الولاية في النكاح

عوض بن رجاء العوفي

مقدمة

المجلد الأول مقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أمّا بعد: فإنّ الفقه في دين الله من أعظم وأجلِّ نعم الله على عبده، وَحَسْبُ طالب الفقه بشرى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين". متفق عليه1.

_ 1 قال البخاري رحمه الله: "حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية رضي الله عنه خطيباً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". انتهى. (البخاري 1/164 مع فتح الباري) كتاب العلم باب من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين. وفي مواضع أخر من الصّحيح، وقد نبّه محققه على أطرافه في هذه الموضع. ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة (13/67 مع شرح النووي) "باب لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين لا يضرُّهم من خالفهم".

فأنعم بها من بشرى! وأنعم بها من أمنية لطالب العلم! أن يكون من أهلها. ولقد كان من فضل الله تعالى على كاتب هذه السطور أن يكون أحد طلاّب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.، في "شعبة الفقه" من كلية الشريعة، ورغم معرفته -مسبقاً- بعجزه وتقصيره، إلا أن رجاءه في الله عظيم أن يكون من قوم لا يشقى جليسهم. ولما كان منهج الدراسات العليا بهذه الجامعة مبنيًّا على نظام كتابة الرسائل العلميّة في فروع التخصص للحصول على درجة "الماجستير، فالدكتوراه"، فقد جال بخاطري بعض مسائل الفقه التي لم يكن بعضها- عندي- بأولى من بعض، فعرضتها على ذوي النّصح والخبرة، فكان موضوع "الولاية في النِّكاح" أحظاها قبولاً، وأسعدها بالحثِّ والتشجيع على الكتابة فيه. وقد وافق أنَّ لي مع هذا الموضوع- خاصة - ذكرى أحتفظ بها عن كتابين منهجيين صحباني أربع سنين، هي مدة دراستي في كلية الشريعة بهذه الجامعة، وهذان الكتابان هما: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، وسبل

السلام للمحدّث الأمير الصنعاني، وفي كلٍّ منهما وجهتان متعارضتان في تقرير الرَّاجح في هذه المسألة، فقد ذهب الأول إلى أنَّه لا يوجد لهذه المسألة دليل ظاهر الدلالة فضلاً عن أن يكون هناك نص في الموضوع، وتعقبه الثَّاني واصفًا بعض كلامه بالضعف والسقوط، وأجاب عن بعضه باختصار يقتضيه المقام1. فكان في النفس ما فيها؛ لاستبانة وجه الحقِّ في هذه المسألة الهامّة في حياة كلّ مسلم؛ لتعلُّقها بصَّحة أو بطلان العقد الذي عليه بناء الأسرة المسلمة. ومما زادني عزمًا على الكتابة فيه أنّ كلَّ ما أمكنني الوقوف عليه في مكتباتنا- ممّا كتب حديثاً في الأحوال الشخصية2- تجمع على أنَّ الولاية في النِّكاح شرط في حقِّ العاجزين من الصِّغار والمجانين، دون الحرائر المكلّفات من النِّساء، ولسان حالهم يردّد ما قاله ابن رشد الحفيد، إن لم يصرّحوا بذلك، فكان السؤال الذي يطلب جواباً: أحقيقة ما يقول هؤلاء؟ أم أنه أثر من آثار التغيير الاجتماعي للأخذ بالذي هو أدنى وترك الذي هو خير؟

_ 1 انظر: بداية المجتهد (2/7 وما بعدها) ، وسبل السلام (3/ 121) . 2 انظر المراد بهذا الاصطلاح (ص 27 ت 1) .

لهذا استخرت الله تعالى في الكتابة في هذا الموضوع، طالما أنَّه لزاماً على طالب الدراسات العليا كتابة بحث في فرع تخصصه، مستمدًّا من الله العون والتوفيق. وذلك لأنَّ وراء هذا الموضوع قيماً عاليةً من الشهامة والإباء، والحصانة والحياء، والعفاف والوفاء، وغير ذلك من صفات الفضيلة والكمال، التي يعرفها الرجال والنساء، ممّا تصان به الأعراض، وتحفظ به الأنساب، ممّا ميَّز الله به أهل الإسلام على غيرهم، وجعله عنواناً لعزِّهم، وظهورهم، وميزة لأبناء الإسلام الأوفياء حين يتخلَّى عنها الأدعياء. ولأنَّ رياح التغيير الاجتماعي التي هبَّت على ديار الإسلام من الغرب الحاقد، والشرق الملحد، بالأفكار الغريبة المسمومة، قد تركت في كثير من البيوت الإسلامية تساؤلات عن أمور كانت من قبل من المسلَّمات، فشكَّكت فيما لا يقبل التشكيك، وهوَّنت مما لا يستهان به، فعرف بعض النّاس ما كانوا ينكرون، وتنكَّروا لما كانوا يعرفون، وظهرت علامات استفهام مظلمة أمام التمسك بالفضيلة، أو الخوف من التردِّي في الرذيلة؟. وخاصّة إذا كان الأمر مما يتميَّز به الرِّجال على النِّساء، فالمساواة بين الذكور والإناث في الإرث والنِّكاح والطلاق قد أصبح مطلباً، وحجاب المرأة وحياؤها قد أصبح تأخُّرًا وبلادة، بل توحّشاً! وقرارها في

بيتها أصبح إقامةً جبرًا! إلى غير ذلك من الأفكار التي تهدّ الفضيلة هدًّا، وتدعو إلى الرذيلة عمدًا، والمستهدف بها أولاً وآخراً هي: الأسرة المسلمة. ومن تلك التساؤلات المريبة ما يدور حول ثبوت الولاية في النِّكاح على الحرَّة المكلّفة، والتقليل من أهمّيتها في حياة المسلمين الاجتماعية، ولم تكن تلك التساؤلات المريبة، والنعوت المشبوهة من أعداء الإسلام والفضيلة، لم تكن لتثير اهتمامي بهذا الموضوع لولا أنة قد أصبح لها صداها في كثير من المجتمعات الإسلامية، وكثيرًا ما يتعلّل أولئك أو يتستَّرون تحت مظلّة الخلاف الفقهيّ، جاهلين أو متجاهلين أنَّ الخلاف الفقهيّ لم يكن مبرِّرًا للتهاون في أمر مجمع على فضيلته وأهميَّته في حياة المسلمين الاجتماعية المتميِّزة بأصالتها وكمالها، فالفضائل في منأى عن الخلاف، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، والناصح لنفسه ولمجتمعه هو من يلتزم بالفضائل، ويدعو إليها في أسمى معانيها، لا من يهوِّن من شأنها وكأنَّه موكَّل بإزالتها. لهذا كان اهتمامي كلُّه منصبًّا على تتبُّع آثار من سلف ودليلهم، ممن لم يكن الخلاف بينهم لهوى في أنفسهم، وإنما طلباً للحقِّ بدليله، بعلم لوجه الله طلبوه، وبصدق نيَّة لله أخلصوها، فحرصت على تتبُّع آثارهم، في مصادرها الأصليَّة، باذلاً جهدي في فهم نصوصهم وتوثيق أدلتهم، معتذراً عما كتب حديثاً حول هذا الموضوع؛ لأنَّني لم أجد - فيما عثرت عليه- ما يمكن أن يبنى عليه غيره؛ لذلك لم أجد الطريق أمامي ممهَّداً - كما صوّره لي بعض الناصحين- وإنَّما وجدته يحتاج إلى خبرة

بمسالكه، وعزم على تجشّم صعابه، وكلّها مما يقصر دونها عزمي، وتقلّ بها معرفتي، ولكن على العامل بذل جهده، وصدق توكّله، وعلى الله عونه. وقد التزمت في هذا البحث بالمنهج التالي: أولاً: اعتماد المذاهب الأربعة في هذه الرسالة؛ لاعتمادها عند أهل الحقِّ من المسلمين، ولندرة ما يفوت أنصارها من الحقِّ المبين، ومع هذا فإنَّني أذكر بعض أقوال أهل الظاهر وغيرهم من العلماء المشهورين إذا كان قولهم مما اشتهر ذكره في كتب الخلاف. ثانياً: بيان مدلول عناوين مباحثه من حيث اللّغة، والشرع أو الاصطلاح. ثالثاً: إذا كانت المسألة محلَّ اتفاق فأذكر أظهر أدلّتها وتوجيهًا مختصرًا لها مع ذكر عمدة مصادرها وكفى. وأمّا إن كانت محلَّ خلاف فأحرِّر موضع الخلاف أولاً، ثم أذكر الأقوال فيها إجمالاً، ثم أتبعها بالتفصيل بذكر كلِّ قول وعزوه لأشهر قائليه من مختلف المذاهب، ثم دليل كلِّ قول ومناقشة كلِّ دليل- حين يوجد ما يدعو إلى المناقشة- ثم بيان الرَّاجح في خاتمة تلك المسألة ما أمكن. وقد أعدل عن ذكر كلِّ قول مع مثيله إلى ذكر كلِّ مذهب من المذاهب الأربعة استقلالاً، وبيان ما فيه من تفصيل وتوجيه، -وهذا قليل

في هذه الرسالة- وإنَّما أعدل إلى ذلك حين يكون هذا المنهج أكثر اختصاراً ووضوحاً ممّا يغني عن كثرة التقاسيم بلا جدوى حقيقية منها، وحينئذ أذكر المذاهب الأربعة على ترتيبها الزمني. رابعاً: العمدة في عزو كلّ قول وتوجيهه هو كتب المذاهب الأربعة المعتبرة عند أصحابها أولاً، ثم الكتب المساعدة من كتب الخلاف والتفسير وشروح الحديث ثانياً، محاولاً قدر الإمكان اختيار أحسنها توجيهًا وتحريراً. خامساً: توثيق الأدلّة -ما أمكن- وهذا -في نظري- من أهمّ مميّزات هذه الرسالة، وأحبّ عمل لي فيها، فإن كان الدليل من الكتاب العزيز فهو غنيّ عن التوثيق، فالبحث في دلالته لا في ثبوته، وإنما أذكر اسم السورة ورقم الآية للأمن من تحريفها، ولسهولة الرجوع إليها. وأمَّا إن كان الدليل من الأحاديث النبويَّة أو الآثار المرويّة عن الصحابة فقد التزمت فيها بقاعدة "الحكم فرع عن دليله"، والبحث في توثيقها ذو وجهين هما: 1- توثيق نسبته إلى من خرّجه. 2- توثيق إسناده. فأمَّا الوجه الأوَّل: وهو توثيق نسبة الحديث أو الأثر إلى من خرّجه من الأئمة فأرجو أن يكون قد تم على أحسن حال، وكان عملي فيه على النحو التالي:

أ- استيفاء تخريج الحديث أو الأثر إذا ورد للاستدلال أصالة، ولو كان في الصحيحين أو أحدهما؛ لتوحيد التخريج أولاً، ولما في تعدّد طرق التخريج من القوة التي ينجبر بها الضعيف، ويقوى بها القويّ، وأما إن كان ورود الحديث أو الأثر استشهادًا أو استطرادًا فأكتفي بما يدل على ثبوته مع الإحالة على تخريجه في كتب التخريج المعروفة إن وجد فيها. ب- الرجوع إلى المصدر الأصليّ لعزوه إليه بدون وساطة ما أمكن. ج- أصرّح بنسبة اللفظ المختار منها إلى من خرّجه؛ لاختلاف الألفاظ وتعذُّر ذكرها، ولسهولة الرجوع إلى اللفظ في مصدره. د- أذكر في حواشي الرسالة الجزء والصفحة، ثم الكتاب فالباب؛ لسهولة مراجعته حين تختلف الأجزاء والصفحات؛ لاختلاف طبعاتها. والمصادر المعتمدة في هذا التخريج هي: موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، والمنتقى لابن الجارود، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، والسنن الكبرى للبيهقي، وقد أضيف إليها شيئًا من مصنّف عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور، ومسند الطيالسيّ، وموارد الظمآن إلى صحيح ابن حبان.

هـ- أذيِّل هذا التخريج بالإحالة أيضاً على كتب تخريج أدلّة المذاهب -إن وجد الحديث أو الأثر في شيء منها- كنصب الرَّاية للزيلعي في أدلّة مذهب الحنفية، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني في أدلّة مذهب الشافعية، وإرواء الغليل للألباني في أدلّة مذهب الحنابلة. وأمَّا الوجه الثَّاني من توثيق الأدلَّة -وهو توثيق أسانيدها- فقد كان عملي فيه بقدر ما تستوعبه المباحث الفقهية من معرفة صحّة الدّليل بأيسر طريق، فإنّ بسط القول في توثيق جميع رواة الإسناد يتطلّب إفراد أكثر الأسانيد برسالة مستقلّة، ولهذا كان عملي فيه على النحو التالي: أ- إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإسناده غنيٌّ عن التصحيح، إلا إذا كانت له علّة مشهورة، فأذكرها مع الجواب عنها، مثل ما جاء في حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - مرفوعاً "الأيمّ أحق بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". فقد رواه الإمام مسلم وغيره بهذا اللفظ، وبلفظ آخر عن سفيان بن عيينة بزيادة "والبكر يستأذنها أبوها"، ولهذا طعن في هذه الزيادة من أثبت للأب إجبار البكر. ب- وإن كان الحديث خارجاً عن الصحيحين فالبحث في بيان علله من حيث الرفعُ والوقف والوصل والقطع والإرسال أو ضعف راويه خاصةً إذا كانت العلّة مشهورة ويتوقف عليها بيان الرَّاجح. ج- ترجمة موجزة لمن دعت الحاجة إلى معرفتهم من رجال الإسناد - محلّ البحث- وقد جاريت في التعريف بهم الحافظ ابن حجر في

"تقريب التهذيب" فنقلت عبارته مع تصرّف يسير باختصارها أو حلّ رموزها باللَّفظ الصريح، ثم أحيل على "تهذيب التهذيب" لمن رغب المزيد، وقد أضيف إليهما "ميزان الاعتدال" للذهبي، أو "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم لزيادة فيهما، وأعتمدهما عندما لا أجد للرّاوي ترجمة في "التقريب" و "التهذيب". د- أحاول- قدر الإمكان- إبداء رأيي في صحّة الإسناد، أو ضعفه، بما سيراه القارئ لهذه الرسالة بعون الله تعالى. سادساً: المصطلحات والرموز: لقد حاولت قدر الإمكان إخلاء هذه الرسالة من المصطلحات والرموز التي كثيراً ما شَغَلَتِ الذّهن، وأوقعت في الوهم، وصدّت عن المراد، حتى كانت جنايتها على بعض الكتب لا تقارن بفائدة الاختصار المقصودة منها، إلا أنه ورد في تخريج أحاديث هذه الرسالة بعض المصطلحات التي جاريت فيها غيري، لأن شهرتها أو وضوحها تغني القارئ عن تكرار المراد منها ومن ذلك: أ- "رواه الستة": أو "حديثه عند أصحاب الكتب الستة": فالمراد بذلك: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود في سننه، والترمذي في جامعه، والنسائي في سننه، وابن ماجه في سننه. ب- "متفق عليه": أي عند البخاري ومسلم.

ج- "رواه الأربعة": هم أصحاب الكتب الستة عدا البخاري ومسلم. د- الاستغناء بذكر شهرة أصحاب تلك الكتب عن التصريح باسم الكتاب الحقيقي. هـ- أذكر في هوامش الرسالة الجزء والصفحة ثم الكتاب فالباب، إلأ أنني كثيرًا ما أحذف لفظ "كتاب" وأختصر اسم الشرح المصاحب له لوضوحه، وإليك مثالاً يتضح به المراد بالمصطلحين الأخيرين: فمثلاً قولي: "الترمذي: (4/ 226 تحفة) نكاح، باب ما جاء في الولي": أي رواه الترمذي في جامعه، الجزء الرابع في الصفحة السادسة والعشرين بعد المائتين مع شرحه تحفة الأحوذي للمحدِّث (المباركفوري) في "كتاب النِّكاح، باب ما جاء في الوليّ". و حيث ورد اسم الحافظ مطلقاً، فالمراد به "الإمام الحافظ أحمدبن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري".

خطة البحث: وأمّا خطّة البحث في هذه الرسالة فهي تتكون من: مقدِّمة وتسعة فصول: وقد اشتملت المقدِّمة على: الافتتاحية، وسبب الاختيار، وأهميَّة الموضوع، ومنهج البحث. وأمَّا الفصول التسعة فهي كالتالي: الفصل الأول: تمهيد، ويتكون من أربعة مباحث: المبحث الأول: في معنى الولاية. المبحث الثاني: في معنى النِّكاح. المبحث الثالث: في مشروعية النِّكاح وحكمته. المبحث الرابع: في مشروعيّة الولاية في النِّكاح وحكمتها. الفصل الثّاني: في الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلَّفة: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تمهيد في بيان الأسباب الموجبة للولاية على النفس عموماً. المبحث الثاني: بيان مذاهب الفقهاء وأدلَّتها في ولاية النِّكاح على الحرَّة المكلّفة. الفصل الثالث: في استئذان الوليّ للحرة المكلّفة في نكاحها. وفيه مبحثان وخاتمة:

المبحث الأول: في استئذان البكر البالغ. المبحث الثَّاني: في استئذان الثيّب البالغ. والخاتمة: إذا أُنكحت من يعتبر إذنها بدون إذنها فما الحكم؟ الفصل الرابع: في الولاية على الصغار في النِّكاح: ويشتمل على ثلاثة مباحث. المبحث الأول: في ثبوت الولاية على الصغار في النِّكاح. المبحث الثَّاني: في إنكاح الصغار أنفسهم. المبحث الثَّالث: في تزويج الأولياء للصغار. الفصل الخامس: الولاية في النِّكاح على المجانين. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في ثبوت الولاية على المجانين في النِّكاح. المبحث الثَّاني: في تزويج الأولياء لهم. الفصل السادس: الولاية في النِّكاح على السفيه: ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: في معنى السّفه لغة واصطلاحاً. المبحث الثَّاني: في المقصود بالسفيه في هذا المبحث. المبحث الثَّالث: الولاية على السّفيه في ماله. المبحث الرَّابع: الولاية على السفيه في نكاحه. الفصل السابع: في الولاية على الأرقاء في النِّكاح. ويشتمل على خمسة مباحث:

المبحث الأول: في ثبوت الولاية عليهم في النِّكاح. المبحث الثَّاني: في تزويج الأسياد أرقاءهم. المبحث الثَّالث: في تزويج الأرقاء لأنفسهم. المبحث الرَّابع: في إجبار الأرقاء على النِّكاح. المبحث الخامس: في خيار الأمة إذا أعتقت تحت زوج. الفصل الثامن: في أسباب الولاية في النِّكاح. ويشتمل على تمهيد وسبعة مباحث: فالتمهيد: في بيان المقصود بأسباب الولاية في هذا الفصل. والمبحث الأول: في سبب الولاية بالقرابة. والمبحث الثاني: في سبب الولاية بالولاء. والمبحث الثالث: في سبب الولاية بالإمامة أو "السلطنة". والمبحث الرابع: في سبب الولاية بالكفالة. والمبحث الخامس: في سبب الولاية بالإسلام. والمبحث السادس: في سبب الولاية بالوكالة عن الوليّ. والمبحث السابع: في سبب الولاية بالوصيّة من الوليّ. الفصل التاسع: في شروط الوليّ في النِّكاح. ويشتمل على تمهيد وثمانية مباحث: التمهيد: في بيان المراد بشروط الوليّ في النِّكاح، وتعريف لكلّ من الشرط والمانع.

والمبحث الأول: في اشتراط الذّكوريّة في ولي النِّكاح. والمبحث الثاني: في اشتراط البلوغ. والمبحث الثالث: في اشتراط العقل. والمبحث الرابع: في اشتراط الحرّية. والمبحث الخامس: في اشتراط الإسلام. والمبحث السادس: في اشتراط العدالة. والمبحث السابع: في اشتراط الرّشد. والمبحث الثامن: في اشتراط عدم الإحرام بحج أوعمرة. الفهارس: وقد ألحقت بهذه الرسالة ثمانية فهارس، هي: الفهرس الأوَّل: للآيات القرآنية الكريمة مرتبة على السور فالآيات. الفهرس الثَّاني: للأحاديث النبويّة مرتّبة على الحروف مع الإحالة على صفحة التخريج. الفهرس الثّالث: للآثار عن الصحابة. الفهرس الرابع: للأبيات الشِّعريّة. الفهرس الخامس: لغريب اللغة والمصطلحات العلميّة. الفهرس السّادس: للأعلام الذين أمكن التعريف بهم على ترتيب الحروف. الفهرس السّابع: للمصادر والمراجع مرتبة على أسامي الفنون ثم الحروف. الفهرس الثامن: للموضوعات.

شكر وتقدير. إنَّ الشكر لله - عزّ وجل - أولاً وآخراً، فله الحمد كلُّه، وله الشكر كلُّه، لا نحصي نعمه، ولا نحصى ثناء عليه، ما أراده كان، وما لم يرده غير كائن، خلق الإنسان من عدم، وعلّمه ما لم يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فله الحمد والمنَّة. ثم الشكر والتقدير والعرفان بالجميل لذوي الفضل والإحسان من علماء إجلاء، وإخوة أوفياء، كانت لهم أياد بيضٌ لم تبخل على هذه الرسالة بلمسات صدق ووفاء، فتحسّست منها مواطن ضعف فقوّته، وخطأ فأصلحته، ونقصاً فأتمَّته، وأخصّ منهم بالذكر فضيلة الدكتور/ محمد عبد الرحمن مندور- رئيس شعبة الفقه بقسم الدراسات العليا بالجامعة الذي أشرف على هذه الرسالة منذ أول لحظاتها، وفي مختلف أطوارها، فأمدَّها بعلمه وتوجيهه وخبرته الطويلة حتى بلغت غايتها، واطمأنت نفسه لتقديمها للحكم لها أوعليها، فجزاه الله عنِّي خير الجزاء، وجزى الله عني خيرًا تلك البقية الباقية من أفاضل العلماء، وكرام الزملاء، الذين آنسوني بحسن التوجيه، وصدق المودّة، ولئن أمسكت عن ذكرهم فليس غضًّا من أقدارهم، ولا زهدًا في معروفهم، ولكنه إكرام لهم بما يحبّون، فجزاهم الله عنِّي خير الجزاء. والحمد لله أولاً وآخرًا، والصّلاة والسّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الفصل الأول: تمهيد في معنى الولاية والنكاح وحكمة مشروعيتهما

الفصل الأول: تمهيد في معنى الولاية والنكاح وحكمة مشروعيتهما المبحث الأوَّل: معنى الولاية الوِلاية -بكسر الواو- هي الخِطَّة1، والإمارة، والسُّلطان2. والوِلاية3 - بكسر الواو وفتحها- النصرة4. قال سيبوبه: الوَلاية "أي بالفتح" المصدر، والوِلاية "أي بالكسر" الاسم مثل الإمارة والنِّقابة، لأنَّه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا5. وقال ابن الأثير: "وكأنَّ الوِلاية "أي بالكسر" تشعر بالتَّدبير والقدرة

_ 1 بكسر الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة- وهي الأرض يختطها المرء لنفسه ليعلم أنه قد اختارها وتحجّرها للبناء فيها ونحوه. انظر مادة "خطّ" الصحاح (3/1123) ، مقاييس اللغة (2/154) ، اللسان (7/288) . 2 أصل مادة (سلط) يدل على معنى القوة والقهر، ولذلك سمي الوالي سلطاناً. انظر مادة (سلط) . مقاييس اللغة (3/95) ، الصحاح (3/1133) ، اللسان (7/ 321) . 3 انظر مادة ولي الصحاح (6/ 2530) ، اللسان (15/407) القاموس (4/404) ، التاج (10/399) ، المصباح المنير (2/672) . 4 نفس المصادر والصفحات. 5 الصحاح، واللسان، والتاج، نفس الصفحات.

والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي"1. وقال ابن فارس وغيره: "كلُّ من قام بأمر شخص فهو وليّه"2. وعلى هذا فالوِلاية بمعناها العام: هي سلطة يملك بها الإنسان القيام على شؤون غيره. وهي لا تكون سلطة شرعية: إلا إذا كانت رعاية لمصالح غيره بمقتضى الشرع. وعلى هذا يمكن تعريفها شرعاً بأنّها: سلطة شرعيَّة يملك بها القادر على التصرف رعاية شؤون غيره. فيدخل في هذا التعريف الولاية العامة، أعني ولاية السّلطان على الأمّة، فإنه نائب عنهم شرعاً لرعاية مصالحهم بمقتضى شريعة ربهم. ويدخل في هذا التعريف أيضاً: أنواع الولايات الخاصة كوِلاية الرجل على أولاده لتربيتهم، وتزويجهم، وحفظ أموالهم. والذي يهمُّنا في هذا المبحث إنَّما هو تعريف الولاية في النِّكاح في اصطلاح الفقهاء، إلا أنَّني لم أجد تعريفاً يمكن الاعتماد عليه، بل كلُّ

_ 1 النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (5/227) ، وعنه ابن منظور في اللسان (15/407) . 2 مقاييس اللغة لابن فارس (6/ 141) . وانظر مادة ولي في: الصحاح (6/2529) ، واللسان (15/ 409) ، وتاج العروس (10/399) ، ومفردات الراغب (533) ، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (5/228) .

ما وجدته هو قول بعض الحنفيَّة "إن الولاية هي: تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى"1. واعترض على هذا التعريف بأنّه قاصر على ولاية الإجبار دون ولاية الاختيار2. والمقصود بولاية الإجبار هي: التي لا اعتبار فيها لإذن الموليِّ3 عليه، فيزوّجه وليّه شاء أم أبى. وأمّا وِلاية الاختيار فهي بعكسها: وهي التي يعتبر فيها إذن الموليّ عليه، فلا يزوجه وليّه حتى يستأذنه. ومع أنَّ هذا التعريف غير مانع أيضاً، فهو شامل للولاية عموماً أي على النفس والمال4. وعلى هذا التعريف جرى كلّ من كتب5 في

_ 1 انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (3/55) ، والبحر الرائق (3/117) . 2 انظر حاشية ابن عابدين (3/55) ، والأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة) . 3 المولى -بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام وتشديد الياء- ويقال أيضاً: بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة- مثل المصلَّى عليه. قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (2/196 من القسم الثاني) . 4 انظر حاشية ابن عابدين (3/55) . 5 انظر مثلاً: الأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة) ، والأحوال الشخصية لمحمد أبي زهرة (122) ، والزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية والقانون (143) للدكتور بدران أبو العينين، والأحوال الشخصية لمحمد زكريا البرديسي (105) ، وأحكام الأسرة في الإسلام لمحمد مصطفى شلبي (253) .

الأحوال الشخصية1 ممن وقفت عليه. وذلك: إمّا لأن المقصود بالتأليف - عند أصحابها- بيان الوِلاية على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة - كما هو ظاهر صنيعهم- وإمّا لأنّه الراجح في نظر الكاتبين فاعتمدوه دون تعويل على غيره. والولاية على هذا المذهب هي في الحقيقة الولاية الإجباريّة خاصّة وهي: التي لا اعتبار فيها لإذن المولى عليه لصغره، أو جنونه، أو رقِّه.

_ 1 يراد بالأحوال الشخصية: الزواج وما يتعلق به من الرضاع والحضانة والنسب، وفرق الزواج وما يتعلق بها من العدة والرجعة والميراث، وقد ألحق بهذه الموضوعات الوقف والوصية. وتسمية هذه الموضوعات التي هي جزء من الفقه الإسلامي بالأحوال الشخصية اصطلاح قانوني جديد يقابل بحسب الأصل الأحوال العينية وهي: المسائل المتعلقة بالأحوال المعروفة الآن بالأحوال المدنية. وهذه التسمية لتلك الموضوعات الفقهية لم تكن معروفة لدى الفقهاء والكاتبين في الفقه القدامى، بل كانوا يذكرونها بأسمائها الخاصة بها فيعنونون كتاب النِّكاح، كتاب الرضاع، كتاب الطلاق، وهكذا سائر الموضوعات. انتهى نصًا من مذكرة الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الحميد الغفاري -المقررة على طلاب السنة المنهجية في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية (أول صفحة) . ولست أرى حاجة لاستخدام تلك المصطلحات القانونية، ففي فقهنا الإسلامي من مصطلحاته الأصيلة ما يغني عن التقليد مع أسباب أخرى لا تخفى على اللبيب، والله المستعان. (الباحث) .

وأمَّا الولاية التي يعتبر فيها إذن الموليِّ عليه - على هذا المذهب- فهي ولاية ندب واستحباب تثبت للوليّ على الحرة المكلفة بكرًا أم ثيباً؛ بمعنى: أنّ لها أن تزوِّج نفسها، ولها أن تفوِّض العقد عليها لوليِّها ندباً واستحباباً صوناً لها عن التبذّل ورميها بقلِّة الحياء. والوليُّ هنا: عبارة عن وكيل لها. وإنّما سمِّي وليّاً لقرابته غالباً1. وهذا بخلاف مذهب الجمهور- كما سيأتي بيانه- فإنّ الوِلاية في النِّكاح- عندهم- ثابتة على المرأة مطلقاً سواء كانت ممن يعتبر إذنها لوليِّها أم لا. ولا تلازم عندهم بين ثبوت الولاية والإجبار، فقد يثبت للوليّ حقّ الولاية في النِّكاح والإجبار معاً كما في الصغار والمجانين ذكوراً وإناثاً. وقد تثبت له الولاية دون الإجبار، كما في الثيِّب الحرّة المكلّفة؛ إذ ليس لوليّها أن يزوِّجها بدون إذنها، ولكن ليس لها أن تتزوَّج -عندهم- إلا بعقد وليِّها لها أو نائبه أو من يقوم مقامه عند عدمه. وهذا المعنى الذي يقصده الجمهور من الوِلاية في النِّكاح لا يكاد يفهم من التعريف السابق، والتعريف لا بدّ أن يكون جامعاً لمحلِّ الاتفاق غير متعرِّض لمحلِّ الخلاف، لذا يبدو لي من خلال ممارستي هذا البحث أن الأقرب لمراد الفقهاء بالولاية في النِّكاح يمكن تعريفه على النحو التالي:

_ 1 انظر الأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة) .

وهو: أنَّ الوِلاية في النِّكاح: سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلاً لعقده. فقولي: "سلطة": جنس يشمل الشرعيّة وغيرها. شرعيّة: قيد لها، يخرج غير الشرعيّة، وبيان للجهة التي يستمدُّ منها الولي ولايته أصلاً وهو الشرع. وليس من الموليّ عليه، وإن كان أحياناً لا يعقد له إلا بإذنه، وهذا هو الفرق بين الوِلاية والوكالة؛ إذ إنّ الوكيل يستمدُّ سلطته من موكِّله، فيتصرَّف بإذنه، وينعزل بعزله، وهذا بخلاف الوليّ؛ فإنَّه لا يستمدُّ ولايته من الموليّ عليه، ولا ينعزل بعزله. وقولي: "لعصبة نسب أو من يقوم مقامه": بيان لمن يستحقّ الولاية، وإخراج لمن لا تربطه بالموليّ عليه رابطة نسب ونحوه، وإنّما قيّدتها "بعصبة النسب" لبيان القدر المتفق عليه في أقوى أسباب الولاية مشيراً بذلك إلى خلاف الشافعي - رحمه الله - في ولاية الابن؛ إذ لا ولاية له على أمِّه- عنده- في النِّكاح وإن كان عصبة ما لم يكن نسيباً لها- كما سيأتي في محله1. ثم عطفت بقولي "أو من يقوم مقامهم"، لبيان بقيّة أسباب الوِلاية، سواء كانت تلك الأسباب متَّفقًا عليها، كالولاية بالعتق والسلطنة، أو

_ 1 انظر مبحث ولاية الابن في النِّكاح في الفصل الثامن.

مختلفاً فيها، كالولاية بالقرابة من غير العصبات، وبالموالاة والكفالة والإسلام والوصيّة، كما سيأتي1. وقولي "يتوقَّف عليها" بيان لمدى هذه السلطة وهو: أنَّ الوليّ بيده عقد التزويج سواء كان الموليّ عليه ممن يعتبر إذنه أو ممن لا يعتبر. وبكلمة "تزويج"، يخرج بقيّة العقود المالية وغيرها. وقولي "من لم يكن أهلاً لعقده": أي لعقد التزويج، وهذا بيان لمن تثبت عليهم هذه الولاية من النساء والأطفال والمجانين والأرقاء والمحجور عليهم على خلاف في بعضهم سيأتي بيانه- إن شاء الله- في محلِّه. ولا ينتقض هذا بأنَّ بعض هؤلاء أهل لمباشرة عقد التزويج بإذن أوليائهم؛ وذلك لأنَّهم غير أهل لعقده استقلالاً عند من أثبت عليهم الوِلاية، والتعريف لمن يثبت لا لمن ينفي. والله أعلم.

_ 1 انظر: أسباب الولاية في النِّكاح، الفصل الثامن.

المبحث الثاني: معنى النكاح.

المبحث الثَّاني: معنى النِّكاح للنِّكاح معناه لغة وشرعاً واصطلاحاً، وإليك بيان ذلك ما أمكن: 1- أمَّا معناه لغة: فهو: اسم يقع على الوطء، وعقد التزويج. قال الأزهري: "أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح" 1. وقال ابن فارس: "نكح" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو البِضاع 2، ونَكَح ينكِح "أي بكسر الكاف"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري "بضم تاء المتكلم فيهما"3. وقال الجوهري: "النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب: نكحتُها "بضم التاء" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال:

_ 1 تهذيب اللغة للأزهري (4/103) ، وعنه اللسان (2/626) مادة (نكح) . 2 البِضاع: بكسر الباء الموحدة: هو الجماع. ومنه المثل "كمعلِّمة أمِّها البِضَاع" يضرب لمن يعلِّم من هو أعلم منه. انظر مادة (بضع) . مقاييس اللغة (1/255-256) ، والصحاح (3/1187) . 3 مقاييس اللغة لابن فارس (5/475) .

لصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ1 ... أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها بمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح. والنُّكح والنِّكح "أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة "بكسر الخاء" خُطْب "أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء" فتقول: نُكْحُ "أي: بضم النون" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة2. وقال الفيروزآبادي: النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب3. وقال الزبيدي شارحاً تلك العبارة: النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح4.

_ 1 بكسر الطاء المهملة وإسكان الراء، هو الفرس الكريم. انظر مادة (طرف) في مقاييس اللغة (3/448) ، الصحاح (4/1393) ، القاموس (3/ 172) ، اللسان (9/ 214) . 2 الصحاح (1/413) . 3 القاموس (1/263) . 4 تاج العروس (2/242) .

وقال ابن منظور: نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا إذا تزوجها، ونكحها ينكحها: باضعها أيضاً. وكذلك دحمها وفجأها، وقال الأعشى في نكح بمعنى تزوَّج: ولا تقربنَّ جارة، إنَّ سرَّها1 ... عليكَ حرام فانكحنْ أو تأبَّدَا2 اهـ المقصود منه3. هذا بعض ما قاله أهل اللغة في معنى النِّكاح، آثرت نقل جمل من أهمها - فيما يظهر لي- لأنهم أهل الفن- وكما قيل: "أهل مكة أدرى بشعابها"، ومنها يتضح أنّ القدر المشترك بين تلك النصوص جميعاً ثبوت استعمال لفظ النِّكاح في كلٍّ من الوطء، وعقد التزويج، وهذا مما لا خلاف فيه- فيما أعلم- وشواهده من اللغة أكثر من أن تحصى. وإنما الخلاف في تعيين حقيقة الاستعمال في كلِّ من المعنيين. وفيه بحث يطول ذكره على المباحث الفقهية، ولكن نشير إلى أهم ما قيل فيه جرياً على

_ 1 أصل السِّر: ضد العلن، فهو اسم لكلِّ ما يكتم ويخفى، ويسمى الجماع سرًّا لإخفائه وستره. والمقصود به هنا الوطء بدون تزويج. انظر مادة (سرر) ، مقاييس اللغة (3/67) ، الصحاح (2/ 681) ، القاموس (2/48) ، اللسان (4/358) . 2 تأبَّد: أي توحَّش، أي كن منها كالوحش بالنسبة إلى الآدميات، فلا يكن منك قربان لهنَّ كما لا يقربهن، وحش. كذا في فتح القدير لابن الهمام (3/186) . وانظر مادة (أبد) في مقاييس اللغة (1/34) ، الصحاح (2/439) ، القاموس (1/283) ، اللسان (3/68-69) . 3 اللسان (2/625) .

عادة الفقهاء في بيان حقيقة معنى هذه الكلمة وأمثالها من الكلمات التي تتصدَّر أبواب الفقه؛ ليكون بيان معناها اللغوي مدخلاً للمعنى الشرعيّ أو الاصطلاحيّ؛ لذلك فإن أهم ما قيل في حقيقة النِّكاح لغة يمكن حصره في أربعة أقوال: القول الأوَّل: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج. وعلى هذا يدلّ كلام الأزهري السابق ذكره، وكذلك الزَّبيدي في شرحه لعبارة القاموس، وإليه تشير عبارة الجوهري فإنه قال: "وقد يكون العقد"، مشيرًا لقلَّة استعماله في التزويج بخلاف الوطء. القول الثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية. ويدلُّ على هذا المعنى ما سبق عن الجوهري، وابن فارس، والفيروزآبادي1. وتوجيه هذا القول: أنّه تحقَّق الاستعمال في اللغة في كلٍّ منهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة2. واستدلَّ بعض الفقهاء لهذا المعنى بما نقل عن أبي القاسم

_ 1 انظر ما تقدم عنهم ص (31،32) ، وانظر المصباح المنير (2/624) ، وتاج العروس (2/243) . 2 انظر فتح القدير لابن الهمام (3/185) .

الزَّجَّاجي1 أنه قال: "النِّكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعاً، وموضع "نكح" على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء على الشيء راكباً عليه، هذا كلام العرب الصحيح، قالوا نكح فلان فلانة ينكحها نكحاً ونكاحاً أرادوا تزوّجها" 2. ولكن ظاهر كلامه أنه جعله من "المتواطئ" فلا يتَّجه حمله على معنى الاشتراك اللفظيِّ كما هو الظاهر عند إطلاق لفظ المشترك "، وإنما يتجه على معنى الاشتراك المعنويّ؛ إذ هو المرادف لمعنى التواطؤ. والله أعلم. وقال ابن جنِّي: "سألت أبا علي الفارسي عن قولهم "نكحها"، فقال: فرّقت العرب فرقاً لطيقاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: "نكح فلانة" أو "بنت فلان" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا

_ 1 هو: عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي، تتلمذ على إبراهيم بن السري الزَّجَّاج فنسب إليه. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (5/124) ، والأعلام (4/96) ، وانظر ترجمة شيخه في معجم المؤلفين (1/33) ، والأعلام (1/33) . وبعضهم يعزو هذا القول للزجاج، فليلاحظ الفرق بينهما. 2 شرح النووي (9/171) ، فتح الباري (9/103) ، الإنصاف (8/3) ، نيل الأوطار (6/115) .

قالوا "نكح امرأته" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد"1. القول الثَّالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وهذا في المعنى الشرعي أوضح منه في المعنى اللغويِّ كما سيأتي2. القول الرَّابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقاً، سواء كان حسيّاً أم معنويّاً. قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر: أيّها المنكح الثريّا سهيلاً ... عَمْرَركَ الله كيف يجتمعان3 "اهـ". ومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر: ضممت إلى صدري معطَّر صدرها ... كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها أي كما ضمَّته4.

_ 1 انظر: المبدع (7/3) ، الإنصاف (8/3) ، شرح النووي (9/ 171) ، فتح الباري (9/103) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 124) . 2 انظر: تاج العروس (2/242-243) ، فتح القدير لابن الهمام (3/185) ، البحر الرائق لابن نجيم (3/82) . 3 المبدع (7/3) ، كشاف القناع (5/ 5) ، الإنصاف (8/3) . وانظر البيت في الصحاح (2/756) . 4 الزرقاني على الموطأ (3/124) .

ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي: أنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ1 ... تَغَشْمَرَتْ2 بي إليك السهلَ والجبلا3 وعلى هذا القول فهل النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد أو مجاز فيهما؟ قال صاحب المصباح المنير: - بعد تصريفات فعل "نكح "- قال: "يقال مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها، وعلى هذا فيكون النِّكاح مجازًا في العقد والوطء جميعاً؛ لأنَّه

_ 1 اليعملة: بفتح الياء الناقة المطبوعة على العمل. كذا في شرح الزرقاني على الموطأ (3/124) . وانظر مادة (عمل) في مقاييس اللغة لابن فارس (4/145) والصحاح (5/1775) ، والقاموس (4/ 22) ، واللسان (11/476) . 2 تغشمرت: التغشمر - بغين معجمة- الأخذ قهرًا. كذا في شرح الزرقاني على الموطأ (3/124) . وقال ابن فارس: (الغشمرة) : إتيان الأمر من غير تثبت، وهذه منحوتة من كلمتين: من الغشم والتشمّر، لأنّه يتشمّر في الأمر غاشماً. اهـ (4/430) . وانظر الصحاح (2/770) . 3 الزرقاني على الموطأ (3/124) .

مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنَّه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما، ويؤيِّده أنّه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو "نكح في بني فلان"، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو "نكح زوجته"، وذلك من علامات المجاز، وإن قيل غير مأخوذ من شيء فيترجح الاشتراك؛ لأنه لا يفهم واحد من قسيمه إلا بقرينة".اهـ1. وقال ابن الهمام الحنفي- مبيّناً أنّه لا منافاة بين مذهب الحنفية أنّه حقيقة في الوطء، وقول بعضهم: أنه حقيقة في الضَّمِّ قال: ولا منافاة بين كلاميهم؛ لأنَّ الوطء من أفراد الضمِّ، والموضوع للأعمِّ حقيقة في كلٍّ من أفراده كإنسان في زيد، لا يعرف القدماء غير هذا2. وتعقبه ابن نجيم في البحر الرائق بالمنع؛ لمغايرة الوطء للضَّمِّ 3.

_ 1 المصباح المنير (2/624) . وانظر في ورود النِّكاح بمعنى الضم والدخول في كل من: تهذيب اللغة للأزهري (4/ 204) ، واللسان (2/226) ، وتاج العروس (2/243) . 2 فتح القدير (3/185-186) . 3 البحر الرائق (3/82) .

ونقل المرداوي1 عن الشيخ تقي الدين 2- رحمه الله- قوله: معناه في اللغة: الجمع والضمّ على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعاً بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعاً بالعقود فهو الجمع بينهما على الدَّوام واللزوم، ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه" اهـ3. 2- معنى النِّكاح شرعاً. وأمَّا حقيقة النِّكاح شرعاً فقيل فيها أربعة أقوال أيضاً: القول الأوَّل: أته حقيقة في عقد التزويج دون الوطء. وهذا هو الصَّحيح من مذهب الشافعية والحنابلة وظاهر صنيع بعض المالكية يدلُّ على اعتماده في المذهب4.

_ 1 هو علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي صاحب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد رحمه الله. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (7/102) ، الأعلام (5/104) . 2 هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (1/261) ، والأعلام (1/140) . 3 الإنصاف (8/3-4) . 4 انظر للشافعية: شرح النووي على مسلم (9/172) ، فتح الباري (9/103) ، مغني المحتاج (3/123) ، تفسير الفخر الرازي (6/55) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/333) ، الإنصاف (8/4) ، المبدع (7/3) ، كشاف القناع (5/5) ، شرح منتهى الإرادات (3/ 2) . وللمالكية: شرح الزرقاني على الموطأ (3/124) ، الفواكه الدواني (2/ 21) ، الخرشي والعدوي (3/ 165) ، والحطاب (3/403) .

ومن أدلة هذا القول ما يلي: أولاً: أنَّ لفظ النِّكاح بمعنى التزويج أكثر وأشهر استعمالاً في القرآن ولسان أهل العرف. كما في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 1. وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما امرأة نَكَحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل- ثلاثاً-" 2. وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان"3 والوطء إنّما يجوز بالعقد، لا بالإذن المجرد عنه. وشواهد ذلك من القرآن والسنة وعرف الصحابة كثيرة مشهورة4.

_ 1 سورة النور – آية رقم: 32. 2 انظر تخريجه ص (112) . 3 انظر تخريجه ص (145) . 4 انظر توجيه هذا الاستدلال لهذا القول في: المغني والشرح الكبير (7/333) ، شرح النووي (9/ 172) ، فتح الباري (9/103) ، مغني المحتاج (3/123) ، نيل الأوطار (6/115) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/124) .

بل قيل: إنَّه لم يرد النِّكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج، ولكن أورد على هذا أنه ينتقض في موضعين من القرآن الكريم: أولهما: قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} 1 فإن معناه الوطء؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظيّ حين أرادت الرجوع إلى زوجها الأول قبل وطء الثاني- قال: "لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتَك". رواه الستة وغيرهم2. ولكن قيل: إنّ هذا الاعتراض غير وارد فإن معنى "تَنْكِحَ" في الآية تتزوَّجٌ أي بعقد وليِّها لها. وظاهر الآية أنَّ هذا يكفي، ولكن ثبت في السنة أته لا بدّ من الوطء وهو "ذوق العسيلة" كما أته لا بدَّ من التطليق بعد ذلك والعِدَّة3.

_ 1 سورة البقرة- آية رقم: 230. 2 عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إنَّ رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي، وإنِّي نكحت بعده عبد الرحمن بن الزَّيِير القرظي وإنَّما معه مثل الهدبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلِّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" (رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الطلاق، باب من جوّز الطلاق الثلاث (9/361 فتح الباري) . وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (6/297 وما بعدها) 3 انظر: فتح الباري (9/103) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/124) ، مغني المحتاج (3/123) ، نيل الأوطار (6/115) .

وثانيهما: قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} 1، فإنَّ معناه بلوغ الحلم2. وقال الراغب: "أصل النِّكاح للعقد ثم استعير للجماع، ومُحَال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد، لأنَّ أسماء الجماع كلَّها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه"3. ثانياً: ولأنَّه يصح نفي النِّكاح عن الوطء، فيقال: هذا سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز4. ثالثاً: أن النِّكاح أحد اللفظين المجمع على صحة العقد بهما، فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر وهو لفظ التزويج5. رابعاً: ولأنَّ الذهن ينصرف إليه عند الإطلاق ولا يتبادر إلا إليه فهو إن لم يكن حقيقة فيه أصلاً -أي في اللغة- فهو مما نقله العرف6.

_ 1 سورة النساء- آية رقم: 6. 2 قاله أبو الحسين بن فارس. انظر نفس المصادر السابقة وصفحاتها. 3 المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (505) . وانظر مغني المحتاج (3/123) . 4 انظر: المغني والشرح الكبير (7/333-334) ، المبدع (7/3) ، مغني المحتاج (3/123) ، تحفة المحتاج وحواشيها (7/183) . 5 انظر: المغني والشرح الكبير (7/333-334) . 6 المغني والشرح الكبير (7/333) ، شرح منتهى الإرادات (3/ 2) ، كشاف القناع (5/5) .

ولكن المخالف لا يسلِّم بهذا بل يقول: إنَّ هذا مفهومه في العرف الاصطلاحي الفقهي خاصة1. القول الثَّاني: أنَّه حقيقة في الوطء دون العقد. وهذا مذهب الحنفية. واختاره بعض الحنابلة، وهو أحد الأوجه عند الشافعية2. ودليل هذا القول: أنَّ الأصل في استعماله لغة إنَّما هو في الوطء، كما قاله الأزهري وغيره من أهل اللغة، والأصل عدم النقل3. وجاءت به السنة كما في قوله صلى الله عليه وسلم في بيان ما يَحِلُّ للرجل من

_ 1 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/185-186) . 2 انظر للحنفية: المبسوط (4/ 92 1) ، الفتح والعناية (3/185-187) ، البحر الرائق (3/82) . تبيين الحقائق (2/95) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/333) ، الإنصاف (8/4) ، المبدع (7/3-4) . وللشافعية: شرح النووي (9/172) ، فتح الباري (9/103) مغني المحتاج (3/123) . 3 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/185-187) ، المبدع (7/4) ، كشاف القناع (5/6) . تنبيه: يلاحظ أنَّ الأزهري قال: إنَّه لا يعرف شيء من ذكر النِّكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج. انظر: تهذيب اللغة (4/103) ، ونقله ابن منظور في اللسان (3/625) .

امرأته الحائض- "اصنعوا كلَّ شيء إلا النِّكاح" 1. وأمَّا ما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقيِّ إلى معنى التزويج كخطاب الأولياء في قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} 2. أو اشتراط إذنهم كما في قوله تعالى: {فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ} 3. وسمِّي عقد التزويج نكاحاً؛ لأنَّه سبب الوطء المباح4.

_ (1) 1- رواه بهذا اللفظ الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه (3/211 شرح النووي) كتاب الحيض، باب جواز قراءة القرآن في حجر الحائض. 2- وأبو داود (6/207 عون المعبود) . نكاح. باب إتيان الحائض ومباشرتها. 3- والترمذي: (8/319 تحفة) . التفسير. سورة البقرة. 4- الدرامي: (1/196) الطهارة. باب مباشرة الحائض. ورواه النسائي وابن ماجه بلفظ (الجماع) : 1- النسائي (1/151 مع شرح السيوطي وحاشية السندي) الطهارة، باب تأويل قول الله عز وجل (ويسألونك عن المحيض) . 2- ابن ماجه (1/ 211) الطهارة. باب ما جاء في مؤاكلة الحائض سؤرها. 2 سورة النور – آية رقم: 32. 3 سورة النساء – آية رقم: 25. 4 المبسوط (4/ 192) ، فتح القدير لابن الهمام (3/185-187) ، البحر الرائق (3/ 82) ، تبين الحقائق (2/95) .

القول الثَّالث: أن النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد. أي مشترك بينهما، ويتعيَّن المقصود منهما بالقرينة. وهو قول لبعض الحنابلة قيل: إنَّه ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد1. وهو أحد الأوجه عند الشافعية2. قال الحافظ في الفتح: "وهو الذي يترجَّح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد"3. وحكاه غيرهم إمَّا قولاً للفقهاء، أو لأهل اللغة على اعتبار أنَّه لا فرق بين أهل اللغة والشرع في حقيقة النِّكاح إلا في المعنى الاصطلاحي الفقهي، أمّا مجرّد الاستعمال في اللُّغة والشرَّع فالقول فيه واحد4. ودليل هذا القول أنَّه ثبت الاستعمال في اللغة والشّرع بمعنى الوطء والعقد، والأصل في الإطلاق الحقيقة5. القول الرَّابع: أنَّه حقيقة فيهما معًا- أي من الألفاظ المتواطئة.

_ 1 المبدع (7/ 4) ، الإنصاف (8/ 5) ، شرح منتهى الإرادات (5/ 6) ، كشاف القناع (5/6) . 2 شرح النووي (9/ 172) ، مغني المحتاج (3/123) . 3 فتح الباري (9/103) . 4 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/185-187) ، والبحر الزخار (4/3) ، والبحر الرائق (3/82) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/124) . 5 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/185-187) ، والمبدع (7/ 4) ، وكشاف القناع (5/6) .

وبهذا قال بعض الحنابلة، وما نقل عن الإمام أحمد يحتمله ويحتمل الاشتراك1. وتوجيه هذا القول: أنَّ القول بالتواطؤ أولى من القول بالاشتراك والمجاز؛ لأنَّهما خلاف الأصل2. ونقل المرداوي عن الشيخ تقي الدين رحمه الله: "أنَّه في الإثبات لهما، وفي النهي لكلِّ منهما، بناء على أنَّه إذا نهي عن شيء نهي عن بعضه، والأمر به أمر بكلِّه في الكتاب والسنة والكلام، فإذا قيل- مثلاً- "انكح ابنة عمِّك"، كان المراد العقد والوطء، وإذا قيل "لا تنكحها" تناول كل واحد منهما" اهـ3. وظاهر هذا أنَّ النِّكاح حقيقة فيهما بالتواطؤ، وإنما بيَّن الفرق بين دلالة الإثبات والنهي، ويؤيِّده ما سبق عنه من أن النِّكاح لغة الضمُّ على أتِّم الوجوه في الأبدان والعقود"4. هذه أهم الأقوال في حقيقة النِّكاح لغة وشرعاً، ولا يخفى أنَّ مناقشة كلِّ قول منها وترجيح ما يقوى رجحانه منها بحث يطول بيانه. وكلُّ ما

_ 1 الإنصاف (8/ 5) ، المبدع (7/4) ، شرح منتهى الإرادات (3/ 2) ، الإفصاح لابن هبيرة (2/114) . 2 الإنصاف (8/5) ، شرح منتهى الإرادات (3/2) . 3 الإنصاف (8/6) . 4 انظر نصّ ما حكي عنه فيما سبق (ص 39) .

يمكن أن أقوله في خاتمة هذا المبحث أنَّ ورود النِّكاح في الشرع - أي في استعمال القرآن والسنة وعرف الصحابة- هو في جانب عقد التزويج أكثر وأشهر، وهذا وإن لم ينف حقيقة استعماله في الوطء- أو المعنى الأعمّ وهو الضم ونحوه، فهو أقوى أدلَّة حقائق معاني الألفاظ؛ إذ ليس هناك حجَّة أقوى من كثرة الاستعمال وشهرته في أحد المعنيين، وظهور النِّكاح مرادًا به عقد التزويج في القرآن والسنة وعرف الصحابة بل وحتى العرب قبل الإسلام هو بالمكان المعروف الذي لا يتوقف فهمه على قرينة. والله أعلم. وثمرة هذا البحث تظهر حين يرد النِّكاح في الشرع مطلقاً عن القرينة كقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} 1، فمن جعل النِّكاح حقيقة شرعية في التزويج لم يثبت التحريم بوطء الزنى، ومن جعله حقيقة في الوطء- حلالاً أم حراماً- أثبت به التحريم2. والذي لا ينبغي العدول عنه هو حمل "النِّكاح" في الشرع على التزويج عند الإطلاق إذ إنَّه إن لم يكن حقيقة فيه في أصل اللغة فهو حقيقته العرفية في الشرع، كما قاله ابن قدامة رحمه الله3. والله أعلم.

_ 1 سورة النساء – آية رقم: 22. 2 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/187) ، البحر الرائق (3/82) ، مغني المحتاج (3/123) ، الإنصاف (8/5) . 3 المغني (7/333) .

معنى النِّكاح في اصطلاح الفقهاء. وأمّا معنى النِّكاح في اصطلاح الفقهاء- أي في عرفهم عند الإطلاق- فهو عقد التزويج اتفاقاً وإن اختلفوا في تعريفه تبعاً لحقيقة المعقود عليه. أهو ملك منفعة الاستمتاع بالأنثى؟ أم إباحة الاستمتاع بها لزوجها؟ أم لكلِّ منهما بصاحبه؟ وهل ينعقد بكلِّ لفظ يفيد التمليك أو الحلّ أو لا ينعقد إلا بلفظ "الإنكاح" أو "التزويج"؟ مما هو معروف في محلِّه في الكلام على صيغة الإيجاب والقبول1. وخلاصة القول في معنى النِّكاح: أنَّه في عرف الفقهاء لا ينصرف -عند الإطلاق- إلا إلى التزويج. وأمَّا حقيقته في اللغة والشرع فقد اختلف فيها. أهو حقيقة في الوطء مجاز في التزويج؟ أم عكس هذا؟ أم حقيقة في كلٍّ منهما بحسب الاشتراك؟ أو التواطؤ؟، وإنَّما فصَّلت القول - فيما

_ 1 انظر تعريف النِّكاح في الاصطلاح وحقيقة المعقود عليه واللفظ المنعقد به في المراجع التالية: فتح القدير (3/186) ، تبيين الحقائق (2/95) البحر الرائق (3/83) . مغنى المحتاج (3/123) ، تحفة المحتاج (7/183) نهاية المحتاج (6/176) ، شرح حدود ابن عرفة (1/235) . كشاف القناع (5/6) ، شرح منتهى الإرادات (3/2) ، الإنصاف (8/6) .

سبق- في حقيقة النِّكاح في كلٍّ من اللغة والشرع؛ لأنَّ بعض العلماء لا يمانع في كون حقيقته لغة في الوطء دون التزويج. وإنَّما يقول: إنَّه على عكس ذلك في الشرع. فلهذا التفصيل جرى ما سبق من التقسيم. وقد سبق أنّ المختار من هذه الأقوال هو حمل النِّكاح - عند الإطلاق- في الشرع على التزويج خاصة؛ لكثرته وشهرته في هذا المعنى دون غيره. والله الموفِّق.

المبحث الثالث: مشروعية النكاح وحكمته

المبحث الثَّالث: مشروعية النِّكاح وحكمته أمَّا مشروعيَّة النِّكاح فهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أ- فأمَّا الكتاب فمنه: 1- قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} 1. 2- وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} 2. 3- وقوله تعالي:- في مقام الامتنان به على عبادة- {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} 3.

_ 1 سورة النساء – آية رقم:3. 2 سورة النور – آية رقم: 32- 33. 3 سورة الروم – الآية رقم 21.

ب- وأمَّا من السُّنَّة فمنها: 1- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معشر الشَّباب من استطاع منكم الباءة 1فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم فإنَّه له وجاء " 2. رواه الستة وغيرهم، واللفظ لمسلم3. 2- حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط4 إلى بيوت أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلما أُخْبِروا5 كأنَّهم تقالَّوها فقالوا: وأين نحن من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر. قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا

_ 1 الباءة: هي مؤن النِّكاح، أو الجماع، أو هما معاً. انظر تفصيل ذلك في فتح الباري (9/108-109) . 2 وجاء: أي قاطع للشهوة. انظر: النهاية في غريب الحديث (5/ 152) ، وفتح الباري (9/110) . 3 البخاري: النكاح. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "من استطاع منكم الباءة". (9/106 مع الفتح) . ومسلم أول كتاب النِّكاح) . (6/172) مع شرح النووي. وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (6/192) . 4 أي نفر، كما في الرِّواية الأخرى، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه يطلق على الجماعة من الثلاثة إلى ما دون العشرة. وقيل غير ذلك. وقيل خاص بجماعة الرِّجال دون النساء. انظر النهاية في غريب الحديث (2/283) ، وفتح الباري (9/104) . 5 بالبناء المجهول، أي من قبل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النِّسَاء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي". متفق عليه واللفظ للبخاري1. 3- حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التَّبتُّل2، ولو أذن له لاختصينا" متفق عليه3. 4- حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدُّنيا متاع، وخير متاع الدُّنيا المرأة الصالحة". رواه مسلم وغيره4.

_ 1 البخاري (9/104 مع الفتح) أول كتاب النِّكاح، وفي مواضع أخر من الصحيح. مسلم (9/175) شرح النووي) ، أوائل كتاب النِّكاح. وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (6/193) . 2 التبتل: هنا الانقطاع عن النِّكاح وما يتبعه من الملاذِّ إلى العبادة اهـ. (فتح الباري 9/118) . وانظر النهاية في غريب الحديث (1/94) . 3 البخاري (9/117 فتح الباري) . النِّكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء. مسلم: (9/176 شرح النووي) نكاح، باب استحباب النِّكاح لمن تاقت نفسه إليه ... ) . 4 مسلم (10/56 شرح النووي) الرضاع، باب استحباب نكاح البكر. النسائي (6/69 مع شرحي السيوطي والسندي) ، نكاح المرأة الصالحة. أحمد (2/168 المسند) .

5- حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تزوَّجوا الودود الولود فإنِّي مكاثر بكم الأمم". رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وغيرهم. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. وأقرَّه الذهبي1. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة. حـ- وأمّا ثبوت الإجماع على مشروعية النكاح فهو مما هو معلوم من الدِّين بالضَّرورة، ومثل هذا الإجماع لا يتوقَّف ثبوته على حكاية من حكاه. حكمة مشروعية النِّكاح: وأمَّا حكمة مشروعية النكاح فهي أجلُّ من الوصف، وأشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ففي مشروعيته حكم جليلة، وفوائد عظيمة،

_ 1 تخريجه: 1- أبو داود (6/47 عون المعبود) نكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النِّساء. 2- النسائي (6/ 65-66 السيوطي والسندي) نكاح، باب كراهة تزويج العقيم. 3- الحاكم (2/ 162) نكاح. 4- البيهقي (7/81) نكاح، باب استحباب التزوج بالودود الولود. وانظر بقية تخريجه في: التلخيص الحبير (3/133) ، وإرواء الغليل (6/195-196) .

ومقاصد سامية، وحسبه أن من تأمَّله وجده جامعاً لأسباب حفظ الدِّين والنَّفس والنَّسب والعرض. فأمَّا حفظ الدِّين: فإنَّ النكاح هو السبيل المشروع لوجود النَّسل الذي خلقه الله لعبادته؛ لذلك كان الصلاح في الدِّين أوَّل وأهمَّ ما يجب اعتباره في الخاطب والمخطوبة. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "عليك بذات الدِّين تربت يداك" 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" 2 وذلك حتى إذا تم العقد وكان اللِّقاء والذُرِّيَّة كانت ذريَّة طيِّبة صالحة تحفظ دين الله في خاصة نفسها، وتقوم على حفظه من أعدائه بالجهاد في سبيل الله، وتقوم على حفظه بين أهله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك تتحقَّق الكثرة المؤمنة التي يباهي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ 1 متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. انظر: ا- البخاري 9/132 فتح الباري) النكاح، باب الأكفاء في الدين. 2- مسلم (10/51 شرح النووي) الرضاع، استحباب نكاح ذات الدين. وأخرجه أيضاً عنه الأئمة: أحمد والدارمي والبيهقي والأربعة إلا الترمذي. وله شواهد كثيرة منها: حديث جابر عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي وغيرهم. انظر: إرواء الغليل (6/194-195) ، وتخريج سنن الدرامي (2/58) ، والترمذي مع التحفة (4/204-205) . 2 الترمذي (4/204 تحفة) . وسيأتي تمام تخريجه ص (259) إن شاء الله تعالى.

الأمم يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "تروجوا الودود الولود فإنِّي مكاثر بكم الأمم" 1. وأمَّا حفظ النفس: فإنَّ النِّكاح هو السبيل المشروع لوجود النفس واستمرار بقائها- بعد أن خلق الله تلك النفس من تراب، وخلق منها زوجها- وبسببه وجبت رعاية تلك النفس في صغرها حتى تستقلَّ بنفسها، وفيه دفع الضرر عن النفس بقضاء شهوة الزوجين بالوسيلة المشروعة، واستفراغ ما يضرُّ احتباسه في الجسم، وفيه إحصان لهما عن الزنى الموجب للحدِّ عليهما، وفيه أيضاً قيام الرجل على رعاية زوجه حفظاً وتوجيهاً وإنفاقاً، فإنَّ في المرأة ضعفاً جبلَّةً، تعجز عن الدِّفاع عن نفسها وهي محلَّ الطمع، وتعجز عن الكسب لنفسها فضلاً عن أولادها، ولكنَّ الله خلق فسوَّى، وقسم فعدل، فجعل لكلِّ منهما حقوقاً على الآخر يقوم بها بلا منِّ منه، ولكلٍّ منهما وظيفة تناسبه، تلك سنَّة الله في خلقه. وأمَّا حفظ النَّسب: فهو أظهر وأهمُّ مقاصد النكاح؛ إذ به تنظيم النَّسل وربطه بأصله وأواصر القربى التي هي أُنسه في هذه الحياة، ولو ترك اتصال الرجل بالمرأة مهملاً لما كان هناك فرق- بين أولاد الإنسان ونتاج البهائم- في الضياع وتفكُّك الروابط، فيوجد الولد مقطوع الصِّلة لا يعرف أبًا، وقد لا يعرف أمًّا، ولا قيمة لمعرفتهما- حينئذ- وإذا فقد

_ 1 تقدم تخريجه ص (53) .

المولود أباه وأمَّه، فقد أخاه وأخته، وعمَّه وعمَّته، وخاله وخالته، ونحوهم، فيحرم من تلك الأسماء والمسمَّيات التي يوحي له وجودها بالأُنس والسَّعادة، ويوحي له فقدانها بالوحشة والشقاوة، فللَّه ما أعظم فضله على بنى آدم.! وأمَّا حفظ العرض بالنِّكاح: فما إخاله يخفى على أحد، ففيه غضُّ البصر، وإحصان الفرج لكلِّ من الزوجين بالحلال الطيِّب عمَّا حرَّم الله، كما قال صلى الله عليه وسلم "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاء" 1 متفق عليه. وأنعِم بها من نعمة تحفظ البصر من التطلُّع لما لا يحلُّ له، وتحصن الفرج عن الوقوع فيما يقبح فعله! فكم من نظرة أسقطت مروءة صاحبها! وكم من فعلة بقيت عليه معرَّتها ونغَّصت عليه طيب الحياة ذكراها! تلك هي بعض حكم النِّكاح ومقاصده، وفي كلٍّ منها فوائد عظيمة، وأسرار شريفة، وغايات سامية، قلَّ من يحصيها عدًّا، أو يقابلها شكرًا، أو يُعْمِل فيها فكرًا وتدبُّرًا. لذلك أحاط الإسلام تلك العلاقة الشريفة بين الرجل والمرأة بالعناية والرِّعاية؛ لتقوم على أتمِّ الوجوه وأشرفها وأكملها في كلِّ مرحلة من مراحلها منذ أن تكون فكرة ثم اختيارًا فعقدًا واستمراراً، فللَّه الحمد والمنَّة.

_ 1 تقدم تخريجه ص (51) .

المبحث الرابع: مشروعية الولاية في النكاح وحكمتها

المبحث الرَّابع: مشروعية الوِلاية في النكاح وحكمتها. أمَّا مشروعيّة الولاية في النكاح فهي محلُّ بحثنا هذا، وهي في الجملة مما اتفق على مشروعيته، والخلاف إنَّما هو في وجوب بعض صورها، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وأمَّا حكمة مشروعيّة الولاية في النكاح فهي تنبع من أهمية النكاح نفسه، وما يترتَّب عليه من أثر في حياة الإنسان، فمشروعيتها من تمام عناية الإسلام بهذا العقد، وصيانته ورفع مكانته ورعاية مقاصده. ولذلك أصبحت أهمية الولاية في النكاح من المكان المعروف عند المسلمين في مختلف عصورهم، إدراكاً منهم لأهمِّيَّتها في حياتهم الاجتماعية، وتمسُّكاً بها في أكمل وأتم صورها، وعملاً بها، رضيه واختاره رجالها ونساؤها، سما بهم فوق مواطن الخلاف في تحتُّم بعض صورها إيمانًا منهم أنَّها إن لم تكن حتماً واجباً- في بعض صورها- فإنَّها شرف لمن تمسَّك بها، وأنَّ حفظ المكارم من نتائجها، وذلك موطن لا يناله محلُّ الخلاف ولا يرغب عنه ذوو الغيرة على أعراضهم وأنسابهم. وذلك أنَّ الموليَّ عليه في النكاح إمَّا أن يكون عاجزاً عن إدراك المصلحة لنفسه بنفسه، وعن درء المفسدة عنها، كالصِّغار والمجانين ذكوراً وإناثاً، فهؤلاء تكون الولاية عليهم في النِّكاح ضمن ولاية أعمَّ وأشمل لحفظ الأنفس والأموال ورعاية المصالح ودرء المفاسد، وكون تلك المسؤولية بيد أوليائهم فيها بالإضافة إلى وازع الشرع وازع الطبع والدافع

إلى الشفقة والحرص على القيام بشؤون ذوي القربى العاجزين، وتلك هي الرعاية الاجتماعية في أسمى مكانتها وأجلِّ وأكمل وصفها، وهذا مما لا خلاف فيه. وإمَّا أن يكون الموليُّ عليه في النكاح هو الأنثى مطلقًا، ففي الولاية عليها في النكاح رعاية لحقِّها، وصيانة لكمال أدبها وكرم حيائها، وإيصالها إلى مرادها على أتم وجه وأشرفه وأكمله، دون هضم لحقِّها في اختيار من ترضاه زوجاً لها- إن كانت قادرة على النظر وحسن الاختيار- ودون إهمال لها بتركها تضع يدها في يد من تهوى، في عقد جليل قدره، عظيم خطره، إن وقعت منها الزلَّة، ففي محلِّ لا تهون فيه الزلَّة، ولا تقتصر عليها فيه تلك المعرَّة، وهذا بخلاف ما إذا كان أمر نكاحها شورى بينها وبين أوليائها، بحيث يكون لرجالها فيه إبرام عقدته، ولها فيه إملاء شروطها حتى تطيب نفسها- بشرط ألاَّ تختار ما لا خيرة لها فيه مما يجب عليها وعلى وليَّها رعايته- وبهذا يكون لها غنم هذا العقد- وهو الغالب حين يقام على تقوى الله فكرةً واختياراً وعقداً- وأمَّا إن حصل غير ذلك بسبب أوليائها فاستدراك الضرر الحاصل منهم ليس كاستدراكه منها حين تتولاَّه بنفسها.

فهذه بعض محاسن الولاية في النكاح على النِّساء في أعزِّ وأكمل صورها، وكلُّها خير على النِّساء- كما سيأتي بيانها، إن شاء الله تعالى- فليست هذه الولاية ولاية قهر وإذلال، ولا استغلال لحياء الكريمات من النِّساء اللاتي يعزُّ عليهنَّ إبداء رغبتهنَّ في الأزواج، كما يصوِّره من قصر نظره أو ساءت نيَّته، وإنّما هو حفظ للحقوق وصيانة للأعراض وتمسُّك بالفضيلة في أجمل وأزهى صورها وأرفع وأسمى معانيها. والله الموفق وهو المستعان.

الفصل الثاني: الولاية في النكاح على الحرة المكلفة

الفصل الثاني: الولاية في النكاح على الحرّة المكلفة المبحث الأوَّل: تمهيد في بيان أسباب ثبوت الولاية على النفس عموماً إنَّ القول في حكم الولاية في النكاح يقتضي معرفة الأسباب الموجبة للولاية على النَّفس عموماً، وقد اتضح لي من خلال ممارستي هذا البحث أنَّها تنقسم بالنسبة لعقد النكاح إلى قسمين: الأول منها: ما يخصّ الأنثى في النكاح، بسبب وصف الأنوثة عند جمهور العلماء، فبه تثبت الولاية في النكاح على الإناث دون الرِّجال. والثَّاني منها: أسباب عامَّة، لا تختصّ بباب النكاح، بل يشاركه غيره من العقود وهي: عدم أو نقصان أهليَّة الشخص للتصرف بسبب صغره أو جنونه أو رقِّه، أو الحجر عليه لسفه- عند من قال بالحجر على السفيه في ماله-، وواضح من هذه الأسباب استواء الذكور فيها والإناث. لذلك رأيت أن أفرد كلَّ سبب من تلك الأسباب بفصل مستقلٍّ، استكمالاً لمباحثه، وإيضاحاً لمحلِّ الاتفاق والخلاف في كل سبب، بادئاً بالسبب الأوَّل منها وهو: ما تتميَّز به الأنثى في هذا الباب عن الرجل، وأعني به الولاية في النكاح على الحرة المكلَّفة الرَّشيدة، ثم سأتبعه بعون الله تعالى بالأسباب الأخر العامَّة التي لا تختصّ بباب النكاح ولا بالإناث، دون الذكور.

وإنّما أردت البدء ببيان حكم الولاية في النكاح على الحرة المكلَّفة لما يلي: أولاً: لأنَّ الولاية في النكاح- عند الإطلاق- لا تنصرف إلا إلى الولاية على الأنثى؛ لعدم القول بالولاية على الرجل في النِّكاح. ثانياً: أنَّ الأسباب الموجبة للولاية في النِّكاح على الذكر والأنثى لا تختص بباب النِّكاح، بل هي في سائر العقود، ولذلك فسيكون بحث هذا النوع من الولاية في الفصول! التالية لهذا الفصل- إن شاء الله تعالى-. ثالثاً: أهميَّة الولاية في النِّكاح على الحرة المكلَّفة؛ إذ هي محلُّ الخلاف، وهي الصورة الغالبة الوقوع في النِّكاح لأنَّه إنَّما يتمُّ- غالباً- بين رجل وامرأة حرَّينٌ مكلَّفين، وما سوى ذلك من تزويج الصِّغار والمجانين فقليل أو نادر، وأقلُّ منه تزويج المحجور عليهم لسفهٍ؛ للخلاف في الحجر على السفيه، وقلَّة وقوع الحجر على البالغين المكلَّفين من قبل الأولياء أو الحكَّام. وأمَّا الأرقاء فلا وجود لهم في هذا الزَّمن- بالمعنى المعروف- فتزويجهم في حكم المعدوم. لذلك رأيت أن تكون الولاية في الزَّواج على الحرَّة المكلَّفة أول فصول هذه الرسالة- بعد ما سبق من التمهيد- ومن الله أستمد العون والتوفيق.

المبحث الثاني: بيان المذاهب وأدلتها في حكم الولاية في النكاح على الحرة المكلفة

المبحث الثَّاني: بيان المذاهب وأدلَّتها في حكم الولاية في النِّكاح على الحرَّة المكلَّفة قبل الشروع في بيان مذاهب الفقهاء في حكم الولاية في النكاح على الحرة المكلَّفة، ينبغي أن نعلم أنَّة لا خلاف بين أهل العلم جميعاً في مشروعيَّة الولاية عليها في النكاح؛ ليكون تزويجها بيد وليِّها، وهو الأقرب من عصباتها أو من يقوم مقامه- كما سيأتي إن شاء الله تعالى-. ولا خلاف بينهم أيضاً أنَّ الأجدر بكرامة المرأة وكمال حشمتها وأدبها أن لا تباشر هذا العقد بنفسها- سواء كان لها أو لغيرها- لتنأى بنفسها عن مواطن الرِّيب، ولتصون عرضها عمَّا يشعر بوقاحتها أو ظهور ميلها إلى الرجال، وإنَّما الخلاف في صحة مباشرتها لهذا العقد، وفي كونه حقّاً من حقوق وليِّها، وإليك بيان مذاهب الفقهاء في ذلك إجمالاً سيتبعه التفصيل والبيان بحول الله وقوته. أ- ذكر المذاهب -إجمالاً-: إنَّ مذاهب الفقهاء في هذه المسألة يمكن حصرها- بالتتبع- في سبعة مذاهب هي: المذهب الأول: اشتراط1 الولاية عليها في النِّكاح.

_ 1 التعبير بالشرط أو عدمه هنا هو اصطلاح الحنفية، والحنابلة. أما اصطلاح المالكية، والشافعية، فهو التعبير عنه بالركن. وهذا اصطلاح لفظي، وقد سايرت في هذه الرسالة الاصطلاح الأول؛ إذ إن المقصود به هنا وما سيأتي: هو بيان ما يتوقف عليه صحة نكاح المرأة مطلقاً سواء سمَّيناه ركناً أم شرطاً. انظر في هذا الاصطلاح: فتح القدير لابن الهمام الحنفي (3/255) ، وكشاف القناع لمنصور البهوتي الحنبلي (5/48) ومواهب الجليل للحطاب المالكي على مختصر خليل (3/19) ، وروضة الطالبين للنووي الشافعي (7/50) . وانظر للجميع: الفقه على المذاهب الأربعة (4/46) لعبد الرحمن الجزيري.

المذهب الثَّاني: أنَّ الولاية في النِّكاح ليست بشرط وإنَّما هي مستحبة. المذهب الثَّالث: التفصيل، باعتبار كفاءة الزَّوج أو عدم كفاءته؛ فإن كان كفؤاً لها صحَّ نكاحها بدون وليّ، ولا اعتراض لوليِّها عليها، وإن لم يكن كفؤاً لها فلا يصحّ إنكاحها نفسها منه أصلاً. المذهب الرَّابع: انعقاد نكاحها بدون وليّ موقوفاً على إجازة الوليّ، سواء كان الزوج كفؤاً لها أم غير كفء. المذهب الخامس: التفريق بين من أذن لها وليُّها في نكاحها، وبين من لم يأذن لها، فإن أذن لها قبل العقد صحّ إنكاحها نفسها، وإن لم يأذن لها لم يصح. المذهب السَّادس: التفريق بين البكر والثيِّب، فإن كانت بكراً فلا نكاح لها إلا بوليّ، وإن كانت ثيباً جاز لها أن تولِّي أمرها رجلاً من المسلمين ولا تعقده بنفسها.

المذهب السَّابع: التفريق بين المرأة الشريفة والدنيئة، فإن كانت شريفة فلا يصح نكاحها بدون وليّ، وإن كانت دنيئة وليس لها وليّ خاص1 مجبر جاز لها أن تجعل أمر نكاحها إلى رجل من المسلمين فيزوِّجها بالولاية العامَّة ولا تباشر النِّكاح بنفسها. ومن هذا العرض الموجز لمذاهب الفقهاء في هذه المسألة، يتضح أن مردَّها إلى ثلاثة مذاهب: المذهب الأوَّل: اشتراط الولاية في النِّكاح مطلقاً -أي على الحرة المكلَّفة-. المذهب الثَّاني: عدم اشتراطه مطلقاً. المذهب الثَّالث: التفصيل: إمَّا باعتبار أحوال المرأة من بكارة أو ثيوبة، ومن شرف أو دناءة. أو باعتبار إذن الوليّ للمرأة، سواء كان الإذن لها سابقاً للعقد أو لاحقاً له.

