمنى، وأشارَ بإصبعِهِ. وأرانَا عبدُ الواحَدَ وأَشَارَ بالسبابَةِ (2) . ش- محمد بن عبد الرحيم: ابن أبي زهير البغدادي المعروف بـ "صاعقة" العدوي أبو يحيى، مولى آل عمر بن الخطاب، فارسي الأصل، سكن بغداد. سمع: أبا أحمد (3) الزبيري، وأبا عاصم النبيل، وروح بن عبادة وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الخطيب: كان متقنا ضابطا حافظا، ولد سنة خمس وثمانين ومائة، ومات في شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وله سبعون سنة (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فخذه اليمنى". (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين (112- (579) . (3) في الأصل: "أبا حميد" خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5417) . 18. شرح سنن في داود 4

وعفان: ابن مُسلم. وفي الحديث حجة للحنفيّة. ْ قوله: " وأرانا عبد الواحد" هو عبد الواحد بن زياد. والحديث: أخرجه مُسلم. 960- ص- نا إبراهيم بن الحسن المِصيصي: نا حجاج، عن ابن جريج، عن زياد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عبد الله بن الزبير أنه ذكرَ أن النبي- عليه السلام- كانَ يُشيرُ بإصْبَعه إذا دَعَى ولا يُحركُها. قال ابن جريج: "زادَ عَمرُو بن دينارِ قال: أخبرني عًامرٌ، عن أبيه، أنه رأى النبي- عليه السلام- يَدعو كذلك ويتحامَلُ النبي- عليه السلام- بيده اليُسْرى على فَخِذهِ اليُسْرى (1) . ش- المصّيصي- بكسر الميم وتشديد الصاد- نسبة إلى مِصّيصة مدينة مشهورة علَى جانب جَيْحان. وحجاج: ابن محمد الأعور، وزياد: ابن سَعْد بن عبد الرحمن. قوله: " إذا دعى " أي: في التشهد. قوله: " ويتحامَلُ " أي: يتكئ. 961- ص- نا محمد بن بشار: نا يحيي: نا ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه بهذا الحديث قال: لا يُجاوزُ بصرُه إِشارَتَه (2) . ش- أي: الحديث المذكور "وإشارته" نَصْب على المفعولية. وفيه من السُّنَّة: الإشارة بالمُسبحة وترك الالتفات. وأخرجه النسائي- أيضا-. ص- وحديثُ حجاجِ أتمُ. ش- أي: حجاج بن محمد الأعْور الذي رواه عن ابن جريج. 962- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا عثمان- يعني: ابن

_ (1) النسائي: كتاب السهو، باب: بسط اليسرى على الركبة (3/ 37) . (2) النسائي: كتاب السهو، باب: النهي عن الإشارة بأصبعه وبأي أصبع يشير (3/ 38) .

عبد الرحمن- نا عصامُ بن قدامة من بني بَجْلَة، عن مالك بن نُمير الخزاعي، عن أبيه قال: رأيتُ النبي- عليه السلام- واضعًا ذرَاعَه اليُمنى على فَخذه اليُمنى رَافعًا إِصْبَعَه السبابةَ قَدْ حَنَاهَا شيئًا (1) . ش- عًثمان: ابن عبد الرحمن بن مسلم أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو هاشم، القرشي الهاشمي الحراني المكْتِب الطرائفي؛ وإنما لُقب بذلك لأنه كان يتتبع طرائف الحديث. روى عن: معاوية بن سلام، وعبد الرحمن بن ثابت، وعصام (2) بن قدامة وغيرهم. روى عنه: النفيلي، وقتيبة بن سعيد، وعمرو بن هشام الحراني (3) وغيرهم، قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب "الضعفاء" وقال: يُحوّل منه. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي (4) . وعصام بن قدامة: أبو محمد البَجلي، ويُقال: الجَدلي الكُوفي. روى عن: عبد الله بن عمر، ومالك بن نمير الخزاعي، وعكرمةْ مولى ابن عباس. روى عنه: علي بن مسْهر، ووكيع، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي وغيرهم، قال ابن معين: هو صالح، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا بأس به. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (5) . ومالك بن نُمير الخزاعي: ذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عن: أبيه، وله صحبة. روى عنه: عصام بن قدامة. وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم روى نُمير حديثا مسندَا غير هذا؛ وهو بضم النون: نُمير بن أبي سمير الخزاعي، ويقال: الأزدي، سكن البصرة، وكنيته: أبو مالك بابنه: مالك.

_ (1) النسائي: كتاب السهو، باب: الإشارة بالإصبع في التشهد (3/ 38) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الإشارة في التشهد (911) . (2) في الأصل: "عصامة". (3) لم يرد وعمرو بن هشام، في تهذيب الكمال فيمن روى عن عثمان. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3838) . (5) المصدر السابق (0 2/ 3926) .

177- باب: كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة

قوله: " حَنَاها"- بفتح الحاء المهملة والنون- أي: أمالها شيئًا. والحديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه. * * * 177- بَابُ: كراَهِية الاعْتمادِ على اليَدِ في الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان كراهة الاعتماد على اليد في الصلاة. 963- عر- نا أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شَبُّويَه، ومحمد ابن رافع/ ومحمد بن عبد الملك الغزال قالوا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال: نَهَى رسولُ الله- عليه السلام-. قال ابنُ حنبل: أن يَجلسَ الرجلُ في الصلاة وهو مُعتَمدَا على يَدِهِ (1) .ًَ ش- لأنه يُشبه جلوس المعذبين لما يجئ الآن. ص- وقال ابن شبويه: نهى أن يعتمد الرجل على يدهِ في الصلاةِ. ش- أي: قال أبو الحسن أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المعروفُ بابن شَبويه- أحد شيوخ أبي داود- في روايته عن عبد الرزاق: نهى رسول الله أن يعتمد، الحديث. ص- وقال ابن رافع: نَهَى أن يُصلي الرجلُ وهو معتمد على يَده. وذكره في باب الرفع من السجدةِ (2) . ش- أي: قال محمد بن رافع- أحد شيوخ أبي داود- في روايته عن عبد الرزاق: نهى رسول الله أن يصلي، الحديث. عر- وقال ابنُ عبدِ الملكِ: نَهَى أن يَعتمدَ الرجلُ على يَديه إذا نَهَضَ في الصلاة. ش- أي: قال محمد بن عبد الملك بن زنجويه البَغدادي الغزال- شيخ أبي داود، وهو شيخ النسائي- أيضا- في روايته عن عبد الرزاق: نهى

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في سنن أبي داود: "السجود".

أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. والمقصود: أن هذه أربع روايات رواها أبو داود عن أربعة مشايخ، كلها تدل على كراهة الاعتماد على اليدين في الصلاة؛ والرواية الرابعة حجة صريحة لأبي حنيفة أن المصلي إذا فرغ من السجدة الثانية يستوي قائمًا على صدور قدمَيْه، ولا يَعْتمدُ بيدَيْه على الأرض. وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة، ثم ينهض معتمدا على الأرض؛ والحديث حجة عليه، وقد استوفينا الكلام فيه مرة. 964- ص- نا بثر بن هلال: نا عبد الوارث، عن إسماعيل بن أمية قال: سألت نافعا عن الرجلِ يُصلي وهو مُشبكٌ يده قال: قال ابنُ عمرَ. تلك صلاةُ المغضوبِ عليهم (1) . ش- بشْر بن هلال: أبو محمد الصواف البغدادي، وقيل: البصري. سمع: جعفر بن سليمان، وعلي بن مسهر، وعبد الوارث بن سعيد. روى عنه: الجماعة إلا البخاري، قال أبو حاتم: محله الصدق. وروى أبو بكر بن أبي شيبة (2) : نا وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن عمه، عن مولى لأبي سعيد الخدري: أنه كان مع أبي سعيد الخدري، وهو مع رسول الله جالس، قال: فدخل النبي - عليه السلام- المسجد فرأى رجلاً جالسًا وسط المسجد، مُشبكا أصابعه يُحدث نفسه، قال: فأومأ إليه النبي- عليه السلام- فلم يَفطِنْ، فالتفت إلى أبي سعيد الخدري فقال: " إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة مادام في المسجد حتى يخرج منه". ونا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش قال: كانوا ينهون عن تشبيك الأصابع- يعني: في الصلاة-. ومنهم من رخص في ذلك؛ لما روى أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظره وما بعده في: المصنف (2/ 75- 76) .

178- باب: في تخفيف القعود

أبو داود (1) الطيالسي، عن خليفة بن غالب: نا نافع قال: رأيت ابن عمر يُشبكُ بين أصابعه في الصلاة. ونا هشيم: أنا أصحابنا، عن الحسن أنه كان يشبك بين أصابعه في المسجد. نا عفان: نا وهيب، عن إسماعيل بن أمية قال: رأيت سالم بن عبد الله يُشبّك بَيْن أصابعه في الصلاة. 965- ص- نا هارون بن زَيْد بن أي الزرقاء: نا أبي حِ ونا محمد بن سَلمة: نا ابن وهب- وهذا لفظه- جميعاً، عن هشام بن سعْد، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ أنه رأى رجلاً يَتكِئُ على يَدهِ اليُسْرى وهو قَاعد في الصلاة- وقال هارونُ بنُ زيد: ساقطا على شقه الأَيسرِ- ثم اتفقا فقال له: لا تَجلِس هكذا؛ فإن هكذا يَجًلسُ الذين يُعذبونَ (2) . ش- هارون بن زَيد بن يزيد بن أبي الزرقاء: الموصلي، وأبوه: زيد ابن يزيد بن أبي الزرقاء الموصلي. قوله: " جميعاً " حال من يزيد والد هارون، وعبد الله بن وهب أي: مجتمعَيْن، عن هشام بن سَعْد. قوله: "ثم اتفقا" يعني: هارون ومحمد بن سلمة كلاهما شيخ أبي داود. وهذا الحديث: إنما ثبت في النسخ من رواية أحمد بن سعيد، عن ابن الأعرابي، عن أبي داود. * * * 178- باب: في تخفيف القُعُود أي: هذا باب في بيان تخفيف القعود فيَ الصلاة. 966- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم/، عن أبى عُبَيْدة، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- كان في الركعتين الأولَيينِ كأنه على الرضفِ، قال: قلنا: حتى يَقومَ؟ قال: حتى يقومَ (3) .

_ (1) في الأصل: "أبو بكر" خطأ. (2) تفرد به أبو داود. (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأولين (366) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: التخفيف قي التشهد الأول (2/ 243) .

179- باب: في السلام

ش- سَعْد بن إبراهيم: ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي. وأبو عُبيدة: اسمه: عامرٌ، ويُقال: اسمُه كُنيته؛ وهو ابن عبد الله ابن مسعود. سمع: أبا موسى الأشعري، وكثر الرواية عن أبيه، ولم يَسمع منه. كذا في " الكمال" وكذا قال الترمذي، وقال عمرو بن مرة: سألت أبا عُبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: ما أذكر شيئًا. وقد احتج به البخاري، ومسلم بحديثه في " صحيحهما ". وروى عنه: عمرو بن مرة، وأبو إسحاق السبيعي، وسعد بن إبراهيم، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وغيرهم. روى له الجماعة (1) . قوله: " كأنه على الرضف "- بفتح الراء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وبعدها فاء- الحجارة المُحماة؛ واحدها: رَضْفةٌ، ومن أمثالهم: خذ من الرضفة ما عليها. والحديث: رواه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن؛ إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والعمل على هذا عند أهل العلم، يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأولين، ولا يزيد على التشهد شيئا، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو، وهكذا روي عن الشعبي وغيره. قلت: وهو مذهب أصحابنا- أيضا-. وقال صاحب " المحيط ": ولا يزيد على هذا- أي: التحيات في القعدة الأولى. وقال الشافعي: يزيدُ عليه: اللهم صل على محمد.. قلت: الحديث حجة عليه. * * * 179- بَاب: في السَّلام أي: هذا باب في بيان أحكام السلام في آخر الصلاة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/ 3051) .

967- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان ح ونا أحمد بن يونس: نا زائدة ح ونا مسدد: نا أبو الأحوص ح ونا محمد بن عُبيد المحاربي، وزياد ابن أيوب قالا: نا عمر بن عُبيد الطنافسي ح ونا تميم بن المنتصر: أنا إسحاقُ - يعني: ابن يوسف-، عن شريك ح ونا أحمد بن مَنيع: ْ نا حُسين بن محمد: نا إسرائيل- كلهم-، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله- وقال إسرائيل: عن أبي الأحْوص، والأسود، عن عبد الله- أن النبيَّ- عليه السلام- كان يُسلمُ عن يمينه وعن شمَاله حتى يُرَى بياضُ خَدهِ: " السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ، السلامُ عليكم ورحَمةُ الله " (1) . ش- سفيان: الثوري، وزائدة: ابن قدامة الكوفي، وأبو الأحوص: سلام بن سليم الحنفي الكوفي. وعمر بن عُبيد: ابن أبي أمية الطنافسي الحنفي الكوفي، أخو يَعلى ومحمد وإبراهيم. روى عن: أبي إسحاق السَبيعي، وسماك بن حرب، ومنصور بن المعتمر وغيرهم. روى عنه: أخوه: يعلىَ، وأحمد بن حنبل، وقال: هو شيخ كثير الحديث، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: محله الصدق. مات سنة خمس وثمانين ومائة. روى له الجماعة (2) . وإسحاق: ابن يوسف الأزرق، وشريك: ابن عبد الله النخعي. وأحمد بن منيع: ابن عبد الرحمن المروروذي أبو جعفر سكن: بغداد. سمع: هُشيم بن بَشِير، وابن عُيينة، وابن المبارك، وحسين بن محمد وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة. مات سنة أربع وأربعين ومائتين (3) .

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التسليم في الصلاة (295) ، النسائي: كتاب السهو، باب: كيف السلام على الشمال (63/3) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: التسليم (914) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 2/ 4282) . (3) المصدر السابق (1/ 114) .

وحُسن بن محمد: ابن بهرام المروذي، أبو أحمد التميمي المُعلم، سكن بغداد. سمع: إسرائيل بن يُونس، ويزيد بن عطاء، وجرير بن حازم وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع وغيرهم، وقال ابن سَعْد: كان ثقةً. مات سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة (1) . وأبو إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي، وأبو الأحْوص: عوف بن مالك، والأسود: ابن يزيد النوعي، وعبد الله: ابن مسعود. قوله: " كلهم " أي: روى كل هؤلاء المذكورون عن أبي إسحاق السبيعي. وبالحديث استدل أصحابنا: أن السنة للمُصلي: أن يُسلِّم تسليمتين. وبه قال الشافعي وإسحاق، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، وعمار، وابن مسعود، ونافع بن عبد الحارث، وعلقمة، وأبي (2) عبد الرحمن السلمي، وعطاء، والشعبي، والثوري، وقال ابن المنذر: وبه أقول. وقال مالك: تسليمة واحدة؛ وهو قول عائشة، وابن سيرين، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي. وقال/ ابن بطال: إنما [2/55 - ب] حدثت التسليمتان زمن بني هاشم. وقال الطبري: هو مخير في الخروج بسلام أو غيره. وفي " المغنى " لابن قدامة: التسليم واجب لا يقوم غيرُه مَقامه، والواجبُ: تسليمة واحدة، والثانية: لسُنَة. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وعند الطحاوي، عن الحسن بن حر: هما واجبتان؛ وهي رواية عن أحمد، وبها قال بعض أصحاب مالك. وعند الشافعي: السلام فرض. وكذا عن أحمد. وقال النووي: لو أخل بحرف من حروف " السلامِ عليكم " لم تصح صلاته. وعن أبي حنيفة: إنها واجبة، وقيل: سُنةٌ. وقال صاحبه "الهداية": ثم إصابة لفظ السلام واجبة عندنا؛ وليست بفرض خلافا للشافعي. وقد ذكرنا الاحتجاج من الطرفين غير مرّة.

_ (1) المصدر السابق (6/ 1333) . (2) في الأصل: "وأبو ".

والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- عليه السلام- ومَن بعدهم من التابعين، وهو قول: سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. ورواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: لم أنْس تسليم رسول الله عن يمينه وعن شماله: " السلام عليكم ورحمة الله، وكأني أنظر إلى بياض خدّيه- عليه السلام-. ص- قال أبو داود: هذا لفظُ حديث سفيان، وحديثُ شريكٍ (1) لم يُفسره. ش- أي: المذكور من الحديث: لفظ سفيان الثوري، وحديث شريك النخعي لم يفسر السلام كيف هو؟. ص- قال أبو داود: رواه زهير، عن أبي إسحاق، ويحيى بن آدمَ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بنِ الأسود، عن أبيه، وعلقمة عن عبدِ اللهِ. ش- أي: روى هذا الحديث: زُهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السَّبِيعي. ورواه يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق. ص- قال أبو داودَ: شعبةُ كان يُنكرُ هذا الحديثَ: حديثَ أبي إسحاق (2) . ش- شعبةُ بن الحجاج كان يُنكرُ أن يكون حديث أبي إسحاق السباعي مَنْ في ما. قوله: " حديث أبي إسحاق " منصوب على أنه بدل من قولهم هذا الحديث ".

_ (1) كذا، وفي سنن أبي داود:" إسرائيل ". (2) في سنن أبي داود: " حديث أبي إسحاق أن يكون مرفوعا"،.

968- ص- نا عَبْدة بن عبد الله: نا يحيى بن اَدم: نا موسى بن قيس الحَضْرمي، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: صَليتُ مع النبي- عليه السلام- فكان يُسلّم عن يمينه: " السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه " وعن شِمَالهِ: " السلامُ عليكم ورحَمَة الله " (1) . ش- موسى بن قيس الحَضرمي: الصغير (2) الكوفي. روى عن: سلمة بن كهيل، ومُسلم بن البطن، وعطية بن سَعْد العَوْفي. روى عنه: وكيع، ويحي بن آدم، وقبيصة وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود (3) . وعلقمة بن وائل: ابن حُجر الحضرمي الكوفي. روى عن: أبيه، والمغيرة بن شعبة، وطارق بن سويد. روى عنه: سماك بن حرب، وعبد الملك بن عمير، وجامع بن مطر وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . وهذا- أيضا- حجة للجمهور. وروى أحمد في " مسنده " والطبراني في "معجمه" عن ملازم بن عمرو: حدثني هوذة بن قيس بن طلق، عن أبيه، عن جده: كان رسول الله يُسلّم عن يمينه وعن يَسارِه حتى يُرى بياضُ خده الأيمن وبياض خده الأيسر. 669- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا يحيى بن زكرياء، ووكيع، عن مسْعر، عن عُبيد الله ابن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: كُنَّا إذا صلينا خلفَ رسول الله يُسلّم (5ْ) أحدنا- أشارَ بيده من عن يمينه ومن عن يَساره- فلما صلي قائل:" ما بالُ أحَدِكُم يَرْمى بيدِه كَأنها أذناب خَيلِ شُمْسِ؟ َ إَنما

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) قال محقق تهذيب الكمال (134/29) : "جاء في حاشية نسخة المؤلف التي بخطه من تعقباته على صاحب الكمال " قوله: " كان فيه الصغير وهو وهم، والصواب الفراء ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6293/29) . (4) المصدر السابق (20/ 4020) . (5) في سنن أبي داود: "فسلم ".

يَكْفي (1) أو أَلا يكْفِي أَحدَكُم أن يقولَ هكذا "- وأشارَ بإصبعه- "السَلام (2) على أخيه من عن يميِنه، ومن عن شِمَالِهِ " (3) . ش- عُبيد الله ابن القبطية: روى عن: جابر بن سمرة، وأم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. روى عنه: عبد العزيز بن رفيع، ومسْعر ابن كدام، وفرات القزاز. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (4) . قوله: " من عن يمينه " كلمة "عن " هاهنا اسم لدخول حرف الجر عليه، وهو بمعنى جانب. [2/56 - أ] / قوله: " شُمْس "- بضم الشن المعجمة، وسكون الميم، وبعدها سين مهملة- جمعًُ: شَمْساءَ؛ والذكر: أشمس، والشموسُ يُطلقَ على الذكر والأنثى، ولا تقُلْ " شموص" وهو الذي لا يَستقرّ لشغبه وحدته، وهو من الناس العَسِرُ، الصَّعْب الخُلُق. قوله: " أولا يكفي " الهمزة فيه للاستفهام. قوله: " السلام على أخيه " المراد بالأخ: الجنْس أي: إخوانه الحاضرين عن اليمين والشمال. وفَيه الأمر بالسكون في الصلاة والخشوع فيها، والسلام على الحاضرين من الجانبَيْن. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 970- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا أبو نعيمِ، عن مسْعر لإسناده ومعناه، قال:" أمَا يكْفِي أحدَكُم أو أحدهم أن يضَعَ يده على فَخذه، ثم يُسلمُ على أخِيه من عن يمِينهِ ومن عن شِمَالِهِ؟ " (5) .

_ (1) في سنن أبي داود: "يكفي أحدكم". (2) في سنن أبي داود: "يسلم". (3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام. . . (431) ، النسائي: كتاب السهو، باب: موضع اليدين عند السلام (3/ 61) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 1/ 3675) . (5) انظر التخريج المتقدم.

180- باب: الرد على الإمام

ش- أبو نعيم: الفضل بن دكين. قوله: " بإسناده " أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه. 971- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير: نا الأعمش، عن المُسّيب بن رافع، عن تميم الطائي، عن جابر بن سمرة قال: دخلَ علينا رسولُ الله- عليه السلام- وهم أو الناس (1) رافِعُوا أيديهم- قال زهير: أرَاهُ قال "َ في الصلاة- فقال: "مَالي أراكُم رَافِعِيَ أيلِيكُم كأنها أَذنَابُ خَيلِ شُمْس، اسكُنوا فِي اَلصلاةِ" (2) . ش- تميم: ابن طرفة الطائى. قوله: " أو الناسُ " شك من الراوي. قوله: "قال زهير" أي: زهير بن معاوية "أراه" أي: أظنه قال: رافعوا أيديهم في الصلاة. وقد استدل بهذا الحديث أصحابنا في ترك رفع اليَدين في الصلاة عند غير تكبيرة الافتتاح، واعترض البخاري على وجه استدلالهم، وقد ذكرناه مستوفًى في "باب رفع اليدين". والحديث: أخرجه مسلم. * * * 180- بَابُ: الرد على الإِمام أي: هذا باب في بيان حكم الرد على الإمام. 972- ص- نا محمد بن عثمان أبو الجَماهر: نا سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: أمرنا رسولُ اللهِ أن نَرد على الأِمَام، وأن نَتحاب، وأن يُسلمَ بَعْضُنا عَلى بَعضِ (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: "والناس". (2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام وإتمام الصفوف الأول.. (430) . (3) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: رد السلام على الإمام (921) .

ش- سَعِيد بن بَشير- بفتح الباء- أبو عبد الرحمن النضري مولاهم البَصْري، نزل الشامَ؛ روى عن: أبي الزبير المكي، وقتادة، وعبد الملك ابن أبجر وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، ووكيع، والوليد بن مسلم وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: محله الصدق عندنا، قلت: يحتج بحديثه؟ قالا: يحتج بحديث ابن أبي عروبة والدستوائي، هذا شيخ يكتبُ حديثه، وسمعت أبي يُنكر على مَنْ أدخله في كتاب "الضعفاء" قال: يحول منه. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله: "أن نَرُد على الإمام" أراد به: أن يفتح على إمامه إذا استفتح في الصلاة. وعن هذا قال أصحابنا: إذا فتح المصلي على غير إمامه فسدت صلاته بخلاف إمامه قوله:" وأن نتحابَّ " من التَحابب؟ وهو أن يُحب بعضهم بعضًا. والحديث: أخرجه ابن ماجه. 973- ص- نا (2) أحمد بن عبدة: أنا سفيان، عن عَمرو، عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس قال: كان يُعْلَمُ انقضاءُ صَلاةِ رسولِ اللهِ بالتكبِيرِ (3) . ش- أحمد بن عَبْدة: ابن موسى أبو عبد الله الضبي البصري. سمع: سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وأبا عوانة وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: ثقة، وقال النسائي: صدوق لا بأس به. مات سنة خمس وأربعين ومائتين (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/ 2243) . (2) في سنن أبي داود: "باب التكبير بعد الصلاة". (3) البخاري: كتاب الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة (842) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة (583) ، النسائي: كتاب السهو، باب: التكبير بعد تسليم الإمام (3/ 67) . (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/ 75) .

وعَمرو: ابن دينار. وأبو معبد: نافذ- بالنون والفاء والذال المعجمة وقيل: بالمهملة- القرشي الهاشمي الحجازي مولى عبد الله بن عباس. سمع: عبد الله بن عباس. روي عنه: عمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي، والقاسم بن أبي بزة، قال أحمد وأبو زمعة: ثقة. مات بالمدينة سنة أربع ومائة. روي له الجماعة (1) . قوله: " يعلم" على صيغة المجهول. وبهذا استدل بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقيب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين: ابن حزم الظاهر". وقال ابن بلال: أصحاب المذاهب المتنوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب/ رفع الصوت بالتكبير والذكر [2/56- ب] حاشا ابن حزم. وحَمل الشافعي هذا الحديث على أنه جهر ليُعلمهم صفة الذكر؛ لا ابنه كان دائما، قال: وأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة ويُخفيان ذلك، إلا أن يقصدا التعليم فيُعلما ثم يُسِرا. وقال الطبري: فيه البيانُ على صحة فعل مَنْ كان يَفعْلُ ذلك من الأمراء والولاة، يكبر بعد صلاته ويكبر من خلفه، وقال غيره: لم أجد أحدا من الفقهاء قال بهذا إلا ابن حبيب في "الواضحة": كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء. وروي ابن القاسم، عن مالك: إنه مُحدث. وعن عَبيدة: هو بدْعة. وقال ابن بلال: وقول ابن عباس هذا فيه دلالة أنه لمَ يكن يُفعلُ حين حدث به لأنه لو كان يفعل لم يكن لقوله معنى، فكان التكبير بأثر الصلوات لم يواظب الرسول عليه طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم فتركوه خشية أن يظن أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من كرهه من الفقهاء، وفيه دلالة أن ابن عباس كان يُصلي في أخريات الصفوف لكونه صغيرًا. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

_ (1) المصدر السابق (29/ 6358) .

974- ص- نا يحيي بن موسى البلخي: نا عبدُ الرزاق: أخبرني ابن جريج: أنا عمرو بن دينار أن أبا معبد مولِى ابن عباس أخبره أن ابن عَباس أخبره، أن رَفعَ الصوت للذكْر حينَ ينصرِفُ [الناس] ، من المكتُوبة كانَ ذلك على عَهد رسولِ الله، وأنَ ابن عباس قال: كنتُ أعلمُْ إذا انصَرَفُوا بذاكَ وأسمَعُه؟ (1) . ش- يحيي بن موسى: ابن عبد ربه بن سالم أبو زكرياء السختياني الحداني البلخي كوفي الأصل. سمع: ابن عيينة، ووكيعَا، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق بن همام وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال الدارقطني: كان من الثقات. مات سنة ست وأربعين ومائتين (2) . قوله:" كنت أعلمُ إذا انصرفوا " ظاهره: أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره. والحديث: أخرجه البخاري، ومُسلم. 975- ص- نا (3) أحمد بن حنبل قال: حدثني محمد بن يُوسف الفِرْيابي: نا الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" حذف السلام سُنة" (4) . ش- قرة بن عبد الرحمن: ابن حيويل بن ناشرة بن عبد بن عامر بن الحارث أبو محمد، ويُقال: أبو حيويل المعافري المصري، أصله مدني سكن مصر. روى عن: الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، وحيوة بن شريح، وابن وهب، والليث بن سعد وغيرهم، قال أحمد: منكر الحديث جدا،

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة (841) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة (583) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 0 693) . (3) في سنن أبي داود: "باب حذف التسليم". (4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن حذف السلام سُنة (297) .

181- باب: إذا أحدث في صلاته يستقبل

وقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ذكره مسلم في حديثه مقرونا بغيره غير محتج به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله:" حذت السلام "- بالحاء المهملة والذال المعجمة- قيل: الإسراع به، وقيل: أن لا يكون فيه " ورحمة الله"- يعني: في الصلاة- ورواه الترمذي، وقال: قال علي بن حُجر: قال عبد الله بن المبارك: يعني أن لا يمده مدا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي يستحسنه أهل العلم. ورُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: التكبير جزم، والسلام جزم. انتهى. قلت: جزم بالجيم والزاي. وروي " جذم " بالذال المعجمة، ومَعناه: سريع، والجذم في اللسان: السرعة، إذا أقمت فاجذم، أي: أسرِعْ. * * * 181- بَابٌ: إذا أحْدَث في صَلاِته يستقبل أي: هذا باب في بيان ما إذا أحدث المصلي في صلاته يَسْتقبل صلاته. 976- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: ونا جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مُسْلم بن سلام، عن علي بن طَلق قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " إذا فَسَى أحدُكُم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعِد صلاتَه " (2) . ش- به استدل الشافعي ومالك/ وأحمد أن الرجل إذا سبقه الحدث في [2/57 - أ] الصلاة استقبل صلاته. وقال أصحابنا: انصرف فإن كان إمَامًا استخلف وتوضأ وبنى، وقد تقدم الحديث بعينه في كتاب الطهارة، وذِكرُ

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 1 487) . (2) الترمذي: كتاب الرضاع، باب: ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن (1164) ، وتقدم برقم (192) . 19. شرح سنن أبي داوود 4

182- باب: في الرجل الذي يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة

الاحتجاج من الطرفين وقال ابن قطان في كتابه: هذا حديث لا يصح؛ فإن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك مجهول الحال. * * * 182- بَاب: في الرجل الذي يتطوَعُ فِي مَكانِهِ الذِي صَلى فيه المكتوبة أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفرض. 977- ص- نا مسدد: نا حماد، وعبد الوارث، عن ليث، عن الحجاج ابن عُبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيعجزُ أحدُكم". قال: عن عبد الوارث:" أن يَتقدم أو يتأخرَ أو عَن يمينه أو عن شماله"- زاد حماد (1) :" في الصلاةِ "- يعني: في السبْحة (2) . ش- حماد: ابن زيد، وعبد الوارث: ابن سعيد. والحجاج بن عُبيد: روى عن: إبراهيم بن إسماعيل. روى عنه: ليث بن أبي سليم، قال أبو حاتم: مجهول. روى له: أبو داود (3) . وإبراهيم بن إسماعيل: روى عن: أبي هريرة. روى عنه: الحجاج ابن عبيد. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) .

_ (1) في سنن أبي داود: "زاد في حديث حماد" (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة (1427) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ْ 1122) . (4) المصدر السابق (2/ 152) .

قوله: (قال: عن عبد الوارث) أي قال مسدد: عن عَبد الوارث بن سعيد:" أيعجز أحدكم أن يتقدم " الحديث. قوله: "زاد حماد" أي: قال مسدد: راد حماد في روايته: "في الصلاة" يعني في السبحة أي: التطوع. وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن الرجل لا يتطوع في مكان الفرض، وإليه ذهب ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وأبو سعيد، وعطاء، وعامر الشعبي. وقال صاحب "المحيط": ولا يتطوعُ في مكان الفرض؛ لقوله- عليه السلام-: "اعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر بسُبحته " ولأنه ربما يشتبه حاله على الداخل فيحسبُ أنه في الفرض فيقتدي به في الفرض وأنه لا يجوز. والحديث: أخرجه ابن ماجه؛ ولكنه معلول بإبراهيم بن إسماعيل. 978- ص- نا عبد الوهاب بن نَجدة: نا أشعثُ بن شعبة، عن المنهال ابن خليفة، عن الأزْرق بن قيس قال: صلى بنا إمام لنا يُكنَى أبا رِمْثَة فقال: صليتُ هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي- عليه السلام- قال: وكان أبو بكر وعمر يَقومان في الصَف المقدم عن يمينه وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة فصلى النبي- عليه السلامُ- ثم سلم عن يمينه وعَن يساره حتى رأينا بياض خَديه ثم انفتل كانفتال أبي رمثة- يعني: نفسه- فقامَ الرجلُ الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفعُ فَوثَب إليه عمرُ فأخذ بمنكبه فهَزة ثم قال: اجلس؛ فإنه لم يَهلك أهلُ الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفعَ النبي- عليه السلام- بصره فقال: " أصابَ الله بك يا ابنَ الخطاب " (1) (2) . ش- أشعَثُ بن شُعبة: المِصيصي، عن أرطأة بن المنذر وغيره، وعنه:

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) جاء في سنن أبي داود بعد الحديث: "وقد قيل أبو أمية مكان أبي رِمثة".

عبد الوهاب بن نجدة، قال أبو زرعة: لين، وقال الأزدي: ضعيف. روى له: أبو داود (1) . والمنهال بن خليفة: أبو قدامة العجلي، روى عن: الحجاج بن أرطأة، وسِماك بن حَرْب، وعلي بن زيد بن جدعان، روى عنه: أبو معاوية الضرير، وأبو أحمد الزبيري، وعبيد بن هشام وغيرهم، قال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري: فيه نظر. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . والأزرق بن قيس: الحارثي، روى عن: ابن عمر، وأنس بن مالك، وعسعس بن سلامة وغيرهم، روى عنه: سليمان التيمي، والحمادان، روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي (3) . وأبو رِمْثة- بكسر الراء وسكون الميم، وبعدها ثاء مثلثة، وتاء تأنيث- اسمُه: رفاعة بن يثربي، وقيل غير ذلك، التيمي تيم الرباب وقيل: التميمي الكوفي. وفي "الكمال": ويقال: حبيب بن حيان، روى عنه: إياد بن لقيط، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) . قوله: "ثم انفتَل " أي: انصرف من الصلاة. قوله: "يَعْني نفسَه " يعني: أرادَ بقوله كانفتال أبِي رِمْثة نفسَه، وكان القياس أن يقول: كانفتالي. قوله: " يَشفع " أي: يَضم إلى صلاته التي صلاها مع النبي- عليه [2/57 - ب] السلام- صلاةً أخرى/ من غير أن يفصل بينهما بمكانِ، فدل هذا أن الصلاة النافلة في المكان الذي صلى فيه الفرض يكره، فينبغي إذا فرغ من المكتوبة [أن] يتأخر عن موضعه أو يتقدم لأجل صلاة النفل. وقال

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 525) . (2) المصدر السابق (28/ 9 0 62) . (3) المصدر السابق (2/ 2 30) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/ 70) ، أسد الغابة (6/ 111) ، الإصابة (4/ 70) :

183- باب: السهو في السجدتين

أبو بكر بن أبي شيبة (1) : حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن عامر قال (2) : لا يتطوع حتى ينهض (3) خطوةَ أو خُطوتين. وقد رخص ذلك بعضهم. قال أبو بكر: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي بحر، عن شيخ قال: سئل ابن مسعود عن الرجل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة؟ قال: لا بأس به. حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سُبحته مكانه. * * * 183- بَابُ: السهْوِ في السَجْدَتَيْن أي: هذا باب في بيان حكم السهو في السَّجْدتين؛ والمراد من السجدتين: الركعتان، يطلق على كل ركعة سجدة بطريق إطلاق اسم الجزء على الكل، لأن السجدة بعْض الركعة. وفي بعض النسخ: "جماع أبواب السهو في الصلاة، باب في سَجْدتي السهو" والصحيح: هو الأول. 979- ص- نا محمد بن عُبَيد: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلي بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العَصْر، قال فصلى بنا ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خَشبة في مُقدم المَسْجد فوضع يدَه (4) عليها إحداهما على الأخْرى يُعرفُ فًي وَجهه الغضبُ ثم خرج سَرَعَانُ الناس وهم يَقولون: قصرت الصلاة قصرت الصلاةُ، وفي الناس أبو بكر، وعمر فهاباه أن يُكلماه، فقامَ رجلٌ كان رسولُ الله يُسميه ذا اليدين فقال: يا رسولَ اللهم أنَسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاةُ؟

_ (1) المصنف (2/ 208) . (2) في الأصل: "قالا". (3) في الأصل "ينهد" وما أثبتناه من المصنف. (4) في سنن أبي داود: "يديه عليهما ".

قال: " لم أنْسَ ولم تَقْصُر الصلاة " قال: بل نسيتَ يا رسولَ الله، فأقبل رسولُ الله على القَوْم فقال: أصَدَقَ ذو اليَديْن فأَوْمئوا أي: نَعمْ، فرجَع رسولُ اللهَ إلى مَقامِه يصلي الركعتَيْن الباقيتَيْن ثم سلّم ثم كبر وسجَد مثل سجوده أو أطول ثم رفَع وكبَّر ثم كبَّر وسجدَ مثل سجُوده أو أطول ثم رفع وكبَّر. قال: فقيل لمحمد: سَلّم في السهْو؟ فقال: لم أحفَظْ (1) من أبي هُريرة؛ لكنْ نبئتُ أنٌّ عمران بن حُصين قال: ثم سلم (2) . ش- محمد بن عبيد: الغُبْري البصري، وأيوب: السختياني، ومحمد: ابن سيرين. هذا الحديث من معظم الأحاديث التي تكلمت فيها مُعظم العلماء من كل فنيّ، والكلام فيه من وجوه؛ الأول: فيما يتعلّق بنظمه من وجوه الكلام؛ فقوله: " الظهر أو العَصْر" شكّ من ابن سيرين؛ والدليل عليه: ما جاء في رواية البخاري: " صلى بنا رسول الله إحدى صلاتي العشيّ، قال ابن سيرين: سمّاها أبو هريرة؛ ولكن نسِيتُ أنا. قال: فصلى بنا ركعتين: ثم سلم فقام إلى خشبة مَعْروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على"اليُسْرى، وشبك بين أصابعه، الحديث. وفي رواية أيوب، عن محمد: كبر ظني أنها الظهر، وكذا ذكره البخاري في " الأدب"، وفي " الموطأ": "العَصْر" وأطلق على الظهر أو العَصْر صلاة العَشي؛ لأن العشِي يُطلق على ما بعد الزوال إلى

_ (1) في سنن أبي داود: "أحفظه". (2) البخاري: كتاب السهو، باب: إذا سلم في ركعتين أو ثلاث سجد سجدتين (1227) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له (573) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر (399) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ما يفعل من سلم من سنتين أو ثلاثة ساهيا (27/3) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: فيمن سلم من سنتين أو ثلاث ساهيا (1214) .

المغرب، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح، وفي "الصحاح ": العَشي والعشِية: من صلاة المغرب إلى العتمة. قلت: الذي قال الجوهري هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يُطلقُ على ما ذكرنا. قوله: " مقدم المَسْجد " بتشديد الدال المفتوحة. قوله: " إحداهما على الأخرى " قد فسره في تلك الرواية بقوله: "وشبك بَيْن أصابعه ". قوله: " ثم خرج سَرَعَانُ الناسِ "- بفتح السين والراء والعين المهملات- أي: أخفاءهم والمستعجلون منهم وأوائلُهم، ويلزم الإعراب نونَه في كل وجه، هذا الوجه هو الصواب الذي ماله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: السَّرعَان- بفتح السين والراء- أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسُرعة، ويجوز تسكين لراء. قلتُ: وكذا نقل القاضي عن بعضهم قال: وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء، ووجهه؛ أنة جمع سريع كقَفيز وقُفْزان وكَثيب وكُثبان، ومن قال: سِرعان- بكسر السين- فهو خطأَ، وقيل: يُقَال- أيضا- سِرْعان بكسر السين وسكون الراء؛ وهو جمع سريع، كرعيل ورِعْلان- وأما قولهم: "سرْعانَ/ ما فعلت" ففيه ثلاث [2/58 - أ] لغاتِ: الضم والكسر والفتح مع إسكان الراء، والنون مفتوحة أبداً. قوله: " وهم يقولون " جملة اسمية وقعت خالا من "سرعان الناس". قوله: " قُصرت الصلاةُ" بضم القاف وكسر الصاد، وروي بفتح القاف وضم الصاد؛ وكلاهما صحيح؛ لكن الأول أشهر وأصح. قوله: " فقام رجل كان رسول الله يُسَميه ذا اليمين " وفي رواية: "فقام ذو اليدين" وفي رواية: "رجل من بني سليم، وفي رواية-: "رجل يُقالُ له: الخِرباقُ وكان في يده طول" وفي رواية: "رجل بَسيط اليدين"،

هذا كله رجل واحد اسمه: الخِرباق بن عَمرو- بكسر الخاء المعجمة، وبالباء الموحدة، وآخره قاف-، ولقبه: ذو اليدين؛ لطول كان في يده، وهو معنى قوله: " بَسيط اليدين". وفي " مصنف ابن أبي شيبة"، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى يوماً فسلّم من ركعتَيْن، فأدركه ذو الشمالين فقال: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وروى- أيضا- بإسناده إلى عكرمة: صلى النبي بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء، قال: " وماً ذاك؟ " قال: لم تصل إلا ثلاثاً، فقال: أكذاك يا ذا اليَدين؟ وكان يسمى- أيضا- ذا الشمالَيْن قال: نعم، الحديث. وروى- أيضا-، عن عكرمة أن رسول الله صلى العَصْر ركعتين فسلم ودخل، فدخل عليه رجل من أصحابه يُقال له: ذو الشمالين فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج فقال:" ما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: يا رسول الله! نعم. قوله: " أنَسيت" الألف فيه للاستفهام. قوله: " لم أنس ولم تُقصَر الصلاة" وفي رواية مسلم: "كل ذلك لم يكن". وفي رواية أبي داود- أيضا-: "كل ذلك لم أفعل ". قال الشيخ محيي الدين (1) : فيه تأويلان، أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع ولا يَنْفي وجود أحدهما، والثاني: وهو الصواب معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أني كملتُ الصلاةَ أربعا؛ ويدل على صحة هذا التأويل، وأنه لا يجور غيره: أنه جاء في روايات للبخاري في هذا الحديث أن النبي- عليه السلام- قال: "لم تَقصُر ولم أنْسَ". ويُقال:؛ لم أنسى، يرجعُ إلى السلام، أي: لم أسهُ فيه، إنما سلمتُ قصداً ولم أسهُ في نفس السلام، وأنما سهوتُ عن العدد. قال

_ (1) شرح صحيح مسلم (69/5) .

القرطبي: وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابا عَما سُئلَ عنه. ويُقالُ: بين النسيان والسهْو فرق، فقيل: كان النبي- عليه السلام- يَسْهُو ولا يَنسى؛ ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأن فيه غفلة ولم يَغْفُل، قاله القاضي. وقال القشيري: يَبْعدُ الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يتلوّح من اللفظ، على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو: عدم الذكر لأمر يتعلّق بها، ويكون النسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض. وقال القرطبي: لا نسلم الفرق ولئن سُلم فقد أضافَ- عليه السلام- النسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: " إنما أنا بشرٌ أنسى كما تَنْسون، فإذا نَسيتُ فذكروني (1) ". وقال القاضي: إنما أنكر- عليه السلام- " نَسِيتَ " المُضافة إليه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: " بئسما لأحدكم أن يقول: نسيتُ آيةَ كذا؛ ولكنه نُسِّي "، وقد قال- أيضا-:"لا أنسى "- على النفي" ولكن أُنَسَّى " وقد شك بعض الرواة في روايته فقال: " انْس أو أُنَسَّى" وأن "أو" للشك أو للتقسيم، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويخبر عليه، فلما سأله السائل بذلك أنكره، وقال: " كل ذلك لم يكن " وفي الأخرى: " لم أنس ولم تُقْصَرْ " أما القصر: فبين، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي؛ ولكن الله أنساني. ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: إن النهي في الحديث عن إضافة " نسيتُ " إلى الآية الكريمة؛ لأنه يقبح للمؤمن أن يُضيف إلى نفسه نسيان كلاَم الله تعالى، ولا يلزم من هذا النهي الخاص" النهيُ عن إضافتهَ إلى كل شيء، فافهم. وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها/ النسيان. [2/58 - ب] قلت: تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله: " لم أنس ولم تُقْصر الصلاة" مثل قوله: "كل ذلك لم يكن "، والمعنى: كل من القصر

_ (1) يأتي برقم (991) .

والنسيان لم يكن، فيكون في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لوجهيـ[هما، ذلك] (1) أن السؤال عن أحد الأمرين بأم يكون لطلب التعين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم لا علي التعيين، فجوابه: إما بالتعيين أو بنفيهما جميعاً تخطئةً للمُسْتفهم، لا بنفي الجمع بَيْنهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنه عارف بأن الكائن أحدهما، والثاني: لما قال- عليه السلام-: " كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: "قد كان بعض ذلك" ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما يُنافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع، وقوله: "قد كان بعض ذلك " موجبة جزئية، ونقيضها: السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئيَّ. وها هنا قاعدة أخرى: أن لفظة" كل " إذا وقعت في حيز النفي كان النفيُ موجهاً خاصةً، وأفادَ بمفهومه ثبوتَ الفعل لبعض الأفراد؛ كقولك: " ما جاء كل القوم " " ولم آخذ كل الدراهم"، وقوله: " ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يُدركُه"، وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلبَ عن كل فرد كقوله- عليه السلام-: "كل ذلك لم يكن ". قوله: " فأوْمئوا أي نعم " وفي رواية البخاري: " فقال الناس: نعم " وكثر الأحاديث:" قالوا: نعم، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم أومأ وبعضهم تكلم، ثم إذا كان كلاما لا إشارة كان إجابةً للرسول- عليه السلام-؛ وهي واجبة، قال الله تعالى: "اسْتَجيبُوا لله وللرسُول إِذَا دَعَاكُمْ " (2) وقال بعض المالكية: " يلزم أن تكونَ الإجابَة باَلقول وَبل يكفي فيها الإيماء، وعلى تقدير أن تجب بالقول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة؛ لجواز أن تجب الإجابة ويلزمهم الاستئناف، أو يكون النبي - عليه السلام- تكلم معتقدا للتمام والصحابة تكلموا مجهزين النسخ. انتهى. ويُضيف هذا: قول ذي اليدين: " قد كان بعض ذلك "،

_ (1) غير واضح في الإلحاق. (2) سورة الأنفال: (24) .

وقولهم: " نعم "، بعد قوله: "اصدق ذو اليدين؟ " فقد تكلموا بعد العلم بعدم النسخ. فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعدُ في الصلاة؟ قلنا: قال الشيخ محيي الدين (1) : فجوابه من وجهين؛ الأول: أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين؟ ولهذا قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ والثاني: أن هذا كان خطابا للنبي- عليه السلام- وجوابا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا؛ وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح أن الجماعة أومئوا أي: نعم؛ فعلى هذه الرواية لم يتكلموا. قلت: وفي الجواب الأول نظر- كما ذكرنا الآن. قوله: " فقيل لمحمد " أي: لمحمد بن سيرين. قوله: " لكن نبئتُ " أي: أخبِرتُ أن عمران بن حُصَين [قال] : ثم سلّم. وحديث عَمران بن حصين: أخرجه البخاري، ومسلم، عنه أن رسول الله- عليه السلام- صلّى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يُقال له: الخِرباق- وكان في يديه طول- فقال: يا رسول اللهم فذكر له صنعه فقال: " أصدقَ هذا؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلّم، ثم سجَد سجدتين ثم سلم. الثاني في الفوائد التي تؤخذ من هذا الحديث: منها: أنه قد احتج به بعضهم على جواز الترجيح بكثرة العدد. قال القرطبي: لا حجة فيه؛ لأنه- عليه السلام- إنما استكشف لما وقع له من التوقف في خبره؛ حيث انفرد بالخبر عن ذلك الجمع الكثير وكلهم دواعيها متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع؛ فوقعت الريبَةُ في خبر المخبِر لهذا، وجوز أن يكون الغلط والسهو منه لا لأنها شهادة.

_ (1) شرح صحيح مسلم (73/5) .

ومنها: أن فيه إشكالاً على مذهب الشافعي؛ لأن عندهم: إنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إماما كان أو مأموما، ولا يعمل إلا على يقين نفسه. واعتذر الشيخ محيي الدين عن هذا: بأنه - عليه السلام- سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر، فعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جار ترك يقين نفسه والرجوع [2/59 - أ] إلى قول غيره، لرجع ذو اليدين/ حين قال النبي- عليه السلام-: "لم تُقْصَر ولم أنْس". قلتُ: ليس هذا بجواب مُخلّصِ؛ لأنه لايح (1) من الرجوع سواء كان رجوعه للتذكر الو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول لا لأجل يقين نفسه، فافهم. وقال ابن القصار: اختلفت الرواة عن مالك في هذا؛ فمرةَ قال: يرجع إلى قولهم؛ وهو قول أبي حنيفة لأنه قال: يَبْني على غالب ظنه، وقال مرةً أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي. ومنها: أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل تصح؟ فظاهر الحديث يدل على أنه تصح؛ لأنه قال: فرجع رسول الله إلى مقامه فصلى الركعتين الباقيتَيْن. ولكن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة؛ فعند الشافعية: فيها وجهان؛ أصحّهما: أنه تصح بهذا الحديث؛ لأنه ثبت في مُسلم أنه- عليه السلام- مشى إلى الجذعْ وخرج السرعان، وفي رواية: دخل منزله، وفي رواية: دخَل الحُجرة ثم خرج ورجع الناسُ، وبنى على صلاته، والوجه الثاني وهو المشهور عندهم-: أن الصلاة تبطل بذلك. وقال الشيخ محيي الدين: وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعبٌ على مَن أبْطلها، ونقل عن مالك: أنه ما لم ينتفض وضوؤه يجور له ذلك وإن طال الزمنُ، وكذا رُوي عن ربيعة مُستدلينَ بهذا الحديث. ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: إنه

_ (1) كذا، ولعلها بمعنى " لا يخرج ".