_ 1 الوليّ الخاص: هو العصبة نسباً أو ولاءً والسلطان ونحوهم، وهو - عندهم- يقابل الوليّ العام وهو من يستحق الولاية بالإسلام وحده. والمجبر: يقابل غير المجبر، والمراد بالوليِّ الخاص المجبر هنا: هو الأب في ابنته البكر أو الصغيرة مطلقاً، وكذلك وصيُّه، وهو اصطلاح للمالكية. انظر: قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 222) ، والخرشي مع العدوي (3/182) .

أو باعتبار أحوال الزوج من كفاءة أو عدمها. وإليك بيان هذه المذاهب وأدلتها بالتفصيل- ما أمكن- وسيكون بحثها على النحو التالي: 1- تحرير كلّ مذهب مع عزوه لقائله. 2- أدلَّة قائله ومناقشة كلِّ دليل منها. 3- ثم بيان ما يظهر رجحانه في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. ب- تفصيل المذاهب وأدلَّتها: المذهب الأوَّل: أنَّ الولاية شرط في نكاحها. وعلى هذا فإن مباشرة عقد نكاحها حقٌّ من حقوق وليِّها، فلا تلي نكاح نفسها ولا نكاح غيرها، ولا عبارة لها في النِّكاح مطلقًا، وإن عقدته فهو باطل، وكذلك إن عقده لها أجنبيُّ عنها بدون إذن وليِّها. وإلى هذا المذهب ذهب جمهور أهل العلم، وهو المعتمد عند المالكية والشافعية والحنابلة. قال ابن المنذر: "روى هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشَّافعي، وعبيد الله

ابن الحسن- العنبري- وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد"1اهـ. وقال أيضاً: "إنَّه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك"2. أدلَّة اشتراط الولاية في النِّكاح: استدلَّ من اشترط الولاية في نكاح المرأة المكلَّفة بالكتاب والسنة والآثار والمعقول. وإليك بيان ذلك ما أمكن. أ- الأدلَّة من القرآن الكريم: الدَّليل الأول: قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} 3. ففي هذه الآية الكريمة نهي لأولياء النِّساء عن عضلهنّ ضراراً لهن حين تنقضي عدتهنّ ممن كانوا أزواجاً لهنّ، وحصلت بينهم بينونة بفسخ أو طلاق فرغبن في الرجعة إليهم بعقد جديد، وذلك في قوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} ؛ إذ لو كان أمر النِّساء إليهن في النِّكاح لما خاطب الله به أولياءهن

_ 1 الإشراف على مذاهب العلماء (4/33) . 2 انظر: فتح الباري (9/187) ، وانظر في هذا المذهب أيضاً: جامع الترمذي (4/232- 235 مع التحفة) ، وأحكام القرآن للقرطبي (3/ 72) ، وبداية المجتهد (2/7) ، وقوانين الأحكام لابن جزي (221-222) ، والمغني لابن قدامة (7/337) ، وتكملة المجموع الثانية (16/149) . 3 سورة البقرة – من آية رقم: 232.

دونهن، ونهاهم عن الإضرار بهنّ إذا رغبن في نكاح أزواجهنَّ؛ فإن من كان أمره بيده لا يقال إنَّ غيره منعه منه؛ إذ لا معنى لمنع غيره له. قال الشافعيَّ رحمه الله: "هذه الآية أبين آية في كتاب الله عزَّ وجلَّ دلالة على أن ليس للمرأة الحرة أن تنكح نفسها (1") والدَّليل على أنَّ الخطاب في قوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} لأولياء النِّساء خاصَّة هو ما صحَّ في سبب نزول هذه الآية الكريمة كما أفاض في ذلك أئمة المفسرين كابن جرير الطبري، وابن العربي والقرطبي وغيرهم. قال ابن جرير- رحمه الله-: "ذكر أنَّ هذه الآية نزلت في رجل كانت له أخت كان زوجها ابن عمٍّ لها فطلَّقها وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدَّتها، ثم خطبها فأبى أن يزوِّجها إيَّاه، ومنعها منه وهي فيه راغبة، ثم اختلف أهل التأويل في الرَّجل الذي كان فعل ذلك فنزلت فيه هذه الآية. فقال بعضهم: كان ذلك الرجل معقل بن يسار المزني- ثم ساق ابن جرير بأسانيده بطرق شتى وألفاظ متقاربة إلى معقل بن يسار رضي الله عنه ما يدلُّ على ذلك، ومنها قول معقل بن يسار: "كانت لي أخت تخطب، وأمنعها الناس، حتى خطب إليَّ ابن عمٍّ لي فأنكحتها فاصطحبا ما شاء الله، ثم إنه طلَّقها طلاقاً له فيه رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدَّتها، ثم خطبت إليَّ فأتاني يخطبها مع الخُطَّاب فقلت له: خطبت اليَّ فمنعتها

_ 1 الأم (5/166) .

الناس فآثرتك بها، ثم طلَّقت طلاقاً لك فيه رجعة، فلما خطبت إليَّ أتيتني تخطبها مع الخُطَّاب، والله لا أنكحها1 أبداً، قال: ففيَّ نزلت هذه الآية {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: فكفَّرت عن يميني وأنكحتها إيَّاه2 وقال ابن جرير أيضاً: "وقال آخرون: كان ذلك الرجل جابر بن عبد الله الأنصاري، وساق بسنده عن السُّدِّيّ قال: نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عمٍّ فطلَّقها زوجها تطليقة فانقضت عدّتها ثم رجع يريد رجعتها، فأمَّا جابر فقال: طلقت ابنة عمِّنا ثم تريد أن تنكحها الثَّانية وكانت المرأة تريد زوجها قد راضته فنزلت هذه الآية3. وقال آخرون: "نزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل مضارَّة وليَّته من النِّساء بعضلها عن النِّكاح، ثم ذكر من قال ذلك4 ثم قال ابن جرير: "والصَّواب من القول في هذه الآية أن يقال: إنَّ الله تعالى ذكره أنزلها دلالة على تحريمه على أولياء النِّساء مضارَّة من كانوا له أولياء من النِّساء بعضلهنَّ عمَّن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهنَّ

_ 1 أي لا أنكحها إيَّاك. 2 تفسير ابن جرير (2/297) وانظر بقية طرقه فيه، وتخريجه الآتي (140-141) 3 تفسير ابن جرير (2/298) . 4 تفسير ابن جرير (2/298) ، وانظر من روي عنه ذلك.

فبنَّ منهنَّ1 بما تبين به المرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح. وقد يجوز أن تكون نزلت في أمر معقل بن يسار وأخته، أو في جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمِّه، وأيُّ ذلك كان، فالآية دالَّة على ما ذكرت، ويعنى بقوله: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} لا تضيِّقوا عليهن بمنعكم إيَّاهن من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارَّتهنَّ. انتهى المقصود من كلام ابن جرير رحمه الله مختصرًا2. مناقشة وجهة الاستدلال بهذه الآية على اشتراط الولاية في النِّكاح. وقد أورِد على وجهة الاستدلال بهذه الآية الكريمة لإثبات الولاية في النِّكاح جملة اعتراضات أهمُّها: أوَّلاً: منع أن يكون الخطاب في قوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} خطاباً للأولياء، بل هو خطاب للأزواج المطلِّقين. ثانياً: إنَّه على فرض التسليم بكون الخطاب للأولياء فليس في نهي الأولياء عن العضل دليل على إثبات حقٍّ لهم فيما نُهوا عنه.

_ 1 كذا في الأصل، ولعلّ الأظهر أن يقال: "فبنَّ منهم". 2 ابن جرير الطبري (2/299) ، وانظر في تفسير هذه الآية وسبب نزولها ما يلي: تفسير أحكام القرآن لابن العربي (1/201) ، تفسير القرطبي (3/158) ، تفسير ابن كثير (1/282) . وانظر تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية لمحمد علي بن حسين المالكي (3/171)

فأمَّا القول بأنَّه خطاب للأزواج المطلِّقين فقد اختاره الفخر الرازي وأيَّده بقوله: "إنَّ قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ} جملة واحدة مركَّبة من شرط وجزاء، فالشرط قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} والجزاء قوله: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} ولا شكَّ أنَّ الشرط وهو قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} خطاب للأزواج، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} خطاباً معهم أيضاً؛ إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية: إذا طلقتم النِّساء أيها الأزواج فلا تعضلوهنَّ أيُّها الأولياء، وحينئذ لا يكون بين الشرط والجزاء مناسبة أصلاً، وذلك يوجب تفكُّك نظم الكلام، وتنزيه كلام الله عن مثله واجب، فهذا كلام قويٌّ متين في تقرير هذا القول، ثمَّ إنَّه يتأكَّد بوجهين آخرين: الأول: أنَّ من أوَّل آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كلُّه مع الأزواج، والبتَّة ما جرى للأولياء ذكر، فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم. والثَّاني: ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفيَّة معاملتهم مع النِّساء قبل انقضاء العدَّة، فإذا جعلنا هذه الآية خطاباً لهم في كيفيَّة معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدَّة كان الكلام منتظماً والترتيب

مستقيمًا، أمَّا إذا جعلناه للأولياء لم يحصل فيه هذا الترتيب الحسن اللطيف، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى"1. وأجيب عما ذهب إليه الفخر الرازي بما يلي: أوَّلاً: إنَّ خير ما يعين على تفسير الآية وبيان معناها هو سبب نزولها، وقد صحَّ أنَّها نازلة في الأولياء، وإذا ثبت ذلك ثبت دخول السبب في الحكم الذي قررته الآية 2. ثانياً: إنَّه على القول بأنَّ المقصود بالآية عضل الأزواج، فهذا لا يخلو من أن يكون قبل انقضاء العدَّة أو بعدها، فإن كان قبلها فيكون معنى قوله تعالى: {فبلغن أجلهنَّ} أي شارفن العدَّة، ولمَّا تنقضِ بعدُ، وهذا المعنى لا تحتمله الآية ولا سياقها كما قرَّره الفخر الرازي نفسه؛ لأنَّ المرأة المشارفة بلوغ الأجل ولم تبلغه لا يحلُّ لها أن تنكح، فهي ممنوعة من النِّكاح بآخر العِدَّة كما كانت ممنوعة بأوِّلها، والله يقول: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} 3. ومما يدلُّ أيضاً على أنَّ المراد ببلوغ الأجل في هذه الآية انقضاء العدَّة هو ما قبلها، كما قال الشافعي رحمه الله: "دلَّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين"، وقول الشافعي هذا ذكره الفخر الرازي نفسه

_ 1 التفسير الكبير للفخر الرازي (6/112) . 2 انظر سبل السلام (3/120) . 3 انظر: الأم للشافعي (5/166) .

وبيَّنه بقوله: "إنَّ الله تعالى قال في الآية السابقة: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} 1، ولو كانت عِدَّتها قد انقضت لما قال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ؛ لأنَّ إمساكها بعد انقضاء عِدَّتها لا يجوز، ولما قال: {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف} ، لأنَّها بعد انقضاء العِدَّة تكون مسرَّحة فلا حاجة إلى تسريحها، وأمَّا هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزويج بالأزواج، وهذا النهي إنَّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوَّج فيه بالأزواج، وذلك إنَّما يكون بعد انقضاء العدَّة، فهذا هو المراد من قول الشافعي- رضي الله عنه- دلَّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين" 2 اهـ. وأمَّا إن كان المراد ببلوغ الأجل بعد انقضاء العِدِّة فلا سبيل للزوج عليها حينئذ حتى يعضلها3. ثالثاً: وأمَّا مرجع الضمير الذي هو عمدة الفخر الرازي فيما ذهب إليه فيمكن أن يجاب عنه بما قاله الآلوسي- رحمه الله - في تفسيره حيث قال- بعد ذكر سبب نزول الآية-: "وعليه يحمل الأزواج على الذين كانوا أزواجاً، وخطاب التطليق حينئذ إمَّا أن يتوجَّه لما توجَّه له هذا الخطاب ويكون نسبة التطليق إلى الأولياء باعتبار التسبّب كما ينبئ عنه

_ 1 سورة البقرة- آية رقم: 231. 2 التفسير الكبير للرازي (6/114) . 3: انظر: الأم للشافعي (5/166) .

التصدِّي للعضل، وإمَّا أن يبقى على ظاهره للأزواج المطلِّقين، ويتحمَّل تشتيت الضمائر اتكالاً على ظهور المعنى، وقيل- واختارَه الزمخشري- إنه لجميع النَّاس، ويتناول عضل الأزواج والأولياء جميعاً، ويسلم من انتشار ضميري الخطاب والتفريق بين الإسنادين مع المطابقة لسبب النزول، وفيه تهويل أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء ألا يحوموا حوله، وحق النَّاس كافة أن ينصروا المظلوم، وجعل بعضهم الخطابات السابقة كذلك وذكر أن المباشرة لتوقفها على الشروط العقليَّة والشرعيِّة توزَّعت بحسبها، كما إذا قيل لجماعة متعددة أو غير محصورة: أدوا الزكاة، وزوِّجوا الأكفاء، وامنعوا الظلمة، كان الكل مخاطبين، والتوزع على ما مرَّ1. اهـ. وأمَّا الاعتراض الثَّاني: وهو: أته على فرض التسليم بكون الخطاب للأولياء فليس فيه دليل على إثبات حقٍّ لهم فيما نُهوا عنه، كما قال ابن رشد: "إنَّه ليس في الآية إلا نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النِّكاح، وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازاً، بل قد يفهم منه ضدُّ هذا، وهو أنَّ الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم" اهـ2. وقال أبو بكر الجصَّاص أيضاً: "فإن قيل: لولا أنَّ الولي يملك منعها عن النِّكاح لما نهاه عنه، كما لا ينهى الأجنبي الذي لا ولاية له، قيل له:

_ 1 روح المعاني للآلوسي (2/144-145) . 2 بداية المجتهد لابن رشد (2/8) .

هذا غلط؛ لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما نهي عنه، فكيف يستدلّ به على إثبات الحق، وأيضاً فإن الوليّ يمكنه أن يمنعها من الخروج والمراسلة في عقد النِّكاح، فجائز أن يكون النهي عن العضل منصرفاً إلى هذا الضرب من المنع لأنَّها في الأغلب تكون في يد الولي، بحيث يمكنه منعها من ذلك. ووجه آخر في دلالة الآية على ما ذكرنا وهو أنَّه لما كان الولي منهيًّا عن العضل إذا زوَّجت نفسها فلا حقَّ له في ذلك، كما لو نهى عن الربا والعقود الفاسدة لم يكن له حقٌّ فيما قد نهي عنه، فلم يكن له فسخه؟. انتهى المقصود من كلامه1. فأمَّا قول ابن رشد: فقد تعقَّبه الأمير الصنعاني في سبل السلام بقوله: "قد فهم السلف شرط إذنهم في عصره صلى الله عليه وسلم، وبادر من نزلت فيه الآية إلى التكفير عن يمينه والعقد، ولو كان لا سبيل إلى الأولياء لأبان الله غاية البيان، بل كرَّر تعالى كون الأمر للأولياء في عِدَّة آيات، ولم يأت حرف واحد أنَّ للمرأة إنكاح نفسها، ودلَّت الآية أيضاً "على أن نسبة النِّكاح إليهن في مثل قوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} مرادًا به الإنكاح بعقد الوليّ؛ إذ لو فهم صلى الله عليه وسلم أنَّها تنكح نفسها لأمرها بعد نزول الآية بذلك، ولأبان لأخيها أنَّه لا ولاية له، ولم يبح له الحنث في يمينه والتكفير2 اهـ.

_ 1 أحكام القرآن للجصاص (1/400) . 2 سبل السلام (3/120) .

وأمَّا ما قاله أبو بكر الجصَّاص وغيره فجوابه: أنَّ كلَّ هذه الإيرادات والتساؤلات يجيب عنها سبب النزول المبيِّن للمراد من العضل المنهي عنه؛ إذ ليس المقصود به نهي أولياء النِّساء عن منعهن مطلقاً ليتركن وشأنهن في مباشرة أنكحتهن بأنفسهن، أو تفويضها إلى غير أوليائهنَّ، وإنَّما المقصود به نهيهم عن منعهم لهنَّ ضراراً وظلماً لمن يلون أمرهنَّ، وهذا القدر من المنع لا حقَّ لهم فيه؛ إذ إنَّ للوليّ ولاية نظر ومصلحة للمرأة، فإذا خرج عن ذلك صار جائراً ظالماً، ولا حقّ له في جبرها على ما يريد ظلماً وعدواناً، فإن الله سائل كلَّ شخص عمَّا استرعاه الله عليه. والله أعلم. ولعلَّ أبا بكر الجصَّاص قد بنى تلك التساؤلات على القول بضعف سبب النزول فحمل العضل على مطلق المنع، فإنَّه أشار إلى ذلك بقوله: "وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل لما في سنده1 من الرَّجل المجهول الذي روى عنه سماك2.

_ 1 لم يذكر إسناده كاملاً، وإنَّما قال: واحتج من خالف في ذلك بحديث شريك، عن سماك، عن ابن أبي أخي معقل بن يسار عن معقل. اهـ. (1/402 أحكام القرآن للجصاص) . 2 سماك (هو ابن حرب) كما وقع صريحاً عند الطحاوي (3/111 معاني الآثار) ، وعنده أيضًا (ابن أخي معقل) بدل (ابن أبي أخي معقل) ، وما في معاني الآثار هو الصحيح - فيما يظهر لي- والله أعلم. قال ابن حجر: (سماك- بكسر أوله وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يلقن، من (الطبقة) الرَّابعة، مات سنة ثلاث وعشرين (أي بعد المائة) ، روى له البخاري تعليقاً ومسلم في الصحيح والأربعة. (1/332 من التقريب) . وانظر: تهذيب التهذيب (4/232-234) .

وحديث الحسن1 مرسل، ولو ثبت لم ينف دلالة الآية على جواز عقدها، من قبل أنَّ معقلاً فعل ذلك فنهاه الله عنه، فبطل حقُّه في العضل" اهـ2. ولكن صحَّة حديث سبب النزول- عن معقل خاصة- ثابتة، ولا معنى لإطالة البحث في إثبات صحته، وخاصة بعد تخريج الإمام البخاري له في الصحيح، ومن رغب المزيد فلينظر ما قرَّره الحافظ ابن حجر في إسناده وأحكامه في (فتح الباري) 3. والله أعلم. وخلاصة القول في الاستدلال بالآية الكريمة على اشتراط الولاية في النِّكاح إنَّما يتمُّ على النحو التالي: أوَّلاً: أنَّ المراد بقوله تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُن} هو المعنى الحقيقيُّ لبلوغ الأجل، وهو انقضاء العِِدَّة وسقوط حقِّ الزوج في الرجعة بدون

_ 1 الحسن، هو البصري – وسيأتي تخريج حديثه هذا في الاستدلال بالسنة (ص140-141) . 2 أحكام القرآن للجصاص (1/402) . 3 فتح الباري (9/186-187) .

عقد- كما قال الشافعي: "دلَّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين"1 وهذا المعنى يكاد يكون إجماعًا من المفسِّرين. ثانياً: أنَّ المخاطب بقوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُن} هم أولياء النِّساء، وحجتهم في ذلك سبب نزول الآية، وحجة من منع مراعاة نظم الكلام. ثالثاً: أنَّ المراد بالأزواج في قوله تعالى: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ} هم الذين قد كنَّ في عصمتهم من قبل، فحصلت بينهم بينونة بطلاق دون الثلاث أو نحوه من الفسوخ، كما في سبب النزول، إلا أن هذا لا يمنع شمول النهي عن عضلهنَّ عن الأزواج مطلقاً، من كانوا لهنَّ أزواجاً أو من سيكونون. والله أعلم. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} 2. فهذا خطاب لأولياء النِّساء بألاّ يُنْكحوهنَّ المشركين حتى يؤمنوا، ولو كان أمر النِّساء في النِّكاح إليهنَّ لما خاطب الله به أولياءهن دونهنَّ، وكذلك لو كان للمرأة أن تنكح نفسها لما كانت الآية دالَّة على منعها من تزويج نفسها بمشرك؛ لأنَّها لم تنه عن ذلك، وإنَّما نهي الأولياء، ونكاح المسلمة للمشرك غير جائز بالإجماع.

_ 1 التفسير الكبير للرازي (6/114) وقد تقدم بيانه ص (73-74) . 2 سورة البقرة-آية رقم: 221.

بل قد حكى القرطبي وغيره أنَّ هذه الآية دليل بالنصِّ على أن "لا نكاح إلا بولي"1. وقال ابن العربي: "وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة"2. وعقَّب صاحب3 تهذيب الفروق على قول ابن العربي هذا بقوله: "ولعلَّ وجهه أنَّ كونه خطاباً للأولياء أظهر من كونه خطاباً لأولي الأمر لوجهين: الأوَّل: أنَّ وليَّ الأمر من جملة الأولياء؛ إذ السلطان وليُّ من لا وليَّ له، فلا وجه لتخصيصه. الثَّاني: أنَّ الضرر بزواج غير الأكفاء إنَّما يتعدَّى بالعار والفضيحة الشنعاء للأولياء لا لوليِّ الأمر منهم، فهم أحقُّ بخطاب الإرشاد منه فافهم"4. وقال الصنعاني في سبل السلام- مستدلاًّ لاشتراط الولاية في النِّكاح: "ويدلُّ له قوله: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ} فإنَّه خطاب للأولياء بأن

_ 1 تفسير القرطبي (3/72) ، وانظر: تفسير ابن عطية (2/178) . 2 أحكام القرآن لابن العربي (1/158) . 3 هو: محمد علي بن الحسين بن إبراهيم المالكي، فقيه، من فضلاء الحجاز، مغربي الأصل.. من كتبه: تهذيب الفروق اختصر به فروق القرافي.. توفي سنة 1367 هـ. الأعلام (7/197-198) ، وعنه معجم المؤلفين (10/318) . 4 تهذيب الفروق (3/171) .

لا يُنكِحوا المسلمات المشركين. ولو فرض أنَّه يجوز لها إنكاح نفسها لما كانت الآية دالَّة على تحريم ذلك عليهنّ؛ لأنَّ القائل بأنَّها تنكح نفسها يقول بأنَّه ينكحها وليُّها أيضاً، فيلزم أنَّ الآية لم تف بالدَّلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات؛ لأنَّها إنما دلَّت على نهي الأولياء عن إنكاح المشركين لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم. وقد علم تحريم نكاح المشركين المسلمات، فالأمر للأولياء دالٌّ على أنَّه ليس للمرأة ولاية في النِّكاح. اهـ1. مناقشة وجهة الاستدلال بهذه الآية: وقد أطال ابن رشد -في بداية المجتهد- الكلام على هذه الآية مانعاً صحَّة الاستدلال بها على اشتراط الولاية في النِّكاح فقال: "قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} هو أن يكون خطاباً لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطاباً للأولياء، وبالجملة فهو متردِّد بين أن يكون خطابًا للأولياء أو لأولي الأمر، فمن احتجَّ بهذه الآية فعليه البيان أنَّه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الأمر، فإن قيل: إنَّ هذا عامٌّ، والعامُّ يشمل ذوي الأمر والأولياء قيل: إنَّ هذا الخطاب إنَّما هو خطاب بالمنع، والمنع بالشرع، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مأموراً بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصَّة في الإذن، أصله الأجنبي. ولو قلنا إنَّه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحَّة

_ 1 سبل السلام (3/120) .

النِّكاح لكان مجملاً لا يصحُّ به عمل؛ لأنَّه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة" اهـ1. وقد تعقَّبه الأمير الصنعاني- في سبل السلام- فقال: "ولقد تكلَّم صاحب نهاية2 المجتهد بكلام في غاية السقوط فقال: الآية متردِّدة بين أن تكون خطاباً للأولياء أو لأولي الأمر. والجواب: أن الأظهر: أنَّ الآية خطاب لكافَّة المؤمنين المكلَّفين الذين خوطبوا بصدرها، أعنى قوله: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ} ، والمراد: لا ينكحهنَّ من إليه الإنكاح وهم الأولياء، أو خطاب للأولياء ومنهم الأمراء عند فقدهم أو عضلهم لما عرفت من قوله: "فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له" فبطل قوله "إنَّه متردِّد بين خطاب الأولياء وأولي الأمر". وقوله: "قلنا: هذا الخطاب إنَّما هو خطاب بالمنع بالشرع". قلنا: نعم. قوله: "والخطاب بالشَّرع يستوي فيه الأولياء وغيرهم"، قلنا: هذا كلام في غاية السقوط؛ فإنَّ المنع بالشرع هنا للأولياء الذين يتولَّون العقد إمَّا جوازاً، كما تقول الحنفية، أو شرطاً كما يقول غيرهم، فالأجنبي

_ 1 بداية المجتهد (2/8) . 2 يلاحظ أنَّ تمام اسم الكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، ففي التعبير ب "نهاية المجتهد" تجوُّز.

بمعزل عن المنع؛ لأنَّه لا ولاية له على بنات زيد مثلاً، فما معنى نهيه عن شيء ليس من تكليفه، فهذا تكليف يخصُّ الأولياء، فهو كمنع الغنيّ من السؤال، ومنع النِّساء من التبرج، فالتكاليف الشرعية منها ما يخص الذكور ومنها ما يخصُّ الإناث، ومنها ما يخصّ بعض الفريقين أو فرد منهما، ومنها ما يعمُّ الفريقين. وإن أراد أنَّه يجب على الأجنبيِّ الإنكار على من يزوِّج مسلمة بمشرك فخروج من البحث. وقوله: "ولو قلنا: إنَّه خطاب للأولياء لكان مجملاً لا يصحُّ به عمل. جوابه: أنَّه ليس بمجمل؛ إذ الأولياء معروفون في زمان من أنزلت عليهم الآية وقد كان معروفاً عندهم، ألا ترى إلى قول عائشة "يخطب الرَّجل إلى الرَّجل وليَّته" فإنَّه دالٌّ على أن الأولياء معروفون. وكذلك قول أمِّ سلمة له صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد من أوليائي حاضراً"1. الدليل الثَّالث: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 2فالخطاب في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا} هو لأولياء النِّساء، ودلالته على اشتراط الولاية في النِّكاح من عِدَّة أوجه:

_ 1 سبل السلام (3/121) . 2 سورة النور – آية رقم: 32.

منها: أنَّ هذا خطاب للرِّجال دون النِّساء 1. ومنها: أنَّ الله خاطبهم بصيغة الأمر الدَّالة على الوجوب فدلَّ على أنّهم هم المكلَّفون بتزويجهم2. ومنها: أنَّ الله أمرهم بإنكاح نسائهم كما أمرهم بإنكاح عبيدهم وإمائهم، مما يدلُّ على أن إنكاح الحرائر إلى الأولياء، وأنَّ إنكاح الأرقاء إلى أسيادهم، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فخاطب الله الرجال بإنكاح الأيامى كما خاطبهم بتزويج الرقيق"3. هذه خلاصة وجهة الاستدلال بهذه الآية على اشتراط الولاية على المرأة في النِّكاح، وقد قيل في هذه الآية غير ذلك مما يخرجها عن الاستدلال بها لهذه المسألة. فقيل إنَّ الخطاب في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا} هو للأزواج، فلا يكون فيها دليل لاعتبار الوليّ في النكاح ولا نفيه. ورُدَّ هذا بأن الهمزة في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا} للقطع، ولو كانت للأزواج لكانت الألف للوصل4.

_ 1 انظر: الأحكام لابن العربي (3/ 1376) ، والقرطبي (12/ 239) ، والمحلى لابن حزم (9/451) ، وتهذيب الفروق لمحمد علي المالكي (3/ 171) . (1) انظر نفس المصادر السابقة. 3 الفتاوى (32/132) . 4 الأحكام لابن العربي (3/1376) ، والقرطبي (12/239) .

وقيل أيضاً: إنَّه خطاب لجميع الأمَّة للتعاون على تيسير أسباب الزِّواج لطالبيه، وليس المراد بالإنكاح في الآية إجراء عقد الزواج1. ولكن لا يخفى أنَّ ظاهر الخطاب للأولياء خاصَّة بدءاً من التَّمهيد له وتيسير أسبابه وانتهاءً بإجراء عقدته، وأمَّا غيرهم من الأجانب فأيُّ سبيل لهم إلى تزويج بنات أو إماءٍ أو عبيد زيد مثلاً؟ كما تقدم. والله أعلم. الدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} 2. قال الفخر الرازي: "للشافعيّ أن يتمسَّك بهذه الآية في بيان أنَّه لا يجوز النِّكاح إلا بوليِّ؛ وذلك لأنَّ جمهور المفسرين أجمعوا على أنَّ المراد من قوله {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وهو إمَّا الزَّوْجُ وإمَّا الوليّ، وبطل حمله على الزوج لما بيَّنا3 أن الزوج لا قدرة له البتَّة على عقدة النِّكاح، فوجب حمله على الوليّ" اهـ4.

_ 1 روح المعاني للآلوسي (18/148) ، وتفسير أحكام القرآن للصابوني (2/184-185) . 2 سورة البقرة- آية رقم: 237. 3 انظر ما قبل هذا النص من (6/142-144) من تفسيره. 4 التفسير الكبير للفخر الرازي (14416) .

وقال ابن العربي رحمه الله: "والذي تحقَّق عندي بعد البحث والسَّبر أنَّ الأظهر هو الوليّ لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الله تعالى قال في أول الآية {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنّ} إلى قوله: {وقد فرضتم لهنَّ فريضة فنصف ما فرضتم} فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} فذكر النِّسوان1 {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} فهذا ثالث، فلا يُرَدُّ إلى الزَّوج المتقدِّم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الوليّ، فلا يجوز بعد هذا إسقاط التقدير بجعل الثلاثة اثنين من غير ضرورة. الثَّاني: أنَّ الله تعالى قال: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ولا إشكال في أنَّ الزَّوج بيده عقدة النِّكاح لنفسه، والوليّ بيده عقدة النِّكاح لوليَّته، على القول بأنَّ الذي يباشر العقد الوليّ، فهذه المسألة هي أصول العفو مع أبي حنيفة، وقد بيَّناها – قبل - وشرحناها في مسائل الخلاف. فقد ثبت بهذا أن الوليّ بيده عقدة النِّكاح، فهو المراد؛ لأن الزوجين يتراضيان فلا ينعقد لهما أمر إلا بالوليِّ، بخلاف سائر العقود، فإنَّ المتعاقدين يستقلاَّن بعقدهما. الثَّالث: إنّ ما قلناه أنظم في الكلام، وأقرب إلى المرام؛ لأن الله تعالى قال: {إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ} ، ومعلوم أنَّه ليس كلُّ امرأة تعفو؛ فإنَّ الصغيرة أو المحجورة لا عفو لها، فبيَّن الله تعالى، وقال: {إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ} إن كنَّ

_ 1 كذا بالأصل (1/221 منه) .

لذلك أهلاً، أو يعفو الذي بيده عقدة النِّكاح، لأنَّ الأمر فيه إليه". انتهى المقصود من كلامه1. وهو كلام طويل محقَّق؛ فإنَّه مع طوله عبارة عن خلاصة2 وافية لما قاله ابن جرير وغيره مع زيادة البيان والتحرير في عرض وجهة كلا الفريقين، فأجاد وأفاد في عرضها ونقاشها، وفيما اختاره قوَّة لا تخفى. وقد نقل القرافي خلاصة كلام ابن العربي على هذه الآية في كتابه (الفروق) ، وتابعه صاحب التهذيب، وفيهما من الزيادة والبيان ما يغني عن غيرهما3. وممن اختار هذا القول من المفسرين الفخر الرازي4. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: "والقرآن يدلُّ على صحَّة هذا القول، وليس الصداق كسائر مالها؛ فإنَّه وجب في الأصل نحلة، وبضعها عاد إليها من غير نقص"5.

_ 1 أحكام القرآن لابن العربي (1/221) . 2 انظر ما قبل هذا الكلام وما بعده _1/219-222 منه) . 3 الفروق (3/138-140) ، وتهذيبها (3/173-174) . 4 التفسير الكبير للفخر الرازي (6/144، وانظر: 142-144 (منه) وانظر في تفسير هذه الآية أيضاً: تفسير ابن جرير الطبري (2/335-340) ، ابن كثير (1/289) ، فتح القدير للشوكاني (1/ 254) ، أحكام القرآن للجصاص (1/439-442) ، روح المعاني للآلوسي (2/154-155) . 5 الفتاوى لابن تيمية (32/26) .

وإذا صحَّ القول بأنَّ المراد بـ {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح} هو الوليّ كانت هذه الآية أصرح دليل من القرآن على اشتراط الولاية في النِّكاح؛ لأنَّ من كان بيده الأمر كان الأمر إليه لا إلى غيره. والله أعلم. الدَّليل الخامس: قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن} 1 ففي ما ذكره الله - عزَّ وجلَّ - في هذه الآية الكريمة من تزويج صالح مدين ابنته لموسى- عليه السلام - دليل على أنَّ الأمر في النِّكاح إلى الأولياء من الرِّجال، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت دليل على نسخه في شرعنا، فكيف به إذا جاء في شرعنا ما يؤيِّده؛ بل إنَّ في هذه الآية دليلاً واضحاً على أنَّ الولاية في النِّكاح سنَّة الأنبياء والصَّالحين قبل بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. وما أحسن قول ابن العربي - رحمه الله - عند تفسيره هذه الآية الكريمة! حيث قال: "قال علماؤنا في هذه الآية دليل على أن النِّكاح إلى الوليّ، لا حظَّ للمرأة فيه؛ لأنَّ صالح مدين تولاَّه، وبه قال فقهاء الأمصار، وقال أبو حنيفة: لا يفتقر النِّكاح إلى وليٍّ، وعجباً له! متى رأى امرأة قط عقدت نكاح نفسها"2.

_ 1 سورة القصص- آية رقم: 27. 2 أحكام القرآن لابن العربي (3/1476) .

ثم ذكر بعد ذلك أدلَّة الولاية في النِّكاح من السنّة1. ب- أدلَّة اشتراط الولاية في النِّكاح من السنَّة. وأمَّا أدلة اشتراط الولاية في النِّكاح من السنَّة النبويَّة، فهي أظهر وأشهر، بل هي العمدة في هذه المسألة عند كثير ممن ذهب إلى اشتراط الولاية في النكاح، ومنها: الحديث الأَّول: ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بوليِّ". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطيالسي، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي وابن حِبَّان، والدرا قطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم2.

_ 1 نفس المصدر، وانظر القرطبي (13/271) . فائدة: "قال القرطبي- تبعًا لابن العربي-: قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} الآية فيه عرض الولي ابنته على الرجل. وهذه سنة قائمة، وعرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل. وعرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنته حفصة على أبي بكر، وعثمان - رضي الله عنهم-، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداءً بالسلف الصالح." القرطبي (13/ 271) ، ونحوه ابن العربي (3/1467) . 2 تخريجه: ا- أحمد (16/155 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب "لا نكاح إلا بولي" 2- أبو داود (6/102 عون المعبود) نكاح، باب في الولي. 3- الترمذي (4/226-227 تحفة) نكاح، باب ما جاء في الولي. تنبيه: "قد وقع في هذه النسخة غلط ظاهر، وقد نبَّه عليه صاحب التحفة في مقدمتها حيث وقع في رواية شعبة، والثوري "أبو موسى" بدل "أبي بردة". فليلاحظ انظر: المقدمة (2/184- 185) . 4- ابن ماجه (1/605) نكاح، باب "لا نكاح إلا بولي" 5- الطيالسي (1/305 منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، للساعاتي. نكاح، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" وما جاء في العضل. 6- الدارمي (2/ 61 ومعه تخريج الدارمي للسيد عبد الله هاشم اليماني) نكاح، باب النهي عن النكاح بغير ولي. 7- ابن الجارود (235 ومعه تيسير الفتاح الودود في تخريج المنتقي لابن الجارود) نكاح. 8- الطحاوي، شرح معاني الآثار (3/8-10) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 9- ابن حبان (ص 305 موارد الظمآن، باب ما جاء في الولي والشهود) . 10- الدارقطني (3/219-220 ومعه التعليق المغني على الدارقطني) نكاح. 11- الحاكم، المستدرك (2/169-172 ومعه تلخيص الذهبي) نكاح. 12- البيهقي، السنن الكبرى (7/107 ومعه الجوهر النقي) نكاح، باب "لا نكاح إلا بولي" وانظر لمزيد التخريج الكتب التالية: نصب الراية للزيلعي (3/183-184) ، والتلخيص الحبير لابن حجر (3/179) ، وفيض القدير للمناوي (6/437-438) - إرواء الغليل للألباني (6/236-238) . تنبيه: على كنيتين مشهورتين مشتركتين مرَّ ذكر أصحابهما في هذا التخريج: الأولى: أبو داود: هي كنية سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني الثقة الحافظ صاحب السنن. انظر ترجمته في: التقريب (1/32) ، وتهذيب التهذيب (4/169-173) . وهي المقصودة عند الإطلاق. وهي كنية: سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند وقد التزمت بالتعبير عنه بالطيالسي؛ لأنه الأشهر. انظر: التقريب (1/323) ، وتهذيب التهذيب (4/182-186) ، ويلاحظ اتفاقهما في الاسم أيضاً. الثانية: ابن الجارود: وهي كنية الطيالسي هذا المتقدم. وكنية: عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري، صاحب المنتقى. وهو المقصود بهذه الكنية هنا. وانظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (3/ 794-795) ، والأعلام (4/241) ، ومعجم المؤلفين (6/87) .

وهذا الحديث مع شواهده أقوى حجَّة لاشتراط الولاية في صحَّة نكاح المرأة؛ إذ هو صريح في نفي النكاح بدون وليّ. والأصل في النفي شرعاً أن يتَّجه إلى الحقيقة الشرعية، فيكون النِّكاح بدون ولي باطلاً لا وجود له شرعاً، كما هو صريح حديث عائشة - رضي الله عنها- الآتي: قال الشوكاني: "قوله: "لا نكاح إلا بوليّ"، هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعيَّة؛ لأنَّ الذات الموجودة – أعني صورة العقد بدون وليًّ- ليست بشرعية، أو يتوجَّه إلى الصِّحَّة التي هي أقرب المجازين إلى الذَّات، فيكون النِّكاح بغير وليّ باطلاً كما هو مصرَّح به في حديث عائشة رضي الله عنها" اهـ1

_ 1 نيل الأوطار (6/135) . وانظر فيض القدير (6/437) ، وتكملة المجموع الثانية (16/149) ، وكشاف القناع (/48) .

وهذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم، كما قال الترمذي- رحمه الله -: "والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بوليٍّ " عند أهل العلم من أصحاب صلى الله عليه وسلم، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم. وهكذا روى عن بعض التابعين أنَّهم قالوا: "لا نكاح إلا بوليٍّ"، منهم: سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري، والأوزاعي، وما لك وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) 1 اهـ. وتقدم قول ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك2. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وقد أُورد على هذا الحديث من جهة إسناده ودلالته على اشتراط الولاية جملة اعتراضات:

_ 1 جامع الترمذي مع التحفة (4/232-234) ، وانظر القرطبي (3/73) . 2 تقدم ص (68) . وقد أكثر شراح الحديث من الاستشهاد به، منهم الصنعاني في سبل السلام (3/117) ، والشوكاني في نيل الأوطار (6/136) .

أمَّا الاعتراض على صحَّة إسناده، فقالوا: إنَّ هذا الحديث مضطرب الإسناد بين الرفع والإرسال، والوصل والانقطاع1. فقد رواه إسرائيل 2عن أبي إسحاق3، عن أبي بُرْدة4، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أي متصلاً مرفوعًا.

_ 1 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/259) وسيأتي تفصيله. 2 هو: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، من (الطبقة) السابعة، مات سنة ستين، وقيل بعدها (أي بعد المائة والستين) ، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (1/ 64) ، وانظر: تهذيب التهذيب (1/ 261-263) . 3 هو جدّ إسرائيل: وهو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السَّبِيعي- بفتح المهملة، وكسر الموحدة- مكثر، ثقة، عابد، من (الطبقة) الثالثة، اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (2/73) ، وانظر: تهذيب التهذيب (8/ 63-67) . 4 أبو بردة: هو: ابن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه عامر، وقيل الحارث، ثقة، من (الطبقة) الثالثة، مات سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (2/ 394) ، وانظر: تهذيب التهذيب (12/18-19) .

ورواه شعبة1، وسفيان الثوري2، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أي: مرسلاً؛ لأنَّ أبا بردة لم ير النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا اضطراب في إسناده بين الرفع والإرسال، ويلزم تقديم رواية شعبة وسفيان الثوري المرسلة، وترجيحها علي رواية إسرائيل المتصلة المرفوعة؛ لأنَّ كلاً من شعبة وسفيان الثوري أحفظ وأتقن للحديث من إسرائيل، بل كلُّ واحد منهما حجَّة على إسرائيل إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعا؟! فيكون هذا الحديث إذاً مرسلاً، ويلزم من لم يحتجّ بالمرسل

_ 1 هو: شعبة بن الحجاج بن الورد العتكيّ مولاهم أبو بِسْطام - بكسر فسكون، كما في الحاشية- الواسطي، ثم البصري، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتَّش بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنة وكان عابداً، من (الطبقة) السابعة- مات سنة ستين (أي بعد المائة) ، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (1/ 351) ، وانظر: تهذيب التهذيب (4/338-346) . 2 هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، عابد، إمام حجّة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربَّما دلَّس، مات سنة إحدى وستين (أي بعد المائة) وله أربع وستون. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (1/311) ، وانظر: تهذيب التهذيب (4/111-115) .

- ومنهم الذين اشترطوا الولاية في النِّكاح- عدم الاحتجاج به بناء على أصلهم وهو ردّ الاحتجاج بالمرسل1. وأمَّا اضطرابه بين الوصل والانقطاع: فقد رواه أسباط بن محمد2، وزيد بن حُباب3، عن يونس بن أبي إسحاق4، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

_ 1 انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (3/8-9) ، وعقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة 00. (1/148) وفتح القدير لابن الهمام (3/259) . 2 هو أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم، أبو محمد، ثقة ضعف في الثوري، من (الطبقة) التاسعة مات سنة مائتين. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (1/53) ، وانظر تهذيب التهذيب (1/211-212) . 3 هو: زيد بن الحُباب- بضم المهملة وموحدتين- أبو الحسين العُكْلي- بضم المهملة وسكون الكاف- أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فاكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من (الطبقة) التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين، روى له مسلم والأربعة. التقريب (1/273) ، وانظر تهذيب التهذيب (3/402-404) . 4 هو: يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلاً، من (الطبقة) الخامسة مات سنة اثنتين وخمسين (أي بعد المائة) على الصحيح، روي له مسلم والأربعة. والبخاري في جزء القراءة. التقريب (2/348) ، وانظر تهذيب التهذيب (11/433-434) .

وروى أبو عبيدة الحدَّاد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق".اهـ1. قال ابن الهمام: "فقد اضطرب في وصله وانقطاعه (2") . مشيراً إلى عدم ذكر أبي إسحاق في سند أبي عبيدة الحداد. صحة حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - "لا نكاح إلا بوليٍّ": والذي أختاره هو ثبوت صحَّة هذا الحديث متَّصلاً مرفوعاً، كما حكم له الأئمة بذلك من أوجه عدَّة مبسوطة في كتب الحديث وعلومه، يتعذَّر استيفاؤها في مثل البحوث الفقهية، ولكن لمَّا كان الاستدلال بالحديث فرعاً عن صحته لزم ذكر ما لا بدَّ من ذكره لبيان صحة هذا الحديث الذي عليه مدار إثبات الولاية في النِّكاح، وإليك بيان تلك الأوجه إجمالاً. أولاً: تصحيح الأئمة لهذا الحديث متَّصلاً مرفوعاً، فقد بسط القول في ذلك جمع من الأئمة، وحكموا له بالصحَّة، كالحاكم في (مستدركه،)

_ 1 كذا عن الترمذي في الإسنادين (4/230 مع التحفة) . 2 فتح القدير لابن الهمام (3/259) ، وفي هذه الصفحة منه تصحيف وسقط فيما نقله عن الترمذي من الإسنادين السابقين، وبعض السقط قد يكون اختصاراً، ولكنه موهم، لذلك اعتمدت نقل الإسنادين من الترمذي كما في التعليق السابق.

والبيهقي في (سننه الكبرى) ، وابن القيم في (تهذيب السنن) إلا أنني سأقتصر على ذكر خلاصة ما قاله ابن القيم- رحمه الله- طلباً للاختصار ما أمكن- فقال رحمه الله: "والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجوه عديدة: أحدها: تصحيح من تقدَّم1 من الأئمة له وحكمهم لروايته بالصحَّة، كالبخاري وعلي بن المديني، والترمذي، وبعدهم الحاكم، وابن حِبَّان، وابن خزيمة. الثَّاني: ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحاق. وهذه شهادة الأئمة له، وإن كان شعبة والثوري أجلّ منه، لكنه لحديث أبي إسحاق أتقن وبه أعرف2.

_ 1 ذكرهم بالتفصيل قبل هذا (3/29-31 تهذيب السنن) . وذكرهم هنا إجمالاً. 2 قال أخوه عيسى بن يونس: إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ الرجل السورة من القرآن (البيهقي 7/108) . وفي رواية: كما يحفظ سورة الحمد (الدارقطني 3/ 220) ، والحاكم (2/170) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري- يعني في أبي إسحاق (البيهقي 7/108) . وقال: وما فاتني ما فاتني من حديث سفيان عن أبي إسحاق إلا أنني كنت أتكل عليها من قبل إسرائيل (البيهقي 7/108) ، الدارقطني (3/ 220) ، الترمذي (4/ 231 تحفة) . وقيل له في هذا الحديث: إنَّ شعبة وسفيان يوقفانه على أبي بردة فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحبُّ اليّ من شعبة وسفيان (الدارقطني 3/ 220) ، (هو القول الأول عنه) . وقيل لشعبة: حدثنا حديث أبي إسحاق قال: سلوا عنها إسرائيل فانه أثبت فيها منِّي. (7/108) . وكان إذا سئل والده يونس بن أبي إسحاق عن حديث أبيه يقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل فهو أروى عنه منِّي وأتقن لها منِّي. (تهذيب التهذيب1/262) وانظر: جميع ما تقدم وغيرها في تهذيب التهذيب (1/261-263) .

الثَّالث: متابعة من وافق إسرائيل على وصله كشريك 1، ويونس بن أبى إسحاق، قال عثمان الدَّارمي2: سألت يحيى بن معين: شريك أحبُّ إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ فقال: شريك أحبُّ إليَّ وهو أقدم، وإسرائيل صدوق، قلت: يونس بن أبي إسحاق أحبُّ إليك أو إسرائيل؟ فقال: كلٌّ ثقة3.

_ 1 هو: شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع، من (الطبقة) الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين (أي بعد المائة) ، روى له مسلم والأربعة والبخاري تعليقاً. التقريب (1/351) ، وانظر: تهذيب التهذيب (4/333-337) . 2 هو عثمان بن سعيد الدَّارمي، وانظر قوله هذا مسنداً في سنن البيهقي (7/108) . 3 وممن تابع إسرائيل على وصله أيضاً: أبو عوانه، وزهير بن معاوية، وقيس بن الربيع، كما في الترمذي (4/229 تحفة) .- واعترض الطحاوي على متابعة أبي عوانة، وقال: إنَّها راجعة إلى طريق إسرائيل محتجًّا برواية معلَّى بن منصور الرَّازي. شرح معاني الآثار (3/9) ، والبيهقي (7/107) . ولكن يلاحظ أنَّ غير معلَّى قد صرَّح بسماع أبي عوانة من أبي إسحاق. والله أعلم.

الرَّابع: ما ذكره الترمذي، وهو أنَّ سماع الذين وصلوه عن أبي إسحاق كان في أوقات مختلفة، وشعبة والثوري سمعاه في مجلس واحد1. الخامس: أنَّ وصله زيادة ثقة ليس دون من أرسله، والزيادة إذا كان هذا حالها فهي مقبولة، كما أشار إليه2 البخاري - رحمه الله3 -. والله أعلم. انتهى خلاصة كلام ابن القيم رحمه الله في ترجيح رواية إسرائيل المتَّصلة المرفوعة على رواية شعبة وسفيان الثوري المرسلة. وقد رواه بعض4 أصحاب شعبة وسفيان عنهما مرفوعاً، ولكن العمدة في رفع هذا الحديث على رواية إسرائيل ومن تابعه. ثانياً: يلاحظ أنَّ الطَّعن في هذا الحديث بالإرسال مبنيٌّ على ردّ الاحتجاج بالمرسل، والخلاف فيه مشهور؛ في قبوله مطلقاً، أو ردِّه

_ 1 انظر قول الترمذي هذا في جامعه (4/230-231 تحفة) . 2 ذكرها فيما تقدم (3/30 حاشية معالم السنن) ، وانظره مسندًا في البيهقي (7/108) . 3 تهذيب السنن لابن القيم (3/ 31 حاشية معالم السنن) وحاشية عون المعبود (6/104) . 4 انظر: المستدرك للحاكم (2/169-170) ، البيهقي (7/109) ، والمحلى (9/429) .

مطلقاً، أو قبوله بشروط، وهو الصحيح1. وهذا الحديث لو لم يثبت رفعه لكان أسعد المراسيل بالقبول عند من يقبله مطلقاً أو بشروط، فالحجَّة به قائمة على من يحتج بالمرسل، وهم الحنفية الذين طعنوا في هذا الحديث بالإرسال، وما ذلك إلا إلزامًا لمن لا يحتجُّ به بما هو مقرَّر في مذهبه كما صرَّح بذلك الطحاوي وابن الهمام من الحنفية2، وذلك هو الشأن- غالباً- في مواطن الخلاف كما قاله ابن عبد البر - رحمه الله- في كتابه (التمهيد) بعد أن قرَّر أنَّ مذهب المالكية والحنفية صحَّة الاحتجاج بالمرسل3 - قال: ثم إنِّي تأمَّلت كتب المتناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحداً منهم يقنع من خصمه إذا احتجَّ عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبراً مقطوعاً، وكلُّهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال

_ 1 انظر: جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل ابن كيكلدي العلائي (27 وما بعده، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي) . وتيسير مصطلح الحديث للطحان (71- 72) . 2 قال الطحاوي: ولا أعدُّ مثل هذا (أي الإرسال في حديث أبي موسى هذا) - طعناً ولكن أردت بيان ظلم هذا المحتج وإلزامه من حجَّة نفسه ما ذكرت (3/10 شرح معاني الآثار) . وقال ابن الهمام: (ولا يخفى أن هذا الكلام إلزاميٌّ أمَّا على رأينا فلا يضر الإرسال (3/259 فتح القدير) . 3 انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (1/ 1-6) .

في الأخبار والله المستعان، وإنَّما ذلك لأنّ التنازع إنَّما يكون بين من يقبل المرسل وبين من لا يقبله، فإن احتجّ به من يقبله على من لا يقبله قال له: هات حجّة غيره، فإنَّ الكلام بيني وبينك في أصل هذا ونحن لا نقبله، وإن احتجَّ به من لا يقبله على من يقبله كان من حجته عليه كيف تحتجّ عليّ بما ليس فيه حجَّة عندك ونحو هذا 00) 1. ثالثاً: وأمَّا الانقطاع الذي أشار إليه ابن الهمام في رواية أبي عبيدة2 الحدَّاد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى - رضي

_ 1 التمهيد لابن عبد البر (1/ 7) . 2 هو: عبد الواحد بن واصل، السَّدوسي مولاهم، أبو عبيدة، الحدَّاد، البصري، نزيل بغداد، ثقة، تكلم فيه الأزدي بغير حجَّة، من (الطبقة) التاسعة، مات سنة خمسين ومائة (كذا) ورمز لكون حديثه في البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي (التقريب (1/526) . وفي ميزان الاعتدال للذهبي: مات سنة تسع عشرة ومائة وأشار محققه إلى أن هذا في بعض النسخ دون بعض (2/677) وفي تهذيب التهذيب: سنة تسعين ومائة (6/440) . وهذا هو الأقرب للصواب وهو الموافق لما في الخلاصة للخزرجي (247) وكذلك هو في معجم المؤلفين لرضا كحالة (6/214) . وإن كان كل ذلك يخالف اصطلاح ابن حجر في التقريب فإنه يشير بالطبقة التاسعة وما بعدها لمن كانت وفاتهم بعد المائتين. ولكنه ذكر أيضاً أنَّ ما خرج عن هذه القاعدة يصرِّح بذكر وفاته كما في مقدمة التقريب (1/6) . (ويلاحظ) أيضاً وقوع تصحيف في الصفحة المشار إليها من التقريب في اسم أبي المترجم له فوقع واصلة) بالتاء المربوطة بدل (واصل) ، وهو تصحيف لا شك فيه.

الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم- أي بدون ذكر أبي إسحاق بين يونس وأبي بُرْدة فالجواب عنه: 1- أنَّ أبا عبيدة الحدَّاد رواه عن شيخيه: إسرائيل ويونس، فرواه عن إسرائيل متصلاً. ورواه أيضاً: عن يونس، عن أبي بُرْدة- أي بدون -- ذكر أبي إسحاق- وهو أيضاً متصل؛ لأنَّ يونس لقي أبا بردة كما قاله أبو داود1. فلا يضرُّه سقوط أبي إسحاق، بل إنَّ كلاًّ من يونس وأبيه - أي أبي إسحاق- قد روياه عن أبي بردة. 2- أنَّ غير أبي عبيدة الحدَّاد قد رواه متَّصلاً بدون إسقاط أبي إسحاق كما قال الترمذي: رواه أسباط بن محمد، وزيد بن حباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم2. 3- أنَّ الحديث ثابت ومتَّصل من طريق إسرائيل بدون خلاف، وهو حجّة في حديث جدِّه أبي إسحاق- كما تقدم. وكما قال الحاكم - رحمه الله -: فأمَّا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الثقة الحجَّة في حديث جدِّه أبي إسحاق فلم يختلف عنه في وصل هذا الحديث3.

_ 1 أبو داود (6/130 مع عون المعبود) . 2 الترمذي (4/230 مع التحفة) . 3 المستدرك للحاكم (2/170) .

وقال أيضاً: ثم لم يختلف على يونس في وصل هذا الحديث؛ ففيه الدَّليل الواضح أنَّ الخلاف الذي وقع على أبيه فيه من جهة أصحابه لا من جهة أبي إسحاق، والله أعلم. انتهى1. رابعاً: أن لهذا الحديث شواهد أخر كما قاله الترمذي2، والحاكم 3 وغيرهما، بل إنَّه قد عُدَّ من الأحاديث المتواترة- أي الذي تواتر معناها- فقد نظمه الكتانيّ في كتابه (نظم المتناثر من الأحاديث المتواتر) فقال: "حديث لا نكاح إلا بولي" أورده في الأزهار4 من حديث أبي موسى، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعائشة، وعمران بن حصين سبعة أنفس. قلت- (أي الكتاني) - ذكره ابن حجر في أماليه5 من حديث أبي موسى، ثم قال: قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وعمران بن حصين، وأنس، وكذا قال الحاكم وزاد: عن علي، ومعاذ، وابن مسعود، والمقداد، والمسور6، وجابر، وابن عمر، وابن عمرو، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأطنب الحاكم في تخريجه، ووقفت من المذكورين في كلامه على حديث علي، وابن مسعود،

_ 1 المصدر السابق (2/172) . 2 انظر: الترمذي مع التحفة (4/327) . 3 المستدرك (2/172) . 4 أي: كتاب الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة للسيوطي. انظر: مقدمة نظم المتناثر من الأحاديث المتواتر (ص 4) . 5 أي كتاب الأمالي لابن حجر. 6 وقع هنا: المستورد، ولكن في مستدرك الحاكم (المسور بن مخرمه) . كما أثبته هنا.

وجابر، وابن عمر، وأمَّا بقيَّة من ذكرهم فلم أقف عليه اهـ. ملخصاً من الأمالي المذكورة. وفي تخريج أحاديث الرافعي1 قال الحاكم: وقد صحَّت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، قال: وفي الباب عن علي، وابن عباس، ثم سرد تمام ثلاثين2

_ 1 هو كتاب "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"، للحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو تخريج على كتاب "فتح العزيز" المسمى بالشرح الكبير لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي. (انظر مقدمة التلخيص الحبير 1/5) . 2 كذا نقل الكتاني هنا عن التلخيص الحبير، وهو كذلك في التلخيص الحبير (3/179) . وتابع ابن حجر على هذا كثير من شراح الحديث وأصحاب التخريج كالشوكاني في نيل الأوطار (6/135) ، والأمير الصنعاني في سبل السلام (3/117) ، وشمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني (3/ 220) . والسيد عبد الله هاشم اليماني في تخريجه على سنن الدارمي (2/61) ، وفي تخريجه على المنتقى لابن الجارود أيضاً (ص 235) ، وأحمد الساعاتي في شرح الفتح الرباني (16/155. ولكن يلاحظ أنَّ الموجود في مستدرك الحاكم إنَّما هو ثلاثة عشر صحابياً. ثم قال بعد ذلك: وقد صحَّت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وأم سلمة وزينب بنت جحش" اهـ. فإذا أضفنا أمَّهات المؤمنين الثلاث إلى ما تقدم أصبح المجموع ستة عشر صحابياً. (انظر المستدرك 2/ 172) . وهذا يدل على وهم في النقل عن المستدرك أو سقط فيه. وقد كنت مرجحاً الثاني على الأول لكثرة الناقلين عن المستدرك وجلالتهم حتى التقيت بأخي الفاضل "الشيخ مفلح بن سليمان الرشيدي"، فأخبرني أنَّه يُعدُّ بحثًا خاصاً في تحقيق حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" فأبديت له شدَّة رغبتي في اطلاعي عليه فلبَّى طلبي مشكوراً فوجدته قد جزم بأنَّ الخطأ من النقل عن المستدرك، ورجَّح أن يكون ذلك من بعض نساخ "التلخيص الحبير" لا من الحافظ ابن حجر، وأن بقيَّة الناقلين قلَّدوا ما في التلخيص ثقة بالحافظ ابن حجر رحمه الله، ويدل على صحة ما في المستدرك الموجود الآن، نقل الزيلعي عنه في نصب الراية (3/184) ، ويدل على أنّ الحافظ ابن حجر لم يهم ما نقله الكتّاني هنا عنه من الأمالي لابن حجر (97 نظم المتناثر من الحديث المتواتر) . والله أعلم.

صحابياً، وقد جمع طرقه الدمياطي1 من المتأخرين اهـ. وفي الجمع2 ممن خرَّجه سمرة بن جندب، وممن صرَّح بأنَّه متواتر الشيخ عبد الرؤوف3 المناوي اهـ. نصاً من نظم المتناثر في الحديث المتواتر4. ومن هذا نعلم أنَّ هذا الحديث قد تعدَّدت طرقه واشتهر ذكره وجرى عليه العمل، فالطعن فيه ببعض العلل الواردة على حديث أبي موسى - رغم أنَّ لكلٍّ منها جواباً- لا يمكن أن تقدح في ثبوت هذا الحديث وصحته، ولولا الإطالة لذكرت بقية شواهده المرفوعة عن بقيَّة – الصحابة بلفظ "لا نكاح إلا بولي"، ولكن فيما ذكرت كفاية، ومن أراد المزيد ففي الإشارة إلى المراجع في ثنايا بحث هذا الحديث غنى وزيادة. والله الموفِّق.

_ 1 لم أقف عليه. 2 هو جمع الجوامع أو "الجامع الكبير" للسيوطي. وهو في مكتبة الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية تحت رقم (63 و 213) . 3 انظر: فيض القدير للمناوي (6/437) ، ولكنه نقل التواتر هنا عن "المصنف" أي السيوطي. (96-97) .

مناقشة حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" من جهة دلالته على اشتراط الولاية في النِّكاح. قد سبق أنَّ حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" قد ثبتت صحته، وأنَّ الحجَّة به قائمة عند من لا يحتجُّ بالمرسل؛ لثبوته مرفوعاً متصلاً، وعلى من يحتجّ بالمرسل من باب أولى- كالحنفيَّة الذين أعلُّوه بالإرسال إلزاماً لمن لا يحتجُّ بالمرسل- فما سبب عدم التسليم بدلالته على اشتراط الولاية في النكاح؟. لقد أجاب عن ذلك من لا يشترط الولاية في النكاح بعدَّة أجوبة، أهمها أمران: الأمر الأوَّل: أنَّ المنفيَّ في حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" هو الكمال والاستحباب؛ إذ لا خلاف عندهم أنَّه يندب للمرأة أن لا تباشر عقدة النكاح بنفسها، لئلاَّ تنسب إلى الوقاحة، ولكن ذلك لا يمنع صحَّته منها إذا وقع. وأمَّا الأمر الثَّاني: فهو أنَّ لفظ "الوليّ" مجمل؛ يحتمل ما قاله من اشترط الولاية في النكاح، ويحتمل غيره، ومع هذا الاحتمال فلا يجوز حمله على بعضها دون بعض إلا بدليل. فأمَّا سبب حمله على نفي الكمال والاستحباب فذلك لمعارضته

لأحاديث أخرى، مثل حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"1 وحديث أمِّ سلمة - رضي الله عنها - في زواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي سلمة فخطبني إلى نفسي، فقلت يا رسول الله: إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهداً، فقال: "إنَّه ليس منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك". قالت: قم يا عمر فزوِّج النبي صلى الله عليه وسلّم2. وذلك إمَّا لترجيح هذين الحديثين ونحوهما لصحَّتهما - عندهم- خاصَّة حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ لا خلاف في صحَّته. وإمَّا جمعًا بين هذه الأحاديث، وحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" وما في معناه3. وقد أجيب عن ذلك بأنَّ حمل النفي على الكمال والاستحباب خلاف الأصل في النصوص الشرعيَّه؛ إذ الأصل فيها نفي الحقيقة الشَّرعية؛

_ 1 شرح معاني الآثار للطحاوي (3/11) ، وسيأتي تخريجه كاملاً ص (167) . 2 شرح معاني الآثار للطحاوي (3/11-12) . 3 المصدر السابق نفسه (3/13) ، وفتح القدير لابن الهمام (3-259-260) .

فيكون النكاح بغير وليِّ غير صحيح شرعاً1. ويؤيِّد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الآتي: "أيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، باطل، باطل"، ففي هذا تأكيد لبطلانه ثلاث مرات، والمجاز لا يؤكَّد2. وقال الخطابي: قوله: "لا نكاح إلا بوليٍّ" فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه ومخصوصه إلا بوليٍّ، وقد تأوَّله بعضهم على نفي الفضيلة والكمال، وهذا تأويل فاسد، لأنَّ العموم يأتي على أصله جوازاً أو كمالاً، والنفي في المعاملات يوجب الفساد؛ لأنَّه ليس لها إلا جهة واحدة، وليس كالعبادات والقُرَب التي لها جهتان من جواز ناقص وكامل، وكذلك تأويل من زعم أنَّها وليَّة نفسها، وتأوَّل معنى الحديث على أنَّها إذا عقدت على نفسها فقد حصل نكاحها بوليٍّ، وذلك أنَّ الوليّ هو الذي يلي على غيره، ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة، فتكون هي الشاهدة على نفسها! فلما كان في الشَّاهد فاسداً كان في الوليّ مثله"اهـ3. وأمَّا ترجيح حديث ابن عباس لصحَّته على حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" فجوابه أنَّه قد ثبتت صحَّة حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" كما تقدَّم

_ 1 انظر: كشاف القناع للبهوتي (5/48) ، والمبدع لابن مفلح (7/28) ، وفيض القدير للمناوي (6/437) . 2 انظر تحفة الأحوذي (4/228) . 3 معالم السنن للخطابي (3/29-30) .

فلم يبق إلا طريق الجمع بين حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ" وما في معناه، وحديث "الأيمُّ أحقُّ بنفسها" وما في معناه، وهذا ما لا بدَّ منه، ولكن لكلٍّ وجهته في الجمع بينهما، وسيأتي بيان ذلك والمختار منها في مناقشة أدلة الحنفية -إن شاء الله تعالى-1. وأمَّا القول بأنَّ لفظ "الوليّ" مجمل: فهذا هو ما اعتمده الطَّحاوي في شرح معاني الآثار، حيث قال: "إنَّه لو ثبت2 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا نكاح إلا بوليٍّ" لم يكن فيه حجَّة لما قال الذين احتجُّوا به لقولهم في هذا الباب؛ لأنَّه يحتمل عدَّة معان: فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا: إن ذلك هو أقرب العصبة إلى المرأة. ويحتمل أن يكون ذلك الوليُّ: من توليه المرأة من الرجال قريباً كان أو بعيداً. وهذا المذهب يصح به قول من يقول: لا يجوز للمرأة أن تتولَّى عقد نكاحها، - وإن أمرها وليُّها بذلك - ولا عقد نكاح غيرها، ولا يجوز أن يتولَّى ذلك إلا الرِّجال..

_ 1 ص (169) وما بعدها. 2 قال ذلك: بعد ترجيحه لرواية شعبة وسفيان المرسلة على رواية إسرائيل ومن تابعه المتصلة، وقوله: إنَّه لا يعدُّ ذلك- أي الإرسال- طعناً ولكنَّه من باب الإلزام. انظر (3/10 شرخ معاني الآثار) .

ويحتمل أيضاً: أن يكون "الوليُّ": هو الذي إليه ولاية البضع من والد الصغيرة، أو مولى الأمة، أو بالغة حرَّة لنفسها. فلما احتمل ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله "لا نكاح إلا بوليٍّ" هذه التأويلات، انتفى أنَّ يصرف إلى بعضها دون بعض إلا بدلالة تدلّ على ذلك إمَّا من كتاب وإمَّا من سنَّة، وإمَّا إجماع". انتهى مختصراً1. وأجيب عن ذلك من وجوه: أوَّلها: أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة الآتي: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل- ثلاثاً" دليل على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح كبيرة أو صغيرة، لأنّ لفظ "أيُّما" من صيغ العموم فتفيد سلب الولاية عن النِّساء من غير تخصيص2. ثانيها: أنَّ حديث معقل بن يسار- في سبب نزول قوله تعالى: {فلا تعضلوهن} كان في شأن امرأة ثيِّب وهي أخته التي عضلها عن نكاح زوجها الأول، فلو كان أمرها إلى نفسها لأبان الله لرسوله بأنَّه لا سبيل لأخيها عليها، وأنَّها مالكة أمر نفسها كما يملك أخوها أمر نفسه،

_ 1 شرح معاني الآثار للطحاوي (3/10) ، وانظر: أحكام القرآن للجصاص (1/402) . 2 انظر: عون المعبود (6/98) ، وتحفة الأحوذي (4/228) .

ولما احتاج أخوها إلى التكفير عن يمينه، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة1. ثالثها: أنَّ الولي معروف بين الصحابة، وليس منه النساء، كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: "يخطب الرجل إلى الرجل وليتَّه"2. وقول أمِّ سلمة "ليس أحد من أوليائي حاضراً"3. رابعها: أنَّ من يعقد نكاح نفسه لا يسمَّى ولياًّ، كما قال الخطابي: ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة على نفسها! فلمَّا كان في الشَّاهد فاسداً كان في الوليّ مثله"4. ثمّ إنَّ القول بأنَّ الوليَّ" مجمل يبطل اشتراط الترتيب بين الأولياء، وممَّن اشترطه الحنفية في الولاية على الصغيرة والمجنونة، إذ إن الترتيب بين الأولياء فرع عن معرفتهم، وما يقال في أولياء الصغيرة والمجنونة يقال في أولياء البالغة العاقلة، إمَّا على وجه الاستحباب عند الحنفية، وإمَّا علي الوجوب كما عند غيرهم. والله أعلم.

_ 1 انظر: فتح الباري (9/187) ، وسبل السلام (3/120) . 2 سيأتي تخريجه (ص139) ، وقد رواه البخاري وغيره. 3 انظر: سبل السلام (3/120-121) . 4 معالم السنن للخطابي (3/30) ، وقد تقدم قريباً ص (108) بأتمَّ مما هنا.

الدَّليل الثَّاني: حديث عائشة - رضي الله عنها،- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له". وهذا الحديث: قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وا لدَّارمي، والطيالسي، وابن الجارود، والطحاوي، وابن حِبَّان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي. وغيرهم1.

_ 1 تخريجه: 1- أحمد (16/154 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح، "باب لا نكاح إلا بوليٍّ" 2- أبو داود (6/98 عون المعبود) نكاح، باب في الولي. 3- الترمذي (4/227-228 التحفة) نكاح، باب ما جاء في الولي. 4- والنسائي في السنن الكبرى (3/285) النكاح. باب الثيِّب تجعل أمرها لغير وليِّها. 5- ابن ماجه (1/605) نكاح، باب "لا نكاح إلا بوليٍّ". 6- الدارمي (2/62) نكاح، باب النهي عن النكاح بغير ولي. 7- الطيالسي (1/305 منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود للساعاتي، نكاح، باب لا نكاح إلا بولي.) . 8- ابن الجارود (ص 235 مع تخريجه) نكاح. 9- الطحاوي، شرح معاني الآثار (3/7-8) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 10- ابن حبان (ص 305 موارد الظمآن، نكاح، باب ما جاء في الولي والشهود. 11- الدارقطني (3/ 221 مع التعليق المغني) نكاح. 12- الحاكم (2/169- 172) نكاح. 13- البيهقي (7/105-107) نكاح، "باب لا نكاح إلا بولي". وانظر كتب التخريج التالية: نصب الراية للزيلعي (3/184-187) ، التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر (3/179) ، فيض القدير للمناوي (3/143) ، وإرواء الغليل (6/243-247) .

فهذا الحديث نصٌّ في بطلان إنكاح المرأة نفسها بغير إذن وليِّها، وهو شاهد قويٌّ لحديث أبي موسى المتقدم بلفظ "لا نكاح إلا بوليٍّ" وقد جاء مصرِّحاً بهذا اللفظ أيضاً في بعض طرق هذا الحديث عند الطيالسي. وهذا الحديث عامّ في كلِّ امرأة، فقد أكَّد النَّبي صلى الله عليه وسلم عمومه بلفظ "أيّما" التي هي من صيغ العموم، فشمل كلَّ امرأة صغيرة أم كبيره، بكرًا أم ثيِّبًا، في سلب ولاية النكاح عنها من غير تخصيص لبعضهنَّ دون بعض. وكذلك أكَّد النَّبي صلى الله عليه وسلم حقيقة دلالته على بطلان النِّكاح بدون وليٍّ بلفظ "باطل" ثلاث مرات، مبالغة في تأكيد بطلان إنكاح المرأة نفسها بدون وليِّها، وأنَّ ولاية نكاحها حقٌّ من حقوق وليِّها1. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وقد أُورد على سند هذا الحديث ودلالته على اشتراط الولاية في النكاح جملة اعتراضات، يمكن حصرها بالتتبّع فيما يلي:

_ 1 انظر في دلالة هذا الحديث على اشتراط الولاية في النكاح: القرطبي (3/73-74) ، معالم السنن للخطابي (3/27) ، سبل السلام (3/118) ، نيل الأوطار (6/136) ، فيض القدير للمناوي (3/143- 144) .

أوَّلاً: أنَّ الزهري- راويه- قد سئل عنه فقال: لست أعرفه، أو لست أحفظه، وفي لفظ: فأنكره، فدلّ ذلك على ضعف هذا الحديث. ثانياً: أنَّ إمام المحدثين البخاري - رحمه الله - قد تكلّم في عدالة "سليمان ابن موسى" راوي هذا الحديث عن الزهري. ثالثاً: أنَّ عائشة - رضي الله عنها- وهي التي روته قد عملت بخلافه وكذلك الزهري، فدلَّ ذلك على ضعف هذا الحديث أو نسخه. رابعاً: أنَّ هذا الحديث يدلّ بمفهومه على صحَّة عقد المرأة إنكاح نفسها إذا أذن لها وليُّها، ومن اشترط الولاية في النكاح لم يعتبر هذا المفهوم. خامساً: أنَّه قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها" أي بدل كلمة "وليِّها"، فدلَّ ذلك على أنَّ المقصود به اشتراط الولاية في نكاح "المولاة" وهي الأمة، وهذا مما لا خلاف فيه1. هذه جملة ما اعترض به على صحة هذا الحديث، وإليك بيانها بالتفصيل:

_ 1 سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان هذه الاعتراضات واحداً واحداً، مع الإحالة على مصادرها؛ وإنَّما لخصتها هنا لبيانها إجمالاً؛ لطول الكلام عليها، كما سيأتي.

أمَّا الاعتراض الأوَّل: وهو إنكار الزهري لروايته، فقد ذكر ذلك ابن عُليّة1 عن ابن جُريج2 راوي هذا الحديث، عن سليمان بن موسى3، عن الزهري4.

_ 1 هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم- بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين- الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن عُليّة- بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء المفتوحة- ثقة، حافظ، من (الطبقة) الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين (أي بعد المائة) ، وهو ابن ثلاث وثمانين، روى له أصحاب الكتب الستة. (التقريب 1/65-66) ، و (تهذيب التهذيب (1/275-279) . 2 هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من (الطبقة) السادسة مات سنة خمسين (أي بعد المائة) أو بعدها، وقد جاوز السبعين، وقيل: جاوز المائة، ولم يثبت، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (1/ 520) ، وانظر: تهذيب التهذيب (6/402-406) . 3 هو: سليمان بن موسى الأموي مولاهم، الدمشقي، الأشدق، صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من (الطبقة) الخامسة، روى له مسلم والأربعة. التقريب (1/331) ، وانظر: تهذيب التهذيب (4/226-227) ورمز له بمسلم في المقدمة والأربعة، قيل: مات سنة (115 هـ) ، وقيل: (سنة 119 هـ) ، وسيأتي الكلام في عدالته في أصل المتن. 4 هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين (أي بعد المائة) وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (2/207) ، وانظر: تهذيب التهذيب (9/445-451) .

ومن ذلك ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، أنَّه سأل ابن شهاب- أي الزهري- فلم يعرفه1. وكذلك روى هذه الحكاية الحاكم في المستدرك، عن ابن عُليَّةقال: فلقيت الزهري فسألته عنه، فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى. وفي رواية عن ابن جريج قال: فسألت الزهري عنه فقال: لست أحفظه2. وقال الترمذي: وقد تكلَّم بعض أهل الحديث في حديث الزهري عن عروة3، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره. فضعَّفوا هذا الحديث من أجل هذا4. وقد أجيب عن إنكار الزهري لهذا الحديث بعدَّة أجوبة، منها:

_ 1 شرح معاني الآثار للطحاوي (3/8) ، والمحلى لابن حزم (9/ 452) . 2 المستدرك للحاكم (2/169) . 3 هو: عروة بن الزبير بن العوَّام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من (الطبقة) الثانية، مات سنة أربع وتسعين على الصَّحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب (2/19) ، وانظر: تهذيب التهذيب (7/180-185) . 4 الترمذي مع التحفة (4/231)

أوَّلاً: ضعف حكاية ابن عليّة، عن ابن جريج؟ فإنَّ هذا الحديث قد رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عدّ أبو القاسم ابن مندة عِدَّة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً1. وهذه الحكاية لم يروها عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، كما قاله أحمد وابن معين وغيرهما. فأمَّا الإمام أحمد فقد سئل عن حكاية ابن عُليَّةهذه فقال: إن ابن جريج له كتب مدوَّنة وليس هذا في كتبه، يعني حكاية ابن عُليَّةعن ابن جريج2. وقال ابن معين: ليس يقول هذا إلا ابن عُليَّة، وإنَّما عرض ابن عُليَّةكتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز3 ابن أبي روّاد فأصلحها له، [فقال العباس بن محمد الدوري] 4 ما كنت أظنُّ أنَّ عبد

_ 1 التلخيص الحبير (3/180) . 2 المستدرك للحاكم (2/169) ، والسنن للبيهقي (7/106) . 3 انظر ترجمته في التقريب (1/517) ، وتهذيب التهذيب (6/381-383) . 4 في الأصل: فقلت ليحيى: ما كنت أظن، ولكنه واضح من الإسناد أن القائل هو: العباس بن محمد الدوري. انظر: الحاكم للمستدرك (2/169) ، والسنن للبيهقي (7/106) .

المجيد هكذا، فقال: كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، ولكنَّه لم يبذل نفسه للحديث1. وقد أعلَّ هذه الحكاية عن ابن جريج كلٌّ من ابن حِبَّان، وابن عديّ، وغيرهما، كما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره2. ثانياً: أنَّه على فرض ثبوت ما رواه ابن جريج من نسيان الزهري له فلا يُردّ هذا الحديث بنسيان الزهري له لأمرين: أولهما: أنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى قد وهم فيه، فقد ينسى الثقة ما رواه ولا يردُّ به الحديث على ما رجَّحه المحدثون في رواية من حدَّث ونسي، وقد وقع ذلك لغير واحد من الحفَّاظ، كما قاله الحاكم3 وغيره، وسليمان بن موسى ثقة لا سيَّما وقد أثنى عليه الزهري نفسه، كما في هذه الحكاية. قال الحافظ في التلخيص الحبير: "وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه، وقد تكلَّم على هذا الحديث الدارقطني في جزء من حدَّث ونسي،

_ 1 انظر المصدرين السابقين. 2 التلخيص الحبير (3/180) . 3 المستدرك (2/168) وسيأتي نصّه قريباً.

والخطيب بعده، وأطال الكلام عليه البيهقي في السنن والخلافيات، وابن الجوزي في التحقيق". انتهى المقصود منه1. وثانيهما: أنَّ هذا الحديث لم ينفرد بروايته ابن جريج عن سليمان ابن موسى، ولا سليمان بن موسى عن الزهري، ولا الزهري عن عروة ابن الزبير عن عائشة، بل لكلٍّ منهم متابع، كما حكاه الحافظ في التلخيص الحبير عن أبي القاسم ابن مندة حيث قال: "وذكر- أي ابن مندة- أنَّ معمراً، وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إيَّاه عن سليمان بن موسى، وأن قُرَّة2، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وأيوب بن موسى، وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري. قال: ورواه: أبو مالك الجنبي، ونوح بن درَّاج، ومندل، وجعفر بن برقان، وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة3. وقال الحاكم: بعد أن أورد من صرَّح بسماع ابن جريج من سليمان بن موسى، وسماع سليمان بن موسى من الزهري- قال: فقد صحَّ وثبت برواية الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض، فلا تعلَّل

_ 1 التلخيص الحبير (3/180) ، وانظر: المحلى (9/452-453) . وسبل السلام (3/118) . 2 هو: قرَّة بن عبد الرحمن بن حيوئيل- وزن جبرئيل- المعافري البصري. انظر ترجمته في التقريب (2/125) . 3 التلخيص الحبير (3/180) ، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي (2/225-226) ، ونيل الأوطار (6/135) ، وتحفة الأحوذي (4/231) .

هذه الروايات بحديث ابن عُليَّة وسؤاله ابن جريج عنه وقوله "إنِّي سألت الزهري عنه فلم يعرفه، فقد ينسى الثقة الحافظ بعد أن حدَّث به، وقد فعله غير واحد من حفَّاظ الحديث"1. وقال البيهقي- ردًّا على الطحاوي-: والعجب من هذا المحتجِّ بحكاية ابن عُليَّة في ردِّ هذه السنَّة، وهو يحتجُّ برواية الحجاج بن أرطاة في غير موضع ويردها هاهنا عن الزهري بمثله. ويحتج أيضاً برواية ابن لهيعة في غير موضع، ويردُّها ههنا عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري بمثله. فيقبل رواية كلٍّ منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه ومعهما ثقة2 اهـ. وأمَّا الاعتراض الثَّاني: وهو الطَّعن في عدالة سليمان بن موسى- راوي هذا الحديث عن الزهري- فخلاصتها ما يلي: 1- قول البخاري: "عنده مناكير"3. 2- قول النسائي: "أحد الفقهاء، وليس بالقويِّ في الحديث"4. وقال في موضع: "في حديثه شيء".

_ 1 المستدرك للحاكم (2/168) ، ووافقه الذهبي. 2 نصب الراية (3/186) بتصرف عن المعرفة للبيهقي (10/31-32) . 3 انظر ميزان الاعتدال (2/225) ، وتهذيب التهذيب (4/227) . 4 المصدرين السابقين، ونفس الصفحات.

3- قول أبي حاتم: محلُّه الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه1. فهذا غاية قول من تكلَّم فيه، وأقواها قول البخاري "عنده مناكير"، وأمَّا قول النسائي وأبي حاتم فهما شهادة أيضاً لإمامته في الفقه والحديث. وهذه التحفُّظات على سليمان بن موسى لو لم يرد توثيقة عن غير من سبق لم ينزل بحديثه عن درجة الحسن، فكيف وقد وثَّقه كثير من أئمة المحدثين، وتابعه على حديثه هذا غيره من الرواة مما يشهد لهذا الحديث بالصِّحة، وإليك بعض من وثَّقه وشهد له بالفقه والإمامة: 1- قال الترمذي: "سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث، لم يتكلَّم فيه من المتقدمين إلا البخاري وحده، فإنَّه تكلَّم فيه من أجل أحاديث انفرد بها"2. 2- وقال يحيى بن معين: "سليمان بن موسى عن الزهري ثقة3". وهو هنا عن الزهري كما ترى.

_ 1 المصدرين السابقين أيضاً، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/ 142) ، وانظر أيضاً: سنن البيهقي والجوهر النقي لابن التركماني الحنفي (7/105) . 2 تهذيب السنن لابن القيم (3/27) . 3 ميزان الاعتدال (2/225) ، تهذيب التهذيب (4/226) ، الجرح والتعديل (4/141) .

3- وقال ابن عديّ: "سليمان بن موسى فقيه، راو، حدَّث عنه الثِّقات، وهو أحد علماء الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق"1. 4- وقال سعيد بن عبد العزيز2: لو قيل من أفضل الناس، لأخذت بيد سليمان بن موسى3. وقال: كان أعلم أهل الشام بعد مكحول4. 5- وقال عطاء بن أبي رباح: "سيِّد شباب أهل الشام سليمان بن موسى"5. وقال سعيد بن عبد العزيز: "كان عطاء إذا قدم عليه سليمان بن موسى قال للناس: كفُّوا أيُّها الناس عن المسائل فقد جاءكم من يكفيكم المسألة"6.

_ 1 ميزان الاعتدال (2/225) ، تهذيب التهذيب (4/227) . 2 هو: سعيد بن عبد العزيز التنوخي، انظر ترجمته في: التقريب (1/301) ، تهذيب التهذيب (4/59) . وانظر ترجمة سليمان بن موسى أيضا (4/226 تهذيب) . 3 ميزان الاعتدال (2/225) . 4 تهذيب التهذيب (4/226) . 5 تهذيب التهذيب (4/226) . 6 الجرح والتعديل (4/141) .

6- وقال الزهري: "سليمان بن موسى أحفظ من مكحول"1. 7- وقال دُحَيم2: "ثقة، كان مقدَّماً على أصحاب مكحول"3. 8- وقال الذهبي: "كان سليمان بن موسى فقيه أهل الشام في وقته، وهذه الغرائب التي تستنكر له يجوز أن يكون قد حفظها"4. فهذا هو شأن سليمان بن موسى في الفقه والحديث، لو لم يكن له متابع، فكيف وقد تابعه غيره على رواية هذا الحديث، كما تقدَّم في الإجابة عن حكاية ابن عُليَّة5. وأمَّا الاعتراض الثَّالث: وهو عمل كلٍّ من عائشة - رضي الله عنها، - والزهري - رحمه الله - بخلاف ما روياه. فقالوا: يدلُّ على عمل عائشة بخلاف ما روته هنا ما رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها -: أنَّها زوَّجت بنت عبد الرحمن المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: أمثلي يصنع به هذا ويُفْتات عليه؟ فكلَّمت عائشة عن

_ 1 تهذيب التهذيب (4/226) ، والجرح والتعديل (4/141) . 2 دُحَيم- بمهملتين- مصغَّراً- هو: عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو، ثقة حافظ متقن. انظر ترجمته في التقريب (1/ 471) ، وتهذيب التهذيب (6/ 131-132) . 3 الجرح والتعديل (4/ 141) ، وميزان الاعتدال (2/ 225) ، وتهذيب التهذيب (4/226) . 4 ميزان الاعتدال (2/226) . 5 تقدم قريباً (ص 117 وما بعدها) .

المنذر، فقال المنذر: إنَّ ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قَضَيْتِيه، فقرَّت حفصة عنده ولم يكن ذلك طلاقاً1. انتهى. بلفظ الطحاوي، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى2. ثم قال الطحاوي: "فلمَّا كانت عائشة - رضي الله عنها - قد رأت أنَّ تزويجها بنت عبد الرحمن بغير [أمره] 3جائز، ورأت ذلك العقد مستقيماً حتى أجازت فيه التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح وثبوته استحال- عندنا- أن يكون ترى ذلك4 اهـ. وأمَّا خلاف الزهري فقد ذكره ابن حزم من طريق عبد الرزاق5، عن معمر6 أنَّه قال له: سألت الزهري عن الرجل يتزوج بغير وليٍّ؟ فقال:

_ 1 شرح معاني الآثار (3/8) . 2 انظر تخريجه الآتي ص (216) . 3 في الأصل (بغيره) ، وفي حاشيته، وفي نسخة "أمره"، وهو الذي أثبته أعلاه. 4 شرح معاني الآثار (3/8) . 5 هو: عبد الرزاق بن همَّام بن نافع، أبو بكر، ثقة حافظ، صاحب المصنَّف المشهور. انظر ترجمته في: التقريب (1/505) ، وتهذيب التهذيب (6/310-315) . 6 هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، ثقة ثبت فاضل، انظر ترجمته في التقريب (2/66) ، تهذيب التهذيب (10/343-346) .

إن كان كفؤاً لم يفرَّق بينهما"اهـ1. وأجيب عن ذلك من وجهين: أولهما: أنَّه لو ثبت خلاف عائشة والزهري للعمل بمقتضى هذا الحديث لما كان خلافهما دليلاً على إبطال العمل بموجبه؛ إذ ليس خلاف الراوي- مجتهداً متأوِّلاً- مبطلاً لما رواه، بل الحجَّة فيما رواه لا فيما رآه، وقد صحَّ هذا الحديث من طرق موجبة للعمل به. قال ابن حزم رحمه الله: "وأمَّا اعتراضهم بأنَّه صحَّ عن عائشة وعن الزهري - رضي الله عنهما - أنَّهما خالفا ما روياه فكان ماذا؟ إنَّما أمرنا الله - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقامت حجَّة العقل بوجوب قبول ما صحَّ عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسقوط قول من دونه عليه الصلاة والسلام. ولا ندري أين وجدوا أنَّ من خالف باجتهاده مخطئاً متأوِّلاً ما رواه أنَّه يسقط بذلك ما رواه، ثم نعكس عليهم أصلهم هذا الفاسد فنقول: إذا صحَّ أنَّ أمَّ المؤمنين- رضي الله عنها- والزهري- رحمه الله- رويا هذا الخبر، وروي عنهما أنَّهما خالفاه فهذا دليل سقوط الرواية بأنَّهما خالفاه، بل الظَّنُّ بهما أنَّهما لا يخالفان ما روياه، وهذا أولى، لأنَّ تركنا ما لا يلزمنا من قولهما لما يلزمنا من روايتهما هو الواجب، لا ترك ما يلزمنا مما روياه لما لا يلزمنا من رأيهما…"2.

_ 1 المحلى لابن حزم (9/452) ، وهو في مصنَّف عبد الرزاق (6/196) . 2 المحلى لابن حزم (9/453) .

وثانيهما: أنّه لم يرد في تزويج عائشة لابنة أخيها عبد الرحمن التصريح بأنَّها باشرت العقد، وأمَّا قوله "زوَّجتْ" فمحمول على تمهيدها لأسباب الزواج، فقد قال البيهقي رحمه الله: "ونحن نحمل قوله "زوَّجت" أي مهَّدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك وإذنها فيه، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها حتى عقد النكاح، قال: ويدلُّ على هذا التأويل ما أخبرنا - وأسند- عن عبد الرحمن بن القاسم قال: كنت عند عائشة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد1، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوِّج فإنَّ المرأة لا تلي عقدة النكاح. وفي لفظ: "فإنَّ النساء لا يُنْكِحْنَ"2. قال: إذا كان مذهبها ما روى من حديث عبد الرحمن بن القاسم علمنا: أنَّ المراد بقوله "زوَّجتْ" ما ذكرناه، فلا تخالف ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم"3.

_ 1 بتشديد الهاء، كذا في مصنَّف عبد الرزاق (6/159) أي من التشهد لاستفتاح الكلام، ويدل عليه لفظ "فتكلمت" بدل "فتشهد" في بعض رواياته، وقد ضبط في المعرفة للبيهقي (10/33) بتخفيف الهاء وإسكان الشين المعجمة بمعنى "تحضر) ، والأول أولى، والله أعلم. 2 سيأتي تخريجه (ص 147-148) . 3 نصب الراية للزيلعي (3/186) بتصرف عن المعرفة للبيهقي (10/33-34) وانظر السن الكبرى للبيهقي (7/112-113) . وانظر نحو هذا الجواب في كلٍّ من القرطبي (3/75) ، المحلى لابن حزم (9/453-454) ، التعليق المغني على الدراقطني (3/227) .

وهناك جواب ثالث للمالكية: وهو أنَّه أثر لم يصحبه عمل1. وأمَّا الاعتراض الرَّابع: وهو أنَّ الحديث يدلُّ بمفهومه على صحة عقد المرأة نكاح نفسها إذا أذن لها وليُّها، كما ذهب إليه أبو ثور- رحمه الله.- فقد أجيب عنه من عدَّة أوجه: أوَّلها: أنَّ قوله "بغير إذن وليِّها" خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ وذلك أنَّ المرأة التي تقدم على تزويج نفسها لا تستأذن وليَّها- غالباً- بل تستبدُّ بذلك2. قال القرافي: في توجيه مفهوم "الإذن" في هذا الحديث: إنَّ القاعدة المنصوص عليها في أصل الفقه أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعاً. وضابط ذلك: أن يكون الوصف المذكور غالباً على وقوع ذلك الحكم المذكور أو على تلك الحقيقة المحكوم عليها كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} 3؛ فإنَّ القتل الغالب عليه ألا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرر كالإملاق، الذي هو الفقر، أو نحو ذلك من الفضيحة، فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم خوف الإملاق… وكذلك ههنا الغالب أنَّ المرأة لا تقدم على زواج نفسها إلا

_ 1 انظر المدونة (2/151) . 2 انظر المغني لابن قدامة (7/339) ، وكشاف القناع (5/48) . 3 سورة الإسراء – آية رقم: 31.

خفية عن وليِّها وهو غير آذن، والعادة قاضية بذلك، فإذا خرج مخرج الغالب فلا يكون حجة إجماعاً اهـ1. وثانيها: أنَّ ذلك مفهوم، فلا يقوى على معارضة المنطوق باشتراط الولاية كما قاله الصنعاني وغيره2. ويؤيِّد هذا المنطوق قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بوليٍّ" وقوله: "لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأةُ نفسَها"، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإذن وليًّ أو بغيره"3. وثالثها: أنَّ إذن الوليِّ لا يصحُّ إلا لمن ينوب عنه، والمرأة لا تنوب عنه في ذلك؛ لأنَّ الحقَّ لها، ولو أذن لها في إنكاح نفسها، صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح، كذا قال الحافظ في الفتح4. واعترض على هذا محشِّي5 "فتح القدير لابن الهمام" بقوله: "ولا يخفى عليك وَهَنُ هذا الكلام، فإنَّ النكاح عقد على منافع البضع فتصير هي بالإذن كالمأذون له بأن يؤجِّر نفسه. فتأمل"6 اهـ.

_ 1 الفروق للقرافي (3/137-138) ، وتهذيبها (3/170-172) . 2 سبل السلام (3/118) ، والمغني لابن قدامة (7/339) . 3 نيل الأوطار (6/136) . 4 فتح الباري (9/187) . 5 هو: سعد الله بن عيسى المفتي الشهير بسعدي جلبي، وبسعدي أفندي، المتوفى سنة 945هـ. 6 حاشية فتح القدير (3/256) .

كذا قال: ولكن لا يخفى وهن هذا التعقيب لمن تأمَّله، وأوَّل ما يردُّ به الفرق بين إجارة المرأة نفسها للإرضاع أو الخدمة، وبين تأجيرها لمنافع بضعها، حتى ولو أذن لها وليُّها، فالأصل في الطعام والخدمة الإباحة، والأصل في الفروج الحرمة. وذلك حقٌّ خالص للآدمي يستوفيه إذا شاء، ويعفو عنه إذا شاء، أمَّا منافع البضع فليست حقّاً خالصاً للآدميّ، ولذلك يملك صاحب المال العفو عَمَّن غصبه أو سرقه، ولا تملك المرأة ولا وليُّها العفو عمّن استحلَّ البضع بغير حقِّة. والله أعلم. ورابعها: ما أشار إليه الصنعاني بقوله: "وفي الحديث دليل على اعتبار إذن الولي في النكاح بعقده أو عقد وكيله"1. أي أن المقصود بالإذن هنا "العقد" وهو الإذن الذي تُستَحلُّ به الفروج، والمعنى "أيَّما امرأة نكحت بغير إنكاح وليِّها- أصالة أو نيابة- فنكاحها باطل". وهذا المعنى- في نظري- قوي جدًّا في معنى هذا الحديث وغيره مما جرى على ألسنة السلف كقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان"2.

_ 1 سبل السلام (3/118) ، وانظر في هذا المعنى: معالم السنن للخطابي (3/196-197) ، الروضة النديَّة لصديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري (2/ 13) ، وهي شرح على الدرر البهية للشوكاني. 2 سيأتي تخريجه (ص 145) .

ومثله قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ} 1، ولا خلاف في اشتراط ولاية السيِّد في نكاح أمته. والله أعلم. وأمَّا الاعتراض الخامس: وهو حمل هذا الحديث على اشتراط الولاية في نكاح الأمة، بدليل ما جاء في بعض رواياته بلفظ "أيّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها"2. فقد أجيب عنه: بأن المراد بلفظ "مواليها" هم أولياؤها؟ بدليل أنَّ أكثر روايات هذا الحديث بلفظ "وليِّها"3. وأيضاً فإنَّ استعمال "المولى" بمعنى "الوليّ"" في القرآن، والسنة، واللغة، أشهر من أن يذكر4.

_ 1 سورة النساء – آية رقم: 25. 2 انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/402) . 3 انظر مثلاً: الفتح الربَّاني وشرحه للساعاتي (16/154) ، وعون المعبود (6/99) . 4 انظر مادة "ولي" في: - مقاييس اللغة لابن فارس (6/ 141) . - اللسان لابن منظور (15/408) . - القاموس وتاج العروس (10/399) . - مفردات الراغب الأصفهاني (ص 533- 535) . - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (5/228-229) .

الدَّليل الثَّالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوِّج المرأة نفسها؛ فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها". وهذا الحديث قد رواه ابن ماجه، وابن خزيمة والدارقطني، والبيهقي1. وهو صريح الدلالة على أنَّ المرأة لا تزوِّج نفسها ولا غيرها مطلقاً، لا بولاية ولا بوكالة، أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها2. كما أنَّ الجملة الأخيرة من هذا الحديث تدلُّ على أنَّ مباشرة المرأة لعقد النكاح إنَّما هو من شأن الزَّواني، فليس للمسلمة مباشرته في النكاح الشرعيِّ، لئلاَّ تتشبَّه بالبغايا في عاداتهنَّ ووقاحتهنَّ، وهذا كما يدلُّ على التقبيح والتنفير كذلك يدلُّ على البطلان لذلك النكاح الذي عقدته المرأة. والله أعلم.

_ 1 تخريج الحديث: 1- ابن ماجه (1/606) نكاح، باب "لا نكاح إلا بوليٍّ". 2- ابن خزيمة (3/188 عن نصب الراية للزيلعي) . 3- الدارقطني (3/ 227- 228) . 4- البيهقي (7/110) نكاح، باب "لا نكاح إلا بوليٍّ". وانظر كتب التخريج التالية: 1- التلخيص الحبير (3/180) . 2- إرواء الغليل (6/248-249) . 2 انظر: سبل السلام (3/120) .

مناقشة الاستدلال بهذا الحديث: وقد أورد على سند هذا الحديث اعتراضان: الأوَّل: أن في سنده جميل بن الحسن العَتَكِيّ الجَهْضمي1، وهو شيخ ابن ماجه في سند هذا الحديث، وهو راو متَّهم بالفسق والكذب، فقد رُوى عن عبدان2 أنَّه سئل عنه فقال: "كان كذَّاباً فاسقاً، وكان عندنا بالأهواز ثلاثين سنة لم نكتب عنه"3. والثَّاني: أنَّ الصَّحيح وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه كما نقل عن ابن كثير رحمه الله4.

_ 1 قال الحافظ ابن حجر: جميل- بفتح أوَّله- ابن الحسن بن جميل العتكي الجهضمي، أبو الحسن البصري، نزيل الأهواز، صدوق يخطئ، أفرط فيه عبدان، من الطبقة العاشرة، كذا في التقريب (1/134) ، ورمز لكونه من رواة ابن ماجه. وفي هامشه قال محققه: العتكي- بفتح العين والتاء-، والجهضمي: بفتح فسكون ففتح، ينسب إلى جهضم بن عوف. اهـ. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (2/113-114) ، وميزان الاعتدال (1/423) ، والجرح والتعديل (2/520) . 2 عبدان: هو: عبد الله بن عثمان بن جبلة- بفتح الجيم والموحدة- ابن أبي روَّاد- بفتح الراء وتشديد الواو- العتكي- بفتح المهملة والمثناة- أبو عبد الرحمن المروزي، الملقب بـ (عبدان) ، من (الطبقة) العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين (أي بعد المائتين) في شعبان، كذا في التقريب (1/432) ، ورمز لكونه من رواة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي. اهـ. وانظر: تهذيب التهذيب (5/313) . 3 تهذيب التهذيب (2/113) . 4 انظر: نيل الأوطار (6/135) .

والجواب عن الاعتراض الأوَّل من وجهين: أولهما: أنَّه لم ينفرد بروايته جميل بن الحسن العتكي، بل توبع عليه من طريقين آخرين صحيحين، وفيهما ما يكفي لصحة هذا الحديث، وبيان ذلك: أنَّ هذا الحديث قد رواه هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد لا مطعن فيه؛ فإنَّ هشام بن حسَّان1 من أثبت الناس في ابن سيرين، وابن سيرين2 لا حاجة إلى تعديله. ثم جاء هذا الحديث مسنداً إلى هشام بن حسان من ثلاثة طرق هي:

_ 1 هو: هشام بن حسَّان الأزدي، أبو عبد الله البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/318) . وانظر ترجمته أيضاً في تهذيب التهذيب (11/34-37) . 2 هو: محمد بن سيرين الأنصاري، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/ 169) . وانظر ترجمته أيضاً في تهذيب التهذيب (9/214-217) .

الأولى: عن جميل بن الحسن العتكي الجهضمي، عن محمد بن مروان العقيلي1، عن هشام به2. وفي هذا السند تكلَّم عبدان على جميل بما سبق ذكره. والثَّانية: عن مسلم بن عبد الرحمن الجرمي3، عن مخلد بن الحسين4، عن هشام بن حسّان به5. وهؤلاء كلُّهم ثقات. والثَّالثة: عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي6، ومحمد بن سعيد بن

_ 1 هو: محمد بن مروان بن قدامة العقيلي- أي بضم العين المهملة- أبو بكر البصري، ويقال: العجلي، صدوق، له أوهام، روى له ابن ماجه. انظر: التقريب (2/206) ، وتهذيب التهذيب (9/ 435) . 2 ورواه بهذا الإسناد: ابن ماجه (1/606) ، والدارقطني (3/227) ، والبيهقي (7/110) ، وتقدَّم. 3 قال ابن أبي حاتم: مسلم بن عبد الرحمن الجرمي من الغزاة، روى عن مخلد بن حسين.. الجرح والتعديل (8/188) . ونقل في نصب الراية توثيقة عن ابن أبي حاتم (3/188) . وانظر التعليق المغني على الدارقطني (3/228) . 4 هو: مخلد بن الحسين- بالضم- الأزدي الرملي، أبو محمد، ثقة، فاضل، روى له النسائي، ومسلم في مقدمة صحيحه. انظر: التقريب (2/235) ، وتهذيب التهذيب (10/72-73) . 5 رواه بهذا الإسناد: الدارقطني (3/228) ، البيهقي (7/110) . 6 هو: عبد الرَّحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/497) ، وتهذيب التهذيب (6/265) والجرح والتعديل (5/282) ، وفيه توثيقة عن يحيى بن معين، وقول ابن أبي حاتم صدوق إذا حدَّث عن الثقات.

الأصبهاني1، عن عبد السَّلام بن حرب2، عن هشام بن حسَّان به. وهؤلاء كفهم ثقات أيضًا، إلا أنَّ المحاربي يدلس، ولكن تابعه ابن الأصبهاني، عن عبد السلام بن حرب3. ثانيهما: أنَّ غير عبدان قد وثَّق جميل بن الحسن، بل تحفَّظ على مقالة عبدان فيه. قال ابن عديّ: لم أسمع أحداً تكلَّم فيه غير عبدان، وهو كثير الرواية.. ولا أعلم له حديثاً منكراً، وأرجو أنّه لا بأس به"4. وذكره ابن حبان في الثقات5.

_ 1 هو: محمد بن سعيد بن سليمان الكوفي، أبو جعفر بن الأصبهاني، يلقَّب (حمدان) ، ثقة ثبت، روى له البخاري والترمذي. انظر: التقريب (2/164) ، وتهذيب التهذيب (9/188- 189) . 2 هو: عبد السَّلام بن حرب بن سلمة النَّهدي- بالنون- الملائي- بضم الميم وتخفيف اللام- أبو بكر الكوفي، ثقة، حافظ، له مناكير، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/ 505) ، وتهذيب التهذيب (6/ 316-317) . 3 رواه عن كل من المحاربي، وابن الأصبهاني: الدارقطني (3/227-228) . وعن المحاربي وحده: البيهقي (7/110) ، وتقدم تخريجه قريباً. 4 تهذيب التهذيب (2/113) . 5 ميزان الاعتدال (1/423) ، وتهذيب التهذيب (2/113) .

وقال الحافظ ابن حجر: "وأخرج له أي ابن حبان في صحيحه، وكذا ابن خزيمة، والحاكم، وغيرهم. وقال مسلمة الأندلسي: حدثنا ابن المحاملي، عنه وهو ثقة. وذكر ابن عديّ عن عبدان: أنَّ امرأة زعمت أنَّه راودها فقالت له: اتق الله، فقال: إنَّه ليأتي علينا ساعة يحلُّ لنا فيها كلُّ شيء، فكان هذا مراد عبدان بأنَّه فاسق يكذب، ولكن كيف يؤثر قول امرأة فيه مع كونها مجهولة"1. وقال ابن حجر في التقريب: "صدوق يخطئ أفرط فيه عبدان"2. وأمَّا الاعتراض الثَّاني: وهو أنَّ الصحيح وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه كما نقل عن ابن كثير رحمه الله. فلم أقف على كلام ابن كثير في موضع يتَّضح به مراده بقوله "الصحيح وقفه"، أهو يقصد وقف جميع الحديث؟ أم الجملة الأخيرة منه، أعني قوله "فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها"، فإن كان قصده وقف جميع الحديث، ففي ما ذكرت من الإسناد السابق ما يكفي لصحة الاحتجاج بالحديث مرفوعاً، وكون هذا الحديث ورد موقوفاً من طرق على أبي هريرة - رضي الله عنه - لا يمنع صحة الطريق المرفوعة؛ فإنَّها زيادة ثقة مقبولة، وأيضاً فإنَّ مثل هذا الحديث ليس مما يقال بالاجتهاد.

_ 1 تهذيب التهذيب (2/114) . 2 تقريب التهذيب (2/134) .

وأمَّا إن كان قصده وقف الجملة الأخيرة من الحديث وهي "فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسها"، فله وجه من النظر، وهذا هو الأقرب لمراد ابن كثير رحمه الله، وبيان ذلك: أنَّه قد جاء في رواية عبد السلام بن حرب إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأة نفسها"، وكنَّا نقول: إن التي تزوِّج نفسها هي الفاجرة"1. وفي لفظ آخر: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ ولا تنُكِح المرأة نفسها، وقال أبو هريرة: "وكان يقال: الزانية التي تزوِّج نفسها"2. ونحوه في سنن البيهقي بلفظ: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنكِح المرأة نفسها"، قال أبو هريرة: كنَّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزَّانية"3. ثم قال البيهقي: "وعبد السلام بن حرب قد ميَّز المسند من الموقوف فيشبه أن يكون حفظه". وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير في رواية عبد السلام بن حرب هذه عند الدارقطني والبيهقي- قال: "فتبيَّن أن هذه الزيادة من

_ 1 الدارقطني (3/227) . 2 الدارقطني (3/228) . 3 البيهقي (7/110) .

قول أبي هريرة رضي الله عنه"1. وأورده الحافظ في "بلوغ المرام" دون هذه الزيادة وقال: "رجاله ثقات"2. وقال الألباني في إرواء الغليل: "صحيح، دون الجملة الأخيرة"3. ومن هذا يتبيَّن أنَّ هذه الزيادة هي التي يترجَّح إدراجها دون غيرها، فتكون هي المقصودة بالوقف، ومع هذا فإنَّ مثل هذا القول لا يقوله الصحابي باجتهاده- فيما يظهر- وخاصَّة إذا كان قائل هذا جمعاً من الصحابة، كما يدلُّ عليه لفظ "كنَّا نقول"، و"كنَّا نعدّ" ونحوهما والله أعلم. الدَّليل الرَّابع: ما رواه عروة بن الزُّبير: أنَّ عائشة - رضي الله عنها - أخبرته: أنَّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: منها: نكاح النَّاس اليوم، يخطب الرّجل إلى الرّجل وليَّته، أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي4 منه، فإذا تبيَّن حملها أصابها زوجها إذا

_ 1 نفس المصدر السابق. 2 سبل السلام (3/120) . 3 إرواء الغليل (6/248-249) . 4 أي اطلبي منه المباضعة وهي المجامعة.

أحبَّ وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرَّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلُّهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمَّى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به1 الرجل. ونكاح الرَّابع: يجتمع الرَّهط الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهنَّ رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ ووضعت حملها جُمِعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته2 به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلمّا بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم بالحقِّ "هدم نكاح الجاهلية كلّه، إلا نكاح الناس اليوم". رواه البخاري بهذا اللفظ. ورواه أيضاً أبو داود والدارقطني والبيهقي3.

_ 1 وفي رواية: (منه) . فتح الباري (9/185) . 2 فالتاطته به: أي ألحقته به، وأصل اللوط- بفتح اللام- اللصوق. (فتح الباري 9/185) . 3 تخريجه: 1- البخاري (9/182-183 فتح) نكاح، باب من قال "لا نكاح إلا بولي". 2- أبو داود (6/363 عون المعبود) نكاح، باب في وجوه النكاح التي يتناكح بها أهل الجاهلية. 3- الدارقطني (3/ 216) نكاح. 4- البيهقي (7/110) نكاح، باب "لا نكاح إلا بولي".

والدَّليل على اشتراط الولاية في النكاح من هذا الحديث هو في قول عائشة رضي الله عنها: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ثم قالت في آخره: فلمَّا بُعِث َمحمد صلى الله عليه وسلم بالحقِّ هدم نكاح الجاهلية كلَّه إلا نكاح الناس اليوم". فدلَّ ذلك على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وأنَّه هدم ما سواه من أنكحة الجاهلية، فلم يبق منها إلا هذا النكاح المعتبر فيه الوليّ، ويزيد هذا المعنى قوَّة وتأكيداً ما جاء من الأحاديث الأخرى في اعتبار الوليّ"1. والله أعلم. الدليل الخامس: ما رواه الحسن البصري قال: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} ، قال: حدثني معقل بن يسار أنَّها نزلت فيه قال: "زوَّجت أختاً لي من رجل فطلَّقها حتى إذا انقضت عدَّتها جاء يخطبها فقلت له: زوَّجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به،

_ 1 انظر في هذا المعنى: فتح الباري (9/186) ، وسبل السلام (3/120) ، والتعليق المغني على الدارقطني (3/217) .

وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: "فزوِّجها إيَّاه". رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه أيضاً: أبو داود وفيه: "فكفَّرت عن يميني وأنكحتها إيَّاه"، ورواه الترمذي، والطيالسي، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وأكثر المفسرون من تخريج طرقه في بيان سبب نزول الآية الكريمة1.

_ 1 تخريجه: 1- البخاري (9/183 فتح) نكاح، باب من قال: "لا نكاح إلا بولي"، وأخرجه في مواضع كثيرة. انظر: التنبيه على أطرافه في كتاب التفسير (8/192 من الفتح) في بيان سبب نزول الآية. 2- أبو داود (6/109 عون المعبود) نكاح، باب في العضل. 3- الترمذي (8/324-325 تحفة) التفسير، سورة البقرة. 4- الطيالسي 1/305 منحة المعبود) نكاح، باب لا نكاح إلا بولي، وما جاء في العضل. 5- الطحاوي: شرح معاني الآثار (3/11) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 6- الدارقطني (3/ 222- 224) نكاح. 7- الحاكم (2/ 174) نكاح. 8- البيهقي (7/103-104) نكاح، باب (لا نكاح إلا بولي) . وانظر من كتب التخريج: إرواء الغليل للألباني (6/250-251) . وانظر: تفسير هذه الآية لبيان من خرجه من المفسرين (تقدم ذكر جملة من كتب التفسير ص 71 الحاشية) .

فهذا الحديث الوارد في سب نزول الآية الكريمة دليل على أنَّ الأمر في النكاح بيد الوليِّ، وإلا لما كان لعضل "معقل" أخته معنى؛ إذ لو كان لها أن تزوِّج نفسها بدونه لما احتاجت إليه، ولما احتاج إلى التكفير عن يمينه، ولكان مجرَّد رغبتها في مراجعة زوجها، ورغبة زوجها في الرجوع إليها كافيًا؛ إذ هي حرَّة، عاقلة، بالغة، ثيِّب، ومن كان أمره إليه لا يقال إنَّ غيره منعه، ثم لو كان أمرها في النكاح إليها دون أخيها لأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيها أنَّه لا سبيل له عليها، وأنَّها مالكة أمر نفسها؛ والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة1. قال الترمذي- رحمه الله- في هذا الحديث دلالة على أنَّه لا يجوز النكاح بغير وليّ، لأنَّ أخت "معقل بن يسار" كانت ثيِّباً، فلو كان الأمر إليها دون وليِّها لزوَّجت نفسها ولم تحتج إلى وليِّها "معقل بن يسار" وإنَّما خاطب الله في هذه الآية الكريمة الأولياء فقال: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ} ، ففي هذه الآية دلالة على أنَّ الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهنَّ" اهـ2. وقال ابن العربي رحمه الله: "فإن قيل: إنَّ السبب الذي رويتم يبطل نظم الآية؛ لأنَّ الوليَّ إذا كان هو المنكِح فكيف يقال: لا تمتنع من فعل

_ 1 انظر: فتح الباري (9/187) ، وسبل السلام (3/120) ، ونيل الأوطار (6/142) . 2 الترمذي مع تحفة الأحوذي (8/325) .

نفسك؟ وهذا محال، قلنا: ليس كما ذكرتم، للمرأة حقُّ الطَّلب للنكاح، وللوليِّ حقُّ المباشرة للعقد، فإذا أرادت من يُرضَى حاله وأبى الوليُّ من العقد فقد منعها مرادها، وهذا بيِّن" اهـ1. وفيما سبق بيانه في وجهة استدلال الجمهور للولاية في النكاح بهذه الآية ومناقشتها مع سبب نزولها ما يغني عن إعادته هنا2، والله الموفِّق. ج- دليل اشتراط الولاية في النكاح من الآثار المرويَّة عن الصحابة رضي الله عنهم: وأمَّا الذي اشتهر ذكره عن الصَّحابة - رضوان الله عنهم - قولاً وفعلاً فهو أن الذي يزوِّج النِّساء إنَّما هو أولياؤهنَّ من الرجال، بل قد اشتهر بين العلماء قول ابن المنذر: إنَّه لا يعرف عن الصحابة خلاف ذلك، وفي هذا دعوى لإجماع الصحابة على القول بأنَّه "لا نكاح إلا بوليٍّ"، وكفى بإجماعهم حجَّة - رضي الله عنهم، - وقد سبق ذكر بعض من نقل عنه ذلك إجمالاً في أول هذا المبحث، وفي حديث "لا نكاح إلا بوليٍّ"3، وإليك ذكر طرف من أقوالهم رضي الله عنهم، فمنها:

_ 1 أحكام القرآن لابن العربي (1/201) . 2 انظر ما تقدم (ص 68 وما بعدها) . 3 انظر (ص 67، 103 وما بعدها) .

1- ما رواه الحسن1 قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أيَّما امرأة لم ينكحها الوليُّ أو الولاة فنكاحها باطل". رواه البيهقي2، إلا أنَّ الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 2- ما رواه عبد الرحمن بن معبد بن عمير3: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه "ردَّ نكاح امرأة نكحت بغير وليٍّ". رواه البيهقي4. قال الألباني: "ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن معبد هذا"5. 3- ما رواه عكرمة بن خالد6 قال: جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة ثيِّب أمرها بيد رجل غير وليٍّ فأنكحها، فبلغ ذلك عمر رضي الله

_ 1 هو الحسن البصري، وهو ثقة فقيه فاضل مشهور، إلا أنَّه كثير الإرسال والتدليس. انظر ترجمته في: التقريب (1/165) ، وتهذيب التهذيب (2/263-270) . 2 البيهقي (7/111) . 3 انظر ترجمته في الجرح والتعديل (5/285) ، وفيه احتمال أنه لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 4 البيهقي (7/111) ، والمحلى لابن حزم (9/454) . 5 إرواء الغليل (6/249-250) . 6 هو: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي، ثقة، روى له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. انظر: التقريب (2/29) ، وتهذيب التهذيب (7/258-259) .

عنه "فجلد النَّاكح والمنكِح وردَّ نكاحها". رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما1. 4- ما رواه سعيد بن المسيَّب عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السُّلطان" رواه مالك، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهما2. وقيل إنَّه منقطع بين سعيد بن المسيَّب3 وعمر، ولكن لو سلِّم ذلك لم يضر لشواهده ولميزة مرسلات سعيد بن المسيَّب على غيرها، فكيف وقد أدرك ابن المسيَّب ثماني سنوات من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وذلك أنَّه ولد في السنة الثانية من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

_ 1 البيهقي (7/111) ، الدارقطني (3/225) ، وانظر: التلخيص الحبير (3/183) ، وإرواء الغليل (6/249) . 2 مالك: الموطأ (3/127 شرح الزرقاني) نكاح، باب استئذان البكر والأيُّم في أنفسهما، والدارقطني (3/229) ، والبيهقي (7/111) ، وانظر: إرواء الغليل (6/250) . وقد أعلَّه بالانقطاع بين سعيد بن المسيَّب وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. 3 هو سعيد بن المسيَّب بن حَزْن- على وزن سهل- أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أنَّ مرسلاته أصح المراسيل. قال ابن المديني: "لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه"، وقد روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/305-306) ، وتهذيب التهذيب (4/84-88) .

5- ما رواه معاوية بن سويد بن مقرِّن1 عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، لا نكاح إلا بإذن وليٍّ". رواه البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح، وقد روى عن علي رضي الله عنه بأسانيد أخر وإن كان الاعتماد على هذا دونها اهـ2. 6- ما رواه سعيد 3بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدي عدل". رواه البيهقي4. وهو صحيح عن ابن عباس موقوفاً عليه، وإنَّما الخلاف في رفعه عنه5.

_ 1 هو: معاوية بن سويد بن مقرِّن المزني، أبو سويد الكوفي، ثقة من (الطبقة) الثالثة، لم يصب من زعم أن له صحبة. كذا في التقريب، ورمز له بأنه من رجال الكتب الستة. انظر: التقريب (2/ 259) ، وتهذيب التهذيب (10/208) . وأمَّا أبوه سويد بن مقرِّن فهو صحابي مشهور. انظر ترجمته في: التقريب (1/ 341) ، وتهذيب التهذيب (4/279) . 2 البيهقي: (7/111) ، وانظر ما رواه عن علي رضي الله عنه من أوجه أخر في نفس الصفحة كلها شواهد للرواية المذكورة. 3 هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف الثقفي، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/292) ، وتهذيب التهذيب (4/11-14) . 4 البيهقي (7/112) . 5 انظر: إرواء الغليل (6/238-240، 251) ، وسيأتي تخريج هذا الأثر بأتمَّ مما هنا (2/244) إن شاء الله.

7- وما رواه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كانوا يقولون: إنَّ المرأة التي تزوِّج نفسها هي الزَّانية". رواه البيهقي1. وفي لفظ للدارقطني: "كنَّا نقول: إنَّ التي تزوِّج نفسها هي الفاجرة"2. وفي لفظ آخر له: "كنا نتحدّث أن التي تنكح نفسها هي الزانية". وفي لفظ آخر له: "نحو لفظ البيهقي"3. وفي لفظ لابن حزم: "ليس للنساء من العقد شيء، لا نكاح إلا بوليٍّ، لا تنكح المرأة نفسها، فإن الزَّانية هي التي تنكح نفسها"4. وهذه الرواية صحيحة عن أبى هريرة رضى الله عنه، وإنَّما الخلاف في لفظها المرفوع كما تقدم5. 8- ما رواه عبد الرَّحمن بن القاسم6، عن أبيه قال: كانت عائشة - رضي الله عنها - تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهَّد، فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها زوِّج؟ فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح".

_ 1 البيهقي (7/112) ونحوه (ص 107) أيضاً. 2 الدراقطني (3/227) . 3 نفس المصدر. 4 المحلى لابن حزم (9/454) . 5 انظر ما تقدم (ص137- وما بعدها) . 6 هو: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه. وقد روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/495) ، وتهذيب التهذيب (6/254) .

رواه الشافعي، ومن طريقه البيهقي، ورواه الطحاوي، ومن طريقه ابن حزم1.

_ 1تخريجه: 1- الشافعي: الأم (5/ 19) . 2- البيهقي (7/112) نكاح، آخر باب لا نكاح إلا بولي. 3- الطحاوي (3/10) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 4- ابن حزم (9/453-454 المحلى) . وانظر: مصنف عبد الرزاق (6/201) ، وفتح الباري (9/186) . وقد صححه الحافظ قائلاً: "وقدصحَّ عن عائشة أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها، فضربت بينهم بستر ثم تكلَّمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلاً فأنكح، ثم قالت: ليس إلى النساء النكاح". أخرجه عبد الرزاق. اهـ. (تتمة) : قال ابن التركماني- تعقيباً على البيهقي: في سند الشافعي: "عن الثقة" وهذا ليس بحجة على ما عرف وأفسده الطحاوي في اختلاف العلماء بأمرين: أحدهما: أنَّ ابن حنبل قال: ابن جريج يقول: أُخبرت عن عبد الرحمن بن القاسم فصار ما بينه وبين عبد الرحمن مجهولاً. والآخر: أنَّ ابن إدريس يرويه عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشةمرسلاً، لا يذكر فيه عن أبيه" اهـ. وجوابه: أنَّ الثقة الذي يروى عنه الشافعي قد تابعه عبد الله بن إدريس الأودي، كما في رواية الطحاوي نفسه في شرح معاني الآثار، وهي أيضاً متصلة، وليست كما ذكر هنا أنَّها مرسلة والله أعلم. وأمَّا الثقة الذي يروى عنه الشافعي عن ابن جريج، فالظاهر أنَّه (مسلم بن خالد- أي الزنجي-) كما قاله السخاوي في فتح المغيث في بيان المراد بقول الشافعي "حدثني الثقة". انظر: (1/289 فتح المغيث للسخاوي) . فإن كان هذا " فإنه صدوق، كثير الأوهام " كما قاله ابن حجر في التقريب (2/245) ، وتهذيب التهذيب (10/129-130) والله أعلم.

9- وما رواه عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر1، عن نافع2 قال: ولَّى عمر ابنته حفصة ماله وبناته ونكاحهنَّ3، فكانت حفصة إذا أرادت أن تزوِّج امرأة أمرت أخاها عبد الله فزوَّج "4. وهذا الصنيع من حفصة رضي الله عنها موافق لما سبق ذكره عن عائشة رضي الله عنها؛ إذ لو كان للمرأة عقدة النكاح لباشرته حفصة بنفسها، مما يدلُّ على أنَّ إسناد النكاح إليها إنَّما يقصد به

_ 1 هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثقة ثبت، أحد الفقهاء السبعة، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/537) ، وتهذيب التهذيب (7/38-40) . 2 هو: نافع، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/296) ، وتهذيب التهذيب (10/412-415) . 3 في المصنَّف (نكاحهنَّ) بدون واو العطف. وفي المحلى بالواو، فالظاهر سقوطها هنا، وان كان المعنى صحيحاً بدونها. 4 المصنّف (6/200) ، وعن طريقة ابن حزم في المحلى (9/454) .

التمهيد له، وأنَّ هناك عرفاً معروفاً عند الصحابة - رضوان الله عليهم - أنَّ النِّساء لا ينكحن، وأمَّا مشاركة النِّساء في اختيار الأزواج والتمهيد له فقد كان وما زال، وإنَّما الشأن في العقد الذي تستحلُّ به الفروج، والله أعلم. 10- ما ثبت في الصحيح عن زينب أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - أنَّها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: "زوَّجكنَّ أهاليكنَّ وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سموات". رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه البيهقي، وابن سعد في الطبقات1. فقول زينب - رضي الله عنها- هذا يدلُّ على العرف المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنَّ النِّساء إنَّما يُنكحهنَّ أولياؤهنَّ. وممن أشار إلى الاستدلال بقول زينب هذا الحاكم في مستدركه حيث قال: "وقد صحَّت الروايات فيه (أي في الوليِّ) عن أزواج

_ 1 تخريجه: 1- البخاري (13/403-404 فتح) كتاب التوحيد، باب "وكان عرشه على الماء ... ". 2- البيهقي (7/57) نكاح، باب ما أبيح له صلى الله عليه وسلم بتزويج الله ... 3- الطبقات الكبرى لابن سعد (8/103) ترجمة زينب بنت جحش رضي الله عنها.

النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وأمّ سلمة، وزينب بنت جحش رضي الله عنهم1 أجمعين"2. هذه بعض الآثار المرويَّة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستقصاؤها متعذِّر، وفيما تقدّم ما يكفي عن غيرها لبيان مذهبهم، وما كان عليه مجتمعهم في ولاية النكاح. والله أعلم. د- الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح. وأمَّا الدَّليل من المعقول على اشتراط الولاية في النكاح فقالوا: إنَّ النِّكاح عقد جليل قدره، عظيم خطره في حياة الإنسان، وفي إسناده إلى الأولياء من الرِّجال الذين هم أكمل نظراً، وأوفر عقلاً، وأشدَّ حرصاً على صيانة أعراضهم وأنسابهم، تكريمًا للمرأة وصيانة لها، وحفظاً للأنساب والأعراض من العار والزلل، وبذلك فارق العقود الماليَّة التي يجوز للمرأة التصرف فيها؛ لأنَّها مهما قيل في أهميتها فلا تصل أو تقارب مكانة عقد النكاح في جلالة قدره، وعظم خطره، وشرف مقاصده.

_ 1 الضمير في (عنهم) راجع إلى جميع ما سبق، وقد ذكر قبلهن ثلاثة عشر صحابياً ثم عطفهن بقوله: "وقد صحت الروايات فيه..". 2 المستدرك للحاكم (2/172) .

قال القرافي في الفرق بين قاعدة الحجر على النِّسوان في الأبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهنَّ في الأموال: قال: والفرق من وجوه: أحدها: أنَّ الأبضاع أشدُّ خطراً وأعظم قدراً، فناسب ألاّ تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها، والأموال خسيسة بالنِّسبة إليها، فجاز تفويضها لمالكها؛ إذ الأصل ألاَّ يتصرف في المال إلا مالكه. ثانيها: أنَّ الأبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القويَّة التي يبذل لأجلها عظيم المال، ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصال؛ ح لضعفه، فتلقى نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها، فحجر عليها على الإطلاق؛ لاحتمال توقع الهوى المفسد، ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى، والشهوة القاهرة التي ربَّما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها. وثالثها: أنَّ المفسدة إذا حصلت في الأبضاع بسبب زواج غير الأكفاء حصل الضَّرر، وتعدَّى للأولياء بالعار والفضيحة الشَّنعاء، وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدَّى المرأة، وليس فيه من العار والفضيحة ما في الأبضاع والاستيلاء عليها من الأراذل والأخسَّاء، فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين، وقد سئل بعض

الفضلاء عن المرأة تزوِّج نفسها، فقال في الجواب: "المرأة محلُّ الزلل، والعار إذا وقع يزلّ"1. وإلى هنا ينتهي ما أمكن استقصاؤه وبيانه من أدلة اشتراط الولاية في نكاح الحرَّة المكلَّفة. وإليك أدلَّة الفريق الآخر، وهو من يرى أنَّ الولاية على الحرَّة المكلَّفة ولاية ندب واستحباب، لا شرط في صحَّة عقدها. المذهب الثَّاني: أنَّ الولاية ليست بشرط في نكاح الحرة المكلَّفة: وعلى هذا فللحرَّة البالغة العاقلة - بكراً كانت أم ثيِّباً- تزويج نفسها إلأ أنَّه خلاف المستحب، وسواء أكان الزَّوج كفؤاً لها أم غير كفء؟ فالنكاح صحيح، وللأولياء حقّ الاعتراض إذا لم يكن الزوج كفؤاً لها2.

_ 1 الفروق للقرافي (3/136-137) ، ومثله في تهذيبها (3/171) . وانظر أيضاً: الروضة النديَّة شرح الدرر البهيَّة (2/13) . 2 انظر: المبسوط (5/10) ، فتح القدير مع الهداية والعناية (3/255-256) ، بدائع الصنائع (3/ 1364) ، أحكام القرآن للجصاص (1/401) .

وهذا المذهب هو المشهور عن أبى حنيفة رحمه الله1، وبه قال زفر2، وهو رواية عن أبي يوسف في ظاهر المذهب3. وقيل برجوع محمد بن الحسن إليها4. فيكون هذا القول هو المذهب لأبي حنيفة وأصحابه. وقد حرَّر ابن الهمام مذهبهم بقوله: "وحاصل ما عن علمائنا رحمهم الله- في ذلك سبع روايات: روايتان عن أبي حنيفة: تجوز مباشرة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقاً، إلأ أنَّه خلاف المستحب، وهو ظاهر المذهب. ورواية الحسن عنه5: إن عقدت مع كفء جاز، ومع غيره لا يصح، واختيرت للفتوى ... 6.

_ 1 نفس المصادر السابقة، والبحر الرائق (3/117) . 2 بدائع الصنائع (3/1364) ، أحكام القرآن للجصاص (1/401) . 3 الهداية وفتح القدير (3/256) ، بدائع الصنائع (3/ 1364) ، البحر الرائق (3/117) . 4 فتح القدير (3/256) ، والبحر الرائق (3/117) . 5 هو: الحسن بن زياد اللؤلؤيّ، الكوفي (أبو علي) من أصحاب الإمام أبي حنيفة، وممن أخذ عنه، وسمع منه. انظر: معجم المؤلفين (3/226) ، والأعلام (2/205) . 6 المحذوف هنا: هو توجيه اختيار هذه الرواية للفتوى.

وعن أبي يوسف ثلاث روايات: لا يجوز مطلقاً إذا كان لها وليّ، ثم رجع إلى الجواز من الكفء لا من غيره، ثم رجع إلى الجواز مطلقاً من الكفء وغيره. وروايتان عن محمد: انعقاده موقوفاً على إجازة الوليّ، إن أجازه نفذ، وإلا بطل، إلأ أنَّه إذا كان كفؤًا وامتنع الوليّ يجدد القاضي العقد ولا يلتفت إليه. ورواية رجوعه إلى ظاهر الرواية، فتحصَّل أنَّ الثابت الآن هو اتفاق الثلاثة على الجواز مطلقاً من الكفء وغيره على الوجه الذي ذكرناه عن أبي يوسف من ترتيب الروايات، وهو ما ذكره السَّرَخْسِي1. وأمَّا على ما ذكره الطحاوي2 من أنَّ قوله المرجوع إليه عدم الجواز إلا بوليِّ، وكذا الكرخي في مختصره حيث قال: وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بولي، وهو

_ 1 انظر المبسوط (5/10) . 2 قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: وقد كان أبو يوسف رحمة الله عليه يقول: إنَّ بضع المرأة إليها الولاء في عقد النكاح عليه لنفسها دون وليِّها، يقول: إنَّه ليس للوليّ أن يعترض عليها في نقصان ما تزوَّجت عليه، عن مهر مثلها، ثم رجع عن قوله هذا كلِّه إلى قول من قال: "لا نكاح إلا بولي". وقوله الثَّاني هذا قول محمد بن الحسن رحمة الله عليه، والله أعلم بالصواب.

قوله الأخير فلا، ورُجِّح قول الشيخين لأنَّهما أقدم وأعرف بمذاهب أصحابنا، لكن ظاهر الهداية اعتبار ما نقله السرخسي والتعويل عليه1. انتهى المقصود من كلام ابن الهمام وقد نقلته لما فيه من جودة التحرير وحسن الترتيب لمختلف الرِّوايات في مذهب الحنفية. أدلَّة من لم يشترط الولاية في نكاح الحرَّة المكلّفة. استدلَّ أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بالكتاب والسّنة والأثر والمعقول أيضاً. وإليك بيان ذلك مفصَّلاً: أدلَّتهم من القرآن الكريم. الدَّليل الأوَّل: قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} 2. فقد قال أبو بكر الجصاص: قوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُن} معناه: لا تمنعوهنَّ أو لا تضيِّقوا عليهنَّ في التزويج، وقد دلَّت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير وليٍّ، ولا إذن وليِّها: أحدها: إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الوليّ.

_ 1 فتح القدير لابن الهمام (3/255-256) . 2 سورة البقرة- آية رقم: 232.

والثَّاني: نهيه عن العضْل إذا تراضى الزوجان اهـ1. وأجيب عن ذلك بأنَّ المراد بنكاحهنَّ هو ما يعقده لهنَّ أولياؤهنَّ لا ما تعقده المرأة لنفسها، كما دلَّ على ذلك سبب نزول الآية في حديث (معقل بن يسار) في عضله أخته، كما سبق بيانه2. وأمَّا إضافة النكاح إليهنَّ: فلأنَّهنَّ محلُّه والمتسبِّبات فيه. قال الفخر الرازي: "وهذا وإن كان مجازاً إلا أنَّه يجب المصير إليه؛ لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح "3 اهـ. أي بدون وليٍّ. وهناك وجه آخر في إسناد النكاح إليهنَّ- فيما يظهر لي- وهو أنَّ المرأة الحرَّة المكلَّفة لا تنكح غالباً إلأ بإذنها، وذلك أنَّها إمَّا أن تكون بكراً، أو ثيِّباً، فإن كانت ثيِّباً فلا تنكح إلا بإذنها اتفاقاً إلا من شذَّ، وإن كانت بكراً فلا مجبر لها على النكاح إلا أبوها أو جدُّها على خلاف في إجبارها- كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى4.

_ 1 أحكام القرآن للجصاص (1/400) ، وانظر: بدائع الصنائع للكاساني (3/1367) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/258) . 2 انظر (ص 68، 140 وما بعدها) . 3 التفسير الكبير للفخر الرازي (6/114) . 4 انظر الفصل الثالث الآتي.

وعلى القول بإجبارهما إيَّاها فهي حالة مستثناة بدليل آخر، كما استثنى نكاح الصغيرة والمجنونة والأمة؛ إذ لا خلاف في ثبوت الولاية عليهنَّ وأنَّهنَّ لا يدخلن في الاستدلال بهذه الآية؛ لنفي ولاية النِّكاح عن المرأة كما قيل. وأيضاً فإنَّه لا خلاف في استحباب استئذان الأب والجدِّ للبكر البالغ، والغالب أنَّهما لا يزوجانها إلا برضاها، وبهذا يظهر وجه إضافة النِّكاح إلى النِّساء في هذه الآية وما شابهها من الآيات، وربَّما يشير إلى هذا المعنى قولهم: "إنَّهنّ المتسبّبات فيه" لتوقُّفه – غالباً - على رضاهنَّ، وخاصَّة أنَّ هذه الآية نازلة في امرأة ثيِّب، كما سبق في سبب نزولها. والله أعلم. وأمَّا الاستدلال بنهي الأولياء عن العضل، على إبطال ولايتهم. فجوابه: أنَّ نهي الأولياء عن العضل، فيه إثبات لحقِّهم في الولاية لا نفيها عنهنَّ؛ إذ لا معنى لنهي الأجنبي عن عضل بنات زيد –مثلاً- عن الأزواج، ثم إنَّه قد سبق ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة، وفيه بيان للمراد من العضل وهو منعها من نكاح من يرضى حاله ضراراً لها وأنفة بغير حقٍّ. وولاية الوليّ ولاية نظر ومصلحة، فلو احتمل العضل في الآية أكثر من معنى، وجاء سبب نزول الآية مبيِّناً أنَّ المراد أحدها وجب اعتماده والمصير إليه وترك ما خالفه.

وقد سبق بيان دلالة هذه الآية على اشتراط الولاية في النِّكاح بأكثر مما هنا، فليراجع1. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} 2. قال أبو بكر الجصاص: ومن دلائل القرآن على ذلك (أي على تزويج المرأة نفسها) قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، فجاز فعلها في نفسها من غير شرط الوليِّ، وفي إثبات شرط الولي في صحَّة العقد نفي لموجب الآية؛ فإن قيل: إنَّما أراد بذلك اختيار الأزواج وألاَّ يجوز العقد عليها إلا بإذنها، قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: عموم اللفظ في اختيار الأزواج وفي غيره. والثاني: أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها، وإنّما يحصل ذلك بالعقد الذي يتعلَّق به أحكام النكاح، وأيضًا فقد

_ 1 انظر البحث (ص 68 وما بعدها، 140 وما بعدها) . 2 سورة البقرة – آية رقم: 234.

ذكر الاختيار مع العقد بقوله: {إِذَا1 تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} 2. وأجيب عن ذلك بما يلي: 1- أنَّ قوله تعالى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوف} خطاب للأولياء، ولولا أنَّ العقد لا يصحُّ إلا من الوليِّ لما كان مخاطباً به. حكى ذلك الفخر الرازي عن الشافعية3. 2- أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - إنَّما أباح لها فعلها في نفسها بالمعروف، وعقدها على نفسها ليس من المعروف؛ إذ هو خلاف المستحب عند من قال بجوازه من الحنفية، وصرَّحوا بأنَّ فيه ما يشعر بابتذالها ووقاحتها4. ففعلهنَّ إذاً في أنفسهنَّ بالمعروف إنَّما هو ما يتمُّ برضاهنَّ واختيارهنَّ مع أو ليائهنَّ، ثم عقد أوليائهنَّ لهن؛ لقيام الدليل على ذلك. وأمَّا قول أبي بكر الجصاص إنَّ قصر حقِّهنَّ في النكاح على اختيار الأزواج غلط؛ لعموم الآية في اختيار الأزواج وغيره.

_ 1 يقصد قوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} (232 البقرة) ؛ لأنَّ أصل الكلام فيها. 2 أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (1/400) . 3 التفسير الكبير للفخر الرازي (6/129) . 4 انظر- مثلاً- فتح القدير والهداية (3/258) ، والبحر الرائق (3/117) .

فجوابه- والله أعلم- أنَّه لا شك أنَّ عموم الآية شامل لرفع الجناح عن كلِّ ما كان محظوراً على المرأة المعتدَّة من وفاة زوجها بعد انقضاء عِِدَّتها، وهي في زمن العِدَّة يحرم عليها النكاح، وما دونه من التزيًّن والتعرّض للخُطَّاب، والخروج من مسكنها، فلمَّا انقضت عِدَّتها أبيح لها ما كان محظوراً عليها. فأمّا اطّراح الإحداد وتزينها وتجمّلها للخطاب وخروجها من دار زوجها المتوفى فذلك لها اتفاقاً، وأمَّا النكاح فلها فيه اختيار الأزواج والرضى به كما دلّت عليه السنَّة الصَّحيحة. وأمّا العقد فقد قام الدليل الخاصُّ من السُّنَّة على أنَّه بيد وليِّها ولا معارضة بين عموم وخصوص. وأمَّا قوله: إنَّ اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها، وإنَّما يحصل ذلك بعقد النكاح. فجوابه:- والله أعلم- أنَّ فعلها في نفسها قد حصل بالتطيّب والتكحّل والتحلّي والتجمُّل للخطّاب، ونحو ذلك، وأيضاً فإنَّها إذا اختارت من ترضاه زوجاً لها وكان كفؤًا لها في دينه وخلقه وجب على وليِّها إجابتها إلى طلبها وإلا عُدَّ عاضلاً آثماً، فرغبتها في النكاح ورضاها بزوِّجها الكفء موجب لإجبار وليِّها على تزويجها، أو تزوَّج من قبل الحاكم أو غيره من الأولياء رغماً عنه فيحصل لها بذلك فعل في نفسها، مع أنَّه لو قيل: إنَّه بالنكاح- سواء أكان بعقدها أم عقد وليِّها- لا يحصل لها فعل في نفسها؛لأنَّ

الفعل الحقيقيَّ لغيرها وهو الزوج لما كان بعيداً، وإنَّما الذي يحصل به فعل لها في نفسها حقيقة هو تزيُّنها وتجمُّلها للخطَّاب ونحو ذلك، والله أعلم. وأمَّا قوله: إنَّ اختيار الأزواج مذكور في الآية- أي قبلها- في قوله تعالى: {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} . فهذا- والله أعلم- أقرب إلى أنَّ يكون دليلاً على أنَّ العقد بيد طرف ثالث حينما يتراضى الزوجان؛ فإنَّه لو كان النكاح صحيحاً بعقدها مع زوجها فلا مُكره لهما حين يتراضيان، وإنَّما يتصوَّر إلا كراه ومعارضة هذه الرغبة من طرف ثالث وهو الوليّ في منعه وليَّته من النكاح1، والله أعلم. الدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} 2.

_ 1 انظر في معنى هذه الآية كتب التفسير التالية: ابن جرير الطري (2/320) ، ابن كثير (1/285) ، تفسير الأحكام لابن العربي (1/208-212) ، القرطبي (3/187) . 2 سورة البقرةمن– آية رقم: 230.

ففي قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} أضيف النكاح إليها فيقتضي تصوُّر النكاح منها، وكذلك جعل إنكاحها نفسها غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند إنكاحها نفسها. وفي قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} أضيف رجعة المرأة إلى زوجها الأول بعقد جديد- أي بعد عقد الثَّاني ومفارقته وانقضاء عِدَّته- من غير ذكر للوليِّ، فدلَّ ذلك على صحَّة عقد المرأة نكاحها من غير توقُّفه على مباشرة وليِّها له1. وقد أجيب عن ذلك بما يلي: 1- أنَّ المراد بنكاحها هنا ما يعقده لها وليُّها، وليس الذي تباشره بنفسها، وإنَّما أضيف إليها لأنَّها محلُّ ذلك وسببه، كما تقدم. 2- أنَّ المراد بالنِّكاح في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه} هوالوطء لا العقد؛ لما دلَّت عليه السنة الصحيحة أنَّ المرأة المطلَّقة ثلاثاً لا تحلُّ لزوجها الأول حتى تذوق عسيلة الثَّاني، وهذا محلّ

_ 1 انظر في توجيه الاستدلال بهذه الآية: بدائع الصنائع للكاساني (3/1367) ، أحكام القرآن للجصاص (1/400) ، روح المعاني للآلوسي (2/141) .

اتفاق؛ إذ لم يقل أحد بحلِّها للأول بمجرد العقد، إلا ما وري عن سعيد بن المسيَّب - رحمه الله - على فرض صحة النقل عنه1. ولذلك قال ابن العربي - رحمه الله - في ردِّ الاستدلال بهذه الآية على إنكاح المرأة نفسها، قال: لو كان سعيد بن المسيَّب يرى هذا مع قوله: "إنَّ النِّكاح العقد" لجاز له، وأمَّا نحن وأنتم (أي الحنفية) الذين نرى أنَّ النِّكاح هنا هو الوطء فلا يصحُّ الاستدلال لكم معنا بهذه الآية، فإن قيل: القرآن اقتضى تحريمها إلى العقد، والسنَّة لم تبدِّل لفظ "النِّكاح" ولا نقلته عن العقد إلى الوطء، وإنَّما زادت شرطاً آخر وهو الوطء. قلنا: إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين فأثبتت السنَّة أنَّ المراد أحدهما فلا يقال: إنَّ القرآن اقتضى أحدهما وزادت السنَّة الثَّاني، وإنّما يقال: إنَّ السنَّة أثبتت المراد منهما، والعدول عن هذا جهل بالدَّليل أو مراغمة وعناد في التَّأويل اهـ2.

_ 1لقد استبعد ابن كثير - رحمه الله - صحة هذا عن ابن المسيّب - رحمه الله - ونقل ما يدلُّ على موافقته غيره من العلماء، وهو أن المطلقة ثلاثًا لا تحلُّ للأول حتى تذوق عسيلة الثاني. انظر: تفسير ابن كثير (1/277) . 2 أحكام القرآن لابن العربي (1/198-199) .

الدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} 1. فقالوا: إنَّ في هذه الآية الكريمة دليلاً على انعقاد النكاح بعبارة المرأة، بل قيل: إنَّها نصٌّ في ذلك2. وذلك- والله أعلم- أنَّ هذه المرأة لو لم تملك إنكاح نفسها لم تملك هبته بغير أمر من يملكه، وظاهر الآية أنَّ هبتها للنبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقَّف على أمر وليِّها. والله أعلم. ولكنَّ الاستدلال بهذه الآية لا يخلو من نظر، وذلك أنَّ قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لا يخلو من ثلاثة أمور: أوَّلها: أنَّ الواهبة نفسها خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم بدون مهر ولا وليٍّ، كما قال قتادة "ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير وليٍّ ولا مهر إلاَّ للنبي صلى الله عليه وسلم "3. ثانيها: أنَّ الواهبة نفسها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدون مهر. ثالثها: أنَّها خالصة له صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة.

_ 1 سورة الأحزاب – آية رقم: 50. 2 بدائع الصنائع للكاساني (3/1366) . 3 انظر تفسير ابن كثير (3/500) .

فعلى القول الأول: لا دليل فيها على صحة إنكاح المرأة نفسها لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون النكاح بغير وليّ من خصائصه، صلى الله عليه وسلم قيل هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية وكذلك الحنابلة، والظاهرية1 وأمَّا على القول الثَّاني والثَّالث فلا ذكر فيه لإسقاط الوليّ، وإنَّما يطلب من دليل آخر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ، فهذا يدلُّ على أنَّ المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم لم تحلّ له بمجرَّد تلك الهبة، وإنَّما الأمر إليه صلى الله عليه وسلم فإن أراد أن يتزوَّج بها بعد ذلك فعل وإلا ترك، فيكون حكم النكاح مستأنفاً لا تعلق له بلفظ الهبة إلا في المقصود من الهبة وهو سقوط الصَّداق الذي هو حقٌّ خالص للمرأة2، والله أعلم.

_ 1انظر في القول بخصوصية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا في المصادر التالية: للمالكية: أحكام القرآن لابن العربي (3/156-1563) ، القرطبي (14/212) ، الخرشي (3/163) . وللشافعية: روضة الطالبين (7/9) ، مغني المحتاج (3/124) . وللحنابلة: شرح منتهى الإرادات (3/16) . وللظاهرية: المحلى لابن حزم (9/457) . 2انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/1560-1561) .

ب- الدَّليل من السنَّة: وأمّا الدَّليل من السنَّة على إنكاح نفسها فقد استدلُّوا بجملة من الأحاديث منها ما يلي: الحديث الأوَّل: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيمُّ أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه الأئمة: مالك، وأحمد، ومسلم، والأربعة، والدرامي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي1.

_ 1 تخريجه: 1- مالك: (3/126 الموطأ مع شرح الزرقاني) نكاح، استئذان البكر والأيمّ في أنفسهما. 2- أحمد: (16/157 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيب) . 3- مسلم: (9/204-205 شرح النووي) نكاح، "باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت". 4- أبو داود: (6/124) عون المعبود) نكاح، باب في الثيب. 5- الترمذي: (4/244 تحفة الأحوذي) نكاح، باب ما جاء في استئمار البكر والثيب. 6- النسائي: (6/ 84-85 شرحي السيوطي والسندي) نكاح، استئذان البكر، واستئمار الأب في البكر. 7- ابن ماجه: (1/601) ، نكاح، باب استئمار البكر والثيب. 8- الدرامي: (2/63 مع تخريجه) نكاح، باب استئمار البكر والثيب. 9- ابن الجارود: (238 مع تخريجه) نكاح. 10- الطحاوي: شرح معاني الآثار (3/11) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 11- الدارقطني: (3/239-242 مع التعليق المغني) . 2 ا- البيهقي: (7/115) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار، وفي مواضع أخر. وانظر كتب التخريج التالية: نصب الراية (3/ 182) ، التلخيص الحبير (3/ 184) ، فيض القدير (3/190) ، إرواء الغليل (6/231-232) .

فقالوا: إنَّ الأيِّم في هذا الحديث اسم لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا، وقد أثبت النبيُّ صلى الله عليه وسلم لكلّ من الوليِّ والأيِّم حقًّا ضمن قوله "أحقّ"، وجعلها أحقَّ بنفسها من وليِّها ولن تكون أحقّ منه بنفسها إلا إذا صح تزويجها نفسها بغيررضاه. وهذا يمنع أن يكون له حقٌّ في منعها العقد على نفسها كقوله صلى الله عليه وسلم "الجارأحقُّ بصقبة"1.

_ 1 الصَّقَّب- بالسين والصاد المهملتين-: هو القرب والملاصقة. ومعنى الحديث: أنَّ الجار أحقُّ بالشفعة من غير الجار بسبب قربة. انظر: النهاية في غريب الحديث (2/377) ، (3/41) . وهذا الحديث قد رواه البخاري والنسائي من حديث أبي رافع رضي الله عنه (انظر: نصب الراية وحاشيتها (4/ 174) .

وقوله لأمِّ الصغير: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي1 "2 هذه خلاصة ما قالوه في توجيه الاستدلال بهذا الحديث لإثبات حقِّ المرأة في إنكاح نفسها، وهو- فيما يظهر لي- أقوى حجَّة لهم فيما ذهبوا إليه، وذلك لصحَّة هذا الحديث واحتماله لما قالوا. والله أعلم. وقد أجاب عنه الجمهور بأنَّه لا حجَّة في هذا الحديث على صحَّة إنكاح المرأة نفسها، وعمدة ما أجابوا به جوابان: أولهما: أنّ لفظ "الأيِّم" وإن كان لغة اسمًا لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا، صغيرةً أم كبيرةً، بل لكلِّ من لا زوج له، وإن كان رجلاً- إلاَّ أنَّ المقصود به في هذا الحديث إنَّما هو "المرأة الثَّيِّب"، خاصَّة فيبقى الاستدلال به قاصرًا عن دعوى شموله الثيِّب والبكر معًا3.

_ 1 وهذا الحديث قد رواه أبو داود، والحاكم، والدارقطني. انظر: نصب الراية وحاشيتها (3/265) . 2 انظر في توجيه الاستدلال بهذا الحديث لل0حنفية المراجع التالية: المبسوط (5/12) ، نصب الراية (3/182) ، أحكام القرآن للجصاص (1/401) ، وبدائع الصنائع (3/1367) ، فتح القدير مع الهداية والعناية (3/258- 259) . 3 انظر في معنى الأيِّم مادة "أيم" في كلٍّ من: مقاييس اللغة لابن فارس (1/165-166) ، الصحاح للجوهري (5/1868) ، القاموس (4/79) ، النهاية في غريب الحديث (1/85-86) .

واستدلوا على ذلك بثلاثة أمور: 1- مقابلة الأيِّم بالبكر في الحديث دليل على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما أراد بالأيِّم من لم تكن بكرًا، فقد قسَّم النساء قسمين: أيامى وأبكارًا ولا ثالث لهما1. 2- ماجاء في بعض روايات هذا الحديث بلفظ "الثيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها" إذ إنّها مفسِّرة للمراد من الأيِّم في هذا الحديث"2. وقد رواه بهذا اللفظ كلٌّ من الإمام أحمد، ومسلم وأبو داود وا لنسائي، والدارقطني، وا لبيهقي3.

_ 1 انظر: نصب الراية (3/193) ، وشرح النووي (9/203) ، وفتح الباري (9/ 192) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/126) ، وبلوغ الأماني شرح الفتح الرباني للساعاتي (16/157) . 2 المصادر السابقة، بالإضافة إلى: عون المعبود (6/ 124) ، وتحفة الأحوذي (4/ 244) ، وحاشيتي السيوطي والسندي على النسائي (6/84) . 3 انظر: مصادر التخريج السابق (ص 167-168) ، وقد رووه عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما، - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الدارقطني: ورواه جماعة عن مالك، عن عبد الله بن الفضل بهذا الإسناد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الثيب أحق بنفسها"، منهم شعبة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن داود الخريبي، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن أيوب المصري وغيرهم، ثم ذكر أسانيدهم (3/ 240- 241) ، ثم قال: وكلهم قال: "الثيب". (3/ 241) .

3- أنَّ استعمال لفظ "الأيِّم في المرأة الثَّيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق ونحوه أكثر استعمالاً في اللغة، وأشهر ذكرًا بخلافه في البكر التي لمَّا تزوّج بعد1. وثانيهما: أنّه متى أمكن الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض وجب المصير إليه، لما في ذلك من العمل بالأدلَّة جميعًا دون العمل ببعضها وردِّ بعض، والجمع بين هذا الحديث وأحاديث اشتراط الولاية في النكاح ممكن، وذلك بحمل حقِّ الوليِّ على العقد، وحقِّها على الرضى، ولا شك أنَّ حقّها بنفسها آكد؛ لتوقُّف حقّ الوليِّ عليه، فهذا وجه أحقّيّتها بنفسها2.

_ 1 انظر شرح النووي (9/203) وفتح الباري (9/192) وشرح الزرقاني على الموطأ (3/126) ، وعون المبعود (6/ 124) ، وتحفة الأحوذي 4/ 244/ نقلاً من الفتح) وشرحي السيوطي والسندي (6/ 84) . 2 انظر في هذا المعنى: شرح الزرقاني على الموطأ (3/126) ، وبلوغ الأماني شرح الفتح الرباني للساعاتي (16/157) ، ومعالم السنن للخطابي (3/ 42) ، وعون المعبود (6/124-125) وتحفة الأحوذي (4/244-245) .

ومما يدلّ على ذلك أنَّ ابن عباس - رضى الله عنهما - روى هذا الحديث وحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ". وصحَّ عنه رضي الله عنه فتواه باشتراط الوليِّ، كما قال الترمذي - رحمه الله - تعقيبًا على هذا الحديث- قال: "واحتجّ بعض الناس في إجازة النكاح بغير وليٍّ بهذا الحديث، وليس في هذا الحديث ما احتجّوا به، لأنّّه قد روى- من غير وجه- عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبيّ قال "لا نكاح إلا بوليٍّ". وهكذا أفتى به ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا نكاح إلا بوليٍّ"، وإنَّما معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها"- عند أكثر أهل العلم- أنَّ الوليَّ لا يزوِّجها إلاّ برضاها وأمرها، فإن زوّجها1 فالنكاح مفسوخ، على حديث خنساء بنت خدام حيث زوّجها أبوها وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه"2 اهـ. وقال النووي- رحمه الله-: "قوله صلى الله عليه وسلم "أحقّ بنفسها" يحتمل من حيث اللفظ أنّ المراد أحقّ من وليِّها في كلِّ شيء من عقده وغيره، كما قاله أبو حنيفة وداود. ويحتمل أنَّها أحقّ بالرضى؛ أي لا تزوّج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر، ولكن لمَّا صحَّ قول النبيّ

_ 1 أي بدون رضاها. 2 الترمذي مع تحفة الأحوذي (4/244-245) .

صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بوليٍّ" مع غيره من الأحاديث الدَّالّة على اشتراط الوليّ تعيَّن الاحتمال الثَّاني، واعلم أنّ لفظة "أحقّ" هنا للمشاركة، معناه: أنّ لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولوليِّها حقًّا، وحقُّها أوكد من حقِّه؛ فإنّه لو أراد تزويجها كفؤًا وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت أن تتزوَّج كفؤًا فامتنع الوليُّ أجبر، فإن أصرَّ زوّجها القاضي1، فدلَّ على تأكيد حقِّها ورجحانه"2 اهـ. الحديث الثَّاني: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر وصمتها إ قرارها". رواه أحمد، وأبو داود- وهذا لفظه- والنسائي، وابن حِبَّان، والدارقطني والبيهقي3.

_ 1 هذا بناء على أنَّ الولاية تنتقل إلى السلطان إذا عضل الوليُّ الأقرب، وسيأتي بيان الخلاف فيها، هل تنتقل إلى السلطان أو إلى الوليِّ الأبعد. (انظر المبحث الثالث من الفصل الثامن الآتي (2/ ص172 وما بعدها) . 2 شرح النووي على صحيح مسلم (9/203-204) . 3 تخريجه: 1- أحمد: (16/ 157 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيِّب) . 2- أبو داود: (6/127عون المعبود) نكاح، باب في الثيب. 3- النسائي: (6/85 مع حاشيتي السيوطي والسندي) نكاح استئذان البكر في نفسها. 4- ابن حبّان: (ص 304 موارد الظمآن) نكاح، باب الاستئمار. 5- الدارقطي: (3/239مع التعليق المغني) نكاح. 6- البيهقي: (7/118) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الثّيب. وانظر كتب التخريج التالية: نصب الراية (3/194) ، التلخيص الحبير (3/184) .