إذا سلم ساهياً على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة، ولم يتكلم، يَعُود إلى قضاء ما عليه، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه، أما إذا صرف وجهه عن القبلة: فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك؛ لأن المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر لا يعودُ وتفسد صلاته، وأما إذا كان في الصحراء: فإن تذكر قبل أن يُجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار، عاد إلى قضاء ما عليه وإلا فلا، وإن مَشى أمامه: لم يذكره في الكتاب، وقيل: إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلا فلا؛ وهو مَرْوي عن أبي يوسف اعتبار لأحد الجانبين بالآخر. وقيل: إذا جاوز موضع سجوده لا يعود؛ وهو الأصح، وهذا إذا لم يكن بين يديْه سُتْرة، فإن كان يعود ما لم يجاوزها؛ لأن داخل السترة في حكم المسْجد، والله أعلم. والجواب عن الحديث: أنه منسوخ- كما استوفينا الكلام فيه في: " باب رد السلام في الصلاة ". ومنها: فيه حجة لأصحابنا أن لسَجْدتي السهو بعد السلام؛ لقوله: "وصلى الركعتين الباقيتَيْن ثم سلم "، وقال الشافعي: قبل السلام. ومنها: فيه دليلٌ على أن سجود السَهْو سَجْدتان. ومنها: فيه دليل على أنه في آخر الصلاة. ومنها: فيه دليل على أن سجود السهو يتداخل؛ وهو مذهب الجمهور، وقيل: يتعدّدُ بتعَدُّد السَهْو. الثالث: أن هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة، ورواه ابن حبان في "صحيحه" في النوع السابع عشر من القسم الخامس ولفظه: قال: صلى رسول الله الظهر أو العَصْر فسلم في الركعتين فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو حَليف لبني زهرة: أخُففت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ فقال- عليه السلام-: " ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: يا نبي الله صدق، قال: فأتم بهم الركعتين اللتين نقصهما ثم سلم.

ورواه مالك في، الموطأ" (1) : مالك (2) ، عن ابن شهاب الزهري (3) ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (4) قال: بلغني أن رسول الله ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار الظهر أو العصر فسلّم من اثنتين فقال له ذو الشمالين رجل من بني زهرة بن كلاب: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله: "ما قصرت الصلاة وما نسيتُ " فقال له ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، وأتم رسول الله ما بقي من الصلاة ثم سلم. انتهى. وقال ابن عبد البر في "التقصِي ": هذا مُرسل، إلا أنه يَتصلُ من وجوه صحاح. فإن قيل: ما تقول فيما رواه ابن عدي في " الكامل" (5) : أخبرنا أبو يعلى: حدثنا ابن معين: حدثنا سعيد بن أبي مريم: حدثنا ليث وابن [2/59 - ب] وهب،/ عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - عليه السلام- لم يَسْجد يوم ذي اليدين سجدتي السهْو، قال أبو عمر: وكان ابن شهاب يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها ليس عليه سجدتا السهو لهذا الحديث. قلنا: قال مسلم في "التمييز": قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يوم ذي اليدين خطأ وغلط؛ وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو في روايات الثقات. الرابع: فيما تكلم فيه العلماء، وأجاب أصحابنا عما قالوه، وقد ذكرناه كما ينبغي فلا حاجة إلى إعادته.

_ (1) كتاب الصلاة، باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا (64) . (2) كذا. (3) في الأصل: "عن ابن شهاب عن الزهري" خطأ. (4) في الأصل: " خيثمة " خطأ. (5) (235/5) ترجمة عبد الله بن عمر.

980- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أيوب، عن محمد بإسناده، وحديث حماد أتم قال: ثم صلى رسولُ الله لم يَقُل بِنا ولم يَقُل: "فأومئوا "، قال: فقال الناس: نعم، قال: ثم رفع ولم يَقُل: " وكبر " ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع، وتم حديثُه لم يذكر ما بعده، ولم يذكر " فأوْمئوا " إلا حماد بن زَيْد (1) (2) . ش- حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أتم من حديث مالك بن أنس، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: ثم صلى رسول الله ركعتين، ولم يَقُل: صلى بنا رسول الله ركعتين - كما هو في رواية حمّاد-، وكذا لم يَقُل مالك في روايته: "فأوْمئوا " كما قال حماد: " فأومئوا أي نعم " وكذا في رواية حماد " ثم رفع وكبر، ثم كبر وسجد " ولم يَقُل مالك إلا " ثم رفع ثم كبر وسجَد ". قوله: " ولم يذكر " فأومئوا " إلا حمادُ بن زيد " يعني: غيره لم يذكر إلا القول باللسان كما ذكر مالك في روايته " فقال الناسُ: نعم " وفي رواية أخرى: "قالوا: صَدق " وفي رواية: " قالوا: يا نبي الله، صدق " ولذا قال الدارقطني في " العلل ": وفي رواية حماد بن زيد وحده، عن أيوب:" فأومئوا أي نعم". 981- ص- نا مُسدّد: نا بشر- يعني: ابن المفضل-: نا سلمة- يعني: ابن علقمة-، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسولُ الله، بمَعْنى حماد كُله إلى آخر قوله: نُبئتُ أن عمران بن حُصين قال: ثم سَلّم، قال: قلتُ: فالتَشهدُ؟ قال: لم أَسمَعْ في التشهد، وأحب إليّ أن يَتشهدَ، ولم يذكر " كان يُسمّيه ذا اليدين" ولا ذكر " فأوْمئُوا " ولا ذكر الغضبَ (3) .

_ (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: " قال أبو داود: وكل من روى هذا الحديث لم يقل "فكبر، ولا ذكر "رجع ". (2) انظر: التخريج المتقدم. (3) انظر: تخريج الحديث قبل السابق.

ش- سلمة: ابن علقمة أبو بشر التميمي البصري، من ولد عامر بن عُبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سَعد بن زيد مناة بن تميم، سمع: نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، روى عنه: الجمادان، وبشر ابن المفضل، وابن علية وغيرهم، قال أحمد حين سئل عنه: بخ ثقة، وقال ابن معين: ثبت، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) . قوله: " بمعنى حماد" أي: بمعنى حديث حماد بن زيد المذكور أولا؛ ولكن زاد فيه السؤال عن التشهد، ونقص ذكر ثلاثة أشياء: تَسمية ذي اليدين، وذكر " فأومئوا" وذكر " يُعرفُ في وجهه الغَضبُ". ص- وحديثُ أيوبَ أتم (2) . ش- أي: من حديث سلمة بن علقمة، وفي بعض النسخ: "وحديث حماد أتم " أي: حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أتم من حديث سلمة بن علقمة، عن محمد. 982- ص- نا علي بن نصر: نا سليمان بن حرْب: نا حماد بن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحي بن عتيق، وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- في قصة ذي اليدين أنه كبّر وسجد، وقال هشام- يعني: ابن حَسان-: كبر ثم كبر وسجَد (3) . ش- هشام: ابن حسان البصري. ويحيى بن عتيق: البصري، سمع: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، روى عنه: ابن علية، وحماد بن زيد، وهمام بن يحيى، قال

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/ 2461) . (2) في سنن أبي داود: "وحديث حماد عن أيوب أتم "، وذكر المصنف أنها نسخة. (3) انظر الحديث السابق.

أحمد وأبو حاتم وابن سعد: هو ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . وابن عون: عبد الله بن عون البصري. والحاصل: أن أيّوب ويحيى وابن عون- كلهم- رووا عن محمد بن سيرين في حديث ذي اليدين أنه كبّر وسجد، وأن هشام بن حسان روى عنه "كبّر ثم كبر وسجَد" والمعنى: أنه رفع رأسه وكبّر ثم كبر وسجَد. ص- قال أبو داود: روى هذا الحديث- أيضا- عن محمد (2) : حبيب ابن الشهيد، وحُميدٌ، ويونس، وعاصم الأحول/ عن محمد، عن [2/60- أ] أبي هريرة، لم يذكر أحدٌ منهم ما ذكر حماد بن زيد، عن هشام أنه كبر ثم كبّر (3) . وروى حمادُ بن سلمي، وأبو بكر بن العياش هذا الحديث عن هشام؛ لم يذكرا عنه هذا الذي ذكر حماد بن زيد أنه كبر ثم كبّر. ش- أي: روى الحديث المذكور- أيضا- حبيب بن شهيد البصري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وكذا رواه حُميد الطويلُ، ويونس بن عُبَيد البصري، وعاصم الأحولُ؛ ولكن لم يذكر أحد من هؤلاء ما ذكر حماد بن زَيْد، عن هشام بن حسان من قوله: "إنه كبر ثم كبّر وسجَد " وكذلك روى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن العياش هذا الحديث عن هشام بن حسان، لم يذكر واحد منهما هذا الذي ذكر حماد ابن زيد أنه كبر ثم كبر وسجَد. وأبو بكر بن العياش: ابن سالم الأسدي الحناط- بالحاء المهملة والنون- مولى واصل بن حيان، وجدته: مولاة لسمرة بن جندب الصحابي، قيل: اسمه: محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم،

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6881) . (2) قوله: " عن محمد " غير موجود في سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: "ثم كبر، ثم سجد ". 20. شرح سنن أبي داود 4

وقيل: شعبة، وقيل: رؤبة، وقيل: مُسلم، وقيل: خداش، وقيل: مُطرف، وقيل: حماد، وقيل: حبيب، وقيل: اسمه كنيته، سمع: أبا إسحاق السبيعي، والأعمش، وأبا إسحاق الشيباني ونجيرهم، روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي وغيرهم، وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. روى له الجماعة (1) . 3 ما- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعُبيد الله بن عَبْد الله، عن أبي هريرة بهذه القصة قال: ولم يَسْجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك (2) . ش- وفي بعض النسخ: لا حتى لَقنه الله ذلك" وفي بعضها: "حين يَقنَهُ الله ذلك " 000 (3) . 4 ما- ص- ثنا حجاج بن أبي يعقوب: نا يعقوب- يعني: ابن إبراهيمِ-: نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثْمة أخبره أنه بلَغه أَن رسولَ الله بهذا الخبر، قال: ولم يَسْجد السجدتين اللتين تُسْجدان إذا شك حينَ لقاه الناسُ (4) . ش- حجاج بن أبي يعقوب: روى عن: حجين بن المثنى، ويَعْقوب ابن إبراهيم بن سَعْد، روى عنه: أبو داود، والترمذي. وإبراهيم: ابن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وصالح: ابن كَيْسان. وأبو بكر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة، واسم أبي حكمة: عبد الله بن حذيفة، وقيل: عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عَوِيج ابن عدي بن كعب القرشي العدوي، روى عن: سعيد بن زيد بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/ 2 5 72) . (2) تفرد به أبو داود. (3) بياض في الأصل قدر سطرين. (4) النسائي: كتاب السهو، باب: ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين.

عمرو، وسمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، روى عنه: الزهري، وإسماعيل بن محمد بن سَعْد، وصالح بن كيْسان. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (1) . وحثمة: بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة. قوله: " بهذا الخبر " أي: الخبر المذكور. قوله: " قال " أي: قال أبو بكر بن سليمان. قوله: " حين لقاه الناسُ" بتشديد القاف. . . (2) والحديث مُرسل. وأخرجه النسائَي. ص- قال ابن شهاب: وأخبرني هذا الخبر سعيدُ بن المُسيب، عن أبي هريرة. قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن الحارث ابن هشام، وعُبيد الله بن عبد الله (3) . ش- أي: قال الزهري: وأخبرني هذا الخبر المذكور: سعيد بن المسيب، وأبو بكر: هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وقد ذكر مرةً. وعُبَيْد الله بن عبد الله الأول مُصَغر والثاني مكبّرة وهو عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذلي. ص- قال أبو داود: رواه الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثمة، عن النبي- عليه السلام- قال فيه: ولم يَسْجد سَجْدتي السهو. ش- أي: رواه محمد بن الوليد الزبيدي؛ وهذا- أيضا- مُرسل.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/ 7234) . (2) بياض في الأصل قدر سطر ونصف. (3) جاء في سنن أبي داود عقب هذا النص: " قال أبو داود: رواه يحيى بن أبي كثير وعمران بن أبي أنس، عن أبي سلمه بن عبد الرحمن [والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه- جميعا-] عن أبي هريرة بهذه القصة، ولم يذكر أنه سجد السجدتين اهـ. وقد ذكره المصنف عقب الحديث الآتي بدون ما بين المعقوفتين.

985- ص- نا ابن معاذ: نا أبي: نا شعبة، عن سعد سمع أبا سلمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- أنه صلّى الظهر- يعني: النبي- عليه السلام- فسلّم في الركعتين/ فقيل له: نقصت الصلاةَ، فَصلّى ركعتَيْن ثم سجَد سَجْدتين (1) . ش- سَعْد: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف. فيه دليل على وجوب سجدتي السَّهْو، وأن السلام سهوا لا يخرجه عن الصلاة. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وقال النسائي: لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث لا ثم سجَد سَجدتين " غيرُ سَعْد. ص- قال أبو داود: رواه يحيي بن أبي كثير، وعمران بن أبي أنس، عن أبي سلمه بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة هذه القصة؛ لم يذكر أنه سجد السجدتَيْن. ش- أي: روى هذا الحديث: يحيى بن أبي كثير، وعمران بن أبي أنس المِصْري العامري. ص- قال (2) أبو داود: ورواه داود بن الحُسين، عن أبي سفيان مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- بهذه القصة قال: ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم. ش- داود بن الحُسن: المدني أبو سليمان الأموي مولى عمرو بن عثمان بن عفان، روى عن: عبد الرحمن الأعرج، وعكرمة مولى ابن عباس، وأبي سفيان مولى أبي أحمد، روى عنه: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة (3) وغيرهم،

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟ (715) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيا وتكلم (20/3) . (2) هذا النص ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث بعد التالي. (3) كذا، وفي تهذيب الكمال "إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة " وقال محققه: جاء في حواشي النسخ من قول المؤلف وهو يتعقب صاحب " الكمال": "كان فيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، وهو وهم".

قال ابن المديني: ما روى داود عن عكرمة منكر، وقال ابن عيينة: كنا نتقي حديث داود بن الحصين، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أن مالكا روى حديثه لترك حديثه. مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن ست وسبعين سنةً. روى له الجماعة (1) . وأبو سفيان: اسمُه: قُزْمان، وقيل: وهب، وقيل: عطاء، ويقال فيه: مولى أبي أحمد، ومولى ابن أبي أحمد، واحتج البخاري ومسلم بحديثه. وقال في "الكمال": مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي، وقال ابن سَعْد: هو مولى لبني عبد الأشهل، وكان له انقطاع إلى أبي أحمد بن جحش فنُسب إلى ولائه، روى عن: أبي سعيد الخدري، روى عنه: داود بن الحصين، كان يَؤم بني عبد الأشهل وفيهم ناس من أصحاب النبي- عليه السلام-، منهم: محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، ويُصلي بهم وهو مكاتب. قال ابن سَعْد: وكان ثقة قليل الحديث. روى له: البخاري، ومسلم، وابن ماجه (2) . ثم هذا الحديث الذي علقه أبو داود أخرجه مسلم، والنسائي، عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين. 986- ص- نا (3) هارون بن عبد الله: نا هاشم بن القاسم: نا عكرمة ابن عمار، عن ضمام بن جَوْس الهِفّاني قال: حدثني أبو هريرة بهذا الخبر، قال: ثم سجد سجدتي السهوً بَعْدما سلم (4) . ش- ضمضم: بضادين معجمتين، وجوه: بفتح الجيم وسكون الواو وبالسين لمهملة، قد ذكرناه، والهِفَّاني: نسبة إلى هدفان- بكسر الهاء، وتشديد الفاء، وبعد الألف نون- وهو في حنيفة. والحديث: أخرجه النسائيّ.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1753) . (2) المصدر السابق (33/ 3 0 74) . (3) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي. (4) النسائي: كتاب السهو، باب: السلام بعد سجدتي السهو (3/ 66) .

987- ص- نا إسماعيل بن أسَد: نا شبابة: نا ابن أبي ذئب، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن النبي- عليه السلام- انصرف من الركعتين من صلاة مكتوبة فقال له رجل: أقصرت الصلاةُ يا رسول الله أو (1) نسيتَ؟ قال: "كل ذلك لمَ أفعل" فقالَ الناسُ: قد فعلتَ ذلك يا رسول الله، فركَع ركعتَيْن أخرايَيْن (2) ثم انصرف ولم يَسْجد سَجْدتي السهْو (3) . ش- إسماعيل بن أسَد: هو ابن أبي الحارث بن شاهين البغدادي أبو إسحاق، روى عن: شبابة بن سوار، والحسن بن موسى الأشيب، وكثير بن هشام وغيرهم، روى عنه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو بكر ابن أبي الدنيا وغيرهم. قال الدارقطني: بغدادي ثقة صدوق، ورع فاضل. مات يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين (4) . وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن. قوله: " كل ذلك لم أفْعل " بنَصْب " كلَّ " على إضمار عامله بشرط التفسير، تقديره: لم أفعل كل ذلك، ويجوز رفعُه على الابتداء، وخبره: " لم أفعل " أي: كل واحد من الأمْرين لم أفْعَلْهُ. قوله: " ولم يسجد سجدتي السهو" وهذا- كما ترى- اختلفت الرُّواة في سجدة النبي- عليه السلام- للسهْو. وهذا الحديث يدل على أن الكلام حينئذ كان مُباحا، حيث لم يسجد- عليه السلام- سجدتي السهو ثم نسخ؛ وقد قررنا الكلام فيه مرة. [2/61 - أ] 988 - ص - نا أحمد بن محمد بن ثابت:/ نا أبو أسامة ح ونا محمد ابن العلاء: أنا أبو أسامة قال: أخبرني عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر

_ (1) في سنن أبي داود: "أم ". (2) كذا، وفي سنن أبي داود: " أخريين ". (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 425) .

قال: صلى رسول الله- عليه السلام- فسلم في ركعتين، فذكر نحو حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: ثم سلم ثم سجد سَجْدتي السهو (1) . ش- أحمد المذكور هو ابن شَبّويَه، وأبو أسامة: حماد بن أسامة، وعبيد الله: ابن عُمر العُمري. وهذا الحديث فيه إثبات سجدتي السهو، وأخرجه ابن ماجه- أيضا. 989- ص- نا مسدد: نا مسلمة بن مُحمد أح وحدثنا مسدد: حدثنا يزيد بن زريع، (2) قالا: نا خالد الحذاء: نا أبو قلابة، عن أبي المُهلب، عن عمران بن الحُصَيْن قال: سلم رسولُ الله- عليه السلام- في ثلاث ركعات من العصر ثم دخل- قال عن مسلمة- الحُجَر، فقام إليه رجل يُقال له الخرْباقُ- وكان طويل اليدَيْن- فقال: أَقصرت الصلاةُ يا رسول الله؟ فخرج مُغضباً يَجر رداءه فقال: " أصدَق؟ " قالوا: نعم، فصلى تلك الركعة ثم سلم ثم سجد سجدتيها ثم سلم (3) . ش- مسلمة بن محمد: الثقفي، فيه مقال، وقد ذكرناه، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي، وأبو المهلب: اسمُه: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عمرو بن معاوية، ذكر هذه الأقوال الثلاثة في اسمه البخاري في " تاريخه " وقيل: اسمه: النضر بن عمرو الجرمي الأزدي البصري التابعي الكبير، روى عن: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين، وهو عم أبي قلابة الراوي عنه هنا.

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث ساهياً (1213) . (2) ساقط من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له (102/ 574) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين (3/ 26) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث ساهيا (1215) .

184- باب: إذا صلى خمسا

قوله: " الحُجر" مفعول قوله: "ثم دخل ". وقوله: " قال عن مسلمة " مُعترض بينهما. قوله: "فخرج مغضبا يَجر رداءه " يعني: لكثرة استعجاله لبناء الصلاة خرج يجر رداءه، ولم يتمهل ليلبسَه. قوله: " ثم سجد سجدتيها " أي: سجدتي الصلاة. وفي بعض النسخ: "ثم سجد سجدتَيْن ". والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. * * * 184- بَاب: إذا صَلى خمساً أي: هذا باب في بيان ما إذا صلى المصلي خمس ركعات وزاد ركعةً سهواً. ولما بين حكم الذي نقص شرع في بيان حكم الذي يزيد. 990- ص- نا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم المعنى، قال حفص: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صلي رسولُ الله- عليه السلام- الظهر خَمساً، فقيل له: أزِيدَ في الصّلاة؟ قال: " وما ذاك؟ " قال: صلَيتَ خمساَ، فَسَجَدَ سَجْدتين بَعْدَ مَا سلم " (1) . ش- عبد الله: ابن مسعود. وهذا الحديث حجة لأبي حنيفْة وأصحابه أن سجدتي السهو بعد السلام وأن كانت للزيادة.

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القبلة (404) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له 891 (572) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام (392) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ما يفعل من صلى خمساً (3/ 31) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من صلى الظهر خمساً وهو ساه (1205) .

وقال الشيخ محيي الدين (1) : قال الإمام أبو عبد الله المازري: أحاديث الباب خمسة؛ حديث أبي هريرة فيمن شك فلم يدر كم صلي وفيه " أنه يَسْجد سجدتين "، ولم يذكر موضعهما، وحديث أبي سعيد فيمن شك وفيه " أنه يسجد سجدتين قبل أن يُسلم"، وحديث ابن مسعود وفيه القيام إلى خامسة، وأنه يسجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين وفيه السلام من اثنتين والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام، وحديث ابن بُحَينة وفيه القيام عن اثنتين والسجود قبل السلام. واختلف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث فقال داود: لا يُقاس عليها؛ بل تستعمل في مَواضعها على ما جاءت به، وقال أحمد كقول داود في هذه الصلوات خاصة وخالفه في غيرها، وقال: يسجد فيما سواها قبل السلام لكل سهو، وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا فقال بعضهم: هو مخير في كل سهو: إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص. وقال أبو حنيفة: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأول باقي الأحاديث عليه. وقال مالك: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وان كان نقصا فقبله. فأما الشافعي فيقول في حديث أبي سعيد: فإن كانت خامسةً شفعها، ونص على السجود قبل السلام مع تجهيز الزيادة، والمجوز كالموجود، ويتأولُ حديث ابن مسعود في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه- عليه السلام- ما علم السهو إلا بعد السلام، وهو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على ابنها صلاة جرى فيها سهو فينهى/ عن السجود قبل السلام فتداركه بعده. وقال الشيخ [2/61 - ب] محيي الدين: أقوى المذاهب هنا: مذهب مالك، ثم مذهب الشافعي، وللشافعي قول كمذهب مالك وقول بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك لو اجتمع في صلاته سهوان: سهو بزيادة وسهو بنقص سجد قبل السلام. قال القاضي: لا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء، أنه لو

_ (1) شرح صحيح مسلم (56/5-57) .

سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو للنقص أنه يجزئه ولا يفسد صلاته؛ وإنما اختلافهم في الأفضل. وقال الحازمي في كتابة "الناسخ والمنسوخ": اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة أقوال، فطائفة رأوا السجود بعد السلام عملا بحديث ذي اليدين، وهو مذهب أبو حنيفة، وقال به بعض الصحابة: على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين: الحسن وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، والثوري، والحسن بن طالح وأهل الكوفة. وذهبت طائفة إلي أن السجود قبل السلام أخذا بحديث ابن بحينة، وزعموا أن حديث ذي اليدين منسوخ، وحديث ابن بحينة رواه البخاري ومسلم، وأخذا بحديث الخدري رواه مسلم، وبحديث معاوية. المذهب الثالث: أن السهو إذا كان في الزيادة كان السجود بعد السلام أخذا بحديث ابن مسعود، وإذا كان في النقصان كان قبل السلام أخذا بحديث بحينة. والمذهب الرابع مثل قول داود؛ وقد ذكرناه. قلت: مذهب أبي حنيفة أقوي المذاهب كلها؛ لأن قوله - عليه السلام -: "فإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين" - رواه البيهقي وعزاه إلي البخاري (1) - عام يشمل الزيادة والنقصان؛ والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب على ما هو المشهور عند أهل الأصول، وإن كان الشافعي خالف في ذلك فهو خلاف ضعيف. وحديث عبد الله رواه البخاري، ومسلم، الترمذي، والنسائي وابن ماجه، وابن ماجه. 991 - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله: صلي رسول الله - عليه السلام - قال إبراهيم:

_ (1) انظر الحديث الآتي

فلا أدري زاد أم نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا صليت كذا وكذا، قال: فثني رجليه واستقبل القبلة فسجد بهم سجدتين ثم سلم فلما انفتل أقبل علينا بوجهه فقال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به؛ ولكن إنما أنا بشر أنسي كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين". (1) ش - جرير: ابن عبد الحميد، ومنصور ابن المعتمر، وإبراهيم النخعي، وعلقمة بن قيس. قوله: "أحدث" الهمزة فيه للاستفهام، و"حدث" بفتح الدال. قوله: "فثني" بتخفيف النون أي: عطف. قوله: " فسجد بهم سجدتين ثم سلم" فيه دليل لأصحابنا في أن سجدة السهو بعد السلام. قوله: "لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به" أي: أخبرتكم به، فيه دليل أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. قوله: "أنا بشر أنسي" (2) فيه دليل على جواز النسيان عليه - عليه السلام - في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء؛ وهو ظاهر القرآن والأحاديث، واتفقوا على أنه - عليه السلام - لا يقر عليه؛ بل يعلمه الله تعالي به. ثم قال الأكثرون: شرطه: تنبيهه - عليه السلام - على الفور متصلا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان (401) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له (89/572) ، النسائي: كتاب السهو، باب: التحري (3/28) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن شك في صلاته فتحري الصواب (1211) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (2/ 61 - 62) .

مدة حياته - عليه السلام، واختاره إمام الحرمين، ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه (1) - عليه السلام - في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك بأن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه لم تحصل منه مفسدة؛ بل يحصل فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناسي وتقرير [2/62 - أ] الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني/ الصحيح: الأول. وقال القاضي: واختلفوا في جواز السهو عليه - عليه السلام - في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته، وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده، وأما السهو في الأقوال الدنياوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام، الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلي وحي، فجوزه قوم؛ إذ لا مفسده فيه. قال القاضي: والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا، لا في صحة ولا في مرض، ولا رضا ولا غضب. وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع. (2) قوله: " فإذا نسيت فذكروني" فيه أمر التابع بتذكير المتبوع لما ينساه. قوله: "فليتحر الصواب" (3) وفى رواية: " فلينظر أحري ذلك للصواب" وفى رواية: "فليتحر أقرب ذلك إلي الصواب" وفى رواية: "فليتحر الذي يري أنه صواب"، التحري: طلب أحري الأمرين وأولاهما بالصواب. وفيه دليل لأبي حنيفة على أن من شك في صلاته في عدد ركعاته تحري وبني على غالب ظنه، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل والإتيان بالزيادة، وبه قال مالك؛ ولكن هذا فيمن يعرض له الشك كثيراً، وإذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة على ما عرف في

_ (1) كتب فوقها: "صح". (2) إلي هنا انتهي النقل من شرح صحيح مسلم. (3) المصدر السابق (5/62 - 63) .

مَوضعه، وقال الشافعي: لزمه البناء على اليقين؛ وهو الأقل، فيأتي بما بقي ويسجد للسهو؛ واحتج بقوله- عليه السلام- في حديث أبي سعيد: "فليطرح الشك، وليَبْن على ما استَيْقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيماً للشيطان " (1) . وهذا صريح في وجوب البناء على اليقين، وحَمْلُ التحري (2) في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين؛ لأن التحري هو القَصد، ومنه قوله تعالى: "تَحَروا رَشَد " (3) فمعنى الحديث: فليقصد الصواب فيعملُ به، وقصدُ الصواب: هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره. قلنا: حديث أبي سعيد محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحركه على شيء، وعندنا: إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء يَبْني على الأقل؛ ولأنه حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا، لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يَبْني على الأقل بالإجماع. وقول الشيخ محيي الدين في دفع هذا (4) "أن تفسير الشك بمُستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما في اللغة: فالترددُ بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا سوى المستوي والراجح والمراوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح " غير مُجْد ولا دافع؛ لأن المراد الحقيقة العرفية؛ وهي أن الشك: ما استوى طرفاَه؛ ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي، فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره؛ لأن صاحب "الصحاح" فستر الشك في باب الكاف فقال: الشك خلاف اليقين، ثم فسر اليقين في باب النون فقال: اليقين: العلم، فيكون الشك ضد العلم، وضع العلم: الجهل، ولا يُسَمى

_ (1) يأتي بعد ثلاثة أحاديث. (2) في شرح صحيحا مسلم: "وحملوا ". (3) سورة الجن: (14) . (4) شرح صحيح مسلم (63/5-64) .

المتردّد (1) بين وجود الشيء وعدمه جاهلاً؛ بل يُسمّى شاكا، فعلم ابن قوله: " وأما في اللغة: "فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمي شكا" هو الحقيقة العرفية لا اللغوية، فافهم. ثم معنى كيفية البناء على الأقل: أنه إذا وقع الشك في الركعة والركعتين يجعلها ركعةً واحدةً، وإن وقع الشك في الثلاث والركعتين يجعلها ركعتين، وإن وقع في الثلاث والأربع يجعلها ثلاثا واهتم صلاته على ذلك، وعليه أن يتشهد لا محالة في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته؛ لأن القعدة الأخيرة فرض- والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 992- ص- نا محمد بن عبد الله بن نُمَير: نا أبي: نا الأعمش، عن إبراهيم/، عن علقمة، عن عبد الله بهذا قال: "فإذا نسي أحدكم فليَسْجد سجدتين " ثم تحولَ فسجَد سجدتين (2) .. ش- عبد الله بن نمير: أبو هشام الكوفي. قوله: " بهذا " أي: بهذا الحديث. قوله: "فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " عَام يتناول الزيادة والنقصان، وأن السجدة فيهما بعد السلام. قوله: " ثم تحول " أي: رسولُ اللهِ. ص- قال أبو داود: رواه حُنَين نحو الأعمش (3) . ش- أي: روى الحديث المذكور: حُنَين بن قبيعة الكوفي نحو حديث سليمان الأعمش.

_ (1) في الأصل: "للمتردد". (2) انظر الحديث السابق. (3) في سنن أبي داود: "نحو حديث الأعمش ".

993- ص- نا نصرُ بن علي. أنا يوسف بن موسى: نا جريرِ- وهذا حديث يوسف-، عن الحسَن بن عُبيد الله، عن إبراهيم بن سويد، عن القمة قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله خمسا فلما انفصل توَسْوسَ (1) القومُ بينهم فقال: " ما شأنكم؟ " قالوا: يا رسولَ الله هل زبد في الصلاة؟ قال: " لا"، قالوا: ما فإنك قد صليت خمسا لما فانفتح فسجد سجدتين ثم سهم ثم قال:" إنما أنا بَشر أنسى كما تنسون " (2) . ش- يوسف بن موسى: القطان الكوفي، وجرير بن عبد الحميد، والحسن بن عبيد الله بن عروة النوعي الكوفي، وإبراهيم النوعي، وعبد الله ابن مسعود. قوله:" فلما انفتل" أي: انصرف. قوله: " توَسْوسَ القوم" قال الشيخ محيي الدين في لشرح مسلم، (3) : ضبطناه بالشين المعجمة، وقال القاضي: رُوي بالمعجمة وبالمهملة وكلاهما صحيح، ومعناه تحركوا، ومنه: وسواس الحلي بالمهملة وهو تحركه، ووسوسة الشيطان. قال أهل اللغة: الوشوشة بالمعجمة: صَوْت في اختلاط، قال الأصمعي: ويُقال: رجل وشوال أي خفيف. قوله: "هل (4) زيد في الصلاة؟ قال: لا" إلى آخره. " قال الشيخ محيي الدين: فيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف: أن من زاد في صلاته ركعة ناسيا لم تبطل صلاته؛ بل إن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحةً، ويَسْجد للسهو إن ذكر بعد السلام بقريب، وإن طال فالأصح عندنا أنه لا يسجد، وإن ذكر قبل السلام عاد إلى القعود سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها،

_ (1) في سنن أبي داود: "توشوش"، وانظر الشرح. (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له 92- (572) . (3) (5/ 65- 66) . (4) مكررة في الأصل.

ويتشهدُ ويسجد للسهو ويُسلم. وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة. إذا زاد ركعة ساهيا بطلت صلاته ولزمه إعادتها، وقال أبو حنيفة: إن كان تشهد في الرابعة ثم زاد خامسةً، انضاف إليها سادسةً تشفعها وكانت نفلا؛ بناء على أصله: أن السلام ليس بواجب، ويخرج من الصلاة بكل ما يُنافيها وأن الركعة الفَرْدة لا تكون صلاة، قال: وإن لم يكن تشهّد بَطلَتْ صلاته؛ لأن الجلوس بقدر التشهد واجب، ولم يأت به حتى أتى بالخامسة. وهذا الحديث يَرُد كل ما قالوه؛ لأن النبي- عليه السلام- لم يرجع من الخامسة ولم يَشْفَعْها. وإنما تذكر بعدَ السلام، ففيه رد عليهم وحجة للجُمهور. قلنا: قوله.: " وهذا الحديث يرد كل ما قالوه " غير مُسلم؟ لابنه لم يُبين في الحديث أنه لم يَقعُدْ على الرابعة؛ بل الظاهرُ: أنه قعَد على الرابعة؛ لأن حمل فعله- عليه السلام- على الصواب أحسَنُ من حمله على غَيْره وهو اللائق بحاله؛ على أنه روي في رواية أخرى أنه صلى الظهر خمساً والظهرُ اسمٌ لجميع أركانها. وقوله: " لأن النبي- عليه السلام- لم يرجع من الخامسة ولم يشفعها " لا يَضرنا هذا لأنا لا نُلزِم المُصلي بضم (2) الركعة السادسة على طريق الوجوب، حتى قال صاحب " الهداية ": ولو لم يضم لا شيء عليه لأنه مظنون. وقال صاحب "البدائع ": والأولى: أن يضيف إليها ركعةً أخرى لتصير الركعتان له نفلا إلا في العصر. دائما قال أصحابنا: يضم إليه ركعة سادسةً على طريق الاستحباب ليصير نفسه شفعا؛ لأنه ورد النهي عن التنفل بركعة واحدة؛ وهو ما روي عن ابن مسعود: والله ما أجزتُ ركعةَ. وقال الشيخ محيي الدين (3) : ثم مذهب الشافعي ومن وافقه: أن

_ (1) شرح صحيح مسلم (64/5) . (2) في الأصل: "يضم". (3) المصدر السابق.

الزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة سواء وقت أم كثرت إذا كانت من جنس الصلاة، فسواء زاد ركوعا أو سجوداً أو ركعة أو ركعات كثيرة ساهياً فصلاته صحيحة في كل ذلك، ويسجد للسهو استحبابا لا إيجاباً وأما مالك: فقال القاضي: مذهبه: أنه إن زاد دون نصف الصلاة لم تُبطل صلاته؛ بل هي صحيحة ويسجد للسهو، وإن زاد النصف فآثر: فمن أصحابه مَنْ أبْطلها وهو قول مطرف، وابن القاسم، ومنهم مَنْ قال/: إن زاد ركعتين بطلت، وإن زاد ركعة فلا؛ وهو قول [2/63 - أ] عبد الملك وغيره، ومنهم من قال: لا تبطل مطلقا؛ وهو مروي عن مالك. والحديث: أخرجه مُسلم. 994- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب أن سُوَيْد بن قيس أخبره عند مُعاوية بن حُديج أن رسول الله- عليه السلام- صلّى يوما فسَلّم وقد بقيتْ من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال: نسيتَ من الصلاة ركعةً [فرجع فدخل المسجدَ، وأمر بلالا، فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة] (1) فأخبرتُ بذلك الناسَ فقالوا لي: أتعرفُ الرجل؟ قلتُ: لا إلا أن أراهُ، فمر بي فقلتُ: هذا هو، فقالوا: هذا طلحة بن عُبَيد الله (2) . ش- حُديج- بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وفي آخره جيم- وقد ذكرناه. وروى الحاكم، عنه: صليتُ مع النبي- عليه السلام- المغرب فسلّم في ركعتين ثم انصرف، فقال له رجل- يعني: طلحة بن عبيد الله-: إنك سهوتَ فسلمتَ في ركعتين، فأمر بلالا فأقام الصلاة، ثم اهتم تلك الركعة. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وأخرجه الحمدُ فيه مسنده ولفظه: إن رسول الله صلى يوما وانصَرَف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسِيتَ من الصلاة ركعة، فرجَعَ ودَخل المسجدَ،

_ (1) ساقط من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود. (2) النسائي: كتاب الأذان، باب: الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة (2/ 18) . 521 شرح سنن أبى داود 4

وأمرَ بلالا فأقامَ الصلاة، فصلي بالناسِ رَكْعةً، فأخبرتُ بذلك الناسَ فقالوا لي: أتعرفُ الرجلَ؟ قلتُ: إلا أن أراه، فمر بي فقلتُ:- هو هذا، فقالوا طلحة بن عُبَيْد الله. انتهى. وهذا الحديث فيه أشياء: سهو النبي- عليه السلام- ركعة، وخروْجه من المسجد ثم دخوله فيه، وأمره بلالا بالإقامة، وكلامُه في أثناء الصلاة، وكلام طلحة بن عبيد الله. فإن قيل: ما حكم هذه الأشياء إذا وقعت لأحد من المسلمين؟ قلتُ: قد أوضحت لك غير مرة ابن الكلام والخروج منه المسجد ونحو ذلك قد نُسخ، حتى لو فعلَ احد مثل هذا اليومَ بطلت صلاته؛ ألا ترى إلى ما روى الطحاويّ أن عمر رضي الله عنه كان مع النبي- عليه السلام- يوم ذي اليدين، ثم حدثت به تلك الحادثة بعد النبي- عليه السلام- فعمل فيها بخلاف ما عمل- عليه السلام- يومئذ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من الصحابة؛ وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعدَ وُقوفهم على نسخ ما كان منه- عليه السلام- يوم ذي اليدين. فإن قيل: الأخبار التي ورَدت من حديث أبي هريرة وحديث عمران بن الحصين وحديث معاوية بن حُديج هل هي قضية واحدة أو قضيتان أو كثر؟ قلت: الذي يظهر من كلام البخاريّ أن حديث أبي هريرة وعمران واحدة لقوله إثر حديث أبي هريرة: فربما سألوه- يعني: محمداً- ثم سلم قال: نبئتُ أن عمران قال: ثم سلم. والذي يقوله ابن حبان أنه غيرُه قال: لأن في حديث أبي هريرة الذي أعلمَ النبيَّ- عليه السلام- ذو اليدين، وفي خبر عمران: الخرباقُ، وفي خبر معاوية بن حديد: طلحة بن عُبيد الله، قال: وخبر الخِرباق: سَلم في الركعة الثالثة، وخبر ذي اليدين: من ركعتين، وخبر معاوية: من الركعتين من صلاة المغرب؛ فخذ أنها ثلاثة أحوال مُتباينة في ثلاث صلوات لا واحدة، فافهم. وحديث معاوية: أخرجه النسائي- أيضا وقال أبو سعيد بن يونس: هذا الصح حديثٍ: معاوية بن حُديج. * * *

185- باب: إذا شك في الثنتين والثلاث من قال: يلقى الشك

185- بَاب: إذا شَكّ في الثنتين والثلاث مَنْ قال: يُلقى الشَكَّ أي: هذا باب في بيان ما إذا شك المصليَ في الركعتين والثلاث مَنْ قال: يلقي الشك، أي: يَرميه وَليَبْين على اليقين. 995- ص- نا محمد بن العلاء: نا أبو خالد، عن أبن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - عليه السلام-: وإذا شك أحدكُم في صلاته فَليُلق الشَك وَليَبْين على اليقين، فإذا استيقنَ التمامَ سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تارةً كانت الركعةُ نافلةً والسَجْدتَيْن (1) ، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجْدتان مُرغمتي الشيْطان" (2) . ش- أبو خالد الأحمر، ومحمد بن عجلان. قوله: " فليُلق الشك" بالقاف، وفي رواية: "فليلغ " بالغين المعجمة، من الإلْغاء؛ والمعنى: إذا شك في صلاته فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا؟ أم ثلاثيا أم أربعا؟ فليترك الشك، وليبن على اليقين، وبه أخذ الشافعي / وقال أبو حنيفة: إن كان أول ما شك استقبل الصلاة؛ لما روى ابن [2/63 - ب] أبي شيبة في "مصنفه " عن ابن عمر قال في الذي لا يَدْري صلى ثلاثا أو أربعا؟ قال: يُعيدُ حتى يحفظَ. وفي لفظ: أما أنا فإذا لم أمركم صليتُ فإني أعيدُ. وأخرج نحوه، عن سعيد بن الجُبير، وابن الحنفية، وشريح. وحديث أبي سعيد محمول على ما إذا وقع له ذلك مرارا، ولم يقع تحريه على شيء. قوله: " فإذا استيقن التمامَ " أي: تمام الصلاة سجد سجدتين. وفي

_ (1) في سنن أبي داود " والسجدتان " وانظر: الشرح لزاما. (2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له هو- (571) ، النسائي: كتاب السهو، باب: إتمام المصلى على ما ذكر إذا شك (27/3) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، بابكم فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين (1210) .

رواية مسلم: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى، فليكس على اليقين، حتى إذا استيقن أن قد تتم فليسجد سجدتين قبل ابن يُسلم، فإنه إن كانت صلاته وتراً شفعها، وان كانت شفعت كان ذلك ترغيبا للشيطان". وحاصل الكلام: أنه إذا شك بين الثلاث والأربع يبني على يقينه فيجعله ثلاثاً فيصلي ركعة أخرى حتى يحصل اليقين بالتمام، ثم يَسْجد سجدتين للسهو، فإن كانت صلاته تامة في نفس الأمر كانت تلك الركعة الزائدة نافلة، وإن كانت ناقصة في نفس الأمر كانت الركعة الرابعة تماما لصلاته، وكانت السجدتان ترغيما للشيطان. قوله: " كانت الركعة نافلة " أي: الركعة التي يزيدها. قوله: "والسجدتين " بالنصب؟ والواو فيها بمعنى " مع " أي: كانت الركعة الزائدة نافلة مع السجْدتين. ورأيتُ في بعض النسخ المضبوطة: "والسجدتان" بالرفع، فما أظنه صحيحاً. قوله: "وإن كانت ناقصة" أي: وإن كانت الصلاة ناقصة في نفس الأمر، كانت الركعة تماما لصلاته. قوله: "وكانت السجدتان" أي: السجدتان اللتان سجدهما مُرغمتي الشيطان أي: مُغيطَتَيْن (1) له، ومُذلتين له؛ مأخوذ من الرغام وهو الترابُ، ومنه: أرغم الله أنفه؛ وذلك لأنها في حالة النقصان جبر له وفي حالة التمام يكون إرغاما للشيطان؛ لأنه يُبغضُ السجدة، لأنه ما لُعِن إلا من إبائه عن سجود آدم- عليه السلام-. والحديث: أخرجه مسلم- كما ذكرنا، والنسائي، وابن ماجه. وقد اعترض بعض أصحاب مالك على هذا الحديث بأن مالكا رواه مُرْسلا؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن الثقات الحُفاظ الأكثرين رووه متصلا، فلا يضر مخالفة واحد لهم في إرساله؛ لأنهم حفظوا ما لم يحفظه، والثاني: أن المُرْسل عند مالك حجة.

_ (1) في الأصل: " مغيضتين ".

ص- قال أبو داود: رواه هشام بن سَعْد، ومحمد بن مُطرف، عن زيْد، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- عليه السلام-ً، وحديث أبي خالد أشبَعُ. ش- زيد بن أسلم. وأشار أبو داود بهذا الكلام إلى أن هذا الحديث مسند مِنْ طرُق؛ فذكر أولا طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، ثم أشار إلى طريق هشام بن سَعد، عن زيد، وإلى طريق محمد بن مُصرف، عن زيد؛ فهذه ثلاث طرُق مسندة. وقال الخطابي (1) : وقد أسندَه- أيضا- سليمانُ بن بلال، عن زيد: حدثنا حمزة بن الحارث، ومحمد بن أحمد بن زِيرك قالا: ثنا عبّاس الدوري: أنا موسى بن داود: أنا سُليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ الله: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يَدرِ كم صلى أثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليَبْن على ما استيقن، ثم ليسَجْد سَجْدتين وهو جالس قبل أن يُسلم؟ فإن كان صلى خمسا كانتا شفعا، وإن كان صلى تمام الأربع كانتا ترغيما للشيطان "، قال: ورواه ابن عباس كذلك- أيضا حَدّثونا به عن محمد بن إسماعيل الصائغ: أنا ابن وعنب: أنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن رسول الله - عليه السلام- قال: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا؟ فليقم فليصل ركعةً، ثم ليَسجد سجدتين وهو جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسةً شفعها بهاتين، وإن كانت رابعةً فالسجدتان ترغيم للشيطان ". وقال الخطابي: وفي هذا الحديث بيان فساد قول من ذهب فيمن صلى خمسا إلى أنه يضيف إليها سادسةً إن كان قد قعد في الرابعة/ واكتفوا بأن النافلة لا تكون ركعةً، وقد نصّ فيه [2/ 64 - أ] (1) معالم السنن (1/ 208) .

من طريق ابن عجلان على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. قلنا: بل الفساد في هذا الكلام؛ لأن أصحابنا ما ألْزموا بإضافة الركعة السادسة؛ بل قالوا: الأولى: أن يضيف إليها ركعة سادسةً- كما قلنا في حديث ابن مسعود- ولا نسلم ابن المنصوص من طريق ابن عجلان هو أن الركعة وحدها تكون نافلة؛ بل قال: كانت الركعة نافلةً والسجدتَيْن يعني: مع السجدتين. كما ذكرناه. قوله: " وحديث أبي خالد أشبعُ " أي: حديث أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان أكثر فائدةً؛ من قولهم: ثوب شبِيع الغَزل، أي: كثيره. 996- ص- نا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزْمة: أنا الفضلُ بن موسى، عن عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس أن النبي- عليه السلام- سمّى سَجدتي السهو: المُرْغمتين (1) . ش- محمد بن عبد العزيز بن أبي رزْمة: واسم أبي رزمة: غزلان، مركزي، أبو عَمرو، روى عن: الفضل بن موسى السينَاني، وأبي صالح سلمويه، روى عنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد بن حنبل. مات سنة إحدى وأربعة ومائتين (2) . والفضل بن موسى السيناني- بكسر السن المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف ثم نون- أبو عبد الله المركزي، سمع: هشام بن عروة، والأعمش، والثوري وغيرهم، روى عنه: إسحاق بن راهويه، إبراهيم بن موسى، ومحمود بن آدم وجماعة كثيرون، قال ابن معين: ثقة، وقال وكيع: ثقة صاحب سُنةِ. مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة. روى له الجماعة (3) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5418/26) . (3) المصدر السابق (23/ 0 475) .

وعبد الله بن كيسان: أبو مجاهد المروزي، سمع: عكرمة، وعمرو ابن دينار، وثابتا البناني، روى عنه: عيسى بن موسى، والفضل بن موسى، وابنه إسحاق بن عبد الله، قال أبو حاتم: هو ضعيف الحديث. روى له: أبو داود (1) . قوله: " المُرغمتين " تثنية " مرغمة " من الإرْغام؛ وقد ذكرنا معناه عن قريبِ. 997- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا شك أحدكما في صلاته فلا يَدْري كم صلّى ثلاثاً أو أربعا فليُصَلّ ركعةً وليَسْجُد. سجْدتين وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان " (2) . ش- بهاتف أي: بالسجدتين اللتان (3) سجدهما للسَّهْو. وهذا الحديث مُرْسل. ورواه البيهقي- أيضا ثم قال: وقد روي من حديث ما لك- أيضا موصولاً. قلت: الصحيح فيه عن مالك الإرسال؛ كذا قال ابن عبد البرّ في "التمهيد" وقال- أيضا- لا أعلم أحداث أسنده عن مالك إلا الوليد بن مُسلم، ويحيى بن راشد. قلت: الوليد مُدلس لا سيما في شيوخ الأوزاعي؛ كذا قال الذهبي. وفي سند الوليد: أحمد بن عُمير بن حرصا؛ قال الدارقطني: ليس بالقوي، ذكره الذهبي في " الضُعفاء " وقال ابن- مَنْدة: ترك حمزة الكتاني الرواية عنه أصلان. ويحيي بن راشد: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث في حديثه إنكارٌ. 998- ص- نا قتيبةُ: نا يعقوب، عن زيد بن أسلم بإسناد مالك قال:

_ (1) المصدر السابق (15/ 3508) . (2) تفرد به أبو داود. (3) كذا.