فقالوا: إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس للوليِّ مع الثيِّب أمرٌ" نصٌّ في إسقاط اعتبار الوليِّ في العقد وفي إثبات حقِّ المرأة في تزويج نفسها1. وأجيب عنه بما يلي: أوّلاً: أنَّ معمرًا2 راويه قد أخطأ في متنه وإسناده. قاله الدارقطني وغيره. وبيان ذلك أنّه لم يروه بهذا اللفظ غيرمعمر، وأمَّا اللفظ الصحيح فهو ما سبق عن ابن عباس بلفظ "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها"، أو "الثيِّب أحقّ بنفسها من وليِّها". كما تقدَّم قريبًا. ورواه الدارقطني بلفظ "الأيِّم أولى بأمرها" عن ابن إسحاق3، وبلفظ "الأيِّم أحقُّ بنفسها" عن سعيد4 بن سلمة،

_ 1 انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/401) ، بدائع الصنائع للكاساني (3/1367) ، المبسوط للسرخسي (5/12) . 2 هو: معمر بن راشد، وهو ثقة، ثبت، فاضل- وتقدم (ص 124) . 3 ابن إسحاق، هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر، المطلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق، يدلس، ورمي بالتشيّع، والقدر، روى له البخاري تعليقًا، وروى له مسلم والأربعة. انظر: التقريب (2/ 144) ، وتهذيب التهذيب (9/38-46) . 4 هو: سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام، العدوي مولاهم أبو عمر المدني، صدوق صحيح الكتاب يخطيء من حفظه، روى له مسلم وأبو داود والنسائي. انظر: التقريب (1/297) ، وتهذيب التهذيب (4/ 41) .

كلاهما عن صالح بن كَيْسان1، عن عبد الله بن الفضل2، عن نافع بن جبير3 عن ابن عباس - رضي الله عنهما، - عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم قال الدارقطني: "وخالفهما معمر في إسناده فأسقط منه رجلاً "أي عبد الله بن الفضل" وخالفهما أيضًا في متنه فأتى بلفظ آخر وَهِمَ فيه؛ لأنّ كلَّ من رواه عن عبد الله بن الفضل، وكلّ من

_ 1 هو: صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/362) ، وتهذيب التهذيب (4/499-501) . 2 هو: عبد الله بن الفضل بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة، من (الطبقة) الرابعة. كذا في التقريب (1/440) ورمز لكونه من رجال أصحاب الكتب الستة. وانظر: تهذيب التهذيب (5/357-358) . 3 هو: نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، أبو محمد، أو أبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، مات سنة تسع وتسعين بعد المائة، وروى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/295) ، وتهذيب التهذيب (10/404-405) .

رواه عن نافع ابن جبير مع عبد الله بن الفضل خالفوا معمرًا، واتفاقهم على خلافه دليل وهمه، والله أعلم1. ثم ذكر الدارقطني رواية معمر عن صالح بن كَيْسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "ليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها". فقال: كذا رواه معمر عن صالح، والذي قبله أصحُّ في الإسناد والمتن؛ لأنَّ صالحًا لم يسمعه من نافع بن جبير، وإنَّما سمعه من عبد الله بن الفضل عنه. واتفق على ذلك ابن إسحاق، وسعيد بن سلمة عن صالح، سمعت النيسابوري2 يقول: الذي عندي أن معمرًا أخطأ فيه اهـ3. ثانياً: إنَّ هذا الحديث قاصر عن الدعوى- وهو إنكاح المرأة نفسها بكرًا أم ثيِّبًا- فهو لا يشمل البكر، بل إنَّه موافق لرواية ابن عباس السابقة الصحيحة بلفظ: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها) المفسِّرة لرواية "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها"، فهذان اللفظان هما الصحيحان في رواية هذا الحديث.

_ 1 الدارقطني (3/239مع التعليق المغني) ، وانظر: نصب الراية (3/194) ، والتلخيص الحبير (3/184) . 2 هو: شيخ الدارقطني في هذا الإسناد. 3الدارقطني (3/239مع التعليق المغني) ، وانظر: نصب الراية (3/ 194) ، والتلخيص الحبير (3/184) .

وأمَّا لفظ "ليس للوليِّ مع االثَّيِّب أمر " فقد تفرَّد به معمر عن صالح ابن كَيْسان، مخالفًا غيره- كما تقدَّم. ثالثًا: الجمع بينه وبين أحاديث اشتراط الولاية في النكاح بحمل هذا الحديث على نفي حق الوليِّ في الإكراه؛ إذليس للوليِّ مع الثَّيِّب أمر إكراه، فلا يجبرها على النِّكاح، ولا على من لا ترضاه، وهذا محلُّ اتفاق1 الحديث الثَّالث: ما رواه عبد الله2 بن بُرَيْدة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءت فتاة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال: فجعل الأمر إليها فقالت: إنّي قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النِّساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمرشيء".

_ 1 انظر: سبل السلام (3/119) ، عون المعبود (6/127) ، بلوغ الأماني شرح الفتح الرباني (16/157) . 2 هو: عبد الله بن بُرَيْدة بن الحُصَيْب، الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضيها، ثقة، مات سنة خمس ومائة، وقيل: بل خمس عشرة وله مائة سنة. انظر: التقريب (1/403-404) ، ورمز لكونه من رجال أصحاب الكتب الستة، قال محقِّقه: الحُصَيْب- بضم ففتح فسكون-، وبريدة مصَّغر. اهـ 1/403. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (5/157-158) .

رواه الامام أحمد، والنسائي، والدارقطني- واللفظ له- والبيهقي. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه1. فقالوا: إنّ إقرار النبيّ صلى الله عليه وسلم للفتاة على قولها "ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمرشيء" دليل على نفي ولايتهم، وأنّ الأمر في نكاحهنَّ إليهنّ دونهم، ويفيد أيضًا: بعمومه

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (16/163ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب في الكفاءة في النكاح) . النسائي: (6/87 مع حاشيتي السيوطي والسندى) نكاح، البكر يزوِّجها أبوها وهى كارهة. ابن ماجه: (1/602-603) نكاح، باب من زوَّج ابنته وهي كارهة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، لم يذكر عائشة رضي الله عنها، قال محقِّقه: في الزوائد [أي زوائد ابن ماجه للبوصيريّ] ، إسناده صحيح، وقد رواه غير المصنِّف! من حديث عائشة وغيرها اهـ (1/603) . الدارقطني: (3/232-233مع التعليق المغني) من عدة طرق بعدة ألفاظ، ثم قال: "هذه كلُّها مراسيل عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا". (3/233) . البيهقي: (7/118) نكاح، آخر باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار، وقال مثل الد ارقطني. وانظر: نصب الراية (3/ 192) .

أنّ مباشرة عقد نكاحهنَّ ليس حقًّا ثابتًا لآبائهنَّ ونحوهم، بل هو مستحب مراعاة للحشمة والأدب1. وأجيب عن ذلك بعدَّة إجابات أشهرها وأهمها ثلاثة:

_ 1 انظر في هذا المعنى: المبسوط للسرخسي (5/12) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/263) . (تنبيهان) : 1- قد عزا السرخسي هذا الحديث للخنساء ولكن روايات هذه الواقعة كلُّها تدل على أنَّ هذه الفتاة غير الخنساء بنت خدام التي روى حديثها البخاري وغيره، فتلك ثيِّب على الصحيح، وهذه فتاة بكر فيما يظهر، والله أعلم. 2- ويلاحظ على نسخة فتح القدير هنا مخالفتها لما بين يدي- من سنن النسائي- متنًا وربَّما إسنادًا أيضًا. أمَّا المتن: ففي فتح القدير بلفظ". وإنما أردت أن أُعلِم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء" اهـ بينما هو في سنن النسائي بلفظ: "ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء"؟ فليلاحظ. أمَّا الإسناد: فقد قال ابن الهمام: فإن سند النسائي قال: "حدثنا زياد بن أيوب، عن علي ابن عراب (كذا) عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة"، ولم يزد على ذلك. وهذا ربما أوهم أن عبد الله بن بريدة لم يروه عن عائشة، أو أنه رواه عن أبيه، فيشتبه بإسناد ابن ماجه الذي ذكره بعده مباشرة" فليلاحظ. مع ملاحظة تغيّر صيغة الأداء أيضًا من "حدثنا علي بن غراب "إلى "عن علي بن غراب " وأيضا تصحف اسم غراب "بالغين المعجمة" كما هو الصواب إلى عراب "بالمهملة وهو خطأ" فليلاحظ.

أولاً: أنَّ هذا الحديث مرسلٌ؛ فإنَّ عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة- رضي الله عنها- شيئًا، قال الدارقطني- بعد أن رواه بعدة طرق وبألفاظ شتَّى-: هذه كلُّها مراسيل ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا1. وكذلك قال البيهقي: هذا مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها2. وأجيب عن هذا: أنَّه بعد التسليم بعدم حجِّيَّة المرسل، فإن رواية عبد الله بن بريدة عن عائشة محمولة على الاتصال؛ لإمكان اللقاء والسماع كما هو شرط مسلم في صحيحه؛ فإنّ عبد الله بن بريدة ولد في السنة الخامسة عشرة للهجرة3. وعائشة - رضي الله عنها - قد توفيت سنة سبع وخمسين على الصحيح4. ولا شك في إمكان لقائه بها وسماعه منها. وأيضًا: فإنّ عبد الله بن بريدة قد رواه عن أبيه- كما في سنن ابن ماجه- وأبوه صحابي جليل توفي سنة 63 هـ5. إلأ أنَّه قيل

_ 1 الدارقطني (3/233) . 2 البيهقي (7/118) . 3 انظر ترجمته في: التقريب (3/403-404) ، وتهذيب التهذيب (5/157-158) ، وقد تقدمت قريبًا (ص177) . 4 انظر ترجمتها في: التقريب (2/606) ، وتهذيب التهذيب (12/433- 436) . 5 هو: بريدة بن الحُصَيْب- بمهملتين مصغَّرًا، أبو سهل الأسلمي، صحابي، أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين. كذا في التقريب (1/96) ، ورمز لكونه حديثه في الكتب الستة. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (432-433) .

بضعف روايته عن أبيه1. إلاَّ أنها تبقى شاهداً لروايته عن عائشة رضي الله عنها، خاصَّة أنَّ الشوكاني قال في رواية ابن ماجه: رجاله رجال الصحيح2. وقال فيها البوصيري: إسناده صحيح3. وقال البنَّا الساعاتي- ردًّا على الدارقطني والبيهقي-: قال: جاء هذا الحديث من رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عند ابن ماجه بسند صحيح، قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح، ويشهد له حديث ابن عباس في الجارية التي زوّجها أبوها وهي كارهة فخيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث الخنساء بنت خِدَام، والأحاديث الواردة في استئمار النساء على العموم" اهـ4.

_ 1 انظر: تهذيب التهذيب (5/158) . 2 نيل الأوطار (6/145) . 3 سنن ابن ماجه (1/603) نقلاً عن الزوائد للبوصيري. 4 بلوغ الأماني شرح الفتح الرباني (16/163) ، وانظر في هذا المعنى أيضًا: الجوهر النقي لابن التركماني (7/118مع سن البيهقي) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/263) .

ثانيًا: وأجيب عنه- وهذا بعد التسليم بصحته- بأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خيّرها؛ لأنّ أباها زوّجها غير كفئها. قاله البيهقي وغيره1؛ بدليل قولها "زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته". وتعقَّبه ابن التركماني بقوله: إذا نقل الحكم مع سببه فالظاهر تعلُّقه به، وتعلُّقه بغيره محتاج إلى دليل، وقد نقل الحكم مع سببه وهو التخيير، وذكر السبب وهو كراهية الثيب2. وما قاله ابن التركماني هو الظاهر، إلاّ أنَّ حكمه على هذه الفتاة بأنها ثيِّب يحتاج إلى دليل، فالظاهر أنَّها بكر، كما يدلّ عليه سياق هذه الواقعة ومختلف ألفاظها. والله أعلم. وقال ابن الهمام: "إنَّ حمله على عدم الكفاءة خلاف الأصل مع أنَّ العرب إنّما يعتبرون في الكفاءة النّسب والزَّوج كان ابن عمِّها". اهـ3. ثالثًا: أنّ الأمر المنفيَّ هنا إنَّما هو تزويجهنَّ كرهًا، وذلك جمعًا بينه وبين أحاديث اشتراط الولاية في النِّكاح. وهذا الجواب: هوأصحُّها وأقواها؛ لدلالة سياق القصَّة عليه على اختلاف طرقها وألفاظها؛ فإنَّ هذه الفتاة قد جاءت مظهرة

_ 1 البيهقي (7/118) . 2 الجوهر النقي (7/118مع البيهقي) . 3 فتح القدير لابن الهمام (3/263) .

شكواها من صنيع أبيها بها، ورغبتها عن ابن عمِّها، بقولها "إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته" زادت في لفظ آخر: "وإنِّي كرهت ذلك1. وعند النسائي "وأنا كارهة2" وهذا ظاهر الدلالة على أنّ أباها قد زوّجها وهي كارهة، فأرادت أن تعلم أللنِّساء في أنفسهنَّ أمر؟ أم أنَّ أمر أوليائهنَّ نافذ عليهنّ وإن كرهن؟ وهذا هو صريح قولها في رواية النسائي والدارقطني، والبيهقي3. فقد رواه النسائي بلفظ "ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء؟ ". ورواه الدارقطني بعدَّة ألفاظ منها ما سبق. ومنها: "إنَّما أردت أن أعلم: هل للنساء من الأمر شيء أم لا؟ وهو بهذا اللفظ عند البيهقي أيضًا. ومنها: "ولكن أردت أن أعلم للنساء من الأمر شيء أم لا؟ ". ومنها: "إنَّ أبي زوّجني ابن أخ له ليرفع خسيسته بي، ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي أمرٌ؟ قال: نعم، قالت: ما كنت لأردّ

_ 1 سنن البيهقي (7/118) ، والدارقطي (3/232) . 2 النسائي (6/87) . 3 انظر جميع هذه الألفاظ في مصادر التخريج السابق (ص 178) .

على أبي شيئًا صنعه ولكنِّي أحببت أن تعلم النساء ألهنَّ في أنفسهنَّ أمر أم لا؟ ". فهذه الألفاظ دليل على أنَّ هذه الفتاة إنَّما جاءت مستطلعة حقَّ النساء في أنفسهنَّ إذا أُكرهن على من لا يرضينه، أينفذ عليهنّ هذا النِّكاح ويلزمهنّ وإن كرهن أم لا؟. ويدلّ على هذا قول ابن التركماني- السابق-: "إنَّ الحكم إذا نقل مع سببه فالظاهر تعلُّقه به، وتعلُّقه بغيره محتاج إلى دليل، وقد نقل الحكم مع سببه، وهو التخيير، وذكر السبب وهو كراهية الثّيِّب"1. وقال الصنعاني في سبل السلام: "والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي التزويج للكراهة؛ لأنَّ السياق في ذلك، فلا يقال هو عامٌّ" في كلِّ شيء"2. الحديث الرابع: حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت:"دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي سلمة فخطبني إلى نفسي، فقلت: يا رسول الله، إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، فقال: "إنَّه

_ 1 تقدَّم (ص 182) ، وتقدَّم أنَّ حكمه على أنَّ هذه الفتاة كانت ثيِّبًا غير ظاهر، بل الظاهر أنَّها بكر. وربَّما تصحفت "الثيِّب"هنا عن لفظ "البنت"بالباء الموحدة ثم النون. والله أعلم. 2 سبل السلام (3/123) ، وانظر ما قبله.

ليس منهم شاهدٌ ولا غائبٌ يكره ذلك، قالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ صلى الله عليه وسلم فتزوَّجها". رواه الطحا وي بهذا اللفظ، ورواه أيضًا أحمد، والنسائي، وابن الجارود، والحاكم، والبيهقي، وابن سعد في الطبقات1. قال الطحاوي: فكان في هذا الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها إلى نفسها، ففي ذلك دليل أنّ الأمر في التزويج إليها دون

_ 1 تخريجه: 1- الطحاوي: شرح معاني الآثار (3/11-12) نكاح، باب النكاح بغير ولي عصبة. 2- أحمد (16/162 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إنكاح الابن أمَّه، وفي كتاب السيرة منه (21/67-69، باب ما جاء في زواجه صلى الله عليه وسلم بأمِّ سلمة رضي الله عنها) . 3- النسائي (6/81 مع شرحي السيوطي والسندى) نكاح باب إنكاح الابن أمَّه. 4- ابن الجارود (ص 237 مع تخريجه) . 5- الحاكم: المستدرك (2/ 179) نكاح، (4/ 16-17) معرفة الصحابة، منه. 6- البيهقي (7/ 131) نكاح، باب الابن يزوجهاإذا كان عصبة لها بغير البنوّة. 7- الطبقات الكبرى لابن سعد (8/89-90) . وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (4/ 92-93) ، نيل الأوطار (6/141) ، إرواء الغليل (6/219-221، 251) .

أوليائها؛ فإنَّما قالت له: إنَّه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، قال: إنَّه ليس منهم شاهدٌ ولا غائب يكره ذلك"، فقالت: قم يا عمر فزوِّج النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وعمر هذا ابنها، وهو يومئذ طفل صغير غير بالغ؛ لأنَّها قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إنّي امرأة ذات أيتام" تعني عمر ابنها، وزينب ابنتها، والطفل لا ولاية له، فولّته هي أن يعقد النكاح عليها ففعل. فرآه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جائزًا، وكان عمر بتلك الوكالة قام مقام من وكلَّه، فصارت - أمُّ سلمة رضي الله عنها، - كأنَّها عقدت النكاح على نفسها للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولمَّالم ينتظر النبيّ صلى الله عليه وسلم حضور أوليائها دلّ ذلك [على] ، أنَّ بضعها إليها دونهم، ولو كان لهم في ذلك حقٌّ، أو أمرٌ، لما أقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على حقٍّ هولهم قبل إباحتهم ذلك له.."1. مناقشة الاستدلال بهذا الحديث. وهذا الحديث قد اشتهر الاستدلال به على إثبات ولاية الابن على أمِّه، واعترض عليه: بصغر عمر بن أبي سلمة - رضي الله عنه - حين تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّه أمّ سلمة - رضي الله عنها، - كما قاله الطحاوي وغيره. والمستدل بهذا الحديث يلزمه أمران: أولهما: إثبات صحَّة هذا الحديث بهذا اللفظ- أعني الذي فيه محلُّ الشَّاهد للولاية في النِّكاح- وإلاّ فقد جاء من طريق آخر

_ 1 شرح معاني الآثار (3/12) .

صحيح عند مسلم1 وغيره بدون ذكر محلِّ الشاهد للولاية في النِّكاح. ثانيهما: تعيين المنكِح الحقيقيِّ لأمِّ سلمة رضي الله عنها في زواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم. وإليك بيان ذلك ما أمكن والله المستعان: أمَّا الأمر الأول: وهو ثبوت صحة هذا الحديث، فقد ضُعِّف بجهالة (ابن عمر بن أبي سلمة) لتفرُّد ثابت البُنَاني بالرِّواية عنه مع الاختلاف في اسمه، فقد قيل: هو سعيد بن عمر بن أبى سلمة. قاله الحاكم وأقرَّه الذهبي2. وقيل: اسمه محمد بن عمر بن أبي سلمة، كما في (التهذيب) وتقريبه3. وعلى كلا الاحتمالين فهو مجهول. قال الذهبي: ابن عمر بن أبي سلمة القرشي المخزومي، عن أبيه أنَّ أمَّ سلمة قالت: يا عمر، قم فزوِّج رسول الله!. فهذا لا

_ 1 انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي (6/220-221) . 2 المستدرك للحاكم (4/17) ، وانظر: ارواء الغليل (6/ 220) . 3 التقريب (2/193، 518) ، تهذيب التهذيب (7/455، 9/360 هامش،12/305) .

يعرف، قاله عبد الحق الأزدي، ومدار الحديث على ثابت البُنَاني1 عن ابن عمر، وفيه مقال لجهالته" اهـ2. وقال ابن حزم- في هذا الحديث-: "وهذا خبر إنَّما رويناه من طريق ابن عمر بن أبي سلمة وهو مجهول"3. وكذلك فعل الألباني في إرواء الغليل فقال:- بعد ذكر الاختلاف في اسمه-: "وسواء كان اسمه هذا أو ذاك فهو مجهول؛ لتفرُّد ثابت بالرِّواية عنه، فالإسناد لذلك ضعيف"4 وقد جاءت هذه الرِّواية من طريق حَّماد بن سلمة5،

_ 1 هو: ثابت بن أسلم البُنَاني- بضم الموحدة ونونين مخففين- أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة مائة وبضع وعشرين وله ست وثمانون، وقد روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/115) ، وتهذيب التهذيب (2/2-3) . 2 ميزان الاعتدال (4/ 594) . 3 المحلى (9/457) . 4 إرواء الغليل (6/220-221) . 5 هو: حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، مات سنة مائتين وسبع وستين، رورى له مسلم والأربعة والبخاري تعليقاً. انظر: التقريب (1/197) ، وتهذيب التهذيب (3/ 11-16) .

وسليمان بن المغيرة1 قالا: حدثنا ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، أي بإسقاط (ابن عمر ابن أبي سلمة) في شرح (معاني الآثار) للطحاوي2. وقد عقَّب عليه الألباني بقوله: "فأسقط من المسند ابن عمر بن أبي سلمة، فلا أدري أهكذا وقعت الرواية له أم السقط من بعض النسّاخ"3. وكذلك رواه الحاكم في موضعين من المستدرك: أحدهما: في كتاب النكاح، بإسناده عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة، أي بدون ذكر (ابن عمر) 4. والآخر: في كتاب معرفة الصحابة بهذا الإسناد بإثبات (ابن عمر) 5، ولم يتعقَّبه الذهبي بشيء في كلا الموضعين ممّا يدلّ على

_ 1 هو: سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم، البصري، أبو سعيد، ثقة، مات سنة مائة وخمس وستين، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/ 330) ، وتهذيب التهذيب (4/ 220- 221) . 2 شرح معاني الآثار (3/12) . 3 إرواء الغليل (6/220) . 4 المستد رك (2/178) . 5 المستد رك (4/ 16) .

إقراره له أو سقط في النسخة من الإسناد، فلو صحَّ السقط لكان الإسناد متصلاً أيضًا؛ لأنَّ ثابت البناني قد روى عن عمر بن أبي سلمة كما في تهذيب التهذيب1. إلاّ أنّ الألباني عقَّب على رواية الطحاوي السابقة بما يدلّ على أنَّه قد اختلفت الرواية فيه عن ثابت، وذكر أن ابن أبي حاتم قد سأل عنه أباه وأبا زرعة فصحّحا إثبات (ابن عمر بن أبي سلمة) 2 في إسناد هذا الحديث، وعلى هذا فالحديث ضعيف. والله أعلم. وأمّا الأمر الثَّاني: وهو من هو وليُّ أمِّ سلمة في نكاحها هذا؟ فخلاصة ما وقفت عليه في ذلك أربعة أقوال: القول الأول: أنَّه ابنها عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، وهو ظاهر هذا الحديث. القول الثَّاني: أنَّه ابنها الآخر: سلمة بن أبي سلمة رضي الله عنه، وكان أسنّ من أخيه عمر. القول الثالث: أنّه عمربن الخطاب - رضي الله عن- لأنَّه أقرب عصبة لها، حاضر مكلَّف.

_ 1 انظر ترجمة عمر بن أبي سلمة في: تهذيب التهذيب (7/455-456) . 2 إرواء الغليل (6/221) .

القول الرَّابع: أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بولاية السلطنة، أو خصوصية له. وإليك بيان ذلك بالتفصيل ما أمكن، وما أورد على كلٍّ منها والله الموفِّق. فأمّا القول الأوَّل: وهو أنَّ الذي زوَّجها هو ابنها عمر بن أبي سلمة، فدليله قول أمّ سلمة في هذا الحديث "قم يا عمر"، وفي بعضها فقالت لابنها: قم يا عمر فزوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في رواية النسائي، وا لحاكم، وا لبيهقي1. وعلى هذا قيل: كيف يتولَّى نكاحها وهو صبيٌّ صغيرٌ؟ قال ابن حزم: عمر بن أبي سلمة كان يومئذ صغيرًا لم يبلغ، هذا لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم بالأخبار"2. وقد حاولت تتبّع ما قيل في تحديد مولده، فوجدت في ذلك اختلافًا واضطرابًا شديدًا. فقد أنكر الإمام أحمد، وكذلك البيهقي، أن يكون (عمر بن أبي سلمة) صغيرًا حين تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّه. قال ابن القيم- في (جلاء الأفهام) في ترجمة أمِّ سلمة رضي الله عنها- قال: "وقد زوَّجها3 ابنها عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّت

_ 1 انظر مصادر التخريج السابق (ص 185) . 2 المحلى لابن حزم (9/457) . 3 في الأصل: وقد (سمعها) ولاشك أنها تصحيف، والصواب: وقد زوَّجها

طائفة ذلك: بأنَّ ابنها لم يكن له من السِّنِّ حينئذ ما يعقل به التزويج. وردّ الإمام أحمد ذلك وأنكره على من قاله. ويدلّ على صحة قوله ما روى مسلم في صحيحه" أنّ عمربن أبي سلمة- ابنها- سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، فقال: سل هذه؟ يعني أمَّ سلمة. فأخبرته أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فقال: لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم، يحلّ الله لرسوله ما شاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّي أتقاكم لله وأعلمكم به" 1، أو كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغيرٌ جداً، وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة. وقال البيهقي: وقول من زعم أنّه كان صغيرًا دعوى، ولم يثبت صغره بإسناد صحيح ... "2. فحديث مسلم هذا- أي المتقدم في كلام ابن القيم- دليل صحيح على أنّ "عمر بن أبي سلمة" كان كبيرًا حين سأل سؤاله هذا، ولكن متى سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن هذا؟.

_ 1 انظره في صحيح مسلم مع شرح النووي (7/219) . 2 وانظر بقية ما ذكره ابن القيم عن البيهقي وغيره (ص 146-147 جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) . وانظر أيضًا ما ذكره في زاد المعاد (1/106-108) . وانظر: فتح القدير لابن الهمام (7/503) .

فإنَّ هناك حديثًا صحيحًا متَّفقًا عليه يدلّ على أنّه" أي عمر بن أبي سلمة" كان غلامًا يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" فما زالت تلك طعمتي بعد"1. وهذا أظهر في الدلالة على أنَّ "عمر بن أبي سلمة" كان صغيرًا حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة - رضي الله عنها، - وقد تتبعت ما قيل في تحديد سنة ولادته فحاصل ما وقفت عليه ثلاثة أقوال كلها تتفق على أنّه كان حينذاك لم يبلغ الحلم بعد، وهي: أوَّلاً: قول ابن عبد البر: "أنَّه ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة"2. ثانيًا: أنَّه كان يوم قبض النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين3. وهذا يوافق الأول أو يقاربه.

_ (1) 1- البخاري (9/ 251 فتح) كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين. 2- مسلم (13/193 نووي) كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكا مهما. 2 الاستيعاب (2/475مع الإصابة) ، الإصابة (2/519) ، وتهذيب التهذيب (7/456) تهذيب الاسماء واللغات (2/16) من القسم الأول. 3 انظر: الاستيعاب (2/475) ، وعنه تهذيب التهذيب (7/456) وانظر: البيهقي (7/ 131) ، وزاد المعاد لابن القيم (1/107) .

ثالثًا: أنَّه ولد قبل الهجرة بسنتين. واختار هذا القول كلٌّ من الذهبي وابن حجر ورجّحاه على ما قاله ابن عبد البر. فقال الذهبي في ترجمة "عمر بن أبي سلمة" "عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو حفص، القرشي المخزومي المدني الحبشي المولد، ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر، فإنّ أباه توفي في سنة ثلاث من الهجرة وخلَّف أربعة أولاد، هذا أكبرهم وهمٌ: عمر، وسلمة، وزينب، ودرَّة. ثم كان عمر هو الذي زوّج أمَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو صبيّ1. ثم إنّه في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّج وقد احتلم وكبر فسأل عن القبلة للصائم.

_ 1 كذا قال الذهبي هنا، وقال في ترجمة أخيه (سلمة بن أبي سلمة) بعده مباشرة ما نصّه: "وهو الذي زوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمِّه أمّ سلمة ... " سير أعلام النبلاء (3/408) . فكيف ذكر الذهبي ذلك في ترجمتين موجزتين متتاليتين، ولم يميِّز الصواب منهما؟ أغلب ظنِّي أنّ إحدى الجملتين قد فقدت موضعها حسب الأصل، أو فقدت ما يتمم معناها. والله أعلم.

فبطل ما نقله أبو عمر1 في "الاستيعاب" من أنَّ مولده بأرض الحبشة سنة اثنتين. ثم إنَّه كان في سنة اثنتين أبواه- بل وسنة إحدى- بالمدينة وشهد أبوه بدراً، فأنّى يكون مولده في الحبشة في سنة اثنتين؟ بل ولد قبل ذلك بكثير.."2. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه حديث "كنت غلامًا.." قال: "قوله: كنت غلامًا.." أي: دون البلوغ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أنَّه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة بأرض الحبشة، وتبعه غير واحد، وفيه نظر. بل الصواب أنّه ولد قبل ذلك، فقد صحّ في حديث عبد الله بن الزبير أنَّه قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النِّسوة يوم الخندق، وكان أكبر منِّي بسنتين. انتهى، ومولد ابن الزبير3 في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد "عمر" قبل

_ 1 هو: ابن عبد البر- وتقدّم قوله هذا قريباً. 2 سير أعلام النبلاء للذهبي (3/406-407) . 3 انظر ولادة ابن الزبير في: الاستيعاب (2/301) ، الإصابة (2/309) ، تهذيب التهذيب (5/213) .

الهجرة بسنتين" اهـ1. فعلى القول الأول والثاني: يكون "عمر ابن أبي سلمة" حين تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّه- طفلاً صغيراً له سنتان أو ثلاث. وأمَّا على القول الثالث: فإنَّه يكون صبياً مميِّزًا له ست أو سبع سنوات. لأنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد تزوَّج "أمَّ سلمة" في شوال في السنة الرابعة من الهجرة2 على الصحيح. وهذا القول- أعني أنَّ عمر بن أبي سلمة قد ولد قبل الهجرة بسنتين- هو أقرب الأقوال الثلاثة إلى الصواب. وهذا بناء على أن المراد بالهجرة في قول ابن عبد البر أنَّها الهجرة إلى المدينة، كما هو ظاهر الإطلاق، وكما فهمه من حكى قوله كالذهبي وابن حجر، كما تقدم نص تعقيبهما عليه. إلا أنَّني وجدت ابن الهمام قد حكى

_ 1 فتح الباري (9/ 521) . 2 انظر من ترجمة أمّ سلمة: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/87) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/90) ، الاستيعاب (4/ 421-422) ، وفيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في شوال سنة اثنتين بعد معركة بدر. الإصابة (4/458) وفيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجها في جمادى الآخرة سنة أربع، وقيل: ثلاث. تهذيب التهذيب (12/455-456) ، سير أعلام النبلاء (2/ 210 آخر الترجمة) .

عن ابن عبد الهادي1 في (التنقيح) أنه استبعد قول من قال: إنَّ لعمر بن أبي سلمة ثلاث سنين حين تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّه قائلاً: إنّ ابن عبد البر قال: إنه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة2". ونقل هذه العبارة عن ابن عبد البر الزيلعي في (نصب الراية) عن التنقيح لابن عبد الهادي أيضاً. فلا أدري أهذا فهم لعبارة ابن عبد البر السابقة؟ أم خطأ في النقل؟ أم أنَّ هذا هو حقيقة ما قاله ابن عبد البر، فيكون قد سقط من بعض نسخ "الاستيعاب" بعض ما يتمم المعنى - أعني قوله: "من الهجرة إلى الحبشة"- ولو صح هذا القول لكان رافعاً للملام عن ابن عبد البر، ومناسباً لقول الذهبي: "إن عمر تزوَّج في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد احتلم وكبر"3. وفي هذا القول أيضاً جمع بين الحديثين الصحيحين- أعني قول عمر بن أبي سلمة: "كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم" وسؤاله عن حكم القبلة للصائم؛ لأنَّ الهجرة إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة من البعثة

_ 1 ابن عبد الهادي: هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي.. ابن قدامة المقدسي الحنبلي، وكتابه المشار إليه هو: تنقيح لكتاب ابن الجوزي "التحقيق في اختلاف الحديث"، إلا أنَّه لم يطبع منه إلا الجزء الأول، فلم أتمكن من الوقوف على نص كلامه في كتابه المذكور. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (8/287) . 2 فتح القدير لابن الهمام (7/503) ، ونصب الراية (4/93) . 3 راجع نص كلامه المتقدم قريباً (ص 194) .

النبوية1، فيكون مولده في السنة السابعة من البعثة أي قبل الهجرة إلى المدينة بست أو سبع سنين. وبهذا يكون عمره حين تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّه نحو أحد عشر عاماً، فهو ما زال غلاماًَ كما في حديثه المتفق عليه. ويصح لمثله أن يتزوَّج في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كما يدلّ عليه حديثه الآخر في سوآله عن حكم القبلة للصائم؛ إذ يكون عمره حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أو سبعة عشر عامًا. والله أعلم. وعلى كلٍّ فإن كان هو الذي تولَّى تزويج أمِّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يعتقد أنّه إن لم يبلغ الحلم فلا أقلّ من بلوغ سن التمييز، وإلا فلا معنى للقول بولايته كما يقوله الجمهور، ولا لوكالته كما يقوله الطحاوي. والله أعلم. وأمّا القول الثَّاني: (فهو) أنَّ الذي تولَّى نكاح أمِّ سلمة رضي الله عنها فعقد للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم عليها هو ابنها "سلمة بن أبي سلمة"، وكان أسنَّ من أخيه عمر. وقد اختار هذا القول جمعٌ من المحقِّقين، ومنهم القرطبي، وابن كثير، فقد قال القرطبي- رحمه الله- بعد أن ذكر حديث أمِّ سلمة هذا- قال: وكثيراً ما يستدلُّ بهذا علماؤنا، وليس بشيء، والدليل على ذلك ما ثبت

_ 1 انظر تاريخ الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة في كل من: طبقات ابن سعد (1/203-208) ، والبداية والنهاية لابن كثير (3/66 وما بعدها) ، الكامل لابن الأثير (2/ 76) وما بعدها) .

في الصحاح أنَّ عمر بن أبي سلمة قال: "كنت غلامًا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: "يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: "عمر بن أبي سلمة يكنى أبا حفص، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة". وقيل: كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين". قلت - أي القرطبي-: ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون ولياًّ، ولكن ذكر أبو عمر: أن لأبي سلمة من أمِّ سلمة ابنًا آخر اسمه "سلمة" وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمِّه أمِّ سلمة. وكان سلمة أسنّ من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى عنه عمر أخوه"1 اهـ. وقال الحافظ ابن كثير في الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة في ذكر وفاة زوجها أبي سلمة قال: "فلمَّا حلّت- أي أمَّ سلمة- في شوّال، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر ابن الخطاب في ذلك مراراً، فتذكر أنَّها امرأة غَيْرى: أي شديدة الغَيْرة، وأنَّها مُصْبِيَة: أي لها صبيان يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أمَّا الصبية فإلى الله وإلى رسوله، أي نفقتهم ليس إليك، وأمَّا الغَيْرة فأدعو الله فيذهبها، فأذنت في ذلك، وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوّج النبي صلى الله عليه وسلم، تعني قد رضيت وأذنت، فتوهّم

_ 1 تفسير القرطبي (3/78) ، وانظر ترجمة سلمة بن أبي سلمة في: الاستيعاب لابن عبد البر (2/87 مع الإصابة) .

بعض العلماء أنَّها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة. وقد كان إذ ذاك صغيراً، لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءاً مفرداً بيّنت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنّة، وأنّ الذي ولي عقدها عليه ابنها "سلمة بن أبي سلمة" وهو أكبر ولدها، وساغ هذا لأنَّ أباه "ابن عمِّها" فالابن ولاية أمِّه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوّة بالإجماع، وكذا إذا كان معتقاً أو حاكماً، فأمَّا محض البنوّة فلا يلي بها عقدة النكاح عند الشافعي وحده، وخالفه الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله. انتهى المقصود من كلام ابن كثير رحمه الله1. وهذا القول هو اختيار الحافظ ابن حجر كما في الإصابة 2. وأمَّا القول الثَّالث: فهو أنَّ الذي تولّى إنكاحها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأنَّه هو المخاطب في هذا الحديث، لا "عمر بن أبي سلمة"، وأنَّ لفظة "ابنها" وهم من الرواة، أي أنَّ أصل هذا الحديث "قم يا عمر" كما هو الغالب في روايات هذا الحديث؛ وذلك لأنَّ عمر-رضي الله عنه-كان السفير بينهما، كما في رواية النسائي، وابن الجارود،

_ 1 البداية والنهاية لابن كثير (4/ 90- 91) ، وانظر الإصابة (4/236) وانظر أيضا: سير أعلام النبلاء للذهبي (4/ 408) ، إلاّ أنّه يلاحظ عليه ما سبق في الحاشية رقم (2) ص: 194. 2 انظر: الإصابة (2/ 66 ترجمة سلمة بن أبي سلمة) ، (4/ 236 منها ترجمة أمامة بنت حمزة) .

والحاكم، والبيهقي1. وصحَّ لعمر بن الخطاب تزويجها؛ لأنّه من عصبتها؛ إذ إنّه يلتقي معها في جدهما "كعب بن لؤى"2. والله أعلم. وأمَّا القول الرَّابع: فهو أنَّ وليّها في هذا النكاح هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمَّا بولاية السلطنة، وإمَّا خصوصية له؛ فقد قال كثير من العلماء إنَّ نكاحه صلى الله عليه وسلم لايفتقر إلى وليٍّ، لأنَّه صلى الله عليه وسلم أولى بكلِّ مؤمن من نفسه، كما قال تعالى- في معرض بيان خصائصه صلى الله عليه وسلم - {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} 3. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى النَّاس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فأيّما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضَياعاً4 فليأتني فأنا مولاه" رواه البخاري وغيره5.

_ 1 انظر مصادر التخريج السابق (ص 185) . 2 انظر: زاد المعاد لابن القيم (1/107-108) ، وجلاء الأفهام له أيضاً (ص 147) ، وتحفة المحتاج (7/248) ونهاية المحتاج (6/232) . 3 سورة الأحزاب-آية رقم: 6. 4 الضياع: العيال، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعأ، فسمي العيال بالمصدر، كما تقول: من مات وترك فقراً، أي فقراء، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع. ا. هـ نصًّا من النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/ 107) . 5 رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (8/ 517 فتح) تفسير سورة الأحزاب، وفي مواضع أخر، كالفرائض (12/ 9 فتح) ، باب من ترك مالا فلأهله. - مسلم (11/ 60 نووي) الفرائض. وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 468) ، وأحكام القرآن لابن العربي (3/1507) .

ولما ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوَّج زينب بنت جحش -رضي الله عنها- بغير وليّ من الخلق، وكانت بذلك تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم1. ولأنَّ كلَّ ما يخشى وقوعه في نكاح المرأة من إلحاق العار بالأولياء، أو وضعها في غير كفئها، فهو معدوم في حقه صلى الله عليه وسلم، فنكاحه شرف وغبطة للمرأة وأهلها2. والله أعلم. وأمَّا ولاية السلطان: فلا خلاف بين العلماء "أنَّ السلطان وليُّ من لا وليَّ له"، وأمُّ سلمة رضي الله عنها قد اعتذرت بغياب أوليائها فبيَّن لها النبيّ ُ صلى الله عليه وسلم أنَّه ليس أحدٌ منهم حاضراً ولا غائباً إلا سيرضى به، فإذا ثبت غياب أوليائها المكلَّفين، وصغر أبنائها الحاضرين - على القول بولاية الابن- كانت كمن لا ولي لها، فتنتقل الولاية إلى السلطان اتفاقاً. والله أعلم. وأمَّا قول الطّحاوي: في منعه الخصوصية للنبي بأنَّها خلاف الأصل، وأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقل لها: "أنا وليُّك من دونهم"3، فيقابل بالقول "إنَّه

_ 1 تقدم تخريجه، وقد رواه البخاري وغيره (ص 150) ، وانظر: الأحكام لابن العربي (3/1560-1563) . 2 بداية المجتهد (2/13) ، والأحكام لابن العربي (3/ 1561) . 3 شرح معاني الآثار (3/ 12) .

لم يقل لها: أنت أحقُّ بنفسك منهم، أو أنّك وليَّة نفسك، أو أمرك بيدك، بل نصُّ الحديث أنَّه فيه وليٌّ أُمِرَ بعقد النكاح، ولا يعقل أن يؤمر بالولاية من لم يكن من أهلها. وأمَّا الاستدلال بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطبها من نفسها على أنَّ أمر التزويج إليها دون أوليائها، فليس ذلك بلازم؟؛ إذ إن خطبة المرأة الثيب من نفسها لم يكن محلّ خلاف، بل ولوكانت بكراً فليس في ذلك محظور؟؛ لأنَّ ذلك استطلاع لمعرفة رأيها ورضاها، وهي أحقُّ بالرضى من وليّها وإنَّما محلُّ البحث فيمن يملك العقد الذي يحلُّ به ما كان محرَّمًا ويترتب عليه آثاره. والله أعلم. وخلاصة ما في حديث أمِّ سلمة- رضي الله عنها- بعد ثبوت محلِّ الشاهد منه- أنَّها لم تنكح نفسها، بل أمرت من أنكحها، وإنَّما وقع الإشكال نتيجة لصغر هذا المخاطب- ظاهراً، وعدم أهليته لعقد النكاح وعلى هذا: فإمَّا أن يكون وليُّها في هذا النكاح أحد ابنيها (عمر، أو سلمة) وهذا نكاح بوليّ، إما بولاية البنوّة على مذهب الجمهور، أو لأنَّهما عصبة لها بالنَّسب كما هو مذهب الجميع، وعليه فيجب أن يعتقد أنَّ الذي تولّى هذا العقد قد بلغ سنًّا يصحُّ لمثله أن يلي هذا العقد فإن كان سنُّ البلوغ مستبعداً- وخاصَّة في حقِّ ابنها عمر- فلا أقلَّ من سنِّ التمييز، وإلا فكيف تنفى عنه أهليَّة الولاية، وتثبت له أهليَّة الوكالة، كما

هو صريح قول الطحاوي: أنَّه قام مقام من وكَّله وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّه على ذلك1. ثم إنَّه ليس القول بأنَّها وكَّلته من نفسها بأولى من القول بأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فوّض إليه ذلك لغياب أوليائها؛! بدلالة إقراره على ذلك "والسلطان وليُّ من لا وليَّ له". وإمَّا أن يكون وليُّها في هذا النكاح ابن عمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو أيضاً نكاح بوليّ لغياب أوليائها الأقربين المكلّفين وصغر أبنائها الحاضرين، ويدلُّ على حضوره لهذا النكاح سفارته بينهما في الخِطبة فيكون هو المخاطب بقولها "قم يا عمر". وإمَّا أن يكون وليُّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إمَّا لخصوصيته عند من قال بها، أو لإمامته؛ لأنَّه "وليُّ من لا وليَّ له"، فيرتفع الإشكال جملة سواء كان قد باشره بنفسه أو فوّض ذلك بأمره أو إقراره لغيره من أقربائها حتى وإن كانوا صغاراً، وكفى بذلك حجَّة إذا صحَّ الحديث. والله الموفِّق. الحديث الخامس: ما ذكره ابن حزم أنَّ مما استدلَّ به هذا الفريق خبر ميمونة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها "أنّها جعلت أمرها إلى العباس رضي الله عنه فزوّجها منه عليه الصَّلاة والسَّلام". وقد أجاب عنه بأنَّه منسوخ كأمثاله بحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ"2

_ 1 تقدم نص قوله هذا في أول الكلام على هذا الحديث. 2 المحلى لابن حزم (9/ 458) .

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، والنسائي، وغيرهما 1. وفي سند الإمام أحمد: الحجَّاج بن أرطاه وهو مدلِّس، وقد رواه بالعنعنة2. وفي سند النِّسائي:"ابن جُريج" وهو مدلِّس، وقد رواه بالعنعنة أيضاً3. ومخالفة ابن عباس- رضي الله عنهما- لغيره في نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرِم مشهور، والأكثر ترجيح رواية غيره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نكحها وهو حلال، وسيأتي بحث ذلك في محلِّه إن شاء الله تعالى في شروط ولي النكاح4. ولو صحّ هذا الخبر- أي أنّ العباس هو الذي أنكح ميمونة رسول الله صلى الله عليه وسلم- فليس ظاهر الدلالة على إبطال الولاية في النكاح لما يلي:

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (16/155 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح، باب "لا نكاح إلا بولي") . وعزاه الساعاتي لأبي يعلي والطبراني في الأوسط. 2- النسائي: (6/ 88 مع شرحي السيوطي والسندي) نكاح، الرخصة في نكاح المحرم. 2 انظر: بلوغ الأماني شرح الفتح الرباني للساعاتي (16/155) ، وإرواء الغليل للألباني (6/253) . وانظر ترجمة الحجَّاج بن أرطاه في: التقريب (1/152) ، وتهذيب التهذيب (2/ 196-199) . 3 تقدمت ترجمته (ص 115) . 4 انظر آخر مبحث من الفصل التاسع الآتي.

1- لا حجَّة فيه على إبطال الولاية في النكاح على مذهب الجمهور القائلين أنَّ نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر إلى وليٍّ، كما تقدَّم1 في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها. 2- أنَّ هذا الخبر ليس صريحاً في مباشرة العباس نكاحها؛ فيحتمل أنَّه قد عقد لها بعض أوليائها، وإنَّما نسب إلى العباس لكونه السفير بينهما، وصاحب الرأي والمشورة لها لمكان أختها أمِّ الفضل منه. 3- أنّه لا يعلم أنّه قدكان لها وليٌ حاضر إذ ذاك، وسواء كان لها وليٌ حاضر أم لا، فليس في الخبر ما يدلّ على أنّها تفرَّدت بالتوكيل دونهم، ويصحُّ للمرأة أن تقيم وكيلاً عن وليّها إذا أذن لها بذلك إجماعاً، أمَّا عنها ففيه خلاف والصحيح منعه. 4- احتمال أن يكون هذا في باديء الأمر، أي قبل إبطال النكاح بدون وليٍّ، كما قاله ابن حزم2. والله أعلم. الحديث السَّادس: حديث سهل بن سعد السَّاعدي رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت له يا رسول الله: إنِّي قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوِّجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك شيء

_ 1 انظر (ص 201) . 2 تقدم قريبًا (ص 204) .

تصدقها إيّاه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إيّاه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً"، فقال: ما أجد شيئاً، فقال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً! قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ " فقال: نعم، معي سورة كذا وسورة كذا- لسور سمّاها- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أنكحتكها بما معك من القرآن". رواه الأئمة: مالك- بهذا اللفظ- وأحمد، وا لستة، وغيرهم1.

_ 1 تخريجه: 1- مالك: (3/128-129 مع الزرقاني) نكاح، ما جاء في الصداق والحباء. 2- أحمد: (16/ 171 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب من جعل العتق صداقاً، وكذلك تعلم القرآن) . 3- البخاري: (9/190 فتح) نكاح، باب السلطان وليٌّ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم "زوَّجناكها بما معك من القرآن". وفي مواضع كثيرة من الصحيح. انظر الإشارة إلى أطرافه في (4/486 الفتح، كتاب الوكالة) . 4- مسلم: (9/ 211-215 نووي) نكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد..) . 5- أبو داود: (6/143 عون المعبود) نكاح، باب في التزويج على العمل يعمل. 6- الترمذي: (4/ 254 تحفة) نكاح، باب ما جاء في مهور النساء. 7- النسائي: (6/ 54 مع شرحي السيوطي والسندي) أول كتاب النكاح، وفي مواضع أخر. 8- ابن ماجه: (1/ 608) باب صداق النساء "مختصراً". 9- الطحاوي: (3/16-17 شرح معاني الآثار) نكاح، باب التزويج على سورة من القرآن. 10- ابن الجارود: (ص 240مع تخريجه) نكاح. 11- الدارقطني: (3/ 47) نكاح، باب المهر. 12- البيهقي: (7/57) نكاح، باب ما أبيح لهصلى الله عليه وسلم من تزويج المرأة من غير استئمارها.) . وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (3/199) ، والتلخيص الحبير (3/217) ، إرواء الغليل (6/ 245) .

فقال من لم يشترط الولاية في النكاح: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوَّج هذه المرأة لذلك الرجل بدون أن يسألها ألها وليٌّ أم لا؟، فدلّ ذلك على عدم اشتراط الوليِّ"1. ولكن هذا الحديث لا ينهض دليلاً على إبطال الولاية في النكاح؛ فإنَّ الذي زوّج هذه المرأة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم "والسلطان وليُّ من لا وليَّ له"، فعلى من يحتجّ به لنفي الولاية في النكاح أن يثبت حضور أحد من أوليائها حينذاك، وقد أشار إلى ذلك الإمام البخاري- رحمه الله- في إحدى تراجمه على هذا الحديث فقال: "باب السلطان وليّ، لقول النّبيِّ صلى الله عليه وسلم "زوّجناكها بما معك من القرآن" 2.

_ 1 أحكام القرآن للجصاص (1/ 401) . 2 فتح الباري (9/ 190) كما تقدم في التخريج هنا.

وقال ابن حزم: وأمَّا تزويجه صلى الله عليه وسلم المرأة بتعليم سورة من القرآن فليس في الخبر أنّه كان لها وليّ أصلاً، فلا يعترض على اليقين بالشكوك"ا. هـ1. وقال الشوكاني: "وفي الحديث فوائد، منها: ثبوت ولاية الإمام على المرأة التي لا قريب لها"2. وأيضاً فإنَّ هذا الصحابي لم يخطبها إلى نفسها- بعد أن عرف عدم رغبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيها- بل خطبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحها إيّاه مما يدلُّ على أنّ هناك عرفًا قائمًا بين الصحابة- رضي الله عنهم- أنَّه "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، وأنَّه ليس للمرأة إنكاح نفسها. والله أعلم. ج- الأدلة من الآثار المرويّة عن الصحابة رضى الله عنهم: وأمّا أدلّة من لم يشترط الولاية في النكاح من جهة الآثار المرويّة عن الصحابة، فقد قالوا: إنَّ جواز النّكاح بدون وليٍّ مروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم جميعاً. كما في (المبسوط) 3.

_ 1- فأمَّا ما روي عن عمر رضي الله عنه فلم يذكر النَّصَّ الوارد عن عمر في ذلك- فيما وقفت عليه- من كتبهم، ولم أقف أيضاً على أثر عنه يستدلُّ به على ولاية المرأة في النكاح على غيرها، أو إنكاحها نفسها، 1 المحلى (9/ 458) . 2 نيل الأوطار (6/ 194) . 3 المبسوط (5/ 12) .

بل كلُّ ماروىعنه هومما يستدلُّ به على إثبات الولاية فى النكاح، كما سبق1. ولعلَّ أقرب أثر يستدلُّ به لهم عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: "ولَّى عمر ابنته حفصة ماله وبناته ونكاحهنَّ، فكانت حفصة إذا أرادت أن تزوِّج امرأة أمرت أخاها عبد الله فزوَّج"2. ولكن إسناد النكاح إلى حفصة- رضي الله عنها- لا يلزم منه أن تعقده بنفسها، بل الأقرب والأولى أن يحمل على تمهيدها أسباب النكاح من اختيار الأزواج، وتقرير المهر، ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك أمران: أولهما: أنَّ حفصة -رضي الله عنها- لم تعقد بنفسها، بل كانت تأمر أخاها عبد الله فيزوّج من أرادت تزويجها منهنّ، وهذا ينبىء عن العرف المعروف بين الصحابة أنَّ النِّساء لا يُنكِحْن. ثانيهما: ما روى عن عمر من طرق شتى من قوله وفعله "أنَّه لا نكاح إلا بوليٍّ" كما سبق فيما رواه عنه الحسن البصري، وعبد الرحمن ابن معبد بن عمير، وعكرمة بن خالد، وسعيد بن المسيَّب3.

_ 1 تقدم (ص 144- 145) . 2 تقدم (ص 149) . 3 تقدم (ص 144- 145) .

2- وأمّا ما روي عن عليٍّ رضي الله عنه، فقد ذكر السَّرَخْسِِِي معناه في (المبسوط) بقوله: "بلغنا عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنّ امرأة زوّجت ابنتها برضاها، فجاء أولياؤها فخاصموها إلى عليٍّ -رضي الله عنه-، فأجاز النكاح. وفي هذا دليل على أنَّ المرأة إذا زوّجت نفسها أو أمرت غير الوليِّ أن يزوّجها فزوّجها جاز النكاح"1 اهـ. وهذا الأثر: رواه أيضاً عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي، وابن حزم، وغيرهم بنحوه2. وقدأجاب البيهقي- رحمه الله- عن هذا الأثر بأنَّه مختلف في - إسناده ومتنه، ومخالف لما صحّ عن عليٍّ -رضي الله عنه- في اشتراط الولاية في النكاح. قال البيهقي: "وقد روى عن أبي قيس3 الأودي، عمَّن أخبره، عن

_ 1 المبسوط (5/10) . 2 تخريجه: ا- مصنف عبد الرزاق (6/ 196-197) نكاح، باب النكاح بغير وليّ. 2- الدارقطني (3/ 323-324) آخر كتاب النكاح. 3- البيهقي (7/ 112) ، نكاح، باب لا نكاح إلا بوليٍّ من طريق سعيد بن منصور. 4- ابن حزم (9/ 454-455) . 3 هو: عبد الرحمن بن ثَرْوان- بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة- أبو قيس الأودي، الكوفي، صدوق، ربّما خالف، مات سنة عشرين ومائة. روى له البخاري والأربعة. انظر: التقريب (1/ 475) ، وتهذيب التهذيب (6/ 152-153) ، ميزان الاعتدال (2/ 553) ، الجرح والتعديل (5/ 218) .

عليٍّ رضى الله عنه أنَّه أجاز نكاح امرأة زوجتها أمُّها برضى منها"1 وقد قيل عن الشيباني2 عن أبي قيس الأودي أنَّ امرأة من عائذ الله يقال لها "سلمة" زوَّجتها أمُّها وأهلها، فرفع ذلك إلى عليٍّ -رضي الله عنه- فقال: "أليس قد دخل بها، فالنِّكاح جائز"3. ورواه الشيبانى: عن بحريَّة بنت هانىء بنت قبيصة أنّها زوَّجت نفسها بالقعقاع4 بن شور، وبات عندها ليلة، وجاء أبوها فاستعدى علياًّ رضي الله عنه فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم، فأجاز النِّكاح"5.

_ 1 السنن للبيهقي (7/ 112) . 2 هو: سليمان بن أبي سليمان، أبو إسحاق الشيباني، الكوفي، ثقة، مات فى حدود مائة وأربعين تقريباً. روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/ 325) ، وتهذيب التهذيب (4/ 197-198) . 3 السنن للبيهقي (7/112) . 4 القعقاع بن شور- بالشين المعجمة، وفي بعض النسخ بالمهملة، وفي بعضها بالثاء المثلثة- والأول هو الموافق لما في ميزان الاعتدال (3/ 392) ، والجرح والتعديل (7/ 137) ، إلا أنني لا أجزم بأنه هو المقصود بما هنا وإن كان لا يوجد غيره في المصدرين المذكورين، وكلام صاحب التعليق المغني على الدارقطني يدل على أنّه هو المقصود كما في (3/ 324حاشية) . 5 السنن للبيهقي (7/112) .

ثم قال البيهقي: "وهذا الأثر مختلف فى إسناده ومتنه، ومداره على أبي قيس الأودي، وهو مختلف في عدالته، وبحريَّة مجهولة، واشتراط الدُّخول في تصحيح النِّكاح إن كان ثابتاً، والدُّخول لايبيح الحرام، والإسناد الأول1 في اشتراط الوليِّ إسناد صحيح، فالاعتماد عليه وبالله التوفيق"2 اهـ. وقد تعقّبه ابن التركماني بنفي الاختلاف فى عدالة أبي قيس الأودي، وبأنَّ هذا الأثر قد روى من وجوه يشدُّ بعضها بعضاً3. فأمَّا الاختلاف في عدالة أبي قيس الأودي، فهو كما قال البيهقي كما روى عن الإمام أحمد، وأبي حاتم4. وأمَّا تعدُّد طرقه فهو كما قال ابن التركماني، إلأ أنَّها واقعة عين لا يعلم حقيقة وقوعها؛ ففي بعض الروايات أنها زوّجت نفسها5، وفي

_ 1 هذا إشارة إلى ما رواه عن علي رضي الله عنه في اشتراط الولاية في النكاح قبل هذا الأثر (7/ 111 سنن البيهقى) . 2 السنن للبيهقى (7/ 112) . 3 الجوهر النقي (7/112 مع البيهقي) . 4 انظر: الجرح والتعديل (5/ 218) ، وميزان الاعتدال (2/553) ، وتهذيب التهذيب (6/ 153) . ِِِِِِِِِ 5 الدارقطني (3/ 323 مكرر) ، البيهقي (7/ 12 1) ، أحكام أهل الذمة لابن القيم (2/ 411-412) .

بعضها زوّجتها أمُّها1، وفي بعضها زوَّجها خالها2، وفي بعضها زوجتها أمُّها وخالها3، وفي بعضها زوجتها أمُّها وأهلها4، وأمَّا أبوها فكان غائباً، وكان نصرانيّاً5 فزوّجها وهو كذلك- أي نصرانيّا- فقيل لها: إنَّه لا ولاية له عليك، فزوَّجت نفسها أوزوَّجها من زوَّجها من أهلها غير الزوج الذي زوَّجها به أبوها، فتحاكما إلى علي فأجاز نكاحها، ولذلك قال الإمام أحمد: (إنّما جعل-[أي علي]- الأمر إليها؛ لأنّ الأب نصرانيّ لا يجوز حكمه فيها، فردَّ الأمر إليها، ولا بد أن يجدَّد هذا النِّكاح الأخير إذا رضيت، وإنّما صيّر لها الأمر بالرضى ولا يجوز أن تزوِّج نفسها إلا بوليٍّ، وعليٌّ حينئذ السلطان، فأجاز ذلك وليُّها) 6. والله أعلم. 3- وأمَّا ما روى عن ابن عمر- رضي الله عنهما- فلم أجد من نصّ على ذكره منهم ليتَّضح مرادهم به.

_ 1 الدارقطني (3/ 324) ، البيهقي (7/ 112) . 2 البيهقي (7/ 112) . 3 مصنف عبد الرزاق (6/ 197) . 4 البيهقي (7/ 112) . 5 الدارقطني (3/ 323-324) ، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (2/ 1 41- 412) . 6 ظاهر سياق هذا الكلام أنه كلّه من جواب الإمام أحمد، فقبله قوله: قال حنبل: قال أبو عبد الله: إنَّما جعل الأمر إليها لأن الأب نصراني.. الخ (2/ 412 أحكام أهل الذمة) ولكن ربَّما يحتمل أنّ بعض هذا الجواب من كلام ابن القيم رحمه الله، والله أعلم.

ولعلَّ أقرب ما يستدلُّ لهم به عن ابن عمررضي الله عنهما- فيما يظهر لي- ما أخرجه الدارقطني بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إذا كان وليّ المرأة مضارًّا لها، فولّت رجلاً فأنكحها فنكاحه جائز"1. وفي إسناده: "ابن لهيعة" وفيه مقال مشهورللمحدّثين2. وهو أيضًا خاص بمن ضارَّها وليُّها، والمرأة التي ضارَّها وليُّها فلم ينكحها تكون كمن لا وليَّ لها، فإذا ولّت أمرها رجلاً من المسلمين فأنكحها فهذا ما في استطاعتها، وليس كلُّ امرأة تستطيع المرافعة إلى الحاكم، وهذا محلُّ نظر واجتهاد للضرورة، بخلاف من كان لها وليٌّ يفترض فيه وُفُورَ شفقته، وشدّة حرصه على ما هو أصلح لوليّته. والله أعلم. 4- وأمّا ما روى عن عائشة -رضي الله عنها-، فقد أخرجه مالك في الموطأ وغيره: عن عبد الرحمن3 بن القاسم، عن أبيه، أنَّ عائشة -

_ 1 الدارقطني (3/ 324 مع التعليق المغني) . 2 هو: عبد الله بن لهيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومائة، روى له مسلم مقرونًا بغيره، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر: التقريب (1/ 444) ، وتهذيب التهذيب (5/373-379) ، وميزان الاعتدال (2/ 475-483) . 3 هو: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. تقدمت ترجمته (ص 147) .

زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم زوَّجت حفصة1 بنت عبد الرحمن، المنذر2 بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به، ومثلي يفتات عليه، فكلّمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قضيتِه، فقرَّت حفصة عند عبد الرحمن ولم يكن ذلك طلاقاً". فهذا الأثر مشهور عن عائشة رضي الله عنها، وقد رواه مالك في الموطأ- بهذا اللفظ- ورواه أيضاً الطحاوي والبيهقي3. وقد استدلّ الحنفيَّة بهذا الأثر على أنّ مذهب عائشة -رضي الله عنها- صحة النِّكاح بدون ولى، وبناء عليه ضعّفوا أو أوَّلوا ما جاء عنها مرفوعاً أو موقوفاً ممَّا يستدلُّ به على اشتراط الولاية في النِّكاح. ولقد سبقت الإجابة بالتفصيل عن استدلالهم بهذا الأثر في مبحث الاعتراضات على حديثها المرفوع "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"

_ 1 هي: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. انظر ترجمتها في: التقريب (2/ 594) ، وتهذيب التهذيب (12/ 410) . 2 هو: المنذر بن الزبير العوام. انظر شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 172) . 3 تخريجه: 1- مالك: (3/ 172 مع شرح الزرقاني) الطلاق، ما لا يبين من التمليك. 2- الطحاوي: شرح معاني الآثار (3/ 8) نكاح، باب النكاح بغير وليٍّ عصبة. 3- البيهقي: (7/ 112) نكاح، آخر باب "لا نكاح إلا بوليٍّ". وانظر: المطالب العالية لابن حجر (3/ 17) ، (وقد عزاه لمسدد) .

الحديث. وخلاصته: أنّ الحجَّة فيما رواه الرَّاوي لا فيما رآه مجتهداً متأوِّلاً، وأنَّ قصة تزويجها ابنة أخيها محمولة على تمهيدها أسباب النكاح لا عقده، وإنَّما أنكح غيرها من أوليائها كما قاله البيهقي والقرطبي وغيرهما1. ويؤيِّد هذا المعنى ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها:"زوِّج فإنّ المرأة لا تلي عقدة النِّكاح"2. فرواية عبد الرحمن ابن القاسم هذه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مفسّرة لما رواه عنها في قصة تزويجها ابنة أخيها جمعاً بين الأثرين ولموافقته لروايتها المرفوعة. والله أعلم. 5- واستدلَّ لهم ابن حزم بما روى أنَّ أمامة بنت3 أبي العاص بن الربيع- وأمُّها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها معاوية بعد قتل عليٍّ

_ 1 انظر ما تقدم (ص 126) . وانظر أيضاً: مختصر المزني (ص 166) ، وفتح الباري (9/186) ، وشرح الزرقاني (3/172) . 2 تقدم تخريجه (ص 147-148) . 3 هي: أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، العبشمية، وأمُّها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ترجمتها في: طبقات ابن سعد (8/ 39-40) والاستيعاب لابن عبد البر (4/ 244-247) ، والإصابة لابن حجر (4/ 236-237) .

رضي الله عنه، وكانت تحت عليٍّ1، فدعت بالمغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب فجعلت أمرها إليه، فأنكحها نفسه، فغضب مروان2 وكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه أن دعه وإيّاها"3. وهذا الأثر قد أورده ابن سعد في الطبقات، وابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة، كلُّهم في ترجمة "أمامة بنت أبي العاصي ابن الربيع" ورواه أيضاً عبد الرزاق في مصنّفه4. وكلُّ طرقه إمَّا واهية، وإمَّا ضعيفة5. ومع هذا فإنّ رائحة التشيّع تفوح منه. وخلاصته: أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لأمامة: إنِّي لا آمن أن يخطبك معاوية، فإن كانت لك بالرجال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيراً، فلما مات عليّ رضي الله عنه

_ 1 أي بعد فاطمة رضي الله عنها. قاله عبد الرزاق (6/201) . 2 هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، كتب لعثمان رضي الله عنه، وولي إمرة المدينة أيام معاوية، وبويع بالخلافة له بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية آخر سنة أربع وستين. ومات في رمضان سنة خمس وستين. انظر: تهذيب التهذيب (10/ 91-92) ، والتقريب (2/ 238-239) . 3 المحلى لابن حزم (9/ 455) . 4 انظر ترجمتها (التعليق رقم (3) من الصفحة السابقة) ، وكذلك مصنف عبد الرزاق (6/ 201) . 5 انظر: الإصابة (4/ 237) .

وانقضت عدَّتها أرسل معاوية إلى عامله على المدينة (مروان بن الحكم) أن يخطبها له، ويبذل لها كذا من المال، فأرسلت إلى المغيرة بن نوفل تخبره بخطبة معاوية لها، وتطلب منه إن كانت له بها حاجة أن يقبل إليها، فجاء فخطبها من الحسن بن علي رضي الله عنهما. وفي بعض الروايات أنّها جعلت أمرها إلى المغيرة فزوجها نفسه، فغضب مروان وكتب إلى معاوية يخبره بذلك، فقال: دعه وإيّاها. فلو صحّ شيء من هذا الخبر لم يكن هذا نكاحًا بدون وليٍّ؛ لأنَّ كلاًّ من الحسن بن عليّ والمغيرة بن نوفل عصبة لها، وليس في الخبر ما يدلُّ على حضور أحد من أوليائها ممن هو أولى منهما، اللهم إلا مروان بن الحكم1 فإنه يلتقي معها في جدها (عبد شمس بن عبد مناف) ، بينما يلتقي الحسن والمغيرة معها بعده في (عبد مناف) . ولكن الوليَّ إذا عضل سقطت ولايته وإن كان سلطانًا، وتوقُّع العضل منه متحقِّق كما هو ظاهر هذه القِصَّة. ويظهر من هذه القِصَّة أيضاً أنَّ غضب مروان وكتابته لمعاوية رضي الله عنه بذلك، ثم إقرار معاوية رضي الله عنه لهذا النكاح لم يكن من أجل أنّه نكاح بدون وليٍّ، وإنّما لتفويتها نفسها على معاوية، وعدم تمكّن مروان من تحقيق رغبة الخليفة في الزِّواج بها، وهذا ظاهرمن هذه القِصة. والله أعلم بصحَّتها وحقيقة ما وقع منها.

_ 1 وكذلك معاوية رضي الله عنه، فإنّه يلتقي معها مثل مروان بن الحكم في (عبد شمس) ، إلاّ أنّه قد فوَّض الأمر هنا إلى مروان. انظر ترجمة معاوية رضي الله عنه، في: تهذيب التهذيب (10/ 207) .

6- وذكر ابن حزم أنَّ مما استدلَّ به هذا الفريق: نكاح أبي طلحة أمَّ سليم على الإسلام فقط، أنكحها إيّاه أنس بن مالك وهو صغير دون عشرسنين1. وهذا الأثر رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على ذلك2. وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم، وقال: أنس بن مالك ابنها وعصبتها فإنّه: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، من بني عديِّ ابن النَّجَّار3. وأمّ سليم هي: ابنة ملحان بن خالد بن زيد4والله أعلم". انتهى5. وقال ابن حجرفي الإصابة:"روينا في مسندأحمد بعلوٍّ في الغيلانيات6

_ 1 المحلى لابن حزم (9/ 458) . 2 مستدرك الحاكم (2/ 179) عن أنس رضي الله عنه بمعناه، وبدون ذكر لصغره ولا لتحديد كم عمره؟. 3 انظر ترجمة أنس بن مالك في: الاستيعاب لابن عبد البروالإصابة لابن حجر (1/ 71-73) . 4 انظر ترجمة أم سليم في: الاستيعاب لابن عبد البرّ (4/ 455-456) ، والإصابة لابن حجر (4/ 461-462) . 5 سنن البيهقي (7/ 132) . 6 هي مجموعة أجزاء من الأحاديث ذات الإسناد العالي من رواية: أبي طالب، محمد ابن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز، عن أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بالشافعي، فاشتهرت باسم راويها "ابن غيلان" ا. هـ. انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (2/1214) ، وترجمة ابن غيلان في: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (3/ 265) والأعلام (7/ 246) .

من طريق حماد بن سلمة1، عن ثابت2 وإسماعيل3 ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنّ أبا طلحة خطب أمَّ سليم-يعني قبل أن يسلم فقالت: يا أبا طلحة! ألست تعلم أنّ إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟، قال: بلى، قالت: أفلا تستحي، تعبد شجرة؟! إن أسلمت فإنِّي لا أريد منك صداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقالت: يا أنس زوِّج أبا طلحة فزوّجها". ولهذا الحديث طرق متعدِّدة"4. انتهى. ولعلّ الحافظ ابن حجر يقصد بقوله "له طرق متعدِّدة" قِصَّة تزوّجها أبا طلحة على الإسلام؟ فإنّها هي التي لها طرق متعدِّدة، ذكر بعضها في الإصابة، وبعضها ذكره ابن عبد البرِّ في الاستيعاب في ترجمة

_ 1 تقدمت ترجمته (ص 188) . 2 هو: "البُناني"- تقدمت ترجمته (ص 188) . 3 هو: إسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، أخو إسحاق صدوق، من (الطبقة) الرابعة، روى له النسائي في سننه. كذا في التقريب (1/ 71) ، وانظر: تهذيب التهذيب (1/310) . 4 الإصابة (4/ 461) .

كلٍّ من أبي طلحة وأمّ سُليم رضي الله عنهما1. والله أعلم. وقد أجاب ابن حزم عن هذا الخبر بأنّه منسوخ بحديث "لا نكاح إلا بوليّ" كغيره من الأخبار التي بمعناه 2. والذي يظهر لي من تأمّل قِصَّة تزوّج أبي طلحة بأمّ سليم رضي الله عنها ما يلي: أوّلاً: أنّه قد صحّ عن أنس رضي الله عنه أنّه قال: قدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأنَّ أمَّه أمّ سليم أتت به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقبله"3. ثانياً: أنَّ أبا طلحة رضي الله عنه خطب أمّ سليم وهو مشرك، فقالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يردّ ولكنّك امرؤ كافر وأنا مسلمة لا تحلّ لي، فإن تسلم فذاك مهري، فأسلم، فكان ذاك مهرها"4. وقد شهد أبو طلحة رضي الله عنه بدرًا مع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم5.

_ 1 تقدَّمت الإشارة إلى موضع ترجمة أمّ سُليم قريباً، وأمَّا ترجمة أبي طلحة الأنصاري. فانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (1/549-551) ، والإصابة لابن حجر (1/566-567) ، واسمه: زيد بن سهل بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمر بن مالك بن النَّجَّار، الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته. 2 المحلى لابن حزم (9/458) . 3 الإصابة (1/ 71) . 4 الإصابة (1/567) ، وانظر (4/461 منها) . 5 انظر: الاستيعاب (1/549) ، الإصابة (1/567) ، تهذيب التهذيب (3/ 414) ، التقريب (1/275) .

وقيل: إنّه شهد العقبة1. فيكون زواج أبي طلحة بأمّ سليم إمَّا قبل الهجرة بقليل، أو بعدها بقليل، كما عليه الأكثر أنّه شهد بدرًا مسلمًا، فيتَّجه قول ابن حزم إنَّ هذا الخبر منسوخ كغيره من الآثار التي بمعناه بحديث "لا نكاح إلا بوليٍّ". وإمّا أن يقال: إنّه نكاح بوليٍّ، وفيه صحّة عقد الصبيِّ المميّز، وأنس قد بلغ ذلك على كلا التقديرين في إسلام أبي طلحة -رضي الله عنه-، كما أنّه لا يعقل مخاطبة غير مميِّز بعقد النِّكاح، هذا إذا سلّمنا أنّ أنسًا كان صغيراً إذ ذاك، وإلاّ فقد ذكر ابن حجر في الإصابة من طريق ابن سعد ما يدلّ على بلوغه، وذلك أنَّ أمّ سليم كانت تقول: لا أتزوّج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس فيقول: جزى الله أمِّي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس وتكلّم فتزوَّجها"2. فإن صحَّت هذه الرواية فقد ارتفع الإشكال جملة، فهو ابنها وعصبتها، وهو وليّها بالعصوبة اتفاقاً، أو بالبنوّة عند الجمهور. والله أعلم.- د- الدليل العقلي. وأمّا دليلهم (أي من لم يشترط الولاية في النِّكاح) من المعقول فقالوا:

_ 1 انظر: الإصابة (1/567) ، وتهذيب التهذيب (3/ 4 41) . 2 الإصابة (4/461) ، وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/426) .

إنَّ تزويج المرأة الحرَّة المكلَّفة نفسها هو تصرّف في خالص حقٍّها، وهي من أهله، ولم تلحق الضّرر بغيرها، فيصحّ تصرّفها في نفسها، كما يصحّ تصرّفها في مالها؛ لأنّها قد بلغت عن عقل وحرِّيَّة. فبالعقل: قد زال العجز حقيقة، وقدرت على التصرّف لنفسها؛ فتزول ولاية غيرها عنها. وبالحرِّيَّة: لا يكون لغيرها عليها ولاية؛ للمنافاة بين الحرِّيَّة والولاية عليها. وقالوا: إنَّ ممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الاستدلال ما يلي: 1- أن لها اختيار الأزواج، والتفاوت في حقِّ الأغراض إنَّما يقع باختيار الزوج، لا بمباشرة العقد. 2- صحَّة إقرارها على نفسها بالنِّكاح، ولو كانت بمنزلة الصغيرة ما صحّ إقرارها به. 3- اعتبار رضاها في مباشرة الوليِّ عقد نكاحها، ولو كانت بمنزلة الصغيرة لما اعتبر رضاها. 4- أنَّ لها أن تطالب الوليَّ بالنِّكاح، ويجبر الوليُّ على الإيفاء، ولو كانت كالصغيرة ما وجب الإيفاء بطلبها1.

_ 1 انظر في هذا المعنى: المبسوط (5/12-13) ، بدائع الصنائع (3/1367) ، أحكام القرآن للجصاص (1/402) ، وانظر المناظرة في هذا مع الشافعي (الأم (5/169) .

قال ابن الهمام: فثبت مع المنقول الوجه المعنويّ، وهو أنّها تصرّفت في خالص حقِّها، وهو نفسها، وهي من أهله، فيجب تصحيحه مع كونه خلاف الأولى. ا. هـ1. وهذا الاستدلال المعنوي مبنيّ على الخلاف في تقرير "مناط علّة الولاية في النِّكاح"، أهو الأنوثة، كما يقوله الجمهور؟ أم إنّما هو العجز خاصة لصغر، أو رقّ، أو جنون، ونحوه، كما يقوله الحنفيَّة؟ فعلى قول الجمهور: فلا تلي المرأة النِّكاح لنفسها ولا لغيرها. وأمَّا على قول الحنفيّة: فيستوي كلّ من الرجل والمرأة في إنكاح كلٍّ منهما نفسه إن لم يقم به مانع من أهلية التصرف كصغر، أو جنون، أو رقّ، إلاّ أنّه في المرأة خلاف الأولى. وعلى هذا: فالحجّة فيما سبق من الأدلَّة النقليَّة، وإذا ثبت النّص فلا قياس معه، وأمّا عند عدم ثبوته أو ظهور دلالته فلا يعدم كلٌّ من الفريقين وجهة عقليّة لتقرير مذهبه، سواء في التفريق بين المرأة والرجل في النِّكاح، أم في التسوية بينهما، حتى وإن كان خلاف الأولى في المرأة. وأمَّا ما استدلّوا به على تأييد دليلهم العقلي: فهو بعد التسليم بصحّة ما سبق ذكره، فلا يسلّم لهم ذلك هنا؛ فإنَّ اختيارها للأزواج لا تستبدُّ به عن وليِّها، بل الغالب أنَّ وليَّها هو الذي يختار لها، ثم ترى رأيها في صلاحيته لها، أو عدم صلاحيته، وعلى كلٍّ فهو شركة بينها وبين

_ 1 فتح القدير (3/260) .

وليِّها، ولو اختارت رجلاً زوجًا لها ورأى وليُّها أنّه لا يصلح لمثلها فإنّه يمنعها منه ولا يجبر على إنكاحها إيّاه، كما قرّره الحنفيّة أنفسهم في نقص الكفاءة. وأمَّا إقرارها بالنِّكاح: فإنّه لا ينعقد به النِّكاح، وإنَّما يكشف عن صحَّة نكاح سابق، والحاجة داعية إليه؛ إذ لو لم يقبل إقرارها وتزوَّجها رجل آخر لكانت زوجة لرجلين، وهذا فيه ضرر وفساد كبير. وأمَّا اعتبار رضاها في مباشرة وليِّها نكاحها: فإنَّ ولاية الوليّ عليها ثابتة شرعًا، ولا تتوقف على رضاها؛ ولذلك فإنّه لا ينعزل بعزلها كما ينعزل الوكيل بعزل موكله له، وإنّما حقُّها في معرفة الوليِّ لرضاها بالزَّوج وبالنِّكاح، وهذا دليل على أنَّ ولاية الوليِّ ولاية نظر ومصلحة لها وتكريم، لا ولاية إذلال أو انتقاص من حقِّها. ومثل ذلك إثبات حقِّها في مطالبة وليِّها بإنكاحها وإجباره على إجابتها إن لم يكن هناك عذر شرعيّ لامتناعه. والله أعلم.

المذهب الثَّالث: التفصيل بين الكفء وغيره: وأمّا المذهب الثَّالث في الولاية على المرأة الحرَّة المكلّفة فهو التفصيل في ذلك باعتباركفاءة الزَّوج أو عدم كفاءته. فإن كان الزَّوج كفؤًا لها صحّ عقدها نكاح نفسها ونفذ، وإن لم يكن الزَّوج كفؤًا لها فالنّكاح غير صحيح أصلاً. وهذا القول: هو رواية الحسن اللؤلؤي عن أبي حنيفة رحمه الله. وقد اختيرت هذه الرواية للفتوى1. وهي أيضاً رواية عن أبي يوسف -رحمه الله- قيل برجوعه عنها، إمَّا إلى الصِّحَّة مطلقًا من الكفء وغيره كما في ظاهر الرواية، وإمَّا إلى القول بعدم الصِّحَّة إلا بوليٍّ كما حكاه عنه الطحاوي والكرخيّ2. توجيه هذه الرِّواية: وتوجيه هذه الرِّواية عن أبي حنيفة -رحمه الله- والتي قد اختيرت للفتوى- هوسدُّ باب التزويج على المرأة من غيركفئها احتياطاً للأولياء ودفعًا للضرر عنهم؛ لأنَّه- كما قالوا- كم من واقع لا يرفع! وليس كلُّ وليٍّ يحسن المرافعة والخصومة، ولا كلُّ قاض يعدل، ولو أحسن الوليُّ

_ 1 فتح القدير (3/255) ، وانظر أيضاً: المبسوط (5/10) ، وتبيين الحقائق (2/117) ، والبحر الرائق (3/118) . 2 فتح القدير (3/256) ، وشرح معاني الآثار للطحاوي (3/113) . وانظر أيضاً: المبسوط (5/10) ، وتبين الحقائق (2/117) ، البحر الرائق (3/117) .

وعدل القاضي فقد يترك أنفة للتردُّد على أبواب الحكَّام واستثقالاً للخصومات، كما أن الجثوّ بين يدي الحكَّام مذلَّة، فيتقرَّر الضرر، وخاصَّة بعد فساد الزَّمان، فكان الأحوط سدُّ الباب بالقول بعدم الانعقاد أصلاً1 وعدم الصِّحَّة المفتى به في هذه الرواية مقيَّد- كما قال ابن الهمام- بما إذا كان للمرأة أولياء أحياء؛ لأنَّ عدم الصّحَّة المفتى به إنَّما يكون على ما وجهَّت به هذه الرواية دفعًا للضرر عن الأولياء، وأمَّا ما يرجع إلى حقِّها فقد سقط برضاها بغيرالكفء2. الفرق بين هذه الرواية ورواية ظاهر المذهب: والفرق بين هذه الرواية- المختارة للفتوى- وبين رواية ظاهر المذهب هو في صحَّة انعقاد إنكاح المرأة نفسها من غير الكفء. وبيان ذلك: أنَّ الروايتين تتَّفقان على صحّة عقد المرأة نكاح نفسها من الكفء، وأنّه نافذ ولازم، فلا حقَّ للأولياء في الاعتراض عليها. وتختلفان: في صحَّة عقدها على نفسها من غيركفئها. ففي ظاهر الرواية هو أيضًا صحيح ونافذ، إلا أنَّه غير لازم؛ بمعنى أنَّ للأولياء حقَّ الاعتراض عليها وفسخ نكاحها إن لم يرضوا بغير الكفء، كما يكون لهم حقُّ الاعتراض عليها إذا زوَّجت نفسها بأقلِّ من مهر مثلها.

_ 1 انظر المبسوط (5/13) ، فتح القدير (3/255) ، البحر الرائق (3/118) . 2 فتح القدير (3/255) .

وأمَّا في هذه الرواية- المختاره للفتوى- فإنَّ عقدها نكاح نفسها من غير كفئها يكون غير صحيح أصلاً. وعلى هذا قالوا: لو زوَّجت المطلقة ثلاثاً نفسها بغيركفء ودخل بها فإنّها لا تحلّ للأول، وأمّا لو باشر الوليُّ عقد المحلِّل فإنّها تحل للأول، وقالوا: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة؛ فإنَّ المحلِّل غالبًا يكون غير كفء1. وحاصل هذه الرواية: أنَّ الأصل في إنكاح المرأة نفسها صحَّته، وأمَّا بطلانه فيدور مع الكفاءة وجودًا وعدمًا. وهذا في الحقيقة خروج من البحث؛ فللكفاءة مبحث آخر غير مبحث الولاية. والله أعلم. المذ هب الرَّابع: انعقاده موقوفًا على إجازة الوليِّ: وأمَّا المذهب الرابع في الولاية على المرأة فهو صحَّة إنكاحها نفسها بدون إذن وليِّها، ولكنه ينعقد موقوفاً على إجازة وليِّها، سواء كان الزوج كفوءاً أم غيركفء. وهذا القول هو الرواية المشهورة عن محمد بن الحسن رحمه الله2. وهو أيضاً إحدى الروايات عن أبي يوسف رحمه الله، وقد اقتصر على ذكرها عنه أبو بكر الجصاص وقال: إنّها المشهورة عنه3.

_ 1 فتح القدير (3/256) ، البحر الرائق (3/118) . 2 المبسوط (5/10) وفتح القدير (3/256) . 3 أحكام القران للجصاص (1/401) ، والمبسوط (5/10) ، وفتح القدير (3/256) .

وقد سبق القول برجوع محمد وأبي يوسف إلى رواية ظاهر المذهب، أو إلى عدم الجواز بغير وليٍّ، كما حكاه الطحاويُّ والكرخيُّ عنهما1. ويتَّفق أبو يوسف ومحمد هنا: على القول بانعقاد النِّكاح موقوفاً على إجازة الوليِّ مطلقا، ً وعلى إجازة الوليِّ أيضًا أوردِّه إن لم يكن الزوج كفؤاً. ويختلفان في انفساخ العقد من الكفء إن لم يجزه الوليُّ. أبو يوسف يقول: لا ينفسخ النِّكاح إذا كان الزوج كفؤاً، وإنَّما يجيزه القاضي إذا أبي الوليُّ الإجازة، وإنّما يتمُّ النِّكاح- عنده- حين يجيزه القاضي2. وأمَّا محمد بن الحسن فيقول: إنَّه ينفسخ إن لم يجزه الوليُّ، وعلى القاضي أن يجدِّد العقد إذا كان الزوج كفؤاً3. وأمَّا الفرق بين هذه الرواية المشهورة عن محمد بن الحسن وبين مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية فيظهر فيما يترتب على النِّكاح قبل الإجازة أو تجديد القاضي للعقد، فعلى المشهور من مذهب محمد بن الحسن لا يقع على المرأة طلاق ذلك الزوج، ولا إيلاؤه ولا ظهاره، ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر.

_ 1 وانظر ما تقدم (ص 155) وما بعدها. 2 أحكام القرآن للجصاص (1/401) ، المبسوط (5/10) ، بدائع الصنائع (3/1364) . 3 المبسوط (5/10) . بدائع الصنائع (3/1364) ،فتح القدير (3/256) .

وأمَّا على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية فكلُّ ذلك يقع، لصحة العقد وترتب أثره عليه. وعلى ذلك بنوا مسألة: ما إذا طلَّقها ثلاثا قبل أن يجيزه الوليُّ أو يجدِّده الحاكم، فقالوا: يكون هذا ردًا للنكاح على قول محمد؛ فلا يقع عليها طلاقه، وإنَّما يكره له أن يتزوَّجها ثانيًا قبل أن تتزوَّج بزوج آخر؛ وذلك من أجل اختلاف العلماء واشتباه الأخبار في جواز النِّكاح بغير وليٍّ؛ ولأنَّ ترك نكاح امرأة تحلُّ له خير له من أن ينكح امرأة لا تحلُّ له، ولكن لو تزوَّجها لم يفرَّق بينهما. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية تصحّ التطليقات الثلاث، ولا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره1 الاستدلال لهذا المذهب. 1- قال الكاساني: احتجَّ محمد -رحمه الله- بما روي عن عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله ن صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "أيُّما امرأة تزوَّجت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل 2. ثم قال: "والباطل من التصرفات لا حكم له شرعًا كالبيع الباطل ونحوه" اهـ3.

_ 1 المبسوط (5/15) ، بدائع الصنائع (3/1364) . 2 تقدم تخريجه (ص 112) . 3 بدائع الصنائع للكاساني (3/ 1365-1366) .

والذي يظهر- والله أعلم- أنَّ هذا الحديث لا يتمُّ به الاستدلال لما ذهب إليه محمد بن الحسن رحمه الله؛ فإنّ العقد الباطل لا يمكن تصحيحه إلاّ بعقد جديد، ومحمد يقول إنَّه ينعقد موقوفاً،- كما سبق تقريره- وكما قال الكاساني نفسه قبل هذا في التفريق بين مذهب الشافعي ومحمد حيث قال: إنَّ محمداً يقول: ينعقد النِّكاح بعبارتها وينفذ بإذن الوليِّ وإجازته، وينعقد بعبارة الوليِّ وينفذ بإذنها وإجازتها. وعند الشافعي: لا عبارة للنساء في باب النِّكاح أصلاً. اهـ1. وإنَّما يمكن أن يستدلَّ بهذا الحديث لما ذهب إليه محمد بن الحسن بأن يقال: إنَّ مفهومه يدلُّ على صحَّة إنكاح المرأة نفسها بإذن وليِّها، فيقاس الإذن بعد العقد على صحة الإذن قبله، فلا فرق بين أن يكون الإذن سابقاً للعقد أو لاحقًا له. ولكن يعكِّر على هذا الاستدلال أنَّه مبنيٌّ على القول بمفهوم المخالفة والحنفيَّة لا يقولون به. وهذا أيضًا إذا سلَّمنا أنَّ له مفهومًا وإلاّ فقد تقدَّم القول بمنعه2 وسيأتي أيضاً خلاصة الجواب عنه في مذهب أبي ثور الآتي3 والله أعلم. 2- ويمكن أيضاً أن يستدلَّ لمحمد بما ذكره السَّرَخْسِي في (المبسوط)

_ 1 نفس المصدر (3/1365) . 2 انظر ما تقدم ص 127 وما بعدها. 3 انظر مذهب أبي ثور الآتي ص 235.

عن عليٍّ رضي الله عنه: "أنَّ امرأة زوَّجت ابنتها برضاها فجاء أولياؤها فخاصموها إلى عليٍّ رضي الله عنه فأجاز النِّكاح"1. ولكن في الاستدلال به لما ذهب إليه محمد نظر أيضًا؛ فإنَّ إنكاح المرأة نفسها يبطل على رأيه إن لم يجزه الوليُّ، وهنا لم تكن إجازة بل خصام ومحاكمة. وإنَّما يمكن أن يستدلَّ به لأبي يوسف على قوله هذا إن كان الزوج كفؤاً، وإن لم يكن كفؤاً فلا دليل لهما فيه، لهذين القولين. والله أعلم. 3- وأقرب ما يستدلُّ به لما ذهب إليه محمد رحمه الله الخبر المشهور الذي رواه مالك وغيره، عن عائشة رضي الله عنها: "أنّها زوَّجت أبنة أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام فلمَّا قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ فكلَّمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردُّ أمراً قضيتِه، فقرَّت حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقاً" رواه الإمام مالك وغيره وتقدم تخريجه2. فإنَّ ظاهر هذا الخبر أنَّ عائشة رضي الله عنها هي التي عقدت النِّكاح فأجازه عبد الرحمن.

_ 1 المبسوط (5/10) وتقدم تخريجه ص 211. 2 انظر تخريجه المتقدم ص 215- 216.

وقد سبقت الإجابة1 عن هذا بأنَّ المقصود بتزويج عائشة ابنة أخيها "تمهيد النِّكاح وتقرير المهر وأحوال النِّكاح، وأنَّ الذي تولىَّ العقد حقيقة إنَّما هو بعض عصبتها، ونسب التزويج إليها لمَّا كان تقريره إليها؛ بدليل ما روى عنها "أنّها كانت تخطب إليها الجارية من أهلها فإذا بقيت عقدة النِّكاح قالت لبعض أهلها: زوِّج فإن النساء لا ينكحن"2. وهذا هو الموافق لروايتها المرفوعة أنَّ إنكاح المرأة نفسها باطل، وإذا بطل تزويجها نفسها فتزويجها غيرها أولى بالبطلان. واللة أعلم. 4- واستُدلَّ له من جهة المعقول: بأنَّ للوليِّ حقًا في النِّكاح؛ بدليل ثبوت حقِّ الاعتراض له أو الفسخ، ومن لا حقَّ له في عقد فلا يملك فسخه، والتصرف في حقِّ إنسان إنَّما يقف جوازه على إجازته، كالأمة إذا زوَّجت نفسها بغير إذن سيِّدها3. والله أعلم. المذهب الخامس: صحته بإذن وليِّها. وأمّا المذهب الخامس: فهو التفريق بين من أذن لها وليُّها في إنكاح نفسها وبين من لم يأذن لها. فإن أذن لها وليُّها صحّ تولّيها عقد نكاحها. وإن لم يأذن لها فلا يصحّ.

_ 1 انظر ما تقدم ص 126. 2 انظر تخريجه المتقدم ص 147-148. 3 بدائع الصنائع للكاساني (3/1366) . وانظر المناظرة في هذا المذهب مع الشافعي في الأم (5/169-170) . وجواب ابن حزم عنه في المحلى (9/456) .

وهذا هو مذهب أبي ثور رحمه الله1. والفرق بين مذهب أبي ثور ومذهب محمد بن الحسن رحمهما الله: هو أنَّ أبا ثور رحمه الله يشترط لصحَّة تولِّي المرأة نكاحها أن يسبقه إذن لها من الوليِّ فلو عقدت بدون إذنه لم يصحّ عقدها ولو لحقه الإذن بعد ذلك.

_ 1 انظر في هذا المذهب: شرح النووي (9/205) ، فتح الباري (9/187) سبل السلام (3/118) ، نيل الأوطار (6/136) . وهذا هو المذهب المشهور عن أبي ثور رحمه الله. وقد عزا إليه ابن حزم غير هذا فقال: قال أبو ثور لا يجوز أن تزوِّج المرأة نفسها ولا أن تزوّج امرأة ولكن إذا زوَّجها رجل مسلم جاز "المؤمنون إخوة"، "بعضهم أولياء بعض" (المحلى (9/455) . ثم ردَّ عليه بحديث: "فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له". انظر (9/456-457) إلا أنَّ المشهور بين العلماء ما تقدم تقريره. إلا أن يقصد ابن حزم: أنَّها لا تباشر النكاح بنفسها إذا أذن لها وليُّها وإنما توكّل رجلاً فينكحها كما يقوله مالك في نكاح الدنيئة. وكما يقوله أيضاً داود الظاهري في الثيب البالغ فإنه حينئذ يتَّفق قول ابن حزم مع ما حكاه غيره عن أبي ثور رحمه الله. والله أعلم. واسم (أبي ثور) هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي الإمام الجليل الجامع بين علمي الحديث والفقه، أحد العلماء المجتهدين، والعلماء البارعين، والفقهاء المبرزين، المتفق على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وبراءته. كذا قال النووي في ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات (2/200-201) من القسم الأول وانظر معجم المؤلفين (1/28) ، والأعلام (1/30) .

وأما على المشهور من مذهب محمد بن الحسن- رحمه الله- فلا يشترط سبق الإذن، بل تكفى الإجازة بعد وقوعه، فإن أجازه بعد الوقوع جاز، وإن ردَّه انفسخ وبطل، فالإذن عنده أعمُّ من أن يكون سابقًا للعقد أو لاحقًا له. دليل أبي ثور رحمه الله. استدلَّ أبو ثور رحمه الله لمذهبه هذا بحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:" أيُّما امرأة نَكَحَت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له"1. فإنَّ منطوق هذا الحديث يدلُّ على بطلان إنكاح المرأة نفسها بغير إذن وليِّها، ومفهومه يدلُّ على صحَّة إنكاحها نفسها بإذن وليِّها. وقد سبقت الإجابة2عن هذا المفهوم مستوفاه في مناقشة الاستدلال بهذا الحديث على اشتراط الولاية في النّكاح فلا حاجة لاعادتها، ومن أقواها: أنَّه لا مفهوم، له لخروجه مخرج الغالب، أو أنّ المقصود بـ"إذن الوليّ": عقده بنفسه، أو عقد وكيله، فيكون المعنى "أيُّما امرأة نكحت بغير إنكاح وليّها-أصالةً أو وكالةً-فنكاحها باطل" كما أشار إليه الصنعاني وغيره. والله أعلم.

_ 1 تقدم تخريجه ص 112. 2 انظر ما تقدم ص 127 وما بعدها.

واستُدلَّ له أيضاً من جهة المعقول: بأنَّ الوليَّ إنّما يراد ليختار كفوءاً؛ لدفع العار وذلك يحصل بإذنه1. ولكن ماذا لو أنكحت نفسها كفؤاً بدون إذنه؟ أيجيزه أبو ثور رحمه الله أم لا؟ فلو كانت كفاءة الزوج كافية للزمه تصحيحه، وإن كانت غير كافية ما لم يأذن لها قبل العقد علمنا أنَّ الولاية في النِّكاح لا تدور مع الكفاءة وجودًا وعدماً فلم يبق لأبي ثوررحمه الله فيما ذهب إليه غير مفهوم الحديث السابق؛ وقد تقدمت الإجابة عنه بالتفصيل فلتراجع2.والله أعلم. المذهب السادس: اشتراط الولاية في النِّكاح على البكر دون الثَّيِّب. وأمَّا المذهب السادس فهو التفريق بين البكر والثَّيِّب، فإن كانت المرأة بكراً فلا نكاح لها إلا بوليٍّ، وإن كانت ثيِّباً صحّ لها أن تولِّي أمر نكاحها رجلاً من المسلمين فيزوِّجها ولا اعتراض لوليِّها عليها. وهذا مذهب داود الظاهري رحمه الله3.

_ 1 شرح النووي (9/205) . 2 انظر ما تقدم ص (127) وما بعدها. 3 انظر: المحلى (9/457) ، وبداية المجتهد (2/7) ، وشرح النووي (9/ 205) ، وفتح الباري (9/194) ، ونيل الأوطار (6/136) .

وظاهر من هذا المذهب أنَّه لا عبارة للمرأة في النِّكاح، سواء كانت بكراً أم ثيِّباً، ولكن للثيِّب خاصَّة أن تفوّض أمر نكاحها إلى رجل غير وليٍّ فينكحها. دليل داود الظاهري رحمه الله: واستدلَّ داود الظاهري - رحمه الله - لمذهبه هذا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدم تخريجه1. فظاهر هذا الحديث التفريق بين البكر والثيِّب في الولاية، حيث جعل الثَّيِّب أحقَّ بنفسها من وليِّها، وذلك بخلاف البكر؛ فإنَّ ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ أمرها بيد من يستأذنها، والله أعلم. وقد تقدَّمت مناقشة الاستدلال بهذا الحديث في مذهب الحنفية2. ويكفي للإجابة عمَّا ذهب إليه داود الظاهري، ما قاله ابن حزم رحمه الله حيث قال:"وهذا لو لم يأت غيره لكان كما قال أبوسليمان3،

_ 1 تقدم تخريجه (ص 167) . 2 انظر ما تقدم (ص 169وما بعدها) . 3 هي كنية داود الظاهري، واسمه: (داود بن علي بن خلف) الأصبهاني ثم البغدادي، إمام أهل الظاهر. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/182-184من القسم الأول) والأعلام (3/8) ، ومعجم المؤلفين (4/ 139) .

لكنَّ قوله: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل" عموم لكلِّ امرأة، ثيِّب أو بكر، وبيان قوله عليه الصلاة والسلام "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها" أنَّه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا تُنكح إلاّ من شاءت، فإذا أرادت النِّكاح لم يجز لها إلاّ بإذن وليِّها، فإن أبى أنكحها السلطان على رغم أنف الوليِّ الآبي". اهـ1. وحكى النووي عن العلماء قولهم: "ناقض داود مذهبه في شرط الوليّ في البكر دون الثَّيِّب؟ لأنَّه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، ولم يُسبق إليه، ومذهبه أنَّه لا يجوز إحداث مثل هذا والله أعلم" ا. هـ2. المذهب السَّابع: اشتراط الولاية في النِّكاح على الشريفة دون الدَّنيئة: وأمَّا المذهب السابع: فهو القول بالتفريق بين الدَّنيئة والشريفة، فإن كانت المرأة شريفة فلا يصحّ لها نكاح إلا بوليّ، وإن كانت دنيئة صحّ نكاحها بالولاية العامَّة، فيصحُّ أن تجعل أمرها إلى رجل صالح من المسلمين فيعقد لها، ويصح نكاحها ولوتولَّى الزوج العقد بنفسه. وهذا القول مشهور عن الإمام مالك رحمه الله3.

_ 1 المحلى (9/457) ، وانظر: فتح الباري (9/194) . 2 شرح النووي على مسلم (9/205) . 3 انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (2/226) ، وشرح الخرشي والعدوي (3/ 182) ، ومنح الجليل (2/18-19) وحاشية البناني على الزرقاني (3/176) وشرح الحطاب (3/ 430- 431) .

وهذا إذا وقع العقد، أمَّا القول بصحَّته ابتداء ففيه خلاف عند المالكية1. شرط القول بهذا المذهب. لا بدَّ في صحَّة نكاح الدَّنيئة بغير وليٍّ- على هذا المذهب- من شرطين: أوّلهما: ألاّ يوجد لها وليٌ خاص مجبر، فإن وجد الوليُّ الخاص2 المجبر فلا يصحُّ نكاحها بالولاية العامَّة، ولا بدّ من فسخه حتى ولو أجازه الوليُّ الخاص المجبر بعد ذلك3. وثانيهما: ألاَّ تتولَّى هي بنفسها عقدة النِّكاح، ولا تتولاّه لها امرأة، بل تستخلف رجلاً من المسلمين فيتولَّى أمر نكاحها، فإن باشرته بنفسها أو امرأة لها فلا يصحُّ ذلك النِّكاح، ويفسخ إن وقع، ففي المدونّة قلت4: أرأيت لو أنَّ امرأة زوَّجت نفسها ولم تستخلف من يزوِّجها بغير أمر الأولياء، وهي ممن الخطب لها، أو هي ممن لا خطب لها؟ قال: قال

_ 1 المصادر السابقة، والفواكه الدواني للنفراوي (2/28) . 2 الوليُّ الخاص: ضد العام، والمجبر: ضد غير المجبر، وذلك كالأب في ابنته البكر. 3 الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (2/226) ، والخرشي والعدوي (3/ 182) ، وبلغة السالك مع الشرح الصغير (1/357) . 4 القائل هنا: هو (سحنون) ، والمسؤول: هو (ابن القاسم) ، كما هو معروف في المدونَّة.

مالك: لا يُقرُّ هذا النِّكاح أبدًا على حال، وإن تطاول وولدت منه أولادًا، لأنَّها هي عقدت عقدة النِّكاح فلا يجوز ذلك على حال" اهـ1. المقصود بالشريفة والدَّنيئة في هذا المذهب. يعرّف المالكية المرأة الشريفة: بأنَّها ذات القدر والموضع، وكلًّ من يرغب فيها لنسب أو حسب أو مال أو جمال2. وأمَّا المرأة الدَّنيئة: فهي المرأة التي لا قدر لها ولا خطب، ممن لا يرغب فيها لنسب، ولا حسب، ولا مال، ولا جمال3. ويمثِّلون لها: بالمرأة السوداء، أو التي أسلمت، أو أعتقت4. ولكنَّ المحقِّقين منهم يعترضون على هذا الإطلاق ويقولون: إنّ وصف الدناءة لايعمُّ كلَّ امرأة سوداء، كما لايعمُّ جميع من أسلمن، ولا من أُعتقن؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهنَّ قد تكون من ذوات الأقدار التي يرغب فيها، وإنَّما المراد بالدنيئة من كان منهنَّ غريبًا غير معروف، ولا مال له، ولا جمال5.

_ 1 المدونّة (2/152) ، وانظر: تفسير القرطبي (3/77) ، والكافي لابن عبد البر (1/ 431) . 2 الشرح الكبير مع الدسوقي (2/226) ، والخرشي والعدوي (3/ 182) . 3 المصدرين السابقين. 4 المصدرين السابقين. 5 انظر: الدسوقي مع الشرح الكبير (2/226) ، وحاشية البناني على الزرقاني (3/176) .

كما جاء عن مالك أنَّهم قوم من: القِبْطِ يقدمون من مصر إلى المدينة وهم سود، أي لا كلّ سوداء1 فإن كانت واحدة ممن ذكر عفيفة حيِّية لا ترضى الدناءة فهي شريفة2. توجيه هذه الرواية عن مالك رحمه الله. إنَّ الظاهر في توجيه هذه الرواية للإمام مالك رحمه الله: هو النظر منه إلى المصلحة في نكاح من هذا شأنها من النّساء، ويدلّ على ذلك قول الباجي3 في المنتقى: "ووجه رواية الإجازة أنَّ الدَّنيئة يتعذَّر عليها رفع أمرها إلى الحاكم، فلو كلّفت ذلك لأضرَّ بها وتعذَّر نكاحها"4. وكذلك تعليل بعضهم الجواز بقولهم: (لأنَّ كلَّ واحد كفؤ لها) 5. ومع هذا، فإنَّ هذه التعليلات لا تخلو من نظر، فقول الباجي:

_ 1 انظر: حاشية العدوي على الخرشي (3/ 182) ، وشرح الزرقاني وحاشية البناني (3/176) ، ومنح الجليل (2/18) . 2 انظر: حاشية البناني على الزرقاني (3/176) . 3 هو: القاضي أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي الأندلسي المتوفي سنة 494 هـ، وقيل غيرها. انظر ترجمته في: معجم المؤلفين (4/261) ، والأعلام (3/186) . 4 المنتقى في شرح الموطأ للباجي (3/270) . 5 الكافي لابن عبد البر (1/ 432) ، وتفسير القرطبي (3/76) وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 223) .

إنّما يتّجه لو لم يكن لها وليّ إلاّ الحاكم، وأمَّا على المشهور من هذه الرواية: وهو أنّه يصحّ لها أن تولّي أمرها من شاءت من المسلمين- حتى وإن وجد وليُّّها الخاص غير المجبر- فلا يتّحه؛ إذ كيف يتعذَّر عليها رفع أمرها إلى أخيها، أو عمّها من أوليائها الحاضرين، غير المجبرين؟. وأمَّا تعليلهم بأنَّ كلَّ واحد كفؤ لها، فقد سبق مراراً في هذا البحث القول بأن مسألة الولاية غير مسألة الكفاءة، فإنَّ الكفاءة وإن كانت من أظهر الحكم في اشتراط نصب الوليّ إلاّ أنّ حصر علَّة الولاية فيها لا تخرج عن كونها دعوى، والله أعلم. وقدحكى القرطبي عن ابن عبد البر قوله: "وأمّا تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر، فغيرجائز، لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أحكامهم فقال "المسلمون تتكافؤ دماؤهم"1، وإذا كانوا في الدِّماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد"2. ثم حكى القرطبي أدلّة اشتراط الولاية في النِّكاح، وعقَّب عليها بقوله:"ولم يفرّقوا- أي المشترطين- بين دنيّة الحال وبين الشريفة؛ لإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدِّماء لقوله عليه السلام:

_ 1 رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وا بن الجارود، والبيهقي وغيرهم. انظر تخريجه في إرواء الغليل (7/265-266) . 2 القرطبي (3/ 76) .

"المسلمون تتكافؤ دماؤهم" وسائر الأحكام كذلك، وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع". انتهى1. وقال ابن حزم: "وأمّا قول مالك فظاهر الفساد؟ لأنّه لا فرق بين - الدَّنيئة وغير الدَّنيئة، وما علمنا الدناءة إلاّ معاصي الله تعالى، وأمّا السوداء والمولاة فقد كانت أمُّ أيمن2 رضي الله عنها سوداء ومولاة، ووالله ما بعد أزواجه عليه الصلاة والسلام في هذه الأمّة امرأة أعلى قدرًا عند الله تعالى وعند أهل الإسلام كلِّهم منها. وأمّا الفقيرة: فما الفقر دناءة، فقد كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- الفقير الذي أهلكه الفقر، وهم أهل الشرف والرفعة حقًّا، وقد كان قارون وفرعون وهامان من الغنى بحيث عرف، وهم أهل الدَّناءة والرَّذالة حقًّا.

_ 1 القرطبي (3/77) . 2 هي: أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم أسامة بن زيد أيضاً، واسمها "بركة بنت ثعلبة". انظر ترجمتها في: طبقات ابن سعد (8/223-226) ، والاستيعاب لابن عبد البر (4/250-251) ، والإصابة لابن حجر (4/432-434) ، وتهذيب التهذيب (12/ 459) ، وتقريب التهذيب (2/ 619) .

وأمّا النّبطيّة: فربّ نبطيّة لا يطمع فيها كثير من قريش ليسارها وعلو حالها في الدنيا، وربّ بنت خليفة هلكت فاقة وجهدًا وضياعًا10 انتهى المقصود من كلامه. هذه خلاصة ما روى عن مالك في التفريق بين الدنيئة والشريفة في اشتراط ولاية النِّكاح، وما قيل في الرّد عليها. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ هذه الرواية عن مالك-رحمه الله- تحتاج إلى تحقيق في صحّتها، وما يقصد بها قبل تفنيدها، والتَّشنيع على مالك بسببها. والذي يظهر لي فيها- والله أعلم-: أنَّ مالكا إنَّما قصد بها- إن صحّت عنه- امرأة لا مطمع فيها، ولا وليّ لها، مجبراً كان أو غير مجبر إلاّ الحاكم، ولا قدرة لها على رفع أمرها إليه، فإذا كان حالها كذلك فما السبيل إلى نكاحها؟ ومن وليُّها غير ما فعلت من إسناد أمر نكاحها إلى رجل من المسلمين فينكحها؟ وهذه ضرورة لها نظائرها في مذهب الشافعية والحنابلة، ويدلُّ على وجهة النظر هذه مايلي: 1- ما روى عن مالك في وصف الدنية: أنَّهم قوم من القبط يقدمون من مصر إلى المدينة وهم سود2. فأمثال هؤلاء غرباء في المدينة، ويغلب على الظّنّ أنَّ المرأة منهم لا وليَّ لها حاضر سواء كان مجبراً أم غير مجبر.

_ 1 المحلى لابن حزم (9/456) . 2 انظر: حاشية العدوي على الخرشي (3/182) .

2- ما رواه أشهب 1 عن مالك في المدنِيَّة 2 تولِّي رجلاً ينكحها نهى عن ذلك وقال: "إذا عملت به ضاعت الفروج"3. 3- أن هذه الرواية- أي التفريق بين الدنيئة والشريفة- مشهورة عن ابن القاسم4 عن مالك، وقد أنكر ابن الماجشون5 رواية ابن القاسم هذه وقال: إنَّما قال مالك ذلك في الأعجميّة تعمد للرّجل فيلي منها ما يلي من مولاته، لا بأس أن يعقد نكاحها بإذنها إذا لم يكن لها وليٌّ) 6.

_ 1 هو: أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي، فقيه الديار المصرية في عصره، وصاحب الإمام مالك، قال الشافعي: "ما أخرجت مصر أفقه من أشهب.". انظر: الأعلام (1/ 335) ، وترتيب المدارك (3/ 262) . 2 نسبة إلى المدينة النبوية. 3 المنتقى للباجي (3/ 270) . 4 هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري، أبو عبد الله المعروف بابن القاسم، تلميذ الإمام مالك. انظر ترجمته في: الأعلام (3/97) ، معجم المؤلفين (5/ 165) وترتيب المدارك (3/242) . 5 هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني المالكي (أبو مروان) . انظر ترجمته في: معجم المؤلفين (6/184) ، الأعلام (4/305) ، ترتيب المدارك (3/136) . 6 المنتقى للباجي (3/270) .

4- أنّ نصّ رواية ابن القاسم في الواضحة1 إنَّما هي في الدنيئة التي ليس لها ولي بقرابة ولا ولاية فيزوّجها الأجنبي دون الإمام2.والله أعلم. فهذه أربعة نصوص فيها ما يكفي لبيان المراد بالدَّنيئة عند الإمام مالك، كما ظهر لي، والعلم عند الله تعالى. خاتمة هذا الفصل وبيان الرَّاجح: إنّ حكم الولاية في النِّكاح على الحرَّة المكلَّفة هو أهمُّ مسألة في بحثنا هذا- كما قلت سابقًا- ولقد طال وقوفنا عندها، وهي حريّة بذلك، وذلك تبيانًا لأقوال العلماء فيها، وتتبُّع أدلِّتهم وتأمّل دلالتها وصحَّتها ومناقشتها دليلاً دليلاً- كما سبق بيانه- ومن تأمَّلها فلن يخفى عليه- بحمد الله- أرجحها دليلاً، وأحظاها قبولاً عند الأمَّة وهو مذهب الجمهور القائلين باشتراط الولاية في النِّكاح. وقد سبقت أدلُّتهم من الكتاب والسنّة والأثر والمعقول، وتلك هي الحجَّة فيما اخترناه، ولكن زيادة في الإيضاح والبيان نختم هذا المبحث بكلمتين أخيرتين هامَّتين: الأولى: تتعلَّق بمنشأ الخلاف في هذه المسألة.

_ 1 الواضحة في السنن والفقه: تأليف عبد الملك بن حبيب بن سليمان المتوفى سنة 239 هـ، وهي من أمهات المصادر في الفقه المالكي. انظر: كتاب البحث العلمي ومصادر الدراسات الاسلامية للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان (ص 347) ، والأعلام (4/ 302) . 2 المنتقى للباجي (3/270) .

والثَّانية: تتعلّق ببيان قوّة أدلَّة مذهب الجمهور. فأمَّا منشأ الخلاف في هذه المسألة فهو ضعف أدلَّة الولاية في النِّكاح عند من لم يشترطها، أو تأويلها دفعًا للتعارض بينها وبين أدلَّه أخرى، وهذا بخلاف الأمر عند الجمهور الذين قالوا باشتراط الولاية في النِّكاح، فقد صحَّ عندهم الدليل ودلالته، وقامت الحجّة بالعمل به، ولبيان هذه الحقيقة إليك ذكر ثلاثة نصوص للأئمة تبيِّن مجمل اتجاهاتهم: أوَّلها: قول ابن رشد في (بداية المجتهد) : وسبب اختلافهم-[أي العلماء]- أنّه لم تأت آية ولا سنّة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النِّكاح، فضلاً عن أن يكون في ذلك نصٌّ، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلّها محتملة، وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضاً محتملة في ذلك، والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها، إلاّ حديث1 ابن عباس، وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمة" اهـ2. وثانيها: قول الزيلعي صاحب (تبيين الحقائق) : "وقد رووا-[يعني المشترطين للولاية]- في كتبهم أحاديث كثيرة ليس لها صحّة عند أهل

_ 1 هو حديث: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها.."، وتقدم تخريجه (ص 167) . 2 بداية المجتهد (2/7) .

النقل، حتى قال البخاري وابن معين لم يصحّ في هذا الباب حديث- يعنى على اشتراط الولاية" اهـ1. وثالثها: قول النووي في شرح مسلم: "واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره، فإنّهاتستقلُّ فيه بلا وليٍّ، وحمل الأحاديث في اشراط الوليِّ على الأمة والصغيرة، وخصّ عمومها بهذا القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثير من أهل الأصول" اهـ2. فهذه ثلاثة نصوص للعلماء، منهم المضعّف لاشتراط الولاية في النِّكاح مخالفاً إمامه كابن رشد المالكي، ومنهم المنتصر لمذهب إمامه كالزيلعي الحنفي صاحب تبيين (الحقائق) ، ومنهم المبيِّن لمذهب من خالفه، كالنووي الشافعي. ومن أجل ذلك طال وقوفنا عند أدلة هذه المسألة إثباتاً ونفياً وتفصيلاً، بحثا عن صحَّة أسانيدها، ودلالة متونهالمذهب من استدلَّ بها، مستعيناً في كلِّ ذلك بالله عزَّ وجلَّ، ثم بفهم كلِّ ذي فنٍّ في فنّه. فهذه خلاصة ما أحببت الإشارة إليه في خاتمة هذا الفصل مما يتعلَّق بمنشأ الخلاف في هذه المسألة، والله المستعان.

_ 1 تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (2/117) . 2 شرح النووي على مسلم (9/205) .

وأمَّا الكلمة الأخيرة التي تتعلَّق بصحَّة ما سبق ترجيحه وهو مذهب الجمهور فهو: أنَّ أحاديث اشتراط الولاية في النّكاح قد ثبتت صحَّتها- كما سبق- وظهرت دلالتها مع ما يشهد لها من ظاهر الكتاب العزيز، ومثل تلك الأحاديث لا يمكن أن توصف بعدم الصحَّة مطلقًا، ولا أنَّه ليس فيها ولا في آيات الكتاب العزيز نصٌّ، ولا ظاهر على اشتراط الولاية في النِّكاح، ولا موجب لتأويلها، مع ما يعضدها من الآثار المرويَّة عن الصحابة، وما صحبها من عمل الأمَّة وبيان ذلك ما يلي: أوَّلاً: أنَّ آيات الكتاب العزيز أظهر في الدّلالة على اشتراط الولاية في النّكاح منها على غيره، فقد جاء الأمر والنهي والحصر خطابًا للأولياء دون النساء. فالأمر قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم} 1. والنهي قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} 2. وقوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ} 3 على ما سبق بيانه.

_ 1 سورة النور- آية رقم: 32. 2 سورة البقرة- آية رقم: 221. 3 سورة البقرة- آية رقم: 232.

وأمَّا الحصر ففي قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح} 1 على ما سبق بيانه من أنَّ الذي بيده عقدة النِّكاح هو الوليّ، ُ الذي بيده إبرامها لا الزَّوج الذي بيده حلّها2. وليس مع من أسقطها سوى إسناد النّكاح إليهنَّ في بعض الآيات مثل قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه} 3، وقوله: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُن} 4، ولا يلزم من هذ الإسناد استقلالهنّ به دون أوليائهنّ، ولا مانع من هذا الإسنادي لتوقُّف عقد النّكاح على رضاهنَّ، فهنّ محلّه وسببه5. وهذا إذا قلنا: إنَّ النِّكاح حقيقة في العقد، كما هو الأظهر والأشهر في استعمال القرآن الكريم والسنة النبوية. وأمَّا على القول الآخر وهو أنّه: حقيقة في الوطء، كما يقوله الحنفية المحتجُّون بتلك الآيات على استقلال المرأة بنكاحها، فلا يخفى

_ 1 سورة البقرة آية رقم: 237. 2 راجع وجهة الاستدلال بها والإجابة عنها في أدلة اشتراط الولاية في النكاح من القرآن المتقدِّمة. 3 سورة البقرة- آية رقم:230. 4 سورة البقرة- آية رقم: 232. 5 راجع وجهة الاستدلال بها والإجابة عنها في أدلّة عدم اشتراط الولاية في النكاح من القرآنالمتقدِّمة.

حينئذ حقيقة إسناد النِّكاح إليهنّ، وانتفاء دلالته على صحَّة عقدهن. والله أعلم. ثانيًا: وأمَّا السُّنَّة النبويّة فهي أظهر وأدلّ على اشتراط الولاية في النِّكاح مما جاء في الكتاب العزيز، بل إنَّها العمدة في ذلك عند كثير ممن اشترطها، وقد سبق بيانها: متنًا وإسنادًا. وحسبنا حديث "لا نكاح إلا بوليّ" الذي صحّ مخرجه، وتواتر معناه، عن جمع من الصحابة. وليس مع من أسقطها أقوى من حديث "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها" وقد سبق القول أنَّ لكلٍّ منهما حقَّا، فحقُّها الرضى، وحقُّه العقد عليها برضاها، وهذا أولى ما ينبغي أن يجمع به بينه وبين حديث "لا نكاح إلا بوليّ" وما في معناه، كما اختاره كثير من المحقِّقين في هذه المسألة. فقد قال الشوكاني في (نيل الأوطار) : "والتحقيق أنَّه ليس إلى المكلَّفة إلاّ الرضى" 1. وقال صاحب2 (الروضة النديَّة) : "الأدلّة الدّالّة على اعتبار الوليّ،

_ 1 نيل الأوطار (6/ 141) ، وانظر: السيل الجرار للشوكاني أيضًا (3/ 259- 260، 264) . 2 هو: محمد بن صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي أبو الطيب، من رجال النهضة الإسلامية المجددين، صاحب التصانيف الكثيرة في التفسير، والفقه، والحديث، ولد ونشأ بالهند، وتوفي سنة 1307 هـ. انظر ترجمته في: الأعلام (7/36-37) ، ومعجم المؤلفين (10/90) .

وأنَّه لا يكون العاقد سواه، وأنَّ العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليِّها باطل قد رويت من طريق جماعة من الصحابة، فيها الصحيح والحسن، وما دونهما، فاعتباره متحتِّم، وعقد غيره مع عدم عضله باطل بنصِّ الحديث، لا فاسد على تسليم أنَّ الفساد واسطة بين الصِّحَّة والبطلان، ولا يعارض هذه الأحاديث حديث "الثيّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن". ونحوه كحديث "ليس للوليّ مع الثيّب أمر، واليتيمة تستأمر"؛ لأنَّ المراد أنَّها أحقّ بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيِّبًا، والبكر يمنعها الحياء من التعيين فلا بدّ من استئذانها، وليس المراد أنَّ الثَّيِّب تزوِّج نفسها، أو توكِّل من يزوِّجها، مع وجود الوليّ، فعقد النّكاح أمر آخر. وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت إليه الظاهريّة من اعتبار الوليّ في البكر دون الثيّب"1 انتهى المقصود من كلامه. وأمَّا قول الزيلعي- صاحب (تبيين الحقائق) - أنّ من يشترط الولاية يوردون أحاديث في كتبهم لم تثبت عند أهل النقل، مؤيِّدًا ذلك بما حكاه عن البخاري وابن معين: فإنَّني لم أجد موافقًا له على نسبة هذا القول

_ 1 الروضة النديّة شرح الدرر البهيّة (2/11-12) .

للبخاري وابن معين، بل الذي وقفت عليه أنَّ البخاري وابن معين من جملة من صحح أحاديث اشتراط الولاية في النّكاح كما سبق1. فأمّا البخاري: فقد سئل عن وصل إسرائيل حديث "لا نكاح إلاّ بوليٍّ" فقال: الزِّيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإنَّ ذلك لا يضر الحديث2. وقد ترجم البخاري في صحيحه بلفظ هذا الحديث فقال: باب من قال "لا نكاح إلاّبوليّ"3. إلأ أنَّه لم يخرِّج هذا الحديث في صحيحه مع الأحاديث التي خرَّجها في هذا الباب؛ لأنَّه ليس على شرطه كما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح4. ومعلوم أنَّ البخاري لم يلتزم في كتابه إخراج كلِّ ما صحّ عنده، بل التزم إخراج ما صحّ على شرطه مما يعتبره أصحّ الصحيح. وأمّا يحيى بن معين: فالذي نقل عنه أنَّه قال: "ليس يصحّ في هذا شيء إلأحديث سليمان بن موسى"، يعني حديث عائشة - رضي الله

_ 1 انظر ما تقدم في حديث أبي موسى الأشعري (89 وما بعدها) وحديث عائشة (112 وما بعدها) في اشتراط الولاية في النكاح. 2 انظر: تهذيب السنن لابن القيم (3/ 30 مع معالم السنن) . وانظره مسندًا في السنن الكبرى للبيهقي (7/108) . 3 البخاري 9/182 مع الفتح) . 4 فتح الباري (9/ 184) .

عنها - بلفظ "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل- ثلاثًا-" الحديث. وابن معين إنَّما قال هذا: في حديث عائشة هذا، أي أنَّه لا يصحّ من طرق أسانيده سوى طريق سليمان بن موسى، وأمَّا بقيَّة طرقه فهى ضعيفة عنده ولا يقصد بهذا نفي صحَّة حديث أبي موسى وغيره، بلفظ "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، كما نبّه على ذلك البيهقي1. وقد تقدّم في الكلام على حديث عائشة هذا: أن ابن معين وأحمد ابن حنبل قد ضعّفا حكاية ابن عليَّة في قوله: "ثم لقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه"، وصحّحا حديث سليمان بن موسى هذا2. وبهذا يكون البخاريُّ قد صحّح حديث أبي موسى "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، وابن معين ممن صحّح حديث عائشة "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل".. الحديث. وهذان الحديثان هما عمدة هذا الباب. ثم كيف يقال إنَّ من يشترط الولاية في النِّكاح يحتجّ بأحاديث لم تصحّ عند أهل النقل، وقد احتجّ الحنفيّة أنفسهم ببعضها لاشتراط الشهادة والكفاءة في النّكاح، مع أنَّ ما ورد في الشهادة والكفاءة لا يصل إلى درجة ما ثبت في الولاية.

_ 1 البيهقي (7/107) . 2 انظر: المستدرك للحاكم (2/169) ، والبيهقي (7/106) . وانظر ما تقدم (ص117) وما بعدها.

ففي اشتراط الكفاءة استدلّوا بحديث جابر - رضي الله عنه - أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا لا يزوّج النساء إلاَّ الأولياء ولا يزوَّجن إلاَّ من الأكفاء" 1. مع ما في سند هذا الحديث من الضعف الشديد2. وقد أطال ابن الهُمام في الدِّفاع عنه، ونقل تحسينه3، فيا حبَّذا لو صحّ! وأمّا في اشتراط الشهادة فاستدلوا بحديث "لا نكاح إلاّ بشهود". وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالحديث أنَّه لا يصحّ في باب الشهادة إلأ حديث عائشة بلفظ: "لا نكاح إلاّ بوليٍّ وشاهدَيْ عدلٍ، وماكان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا ولي له" 4. ولذلك ألزم الشافعي رحمه الله من ناظره في اشتراط الولاية في النّكاح القول بها؛ لاحتجاجه لاشتراط الشهادة ببعض طرق أحاديث الولاية فقال: "خالفنا بعض الناس فقال: إذا نكحت المرأة كفؤًا بمهر مثلها فالنِّكاح جائز، وإن لم يزوّجها الوليّ، وإنَّما أريد بهذا أن يكون ما يفعل

_ 1 انظر: الهداية وفتح القدير والعناية (3/ 291) . 2 انظر: نصب الراية (3/196) ، وارواء الغليل (6/264) . 3 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/292) . 4 انظر: نصب الراية (3/167) ، وبلوغ الأماني شرح الفتح الرباني للساعاتي (16/156) ، ومنيه الألمعي لقاسم بن قطلوبغا (4/ 40 آخر نصسب الراية) .

أن يأخذ به حظَّها، فإذا أخذته كما يأخذه الوليُّ فالنِّكاح جائز، وذكرتُ له بعض ما وصفت1 من الحجَّة في الأولياء وقلت له: أرأيت لو عارضك معارض بمثل حجَّتك؟ فقال: إنّما أريد من الإشهاد أن لا يتجاحد الزّوجان، فإذانكحهابغيربيِّنة فالنِّكاح ثابت، فهوكالبيوع تثبت وإن عقدت بغير بيِّنة؟ قال: ليس ذلك له، قلنا: ولم؟ قال: لأنَّ سنّة النّكاح البيِّنة، فقلت له: الحديث في البيِّنة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم منقطع2، وأنت لا تثبت المنقطع، ولو أثبتّه دخل عليك الوليّ، قال: فإنّه عن ابن عباس وغيره متَّصل. قلت: وهكذا أيضًا الوليّ عنهم، والحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"، وعن عمر رضي الله عنه "أنّه ردّ النّكاح بغير إذن الوليّ"، وعن غيره من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. فكيف أفسدت النّكاح بترك الشهادة فيه، وأثبتّه بترك الوليّ، وهو أثبت في الأخبار من الشهادة، ولم تقل إنَّ الشهود إنّما جعلوا لاختلاف

_ 1 يشير إلى كلامه السابق (5/166-168 من الأم) . 2 لعلَّ الشافعي يقصد بهذا ما رواه الحسن البصري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بلفظ "لا يحل النكاح إلا بوليٍّ وصداق وشاهدي عدل"، قال البيهقي: قال الشافعي: وهذا وإن كان منقطعاً دون النبيّ صلى الله عليه وسلم فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود. ثم ذكر رفعه عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلاّ أنَّ في إسناده (عبد الله بن محرّر وهو متروك) . انظر: سنن البيهقي (7/125) ، والتلخيص الحبير لابن حجر (3/179) .

الخصمين، فيجوز إذا تصادق الزوجان، وقلت: لا يجوز لعلَّة في شيء جاءت به سنّة، وما جاءت به سنّة، فإنَّه يثبت بنفسه ولا يحتاج إلى أن يقاس على سنّة أخرى؛ لأنّا لا ندري لعلَّه أُمر به لعلَّة أم لغيرها، ولو جاز لنا هذا أبطلنا عامَّة السنن، وقلنا: إذا نكحت بغير صداق ورضيت لم يكن لها صداق وإن دخل بها؛ لأنّا إنّما نأخذ الصداق لها، وأنّها إذا عفت عن الصداق جاز فنجيز النّكاح والدخول بلا مهر، فكيف لم تقل في الأولياء هكذا؟ قال1: فقد خالفت صاحبي في قوله في الأولياء، وعلمت أنَّه خلاف الحديث، فلا يكون النّكاح إلأ بوليٍّ2". انتهى المقصود من كلام الشافعي رحمه الله، وإنّما نقلته لبيان أن السنّة إذا ثبتت فلا يعدل عنها لمجرَّد الاحتمالات المخالفة لظاهرها، وإلاّ لأبطلت عامّة السنن، كما قاله الشافعي رحمه الله، فمثلاً: يعلّل الولي ّوالشهادة والصداق بنحو ما تقدّم، فينتج عن ذلك نكاح بدون وليٍّ، ولا شهود، ولا مهر، وهذا لم يقل بصحته أحد. والله أعلم. ثم إنّ هناك أحاديث صحيحة لم يسبق ذكرها وأشار إلى بعضها بعض العلماء ولم يشتهرالاستدلال بها مثل:

_ 1 الظاهر أنَّ هذه المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة. والله أعلم. 2 الأم للشافعي (5/169) وانظر بقيته فيها.

1- الحديث المتفق عليه: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تستأذن"1. فالمخاطب في هذا الحديث هو الوليُّ قطعًا، ولو كان نكاح المرأة بيدها بكرًا كانت أم ثيِّبًا- لخلا هذا الخطاب من الفائدة؛ إذ لن يتصوَّر إجبارها إلاّ ممن يملك عقدة النّكاح، وإلاّ لأشبه قول من يقول: "لا يُنْكح الرجل حتى يستأمر"، وهذا لغو من الكلام؛ إذ لا مجبر له بغير أمره وإذنه، وهذا الحديث- فيما يظهر لي- من أقوى الأدلة على اشتراط الولاية على المرأة الحرَّة، المكلّفة، بكرًا أم ثيّبًا؟ إذ إنّها إن لم تكن هي المقصودة في هذا الحديث دون الصغيرة والأمة فلا مخرج لها من عمومه. 2- حديث "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". رواه الترمذي، وابن ماجه والحاكم والبيهقي2.

_ 1 سيأتي تخريجه إن شاء الله. (ص 277) . 2 تخريجه: 1- الترمذي (4/104تحفة) نكاح، باب ما جاء فيمن ترضون دينه فزوّجوه. 2- ابن ماجه (1/ 632) ، نكاح، باب الأكفاء. 3- الحاكم (2/165) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بأن في إسناده من قيل فيه غير ثقة، ومن لا يعرف. (نفس المصدر والصفحة) . كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه أيضاً الترمذي من حديث أبي حاتم المزني رضي الله عنه في (الموضع السابق) . والبيهقي (7/82) نكاح، باب الترغيب في التزويج من ذي الخلق والدين. وقال الألباني في إرواء الغليل: (حسن روي من حديث أبي حاتم المزني وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم) . (6/266-268) .

3- وحديث: "يا بني بَيَاضةَ أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه". رواه: أبو داود، وا بن حبّان، والدارقطني، والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي، وحسنه الحافظ في (التلخيص الحبير) 1، وقال في (بلوغ المرام) : رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد2. فالمخاطب في هذه الأحاديث هم الأولياء قطعاً، ولا معنى لأمرهم بشيء ليس بيدهم عقدته، والله أعلم.

_ 1 التلخيص الحبير (3/188) . 2 بلوغ المرام مع سبل السلام (3/ 135) .

وأمّا قول النووي رحمه الله1: إنَّ أبا حنيفة- رحمه الله- احتجَّ بالقياس على البيع وغيره؛ فإنّها تستقلُّ فيه بلا وليٍّ، ثم حمل الأحاديث الواردة في اشتراط الوليّ على الأمة والصغيرة. فيقال: إن قياس النّكاح على البيع ونحوه لا يصحّ لأمرين: أولهما: أنّه قياس مع النصّ، ومثله يكون فاسد الاعتبار. وثانيهما: أنّه قياس مع الفارق، فإنّه لا يخفى أهميّة عقد النّكاح على غيره من عقود المعاملات. وأمَّا حمل تلك الأدلة على الصغيرة والأمة فهو مناف لعموم تلك الأدلَّة مع إخراجها عن الفائدة. وأمَّا تخصيص عمومها بالقياس، فقد عقّب عليه الحافظ ابن حجر وتبعه الشوكاني: بأنّه قياس فاسد الاعتبار؛ لحديث معقل بن يسار، فإنّ أخته كانت حرّة بالغة ثيّبًا2. "وقال الشافعي رحمه الله- في مناظرة له في هذه المسألة-: إنّما القياس الجائز أن يشبّه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم، فأمّا أن تعمد إلى حديث، والحديث عامّ فتحمله على أن يقاس، فما للقياس ولهذا

_ 1 المتقدِّم ص (249) . 2 فتح الباري (9/187) ، نيل الأوطار (6/ 42 1) .

الموضع إذا كان الحديث يقاس؟ فأين المنتهى إذا كان الحديث قياساً اهـ1 وبهذا نعلم قوّة أدلّة السنّة النبوية على اشتراط الولاية في النّكاح. ثالثاً: وأمّا ما روى عن الصحابة فهو شبه إجماع على اشتراط الولاية في النّكاح، فقد تناقل العلماء قول ابن المنذر: إنّه لا يعرف عن الصحابة خلاف ذلك "أي خلاف القول بأنّه "لا نكاح إلاّ بوليّ". وقد صحّ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قوله: "كانوا يقولون: إنّ المرأة التي تزوّج نفسها هي: الزّانية". وفي لفظ: "كنّا نعدّ التي تنكح نفسها هي الزانية"، ونحو ذلك2. وروي نحوه عن ابن عباس بلفظ: "البغايا اللاَّتي ينكحن أنفسهن بغيرالأولياء"3. فلو قيل: إنَّ هذا إجماع من الصحابة لكانت هذه المسألة أسعد به من كثير من المسائل التي ادّعى فيها الإجماع؛ فإنّه لا يعرف عن الصحابة أنّه تنازع اثنان منهم في حكم الولاية على المرأة، كما ينقل غالبًا في مسائل الخلاف، فإمّا أن يقال: إنَّ ذلك إجماع منهم على عدم اشتراط

_ 1 الأم للشافعي (5/169) . 2 تقدم (ص 147) وما بعدها. 3 انظر: المصنّف لعبد الرزاق (6/197-198) ، وسنن سعيد ابن منصور (رقم 532) من القسم الأول من المجلد الثالث، والبيهقي (7/ 125، 142) ، المحلى لابن حزم (9/454) .

الولاية في النّكاح، وهذا لا يستطيع أحد أن يتجرأ على القول به، وإمَّا أن يقال: إنَّ ذلك إجماع منهم على اشتراطها، وعلى هذا يدلّ فعلهم وقولهم وروايتهم عن نبيّهم صلى الله عليه وسلم، وظاهر كتاب ربّهم، وليس مع من خالف سوى ما روي عن عائشة وعلي - رضي الله عنهما- كما سبق- مما يستظهر منه صحّة إنكاح المرأة نفسها. وقد صحّ عن علي وعائشة من روايتهما ورأيهما ما يخالفه مع احتمال ما روي عنهما في صحّة تزويج المرأة نفسها في دلالته وثبوته كما سبق بيانه1. والله أعلم. رابعًا: وأمّا المعقول: فقد أجمع الموافق والمخالف على أنّه لا كرامة للنّساء في مباشرة عقود الأنكحة، أو الاستبداد بتفويضها إلى من شئن من الأجانب، ولم ينقل أيضًا عن أحد ممن صحّح إنكاح المرأة نفسها أنّه قبل نكاحًا لنفسه بدون وليّ، أو طابت نفسه لبناته وأخواته ونحوهنَّ ممن له عليهنَّ الولاية أن يستبددن بأنكحتهنَّ دونه، حتى ولو نكحن أكفأ الناس عنده. خامسًا: وأمّا عمل الأمَّة: فإنَّ العرف المعروف بين المسلمين في مختلف عصورهم هو أن أنكحة النّساء بأيدي أوليائهن من الرِّجال، كما قال الترمذي رحمه الله: "والعمل في هذا الباب على حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم "لا

_ 1 راجع ما روى عن كلٍّ من علي وعائشة رضي الله عنهما في أدلة المشترطين والمجيزين المتقدِّمة، وقارن بينهما صحة ودلالة.

نكاح إلاّ بوليّ" عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم. وهكذا روى عن بعض التابعين أنّهم قالوا "لا نكاح إلاّ بوليٍّ"، منهم: سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وشريح وإبراهيم النّخعي، وعمر بن عبد العزيز، وبهذا يقول سفيان الثوري، وا لأوزا عي، وما لك، وعبد الله ابن المبارك، والشا فعي، وأحمد، وإسحاق". هـ 1. وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد 2، عن أبيه، عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى قولهم من تابعي أهل المدينة كانوا يقولون: "لا تعقد المرأة عقدة النّكاح في نفسها ولا في غيرها"3. وحكى ابن العربي أنَّ اشتراط الولاية في النّكاح قول المالكية، وفقهاء الأمصار، ثم قال: "وقال أبو حنيفة: لا يفتقر النّكاح إلى وليٍّ. وعجبًا له متى رأى امرأة قط عقدت نكاح نفسها"4.

_ 1 الترمذي (4/232-234مع التحفة) . 2 أبو الزِّناد: هو عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، مات سنة مائة وثلاثين، وقيل: بعدها، روى له الأئمة الستة. انظر: التقريب (1/413) ، وانظر ترجمة ابنه عبد الرحمن فيه (1/479- 480) . 3 البيهقي (7/113) . 4 أحكام القرآن لابن العربي (3/1476) .

سادسًا: إنَّ اشتراط الولاية في النّكاح يترجَّح بقاعدتين من قواعد الترجيح المعروفة في الأصول وهما: الأولى: أنَّ أدلَّة اشتراط الولاية ناقلة عن الأصل وهو براءة الذمَّة حتى يقوم الدليل، ومن أسقطها فهو متمسِّك بتلك البراءة؛ والدليل الناقل عن الأصل مقدَّم؛ لأنّه شرع زائد على المعهود، كما قالوا: إنَّ المثبت مقدّم على النافي، ولذلك قال ابن حزم في ترجيح أحاديث الولاية: "إنَّ هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزائد على معهود الأصل؛ لأنّ الأصل بلا شك أن تنكح المرأة من شاءت بغير وليٍّ، فالشرع الزائد هو الذي لا يجوز تركه؛ لأنّه شريعة واردة من الله تعالى كالصلاة بعد أن لم تكن، والزّكاة بعد أن لم تكن، وسائر الشرائع، ولا فرق" هـ1. الثانية: أنَّ دليل الحظر مقدّم على دليل الإباحة براءة للذمَّة، فلو كانت الأدلّة محتملة لهذا وذاك لكان ما دلّ على التحريم مقدَّمًا على ما دلّ على الإباحة؛ لأن ترك أمر مباح أولى من ارتكاب أمر محرَّم. وقد صحّ قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الحلال بيّن، وإنَّ الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالرّاعي يرعي حول الحمى يوشك أن يرتع

_ 1 المحلى لابن حزم (9/457) .

فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه"1. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"2. وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في النفس، وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" 3. وأيُّ شبهة أشدُّ إيلامًا للنَّفس من شبهة إنكاح المرأة نفسها بنكاح البغايا، كما صحّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: كنّا نقول: "التي

_ 1 تخريجه: البخاري: (1/126 فتح) الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه. مسلم (11/27 نووي) المساقاة والمزارعة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات. وقد رواه الأربعة أيضًا. وانظر: فيض القدير (3/423) . 2 رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وا بن حبّان، والحاكم، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم، وهو حديث صحيح من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما وغيره. انظر: إرواء الغليل (7/155) . 3 رواه أحمد عن وابصة بن معبد رضي الله عنه (4/228 المسند) . ورواه أيضًا أحمد، ومسلم والترمذي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه بلفظ: "البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس". انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي (16/ 111) ، والترمذي مع تحفة الأحوذي (7/64) ، والمسند لأحمد (4/182) .

تنكح نفسها هي الزَّانية"1. وتقدم رفعه بلفظ: "الزّانية التي تنكح نفسها"2. وما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير أولياء"3. وأيُّ ريبة أشدُّ إيلامًا للنّفس من أن ينظر الرَّجل إلى امرأته، والمرأة إلى زوجها بارتياب في حلِّ نكاحهما؟!، ثم أيُّ إيلام للنّفس من توقُّع انتقال تلك الريبة إلى أولادهما، وقد لا يأمنون من يعيِّرهم بعقد جمع بين أبويهم بغير وليٍّ؟!، ثم من ذا الذي ينشرح صدره لنكاح بدون وليّ؟! ولو لم يكن في هذا المذهب إلاّ الاحتياط للأنكحة حفظًا للأعراض والأنساب، لكان حَرِيًّا أن لا يعدل عنه إلى غيره، والله أعلم وهو الموفِّق للصَّواب.

_ 1 تقدم تخريجة (ص 147) . 2 تقدم تخريجه (ص 131) وما بعدها. 3 تقدم تخريجه (ص 262) .

الفصل الثالث: استئذان الولي للحرة المكلفة في نكاحها

الفصل الثالث: استئذان الوليّ للحرّة المكلفة في نكاحها المبحث الأول: استئذان البكر البالغ تمهيد: لقدتقدم في الفصل السابق بحث حكم الولاية على الحرّة المكلّفة، وقلنا: إنّها أهمُّ مسالة في هذا البحث، وقد اخترنا مذهب الجمهور القائلين باشتراط الولاية في نكاحها؛ وعليه فلا صحّة لنكاحها بدون وليّها، ويبقى أن نعرف ما إذا كان لوليّها أن يستبدَّ بهذه الولاية عليها فيعقد نكاحها، شاءت أم أبت، رضيت أم كرهت، أم ليس له ذلك إلا بإذنها ورضاها؟. وهي مسألة لا تقل أهميّة عن سابقتها، أعني ولاية العقد عليها مع أنّها تسبق العقد في الوجود؛ فالإذن أوّلاً، والعقد ثانيا، إلاّ أنّه لمَّا كان استئذان الوليّ لها فرعًا، عن ثبوت ولايته عليها ناسب تأخير حكم الاستئذان عن حكم العقد. وإنّ مما ينبغي معرفته قبل الدخول في تفاصيل هذه المسألة: أنّه لا خلاف بين المسلمين في استحباب استئذان الوليِّ لها؛ لما يترتَّب عليه من ألفةٍ، ومودَّة، وسكن، وراحة للحياة الزوجية، وفي ذلك تحقيق لمصالح النّكاح الشرعية من عشرة بينهما بالمعروف، وقيام بالحقوق الزوجيَّة لكلٍّ منهما نحو صاحبه، وفي ذلك دوام للنّكاح، واستقرار له، وتعاون على حفظ النسل وتربيته.

وإنّما الخلاف في حكم إجبار الوليّ لها، أي تزويجها بدون إذنها، ولزوم هذا النّكاح لها، وهذا ما سنتناوله- بمشيئة الله تعالى- في هذا الفصل. ونظرا لأنّ للبكارة والثيوبة تأثيرهما في اعتبار الرضى وصفته، فإنَّنا سنفرد لكلٍّ من البكر والثيِّب مبحثًا خاصًّا، يشتمل كلٌّ منهما على المقصود بالبكارة والثيوبة، وحكم استئذان كلٍّ من البكر والثيِّب وصفة إذنها. والله الموفِّق وهو المستعان.

المبحث الأوَّل: استئذان البِكْرالبالغ 1- المقصود بالبِكْر: البِكْر لغة: العذراء التي لم يمسَّها رجل. وأصل مادة "بكر" راجع إلى أوّلِّ كلِّ شيء، وبدايته، كالبُكْرة: للغداة وهي: أوَّل النَّهار. والتَّبكير: وهو الذهاب في أوَّل كلِّ وقت، وقد تسمّى المرأة في أوَّل حمل لها، أو ولد تضعه بِكْرًا. قال ابن منظور: البِكْر: الجارية التي لم تفتض، وجمعها أبكار، والبِكْر من النساء التي لم يقربها رجل، ومن الرجال الذي لم يقرب امرأة، والجمع أبكار، وامرأة بِكْر: حملت بطنًا واحدًا. والبِكْر: العذراء، والمصدر البَكارة - بالفتح- والبِكْر: المرأة التي ولدت بطناً واحدًا، وبِكْرُها ولدها، والذكر والأنثى في هذا سواء1 انتهى. وأما البِكْر في اصطلاح الفقهاء: فالمراد بها المرأة التي لم يمسَّها رجل، حتى لو زالت بكارتها بغير وطء، فهي بِكْر إجماعًا عندهم، فإن وطئها رجل في نكاح صحيح أو فاسد أو شبهة نكاح فهي ثيّب إجماعًا، وفيمن زالت بكارتها بوطء حرام- أي زنى- خلاف، سيأتي بيانه.

_ 1 لسان العرب (4/78) . وانظر مادة (بكر) في كلّ من: الصحاح (2/595) ، مقاييس اللغة لابن فارس (1/287-289) ، والقاموس (1/390) ، وتاج العروس (3/57) وانظر مادة "عذر" لابن الأثير في النهاية (3/196) .

وعلى هذا فالبكر عند الفقهاء- في هذا المبحث- أخصُّ ممّا نصّت عليه معاجم اللغة، كما هو الشأن في كثير من دلالات الألفاظ على معناها اللغوي من جهة، ثم معناها الشرعي أو الاصطلاحي من جهة أخرى. وعلى هذا فلا يدخل في مسمّى البكر هنا: الرجل الذي لم يطأ امرأة بعد، وإن سمّى بكرًا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة". رواه مسلم وغيره1. وكذلك لا تدخل المرأة بعد وطئها، فضلاً عن أن تسمّى بكرًا بعد حملها أو وضعها أوّل أولادها، إلاّ ما قيل في الموطوءة بزنى، وإن كانت ثيّباً لغة. ولعل تسمية أهل اللغة للمرأة في أول حمل لها، أو ولد تضعه بكرًا إنّما هو استصحاب للاسم الأول؛ لقرب عهدها به، أو باعتبار عموم التسمية في الأصل: وهو أنَّ أوَّل كلِّ شيء يسمّى بكرًا، وهذا أوَّل حمل لها، وأوَّل ولد تضعه، فسميت بكرًا لذلك، والله أعلم.

_ 1 رواه مسلم (11/188-191نووي) ، كتاب الحدود، باب حد الزاني، وتمامه: "خذوا عنّي خذوا عنّي، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيّب بالثيِّب جلد مائة والرجم". من حديث عبادة بن الصامترضي الله عنه. وانظر بقية من خرجه وطرقه وشواهده في كل من: نصب الراية (3/330-332) . وإرواء الغليل (8/10) .

2- حكم استئذان البكر البالغ في نكاحها: اتَّفق العلماء على أنّه ليس لأحد من الأولياء إجبار بكر بالغ1. على النّكاح بدون إذنها ورضاها، إن لم يكن وليُّها أباً أو جدًّا2، وأمّا إن كان وليُّها أباها أو جدّها ففي القول بإجبارها الأقوال التالية: القول الأوَّل: أنّها لا تُنْكَح إلاّ بإذنها ورضاها، فلا يجبرها أب ولا غيره. وهذا مذهب الحنفية اتِّفاقًا عندهم، وهو ظاهر من مذهبهم؛ إذ إنَّ الولاية عليها- عندهم- ولاية ندب واستحباب، لا شرط في صحَّة العقد. ووافقهم على عدم الإجبار أهل الظاهر، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو بكر3، وشيخ الاسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيّم، وعزاها لجمهور السلف4.

_ 1 يقال: جارية بالغ، وبالغة، والأوَّل هو المسموع من فصحاء العرب وعليه جرى أكثر المؤلفين شهرة أيضًا. وانظر: اللسان (8/420) مادة "بلغ". 2 الحصر هنا للأولياء أصالة، وإلاّ فالوكيل يقوم مقام موكِّله، وكذلك الوصيّ على القول بولايته. 3 هو: عبد العزيز بن جعفر، غلام أبي بكر الخلال، المتوفي سنة 363 هـ، انظر: الأعلام (4/139) ، وطبقات الحنابلة (2/119-127) ، وقد نصَّ على هذه المسألة أيضًا في المسائل التي خالف فيها أبو بكر الخرقي في ترجمة الخرقي من الطبقات (2/99) . 4 انظر للحنفية: المبسوط (5/2-3) ، فتح القدير على الهداية (3/ 260-263) . وللحنا بلة: المغني (7/ 380) ، الإنصاف (8/55) ، كشاف القناع (5/43) ، والفتاوى (32/22-25) وزاد المعاد لابن القيم (5/95-99) . وللظاهرية: المحلى لابن حزم (9/459) .

القول الثَّاني: إنَّ لأبيها خاصَّة إجبارها دون سائر الأولياء. وهذا مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى، والتي قال فيها صاحب الإنصاف: "إنّها الصحيح من المذهب وعليها جماهير الأصحاب1. إلاّ أن للبكر في مذهب المالكيّة حالات ليس لأبيها إجبارها أيضًا ومن ذلك: 1- البكر العانس: في رواية عن مالك، والمشهور إجبارها ولو كانت عانسًا، وهي من طالت إقامتها ببيت أهلها بعد بلوغها.2

_ 1 انظر للحنابلة: المغني (7/ 380) ، المبدع (7/23) ، كشاف القناع (5/43) ، الإنصاف (8/55) . وللمالكية: الخرشي (3/ 176) ، الشرح الكبير (2/ 222-223) ، منح الجليل (2/14-15) . ولهما: الإفصاح لابن هبيرة (2/112) ، وبداية المجتهد لابن رشد (2/4) . 2 قال الخرشي: العانس هي من طالت إقامتها عند أهلها، وعرفت مصالح نفسها، ولم تزوّج، وهل سنّها ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون أو خمسة وثلاثون أو أربعون أو خمس وأربعون أو خمسون أو منها إلى الستين؟ أقوال اهـ (3/176) . وانظر أيضا في هذه الرواية: بداية المجتهد (2/ 4) ، وقوانين الأحكام لابن جزي (3/222) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/ 222) .

2- البكر التي رشَّدها أبوها: وهذا هو المشهور من المذهب خلافا لابن عبد البر1 3- البكر التي دخل بها زوجها، وأقامت في بيته سنة كاملة، وشهدت مشاهد النِّساء، وقد أنكرت المسيس بعد فراقها، وهذا مع العلم أو الجهل بخلوة الزوج بها، أمّا إذا علم عدم خلوته بها أو الوصول إليها فلا يرتفع إجبارها، ولو أقامت على عقد النّكاح أكثر من سنة.2 القول الثَّالث: أنَّ لكلٍّ من أبيها وجدّها إجبارها دون سائر الأولياء، ما لم تكن بينها وبينهما عداوة ظاهرة، فأب الأب يقوم مقامه عندعدمه. وهذا مذهب الشافعية3

_ 1 قال الخرشي: ومعنى رشَّدها: أن يقول لها أبوها: قد رشّدتك، أو أنت مرشَّدة، أو أطلقت يدك ونحو ذلك، ولو قبل البلوغ اهـ. (3/177) . وانظر أيضًا في هذه الرواية: الشرح الكبير والدسوقي (3/223) ، ومنح الجليل (2/15) . 2 انظر: الشرح الكبير والدسوقي (2/223) ، ومنح الجليل (2/15) والمدونة (2/141) . 3 انظر: الأم (5/17، 19) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/149) ، وتحفة المحتاج (7/243-245) ، ونهاية المحتاج (6/228-229) ، وروضة الطالبين (7/53-54) والتكملة الثانية للمجموع (16/165) .

الأدلّة: أوّلاً: أدلّة من لم ير لأحد من الأولياء إجبار البكر البالغ. استدلَّ أصحاب هذا القول بالسنّة الصحيحة المستفيضة في الأمر باستئذان البكر والنهي عن نكاحها بدون إذنها، ومن ذلك: 1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت". رواه الأئمة أحمد، والستة، وا لدرامي، وا بن الجارود، والدارقطني والبيهقي، وغيرهم1. واللفظ هنا للبخاري.

_ 1 1- أحمد: (16/157ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيّب) . 2- البخاري: (9/191 الفتح) نكاح، باب "لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلاّ برضاهما"، وفي مواضع أخر، وهنا نبّه المحقق على أطرافه. 3- مسلم: (9/ 202 نووي) نكاح، باب استئذان الثيب في النّكاح بالنطق والبكر بالسكوت. 4- أبو داود: (6/115-116عون المعبود) نكاح، باب في الأستئمار. 5- الترمذي: (4/ 240- 241 تحفة) نكاح، باب ما جاء في استئمار البكر والثيب. 6- النسائي: (6/85-86) نكاح، استئمار الثيب في نفسها، وإذن البكر. 7- ابن ماجة: (1/601-602) نكاح، باب استئمار البكر والثيب. 8- الدارمي: (2/ 62) نكاح، باب استئمار البكر والثيب. 9- ابن الجارود: (ص 237 مع تخريجه) نكاح. 0 1- الدارقطي: (3/237-238مع التعليق المغني) . 11- البيهقي: (7/119) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الثيب، وفي مواضع أخر. وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (3/194) ، وإرواء الغليل (6/228) .

فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إنكاح البكر حتى تستأذن، والنهي يقتضي التحريم، وظاهره العموم في كلِّ بكر، وفي كلِّ وليٍّ، لا فرق بين أب ولا غيره، وبهذا ترجم البخاري - رحمه الله - لهذا الحديث بقوله: "باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثَّيِّب إلاّ برضاهما1. 2- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: "يستأمر النّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: نعم، قلت: فإنَّ البكرتستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها". وفي لفظ آخر: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" تستأذن النّساء، قلت: إنَّ البكر تستحي، قال: إذنها صماتها". رواه الأئمة: أحمد، والبخاري- واللفظان له-، ومسلم، وا لنسائي، وا بن الجارود، والبيهقي، ورواه أبو داود معلَّقًا2.

_ 1 البخاري مع فتح الباري9/191) ، وانظر: شرح النووي على مسلم (9/204) ، وفتح الباري (9/ 192) . 2 تخريجه: 1- أحمد: (16/158 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيب) . 2- البخاري: رواه في ثلاثة مواضع من صحيحه، فرواه باللفظ الأوّل: في كتاب الإكراه، باب لا يجوز نكاح المكره (12/319 الفتح) ، وباللفظ الثاني: في كتاب الحيل، باب في النكاح (12/ 340 الفتح) ، وبلفظ مختصر في كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلاّ برضاهما (9/ 191 الفتح) . 3- مسلم: (9/203-204نووي) نكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت. 4- أبو داود: (6/118-119عون المعبود، إلاّ أنّه غير مسند) نكاح، باب في الا ستئمار،. 5- النسائي (6/ 85-86) نكاح، إذن البكر. 6- ابن الجارود: (ص 238 مع تخريجه) نكاح. 7- البيهقي (7/119) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الثيب وفي مواضع أخر.

وفي هذا تأكيد لمشروعيّة استئذان النّساء وإن كن أبكارًا، كما في حديث ابن عباس الآتي. 3- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم والأربعة وغيرهم. وتقدم تخريجه1. فإنَّ مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: "والبكر تستأذن في نفسها" أنّها لا تجبر على النّكاح، ولا تزوّج إلاّ برضاها؟ فإنّه خبر في معنى الأمر، كما قال ابن القيِّم- رحمه الله- في تهذيب السنن: "هذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر محض، ويكون خبرا عن حكم الشرع لا خبرًا عن

_ 1 تقدم تخريجه (ص 167) .