إن النبي- عليه السلام- قال: " إذا شك أحدُكم في صلاته، فإن اسْتيقَنَ أَنْ قد صلَى ثلاثاً فليقُم فليتم ركعةً بسجودها، ثم يجلس فيتَشهدُ، فإذا فرغ فلم يبق إلا أن يُسلم فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يُسلم " ثم ذكر معنى مالك (1) . ش- يعقوب بن عبد الرحمن القاري بتشديد الياء. قوله: " أَنْ قد صلى " لا أن، يجوز أن تكون مخففة من المثقلة أي: أنه قد صلي، ويجوز أن تكون مَصْدريةً أي: فإن استيقن صلاته ثلاثا أي: ثلاث ركعات. قوله: " ثم ذكر معنى مالك " أي: معنى حديث مالك بن أنسٍ المذكورة وهو - أيضا مُرْسل. ص- قال أبو داود: وكذلك رواه ابن وهب، عن مالك، وحرص بن ميْسرة، وداود بن قيس، وهشام بن سَعْد؛ إلا أن هشام بن سَعْد بلغ به أبا سعيد الخدري. ش- أي: كذلك روى هذا الحديث: عبد الله بن وهب، عن مالكِ. وحرص بن ميسرة: أبو عمر (2) الصنعاني/ من صنعاء دمشق، وقيل: من صنعاء اليمن، سكن عسقلان الشام، وروى عن: هشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وزيد بن أسلم وغيرهم، روى عنه: الثوري، وابن وهب، وآدم بن إياس وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم وأبو زمعة: لا بأس به. مات سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (3) . وداود بن قيس: الفراء الدباغ المدني. وهشام بن سعد: أبو سَعْد المدني.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) في الأصل: " أبو عمرو" خطأ. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1417/7) .

186- باب: من قال: يتم على أكبر ظنه

والحاصل: أن عبد الله بن وهب روى هذا الحديث عن هؤلاء الجماعة، وهم رووه عن زيد بن أسلم كلهم بالإرْسال؛ إلا أن هشاما وصله، وبلغ به أبا سعيد الخدري. * * * 186- بَاب: مَنْ قال: يُتمّ عَلَى أكبَر ظنّه أي: هذا باب في بيان من قال: يتم على كبر ظنه عندَ الشك. 999- ص- نا النفيلي: نا محمد بن سلمي، عن خُصَيف، عن أبى عُبيدة بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله يكره قال: "إذا كنت في صلاة فشككتَ في ثلاث وأربع (1) وكبر ظنك علي أربع تشهدتَ ثم سجدتَ سجدتين وأنثَ جالسين قبل أن تُسلم ثم تَشهدت- أيضا- ثم تُسلم " (2) . ش- خُصيف- بضم الخاء المعجمة- بن عبد الرحمن، قد مر ذكره، وأبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، قد تقدم أنه لم يَسْمع من أبيه. وفيه: الأخذُ بخبر الظن، وأن سجدتي السهو قبل السلام؟ ولكنه غيرَ مَرْفوع. ص- قال أبو داود: وكذا رواه عبد الواحد عن خُصَيف ولم يَرْفعه. ش- أي: عبد الواحد بن زياد البصري روى هذا الحديث عن خُصيف ولم يَرْفعه. ص- ووافقَ عبدَ الواحد- أيضا سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث ولم يُسْندوه. ش- فاعلة وافق،: سفيان، و "عبد الواحد" مفعوله. وسفيان الثوري، وشريك النخعي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. 1000- ص- نا محمد بن العلاء: أنا إسماعيل بن إبراهيم: نا هشام الدستوائي: نا يحيي بن أمي كثير: نا عياض ح أنا موسى بن إسماعيل: نا

_ (1) في سنن أبي داود: "أو أربع ". (2) تفرد به أبو داود.

أبان: نا يحيي، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري أن النبي- عليه السلام- قال: " إذا صلى أحدكم فلم يَدْر زادَ أم نقصَ فليسجُد سجدتين وهو قَاعد فإذا أتاه الشيطانُ فقال: إنك قد أحدثتَ فليَقُل: كذبتَ، إلا ما وجَدَ ريحا بأنفِه أو صَوتا بأذنه " (1) (2) . ش- إسماعيل بن إبراهيم: هو ابن علية. وعياض بن هلال، ويُقالُ: هلال بن عياض، وأبان بن يزيد العطار، ويحيي بن أبي كثير. قوله: " فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثت " كناية عن وَسْوسته بذلك وتَلْبيسه عليه. قوله: " فليقل كذبتَ " كناية عن دفع تلك الوسوسة، وترك العمل بها. قوله: "إلا ما وَجَد ريحاً" كلمة [ما] مصدرية، والمُستثنى منه محذوف؛ وتقدير الكلام: لا ينقض قول الشيطان ذلك وضوءه إلا وجدان الريح بأنفه، أو وجدان الصوت بأذنه، فذكر النَوْعين ليشمل الأطروش والأخشم، أو ليشمل نوعي خروج الريح وهما: الفُساء والضُراطُ. والحديث: أخرجه الترمذي، وابن ماجه مختصرا، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من غير هذا الوجْه. ص- قال أبو داود: وهذا لفظ حديث أبان. وقال معمر، وعلي بن المبارك: عياض بن هلال، وقال الأوزاعي: عياض بن أبي زُهير. ش- أشار بهذا إلى الاختلاف في عياض؛ فقيل: هو عياض بن هلال- كما وقع هكذا في رواية هشام الاستوائي-، وقيل: هلال بن عياش- كما وقع في رواية أبان بن يزيد- وقال عبد الرحمن الأوزاعي،

_ (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: " وهذا لفظ حديث أبان". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان (396) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: السهو في الصلاة

عن يحيي بن أبي كثير، عن عياض بن أبي زُهير، وقال ابن حبان في "الثقات": عياض بن أبي زهير، يروي عن: أبي سعيد الخدري، رَوى عنه: يحيي بن أبي كثير، حدثنا عمر بن محمد الهمداني: ثني عمرو بن عثمان: نا بقية بن الوليد: أنا الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن عياض بن أبي زهير: سمعت أبا سعيد الخدري: قال رسول الله- عليه السلام-: "إذا سهى أحدكم في صلاته فلا يدري زاد أم نقص، فليسجد سجدتين/ وهو جَالس". 1001- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي كلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله- عليه السلام- قال: ما إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة (1) جاءه الشيطان فَلبَس عليه حتى لا يَدْري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليَسْجد سجدتين وهو جالس (2) . ش- " لَبَس عليه "- بتخفيف الباء- أي: خلط عليه أمر صلاته، ومنه قوله تعالى: "وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم فلا يَلبسُونَ" (3) وضبطها بعضهم بالتشديد؛ لأجل التكثير؛ والتخفيف أفصحَ. واختلف العلماء في المراد به؛ فقال الحسن البصري: وطائفة من السلف بظاهر هذا الحديث، وقالوا: إذا شك المصلي فلم يدر زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان وهو جالسا؛ عملا بظاهر هذا الحديث. وقال الشعبي، والأوزاعي وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم

_ (1) في سنن أبي داود: "قام يصلي ". (2) البخاري: كتاب السهو، باب: السهو في الفرض والتطوع (1232) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له 82- (389) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان (397) ، النسائي: كتاب السهو، باب: التحري (3/ 31) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام (1216، 1217) . (3) سورة الأنعام: (9) .

صلى لزمه أن يُعيد الصلاة مَرةً بعد أخرى أبدا حتى يستيقن. وقال بعضهم: يُعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. وقال مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور: متى شك في صلاته هل صلى ثلاثا أو أربعا مثلا لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتي برابعة وأمجد للسهو؛ عملا بحديث أبي سعيد الذي مضى في أول الباب السابق؛ لأنه صريح في وجوب البناء على اليقين، وهو مُفسِر لحديث أبي هريرة، فيحملُ حديث أبي هريرة عليه. وقال أصحابنا: إن كان الشك عرض له أول مرة يَستقبلُ، وإن كان يعرض له كثيراً بنى على كثر رأيه لقوله- عليه السلام-: " إذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه ما رواه البخاري ومسلم (1) ، وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين لقوله- عليه السلام-: "إذا سهى أحدكم في صلاته فلم يدر واحدةً صلى أو ثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا فليبْن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث، وليَسْجد سجدتين قبل أن يسلمه رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه، ولفظه: " إذا سهى أحدكم في صلاته فلم يدر واحدةً صلى الو ثنتين فليجعلها واحدةً، وإذا شك في الثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا، ثم ليتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يَسجُد سجدتين وهو جالسٌ قبل أن يسلم،. وأخرجه الحاكم في "المستدرك " ولفظه: "فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليُتم؛ فإن الزيادة خيرٌ من النقصان" وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه. وقال الذهبي في " مختصرها: فيه عمار بن مَطر الرهاوي، وقد تركوه. وعمار ليس في "السنن". وأما حديث أبي سعيد: فقد قلنا: إنه محمول على ما إذا وقع له ذلك مرارا ولم يقع تحريه على شيء. وأما حديث أبي هريرة هذا: فإنه فيما إذا

_ (1) تقدم قريبا.

شك ثم تحرى الصواب، فإنه يبني على كبر رأيه- لما قلنا- وتبويب أبي داود- أيضا- يدل على هذا. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: كذا رواه ابن عيينة، ومعمر، والليث. ش- أي: كذا روى الحديث المذكور: سفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، والليث بن سَعْد. 1002- ص- نا حجاج بن أبي يعقوب: نا يعقوب: نا ابنُ أخي الزهري، عن محمد بن مسلم بهذا الحديث بإسناده، زادَ: "وهو جالسٌ قبل التسليم" (1) . ش- يعقوب بن إبراهيم بن سَعْد، وابن أخي الزهري: اسمُه: محمد بن عبد الله، وقد مر غير مرة، ومحمد بن مسلم: هو الزهري. قوله: "زاد" أي: حجاج المذكور في روايته: " فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم". 1003- ص- نا حجاج: نا يعقوب: أنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم الزهري بإسناده ومعناه قال: "فليسجد سجدتين قبل أن يُسلم ثم ليُسلم " (2) . ش- حجاج ويعقوب هما المذكوران آنفا، ووالد يعقوب: إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن إسحاق بن يَسار. فإن قيل: ما تقول في هذه الروايات التي تدل على ابن سجدتي السهو / قبل السلام؟ قلت: روايات الفعل متعارضةٌ، فبقي لنا رواية القول؛ [2/65 - ب] وهو حديث ثوبان: " لكل سهو سجدتان بعدما تسلم " من غير فصل بين الزيادة والنقصان سالما من المعارض، فنَعْملُ به لسلامته عن المُعارض،

_ (1) انظر: التخريج المتقدم. (2) انظر الحديث قبل السابق.

187- باب: من قال بعد السلام

ولأن سجود السهو مما لا ينكر فيؤخر عن السلام، حتى لو سهى عن السلام يَنْجبرُ به. فإن قيل: روايات [] (1) متعارضة كما ترى في هذا 1، (1) وغيره. قلت: لا يَضُرنا ذلك، لأن هذا الخلاف في الأولوية، فللمُصلي أن يختار أفيَ قول شاء؛ لأن الأحاديث صوت في الأقوال وَغيرها. * * * 187- بَاب: مَن قال بَعْد السلام أي: هذا باب في بيان من قال: إن سجدتي السهو بَعْد السلام. 1004- ص- نا أحمد بن إبراهيم: نا حجاج، عن ابن جرير قال: أخبرني عبد الله بن مسافر أن مُصعب بن شيْبة أخبره عن عتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله- عليه السلام- قال: " مَنْ شكّ في صلاته فليسجُد سجدتين بعدما يُسلمُ" (2) . ش- أحمد بن إبراهيم الدورقي، وحجاج بن محمد الأعور، وعبد الملك بن جرير. وعبد الله بن مُسافع بن عبد الله البر بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة - واسمه: عبد الله بن عبد العُزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصير القرشي العبدري المكي الحربي. مات مرابطا بسابق في أرض الشام مع سليمان بن عبد الملك، ومات سليمان بعده بيسيرٍ، ودفن إلى جانبه، وكانت وفاة سليمان في صفر سنة تسعة وتسعين. روى له: أبو داود، والنسائي حديثا واحدا (3) .

_ (1) غير واضح في الإلحاق قدر كلمة. (2) النسائي: كتاب السهو، باب: التحري (3/ 30) ، قال النسائي: مصعب منكر الحديث. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/ 3562) .

188- باب: من قام من ثنتين ولم يتشهد

وعتبة بن محمد بن الحارث بن نوفل، يروي عن ابن عباس، وعبد الله ابن جعفر، روى عنه: ابن جرير، ومُصْعب بن شيبة، ومنبوذ، قال سفيان بن عيينة: أدركتُه. روى له: أبو داود (1) . وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الجواد بن الجواد يكنى أبا جعفر، وأمه: السماء بنت خميس الخثعمية، وُلد بأرض الحبشة وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، ويقالَ: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، روي له عن رسول الله- عليه السلام- خمسة وعشرون حديثا، اتفقا على حديثين، روى عنه: بنوه: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية، ومحمد بن علي بن الحسن، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبيري، والشعبي وجماعة آخرون. توفي سنة تسعين وهو ابن تسعين سنا بالمدينة. روى له الجماعة (2) . وهذا الحديث حجة ظاهرة للحنفية. ورواه النسائي- أيضا وأحمد في " مسندها وابن خزيمة في "صحيحه " ورواه البيهقي وقال: إسناده لا بأس به. قلت: الحديث صحيح، وقولُ النسائي: مُصعَب منكر الحديث، وعُتبة ليْس بمعروف لا ينضر صحته، لأن مصعب بن شيبة الخرج له مسلم في "صحيحه "، ووثقه ابن مَعين، وعُتبة معروف ذكره ابن حبان في "الثقات ". * * * 188- بَاب: مَنْ قامَ مِن ثنتين ولم يَتَشهد أي: هذا باب في بيان حكم من قام من ركعتين ولم يَتشهد عقيبهما. 1005- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن

_ (1) المصدر السابق (9 1/ 3784) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 275) ، أسد الغابة (3/ 98 1) ، الإصابة (2/ 289) .

الأعرج، عن عبد الله ابن بُحَينة أنه قال: صلى لنا رَسولُ الله ركعتين ثم قامت فلم يجلس فقام الناسُ معه فلما قضَى صلاته وانتظرنا التسليمَ كثر فسجد سجدتين وهو جالسٌ قبل التسليم ثم سلم (1) . ش- عبد الله بن بحينة: هو عبد الله بن مالك بن القشيب- وهو جُندب- بن نضرة بن عبد الله بن رافع بن مخضب (2) ، يكنىَ أبا محمد، وبُحَيْنة: أمه، وهي بنت العرب- وهو الحارث- بن المطلب بن عبْد مناف؛ وهي بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث، ولها صحبة، وقيل: جدته أم أبيه مالك، وقيل: اسمها: عَبْدة، ولقبها: بُحَينة، أسلم عبد الله وصحب النبي- عليه السلام- قديماً وكان ناسكا فاضلاً يصوم الدهر، وكان ينزل بَطن ريم على ثلاثين ميلا من المدينة، ومات به في عمل مروان بن الحكم الآخر على المدينة، رويا له أربعة أحاديث، روى عنه: الأعرج، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وابنه: علي بن عبد الله، روى له الجماعة (3) وفي الحديث مسائل؛ الأولى: أن سجود السهو قبل السلام؛ وبه قال الشافعي ومالك، لأنه في النقص. [2/ 66 - أ] / الثانية: أن التشهد الأول والجلوس له ليْسا برُكنين في الصلاة؛ إذ لو

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: من لم ير التشهد الأول واجباً (829) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (85/ 570) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في سجدتي السهو قبل التسليم (393) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ما يفعل من قام من اثنتين ناسيا ولم يتعهد (3/ 19) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن قام من اثنتين ساهيا (1206) . (2) في الإصابة "صعب"، وفي تهذيب الكمال (3517/15) : " محصن". (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 326) ، أصد الغابة (3/ 375) ، 1 لأصل به (2/ 364) .

كانا ركنية لم يجبرهما السجود كالركوع والسجود وغيرهما؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور، وقال أحمد في طائفة قليلة: هما ركنان، ماذا سهى جبرهما بالسجود على مقتضى الحديث. الثالثة: فيه ابنه يُشرع التكبير لسجود السهو؛ وهذا بالإجماع. واعلم أن سجدتي السهو كما تكون في الفرض كذلك في التطوع، وقال ابن سيرين لقتادة: لا يسجد للتطوع؛ وهو قول ضعيف للشافعي. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 1006- ص- نا عمرو بن عثمان: نا أبي وبَقيةُ: نا شعيب، عن الزهري بمعنى إسناده وحديثه، زادَ: وكانَ منّا المُتشَهد في قيامه (1) . ش- عمرو بن عثمان الحمْصي، وأبوه: عثمان بن سعيد أبو عمرو الحمصي، وبقية بن الوليد، وشعيب بن أبي حمزة. قوله: " بمعنى إسناده " أي: بمعنى إسناد الحديث المذكور وبمعنى حديثه. قوله: " وكان منا المُتشهدُ " أي: الذي يقرأ التشهد في قيامه، أي: في قيام النبي- عليه السلام- للثالثة. ص- قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير وقام من سنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري. ش- أي: كذلك سجد سجدتي السهو: عبد الله بن الزبير، والحال أنه قام من ركعتين للثالثة. قوله: ما قبل التسليم " متعلّق بقوله: "سجدهما" " بقوله: "وقام من ثنتين" وهو مذهب الزهُري وغيره. وفي "المصنف": ثنا أبو بكر: ثنا عبْد الوهاب الثقفي، عن أيوب،

_ (1) انظر: التخريج المتقدم. 22. شرح سنن أبي داود 4

189- باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس

عن نافع، عن ابن الزبير أنه قام في ركعتين فسبح القوم، حتى إذا عرف أنه قد وهم فمضى في صلاته. ونا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن في رجل صلى ركعتين من المكتوبة، ونسي أن يتشهد حتى نهض، قال: إذا استوى قائما مضى في صلاته وسجَد سجدتي السهو. قلت: هو مذهب أبي حنيفة- أيضا- قال صاحب: الهداية،: ومن سهى عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلي حالة القعود أقربُ، عاد وقعد وتشهد؛ لأن ما يقربُ إلى الشيء يأخذ حكمه، ثم قيل: يسجد للسهو للتأخير والأصح: أنه لا يسجد، كما إذا لم يقم، ولو كان إلى القيام أقرب لم يَعد إليه؛ لأنه كالقائم معنى، وسجد للسهو لأنه ترك الواجب. * * * 189- بَاب: مَنْ نَسِي أنْ يَتَشَهّدَ وَهْوَ جَالِس أي: هذا باب في بيان من نسي أن يتشهد والحال أنه جالسا؛ وليس في غالب [النسخ] ذكر الباب. 1007- ص- نا الحَسَن بن عَمرو، عن عَبْد الله بن الوليد، عن سفيان، عن جابر- يعني: الجُعْفي-: نا المُغيرة بن شبيل الأحْمَسي، عن قيْس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله: "إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يَسْتوي قائما فليجلس، وإن (1) اسْتوى قائما فلا يجلس ويَسْجدُ سجدتي السَهْو" (2) (3) .

_ (1) في سنن أبى داود: "فان". (2) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن قام من اثنتين ساهياً (1208) . (3) جاء في سنن أبي داود بعد نهاية الحديث: "قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجافي إلا هذا الحديث".

ش- عبد الله بن الوليد: القرشي الأموي، وسفيان: الثوري. وجابر بن يزيد بن الحارث بن معاوية (1) بن والكل بن مرائي (2) بن جُعْفي بن سَعْد العشيرة الجُعْفي أبو عبد الله، أو أبو يزيد، أو أبو محمد الكوفي، روى عن: عامر بن واثقة، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي وغيرهم، روى عنه: الثوري، وشعبة، ومسعر وجماعة آخرون، وقد اختلف كلام الناس فيه؛ فعن سفيان الثوري: كان جابر ورعا في الحديث، ما رأيت الورع في الحديث منه، وعن شعبة: هو صدوق في الحديث، وعن أبي داود الطيالسي: سمِعت وكيعاً يقولُ: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن جابراً ثقة، وعن الشافعي: قال الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر لأتكلمن فيك، وعن ابن معين: كان جابر كذابا، وعن عباس بن محمد: سمعت يحيي يقول: جابرٌ لا يكتب حديثه ولا كرامة، وقيل لزائدة: ثلاثة لا تروي عنهم، لم لا تروي عنهم: ابن أبي ليلى، وجابر الجوفي، والسلبي؟ فقال: أما جابر: فكان والله كذابا يؤمن بالرجعة، وقال النسائي (3) : هو كوفي متروك الحديث./ مات [2/66 - ب] سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) . / وعن أبي داود: ليسَ في كتابي عن جابر الجُعفي غير هذا الحديث (5) /. والمغيرة بين شُبَيْل بن عوْف البولي الكًوفي، روى عن: جرير بن عبد الله التجلي، وقيس بن أبي حازم، روى عنه: الأعمش، وجابر الجوفي، وداود بن يزيد الأولي، قال يحيي بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (6) .

_ (1) في الأصل: " مصعوية ". (2) في تهذيب الكمال: "مرئي". (3) في الأصل: " النسائي ". (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/879) . (5) ما بين الشرطين المائلتين ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث السابق. (6) المصدر السابق (28/ 6131) .

وقيس بن أبي حازم: واسم أبي حازم: عبد عوف بن الحارث، ويقال: عبده (1) بن عبد الحارث بن عوف بن خُشَيْش (2) بن هلال بن الحارث ابن رزَاح بن كلفة بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاويةْ بن أسلم بن أحْمَس بن الغوث بن أنمار بن أراش البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية وجاء ليُبايع النبي- عليه السلام- فقبض وهو في الطريق، وأبوه من أصحاب النبي- عليه السلام-، سمع: أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود وجماعة أخرى كثيرة روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وطارق بن عبد الرحمن، والحكم بن عُتَيبة وغيرهم، قال ابن معين: هو ثقة، وقال معاوية بن صالح: قيْس أوثق من الزهري ومن السائب بن يزيد. مات سنة أربع وثمانين. روى له الجماعة (3) . قوله: " إذا قام الإمام في الركعتين " يعني: إذا قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد ناسياً فإن ذكر ذلك قبل أن ينتصب قائما يعود ويتشهد، وأن ذكره وقد انتصب قائما لا يعود، بل يمضي في صلاته ثم يسجد سجدتي السهوة وهذا بعينه مذهب أبي حنيفة الذي ذكره أصحابه في كتب الفقه. والحديث: أخرجه ابن ماجه. 1008- ص- نا عُبيد الله بن عمر الجُشَمي: نا يزيد بن هارون: أنا المسعودي، عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في

_ (1) كذا، ولم أجدها في مصادر الترجمة، ولعله أراد: "عوف بن عبد" والله أعلم. (2) كذا، وفي تهذيب الكمال (24/ 11) ، وأسد الغابة (4/ 309 ترجمة والده: عوف بن الحارثي "حشيش" وضبطه ابن الأثير بالحروف، وفي الاستيعاب ترجمة والده أبي حازم (4/ 45) "خنيس ". (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (247/2) ، أسد الغابة (4/ 17 4) ، الإصابة (2/ 267، 271) .

الركعتين قلنا: سُبحان الله قال: سبحان الله ومضى فلما أتم صلاته وسَلّم سجَد سجدتي السهو فلما انصرفَ قال: رأيتُ رسول الله يَصْنعُ كما صنَعْتُ (1) . ش- عبيد الله بن عمر: ابن ميْسرة القواريري الجُشَمي، ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي، والمَسْعودي: عبد الرحمن بن عبد الله. وزياد بن عملاقة: ابن مالك الثعلبي- بالثاء المثلثة- أبو مالك الكوفي ابن أخي خطبة بن مالك، سمع: عمه: قطبة، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله البولي وغيرهم، روى عنه: أبو إسحاق الطبيعي، والشيباني، والأعمش، وعاصم الأحول وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق. روى له: الجماعة (2) . قوله: " فنهض في الركعتين " أي: قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد وإنما لم يرجع إلى كلامهم ولم يَعُدْ لأنهم ما ذَكروه إلا بعد أن انتصب قائماً وهذا الحديث- أيضا- بعَيْنه مذهب أبي حنيفة في جميع أحكامه، وهو حجة على مُخالفِيه. وأخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ص- قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة ابن شعبة، ورفعه. ش- أي: كذلك روى هذا الحديث: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، وقال الترمذي: نا أحمد بن منيع: نا هشيم: أنا ابن أبي ليلى، عن الشعبي قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين فسبح به القومُ وسئل بهم، فلما

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً (365) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 2061) .

صلى بقية صلاتهم سلم، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، لم حدثهم أن رسول الله- عليه السلام- فعل بهم مثل الذي فعل. ثم قال الترمذي: وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه، قال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى، وقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق ولا أروي عنه؛ لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً. ص- ورواه أبو عُميس عن ثابت بن عُبيد قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة مثل حديث زياد بن علاقة. [2/ 67 - أ] ش- أي: وروى الحديث المذكور- أيضا- أبو عُمَيس، عن ثابت ابن عُبَيْد مَوْلى زيد بن ثابت الكوفي. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا محمد بن بشْر: نا مؤشر، عن ثابت بن عبيد قال: صليت خلف المغيرة ابن شعبة فقام في الركعتين فلم يجلس، فلما فرغ سجد سجدتين. ص- قال أبو داود: أبو عُميس أخو المَسْعودي. ش- أبو عُميس: اسمُه: عُتْبة بن عبد الله، والمَسْعودي: عبد الرحمن ابن عبد الله- كلاهما- ابنا عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مَسْعود؛ وقد بينا ترجمة كل واحد منهما. وحديث أبي عُميس أجود شيء في هذا؛ فإنه ثقة احتج به الشيخان في "صحيحيهما"، وثابت بن عبيد: ثقة احتج به مسلم. ص- وفعَل سعدُ بن أبي وقاص مثل ما فعل المُغيرة. ش- قال أبو بكر بن أبي شيبة: نا محمد بن فضيل، عن بيان، عن قيْس قال: صلى سَعْد بنُ مالك بأصحابه فقام في الركعة الثانية فسبح به القومُ فلَمْ يجلس، وسئل هو وأشار إليهم أن قوموا، فصلي وسجد سجدتين. ص- وعمران بن حُنين. ش- أي: وفَعل عمران بن حُنَين- أيضا مثل ما فعل المغيرة. قال

أبو بكر: نا يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد قال: صلى بنا عمرانُ بن حُصَين في المسجد، فنهض في ركعتين أو قعد في ثلاث- وكبر ظن هشام: ابنه نهض في الركعتين- فلمّا أتم الصلاة سجد سَجدتي السَّهْو. ص- والضحاك بن قَيْس. شك- قال أبو بكر: حدثنا أسباط بن محمد، عن مشرف، عن الشعبيّ قال: صلى الضحاك بن قيس بالناسِ الظهر فلم يجلس في الركعتين الأولين، فلما سلم سجد سجدتين وهو جَالسٌ. والضحاك بن قيس: ابن خالد بن ثعلبة الفهري القرشي يكنى أبا سعيد، ولد قبل وفاة النبي- عليه السلام- بست سنين أو نحوها، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكانت كبر منه بعشر سنين، روى عنه: تميم بن طرفة، ومحمد بن سويد الفهري، وميمون بن مهران، وسماك بن حرب، وقتل بمرج راهب من أرض دمشق في قتاله لمروان؛ وكان عاملا لعَبد الله بن الزبير، له ذكر في كتاب مسلم، روى له: النسائي (1) . ص- ومُعاوية بن أبي سفيان، وابنُ عباس أفْتَى بذلك. ش- أي: بمثل ما ذكر من الصَّلوات التي صلاها هؤلاء المذكورون. ص- وعُمر بن عبد العزيز. ش- أي: أفتى بمثل ذلك: عُمر بن عبد العزيز، وكذلك أفتى الشعبي، والحسنُ، وعَطاء. ص- وقال أبو داود: هذا فيمَنْ قام من ثنتين ثم سجدُوا بعد ما سلموا. ش- أي: المذكور من الصّوَر فيمنْ قام من ركعتين قبل التشهد، ثم سجدوا للسَّهْو بعد ما سلموا للصّلاة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 2926) .

1009- ص- نا عمرو بن عثمان، والربيع بن نافعِ، وعثمان بن أي شيبة، وشجاع بن مخلد بمعنى الإسْناد أن ابن عياش حدثهم عن عُبيد الله ابن عبيد الكَلاعي، عن زهير- يعني: ابن سالم العَنْسِي-، عن عبد الرحمن ابن جُبير بن نفير- قال عمرو وحده: عن أبيه-، عن ثوبان، عن النبي - عليه السلام- قال: " لكل سهو سجْدتان بعد ما يُسلم ". لم يذكرُ: " عن أبيه " غير عَمرِو (1) . ش- شجاع بن مخلد: البغوي أبو الفضل البغدادي، سكن بغداد، روى عن: سفيان، وهشيم بن بشير، ووكيع وغيرهم، روى عنه: مسلم، وأبو داود، وعبد الله بن محمد البغوي، وابن ماجه وغيرهم، قال ابن معين: نعم الرجل ثقة، وقال صالح بن محمد: هو صدوق. توفي ببغداد لعشر خلون من صفر من سنة خمس وثلاثة ومائتين (2) . وابنُ عياش: هو إسماعيل بن عياش- بالياء آخر الحروف والشن المعجمة- الحمصي. وعبيد الله بن عُبيد الكلاعي: أبو وهب الشامي، سمع: بلال بن سَعْد، وزهير بن سالم، ومكحولا وغيرهم، روى عنه: يحيي بن حمزة، وابن عياش، والأوزاعي وغيرهم، قال ابن معين: ليس به بأس. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (3) . وزهير بن سالم العَنْسي- بالنون- أبو المخارق، حديثه في الشاميين، روى عن: ابن عمرو بن العاص، وعمرو بن سَعْد الأنصاري، وعبد الرحمن بن جُبَير بن نفير وغيرهم، روى عنه: صفوان بن عَمرو، وثور بن يزيد، فضيل بن فضالة، وعُبيد الله بن عبيد الكلاعي. روى [2/67 - ب] له: أبو داود/ وابن ماجه (4) .

_ (1) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 27) . (3) المصدر السابق (9 1/ 3663) . (4) المصدر السابق (9/ 2011) .

قوله: " قال عَمرو وحده" أي: عَمرو بن عثمان المذكور، انفردَ من بين هؤلاء بقولها عن أبيها أي: عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان، عن النبي- عليه السلام-، ولم يذكر لفظ لأبيه " بين عبد الرحمن وبن ثوبان غير عمرو بن عثمان؛ وهو معنى كلام الشيخ في آخر الحديث " لم يَذكر عن أبيه غير عَمرو ". واستدل بهذا الحديث صاحبة "الهداية" فسر قوله: " يَسْجدُ للسهو للزيادة والنقصان سجدتين بعد السلام، ثم يتشهد ثم يُسلم". والحديث: أخرجه ابن ماجه، وأحمد في " مسنده "، وعبد الرزاق في "مصنفه " والطبراني في "معجمه" وذكر البيهقي حديث ثوبان هذا، ثم قال: إسناد فيه ضعف. قلنا: سكوت أبي داود يدل على أن اقل أحواله أن يكون حسنا عنده على ما عرف، وليس في إسناده مَنْ تكلم فيه سوى ابن عياش، وبه عمل البيهقي الحديث في كتاب " المعرفة " فقال: تفرد به إسماعيل بن عياش؛ وليس بالقوي. قلنا: هذه العلة ضعيفة؛ فإن ابن عياش روى هذا الحديث عن شامي، وهو: عُبيد الله الكلامي. وقد قال البيهقي في " باب ترك الوضوء من الدم ": ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح، فلا ندري من أين حصل الضعف لهذا الإسْناد؟ ثم معنى قوله: "لكل سهو سجدتان" أي: سواء كان من زيادة أو نقص كقولهم: لكل ذنب توبة، وحمله على هذا أولى من حمله على أنه كلما تكرر السهو ولو في صلاة واحدة لكل سهو سجدتان- كما فهمه البيهقي- حتى لا تتضاد الأحاديث، وأيضاً فقد جاء هذا التأويل مصرحاً به في حديث عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سجدتا السهو تجزآن من كل زيادة ونقصان " ذكره البَيْهقي في "باب من كثر عليه السهول، على أن البيهقي فهم من هذا اللفظ- أيضا - ما فهمه في هذا الباب، وبهذا يظهر لك أنه لا اختلاف بين حديث ثوبان وبين حديث أبي هريرة وعمران وغيرهما. * * *

190- باب: سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم

190- بَابُ: سَجْدتي السهو فيهما تَشهد وَتَسْليم أي: هذا باب في بيان سجدتي السهْو فيهما تشهد وتسليمَ. 1010- ص- نا محمد بن يحيي بن فارس: نا محمد بن عبد الله بن المثني قال: حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حُسين أن النبي- عليه السلام- صلى بهم فسهَى فسجَدَ سجدتين ثم تشهد ثم سلم (1) . ش- أشعث بن عبد الملك الحُمراني، وخالد الحذاء، وأبو قرابة عبد الله ابن زيد الجرمي، وأبو المُهلب عبد الرحمن بن عَمرو. قوله: "صلى بهم" أي: بالناس. وفيه: أن سجدتي السهو عقابهما: التشهد والسلام. وأخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال: اختلف أهل العلم في التشهد في سجدتي السهو؛ فقال بعضهم: يتشهد فيهما ويُسلّم، وقال بعضهم: ليس فيها (2) تشهدٌ وتسليم، ماذا سجدهما قبل السلام لم يتشهد؛ وهو قول أحمد وإسحاق قالا: إذا سجد (3) سجدتي السهو قبل السلام لم يتشهد. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا معاذ بن معاذ: أنا ابن جرير، عن عطاء قال: ليس في سجدتي السهو تشهد ولا تسليم. نا ابن مهدي، عن حماد بن سلمي، عن قتادة، عن الحسن وأنا أنهما سجَداهما ثم قاما ولم يُسلما. وأخرج عن عبد الله التشهد، وكذا أخرج عن إبراهيم: التشهد والسلام، وعن الحكم وحماد. * * *

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التشهد في سجدتي السهو (395) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ما يفعل من سهم من ركعتين ناسيا وتكلم (26/3) . (2) في جامع الترمذي " فيهما". (3) في الأصل: " شهد "، وما أثبتناه من جامع الترمذي.

191- باب: انصراف النساء قبل الرجال منذ الصلاة

191- بَابُ: انصرَافِ النِسَاءِ قَبلَ الرجالِ منذ الصلاة أي: هذا باب في بيان انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة. 1011- ص- نا محمد بن يحيى، ومحمد بن رافع قالا: نا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أمر كلمة قالت: كان رسول الله- عليه السلام- إذا سلم مكث قليلا وكان يُروْن أن ذلك كيْما يَنْفُذ النِساءُ قبل الرجال (1) . ش- هند بنت الحارث: الفِراسية، ويقال: القرشية، روت عن أم سلمة، روى عنها: الزهري. قال جعفر بن ربيعة،/ عن الزهري: [2/68 - أ] حدثتني بنت الحارث الفراسية- وكانت من صواحباتها-، وقال الزبيدي: عن الزهري: أخبرتني هند القرشية، وكانت تحت معبد المقداد، وهو حليف ابن زهرة، وكانت تدخل على الزواج النبي- عليه السلام-. وقال ابن التين: وقال الداودي. كانت من فارس. وقال ابن الأثير: ولا العلم له وجهاً روى لها: الجماعة إلا مُسلماً (2) . قوله: "كيما ينفذ النساء" بالذال المعجمة، أي: كيما تمضي النساء قبل الرجال- واختلف العلماء: هل يمكث الإمام في مصلاه بعد الفراغ من الصلاة؟ فقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصّبح فلا. وقال أبو محمد: يتنفل بعد الصلوات كلهاة ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره. وقال مالك: لا يثبت الإمام بعد سلامه. وقال أشهب: له أن يتنفل في موضعه؛ أخذا بما روي عن القاسم بن محمد. قال ابن بلال: ولم أجده لغيره من الفقهاء. وقال الشافعي: يستحب له أن يثبت ساعةً. وقال ابن بطال:

_ (1) البخاري: كتاب الآذان، باب: التسليم (837) ، النسائي: كتاب السهو، باب: جلسة الإمام بين التسليم والانصراف (3/ 25) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الانصراف من الصلاة (932) . (2) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/ 7942) .

192- باب: كيف الانصراف من الصلاة

وأما مكث الإمام في مصلاه بعد السلام فكرهه أكثر الفقهاء إذا كان إماماً راتبا، إلا أن يكون مكثه لعِلة كما فعل رسولُ الله. وهو قول الشافعي، وأحمد. وقال مالك: يقومَ ولا يقعد في الصلوات كلها إذا كان إمام مسجد جماعة، فإن كان في سفر: فإن شاء قام، وإن شاء قعد. قال ابن خربود: من غير أن يَسْتقبل القبلة. وعن عمر بن الخطاب: جلوس الإمام بعد السلام بدْعة. وعن ابن مسعود: كان النبي- عليه السلام- إذا قضى صلاته انفصل سريعاً: إما أن يقوم وأما أن ينحرف. وقال قتاده: كان أبو بكر إذا سلم كأنه على الرضْف حتى ينهض. وعن الحسن والزهري: لا ينصرفون حتى يقوم الإمام؛ ذكرها عبد الرزاق. وفي كتاب ابن شاهين من حديث سفيان، عن سماك، عن جابر: كان النبي - عليه السلام- إذا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً وفي حديث ابن جرير، عن عطاء، عن ابن عباس: صليت مع النبي- عليه السلام-، فكان ساعة يُسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب من مكانه كأنه يقوم عن رضفة. قال ابن شاهين الحديث الأول عليه العمل في الصلاة التي لا يتنفل بعدها، والثاني: في التي بعدها تنفل. وحديث أم كلمة: أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه. * * * 192- بَابٌ: كيفَ الانصرافُ مِن الصلاة؟ أي: هذا باب في بيان كيفية الانصراف من الصلاة. 1012- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة، عن سماك بن حرب، عن قَبيصة بن هُلب- رجل من طيئ-، عن أبيه أنه صلى مع النبي- عليه السلام- فكان ينصرفُ مع شِقيه (1) .

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الانصراف عن يمينه وعن شماله (301) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الانصراف من الصلاة

ش- قبيصة بن الهلب: الكوفي الطائي، روى عن: أبيه، روى عنه: سماك بن حرب، قال علي بن المديني: هو مجهول، لم يرو عنه غير سماك، وقال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وهُلْب: بضم الهاء وسكون اللام، وقيل: الصواب فيه: فتح الهاء وكسر اللام، وذكر بعضهم فيه ضم الهاء وفتحها وكسرها، واسمه: يزيدُ ابن قنافة، ويقال: يزيد بن عدي بن قنافة، وفد على رسول الله وهو أقرع فمسح رأسه، فنبت شعرُه فسُمّي هلباً (2) . قوله: "مع شقيه" أي: مع جانِبَيْه؛ يعني: تارةً عن يمينه وتارة عن شماله. وفي رواية ابن ماجه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: رأيت رسول الله ينفتل عن يمينه ويساره في الصلاة. وعند ابن حبان، عن قبيصة بن هُلْب- أيضاً-، عن أبيه قال: أمّنا رسولُ الله- عليه السلام- فكان ينصرف عن جانبيه جميعاً. وقال الترمذي: نا قتيبة: نا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: كان رسول الله يؤمنا فينصرف على جانبيه على يمينه وشماله، وقال: حديث هلب حديث حسنٌ، وعليه العمل عند أهل العلم: أنه ينصرف على أقي جانبيه/ شاء، إن شاء عن [2/68- ب] يمينه، دان شاء عن يساره، وقد صحّ الأمران عن النبي- عليه السلام-، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، أن كانت حاجته عن يَساره أخذ عن يَساره.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4846) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 614) ، وأسد الغابة (5/ 413) ، والإصابة (3/ 906) .

1013- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة، عن سُلَيْمان، عن عمارة، عن الأسْود بن يزيد، عن عبد الله قال: لا يجعلْ أحدكم نصيبا للشيطان من صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر ما ينصرفُ عن شماله قال عمارة: أتينا المدينةَ بعدُ فرأيت منازلَ النبي- عليه السلام- عن يَسارِه (1) . ش- سليمان: هو الأعمش، وعمارة: ابن عُمَيْر. وفي رواية مسلم: "لا يجعلن " بنون التأكيد. وأخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه؛ وليس فيه قول عمارة. وقد أخرج مسلم في "صحيحه" والنسائي في "سننه " من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السُدي قال: سألت أنساً كيف أنصرفُ إذا صليتُ عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه. وجه الجمع بين الروايتين: أنه- عليه السلام- كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جوازهما ولا كراهة في واحد منهما. وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود فليست بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال؛ دائما هي في سنن من يرى أن ذلك لا بد منه؛ فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ. وقال الشيخ محيي الدين (2) : ومذهبنا: أنه لا كراهة في واحد من الأمرين؛ لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل؛ لعموم الأحاديث المصرية في فضل اليمين في باب المكارم ونحوها. وقال صاحب "المحيط ": والمستحب: أن ينحرف إلى يمين القبلة،

_ (1) البخاري: كتاب الآذان، باب: التسليم (852) ، النسائي: كتاب السهو، باب: الانصراف من الصلاة (3/ 81) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الانصراف من الصلاة (930) . (2) شرح صحيح مسلم (220/5) .

193- باب صلاة الرجل التطوع في بيته

وكذلك إذا أراد أن يتنفل بعد المكتوبة يستحب له أن يتطوع في يمين القبلة؛ لأن لليمين فضلاً على اليَسار؟ ويمين القبلة: ما بحذاء يَسار المستقبل. * * * 193- بَابُ صَلاة الرجل التطوّعَ في بيتِهِ أي: هذا باب في بيان صلاةَ الرجلِ التطوعَ في بيْته، وفي بعض النسخ: "باب التطوع في بَيْته". 1014- ص- نا أحمد بن حنبل: نا يحيي، عن عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله-: واجعلوا من صلاتكم في بيوتكم (1) ولا تتخذوها قبورا " (2) . ش- يحيي القطان. وعُبيد الله بن عمر بن حرص العمري، روى عن: نافع، وابن أبي صالح، َ وأبي الزبير المكي وغيرهم، روى عنه: يحيي، وأبو بَدْر، وابن قدامه وغيرهم، قال يحيي بن معين: ثقة. روى له الجماعة. قوله: " اجعلوا منْ صلاتكم في بيوتكم" معناه: صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة؟ والمراد به: صلاة النافلة أي: صلوا النوافل في بيوتكم. وقال القاضي عياض: قيل: هذا في الفريضة؛ ومعناه: اجعلوا بعض فرائضهم في بيوتكم ليقتدي بكم مَن لا يخرج إلي المساجد من نسوة وعبيدٍ ومريض ونحوهم. قال: وقال الجمهور: بل هو في

_ (1) في سنن أبي داود: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ". (2) البخاري: كتاب التهجد في الليل باب: التطوع (1187) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة النافلة في البيت 208 / 777) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت (451) ، النسائي: كتاب قيام الليل، باب: الحث على الصلاة في البيوت، والفضل في ذلك (197/3) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسنة فيها باب: التسبيح في الركوع والسجود (887) .

النافلة لإخفائها، وللحديث الآخر: " أفضل الصلاة: صلاة المرء في بيْته إلا المكتوبة ". قلت: فعلى التقدير الأحول تكون "مِنْ" في قوله: "اجعلوا من صلاتكم " زائدةً؛ ويكون التقدير: اجعلوا صلاتكم في بيوتكم ويكون المراد منها النوافل، وعلى التقدير الثاني تكون " مِن " للتبعيض، والمعنى: اجعلوا بعض صلاتكم المكتوبة في بيوتكم. والأحسنُ عندي: أن تكون "من" للتبعيض مطلقا ويكون المراد من الصلاة مطلق الصلاة، ويكون المعنى: اجعلوا بعض صلاتكم وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم، والصلاة المطلقة تشتمل النفل والفرض، على أن الأصح منع مجيء " مِنْ " زائدةً في الكلام المثْبت، ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة لا كلها [2/69 - أ] ولا بعضها،/ لأن الحث على النفل في البيت، وذلك لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحيطات وليتبرك البيْت بذلك، وتنزل الرحمة فيه والملائكة، وينفر الشيطان منه. وقوله: " ولا تتخذوها قبورا " من التشبيه البليغ البديع بحذف حرف التشبيه للمبالغة، وهو تشبيه البَيْت الذي لا يُصلَّى فيه بالقبر الذي لا يُمكَنُ الميّت فيه من العبادة. وقد أول جماعة هذا الحديث على منع الصلاة في المقابر، ونسَب السفاقسي هذا التأويل إلى البخاري. وهذا تأويل بعيدة والصحيح ما ذكرناه. وقد روي عن جماعة أنهم كانوا لا يتطوعون في المسجد، منهم: حذيفة، والسائب بن يزيد، والربيع بن خثيم، وسويد بن غفلة. ومن هذا أخذ علماؤنا: أن الأفضل في غير الفرائض: المنزلُ. وقد روى الترمذي، عن زيد بن ثابت، عن النبي- عليه السلام- قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة". وحديث ابن عمر: أخر له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وروى الطبري من حديث عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه يَرْفعه: "نوْروا بيوتكم بذكر الله، وكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورا كما اتخذها اليهود والنصارى".

وروى ابن أبي شيبة بسند جيد، عن زيد بن خالد الجهني يَرْفعُه: "صلُوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا". ورَوى- أيضا- من حديث جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين: حدثنيِ علي بنُ عمر، عن أبيه، عن علي بن حُسين، عن أبيه، عن جده يرْفعهُ: " لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً". 1015- ص- نا أحمدُ بن صالح: نا عبدُ لله بن وهب قال: أخبرني سُليمانُ بن بلال، عن إبراهيم بن أبي النَضْر، عن أبيه، عن بُسْر بن سَعيد، عن زيْد بن ثابت أن النبي- عليه السلام- قال: " صلاةُ المرْء في بيته أفضلُ من صلاته في مَسْجدي هذا إلا المكتوبة " (1) . ش- إبراهيم بن سالم بن أبي النضر أبو إسحاق التميمي القرشي، يُلقبُ بَرَدان، روى عن: أبيه، وسعيد بن المسيب، روى عنه: سليمان ابن بلال، وصفوان بن عيسى، قال ابن سعد: كان ثقة له أحاديث. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. روى له: أبو داود (2) . وأبوه: سالم بن أبي أمية أبو النضر، قد ذكر مَرةً، وبُسْر بن سعيد: بضم الباء وسكون السين المهملة، قد ذكرناه. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي بنحوه، وقال الترمذي، حديث حسن، وفيه دلالة [أن الصلاة] (3) في البيت أفضل؛ لأن صلاة المرء إذا كا [نت] (3) في بيته أفضل من صلاته في مسجد الرسول، (3) - عليه السلام- كانت في بيته بطريق الأولى أن تكون أفضل من صلاته في مسجد غير الرسول- عليه السلام-. * * *

_ (1) البخاري: كتاب الآذان، باب: صلاة الليل (731) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوارها في المجد (1 13/78 2، 4 1 2) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل صلاة التطوع في البت (450) ، النسائي: كتاب قيام الليل، باب: الحث على الصلاة في البيوت (3/197 - 198) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 173) . (3) غير واضح في الإلحاق. 23. شرح سنن أبي داوود 4

194- باب: من صلى لغير القبلة ثم علم

194- بَاب: مَنْ صَلى لغيْر القِبْلةِ ثم عَلِمَ أي: هذا باب في بيان من صلى لغير جهة القبلة ثم علم. 1016- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن ثابت وحميد، عن أنس، أن النبي- عليه السلام- وأصحابه كانوا يُصلون نحو بَيْت المقدس، فلماً نزلت هذه الآية "فَول وجهك شطر المسجد الحرام وحيْث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " فمر رجل من بني سَلِمة فنادَاهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة قد حُولَتْ إلى الكعبة- مرتين- قال: فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبَة (1) . ش- صلى رسول الله- عليه السلام- نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا على ما روي في " الصحيح " عن البراء قال: وكان رسول الله يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا" الحديث. وعند ابن ماجه بسند صحيح. "صلينا مع رسول الله نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين " الحديث. قوله: "شطر المسجد الحرام" أي: جهته. السجستاني (2) من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عنه: كان يستقبل صخرة بيت المقدس. وهي قبلة اليهود سبعة عشر شهر. وعن سعيد بن عبد العزيز أن النبي - عليه السلام- صلى نحو بيْت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى الآخرة. وعند الشافعي، عن مالك، عن يحيي بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب أن رسول الله- عليه السلام- صلى في مسجده الظهر بالمسلمين، ثم أمر أن يواجه إلى المسجد الحرام. قال: ويُقال: إنه زار

_ (1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، " باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة (527/15) ، النسائي في كتاب التفسير، باب: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " (1/ 198) . (2) كذا.