الواقع، وهي طريقة المحقِّقين"1. وقال في زاد المعاد: "هذا أمر مؤكّد لأنّه ورد بصيغة الخبر الدّال على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه"2 اهـ. ولا يخفى أنَّ استئذان البكر هنا عامٌّ في كلِّ بكر، وفي كلِّ وليّ، لا فرق بين أب وغيره، بل لقد ورد النصّ على استئذان الأب لابنته في بعض طرق روايات هذا الحديث، وهو: ما رواه سفيان بن عُيينة عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر يستأمرها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها" فزاد فيه لفظ "الأب" وقد رواه بهذه الزيادة: أحمد، ومسلم، وأبو داود، وا لنسائي، والدارقطني، والبيهقي، إلاّ أنَّ لفظ مسلم والبيهقي "يستأذنها" بدل "يستأمرها"3. وهذا نصّ في محل النّزاع، كما قاله ابن رشد4، إلاّ أنّه قيل: إنّ هذه الزيادة غير محفوظة، فقد قال أبو داود: (أبوها) ليس بمحفوظ5.

_ 1 تهذيب السنن لابن القيم (3/40مع معالم السنن للخطابي) . 2 زاد المعاد (5/97) . 3 راجع مصادر التخريج السابق (ص 167، 170) . 4 بداية المجتهد (2/ 4) . 5 أبو داود (6/125عون المعبود) .

وقال الدارقطني: "وأمّا زيادة ابن عُيينة، عن زياد بن سعد "والبكر يستأمرها أبوها" فإنّا لا نعلم أحدًا وافق ابن عُيينة على هذا اللفظ، ولعلّه ذكره من حفظه فسبق لسانه"1. والله أعلم. وبمثل هذا أجاب البيهقي أيضًا2. وأمَّا الطريق الصحيحة، أعني- لفظ "البكر تستأذن-" فقالوا: إنّها محمولة إمّا على البكر اليتيمة، وإمَّا على استطابة النفس، كما تستأذن المرأة في نكاح ابنتها تطييبًا لقلبها، وذلك مستحب وليس بواجب. فأمّا حمله على البكر اليتيمة؛ فبدلالة الأحاديث الصحيحة الدَّالّة على وجوب استئمار اليتيمة، ومنها ما جاء مصرَّحًا به في حديث ابن عباس هذا؛ إذ جاء في بعض ألفاظه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها، واليتيمة تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها"، وفي لفظ "الأيّم أولى بأمرها، واليتيمة تستأمر في نفسها وإذنها صماتها". رواهما النسائي والدارقطني3.

_ 1 الدارقطني (3/ 241 مع التعليق المغني) . 2 البيهقي (7/116) . 3 النسائي (6/84-85مع شرحي السيوطي والسندي) نكاح، استئذان البكر. الدارقطي (3/239-240مع التعليق المغنى.

وقد تقدّمت أيضًا رواية معمر، عن صالح بن كَيْسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما، - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "ليس للوليّ مع الثَّيِّب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها "1. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ زيادة ابن عيينة في هذا الحديث "والبكر يستأذنها أبوها" زيادة ثقة، مقبولة، كما قرَّره الحافظ ابن حجر وغيره من المحدّثين2. ولا معارضة بينها وبين الرواية المحفوظة بلفظ "والبكر تستأذن"، بل تؤيِّدها؛ لأن لفظ "البكر تستأذن" عامٌّ في كلِّ بكر، وكلِّ وليٍّ، سواء كان أبًا أم غيره. ولفظ "يستأمرها أو يستأذنها أبوها" تنصيص على استئمار الأب لها دفعاً لتوهُّم إجباره لها، وتأكيدًا على استئمار غيره لها من باب أولى، وكذلك لا معارضة بين هذه الألفاظ جميعًا ولفظ "اليتيمة تستأمر". فإن لفظ "والبكر تستأذن" عامٌّ في كلِّ بكر، يتيمة أو ذات أب. ولفظ "البكر يستأذنها أبوها" نصٌّ على ذات الأب، وغيره من باب أولى. ولفظ "واليتيمة تستأمر" نصّ على غير ذات الأب؛ إذ لفظ اليتم مشعر بوجوب زيادة الشفقة عليها والنظر لحالها.

_ 1 تقدم تخريجة والكلام على إسناده هذا (ص 173 وما بعدها) . 2 فتح الباري (9/193) ، نيل الأوطار (6/ 0 4 1) .

والجمع بين تلك الألفاظ واضح، وهو وجوب استئمار الأبكار مطلقًا؛ يتامى أو غير يتامى، وهذا أولى من ردّ بعض الألفاظ والأخذ ببعضها. وأمّا حمل الأمر بالاستئذان هنا على استطابة النفس في ذات الأب، فهو خلاف الظاهر، وتخصيص بغير مخصِّص. والله أعلم. 4- ما رواه عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، "أنّ جارية بكرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم". رواه الإمام أحمد، وأبو داود- وهذا لفظه- وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي1.

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (16/162 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في تزويج الأب ابنته الثيب أو البكر البالغ بغير رضاها) . 2- أبو داود: (6/120-121عون المعبود) نكاح، باب البكر يزوّجها أبوها ولا يستأمرها. 3- ابن ماجه: (1/603) نكاح، باب من زوّج ابنته وهي كارهة. 4- الدارقطني: (3/235) نكاح. 5- البيهقي (7/117) نكاح، باب ما جاء في نكاح الآباء الأبكار. وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (3/190) ، والتلخيص الحبير (3/184) .

فهذا حديث صريح في قضاء النبيّ صلى الله عليه وسلم للبكرأنّه ليس لأبيها إجبارها على النّكاح بغير رضاها؛ إذ لو كان لأبيها إجبارها لما خيَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن للأب إجبارها فغيره من باب أولى. إلاّ أنّ هذا الحديث قد أعلًّ بالإرسال، فقد رواه عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أي لم يذكر فيه ابن عباس- وقيل: إنّ هذا هو المعروف في رواية هذا الحديث، كما قا له أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم1. ثم إنّه قد تفرّد بروايته بعض الرواة عن بعض2. وقد أجيب عن هذه العلل بإجابة شافية، وحكم لهذا الحديث بالصحّة، لترجيح الوصل على الإرسال عند التعارض؛ ولمتابعة بعض الرواة لمن قيل بتفردِّهم به؛ ولشواهده، وإليك بعض ما قاله الأئمة في ذلك: قال ابن القطان: "حديث ابن عباس هذا صحيح، قال: وليست هذه خنساء بنت خِدَام التي زوّجها أبوها وهي ثيِّب، فكرهته فردّ عليه السلام نكاحه، رواه البخاري؛ فإنَّ تلك ثيِّب وهذه بكر، والدليل على أنّهما ثنتان ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم "ردّ نكاح

_ 1 أبو داود (6/122عون المعبود) ، الدارقطني (3/235مع التعليق المغني) ، البيهقي (7/117) . وانظر أيضًا: المغني لابن قدامة (7/ 366 مع الشرح) ، وفتح الباري (9/196) . 2 التلخيص الحبير (3/184) ، وسيأتي قريبًا مع إجابة الحافظ عليه.

بكر وثيِّب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان". انتهى، من (نصب الراية) للزيلعي"1. وقال ابن القيِّم - رحمه الله- مشيرًا إلى إعلال البيهقي وغيره هذا الحديث بالإرسال- قال: "على طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح؛ لأنّ جرير2 بن حازم ثقة، ثبت، وقد

_ 1 نصب الراية للزيلعي (3/ 190- 191) . وسيأتي تخريج هذا الحديث (ص290) . 2 اعلم أنَّ السند محل البحث هو: [حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما] وإليك تعريفًا بكلٍ منهم: 1- (حسين بن محمد) : هو"ابن بهرام التميمي أبو أحمد المرُّوذي بتشديد الراء وبذال معجمة- نزيل بغداد، ثقة، مات سنة مائتين وثلاث عشرة أو بعدها بسنة أو سنتين، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر ترجمته في: التقريب (1/179) ، وتهذيب التهذيب (2/366-367) . 2- (جرير بن حازم) : هو ابن زيد بن عبد الله الأزدي، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، مات سنة مائة، وسبعين بعد ما اختلط، لكنّه لم يحدّث في اختلاطه، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: ترجمته في: التقريب (1/127) ، وتهذيب التهذيب (2/69-72) . 3- (أيوب) : هو ابن أبي تميمة، كيسان السَّخْتِياني- بفتح المهملة، بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون- أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجّة، من كبار الفقهاء العبّاد، مات سنة إحدى وثلاثة ومائة، روى له أصحاب الكتب السئة. انظر ترجمته في: التقريب (1/89) ، وتهذيب التهذيب (1/397-399) . 4- (عكرمة) : هو مولى ابن عباس رضي الله عنهما. انظر ترجمته في: التقريب (2/30) ، وتهذيب التهذيب (7/263-273) .

وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع، بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلّد وتردّ في موضع يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعًا، ووصلاً، وزيادة لفظ، ونحوه، هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد1 بن حِبَّان، ذكره ابن ماجه في سننه"2. اهـ. وقال الحافظ في (التلخيص الحبير) : وأُعِلَّ بالإرسال وتفرّد جرير بن حازم عن أيوب، وتفرّد حسين عن جرير وأيوب، وأجيب: بأنَّ أيُّوب3

_ 1هو: زيد بن حبّان- بكسر المهملة وبالموحدة، الرّقي، كوفي الأصل، مولى ربيعة، كثير الخطأ، وتغير بآخره، مات في سنة ثمان وخمسين ومائة، روى له النسائي وابن ماجه. انظر: التقريب (1/273) ، وتهذيب التهذيب (3/404-405) . 2 تهذيب السنن لابن القيم (3/40) وانظر: زاد المعاد له (5/95-97) . 3 هو: أيوب بن سويد الرملي، أبو مسعود الحميري السيباني- بمهملة مفتوحة ثم تحتاني ساكنة ثم موحدة- صدوق يخطيء، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل سنة اثنتين ومائتين. وقيل: غيرهما. روى له أبو داود الترمذي وابن ماجه. انظر: التقريب (1/90 وتهذيب التهذيب (1/405-406) .

ابن سويد رواه عن الثَّوري1، عن أيُّوب2 موصولاً، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقيّ3، عن زيد بن حِبّان، عن أيُّوب 4 موصولاً. وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء. وعن الثَّاني: بأنّ جريرًا توبع عن أيُّوب كما ترى. وعن الثَّالث: بأنّ سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير"5اهـ.

_ 1 هو سفيان الثوري الإم المشهور. 2 هو: أيوب السختياني تقدمت جمته قريبًا. 3 كذا قال (ابن جدعان) ، وتابعه على هذا صاحب عون المعبود (6/123) . والذي في سنن ابن ماجه (1/603) ، والدارقطي (3/235) إنَّما هو معمَّر بن سليمان الرَّقي، وكذلك هو في سبل السلام (3/122) ، ويظهر لي: أنَّ هذا هو الصواب، وأن ما في التلخيص الحبير، وعون المعبود، إنّما هو تصحيف، والله أعلم. وترجمة معمرّ- بتشديد الميم- ابن سليمان الرَّقيّ في: التقريب (2/266-267) ، وتهذيب التهذيب (10/249-250) . [وأمّا معمر بن جدعان كذا] ، فليس له فيهما ترجمة أيضًا. 4 هو: أيوب السختياني- تقدمت ترجمته قريبًا (ص 285) . 5 التلخيص الحبير (3/184) وعنه عون المعبود (6/123) . وانظر: التعليق المغني على الدارقطني (3/235-236) .

وقال أيضًا في الفتح- بعد أن ذكر طرقه وشواهده:- "وأمّا الطعن في هذا الحديث فلا معنى له، فإنَّ له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا"1 اهـ. فقد حكم لهذا الحديث بالصحَّة ثلاثة من الحفَّاظ هم: ابن القطّان وابن القيّم، وابن حجر، وقولهم في صحَّة هذا الحديث هو المعتمد. والله الموفِّق. إلاّ أنّ البيهقي رحمه الله قال: إن صحّ الحديث فكأنّه وضعها في غير كفئها، فخيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم2. وذكر الحافظ ابن حجر هذا الجواب في الفتح، وقال: وهذا هو المعتمد؛ فإنّها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا، وأمّا الطعن في الحديث فلا معنى له، فإن له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا3. وقد أجاب الصنعاني في كتابه (سبل السلام) عن كلام هذين الإمامين- أعني حملهما التخيير على عدم كفاءة زوجها- فقال: "كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم، وإلاّ فتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلو كان كما قال لذكرته المرأة، بل قالت: إنّه زوّجها وهي كارهة، فالعلّة كراهتها، فعليها علّق التخيير؛ لأنّها المذكورة، فكأنّه قال صلى الله عليه وسلم: إذا كنتِ كارهة فأنت بالخيار". وقول المصنّف (يعني ابن حجر

_ 1 فتح الباري (9/196) . 2 البيهقي (7/118) . 3 فتح الباري (9/196) .

صاحب بلوغ المرام) إنّها واقعة عين كلام غير صحيح، بل حكم عامّ؛ لعموم علّته، فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم" اهـ1 وهذا جواب قويّ، والله أعلم. وقال ابن قدامة في المغني: "يحتمل أنّ هذه المرأة هي التي قالت: زوّجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، فتخييرها لتزويجها من غير كفئها، وهذا يثبت الخيار ولا يبطل النّكاح"2 اهـ. والجواب عنه كالجواب عن كلام البيهقي والحافظ ابن حجر، سواء كانت هذه هي البكر التي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أم غيرها، فإن العلّة واحدة، وهي الكراهة، كما جاء ذلك صريحًا في رواية عائشة هذه عند النسائي والدارقطني والبيهقي3. مع أنّ هذه الرواية عن عائشة رضي الله عنها صريحة في أنَّ تلك الفتاه قد زوّجها أبوها من ابن عمّها، والعرب تعتبر النّسب في الكفاءة، فكيف لا يكون ابن عمّها كفؤًا لها؟ 4.

_ 1 سبل السلام (3/ 122) . 2 المغني لابن قدامة (7/ 366) . 3 انظر مصادر التخريج المتقدم (ص 177) . 4 انظر: سبل السلام (3/123) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/263) ، والروضة النديّة (2/7) ، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفي (ص 182 وما بعدها) .

5- ما رواه عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "ردّ نكاح بكر وثيِّب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، فردّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نكاحهما". رواه الدارقطني والبيهقي وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد للطبراني أيضًا1. وهذا صريح في أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى في البكر والثيّيب قضاءً واحدًا، ممَّا يدلُّ على أنّهما في اعتبار الإذن سواء. إلاّ أنَّ هذا الحديث قد أُعلّ بالإرسال أيضًا، كالرِّواية السابقة عن ابن عباس- رضي الله عنهما-؛ فقد رواه الدارقطني بإسناده من طريق عبد الملك الذَِّماري2، عن سفيان3، عن هشام4 صاحب الدَّسْتَوائى،

_ 1 الد ارقطني: (3/ 234) نكاح. والبيهقي: (7/117) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. والطراني: (4/279) مجمع الزوائد للهيثمي) . وانظر: نصب الراية (3/192) . 2 هو: عبد الملك بن عبد الرحمن بن هشام، أبو هشام الذماري بكسر المعجمة وفتحها وتخفيف الميم- الأبناوي- بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون- وقد ينسب إلى جدّه، صدوق، كان يصحّف، روى له أبو داود والنسائي. انظر: التقريب (1/520) ، وتهذب التهذيب (6/400-402) . واللباب (1/531) ، وتبصير المنتبه (1/36) . 3 هو: الثوري، كما سيأتي في كلامه. 4 هو: هشام بن أبي عبد الله سنبر- بمهملة ثم نون ثم موحدة، وزن جعفر- أبو بكر الدستوائي- بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم واو ثم مد- ثقة، ثبت، وقد رمي بالقدر، مات سنة أربع وخمسين ومائتين، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/319) وتهذيب التهذيب (11/43-45) .

عن يحيى1 بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان فردّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نكاحهما"، ثم قال: هذا وهم من الذِّماري (أي ذكر ابن عباس) وتفرَّد بهذا الإسناد، والصّواب عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجِر2، عن عكرمة مرسل، وَهِم فيه الذِّماري عن الثَّوري وليس بقوّي"3 اهـ. وقال البيهقي: "هو في جامع الثوري عن الثوري كما ذكره أبو الحسن الدارقطني رحمه الله مرسلاً، وكذلك رواه عامّة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام"4.اهـ أي عن هشام الدَّسْتوائي.

_ 1 هو: يحيى بن أبي كثير الطائي، ثقة ثبت، لكنّه يدلّس ويرسل، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، وقيل: قبل ذلك، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/356) ، وتهذيب التهذيب (1/268-270) . 2 هو: مهاجِر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مقبول، روى له أبو داود والترمذي والنسائي. انظر: التقريب (2/278) ، وتهذيب التهذيب (0 1/ 322) . 3 الد ارقطني (3/ 234) . 4 البيهقي (7/117) .

وقال ابن التركماني- تعقيبًا على البيهقي: "هذه كما تقدّم1 زيادة من الذِّماري، وهو أخرج له الحاكم في المستدرك، وذكره ابن حبّان في الثقات، وذكر صاحب الكمال عن عمر بن أبي علي الصوفى أنّه ثقة"2اهـ. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه إسحاق بن إبراهيم بن جوتي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"3 اهـ. وقال صاحب التعليق المغني على الدارقطني: "قال الذهبي في المشتبه: إسحاق بن إبراهيم بن جُوْتي- بجيم ومثناة- الصنعاني عن سعيد بن سالم القداح، وعنه علي بن بشر المقاريضي شيخ للطبراني وابنه محمد بن إسحاق أيضا شيخ للطبراني، قال في "التنقيح"4: إسحاق بن إبراهيم هذا هو ابن جُوْتي الطبراني، وهو ضعيف لكنّه لم يتفرّد به عن الذِّماري"5 اهـ.

_ 1 هذا إشارة إلى إجابته على حديث ابن عباس السابق في الجارية التي خيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم. 2 الجوهر النقي (7/ 117مع البيهقي) . 3 مجمع الزوائد (4/279) . 4 هو كتاب ابن عبد الهادي، وهو تنقيح لكتاب ابن الجوزي "التحقيق في اختلاف الأحاديث". 5الدارقطي (3/ 234) .

وعلى كلٍّ فإنَّ لم يصحّ وصله فهو مرسل، قويّ بغيره، كما أنّه حجّة عند من يحتجّ بالمرسل، وقد سبق قول الحافظ في حديث ابن عباس السابق: إنّ له طرقًا يقوِّي بعضها بعضًا"1. وهذا من الطرق التي إن لم تصح بمفردها فهي قويّة بغيرها. والله أعلم. 6- ما رواه عبد الله بن بريدة، عن عائشة رضي الله عنها: أنّ فتاة دخلت عليها فقالت: إنَّ أبي زوّجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أللنِّساء من الأمر شيء؟ ". رواه الإمام أحمد، والنسائي- واللفظ له- والدارقطني، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة رضي الله عنها، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وقد تقدّم تخريجه2. قال الصنعاني في (سبل السلام) : "الظاهر أنّها بكر، ولعلّها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوّجها أبوها كفؤًا ابن أخيه، وإن كانت ثيِّباً فقد صرّحت أنّه ليس مرادها إلاّ إعلام النساء أنّه ليس للآباء من الأمر شيء، ولفظ النساء عام للثَّيِّب والبكر، وقد قالت هذا عنده صلى الله عليه وسلم فأقرَّها

_ 1 انظر (ص288) . 2 انظر (ص 178) .

عليه، والمراد بنفي الأمر عن الآباء التزويج للكراهة، لأنَّ السياق في ذلك، فلايقال: هوعامٌّ في كلِّ شيء"1 اهـ. وقد سبق قول الدارقطني وغيره: إنّ هذا مرسل عن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة شيئاً، وقول البيهقي وغيره: إنَّه على فرض صحته فهو محمول على أنَّ أباها زوّجها غير كفئها، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الأمر لها من أجل ذلك، وقد سبقت الإجابة أيضًا عن كلِّ ذلك مستوفاة في مبحث اشتراط الولاية، وخلاصته: عدم التسليم بأنّة مرسل، وعلى فرض إرساله فهو قويّ بغيره. وأمّا حمل التخيير هنا على عدم كفاءة الزّوج فهو خلاف الظاهر؛ إذ إنَّ سبب شكوى هذه الفتاة هو إكراه أبيها لها، وغيره من الأسباب يحتاج إلى دليل، كما أنَّ زوجها هو ابن عمّها، والعرب تعتبر الأنساب في الكفاءة2. والله أعلم.

_ 1 سبل السلام (3/123) . 2 انظر: استيفاء الكلام عليه متنًا وإسنادًا في مبحث "اشتراط الولاية" (ص 177 وما بعدها) .

7- ما رواه عطاء بن أبي رباح، عن جابر رضي الله عنه: أنّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها". رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم1. وقد أُعلّ هذا الحديث بالإرسال أيضًا: فقد رواه شعيب2 بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر. ورواه غير شعيب مرسلاً، عن عطاء، لم يذكر جابرًا. وأُعلّ أيضًا بالانقطاع فقيل: إنّ الأوزاعي لم يسمعه من عطاء، وإنَّما سمعه من إبراهيم بن مرّة، وفيه مقال. قال الدارقظني: الصحيح مرسل، وقول شعيب وهم3.

_ 1 تخريجه 1- الدارقطني: (3/233-234 مع التعليق المغني) نكاح. 2- البيهقي: (7/117) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 3- ابن حزم: (9/461المحلى) . وعزاه ابن القيم في تهذيب السنن للنسائي (3/ 40 تهذيب معالم السنن للخطابي) . وكذلك صاحب التعليق المغني على الدارقطني (3/234) . 2 هو: شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة، روى له أصحاب الكتب الستة إلاّ الترمذي. انظر: التقريب (1/ 351) ، وتهذيب التهذيب (1/163-164) . 3 الد ارقطني (3/233) .

وقال صاحب التعليق المغني: "الحديث أخرجه النسائي أيضًا من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر نحوه. وهذا سند ظاهره الصحة، ولكن له علَّة، أخرجه النسائي والمؤلِّف (أي الدارقطني) من وجه آخر: عن الأوزاعي، فأدخل بينه وبين عطاء إبراهيم1 بن مرّة، وفيه مقال، وأرسله فلم يذكر جابرًا، وهكذا فعله المؤلف وقال: الصحيح مرسل وقول شعيب وهم. قال في التنقيح: وقال أبو علي الحافظ: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، والحديث في الأصل مرسل لفظًا، إنّما رواه الثقات عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرّة، عن عطاء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسل، وقد روي من أوجه أخرى ضعيفة عن أبي الزبير عن جابر2 انتهى. هذا خلاصة ما قيل في إسناده، وعلى كلٍّ فهو مرسل قويٌّ بغيره، كما قال ابن القيِّم رحمه الله: "وهذا الإرسال لا يدلُّ على أنَّ الموصول خطأ بمجَّرده"3. وقال ابن الهمام: "ووهَّم- (أي الدارقطني) - شعيبًا في رفعه وقال: الصحيح إنّه مرسل، وبه يتم مقصودنا إمّا لأنّه حجّة، وإمّا لأنّا ذكرناه للاستشهاد والتقوية"4.

_ 1 انظر ترجمته في: التقريب (1/43) ، وتهذيب التهذيب (1/163-164) . 2 التعليق المغني على الدارقطني (3/233-234) . 3 تهذيب السن لابن القيم (3/40 مع معالم السنن للخطابي) . 4 فتح القدير لابن الهمام (3/262) .

8- ما رواه ابن أبي ذئب قال: "أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنَّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا فكرهت ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها". رواه الدارقطني1. إلاّ أنّه قال: "لا يثبت هذا عن ابن أبي ذئب، عن نافع، والصَّواب حديث ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين"2. وهو يقصد بذلك ما أخرجه بسنده عن ابن أبي ذئب3، عن عمر بن حسين4، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه تزوّج بنت خاله عثمان بن مظعون، قال: فذهبت أمُّها إلى رسول الله فقالت: إنَّ ابنتي تكره ذلك، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها، وقال: "لا تُنكحوا اليتامى حتى تستأمروهنَّ، فإذا سكتت فهو إذنها". فتزوَّجها بعد عبد الله: المغيرة بن شعبة"5.

_ 1 الدارقطني (3/236مع التعليق المغني) . 2 نفس المصدر السابق ونفس الصفحة. 3 هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذئب القرشى، ثقة فقيه فاضل، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/ 184) ، وتهذيب التهذيب (9/303-307) . 4 هو: عمر بن حسين بن عبد الله الجمحي مولاهم، أبو قدامة المكي قاضي المدينة، ثقة، روى له مسلم وأبو داود. انظر ترجمته في: التقريب (2/53) ، وتهذيب التهذيب (7/433) ، والجرح والتعديل (6/104) . 5 الدارقطني (3/229مع التعليق المغني.

وقال ابن القيّم - رحمه الله -: "وذكر محمد بن حزم من طريق قاسم ابن أصبغ، عن ابن عمر: أنَّ رجلاً زوّج ابنته بكرًا فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها"1. وذكر الدارقطني هذا الحديث في سننه، وفي كتاب (العلل) ، وأعلّه برواية من روى: أنَّ عمّها زوّجها بعد وفاة أبيها، وزوّجها من عبيد2 الله بن عمر، وهي بنت عثمان بن مظعون، وعمُّها قدامة، فكرهته، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فتزوّجها المغيرة بن شعبة، قال: - أي الدارقطني-: وهذا أصحّ من قول من قال: زوّجها أبوها"3. والله أعلم.

_ 1 انظره في: المحلى لابن حزم (9/461) . 2 كذا (عبيد الله) بالتصغير، في نسخة تهذيب السنن هنا المطبوعة مع معالم السنن (3/42) . وكذلك في النسخة الأخرى المطبوعة مع عون المعبود (6/123) والظاهر أنه تصحيف عن (عبد الله) فهو صاحب هذه القصّة ولم أجد لـ (عبيد الله) فيها أثرًا، فليلاحظ. 3 تهذيب السنن (3/42مع معالم السنن) ، وانظر: نصب الراية (3/ 191-192) فقد ذكر كلام الدارقطني وذكر نحوه عن ابن الجوزي، وأنّ الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقال: باطل، أي رواية أنّ الذي زوّجها أبوها، وأمَّا رواية أنَّ الذي زوّجها عمّها فهي مشهورة، وهي إمّا صحيحة أو حسنة.

فعلى قول الدارقطني رحمه الله، فإنَّ الذي زوّجها هو عمّها قدامة ابن مظعون بعد وفاة أبيها، وسيأتي1 تخريج ذلك بأتم مما هنا إن شاء الله تعالى. 9- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أنَّ رجلاًجاء بابنته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذه ابنتي أبت أن تزوّج، فقال: أطيعي أباك، أتدرين ما حقّ الزَّوج على الزَّوجة؟ لو كان بأنفه قرحة تسيل قيحًا وصديدًا لحسته ما أدّت حقَّه، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ لانكحت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوهنَّ إلاّ بإذنهن". رواه الدارقطني2 بهذا اللفظ. وقال صاحب التعليق المغني: "الحديث رواه البزَّار بإسناد جيّد رواته ثقات مشهورون، وابن حِبّان في صحيحه3. 10- وعن أمّ سلمة رضي الله عنها: "أنّ جارية زوّجها أبوها وأرادت أن تزوّج رجلاً آخر فأتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فنزعها من الذي زوّجها أبوها، وزوّجها من الذي أرادت". قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح4 اهـ.

_ 1 انظر مبحث "تزويج الصغيرة اليتيمة الآتي في الفصل الرابع ". 2 الدارقطني (3/ 237) نكاح. 3 التعليق المغني على الدارقطني في نفس الصفحة (3/237) . 4 مجمع الزوائد (4/279-280) نكاح، باب الاستئمار.

11- وعن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الرجل أن يزوّج ابنته فليستأذنها". قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح1 اهـ. فهذه أحاديث نبوية مستفيضة، بعضها في الصحيحين، وبعضها في أحدهما، وبعضها وإن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما فلا معنى للطَّعن في أسانيدها، وبعضها قويّ بغيره، وشاهد للصحيح، فقد اشتملت تلك الأحاديث على أمره صلى الله عليه وسلم ونهيه وقضائه على أنّه لا يزوّج البكر البالغ أبوها ولا غيره إلاّ بإذنها، كما قال ابن القيّم رحمه الله في تهذيب السنن: "قد توافق أمره صلى الله عليه وسلم وخبره ونهيه على أنّ البكر لا تزوّج إلاّ بإذنها، ومثل هذا يقرب من القاطع، ويبعد كلّ البعد حمله على الاستحباب2. اهـ وقال- رحمه الله- مشيرًا إلى حديث ابن عباس، وجابر، وعائشة السابق ذكرها ورادًّا على من حملها على الثيّب- قال: "وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيِّب دون البكر خلاف مقتضاها؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك ولا استفصل، ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه، والشافعي ينزل هذه منزلة العموم، ويحتجّ به كثيرًا"3 اهـ.

_ 1 نفس المصدر (4/279) . 2 تهذيب السنن (3/41مع معالم السنن) . 3 تهذيب السن (3/41مع معالم السنن) .

وأمّا دليل عدم إجبار البكر من حيث المعقول فمن جهتين: الأولى: أنّ البكر إذا بلغت عن عقل ورشد جاز تصرّفها في مالها، وليس لأب ولا غيره أن يتصرّف في مالها إلاّ بإذنها، وبضعها أعظم من مالها، فكيف يجوز التصرّف فيه بدون إذنها مع كراهتها ور شدها؟ 1. الثَّانية: أنَّ العلّة المجمع على تأثيرها في أهليَّه العاقد هي الصغر لا البكارة؛ فتعليل الإجبار بالبكارة تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع، فدلّ هذا على أنَّه لا تأثير للبكارة والثيوبة في الإجبار أو عدمه، وإنّما العلّة المؤثِّرة في عدم اعتبار الإذن هي الصغر ونحوه2. وعلى هذا فلا تُنكح عاقلة بالغ، وإن كانت بكرًا إلا بإذنها والله أعلم. ثانيًا- أدلَّة من قال: للأب خاصة إجبارالبكرالبالغ. وأمّا أدلّة من أجاز للأب إجبار البكر البالغ دون سائر الأولياء فاستدلَّ بما يلي:

_ 1 انظر في هذا المعنى: المغني لابن قدامة (7/380) ، وكذلك الشرح الكبير معه (7/387) ، والفتاوى لابن تيمية (32/23) وزاد المعاد لابن القيّم (5/97) . 2 انظر: الفتاوى (32/23) ، وزاد المعاد (5/99) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/263) .

1- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها"1. فقالوا: إنّ المراد بالأيِّم في هذا الحديث الثيِّب كما هو صريح بعض روايات هذا الحديث2، وقد جعلها النبيّ صلى الله عليه وسلم أحقَّ بنفسها من وليّها، وهذا يدلّ بمفهومه على أنّ البكر بخلافها؛ لأنّ الشيء إذا قيِّد بأخصّ أوصافه، دلّ على أنّ ما عداه بخلافه، كما قيل: "الأسماء للتعريف، والأوصاف للتعليل"، فيكون وليُّ البكر أحقُّ بها من نفسها. ولأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد قسّم النّساء في هذا الحديث قسمين ثيِّبات وأبكارًا، ولا ثالث لهما ثم خصّ الثيّب بأنّها أحقُّ بنفسها من وليّها، مع أنّها هي والبكر قد اجتمعتا في ذهنه، فلو أنّها كالثيّب لم يكن لإفرادها بالذِّكر معنى، والعمل بالدَّلالة واجب وجوبه بالنَّصِّ3 وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم "والبكر يستأذنها أبوها" على الاستحباب تطييباً لقلبها. فهو كالأمر باستئمار النّساء في بناتهنَّ في حديث ابن عمر، - رضي الله

_ 1 تقذم تخرجه ص 167. 2 تقدم تخريجه بهذا اللفظ ص 170. 3 انظر في توجيه هذا الحديث لما قالوا المصادر التالية: المغني لابن قدامة (7/ 381) ، نصب الراية (3/193) ، معالم السنن للخطابي (3/42) ، تكملة المجموع الثانية (16/165) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/127) .

عنه - أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "آمروا النّساء في بناتهنَّ". رواه أحمد وأبو داود والبيهقي1. قال الشافعي رحمه الله: ولا يختلف النّاس أن ليس لأمِّها فيها أمر ولكن على معنى استطابة النفس"2. ثم أشار الشافعي رحمه الله إلى سبب هذا الحديث- أعنى حديث ابن عمر- وما فيه من معارضة الأم وأنَّ ذلك دليل على كراهة ابنتها، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أباها با ستئذانها3. فهذا خلاصة وجهة استدلال من أجاز لأب البكر إجبارها من حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو عمدتهم في التفريق بين البكر والثيِّب في وجوب الاستئذان؛ "فقد رأوا في حديث ابن عباس هذا تقييدًا لما أطلق في غيره من الأحاديث وتفسيراً لمجملها. والله أعلم.

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (16/160-161 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب استئمار النساء في بناتهن) . 2- أبو داود: (6/119عون المعبود) . وقال المنذري فيه رجل مجهول (6/120 عون المعبود) . قال الساعاتي: يعنى: الرجل الذي روى عنه إسماعيل بن أميّة (16/161 شرح الساعاتي للمسند) . وهويعنى "الثقة" في قول إسماعيل بن أميّة: حدثني الثقة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آمروا النساء في بناتهن". 3- البيهقي (7/115) ، نكاح، باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 2 الأم للشافعي (5/168) ، وانظر البيهقي (7/115) ، وفتح الباري (9/193) . 3 الأم للشافعي: (5/168) .

وقد أجاب عنه القائلون بوجوب استئذان البكر بعدَّة أجوبة منها: أولاً: أنَّ الحجّة للقائلين بالإجبار في هذا الحديث إنّما هي في مفهومه، والخلاف في حجِّيَّته وفي عمومه. وممن خالف في حجِّيَّته الحنفيَّة القائلون بعدم الإجبار؟ فلا يحتجّ بمثل هذا عليهم. وأمّا الخلاف في عموم مفهوم المخالفة فقد قال ابن القيِّم - رحمه الله - في هذا الحديث: وهذا إنّما يدلُّ إذا قلت: إنَّ للمفهوم عمومًا، والصّواب أنّه لا عموم له؛ إذ دلالته ترجع إلى أنّ التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدة، وهي نفي الحكم عمّا عداه، ومعلوم أنَّ انقسام الحكم إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة، وأنَّ إثبات حكم آخر للمسكوت عنه فائدة، وإن لم تكن ضدّ حكم المنطوق، وأنَّ تفصيله فائدة"1. ثانيًا: أنَّ دلالة مفهوم المخالفة لا تقوى على معارضة المنطوق، ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". وفي لفظ آخر: "تستأمر في نفسها". وفي لفظ: "يستأمرها أبوها" كما سبق بيانه2 وهذا مما يدلّ على أنّ التفريق بين البكر والثيِّب في هذا الحديث إنّما هو في صفة الإذن خاصَّة. وبهذا يتَّفق حديث ابن عباس هذا مع غيره من الأحاديث الصريحة في استئذان البكر، ومنها حديث أبي

_ 1 زاد المعاد (5/98) . 2 انظر (ص 167، 279، وما بعدها) .

هريرة في الصحيحين "لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن" 1. وأمّا حمل استئذان الآباء لبناتهم الأبكار على الاستحباب قياسًا على استئمار النّساء في بناتهنَّ فهو قياس مع الفارق؛ إذ الفرق واضح بين استئذان إنسان في أهمِّ وأخصّ شؤونه، وبين استئذان آخر في شؤون غيره، وإن كان قريبًا، مع أنّه خلاف ظاهر هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة في استئمار الأبكار دون تفريق بين أب وغيره من الأولياء. والله أعلم. 2- ما روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - بلفظ: "الثيّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر يزوّجها أبوها". فقد حكى البيهقي عن الشافعي رحمه الله قوله: "وقد زاد ابن عيينه في حديثه "والبكر يزوّجها أبوها" فهذا يبيّن أنَّ الأمر للأب في البكر"2. وقد عقّب عليه ابن التركماني فقال: قوله: "يزوّجها أبوها" لم أجده في شيء من الكتب، ولم يذكر الشافعي سنده فينظر"3 اهـ.

_ 1 تقدم تخريجه (ص277) . 2 البيهقي (7/115) . 3 الجوهر النقي (7/115مع البيهقي) .

وقد جرى استدلال الشافعية بهذا اللفظ في كتب الفقه معزوًّا للدارقطني1. إلا أنَّني لم أجده في سنن الدارقطني بهذا اللفظ، وقد ذكره الحافظ في التلخيص الحبير بهذا اللفظ وعزاه أيضًا للدارقطني، إلاّ أنّه استدرك عليه فقال: لكن قال (أي الدارقطني) "يستأذنها" بدل: "يزوّجها"2. واستدراك الحافظ هذا يدل على خطأ اللفظ المعزوّ للدارقطني؛ فإنّ الرواية المشهورة عن سفيان بن عيينه - رحمه الله - هي بلفظ "يستأذنها أبوها" أو "يستأمرها" كما سبق3. وأما لفظ "يزوّجها أبوها"، فما أظنّه يصحّ. ولو صحّ لكان أسعد الناس بالاستدلال به هو داود الظاهري القائل باشتراط الولاية على البكر دون الثيّب، إذ إنّ ذلك سيكون تفسيرًا لأحقيّة الثيّب بنفسها في قوله "الثيّب أحقَّ بنفسها من وليّها، والبكر يزوّجها أبوها". فتكون الثيّب أحقّ بنفسها- حينئذ- أي بتزويج نفسها لا بالرضى كما يقوله الشافعية وغيرهم؛ إذ المقابلة قرينة دالّة على ذلك. والعجب من ردّ الشافعيّة لزيادة ابن عيينة في هذا الحديث لفظ "يستأذنها أبوها" واحتجاجهم بلفظ "يزوّجها أبوها". وما أظنُّ أنَّ هذا

_ 1 انظر مثلاً: مغني المحتاج (3/149) وتحفة المحتاج (7/243) ونهاية المحتاج (6/ 228) . 2 التلخيص الحبير (3/184) ، وانظر أيضًا سنن الدارقطي (3/238-241) . 3 انظر ما تقدم (ص 280) .

يصحّ عن الشافعي رحمه الله وهو من نعلم في تمسكه بالسُّنَّة وعلمه بها إلاّ أن تكون حكيت عنه بالمعنى فالله المستعان. 3- واستدلوا بمفهوم الأحاديث الآمرة باستئذان اليتيمة. ومنها: أ- حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- السابق ففي رواية له عند النسائي والدارقطني "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها واليتيمة تستأمر في نفسها وإذنها صماتها"1. وفي لفظ آخر لهما ولغيرهما "ليس للوليّ مع الثيّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها" 2. ب- وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها" 3. ج- وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنتْ وإن أبت لم تكره"4. فإنّ مفهوم هذه الأحاديث أنَّ ذات الأب بخلاف اليتيمة. وخاصَّة

_ 1 انظرص 281. 2 انظر تخريجه (ص 173) . 3 سيأتي تخريجه في "صفة إذن البكر" (ص 387) . 4 سيأتي تخريجه في "صفة إذن البكر" (ص 388) .

حديث "ابن عباس - رضي الله عنهما - فإنّه قد يقال: إنّه مفسِّر لروايته "والبكر تستأذن" فيكون المقصود بها البكر اليتيمة دون ذات الأب. إلاّ أنّه لا يخفى أنّ مفهوم أحاديث استئمار اليتيمة لا يقوى على تخصيص عموم أحاديث استئمار البكر مطلقًا. وأمّا حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - فقد روى بثلاثة ألفاظ هي: "البكر تستأذن في نفسها"، " واليتيمة تستأمر في نفسها"، "والبكر يستأذنها أبوها". ولا تعارض بين هذه الألفاظ؛ إذ حاصلها: استئمار جميع الأبكار، سواء كنّ يتامى أو ذوات آباء. وإنّما خصّت اليتيمة بالذكر لمزيد الحضّ على الشفقة عليها، والنظر لها. والله أعلم. 4- واستدلوا أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها: وهو أنّ أباها زوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست أو سبع سنين"1. فقد أخذ منه الشافعي رحمه الله أنّ الأمر في تزويج الأبكار لآبائهنَّ وإن لم يأذنَّ، وإلاَّ لما جاز لأبي بكر رضي الله عنه تزويج عائشة حتى تبلغ فتأذن2. 5- واستدلوا أيضًا بما روي عن بعض الصحابة وفقهاء التابعين من تزويج الأبكار بغير استئذان.

_ 1 سيأتي تخريجه في "تزويج الصغيرة" (ص 380- 381) . 2 انظر الأم للشافعي (5/17) .

فقد نقل البيهقي عن الشافعي قوله: "قد كان ابن عمر والقاسم وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنَّ"1. وروى مالك في (الموطأ) أنّه بلغه: أنَّ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله كانا ينكحان الأبكار لا يستأمرانهنَّ"2. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار3. وروى أيضًا أنّه بلغه: أنَّ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار كانوا يقولون في البكر: يزوّجها أبوها بغير إذنها: إنَّ ذلك لازم لها"4. وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عمَّن أدرك من فقهائهم الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبه، وسليمان بن يسار، في مشيخة جلّة سواهم من نظرائهم قال: وربّما اختلفوا في الشيء فأخذت بقول

_ 1 البيهقي (7/116) . 2 الموطأ مع شرح الزرقاني (3/127) . 3 نفس المصدر والصفحة. 4 نفس المصدر (3/127-128) .

أكثرهم. قال: كانوا يقولون: الرجل أحقّ بإنكاح ابنته البكر بغير أمرها، وإن كانت ثيِّبًا فلا جواز لأبيها في نكاحها إلاّ بإذنها"1. ثالثًا: أدلَّة من فصّل فى استئذان البكر: وأمَّاوجهة نظر من فصّل القول في استئذان البكر فهي كما يلي: 1- أمّا استثناء المالكية - في المشهور عنهم - البكر المعنَّسة، أو المرشَّدة، أو التي أقامت في بيت زوجها سنة كاملة، ثم فارقها زوجها، وأنكرت مسيسه لها، وشهدت مشاهد النِّساء، فهؤلاء لمعرفتهنَّ- غالبًا- بأمور نكاحهنّ، فأشبهن الثيِّبات المكلّفات. قال الخرشي في توجيه رواية عدم إجبار البكر المعنَّسة: "لأنّها لمَّا عَنَسَت صارت كالثيِّب، ومنشأ الخلاف: هل العلّة البكارة؟ وهي موجودة أو الجهل بمصالح النِّساء؟ وهي مفقودة" اهـ2. وهذا هو ظاهر تعليلهم أيضًا في البكر المرشَّدة، أو التي أقامت في بيت زوجها سنة، ثم فارقها وأنكرت مسيسه، وشهدت مشاهد النِّساء، والله أعلم. 2- وأمَّا إلحاق الشافعية الجدّ بالأب: فلأنّه أب أعلى له إيلاد،

_ 1 البيهقي (7/116) . 2 الخرشي مع العدوي (3/176) . وانظر الدسوقي مع الشرح الكبير (2/222-223) .

وتعصيب، وفيه من الشفقة ما في الأب، بخلاف غيره من الأولياء1. وأمَّا تقييدهم عدم الإجبار بما إذا لم يكن بين البكر وأبيها أو جدّها عداوة ظاهرة؛ فلأنّ ذلك مظنّة الإضرار بها، أو عدم النظر لها والشفقة عليها. وأمّا إذا لم تظهر تلك العداوة فلا ينظر لها؛ لأنّ الأصل خلافها في الأب والجدّ خاصَّة2. والله أعلم. أسباب الخلاف وبيان الراجح إنّ أسباب اختلاف العلماء في جواز إجبار البكر البالغ أو عدمه يمكن تلخيصه مما سبق عرضه فيمايلي: أولاً: معارضة مفهوم بعض الأحاديث لعموم بعضها؛ فإنَّ مفهوم حديث "الثيِّب أحقُّ بنفسها" يدلّ على أنّ البكر بخلافها، ومفهوم أحاديث "استئمار اليتيمة في نفسها" يدلُّ على أنّ ذات الأب بخلافها. ثانيًا: ضعف الأحاديث الصريحة في ردّ إنكاح البكر بغير إذنها، بخلاف الشأن في الثيّب كما سيأتي. ثالثًا: استنباط مناط الإجبار من محلِّ الاتفاق. كما قال ابن رشد: "ولاختلافهم في هاتين المسألتين (أي إجبار البكر البالغ والثيِّب الصغيرة) سبب آخر: وهو استنباط القياس من موضع الإجماع؛ وذلك أنّهم أجمعوا

_ 1 انظر: مغني المحتاج (2/149) ، وتحفة المحتاج (7/243-245) ، ونهاية المحتاج (7/243-244) . 2 نفس المصادر السابقة والصفحات.

على أنّ الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنّه لا يجبر الثيّب البالغ إلاّخلافًا شاذًّا فيهما جميعًا- كما قلنا- اختلفوا في موجب الإجبار، هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر البكر البالغ، ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيّب الصغيرة، ومن قال: كلّ واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال: تجبر البكر البالغ والثيّب الغير البالغ. والتعليل الأول: تعليل أبي حنيفة. والثَّاني: تعليل الشافعي. والثَّالث: تعليل مالك. والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة"1 اهـ. هذه خلاصة ما وقفت عليه من أسباب اختلاف العلماء في هذه المسألة. فأمّا السبب الأوّل: وهو معارضة مفهوم بعض الأحاديث لعموم بعض. فقد تقدَّم أنّ مفهوم حديث "الأيِّم أحقّ بنفسها" لا يقوى على عموم "والبكر تستأذن في نفسها" خاصّة بعد أن رواه مسلم وغيره بلفظ "والبكر يستأمرها أبوها" 2 الذي هو نصٌّ في محلِّ النّزاع، وكذلك لا يقوى على معارضة عموم الحديث المتفق عليه وهو "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن"3.

_ 1 بداية المجتهد (2/5) . 2 تقدّم تخريجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ص 281. 3 تقدّم تخريجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ص 277.

وأمّا الأمر باستئمار اليتيمة فلا يلزم منه إجبار ذات الأب، كما سبق في هذا المبحث؛ فإنّ مجرَّد ذكر بعض أفراد العامّ لا يخصّص عمومه، فكيف وقد ورد النصّ عامًّا وخاصاًّ في كلّ منهما. فالعامّ: حديث أبي هريرة المتفق عليه وهو "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن "1. وكذلك هو في حديث ابن عباس "والبكر تستأذن في نفسها" 2. وأمَّا الخاصّ في ذات الأب: ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه: "والبكر يستأذنها أبوها" رواه مسلم وغيره بهذا اللفظ عن سفيان بن عيينه. وتقدم القول بأنّها زيادة ثقة، مقبولة 3. أي التنصيص فيه على ذكر الأب. وأمّا الخاصُّ في اليتيمة: فقوله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها" في بعض ألفاظ حديث ابن عباس رضي الله عنه4. ونحوه حديث أبي هريرة وأبي موسى المتقدّم ذكرهما في هذا المبحث5.

_ 1 تقدّم تخريجه ص 277. 2 تقدم تخريجه ص 167. 3 انظر ما تقدم ص 280. 4 كما تقدَّم (273، 281) . 5 تقدم في ص 307.

وقلنا: إنّه لا تعارض بين هذه الألفاظ والروايات جميعها. وحاصلها: الأمر باستئذان البكر مطلقًا يتيمة أو ذات أب. وأمَّا السَّبب الثَّانى: وهو ضعف الأحاديث المصرِّحة بردّ إنكاح البكر بغير إذنها، فقد سبق بيانها في هذا المبحث، وهي إن لم تصحّ بمفردها فهي قويَّة بمجموعها، وشاهدة لعموم الأحاديث المتفق على صحتها في الأمر باستئذان البكر في نفسها، والنّهي عن إنكاحها بدون إذنها. وأمَّا السَّبب الثَّالث: وهو تنقيح مناط الإجبار من النصوص، أو استنباطه من محلِّ الاتفاق كما قال ابن رشد، فحاصل كلام العلماء في هذا المناط ما يلي: 1- أنَّ مناط الإجبار هو البكارة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، في رواية1. وعلى هذا: فتجبر البكر صغيرةً أم كبيرةً، دون الثيّب، صغيرة أم كبيرة. وهذا إذا كان الوليّ هو الأب خاصَّة، وأمّا غير الأب فإنّه لا يجبر البكر البالغ اتفاقًا. ولا يزوّج البكر الصغيرة عند أكثر من علّل بالبكارة كالشافعي وأحمد. 2- أنّ مناط الإجبار هو الصغر. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في رواية2.

_ 1 زاد المعاد (5/99) . وانظر الفتاوى لابن تيمية (32/ 22-23) ، وبداية المجتهد (2/5) . 2 نفس المصادر السابقة والصفحات، وفتح القدير لابن الهمام (3/261) .

وعلى هذا فتجبر الصغيرة بكرًا كانت أم ثيِّباً، دون البالغ، بكرًا كانت أم ثيّبًا. 3- أنّه يجبر بمجموع الصغر والبكارة. وهي رواية عن الإمام أحمد1. وعلى هذا فلا تجبر إلاّ البكر الصغيرة. ولا تجبر البكر البالغ ولا الثيِّب مطلقًا صغيرة أم كبيرة. 4- أنّه يجبر بأيِّهما وجد، أي بالبكارة أو الصغر، وهذا مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد2. وعلى هذا فتجبر الصغيرة مطلقًا بكرًا أم ثيِّبًا. وكذلك البكر البالغ دون الثيِّبب البالغ. وهذا في الأب خاصة أمّا غيره من الأولياء فلا. 5- أنّه يجبر بالإيلاد. فيكون الإجبار حقًّا للآباء دون غيرهم، وعلى هذا فللأب أن يجبر البكر والثيِّبب على السواء، سواء كنّ صغيرات

_ 1 زاد المعاد (5/99، والفتاوى (32/23) . 2 بداية المجتهد (2/5) ، وقوانين الأحكام لابن جزي (ص 222) ، وزاد المعاد (5/99) والفتاوى لابن تيمية (32/23) .

أم كبيرات. ويحتمل في الجدّ أن يكون كالأب في هذا وهذا التعليل حكي عن الحسن البصري. وردّه ابن القيِّم في زاد المعاد1. 6- أنّ للأب أن يجبر من كانت في عياله. وعلى هذا فللأب أن يجبر الثيِّب البالغ إذا كانت في عياله. وهذا مروي عن إبراهيم النخعي2 إلاّ أنّه قول شاذ كسابقه. 7- أنّه يجبر بالجهل بمصالح النّكاح. وهذا هو ظاهر تعليل المالكية لرفع إجبار الأب عن البكر المعنَّسة والمرشَّدة والتي دخلت بيت زوجها ومكثت فيه سنة ثم فارقها زوجها وأنكرت مسيسه وشهدت مشاهد النّساء3. إلاّ أن التعليل بالجهل قلّ من ذكره أو عوّل عليه، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنَّ الجهل وصف غير منضبط فأنيط بمظنَّته من صغر أو بكارة، فيكون راجعًا إليهما. والله أعلم. فهذه خلاصة ما وقفت عليه في مناط الإجبار وكلُّها قد نصَّ عليها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد) 4 عدا العلَّة الأخيرة.

_ 1 زاد المعاد (5/99) . 2 نفس المصدر والصفحة. وكذلك المغني لابن قدامة (7/385) . 3 انظر الخرشي والعدوي (3/176) . والدسوقي مع الشرح الكبير (2/222- 223) . 4 زاد المعاد (5/99) . وانظر الفتاوى لابن تيمية (32/22-25) .

ولا يخفى أنَّ أرجحها هو التعليل بالصغر دون غيره. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ومن وافقه. كما قال ابن رشد: والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة1. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة2، وتلميذه ابن القيِّم3. وعلى هذا فلا يجبر البكر البالغ على النِّكاح أب ولا غيره. وهذا ما دلّت عليه السُّنَّة الصحيحة المستفيضة التي تقدَّم بيانها دلالة وإسنادًا، وفيها الدليل الواضح على أنَّ البكر لا تُنكح إلاّ بإذنها. ولهذ قال ابن القيم رحمه الله: وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمَّته4" اهـ والله أعلم. 3- صفة إذن البكر في النّكاح. لقد عرفنا أنّ البكر البالغ لا تنكح إلاّ بإذنها اتفاقًا، إن لم يكن وليُّها أباها أو جدّها. وأمّا تز ويج الأب أو الجد لها بدون إذنها ففيه خلاف سبق بيانه، وبيان الرَّاجح أنّ البكر لا تُنكح إلاّ بإذنها، حتى وإن كان وليُّها أباها أو جدّها.

_ 1 بداية المجتهد (2/5) . 2 انظر الفتاوى (32/22-25) . وهو بحث مستفيض قيِّم جدًا، فليراجع. 3 انظر زاد المعاد (5/96-99) . 4 زاد المعاد (5/96) .

وبقى أن نعرف في هذا المبحث ما يحصل به معرفة إذن البكر لوليِّها في نكاحها. وخلاصة أقوال العلماء في هذا أنّه يحصل بثلاثة دلائل على الإذن والرضى وهي: 1- صريح كلامها. 2- سكوتها. إن لم يقترن به ما يدلّ على سخط أو كراهة. 3- ما له حكم السكوت دلالة على الرضى. وإليك بيان ذلك بالتفصيل: أوّلاً: إذن البكر بصريح كلامها. إنّ تعبير البكر عن رضاها وإذنها لوليِّها في إنكاحها بصريح كلامها هو أقوى الوسائل لمعرفة رضاها؛ إذ إنّ التعبير باللسان هو أبلغ وسائل التعبير عمّا في النفس، وهو الأصل في الدلالة على مرادها، ولم يخالف في هذا إلاّ ابن حزم الظاهري رحمه الله، فهو يرى أنّ إذن البكر لا يكون إلاّ بسكوتها، فإن سكتت بعد استئذانها فقد رضيت وأذنت ولزمها إنكاح وليِّها لها، وإن تكلَّمت بالرضى أو بالمنع أو غير ذلك فلا يعقد عليها1. واستدلّ ابن حزم رحمه الله لما ذهب إليه بظاهر الأحاديث التي فرقت بين صفة إذن البكر وإذن الثيّب، فجعلت النطق للثيّب والسكوت للبكر. ومن تلك الأحاديث:

_ 1 انظر المحلى (9/471) .

1- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" وفي لفظ "الثيّب أحقُّ بنفسها" 1. 2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن". قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها. قال: "أن تسكت"2. وقد حمل رحمه الله- كعادته- على من خالف مذهبه هذا ممن قال: بصحة رضى البكر بصريح القول، فقال- بعد أن ذكر الحديثين السابقين: "ذهب قوم من الخوالف إلى "أنَّ البكر إن تكلّمت بالرِّضى فإن النّكاح يصحُّ بذلك خلافًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة، فسبحان الذي أوهمهم أنَّهم أصحُّ أذهانًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقع في نفوسهم أنّهم وقفوا على فهم وبيان غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعوذ بالله عن مثل هذا. فأمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّه أبطل النّكاح- كما تسمعون- عن البكر ما لم تستأذن فتسكت، وأجازه إذا استؤذنت فسكتت، بقوله عليه الصلاة والسلام "لا تُنكح البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها" 3. وأمّا

_ 1 تقدم تخريجه ص 167، 170. 2 تقدم تخريجه (ص 277) . 3 هذا اللفظ بالمعنى من حديث أبي هريرة، وابن عباس، والأقرب أنّه أراد حديث ابن عباس. وتقدم لفظهما قريبًا.

الصحابة فإنّهم- كما أوردنا في الخبر آنفًا- لم يعرفوا ما إذن البكر حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وإلاّ فكان سؤالهم عند هؤلاء فضولاً. وحاش لهم من ذلك، فتنبّه هؤلاء لما لم يتنبّه له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نبّه عنه عليه السلام وهذا كما ترون، وما علمنا أحدًا من السلف روى عنه أنّ كلام البكر يكون رضى، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلى وغيرهما أنّ إذنها هو السكوت، ومن عجائب الدُّنيا قول مالك: إنَّ العانس البكر لا يكون إذنها إلاّ بالكلام، وهذا مع مخالفته لنصِّ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي غاية الفساد؛ لأنّه أوجب فرضًا على العانس ما أسقطه عن غيرها، فلوددنا أن يعرّفونا الحدّ الذي إذا بلغته المرأة انتقل فرضها إلى ما ذكر، وبالله التوفيق10 انتهى كلامه. وما ذهب إليه ابن حزم- رحمه الله- في هذا مما يعاب على أهل الظاهر في تحميلهم ظواهر النصوص ما لا تحتمله، وليس في هذه الأحاديث النبويّة ونحوها أنّ السكوت فرض على البكر، به يصحُّ نكاحها وبدونه يبطل، بل ليس فيها إلاّ صحة اعتبار سكوت البكر رضى منها، وهو رخصة صان الله بها كرم حياء البكر، فأكرم الله بهذا السكوت ذلك الحياء الذي حبس لسانها عن رغبة تستحي من إبدائها بصريح قولها. وأمَّا استفسار الصحابة عن كيفيَّة إذن البكر فحاش لله أن يكون لغوًا، لكنَّه لم يكن سؤالاً عن صحة إذنها لو أفصحت به بصريح عبارتها،

_ 1 المحلى لابن حزم (9/ 471) .

بل هو سؤال عن كيفيَّة الوصول إلى معرفة إذنها، وقد عرفها الناس بشدّة حيائها وحرج ما تقع فيه لو فرض عليها أن تفصح عن رغبتها- في النِّكاح أو في اختيار الأزواج- بلسانها، فصان الله لهذا الحياء هيبته، وحفظ لهذا الأدب جلاله وحليته، وأوصلها إلى مرادها بصمتها المعهود منها، صمت العفَّة والأدب، وجلال الحياء وكرم النَّسب، وهو أجمل حلية تعتزّ به بين أترابها، وتزداد به شرفًا عند من عرفها ورغب فيها من كرام خطّابها. وأمَّا تعجُّب ابن حزم ممن قال: إنَّ إفصاح البكر عن مرادها بصريح عبارتها أبلغ في التعبير عن رضاها من السكوت وأولى بالقبول، فليس في ذلك العجب، بل العجب من ابن حزم فيما ذهب إليه في هذه المسألة. وأمَّا قوله: إنَّه لا يعلم أحداً من السلف. قال: إنَّ كلام البكر رضى، فليته ذكر واحدًا من السلف قال: إنّها إذا تكلّمت بالرضى كان كلامها هذا لغوًا، وأمَّا اعتبار سكوتها رضى عند السلف فليس فيه دليل على اعتبار القول لغوًا. وأمَّا تعجّبه من الإمام مالك رحمه الله فيما روي عنه من إيجاب النُّطق على البكر العانس دون الاكتفاء بسكوتها، فليت ابن حزم اقتصر على هذا؛ إذ لكان له وجه من الانتصار للسّنّة الصحيحة الصريحة، ورد ما خالفها بأنواع من الاجتهادات التي أغنى عنها صريح السُّنَّة النبوية. والله الموفِّق.

ثانيًا: إذن البكر بالسكوت. لقد اتفق الفقهاء من حيث الجملة على أنَّ سكوت البكر بعد استئذانها يكفي دلالة على إذنها لوليِّها بإنكاحها ورضاها بخاطبها ما لم تقترن به قرينة واضحة دالّة على عدم الرضى، إلاّ أنَّ بعض الفقهاء قد قصره على اعتباره إذنًا للبكر مع بعض أوليائها دون بعض، أو لبعض الأبكار دون بعض، فتحصّل بذلك ثلاثة أقوال للفقهاء في اعتبار السكوت من البكر رضى. القول الأول: أنَّ سكوت البكر بعد استئذانها يكفي لمعرفة رضاها بالنِّكاح وإذنها فيه، وأنَّه معتبر من كلٍّ بكرٍ، ومع كلِّ وليّ. وهذا مذهب الجمهور من العلماء ومنهم الحنفية والحنابلة والظاهرية وأصحّ الوجهين عند الشافعية، قال ابن قدامة في المغني: "فأمَّا البكر فإذنها صماتها في قول عامَّة أهل العلم منهم: شريح والشعبي، وإسحاق، والنخعي، والثوريّ، والأوزا عي، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، ولا فرق بين كون الوليّ أبًا أو غيره1 اهـ.

_ 1 المغني مع الشرح الكبير (7/386 والشرح 401-402) . وانظر للحنابلة أيضًا: الإنصاف (8/ 64) ، والمبدع (7/28) ، وكشاف القناع (5/ 46.) ، وانظر للحنفية: المبسوط (5/32) وبدائع الصنائع (3/1354-1355) ، وفتح القدير (3/ 264) . وانظر للظاهرية: المحلى لابن حزم (9/471) ، وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/150) وروضة الطالبين (7/55) . وشرح النووي لمسلم (9/204) وفتح الباري لابن حجر (9/193) .

القول الثَّاني: أنَّ سكوت البكر إنَّما يكتفى به دلالة على الرضى والإذن إذا كان وليُّها أباها أو جدّها، وأمَّا سائر أوليائها فلا يكون إذنها لهم في إنكاحها إلاّبصريح كلامها. وهذا القول: وجه لبعض الشافعية1. وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمتة- رحمه الله- لبعض أصحاب أحمد أيضًا2. القول الثَّالث: أنَّ سكوت البكر إنَّما يكتفى به مع بعض الأبكار دون بعض تبعًا لاختلاف أحوالهنَّ. وهذا التفصيل للمالكية، حيث قالوا: إنَّ الأصل في إذن البكر أنَّه يحصل بسكوتها، وهناك حالات مستثناة من هذه القاعدة، لا يكون للبكر فيها إذن إلاّ بصريح القول، وذكروا ثماني حالات للأبكار لا يعتبر لهنّ إذن إلاّ بصريح كلامهنّ وهنَّ: الأولى: البكر البالغ المرشَّدة، ولو كانت ذات أب؛ لأنَّه لمّا رشَّدها علم من ذلك أنَّها عارفة بمصالح نفسها، وما يراد منها ففارقت غيرها3. الثَّانية: البكر التي عضلها وليُّها عن النِّكاح، سواء كان وليُّها أباها أو غيره، فرفعت أمرها إلى الحاكم فزوّجها فلا بدّ من نطقها، إلاّ إن أمر

_ 1 انظر المصادر السابقة للشافعية. 2 الفتاوى (32/ 24) . 3 انظر الخرشي والعدوي (3/184) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/227-228) ، وشرح منح الجليل (2/20) .

الحاكم أباها بتزويجها بعد تحقّق العضل منه فإنّه يجبرها ولا يحتاج إلى إذنها1. الثَّالثة: البكر التي زوّجت بعرض2، وهي من قوم لا يزوّجون به ولا أب لها ولا وصيّ ينظر في مالها، فلا بُدَّ من نطقها، لأنّها بائعة مشترية، والبيع والشراء لا يلزم بالصَّمت3. ونحو هذا القول قال بعض الشافعية: إنّه إذا استأذنها وليُّها أن يزوّجها بأقلِّ من مهر مثلها، أو بغير نقد البلد، وصمتت، لم يكن ذلك إذنًامنها في ذلك؛ لأنّه استئذان في مال4. الرَّابعة: البكر التي زوَّجت بمن فيه رقّ لو زوّجها أبوها بعده، وهذا بناء على أنّ العبد غيركفء للحرَّة. وقيل: إنّ كان زوّجها بعبد أبيها فلا بدَّمن نطقها، حتى ولو قيل إن العبد كفؤ للحرّة؛ لما يلحقها من زيادة المعرَّة بتزويجها بعبد أبيها، مما لم يحصل مثله لو تزوّجت بغير عبدأبيها5.

_ 1 انظر المصادر السابقة. 2 أي غير ذهب أو فضة. انظر منح الجليل (2/20) . 3 انظر المصادر السابقة. 4 انظر روضة الطالبين (7/56) . وتكملة المجموع الثانية (16/169) . 5 انظر الخرشي والعدوي (3/ 185) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/128) ، والمواق مع الحطاب (3/ 434) ، والزرقاني والبناني (3/179) ، ومنح الجليل (2/21) .

الخامسة: البكر التي تزوَّجت بذي عيب يوجب لها الخيار، كجنون وجذام وبرص ولو مجبرة؛ لأنَّ ذلك عيب تدخل عليه ويلزمها1. السَّادسة: البكر اليتيمة الصغيرة التي دعت الحاجة إلى تزويجها قبل البلوغ، فلا بدّ من إذنها بصريح القول2. وهذه الصورة غير داخلة في هذا المبحث، أعني مبحث البكر البالغ، وإنّما ذكرتها حصرًا لما اسثنوه من القاعدة جمعًا بين النظائر، وأيضًا فإنّ صفة الإذن لا تختلف بالكبر والصغر من حيث الجملة، وإنّما الذي يختلف بالكبر والصغر هو اعتبار الإذن أو التزويج. السَّابعة: البكر المفتات عليها، وهي التي زوّجها وليُّها بدون إذنها، ثم استأذنها بعد العقد فلا تصح إجازتها إلاّ بصريح قولها، وهذا عندهم في غير الوليّ المجبر؛ لأنّه لا يتصور منه افتيات 3. الثَّامنة: البكر المعنّسة، وبعضهم قيدها باليتيمة4.

_ 1 انظر المصادر السابقة. 2 انظر المصادر السابقة. 3 انظر: المصادر السابقة. 4 انظر: المواق (3/ 434) ، وحاشية البناني على الزرقاني (3/178) ، ومنح الجليل (2/21) .

الأدلّة: أولاً: أدلّة مذ هب الجمهور: وهو أنَّ سكوت البكر رضى في حقِّ كلِّ بكرٍ، وكلِّ وليٍّ: استدلَّ الجمهور القائلون بأن سكوت البكر رضى مع كلِّ وليّ وفي حقّ كلِّ بكر بالسنّة الصحيحة المستفيضة، وبالمعقول، وبالإجماع. فأمَّا السنَّة: فقد صحّ واشتهر واستفاض فيها أنَّ سكوت البكر رضى، ومن ذلك: 1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُتْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن فقالوا: يا رسوله الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت" متفق عليه وتقدّم تخريجه1. 2- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدَّم تخريجه2. 3- حديث عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: يا رسول الله إنَّ البكر تستحي؟ قال: "رضاها صمتها". وفي لفظ: قلت يا رسول الله: "يستأمر النّساء في أبضاعهنَّ؟ قال:

_ 1 انظر تخريجه (ص 277) . 2 انظر تخريجه (ص 167) .

نعم، قلت: إنَّ البكر تستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها". وفي لفظ ثالث: قالت: قال رسول الله!: "تستأذن النّساء" قلت: إنَّ البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها". رواه البخاري بالألفاظ الثلاثة، ورواه أيضًا مسلم وغيره، وتقدَّم تخريجه1. 4- ما رواه عَدِيّ بن عَدِيّ الكندي2، عن أبيه 3، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ" فقالوا: إنَّ البكر تستحي يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الثيّب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". رواه أحمد بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه والبيهقي4.

_ 1 تقدم (ص 278) ، وانظر الإشارة إلى أطرافه في البخاري مع الفتح (9/ 91 1) . 2 هو: عديّ بن عديّ بن عَمِيرة- بفتح المهملة- الكندي، أبو فروة الجزري ثقة فقيه، عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل، مات سنة عشرين ومائة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. انظر: التقريب (2/17) ، وتهذيب التهذيب (7/168) . 3 هو: عديّ بن عَمِيرة الكندي، أبو زُرارة، والد الذي قبله (عديّ) صحابي، مات في خلافة معاوية، روى له مسلم والأربعة إلاّ الترمذي. انظر: التقريب (2/17) ، وتهذيب التهذيب (7/169) . 4 تخريجه: 1- أحمد: (16/158 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيّب) . 2- ابن ماجه: (1/602) نكاح، باب استئمار البكر والثيِّب. 3- البيهقي: (7/123) نكاح، باب إذن البكر الصمت، وإذن الثيّب الكلام. وانظر: إرواء الغليل (6/234-235) .

وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات، إلاّ أنّه منقطع؛ فإنَّ عَدِيًّا لم يسمع من أبيه عَدِيّ بن عَمِيرة، يدخل بينهما العُرْس1 بن عَمِيرة، قاله أبو حاتم وغيره، لكنَّ الحديث له شواهد صحيحة2. اهـ فهذه أحاديث صحيحة صريحة واضحة الدلالة على أنّ البكر إذا استأذنها وليّها في نكاحها فسكتت، أنَّ ذلك إذن منها، لا فرق بين بكر وأخرى، ولا بين وليّ وآخر.

_ 1 هو: العُرْس- بضم أوَّله وسكون الراء بعدها مهملة- ابن عَمِيرة الكندي- (أخو عدي بن عَمِيرة السابق) - قيل: صحابي، وقيل: عَمِيرة أمّه، واسم أبيه: قيس بن سعيد بن الأرقم، وقال أبو حاتم: هما اثنان، روى له أبو داود والنسائي. انظر: التقريب (2/18) ، وتهذيب التهذيب (7/175) . 2 كذا نقله محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجه (1/602) . وكذلك نقله الساعاتي في الفتح الرباني شرح المسند (16/158) . ولكنَّ الظَّاهر أنَّ قول أبي حاتم هذا إنَّما هو في أصل سماع عديّ بن عديّ لا في خصوص هذا الحديث كما في ترجمة عديّ بن عدي فى تهذيب التهذيب (7/168) . ثم يلاحظ أنَّ البيهقي رواه من طريقين: أحدهما: عن عَدِيٍّ بن عَدِيٍ، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثانيهما: عن عدي بن عدي، عن أبيه، عن عُرْس بن عَمِيرة الكندي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ... ) ، وهذا لا يستقيم مع ما نقل عن أبي حاتم. والله أعلم.

وأمَّا الدليل على الاكتفاء بسكوت البكر من جهة المعقول فهو: أنَّ شدَّة حياء البكر- لعدم معاشرتها الرِّجال- عقلة على لسانها، يمنعها من النطق بالإذن في النِّكاح، وإظهار الرغبة في الأزواج، بخلاف ما إذا كانت كارهة للنكاح أو للخاطب، فإنَّها لا تستحي من الرَّدِّ، أمّا إذا سكتت فالغالب أنّه سكوتُ رضًى ما لم يظهر ما يدلّ على خلافه. وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأمّة على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة وهو أن سكوت البكر رضى في حقِّ كلِّ بكر، ومع كلِّ وليّ، ولا فرق. وممن حكى هذا الإجماع: ابن قدامة في (المغني) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى) ، وسيأتي نصّ قولهما قريبّا في مناقشة توجيه القول الثَّاني إن شاء الله تعالى. توجيه القول الثَّاني. وأمّا توجيه القول الثَّاني: وهو أنَّ سكوت البكر إنّما يكتفى به دلالة على الرضى مع أبيها أو جدّها دون غيرهما فهو: أولاً: أنّ السكوت إنّما يكتفى به في حقِّ البكر لشدّة حيائها، وهي أشدّ حياء مع أبيها وجدّها، بخلاف غيرهما؛ إذ لا تستحي أن تفصح عن رضاها وإذنها، بصريح قولها مع أخيها، وعمِّها، ونحوهما1. ثانيًا: أنَّ نكاح البكر لا يتوقَّف على رضاها إذا كان وليُّها أباها أو جدّها، بخلاف غيرهما؛ فإنّها لا تُنْكَح إلابإذنها، والصّمت محتمل للرضى،

_ 1 انظر: شرح النووي على مسلم (9/204) ، وفتح الباري (9/193) .

وللحياء، ولغيرهما، وكلُّ من افتقر رضاها إلى إذنها افتقر إلى نطقها مع قدرتها على النطق، كالثيّب1. وظاهر هذا القول أنّ صفة إذن البكر لوليّها في نكاحها يتبع القول في إجبار البكر أو عدمه، فحيث ثبت عندهم لوليّها حقُّ إجبارها، كما في أبيها وجدّها اكتفى بسكوتها؛ لعدم توقف نكاحها على إذنها، وحيث لم يجز له إجبارها كما في غير الأب والجدّ، لم يكتف بسكوتها، بل لا بدّ من إذنها بالقول. ولا يخفى ضعف هذا القول، ومخالفته للسنّة، والإجماع، وحتى المعقول. فأمّا مخالفته السنّة: فقد سبق بيانها، ولم تفرّق بين صفة إذن البكر مع أب وجدّ، أو غيرهما. وأمّا مخالفته الإجماع: فقد أجمع أئمة المسلمين على ما دلّت عليه السنّة الصحيحة الصريحة، قبل حدوث هذا الخلاف، كما حكاه ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية. فأمّا ابن قدامة فقال في المغني: "قال الشافعي: في صمتها في غير حقِّ الأبّ وجهان: أحدهما: لا يكون إذنًا؛ لأنَّ الصمات عدم الإذن، فلا

_ 1 انظر: التكملة الثانية للمجموع (16/169) ، والمغني لابن قدامة (7/386) ، والفتاوى لابن تيمية (32/24) .

يكون إذنًا؛ ولأنّه محتمل الرضى والحياء وغيرهما، فلا يكون إذنًا، كما في حقِّ الثيِّب، وإنّما اكتفى به في حقِّ الأب، لأنَّ رضاها غير معتبر. ثم عقَّب عليه ابن قدامة بقوله: "وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنّة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن نسبته إليه، وجعله مذهبًا له مع كونه من أتبع النّاس لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرّج منصف على هذا القول. وما ذكروه يفضي إلى ألاَّ يكون صُماتها إذنًا في حقّ الأب أيضاً؛ لأنّهم جعلوا وجوده كعدمه، فيكون إذاً ردًّا على النبي صلى الله عليه وسلم بالكليَّة واطّراحًا للأخبار الصريحة الجليَّة، وخرقًا لإجماع الأمّة المرضية"1اهـ. وأمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: - في الفتاوى- رداًّ على من قال إنّه حيث يجب استئذان البكر فلا بدّ من النطق- قال: "وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنّه قد ثبت بالسنَّة الصحيحة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنّه إذا زوّج البكرَ أخوها أو عمّها فإنّه يستأذنها، وإذنها صماتها"2. وأمّا مخالفته المعقول أيضًا: فإنّه لا يسلّم بأنَّ حياء البكر يمنعها من النطق مع أبيها أو جدّها دون غيرهما، بل لو قيل: إنَّ الأمر عكس ذلك لكان أقرب للصّواب، فإنَّ البكر إنّما تستحي من النطق بالإذن خشية أن تظهر رغبتها في الأزواج، فيتسامع به الناس فتعيّر بقلّة حيائها، وهي لو

_ 1 المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (3/386-387) . 2 الفتاوى لابن تيمية (32/24) .

أفصحت بهذا لأبيها أو جدّها لكانت أكثر ثقة فيهما بكتمان رغبتها عن التشهير بها، فتأمن من ظهور ما تخشاه؛ إذ إنّها لا تخشى من إظهار رغبتها لوليّها في الأزواج، بقدر ما تخشاه من الآخرين، مع أنَّ مظنّة الحياء هنا هو البكارة، والتعليل بها تعليل بوصف منضبط، بخلاف التعليل بالحياء، فلا يمكن انضباطه؛ ولذلك جاء الفرق صريحًا في السنّة بين البكر والثيّب في صفة الإذن. ثم إنّ استئذان البكر مستحب إجماعًا، وواجب في أصحّ أقوال العلماء، كما سبق بيانه، واعتبار سكوتها كعدمه يفضي إلى اعتباره غير إذن مع جميع الأولياء، كما تقدَّم قريبًا في قول ابن قدامة. والله تعالى أعلم. توجيه القول الثَّالث. وأمّا توجيه القول الثَّالث، وهو تفصيل المالكية في صفة إذن البكر تبعًا لاختلاف أحوالها، حيث استثنوا ثماني حالات للأبكار لا يكون لهنَّ إذن فيها إلاّ بالنطق، فلم أجد له مستندًا من النصوص الشرعية، ولا قاعدة يمكن اطّرادها، ومن تأمّل تلك الأقوال وجدها أشبه بالقول السابق لبعض الشافعية، من حيث التثبّت في الوقوف على رضى البكر بصريح القول فيما يتوقَّف عليه نكاحها، إلاّ أنّ القول السابق يشترط النطق حيث وجب الإذن، وأمّا هذا التفصيل للمالكية فالأظهر أنّه يشترط الإذن بالقول لقرائن يترجّح بها أنّ السكوت في تلك الحالات غير دالّ على

الرضى، كما تشير إليه تعليلاتهم لبعض تلك الصور، فإنّهم ذكروا أنّ البكر المرشّدة أو المعنّسة أعرف بمصالح نفسها، فأشبهت الثّيِّب1. وعلى هذا فسكوت البكر المعنّسة أو المرشّدة يغلب على الظن أنّه لعدم الرضى، لا لشدّة الحياء. إلاّ أنَّ هذا التوجيه لا يقاوم ما سبق من النصّ والإجماع على اعتبار سكوت البكر رضى من غير تفصيل، وقد سبق وصف ابن حزم لقول مالك في المعنّسة "أنّه من عجائب الدُّنيا"2. والبكر المرشّدة لا تختلف عن هذا. وأمّا قولهم في البكر التي عضلها أبوها فرفعت أمرها إلى الحاكم فأنكحها أو أمر من ينكحها فاشتراط صريح القول بالإذن في هذه الصورة لا يختلف عن وجهة بعض الشافعية السابقة في اشتراط الإذن بالقول، حيث لا يكون للوليّ حقُّ الإجبار، فقد نصّ بعض شراح (المختصر) على أنّ الحاكم لو أمر أباها أن ينكحها بعد تحقّق العضل عنده أنّ الأب يجبرها، ولا يحتاج إلى إذنها3.

_ 1 انظر: الخرشي (3/184) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/227-228) . 2 تقدم (ص320) . 3 انظر ما تقدم من المصادر في سرد هذه الأقوال (ص 323-335) .

وأمّا قولهم في التي زوّجت بعرض وهي من قوم لا يزوّجون به، فقالوا: إنّ هذا مال وهي بائعة مشترية، والمال لا يلزم بالصّمت1، ولكن استثناء الأب من هذه الصورة يلحقه بالقاعدة السابقة في اعتبار الإجبار أو عدمه. والأظهر هنا: إنّها إن علمت فسكتت كان سكوتها رضى، إذ إنّ المهر هنا ليس عوضًا مقصودًا لذاته، وأمّا إن لم تعلم فلا معنى لصمتها ولا لنطقها في مهر تجهل نوعه وجنسه، وأمّا نكاحها فصحيح ولها المهر الذي جرت به أعراف بلدها. وأمّا التي زوّجت بمن فيه رقّ فاعتبار نطقها هنا لتزويجها بغير كفئها، والغالب أنّ المرأة لا ترضى بغير الكفء، فإذا سكتت كان ذلك قرينة دالّة على عدم الرضى، لا على شدّة الحياء، وكذلك إذا أريد تزويجها بمن فيه عيب، فالغالب أنّّ المرأة لا ترضى بمعيب، فوجود العيب قرينة دالّّة على أنّ سكوتها للكراهة لا للرضى، وخاصّة إذا كان العيب يثبت لها حقّ الفسخ فالاحتياط لاستقرار النّكاح يدعو إلى التثبت من رضاها، لئلاّ يُعقد عقدٌ مآله إلى الفسخ. والأظهر هنا- في كلتا الصورتين- أنّه إن علمت بحال الزوج سواء كان معيباً أم فيه شائبة رقّ فسكوتها رضى، ما لم تظهر قرينة سخط

_ 1 انظر ما تقدم من المصادر في سرد هذه الأقوال (ص 323-325) .

أو كراهة، إلاّ أنّ رضاها بهذا لا يعفي وليّها من مسؤولية النظر لها، خاصّة إذا كانت تجهل ما يصلح لمثلها، وأمّا إن كانت لم تعلم حال الزوج فلا دلالة في سكوتها ولا في نطقها على الرضى بغير الكفء. وأمّا اعتبار نطق اليتيمة الصغيرة فهذا جار على قاعدة أنّ السكوت لا يكفي في غير مواطن الإجبار- وستأتي هذه المسألة في مبحث تزويج الصغار- إن شاء الله تعالى. وحاصل ما يظهر لي فيها هنا: أنّ الصغيرة إمّا أن يكون لها إذن صحيح في بعض الحالات كالمميّزة، وعلى هذا فلا فرق بين يتيمة أو غيرها في صفة الإذن، وإمّا أن لا يكون لها إذن صحيح حتى تبلغ فلا معنى إذاً لسكوتها ولا لنطقها صغيرة. والله أعلم. وأمّا قولهم في التي زوّجها وليّها غير المجبر افتياتًا عليها- أي بدون إذنها- فذلك لأنّ افتيات وليّها هنا قد أظهر تعدّيه على حقّها، فاحتيج لنطقها، للأمن من هذا التعدّي مرّة ثانية. وأيضًا فالإذن هنا إجازة للعقد بعد وقوعه، وهذا بخلاف الإذن في العقد قبل الوقوع. والأظهر هنا: اعتبار قرينة الحال، فإذا ظهرت قرينة واضحة دالّة على عدم الرضى حين سكتت عمل بها، وقرائن الأحوال بالرضى أو الغضب لا حصرلها، ولا مانع من العمل بها. وبهذا نعلم أنّ أصحّ هذه الأقوال هو القول الأوّل، وهو: أنّ السكوت إذن في حقّ كلّ بكر، ومع كلِّ وليّ، ما لم تظهر قرينة واضحة

دالّة على أنَّ سكوتها سكوت سخط أو كراهية، لا سكوت أدب وحياء. والله أعلم. ثالثًا: ما يكون له حكم السكوت فى الدّلالة على رضى البكر. وأمّا ما يلحق بالسكوت في الدلالة على إذن البكر ورضاها، فقد بحث الفقهاء ما إذا استأذنها وليّها في تزويجها فضحكت، أو تبسمت، أو بكت، أيلحق ذلك بسكوتها أم لا؟ فأمّا الضحك والتبسُّم فهو بمنزلة سكوتها في دلالته على الرضى، بل إنّه أدلّ على الرضى من السكوت؛ لأنَّ الإنسان إنّما يضحك غالبًا مما يسرُّه، وهذا مذهب الجمهور. وقيل: إن ضحكت أو تبسَّمت كالمستهزئة فلا يكون ذلك دالاً على الرضى1.

_ 1 انظر في إلحاق الضحك بالسكوت المصادر التالية: للحنفية: الهداية مع فتح القدير (3/264) ، المبسوط (5/4) . بدائع الصنائع (3/1355) . وللمالكية: الخرشي (3/184) ، والشرح الكبير (2/227) . ومنح الجليل (2/20) . وللشافعية: المنهاج ومغنى المحتاج (3/150) ، روضة الطالبين (7/55) . وللحنا بلة: المغني (7/389) ، والإنصاف (8/65) .

والظاهرأنّ هذا لا يخالف ما تقدَّم، فإنَّ الأصل في الضَّحك والتبسُّم أنّه دليل الرضى ما لم تقم قرينة واضحة دالّة على خلافه، كالسخط، أو الكراهية، أو عدم المبالاة، وكذلك ضحك أو تبسُّم المستهزئ؛ فإنّه لا يخفى حال صاحبه. والله أعلم. وأمّا إذا استأذنها وليّها فبكت: ففي دلالته على الرضى إلحاقًا له بالسكوت خلاف. 1- فقيل: هو بمنزلة سكوتها، وبه قال الحنابلة، والمالكية، ورواية عن أبي يوسف من الحنفيَّة1. 2- وقيل: إنّه بمنزلة سكوتها، إلاّ إذا اقترن به صياح، أو ضرب خدّ؛ لأنّ ذلك مشعر بعدم الرضى. وبهذا قال الشافعية؛ بناء على القول الأصحِّ عندهم، وهو أنَّ سكوت البكر رضى مع جميع الأولياء2.

_ 1 انظر لأبي يوسف: فتح القدير (3/264) ، وبدائع الصنائع (3/1355) . وللمالكية: الخرشي (3/184) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/227) ، ومنح الجليل (2/20) . وللحنابلة: المغني (7/389) ، الإنصاف (8/65) ، المبدع (7/27) ، وكشاف القناع (5/47) . 2 انظر: مغني المحتاج (3/150) .

وبنحو هذا قال بعض الحنفية: إنَّ البكاء لا يكون رداًّ إلاّ إذا كان له صوت، كالويل، وأمّا لو خرج الدمع من عينيها من غير صوت البكاء لم يكن هذا رداًّ، بل هي تحزن على مفارقة بيت أبويها1. قال ابن الهمام: واختيرت للفتوى2. 3- أنَّ البكاء دليل عدم الرضى مطلقًا. وهو مذهب الحنفيّة3. 4- اعتبار قرائن الأحوال، بالكشف عن بكائها أهو للكراهة أم لا؟ فإذا كان للكراهة لم يكن إذنًا- وهذا قول اختاره بعض المحقّقين في المذاهب الأربعة وغيرها. قال ابن الهمام: "والمعوّل عليه اعتبار قرائن الأحوال في الضحك والبكاء، فإن تعارضت أو أشكل أحتيط، وعن 4 هذا ما اعتبر بعضهم من أنَّ دموعها إن كانت حارّة فهو ردٌّ، أو باردة فهو رضى، لكنّه اعتبار قليل الجدوى أو عديمه؛ إذ الاحساس بكيفيّتي الدّمع لا يتهيأ إلاّ لخدِّ الباكي، ولو ذهب إنسان يحسه لا يدرك حقيقة المقصود، وليس بمعتاد، ولا يطمئن به القلب، إلاّ أنّه كذا ذكر"5 اهـ.

_ 1 انظر: المبسوط (5/4) ، والهداية مع فتح القدير (3/266) . 2 انظر: فتح القدير (3/264) . 3 انظر: المبسوط (5/4) ، وبدائع الصنائع (3/1355) ، والهداية مع فتح القدير (3/264) وعزاه ابن قدامة في المغني للصاحبين (7/387) . 4 كذا "عن" ولعل الصواب: "من ". 5 فتح القدير (3/264) ، وانظر: بلغة السالك للصاوي (ص 359) . والإنصاف للمرداوي (8/65- 66) .

الأدلَّة: استدلَّ من قال إنَّ بكاء البكر بمنزلة سكوتها بما يلى: 1- ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها". كذا أورده ابن قدامة في المغني وعزاه لأبي بكر1. والحديث قد رواه أبو داود أيضًا وقال: وليس "بكت " بمحفوظ، وهو وهم في الحديث2. 2- ولأنّها لوكرهت لنطقت بامتناعه! فإنهّا لا تستحي من الامتناع، فكان إذنًا منها كالصُّمات، والضحك، وأمّا البكاء فهو دليل فرط الحياء، أو لما يترتَّب على نكاحها من فراقها لبيت أبويها3. وقيل: إنّ البكاء قد يكون للحزن، وقد يكون لشّدة الفرح؛ فلا يجعل ردّاً ولا إجازة؛ للتعارض، كأنَّها سكتت فكان رضى4.

_ 1 المغني (7/387) ، وكذلك كشاف القناع (5/47) وغيرهما من كتب الحنابلة. 2 أبو داود: (6/118عون المعبود) نكاح، باب في الاستئمار. وانظر: إرواء الغليل (6/233، 235) . وانظر تخريجه الآتي بدون لفظ "بكت" ص387. 3 انظر: المغني لابن قدامة (7/388) . 4 كذا قال الكاساني في بدائع الصنائع توجيهًا لقول أبي يوسف (3/1355) .

وأمّا من فرق بين البكاء الذي يصحبه صياح، أو ضرب للخدود، أو دعاء بالويل، وبين غيره من البكاء، فلأنّ تلك القرائن مشعرة بالغضب، والسخط، دون البكاء المجرَّد منها؛ فإنّه دليل الحياء، وخوف فراق بيوت الآباء1. وأمّا من جعل البكاء دليلاً على الردّ وعدم الإذن؛ فلأنّ البكاء وضع أصلاً للحزن، والسخط، والكراهية، لا للفرح والرضى، بخلاف الضحك والتبسُّم؛ فإنّ وضعه لما يسرّ ويفرح، وليس هو بصمت فيدخل في عموم الأحاديث2. وأمّا من اعتبر قرينة الحال، وعوّل عليها في الفصل في هذا المقام؛ فلأنّ البكاء يدلّ على الحزن والكراهية، وقد يكون لغير ذلك، وقرينة الحال هي التي تدلّ على المراد به.

_ 1 انظر: المبسوط (5/4) ، والهداية وفتح القدير (3/266) ، ومغني المحتاج للشافعية (3/150) . 2 انظر: المبسوط (5/4) ، والهداية وفتح القدير (3/264) ، وبدائع الصنائع (3/1355) ، والمغني لابن قدامة (7/387) .

الرّاجح: والذي يظهرمما تقدّم، أنَّه قلّ من العلماء من يلغي قرينة الحال عند التحقيق والتأمّل، إلاّ أنّ في اعتبارها في بعض الأقوال نظرًا. ويبدو لي: أنّ البكاء لا يلحق بالصمت في الدلالة على الرضى إلاّ بقرينة تدلّ على أنّه لفرط الحياء أو خشية فراق بيوت الآباء أو نحو ذلك، وكذلك الضحك دليل الرضى- كما قلنا- ما لم تقم قرينة دالّة على خلافه، وذلك لما يلي: 1- إنَّ زيادة لفظ "بكت" في الحديث غير ثابته- كما تقدّم. 2- إنَّ البكاء دالّ حقيقة على السخط والكراهية، لا على الفرح والرضى ونحوه، فلا يخرج عمّا وضع له إلاّ بقرينة واضحة. وأمَّا من قال: إنّ الضحك والبكاء دالّ على الرضى إلاّ بقرينة، فقد جمع بين المتناقضات؛ فإنّ لكلِّ من الضحك والبكاء حقيقة تخالف الأخرى، والعمل بالحقيقة لا يحتاج إلى قرينة تؤيِّده. وأمّا من فرّق بين بكاء يصحبه صياح، وضرب للخدود، ودعاء بالويل والثبور، فهذا اعتبار لبعض القرائن التي نحن في غنى عنها لو لم ترد؛ إذ إنّنا نحتاج للقرينة لتأويل الحقيقة عن ظاهرها، لا للاستدلال بها على الأخذ بالحقيقة سواء أكانت حقيقة لغوية أم شرعية أم عرفية، وقد تعارف الناس البكاء- غالبًا- لما يكرهون. وأمّا قولهم: إنّها لوكرهت لصرَّحت بالردّ، لأنّها لاتستحي من الافصاح به، فنقول: كفى بالصَّمت عذرًا وسترًا لو كان هناك رضى، أمّا

مع البكاء فقد أغنى الفعل عن القول حتى نجد القرينة التي تدلّ علىأنّه لأمر آخر غير الكراهيّة ونحوها. ورحم الله زمانًا كان الأئمة يحتارون في الوقوف على دلالة بكاء الأبكار أهو لشدّة حيائهنَّ، أم لكراهتهنَّ للخطّاب! ولولا ما التزمت به في هذا البحث من ذكر ما اشتهر بين الفقهاء في رؤوس مسائله، لما كان لهذا المبحث داع في زمن خفّ فيه الحياء، وانحلّ عن الألسنة ما كان يعقلها. فالله المستعان.

المبحث الثاني: استئذان الثيب البالغ

المبحث الثَّاني: استئذان الثيّب البالغ 1- المقصود بالثّيب: أمّا الثيّب في اللغة: فهي من النّساء من تزوّجت، وفارقت زوجها بأيِّ وجه كان، بعدأن مسّها. وأصل هذا الاسم مأخوذ من مادة "ثوب1"، يقال: ثاب يثوب إذا رجع، وعاد مرة بعد أخرى، ومنه المكان الذي يثوب إليه الناس، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} 2؛ لأنَّ الناس يثوبون إليه مرة بعد أخرى، لا يكادون يغادرونه إلاّ اشتدّ شوقهم للعودة إليه، مرة ثانية.

_ 1 قال صاحب القاموس "إنّ إدخال اسم الثّيّب في مادة "ثوب" وهم". (1/44 القاموس) . وكذلك استدرك صاحب مقدمة الصحاح على الجوهري إيراده اسم "الثّيّب" في مادة "ثوب" وعدّها من المآخذ على الجوهري. (1/141 المقدمة) . ولكن الصواب أنّ الجوهري لم يهم في ذلك، نبّه على ذلك صاحب تاج العروس (1/171) ، وقد اقتصر ابن فارس على ذكر مادة "ثوب". وذكرها كلٌّ من ابن الأثير، وابن منظور في مادة "ثيب"، إلاّ أنّ ابن الأثير استدرك وقال: وأصل الكلمة الواو؛ لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، كأن الثيّب بصدد العود والرجوع، وذكرناه هاهنا حملاً على لفظه. (1/231 النهاية في غريب الحديث) . 2 سورة البقرة- آية: 125.

وهو اسم أيضًا للرجل: فيقال للرجل ثيّب إذا دخل بامرأته، كما يقال للمرأة ثيّب إذا دخل بها زوجها، فيكون الذكر والأنثى فيه سواء. وقيل: لا يسمّى الذكر ثيّبًا إلاّ في قولهم: "ولد الثّيّبين، وولد البكرين"، ومعنى هذا أنّه يسمّى ثيِّبًا من باب التغليب1. ولكن يشهد لتسمية الرجل "ثيّبًا" قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنِّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: النَّفس بالنَّفس، والثّيّب الزّاني، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة". رواه البخاري بهذا اللفظ2 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وسلم: "الثّيب بالثّيّب جلد مائة ورجم3 بالحجارة ". رواه مسلم وغيره4 من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ولا خلاف في شمول اسم الثّيّب في هذه الأحاديث الذَّكر والأنثى.

_ 1 انظر مادة "ثوب" في كل من: مقاييس اللغة لابن فارس (1/393) ، والصحاح للجوهري (1/95) ، والقاموس (1/44) ، وتاج العروس (1/171) ، والمصباح المنير (1/87) ومادة "ثيب" في لسان العرب (1/248) . 2 انظر: البخاري (12/201 مع الفتح) كتاب الديات، باب قوله تعالى: {أنّ النَّفس بالنّفس} . ورواه مسلم أيضًا وغيره. انظر تخريجه في (إرواء الغليل) (7/253) . 3 قال ابن الأثير في النهاية: (الجمع بين الجلد والرجم منسوخ اهـ (1/231) . وفيه خلاف ليس هذا محلّ بيانه. 4 انظر: إرواء الغليل (8/10، وتقدّم تخريجه في الحاشية رقم"1" (ص 273) .

قال ابن الأثير: "الثّيّب من ليس ببكر، ويقع على الذّكر والأنثى، رجل ثيّب وامرأة ثيّب، وقد يطلق على المرأة البالغة إن كانت بكرًا، مجازًا واتساعًا، وأصل الكلمة الواو؛ لأنّه من ثاب يثوب. إذا رجع، كأن الثّيّب بصدد العود والرجوع"1 اهـ المقصود من كلامه. وأمّا المقصود بالثّيّب عند الفقهاء في هذا المبحث: فهي المرأة التي زالت بكارتها بوطء مطلقًا، إلاّ أن في الموطؤة بالزّنى خلافًا في اعتبار حكمها حكم الثّيّبات أو الأبكار. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في آخر هذا المبحث في الكلام على "الثيوبة المعتبرة"2. 2- حكم استئذان الثّيب البالغ في النّكاح. لقد أجمع أهل العلم- إلاّ من شذّ- على أنّ الثّيِّب المكلّفة الرشيدة لا تُنْكح إلاّ بإذنها. وروى عن الحسن البصري رحمه الله: أنَّ أباها يزوّجها ولو كانت كارهة3.

_ 1 النهاية في غريب الحديث (1/231) . 2 انظر (ص352) . 3 انظر: المغني لابن قدامة (7/385) ، وزاد المعاد لابن القيم (5/99) ، والمحلى لابن حزم (9/459) ، وبداية المجتهد لابن رشد (2/4) ، وفتح الباري (9/191) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/144) .

وروي أيضًا عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنّه قال: يزوّجها أبوها إن كانت في عياله، وأمّا إن كانت بائنة في بيتها مع عيالها فلا يزّوجها حتى يستأمرها1. وهذان القولان شاذَّان مخالفان للسنّة وإجماع الأئمة2. فأمّا السنّة فمنها: أوّلاً: حديث خنساء3 بنت خِدَام الأنصارية: أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب فكرهت ذلك، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها". وهذا حديث مجمع على صحته، فقد رواه الأئمة: مالك، وأحمد، والبخاري- وهذا لفظه-، وأبو د اود. وذكره الترمذي مستغنيًا عن إسناده جامعًا بينه وبين حديث "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها". ورواه أيضًا النسائي، وا بن ما جه، والدَّارمي، وا بن الجارود، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم4.

_ 1 انظر: مصادر التعليق السابق 2 انظر: مصادر التعليق السابق. 3 هي: خَنْسَاء- بمعجمة ثم نون ثم مهملة وزن حمراء- بنت خِدَام- بكسر المعجمة وتخفيف المهملة- ابن خالد الأنصارية من بني عمرو بن عوف. انظر ضبط اسمها واسم أبيها في فتح الباري (9/195) . وانظر ترجمتها في الإصابة (4/286-287) . 4 تخريجه: 1- مالك: (3/143-144 مع شرح الزرقاني) نكاح، جامع ما لا يجوز من النكاح. 2- أحمد: (16/161-162 ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في تزويج الأب ابنته الثيّب أو البكر البالغ بغير رضاها. 3- البخاري: (9/194 فتح) نكاح، باب إذا زوّج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود. وفي مواضع أخر من الصحيح أشار المحقق إلى أطرافها في هذا الموضع. 4- أبو داود: (6/128 عون المعبود) نكاح، باب في الثّيب. 5- الترمذي: اختلف في عزو هذا الحديث إليه، والذي وقفت عليه في جامعه هو ذكر متنه بدون إسناد، جامعًا بينه وبين حديث "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليّها" (4/245 تحفة) نكاح، باب ما جاء في استئمار البكر والثّيب. 6- النسائي: (6/86مع حاشيتي السيوطي والسندي) نكاح، الثيّب يزوّجها أبوها وهي كارهة. 7- ابن ماجه: (1/602) نكاح، باب من زوّج ابنته وهي كارهة. 8- الدارمي: (2/63 مع تخريجه) نكاح، باب الثيِّب يزوجها أبوها وهي كارهة. 9- ابن الجاروي: (ص 238 مع تخريجه) نكاح. 0 1- الدارقطني: (3/231- 232 مع التعليق المغني) نكاح. 11- البيهقي: (7/119) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الثيّب. وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (3/182-183) وإرواء الغليل (6/229-230) .

فدلّ هذا الحديث الصحيح على أنَّ الثيّب البالغ لا يجبرها أحد على النِّكاح؛ إذ لو كان لأحد من أوليائها إجبارها بغير إذنها ورضاها لجاز عليها نكاح أبيها وهي كارهة؛ إذ إنّه أقرب أوليائها، وأوفرهم شفقة عليها.

وبهذا الحديث أخذ الأئمة إلاّ من شذّ كالحسن البصري، وإبراهيم النخعي، رحمهما الله. قال ابن قدامة في المغني: "قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث مجمع على صحّته، والقول به، لا نعلم مخالفًا له إلاّ الحسن. وكانت الخنساء من أهل قباء، وكانت تحت أنيس بن قتادة، فقتل عنها يوم أحد، فزوّجها أبوها رجلاً من بني عوف، فكرهتة، وشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها، ونكحت أبا لبابة بن المنذر1 اهـ. 2- حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُتْكَح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت". هذا لفظ البخاري، وتقدَّم تخريجه2. وهذا نهي صريح عن إنكاح الأيِّم بدون إذنها، وهو عامٌّ في كلّ أيِّم وفي كلِّ وليٍّ، والمراد بالأيِّم: في هذا الحديث هي "الثّيِّب" لمقابلتها بالبكر. وفي هذا الحديث الصحيح الصريح قطع لكلّ حجَّة قائلة بإجبار الحرَّة المكلَّفة، سواء كانت بكرًا أم ثيِّبًا.

_ 1 المغني (7/385) ، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (3/44 1) . 2 انظر ما تقدم (ص 277) .

3- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدّم تخريجه1. والمراد بالأيِّم هنا: الثّيِّب أيضًا، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لمقابلتها بالبكر في كلا الحديثين، ولما جاء في بعض روايات هذا الحديث صريحًا بلفظ "الثّيِّب"2، وقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقّ بنفسها من وليِّها، أي بالرضى بزوجها كما تقدّم 3 جمعًا بينه وبين أحاديث إثبات الولاية في النِّكاح. 4- وفي رواية أخرى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس للوليِّ مع الثّيِّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها". وتقدّم تخريجه والكلام على إسناده4. فهذا نفي لحقِّ الوليّ في إكراهها على من لا ترضاه جمعًا بينه وبين أحاديث الولاية كما تقدّم5. وأمّا إجماع الأئمَّة على عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة فقد حكاه جمع

_ 1 انظر ما تقدم (ص167) . 2 انظر ما تقدم (ص 170) . 3 انظر ما تقدم (ص 171 وما بعدها) . 4 انظر ما تقدم (ص 173 وما بعدها) . 5 انظر ما تقدم في حديث الخنساء (ص346) .

من الأئمة واعتبروا مخالفته شذودًا. وأمّا دلالة عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة من جهة المعقول؛ فلما سبق في البكر البالغ، ولزيادة خبرتها بممارسة الرِّجال، وإدراكها لمقاصد النِّكاح. والله أعلم. 3- صفة إذن الثّيِّب. وأمّا ما يحصل به معرفة إذن الثّيِّب فهو صريح قولها إجماعًا، فلا يكفي سكوتها- كما هو الشأن في البكر- مع قدرتها على النطق، وذلك للأحاديث الصحيحة التي فرَّقت بين إذن الثّيِّب والبكر، حيث دلّت على أنَّ إذن البكر يكفي فيه سكوتها؛ لغلبة حيائها، فدلّ على أنَّ الثّيِّب بخلافها، ومن تلك الأحاديث ما يلي: أوّلاً: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم والأربعة وغيرهم1. ثانيًا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: "أنّ تسكت" 2. متفق عليه.

_ 1 تقدم (ص167) . 2 تقدم (ص 277) .

فدلّ هذان الحديثان - وما في معناهما من الأحاديث - على أنَّ لكلٍّ من البكر والثّيب إذنًا معتبرًا شرعًا، والإذن إنَّما يدلّ عليه صريح القول مع القدرة عليه؛ لأنّ اللسان هو المعبّر عما في نفس صاحبه مع استطاعة صاحبه، على النُّطق بالكلام، ولكن دلّت تلك الأحاديث على اعتبار صمت البكر رضى؛ لشدّة حيائها من النُّطق بالإذن، فدلّ ذلك بمفهومه على أنَّ الثّيب بخلافها؛ فلا يكفي صمتها؛ لأنّها مارست الرجال ولا تستحي غالبًا من التصريح بالمقال، ثم إنّ القول هو الأصل في الإذن. وقد استدلّ بعض العلماء على تأكيد النطق بالإذن في حق الثّيب بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه "والأيِّم تستأمر والبكر تستأذن" فقالوا: إنّ الأمر آكد من الإذن؛ فلا يكون إلاّ بالقول بخلاف الإذن فقد يكون بالقول أو بالصمت1. ولكن اعترض عليه بما في حديث ابن عباس وغيره بلفظ "والبكر تستأمر" 2، ولكن أجيب عنه بأنّه خرج بقرينة "وإذنها صماتها"؛ بخلاف الثّيِّب3. ولكنّ الأظهر والله أعلم: أنّ يقال: إنّ الأصل في كلٍّ من الإذن والأمر إنّما يتأتّى بالقول، وقد قام الدليل على اعتباره بالصَّمت من البكر

_ 1 انظر: فتح الباري (9/192) ، والفتاوى لابن تيميه (32/24-25) . 2 انظر التخريج المتقدم (ص 167، 279) . 3 انظر: نيل الأوطار للشوكاني (6/139) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/192) .

فلزم اعتباره، ولم يرد مثله في الثّيِّب فلزم الرجوع إلى الأصل، فيما يعرف به الإذن، وهو الكلام، وأصرح من هذه الأحاديث كلّها الحديث الآتي وهو: ثالثًا: حديث عَدِِِيّ بن عَدِِيّ الكندي، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ"، فقالوا: إنّ البكر تستحي يارسول الله قال صلى الله عليه وسلم: "الثّيب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". وهو حديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه، والبيهقي كما تقدَّم1. وهو وإنّ كان قد قيل فيه إنّه منقطع؛ لأنّ عَدِيًّالم يسمع من أبيه كما قاله أبو حاتم، إلاّ أنَّ معناه متفق عليه بين الأئمة. والله أعلم. 4- الثيوبة المعتبرة في صفة الإذن. لقد تقدَّم أنَّ الفرق بين البكر والثّيِّب في صفة الإذن هو: أنّ البكر تستأذن فيكفي صمتها، وأنَّ الثّيب تستأمر فلا بدّ من نطقها. وبقي أن نعرف ما هي الثيوبة المعتبر لها صريح الإذن عند الفقهاء؟ ولمعرفة ذلك لا بدّ من معرفة سبب ثيوبتها فهي: إمّا أن تكون قد زالت بكارتها بوطء أو بغيره. أ- فإن زالت بكارتها بغير وطء، كسقطة، أو وثبة، أو شدّة حيضة، أو بأصبع، أو بعود، أو بطول تعنيس، ونحو ذلك فلا أثر لهذه الثيوبة عند

_ 1 انظر تخريجه والكلام على إسناده (ص 327) .

الفقهاء؛ بل إنَّ حكمها حكم الأبكار1. إلاّ ما حكى من وجهٍ في مذهب الشافعية أنّها تعتبر ثيّبًا2. واستدلّ جمهور الفقهاء على قولهم إنّ حكمها حكم الأبكار: بأنّ من لم تَزُل بكارتها بالوطء فإنّها لم تختبر المقصود من النِّكاح، ولم تمارس الرجال بالوطء في محلِّ البكارة، فهي على غباوتها وحيائها، فأشبهت من لم تَزُل عُذْرتها3. ولأنَّها بكر حقيقة: لأنّ مصيبها أول مصيب لها، ومنه الباكورة، والبكرة، لأوَّل الثِّمار وأوّل النّهار4. وأمَّا وجه ما حكى عن الشافعية فهو أنّها بزوال عُذْرتها لم تعد من الأبكار، بل إنَّها قد أصبحت ثيّبًا، والقول الأوّل هو المعتمد. والله الموفِّق. ب- وأمّا من زالت بكارتها بوطء فلايخلو حالهامن أمرين: الأوّل: أنّ يكون الوطء حلالاً أو ما يلحق به.

_ 1 انظر في مذاهب الفقهاء: المغني لابن قدامة (7/388. والمنهاج ومغني المحتاج (3/149) ، وشرح مسلم (9/204) ، وبداية المجتهد (2/5) ، والهداية وفتح القدير (3/270-271) . 2 انظر شرح النووي لمسلم (9/204-205) . والتكملة الثانية للمجموع (16/170) . 3 انظر: مصادر ما تقدم من مذاهب الفقهاء. 4 انظر: الهداية مع فتح القدير (3/270) .

الثَّاني: أن يكون وطء زنى. فإن كان الوطء حلالاً كالواقع في نكاح صحيح، أو ملك يمين، أو ما يلحق بالوطء الحلال كالواقع في نكاح فاسد، أو وطء شبهة، فلا خلاف في حصول الثيوبة بذلك، واعتبار صريح إذنها في النِّكاح بالقول دون السكوت1. وأمّا إن زالت بكارتها بالزِّنى فقد اختلف الفقهاء في صفة إذنها، أيكتفى بسكوتها كالأبكار أم لا بدّ من صريح قولها كالثَّيِّب؟ على قولين: الأوّل: أنَّ حكمها حكم الموطوءة في نكاح صحيح، أو ما يلحق به، فيكون المعتبر نطقها دون صمتها، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة2. والثَّاني: أنَّ حكمها حكم الأبكار، وهذا مذهب المالكيَّة، وأبي حنيفة، وحكى عن الشافعي في القديم3.

_ 1 انظر حول هذا المعنى: المغني مع الشرح الكبير (7/388 والشرح403) . والإفصاح لابن هبيرة (2/113) ، والفتاوى لابن تيمية (32/42) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/149-150) ، وشرح النووي على مسلم (9/204) ، وبداية المجتهد (2/5) . 2 انظر: المنهاج ومغني المحتاج (3/149) ، روضة الطالبين (7/54) ، وتكملة المجموع الثانية (16/170) ، والمغني لابن قدامة (7/388) ، والإنصاف (8/64) ، والهداية وفتح القدير (3/270-271) . 3 انظر: بداية المجتهد (2/5) ، الكافي لابن عبد البر (1/428) ، والخرشي (3/176) ، والهداية وفتح القدير (3/270- 271) ، والمغني (7/388) ، والإفصاح لابن هبيرة (2/113) .

دليل القول الأوَّل: وقد استدلَّ من قال: إنّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الثيِّب الموطوءة في نكاح صحيح ونحوه بما يلي: أوَّلاً: عموم الأحاديث الواردة في صفة إذن الثّيِّب مثل: حديث: "لثيِّبات تعرب عن نفسها بلسانها". وحديث: "لا تُنْكح الأيِّم حتى تستأمر". والموطوءة بزنى ثيِّب؛ إذ إنَّ الثّيِّب هي الموطوءة في القبل، وهي كذلك؛ بدليل أنَّه لو أوصى لثيِّب النِّساء دخلت في الوصيَّة، ولو أوصى للأبكار لم تدخل، ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرًا فوجدها مصابة بالفجور ملك الفسخ1. ثانيًا: ولأنّها موطوءة في القبل فأشبهت الموطوءة بشبهة2. ثالثًا: أنّ الحكمة التي اقتضت التفرقة بين صفة إذن البكر والثّيِّب هو الحياء، والمثابة بزنى قد زال حياؤها بمباضعة الرِّجال؛ فإنَّها إذًا لم تستح من مباضعة الرِّجال عن طريق الزِّنى فلن تستحي من التصريح بالإذن في النِّكاح الصحيح3.

_ 1 انظر المغني لابن قدامة (7/388) . 2 نفس المصدر والصفحة. 3 المبدع (7/27) . كشاف القناع (5/46) ، تكملة المجموع الثانية (16/170) .

رابعًا: أنّ الموطوءة بزنى ثيِّب حقيقة؛ لأنَّ مصيبها عائد إليها، ومنه المثوبة والمثابة، والتثويب1. دليل القول الثَّانى: واستدلَّ من قال: إنَّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الأبكار بما يلي: أوَّلاً: أنَّ علَّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، والحياء من الشيء لا يزول إلاّ بمباشرته بالإذن، وهذه لم تباشره بالإذن في نكاح صحيح، فيبقى حياؤها بحاله، والحياء علَّة منصوصة، كما في حديث عائشة الصحيح أنَّها قالت: "يا رسول الله يستأمر النِّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: "نعم". قالت: فإنَّ البكر تستأمر فتستحي. قال: "سكاتها إذنها "2. متفق عليه3. ثانياً: أنَّ النّاس عرفوها بكرًا، فيعيبونها بالنُّطق فتمتنع عنه، فلو لم يكتف بسكوتها لتعطَّلت مصالحها، وهذا بخلاف ما إذا وطئت بشبهة، أو نكاح فاسد؛ لأنّ الشرع أظهره، حيث علَّق به أحكامًا، من لزوم العدّة

_ 1 الهداية وفتح القدير والعناية (3/270- 271) . 2 انظر: المغني لابن قدامة (7/388) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/271) . 3 الحديث تقدم تخريجه (ص 278) .

والمهر، وإثبات النَّسب، بخلاف الزنى المندوب إلى ستره، ولم يتعلَّق به شيء من أحكام النِّكاح الصحيح1. ولكن نوقش الدليل الأوَّل: بأنّ التعليل بالحياء غير صحيح، فإنّه أمر خفيّ لا يمكن اعتباره بنفسه، وإنّما يعتبر بمظنّته، وهو البكارة؛ لأنَّها وصف ظاهر منضبط بخلاف الحياء2. وأمَّا قولهم إنَّهالم تباشره بالإذن، فإنَّه باطل بالموطوءة بشبهة، أو في ملك اليمين أو المزوَّجة صغيرة3. أمَّا قولهم: إنّ النَّاس عرفوها بكراً، فالظاهر أنّ محلّ الخلاف فيمن اشتهر زناها، لا من عرفها النّاس بكرًا، كما قال ابن الهمام: إن زالت- (أي بكارتها) - بزنى مشهور، أو وطء بشبهة أو نكاح فاسدٌ زوِّجت كالثَّيِّبات اتفاقًا، وإن زالت بزنى غير مشهور فهو محلّ الخلاف 4 اهـ- وقوله هذا يحتمل أن يكون قصد بمحلِّ الاتفاق والخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ويحتمل أن يكون قد قصد به الحنفية وغيرهم، وعلى كلا الاحتمالين فينبغي أن يكون محلّ الخلاف في المشهور؛ لا في المستور لما يترتَّب على استنطاقها من إظهارعيبها الذي أمر الشارع بستره، مع أنّه

_ 1 انظر الهداية وفتح القدير والعناية (3/271- 272) . وتبيين الحقائق (2/0 12) . 2 فتح القدير (3/271-272) . والمغني لابن قدامة (7/388) . 3 المغني لابن قدامة (7/388) . 4 فتح القدير لابن الهمام (3/271-272) .

ليس هناك ضرورة لنطقها؛ لظهور قرائن الرضى بغيره، كسكوتها أو استلام مهرها، أو تهيّؤها للنِّكاح بعد العلم به، وكم من قرينة حال تعارفها الناس في كلّ زمان ومكان فأغنت عن صريح المقال. وأمَّا الأحاديث التي فيها الأمر باستئمار الثّيّب، وأنَّها تعرب عن نفسها، فليس فيها إلاّ تأكيد حقّها في الرضى، وإذا عرف فليس الاستنطاق أمرًا تعبّديًّا، وإنّما هو وسيلة لمعرفة الرضى والإذن، مع أنّ الغالب أنّ المقصود بالثّيِّب هي المعهودة عند الناس بسبب نكاح أو شبهة. ومن هنا نعلم أنَّ الأولى في هذه المسألة هو التفصيل في حال الموطوءة بزنى: فإن اشتهر أمرها بنحو إقامة حدٍّ عليها، أو اتخاذه عادة لها، فهذه إن لم تكن أولى بالاستنطاق من الموطوءة بشبهة المتفق على استنطاقها، فلا أقلّ من مساواتها بها، وأمَّا إن خفي زناها وغلب عليها حياؤها فمنعها من التصريح بالإذن، فلا ينبغي إجبارها على النطق، بل يكتفى بظاهر أمرها عند الناس؛ ولهذا قال ابن الهمام: الفرض أنَّ الزنى غير مشهور، ففي الزامها النطق دليل المنع من إشاعة الفاحشة في هذه الصورة، والمنع يقدم عند التعارض فيعمل دليل نطق الثّيِّب فيما وراء هذه الصورة، وأيضًا الظاهر من مراد الشارع من البكر المعتبر سكوتها رضى البكر ظاهراً كما في أمثاله، لا في نفس الأمر، ولذا لم يوجب على الوليّ استكشاف حالها عند استئذانها، أهي بكر الآن ليكتفي بسكوتها أم لا؟ اكتفاء بالبناء على

الأصل الذي لم يظهر خلافه، والكلام هنا في ثيوبة بزنى لم يظهر فيجب كونها بكرًا شرعًا؛ ولذا قلنا لو ظهر لا يكفي سكوتها" ا. هـ1 والله أعلم. خاتمة هذا الفصل: في حكم إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بدون إذنها لقد تقدَّم لنا في هذا المبحث أنّ الثَّيِّب الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها وليُّها إلاَّ بإذنها اتفاقًا، إلاّ من شذّ، وكذلك البكر الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها سائر أوليائها إلاّ بإذنها، عدا الأب والجدّ، ففي إنكاحهما لها بدون إذنها خلاف، تقدَّم بيانه، وأنّ الراجح هوعدم صحة إجبارهما لها أيضًا. ويجدر بنا أن نختم هذا الفصل ببيان صحَّة أو بطلان إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بغير إذنها. وحاصل مذاهب العلماء في هذه المسألة يمكن حصره في ثلاثة أقوال: القول الأول: أنّ نكاح من يعتبر إذنها بدون إذنها نكاح باطل، لا يصح مطلقًا، وإن رضيت به بعد ذلك وأجازته. وهذا مذهب الإمام الشافعي، وأصحّ الروايتين عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك. رحمهم الله"2.

_ 1 فتح القدير لابن الهمام (3/272) . وانظر الاختيارات الفقهية لابن تيمية (204) ففيها تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك من تزويج المثابة بزنى كما تزوَّج البكر. 2 انظر: الأم للشافعي (5/17-18) ، وروضة الطالبين (7/55) ، وفتح الباري (9/194) ، والمغني لابن قدامة (7/365) ، والإنصاف (7/82) ، والإفصاح لابن هبيرة (2/114-115) ، والفتاوى لابن تيمية (32/29-30) ، والكافي لابن عبد البر (1/432) .

وحجَّة هذا الفريق أحاديث وجوب الاستئمار، والنهي عن إنكاح المرأة بدون إذنها، المتقدّم تفصيلها في هذا الفصل، وأصرحها في هذه المسألة هو: قضاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم في خنساء بنت خِدَام حيث أنكحها أبوها وهي كارهة، فرفعت أمرها إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحها"1، ولم يقل لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إلاّ أن تجيزي ما فعل أبوك2. القول الثَّانى: أنّه إذا بلغها الخبر عن قرب فأجازته جاز، وإلا فلا. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية3. ووجه إجازته عن قرب: هو وقوع العقد والإجازة في وقت واحد، والمهلة اليسيرة لا ضرر فيها، وأمَّا وجه بطلانه عن بعد فهو حجّة الفريق الأول4. القول الثَّالث: انعقاد النِّكاح موقوفًا على إجازتها؛ فإن أجازته جاز، وإن ردّته بطل. وهذا هو مذهب الحنفية5.

_ 1 تقدم تخريجه (ص346) . 2 انظر الأم للشافعي (5/17) . 3 انظر: الكافي لابن عبد البر (1/432) ، والإفصاح لابن هبيرة (2/114) . وشرح الزرقاني على الموطأ (3/144) ، وفتح الباري (9/194) . 4 انظر: الزرقاني على الموطأ (3/144) ، والمنتقى للباجي (3/311) . 5 انظر: المبسوط (5/15) ، الهداية وفتح القدير والعناية (3/306وما بعدها) .

وحجَّتهم حديث الفتاة البكر التي أنكحها أبوها وهي كارهة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها فقالت: "قد أجزت ما صنع أبي، ولكنِّي أردت أن أعلم: أن للنساء من الأمرشيء؟ "1. ولاختلاف العلماء أيضًا في هذه المسألة سبب آخر: وهو قياس عقد الوليّ هنا على عقد الفضولي، وهو عقد مختلف في صحَّته، فعندالحنفية كلُّ عقد انعقد وله مجيز انعقد موقوفًا على الإجازة، فعقد الفضولي عندهم عقد صدر من أهله- وهو الحرّ البالغ العاقل- مضافًا إلى محلّه- وهو هنا الأنثى من بنات آدم التي لم يمنع من نكاحها مانع- ولا ضرر في انعقاده؛ لتوقفه على إجازة من له الحق، فإن رأى فيه مصلحة أجازه وإلاّ ردّه. وهذا بخلاف مذهب الشافعي رحمه الله ومن وافقه فعقود الفضولي عنده كلُّها لاغية لا حكم لها2. "الرَّاجح": والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ عقد الوليِّ هنا لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون قد وقع صحيحاًً أو باطلاً أصلاً.

_ 1 تقدم تخريجه (ص177) . 2 انظر في عقد الفضولي: الهداية وفتح القدير والعناية (3/307وما بعدها) .

فإن وقع باطلاً فلا تلحقه الإجازة، بل لا بدّ من استئناف عقد جديد إن رضيت بعد ذلك. وإمّا أن يقال: إنَّه انعقد صحيحًا ولها حقّ الفسخ إن لم ترض، وهذا هو أصحها وأقواها فيما يظهر لي لما يلي: أوّلاً: أنَّ ما ورد فى السنة الصحيحة من الأمر باستئذان المرأة المكلَّفة في إنكاحها والنهي عن إنكاحها بدون إذنها قد بيَّنه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في خنساء بنت خِدَام والفتاة، وكلتاهما قد أنكحهما أبواهما كارهتين، أولاهما ثيِّب، وا لأخرى بكر على أصح القولين فيهما، والمسكوت عنه في حديث الخنساء قد جاء مفسَّرًا في حديث الفتاة البكر، فالقول بأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقل لخنساء إلا أن تجيزي- مما يدلّ على عدم الجواز- يردُّه قول الفتاة البكر "قد أجزت ما صنع أبي". وقول من قال: إنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما أثبت لهذه الفتاة الخيار؛ لأنَّ أباها قد أنكحها غير كفء لها، ونقصان الكفاءة يثبت الخيار ولا يبطل النِّكاح مردود بتصريح هذه الفتاة بأنَّ أباها أنكحها وهى كارهة، فالعلَّة هى الكراهة، كما تقدَّم تحقيقه1، ثم إنَّه أيُّ فرق بين أن تكون كارهة، لنقص في كفاءة خاطبها أو لأمرآخر؟ فثبت بهذا أنّ ما جاءت به السنَّة من الأمر بالاستئذان والنهي عن إنكاح المرأة بدونه إنَّما يدل على تأكيد حقّها في الرضى، وحقّها في الفسخ إن لم ترض، لا على بطلان إنكاح وليِّها إن رضيت به بعد ذلك.

_ 1 انظر ما تقدم (ص 182 وما بعدها) .

ثانيًا: أنَّ العقد هنا حقٌّ للوليّ، ورضى المرأة ليس شرطًا في ولايته؛ إذ الوليُّ قد تصرَّف في حقِّه، وكلُّ ما يترتَّب على عقده بدون إذنها هو تداركها ما يلحقها من ضرر، أو يفوّت عليها من مصلحة، فيكون لها حقُّ الفسخ دفعًا للضرر عنها، وتأكيدًا لحقِّها في معاشرة من ترضاه من ذوي الخلق والدِّين. ثالثًا: أنَّ عقد الوليِّ ليس كعقد الفضولي- سواء قيل بصحته أو ببطلانه- ولا هو أيضًا كعقد المرأة النِّكاح لنفسها أو لغيرها؛ فإنَّ كلاً من الفضولي والمرأة لا يملكان عقدة النِّكاح أصلاً؛ للتصريح في الحديث بنفي النِّكاح بدون وليٍّ، وببطلان نكاح المرأة نفسها، والباطل لا تلحقه الإجازة، والقاعدة التي نستأنس بها في تقرير هذا المعنى هو ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله "من أنَّ كلَّ عقدة لا تحلّ المرأة لزوجها، لا تكون بالإجازة صحيحة"1. إلاّ أنّ الشافعي - رحمه الله - قد أجرى هذه القاعدة على النِّكاح بدون وليٍّ، وعلى نكاح من يعتبر إذنها بغير إذنها، والظَّاهر هو الفرق بين المسألتين كما تقدّم، وقدأشارإلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميَّة في فتاواه2.

_ 1 انظر الأم (5/169-170) . 2 انظر الفتاوى (32/29-30) .

وقد حرر ابن قدامة مذهب الحنابلة في نكاح المرأة بدون وليِّها- رادًّا على بعض الأصحاب- قائلاً: متى تزوَّجت المرأة بغير إذن وليِّها، أو الأمة بغير إذن سيدها فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان، والصحيح عندي أنّه لا يدخل فيها؛ لتصريح النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه بالبطلان1. رابعًا: أنَّ رضى المرأة بعقد وليِّها وتنازلها عن حقِّها في الفسخ طاعة لوليِّها واحترامًا لتصرَّفه فيه فخرٌ للمرأة، وشرف عند الأقارب والأباعد، بل إنّه دليل على كمال عقلها وحيائها، وهذا بخلاف الأمر- فيما لو أنكحت نفسها، أو أنكحها فضوليِّ، فانَّ تنازل الوليّ عن حقِّه في العقد لا ينجي المرأة، ولا أولياءها من معرَّة الذمّ والتشنيع من الناس، فظهر الفرق واضحًا جليًا بين عقد الوليِّ وعقد غيره. والله الموفِّق للصَّواب وإليه المرجع والمآب.

_ 1 المغني مع الشرح الكبير (7/366) .

الفصل الرابع: الولاية في النكاح على الصغار

الفصل الرابع: الولاية في النكاح على الصغار المبحث الأول: ثبوت الولاية في النِّكاح على الصِّغار إنّ الصِّغر وصف مؤثِّر في سلب أهليّة العاقد، أو نقصانها في الذَّكر والأنثى على السواء اتفاقًا، والأصل في ثبوت الولاية على الصِّغار ما يلي: أولاً: قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم} 1 فاليتامى في هذه الآية الكريمة هم الصّغار قطعًا، ذكورًا أو إناثًا؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} أي الحلم، وهذه الآية الكريمة نصّ في حفظ أموال الصّغار حتى يبلغوا، ويؤنس رشدهم، وأمَّا الولاية على الصّغار في النِّكاح فقياسًا على ثبوتها في الأموال. ووجه ذلك- والله أعلم- أنّ هذه الآية هي العمدة في الحجر على الصّغار في عقود المعاملات، وعقد النِّكاح أعلى شأنًا وأشدُّ خطراً، والصّغير- ذكرًا أم أنثى- عاجز عن إدراك وجه المصلحة لنفسه، أو التحرّز عن الضّرر بها، كما أنَّ عقد النِّكاح تترتّب عليه حقوق ماليّة من مهر، ونفقة، ونحوهما، والصّغير محجور عليه في ماله. والله أعلم. ثانيًا: حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصّبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". رواه أحمد وأبو داود

_ 1 سورة النساء آية رقم (6) .

والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبّان، وابن الجارود، والحاكم، مرفوعًا عن عائشة، رضي الله عنها1. ورواه أيضاً: أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبَّان والحاكم عن عليّ رضي الله عنه مرفوعًا. وذكره عنه البخاري تعليقًا2،

_ 1 تخريج حديث عائشة رضي الله عنها: 1- أحمد: (2/238 ترتيب المسند للساعاتي. كتاب الصلاة. باب أمر الصبيان بالصلاة) . وفي مواضع أخر. وانظر المسند (6/ 100- 101، 144) . 2- أبو داود: (2 1/ 72-73 عون المعبود) ، كتاب الحدود) باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا. 3- النسائي: (6/156مع حاشيتي السيوطي والسندي) ، طلاق. باب من لا يقع طلاقه من الأزواج. 4- ابن ماجه: (1/658) . طلاق. باب طلاق المعتوه والصغير والمجنون. 5- الدارمي: (2/93 مع تخريجه) . الحدود. باب رفع القلم عن ثلاثة. 6- ابن حبان: (ص 359 موارد الظمآن) . الحدود. باب فيمن لا حدّ عليه. 7- ابن الجارود: (3/273-274) 0 الحدود. 8- الحا كم: (2/ 59) البيوع. 2 تخريج حديث علي رضي الله عنه: 1- أحمد: (15/104ترتيب المسند للساعاتي. كتاب الحجر والتفليس. باب إثبات الرّشد وعلامات البلوغ) . وانظر المسند (1/116، 118، 140، 154-155، 158) . 2- أبو داود: (2/74-78 عون المعبود) . الحدود. باب فى المجنون يسرق، أو يصيب حدًّا. 3- الترمذي: (4/685-687 تحفة) . الحدود. باب فيمن لا يجب عليه الحدّ. 4- ابن ماجه: (1/659) . طلاق. باب طلاق المعتوه والصغير والنائم. 5- ابن حبان: (ص 360 موارد الظمآن) . الحدود. باب فيمن لا حدّ عليه. 6- الحاكم: (1/258) 0 الصلاة وفي مواضع أخر. انظر (2/59) 0 (4/389) . 7- البخاري (9/388 الفتح) . طلاق. باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون ... ، وفي مواضع أخرى مثل الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة (12/120 الفتح) كلّها تعليقًا عن عليّ رضي الله عنه.

وروى أيضًا عن غيرهما1، وألفاظه متقاربة نحو ما تقدَّم. وهذا الحديث نصٌّ في الفرق بين الصَّغير والكبير في التكليف؛ لما في الصّغر من انعدام القصد، أو قصور النظر فيما يأتي أو يدع، وواضح من الآية والحديث أنّ حدّ الصّغر شرعاً: بلوغ الحلم. ثالثًا: وأمّا الإجماع على ثبوت الولاية على الصغار فقد قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة- في مبحث علّة الإجبار- "إنَّ الصغر سبب للحجر بالنّص والإجماع2." وقال ابن رشد في بداية المجتهد: "اتفقوا على أنّ الأب يجبر ابنه الصّغير على النّكاح، وكذلك ابنته الصّغيرة البكر ولا يستأمرها"3. وبهذا تكون الولاية على الصّغيرة قد اجتمع فيها سببان:

_ 1 انظر: نصب الراية (4/161-165) ، والتلخيص الحبير (1/ 194-195) ، وإرواء الغليل (2/4-7) . 2 الفتاوى (32/23) . 3 بداية المجتهد (2/5) .

أولهما: الصّغر. وهو سبب مشترك بينها وبين الذكر. ثانيهما: الأنوثة. وهو سبب للولاية في النّكاح عند الجمهور كما سبق بيانه في الولاية في النّكاح على الحرّة المكلّفة. ومن هنا نعلم: أنّ ما جرى عليه بعض الحنفية من إطلاق القول1: بأنّ سبب الولاية عندهم على الصّغيرة: هو الصِّغر، وعند الجمهور هو: البكارة. قول ينقصه التحقيق، والتأمّل في الفرق بين علّة الولاية وعلّة الإجبار عند الجمهور؛ فالبكارة عند الجمهور علّة للإجبار، وليست علّة لثبوت الولاية، وإنّما علّة الولاية في النّكاح عند الجمهور هي الأنوثة في الحرّة المكلّفة، أمّا في الصّغيرة فهي الأنوثة والصّغر أيضًا، فالصّغر علّة للولاية متفق عليها بين الحنفيّة وغيرهم. ولا تلازم عند الجمهور بين ثبوت الولاية وثبوت الإجبار، فقد تثبت الولاية والإجبار معًا كما في الحرّة البكر- أحيانًا- وقد تثبت الولاية وحدها ولا إجبار، كما في الثيّب الحرّة المكلّفة مطلقًا، وإنّما التلازم بين ثبوت الولاية والإجبار إنّما يتصوّر في مذهب الحنفية؛ ولذلك لا ولاية- عندهم- على الحرّة المكلّفة مطلقًا، بكرًا أم ثيِّباً إلاّ على جهة الندب والاستحباب. وكون الثيّب الصغيرة لا تزوّج حتى تبلغ- على مذهب الشافعي ومن وافقه- ليس لأنّه لا ولاية له عليها، وإنّما لأنّها لا تزوّج إلاّ بإذنها،

_ 1 انظر: تبيين الحقائق (2/122) . والبحر الرائق (3/127) .

والإذن في الصِّغر غير معتبر، فلزم انتظاره إلى وقت اعتباره، وهو البلوغ عن عقل، ولو كانت علّة الولاية عند الشافعي هي البكارة، لما كانت هناك ولاية على الثّيِّب صغيرة أم كبيرة، وإلاّ لزم أن يقال: إنّه لا ولاية عليها حتى تبلغ وفي هذا من تفضيل حال الصّغر على الكبر ما لا يخفى. وبهذا نعلم: أنّ الولاية في النّكاح على الثَّيِّب الصّغيرة ثابتة على مذهب الشافعي، رحمه الله وكلُّ ما في الأمر. أنَّه يمنعها من التزويج حتى تبلغ فيزوِّجها بإذنها إذا بلغت. والله الموفِّق.

المبحث الثاني: إنكاح الصغار أنفسهم

المبحث الثَّاني: إنكاح الصِّغار أنفسَهم إنَّ ثبوت الولاية في النِّكاح على الصِّغار لا خلاف فيه في الجملة، ولكن ما مدى تأثير هذه الولاية في صحَّة أو بطلان تزويج الصِّغار أنفسهم؟ وهذا يتضح بالبيان التالي: وهو: أنّ الصغير إمّا أنّ يكون مميِّزًا أو غير مميِّز، وكذلك إمَّا أن يكون ذكرًا أو أنثى. فأمَّا غير المميِّزين منهم فالولاية ثابتة عليهم إجماعًا، ولا صحّة لتزويج أحدهم نفسه؛ لعدم أهليته وقصده المعتبر، ذكرًا كان أم أنثى. وأمّا إن كانوا مميزين: فليس للصّغيرة المميِّزة أن تعقد نكاح نفسها عند الجمهور، سواء أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها؟ لصغرها، ولأنوثتها أيضًا، كما سبق في الولاية على الحرّة المكلَّفة، فإنّه لا عبارة- عندهم- للأنثى في باب النّكاح مطلقًا صغيرة أم كبيرة، لنفسها ولا لغيرها، على المذهب المعتمد المشهور عندهم. وأمّا عند الحنفيّة: فعقد الصّغيرة المميِّزة صحيح بإذن وليِّها أو إجازته؛ لأنَّ لها عبارة صحيحة في العقود، ومنها عقد النكاح، وأمَّا قصور نظرها فيتمّ بانضمام نظر الوليّ لها، وهذا حاصل بالإذن أو الإجازة1.

_ 1 انظر المبسوط (4/226) .

وقد قدّمنا في مبحث "اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلَّفة". أدلَّة هذه المسألة وخلاف العلماء فيها، وأنّ أقواها وأرجحها دليلاً هو القول بأنّ المرأة لا تلي عقدة النّكاح مطلقًا، وإذا ثبت منع الكبيرة من إنكاح نفسها فالصَّغيرة من باب أولى. والله أعلم. وأمّا إن كان الصّغير ذكرًا مميِّزًا ففي صحَّة إنكاحه نفسه الأقوال التالية: أوَّلاً: لا صحَّة لعقده نكاح نفسه مطلقًا، أذن له وليُّه أم لم يأذن له. وهذا مذهب الشافعية، وذلك بناء على أصل مذهبهم، وهو أنَّه لا عبارة للصّبيان في العقود مطلقًا، ولا أثر لإذن الوليّ لهم، كما لو أذن لمجنون1. ثانياً: صحَّة عقد الصّبيّ المميِّز نكاحه بإذن وليِّه، أو بإجازته إن عقده بدون إذنه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية2. وقد علّل الحنفية ذلك بأنَّ الصّبيّ العاقل له عبارة صحيحة، إلا أنَّه لقصور نظره احتاج إلى انضمام رأي وليِّه إليه ليحصل بذلك تمام النظر

_ 1 انظر للشافعية: المجموع للنووي (9/156-158) ، وروضة الطالبين (3/342-343) ، ومغني المحتاج (2/66) . 2 انظر للحنفية: المبسوط (4/226) ، بدائع الصنائع (3/1335-1336) ، فتح القدير (3/287 وما بعدها) وكشف الأسرار (4/256-257) . وللمالكية: الشرح الكبير والدسوقي (2/241) ، والفروق للقرافي (3/101 وتهذيبه124) وبدر الزوجين ونفحة الحرمين (ص55) .

له، مع ما في تصحيح تصرُّفه من زيادة النفع له بالممارسة التي لا تحصل بمباشرة الوليّ، وكذلك التوسعة عليه بتعدُّد طرق تحصيل المنفعة بمباشرته وبمباشرة وليِّه1. ثالثًا: صحَّة قبول الصّبيّ نكاحه بإذن وليّه. وهذا مذهب الحنابلة2. فإن لم يأذن له وليُّه فظاهر المذهب عدم الصِّحة، أخذًا من عدم تصحيحهم تصرفات الصّبيّ بغير إذن وليِّه في البيوع3. والله أعلم. رابعًا: أنَّ الصّبيّ إذا بلغ عشرًا زوّج وتزوّج، وهذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وظاهرها بدون إذن الوليّ، كما يدلُّ على ذلك إطلاق الروايتين في اشتراط البلوغ في الوليّ. ووجه ذلك- كما قاله ابن قدامه في توجيه رواية عدم اشتراط بلوغ الوليّ- قال: لأنَّه يصح بيعه ووصيته وطلاقه فتثبت له الولاية كالبائع"4 هـ.

_ 1 انظر: المبسوط (4/226) ، بدائع الصنائع (3/1335-1336) ، وكشف الأسرار (4/256-257) . 2 انظر كشاف القناع (5/44) ، شرح منتهى الإرادات (3/14) ، الإنصاف (8/53) ، السلسبيل في معرفة الدليل على زاد المستقنع (2/121) . 3 انظر كشاف القناع (3/457) . والإنصاف (5/318) . 4 المغني مع الشرح الكبير (7/356والشرح 426) .

وقال المرداوي في الإنصاف: "قال الشارح1: أكثر الرّوايات تحدّد من يقع طلاقه من الصبيان بأنّه يعقل، وهو اختيار القاضي"2 هـ. وظاهر هذا أن أكثر الروايات على عدم التحديد بالسنين. والله أعلم. هذا خلاصة ما وقفت عليه من الأقوال في إنكاح الصبيّ المميِّز نفسه، وظاهر ممّا تقدّم أنّ عقده لا يخلو من حالين: فهو إمَّا أن يعقده بإذن وليِّه أو بدونه. فإن كان بإذن وليِّه فالظاهر صحّته، فإنّه ليس كغير المميِّز، أو المجنون في فقدان الأهليّة، ولا هو كالمرأة في خشية المعرّة. وأمَّا الآية الكريمة فهي نصّ في حفظ أموال الصغار، وأمّا إلغاء عقودهم فهو شيء آخر، بل لقد نصت الآية على الابتلاء لليتامى، والأظهر أنَّ المقصود بابتلائهم قبل بلوغهم لمعرفة حسن تصرفهم، وإعدادًا لهم لتسلُّم أموالهم بعد بلوغهم، واستقلالهم بأنفسهم، ولا يعقل ابتلاء غير المميّز فلم يبق إلا المميّز العاقل.

_ 1 هو شارح متن المقنع. "المسمى بالشرح الكبير" وهو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة. ت 682هـ) . 2 الإنصاف (8/432) . والمقصود بالقاضي: هو أبو يعلى الكبير كما هو معروف عند الإطلاق.

وأمّا عدم التكليف الذي دلّ عليه الحديث الشريف فهو رفع لقلم المؤاخذة عنهم، وهذا كما لا يدلّ على إبطال عباداتهم، كصلاتهم، وصيامهم، وحجهم، ونحو ذلك، كذلك لا يدل على إبطال معاملاتهم. وأمّا إن لم يكن عقد الصبي بإذن وليّه فالحكم بصحته أو ببطلانه مشكل، ولم يظهر لي فيه وجه تطمئن إليه النفس، وذلك أنّه إن وقع عقده من أصله صحيحًا فليس بحاجة إلى إجازة، وإن وقع أصلاً باطلاً فلا يكون بالإجازة صحيحًا، كما أنّه ليس للوليّ أن يجيز ما ظهر ضرره، ولا ردّ ما ظهر نفعه، والعقد الموقوف على الإجازة فيه خلاف يطول بيانه وتحقيق وجه الحقِّ فيه، والظَّاهر أنَّه حتى لو قيل بصحته في المعاملات لكان الواجب صيانة عقود الأنكحة منه كما تقدّم في مسألة "إذا أنكح الوليّ من يعتبر إذنها بغير إذنها"1 من أنّ كلّ عقدة لا تحلُّ المرأة لزوجها لا تكون بالإجازة صحيحة، إلا أن يقال: إن العقد صحيح، وللوليّ حقٌّ فسخ ما ظهر له ضرره، ومعلوم أن الفسخ شيء، والردّ شيء آخر. وقد قال ابن القيّم رحمه الله: لم يقم دليل شرعيّ على إهدار أقوال الصبيّ بالكلية، بل الأدلّة الشرعية تقتضي اعتبار أقواله فى الجملة"2 اهـ. والله أعلم.

_ 1 انظر: هذه المسألة (ص 359 وما بعدها) . 2 أحكام أهل الذمة (2/499) في بحث نفيس في إسلام الأطفال.

المبحث الثالث: تزويج الأولياء للصغار

المبحث الثَّالث: تزويج الأولياء للصّغار إنّ الصّغار إمّا أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا، والإناث إمّا أن يكن ثيِّبات أو أبكارًا. وهؤلاء يتفقون في بعض الأحكام، ويختلفون في بعضها، وسنتبع في بحث تزويجهم الترتيب التالي: أ- تزويج البكر الصغيرة. ب- تزويج الثّيّب الصّغيرة. ج- تزويج الصبيّ الصّغير. أ- تزويج البكر الصّغيرة. فأمّا تزويج البكر الصّغيرة قبل بلوغها فخلاصة مذاهب العلماء في حكم تزويجها يمكن حصره بالتتبع فيما يلي: أولاً: منع تزويجها مطلقًا، فلا يزوِّجها أبٌ ولا غيره، حتى تبلغ فتزوّج بإذنها واختيارها، وهذا القول يروى عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ1. ثانياً: أنّ لأبيها- خاصَّة- تزويجها دون سائر أوليائها.

_ 1 انظر المبسوط (4/ 212) . والجصاص (2/54) . وفتح القدير لابن الهمام (3/ 274) . المحلى (9/459) . بداية المجتهد (2/5) .

وهذا مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية1. ووصيّ الأب يقوم مقامه عند المالكية والحنابلة دون الظاهرية2. ثالثًا: أنَّ لأبيها أو جدّها- عند عدم أبيها- تزويجها دون سائر الأولياء وهذا مذهب الشافعية3. رابعاً: أنَّ لكلٍّ من الأولياء تزويجها، ولها الخيار إذا بلغت بين الفسخ والإقرار. إلا إذا كان وليّها أباها أو جدّها فلا خيار لها حينئذ. وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن4.

_ 1 انظر للمالكية: الخرشي (3/ 176) . وقوانين الأحكام لابن حزي (222- 223) . وبداية المجتهد (2/5-6) . وللحنا بلة: المغني والشرح الكبير (7/379والشرح 380) . والإنصاف (8/62) والمبدع (7/22-25) . وللظاهرية: المحلى (9/458-460) . 2 انظر المصادر السابقة: وكذلك كشاف القناع للحنابلة (5/46) . والمحلى (9/463-464) . تنبيه: وهذا إذا لم يُخف عليها الضيعة أو الفساد، وإلا فيجوز لغير أبيها ووصيّه تزويجها أيضاً عند المالكية انظر: الخرشي (3/178-179) وبلغة السالك (1/383) . والظاهر أنّ هذه ضرورة لا يخالف فيها أحد. والله أعلم. 3 انظر: الأم (5/20) . والمنهاج ومغني المحتاج (3/ 149) . وروضة الطالبين (7/53-54) . 4 انظر المبسوط (4/212-215) . والهداية وفتح القدير والعناية (3/ 274، 277-278) . وبدائع الصنائع (3/ 1 51 1) . وتبيين الحقائق (2/ 1 2 1- 22 1) . والبحر الرائق (3/126-128) .

وروى عن الإمام مالك، وأحمد، نحو قولهما، إلا أنّهما لم يجعلا لها خيارًا إذا كان الوليّ أباها خاصة، وأمّا الجدُّ فهو كسائر الأولياء1. خامساً: أنَّ لسائر الأولياء تزويجها، ولها الخيار إذا بلغت مطلقًا، لا فرق بين أبٍ أو جدٍّ، أو غيرهما. حكاه ابن قدامة عن الحسن، وعمر ابن عبد العزيز، وعطاء وطاووس، وقتادة وابن شبرمة والأوزاعي2. سادسًا: أنّ لسائر الأولياء تزويجها إذا بلغت، تسع سنين بإذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، وهذه روايةٌ عن الإمام أحمد، رجّح صاحب الإنصاف أنّها المذهب3. سابعًا: أنَّ لسائر الأولياء تزويجها، ولا خيار لها إذا بلغت، سواء أكان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما. وبهذا قال أبو يوسف رحمه الله4. وخلاصة هذه الأقوال: أنَّ للأب تزويج ابنته البكر الصغيرة اتفاقًا إلا ما حكى عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ، وأمّا غير أبيها ففي تزويجه لها خلاف، ثم إنَّ القائلين بتزويجها قبل بلوغها قد اختلفوا في

_ 1 انظر للإمام أحمد: المغني (7/ 382) . والإنصاف (8/ 62) . والفتاوى لابن تيمية (32/50) . وللإمام مالك: الكافي لابن عبد البر (1/429) . 2 المغني (7/382) وانظر المحلى لابن حزم (9/463) . 3 الإنصاف (8/62-63) والمغني والشرح الكبير (7/383والشرح 388) وكشاف القناع5/46) والمبدع (7/26) . والفتاوى (32/50) . 4 الهداية وفتح القدير والعناية (3/278) . وتبيين الحقائق (2/ 122) ، والبحر الرائق (3/128) والمبسوط (4/215) وبدائع الصنائع (3/1511) .

إثبات الخيار لها إذا بلغت، وإليك بيان وجهة كلِّ فريق ما أمكن. والله الموفِّق. الأدلَّة: أولاً: دليل من منع من تزويج البكر الصغيرة مطلقًا. استدلَّ السَّرَخْسِي في (المبسوط) لمن منع من تزويج الصّغيرة مطلقًا بكرا أم ثيِّبا بثلاثة أدلَّة: أوّلها: قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم} 1. فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة2. ثانيها: أنَّ ثبوت الولاية على الصّغيرة إنّما هي لحاجة الموليِّ عليه، حتى إنَّ فيما لا تتحقّق فيه الحاجة لا تثبت الولاية، كالتبرعات، ولا حاجة في الصغيرة إلى النّكاح؛ لأنّ مقصود النّكاح طبعًا قضاء الشهوة، وشرعًا النسل، والصّغر ينافيهما3. ثالثها: أنَّ النّكاح يعقد للعمر، وتلزم الصّغيرة أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمها ذلك؛ إذ لا ولاية لأحد عليها بعد بلوغها4.

_ 1 سورة النساء آية رقم (6) . 2 المبسوط للسرخسي (4/212) . 3 المبسوط للسرخسي (4/212) . 4 المبسوط للسرخسي (4/212) .

وهذا التوجيه الأخير، وكذلك قوله فيما سبق: إنَّ الولاية تثبت للحاجة لا غير، كلاهما مبنى على المشهور من مذهب الحنفية، وهو أنّه لا ولاية على المرأة بعد بلوغها، وإنّما تثبت الولاية لعجز الموليِّ عليه؛ لصغر، أو جنون، ونحوهما، ولا يخفى أنَّ الرَّاجح ثبوت الولاية على الأنثى مطلقًا، صغيرة أم كبيرة. وأمَّا القول بأنّ إنكاح الصّغيرة ينافي مقصود النّكاح طبعًا؛ لعدم الشهوة، وشرعاً؛ لعدم النسل، فهذا أحسن توجيه لهذا القول، ولكن ثبت حديث عائشة في تزويجها صغيرة كما سيأتي. إن شاء الله تعالى. ثانياً: دليل من أجاز للأب تزويجها دون غيره من الأولياء. وأمَّا من أجاز للأب تزويج ابنته البكر دون غيره من الأولياء فاستدلَّ بما يلي: 1- حديث عائشة رضي الله عنها: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد والبخاري- وهذا لفظه- ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن الجارود والحاكم والبيهقي وغيرهم1.

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (16/159 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب ما جاء في إجبار البكر واستئمار الثيب) . 2- البخاري: (9/190 الفتح) نكاح. باب إنكاح الرجل ولده الصغار. وفي مواضع أخر من الصحيح، انظر الإشارة إلى أطرافه (7/223 فتح الباري) . 3- مسلم: (9/206-208نووي) . نكاح. باب تزويج الأب البكر الصغيرة. 4- أبو داود: (6/158عون المعبود) . نكاح، باب تزويج الصغار. 5- النسائي: (6/ 82-83 مع حاشيتي السيوطي والسندي) . نكاح. إنكاح الرجل ابنته الصغيرة. 6- ابن ماجه: (1/603-604) . نكاح. باب نكاح الصغار يزوجهنَّ الآباء. 7- ابن الجارودي: (ص 239 مع تخريجه) . نكاح. 8- الحاكم: (2/167 نحوه) . نكاح. 9- البيهقي: (7/114) . نكاح باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. وانظر إرواء الغليل: (6/230) .

فهذا الحديث من الصّحّة والشهرة بالمكان المعروف عند الأئمة، فقد ثبت أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - قد زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته عائشة - رضي الله عنها - وهي بكر صغيرة، بين السادسة والسابعة1 من عمرها، فدلّ ذلك على صحّة إنكاح الأب ابنته البكر الصَّغيرة. قال النووي رحمه الله: "أجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته

_ 1 قال النووي: "وأما قولها. أي في الحديث- تزوَّجني وأنا بنت سبع وفي أكثر الروايات بنت ست سنين فالجمع بينهما أنَّه كان لها ست وكسر ففي رواية اقتصرت على السنين وفي رواية عدّت السنة التي دخلت فيها. والله أعلم. (شرح النووي لمسلم9/207) . وانظر شرح المسند للساعاتي (16/159) .

البكر الصّغيرة؛ لهذا الحديث."1. وأمّا ما حكى عن ابن شبرمة من أنّ تزويج النّبيّ عائشة وهي صغيرة من خصائصه، فأجيب عنه بأنّ دعوى الخصوصية خلاف الأصل، ولا دليل عليها هنا2. 2- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"3. فقد سبق أنَّ هذا الحديث هو عمدة من قال بإجبار الأب ابنته البكر البالغ، وإذا صحّ له إجبارها بالغةً جاز له تزويجها صغيرة؛ إذ ليس لها إذن معتبر- عندهم- يتوقَّف عليه نكاحها بعد البلوغ. وقد تقدّم بيان خلاف الفقهاء في ذلك، وأنّ الراجح أنّه ليس للأب إجبار حرّة مكلّفة مطلقًا، سواء كانت بكرًا أم ثيّبًا4. وقد اشتهر هذا الحديث في كتب فقه الشافعية بلفظ "والبكر يزوّجها أبوها" معزوًّا للدارقطني، وسبق5 التنبيه على أنّ لفظ "يزوّجها" ليس في الدارقطني، ولعلّه رواية له بالمعنى.

_ 1 شرح النووي (9/206) . 2 انظر فتح الباري (9/ 190) . والمحلى لابن حزم (9/459-460) . 3 انظر تخريجه (ص 167) . 4 انظر مبحث استئذان البكر المكلّفة المتقدم. 5 انظر ما تقدم (ص305 وما بعدها) .

3- ما روي أنّ قدامة بن مظعون تزوّج ابنة الزبير حين نفست، فقيل له فقال: ابنة الزبير إن متّ ورثتني، وإن عشت كانت امرأتي". ذكره ابن قدامة وغيره من الحنابلة معزوًّا للأثرم1. وحكى البيهقي عن الشافعي قوله: "وزوّج الزبير رضي الله عنه ابنته وهي صبيّة"2. وقول الشافعي رحمه الله: "وزوّج غير واحد من أصحاب النبيّ ابنته صغيرة3. 4- أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد خطب من عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - ابنته أمَّ كلثوم4، فزوّجه إيَّاها وهي صغيرة" وهذا الأثر: قد رواه عبد الرزاق في مصنفه5 من عدّة طرق. ورواه أيضًا

_ 1 انظر المغني والشرح الكبير (7/380والشرح 386) . وانظر المبسوط للسرخسي (4/212) . وفتح القدير لابن الهمام (3/274) . والأثرم: هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الطائي، محدث فقيه من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى انظر ترجمته في معجم المؤلفين (2/167) . والأعلام (1/194) . وطبقات الحنابلة (1/ 66- 74) . والأثر المشار إليه قد أخرجه أيضًا سعيد بن منصور في سننه. (انظر القسم الأول من المجلد الثالث رقم (520-521) . 2 البيهقي (7/114) . نكاح. باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 3 البيهقي (7/114) . نكاح. باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 4 انظر ترجمتها في: طبقات ابن سعد (8/463-465) ، الاستيعاب (4/ 490- 491) ، الإصابة (4/492 في القسم الثاني) . 5 المصنف لعبد الرزاق (6/163-164) .

سعيد ابن منصور في سننه1. ورواه الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين: أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب إلى عليّ- رضي الله عنه- أمّ كلثوم فقال: أنكحنيها، فقال عليّ: إنّي أرصدها لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنكحنيها، فوا لله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده، فأنكحه عليّ فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنوني؟ فقالوا بمن يا أمير المؤمنين. فقال: بأمّ كلثوم بنت عليّ، وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب وسبب". ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وتعقّبه الذهبي بقوله: قلت: منقطع2. (أي بين عليّ بن الحسين وجدّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه) . وأخرجه البيهقي عن طريق الحاكم بإسناده ولفظه، وقال: وهو مرسل حسن. وقد روى من أوجه أخر موصولاً ومرسلاً. ثم روى بإسناده عن: حسن بن حسن عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب إلى عليّ - رضي الله عنه - أمّ كلثوم فقال له عليّ - رضي الله عنه -: إنّها تصغر عن ذلك، فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي

_ 1 سنن سعيد بن منصور. القسم الأول من المجلد الثالث رقم (639) . 2 المستدرك مع التلخيص (3/142) في كتاب معرفة الصحابة منه.

ونسبي". فأحببت أن يكون لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب، فقال عليّ - رضي الله عنه - لحسن وحسين: زوّجا عمّكما. فقالا: هي امرأة من النِّساء تختار لنفسها، فقام عليّ - رضي الله عنه - مغضبًا، فأمسك الحسن رضي الله عنه بثوبه وقال: لا صبر على هجرانك يا أبتاه، قال فزوّجاه1. وقد ساقه البيهقي رحمه الله تأييدًا لقول الشافعي رحمه الله "وقد زوّج عليّ عمر رضي الله عنهما أمّ كلثوم بغير أمرها"2. ولكن ليس في هذا الأثر ما يدل صراحة على أنّها صغيرة لم تبلغ، بل فيه ما يشعر بأنّها قد بلغت من يصح لها رأي في نفسها؛ بدليل قول الحسن والحسين: "هي امرأة من النِّساء تختار لنفسها" إلا أنّ في مصنف عبد الرزاق أنّها كانت جارية صغيرة تلعب مع الجواري3، وهذا إن صحَّ فهو أصرح دلالة على صغرها حينذاك. والله أعلم. 5- ما حكاه غير واحد من أهل العلم من الإجماع على صحّة تزويج الأبّ ابنته البكر الصّغيرة، ومن ذلك:

_ 1 البيهقي (7/64) ، نكاح. باب الأنساب كلّها منقطعه يوم القيامة إلا نسبه، 114 باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 2 البيهقي (7/64) ، نكاح. باب الأنساب كلّها منقطعه يوم القيامة إلا نسبه، 114 باب ما جاء في إنكاح الآباء الأبكار. 3 المصنف (6/163) .