أم بشر بن البراء بن معرور في بني سَلِمة، وصنعت له طعاماً، وحانت الظهر فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يتوجه إلي الكعبة، فاستداروا إلى الكعْبة، واستقبل الميزاب، فسمي المسجد مسجد القبلتين، وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا. قال محمد بن عمر: هذا أثبت عندنا. وعن عمارة بن أوس الأنصاري قال: صلينا إحدى صلاتي العشاء فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى: إن الصلاة قد وجهت نحو الكعْبة. قال: فتحرف أو تحول إمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان. وفي "المُحبر " لابن حبيب: حُولِت / الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في الركعة الثالثة، وقيل: في 2/69 - ب] صلاة العصر. وفي "الناسخ والمنسوخ " للنحاس، عن ابن زيد بن أسلم: بعد بضعة عشر شهرا. قال: وروى الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: صرفت في جمادى. قال أبو جعفر النحاس: وهو أولى الأقوال بالصواب. وقال الطبري: حدثنا القاسم: نا الحسين: نا حجاج: قال ابن جريج: صلى رسول الله- عليه السلام- أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى المقدس فصلّت الأنصار قبل قدومه بثلاث حجج. قوله: "شطر المسجد الحرام " أي: جهته. قوله: "فمر رجل من بني سَلمة"- بفتح السن وكسر اللام- بَطن من الأنصار من الخزرج، وزعم ابنَ بَشكوال والخطيب أن الذي مر عليهم: أبو بشر عباد بن بشر الأشهلي، وقيل: عباد بن نهيك، فيحتمل ابن أحدهما أتى إلي مسجد قريب من المدينة العصر، والآخر جاء إلى أهل قباء الصبح. قوله: "وهم ركوع " جملة حالية، والركوع جمع راكع كالسجود جمع ساجدِ. ويُستفادُ من الحديث فوائد؛ الأولى: جواز النسخ عقليا ووقوعه شرعا، وهو مذهب المسلمين أجمع؛ خلافا لليهود- عليهم اللعنة- فعند بعضهم باطل نقلا وهو ما جاء في التوراة: "تمسكوا

بالسبْت مادامت السمواتُ والأرض " فادعوا نقله تواترا، ويدعون النقل عن موسى- عليه السلام- أنه قال: "لا نسخ لشريعته". وعند بعضهم باطل عقلا. وقد نقل إنكارُه عن أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، قال فخر الإسلام: "إنكار النسخ مع عقد الإسلام لا يتصورُ". قلنا: أما جوازه عقلا؛ فلأنه ليْس إلا بيان مدة الحكم المُطلق التي هي غيْب عنا، ومعلوم عند الله بأنها مُؤقتة إلى وقت كذا، والأحكام ضرعت لمصالح العباد، وتتبدلُ باختلاف الزمان. وأما وقوعه شرعا: فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعاً في شريعة آدم- عليه السلام-، وبه حصل التناسل وهذا لا ينكره أحد، ثم نسخ ذلك في شريعة غيره، وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل شريعة موسى- عليه السلام-، ثم نُسخ بعدها بشريعته- عليه السلام-، وبه خرج الجواب عما ذكره اليهود عليهم اللعنة. الثانية: جواز نسخ الكتاب بالسنة وعكْسه؛ وذلك لأنه- عليه السلام- كان يتوجهُ إلى الكَعْبة في الصلاة حين كان بمكة، وبعد الهجرة توجه إلى المدينة- كما ذكرنا- وعلم بالتحقيق أن التوجه إلى بيت المقدس كان بالسنة؛ لأنه ليس بمتلو في القرآن، فإن كان التوجه إلى الكعبة أولا بالكتاب، فقد نسخ بالسنة المُوجبة إلى التوجه إلى بيت المقدس، فدل على جواز نسخ الكتاب بالسنة، وأن كان بالسنة فلا شك أن التوجه الثابت إلى القدْس نسخ بالكتاب وهو قوله: "فَول وَجْهَكَ شَطرَ المسجِدِ الحَرَام" (1) فدل على جواز نسخ السنة بالكتاب وقال الشيخ محيي الدين (2) : واختلف أصحابنا وغيرهم أن استقبال بيت المقدس كان ثابتا بالقرآن أم باجتهاد النبي- عليه السلام-؟ فحكى للماوردي في "الحاوي" وجهين في ذلك لأصحابنا، قال القاضي: الذي ذهب إليه كثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال: إن القرآن ينسخ السنةَ، وهو قول كثر الأصولية، وهو أحد قولي الشافعي،

_ (1) سورة البقرة: (144) . (2) شرح صحيح مسلم (9/5) .

والقول [الثاني] (1) له وبه قالت طائفة لا يجوز؛ لأن السنة مبينة للكتاب فكيف يَنسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة؛ بل كان بوحي، قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلنَا القِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهًا) الآية (2) ، واختلفوا- أيضا في عكْسه وهو نسخ السنة بالقرآن، فجوزه الأكثرون ومنعه الشافعي وطائفة. الثالثة: جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد في حال حياة النبي- عليه السلام-. لأن أهل قباء كانوا في الصلاة متوجهين إلي القدس، فأخبرهم مخبر بأن القبلة/ قد تحوّلت إلى الكعبة، فتحولوا إلى الكعبة [2/70 - أ] في خلال الصلاة بخبر الواحد، ولم يُنكر عليهم رسولُ الله- عليه السلام- بذلك. وأما بعد النبي- عليه السلام-: فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ بل إنما يثبت النسخ بالمتواتر مستندا إلى حال حياة النبي- عليه السلام:؛ لأن النصوص بعد موته- عليه السلام- بقيت قطعية لارتفاع احتمال النسخ بعده، فلا يجوز النسخ إلا بقطعي مثله مستندا إلي حال حياته- عليه السلام-، فظهور الناسخ يُبَين أن النسخ كان ثابتا في زمان جواز النسخ، وهو حياته- عليه السلام-؛ لا أن النسخ ثبت في زماننا فقط. الرابعة: فيه قبول خبر الواحد؛ وتفصيل هذه المسألة على خمسة أقسامٍ؛ لأنه إما أن يكون من حقوق الله أو من حقوق العباد؛ فإن كان من حقوق الله فهو على قسمين: عبادات وعقوبات، وإن كان من حقوق العباد: فهو على ثلاثة أقسام: ما فيه إلزام محض، وما فيه إلزام من وجه دون وجه، وما لا إلزام فيه؛ فهذه خمسة: الأولُ: وهو العبادات: خبر الواحد حجة فيه من غير اشتراط العدد، ولفظه الشهادة بعد وجود شرائط تُراعَى في المخبِر وهي: الإسلام، والعدالة، والعقل، والضَبْطُ.

_ (1) زيادة من شرح صحيح مسلم. (2) سورة البقرة: (143) .

الثاني: وهو العقوبات كالحدود والكفارات؛ فذهب الجمهور وكثر أصحابنا إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز؛ وهو المنقول عن أبي يوسف في "الأمالي " وهو اختيار الجصاص، وذهب الكرخي إلى أنه لا يجوز إثبات العقوبات بخبر الواحد، وإليه ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا. الثالث: الذي فيه إلزام محض كالبيع والشراء وسائر أسباب الملك فإن خبر الواحد لا يكون حجة فيه؛ بل يشترط فيه العدد، وأقله اثنان فيما يطلع عليه الرجال، ولفظه الشهادة مع سائر شرائط صحة الأخبار. الرابع: الذي فيه إلزام من وجه دون وجه؛ وذلك مثل العبد المأذون إذا أُخبر بالحجر، أو الوكيل إذا أخبر بالعزل، أو البكر البالغة إذا أُخبرت بتزويج الولي فسكتت، أو الشفيع إذا أخبر ببَيع الدار المشفوعة فسكت عن طلب الشفعة، أو المولى أخبر بجناية عبده فأعتقه، أو الذي أسْلم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دارنا أخبر بالشرائع؛ فإن الإخبار بهذه الأشياء فيه شَبَهان: إلزام من وَجه دون وجه- كما عرف في موضعه- فالمخبِر إن كان رسولا أو وكيلا فالإخبار من جهة المولى أو الموكل لا يشترط فيه العددُ والعدالة اتفاقا، وإن كان فضوليا فكذلك عند أبي يوسف ومحمد، وأبو حنيفة شرَط أحدَهما إما العدد أو العدالة. واختلف المشايخ في الذي أسلم في دار الحرب إذا أخبره فاسق بوجوب الصلاة، هل يلزمه القضاء باعتبار خبره عما فات عنه من الصلوات والصيام؟ فمنهم من يقول: ينبغي أن لا يجب القضاء عليه عندهم؛ لأن هذا من أخبار الدين، والعدالة فيها شرط اتفاقا، واعثر على أنه على الخلاف المذكور. وقال شمس الأئمة: الأصح عندي: أنه يلزمه القضاء بخبر الفاسق عند الكل، لأن المخبِرَ بالشرائع رسول عن رسول الله- عليه السلام-؛ فإنه مأمور من جهة النبي- عليه السلام- بالتبليغ. الخامس: الذي لا إلزام فيه بوجه أصلا كالوكالات والمضاربات والهدايا والودائع والإذن في التجارة، فيعتبر لثبوت هذا القسم خبر كل مميز بين

المضار والمنافع، وإن كان غير عدلا أو صبيا أو كافراً إذا وقع في قلب السامع صدقُه. الخامسة: فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ وذلك فيمن اشتبهت عليه القبلة، فإنه إذا تحرى وصلى إلى جهة ثم علم أنه أَخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى القبلة كما في قضية أهل قباء، وكذا إلى جهات مختلفة فيما إذا أتم قوما في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة، وتحرى مَن خلفه فصلى كل واحد منهم إلى جهةٍ وكلهم خلفه، ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم لوجود التوجه إلى جهة التحري. وقالت الشيخ محيي الدين (1) : وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهذا/ هو الصحيح عند أصحابنا فيمن صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم [2/70- ب] تغير اجتهاده في أثنائها، فيَسْتدبرُ إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة، فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح. السادسة: فيه دليل على أن النسخ لا يَثبُت في سنن المكلف حتى يبلغه وهذا ظاهر. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن خزيمة؛ وزاد في آخره: " واعتدوا بما مضى من صلاتهم ". وعند الطبراني في " الأوْسط ": نادى منادي النبي- عليه السلام-: إن القبلة حولت إلى البيت الحرام- وقد صلى الإمام ركعتين- فاستداروا. وقالت الطحاوي: وفي كونهم "استداروا " دليل على أن من يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض في ذلك غير لازم له، وكذا الرجل يُسلمُ في دار الحرب أو دار الإسلام، وتمرّ عليه فرائضُ لم يعلمها، ولم يعلم بفرضيتها، ثم علم بفرضيتها بعدُ فللعلماء في ذلك قولان، أحدهما: إن كان في دار الحرب بحيث لا يجد من يُعلمه لا يجب عليه قضاء ما مر، وإن كان في دار الإسلام أو في دار الحرب وعنده

_ (1) شرح صحيح مسلم (9/5) .

195- باب: تفريع أبواب الجمعة

من يتعلم منه يجب عليه القضاء فيما مر. وهذا قول أبي حنيفة. والقول الآخر: أنه يقضي ما مرّ من الصلوات والصيام، وهو قول أبي يوسف رحمه الله. * * * 195- بَابُ: تفْريع أبْواب الجُمعةِ أي: هذا باب في بيان تفريع أنول أحكام الجمعة؛ وفي بعض النسخ بعد قوله باب تفريع أبواب الجمعة: " باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة" (1) . 1017- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خيْرُ يوم طلعت فيه الشمسُ يوم الجمعة فيه خُلِق اَدمُ وفيه اهْبطَ وفيه تيب عليه وفيه ماتَ وفيه تقومُ الساعةُ وما منْ دابة إلا وهي مُسيخة يوم الجمعَة من حين تُصْبح حتى تطلع الشمسُ شَفَقاً من الساعة إلا اَلجن والإنس وفيها (2) ساعة لا يُصادفها عبدٌ مُسلِمٌ وهو يُصلي يَسألُ الله حاجة إلا أعطاه إياها ". قال كعب: ذلَك في كل سنة يوم؟ فقلت: بلى (3) في كل جمعة. قال: فقرأ كعب التوراةَ فقال: صدق رسول الله. قال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: قد علمتُ أيّ (4) ساعة هي، قال أبو هريرة: فقلتُ له: أخبرني (5) بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخرُ ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسوَل الله: " لا يصادفُها عبد مسلم وهو يُصلي، وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يَقُل

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود:" وفيه". (3) في سنن أبي داود: " بل ". (4) في سنن أبي داود: "أية". (5) في سنن أبي داود: " فأخبرني".

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جلسَ مجلساً يَنْتظر الصلاةً فهو في صلاة حتى يصلي؟ فقلتُ (1) : بلى، قال: هو ذاك (2) . ش- مالك بن أنس، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهند الليثي المدني، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث القيمي. قوله: " خيرُ يومٍ " مبتدأ. وقوله: " طلعت فيه الشمس " صفة اليوم، من الصفات الكاشفة. وقوله: " يوم الجمعة " خبر المبتدأ. ومعنى قوله: " خير يوم ": أخيرُ الأيام، يعني: أفضلها، وقد علم أن الهمزة حذفت من خير وشر اللذين هما للتفضيل؛ لكثرة دورانهما في الكلام، حتى صار إثباتها فيهما شاذا. والجُمعة: بضم الميم (3) وإسكانها وفتحها؛ حكاها الفراء، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناسَ ويكثرون فيها كما يقال: هُمزة ولُمزة لكثير الهمز واللَّمْز ونحو ذلك. وفي " المعاني " للزجاج: قرئت الجُمِعة- بكسر الميم - سميت جمعة لاجتماع الناس فيها، وكان يوم الجمعة في الجاهلية تسمى العَرُوبة. وعن ابن عباس: سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم. وفي " الأمالي " لثعلب: إنما سمي يوم الجمعة؛ لأن قريشا كانت (4) تجتمع إلى قصي في دار الندوة. وقال الطبري: سمي بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء عليهما السلام في الأرض. وروى ابن خزيمة، عن سلمان/ مرفوعاً " يا سَلْمان" هل تدري لم سمي يوم الجمعة؟ " قلت: اللهُ ورسوله أعلم، قال: " فيه جُمع أبوك أو أبوكم " الحديث.

_ (1) في سنن أبي داود: " قال: فقلت ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة (491) ، النسائي: كتاب السهو، باب: ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة (3/ 114) . (3) في الأصل "الجيم " خطأ. (4) في الأصل " كان ".

قوله:" فيه خلق اَدمُ" المراد منه: نفخ الروح فيه. قال العزيزي: تلج في آدم الروحُ يوم الجمعة عنْد الزوال. قلتُ: يجوز أن يكون ابتداء خلق آدم من الطين يوم الجمعة، ثم قعد ما شاء الله، ثم نفخ فيه الروح يوْم الجمعة- أيضاً-. قوله: " وفيه أهبط " أي: وفي يوم الجمعة أنزل آدم إلى الأرض بعد أن أخرج من الجنّة على جبل سَرنديب. قوله: " وفيه تيب عليه " أي: وفي يوم الجمعة تاب الله على اَدم بعد أن مكث ثلاثمائة سنةَ لا يرفع رأسه حياء من الله. وقال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنّة مائتي سنة، لم يأكلا ولم يشربا أربعين سنةً، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة، فلمًا أراد الله أن يرْحمه لقنه كلمات كانت سبب توبته كما قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مَن ربه كَلمَات فَتَابَ عًلَيْهِ} (1) قيل: هو قوله: {ربنا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} الآية (2) ،َ وقيلَ غير ذلك. قوله: " وفيه مات " أي: في يوم الجمعة مات آدم على نوذ بالهند. وقال ابن عباس: لما كان أيام الطوفان حمل نوح تابوت آدم في السفينة، فلما خرج دفنه ببيت المقدس، وكانت وفاته يوم الجمعة في الساعة التي خلق فيها، وهي أفضل ساعة يوم الجمعة، وقيل: دُفن بمكة في غار أبي قبيس؛ وهو الذي يقال: غار الكنز. وعن ابن عساكر: قيل: ورأسه عند مسجد إبراهيم، ورجلاه عند صخرة بيت المقدس. قوله: " وفيه تقوم الساعة" أي: القيامة. قوله: " مُسيخة " من أساخ، وأساخ وأصاخ بمعنى واحد، أي: مُستمعة مقبلة علَى ذلك، وقيل: مستمعة مُشْفِقة. قوله:" شفقة من الساعة " أي: خوفا من القيامة؛ وانتصابُه على التعليل.

_ (1) سورة البقرة: (37) . (2) سورة الأعراف: (23) .

قوله: " إلا الجنُّ والإنْسَ " بالنَصْب؛ لأنه مستثنى من قوله: " وهي مُسيخةٌ " وهو كلام موجب، والمُسْتثنى يَنْتصبُ إذا كان بعد "الا" غير صفة في كلام مُوجب- كما عرف في موضعه- والجن: ولد إبليس- عليه اللعنة- والكافر منهم شيطان، ولهم ثواب وعقاب، واختلف في دخولهم الجنة. وعن ابن عباس: إنهمِ ولد الجن بني الجان، وليسوا بشياطين؛ ومنهم كافر ومنهم مؤمن، ويعيشون ويموتون، والشياطين لا يموتون إلا عند موت إبليس. وذهبَ الجاحظ إلى أن الجن والملائكة واحد. فمن طَهُر منهم فهو ملك، ومَنْ خبُث منهم فهو شيطان، ومن كان بَيْن بين فهو جِن. وقال الجوهري: الجن خلاف الإنس، والواحِد: جني؛ يقال: سميت بذلك؛ لأنها تُتقى ولا تُرى. قلت: سمّيت بذلك لأنهم مستورون من بني الدم؛ من الامتنان وهو الاستتار؛ ومنه الجُنة- بالضم- ما استترتَ به من سلاح، والجَنة - بالفتح- البستان؛ لاجتنانهم بأشجارها، والجَنين لاستتاره في بطن أمه، والجَنان: القلب كذلك، الجَننُ: القَبرُ كذلك- والإنسُ: البشر، والواحد: إنسِي وأنَسِي- أيضا- بالتحريك، والجمع: َ أناسي. وتقديم الجن لا يدل على تفضيله؛ لأن الواو لا تدل على الترتيب. قوله: " وفيها ساعة " أي: في يوم الجمعة ساعةٌ؟ والساعة: اسمٌ لجزء مخصوص من الزمان، ويرد على أنحاء، أحدها: يطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءاً؛ وهي مجموع اليوم والليلة، وتارة تطلق مجازاً على جزء ما غير مقدر في الزمان فلا يتحقق، وتارة تطلق على الوقت الحاضر، ولأرباب النجوم والهندسة وضع آخر؛ وذلك أنهم يقسمون كل نهار وكل ليلة باثني عشر قسماً سواء كان النهار طويلا أو قصيراً وكذلك الليل، ويُسمّون كل ساعة (1) من هذه الأقسام ساعةً؛ فعلى هذا

_ (1) كذا، والجادة " قسم ".

تكون الساعة تارةً طويلة وتارة قصيرة على قدر النهار في طوله وقصره، ويسمون هذه الساعات: المُعوَجة وتلك الأولة: مُستقيمة. قوله: " لا يُصادفها " أي: لا يُوافقها. قوله: " وهو يصلي " جملة حالية. قوله: " يَسألُ الله حاجةً " جملة حالية- أيضا- وهما حالان متداخلتان أو مترادفتان. [2/ 71 - ب] قوله: " قال كعب " وهو كعب/ بن ماتع بن هيثوع، ويقال: ابن هَسْلوع بن ذي هجرى بن ميتم بن سَعْد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد، ويقال غير ذلك، أبو إسحاق الحميري المعروف بكعب الأحبار، أدرك النبي- عليه السلام- وأسْلم في خلافة أبي بكر الصديق، ويقال: في خلافة عمر بن الخطاب، وروى عنه، وعن صهيب، روى عنه: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وسعيد بن المسيب وجماعة آخرون كثيرة، سكن حمص، توفي بالشام سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، قال أبو فوزة: توفي بحمص ودفناه بين زيتونات أرض حمص. روى له: النسائي (1) . قوله: " ثم لقيت عبد الله بن سَلام "- بتخفيف اللام- ابن الحارث الخزرجي، يكنى أبا يوسف حليف القوافلة، من بني عوف بن الخزرج من الأنصار، وهو رجل من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم السلام-، أسلم عند قدوم النبي- عليه السلام- المدينة، وكان اسمه: الحُصَين، فسماه رسول الله: عبد الله، وشهد له بالجنة، روي له عن رسول الله خمسة وعشرون حديثا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري آخرُ، روى عنه: ابناه: محمد، ويوسف، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن المغفل المزني، وعبد الله بن حنظلة بن الراهب، وأبو سلمي عبد الله بن عبد الرحمن بن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/4980) .

عوف، وقيس بن عبادة، وأبو بردة، وعطاء بن يسار وغيرهم، شهد مع عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس والجابية، وتوفي بالمدينة سنة ثلاث وأربعين روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . قوله:؛ " لا يُصادفها عبد مُسلم وهو يصلي " إلى آخره، واختلفوا في تلك الساعة فقيل: هي من بعد العصر إلي الغروب، وقيل: من حين خروج الإمام إلي فراغ الصلاة، وقيل: من حين تقام الصلاة حتى يفرغ، وقيل: من حين يجلس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الصلاة، وقيل: آخر ساعة من يوم الجمعة وقد رويت في ذلك كلَّه آثار. وقيل: هي عند الزوال، وقيل: من الزوال إلي أن يصير الظل نحو ذراع، وقيل: هي مخفية في اليوم كليلة القدر، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقال قوم: قد رفعت، وقد رد السلف هذا على قائله. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث صحيح. وقد أخرج البخاري، ومسلم طرفا منه في ذكر ساعة الجمعة من رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وأخرج مسلم الفصل الأول في" فضل الجمعة" من رواية الأعرج- أيضا-. 1018- ص- نا هارون بن عبد الله: نا حسين بن علي، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصَنْعاني، عن أوْس بن أوْس قال: قال النبي- عليه السلام: " إنّ من أفضل أيامكم: يوم الجمعة؛ فيه خلق آدمُ، وفيه قُبض، وفيه النفخةُ، وفيه الصَعْقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكَم مَعروضة علي". قال: قالوا: ياَ رسول الله! وكيف تُعرَضُ صلاتُنا عليك وقد أرَمْتَ؟ قال: يَقُولُون: بَليتَ فقال: "إن الله عز وجل حَرم على الأرضِ أجساد الأنبياء" (2) .

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 382) ، أسد الغابة (3/ 264) ، الإصابة (2/ 0 32) . (2) أخرجه النسائي: كتاب الجمعة، باب: ذكر فضل يوم الجمعة (3/ 91) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في فضل الجمعة (1085) ، وكتاب الجنائز، باب: ذكر وفاته - صلى الله عليه وسلم - (1636) .

196- باب: الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة

ش- هارون بن عبد الله: البزار، وحسن بن علي: الجُعفي الكوفي، وأبو الأشعث الصنعاني: اسمُه: شراحيل بن آدة، وقد مر ذكره مرةً. قوله: " وفيه النفخة" أي: وفي يوم الجمعة نفخة الصور؛ وهي النفخة الأولى، والنفخة الثانية وهي نفخة الصعقة، وهيٍ المَوْت؛ قال تعالى: {وَنُفِخَ في الصورِ فَصَعقَ مَن في السموات ومنِ في الأرْضِ} (1) والنفخة الثالثة: نفخة البَعث والحشَر، ونفخ الَصور: عبارة عن الدعاء، كما أن الجيش يُجمع بالنفخ في البُوق. قوله: " وقد أرَمْتَ "- بفتح الراء بوزن ضربتَ- وأصله: أرَمَمْت أي بليتَ وصرْتَ رميماً؛ حذفوا إحدى الميمَين؛ وهي لغة كما قالوا: ظلتُ أفعل كذا أي: ظللت، قال تعالى: {ظَلتَ عَلَيْه عَاكفاً} (2) قال الحربي: أرَمْت ب بفتح الراء- كذا يرويه المحدثون، وَلا أَعْرف وجهه؛ والصواب: أرمَتْ- بسكون الراء وفتح الميم- فتكون التاء لتأنيث [2/ 72 - أ] العظام، أو رَممْتَ أي: صرت رميماً / وقيل: إنما هو " أرمَت " بتشديد التاء على أنه أَدغم إحدى الميمين في التاء. وهذا بعيد؛ لأن الميم لا تدغم في التاء. وقيل: يجوز أن تكون " أرِمْت " - بضم الهمزة بوزن " أمرْت " من قولهم: أرَمَت الإبلُ تَأرِمُ إذا تناولت العلفَ وبلعَتْه من الأَرْض. والأول هو الذي يَرويه أصحاب الحديث، وتوجيهه ظاهر. كما تقدم. والحديث: أخْرجه النسائي. *** 196- بَابُ: الإجَابة أية سَاعَةٍ هي في يوْم الجمعة؟ أي: هذا باب في بيان الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة؟ و" أية" تأنيث " أي " وهي اسم يستفهم به، تقولً: أي شخص هو هذا؟ وأية امرأة هي هذه؟ وتفسير الساعة قد مر. 1019- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب قال: أخبرني عَمْرو

_ (1) سورة الزمر: (68) . (2) سورة طه: (97) .

- يعني: ابن الحارث- أن الجُلاح مولى عبد العزيز حدثه أن أبا سلمة - يعني: ابن عبد الرحمن حدثه عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله- عليه السلام- أنه قال: " يوم الجمعة ثنتا عشرة- يُريد: ساعةً- لا يوجد مسلم يَسألُ الله شيئاً إلا آتاه الله؛ فالتمسوها آخر الساعة (1) بعد العَصْرِ " (2) . ش- الجُلاح- بضم الجيم، وفي آخره حاء (3) أبو كبير القرشي الأموي مولاهم البصري مولى عبد العزيز بن مروان، يروي عن: حنش الصنعاني، وسعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة وغيرهم، روى عنه: عبيد الله بن أبي جعفر، والليث بن سَعْد، وعمرو بن الحارث، وحديثه في المصريين. روى له: مسلم، وأبو دود، والترمذي (4) . والحديث دل على أن الساعة التي تستجابُ فيها الدعاء هي آخر الساعة بعد العصر، ودل- أيضا- أن المراد من تلك الساعة هي الساعة الزمانية التي هي جزء من اثني عشر جزءا وهي خمسة عشر درجة على ما عُرف. وأخرجه النسائي- أيضا-. 1020- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب قال: أخبرني مخرمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبدُ الله ابن عمر: أسمعتَ أباك يُحدث عن رسول الله- عليه السلام- قال: في شأن الجمعة-َ يعني: الساعةَ؟ قال: قلت: نعم سمعتُه يقولُ: سمعتُ رسولَ الله يَقولُ: " وهي ما بَيْن أن يجلسَ الإِمامُ إلى أن تُقْضى الصلاةُ " قال أبو داود: يعني: على المنبر (5) . ش- الهمزة في " أسمعت " للاستفهام.

_ (1) في سنن أبي داود: " ساعة " (2) النسائي: كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة (3/ 99) . (3) في الأصلي " جيم" خطأ. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 988) . (5) مسلم: كتاب الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة (16/ 853) .

197- باب: فضل الجمعة

قوله:" أن يجلسَ الإمام " أي: على المنبر- كما فسره أبو داود. وقوله: " إلى أن نقضى الصلاة " أي: صلاة الجمعة. والحديث: أخرجه مسلم. * * * 197- بابُ: فَضْلِ الجُمْعة أي: هذا باب في بيان فضل الجمعةُ. 1021- ص- نا مسدد: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " منْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثم أتى الجمعةَ فاستمعْ وأنْصَتْ غُفرَ له ما بَيْن الجمعة إلى الجمعة "زيادةَ ثلاثة أيام، ومن مَس الحصَا فقَدْ لغى " (1) . ش- إحسانُ الوضوء: الإتيانُ به ثلاثا ثلاثا، وإسباغه، والإتيان بآدابه ومستحباته، والإتيان بسُننه المشهورة. قوله: " وأنصتَ " وفي بعض رواية مسلم: " وانتصت" يُقال: أنصت، وانتصت ونصَت، والإنصات: السكوت والاستماع والإِصْغاء. قوله: " وزيادة ثلاثة أيام " لأن الحسنة بعَشْر أمثالها. وأيام الجمعة سبعة أيام، فإذا زيدت عليها ثلاثة تصير عشرةً. وقوله: " وزيادة" منصوب إما عطفا على قوله: " بَيْن " وهو منصوب على الظرفية أو بمعنى: "مع " أي: مع زيادة ثلاثة أيام. قوله: " ومن ميسر الحصَى فقد لغة " إشارة إلى ترك أنقول العبث في حال الخطبة، والإقبال بقلبه وجوارحه إليها ولدى من اللَّغْو؛ وهو الباطل

_ (1) مسلم: كتاب الجمعة، باب: فضل من أنصت واستمع في الخطبة 27- (857) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الوضوء يوم الجمعة (498) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك (1090) .

المذموم المردود؛ فإذا كان بمس الحَصَى لاغيا فبالكلام ونحوه بالطريق الأولى. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه. 1022- ص- نا إبراهيم بن موسى: أنا عِيسَى: نا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني، عن مولى امرأته أم عثمان قال (1) : سَمعتُ عليا- رضي الله عنه- على منبر الكوفة يقولُ: إذا كان يوم الجمعة غدَت الشياطينُ براياتها إلى الأسواق فيَرْمون الناسَ بالترابيث أو الرِبائث ويُثَبطونهم عن الجمعة، وتَغدُو الملائكةُ فيجلسون على باَب (2) المسجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمامُ، فإذا جلسَ الرجل مجلساً يَسْتمكن فيه من الاستماع والنظر فأنصْتَ ولم يَلغُ كان له / كفلان من أجْر، فإن ناء حيث لا يَسْتمعُ (3) فأنصت ولم يَلغُ كان له كفل [2/ 72 - ب] من أجْر، وإن جًلس مجلساً يَسْتمكن فيه من الاستماع والنظر فلغى وَلم ينصت كان له كفل من وزر، ومن قال يوم الجُمعة لصاحبه: صهْ فقد لغى، ومَنْ لغى فليس له في جمعته تلك شي. ثم يقولُ في آخر ذلك: سمعتُ رسولَ الله يَقولُ ذلك (4) . ش- عيسى بن يونس، وعَطاء بن مُسلم الخراساني. قوله: " غدت الشياطين براياتها " أي: ذهبت؛ والرايات: جمع راية وهي العَلَم. قوله: " فيَرْمون الناسَ بالترابيث " وقال الخطابي (5) : الترابِيث ليس بشيء؛ وإنما هو الربَائث؛ وأصله من رَبثْتُ الرجلَ عن حاجته أي: حبسته عنها، واحدتها: رَبِيثة، وهي تجري مجرى العلة والتسبيب الذي يَعُوقك عن وجْهك الذي تتوجه إليه؛ وقوله: " فيرمون الناسَ " إنما هو "يُربثون الناسَ "، هكذا روي لنا في غير هذا الحديث.

_ (1) في الأصل: " قالت ". (2) في سنن أبي داود: " أبواب ". (3) في سنن أبي داود: " يسمعه. (4) تفرد به أبو داود. (5) معالم السنن (1/ 210) . 524 شرح سنن أبي داوود 4

وقال ابن الأثير (1) : يجوز "الترابيث " إن صحت الرواية، وتكون جمع " تَربِيثةٍ " وهي المرة الواحدة من التَرْبِيث؛ تقولُ: رَبَّثْتُه تَرْبيثا وتَرْبِيثةً واحدةً مثل: قدمته تقديماً وتقديمه واحدةً. قوله: " فيكتبون الرجل من ساعة " يعني: ممن حضر من ساعة قبل خروج الإمام، وكذلك التقدير في قوله: " من ساعتين ". قوله: " كفْلان " الكفْل- بكسر الكاف وسكون الفاء- هو الحظ والنصيب. قوله: " فإن ناء " أي: بَعُد من ناء يَنُوء نأيا. قوله: " من وزْر " الوزر- بكسر الواو وسكون الزاي-: الإثم والخطيئة. قوله: " صَهْ " هي كلمة من أسماء الأفعال بنيت على السكون، ومعناه: اسكُتْ، فإن وصلتَ نوّنت قلت صَهٍ صَهْ. قوله: " فقد لغة " يعني: تكلم، وقيل: لغى عن الصواب أي: مال، وقيل: صارت جمعته ظهراً وقيل: خاب من الأجر، ويقال منه: لغى يلغُو، ولغوي- بالكسر- يَلْغى مثله. والحديث معلول؛ لأن فيه مجهولاً وعطاء- أيضا- فيه كلام. ص- قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم، عن ابن جابر قال: بالربائث، وقال: مولى امرأته أم عثمان بن عَطاء. ش- أي: روى الحديث المذكور: الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال:" بالرَّبائث "- بفتح الراء والباء الموحدة * * *

_ (1) النهاية (2/ 182) .

198- باب: التشديد في ترك الجمعة

198- بَابُ: التشْدِيدِ في تَرْك الجُمعةِ أي: هذا باب في بيان التشديد بالوعيد في ترك الجمعة من غير عذر. 1023- ص- نا مسدد: نا يحيي، عن محمد بن عَمرو قال: حدثنا عَبِيدة بن سفيان الحضرمي، عن أي الجَعْد الضمْرِيِ- وكانت له صحبة- أن رسول الله- عليه السلام- قال:" مَنْ ترك ثلاث جُمَع تَهاوُناً بها طبعَ الله على قلبِه، (1) . ش- يحيي: القطان، ومحمد بن عَمرو: ابن علقمة بن وقاص. وعَبيْدة بن سفيان- بفتح العين وكسر الباء الموحدة-: ابن الحارث بن الحضرمَي، وهو ابن أخي العلاء الحضرمي. روى عن: أبي هريرة، وأبي الجعد الضمْري. روى عنه: ابنُه: عَمرو- ويقال: عُمر-، ومحمد بن عَمرو، وأبو سلمة. قال أحمد بن عبد الله: هو مدني تابعي ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (2) . وأبو الجَعْد: اسمُه: عمرو بن بكر؛ ذكره الكرابيسي، وقال غيره: أدرع، وقيل: جنادة. قال الترمذي: وسألت محمداً يعني: البخاري- عن اسم أبي الجَعْد الضميري فلم يعرف اسْمه وقال: لا أعرف له عن النبي- عليه السلام- إلا هذا الحديث. وقال عبد الغني في " الكمال": أبو الجعد: قيل: اسمه: جنادة من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف، وله دار في ضمرة بالمدينة. قال ابن سَعْد: بعثه النبي- عليه السلام- يحشر قومه لغزوة الفتح ولغزوة تبوك. روى عنه: عبيدة بن سفيان. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر (500) النسائي: كتاب الجمعة، باب: التشديد في التخلف عن الصلاة (3/ 88) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فيمن ترك الجمعة من غير عذر (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3755) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/ 38) ، وأسد الغابة (6/ 51) ، والإصابة (4/ 32) .

199- باب: كفارة من تركها

قوله: " تهاونا بها " أي: كسلاً واستهتارا بها؛ وانتصابه يجوز أن يكون على التعليل، ويجوز أن يكون على الحال يعني: مُتهاوناً بها. قوله: " طبعَ الله على قلبه " أي: ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه والطبع- بالسكون-: الختمَ، وبالتحريك: الدنَس؛ وأصله من الوسخ [2/ 73- أ] والدنس يغشيان/ السيْف، يُقال: طبِع السيفُ يطبعَ طبعا، ثم استعمل فيما يُشبه ذلك من الا"وْزار والآثام وغيرهما من المقابح. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن، ولا يعرف إلا من حديث محمد بن عَمْروٍ. *** 199- بَابُ: كفّارة مَنْ تركهَا أي: هذا باب في بيان كفارة من ترك الجمعة من غير عذر شرعي. 1024- ص- نا الحسن بن عليّ: نا يزيد بن هارون: أنا همام: نا قتادة، عن قدامة بن وَبْرِة العُجَيْفي، عن سَمُرة بن جُندب، عن النبي- عليه السلام- قال: " من ترك الجمعةَ من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجدْ فنصف (1) دينارِ" (2) .َ ش- همام: ابن يحيي. وقدامةُ بن وَبْرَةَ العُجَيفي- بضم العين وفتح الجيم-، روى عن: سمرة بن جندل. روى عنه: قتادة. قال ابن معين: ثقة. وقال أحمد ابن حنبل في هذا الحديث: قديمة يَرْويه لا نعرفه، رواه أيوب أبو العلاء فلم يصل إسناده كما وصله همام. وقال البخاري: لم يصح سماعه من سمرة. روى له: أبو داود، والنسائي (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: " فبنصف " (2) النسائي: كتاب الجمعة، باب: كفارة من ترك الجمعة من غير عذر (3/ 89) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4861) .

قوله: " فليتصدق " أمرُ استحباب لا وجوب، وهذا لأجل تخلفه عن الحضور إلى الجمعة، وأما الجمعة- وإن كانت قد فاتت- فالظهر عليه واجبٌ. قوله: " فنصف دينار " عطف على قوله: " بدينار" أي: فليتصدق بنْصف دينار. ص- قال أبو داود: هكذا رواه خالد بن قَيْس، وخالفه في الإسْناد ووافقه في المَتْنِ. ش- أي: هكذا روى الحديث: خالد بن قيس الأزدي الحُدَاني البصري أخو نوح، وهو ثقة؛ قاله ابن معين. روى عن: عمرو بن دينار، وقتادة، وأبي مسلمة سعيد بن يزيد، ومطر الوراق، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: أخوه: نوح، وعلي بن نصر الجَهْضمي. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (1) . قوله: " وخالفه " ... (2) ، ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " بعين ما روى الحسن بن علي إسنادا ومتنا. وروى- أيضا- عن هُشيم، عن عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، عن ابن عباسِ قال: من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات طبع الله على قلبه. 1025- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا محمد بن يزيد، وإسحاق بن يوسف، عن أيوب أبي العلاء، عن قتاة، عن قدامة بن وَبْرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " مَنْ فاتته الجمعة من غير (3) عذرِ فليتصدق بدرهمِ أو نصف درهمِ أو صاع حنطة أو نصْف صاعِ " (4) .

_ (1) المصدر السابق (8/ 1645) . (2) بياض في الأصل قدر سطر ونصف. (3) في سنن أبي داود: " من فاته الجمعة بغير ". (4) النسائي: كتاب الجمعة، باب: كفارة من ترك الجمعة من غير عذر (3/ 89) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: فيمن ترك الجمعة من غير عذر (1128) .

200- باب: من تجب عليه الجمعة

ش- أيوب: ابن مسكين القصاب أبو العلاء. وهذا الحديث مُرسل. وقد أخرجه النسائي، وابن ماجه في " سننهما" من حديث الحسن، عن سمرة؛ وهو منقطع. ص- قال أبو داود: رواه سَعيد بن بَشِير هكذا (1) ؛ إلا أنه قال: مُد أو نصفُ مُدٍّ، وقال: عن سمرة (2) ش- أي: روى هذا الحديث: سعيد بن بشير- بفتح الباء الموحدة- عن قتادة هكذا؛ إلا أنه قال: مُدّ أو نصف مُدّ موضع صاع أو نصْف صاع؛ والمدّ: ربع الصاع؛ والصاع: ثمانية أرطال عراقية؛ وقد مر تفسيرهما مستوفى. قوله: " وقال " أي: وقال سَعيد في روايته: عن سمرة بن جندب / وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همام أحفظ من أيوب- يعني: أبا العلاء/ (3) . *** 200- بَابُ: مَنْ تجبُ عليه الجمعة أي: هذا باب في بيان من تجب عليه الجمعة، وفي بعض النسخ: "باب على من تجب الجمعة؟،. 1026- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني عَمرو، عن عُبيد الله بن أبي جَعْفر أن محمد بن جعفر حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي- عليه السلام- أنها قالت: كان الناسُ يَنْتَابُون الجمعة من منازلهم ومَن العولي (4) .

_ (1) في سنن أبي داود:" سعيد بن بشير عن قتادة هكذا ". (2) جاء في سنن أبي داود بعد هذا:" قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همام عندي أحفظ من أيوب- يعني: أبا العلاء- ". (3) ما بين الشرطتين المائلتين ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث السابق. (4) البخاري: كتاب الجمعة، باب: من أين تؤتى الجمعة وعلى ما تجب (902) ،=

ش- عمرو: ابن الحارث. وعبيد الله بن أبي جعفر: أبو بكر الفقيه المصري الكناني مولاهم، رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي. روى عن: نافع مولى ابن عمر، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ومحمد بن جعفر، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد/، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة، وغيرهم [2/ 73 - ب] قال ابن أبي حاتم: ثقة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) ومحمد بن جعفر: ابن الزبير بن العوام. قوله: " يَنْتابون " أي: يقصدون مَرةً بعد أخرى؟ من انْتاب افتعل من النَّوْبة، وقيل: يَنْتابُون: يأتونَ. قوله: " ومن العَوالي " وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد: ثمانية؛ والميل: ثلث الفرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة؛ وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله. والفرسخ: اثنا عشر ألف خطوة؛ فيكون أدنى العوالي من المدينة: فرسخا وثلث فرسخ، وأبعدها: فرسخين وثلثي فرسخ. وبهذا قال بعض العلماء: إنه تجب الجمعة على من كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أو أربعة. وعن محمد من أصحابنا: إلى ثلاثة؛ وهو قول مالك والليث. وفي " منية المغني ": على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ؛ وهو المختار. وعنه: إذا كان أقل من فرسخين. وعن معاذ: تجب من خمسة عشر فرسخاً وكان أنس في قصره أحيانا يُجمّع، وأحيانا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين من البصرة. وقال ابن

_ = مسلم: كتاب الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، وبيان ما أمروا به (6/ 847) . (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3625) .

المنذر: تجب عند ابن المنكدر، وربيعة، والزهري من أربعة أميال. وقال الزهري- أيضا-: ستة أميال. وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال، وعن أبي يوسف: من ثلاثة فراسخ، وعنه: إذا أمكنه المبيت في أهله، وهو اختيار كثير من المشايخ. وعن أبي حنيفة: لا تجب إلا على ساكني المصر والأرباض دون السواد، سواء كان قريباً من المصر أو بعيداً. وقيل: إذا سمع صَوت النداء؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال صاحب "المجمع ": فهي على قرى يجيء خراجها مع المصر، الحاصل: أن الجمعة تجب عند أبي حنيفة على أهل القرى التي يجيء خراجها مع خراج المصر؛ لأنهم تبع للمصر فكانوا (1) كأهل المصر. وقال أبو يوسف: تجب على أهل القرى المشمولين بسور البلد وهو حائطها؛ لأنهم من أهل البلدة. وشرط محمد: سماع النداء في وجوبها عليهم، فمن سمع أذان الجمعة وجبت عليه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأخرج ابن أبي شيبة في" مصنفه " عن ابن عمر أنه قال: الجمعة على مَنْ أواه المراح. وعن إبراهيم: تؤتى الجمعة من فرسخين. وعن عكرمة: من أربعة فراسخ. وعن الحسن: على كل مَنْ أواه الليل إلى أهله، وكذا عن نافع مثله. وعن عطاء: من سبعة أميال. وعن الحكم: على مَنْ يجيء ويذهب في يوم. وعن أبي هريرة: من فرسخين. والحديث: أخرجه البخاري. 1027- ص- نا محمد بن يحيي بن فارس: نا قَبيصةُ: نا سفيان، عن محمد بن سعيد- يعني: الطائفي-، عن أبي سلمي بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عَمرو، عن النبي- عليه السلام- قال: " الجمعةُ على مَنْ (2) سمع النكداء " (3) . ش- قبِيصة: ابن عاقبة بن محمد بن سفيان، أبو عامر السُوَائى

_ (1) في الأصل: " وكانوا ". (2) في سنن أبي داود:" على كل من ". (3) تفرد به أبو داود.

الكوفي. روى عن: الثوري، وشعبة، ومسعر، وغير هم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان الثوري، ليس بذاك القوي. وقال ابن خراش: صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وروى مسلم حديثا واحداً، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عنه. مات سنة خمس عشرة ومائتين (1) . ومحمد بن سعيد: الطائفي المؤذن، أبو سعيد. سمع: عطاء بن أبي رباح، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الله بن هارون (2) ، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والمعتمر، ويحيى بن سليم، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي (3) . وأبو سلمة بن نُبيه: روى عن: عبد الله بن هارون، روى عنه: محمد بن سعيد الطائفي. روى له: أبو داود (4) . وعبد الله بن هارون: روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه: أبو سلمة بن نبيه. قال عبد الرحمن: عبد الله بن هارون، ويُقال: عبد الله/ بن أبي هارون. سمع: عبد الله بن عمرو في قصة الجمعة. [2/ 74 - أ] روى له: أبو داود (5) . قوله: " الجمعةُ على من سمع النداء " أي: الجمعة تجبُ على من سمع الأذان يوم الجمعة. وبهذا الحديث اتخذ محمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4843) . (2) لم يذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال، وقال محققه: جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب " الكمال " قوله: " ذكر في شيوخه عبد الله بن هارون ولم يذكر أبا سلمي بن نُبيه، وذلك وهم، إنما يروي عن أبي كلمة بن نبيه عن عبد الله بن هارون ". أ. هـ. (3) المصدر السابق (25/ 5249) . (4) المصدر السابق (33/ 7410) . (5) المصدر السابق (16/ 3624)

201- باب: الجمعة في اليوم المطير

ص- قال أبو داود: رَوى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبد الله بن عَمْرو لم يرفعوه، وإنما أَسْنده قبِيصَةُ. ش- أشار بهذا الكلام إلى أن الصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على عبد الله بن عمرو، ولم يُسْنده غير قبيصة بن عقبة؛ وقد سمعت الآن ما قال أحمد في رواية قبيصة عن سفيان، على أن الطائفي مجهول؛ كذا في " الميزان "، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليْس من أحاديثهم، لا يحلّ الاحتجاج به، وفيه: أبو سلمة بن نُبيه، عن عبد الله ابن هارون، ولا يعرف حالهما. وذكر البيهقي هذا الحديث وقال: الذي رفعه ثقة؛ ولكنهم تركوا العمل بظاهر الحديث فلم يعتبروا السماع؛ وإنما اعتبروا كونه في موضع يَبْلغه النداء. *** 201- بَابُ: الجُمعة في اليَوْم المَطيرِ أي: هذا باب في بيان الجمعة في الَيَوْم المطير، وَهو اليوم الذي يقع فيه ابطرُ. 1028- ص- نا محمد بن كثير: نا همام، عن قتادة، عن أبي مليح، عن أبيه أن يوم حنين كان يومَ مَطر فأمر النبي- عليه السلام- مُناديَه أن الصلاة في الرحال (1) . ش- همام: ابن يحيي، وأبو المليح: اسمه: عامر بن أسامة، وقيل: زيد بن أسامة، وقيل: أسامة بن عامر، وقيل: عمير بن أسامة، وقد ذكرناه مستوفىَ. قوله: " يوم حُنين " حُنين: وادٍ بَيْنه وبين مكة ثلاثة أميال، ويُصرف ولا يُصرف، وكان يوم حنين في السنة الثامنة من الهجرة؛ وهي غزوة

_ (1) النسائي: كتاب الإمامة، باب: القدر في ترك الجماعة (2/ 110) .

هوازن. وقال ابن إسحاق: خرج رسول الله إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة ليلة، وبه قال عروة بن الزبير، واختاره ابن جرير في " تاريخه" وقال الواقدي: خرج رسول الله إلى هوازن لست خلون من شوال، فانتهى إلى حنين في عاشره. قوله: " في الرحال " جمع "رَحْل "؛ وهو المنزل. والحديث: أخرجه النسائي. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا أزهر، عن ابن عون قال: نبِئت أن محمداً اشتد المطر يوم الجمعة فلم يجمع. نا يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد، عن قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة قال: مررتُ بعبد الرحمن بن سمرة وهو على بابه جالس فقال: ما خطب أميركم؟ قلت: أما جمعت؟ قال: منعنا منها هذا الردغ. نا محمد بن بشر، نا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس أمر مناديه فنادى في يوم مَطير يوم الجمعة: الصلاة في الرحال، الصلاة في الرحال. قلتُ: وبه قال أصحابنا، وقال صاحب "الخلاصة": إذا أصاب الناس مطر شديد يوم الجمعة، فهم في سَعة من التخلف. 1029- ص- نا محمد بن المثنى: نا عبد الأعلى: نا سعيد، عن صاحب له، عن أبي مليح أن ذلك كان يوم جمعة (1) . ش- عبد الأعلى: ابن عبد الأعلى السامي، وسعيد: ابن أبي عروبة. قوله: " أن ذلك " أي: ذلك اليوم الذي أمر النبي- عليه السلام- مناديا أن الصلاة في الرحال، كان يومَ جمعة، وفيه مجهول. 1030- ص- نا نَصرُ بن علي: قال سفيان بن حبيب: خبرنا عن خالد الحذاء، عن أمي قلابة، عن أمي المليح، عن أبيه أنه شهد النبي - عليه السلام-

_ (1) انظر التخريج السابق.

زمن الحدَيبية في يوم جمعة وأصابهم مطر لم يَبتل أسفلُ نعالهم فأمرهم أن يُصلوا في رحالهم (1) . ش- سفيان بن حبيب: أبو محمد، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو حبيب البزار البصري. روى عن: موسى بن علي بن رباح، وثور ابن يزيد، وخالد الحذاء، وغيرهم. روى عنه: نصر بن علي، وحبان ابن هلال، وعبد الرحمن بن المبارك، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) . وأبو قلابة:/ عبد الله بن زيد الجَرْمي. قوله: " زمن الحديبية " بتخفيف الياء؛ رواه الربيع عن الإمام الشافعي. وقد روي بالتشديد؛ وسميت بذلك لأجل شجرة حَدْباء كانت هنالك، وقيل: سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل والى مكة مرحلة. وقال الإمام مالك: هي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها في الحل؛ وهي قرية ليست بالكبيرة. وغزوة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف، وممن نص" على ذلك الزهري ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى بن عقبة وابن إسحاق. قوله: " لم يبتل أسفل نعالهم " النعال: جمع نعل؛ وهي التي تلبس في الرجل، قالوا: المرادُ من الحديث الآخر: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحْل " أن النعال جمع نعل، وهو ما غلظ من الأرض في صلابة، وخصها بالذكر لأن أدنى بلل يُنَديها بخلاف الرخوة؛ فإنها تنشف الماء. وحمله بعضهم على ظاهره، وقالوا: إذا وقع من المطر ما تبتلُ به النعالُ به، وتعذر المشي للرجل فهو عذر ظاهر في ترك الجماعة، ويؤيد هذا حديث أبي المليح المذكور. والحديث: أخرجه ابن ماجه. * * *

_ (1) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: الجماعة في الليلة المطيرة (936) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/ ما 23) .

202- باب: التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة

202- بَابُ: التخلفِ عن الجماعةِ في الليْلةِ البَارِدةِ (1) أي: هذا باب في بيان التخلف عن الحضور إلى الجماعة في الليلة الباردة. 1031- ص- نا محمد بن عبيد: نا حماد بن زيد: نا أيوب، عن نافع أن ابن عمر نَزل بضَجْنَانَ في ليلة باردة فأمر المنادي فنادى: أن الصلاة في الرحال. قال أيوب: وحدث نافع، لمحن ابن عمر أن رسول الله- عليه السلام- كان إذا كانت ليلة باردة أو مَطيرة أمر المنادي فنادى: الصلاة في الرحال (2) . ش- ضَجْنان- بفتح الضاد المعجمة، وبعدها جيم ساكنة، ونون مفتوحة، وبعد الألف نون أيضا-: وهو جبل على بريدٍ من مكة. وقال ابن الأثير: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. قوله:" قال أيوب " أي: السختياني. وأخرج ابن عدي، عن أبي هريرة: كان رسول الله- عليه السلام- إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن الأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال أو في رحالكم. وفي سنده: محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف. وفي "شرح البخاري ": الرحال: المنازل والدور والمساكن جمع رحل، وسواء كانت من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبرٍ وغيرها. قال ابن سيده: والجمع: أرحل. 1032- ص- نا مؤملُ بن هشام: نا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع قال: نادَى ابن عمر بالصلاة بضجنان ثم نادَى أن صَلُوا في رحالكم. قال فيه: ثم حدث عن رسول الله أنه كان يأمر المُنادي فيُنادي بالصلاة ثم يُنادي: "أن صلوا في رحالكم " في الليلة الباردة وفي الليلة الَمَطيرة في السفر (3) .

_ (1) في سنن أبي داود: "الليلة الباردة أو الليلة المطيرة". (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الجماعة في الليلة المطيرة (3) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الجماعة في الليلة المطيرة (937) .

ش- إسماعيل: ابن علية. قوله: " قال فيه " أي: قال نافع في الحديث المذكور: ثم حدّث ابن عمر عن رسول الله- عليه السلام-. والحديث: أخرجه ابن ماجه. ص- قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، وعبَيد الله قال فيه: في السفر في الليلة القَرّةِ أو المَطيرةِ. ش- أي: روى الحديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عُمر العُمري. قوله: " في الليلة القَرة " أي: الباردة؛ القر: البردُ، يقال: قر يومنا يقَرّ قرَّةً، ويوم قَر- بالفتح- أي: بارد، وليلة قرّةٌ. 1033- ص- نا عثمان بن أبي شيبة نا، أبو أسامة، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة بضَجْنانَ في ليلة ذاتَ بَرْد وريح، فقال في آخر ندائه: ألا صَلُوا في رحالكم، ألا صَلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله- عليه السلام- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً أو ذاتُ مطر في سفرٍ يقولُ: " ألا صَلوا في رحالكم " (1) . ش- في هذه الأحاديث تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وأنها مشروعة في السفر، وأن الأذان مشروع في السفر. والحديث: أخرجه مسلم، والبخاري، والنسائي. 1034- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع/ أن ابن عمر- يعني: أذن بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وريح فقال: ألا صلوا في الرحال ثم قال: إن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً ذات مطر يقولُ: " ألا صَلُوا في الرحال" (2) .

_ (1) انظر التخريج السابق. (2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كان جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: "الصلاة في الرحال" في الليلة الباردة =

ش- أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. 1035- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نَادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه السلام- بذلك في المدينة في الليلة المطيرة، والغداة القَرة (1) . ش- " بذلك " أي: بقوله: " ألا صلُوا في الرحال". ص- قال أبو داود: روى هذا الخبر: يحيي بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، عن ابن عمر، عن النبي- عليه السلام- قال فيه: " في السفر ". ش- أشار بهذا إلى تضعيف رواية محمد بن إسحاق؛ لأن الثقات مثل يحيي الأنصاري والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رويا هذا الحديث وفيه: " في السفرِ". 1036- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا الفضل بن دكين: نا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا مع النبي- عليه السلام- في سفر فمطرنا فقال رسولُ الله: " ليُصلِ مَنْ شاء منكم في رَحْله " (2) . ش- زهير: ابن معاوية، وأبو الزبير: محمد بن مسلم، وجابر: ابن عبد الله. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي. وعند الطبراني- بسند صحيح- عن نُعَيم بن النحام قال: أذن مؤذن رسول الله ليلة فيها برد وأنا تحت لحافي، فتمنيتُ أن يُلْقِي اللهُ على لسانه: ولا حرجَ، فلما فرغ قال: ولا حرج. وعند البيهقي: فلما قال: الصلاة خير من النوم قال: ومنْ قعد

_ = أو المطيرة (632) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الصلاة في الرحال في المطر (22/ 697) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة (3/ 15) . (1) تفرد به أبو داود. (2) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الصلاة في الرحال في المطر (25/ 698) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء إذا كان المطرُ فالصلاة في الرحال (409) .

فلا حرج. وعند أحمد: فلما بلغ حي على الفلاح قال: صلوا في رحالكم، ثم سألت عنها فإذا النبي- عليه السلام- قد أمره بذلك. 1037- ص- نا مسدد: نا إسماعيل: أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي: نا عبد الله بن الحارث- ابن عم محمد بن سيرين- أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكرُوا ذلكَ فقال: قد فعل ذَا مَنْ هو خير مني؛ إن الجمعة عَزْمةٌ وإني كرهتُ أن أحرجَكُم فتمشون في الطين والمطر (1) . ش- إسماعيل: ابن علية. وعبد الحميد: ابن دينار، وهو عبد الحميد بن كُرْديد صاحب الزيادي، سمع: أنس بن مالك، وأبا الوليد عبد الله بن الحارث، وثابتا البناني، روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن علية. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) . قوله: " استنكروا ذلك " أي: ذلك القول من المؤذن، وكذلك " ذا " إشارة إليه. قوله: " عزْمة "- بفتح العين وإسكان الزاي- أي: واجبة متحتمة، فلو قال المؤذن: " حي على الصلاة، لتكلّفتم المجيء إليها ولحقتكم المشقةُ. ثم إنه جاء في حديث ابن عباس هذا: " صلوا في بُيوتكم" في وسط الأذان، وفي حديث ابن عمر في آخر ندائه، والأمران جائزان، نص عليها الشافعي في " الأم" في كتاب الأذان، وتابعه جمهور الشافعية

_ (1) البخاري: كتاب الأذان، باب: الكلام في الأذان (616) ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الصلاة في الرحال في المطر (26/ 699) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: الجماعة في الليلة المطيرة (939) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 1/ 2 1 37) .

203- باب: الجمعة للمملوك والمرأة

فيجوز بعدَ الأذان وفي أثنائه لثبوت السُنَّة فيهما، لكن قوله بعدَه أحسن ليَبقى نظمُ الأذان على وَضْعه. قال الشيخ محيي الدين (1) : ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ؛ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر؛ لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت؛ وكلاهما صحيح. قوله: "أن أحرجكم "- بالحاء المهملة- أي: أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجماعة في الطين والمطر، وفي رواية: " كرهتُ أن أوثمكم" أي: كون سبب اكتسابكم الإثم عند ضيق صدُوركم، فربما يتسخط ويتكلم به. وروي بالخاء المعجمة، من الخروج. والحديث: أخرجه البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه. * * * 203- بَابُ: الجُمعة للمَمْلُوك وَالمرأةِ أي: هذا باب في بيان الجمعة للمملوك والمرأة. 1038- ص- نا عباس بن عبد العظيم: حدثني إسحاق بن منصور: نا هُريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن/ النبي- عليه السلام- قال: " الجمعة حق واجب على كل [2/75 - ب] مسلمٍ في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيّ أو مريض " (2) . ش- إسحاق بن منصور: السلمي، روى عن: هُرَيم، روى عنه: عباس بن عبد العظيم، روى له: أبو داود (3) . وهريم: ابن سفيان البجلي الكوفي، روى عن: عبيد الله بن عُمر، ومنصور بن المعتمر، وليث بن أبي سليم، والأعمش، وغيرهم. روى

_ (1) شرح صحيح مسلم (207/5) . (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 480 هامش 3) . 25* شرح سنن أبي داوود 4

عنه: الأسود بن عامر، وعبد الحميد بن صالح، وإسحاق بن منصور، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا النسائي (1) . وهريم: بضم الهاء وفتح الراء. وإبراهيم بن محمد بن المنتشر: ابن الأجدع، ابن أخي مسروق بن الأجْدع الهمداني الكوفي، يَرْوي عن: أبيه. روى عنه: شعبة وأهل العراق، ذكره ابن حبان في " الثقات "، واحتج به الشيخان في "صحيحيهما" (2) . وقيس بن مُسلم: الجدلي العَدْواني، أبو عمرو الكوفي. روى عن: طارق بن شهاب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. روى عنه: الأعمش، ومسعر، والثوري، وشعبة، وغير هم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (3) . وطارق بن شهاب: ابن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشم البجلي الأحْمسي، أبو عبد الله، رأى النبي- عليه السلام-، وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً وأربعين من غزوة إلى غزية. روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، أخرج له البخاري، عن أبي بكر الصِّدِّيق وعبد الله بن مسعود، وأخرج له مسلم، عن أبي سعيد الخدري، وأخرج له أبو داود، والنسائي، عن النبي- عليه السلام-. روى عنه: قيس بن مسلم، ومخارج بن عبد الله، وعلقمة بن مرثد، وغيرهم. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (4) .

_ (1) المصدر السابق (0 3/ 6562) . (2) المصدر السابق (2/ 235) . (3) المصدر السابق (24/ 4921) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 237) ، وأسد الغابة (3/ 70) ، والإصابة (2/ 0 22) .

قوله: " الجمعة سنن واجب" أي: فرض عين لا يجور التخلف عنها. قوله: " في جماعة" لأنه إذا لم تكن جماعة لا تجب الجمعة؛ وأقلها: ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة. وبهذا الحديث استدل أصحابنا، وقال صاحب " الهداية": ولا تجب- أي: الجمعة- على مسافرِ ولا امرأةِ ولا مريض ولا عبد ولا أعْمى. وقال الخطابي (1) : أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن، فأما العبيد: فقد اختلفوا فيهم، فكان الحسن وقتادة يوجبان على العبد الجمعة إذا كان مُخارَجاً، وكذلك قال الأوزاعي، وأحسب أن مذهب داود: إيجاب الجمعة عليه. وقد روي عن الزهري أنه قال: إذا سمع المسافر الأذان فليحضر الجمعة. وعن إبراهيم النخعي نحو منْ ذلك. ص- قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي- عليه السلام- ولم يَسْمع منه شيئاً. ش- هذا غير قادح في صحة الحديث؛ فإنه يكون مرسل صحابي وهو حجة، وكذا قال النووي في "الخلاصة "، وقال: والحديث على شرط الشيخين. انتهى. ورواه الحاكم في "المستدرك " عن هريم بن سفيان به، عن طارق بن شهاب، عن أبى موسى مرفوعاً وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا بهريم بن سفيان. ورواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فلم يذكر فيه أبا موسى، وطارق بن شهاب يُعد في الصحابة. وقال البيهقي في " سننه ": هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مُرسل جيد، وطارق من كبار التابعين، وممن رأى النبي- عليه السلام- وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد. وقد صرح ابن الأثير في "جامع الأصول " بسماعه من النبي- عليه السلام- حيث قال: رأى النبي- عليه السلام- وليس له سماع منه إلا شاذا، ويؤيدُ هذا قول الزهري في "التهذيب ": صحابي

_ (1) معالم السنن (1/ 210) .

204- باب: الجمعة في القرى

أدرك الجاهلية وصحب النبي- عليه السلام-، وعقد له المزي في "أطرافه " مُسنداً، وذكر له عدة أحاديث. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا حميد بن عبد الرحمن الرقاشي، عن حسن، عن أبيه، عن أبي حازم، عن مولى لآل الزبير قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " الجمعة واجبة على كل حالم إلا أربعة: الصبي، والعبد، والمرأة، والمريض". نا هشيم، عن ليث، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله- عليه السلام-:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض ". وأخرج عن مجاهد: ليس على العبد جمعة. وكذا عن الحسن. * * * 204- بَابُ: الجُمعَةِ في القُرَى أي: هذا باب في بيان إقامة الجمعة في القرى جمع قريةِ. [1/76 - أ] / 1039- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخرمي لفظُه قالا: نا وكيع، عن إبراهيم بن دهمان، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس قال: إن أؤل جمعة جُمعت في الإسلام بعد جُمعة جُمعت في مسجد رسول الله بالمدينة لجمعة جمّعت بجُواثَا قرية من قُرَى البحْرين. قال عثمان: قرية من قُرى عبد القيس (1) . ش- أبو جَمْرة- بالجيم- نَصْر بن عمران بن عاصم بن واسع الضبعي البصري. سمع: ابن عباس، وابن عمر، وجارية بن قديمة، وغيرهم. وروى عن: أنس بن مالك. روى عنه: أيوب، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن حسان، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين وابن

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن (892) .

حنبل وأبو زرعة: ثقة. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) . قوله: " لجمعة" بلام التأكيد خبر " إن". قوله: " بجواثا " أي: في جواثا- بضم الجيم وواو مخففة، ومنهم مَن يَهمزها. قوله: " قرية " بالجرّ على أنها بدل من قوله: " بجواثا". وقال الزمخشري: جواثا: حصْن بالبحرَيْن. وقال البكري: هو بضم أوله على وزن فُعالى مَدينة بالبَحرين لعَبْد القيس؛ قال امرئ القيس: ورحنا كأنا في جُواثا عشية ... يُعَالى النعاج بين عِدْلٍ ومُحقَب يُريد كأنا من تُجّار جُواثا لكثرة ما معهم من الصيْد، وأراد كثرة أمتعة تجار جُواثا. وهو معنى قوله: " قال عثمان " أي: عثمان بن أبي شيبة: قريةٍ من قرى عَبْد القيس. وبهذا الحديث استدلت الشافعية أن الجمعة تقامُ في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحراراً مقيمين، حتى قال البَيْهقي: " باب العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم " ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجُواثا. قلنا: لا نُسلم أنها قريةٌ؛ بل هي مدينةٌ كما قال البكري، حتى قيل: كان يَسكنُ فيها فوق أربعة آلاف نفس، والقرية لا تكون كذلك، والقرية - أيضا تطلق على المدينة، قال تعالى: "عَلَى رَجُلٍ منَ القَرْيَتَيْنِ " (2) وهما: مكة والطائف، وتسمى مكة أم القرى، ولئن سلمنا أنها قريةٌ فليس في الحديث أنه- عليه السلام- اطلع على ذلك وأقرّهم عليه. والحديث: أخرجه البخاري. وقد اختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة؛ فقال مالك:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6408/29) . (2) سورة الزخرف: (31) .

كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين. وقال الشافعي، وأحمد: كل قرية فيها أربعون رجلاً أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، فالجمعة واجبة عليهم، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة، فإن كانت متفرقة لم تصح، وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض، ففيه قولان أصحهما: لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم؛ وبه قال مالك، والثاني: تجب عليهم وتصح منهم؛ وبه قال أحمد، وداود. ومذهب أبي حنيفة: لا تصح الجمعة إلا في مِصرٍ جامع، أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في منَى إذا كان الأمير أمير الحاج، أَو كان الخليفة مسافراً. وقال محمد: لَا جمعة بمنَى، ولا تصح بعرفات في قولهم جميعاً وقال أبو بكر الرازي في كتاَبه" الأحكام ": اتفق فقهاء الأمْصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب. وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون. ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة؛ فعن أبي يوسف: هو كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم عادةً، وبه قاضٍ يقيم الحدود. وقيل: إذا بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل، وقيل: بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعُه، وقيل: كل موضع فيه منبر وقاضٍ يقيم الحدود، وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يَسعهم، وقيل: أن يكون [2/ 76 -ب] بحال يَعيش/ فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى. وعن محمد: كل موضع مَضره الإمامً فهو مصر، حتى إنه لو بعث إلى قرية نائبا لإقامة الحدود والقصاص يَصير مصرا، فإذا عزله

ودعاه يُلحق بالقرى، ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ- رضي الله عنه- قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لا جمعة ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع، أو مدينة عظيمة. وروى- أيضا- بسند صحيح: نا جرير، عن منصور، عن طلحة، عن سعد بن عَبيدة، عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ولا التفاتَ إلى قول النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع، فكأنَّه عثَر على حديث عليّ من طريق حجاج بن أرطأة، ولم يَعثر على طريق جرير، عن منصور؛ فإنه سند صحيح، ولو اطلع عليه ما ادعى هذه الدعوى. وأما قوله: " متفق على ضعفه " فزيادة من عنده، ولا يُدْرى من سلَفُه في ذلك، على أن أبا زَيْد زعم في" الا"سْرار " أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعا: معاذ، وسراقةُ بن مالك. وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو ابنه كان يشهد الجمعة في الطائف وهو في قرية يُقال لها: الوَهْطُ على رأس ثلاثة أميال. وروى عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع النبي- عليه السلام- من ذي الحليفة. وعن وكيع، عن أبي البُحْتري قال: رأيتُ أنسا شهدَ الجمعةَ مِنَ الزاوية؛ وهي فرسخان من البصرة. وعن أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملاً على الأبلة، فكان إذا أتت الجمعة جمّع منْها.

وجه الدلالة من هذه الآثار: أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال. فإن قيل: إنها لم تُقَم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الصلاة معه- عليه السلام-. قيل له: كان يأمر بها في القرَى النائية عن المدينة؛ لأنه يشق عليهم الحضور، ويتعذر عليهم إدراك الفضيلة، فلما لم يأمر بها دل على عدم الجواز؛ إذ لو جاز لأمر بها كما أمر بإقامة الجماعة في مساجد المدينة مع فوات فضيلة الصلاة معه؛ وإلى هذا القول ذهب سحنون. فان قيل: " في سنن سعيد بن منصور " عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة؟ فكتب إليهم: اجمعوا حيث ما كنتم. وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ: جمّعوا. وفي "المعرفة": أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده. وروى الدارقطني بإسناده عن أم عبد الله الدوسيّة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة ". زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي- عليه السلام- ثلاثةً. وفي " المصنف" عن مالك: كان أصحاب النبي- عليه السلام- في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون. وفي " صحيح ابن خزيمة " عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه كان إذا لمجمع الأذان للجمعة صلى على أبي أسامة أسْعد بن زرارة فسألته فقال: أي بُني كان أول مَنْ جمع بنا بالمدينة في هَزْم النَّبيت من حرّة بني بياضة يُقال له: نَقيع الخَضمَات، قلتُ: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. وعند البيهقي: قبل مقدم النبي- عليه السلام-. وفي " المعرفة ": قال الزهري: " بعث النبي- عليه السلام- مُصْعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمع بهم، وهما اثنا عشر رجلاً، فكان مُصعب أول مَن جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها

رسول الله- عليه السلام-. قال البيهقي: يُريدُ: الاثني عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة/ وكانوا له ظَهراً. وفي حديث كعْب: جمَّع [2/77 - أ] بهم اسْعدُ وهم أربعون، وهو يُريد جميع مَنْ صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء. وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: أما أهل قرية ليسوا بأهل عَمود ينتقلُون فأمِّرْ عليهم أميرا يُجمع بهم؛ رواه البيهقي. قلنا: أما الجواب عن الأوّل: فمعناه: جَمعوا حيث ما كنتم من الأمصار، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري. وعن الثاني: أن رواته كلهم عن الزهري متروكون، ولا يصح سماع الزهري من الدوسية. وقال عبد الحق في " أحكامه ": لا يصح في عدد الجمعة شيء. وعن الثالث: إنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القُرى. وعن الرابع: نذكره الآن؛ لان أبا داود رواه مثل ما روى ابن خزيمة. وعن الخامس: أن النبي- عليه (1) السلام- لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه. وعن السادس: أن رأي عمر بن عبد العزيز ليْس بحجةٍ، ولئن سلمنا فليْس فيه ذكر عددِ. وأما قول ابن حزم مستدلا لمذهبه: " ومن أعظم البرهان: أن النبي - عليه السلام- أتى المدينة، وإنما هي قرى صغار متفرقة، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار، وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك فغير جيد من وجوه؛ الأول: هو قد صحح قول علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه (2) - الذي هو من أعلم الناس بأمر المدينة " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع "، الثاني: الإمام أيّ موضع حل جمع، الثالث: التمصير هو للإمام، فأقي مَوضع مَصره مصر.

_ (1) في الأصل: " عليهم". (2) تقدم التعليق على خطأ هذه الكلمة (1/ 182) .

1040- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سَهْل، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك- وكان قائد أبيه بعد ما ذهَب بصرُه-، عن أبيه كعب بن مالك (1) أنه كان إذا سمعَ النداء يوم الجمعة ترحم لأسْعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترَحمتَ لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول مَنْ جمّع بنَا في هَزْم النَبيت من حَرّة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخَضِمَات، قَلتُ: كم أنتمَ يومئذ؟ قال: أربعون (2) . ش- ابن إدريس: عبد الله بن إدريس الكوفي. ومحمد بن أبي أمامة: أسعد بن سَهْل بن حُنيف الأنصاري الأوسي. روى عن: أبيه. روى عنه: محمد بن إسحاق بن يَسار. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) . وأسعد بن سَهْل: الصحابي الأنصاري. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك: الأنصاري السلمي المدني أبو الخطاب. سمع: أباه، وجابر بن عبد الله. روى عنه: أبو عامر صالح بن رستم، والزهري، وإسحاق بن يسار- والد محمد. توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال الواقدي: في خلافة هشام (4) . روى له الجماعة (5) . وكعب بن مالك: ابن أبي كعب- واسمه: عمرو- ابن القين بن كعْب، أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو بشير، وهو أحد

_ (1) في الأصل: "عن أبيه، عن كعب بن مالك" خطأ. (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في فرض الجمعة (1082) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/ 5080) . (4) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (259/6) : إنما قال ذلك الواقدي في عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب المتقدم، وأما هذا فقال ابن سعد: توفي في خلافة سليمان، وكذا ذكر خليفة ويعقوب بن سفيان وغير واحد. (5) المصدر السابق (17/ 3941) .

الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: "وَعَلَى الثَّلاثَة الذينَ خُلفُواً" (1) ، روي له عن رسول الله ثمانون حديثاً؛ اتفقا علىَ ثلَاثة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم حديثان، شهد العقبة مع السبعين، والأصح أنه لم يشهد بدراً. روى عنه: بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، ومحمد بنو كعب، وعبد الله بن عباس، وأبو أمامة الباهلي، وغيرهم. مات بالمدينة قبل الأربعين، وقيل: سنة خمسين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وأسعد بن زرارة: كُنيته أبو أمامة، وكان عقبيا نقيبا، وقيل: إنه أول مَنْ بايع النبي- عليه السلام- ليلة العقبة ومات قبل بدر، ودفن بالبقيع، وهو أول مدفون به، وقيل: عثمان بن مظعون، وقيل: توفي أسعد في شوال من السنة الأولى، وقيل: مات قبل قدوم النبي- عليه السلام- المدينة؟ والصحيح: الأول (3) . قوله: " في هَزْم النَبيت " الهَزْم- بفتح الهاء، وسكون الزاي، وبعدها ميم-: موضع بالمديَنة؛ والنَبيت- بفتح النون، وكسْرِ الباءِ المُوحدة، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنةَ، وبعدها تاء ثالث الحروف-: حي من اليمن. قوله: " من حَرّة بني بياضة "- بالحاء المهملة- هي قرية على ميل من المدينة، وبنو بياضة/ بطن من الأنصار منهم: سلمي بن صَخْر البياضي، [2/77 - ب] له صحبة. قوله: " في نَقيع " النقيع- بفتح النون، وكسر القاف، وسكون الياء

_ (1) سورة التوبة: (118) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/ 286) ، وأسد الغابة (4/ 487) ، والإصابة (302/3) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/ 82) ، وأسد الغابة (1/86) ، والإصابة (1/ 34) .

205- باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد

آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة- بَطْن من الأرض يُستنقَعُ فيه الماء مُدةً، فإذا نضب الماء أنبتَ الكلأَ، ومنه حديث عمر- رضي الله عنه- أنه حَمَى النَقِيع لخيل المسلمين. وقد يُصحِّفُه بعض الناس فيَروونه بالباء، والبَقيعُ بالباء بالمدينة موضع القبور، وهو بقيع الغرقد. قوله: " يُقال له نقِيع الخضمات " الخضمات: بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين. قال ابن الأثير: نقيع الخَضِمات موضع بنواحي المدينة. والحديث: أخرجه ابن ماجه، وابن خزيمة، والبَيْهقي، ثم العجبُ من البيهقي صحح هذا الحديث، وفيه ابن إسحاق، فقال: إذا ذكر سماعَه وكان الراوي ثقةً استقام الإسناد، وقال في " باب تحريم قتل ما له روحٌ ": الحُفاظ يتوقون ما يَنفردُ به ابن إسحاق، والحالُ أنه قد تفرد به هاهنا فكيف يكون هذا الإسناد صحيحاً؟ فليت شعري البيهقي ينسَى تعارُضَ كلامه أو يَتغافلُ؟ ولو كان الحديث عليهم كان يجعل إسنادَه أضعفَ الأسانيد، وكان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام. فإن قيل: قد قال الحاكم: إنه على شرط مسلم. قلت: هو مردود؛ لأن مداره على ابن إسحاق، ولم يخرج له مسلم إلا متابعةً، ثم إنه ليس في الحديث اشتراط الأربعين، وأن الجمعة لا تجوز بأقل منهم، وإنما وقع الأربعون اتفاقاً. وقال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة فتكون من توابعها. وعند الحنفية: تجوز الجمعة فيها. قال القدوري في؛ التجريد": عندنا تجوز أن تقام في مصلى المدينة وإن كان بينهما كثر من ميل. * * * 205- بَابٌ: إذا وَافق يومُ الجُمعةِ يَوْمَ العِيدِ (1) أي: هذا باب في بيان ما إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد. 1041- ص- نا محمد بن كثير: أنا إسرائيل: نا عثمان بن المغيرة، عن

_ (1) في سنن أبي داود: "عيد".

إياس بن أبي رَمْلة الشامي قال: شهدت معاوية بن ألي سفيان وهو يسألُ زَيدَ ابن أرقم قال: شهدت مع رسول الله عيدينِ اجتمعَا في يَوْمٍ؟ قال: نعَمْ قال: فكيفَ صَنَعَ؟ قال: صلي العيدَ ثم رَخص في الجُمعة فقال: " مَنْ شاء أن يُصلي فليُصل " (1) . ش- إسرائيل: ابن يونس. وعثمان بن المغيرة: الثقفي، أبو المغيرة الكوفي، مولى ابن عقيل. روى عن: علي بن ربيعة الوالبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغير هم. روى عنه: إسرائيل، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين. روى له الجماعة (2) . وإياس بن أبي رَمْلة الشامي: سمع: معاوية بن أبي سفيان يسأل هذا الحديث عن زيد (3) . روى عنه: عثمان بن المغيرة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) . قوله: " شهدت " أي: هل شهدت؟ وكذا في بعض النسخ: " قال: هل شهدت؟ ". والحديث: رواه أحمد- أيضا ولفظه: " من شاء أن يجمع فليجمّع". وبهذا الحديث استدل أصحاب أحمد أن العيد إذا اتفق يوم الجمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام؛ فإنها لا تسقط عنه، وقيل: فيه روايتان. وفي " المغني ": وممن قال بسقوطها: الشعبي، والنوعي، والأوزاعي، وقيل: هذا مذهب عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير. وقالت عامة الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على

_ (1) النسائي: كتاب صلاة العيدين، باب: الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد (3/ 194) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم (1310) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 1/ 3864) . (3) كذا، والجادة: " يسأل زيدا عن هذا الحديث" كما في تهذيب الكمال. (4) المصدر السابق (3/ 589) .

وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد. 1042- ص- نا محمد بن طريف البجلي: نا أسباط، عن الأعمش، عن عطاء بن أبى رباح قال: صلى بنا ابنُ الزُبير في يَوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحْنا إلى الجُمعة فلم يَخرجُ إلينا، فصلينا وُحداناً، وكان ابنً عباس بالطائف فلما قلِم ذكرنا له ذلك فقال: أصابَ السنُةَ (1) . ش- محمد بن طريف: ابن خليفة، أبو جعفر البجلي الكوفي. سمع: أبا معاوية، ووكيعاً، والفضل بن صالح (2) ، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغير هم. قال الخطيب: وكان ثقةً. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (3) . وأسباط: ابن محمد الكوفي. قوله: "وحدانا" أي: متوحدين منفردين. وقال الخطابي (4) : أما صنع ابن الزبير: فإنه لا يجوز عندي أن يُحملَ [2/78 - ب] / إلا على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال، وقد روي ذلك عن ابن مسعود، وروي عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنةَ وقال (5) : كل عيدِ حين يمتد الضحى: الجمعةُ. وحكى إسحاق بن منصور، عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: الجمعة قبل الزوال أو بعده؟ قال: إن صليت قبل الزوال فلا أعيبه، وكذلك قال

_ (1) النسائي: كتاب العيدين، باب: الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد (3/ 194) . (2) قال محقق تهذيب الكمال: جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب "الكمال" قوله: " كان فيه الفضل بن صالح، وهو خطأ ". (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/ 5309) . (4) معالم السنن (1/ 212) . (5) في " المعالم" أن القائل هو عطاء، ولفظه: " قال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والأضحى والفطر ".

إسحاق، فعلى هذا يُشبهُ أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل العيد في معنى التبع لها. قلت: قول الصحابة: " ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا " يُنافي تأويل الخطابي من قوله: " يُشبه أن يكون " إلى آخره؛ لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيد لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها، ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْدانا، وأيضا حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلناه لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي- عليه السلام- بعينها وذكر زيد فيها: " صلي العيدَ " ثم رخصَ في الجُمعة. وأيضا قول ابن عباس: " أصاب السُّنَّة " أراد بها هذه. وقال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرةِ أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا تجزىْ قبل الزوال، إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبل الزوال. ونقله ابن المنذر، عن عطاء " إسحاق، والماوردي عن ابن عباس. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة (1) ، عن مصعب بن سعد قال: كان سَعْد يقيل بعد الجمعة. وعن سهل بن سَعْد قال: كنا نتغدى (2) ونقيل بعد الجمعة. وعن سعد الأنصاري: كنا نجمّع مع عثمان بن عفان ثم نرجع فنقيل. وعن أنس: كنا نجمع فنرجع فنقيلُ. وعن ابن عمر قال: كنا نجمع ثم نرجع فنقيل. وعن امرأة قالت: جاورت مع عمر سنةً فكانت القائلة بعد الجمعةَ. وعن الزبرقان قال: كنا نوقع مع أبي وائل ثم نرجع ونقيل. وعن سويد بن الغفلة قال: كنا نصلي الجمعة ثم نَرْجع فنقيل. وعن زيد بن وهب قال: كنا نصلي مع عبد الله الجمعة ثم نرجعَ فنقيل. وعن عبد الله بن سيدان السُّلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبلَ نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عَابَ ذلك ولا أنكره. وعن عطاء قال: كان مَن

_ (1) انظره وما بعده في المصنف (106/2- 109) . (2) في الأصل:" نتغذى ".

قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو. وعن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضُحىً وقال: خشيت عليكم الحر. وعن سعيد بن سُويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضُحَى. فالجميع أخرجه ابن أبي شيبة في " باب من كان يَقيلُ بعد الجمعة ويقولُ: هي أول النهار ". فهذه الآثار كلها تدل على أن الجمعة تصح قبل الزوال. ثم أخرج - أيضا- حجة من يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر، فقال: نا زيد ابن حُباب: نا فُلَيح بن سليمان: أخبرني عثمان بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك يقول: كنا نُصلي مع رسول الله الجمعة إذا مالت الشمس. ونا وكيع، عن يحيى بن الحارث، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كنا نُصلي مع النبي- عليه السلام- الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبّعُ الفيء. ونا وكيع، عن أبي العنبس عمرو بن مروان، عن أبيه قال: كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس. ويمكن أن يُجابَ عن الآثار التي فيها القيلولة: بأن القيلولة هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، وكانوا يُجمّعون حين زالت الشمس من غير تأخير، ثم يقيلون بمعنى يَستريحُون. وأما حديث عبد الله بن سيدان: فقد رواه الدارقطني وغيره- أيضا- فهو حديث ضعيف. قال النووي في " الخلاصة": اتفقوا على ضَعْف ابن سيدان- بكسر السن المهملة. وأما حديثُ عبد الله ومعاوية الذي فيه ما ضُحى، فمعناه: صلي قريبا من الضحى من "كما زالت الشمس" فأطلق الضحى على وقت زوال الشمس باعتبار القرب، كما أطلق العشي على ما بعد الزوال./ وأخرج النسائي من حديث وهب بن كيسان، عن ابن عباس نحو حديث عطاء مختصراً. 1043- ص- نا يحيي بن خلف: نا أبو عاصم، عن ابن جرير قال:

قال عطاء: اجتمع يومُ الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزُبير فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بُكرةً لم يَزدْ عليهما حتى صلّى العَصر (1) . ش- أبو عاصم: الضحاك بن مخلد، وابن جريج: عبدُ الملك، وعطاء: ابن أبي رباح. ومقتضى هذا: الاكتفاءُ بالعيد في هذا اليوم وسقوط فَرضيّة الجمعة؛ وهو مذهب عطاء، ولم يقُلْ به أحدٌ من الجُمهور؛ لأن الفَرضَ لا يَسْقط بالسُّنًة، وأطلق العيدين على العيد والجمعة بطريق أن أحدهما عيد حقيقة، والجمعة- أيضا- في معنى العيد؛ لاجتماع الناس فيه، أو لأنها تعود كل شهر مرات، وقال محمد في " الجامع الصغير ": عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سُنَّة، والثاني فريضة، ولا يُتركُ واحد منهما. 1044- ص- نا محمد بن المُصفَى، وعُمر بن حَفْص الوَصَابِي المعنى قالا: نا بقية: نا شعبة، عن المغيرة الضبيّ، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شَميه أنه قال: " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأت من الجمعة وَإنا مُجمعُون " (2) . ش- محمد بن المصفى: ابن بهلول الحمصي. وعُمر بن حَفْص: ابن عمر بن سَعْد بن مالك الحمْيري الوَصَّابي، روى عن: بقية بن الوليد، ومحمد بن حمير، وسليمان بن عدي. روى عنه: أبو حاتم، وأبو داود (3) . والوَصَابي: نسبة إلى وَصَاب- بفتح الواو والصاد المهملة المشددة، وفي آخره باء موحدة- وهي قبيلة من حمير.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم (1312) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/ 4216) . 26* شرح سنن أبى داوود 4

والمغيرة: ابن مِقْسم أبو هشام الضبيّ الكوفي. وعبد العزيز بن رفيع: الأسدي أبو عبد الله المكي. سمع: عبد الله ابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وعامر بن واثلة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، ومغيرة بن مقسم الضبي، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين وأحمد: ثقة. مات سنة ثلاثين ومائة، وقد أتى عليه نيف وتسعون سنة. روى له: الجماعة (1) . وأبو صالح: ذكوان الزيات. وقال الخطابي (2) : في إسناد أبي هريرة مقال، ويُشبه أن يكون معناه- لو صح- أن يكون المراد بقوله: " فمن شاء أجزأه من الجمعة " أي: عن حضور الجمعة ولا يَسْقط عنه الظهرُ. قلت: كأن قوله: " فيه مقال" من جهة بقية؛ لأن فيه مقالاً. والحديث: أخرجه ابن ماجه. ص- قال عُمر: عن شعبة. ش- أي: قال عُمر بن حفص في روايته: عن شعبة بن الحجاج، وأسقط بقية بن الوليد (3) ؛ فعلى روايته الحديث صحيح، ولا يكون في إسناده ما زعمه الخطابي. ومعنى قوله: " فمن شاء أجزأه " أي: كفاه عن حضور الجمعة. وهذا كانت رخصةٌ في سنن أهل التوالي في أوّل الأمْر، ثم تقرر الأمرُ: أن إقامة صلاة العيد لا تجزئ عن صلاة الجمعة، حتى إذا صلى العيدَ ولم يحضر الجمعة مع الإمام صلى الظهر أربعاً. * * *

_ (1) المصدر السابق (18/ 3446) . (2) معالم السنن (1/ 212) . (3) في "عون المعبود" (223/6) : " أي: قال عمر بن حفص أحد شيخي المصنف في روايته: عن شعبة بالعنعنة، بخلاف محمد بن المصفى، فإنه قال في روايته: حدثنا شعبة".

206- باب ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة

206- بَابُ ما يَقْرأ فِي صَلاةِ الصُّبْح يَوْمَ الجُمْعَةِ أي: هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة. 1045- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن مُخوَل بن راشد، عن مُسلم البَطين، عن سَعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله كان يَقْرأ في صلاة الفجَر يوم الجمعة ب: "تنزيلَ" (1) السجدة، و "هل أتى على الإنسان حين من الدهر" (2) . ش- أبو عوانة: وَضَاح. ومخول- بالخاء المعجمة المفتوحة والواو المشددة، وضبطه بعضهم بكسر الميم وإسكان الخاء؛ والأول أصح- ابن راشد النهدي أبو راشد الكوفي، أخو مجاهد، وهو ابن أبي المجالد. روى عن: مُسْلم بن عمران البَطين، ومحمد بن علي بن الحسين، روى عنهُ: الثوري، وشعبة، وقال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (3) . قوله: " تنزيل " السجدة، أي: بسُورة تنزيل السجدة، وفي بعض النسخ: " تنزيل السجدة" بالنصب بدون باء الجر. وقال الشيخ محيي الدين (4) : فيه دليل لمذهبنا ومذهب موافقتنا في استحبابهما في صبح الجمعة، وأنه لا يكره قراءة آية السجدة في الصلاة ولا السجود، وكره مالك وآخرون ذلك؛ وهم محجوبون بهذه الأحاديث الصحيحة المروية من طرق عن أبي هريرة وابن عباس.

_ (1) في سنن أبي داود: "تنزيل" وأشار المصنف إلى أنها نسخة. (2) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة (64/ 879) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ما يقرأ به في صلاة الصبح يوم الجمعة (520) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الصباح يوم الجمعة (3) انظْر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 5846) . (4) شرح صحيح مسلم (6/168) .

قلت: أما عندنا- أيضا- إذا قرأهما على وجه اتباع السنَة فمستحب ذلك، وأما إذا قرأ شيئاً من القرآن على وجه التعيين، فمكروه/، لما فيه من هجران الباقي. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. 1046- ص- نا مسدّد: نا يحيي، عن شعبة، عن مخول بإسناده ومعناه، وزاد: في صلاة (1) الجمعة بسورة الجمعة و "إذا جاءك المنافقون" (2) . ش- أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه، وزاد فيه: " وفي صلاة الجمعة " إلى آخره "الجمعة "، وفي بعض النسخ: " وفي صلاة الجمعة الجمعة " بنصب الجمعة أي: سورة الجمعة. وفي رواية مسلم: " قرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة، وفي الثانية: المنافقين". وقال الشيخ محيي الدين (3) : وفيه استحباب قراءتهما بكمالهما فيهما؛ وهو مذهبنا ومذهب آخرين. قلت: ومذهبنا- أيضا إذا لم يقصد التعيين؛ وليس في هذه المسألة خلاف بيننا وبَيْن الشافعي؛ فالذي يُثبت الخلافَ هو من قصور فهمه؛ لأن أبا حنيفة إنما كره الملازمة إذا لم يَعْتقد الجواز بغيره، والشافعي- أيضا يكره مثل هذا، وأما إذا اعتقد الجواز بغيره ولازمَ على سورة مُعيّنة إما لأنها أيسرُ عليه، أو اقتداء بفعله- عليه السلام- فلا يكره، فلم يكن في الحقيقة خلاف. وأما الحكمة في ذلك: فلاشتمال سورة الجمعة على وجُوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها، وقراءة سورة المنافقة لتوبيخ

_ (1) في سنن أبي داود:" صلاته ". (2) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة (64/ 879) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقة (3) شرح صحيح مسلم (166/6) .

207- باب: اللبس يوم الجمعة

حاضريها منهم، وتَنْبيههم على التوبة وغيرها مما فيها من القواعد؛ لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس كثر من اجتماعهم فيها. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، والبيهقي. * * * 207- بَابُ: اللُّبْس يَوْمَ الجُمعة (1) أي: هذا باب في بيان اللبس يوم الجمعة. 1047- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رأى حُلةَ سيَرَاءَ- يعني: تُباعُ- عند باب المسجد فقال: يا رسولَ الله، لو اشتريت هذه فلبستَهِا يوم الجمعة وللوَفْد إذا قدِموا عليك، فقال رسول الله: "إنما يلبَسُ هذَه من لا خلاقَ له في الآخرة "، ثم جاءت رسولَ الله منها حُلَل فأعْطى عمر بن الخطاب منها حلةَ، فقال عُمر: يا رسول الله، كسَوْتنيها (2) وقد قلتَ في حُلة عطارد ما قلتَ؟ فقالَ رسولُ الله: " إني لم أكسكها لتَلبَسَها " فكسَاهَا عمرُ أخاً له مُشْرِكاً بمكة (3) . ش- الحلةُ: ثوبان غير لفقين: رداء وإزار؛ سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحُل عن الآخر؛ والجمعُ: حُلَل وحلال. وقال ابن التين: لا يُقال: حلة حتى تكون جديدة؛ سميت بذلك لَحلها عن طيها. قوله: " سيراء"- بكسر السين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة ممدودة- وهو الحرير الصافي؛ فمعناه: رأى حلة

_ (1) في سنن أبي داود:" باب اللبس للجمعة". (2) في سنن أبي داود:" كسوتنيها يا رسول الله". (3) البخاري: كتاب الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد (886) ، مسلم: كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال أناء الذهب والفضة على الرجال (2068) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الهيئة للجمعة (1382) ، ابن ماجه: كتاب اللباس، باب: كراهية لبس الحرير (3591) .

حريراً. وقال ابن قرقول: ضبطناه على الإضافة عن ابن سراج ومتقني شيوخنا. قلت: فحينئذ ينبغي أن يُسقط التنوينُ من " حلة". ورواه بعضهم بالتنوين على الصفة، وزعم بعضهم أنه بدل لا صفة. وقال الخطابي (1) : " حلة سِيَراء" كناقة عُشَراء. قال ابن قرقول: وأنكره أبو مَرْوان؛ لأن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة؛ لكن اسماً. وقال الخطابي (1) : الحلّة السيراء: هي المضلعة بالحرير التي فيها خطوط، وهو الذي يسقونه المُسير؛ وإنما سقوه مُسيّراً للخطوط التي فيه كالسيور. ويقال: السيراء وَشْي من حرير. وعن ابن الأنباري: السيراء: الذهبُ، وقيل: نبت ذو ألوان وخطوط ممتدة كأنها السيور شُبه به بعضُ الثياب، وقيل: السيراء: المُضلّع بالقز. وفي " الصحاح ": هي برود فيها خطوط صُفْر. وقال صاحب " المغيث": برود يخالطها حرير كالسيور، فهو فعلاء من السَّيْر الذي هو القِد- بكسر القاف-؛ لأن عليها أمثال السيوَر. وقال الخليل: ليس في الكلام " فعلاء"- بالكسر ممدوداً- إلا حِولاء وعنباء وسيراء. وقال غيرُه: الحِوًلاء: الماء الذي [2/ 79 - ب] يخرج على رأس الولد/ إذا وُلد، والعنباء لغة في العنب، وقد قيل: الحُولاء- با لضم. قوله: "لو اشتريت هذه" جوابُ " لو" محذوف، والتقدير: لو اشتريت هذه الحقة فلبستها يوم الجمعة أو للوفد لكان حسًناً، ونحو ذلك. والوَفْدُ: جمعُ وافد؛ وهم القوم يجتمعون ويَرِدون البلادَ ويقصدون الأمراء لزيارة أو استرفادِ أو غير ذلك.

_ (1) معالم السنن (1/ 213) .

قوله: " من لا خلاق له" الخلاق: الحظ والنصيب من الخير والصلاح، ورجل لا خلاق له: لا رغبة له في الخير. قوله: " في حلة عُطارد " بالإضافة؛ وهو عطارد بن حاجب بن زرارة ابن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وفد على النبي- عليه السلام- سنة تسع؛ وعليه الأكثرون، وقيل: سنة عشر، وهو صاحب الثوب الديباج الذي أهداه للنبي- عليه السلام-، وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة فقال - عليه السلام-: " لمناديل سَعْد بن معاذ في الجنة خير من هذا" (1) . قوله: "أخا له مشركاً بمكة" أخوه هذا: هو عثمان بن حكيم، وكان أخاه لأمّه، فأما زيد بن الخطاب أخو عُمر فإنه أسلم قبل عُمر. وفي "صحيح أبي عوانة": فكساها عمر أخاً له من أمه من أهل مكة مشركاً. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. والحديث لا يُطابق الترجمة؛ لأن كثر ما فيه أن عُمر أشارَ مشورة ردت عليه، والذي يناسبُ الباب: ما رواه ابن ماجه عن عائشة: قال - صلى الله عليه وسلم -: " ما على أحدكم إن وجَد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته". وعند ابن أبي شيبة- بسند صحيح على شرط مسلم-: نا عبدة: نا عثمان بن حكيم، عن عثمان بن أبي سليمان، عن أبي سعيد مرفوعاً: فإن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة: السواك، وأن يلبس من صالح ثيابه، وابن يتطيب بطيب إن كان". وأخرج عن أبي جعفر أن رسول الله كان يلبس بُرْده الأحمرَ يوم الجمعة، ويعتم يوم العيدين. وعن ابن أبي ليلى قال: أدركت أصحاب محمد- عليه السلام- من أصحاب بدر، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم

_ (1) انظر: ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 165) ، وأسد الغابة (4/ 42) ، والإصابة (2/ 483) .

الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم، وان كان عندهم طيب مَسّوا منه، ثم راحوا إلى الجمعة. ويُستفاد من حديث الباب فوائد؛ الأولى: جواز بيع الحرير صان كان حراماً على الرجال. الثانية: حرمة الحرير على الرجال. الثالثة: جواز تملك الإنسان ما لا يجوز له لبْسه. الرابعة: جواز قبول الهدية من الكافر. الخامسة: جواز الهدية للكافر. وقال القرطبي: وفيه دلالة على أن عمر من مذهبه: أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها، ولقائل أن يقول: لم يهدها إليه ليلبسها بل لينتفع بها كما فعل - صلى الله عليه وسلم - مع عمر وغيره. 1048- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يونُس، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: وَجدَ عمر ابن الخطاب حلة إستبرق تُباع بالسُوق فأخذها فأتى بها رسول الله- عليه السلام- فقال: " ابتَعْ هذه تجملْ بها للعيد وللوفود لما ثم ساق الحديث، والأولُ أتمُ (1) . ش- الإستبرق: ما غلظ من الحرير والإبريسم؛ وهي لفظة أعجميّة معرّبة أصلها: إستبره، وقد ذكرها الجوهري في الباء من القاف على أن الهمزة والسن والتاء زوائدُ وأعاد ذكرها في السن من الراء. وذكرها الأزهري في خماسي القاف على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية: استَفَره، وقال- أيضا- إنها وأمثالها من الألفاظ حروف

_ (1) انظر الحديث السابق.

عربية وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، وقال: هذا عندي هو الصوابُ. وفي لفظ: "من ديباج أو خز "، وفي رواية: "من سُنْدس ". قوله: " ابْتع هذه " أي: اشِترِ. قوله: " تجمل " بجزم اللام على أنه أمر. قوله: " ثم ساق الحديث " أي: الحديث المذكور. قوله: " والأول أتم " أي: الحديث الأول؛ وهو رواية القعنبي أتم؛ لأنه أكثر فوائد. 1049- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني عمرو (1) ، [2/80 - أ] / أن يحيي بن سعيد الأنصاري حدثه، أن مُحمد بن يحيي بن حبان حدثه، أن رسولَ الله- عليه السلامِ- قالَ: " ما على أحدكم إن وجَد أو ما على أحدكم إن وجدتُم أن يَتخذ ثوبَيْن ليَوْم الجمعة سوى ثوبي مَهْنته ". قال عَمرو: وأخبرني ابنِ أبي حبيب، عن موسى بن سَعْد، عن ابن حبان، عن ابن سلام أنه سمع رسُولَ الله يقولُ ذلك على المنبر (2) . ش- حَبان- بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد ذكرناه. قوله: " ثوبي مهنته "- بفتح الميم وكسرها- أي: ثوبي بذلته وخدمته؛ والرواية بفتح الميم. قال الأصمعي: المَهنة- بفتح الميم-: الخدْمة، ولا يقال: مِهنة- بالكسْر- وكان القياس أن يقال مثل جلسة وخدْمة؛ إلا أنه جاء على فَعلة، وحكى غيرُه الكسر- كما تقدم. قوله: " قال عمرو " أي: عمرو بن الحارث المصري. وابنُ أبي حبيب: هو يزيدُ بن أبي حبيب- سُويد- المصري. وموسى بن سَعْد: ابن زيد بن ثابت الأنصاري، وقال عبد الرزاق: موسى بن سعيد. روى عن: حرص بن عبيد الله بن انس، وربيعة بن

_ (1) في سنن أبي داود: " أخبرني يونس وعمرو ". (2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة (1095) .

208- باب: التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة

أبي عبد الرحمن. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، وعُمر بن محمد العمري، وعطاف بن خالد. روى له: مسلم، وابن ماجه (1) . وابن سلام: هو عبد الله بن سلام الصحابيّ. قوله: " يقول ذلك " إشارة إلى قوله: " ما على أحدكم إن وجد " الحديث. ص- قال أبو داود: رواه وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيي بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن موسى بن سَعْد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي- عليه السلام. ش- أي: روى هذا الحديث: وهب بن جرير البَصْري، وأبوه: جرير بن حازم بن يزيد البَصْري، ويحيي بن أيوب: الغافقي المصري. ويوسف بن عبد الله بن سلام: أبو يعقوب، أجلسه رسولُ الله في حجره ووضع يده على رأسه وسقاه يوسف، له حديث في الأطعمة. قال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة. وقال البخاري: له صحبة. وروى عن: عثمان، وعلي، وأبيه، وأبي الدرداء، وخولة بنت مالك، وجدته: أم معقل. روى عنه: يزيد بن أبي أمية الأعور، والنضير بن قيس، وعمر بن عبد العزيز، ويحيي بن سَعيد الأنصاري، ومحمد بن يحيي بن حبان، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي في "الشمائل" (2) . * * * 208- بَابُ: التَحلُّقِ يَوْمَ الجُمعَة قبل الصلاة أي: هذا باب في بيان التحلق يوم الجمعة ففي المسجد قبَل الصلاة. والتحلق: اتخاذ الحلقة.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6257) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 679) ، وأسد الغابة (5/ 529) ، والإصابة (3/ 671) .

1050- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابنٍ عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنِ الشراء والبيْع في المَسْجد وأن تُنشَد فيه ضالة وأن يُنشدَ فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يومَ الجمعة (1) . ش- النهيُ عن الشَرى والبيْع في المسجد نهي تنزيه، حتى لو باع في المسجد أو عقد انعقد البَيْع والشراء؛ ولكنه يكره؛ لأن المساجد بنيت لأداء الفرائض والأذكار. قوله: " وأن تُنشدَ فيه " أي: ونهى أن تنشد في المسجد ضَالة، يُقال: نَشدتُ الدابةَ إذا طلبتها، وأنشدتُها إذا عرفتها، وقد ثبت: " من سمع ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا". وقال الشيخ محيي الدين: ويلحق به ما في معناه من البيع والشرى والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد. قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاجُ إليه الناسُ، لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه. قوله: " وأن يُنْشد فيه شعر " أي: ونهى أن يُنْشد في المسجد شعْرٌ، وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب " المساجد": نهى عن تناشد أَشعار الجاهلية والمبطلين فيه، فأما أشعار الإسلام والمُحقين فواسع غير محظورِ [2/80 - ب]

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية البيع والشراء (322) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: النهي عن البيع والشراء في المسجد (713) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: ما يكره في المساجد (749) ، وباب: النهي عن إنشاد الضوال في المسجد (766) ، وكتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (1133) .

وقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة ينشدان فيه الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان ينشد بين يدي مالك فيُصغي إليه. قال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله. وقال البخاري: " باب إنشاد الشعر في المسجد" (1) ، ثم قال: حدَّثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أبو سلمة أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعتَ النبيَّ- عليه السلام- يقولُ: " يا حسان، أجِبْ عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس "؟ قال أبو هريرة: نعم فدل الحديث على أن الشعر حق، يتأهل صاحبه لأن يكون مؤيداً في النطق بنصر الملائكة، وما كان هذا شأنه فلا يتخيل أنه يحرم في المسجد لأن الذي يحرمُ في المسجد من الكلام إنما هو السفه وما هو باطل. وقد روى الترمذي من حديث عائشة: كان رسول الله ينصبُ لحسان منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار. فإن قيل: روى ابن خزيمة في " صحيحه" عن عبد الله بن سعيد: نا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله عن تناشد الأشعار في المساجد. وحسنه الحافظان: الطوسي، والترمذي. وروى أبو داود من حديث صدقة بن خالد، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن زفر بن وثيمة، عن حكيم ابن حزام مرفوعاً: نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار (2) . قلنا: قال ابن حزم: حديث عَمرو لا يصح لأنه صحيفة، وحديث حكيم بن حزام زعم أبو محمد الإشبيلي أنه حديث ضعيف. وقال ابن القطان: لم يُبين أبو محمد من أمرهَ شيئا وعلته: الجهل بحال زفر فلا يُعرف.

_ (1) كتاب الصلاة (453) . (2) أبو داود: كتاب الحدود، باب: في إقامة الحد في المسجد (4490) .

قلت: ليس كما قال؛ بل حاله معروف، قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألتُ يحيي عنه فقال: ثقة، وذكره ابنُ حبان في كتاب، "الثقات"، وصحح له الحاكم حديثا عن المغيرة بن شعبة؛ ولكن تصحيح الحاكم فيه نظر؛ لأن ابن حبان لما ذكره في الثقات قال: روى عن حكيم- إن كان سمع منه- وصرح دُحيم لما ذكره ووثقه بِقوله: لم يلق حكيم بن حزام. فإن قيل: روى عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث أسيد بن عبد الرحمن أن شاعراً جاء إلى النبي- عليه السلام- وهو في المسجد قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: " لا" قال: بلى، فقال له النبي - عليه السلام-: "فاخرج من المسجد " فخرج فأنشد، فأعطاه- عليه السلام- ثوباً وقال: هذا بدل ما مَدحت به ربّك. قلنا: ذكره عبد الرزاق من حديث ابن أبي يحيي شيخ الشافعي- وفيه كلام شديد-، عن ابن المنكدر، عنه. فإن قيل: روى أبو نعيم من حديث جبير بن مطعم: " لا تُسل السيوفُ، ولا تُنتر النبلُ في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار". قلنا: سنده ضعيف. فإن قيلِ: روى أبو أحمد الجرجاني في "كامله" من حديث ابن عباس: " نزهو المساجدَ ولا تتخذوها طرُقاً، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعدُ فيه جنب إلا عابر سبيل، ولا ينتر فيه نبل، ولا يُسل فيه سيف، ولا يضربُ فيه حد، ولا ينشدُ فيه شعر، فان أنشد فقل: فض الله فاك". قلنا: رواه جويبر بن سعيد، وهو ضعيف عن الضحاك، ولم يَسْمع من ابن عباسٍ. فإن قيل: روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما-: نَهى - صلى الله عليه وسلم - أن ينشدَ الشعرُ في المَسْجد. قلنا: رَفَه أبو أحمد بالفرات بن السائب. قوله: " ونهى عن التحلق قبل الصلاة " أي: عن اتخاذ الحلقة، وفي

209- باب: اتخاذ المنبر

رواية: " نهى عن الحَلَقِ"- بفتح الحاء وفتح اللام- جمع الحلقة- بسكون اللام- مثل هَضْبة وهَضَب. وفي " المحكم ": الحلْقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والفضةَ والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع: "حلاق " على الغالب، و" حلَق " على النادر، و "الحلَق " عند سيبويه: اسم للجمع؛ وليس يجمعُ؛ لأن " فَعْلة" ليست مما يكسر على فَعَلِ. وقد حكى سيبويه/ في الحلقة فتح اللام. وأنكرها ابن السكيت وغيره. وقال اللحياني: حلْقة الباب وحلَقته بإسكان اللام وفتحها. وقال كراع: حَلْقة القوم وحَلَقتهم. وحكى يونس عن أبي عمرو: " حَلَقة" في الواحد بالتحريك، والجمع "حلقات ". وقال الجوهري: الجمع "حلَق " على غير قياس. وقال كراع: الجمع "حَلَق " و"حِلَق" و"حِلاق". وقال الخطابي (1) : وكان بعض مشايخنا يرويه أنه نهى عن الحَلْق - بسكون اللام- وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة، فقلت له: إنما هو الحِلق جمع الحلقة. فقال: قد فرجت عني وجزاني خيراَ، وكان من الصالحين. وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك ". والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. * * * 209- باب: اتخاذ المنبر أي: هذا باب في بيان اتخاذ المنبر للخطبة. 1051- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن عبد القاري القرشي قال: حدثني أبو حازم بن دينار، أن رجالاً أتوا سهلَ بن سعدِ الساعدي، وقد امْتَرُوا في المِنبرِ مم عُوده، فسألُوهُ

_ (1) معالم السنن (1/ 213) .

عن ذلك، فقال: والله إني لأعرفُ مما هو، ولقد رَأيتُهُ أولَ يوم وُضِعَ، وأوَل يَوم جَلَسَ عليه رسولُ الله، أرسلَ رسولُ الله إلى فُلانة- امرأة قد سماهَا سهلٌ - أنْ مُرِي غُلامَك الَنجَّار أن يَعملَ لي أعَواداً أجْلسُ عليهن إذا كَلَمتُ الناسَ، فأمرتْهُ، فعَمَلَهَا من طَرفاءَ الغابةِ، ثم جَاء بَها، فأرْسَلَتْهُ إلى رسولِ الله- عليه السلام- فأمَر بها فوُضعَتْ هاهنا، فرأيْتُ رسولَ اللهِ صلي عليها، وَكبر عليها، ثم رَكَعَ وهو عليهاَ، ثم نَزَلَ القَهْقَرِيَ فسجَدَ في أصل المنبرِ، ثم عَادَ، فلما فَرِغَ أقبلَ على الناسِ فقال: " أيُّهَا الناسُ، إنما صَنَعْت هَذا لتأتَمُّوا بي، ولِتَعْلَمُوا صَلاتِي " (1) . ش- عَبْد- بالتنوين- والقاري- بالتشديد- وقد ذكرنا ترجمته، وأبو حازم: سلمة بن دينار. قوله: "وقد امتروا" جملة حالية من الضمير الذي في " أتوا " أي: وقد شكوا في المنبر مم عوده؟ أي: من أيّ شيء كان عوده؟ و" المنبر " من نبرت الشيء أنبره نبراً، رفعته، ومنه سمي المنبر. وقوله: " مم " أصله: " من ما "، ومنه: "عَمَّ يَتَسَاءَلُون"هو (2) فلما أدغمت الميم في الميم حذفت الألف للتخفيف. قوله: " أرسل رسول الله إلى فلانة امرأة" وفي رواية جابر في " صحيح البخاري " وغيره: أن المرأة قالت: " يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاَ تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً "، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهل، والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولاً على رسول الله، ثم بعث إليها النبي- عليه السلام- يطلب تنجيز ذلك. قوله: " أن مري " أن " تفسيرية مثل قوله تعالى: "فَأوْحَيْنَا (3) إِلَيْهِ

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الخطبة على المنبر (917) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (544) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: الصلاة على المنبر (739) . (2) سورة النبأ: (1) . (3) في الأصل: " وأوحينا".

أنِ اصْنَع الفُلكَ " (1) و"مُرِي " أصله اءمري، وقد عرف في موضعه، ووزن " مُري " عُلي، واختلف في اسم النجار، فقيل: باقول. قال ابن الأثير: كان روميَا غلاما لسعيد بن العاص، مات في حياة النبي- عليه السلام- ويقال: باقوم، وذكر أبو إسحاق الطليطلي في كتاب " الصحابة" أن اسمه قبيصة المخزومي، قال: ويقال: ميمون. قال: وقيل: صُبَاح غلام العباس بن عبد المطلب. زاد ابن بشكوال، وقيل: ميناء، وقيل: إبراهيم. قوله: " من طرفاء الغابة " " الطرفاء "- بفتح الطاء، وسكون الراء المهملتين- وهي ممدودة: شجر من شجر البادية، واحدها طرفة- بفتح الراء- مثل قصبة وقصباء. وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجمع. وفي رواية: " من أثل الغابة". وقال أبو زياد: من العضاه أثل، وهو طوال في السماء سلب، ليس له ورق ينبت، مستقيم الخشب، وخشبه جيد، يحمل إلى القرى فتبنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق، وليس له شوك، ومنه تصنع القصاع والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب [2/81 - ب] وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب/ للآنية، وأجود النضار الورسي لصفرته، ومنبر رسول الله نضار، وفي "الواعي ": الأثلة خمصة مثل الأشنان ولها حب مثل حب التنوم، ولا ورق لها، وأنما هي أشنانة يغسل بها القصارون، غير أنها ألين من الأشنان. وقال القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء وليس به، وهو أجود منه عوداً، ومنه تصنع قداح المَيْسر. وقال الخطابي: هو شجر الطرفاء. وقال ابن سيده: يشبه الطرفان إلا أنه أعظم منه، و "الغابة "- بغير معجمة وباء موحدة-: أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل النبي- عليه السلام- مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة

_ (1) سورة المؤمنون: (27) .

العرنيين الذين أغاروا على سرحه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال. وقال البكري في "معجم ما استعجم": هما غابتان عليا وسفلى. وزعم محمد بن سهل الأحول أن الغابة من (1) أعراض البحرين، وهي غير المذكورتين. وقال الزمخشري: الغابة بريد من المدينة من طريق الشام. قال الواقدي: ومنها صنع المنبر. وقال محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: كان عباس بن عبد المطلب يقف على سَلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيُسمِعُهم، وذلك من آخر الليل، وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال، وفي "الجامع": كل شجر ملتف فهو غابة، وفي "المحكم ": الغابة: الأجمة التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة. وقال أبو حنيفة: هي أجَمةُ القصب، قال: وقد جعلت جماعة الشجر غاباً مأخوذ من الغيابة، والجمع غابات وغاب. قوله: " ثم نزل القهقري " وهو الرجوع إلى خلف، وذلك لئلا يولي ظهره إلى القِبْلة. قال العلماء: كان المنبر ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته: "فنزل النبي- عليه السلام- بخطوتين إلى أصل المنبر، ثم سجد في جنبه "، وفيه دليل على أن الصلاة لا تبطل بالخطوتين ولا بالخطوة؛ ولكن الأولى تركه إلا لحاجة، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه كما فعل النبي- عليه السلام-، وفيه دليل أيضا أن الفعل الكثير بالخطوات وغيرها إذا تفرق لا تبطل؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل، وفي والإكليل، للحاكم عن يزيد بن رومان: كان المنبر ثلاث درجات، فزاد فيه معاوية لعلة، قال: جعله ست درجات، وحوله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ. قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبي - عليه السلام- إلى المكان الذي وضعه فيه. وفي "الطبقات": كان

_ (1) مكررة في الأصل. 27. شرح سنن أبي داود 4

بينه وبين الحائط ممر الشاة. وقال ابن التين: وهو أول منبر عمل في الإسلام. وذكر ابن سعد وغيره: أن المنبر عمل سنة سبع. ويقال: سنة ثمان. ولما قام النبي- عليه السلام- عليه حن الجذع الذي كان يخطب عليه كالعُشارِ؛ لأنه- عليه السلام- كان يخطب إليه قائماً قبل أن يتخذ المنبر. وعن عائشة- رضي الله عنها-: " وضع النبي- عليه السلام- يده على الجذع وسكنه، غار الجذع فذهب. وعن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان النبي- عليه السلام- يصلي إلى الجذع إذ كان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، هل لك أن نجعل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة، وتسمع الناس يوم الجمعة خطبتك؟ قال: " نعم "، فصنع له ثلاث درجات هي على المنبر، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله، وبدأ الرسول أن يقوم (1) فيخطب عليه، فمر إليه فلما جاز الجذع الذي كان يخطب إليه غار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي- عليه السلام- لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده، ثم رجع إلى المنبر، فلما هُدم المسجد أخذ ذلك أبيُّ بن كعب، فكان عنده إلى أن بَلِيَ وأكلته الأرضة، فعادَ رُفَاتاً، رواه الشافعي، وأحمد، وابن ماجه. قوله: "ولتعلموا صلاتي" بفتح العين، واللام المشددة، أي: ولتتعلموا، فحذفت إحدى التائين للتخفيف، فبين- عليه السلام- أن [2/82 - أ] صعوده/ المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم، ليرى جميعُهم أفعاله- عليه السلام-، بخلاف ما إذا كان على الأرض، فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن قرب منه- عليه السلام-. وقال ابن حزم: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث، وأهل الظاهر. ومالك، وأبو حنيفة: لا يجيز إنه. قلت: ذكر صاحب "المحيط" أن المشي في الصلاة خطوة لا يبطلها،

_ (1) كذا، ولعلها: "وبدا للرسول أن يقوم".

وخطوتين وأكثر تبطلها، فعلى هذا ينبغي أن تفسد الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته، ولا تكره أيضا عند أبي حنيفة كما هو مذهب الشافعي، كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده، فإن له أن يجذب واحداً من الصف إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تبطل صلاته، ولو مشى خطوة أو خطوتين، وبه صرح أصحابنا في الفقه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. فالبخاري أخرجه في باب الصلاة على المنبر، ومسلم في باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة. 1052- ص- نا الحسن بن على، نا أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي- عليه السلام- لما بدَنَ قال له تميمٌ الداريُ: ألا اتَخذُ لك منبراً يا رسولَ الله يَجْمَعُ- أو يَحملُ- عظَامَكَ؟ قال: "بلى. " فاتَخَذَ لَه مِنبراً مِرْقَاتيَنِ (1) . ش- أبو عاصم الضحاك بن مخلد البصري، وابن أبي رواد عبد العزيز، واسم أبي رواد: ميمون المكي. قوله: " لما بدن" بتشديد الدال أي: كبر وأسن. قوله: "مرقاتين " المرقاة: الدرجة، أي: اتخذ له منبراً درجتين، ونصبها على أنها بدل من المنبر، وهي من رَقيتُ في السلم- بالكسر- رقياً ورقياً إذا صعدت، وارتقيت مثله. قال الجوهري: والمرقاة - بالفتح-: الدرجة، فمن كسرها شبهها بالآلة يعمل بها، ومن فتح قال: هذا موضع يفعل فيه، فيجعله بفتح الميم مخالفاً. فإن قيل: ما التوفيق بين الحديثين؟ فإن في حديث مسلم كما ذكرنا

_ (1) تفرد به أبو داود.

210- باب: موضع المنبر

ثلاث درجات، وفي هذا الحديث مرقاتان وهما درجتان؟ قلنا: الذي قال: "مرقاتين" كأنه لم يعتبر الدرجة التي يجلس عليها، والذي روى ثلاثاً اعتبرها. وفي "طبقات ابن سعد" من حديث أبي هريرة وغيره قالوا: كان النبي- عليه السلام- يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائماً فقال: " إن القيام قد شق عليَّ " فقال له تميم الداريُّ: ألا أعمل لك منبراً كما رأيتُه بالشام؟ فشاور النبيّ- عليه السلام- المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له كلاب أعملُ الناس، فقال النبي- عليه السلام-: " مره أن يعمله "، فعمله درجتين ومقعداً، ثم جاء به فوضعه في موضعه. وفي كتاب ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة. وفي " دلائل النبوة" لأبي نعيم: "صُنع للنبي- عليه السلام- كرسي أو منبر" الحديث. 210- باب: موضع المنبر أي: هذا باب في بيان موضع المنبر. 1053- ص- نا مخلد بن خالد، نا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمي قال: كان بين مِنبرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الحائطِ كَقَدْرِ مَمَر الشَاةِ (1) . ش- يزيد بن أبي عبيد مولى كلمة بن الأكوع. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وابن سعد في "الطبقات "، وفيه من السنة أن لا يلزق المنبر بالحائط حتى لا يكون متخللاً بين الصف في الصلاة. * * *

_ (1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة (497) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: دنو المصلي من السترة (263/ 509) . "

211- باب: الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال

211- باب: الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال أي: هذا باب في بيان الصلاة يوم الجمعة قبل زوال الشمس. 1054- ص- نا محمد بن عيسي، نا حسان بن إبراهيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي- عليه السلام- أنه كَرِهَ الصلاةَ نصفَ النهار إلا يومَ الجمُعَة، وقال: "إن جَهنمَ تُسَجرُ إلا يومَ الجُمُعَةِ" (1) .َ ش- حسان بن إبراهيم الكرماني أبو هشام قاضي كرمان. سمع: سعيد بن مسروق، ويونس بن يزيد الأيلي، وليث بن أبي سليم، والثوري، وغيرهم. روى عنه: عفان بن مسلم، وابن المديني، ويحيى ابن أيوب، وإسحاق بن شاهين، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. مات سنة ست وثمانين ومائة، وله مائة سنة. / روى له: البخاري، ومسلم (2) . [2/82 - ب] وأبو الخليل اسمه: صالح بن أبي مريم الضبعي البصري. روى عن: أبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري مرسلاً. وسمع: عبد الله بن الحارث، وأبا علقمة الهاشمي، وعكرمة، ومجاهداً. روى عنه: أيوب، وقتادة، ومطر. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (3) . وأبو قتادة الحارث بن ربعي. قوله: " تسجر" أي: توقد، وسجرت التنور إذا حميته، والسجور: ما يوقد به التنور. قوله: " كره الصلاة نصف النهار" والمراد منه: وقت الزوال، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن الصلاة وقت الزوال مكروهة كراهة تحريم، وعلل هاهنا على الكراهة بقوله: "إن جهنم تسجر"، وهذا مثل قوله: "ابردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم "، وذلك أن وقت الزوال

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/ 1185) . (3) المصدر السابق (13/ 2837) .

وقت شدة الحر، وفي ذلك الوقت تسجر جهنم، وتكون شدة حر ومشابهة بنار جهنم، فلا يشتغل بالصلاة في مثل ذلك الوقت. قوله: " ألا يوم الجمعة" استثناء من قوله: "تسجر " أي: إلا يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم، فلا تكره فيه الصلاة نصف النهار، هذا حاصل معنى الحديث، وهو من جملة متمسك من يجوز الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد وغيره كما ذكرناه، فلذلك بوب أبو داود بقوله: "باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال ". قلت: يمكن أن يُنزل الحديث على معنى أحسن من ذلك، وهو أن يكون المراد من قوله: "نصف النهار" بعد الزوال من غير تأخير، وهو أول وقت الظهر، أطلق عليه النصف باعتبار قربه منه، ويكون معنى كراهة الصلاة في ذلك الوقت لأجل شدة الحر من فيح جهنم، ولأجل تسجير جهنم فيه، فيكون التأخير من ذلك الوقت إلى وقت البرودة مستحباً كما قال: "ابردوا بالظهر " الحديث. ويكون المراد من قوله: "كره الصلاة" هي صلاة الظهر، ويكون معنى قوله: "إلا يوم الجمعة": لا تكره الصلاة في ذلك الوقت، يعني: في أول الوقت الذي يلي الزوال من غير تأخير، لعدم العلة الموجبة للكراهة، وهي تسجير جهنم، فتكون الصلاة في وقتها بعد الزوال بهذا التقدير، وح (1) لا يستقيم التبويب على الحديث؛ لأن التبويب في الصلاة قبل الزوال، وهذه صلاة بعد الزوال لما قلنا، ولا يبقى أيضا مستندا لمن يجور الجمعة قبل الزوال، فافهم. ص- قال أبو داود: وهو مرسل. مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة. ش- أي: الحديث مرسل، ومجاهد بن جبر كبر منه في العمر، وقد ذكرنا أن أبا الخليل روى عن مجاهد كما ذكره في " الكمال "،

_ (1) أي: " وحينئذ ".

212- باب: وقت الجمعة

وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وفي بعض النسخ: "لم يلق أبا قتادة". * * * 212- باب: وقت الجمعة أي: هذا باب في بيان وقت صلاة الجمعة. 1055- ص- نا الحسن بن علي، نا زيد بن حباب، حدثنيِ فليِح بن سليمان، حدثني عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: كان رسولُ الله- عليه السلام- يُصلي الجُمُعَةَ إذا مَالَتِ الشمس" (1) ش- أي: إذا زالت الشمس. وأخرجه البخاري، والترمذي، وقال البخاري: وكذلك يذكر عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو ابن حريث. وقال ابن المنير في "شرحه": إنما بت الحكم مع الاختلاف في صحتها قبل الزوال، لضعف مأخذ القائل بذلك، وإطراح مستنده. 1056- ص- نا أحمد بن يونس، نا يعلى بن الحارث قال: سمعتُ إياسَ بنَ سلمةَ بنِ الأكوعِ يحدثُ عن أبيه قال: كُنا نُصَلي معَ رسولِ الله ثم ننصَرِفُ وليسَ للحِيطَانِ فيْء (2) . ش- يعلى بن الحارث المحاربي أبو حرب، ويقال: أبو الحارث. روى عن: إياس بن سلمي، وغيلان بن جامع، وبكر بن وائل. روى عنه: محمد بن فضيل، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت الشمس (904) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة (503، 504) . (2) البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية (4168) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: صلاة الجمعة حيث تزول الشمس (31/86) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة (1390) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة (1100) .

213- باب: النداء في يوم الجمعة

عبد الرحمن بن مهدي: هو من ثقات مشيخة الكوفيين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) . [2/83 - أ] وإياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي/ أبو سلمة، ويقال: أبو بكر الحجازي المديني. سمع: أباه. روى عنه: الزهري، وابن أبي ذئب، ويعلى بن الحارث، وعكرمة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. روى له الجماعة (2) . قوله: " وليس للحيطان فيء" الواو فيه للحال، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، والظل يطلق على ما قبل الزوال وبعده، والمعنى: أنه كان يصلي حين تزول الشمس من غير تأخير، وكانت حيطانهم قصيرة، ولا يظهر لها فيء إلا بعد رمان. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 1057- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد قال: كنا نَقِيلُ ونَتَغَدى بعدَ الجُمُعَةِ (3) . ش- احتج بهذا الحديث الإمام أحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو محمول عند غيره على أن المراد التبكير، فإنهم كانوا يتركون في ذلك اليوم القائلة والغداء لتشاغلهم بغسل الجمعة والتهجير، وفي صحيح مسلم: "كنا نجمّع مع النبي- عليه السلام- إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء ". * * * 213- بَاب: النداء في يوم الجمعة أي: هذا باب في بيان النداء في يوم الجمعة، والنداء الأذان.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 7111) . (2) المصدر السابق (3/ 590) . (3) البخاري: كتاب الاستئذان، باب: القائلة بعد الجمعة (6279) .

1058- ص- نا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني السائب بن يزيد: أن الأذَانَ كان أولُه حين يَجلسُ الإمامُ على المنبرِ يومَ الجُمُعَة في عَهدِ النبي- عليه السلام-، وأبي بَكَرٍ، وعُمَر، فلما كَان خلافةُ عُثماَنَ، وكَثُرَ الناسُ، أمَرَ عُثمانُ يومَ الجُمُعَة بالأذَانِ الثالثِ، فافنَ به علىَ الزَّوْرَاءِ، فَثبتَ الأمرُ على ذلك (1) . ش- ابن وهب: عبد الله، ويونس بن يزيد، وابن شهاب الزهري. والسائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، ويقال: الأسدي، ويقال؛ الليثي، ويقال: الهذلي. وقال الزهري: هو من الأزد عداده في كنانة. رُوي له عن رسول الله خمسة أحاديث، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بأربعة. روى عنه: الزهري، وعمر بن عطاء بن أبي الخُوار، وغيرهم. توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو ابن ثمان وثمانين. روى له الجماعة (2) . قوله: " بالأذان الثالث، إنما سُمي ثالثا باعتبار كونه مزيدا؛ لأن الأول هو الأذان عند جلوس الإمام على المنبر، والثاني هو إقامة الصلاة، والثالث عند دخول الوقت. وأطلق الأذان على الإقامة من قبيل قوله - عليه السلام-:" بين كل أذانين صلاة لمن شاء" (3) يعني: بين الأذان والإقامة، وإنما أولناه هكذا حتى لا يلزم أن يكون الأذان ثلاثاً، ولم يكن كذلك، ويلزم أيضا أن يكون في الزمن الأول أذانان، ولم يكن إلا أذان واحد، فالأذان الثالث الذي زاده عثمان هو الأول اليوم، فيكون الأول

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة (912) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في أذان الجمعة (516) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الأذان للجمعة (1391) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنُة فيها، باب: ما جاء في الأذان يوم الجمعة (1135) . (2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 105) ، وأسد الغابة (2/ 1 32) ، والإصابة (2/ 2 1) . (3) يأتي برقم (1252) من حديث عبد الله بن مغفل.

هو الأذان الذي كان في زمن النبي- عليه السلام- وزمن أبي بكر وعمر عند الجلوس على المنبر، والثاني هو الإقامة، والثالث الأذان الذي زاده عثمان: " فأذن به على الزوراء" وهو موضع بالسوق في المدينة قرب المسجد، وقال الداودي: هو مرتفع كالمنار. قال القاضي عبد الوهاب في " المعونة ": للجمعة أذانان، أحدهما عند الزوال، وهو [الذي] ، أُحْدث في زمن عثمان لما كَثُرَ الناس، واحتيج إلى زيادة في إعلامهم، والآخر عند جلوس الإمام على المنبر، قال: ويؤذن لها على المنار كما كان على عهد النبي- عليه السلام-، وأما أذانهم جميعاً بين يدي الإمام وهو على المنبر، مما أحدثه بعض بني أمية. ثم اختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع، ويجب السعي إلى الجمعة، فقال الطحاوي: نقول: هو الأذان الذي عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنه الأصل الذي كان على عهد رسول الله، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، فلما كثُر الناس في عهد عثمان زادوا النداء على الزوراء، وهو الذي نبدأ به في زماننا، وأما أذان السنة فهو بدعة أحدثها الحجاج بن يوسف. وروى الحسن، عن أبي حنيفة، أن المعتبرَ في وجوب السعي، [2/83 - ب] وحرمة البيع الأذانُ على المنارة؛ لأنه لو/ انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيداً من الجامع. وقال ابن حزم: روينا من طريق عكرمة، عن ابن عباس: لا يصح البيع يوم الجمعة حين ينادَى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع. وقال عطاء: تحرم الصناعات كلها والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً. وقال الزجاج: البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام. وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء؟ لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء. وعن الضحاك: إذا زالت الشمس يحرم. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. وعن مجاهد: من باع شيئاً بعد زوال الشمس يوم الجمعة فإن بيعه مردود.

قلت: مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وزفر والشافعي: أن البيع وقتُ النداء يجوز مع الكراهة. وقال أحمد وداود ومالك في رواية: لا يصح. وقال ابن التين: كل من لزمه النزول للجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع، أو نكاح، أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجارة، قال: وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك. وقال ابن قدامة: ولا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة، والصلح، والنكاح، وقيل: يحرم. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 1059- ص- نا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان يُؤَذَّنُ بين يَدَيْ رسولِ اللهِ إذا جَلَسَ على المنبر يومَ الجُمُعَةِ على بابِ المسجدِ، وأبي بَكرٍ، وعُمَرَ، ثم ساق (1) حديثً يونُسَ (2) . ش- لم يكن في زمن النبي- عليه السلام- منار وهو المأذنة، ولا في زمن أبي بكر، وعمر، وأما في زمن عثمان فقد أذن على الزوراء كما قلنا، ثم في زمن بني أمية ومَن بعدهم حدثت المآذن والمنائر، حتى جعلت في مسجد النبي- عليه السلام- أربع مآذن. قوله: " ثم ساق حديث يونس " أي: حديث يونس بن يزيد الذي رواه عن الزهري المذكور آنفاً. 1060- ص- نا هناد بن السري، نا عَبْدة، عن محمد- يعني: ابن

_ (1) في سنن أبي داود: " ساق نحو حديث ". (2) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة (912) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في أذان الجمعة (516) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الأذان للجمعة (1391) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الأذان يوم الجمعة (1135) .

إسحاق- عن الزهري، عن السائب قال: لم يكنْ لرسول الله إلا مُؤَذّن واحدٌ: بلال ثم ذكرَ معناه (1) . ش- عبدة بن سليمان. قوله: " بلال " عطف بيان من قوله: " إلا مؤذن". وقال ابن حبيب: كان النبي- عليه السلام- إذا دخل المسجد رَقَى المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة، يؤذنون على المنار واحداً بعد واحد، فإذا فرغ الثالث خطب. قال: والذي فعله النبي- عليه السلام- أحق أن يتبع. قلت: هذا معارض لما رواه أبو داود. وقال ابن المُنيّر في " شرح البخاري": يمكن أن يجمع بينهما بأن المراد بالمؤذن الواحد في خبر السائب، أن هذا التنبيه في حكم مؤذن واحد، لاتحاد وقت تأذينهم وسببه ومقصوده؛ وإنما يتعدد الأذان حقيقة إذا اختلف المقصود منه وتعدد سببه، وأما إذا أوقع جماعة أذاناً مجتمعين أو متراسلين في وقت واحد، فإنه أذان واحد في الحقيقة، وإن تعدد المؤذنون. 1061- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد بن أخت نمر أخبره قال: ولم يكنْ لرسولِ اللهِ غيرُ مُؤَذنٍ واحد. وساقَ هذا الحديثَ وليمس بتمامِهِ (2) . ش- صالح بن كيسان، والسائب بن يزيد كان يعرف بابن أخت النمر، واسم أم السائب: عُلية بنت شريح بن الحضرمي، ومخرمة بن شريح خاله. قوله: " وساق هذا الحديث " أي: ساق ابنُ فارس الحديث المذكور، وليس سوقه بتمام الحديث. * * *

_ (1) انظر التخريج المتقدم. (2) انظر تخريج الحديث قبل السابق.

214- باب: الإمام يكلم الرجل في خطبته

214- باب: الإمام يكلم الرجل في خطبته / أي: هذا باب في بيان الإمام إذا كلم الرجل وهو يخطب. [2/84 - أ] 1062- ص- نا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا مخلد بن يزيد، نا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: " لما اسْتَوَي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الجُمُعَة قال: "اجلسوا"، فسمِعَ ذلك ابنُ مسعود فجلَسَ على باَب المسجدِ، فَرآهُ رسولُ الله- عليه السلام- فقال: " تَعَاَلَ يا عبدَ اللهِ بنَ مسعُودٍ " (1) . ش- مخلد بن يزيد الجزري الحراني أبو يحيي، أو أبو الحسن، أو أبو خالد. روى عن: ابن جريج، ومسعر، والثوري، وغيرهم. روى عنه: النفيلي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له: الجماعة إلا الترمذي. مات سنة ثلاث وتسعون ومائة (2) . وعطاء بن أبي رباح، وجابر بن عبد الله. والحديث يدل على أنه- عليه السلام- تكلم لابن مسعود قبل شروعه في الخطبة، فلم يطابق التبويب عليه. ص- قال أبو داودَ: هذا يُعرفُ مرسل، إنما رَواه الناسُ عن عطاءَ، عن النبي- عليه السلام-، ومخلد هو شيخ. ش- أي: هذا الحديث يُعرفُ مُرسل؛ لأنه رُوي عن عطاء، عن النبي- عليه السلام-. وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن هشيم قال: أنا حجاج، عن عطاء: أنه كان لا يرى بأساً بالكلام حتى يخطب، وإذا فرغ من الخطبة حتى يتكلم في الصلاة. وأخرج عن الزهري قال: كان رسول الله ربما كلم في الحاجة يوم الجمعة فيما بين نزوله من منبره إلى مصلاه.

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 3458) .

215- باب: الجلوس إذا صعد المنبر

وعن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا لا يريان بأساً أن يتكلم فيما بين نزوله إلى أن يكبر. وأخرج أيضا بإسناده عن أنس قال: كان رسول الله ينزل يوم الجمعة من المنبر، فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة، ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي. قوله:"ومخلد هو شيخ" أي: مخلد بن يزيد الجزري، وأشار بقوله هو شيخ إلى أنه عَدله، وذلك لأن ألفاظ التعديل على مراتب: الأولى: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل للواحد: إنه " ثقة، أو " متقن " فهو ممن يحتج بحديثه، وقال ابن الصلاح: وكذا إذا قيل: "ثبت " أو " حجه". الثانية: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل: إنه " صدوق " أو " محله الصدق، أو " لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. الثالثة: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل: " شيخ " فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية. الرابعة: قال: إذا قيل: "صالح الحديث" فإنه يكتب حديثه بلا اعتبار. * * * 215- باب: الجلوس إذا صعد المنبر أي: هذا باب في بيان جلوس الإمام إذا صعد المنبر. 1063- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا محمد الوهاب- يعني: ابن عطاء- عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي- عليه السلام- يَخْطُبُ خُطبتينِ: كان يَجْلسُ إذا صعَدَ المِنبرَ حتى يَفْرغُ. أراهُ (1) المُؤَذنُ، ثم يَقُومُ فيخطُبُ، ثم يَجلِسُ فلا يَتكَلمُ، ثم يَقُومُ فيخطُبُ (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: " أراه قال ". (2) تفرد به أبو داود.

ش- العُمري: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وفيه مقال وقد بيناه. قو له: " أراه" أي: أظنه. قوله: " المؤذن " مرفوع لأنه فاعل. قو له: " يفرغ " وقوله: " أراه " معترض بينهما. قوله: " ثم يجلس " أراد به الجلسة الفاصلة بين الخطبتين. قال القاضي: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة. وعن الحسن البصري، وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك: أنها تصح بلا خطبة. وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائماً لمن أطاقه. وقال أبو حنيفة: تصح قاعداً، وليس القيام بواجب. وقال مالك: هو واجب، لو تركه أساء وصحت الجمعة. وقال أبو حنيفة ومالك والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سُنَة ليس بواجب/ ولا شرط [2/ 84 - ب] ومذهب الشافعي أنه فرض، وشرط لصحة الخطبة. وقال الطحاوي: لم يقل هذا غير الشافعي. وقال الشيخ محيي الدين: ودليل الشافعي: أنه ثبت هذا عن رسول الله مع قوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". قلت: ثبوت هذا عن النبي- عليه السلام- لا يستلزم الفرضية، غاية ما في الباب يكون سُنَّة؟ لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " لا يتناول الخطبة؛ لأنها ليست بصلاة حقيقة. وقال ابن بلال: رُوي عن المغيرة بن شعبة، أنه كان لا يجلس في خطبته. ولو كان فرضاً لما جهله، ولو جهله ما تركه مَن بحضرته مِن الصحابة والتابعين، ومن قال: إن الجلسة بين الخطبتين فريضة لا حجة له؛ لأن القعدة استراحة للخطيب، وليست من الخطبة، والمفهوم من كلام العرب أن الخطبة اسم للكلام الذي يخطب به لا للجلوس، ولم يقل بقول الشافعي غيره، وهو خلاف الإجماع، ولو

216- باب: الخطبة قائما

قعد في خطبتيه جازت الجمعة ولا فضل، فكذا إذا قام موضع القعود. وفي "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمعوا أن الإمام إذا خطب للجمعة خطبة لا جلوس فيها أجزأته صلاة الجمعة، إلا الشافعي فإنه قال: لا تجزئه إلا أن يخطب قبلها خطبتين بينهما جلسة، وإن قَلت. ويؤيد قول الجماعة: ما أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: ثنا حميد بن عبد الرحمن- هو الرُؤاسي- عن الحسن- يعني: ابن صالح- عن أبي إسحاق- هو السبيعي- قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ. وهذا سند صحيح على شرط الجماعة، ورواه عبد الرزاق، عن إسرائيل بن يونس، أخبرني أبو إسحاق، فذكر بمعناه. والعجب من الشافعي كيف جعل الخطبتين والجلسة بينهما فرضاً بمجرد فعله - عليه السلام-، ولم يجعل الجلوس قبل الخطبة فرضاً، وقد صح أنه - عليه السلام- فعله، وقال الشافعي أيضا: لو استدبر القوم في خطبته صحت مع مخالفته فعله- عليه السلام-. * * * 216- باب: الخطبة قائماً أي: هذا باب في بيان الخطبة حال كونه قائماً. 1064- ص- نا النفيلي، نا زهير، عن سماك، عن جابر بن سَمُرةَ: أن رسولَ اللهِ- عليه السلام- كان يَخطُبُ قَائماً، ثم يَجْلسُ، ثم يَقُومُ فيخْطُبُ قَائماً، فَمَنْ حَدثكَ أنه كان يَخطُبُ جَالساً فقد كَذَبً، والله (1) صليتُ مَعه أكثرَ من ألفَيْ صَلاةِ (2) .

_ (1) في سنن أبي داود: "فقد والله ". (2) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة (862) ، النسائي: كتاب العيدين، باب: قيام الإمام في الخطبة (573 1) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الخطبة يوم الجمعة (1105) .

ش- النفيلي: عبد الله بن محمد، وزهير بن معاوية، وسماك بن حرب. قوله: "والله صليت معه " أي: مع رسول الله- عليه السلام-، وهذا محمول على المبالغة؛ لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل في نيف وأربعين سنة، وهذا القدر لم يُصَفه رسول الله. وقال الشيخ محيي الدين: " المراد الصلوات الخمس لا الجَمعة ". قلت: سياقُ الكلام ينافي هذا التأويل، فافهم. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. 1065- ص- نا إبراهيم بن موسى وعثمان بن أبي شيبة- المعنى- عن أبي الأحوص، ثنا سماك، عن جابر بن سَمُرَةَ قال: كان لرسولِ اللهِ خُطبتانِ يَجلِسُ (1) بينهما، يَقْرأ القُرآنَ، ويُذَكِّرُ الناس (2) . ض- أبو الأحوص: سلام بن سليم. قوله: " ويذكر الناس " من التذكير، أي: يعظهم ويأمرهم، وينهاهم، ويعدهم، ويُوعِدُهم، ونحو ذلك. وقال الشيخ محيى الدين: فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقراءة. قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله فيهما والوعظ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، ويجب قراءة آية من القرآن في إحديهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح. وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، والجواب عنه ما ذكرناه. واستدل البيهقي على وجوب التحميد أيضا بقوله- عليه السلام-: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع ". قلت: على تقدير ثبوته لو دل على وجوب التحميد لدل/ على [2/85 - أ] وجوبه في كل أمر ذي بال، ولا نعلم أحدا يقول بذلك، ثم ذكر حديث عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة:

_ (1) في سنن أبي داود: "كان يجلس". (2) انظر التخريج السابق. 28 * شرح سنن أبي داود 4

" كل خطبة ليس فيها شهادة كاليد الجذماء"، في " باب ما يستدل به على وجوب التحميد في الخطبة"، ثم قال: عبد الواحد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به. قلنا: هو موثق مخرج له في الصحيح، ومع ذاك تكلم فيه جماعة. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود الطيالسي: عَمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها، وقد عرف أن الجرح مقدم على التعديل، ولئن سلمنا فذكره ليس بمناسب في هذا الباب؛ لأن الشافعي لا يقول بفرضيتها في الخطبة، ثم قال:" باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي- عليه السلام- في الخطبة" ذكر فيه عن مجاهد في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذكْرَكَ} (1) قال: لا أذكَرُ إلا ذُكِرتَ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. قلنا: قوله: "ورَفَعْنَا " خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، وتفسير مجاهد أيضا مفسر بكلمة الشهادة، إذ يلزم من تعميمه الخُلفُ في الخبر. فإن قلت: يجعل خبراً بمعنى الأمر. قلت: إن جعل الأمر فيه للوجوب لزم فيه مخالفة الإجماع، إذ لا نعلم أحداً يقول بوجوب ذكره - عليه السلام- كلما ذكر الله تعالى، وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال، ثم ذكر حديث أبي هريرة: " ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا فيه ربهم، ولم يصلوا على نبيهم إلا كانت تِرةٌ عليهم ". قلنا: في سنده صالح مولى التوأمة اختلط في آخر عمره، وتكلموا فيه. وقال البيهقي في "باب الغُسل من غَسْل الميت ": ليس بالقوي. ثم على تقدير ثبوت حديثه، في دلالته على وجوب الصلاة على النبي- عليه السلام- نظر، وعلى تقدير صحة دلالته على ذلك لا يخص الجمعة، فافهم.

_ (1) سورة الشرح: (4) .

217- باب: الرجل يخطب على قوس

وقال الشيخ محيي الدين في شرح هذا الحديث: وقال أبو حنيفة ومالك- في رواية-: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وهذا ضعيف لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به مقصودها. قلنا: لا نسلم أنه ضعيف؛ لأنه اشتهر في الكتب عن عثمان، وذكره أيضا الإمام القاسم بن ثابت السرَقُسْطي في كتاب " غريب الحديث ": رُوي عن عثمان أنه صعد المنبر فارتج عليه فقال: الحمد لله، إن أول كل مَركب صَعْب، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش تأتكم الخَطَبةُ على وجهها، ويعلمُ الله إن شاء الله. وقال صاحب "المحيط ": أراد به الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين تكون على كثرة المال مع قبح الفعال، وأنا إن لم كن قائلاً مثلهم، فأنا على الخير دون الشر، وأما أن يُريد بهذه المقالة تفضيل نفسه على الشيخين فلا. فهذا عثمان- رضي الله عنه- قد اكتفى بقوله:" الحمد لله"، ونزل وصلى وكفى به قدوة. وحديث جابر: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. 1066- ص- نا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: رَأيتُ النبي- عليه السلام- يخطُبُ قَائماً، ثم يَقْعُد قَعْدَةَ لا يَتكلمُ. وساقَ الحديثَ (1) . ش- أبو كامل فضيل بن الحسين الجَحدري، وأبو عوانة: الوَضاح. قوله: " ثم يقعد" أراد به القعدة التي بين الخطبتين. * * * 217- باب: الرجل يخطب على قوس أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يخطب وهو يتوكأ على قوس. 1067- ص- نا سعيد بن منصور، نا شهاب بن خِراش، حدثني

_ (1) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق.

شعيب بن رُزَيْقٍ (1) الطائفي قال: جَلستُ إلى رجلِ له صُحبة من رسول الله يقالُ له الحكمُ بنُ حَزْنٍ الكُلَفِي، فَأنشأ يُحدثنا قال: وَفدتُ إلى رسولَ الله - عليه السلام-/ سابعَ سَبعة أو تاسعَ تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسولً الله، زُرْنَاكَ فادعُ اللهَ لنا بخير، فَأمَرَ بنا- أَو أمرَ لنا- بشيء من التمرِ، والشأنُ إذَ ذاك دُون. فأقَمْنَا بها أياًما شَهِدْنَا فيها الجمُعَةَ مع رسوَل اللهِ، فقامَ مُتوكِّئاً على عَصاً أو قوس، فحَمدَ الله، وأثْنَى عليه كلمات خفَيفات (2) طيبات مُباركات، ثم قال: " أيها اَلناسُ، إنكم لن تُطيقُوا- أَو لَن تَفْعًلُوا- كُل مال أمِرْتُم به، ولكن سَدِّدوا وأبْشِرُوا (3) . ش- شهاب بن خِراش بن حوشب بن يزيد أبو الصلت الواسطي ابن أخي العوام بن حوشب، أصله كوفي، انتقل إلى الشام وسكن فلسطين، نزل الرملة. سمع: قتادة، وعمه العوام بن حوشب، وشعيب بن رزيق، وغيرهم. روى عنه: عثمان بن سعيد بن كثير، وهشام بن عمار السلمي، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال ابن المبارك: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. روى له: أبو داود (4) . وشعيب بن رُزيق- بتقديم الراء المهملة-: الطائفي أبو شيبة الثقفي المقدسي، يُعد في الشامين، سكن طرسوس، ثم سكن فلسطين. روى عن: الحسن البصري، وعطاء الخراساني، وعثمان بن أبي سودة. روى عنه: الوليد بن مسلم، وعثمان بن سعيد، ويحيي بن يحيي النيسابوري، وغيرهم. قال الدارقطني: ثقة. وقال رحيم: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي (5) . والحكم بن حزن الكافي، وفد على النبي- عليه السلام-، وشهد

_ (1) في سنن أبى داود: "زريق " خطأ. (2) في الأصل: "خفيات" وما أثبتناه من سنن أبي داود. (3) تفرد به أبو داود. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2 1/ 2776) . (5) المصدر السابق (12/ 2750) .

خطبته وحكاها، وليس له غير ذلك. روى عنه: شعيب بن رزيق الطائفي. روى له: أبو داود (1) . قوله: " سابع سبعة" حال من الضمير الذي في " وفدت"، أي: حال كوني أحد السبعة الذين وفدوا إلى رسول الله- عليه السلام-، أو أحد التسعة. قوله: " والشأن إذ ذاك دون " جملة حالية، والمعنى: والحال حينئذ دون أراد به قلة الأقوات وعدم السعة في الدنيا. قوله:" سَددُوا " يعني: اقتصدوا واعملوا شيئاً لا تُعابون عليه، فلا تفرطوا في إرساله، ولا تشميره، وقال ابن الأثير: " أي: اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر، والعدل فيه ". قوله: " وأبشروا " وفي بعض النسخ الصحيحة: " ويسروا". وفيه استحباب الخدمة إلى الوفود، واستحباب التوكي على نحو عصى في الخطبة، واستعمال عمل اليسر في الأمور، وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن حباب، عن يزيد بن البراء، عن أبيه: أن النبي- عليه السلام- خطبهم يوم عيد وفي يده قوس أو عصى، وعن طلحة بن يحيي قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب وبيده قضيب. ص- قال أبو داودَ: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا. أش،- أشار به إلى أنه كان مشككاً في بعض شيء منه، فلما تبين له ذلك من بعض أصحابه قال: ثبتني، بمعنى: أزال شكي، وجعلني متثبتاً 1068- ص- نا محمد بن بشار، نا أبو عاصم، نا عمران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياش، عن ابن مسعود- رضي الله عنه-: أن

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 319) ، وأسد الغابة (2/ 34) ، والإصابة (1/ 343) .

رسولَ الله- عليه السلام- كان إِذا تَشَهدَ قال: " الحمدُ لله نَستَعِينُه ونَستَغْفرُهُ، ونَعوذُ بالتَه من شُرُور أنفُسنَا، من يهْده اللهُ فلا مُضل لَه، ومن يُضْللَْ فلا هَادي له، َ وأشهدُ أنْ لَا إله إَلا الله، وأشَهَدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، مرسَلَهُ بالحَقِّ بَشيراً ونَذيراً بين يَدَيِ الساعَة، مَن يُطِع اللهَ ورسولَهُ فقد رَشَدَ، ومن يَعْصِهِمَا فَإنه لا يضُر إلا نفسَه، ولا يَضُر اللهَ شَيْئاً" (1) (2) . ش- أبو عاصم النبيل، وعمران بن داور القطان البصري. وعبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري النجاري المدني أخو يحيى بن سعيد. روى عن: جده، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعمران بن أبي أنس، ونافع، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وشعبة، وحماد بن سلمة، وقتادة، وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين [2/86 - أ] ومائة. روى/ له الجماعة (3) . وأبو عياض روى عن: عبد الله بن مسعود. روى عنه: عبد ربه بن قيس، وذكر الدارقطني في " رجال مسلم ": أبو عياض عن ابن عمر. روى له: أبو داود، والنسائي (4) . قوله: " نستعينه " أي: نطلب العون منه. قوله: " ونستغفره " أي: نطلب المغفرة منه، فإنه أهل للمغفرة. قوله: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا " إنما استعاذ من شرور النفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الهوى، والأغراض الفاسدة. قوله: " أرسله " أي: أرسل الله محمداً بالحق. قوله: " بشيراً " أي: مبشراً بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة، وفي الدنيا بالنصرة، و "نذيراً" من النار، يعني: مخوفاً لمن عصى الله، وهما

_ (1) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: "وقد كان انقطع من القرطاس". (2) تفرد به أبو داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 1/ 3739) . (4) المصدر السابق (34/ 7557) .

منصوبان على الحالية، والأولى أن ينتصبا على المفعولية، لأن "أرسل " يتعدى إلى اثنين. قوله: " بين يدي الساعة" أي: القيامة، وذلك لأنه- عليه السلام- خاتم الأنبياء والرسل، وظهوره في الدنيا من أشراط الساعة على ما ثبت عنه- عليه السلام-: " بعثت أنا والساعة كهاتين". قوله: " فقد رشد " أي: اهتدى. قوله: " ومن يعصهما " أي: ومن يعص الله ورسوله، وبعض الناس كرهوا أن يشرك بين الله وغيره في الضمير، وقد ورد في هذا الحديث ما يرد هذا المذهب حيث قال: "ومن يعصهما". قوله: " ولا يضر الله شيئاً " انتصاب " شيئاً" على أنه مفعول به، ويجوز أن تكون في موضع مصدر، أي: ولا يضر الله قليلاً من الأشياء. وهذا الحديث وما بعده إلى آخر الباب ليس بمطابق للترجمة. وقد أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه بأتم منه في خطبة النكاح، وفي " مختصر السنن " في إسناده عمران بن دَاوَر أبو العوام، قال عفان: كان ثقة، واستشهد به البخاري. وقال ابن معين والنسائي: ضعيف الحديث. وقال يحيى مرة: ليس بشيء. وقال يزيد بن زريع: كان عمران حرورياً، وكان يرى السيف على أهل القِبْلة. وداور: آخره راء مهملة. 1069- ص- نا محمد بن سلمة المرادي، أنا ابن وهب، عن يونس: أنه سألَ ابنَ شهاب عنِ تشهد رسول الله يومَ الجُمُعَة، فذكر نحوه وقال: "ومن يَعْصِهِمَا فقدت غَوى "، وَنسألُ الله رد بنا أن يَجعلَنَا ممن يُطيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَه، وَيتبِعُ رِضْوَانَهُ، ويَجْتَنِبُ سَخَطَهُ، فإنما نحنُ به وله (1) . ش- يونس بن يزيد. قوله: " فذكر نحوه" أي: نحو الحديث المذكور. وقال زيادة عليه:

_ (1) تفرد به أبو داود.

"ومن يعصهما فقد غوى " إلى آخره، أي: فقد ضل، وهو بفتح الواو من غَوَى يغوِيَ غَيا وغَوَايَة فهو غاوٍ وغوٍ. قال الجوهري: الغي: الضلال والخيبة. وقال غيره: الغي: الانهماك في الشر. وأما غوِي يغوَى بالكسر في الماضي والفتح من الغاية، فمصدره غوي، يقال: غَوِي الفصيل: إذا لم يرو من لين أمه حتى يموت. وقال القاضي: وقع في رواية مسلم بفتح الواو وكسرها والصواب الفتح. قوله: " فإنما نحن، " أي: ملتجئون به، أو موفقون به. قوله: " وله " أي: نحن عبيد له، وهذا مرسل. 1070- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان بن سعيد، حدَّثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم الطائيِ، عن عديِ بن حاتم: أن خَطِيباً خَطَبَ عندَ النبي- عليه السلام- فقال: من يُطِع اللهَ وَرسُولَه (1) ... ومَنْ يَعْصهمَا، فقال: " قُمْ- أَوْ اذهبْ- بِئْسَ الخَطِيبُ (2) " (3) . ش- يحيي القطان، وسفيان بن سعيد الثوري، وتميم بن طرفه الطائي الكوفي. وعدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي بن ربيعة بن جَرْول بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، يكنى أبا طريف، قدم على النبي- عليه السلام- في شعبان سنة تسع، رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- ستة وستون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه: قيس بن أبي حازم، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جبير، والشعبي، وجماعة آخرون. نزل الكوفة ومات بها

_ (1) في سنن أبي داود: " من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن ... ". (2) في سنن أبي داود: " بئس الخطيب أنت". (3) أبو داود: كتاب الأدب، باب رقم (4981) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (84/ 870) ، النسائي: كتاب النكاح، باب: ما يكره من الخطبة (6/ 90) .

زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، سَنَةَ تسع وستين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وفيه:" بئس الخطيب أنت " وكذا أخرجه أبو داود في " كتاب الأدب "، قال القاضي وغيره: إنما أنكر - عليه السلام- لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال- عليه السلام- في الحديث الآخر: " لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شاء فلان "/ والصواب: أن سبب النهي أن الخُطَبَ شأنُها البسط 2/86 - ب] والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، وما ذكره القاضي ضعيف لأن التشريك في الضمير قد تكرر في الأحاديث، منها في الحديث المذكور في رواية ابن مسعود، ومنها قوله: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وغير ذلك. وقد قيل: إن إنكاره- عليه السلام- وقوفه على قوله: " ومن يعصهما"، واحتج به المفسرون على تخطئة الوقف على غير التام. قوله: " بئس الخطيب " قد مر مرة أن" بئس " من أفعال الذم، كما أن "نعم " من أفعال المدح، و" الخطيب" مرفوع بإسناد الفعل إليه، والمخصوص بالذم محذوف في هذه الرواية، أي: " أنت " كما قلنا. وهو مبتدأ وخبره قوله: " بئس الخطيب". 1071- ص- نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خُبَيْب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن أبنت (2) الحارث بن النعمان قالته: مَا حَفظتُ "ق" إلا منْ فِي رسول الله- عليه السلام- يَخْطُبُ (3) بها كُل جُمُعَةِ، قالت: وَكَانَ تَنُورُ رسولِ اللهَ وَتَنَورُنَا واحداً (4) .

_ (1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 141) ، وأسد الغابة (4/ 8) ، والإصابة (2/ 468) . (2) في سنن أبي داود: " بنت ". (3) في سنن أبي داود: " كان يخطب ". (4) مسلم: كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (51/ 873) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: القراءة في الخطبة (107/3) .

ش- خُبَيْب- بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء- ابن عبد الرحمن بن خُبَيْب بن يساف الأنصاري قد مر غير مرة. وعبد الله بن محمد بن معن المديني. سمع: أم هشام بنت حارثة بن النعمان. روى عنه: خُبَيْب. روى له: مسلم، وأبو داود (ا) . وأم هشام بنت الحارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد الأنصارية النجارية، روت عنها عمرة، روى لها مسلم حديثين، وأبو داود، وابن ماجه، ولم يُسمها (2) . قوله: "ما حفظت "ق " " أي: " سورة ق "، "إلا من فِي رسول الله " أي: من فمه المباركة "يخطب بها كل جمعة" وإنما اختارها من بين السور لاشتمالها على البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل لاستحباب قراءة "ق " أو بعضها في كل جمعة. قوله: "وكان تنور رسول الله وتنورنا واحداً"، وفي رواية مسلم: "وكان تنورنا وتنور رسول الله واحداً "، وأشارت به إلى شدة حفظها ومعرفتها بأحوال النبي- عليه السلام-، وقربها من منزله، والتنور التي تخبز فيها الخبز. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. ص- قال أبو داود: قال روح بن عبادةَ، عن شعبةَ قال: ابنت (3) حارثة ابن النعمان. وقال ابن إسحاق: أم هشام بنت حارثة بن النعمان. ش- روح بن عبادة أبو محمد البصري، عن شعبة بن الحجاج قال في روايته: "ابنت حارثة بن النعمان ". وقال محمد بن إسحاق في روايته: " أم هشام بنت حارثة "، ولم يبين كل منهما اسمها، وفي رواية مسلم: "عن أخت لعمرة "، ولا يضر ترك تسميتها لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول. 1072- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني سماك، عن

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3548) . (2) المصدر السابق (35/ 8018) . (3) في سنن أبي داود: "بنت".

جابر بن سمرة قال: كانت صَلاةُ رسولِ اللهِ قَصْداً، وخُطبَتُهُ قَصْداً، يَقْرأ آياتٍ من القُرآنِ، ويُذَكرُ الناسَ (1) . ش- أي: ليست طويلة ولا قصيرة، ومثله القصد من الرجال، والقصد في المعيشة. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وفيه من السُّنَّة تخفيف الخطبة وتخفيف الصلاة؛ لأن تطويلهما يثقل على الناس، ولا سيما إذا كان القوم كُسالَى. 1073- ص- نا محمود بن خالد، نا مروان، نا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرةَ، عن أختها قالت: مَا أخَذْتُ "ق " إلا مِن فِي رسولِ اللهِ، كان يَقْرَؤُهَا فِي كُل جُمُعَةٍ (2) . ش- مروان بن معاوية، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وعمرة هي أخت أم هشام بنت حارثة بن النعمان، وقد تقدم ذكرها. ص- قال أبو داود: كذا رواه يحيى بن أيوب، وابن أبي الرجال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرةَ، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان. ش- أي: كذا روى الحديث يحيى بن أيوب الغافقي المصري. وابن أبي الرجال اسمه: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري المدني، كان ينزل بعض ثغور الشام. روى عن: أبيه، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وعمارة بن غزية. روى عنه: يحيي بن صالح الوحاظي، والحكم بن موسى،

_ (1) مسلم: كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (866) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في قصد الخطبة (507) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها (1417) . (2) انظر الحديث قبل السابق.

218- باب: رفع اليدين على المنبر

وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له النسائي (1) ، وأبو الرجال كنية والده محمد. 1574- ص- نا ابن السرح، نا ابن وهب قال: أخبرني يحيي بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أخت لعَمرةَ بنت عبد الرحمن كانت أكبر منها بمعناه (2) . ش- عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية، [2/87 - أ] سمعت عائشة، وأم هشام/ بنت حارثة بن النعمان، وقد ذكرناها مرة. قوله: " كانت أكبر منها " أي: كانت أخت عمرة أكبر من عمرة. قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. * * * 218- باب: رفع اليدين على المنبر أي: هذا باب في بيان رفع اليدين على المنبر. 1575- ص- نا أحمد بن يونس، نا زائدة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارةُ بن رؤيبةَ بشر بن مروان وهو يَدْعو في يوم جُمُعَة فقال عمارةُ: قَبحَ الله هاتينِ اليدينَِ. قال زائدةُ: قال حصين: حدثني عمارة قال: لقد رَأيْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبرِ ما يَزيدُ على هذه - يعني: السبابةَ التي تَلِي الإِبهامَ (3) . ش- زائدة بن قديمة، وعمارة بن رؤيبة الصحابي قد ذكرناه، وبشر ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، تولى الكوفة من جهة أخيه عبد الملك بن مروان في سنة

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/ 3813) . (2) انظر الحديث السابق. (3) مسلم: كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (874) ، الترمذي: كتاب الجمعة، باب: ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبر (515) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الإشارة في الخطبة (3/ 108) .

إحدى وسبعين بعد مقتل مصعب بن الزبير، ثم أضاف عبد الملك إليه البصرة في سنة ثلاث وسبعين بعد أن عزل خالد بن عبد الله عنها، فارتحل إليها بشر واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، ثم تولى البصرة والكوفة وغيرهما الحجاج بن يوسف في سنة خمس وسبعين من جهة عبد الملك، بحكم وفاة أخيه بشر بن مروان. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وفيه من السنة أن لا ترفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك والشافعي، وغيرهما، وحكي عن بعض المالكية وبعض السلف إباحته؛ لأن النبي- عليه السلام- رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض. 1076- ص- نا مسدد، نا بشر، نا عبد الرحمن- يعني: ابن إسحاق- عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن أبي ذباب، عن سهل بن سعد قال: مَا رَأَيتُ رسولَ الله شَاهراً يديه قَط يَدعُو على منبرِه ولا غيرِه (1) ، ولكن رَأَيتُه ُيقول هكذا، وأشَارَ باَلسبابةِ، وعَقَدَ الوُسْطَى بَالإبَهام (2) . ش- بشر بن المفضل، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الحارثِ القرشي المدني. وعبد الرحمن بن معاوية أبو الحويرث الزرقي الأنصاري مدني، حليف بني نوفل بن عبد مناف. روى عن: نافع، ومحمد بن جبير، وعثمان ابن أبي سليمان. روى عنه: عبد الرحمن بن إسحاق، والثوري، وشعبة، وغيرهم. روى له: أبو داود (3) . وابن أبي ذباب عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب الدولي. روى عن: أبي هريرة، وسهل بن سعد. روى عنه: (1) في سنن أبي داود: "ولا على غيره". (2) تفرد به أبوه داود. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/ 3962) .

219- باب: اقتصار الخطب

مجاهد، وعكرمة، وعبد الرحمن بن معاوية. قال ابن معين: هو ثقة. روى له: أبو داود (1) . قوله: " شاهراً يديه " من شهرت الأمر أشهره شهراً وشهرة، وشهر سيفه سله، والمعنى: ما رأيته مَادا يديه بالدعاء. قوله: " يدعو " في محل النصب على الحال. قوله: " ولا غيره" يعني: ولا غير منبره. وهذا يدل على أن لا ترفع اليد بالدعاء في كل الأحوال، ولكن لا يلزم من عدم رؤيته هو ترك رسول الله رفع يديه على المنبر أو غيره في بعض الأوقات، أن لا يشرع رفع اليد عقيب الدعاء، وقد وردت أخبار كثيرة في رفع اليد عقيب الدعاء لما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، ولكن السُنَّة في الخطبة أن لا يرفع لما ذكرناه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة بدعة. ونا سهل بن يوسف، عن ابن عون، عن محمد قال: أول من رفع يديه في الجمع عبيد الله بن عبد الله بن معمر. ونا ابن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر فرفع الناس أيديهم. فقال مسروق: قطع الله أيديهم. * * * 219- باب: اقتصار الخطب أي: هذا باب في بيان اقتصار الخطب، وفي بعض النسخ: "باب إقرار الخطب " (2) . من أقصر واقتصر وأقصر سواء.

_ (1) المصدر السابق (15/ 3376) . (2) كما في سنن أبي داود.

1077- ص- نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا العلاء بن صالح، عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمَرَنَا رسولُ الله - عليه السلام- بإِقْصَارِ الخُطَبِ (1) . ش- أبو راشد لم يسم ولم ينسب، روى/ [عن] عمار بن ياسر [2/87 - ب] روى عنه: عدي بن ثابت، روى له: أبو داود (2) . وروى أبو بكر بن أبي شيبة: نا ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن عدي بن ثابت قال: أنا أبو راشد قال: صلينا [مع] عمار فتجوز في الخطبة، فقال رجل: قد قلت قولا شفاء لو أنك أطلت؟ فقال: إن رسول الله نهى أن نُطيل الخطبة. ونا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال عبد الله: أحسنوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطب. ونا أبو الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كانت خطبة النبي- عليه السلام- قصداً، وصلاته قصداً. ورواه أبو داود كما ذكرناه. ونا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: إن قِصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل. 1078- ص- نا محمود بن خالد، نا الوليد، أخبرني شيبان أبو معاوية، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة السُوَائي قال: كان رسولُ الله لا يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَومَ الجُمُعَةِ، إنما هُن كلمات يَسِيرات (3) .

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/ 7353) . (3) تفرد به أبو داود.

220- باب: الدنو من الإمام عند الخطبة

ش- الوليد بن مسلم، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية البصري. قوله: "إنما هن" الضمير يرجع إلى "الموعظة" باعتبار الكلمات. وقوله: "يسيرات" صفة للكلمات. وفي بعض النسخ "يسيرة". * * * 220- بَابُ: الدنو من الإمام عند الخطبة أي: هذا باب في بيان القرب من الإمام عند الخطبة يوم الجمعة، وفي بعض النسخ: "عند الموعظة" (1) ، والأول أصح. 1079- ص- نا علي بن عبد الله، نا معاذ بن هشام قال: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعْه منه. قال قتادة، عن يحيي بن مالك، عن سمرة بن جندب أن نبي الله- عليه السلام- قال: "احْضرُوا الذكرَ، وادْنُوا من الإمَام، فإن الرجل لا يَزالُ يَتَبَاعَدُ حتى يُؤَخرُ في الجنة، وإن دَخَلَهَا" (2) ش- يحيي بن مالك أبو أيوب الأردي العتكي البصري. قوله: " احضروا الذكر" أي: الخطبة، "وادنوا" أي: اقربوا من الإمام. قوله: "فإن الرجل " تعليل لاستحباب الدنو من الإمام. قوله: " حتى يؤخر في الجنة" أي: حتى يؤخر في الدخول في الجنة وإن دخلها. وفي إسناده انقطاع. * * * 221- باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث أي: هذا باب في بيان الإمام إذا قطع الخطبة لأمر يحدث له.

_ (1) كما في سنن أبي داود. (2) تفرد به أبو داود.

1080- ص- نا محمد بن العلاء: أن زيد بن حباب حدثهم قال: نا حسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خَطَبَنَا النبي - عليه السلام- فأقبلَ الحسنُ والحسينُ- رضي الله عنهما- عليهما قَمِيصَانِ أحْمَرَان يَعْثُرَانِ وَيَقُومَان، فَنزلَ فأخَذهمَا، فَصَعَدَ بهما (1) ثم قال: "صَدَقَ اللهُ: "إنَّمَا أمْوَالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فتْنَة" (2) ، رَأيتُ هَذينِ فلم أصْبرْ"، ثم أخَذَ في خُطبَتِهِ (3) " (4) .َ ش- الحسين بن واقد المروزي أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عامر بن كُريزِ قاضي مرو. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وأبي الزبير المكي، وثابت البناني، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وابن المبارك، ويحيى بن واضح، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. مات سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (5) . قوله: " عليهما قميصان، جملة اسمية وقعت حالاً بدون الواو من قبيل قولهم: كلمته فوه إلى فِي. قوله: " فنزل " أي: فنزل رسول الله من المنبر، " فأخذهما فصعد بهما" المنبر. وبهذا استدل أصحابنا أن الكلام لا يقطع الخطبة ولا يفسدها؛ لأنها شرط للجمعة وليس بركن، حتى لو خطب محدثاً أو جنباً جاز، ولكنه يكره، وعند أبي يوسف والشافعي لا يجوز إذا خطب جنباً.

_ (1) في سنن أبي داود: "بهما المنبر". (2) سورة التغابن: (15) . (3) في سنن أبي داود:"أخذ في الخطبة ". (4) الترمذي: كتاب المناقب، باب: مناقب الحسن والحسن- عليهما السلام- (3774) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة (1412) ، وكتاب صلاة العيدين، باب: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة (1584) ، ابن ماجه: كتاب اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال (3600) . (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/ 1346) . 29 * شرح سنن أبي داوود 4

222- باب: الاحتباء والإمام يخطب

والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد. * * * 222- باب: الاحتباء والإمام يخطب أي: هذا باب في بيان الاحتباء والحال أن الإمام يخطب يوم الجمعة، والآن نُفسر الاحتباء. 1081- ص- نا محمد بن عوف، نا المقرئ، نا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن رسولَ الله نَهَى عن الحبوَةِ يَومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ (1) . [2/88 - أ] ش- المقرئ عبد الله بن يزيد المقرئ المدني، وسعيد بن/ أبي أيوب مقلاص المصري. وأبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون المديني المَعَافري، أصله من الروم، سكن مصر، وقيل: اسمه يحيي بن ميمون. روى عن: سهل بن معاذ ابن أنس الجهني، وعلى بن رباح اللخمي، وإسحاق بن ربيعة. روى عنه: يزيد بن محمد القرشي (2) ، وسعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة. قال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو نصر بن ماكولا: هو زاهد يعرف بالإجابة والفضل.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب (2) كذا ذكره المصنف فيمن روى عنه، وذكره فيه تهذيب الكمال، فيمن روى عنه أبو مرحوم، وذكر محققه أنه جاء في حاشية النسخة تعقيب للحافظ المضي على صاحب "الكمال" نصه: "كان فيه روى عنه يزيد بن محمد الدمشقي، وكذلك في كتاب ابن أبي حاتم، وذلك وهم، وأنما يروي هو عن يزيد بن محمد كما ذكرنا، وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي عنه".

توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . وسهل بن معاذ بن أنس أبو أنس الجهني. روى عن: أبيه. روى عنه: إسماعيل بن المعافري، والليث بن سعد، وأبو مرحوم، وغيرهم. قال ابن معين: هو ضعيف. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . ومعاذ بن أنس الجهني الصحابي، عداده في أهل مصر، روى عنه ابنه سهل، وقال في "الكمال ": وسهل بن معاذ لين الحديث، إلا أن أحاديثه حسان في الرغائب والفضائل. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) . قوله: "نهى عن الحبوة " بالضم والكسر، وحُبية بالياء أيضا، والاحتباء: أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بعمامته أو بثوب أو منديل، وقد يكون الاحتباء باليد عوض الثوب؛ وإنما نهى عن ذلك يوم الجمعة؛ لأنه يجلب النوم، ويعرض طهارته للانتقاض، ويلحق به في الكراهة الاستناد إلى الحائط أو غيره؛ لأنه في معنى الاحتواء وأكثر. والحديث: أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وأخرج ابن أبي شيبة [في] كراهة الاحتواء: عن الأوزاعي، عن مكحول وعطاء والحسن البصري. وأخرج عن ابن عمر أنه كان يحتوي والإمام يخطب، وكذا عن سعيد بن المسيب، وسالم، والقاسم، وعطاء، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، وأبى الزبير، وأخري عن نافع أيضا

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/ 3410) . (2) المصدر السابق (12/ 2621) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 366) ، وأسد الغابة (5/ 93 1) ، والإصابة (3/ 426) .

1082- ص- نا داود بن رُشيد، نا خالد بن حيان الرقي، نا سليمان بن عبد الله بن الزَّبْرِقان، عن يعلى بن شداد بن أوس قال: شَهِدتُ مع معاويةَ بيتَ المَقدسِ، فَجمَّعَ بنا، فنظَرتُ فإذا جُلُّ مَنْ في المَسجد أصحابُ النبيِّ - عليه السلام-، فَرَأيْتُهُم مُحْتَبِينَ والإِمَامُ يَخْطُبُ (1) . ش- رُشيد- بضم الراء- وقد ذكرناه. وخالد بن حيان- بالياء آخر الحروف- الرقي أبو يزيد الكندي مولاهم الخراز- بعد الخاء راء ثم زاي- سمع: سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، وجعفر بن برقان، وفرات بن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، والنفيلي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات بالرقة سنة إحدى وتسعين ومائة. وقال الدارقطني: لا بأس به. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) . وسليمان بن عبد الله بن الزبرقان، ويقال: ابن عبد الرحمن بن فيروز. روى عن: يعلى بن شداد بن أوس. روى عنه: خالد بن حيان، ويحيى بن سلام البصري. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) . قوله: " فجَمَعَ بنا " أي: فصلى بنا صلاة الجمعة. ص- قال أبو داود: وكان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب. ش- قد ذكرنا عن ابن أبي شيبة أنه روى عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يحتبي والإمام يخطب. ص- وأنس بن مالك، وشريح، وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب. ش- روى أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن معمر، عن

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/ 1601) . (3) المصدر السابق (12/ 2534) .

الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب. وشريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية الكوفي، ويقال: شريح بن شرحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، أدرك النبي- عليه السلام- ولم يلقه، وقيل: لقيه. قال ابن معين: كان في زمن النبي- عليه السلام- ولم يسمع منه، استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، وأقره علي بن أبي طالب، وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. روى عن: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت/، وغيرهم. روى عنه: ابن [2/88- ب] سيرين، وإبراهيم النخعي، والشعبي. روى له: النسائي حديثا من رواية الشعبي عنه. توفي سنة ثمان وسبعين، وعنه: وليت القضاء لعمر، وعثمان، وعليه، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ولعبد الملك إلى أيام الحجاج، فاستعفيت الحجاج، وكان لي عشرون ومائة سنة. وعاش بعد استعفائه الحجاج سنة ثم مات (1) . وصعصعة بن صُوحان- بضم الصاد وبالحاء المهملتين- ابن حجر بن الحارث العبدي أبو عمرو، أو أبو طلحة، أو أبو عكرمة الكوفي، أخو زيد بن صوحان. سمع: علي بن أبي طالب، وشهد معه صفين، وعبد الله بن عباس. روى عنه: أبو إسحاق الطبيعي، وغيره. توفي بالكوفة في خلافة معاوية. وقال ابن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. روى له: النسائي، وابن ماجه (2) . ص- وإبراهيم النخعي، ومكحول، وإسماعيل بن محمد بن سعد. ش- ابن أبي وقاص القرشي الزهري المدني، رأى أنس بن مالك، وسمع: أباه، وعميه عامراً ومصعباً، ونافعاً وغيرهم.- روى عنه:

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2725) . (2) المصدر السابق (13/ 2876) .

223- باب: الكلام والإمام يخطب

الزهري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. توفي سنة أربع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا أبا داود (1) . ص- ونعيم بن سلامة. ش- السبئي، يروي عن ابن عمر، وكان على خاتم عمر بن عبد العزيز، يروى عن الأوزاعي، ذكره ابن حبان في " الثقات ". ص- قال: لا بأس بها. ش- أي: قال نعيم بن سلامة: لا بأس بالحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. ص- ولم يَبلغُني أن أحَداً كَرِهَهَا إلا عُبادة بن نُسَي. ش- يجوز أن يكون فاعل " لم يبلغني" أبا داود، وكذا قال في "مختصر السنن" فقال: قال أبو داود (2) : "لم يبلغني ". ويجوز أن يكون الفاعل نعيم بن سلامة. وقد ذكرنا أن أبا بكر بن أبي شيبة نقل الكراهة عن مكحول، وعطاء، والحسن البصري. ونُسَي- بضم النون، وفتح السن، وتشديد الياء، وقد ذكرناه. * * * 223- باب: الكلام والإمام يخطب أي: هذا باب في بيان الكلام يوم الجمعة، والحال أن الإمام يخطب. 1083- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِ قال: "إذا قُلتَ أنصِتْ والإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ " (3) .

_ (1) المصدر السابق (3/ 478) . (2) في الأصل: "ابو عبادة" خطأ، وما أثبتناه من مختصر السنن (2/ 21) . (3) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب (934) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة (11/ 851) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الإنصات للخطبة يوم الجمعة (3/ 104) ، =

ش- سعيد بن المسيب. قوله: " والإمام يخطب " الواو فيه للحال. قوله: " فقد لغوت" أي: " (1) قلت: اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود. وقيل: معناه: ملت عن الصواب. وقيل: تكلمت بما لا ينبغي. وفي رواية: "فقد لغيَت" قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة، وإنما هو "فقد لغوت". قال أهل اللغة: لغا يلغو، كغزا يغزو. ويقال: لغى يلغى، كعمى يعمى لغتان، والأول أفصح، وظاهر القراَن يقتضي الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: "وَقَالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لهذَا القُرآن وَالغَوْا فِيه " (2) وهذا من لغة يلغى، ولوَ كان من الأول لقالَ: والغُوا بَضم العين. وقال ابن السكيت وغيره: ومصدر الأول اللغو، ومصدر الثاني اللغي. ففي هذا الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا عما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف وسماه لغواً، فغيره من الكلام أولى؛ وإنما طريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن. واختلفوا فيه هل هو حرام أم مكروه كراهة تنزيه؟ فهما قولان للشافعي. قال القاضي: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة. وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن. قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي، وأحمد- وهو أحد قولي الشافعي-: لا يلزمه". وقال صاحب "المحيط ": وإن كان بعيدا عن الخطيب لا يستمع،

_ = ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها (1110) . (1) انظر: شرح صحيح مسلم (138/6) . (2) سورة فصلت: (26) .

قيل: يقرأ القرآن في نفسه، وقيل: يسكت، وهو الأصح؛ لأنه مأمور [2/89- أ] بالاستماع والإنصات/، فإن عجز عن الاستماع لم يعجز عن الإنصات فلزمه، والحكم بن زهير كان يناظر في الفقه وهو من كبار أصحابنا ". وقال الشيخ محيي الدين (1) : " قوله: " والإمام يخطب " دليل على أن وجوب الإنصات والنهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور. وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام ". قلت: أخرج أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه" عن عليّ، وابن عباس، وابن عمر أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام. وأخرج عن عروة قال: إذا قعد الإمام على المنبر فلا صلاة. وروى مالك في " الموطأ": عن الزهري قال: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وحديث أبي هريرة: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 1084- ص- نا مسدد، وأبو كامل قالا: نا يزيد، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ- عليه السلام- قال: " يَحْضُرُ الجُمُعَةَ ثَلاثةُ نَفَرٍ: رَجُلُ حَضَرَها يَلغُو فهو (2) حَظُّه منها، وَرجُلٌ حَضَرَها يَدْعُو، فهو رَجُلٌ دَعَا اللهَ عَز وجل، إِن شَاءَ أعْطَاهُ واِن شَاءَ مَنَعَهُ، ورَجُلٌ حَضَرَهَا بإنصَات وسُكُوت، ولم يَتَخَط رَقَبَةَ مُسلمٍ، ولم يُؤْذ أحداً، فَهِيَ كَفارَةٌ إلىَ اَلجُمُعَةً التي تَلِيهَاً وزيادةُ ثلاثة أيامٍ، وذلك بأن اللهَ عز وجل يقولُ: "مَن جَاءَ بِالحَسًنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا" (3) " (4) . ش- أبو كامل الجحدري، ويزيد بن زريع البصري.

_ (1) المصدر السابق (6/ 139) . (2) في سنن أبي داود: "وهو". (3) سورة الأنعام: (160) . (4) تفرد به أبو داود.

224- باب: استئذان المحدث الإمام

وحبيب بن أبي قُرَيبة أبو محمد المعلم البصري، ويقال: حبيب بن زيد مولى مَعْقِلِ بن يسار، واسم أبي قريبة زائدة. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة. روى عنه: يزيد بن زريع. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (1) . قوله: " فهو حظه منها " أي: لغوه نصيبه من الجمعة، والمعنى: ليس له نصيب من ثواب الجمعة. قوله: " فهي كفارة" أي: هذه الجمعة تكون كفارة لذنوبه إلى الجمعة الآتية مع زيادة ثلاثة أيام، ليكون عشرة أيام؛ لأن كل حسنة بعشر أمثالها بالنص. * * * 224- بابُ: استئذانِ المُحْدثِ الإمامَ أي: هذا باب في بيان استئذانِ المحدثِ الإمَامَ، وليس في الحديث ما يدل على الترجمة، ولا له خصوصية بباب الجمعة. 1085- ص- نا إبراهيم بن الحسن الِمصيصي، نا حجاج قال: قال ابن جرير: أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشةَ- رضي الله عنها- قالت: قال النبي- عليه السلام-: " إِذا أحْدثَ أَحدُكُم في صَلاِتهِ فليأخذْ بأنفِهِ، ثم ليَنْصَرِفْ" (2) . ش- الحجاج بن محمد الأعور، وابن أريج عبد الملك. قوله: " فليأخذ بأنفه " وذلك ليوهم القوم أن به رعافاً، وهذا من باب الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح من الأمر، والتورية بما هو أحسن، ولا يدخل هذا في باب الزيادة والكذب. والحديث: أخرجه ابن ماجه.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1108/5) . (2) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف؟ (1222) .

225- باب: إذا دخل الرجل والإمام يخطب

ص- قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة، وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام-، لم يذكرا عائشةَ. ش- أشار بهذا إلى أن حماد بن سلمة، وأبا أسامة حماد بن أسامة رويا هذا الحديث مرسلاً. * * * 225- باب: إذا دخل الرجل والإمام يخطب أي: هذا باب في بيان ما إذا دخل الرجل المسجد والإمام في الخطبة. 1086- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عمرو- وهو ابن دينار- عن جابر: أن رَجُلاً جَاءَ يَومَ الجُمُعَة والنبيُّ- عليه السلام- يَخْطُبُ فقال: "أصَفيْتَ يَا فُلانُ؟ " قال: لا، قال. " قُم فَاركَع" (1) . ش- أخرجه الجماعة، وفي رواية: "قم فصل الركعتين"، وفي رواية: " صل ركعتين "، وفي رواية: "أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: " اركع"، وفي رواية: أن النبي- عليه السلام- خطب فقال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين"، وفي رواية: قال: "جاء سليك " لما يجيء الآن، وفي رواية لمسلم: "وليركع ركعتين، وليتجوز فيهما"، وزاد فيه ابن حبان في " صحيحه ": وقال له: " لا تعد لمثل ذلك". قال ابن حبان: يريد الإبطاء لا الصلاة، [2/89 - ب] بدليل أنه جاء في الجمعة الثانية/ نحوه فأمره بركعتين مثلهما، ثم أخرجه كذلك.

_ (1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلاً جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين (930) ، مسلم: كتاب الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب (875) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب (510) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب (103/3) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب (1112) .

وقال الشيخ محيي الدين (1) : " هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب، استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليستمع الخطبة. وحكي هذا المذهب أيضا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين. قال القاضي: قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما. وهو مروي عن: عمر، وعثمان، وعليّ- رضي الله عنهم-، وحجتهم: الأمر بالإنصات للإمام، وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عرياناً، فأمره رسول الله بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله: " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما"، وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه". قلت: أما أصحابنا فإنهم لم يأولوا الأحاديث المذكورة بهذا الذي ذكره حتى يشنع عليهم هذا التشنيع، بل أجابوا بجوابين، الأول: أن النبي - عليه السلام- أنصت له حتى فرغ من صلاته، والدليل عليه ما رواه الدارقطني في " سننه " (2) من حديث عبيد بن محمد العبدي، ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: دخل رجل المسجد ورسول الله- عليه السلام- يخطب، فقال له النبي- عليه السلام-: "قم فاركع ركعتين "، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته. ثم قال: أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه. ثم أخرجه (3) عن أحمد بن حنبل: ثنا معتمر، عن أبيه قال: جاء رجل والنبي- عليه السلام- يخطب فقال: لا يا فلان، أصليت؟ " قال: لا، قال: رقم فصل"، ثم انتظره حتى صلى، قال: وهذا المرسل هو الصواب.

_ (1) شرح صحيح مسلم (164/6) (2) (15/2) . (3) (16/2) .

وقال ابن أبي شيبة: نا هشيم، أنا أبو معشر، عن محمد بن قيس: أن النبي- عليه السلام- حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. والثاني: أن ذلك كان قبل شروعه- عليه السلام- في الخطبة، وقد بوب النسائي في "سننه الكبرى" على حديث سليك قال: " باب الصلاة قبل الخطبة "، ثم أخرجه عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له- عليه السلام-: " أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: " قم فاركعهما". " (1) وذكر أبو محمد عبد الحق في " أحكامه " قال: وروى أبو سعد (2) الماليني في "كتابه " عن محمد بن أبي مطيع، عن أبيه، عن محمد بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله - عليه السلام-: " لا تصلوا والإمام يخطب ". قال ابن القطان في "كتابه": وأبو سعد (2) الماليني اسمه: أحمد بن محمد، وهو الذي روى عن ابن عدي كتابه "الكامل" قال: وأبو محمد عبد الحق لم ير كتابه، ذكر ذلك هو عن نفسه ". 1087- ص- نا محمد بن محبوب، وإسماعيل بن إبراهيم- المعنى- قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا: جَاءَ سُليكٌ الغَطفاني ورَسولُ الله يَخْطُبُ فقال له: " أصَلَّيْتَ؟ " (3) قال: لا، قال: " صَل رَكْعتي"، تَجَوّزْ فيهما (4) .

_ (1) انظر: نصب الراية (2/ 204) . (2) في الأصل، وفي نصب الراية: " أبو سعيد " خطاب. (3) في سنن أبي داود: " أصليت شيئا؟ ". (4) مسلم: كتاب الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب (59/ 875) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب (1114) .

ش- محمد بن محبوب البصري. وإسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي الهروي أبو معمر القطيعي، نزيل بغداد يعرف بالمقعد، وبابن أبي الحجاج. سمع: إبراهيم بن سعد، وهشيم بن بشير، وحفص بن غياث، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وروى النسائي عن رجل عنه، وسئل ابن معين عنه قال: مثلُ أبي معمرٍ لا يُسألُ عنه، أنا (1) أعرفه يكتب الحديث وهو غلام، ثقة مأمون. توفي ببغداد في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ومائتين (2) . وأبو سفيان طلحة بن نافع الواسطي، وأبو صالح/ ذكوان الزيات، [2/90 - أ] وجابر بن عبد الله. وسليك (3) بن هُدْبة، ويقال: ابن عمرو الغطفاني له صحبة، وهو بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره كاف، وهُدْبَة- بضم الهاء وسكون الدال المهملة، وبعدها باء موحدة، قوله: " تجوز فيهما " أي: خفف وأسرع فيهما، وقيل: هو من الجوز القطع والسير. والحديث: أخرجه مسلم من حديث جابر فقط، وابن ماجه بالإسنادين. 1088- ص- نا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، عن سعيد، عن الوليد أبي بشر، عن طلحة: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن سُلَيكاً جَاءَ-

_ (1) في الأصل: " إنه "، وما أثبتناه من تهذيب الكمال. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 416) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (128/2) ، وأسد الغابة (2/ 441) ، والإصابة (2/ 72) .

226- باب: تخطي رقاب الناس يوم الجمعة

فذكر نحوه. زاد: ثم أقْبَلِ على الناس قال: "إذا جَاءَ أحدُكُم والإمَامُ يَخطُبُ، فَليُصَل رَكْعتينِ يَتَجوزْ فِيهما" (1) . ش- محمد بن جعفر غُندر البصري، وسعيد بن أبي عروبة، والوليد ابن مسلم أبو بشر العنبري، وطلحة بن نافع أبو سفيان. قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور. والحديث أخرجه مسلم. * * * 226- باب: تخطي رقاب الناس يوم الجمعة أي: هذا باب في بيان تخطي رقاب الناس يوم الجمعة. 1089- ص- نا هارون بن معروف، نا بشر بن السرِي، نا معاوية بن صالح، عن أي الزاهرية قال: كنَا مع عبد الله بنِ بُسرِ صَاحب النبي- عليه السلام- يَومَ الجُمُعَة، فَجَاءَ رجل يَتَخَطَىَ رِقَابَ الناسِ، فقاَل عبدُ الله بنُ بُسْر: جَاءَ رجل يَتَخًطَى رِقَابَ الناسِ يَومَ الجُمُعَةِ والنبي- عليه السلاَم- يَخْطبُ، فقال له رسولُ الله: " اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيتَ " (2) . ش- بشر بن السري البصري أبو عمرو الأفْوهُ، سمي به لأنه كان يتكلم بالمواعظ، سكن مكة. روى عن: حماد بن سلمي، ومعاوية بن صالح، والثوري، وغير هم. روى عنه: هارون بن معروف، ويعقوب ابن حميد، والعباس بن يزيد، وغيرهم. قال أحمد: [متقن. وقال ابن] معين: ثقة. مات سنة خمس وتسعين ومائة. روى له الجماعة (3) . وأبو الزاهرية: حُدير بن كُريب الحمصي.

_ (1) مسلم: كتاب الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب (59/ 875) . (2) النسائي: كتاب الصلاة، باب: النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة (3/ 103) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/689) .

227- باب: من ينعس والإمام يخطب

قوله: " فقد آذيت " يعني: بتخطي رقاب الناس، وقد جاء فيها "وأنَيْت " أي: أخرت المجيء وأبطأت فيه. ومنه قيل للمتمكث في الأمر: متأن. وهذا الحديث يدل على أنه- عليه السلام- لم يأمر لذلك الرجَل بالصلاة، بل أمره بالجلوس. وأخرجه النسائي. * * * 227- باب (1) : من ينعس والإمام يخطب أي: هذا باب في بيان من ينعس والحال أن الإمام يخطب. 1090- ص- نا هناد بن السري، عن عبدةَ، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله- عليه السلام- يقولُ: " إذا نَعَسَ أحدُكُمْ وهو في المَسجدِ فليَتَحَولْ مِن مًجْلِسِهِ ذلك إلى غَيْرِهِ" (2) . ش- عبدة بن سليمان الكوفي. قوله: " فليتحول " أمره بذلك لأنه إذا تحول حصل له من الحركة ما ينفي الفتور المقتضي للنوم، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفيه: " إذا نَعَس أحدكم يوم الجمعة"، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا. وقال أيضا: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب قال: سمعت رجلاً يخطب يقول: قال محمد: إن النوم في الجمع من الشيطان، فإذا نعس أحدكم فليتحول". وأخرج عن ابن عمر قال: إذا نعست يوم الجمعة والإمام يخطب فتحول. وعن ابن سيرين أنه كان إذا خشي أن ينعس في الجمعة تحول. وعن الحسن قال: قال رسول الله: "النوم أو النعاس في الجمعة من الشيطان، فإذا نعس أحدكم فليتحول".

_ (1) في سنن أبي داود: 5 باب الرجل ينعس. . . ". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن نعس يوم الجمعة أنه يتحول من مجلسه (526) .

228- باب: الإمام يتكلم بعد ما ينزل من المنبر

وعن طاوس قال؛ لان تختلف السياط على ظهري، أحب إليّ من أن أنام والإمام يخطب يوم الجمعة. * * * 228- باب: الإمام يتكلم بعد ما ينزل من المنبر أي: هذا باب في بيان الإمام يتكلم بعد نزوله من المنبر. 1091- ص- نا مسلم بن إبراهيم، عن جرير- وهو ابن حازم- لا أدري كيف قاله مسلم أولاً، عن ثابت، عن أنس قال: رأيتُ النبي- عليه السلام- يَنزِلُ من المِنبر، فَيَعْرضُ له الرجلُ في الحاجة فَيَقُومُ معه حتى يَقْضِيَ حَاجَتَه، ثم يَقُومُ فيصَلِّي (1) . ش- ثابت البناني. [2/90 - ب] وفي الحديث دليل على أن الاشتغال بقضاء/ حاجة أحد بعد الفراغ من الخطبة قبل الصلاة والكلام، لا يضر الخطبة، ولا الصلاة. وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ص- قال أبو داودَ: والحديثُ ليسَ بمعْرُوف عن ثابت، وهو مما تَفَرد به جريرُ بنُ حازمٍ. ش- وكذا قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، سمعت محمداً- يعني: البخاري- يقول: وهم جرير ابن حازم في هذا الحديث، وقال: وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء وهو صدوق. وقال الدارقطني: تفرد به جرير بن حازم عن ثابت. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا ابن علية، عن بُرد بن سنان، عن الزهري قال:

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر (517) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر (1418) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام عن المنبر (1117) .

229- باب: من أدرك من الجمعة ركعة

كان رسول الله- عليه السلام- ربما كلم في الحاجة يوم الجمعة فيما بين نزوله من منبره إلى مصلاه. * * * 229- باب: من أدرك من الجمعة ركعة أي: هذا باب في بيان من أدرك من صلاة الجمعة ركعة. 1092- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أدرَكَ رَكعة من الصلاة فَقَدْ أدْرَكَ الصلاة " (1) . ش- أي: أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها، وقد تكلمنا فيه مستوفى في بابه، والحديث أخرجه الجماعة، وقد روى البيهقي حديث يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، فإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً. وبهذا أخذ الشافعي، أن الرجل إذا أدرك الإمام في الجمعة في التشهد يصلي أربعاً، وبه قال مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يبني على الجمعة، " ثبت في " الصحيح " من قوله- عليه السلام-: " فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". والحديث المذكور معلول؛ لأن يحيي الغافقي قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الأثري عن أحمد: ليس بشيء. ولئن سلمنا فالاستدلال به وبأمثاله

_ (1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الصلاة ركعة (580) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (607) ، الترمذي: كتاب الجمعة، باب: فيمن يدرك من الجمعة ركعة (524) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: من أدرك ركعة من الصلاة، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة (1122) . 30 * شرح سنن أبي داود 4

230- باب: ما يقرأ في الجمعة

هو من باب المفهوم، وهو ليس بحجة عند الأكثرين، ولئن سلمنا فالاستدلال بما ذكرنا أوْلى؛ لأن من أدرك الإمام ساجداً أو جالساً يُسمى مدركاً، فيقضي ما فاته أو يُتمه، وهو ركعتان، فكيف يؤمر بأربع، ومعنى قوله: " أدركهم جلوساً" أي: بعد التسليم. وأيضاً هذه زيادة من رواة ضعفاء فلا تقبل. * * * 230- باب (1) : ما يقرأ في الجمعة أي: هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الجمعة. 1093- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، أن رسولَ الله - عليه السلام- كان يَقْرَأ في العيدَينٍ، ويوْمَ الجُمُعَة بـ "سبح اسْمَ ربكً الأعْلَى"، و "هَلْ أتَاكَ حَديثُ الَغَاشية" قال: "ربماَ اجْتمَعا في يوم واحد فَقَرَأ فيهما (2) . ش- أبو عوانة الوضاح، وحبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير. وفيه استحباب القراءة بالسورتين المذكورتين في العيدين والجمعة، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ "ق" و "اقتربت" وكلاهما صحيح، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة: "الجمعة، و"المنافقون" وفي وقت "سبح" و "هل أتاك" وفي وقت يقرأ في العيد "ق" و "اقتربت" وفي وقت "سبح" و "هل أتاك ". والحديث: أخر له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

_ (1) في سنن أبي داود: "باب ما يقرأ به ... ". (2) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة (878/62) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في العيدين (533) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة (1424) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة العيدين (1281) .

1094- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان يَقْرَأ به رسولُ الله يومَ الجُمُعَة على إثر سُورَة الجُمُعَة فقال: كان يَقْرَأ بـ "هَلْ أتَاكَ حدِيثُ الغاشَيَةِ" (1) .ً ش- ضمرة بن سعيد بن أبي حنه- بالنون- واسمه: عمرو بن غُزية ابن عمرو بن عطية بن خنسا بن مبذول بن غنم بن مازن بن النجار المازني المدني الأنصاري. سمع: أبا سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأبان ابن عثمان بن عفان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. روى عنه: مالك ابن أنس، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم: هو ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (2) . / والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. [2/91 - أ] 1095- ص- نا القعنبي، نا سليمان- يعني: ابن بلال- عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافع قال: صلي بنا أبو هُرَيرةَ يَومَ الجُمُعَة، فَقَرَأ بسُورَة الجُمُعَة، وفي الركعة الآخرة: "إذا جَاءك المُنَافِقُونَ " قال: فَأدْركَتُ أبا هريرةَ حين انْصَرًفَ فقَلتُ له: إنك قَرَأتَ بسُورتين كان علي يَقرأ بهما بالكُوفَة. قال أبو هُرَيرةَ: فإني سَمعْتُ رسولَ الله- عليهَ السلامَ- يَقْرأ بهما يَومَ الجُمعَةِ (3) . ش- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

_ (1) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة (878/63) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة (1423) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة (1119) . (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 2939) . (3) مسلم: كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة (1 877/6) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة (519) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة (1118) .

231- باب: الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار

- رضي الله عنهم-، وابن أبي رافع هو عبيد الله، وأبو رافع مولى رسول الله اسمه: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقد ذكرناه غير مرة، والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 1096- ص- نا مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سَمُرةَ بن جندب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَقْرأ في صَلاة الجُمُعَةِ بـ (سبَح اسْمَ ربكَ الأعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حديثُ الغَاشِيَةِ) (1) . ش- يحيى القطان، ومعبد بن خالد الكوفي القاضي، وزيد بن عقبة. روى عن: سمرة بن جندب. روى عنه: معبد بن خالد، وعبد الملك ابن عمير، وابنه سعيد بن زيد، ذكره ابن حبال: في " الثقات ". وهذا الذي ذكره أبو داود يسمى إسناداً معنعناً، وهو عن يحيى، عن شعبة إلى آخره. قال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه العمل- وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول- أنه متصل بشرط أن يكون المُعنعنَ غير مُدَلس، وبشرط إمكان لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهمَ بعضاً، وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف، منهم من لم يشترط شيئا من ذلك، وهو مذهب مسلم، ادعى الإجماع عليه، ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، وأبي بكر الصيرفي، والمحققين وهو الصحيح، ومنهم من شرط طول الصحبة، وهو قول أبي المظفر السمعاني، ومنهم من شرط أن يكون معروفاً بالرواية عنه، وبه قال أبو عمرو المُقرئ، فافهم. * * * 231- باب: الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يأتم بالإمام وبينهما حائط.

_ (1) النسائي: كتاب الجمعة، باب: القراءة في صلاة الجمعة (3/ 111- 112) .

1097- ص- نا زهير بن حرب، نا هشيم، أنا يحيي بن سعيد، عن عمرةَ، عِن عائشةَ قالت: صلي رسولُ الله- عليه السلام- في حُجرَتِه والناسُ يأتمونَ به مِن وَرَاءِ الحُجْرَةِ (1) . ش- قال البخاري: حدثنا عبدة، عن يحيي بن سعيد الأنصاري، عن عمرةَ، عن عائشةَ: كان رسول الله يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير؟ فرأي الناس شخص النبي- عليه السلام-، فقام ناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: "إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل ". ثم اختلف العلماء في الإمام يكون بينه وبين القوم طريق أو حائط، فأجاره أنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن سيرين، وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام وهو في دار بينها وبين المسجد طريق. وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه وبينه (2) نهر صغير أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها، ذكره ذلك طائفة. ورُوي عن عمر بن الخطاب: إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا تجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، وبه قال الليث، والأوزاعي، وأشهب. قوله: "من وراء الحجرة" يعني: في المسجد، كما ورد هكذا في رواية. * * *

_ (1) البخاري بنحوه: كتاب الأذان، باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة (729) . (2) كتب فوقها: " صح".

232- باب: الصلاة بعد الجمعة

232- باب: الصلاة بعد الجمعة أي: هذا باب في بيان أحكام الصلاة بعد صلاة الجمعة. [2/91 - ب] 1098- ص- نا محمد بن عبيد، وسليمان بن داود- المعنى- قالا: نا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: أن ابنَ عُمَرَ- رضي الله عنهما- رَأى رَجُلاً يُصلي رَكْعتينِ بعدَ الجُمُعَة (1) في مَقَامه فَدَفَعَهُ وقال: أتُصَلي الجُمُعَةَ أربعاً؟ " وكان عبدُ الله يُصَلي يومً الجُمُعَة رَكْعَتين في بَيته وبقولُ: هكذا فَعَلَ رسولُ الله- عليه السلَام- (2) .ً ش- أيوب السختياني. وإنما أنكر ابن عمر على ذلك الرجل؛ لأنه أوصل الركعتين بالجمعة من غير فصل بكلام ونحوه؛ ولأنه خالف فعل الرسول- عليه السلام- في زعمه؛ لأنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله. 1099- ص- نا مسدد، نا إسماعيل، أنا أيوب، عن ناِفع قال: كان ابنُ عُمَرَ يُطيلُ الصَلاةَ قَبلَ الجُمُعَة، وبُصَلي بعدها ركعتين في بيْته، ويُحَدثُ أن رسولَ الله- عليه السلام- كاَن يَفعَلُ ذلك (3) . ش- إسماعيل ابن عُلية. وأخرجه النسائي بنحوه، وأخرج ابن أبي شيبة، عن نافع قال: كان ابن عمر يُهَجًرُ يوم الجمعة، فيطيل الصلاة قبل أن يخرج الإمام. ونا شريك، عن عمرو بن عثمان قال: قال عمر بن عبد العزيز: صلً قبل الجمعة عشر ركعات.

_ (1) في سنن أبي داود: "يوم الجمعة". (2) النسائي: كتاب الجمعة، باب: إطالة للركعتين بعد الجمعة (3/ 113) . (3) انظر الحديث السابق.

ونا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يصلون قبلها أربعاً. وروى ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس قال: كان النبي- عليه السلام- يركع من قبل الجمعة أربعاً، ولا يفصل في شيء منهن. ورواه الطبراني في "معجمه" وراد فيه: وأربعاً بعدها. وسنده واهِ جداً؛ لأن فيه مبشر ابن عبيد وهو معدود في الوضاعين، وفيه حجاج وعطية وهما ضعيفان. وروى الطبراني (1) أيضا بإسناده إلى ابن مسعود قال: كان رسول الله يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. وروى أيضا في" معجمه الوسط" (2) بإسناده إلى علي قال: كان رسول الله ... نحوه سواء، وراد: يجعل التسليم في آخرهن ركعةَ. وروى عبد الرزاق في"مصنفه": أنا معمر، عن قتادة: أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات. وقال الترمذي: ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. قلت: وبه أخذ أبو حنيفة، ومحمد، فإن السنة عندهما أربع قبل الجمعة، وأربع بعدها. 1100- ص- نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار: أن نافع بن جبير أرسلَه إلى السائب بن يزيد بن أخت نمر يسألُهُ عنْ شيء رَأى (3) منه معاويةُ في الصلاة فقال: صليتُ (4) معه في المَقْصُورَةِ، فلما سلّمتُ قُمتُ في مَقَامِي فصليتُ، فلما

_ (1) المعجم الأوسط (4/ 3959) (2) (2/ 1617) . (3) في صحيح مسلم: "راَه". (4) في سنن أبي داود: "صليت معه الجمعة ".

دَخَلَ أرْسَلَ إلَي فقال: لا تَعدْ " صَنَعْتَ! إذا صليتَ الجُمُعَةَ فلا تَصِلهَا بصلاة حتى تَكًلمَ أو تَخْرُجَ، فإن نبي الله- عليه السلام- أمَرَ بذلك، أن لا تُوصلَ صلاة بصلاةِ حتى يَتَكَلمَ أو يخْرج (1) " (2) . ش- عبد الرزاق بن همام. وعمر بن عطاء بن أبي الخوار المكي. روى عن: ابن عباس، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عياض، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن أمية، وابن جريج. قال ابن معين، وأبو زرعة: هو ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود (3) . والخوار بضم الخاء المعجمة. ونافع بن جبير بن مطعم. قوله: " صليت معه في المقصورة" فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إذا رآها ولي الأمر مصلحة، قالوا: أول من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي. قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثير من السلف، وصلوا فيها، منهم: الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم. وكرهها: ابن عمر، والشعبي، وأحمد، وإسحاق. وكان ابن عمر- رضي الله عنهما- إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج منها إلى المسجد. قال القاضي: وقيل: إنها تصح فيها الجمعة إذا كانت مباحة لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس، ممنوعة من غيرهم لم يصح فيَها الجمعة، لخروجها عن حكم الجامع. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن يزيد/ قال: رأيت أنس أبن مالك يصلي في المقصورة المكتوبة مع عمر بن عبد العزيز، ثم يخرج علينا منها. وكذا أخرج فعل ذلك عن: الحسن، وعلي بن الحسين، وأبي القاسم، والسائب بن يزيد، ونافع.

_ (1) في سنن أبي داود: "تتَكلم أو تخرج". (2) مسلم: كتاب الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة (73/883) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1 2/ 4286) .

قلت: وفي هذا المعنى إذا جمع الأمير جنده في حصن، وغلق بابه، ولم يأذن فيه للعامة. قال في "التحفة": إن فعلها على وجه الشهرة جارت فيه الجمعة. وقال في "المحيط": الإذن على سبيل الاشتهار شرط، حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس بدخوله جار ويكره. قوله: "أمر بذلك، أن لا توصل صلاة " فيه دليل على استحباب التحول من موضع الفريضة لأجل النافلة، والأفضل أن يتحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره. قوله: " حتى يتكلم " دليل على أن الفصل يحصل بالكلام أيضا، ولكن بالانتقال أفضل. والحديث: أخرجه مسلم. 1101- ص- نا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة المروزي، نا الفضل ابن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبيِ حبيب، عن عطاء، عن ابن عمر قال: إذا كانَ (1) بمكةَ فصلي الجُمُعَةَ تَقَدم فَصلي رَكعتين، ثم تَقَدمَ فَصلي أَربعاً، وإذا كان بالمَدينة صلى الجُمُعَة، ثم رَجَعَ إلى بيته فًصلي ركعتين ولم يُصَل في المَسجد، فَقيلَ له، فقالَ: كان رسولُ الله يفعلُ ذلك (2) .َ ش- الفضل بن موسى السًينَاني المروزي قد مر ذكره، وعطاء بن أبي رباح. فإن قيل: ما الحكمة من صلاة ابن عمر هكذا؟ قلت: قدْ أجاب هو بأن رسول الله كان يفعل ذلك، ولكن بقيت الحكمة من فعل رسول الله - عليه السلام-، فلعلها تكون أنه- عليه السلام- اختار بيته للتنفل في المدينة لئلا يخلى عن الصلاة، وأما في مكة فلم يكن له بيت فيها للإقامة،

_ (1) في سنن أبي داود: "كان إذا كان". (2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها (523) .

فكان المسجد الحرام أوْلى، والظاهر أنه- عليه السلام- لم يفعل هذا إلا عام الفتح؛ لأن الجمعة ما شرعت إلا (1) في المدينة، فافهم. 1102- ص- نا أحمد بن يونس، نا زهيرح، ونا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكرياء، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله " قال ابن الصباح (2) : (مَن كان مُصَلياً بعدَ الجُمُعَة فليُصَل أربعاً) وتم حديثه، وقال ابن يونس: "إذا صليتُمُ الجُمُعَة فَصَلُّوَا بَعدها أربعاً"، قال: فقال لي أبي: يا بُنَي، فإذا (3) صليتَ في المسَجد رَكعتين، ثم أَتيتَ المَنزلَ- أو البيتَ- فَصَل ركعتين (4) . ش- زهير بن معاوية، وإسماعيل بن زكرياء الخُلقاني أبو زياد الكوفي، وسهيل بن أبي صالح ذكوان السمان. قوله: "وتم حديثه " أي: حديث محمد بن الصباح. قوله: "قال: فقال" أي: قال سهيل: قال لي أبي، وفي رواية مسلم: " إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً" وفي رواية: "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً" وفي رواية: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً "، ورواه الترمذي أيضا والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قلت: وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، وقال أبو يوسف: يصلي أربعا بتسليمة، وركعتين آخرين بتسليمة أخرى.

_ (1) في الأصل: " إلى ". (2) في سنن أبي داود: " ابن الصباح قال: ... ،. (3) في سنن أبي داود: " فان". (4) تفرد به أبو داود.

وأخرج ابن أبي شيبة عن وكيع، عن زكرياء، عن محمد بن المنتشر، عن مسروق قال: كان يصلي بعد الجمعة ستاً ركعتين وأربعاً. وعن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه: أنه كان يصلي بعد الجمعة ست ركعات. وعن هشيم، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: قدم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعاً، فلما قدم علينا علي- رضي الله عنه- أمرنا أن نصلي ستاً، فأخذنا بقول علي، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين ثم أربعاً. وفي هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها أربعاً، أو ستاً، أو ركعتين أيضا، وأقلها ركعتان، وأفضلها أربع؛ لأنه- عليه السلام- كان يصلي في كثر الأوقات أربعاً، والدليل عليه أنه أمرنا بهن، وحثنا عليهن، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. / فإن قيل: " لا يكون واجباً لوجود الأمر؟ قلت: نبه- عليه [2/92- ب] السلام- على عدم الوجوب بقوله: "من كان منكم مصلياً "، ولكن الأحاديث تدل على أنها سنة مؤكدة. 1103- ص- نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عنِ سالم، عن ابن عمر قال: كان رسولُ الله يُصلي بعدَ الجُمُعَةِ ركعتين في بيتِهِ (1) . ش- أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وليس في حديث الترمذي: "في بيته ". ص- قال أبو داود: وكذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة قبل الجمعة (521) ، النسائي: كتاب الجمعة، باب: عدد الصلاة بعد الجمعة في المسجد (3/ 113) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسمنة فيها، باب: ما جاء في الصلاة بعد الجمعة (1131) .

233- باب: صلاة العيدين

ش- أي: كذلك روى هذا الحديث عبد الله بن دينار القرشي، مولى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-. وقال الترمذي: وقد رُوي عن نافع، عن ابن عمر أيضا، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد. 1104- ص- نا إبراهيم بن الحسن، نا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه رَأى ابنَ عُمَرَ يُصَلي بعدَ الجُمُعَة، فيَنمَازُ عن مُصَلاهُ الذي صلي فيه الجُمُعَةَ قَلِيلاَ غيرَ كَثِيرِ. قال: فَيَرَكَعُ رَكَعتين. قال: ثم يَمشِي أنفَسَ من ذلك، فَيركَعُ أربعَ رَكَعَات. قلتُ لعطاءَ: كم رَأيتَ ابنَ عُمَرَ يصنعُ ذلك؟ قال: مِرَاراً (1) . ش- عطاء بن أبي رباح. قوله: " فينمازُ " معناه: يفارق مكانه الذي صلى فيه، وهو من قولك: مررت الشيءَ من الشيء. إذا فرقت بينهما. قوله: " أنفسَ من ذلك " يريد أبعد قليلا فيه استحباب التحول من مقام الفرض، واستحباب الست بعد الجمعة، وبه أخذ أبو يوسف والثوري. ص- قال أبو داود: رواه محمد الملك بن أي سليمان ولم يُتِمهُ. ش- أي: روى هذا الحديث عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي الكوفي، ولكن لم يتمه. * * * 233- باب: صلاة العيدين أي: هذا باب في بيان أحكام صلاة العيدين، سُمي العيد عيدا لأنه يعود كل سنة، وأصله عبود، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وجمعه أعياد، وإنما لم يجمع على أعواد حتى لا يلتبس بالأعوام التي هي

_ (1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها (523) .

234- باب: وقت الخروج إلى العيد

جمع عود الخشب والذي يُضرب به، ويجمع على عيدان، والعَود بالفتح المُسنُّ من الإبل، وجمعه "عِوَده ". 1105- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن أنس قال: قَدمَ رسولُ الله المدينةَ ولهم يَومان يَلعَبُونَ فيهِمَا، فقال: " ما هَذَان اليومَان؟ لا قالوا: كنَا نَلعَبُ فيهما في الَجَاهلية، فَقالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: "إنَ الله تعالىَ قَدْ أبدَلَكُمْ بِهِمَا خيراً مَنهما: يومَ الأضحَى، ويومَ الفِطرِ " (1) . ش- حماد بن سلمة، وحميد الطويل. وكانت أهل الجاهلية يلعبون في يومين كل سنة، ويعملون ما لا يرضى به الله تعالى، فلما ظهر الإسلام، أبدل الله منهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده وتوحيده ظهوراً شائعاً يغيظ المشركين، وقيل: إنهما يقعان شكراً على ما أنعم به من أداء العبادات التي وَقتَهَا، فعيد الفطر شكراً لله تعالى على إتمام صوم رمضان، وعيد الأضحى شكراً لله تعالى على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي. * * * 234- باب: وقت الخروج إلى العيد أي: هذا باب في بيان وقت الخروج إلى صلاة العيد. 1106- ص- نا أحمد بن حنبل، نا أبو المغيرة، نا صفوان، نا يزيد بن خُمَيْر الرحبي قال: خرج عبد الله بن بُسْر صاحبُ النبي- عليه السلام- مع الناسِ في يَوْم عيدِ فِطر أو أضْحَى، فَأنكَرَ إبطاءَ الإِمَام، وقال (2) : إنَّا كُنَّا قَد فَرغْنَا ساعتنا هذه. وذلَك حين التسبيح (3) . ش- أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي الشامي.

_ (1) النسائي: كتاب صلاة العيدين (3/ 179) . (2) في سنن أبي داود: "فقال". (3) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في وقت صلاة العيدين (1317) .

وصفوان بن عمرو بن هِرَم السكسكي أبو عمرو الحمصي. سمع: عبد الله بن بُسر، وشريح بن عبيد، ويزيد بن خُمَيْر، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، والوليد بن مسلم، وأبو المغيرة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. مات سنة خمس وخمسين ومائة. روى له: الجماعة إلا البخاري (1) . ويزيد بن خُمَير- بالخاء المعجمة المضمومة- أبو عمر الشامي الرحبي، نسبة إلى رَحَبَة- بفتح الراء، والحاء المهملة، والباء الموحدة- وهو رَحَبة [2/93 - أ] ابن زَرْعَة بن سَبَأ الأصغر، بطن من حمير، والرحبة أيضا/ مدينة على الفرات بين الرقة وعانة، ويقال لها رحبة مالك بن طوق الثعلبي. روى عن: عبد الله بن بُسر، وخالد بن معدان، وطاوس بن كيسان، وغيرهم. روى عنه: صفوان بن عمرو، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. روى له الجماعة (2) . وعبد الله بن بُسْر السُلَمى المازني، من بني مازن بن منصور بن عكرمة أبو صفوان، زارهم النبي- عليه السلام- وأكل عندهم، ودعى لهم، رُوي له عن رسول الله حديثان، روى له البخاري حديثا واحدا، ومسلم آخر، روى عنه: محمد بن عبد الرحمن بن عوف اليحصبي، وراشد ابن سعد المقرائي، وحُدَيْر بن كريب، وجماعة آخرون. مات بالشام سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات من أصحاب النبي- عليه السلام- بالشام، روى له الجماعة (3) . وبُسْر: بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وفي آخره راء.

_ (1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 2888) . (2) المصدر السابق (32/6983) . (3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 267) ، وأسد الغابة (3/ 186) ، والإصابة (2/ 281) .

235- باب: خروج النساء في العيد

قوله: "وذلك حين التسبيح " أي: وقت جوار التسْبيح، أي: صلاة السبحة، وهي صلاة الضحى، والحديث: أخرجه ابن ماجه أيضا. وقال أبو بكر: نا ابن علية، عن أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي الصبح في مسجد رسول الله، ثم يغدو كما هو إلى المصلى. ونا وكيع، عن عمران، عن أبي مجلز قال: ليكن غدوك يوم الفطر من مسجدك إلى مصلاك. ونا حاتم بن إَسماعيل، عن هشام بن عروة قال: كان عروة لا يأتي العيد حتى تستعلي الشمس. ونا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن محمد بن علي وعامر وعطاء قالوا: لا تخرج يوم العيد حتى تطلع الشمس. * * * 235- باب: خروج النساء في العيد أي: هذا باب في بيان حكم خروج النساء في العيد، وفي بعض النسخ: "باب خروج النساء إلى العيدين ". 1107- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أبوب، ويونس، وحبيب، ويحيي بن عتيق، وهشام- في آخرين- عن محمد، أن أم عطيةَ قالت: أَمَرنا رسول الله- عليه السلام- أن نُخْرِجَ ذَوَاتَ الخُدُورِ يَومَ العيد. قيل: فالحيضُ؟ قالَ: " ليَشْهَدْنَ الخيرَ ودَعوةَ المسلمين". قال: فقاَلتَ امرأة: يا رسولَ الله، إِنْ لم يَكُن لإحداهن ثوب كيف تَصنعُ؟ قال: "تُلبِسُها صَاحبتها طائفةً من ثَوِبهَا " (1) .

_ (1) البخاري: كتاب العيدين، باب: خروج النساء والمحيض إلى المصلى (974) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال (10/ 9) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء في العيدين (539) ، النسائي: كتاب صلاة العيدين، باب: اعتزال الحيض مصلى الناس (1558) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء في العيدين (1308) .

ش- حماد بن سلمي، وأيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وحبيب ابن الشهيد البصري، ويحيي بن عتيق البصري، وهشام بن حسان، ومحمد بن سيرين، وأم عطية: نُسَيْبةُ بنت كعب، ويقال: بنت الحارث. قوله: " ذوات الخدور " أي: ذوات الستور، واحدها خدْر، وهي الستور التي تكون للجواري والأبكار في ناحية، وقيل: الخدور: البيوت، والخدر: البيت. ويقال: الخدر سرير عًليه ستر، وهذا كان في ذلك الزمان لأمنهن عن المفسدة، " (1) بخلاف اليوم، ولهذا صح عن عائشة: "لو رأى رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد، كما مُنِعَت نساءُ بني إسرائيل" فإذا كان الأمر قد تغير في زمن عائشة حتى قالت هذا القول، فماذا يكون اليوم الذي ظهر فيه الفساد في الصغير والكبير، والبر والبحر؟! وقال القاضي: واختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى ذلك جماعة حَقا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلى، وابن عمر، وغيرهم. ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم، ويحي الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف. وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى". قلت: الفتوى على المنع، وأن خروجهن حرام، ولا سيما في الديار المصرية. قوله: " قيل: فالحُيضُ؟ " الحيض- بضم الحاء وتشديد الياء- جمع حائض، وارتفاعه على أنها فاعل فعل محذوف، والتقدير: فهل تشهد الحيض؛ قال- عليه السلام-: "ليشهدن" أي: ليحضرن " الخير" أي: مجامع الخير ودعاء المسلمين، وحلق الذكر، والعلم، ونحو ذلك. قوله: " تلبسها صاحبتها" بالرفع على الفاعلية، والمعنى: تلبسها عارية من الثياب التي لا تحتاج إليها.

_ (1) انظر: شرح صحيح مسلم (178/6- 179) .

قوله: " طائفة" أي: شيئاً من ثوبها مثل الجلباب/ والخمار والمقنعة، [2/93 - ب] ونحو ذلك. والحديث: أخرجه الجماعة. 1108- ص- نا محمد بنِ عُبيد، نا حماد، نا أيوب، عن محمد، عن أم عطية بهذا الخبر قال: ويعْتزِلُ الحُيضُ مُصَلى المسلمين. ولم تذكرِ " الثوبَ " (1) . ش- أي: بالخبر المذكور، ولم تذكر فيه قضية الثوب. ص- قال: وحدث عن حفصة، عن امرأة تحدثه، عن امرأة أخرى قالت: قيل: يا رسولَ اللهِ، فذكر معنى موسى (2) في الثوبِ. ش- أي: حدث محمد بن سيرين، عن أخته حفصة بنت سيرين. وهذه الرواية فيها امرأتان مجهولتان، ولكن القرائن تدل على أن المراد من المرأة الثانية هي أم عطية. قوله: " فذكر معنى موسى " أي: ذكر محمد معنى حديث موسى بن إسماعيل في الثوب. 1109- ص- نا النفيلي، نا زهير، نا عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: وكنا نُؤمرُ " بهذا الخبر (3) . ش- أي: كنا نؤمر بأن نخرج ذوات الخدور- الحديث.

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) في سنن أبي داود: "معنى حديث موسى ". (3) البخاري: كتاب العيدين، باب: خروج النساء والمحيض إلى المصلى (974) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال (10/889) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء في العيدين (540) ، النسائي: كتاب صلاة العيدين، باب: اعتزال المحيض مصلى الناس (3/ 181) ، ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في خروج النساء في العيدين (1307، 1308) . 531 شرح سنن أبي داوود 4

قوله: "بهذا الخبر " إشارة إلى الخبر المذكور أولاً، وروى أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" قال: نا أبو أسامة، عن هشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله- عليه السلام- أن نخرجهن يوم الفطر، ويوم النحر. قالت أم عطية: فقلنا: أرأيت إحداهن لا يكون لها جلباب؟ قال: "فلتلبسها أختها من جلبابها". ص- قالت: والحُيضُ يكُن خَلفَ الناسِ، فَيُكبرْنَ مع الناسِ. ش- أي: قالت أم عطية. وفيه دليل على جواز ذكر الله للحائض والجنب، وإنما يحرم عليهما القرآن. 1110- ص- نا أبو الوليد، ومسلم قالا: نا إسحاق بن عثمان، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لما قَدمَ المدينةَ جَمَعَ نسَاءَ الأنصارِ في بيت، فأرسلَ إلينا عمرُ بنُ الخطابِ فَقام على الباب، فسلّم عًلينَا، فَرَددنَا عليه السلام، ثم قال: أنا رسولُ رسول الله إليكُن، وأَمَرَنَا بالعيدين أن نُخرِجَ فيها الحيضَ، والعُتقَ، ولا جُمُعَةَ علَينا، ونَهانَا عن اتباع الجنًائزِ (1) . ش- أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم القصاب. وإسحاق بن عثمان الكِلابي أبو يعقوب البصري. سمع: ميمون الكندي، والحسن البصري، وإسماعيل بن عبد الرحمن، وغيرهم. روى عنه: أبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وحجاج بن نُصير. قال ابن معين: هو صالح. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. روى له: أبو داود (2) . قوله: (وأمرنا) من كلام أم عطية، لا من كلام عمر، بقرينة قوله: "ولا جمعة علينا ونهانا".

_ (1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 370) .

236- باب: الخطبة في يوم العيد

قوله: " بالعيدين" أي: في العيدين. قوله: " أن نخرج" في محل النصب على المفعولية، أي: أمرنا بأن نخرج، أي: ب"خراج الحُيض، هذا على تقدير نصب " الحُيض " على أنه مفعول نُخرج، وإذا رفع على أنه فاعل " نُخرج" يكون التقدير: أمرنا بخروج الحيض. قوله: "والعُتق " عطف على "الحيض " في الحالين، وهي جمع عاتق، وهي التي قاربت الإدراك، وقيل: بل هي المدركة، وقيل: هي التي لم تَبْن من والدتها ولم تزوج، وقد أدركت وشبت، وإنما سميت به لأنها أكرم ما تكون عند أهلها وأجمل، والعتيق الكريم الرافع من كل شيء، وقيل: سميت بذلك لأنها عتقت عن خدمة أبويها ولم تملك بعدُ بنكاح، وقيل: عاتق: شابة. وعن ابن الأعرابي قال: قالت جارية من الأعراب لأبيها: اشتر لي لُوطاً أغطى به فُرعلى، فإني قد عُتقِتُ، تريد: قد أدركت، والفرعِل: الشعر، واللوط: الإزارُ. قوله: " ولا جمعة علينا" ليس بثابت في غالب النسخ. * * * 236- باب: الخطبة في يوم العيد أي: هذا باب في بيان الخطبة في يوم العيد 1111- ص- نا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ح، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: أخْرَجَ مَرْوانُ المنبرَ في يَوم عيد، فَبدأ بالخُطبَة قبلَ الصلاة، فقامَ رجل فقال: يا مَرْوَانُ، خًالَفْتَ السنةً، أخْرَجْتَ المنبرً في يَوم عيد ولم يكنْ يُخْرجُ فيه، وَبَدأتَ بالخُطبة قبلَ الصلاة، فقال/ أبو سعيد الخَدًري: مَنْ هَذَا؟ قاَلوَا: فلانُ [2/94 - أ] ابنُ فلاَنٍ، فقال: َ أما هَذَا فقد قَضَىً ما عليهِ، سمعتُ رسولَ اللهِ

عليه السلام- يقولُ: (مَنْ رَأى منكم مُنكَراً فاسْتطاعَ أن يُغيرَهُ بيده فليُغيرْهُ بيده، فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسَانِهِ، فإن لم يَستطعْ فبقَلبِهِ، وذاك أضعفُ الإِيَمَانِ) (1) . ش- مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك، أو أبو القاسم، أو أبو الحكم، وفي " صحيح مسلم ": أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروان. وقيل: أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة. وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُدَ منزلُه، ولا يصح عن عمر هذا. وقيل: أول من بدأ بها عثمان، ولا يصح أيضا، وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، وقيل: إن زياداً أول من فعله، يعني: بالبصرة، وقيل: أول من فعله مروان، يعني: بالمدينة كما تقدم، وكذا ذكره الترمذي، وذلك كله في أيام معاوية لأنهما من عماله، وفعله ابن الزبير آخر أيامه. وعلل بعضهم فعل بني أمية أنهم لما أحدثوا في الخطبة من سَب من لا يحل سبه، فكان الناس يتفرقون لئلا يسمعوا ذلك، فأخروا الصلاة ليحبسوا الناس، والذي ثبت عن رسول الله، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى- رضي الله عنهم- تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وعده بعضهم إجماعاً.

_ (1) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب: في خبر ابن الصائد (4340) مختصراَ دون القصة، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (78/ 49) ، الترمذي: كتاب الفتن، باب: ما جاء في تغير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب (2172) ، النسائي: كتاب الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان (8/ 111، 112) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة العيدين (1275) ، وكتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4013) .

قوله: "أما هذا فقد قضى ما عليه " أي: ما عليه من الواجب من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأن قدرته كانت هذا المقدار، وقول أبي سعيد هذا بمحضر من الصحابة، والجمع العظيم دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان، ويثبته أيضا احتجاجه بقوله: "سمعت رسول الله- عليه السلام- يقول" الحديث. وفي هذا دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وأن ما حُكي عن عمر وعثمان ومعاوية لا يصح. فإن قيل: كيف تأخر أبو سعيد عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ قلنا: يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضراً أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد وهُمَا في الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضراً من الأول لكن خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئاً لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه ما خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هَم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد، ثم إنه جاء في الحديث الآخر الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "باب صلاة العيد " أن أبا سعيد هو الذي جبذ بيد مروان حين راَه يصعد المنبر، وكانا جاءا معاً، فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان: إحديهما لأبي سعيد، والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد، والله أعلم. وقوله: "فقد قضى [ما] ، عليه" تصريح بالإنكار أيضا من أبي سعيد. قوله: " فليغيره بيده " هذا أمر إيجاب بإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، فإن قيل: قال الله تعالى: "عَلَيكُمْ أنفُسكُمْ لا يَضُركم مَّا ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ " (1) قلنا: هذا لا

_ (1) سورة المائدة: (105) .

يخالف ما ذكرناه؛ لأن المعنى: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: "وَلا تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أخْرَى" (1) ، وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل، لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول، ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا ترك (2) الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ولا يشترط فيه أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: [2/94 - ب] أن يأمر نفسه وينهاها/، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ ولا يختص أيضا بأصحاب الولايات، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين. قوله: "فليغيره بيده، فإن [لم] يستطع " إلى آخره، إشارة إلى مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: "فبقلبه " أي: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير منه للمنكر، لكنه هو الذي في وسعه. قوله: " وذاك أضعف الإيمان " معناه: أقله ثمرة. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. 1112- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، ومحمد بن بكر قالا: أنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إن النبي- عليه السلام- قام يومَ الفطرِ فَصلي، فَبَدَأ بالصلاة قبلَ الخُطبة، عبر خَطَبَ الناسَ، فلما فَرغَ نبي اللهِ- عَليه السلام- نَزَلَ، فَأتَىَ النساءَ فَذَكرَهُن

_ (1) سورة الإسراء: (15) . (2) كذا.

وهو يَتوكأ، على يد بلالٍ، وبلال بَاسط ثوبَه يُلقينَ (1) فيه النساءُ الصَدَقةَ، قال: تُلقِي المرأةُ فَتَخًهًا، ويُلقِيَنَ ويُلقِينً، وقال ابنَ بكر: فَتَختهَا (2) . ش- عبد الرزاق بن همام. ومحمد بن بكر بن عثمان البُرْساني- بضم الباء الموحدة- أبو عثمان، أو أبو عبد الله، وبُرْسان من الأزد، البصري. سمع ابن جريج، وشعبة، وهشام بن حسان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وعليه بن المديني، وابن بشار، وابن المثنى، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو داود: ثقة. وقال أحمد: هو صالح الحديث. مات بالبصرة في ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة (3) . وعطاء بن أبي رباح. قوله:" فذكرهن" بتشديد الكاف أي: وعظهن. قوله: "ويُلقين (4) فيه النساء " من قبيل كلوني البراغيث. قوله:" فتخها" " ا"فتخ": بفتح الفاء والتاء المثناة من فوق، وفي آخره خاء معجمة، جمع فَتَخَة- بالتحريك- وهي حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهو الخاتم، وقيل: هو الخواتيم الكبار، وقيل: الفتخة حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها، وربما اتخذ لها فص كالخاتم، وقيل: جلجل لا جرس له. قال ابن السكيت: تلبس في أصابع اليد. وقال ثعلب: قد تكون في أصابع الرجل.

_ (1) في سنن أبي داود: " تلقي". (2) البخاري: كتاب العيدين، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد (978) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين (5 88/ 3) . (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/ 5092) . (4) كذا بالواو، وفي المتن "يلقين" بدون الواو.

قوله: " ويلقين ويلقين " بالتكرير، أي: ويلقين كذا، ويلقين كذا، وفيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف على ثلث مالها، هذا مذهب الجمهور. وقال مالك: لا تجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضا زوجها. وفيه دليل أن الصدقات العامة إنما يصرفها في مصارفها الإمام، وكان النبي- عليه السلام- يفرقها على المحتاجين كما كانت عادته في الصدقات المتطوع بها. قوله: " وقال ابن بكر " أي: قال محمد بن بكر في روايته: " فَتَخَتهَا"بالإفراد، وفي رواية عبد الرزاق: "فَتَخَها" بالجمع. والحديث: أخرجه النسائي. 1113- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة ح، ولا محمد بن كثير، أنا شعبة، أنا أيوب، عن عطاء قال: أشهدُ على ابنِ عَباس، وشَهِدَ ابنُ عَباس على رَسول الله، أنه خَرَجَ يَومَ فطر فَصَلَّى، ثم خَطَبَ، ثم أتَى النساءَ ومعه بلال. قال اَبنُ كثير: أكْبَرُ عِلم شُعبةَ: فَأمَرَهُنَّ بالصدقَةِ، فَجَعَلنَ يُلقِين" (1) . ش- أيوب السختياني، وعطاء بن أبي رباح. قوله:" قال ابن كثير " أي: محمد بن كثير. قوله: "يُلقين " أي: الصدقة في ثوب بلال، وفيه من الاستحباب: للإمام أن يأتيهن بعد الفراغ من خطبة العيد، ويعظهن ويذكرهن إذا لم يترتب عليه مفسدة. قلت: بعيد في هذا الزمان عدم ترتب الفساد، لعموم الفتنة والفساد، وقلة الخير في النساء، ولا سيما في نساء مصر.

_ (1) البخاري: كتاب العلم، باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن (98) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب: أول الكتاب (2/ 884) ، النسائي: كتاب العيدين، باب: الخطبة في العيدين بعد ما جاء الصلاة (1568) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة العيدين (1273) .

1114- ص- نا مسدد، وأبو معمر عبد الله بن عمرو قالا: نا عبد الوارث، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس بمعناه قال: فَظَن أنه لم يُسْمِع النساء، فَمَشى إِليهن ومعه بِلال (1) فَوَعَظَهُن وَأَمَرَهُن بالصدقَة، فكانت المرأةُ تُلقي القُرْطَ والخَاتَمَ في ثَوبِ بِلال (2) . ش- مسدد بن مسرهد، وعبد الله بن عمرو المقعد البصري، وعبد الوارث بن سعيد. قوله: "بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. قوله:" فظن أنه " أي: ظن رسول الله أنه لم يسمع النساء خطبته، فمشى إلى جهتهن. قوله:" تُلقِي القُرط/ والخاتم " القُرْط- بضم القاف، وسكون الراء- 2/95 - أ] ما علق في شحمة الأذن من ذهب كان أو غيره. قال ابن دريد: كل ما علق في شحمة الأذن فهو قرط، سواء كان من ذهب أو خرز، ويجمع على قِراط كرمح ورماح، وقِرَطه كخُرجْ وخِرَجة، وأقرطة جمع جمع، أي: جمع أقراط جمع قُرْط. والخاتم فيه أربع لغات: فتح التاء، وكسر ها، وخاتام، وخَيْتام. 1115- ص- نا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس في هذا الحديث قال: فَجَعَلَتِ المرأةُ تُعْطي القُرْطَ والخَاتَمَ، وجَعَلَ بلال جعَلُهُ في كسًائه، قال: فَقَسَمَهُ علَى فُقَرَاء المسلمين (3) . ش- لأنها صدقة ومَصرفها الفقراء. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه بنحوه.

_ (1) في سنن أبي داود: "وبلال معه ". (2) انظر الحديث السابق. (3) انظر الحديث السابق. 32 * شرح سنن أبى داوود 4

1116- ص- نا (1) الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا ابن عيينة، عن أي جَنَاب، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، أنً النبي- عليه السلام- نُووِلَ يومَ العِيدِ قَوْساً فَخَطَبَ عليه (2) . ش- عبد الرزاق بن همام، وسفيان بن عيينة، وأبو جناب- بفتح الجيم والنون- الكلبي، اسمه: يحيي بن أبي حية- بالياء آخر الحروف- واسمه: حي، وقد ذكرنا ترجمته مستوفى، والله أعلم بالصواب. ويزيد ابن البراء بن عازب الأنصاري الحارثي. روى عن: أبيه. روى عنه: عدي بن ثابت، وأبو جناب. روى له: أبو داود، والنسائي. قوله: " نُووِلَ" من المناولة، أي: أعطي قوساً فخطب وهو متوكئ عليه. وليس هذا الحديث بثابت في بعض النسخ، وفي بعضها عقيب هذا الحديث " (3) باب يصلي الناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر ". نا هشام بن عمار، نا الوليد. ونا الربيع بن سليمان، نا عبد الله بن يوسف، نا الوليد بن مسلم، نا رجل من القرويين (4) - وسماه الربيع في حديثه عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة- سمع أبا يحيي عبيد الله التيمي، يحدث عن أبي هريرة، أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي- عليه السلام- صلاة العيد في المسجد، ولم يثبت هذا الباب في غالب النسخ في هذا الموضع، فكأنه هاهنا في نسخة اللؤلؤي. * * *

_ (1) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت: "باب يخطب على قوس ". (2) تفرد به أبو داود. (3) يأتي برقم (244) ، نص/ 512) . (4) في الأصل: "العدويين " خطأ.

237- باب: ترك الأذان في العيد

237- باب: ترك الأذان في العيد أي: هذا باب في بيان أن العيدين ليس فيهما أذان ولا إقامة. 1117- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عنِ عبد الرحمن بن عابس قال: سَألَ رجل ابنَ عَباسِ: أشَهدتَ العِيدَ مَعَ رسول الله؟ قال: نعم، ولولا مَنزِلَتِي منه ما شَهِدتُه من الصَغَرِ، فَأتَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اَلعَلَمَ الذي عندَ دارِ كَثيرِ بنِ الصلت، فَصلي ثم خَطَبَ ولم يَذْكُرْ أذَاناً ولا إِقَامةَ، قال: ثم أمَرَ بالَصدقَة، قال: فَجَعَلنَ (1) النساءَ يُشِرْنَ إلى آذَانهن وحُلُوقِهِن، قال: فَأمَرَ بلالاً فَأتَاهُن، ثم رَجَعَ إلى النبي- عليه السلام- (2) . ش- سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن عابس النخعي الكوفي. قوله: "أشهدت " الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "العلم الذي عند دار كثير بن الصلت " العلم- بفتح العين واللام-: المنار والجبل والراية والعلامة، وكثير بن الصلت هو أبو عبد الله، ولد في عهد رسول الله، وله دار كبيرة بالمدينة قبلة المصلى للعيدين، وكان اسمه قليلاً فسماه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كثيراً، وكان يُعد في أهل الحجار. قوله: "فجعلن النساء " من قبيل أكلوني البراغيث. قوله: " يُشِرْن " من الإشارة. وفيه فوائد؛ الأولى: أن الصبي إذا ملك نفسه، وضبطها عن اللعب، وعقل الصلاة، شُرعَ له حضور العيد وغيره.

_ (1) في سنن أبي داود: "فجعل ". (2) البخاري: كتاب العلم، باب: عظة النساء وتعلمهن (98) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين (2/ 884) ، النسائي: كتاب صلاة العيدين، باب: الخطبة في العيدين بعد الصلاة (3/ 184) .

الثانية: المستحب أن يُصلَّي العيد في الصحراء. الثالثة: أن الخطبة بعد الصلاة. الرابعة: ليس في العيدين أذان ولا إقامة، وهو مذهب الأئمة وجماعة الفقهاء. قال الشعبي والحكم وابن سيرين: الأذان يوم الفطر ويوم الأضحى بدعة. وقال ابن المسيب: إن أول من أحدثهما في العيد معاوية. وقيل: زياد. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا سلام أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لا أذان ولا إقامة في العيدين، ولا قراءة خلف الإمام. الخامسة: المستحب للإمام أن يأمر بالصدقة. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي. [2/95 - ب] 1118- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن ابن جريج، عن الحسن/ بن مسلم، عن طاوس، عن ابنِ عباسِ: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلي العِيدَ بلا أذان ولا إِقَامةِ، وأبا بكرٍ، وعُمَر أو عثمانَ، شَك يحيى (1) . ش- يحيي القطان، والحسن بن مسلم بن يَنَّاق المكي. قوله: " وأبا بكر " أي: وأن أبا بكر وعمر. قوله: "أو عثمان، شك من يحيي القطان. والحديث: أخرجه ابن ماجه مختصراً، ولم يذكر غير النبي- عليه السلام-. 1119- ص- نا عثمان بن أي شيبة، وهناد- وهذا لفظه- قالا: نا أبو الأحوص، عن سماك- يعني: ابن حرب- عن جابر بن سَمُرَةَ قال:

_ (1) البخاري: كتاب العيدين، باب: الخطبة بعد العيد (962) ، مسلم: كتاب صلاة العيدين (1/ 884) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة العيدين (1274) .

238- باب: التكبير في العيدين

صليتُ مَعَ رسولِ الله- عليه السلام- غَيرَ مَرَّة ولا مَرتينِ العِيدينِ بغيرِ أذان ولا إِقَامةٍ (1) . ش- هناد بن السري، وأبو الأحوص سلام بن سليم. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن أبي شيبة، وصح عن جابر: لا أذان يوم الفطر، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء. هذا ظاهره يخالف ما يقوله الشافعية، أنه يستحب أن يقال: الصلاة جامعة. * * * 238- باب: التكبير في العيدين أي: هذا باب في بيان التكبير في صلاتي العيدين. 1120- ص- نا قتيبة، نا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسولَ الله- عليه السلام- كان يُكبر في الفطرِ والأضْحَى: في الأولَى سَبْعَ تكبِيرَاتٍ، وفي الثانيةِ خَمْس" تَكبَيرَات (2) " (3) . ش- قتيبة بن سعيد، وعبد الله بن لهيعة ولا يحتج بحديثه، وعُقيل - بضم العين- بن خالد الأيلي. اعلم أن العلماء اختلفوا في تكبيرات العيدين، فقال الشافعي: هي سبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام.

_ (1) مسلم: كتاب صلاة العيدين (7/ 887) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة (532) . (2) في سنن أبي داود: (وفي الثانية خمساً) . (3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التكبير في العيدين (536) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين (1279) .

وقال مالك وأحمد وأبو ثور وإسحاق والزهري والأوزاعي كذلك؛ لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام، رُوي ذلك عن: أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوري: خمس في الأولى، وأربع في الثانية. وهو قول ابن مسعود. وقال الحسن: يكبر في الأولى خمساً، وفي الأخرى ثلاثاً سوى تكبيرتي الركوع. وعن علي أنه كان يكبر في الفطر إحدى عشرة: ستاً في الأولى، وخمساً في الآخرة، يبدأ بالقراءة في الركعتين، وخمساً في الأضحى: ثلاثاً في الأولى، وثنتين في الآخرة، يبدأ بالقراءة في الركعتين. وعن ابن عباس: كان يكبر ثلاث عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولي، وستاً في الآخرة. واستدل الشافعي بحديث عائشة هذا، " (1) وأخرجه ابن ماجه أيضا، والحاكم في "مستدركه " (2) وقال: تفرد به ابن لهيعة. وقد استشهد به مسلم في موضعين، قال: وفي الباب عن عائشة، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والطرق إليهم فاسدة، وذكر الدارقطني في " علله أن فيه اضطراباً، فقيل: عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، وقيل: عنه، عن عُقيل، عن الزهري، وقيل: عنه، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة. وقيل: عنه، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال: والاضطراب فيه من ابن لهيعة. وقال الترمذي في "علله الكبرى": سألت محمداً عن هذا الحديث فضعفه وقال: لا أعلم رواه غير ابن لهيعة". قلت: ابن لهيعة ضعفه جماعة، وقال البيهقي في " باب منع التطهر بالنبيذ": ضعيف الحديث لا يحتج به. والعجب منه أنه مع اعترافه بهذا

_ (1) انظر: نصب الراية (2/ 216) . (2) (1/ 298) ، وأخرجه كذلك أحمد (6/ 1 70) ، والدارقطني (2/ 46) .

القدر يروى حديثه أيضا في باب الاحتجاج لمذهبه، في باب تكبيرات العيدين، ونَذكر مستند أبي حنيفة وباقي مستند الشافعي إن شاء الله تعالى عن قريب. 1121- ص- نا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن ابن شهاب بإسناده ومعناه، قال: سوى تكْبيرَتَي الركُوع (1) . ش- ابن السَرْح أحمد بن عمرو بن السرح، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة، وخالد بن يزيد الإسكندراني المصري. قوله:"بإسناده" أي: بإسناد حديث ابن شهاب ومعناه، وقال فيه: "سوى تكبيرتَي الركوع". 1122- ص- نا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال نبيُ الله- عليه السلام-: " التكبيرُ في الفطرِ سَبْع [في الأولى] (2) وخمس فَي الأخْرَى (3) ، والقراءةُ بعدهما كِلتَيْهِمَا" (4) . / ش- المعتمر بن سليمان [2/96 - أ] وعبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلى بن كعب أبو يعلى الطائفي الثقفي. سمع: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن الشريد، وعمرو بن شعيب، وغيرهم. روى عنه: معتمر بن سليمان، والثورة، وابن المبارك،

_ (1) انظر الحديث السابق. (2) زيادة من سنن أبي داود. (3) في سنن أبي داود: "الآخرة". (4) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين (1278) .

وغيرهم. قال أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث. وقال ابن معين: هو صالح. روى له: مسلم في المتابعات، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود (1) . (2) والحديث رواه ابن ماجه أيضا، والدارقطني (3) وزاد فيه: "وخمس في الثانية سوى تكبير الصلاة". ورواه البيهقي (4) أيضا وقال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في هذا الباب صحيح. وقال النووي في "الخلاصة": قال الترمذي في " العلل ": سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح. قلت: هذا الحديث من جملة مستندات الشافعي، فلذلك تكلف البيهقي في صحته، ولم يلتفت إلى ما قيل في الطائفي، ولا في عمرو ابن شعيب. وقال ابن القطان: والطائفي هذا ضعفه جماعة منهم ابن معين. 1123- ص- نا أبو توبة الربيع بن نافع،