أ- قول الشافعي: وزوّج غير واحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ابنته1 صغيرة. وهذا إن لم يكن إجماعًا منهم فهو حجّة أيضًا؛ لعدم نقل الخلاف عنهم في هذا. ب- قول النووي رحمه الله: في حديث تزويج عائشة وهي صغيرة قال: "أجمع المسلمون على جواز تزويجه ابنته البكر الصّغيرة لهذا الحديث"2. ج- وقال الحافظ ابن حجر: قال المهلّب3: أجمعوا أنّه يجوز للأب تزويج ابنته الصّغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أنَّ الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أنّ الأب لا يزوّج بنته البكر الصّغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أنّ تزويج النّبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه"4 أهـ المقصود من كلامه.

_ 1 البيهقي (7/114) . 2 شرح النووي لمسلم (9/206) . 3 لعله يقصد شارح صحيح البخاري كما يصرح بذلك أحياناً. وانظر ترجمته في معجم المؤلِّفين (13/31-32) . 4 فتح الباري (9/190) ونحوه نيل الأوطار (6/136) . وانظر المحلى فيما حكاه عن ابن حزم (9/459) .

د- وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: "أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ إنكاح الأب ابنته البكر الصّغيرة جائز، إذا زوّجها من كفء، ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها"1 اهـ هـ- وكذلك حكى ابن رشد الإجماع والاتفاق على ذلك2. والله أعلم. ثالثًا: دليل من منع غير الأب من تزويج البكر الصّغيرة. وأمَّا من منع غير الأب من تزويج البكر الصَّغيرة فاستدلَّ بما ورد في السّنّة من الأمر باستئمار اليتيمة والنهي عن تزويجها بغير إذنها ومن ذلك: أولاً: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز3 عليها" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبّان والحاكم والبيهقي4.

_ 1 المغني والشرح الكبير (7/379والشرح 386) . 2 بداية المجتهد (2/5) . 3 بفتح الجيم، أي فلا تعدِّي عليها ولا إجبار اهـ (شرح المسند للساعاتي 16/ 160) . 4 تخريجه: 1- أحمد: (16/ 160 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب عدم إجبار اليتيمة وأنَّها لا تزوّج إلا بإذنها ورضاها) . وانظر المسند (4/394، 408، 411) . 2- أبو داود: (6/117-118عون المعبود) . نكاح. باب في الاستئمار. 3- الترمذي: (4/245-246 تحفة) . نكاح. باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج. 4- النسائي: (6/87 مع حاشيتي السيوطي والسندي) . نكاح. البكر يزوجها أبوها وهى كارهة. 5- ابن حبان (ص 304 موارد الظمآن. نكاح. باب في الاستئمار) . 6- الحاكم: (2/166 في تلخيص الذهبي ورمز له بأنه على شرط مسلم. وقد سقط من الأصل) . نكاح. 7- البيهقي (7/120) نكاح. باب ما جاء في إنكاح اليتيمة. وانظر إرواء الغليل (6/228-229، 232-233) .

ثانياً: حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره". رواه أحمد والدرامي وابن حبَّان والدارقطني والحاكم والبيهقي1.

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (16/ 160 ترتيب المسند للساعاتي. نفس الباب السابق) . وقال الساعاتي: قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح. نفس الصفحة. 2- ابن حبّان (ص-304 موارد الظمآن. نكاح. باب الاستئمار) . 3- الدرامي: (2/62مع تخريجه) . نكاح. باب في اليتيمة تزوج نفسها. 4- الدارقطي: (3/241-242 مع التعليق المغني) . نكاح. 5- الحاكم (2/166-167) نكاح/ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. 6- البيهقي (7/120) / نكاح/ باب ما جاء في إنكاح اليتيمة.

ثالثاً: حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: توفي عثمان بن مظعون فترك ابنة له من خويلة1 بنت حكيم بن أمّية بن حارثة بن الأوقص قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون. قال عبد الله: وهما خالاي قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة- يعني إلى أمِّها- فأرغبها في المال، فحطَّت إليه، وحطَّت الجارية إلى هوى أمِّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إليَّ فزوَّجتها ابن عمّتها عبد الله بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنّها امرأة وإنّما حطَّت إلى هوى أمِّها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها". قال: فانتزعت منيّ- والله- بعد أن ملكتها فزوّجوها المغيرة بن شعبة"، رواه أحمد بهذا اللفظ. ورواه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي. وروى ابن ماجه طرفًا منه موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنه2.

_ 1 خويلة بالتصغير ويقال لها خولة أيضًا. انظر ترجمتها في الإ صابة (4/291) . 2 تخريجه:- 1- أحمد: (16/159 ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب عدم إجبار اليتيمة وأنّها لا تنكح إلا بإذنها ورضاها) . 2- الدارقطني: 3/229- 231 مع التعليق المغني) . نكاح. 3- الحاكم: (2/167) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. البيهقي: (7/133) . نكاح. باب لا ولاية لوصيّ في نكاح. وانظر: نصب الراية (3/191-192) والتلخيص الحبير (3/185) . وإرواء الغليل (6/233-234 وحسّنه) .

رابعاً: وقد تقدّم في حديث ابن عباس رضي الله عنه من طريق معمر، عن صالح بن كَيْسان، وغيرهما لفظ "واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها"1. فهذه الأحاديث صريحة في الأمر باستئذان اليتيمة في نفسها والنهي عن نكاحها بدون إذنها، واليتيمة حقيقة هي الصّغيرة قبل بلوغها؛ "إذ لا يتم بعد احتلام "2- والصّغيرة ليس لها إذن معتبر، فدلّت هذه الأحاديث

_ 1 تقدم (ص 173) . 2 هذا لفظ حديث روى عن عليّ، وابن عباس، وجابر، مرفوعًا وموقوفًا. وقد صححه الألباني لطرقه وشواهده. انظر إرواء الغليل (5/79-83) . وقال ابن الأثير في معنى اليتيم: "واليتيم في الناس فقد الصبي أباه قبل البلوغ، وفي الدواب فقد الأم، وأصل اليتم- بالضم والفتح: الانفراد. وقيل: الغفلة. وقد يتم الصبي - بالكسر- ييتم فهو يتيم. والأنثى يتيمة، وجمعها: أيتام، ويتامى. وقد يجمع اليتيم على يتامى، كأسير وأسارى. وإذا بلغا زال عنهما اسم اليتم حقيقة. وقد يطلق عليهما مجازًا بعد البلوغ كما كانوا يسمون النبيّ صلى الله عليه وسلم - وهو كبير -: يتيم أبي طالب؛ لأنّه ربّاه بعد موت أبيه "النهاية في غريب الحديث (5/291-292) . وانظر مادة "يتم" في: مقاييس اللغة لابن فارس (6/154) . وصحاح الجوهري (5/2064) .، ولسان العرب (12/645-646) .

بمنطوقها على أنَّ اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، ولا إذن لها قبل البلوغ، وذلك دليل على اشتراط بلوغها الذي يصح به الإذن. كما دلّت بمفهومها على أنَّ ذات الأب بخلافها كما تقدّم. وقد أجيب عن هذا بأنّ المراد باليتيمة هنا البالغة؟ إذ لا معنى لاستئذان من لا إذن لها، والبالغة تسمَّى يتيمة استصحابًا للاسم الأول كما قال تعالى: أو {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم} 1 وإنّما يدفع إلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم2. وحمله بعضهم على المقاربة للبلوغ، حملاً للفظ اليتيمة على حقيقته ما أمكن3. وقد حمل بعض الحنفية حديث قدامة بن مظعون على أنَّ ابنة أخيه قد بلغت، فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلوغها، بدليل قول ابن عمر: "والله لقد انتزعت منِّي بعد أن ملكتها"4. إلا أنَّ هذا الجواب الأخير لا يخفي تكلّفه، فهو غريب بعيد عن سياق تلك الواقعة، وحمل هذه الأحاديث على من يعتبر إذنها بالغة، أو مقاربة للبلوغ هو الجواب المعتمد فيما يظهر لي. والله أعلم.

_ 1 سورة النساء آية رقم (2) . 2 انظر المبسوط (4/215) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/276) ، وبلوغ الأماني، شرح المسند للساعاتى (16/159) . 3 بلوغ الأماني: نفس الجزء والصفحة. 4 المبسوط (4/215) . وفتح القدير (3/276) .

رابعًا: دليل من ألحق الجدّ بالأب فى تزويج البكر الصّغيرة. وأمّا من ألحق الجدّ بالأب في تزويج البكر الصّغيرة دون غيره من بقيَّة الأولياء- وهم الشافعية- فذلك لأنّه أب أعلى، له ولادة وتعصيب، وله الولاية على ما لها، بخلاف غيره من بقية الأولياء1. ولهذا فإنَّ الجدّ له أن يجبر البكر- عندهم- صغيرة أم كبيرة كما سبق، ومن جاز له تزويجها بدون إذنها كبيرة لم تكن له حاجة لانتظار إذن الصّغيرة حتى تبلغ، وهم إنّما منعوا من تزويجها صغيرة انتظارًا لإذنها الذي يتوقَّف عليه نكاحها، والبكر لا يتوقَّف نكاحها على إذنها - عندهم- إذا كان وليّها أباها أو جدّها. وقد ردّه من لم يجعل لغير الأب تزويج البكر الصّغيرة، بأنَّ غير الأب قاصر الشَّفقة، وهو يدلي بغيره؛ فأشبه سائر العصبات، فلا يُلحق بالأب الذي ثبت حقّه في التزويج بالنّص، فقد زوّج أبو بكر ابنته عائشة – رضي الله عنهما- بكرًا صغيرة، وكذلك دلّ على صحّة تزويج الأب دون غيره مفهوم أحاديث استئذان اليتامى، فدلّ على أنَّ الأب بخلاف غيره2.

_ 1 انظر التكملة الثانية للمجموع (16/168) . 2 انظر: المغني لابن قدامة: (7/383) . وفتح القدير لابن الهمام (3/274- 275) . والمبسوط (4/ 214) .

خامسًا: دليل من ألحق وصيّ الأب بالأب. وأمَّا من ألحق وصيَّ الأب بالأب في جواز تزويج البكر الصّغيرة؛ فذلك لقيامه مقامه، كوكيله في حياته، عند من قال بولاية الوصيّ، وسيأتي ذكر خلاف العلماء في ثبوت ولاية النّكاح للوصيّ في أسباب الولاية في النّكاح - إن شاء الله تعالى - مع بيان ما يظهر رجحانه، والله الموفِّق. سادساً: دليل من أجاز لجميع الأولياء تزويجها بإذنها إذا بلغت تسعًا. وأمّا من أجاز لجميع الأولياء تزويج البكر الصّغيرة بإذنها إذا بلغت تسعًا فاستدّل بما يلي: 1- حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله خير تزوَّجها وهي ابنة ست سنين، وأدخلت عليه وهي ابنة تسع"1. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة". ذكره الترمذي في كتاب النّكاح بدون إسناد2، وعزاه ابن قدامة في المغني لأحمد3. وقال الألباني في إرواء الغليل "تخريج أحاديث منار السبيل": وقول

_ 1 تقدم تخريجه (ص380) . 2 الترمذي: (4/247تحفة) . نكاح. باب ما جاء في استئمار البكر والثّيب. 3 المغني لابن قدامة (7/383) .

المصنف: (أي صاحب منار السبيل) رواه أحمد، تبع في ذلك ابن عبد الهادي، كما تقدّم نقله هناك، ولعلّه يعني في غير المسند1 والله أعلم" اهـ ومعنى قول عائشة هذا "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة": أي في حكم المرأة البالغة، لأنّه يحصل لها حينئذ ما تعرف به نفعها وضررها من الشعور، والتمييز2. 2- ما روي أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد خطب أمَّ كلثوم3 ابنة أبي بكر إلى عائشة بعد موت أبيها فأجابته وهي لدون عشر؛ لأنّها إنّما ولدت بعد موت أبيها، وإنّما كانت ولاية عمر عشرًا، فكرهته الجارية، فتزوَّجها طلحة بن عبيد الله ولم ينكره منكر". فدّل ذلك

_ 1 إرواء الغليل (6/229) . 2 انظري المغني والشرح الكبير (7/383والشرح 388) وتحفة الأحوذي (4/ 248) . 3 قال ابن حجر في الإصابة- في القسم الثاني منه- (أم كلثوم: بنت أبي بكر الصديق التيميّة. تابعية مات أبوها وهي حمل، فوضعت بعد وفاة أبيها، وقصتها بذلك صحيحة في الموطأ وغيره.. الإ صابة (4/493) . وانظر ترجمتها في تهذيب التهذيب (12/477) . والتقريب (2/624) وطبقات ابن سعد (8/462) . وقال ابن حجر أيضًا في ترجمة طلحة بن عبيد الله: وقال ابن السكن يقال: إنَّ طلحة تزوَّج أربع نسوة، عند النبيّ صلى الله عليه وسلم أخت كلّ منهنّ: أمَّ كلثوم بنت أبي بكر أخت عائشة. وحمنة بنت جحش أخت زينب. والبارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة، ورقية بنت أبي أمية أخت أمَّ سلمة. اهـ. (الإصابة 2/230) .

على اتفاقهم على صحّة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها. كذا قاله ابن قدامة في (المغني) وتابعه الشارح1. ولكن هذا الخبر- إن صحّ- فإنّه لا يدلّ صراحة على التحديد بالتسع سنين، وإنّما يدلّ أنّها كانت صغيرة حين خطبها عمر، فكون ولاية عمر عشرًا، وأمّ كلثوم قد مات أبوها- أبو بكر الصديق- وهي حمل في بطن أمّها، لا يدلُّ على أنّ عمر خطبها في آخر سنة من خلافته. والله أعلم. 3- أنّ في هذا القول جمعًا بين الأدلّة التي ظاهرها جواز نكاح الصّغيرة، والأدلّة التي فيها الأمر باستئذان اليتيمة، والنهي عن إنكاحها إلا بإذنها". فمن الأدلة التي ظاهرها جواز نكاح الصّغيرة: 1- قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْن} 2 فقوله تعالى: {وَاللائِي لَمْ يَحِضْن} بيان لعدةّ الصّغيرة التي لم تحض، وهذا لا يتصوّر إلا بعد نكاحها. 2- وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 3. فدلَّت هذه الآية على جواز إنكاح اليتيمة بشرط أن

_ 1 المغني والشرح (7/ 384 والشرح 389) . 2 سورة الطلاق آية رقم (4) . 3 سورة النساء آية رقم (3) .

يقسط لها في صداقها. وأمَّا الأدلّة التي فيها أنَّ اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها فمنها: 1- حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:- في ابنة عثمان بن مظعون- "هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها"1. 2- وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله عن قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها"2. 3- وحديث أبي موسى - رضى الله عنه - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره"3. فقالوا: إنَّ اليتيمة حقيقة هي الصّغيرة قبل بلوغها، وقد انتفى إمكان إذنها قبل تسع، فوجب حمله على من بلغت تسعًا، حملاً للفظ على حقيقته ما أمكن، فإذا بلغت اليتيمة تسع سنين استأذنها وليّها، فإن رضيت زوّجها، ولا خيار لها بعد بلوغها وإن كرهت لم تزوّج4. والله أعلم.

_ 1 تقدم تخريجه (ص 389) . 2 تقدم تخريجه (ص 387) . 3 تقدم تخريجه (ص 388) . 4 انظر المغني لابن قدامة (7/383والشرح 388) .

سابعًا: دليل من أجاز لجميع الأولياء تزويجها سواء بلغت تسعًا أم أقلّ. وأمَّا من أجاز لجميع الأولياء تزويج البكر الصّغيرة- سواء بلغت تسعًا أم أقلَّ من ذلك، وسواء كان وليّها أباها أم جدَّها- فقد احتجُّوا بظاهر عموم القرآن، والسنّة، والآثار، والمعقول، ومن ذلك ما يلي: أ- الأدلّة من القرآن الكريم: أولاً: قوله تعالى: {واللاَّئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهنَّ ثلاثة أشهر واللاَّئي لم يحضن} 1. ففي قوله تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} إثبات لعدّة الصغيرة التي لم تبلغ المحيض، وسبب العدّة شرعًا هو النّكاح، فدلّ ذلك على تصوّر نكاح الصّغيرة، فبطل بذلك منع من منع من إنكاح الصّغيرة مطلقًا كابن شبرمة، وأبي بكر الأصمّ، كما أنَّ ظاهره عامٌّ أيضًا في تزويج الآباء، وغيرهم من سائر الأولياء2. والله أعلم.

_ 1 سورة الطلاق- آية رقم: (4) . 2 انظر: المبسوط (4/212) ، وفتح القدير (3/ 274) ، وأحكام القرآن للجصاص (2/ 4 5) ، والمغني لابن قدامة (7/380، والشرح 386) ، والفتاوى لابن تيمية (32/44-48) ، وفتح الباري (9/ 189-190) .

ثانياً: قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 1. ثالثًا: ومثله قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} 2. فإنَّ ظاهر هاتين الآيتين جواز تزويج اليتيمة بشرط القسط لها، وهو العدل، والوفاء لها في مهرها، وسائر حقوقها المترتبة على نكاحها، واليتيمة حقيقة: من كانت دون البلوغ ولا أب لها، وإذا بلغت فليست بيتيمة، وإن سميّت يتيمة فبطريق المجاز. والله أعلم. والدَّليل على أنَّ هاتين الآيتين نازلتان في نكاح اليتامى من النِّساء ما صحّ عن عائشة - رضي الله عنها - أنّهما نازلتان في اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق.

_ 1 سورة النساء- آية رقم: (3) . 2 سورة النساء- آية رقم: (127) .

فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة - رضي الله عنها - قال لها: يا أمّتاه! {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} - إلى قوله- {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قالت عائشة: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حَجْر وليّها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنَّ إلاّ أن يقسطوا لهنَّ في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهنَّ من النِّساء، قالت عائشة: استفتى النَّاس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} - إلى- {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُن} فأنزل الله - عزَّ وجلَّ- هذه الآية: إنَّ اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا1 في نكاحها ونسبها والصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلَّة المال والجمال تركوها، وأخذوا غيرها من النِّساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقّها الأوفى من الصداق ". رواه الأئمة: البخاري- وهذا لفظه- ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي2، وغيرهم.

_ 1 في الأصل هنا "ورغبوا " بواو العطف، ولكنّه غير مستقيم مع ما بعده، فالظاهر زيادتها. والله أعلم. 2 تخريجه: 1- البخاري: (9/197 الفتح) نكاح، باب تزويج اليتيمة لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} ، وفي مواضع أخر من الصحيح. انظر التنبيه على أطرافه (5/133من الفتح) . 2- مسلم: (18/154-156نووي) تفسير. 3- أبو داود: (6/74-76عون المعبود) نكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء. 4- النسائي: (6/115-116 مع حاشيتي السيوطي والسندي) نكاح، القسط في الأصدقة. 5- الدارقطني (3/ 264- 266) نكاح. 6- البيهقي: (7/141-142) نكاح، باب ما جاء في نكاح اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في نكاحها.

قال الحافظ ابن حجر: "وفيه- أي في هذا الحديث- دلالة على تزويج الوليّ غير الأب التي دون البلوغ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا؛ لأنَّ حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ، ولا أب لها، وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها، فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قويِّ "1 اهـ. وقال ابن الهمام في توجيه الاستدلال بالآية الأولى: "منع من نكاحهنَّ عند خوف عدم العدل فيهنَّ، وهذا فرع جواز نكاحها عند عدم الخوف، ولا يقال: ذلك بمفهوم الشرط؛ لأنَّ الأصل جواز نكاح غير المحرَّمات مطلقًا، فمنع من هذه عند خوف عدم العدل فيهنَّ، فعند عدمه

_ 1 فتح الباري (9/197) .

يثبت الجواز بالأصل، لا مضافًا إلى الشرط، ويصرح بجواز نكاحها قول عائشة: "إنّها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليّها… "1. هذا خلاصة ما قيل في توجيه الآية الكريمة للاستدلال بها على تزويج اليتيمة، وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية الكريمة وما ورد في سبب نزولها من جواز نكاح اليتامى من أوجه عدّة، خلاصتها في أمرين: الأوّل: أنَّ ما تقدّم من توجيه الاستدلال بهذه الآية على صحّة تزويج اليتامى إنّما هو مبني على التسليم بأنَّها نازلة في نكاح اليتامى - كما سبق عن عائشة رضي الله عنها - ولكن بعض الصحابة والتابعين لم يوافق عائشة - رضي الله عنها - على ذلك التفسير. والثّاني: أنّه على التسليم بترجيح ما قالته عائشة - رضي الله عنها - في معنى الآية فلا يسلّم بأنَّ المقصود باليتامى في الآية الكريمة الصّغيرات، بل المقصود بهن البوالغ من النِّساء، وإليك بيان ذلك مفصَّلاً: أمّا الاعتراض الأوّل: فقد أفاض أئمة المفسرين في ذكر أوجه كثيرة في معنى الآية الكريمة، فذكروا أوجهًا من تفسيرها يطول ذكرها وتوجيهها، ونحن نكتفي بذكر أربعة منها، اشتهر ذكرها، ويرجع - غالبًا- إليها غيرها.

_ 1 فتح القدير لابن الهمام (3/275) . وانظر: المبسوط (4/ 214) ، والفتاوى لابن تيمية (32/44- 46) ، وزاد المعاد لابن القيّم (5/200) ، وعون المعبود (6/16) ، وتفسير أضواء البيان (1/268) .

أوّلها: ما سبق ذكره عن عائشة رضي الله عنها1. ثانيها: أنّه لما نزلت الآية التي قبلها في أموال اليتامى وهي قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} 2. خاف أولياء اليتامى أن يلحقهم الحُوبُ في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشر من الأزواج وأكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرَّجتم منها فكونوا خائفين من ترك العدل في حقوق النساء، ولا تنكحوا منهنَّ إلا واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا، وإن خفتم أيضًا في الزيادة على الواحدة فلا تنكحوا إلاّ ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة، أو ما ملكت أيمانكم، لأنّ المرأة كاليتيم في ضعف كلٍّ منهما، وعدم قدرته على المدافعة عن حقِّه، فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها. وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن غيره من التابعين، واختاره ابن جرير إمام المفسرين3.

_ 1 انظر: تفسير ابن جرير الطبري (4/155) ، والتفسير الكبير للفخر الرازي (9/ 171) ، وأحكام القرآن للجصاص (2/50) . 2 سورة النساء- آية رقم: (2) . 3 انظر: تفسير ابن جرير الطبري (4/156-158) ، وتفسير الفخر الرازي (4/171) ، وأحكام القرآن للجصاص (2/50) ، وأضواء البيان (1/269) .

وثالثها: أنّهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم: كما خفتم في حقِّ اليتامى فكونوا خائفين من الزنى، فانكحوا ما حلَّ لكم من النِّساء، ولا تحوموا حول المحرّمات. وهذا مروي عن مجاهد رحمه الله1. وقد عقّب عليه الأمين في (أضواء البيان) بقوله: "وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر لي "2. والله أعلم. ورابعها: النهي عن نكاح ما فوق الأربع خشية أن تضطرّهم مؤن النّكاح إلى أكل أموال الأيتام، وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوَّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدمًا بسبب إنفاق ماله على أزواجه، ولم يبق له مال اضطر إلى الأخذ من مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه أو تزوَّج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم: يا معشر أولياء اليتامى إن خفتم على إنفاق أموال أيتامكم لحاجتكم لما يلزمكم من نسائكم فلا تتجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء أربعًا، وإن خفتم أيضا من الأربع أن تضطركم إلى إنفاق أموال أيتامكم فاقتصروا على الواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ". وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن عكرمة رحمه الله3.

_ 1 أضواء البيان (1/269) ونفس المصادر السابقة. 2 أضواء البيان (1/269) . 3 ابن جرير الطبري (4/156) ، والفخر الرازي (9/ 171- 172) . وأحكام القران للجصاص (2/50)

فهذه أوجه أربعة من التفسير في معنى الآية الكريمة، وهناك أوجه أخر راجعة تقريباً إلى ما ذكر. والذي يظهر لي من تأمَّل هذه الأوجه الأربعة وغيرها: أنَّ أقواها وأولاها بتفسير الآية الكريمة هما القولان: الأول والثّاني. أمّا القول الأوّل: فلصحته عن عائشة - رضي الله عنها - كما تقدّم، بل ذكرت أنّه سبب نزول الآية؛ وخير ما يعين على فهم الآية سبب نزولها. وأمّا القول الثَّاني: فيؤيِّده ظاهر نظم الآية مع التي قبلها؛ ولذلك اختاره ابن جرير رحمه الله. والذي يظهر والله أعلم: أنّه لا منافاة بين هذه الآية والتي قبلها؛ فالأولى في تحذير أولياء اليتامى من أكل أموال أيتامهم مطلقًا، والثَّانية في التحذير من نقص مهور يتامى نسائهم اللاتي يرغبون في نكاحهنَّ، خاصّة إذا علمنا ضعف النِّساء اليتامى ظهر وجه تخصيصهنّ بعد تعميم. والله أعلم. وبنحو هذا قال أبو بكر الجصاص رحمه الله1.

_ 1 انظر: أحكام القرآن للجصاص (2/ 51) وقال أيضًا: فإن قيل: يجوز أن يكون المراد الجد. قيل: إنّما ذكرا (أي ابن عباس وعائشة، فإنه قد روي عن ابن عباس نحو ما تقدّم عن عائشة) أنّها نزلت في اليتيمة التي في حجره، ويرغب في نكاحها، والجد لا يجوز له نكاحها، فعلمنا: أنّ المراد ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء اهـ (2/ 51) .

وأمّا الاعتراض الثَّاني: وهو أنّ المراد باليتامى في الآيتين الكريمتين1 البالغات من النِّساء لا الصّغيرات، وأنَّ تسميتهنَّ هنا يتامى إنّما هو استصحاب للاسم السابق لهنّ فاستدلوا له بأمرين: أولهما: قوله تعالى في الآية الثَّانية: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} 2 فقالوا: إنَّ اليتامى في هذه الآية هنّ اليتامى في قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} 3، وقد راعى في هذه الآية اسم النِّساء مرتين فقال: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء} ، و {يَتَامَى النِّسَاء} والنِّساء اسم لكبار الإناث دون صغارهنَّ، كالرِّجال اسم لكبار الذكور دون صغارهم، فدلّ ذلك على أنَّ المراد باليتامى في هاتين الآيتين البالغات لا الصّغيرات4. وثانيهما: ما جاء في5 السنة الصحيحة من الأمر باستئذان اليتيمة والنهي عن نكاحها بدون إذنها، والصّغيرة لا إذن لها مما يدلّ على اشتراط

_ 1 هما المشار إليهما في مقدمة المبحث: (آية رقم: 2) و (آية رقم: 127) من سورة النساء. 2 سورة النساء- آية رقم: 127. 3 سورة النساء آية رقم: 3. 4 انظر: تفسير ابن العربي (1/ 310- 311) ، والقرطبي (5/13-14) . 5 انظر ما تقدم (ص 387 وما بعدها) .

بلوغها لصحّة إذنها، فدلّ ذلك على أنَّ المراد باليتامى في كلتا الآيتين من يعتبر إذنهنَّ وهن البوالغ دون الصّغيرات1. وقد أجيب عن الأمر الأول- وهو القول إنّ النساء اسم لكبار الإناث، دون صغارهنَّ من وجهين: الوجه الأوّل: أن إطلاق اسم اليتامى على الصّغيرات هو حقيقته اللُّغوية، وأمّا البالغات فهو مجاز، ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بدليل2. وأمّا مراعاة إطلاق اسم النساء في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء} و {يتامى النِّساء} فإنَّ الصّغيرات داخلات في جنس النِّساء كما في قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} 3، وقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء} 4، ولا خلاف في دخول الصّغيرات في

_ 1 انظر: تفسير ابن العربي (1/ 310- 311) ، والقرطبي (5/13-14) . 2 انظر: أحكام القران للجصاص (2/52) . 3 سورة النساء- آية رقم: 3. 4 سورة النساء- آية رقم: 22.

ذلك، وكذلك قوله {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} 1، ولو تزوّج الرجل صغيرة حرمت عليه أمّها تحريماً مؤبّدًا، كذا قال أبو بكر الجصاص2. وقال الأمين الشنقيطي رحمه الله: يؤخذ من هذه الآية جواز تزويج اليتيمة إذا أعطيت حقوقها وافية، وما قاله كثير من العلماء من أنَّ اليتيمة لا تزوَّج حتى تبلغ محتجِّين بأنّ قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} اسم ينطلق على الكبار دون الصّغار فهو ظاهر السقوط؛ لأنّ الله صرّح بأنهنّ يتامى بقوله: {ويتامى النِّساء} وهذا الاسم أيضًا قد ينطلق على الصغار كما في قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم} 3 وهنّ إذ ذاك رضيعات، فالظاهر المتبادر من الآية جواز نكاح اليتيمة، مع الإقساط في الصداق وغيره من الحقوق، ودلّت السنّة على أنّها لا تجبر فلا تزوّج إلاّ برضاها وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء "4 اهـ. الوجه الثَّاني: أنّ الكبيرة إذا رضيت بأقلّ من مهر مثلها جاز إنكاحها، ولا اعتراض لأحد عليها، فدلّ ذلك على أنّ المراد باليتامى

_ 1 سورة النساء- آية رقم: 23 2 أحكام القرآن للجصاص (2/52) . 3 سورة البقرة آية (49) . 4 أضواء البيان 1/ (168) .

الصغيرات اللاّتي يتصرّف في نكاحهنَّ ومهورهنَّ، من هنّ في حجره من أوليائهن1. وقد أجاب ابن العربي عن هذا بأنّه محمول على أحد وجهين: أحدهما: أن تكون اليتيمة ذات وصيّ2. ولكن يعكّر على هذا الخلاف في ولاية الوصيِّ، وممن لم يقل بها المنازع في هذه المسألة كالحنفيّة. ثانيهما: أن يستظهر عليها الوليّ بالرجولة والولاية، فيستضعفها لأجل ذلك، ويتزوّجها بما شاء، ولا يمكنها خلافه فنهوا عن ذلك إلا بالحقِّ الوافر3. وهذا وإن كان له وجه من النظر، كما يشهد له الواقع، إلا أنّه خلاف الحقيقة في مسمّى اليتيمة. وأمّا قولهم: إن اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، والصّغيرة لا إذن لها، وهذا دالة على اشتراط بلوغها. فجوابه أن يقال: إنَّ اليتيمة التي جاءت السنّة باستئذانها هي البالغة، بدلالة اشتراط إذنها، فتكون الصّغيرة غير داخلة في الأمر بالاستئذان

_ 1 انظر: أحكام القرآن للجصاص (2/ 52) . 2 أحكام القرآن لابن العربي (1/ 311) . 3 أحكام القرآن لابن العربي (1/ 311) .

مطلقًا؛ لعدم اعتبار إذنها، وعلى هذا فالظاهر تزويجها، لعدم الفائدة من استئذانها. وإمّا أن يقال: إنّها اليتيمة الصّغيرة المميِّزة كابنة تسع، وبهذا يرتفع الإشكال جملة- كما سيأتي في توجيه الأحاديث التالية. والذي يظهر لي مما تقدّم: أنّ المقصود باليتامى في الآيتين الكريمتين أعمُّ وأشملُ من قصره على الصّغيرات أو البالغات، فظاهر الآية العموم؛ فإنَّ كون الصّغيرات يتامى حقيقة لا يمنع دخول الكبيرة، وذلك استصحابًا لحقيقة وصفها قبل بلوغها، وإشعارًا للوليّ بالعطف عليها، وتقوى الله فيها، وإنّما تكون الصّغيرة أحقَّ بالدخول في عموم الآية من الكبيرة. وكذلك مراعاة اسم النساء في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} و {يَتَامَى النِّسَاءِ} ، فإنّه لا يخرج الصّغيرة من الدخول في جنس النِّساء كما تقدَّم. والله أعلم.

ب- الدَّليل من السُّنَّة. وأمّا الدليل من السُّنَّة على صحّة تزويج البكر الصّغيرة، سواء كان الوليّ أبًا أم غيره، فهو: أولاً: ما تقدّم في تزويج ذات الأب من حديث عائشة وغيره1. ثانيًا: ما تقدّم أيضًا من حديث أبي هريرة وأبي موسى وابن عمر رضي الله عنهم في تزويج اليتيمة2. فإن ظاهر تلك الأحاديث أنّ اليتيمة تزوّج بإذنها، ومن كانت دون البلوغ، فهي يتيمة حقيقة، بخلاف البالغة، فهي وإن دخلت في عموم التسمية، فعن طريق المجاز. إلاّ أنّ العلماء استشكلوا كيف تستأذن من لم تبلغ؟ فحمل بعضهم هذه الأحاديث على البالغة للاتفاق على اعتبار إذنها دون الصّغيرة، ثم إنَّ منهم من منع من تزويج الصّغيرة، حتى تبلغ فتزوّج بإذنها؛ ومنهم من أجاز تزويجها بدون إذنها؛ لأنّه لا اعتبار لإذن الصّغيرة، وأثبت لها الخيار إذا بلغت، ومنهم من أجاز تزويجها بإذنها إذا بلغت تسعًا، ولا خيار لها بعد بلوغها، كما روى عن الإمام أحمد رحمه الله؟ لبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة وهي ابنة تسع، وقولها: "إذا بلغت الجارية تسع

_ 1 انظر الأدلة على تزويج الأب ابنته البكر الصغيرة (ص 380 وما بعدها) . 2 انظر الأدلة من السنّة وغيرها على تزويج اليتيمة بإذنها (ص 387 وما بعدها) .

سنين فهي امرأة ". أي في حكم المرأة البالغ، إلاّ أنَّ تقييد تلك الأحاديث الواردة في تزويج اليتيمة بإذنها بمن بلغت تسعًا، دون غيرها، لا يخلو من نظر. والله أعلم. وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيميَّة القول بتزويج اليتيمة بإذنها، واستبعد حمل اليتيمة في تلك الأحاديث وغيرها على البالغة دون الصّغيرة1. وتبعه في ذلك تلميذه ابن القيِّم رحمه الله قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ اليتيمة تستأمر في نفسها- ولا يتم بعد احتلام- فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشة - رضي الله عنها- وعليه يدلّ القرآن والسنة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما "2 اهـ. وتقدّم قول الأمين الشنقيطي- رحمه الله-: دلّت السنَّة على أنّها- أي اليتيمة- لا تجبر فلا تزوّج إلا برضاها، وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء "3. ج- الدليل من المعقول. وأمّا الدليل على تزويج كلِّ وليٍّ للبكر الصّغيرة، فلأنّ النّكاح من جملة المصالح وضعًا، والوليُّ - وإن بعد - ناظر لموْلِيَّته بعين المصلحة،

_ 1 انظر: الفتاوى لابن تيمية (32/44-49) . 2 زاد المعاد (5/100) . 3 تقدم (ص407) . وانظره في: أضواء البيان (1/268) .

والنّكاح يعقد لمقاصده، وهي لاتتوفَّر- غالبًا- إلاّ بين المتكافئين، والكفء لا يتوفّر في كلِّ وقت، ولأنّ غير الأب من سائر الأولياء هم أولياؤها بعد بلوغها، إمّا وجوبًا عند الجمهور، أو استحبابًا عند غيرهم، فكانوا أولياءها في صغرها من باب أولى كالأب1. ثامنًا: دليل من أثبت للصغيرة الخيار إذا زوّجها غير أبيها أو جدّها. وأمّا من أثبت لها الخيار بعد بلوغها2 إذا زوّجها غير أبيها، أو جدِّها، فاستدلَّ بما يلي: أوّلاً: ما روى أنّ قدامة بن مظعون زوّج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -، فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بلوغها، فاختارت نفسها، حتى روي أنّ ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: إنّها انتزعت منِّي بعد أن ملكتها. وهذا نصٌّ في الباب، كذا قال بعض الحنفية3. وقد تقدم تخريج حديث ابن عمر هذا4.

_ 1 انظر: المبسوط (4/ 212-215) ، والهداية وفتح القدير والعناية (3/ 275-276) . 2 يثبت لها حق الفسخ- عند الحنفيّة- بشرط القضاء إن اختارت الفسخ. 3 انظر: بدائع الصنائع (3/1511) ، والمبسوط (4/215) ، وفتح القدير (3/ 276) . 4 تقدم (ص 389) .

ثانيًا: ما روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّج ابنة عمّة حمزة، وهي صغيرة، وقال لها الخيار إذا بلغت"1. وهذا الأثر قد رواه البيهقي بإسناده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنّ عمارة2 بنت حمزة بن عبد المطلب كانت بمكة، فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني في عمرة القضيّة- خرج بها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: تزوّجها، فقال: ابنة أخي من الرضاعة، فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة3 بن أبي سلمة، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "هل جزيت سلمة؟ " ثم قال البيهقي: "هذا إسناد ضعيف، وليس فيه أنّها كانت صغيرة، وللنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في باب النّكاح ما ليس لغيره، وكان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبذلك تولَّى تزويجها دون عمّها العباس، إن كان فعل ذلك. والله أعلم"4 اهـ.

_ 1 انظر: فتح القدير (3/278) . 2 قال الحافظ في الفتح: اسمها عمارة، وقيل: فاطمة، وقيل: أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل: سلمى، وهذا هو المشهور. (7/505) . وانظر: الإصابة (4/235، 331، 365، 381) ، وترجمة أمها سلمى بنت عميس (4/332) . 3 هذا هو المشهور في اسم زوجها في هذه القصّة. انظر ترجمته في الإصابة أيضا (2/66) والتراجم السابقة. وليس كما ذكره في المبسوط (4/214) ، وفتح القدير (3/276) من أنّ زوجها عمر أخوه. فليلا حظ. 4 البيهقي (7/122) نكاح، باب ما جاء في نكاح اليتيمة.

وقد روى البخاري في صحيحه قصَّة بنت حمزة هذه عن ابن إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه- في باب عمرة القضاء وفيها: "فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم - أي من مكة بعد انتهاء العمرة- فتبعتة ابنة حمزة تنادى: يا عمّ، يا عمّ، فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: "دونك ابنة عمّك حمّليها"1، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، قال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمِّي، وقال جعفر: ابنة عمِّي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأمِّ، وقال لعليّ: أنت منّي وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا، وقال عليّ: ألا تتزوّج بنت حمزة؟ قال: إنَّها ابنة أخي من الرضاعة2 أهـ. وقصَّة عرض عليّ رضي الله عنه لابنة حمزة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة في صحيح مسلم3 أيضَا وغيره، من حديث عليّ وابن عباس وأمّ سلمة رضي الله عنهم، ولكن ليس في هذه الأحاديث الصحيحة، ذكرٌ لتزويجها مطلقًا لا بسلمة، ولا بأخيه عمر، ولا بغيرهما، وليس فيها أيضًا بيان

_ 1 قوله: "حمِّليها "- بتشديد الميم المكسورة وبالتحتانيّة بصيغة الأمر- أي احمليها كما في اللفظ الآخر، وفي لفظ: امسكيها عندك. انظر: فتح الباري (7/506) . 2 البخاري (7/499 مع الفتح) المغازي، باب عمرة القضاء. وانظر: نصب الراية (3/267) ، وإرواء الغليل (7/245-249) . 3 انظر: صحيح مسلم (10/23- 24 نووي) الرضاع، ونصب الراية (3/168) ، وإرواء الغليل (6/284) .

لمقدار عمرها حين تبعتهم من مكَّة، ولا حين عرضها عليّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتزوّجها، بل ورد أنَّ عليّاً لم يعرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغت1. ولكن ذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة "سلمة بن أبي سلمة " عن ابن إسحاق، أنّه قال: حدّثني من لا أتّهم، عن عبد الله2 بن شدّاد قال: كان الذي زوّج أمّ سلمة من النبيّ صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة ابنها فزوّجه النبيّ صلى الله عليه وسلم أمامة3 بنت حمزة، وهما صبيّان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "هل جزيت سلمة؟ "4 اهـ.

_ 1 انظر: فتح الباري (7/508) . 2 هو: عبد الله بن شدّاد بن الهادي، أخو أولاد حمزة لأمهم، فأمُّه "سلمى بنت عميس " أمّ صاحبة القصة هنا. انظر ترجمته في: الإصابة (3/60من القسم الثاني منها) وترجمة أبيه (2/141-142) وترجمة أمّه سلمى بنت عميس (4/332) . وهو من كبار التابعين الثقات (وقد قيل: إنّه ولد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم) . انظر ترجمته في: التقريب (1/322) ، وتهذيب التهذيب (5/251-252) . 3 هذا لا يخالف رواية البيهقي السابقة من أنَّ اسمها "عمارة " فهو خلاف في الاسم كما تقدَّم عن الحافظ أنّه اختلف في اسمها وقد ذكر لها خمسة أسماء منها "أمامة ". (انظر: الحاشية رقم "2 " ص413) . 4 الإصابة (2/66) ، ونحوه في الاستيعاب (2/87 مع الإصابة) .

فإن صحّ هذا الخبر فهو صريح في صغر ابنة حمزة وتزويجها، وإلاّ ففي القول بتزويجها نظر، ومن هذا نعلم أيضًا أنّه لا ذكر لتخييرها إذا بلغت، وإنّما ذكرت ما صحّ من قصة ابنة حمزة هذه لشهرتها عند الفقهاء واستدلالهم بها على تزويج اليتيمة الصّغيرة، وعلى تخييرها عند بلوغها - كما هو مقصودنا هنا- وإنّما لم أذكرها في أدلّة تزويج الصّغيرة المتقدَّمة إذا كان الوليُّ غير أب؛ للاستغناء عنها هناك بما ذكر، وللحاجة إليها هنا فناسب تأخيرها. والله أعلم. ثالثًا: واستدلُّوا لإثبات خيار البلوغ إذا كان الوليّ غير أب أو جدّ بأنَّ غير الأب والجدّ قاصر الشفقة، فإذا ملكت أمرها ببلوغها ثبت لها الخيار؛ لتستدرك ما فاتها، كالأمة إذا زوّجها مولاها ثم أعتقها. وهذا هو أقوى أدلّة من أثبت للصغيرة خيار البلوغ1. والله أعلم. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنّه لا دلالة فيما ذكروا على ثبوت خيار البلوغ لما يلي: أوّلاً: أنّ حديث عبد الله بن عمر – المتقدِّم - ليس فيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيَّرها بعد بلوغها، بل الذي فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاحها بدون إذنها فقال: "إنها يتيمة ولا تُنْكح إلا بإذنها". وهذا يدلّ على أنّها بالغة حين خطبها أو تزوّجها عبد الله بن عمر، أو أنّ لليتيمة قبل

_ 1 انظر: المبسوط (4/215) ، والبدائع (3/1511) ، والهداية وفتح القدير والعناية (3/277-278) .

بلوغها إذنًا معتبرا شرعًا، كما قاله بعض المحقّقين. وإنّما القول بإثبات الخيار لها بعد البلوغ استنباط من قول عبد الله بن عمر "والله لقد انتزعت منّي بعد أن ملكتها ". كما يدلُّ عليه كلام السَّرَخْسِي وابن الهُمام1. ولكن هذا لا يدلّ على أنّه تزوّجها صغيرة، فبقيت في عصمته من غير نكير حتى بلغت، ثم رفعت أمرها إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقضى لها بالخيار لأنّها بلغت، ففي هذا تكلّف وغرابة لا ملجيء إليها، والله الموفِّق. ثانياً: وأمّا تزويجة ابنة عمّه حمزة رضي الله عنه فقد سبق ذكر ما أمكن الوقوف عليه من طرق وألفاظ هذا الخبر، وليس في شيء منها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لها الخيار إذا بلغت". والله أعلم. ثالثًا: وأمّا قولهم: إنَّ الأب والجدّ وافرا الشفقة بخلاف غيرهما، فإنّ وفور شفقتهما؛ لقربهما، وقربهما يدلّ على أحقِّيتهما في التقدّم على من يليهما من العصبات، لا على إثبات حقٍّ في فسخ عقد وليّ لم يأت دليل بفسخه. وأمّا قولهم: "إنّ الصّغيرة قد ملكت نفسها ببلوغها فملكت الخيار كالأمة إذا زوّجها وليُّها ثم أعتقها"، فهذا مبنٌّي على أصلين مختلف فيهما: أولهما: أنّ الحرّة المكلّفة تملك نكاح نفسها بعد بلوغها، وقد تقدّم أنّ الراجح في هذا مذهب الجمهور أنّ عقدة نكاح المرأة لوليّها، لا لها،

_ 1 انظر: المبسوط (5/4 21) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/276) .

وإنّما حقّها الرِّضى قبل العقد أو الفسخ بعده إن لم ترض1. ثانيهما: أنّ خيار الأمة لملكها نفسها، لا لرقّ زوجها مع عتقها، والعمدة في هذا حديث بريرة المشهور، وبريرة قد عتقت، وزوجها عبد، - على الصحيح- فسبب خيارها هو رقّ زوجها مع حرّيتها - كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث خيار الأمة 2؛ - إذ لو عتقت تحت حرٍّ لم يكن لها عليه فضل مزيّة، مع ما في قياس الحرّة الصّغيرة على الأمة قبل عتقها من الفارق بين الحرّية والرِّق، وبين ولاية المالك وولاية الوليّ. والله أعلم. تنبيه: قال الزيلعي الحنفي- صاحب (تبيين الحقائق) -: "ومذهبنا منقول عن عمر، وعليّ، والعبادلة، وأبي هريرة، وكفى بهم حجّة. وحكى الكرخيُّ رحمه الله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، وزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت حمزة- وهي صغيرة- سلمة بن أبي سلمة، وهي بنت عمّه، وقال لها الخيار إذا بلغت"3 انتهى المقصود من كلامه. وهذا الاستدلال لمذهبهم يحتمل أن يكون لتزويج الصّغيرة قبل

_ 1 انظر: آخر الفصل الثاني في الولاية على الحرّة المكلّفة، وآخر الفصل الثالث في استئذانها. 2 انظر (ص 2/37 إلى آخر المبحث) . 3 تبيين الحقائق2/121) ، وقد عزا خبر ابنة حمزة لسبط ابن الجوزي وغيره، ولكن لم أتمكن من الوقوف عليه هناك.

بلوغها، وإن لم يكن الوليّ أبًا أو جدًّا، ويدلّ على هذا حكاية الإجماع، كما حكاه غير واحد، كقول الشافعي رحمه الله: "وزوّج غير واحد من الصحابة ابنته صغيرة "1. ويحتمل أن يكون قد قصد به الاستدلال لمذهبهم مطلقًا في هذه المسألة، أي تزويج الصّغيرة مع إثبات خيار البلوغ لها، إن لم يكن المزوِّج أبًا أو جدًّا، وهذا بعيد؛ فإنّني لم أقف على قول لواحد من الصحابة في إثبات خيار البلوغ، فضلاً عن إجماعهم عليه. والله أعلم. تاسعًا: دليل من أثبت للصغيرة الخيار مطلقًا مع جميع الأولياء. وأمّا من أثبت للصغيرة الخيار بعد بلوغها مع جميع الأولياء - حتى وإن زوّجها أبوها أو جدّها - فلم أجد لهم دليلاً إلا ما قيل: بأنّها تستدرك ما فاتها حين بلوغها2. والأظهر: أنّ وجهة أصحاب هذا القول هي نفس وجهة أصحاب القول السابق، وكلُّ ما في الأمر أنّ بينهما عمومًا وخصوصًا، فأولئك استثنوا الأب والجدّ؛ لوفور شفقتهما، وهؤلاء لم يروا موجبًا لتخصيصهما دون غيرهما. والله أعلم. عاشراً: دليل من لم يجعل للصغيرة خياراً بعد بلوغها مطلقًا. وأمّا من لم يجعل للصغيرة خيارًا بعد بلوغها مطلقًا - سواء أكان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، - فذلك لأنّ نكاح الصّغيرة قد صدر من

_ 1 انظر ما تقدم (ص 383) . 2 انظر: المبدع لابن مفلح (7/26) .

وليّ، والوليّ ناظر للموْلِيِّ عليه، وقائم مقامه، وفيه دافع الشفقة والحرص على النظر فيلزم نفاذ عقده قياسًا على الأب، وكذلك الجدّ عند من ألحقه به؛ إذ وفور شفقتهما لا يدلّ على تخصيصهما في نفاذ عقدهما دون غيرهما من الأولياء1. والله أعلم. خلاصة ما تقدّم وبيان الرَّاجح وممّا تقدّم يتَّضح أنّ هذا المبحث قد اشتمل على ثلاث مسائل هي: أوّلها: تزويج البكر الصّغيرة. ثانيها: اعتبار إذنها. ثالثها: إثبات خيار البلوغ لها. فأمّا تزويجها: فالأدلّة على صحّته قويَّة - كما تقدّم - لا فرق بين وليّ وآخر. وأمّا اعتبار إذنها: فان كانت غير مميِّزة فلا معنى لاعتباره، وأمّا إن كانت مميِّزة ففي القول بعدم اعتباره نظرٌ، وإن لم تبلغ تسعًا، خاصَّة إذا كانت يتيمة. وأمّا إثبات خيار البلوغ لها: مطلقًا، أو مع غير أبيها وجدّها، ففيه نظرٌ أيضًا، وهو إلى الضعف أقرب.

_ 1 انظر: المبسوط (4/215) ، بدائع الصنائع (3/1511) والهداية وفتح القدير والعناية (3/278) ، والبحر الزخار (3/128) ، وتبيين الحقائق (2/ 122) .

ولهذا فيبدو لي- والله أعلم- أنّ لوليّ الصّغيرة أن يزوّجها بإذنها إن بلغت سنًّا يمكن أن يحدث لها في نفسها نظر، ولو لم تبلغ تسعًا؛ فقد يحدث لها رأي قبل هذا السّنّ وقد يتأخَّر، أمّا من لا رأي لها في نفسها، كمن لم تبلغ سنّ التمييز فلا معنى لاستئذانها، ولا موجب للمنع من تزويجها، ويكفيها نظر وليّها، كما أنّه لا خيار لها إذا بلغت على كلا الحالين، وإليك بيان ذلك: أوّلاً: أمّا تزويج الأولياء لها وإن كانوا غير آباء فلِما يلي: 1- أنّ الحجّة في هذا الباب هو تزويج عائشة - رضي الله عنها - وهي صغيرة بين السادسة والسابعة من عمرها، وليس فيه منع من تزويج غير الأب، ولم يقم دليل على خصوصية هذا النّكاح في مثل هذا السنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد سبق حكاية الإجماع إلاّ من شذّ على صحّة إنكاح الأب ابنته البكر الصّغيرة. 2- قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 1، فهذه الآية إن لم تكن قاصرة على تزويج اليتيمة، فلا مخرج لها من عمومها - كما تقدّم - مع ما يعضد دلالة هذه الآية الكريمة وذلك الحديث الصحيح، من الأحاديث والآثار والمعقول التي تقدّم ذكرها وتوجيه الاستدلال بها.

_ 1 سورة النساء- آية رقم: 3

3- أنَّ النّكاح مصلحة وضعًا في حقّ الصّغار والكبار والذكور والإناث، وتصرّف الوليّ تصرّف نظر ومصلحة، ودافع الشفقة موجود في حقِّ كلِّ وليّ، فإن خرج تصرف الوليّ عن المصلحة والنظر فهو مردود؛ لضررٍ عارضٍ كان الأصل خلافه. ثانياً: وأمّا الدَّليل على استئذانها فقد سبق حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، رضي الله عنهم في الأمر باستئذان اليتيمة والنهي عن تزويجها بدون إذنها، وظاهر هذه النّصوص دخول اليتيمة حقيقة فيها وهي الصّغيرة، والقول بأنّه لا معنى لاستئذانها قبل بلوغها ممنوع بتلك النّصوص وبالواقع، فإن إكراه فتاة في سنّ العاشرة ونحوها على زوج لا ترضاه مستكره عقلاً، ومعيب عادة، ولا يخفى ضرره، والضرر ممنوع شرعًا، مع أنّ الواقع شاهد بأنّ أولياء الصّغار يعتبرون رضى صغارهم فيما هو أقلّ من هذا، ويرون فيه مصلحة لهم، وقد سبق أنّ القول باستئذان اليتيمة الصّغيرة هو اختيار المحقّقين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، والأمين الشنقيطي1. رحمهم الله. وقد تقدّم في فصل استئذان الحرّة المكلّفة أنّه لا فرق في اعتبار الإذن بين ذات أب وغيرها، وكذلك الشأن فيمن يمكن أن يحدث لها في نفسها

_ 1 انظر ما تقدم (ص411) ، وبلوغ الأماني شرح المسند للساعاتي (16/159) .

نظر قبل البلوغ. وهذا هو المنصوص1 عن الإمام أحمد- رحمه الله- فيمن بلغت تسع سنين سواء كان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، ولكن التحديد بالتسع يحتاج إلى نصّ؛ إذ إنّ باب التحديدات التوقيف، وما روي عن عائشة لا يساعد على ذلك، بل قيل إنّها بلغت في تلك السنّ، مع أنّ عائشة رضي الله عنها إنّما زوّجها أبوها وهي ابنة ست أو سبع سنين، وإنّما أدخلت عليه وهي ابنة تسع، والخلاف هنا في تزويج الصّغيرة لا في وقت إدخالها على زوجها. والله أعلم. ثالثاً: وأمّا عدم إثبات خيار البلوغ لها، فلعدم نهوض دليله كما تقدَّم. ولا يفسخ نكاح بعد صحّته إلا بدليل، وليس مع من أثبته أقوى من قياس الصغيرة بعد بلوغها على الأمة بعد عتقها، وهذا القياس لو صحّ لاستوى فيه الأب والجدّ مع غيرهما، فيبطل القول باستثنائهما. وأمّا دعوى وفور شفقتهما فهذا معتبر بقرب درجتهما، وقرب درجتهما يستحقّان بها التقديم على من بعدهم من الأولياء، بناء على قاعدة تقديم الأقرب فالأقرب، وهذا لا يوجب تخصيصهما دون غيرهما بنفاذ عقدهما، وفسخ عقد غيرهما من الأولياء. وأمّا ما استدلوا به من حديث ابن عمر وابنة حمزة رضي الله عنهم فلو صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في هذا لقطع قول كلِّ مخالف له، وأمّا

_ 1 انظر: الإنصاف (8/54-56،62-63) ، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيميَّة (ص 204) .

والحال كما سبق1 بيانه، فالعجب ممّن يحتج لثبوت الخيار بمثل ذلك. والله أعلم. ب- تزويج الثّيب الصّغيرة. إنَّ القول في تزويج الثّيب الصّغيرة هو كالقول في تزويج البكر الصّغيرة، في كلِّ ما سبق تقريبًا، إلاّ أنّ للشافعية وابن حزم الظاهري وبعض الحنابلة تفصيلاً بين البكر والثّيب الصّغيرتين وإليك بيانه: وهو أنَّ مذهب الشافعية هنا: أنّ الثّيّب الصّغيرة لا يزوّجها أبٌّ ولا غيره حتى تبلغ، فيزوّجها وليّها بإذنها2، وهذا بخلاف ما تقدَّم عنهم في البكر الصّغيرة، فإنَّ للأب والجدّ - دون غيرهما - تزويجها بدون إذنها ولا خيار لها إذا بلغت. وكذلك مذهب ابن حزم في المسألتين، إلاّ أنّ الجدّ عنده كسائر الأولياء3. وأمّا الحنابلة: فلهم في الثّيِّب الصّغيرة ثلاثة أوجه: الأوّل: أنّ للأب ووصيّه تزويجها كالبكر الصّغيرة4. الثَّاني: أنّه لا يزوّجها أحدٌ كمذهب الشافعية وابن حزم.

_ 1 انظر أدلَّة ذلك (ص 412) وما بعدها. 2 انظر: الأم (5/18) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/ 149) ، والتكملة الثانية للمجموع (16/170) . 3 انظر: المحلى (9/459) . 4 انظر: المغني (7/385-386) .

قال ابن مفلح في المبدع: "إنّه المذهب "1. الثَّالث: التفصيل بين من بلغت تسعًا، فيجوز تزويجها بإذنها، ومن لم تبلغ تسعًا فلا يجوز. وهذا الوجه مخرَّج على الرِّواية السابقة في إجبار البكر الصّغيرة. قال صاحب الإنصاف: إنّه المذهب، وعليه جماهير الأصحاب "2. دليل من منع من تزويج الثّيب الصّغيرة. وقد استدلَّ الشافعية ومن وافقهم كابن حزم وبعض الحنابلة على المنع من تزويج الثّيب قبل بلوغها بعموم الأحاديث التي فرقت بين البكر والثّيب في الاستئذان مثل: 1- قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تُستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتى تُستأذن " 3. 2- وقوله صلى الله عليه وسلم: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها " 4. والثّيب هنا اسم للصّغيرة والكبيرة، وقد دلّت هذه الأحاديث على أنّ الثّيب لا تُنْكَح إلاّ بإذنها، والصّغيرة لا إذن لها معتبر، فوجب تأخير

_ 1 انظر: المبدع (7/23- 24) ، وانظر أيضًا: المغني (7/385) . 2 الإنصاف (8/56-57) ، والمغني (7/386) ، وكشاف القناع (5/43) . 3 تقدم تخريجه (ص 277) . 4 تقدم تخريجه (ص 167) .

تزويجها إلى بلوغها؛ لتختار وتأذن لوليّها في تزويجها، وهذا بخلاف البكر؛ فإنّها لو بلغت لكان لأبيها إجبارها؛ لأنّه أحقُّ بها من نفسها، وكذلك جدّها عند الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة في الأب خاصّة. وأمّا ابن حزم فإنّه لا يقول بإجبار البالغ مطلقًا لا بكر ولا ثيّب، وإنّما دليله هنا شمول اسم الثّيب للصّغيرة والكبيرة، كما أنّه ورد في البكر الصّغيرة حديث عائشة الصحيح في تزويج أبيها لها، فيقتصر على ذلك- عنده- فلا يزوّج الأب ابنته الثّيب الصّغيرة، كما لا يزوّج غير الأب صغيرة بحال، ولا يزوّج أب ولا غيره كبيرة بالغ إلا بإذنها1. وقوله هذا في الكبيرة هو القول الرَّاجح كما تقدّم، وبه يضعف القول بتأثير البكارة في الإجبار، فلا يكون فرق بين بكر وثّيب في اعتبار الإذن حتى وإن كانتا صغيرتين. وأمّا الأحاديث الآمرة باستئذان الثّيب، فهذه إمّا أن تحمل على الثّيِّب المكلّفة؛ لاعتبار إذنها اتفاقًا، أو على الصّغيرة المميّزة التي بلغت سنًّا يمكن أن يحدث لها في نفسها رأي، كما تقدَّم في اليتيمة، وأمّا غير المميّزة فلا معنى لاستئذانها. وأمّا التفريق بين من بلغت تسعًا ومن لم تبلغه، فقد تقدّم عدم نهوض دليله؛ لأن التحديدات بابها التوقيف.

_ 1 انظر المحلى (9/458-459) .

وبهذا يكون لا فرق في صحّة تزويج الصّغيرة بين بكر وثيِّب، كما لا فرق في الكبيرة بين بكر وثيِّب على الصحيح، وقد تقدّم القول في تزويج البكر الصّغيرة وأدلّتها، فكذلك الثّيّب الصّغيرة ولا فرق. والله أعلم. ج- تزويج الغلام الصغير. إنَّ القول في تزويج الصّغير هو- غالبًا- كالقول في تزويج الصّغيرة كما سبق؛ فقد منع منه قوم مطلقًا، وأجازه قوم مطلقًا، وقصر بعضهم تزويجه على بعض أوليائه دون بعض، وأثبت له بعضهم خيار البلوغ ولم يقل به آخرون كما تقدّم في الصّغيرة؛ وذلك لاشتراك الصّغيرين في علّة الولاية وهي الصّغر. وإليك بيان ذلك: القول الأول: أنَّ الغلام الصّغير لا يزوّجه أحد أبدًا حتى يبلغ فيزوّج نفسه، فإن زوّجه أبوه أو غيره فالنّكاح مفسوخ، كذا قال ابن حزم الظاهري1، ويحتمل أن يكون مذهبًا لابن شبرمة، وأبي بكر الأصمّ كما هو صريح قول السرخسي في المبسوط2، إلا أنّني لم أجد من عزاه إليهما غيره. والله أعلم. والقول الثَّاني: أنّ لأبيه أو وصيّه أو الحاكم تزويجه دون غيرهم. وهذا ظاهر مذهب المالكية والحنابلة، إلاّ أنّ الصحيح من مذهب الحنابلة أنّ الحاكم لا يزوّج الصّغير إلاّ للحاجة، وقد قيّدها بعضهم بحاجته

_ 1 انظر: المحلى لابن حزم (9/462) . 2 انظر: المبسوط (4/212) .

إلى النّكاح، والأكثر على إطلاقها للنكاح أو الخدمة أو غيرهما، وكذلك نص المالكية في مسألة إجبار الصّغير على اعتبار المصلحة، وأنّه لا بدّ من ظهورها إذا كان المجبر له الوصيّ أو الحاكم وذلك كتزويجه غنيّة أو شريفة، أو ابنة عمّ، ولكن قال بعضهم إن قيد الحاجة إنّما هو حيث يكون المهر من مال الصّغير وإلاّ فلا يعتبر1. والقول الثَّالث: يزوّجه أبوه أو جدّه دون سائر الأولياء، وكذلك لا يزوّجه سلطان ولا وصيّ. وهذا مذهب الشافعية2. القول الرَّابع: أنَّ لأبيه وجدّه وسائر الأولياء تزويجه. وهذا مذهب الحنفية3. إلاّ أنّه إن زوّجه أبوه أو جدّه فلا خيار له عند البلوغ بلا خلاف عندهم.

_ 1 انظر للحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/392-393 والشرح (382-383) ، والإنصاف (8/52، 61) ، وكشاف القناع (5/45-46) ، والمبدع (7/22) . وانظر للمالكية: بداية المجتهد (2/6) ، قوانين الأحكام لابن جزي (ص 223) ، الكافي لابن عبد البر (1/433) ، والخرشي والعدوي (3/202) ، والشرح الصغير وبلغة السالك (1/369) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/245) . 2 انظر للشافعية: الأم (5/21) ، وروضة الطالبين (7/95) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/169) ، وتحفة المحتاج (7/285) ونهاية المحتاج (6/263) . 3 انظر للحنفيّة: الهداية وفتح القدير والعناية (3/247) ، المبسوط (4/ 212) ، تبيين الحقائق (2/ 121) ، البحر الرائق (3/ 126-127) .

وإن زوّجه غيرهما فله الخيار عند الإمام أبي حنيفة ومحمد، دون أبي يوسف1. الأدلّة: إنّ الأدلّة على تزويج الصّغير منعًا أو إثباتًا أو تفصيلاً هي في جملتها نفس الأدلّة على تزويج الصّغيرة التي سبق بيانها، وإليك بعض ما قيل هنا: أوّلاً: أدلّة من منع من تزويج الصّغير مطلقًا: 1- استدل ابن حزم رحمه الله لمنع تزويج الصّغير مطلقا حتى يبلغ، فيزوّج نفسه بعموم قوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} 2. فقال: إنَّ هذه الآية مانعة من جواز عقد أحد على أحد إلأ أن يوجب نفاذ ذلك نصُّ قرآن أو سنّة، ولا نصّ ولا سنّة في جواز نكاح الأب لابنه الصّغير3. 2- منع قياس تزويج الأب ابنه الصّغير على تزويجه ابنته الصّغيرة فقال: "وأجازه قوم ولا حجّة لهم إلا قياسه على الصّغيرة، والقياس كلّه باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا القياس قياس آخر مثله،

_ 1 انظر: المبسوط (4/215) ، بدائع الصنائع (3/ 1511) ، الهداية وفتح القدير والعناية (3/277-278) ، وتبيين الحقائق (2/122-123) ، والبحر الرائق (3/128) . 2 سورة الأنعام، الآية رقم 164. 3 المحلى (9/462-463) .

وهو: أنّهم أجمعوا على أنّ الذَّكر إذا بلغ لا مدخل لأبيه ولا لغيره في إنكاحه أصلاً، وأنّه في ذلك بخلاف الأنثى التي له فيها مدخل إمّا بإذن، وإمّا بإنكاح وإمّا بمراعاة الكفء، فكذلك يجب أن يكون حكمهما مختلفين قبل البلوغ "1 اهـ. ثانيًا: دليل من أجاز تزويج الصّغير. وأمّا القول بصحّة تزويج الصّغير فهو في الجملة القول المعروف عن أكثر أهل العلم، ولم أقف على من صرّح بالمنع مطلقًا إلاّ ابن حزم الظاهريّ، وما ذكرت من الاحتمال عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ، إلاَّ أنَّ القائلين بصحّة تزويجه قد اختلفوا فيمن يحقُّ له تزويجه من الأولياء كما تقدّم في الصّغيرة، فأمّا من أجازه للأب خاصّة دون غيره فاستدل بما يلي: 1- ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه زوّج ابنه وهو صغير، فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعًا. قال ابن قدامة: رواه الأثرم بإسناده2. وقد رواه أيضًا البيهقي من طريق سعيد بن منصور، عن سليمان بن يسار أنّ ابن عمر زوّج ابنه وهو صغير يومئذ اهـ3.

_ 1 نفس المصدر (9/ 462) . 2 المغني (7/393) . 3 البيهقي: (7/143) نكاح، باب الأب يزوّج ابنه الصغير.

قال البيهقي: وهذا محمول على أنّ أخاه أوجب العقد، وأنّ عمّه1 قبله لابنه الصّغير2. وقد صححّ الألباني إسناده في (إرواء الغليل3.) 2- ولأنّ الأب يتصرَّف في مال ابنه الصّغير شرعًا فكذلك تزويجه4. 3- الإجماع على ذلك. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا أنّ لأبيه تزويجه كذلك قال ابن المنذر "5. وأمّا من ألحق الجدّ بالأب، فلأنّه أب أعلى، وافر الشفقة، تامّ الولاية، كالأب الأدنى. وأمّا من ألحق الوصيّ بالأب؛ فلقيامه مقام الأب عند من قال بصحّة ولايته في النّكاح، فهو بمنزلة وكيله في حياته. وأمّا من ألحق الحاكم بالأب دون سائر الأولياء؛ فلأنّ له ولاية عامّة في النظر له وحفظ ماله6.

_ 1 قال مصححه: "كذا في النسخ- لعل الصواب: وابن عمر اهـ. 2 نفس المصدر والصفحة. 3 إرواء الغليل (6/228) . 4 انظر: المبدع (7/22) ، وكشاف القناع (5/43) . 5 انظر: المغني (7/382) . 6 انظر: كشاف القناع (5/45-46) .

وأمّا من ألحق سائر الأولياء بالأب في صحّة تزويج الصّغير، وأثبت له الخيار إذا زوّجه غير أبيه أو جده؛ فلأنّ قرابة الوليّ داعية إلى الشفقة والنظر، والصّغير إنّما يزوّج إذا كان مصلحة له، وجميع الأولياء من أهل الحرص على تحقيق مصلحته، إلأ أنّه لمّا كان الأب والجدّ أوفر شفقة من سائر الأولياء لم يجعل له خيارًا لوفور شفقتهما، وتمام ولايتهما على النفس والمال، بخلاف سائر الأولياء، كما مرّ في الصّغيرة سواء بسواء. الرَّاجح: والرَّاجح هو صحّة تزويج جميع الأولياء للصغير، ولا خيار له إذا بلغ، كما سبق في الصّغيرة. فأمّا صحّة تزويج جميع الأولياء: فلأنّ الزَّواج مصلحة وضعًا، والوليّ وإن بعُد فهو ناظر لهذه المصلحة، فمتى ظهرت له المصلحة في تزويج الغير كان إحرازها هو الأولى. ولأنّ الأصل أيضًا في نكاح الأولياء حمله على الصّحّة ما لم يقم دليل على تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، وقد وجدنا ما يشبه الإجماع على صحّة إنكاح الأب ابنه الصّغير، ولم نجد دليلاً ناهضًا على تخصيصه بذلك دون سائر الأولياء، فعلى من خصه بذلك أو ألحق به بعض الأولياء دون بعض إقامة الحجّة على ذلك، ولن يجد إلا المنع من تزويجه مطلقًا كما فعل ابن حزم، أو القول بصحّة تزويجه مطلقًا كما ذهب إليه الحنفيّة ومن وافقهم وهو الذي اخترنا رجحانه.

وأمّا عدم ثبوت الخيار للصغير إذا بلغ؛ فلعدم نهوض دليله كما تقدّم في الصّغيرة، مع أنّ الصّغير يزيد بأنّ بيده حلَّ عقدة النّكاح إن لم تظهر له رغبة فيه بخلاف الأنثى. والله أعلم. هل للصغير إذن معتبر في نكاحه؟ وأمّا هل للصغير إذن معتبر في نكاحه فإن ظاهر مذاهب الفقهاء التي سبق بيانها أنّه ليس له إذن معتبر شرعًا، وعلى هذا بنوا خلافهم السابق في صحّة إنكاح بعض الأولياء له دون بعض، إلاّ أنّ بعض الحنابلة قال: إنّ في إجبار مراهق نظر. وصوّب صاحب (الإنصاف) عدم إجباره1. وقال بعضهم: يحتمل في ابن تسع أنّه يزوّج بإذنه، سواء كان وليّه أباه أم غيره2. ولعلّ هذا تخريج على الرواية المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله وهي عدم إجبار ابنة تسع كما تقدّم. والرَّاجح: أنّ الصبيّ المميّز يزوّج بإذنه، وغير المميّز يكفيه نظر وليّه، كما تقدّم في الصّغيرة استدلالاً وترجيحًا. وممّا يقويِّ عدم إجبار الصبيّ هو القول بصحّة طلاقه، وهذا بخلاف الأنثى، وصحّة وقوع طلاق الصبيّ المميّز وإن كان فيه خلاف مشهور بين العلماء إلاّ أنّ القول بعدم وقوعه واعتباره لاغيًا لا معنى له، فإنَّ

_ 1 انظر: الإنصاف (8/52) . 2 نفس المصدر والصفحة، وكذلك المبدع (7/22) .

للصّغير المميّز قصدًا وإرادة، بخلاف غير المميّز، والطلاق سبيل لتحريم ما كان حلالاً ولم يحرِّم الله شيئًا على الكبير وجعله للصغير حلالاً، بل كلُّ ما في الأمر أنّ الله رفع عن الصّغير قلم المؤاخذة حتى يبلغ، وهذا لا يعني تمكينه من المحرَّمات، أو أنّ كلَّ محرَّم أصبح في حقّه حلالاً، بل إجماع المسلمين قائم على عدم تمكينه من الزِّنى وغيره من مساويء الأخلاق، وعلى هذا إذا صحّ طلاقه فما جدوى إجباره؟ والله الموِّفق.

الفصل الخامس: الولاية في النكاح على المجانين

الفصل الخامس: الولاية في النكاح على المجانين المبحث الأوّل: تمهيد: في ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين. إنّ الجنون سبب لثبوت الولاية على الذَّكر والأنثى؛ لاستوائهما في العجز عن النظر لأنفسهما، فلزم أن يكون هناك من يلي أمورهما، حفظًا لأنفسهما، ونظرًا لمصالحهما، حتى يزول ما ألمّ بهما؛ لأنّ تصرفات فاقد العقل خالية من الإرادة الصحيحة، والقصد الصحيح، وإن وقع منهم شيء موافق للصَّواب فهو أمر اتّفاقي لا اعتبار له، ولهذا فهو غير مكلّف شرعًا كما يدلّ على ذلك حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، أو يعقل". وقد تقدّم تخريجه1. ومع الاتّفاق على ثبوت الولاية في النّكاح على المجانين، إلاّ أنّ العلماء قد اختلفوا في حكم تزويجهم، وفيمن يملك تزويجهم من الأولياء، وذلك تبعًا لاختلاف الاجتهادات فيما هو أصلح لهم، وتبعًا لتداخل المؤثّرات في ثبوت الولاية عليهم في النّكاح، واعتبار إذنهم أو عدمه. فالمجنون قد يكون ذكرًا أو أنثى، وكلُّ منهما قد يكون صغيرًا أو كبيرًا، وقد يبلغ مجنونًا، أو عاقلاً ثم يجنّ، وقد يكون جنونه مطبقًا أو متقطعًا،

_ 1 تقدم تخريجه (ص 366-368) .

وتزيد الأنثى بوصف البكارة أو الثيوبة، وكلُّ هذه علل مؤثّرة في ثبوت أصل الولاية، أو في ثبوت الخيار من عدمه. ولذلك: فقد رأيت- خروجًا من تداخل هذه المؤثّرات واختلاف الاجتهادات التي ينتج عنها كثرة التقاسيم بلا جدوى حقيقية- رأيت أنّ أقسِّم هذا الفصل إلى مبحثين باعتبار الذكورة والأنوثة، نستعرض في كلٍّ منهما مذاهب الفقهاء وما يظهر رجحانه. والله الموفق وهو المستعان.

المبحث الثاني: تزويج الأولياء للمجانين

المبحث الثَّاني: تزويج الأولياء للمجانين أ- تزويج الأنثى المجنونة: إنَّ المجنونة قد تكون صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيّبًا، وقد يكون جنونها أصليًّا أو طارئًا بعد البلوغ، وقد يكون متقطِّعًا أو مُطْبِقًا، ولهذا فسنذكر كلًّ مذهب من المذاهب الأربعة على حِدَة، وما فيه من خلاف بين أصحاب المذهب الواحد، وذلك خروجًا من كثرة التقسيمات التي يمكن الاستغناء عن أكثرها، وإليك بيان ذلك: أوّلاً: مذهب الحنفية في تزويج المجنونة. إنّ مذهب الحنفية في تزويج المجنونة هو أنّها تزوّج كما تزوّج العاقلة الصغيرة؛ وعلى هذا فلسائر أوليائها تزويجها سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، بكراً أم ثيّباً، وسواء أكان جنونها أصليًّا أم طارئًا بعد البلوغ، ولا خيار لها إذا أفاقت وقد زوّجها أبوها أو جدّها في قول أئمة الحنفية الثلاثة- أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا- رحمهم الله، وأمَّا مع غيرهما فلها الخيار عند أبي حنيفة، ومحمد كما في الصغيرة العاقلة. وهذا إذا لم يكن للمجنونة ابن، أمّا إن كان لها ابن فهو مقدّم على أبيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا خيار1 لها إذا أفاقت وقد زوّجها

_ 1 قال الزيلعي- صاحب تبيين الحقائق-: وأمّا إن زوّجهما (أي المعتوه والمعتوهة) الابن فلا رواية فيه عن أبي حنيفة، وينبغي أن لا يكون لهما الخيار؛ لأنَّه مقدّم على الأب، ولا خيار في الأب فهذا أولى) اهـ (2/123) ، ونحوه في البحر الرائق (3/129) .

ابنها من باب أولى عند غير أبي يوسف رحمه الله، كما مرَّ في الصغيرة العاقلة؛ لأنَّ الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد في تقديم الابن على الأب، أو العكس لا غير. وذلك أنّ شرط الولاية- عندهم- هو عجز الموْلِيّ عليه، والمجنونة عاجزة عن التصرّف لنفسها بخلاف العاقلة المكلّفة، الحرّة كما تقدّم، وإنَّما ثبت لها خيار الإفاقة مع غير من ذكر؛ لقصور شفقتهم، كما مرَّ في الصغيرة العاقلة1. ثانيًا: مذهب المالكية. هو أنّ المجنونة يزوّجها أبوها، ثم وصيّه، دون غيرهما من سائر الأولياء، ما عدا الحاكم، فقد اختلف النقل في صحّة تزويجه لها للحاجة كما سيأتي. فأمَّا الأب: فله تزويج المجنونة جنونًا مطبقًا، مطلقًا أي سواء كان الجنون أصلياًّ أم طارئًا بعد البلوغ، وسواء أكانت بكرًا أم ثيّبًا حتى ولو ولدت الأولاد فلا كلام لولدها مع أبيها، وهذا بخلاف العاقلة، فإن ابنها مقدَّم على أبيها عندهم.

_ 1 انظر في مذهب الحنفية هذا كلاً من: المبسوط (4/228) ، بدائع الصنائع (3/1360) ، تبيين الحقائق (2/123، 127) ، البحر الرائق (3/129، 137) .

وأمّا إن كانت المجنونة ممن تفيق أحيانًا- أي جنونًا غير مطبق- فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها عاقلة كالثّيب البالغ، وأمّا من كان لأبيها إجبارها عاقلة كالصغيرة والبكر فلا تنتظر إفاقتها. وأمّا وصيّ الأب فيقوم مقام الأب إذا أمره الأب بإنكاحها، أو عيّن له زوجها قبل موته. وأمّا إن لم يأمره بإنكاحها ولا عيّن له زوجها فقيل: ليس له تزويجها؛ لأنَّه لا يملك إجبارها ولا إذن لها فيزوّجها به1. وأمّا الحاكم: فقد اختلف نقل شرَّاح المختصر في صحَّة تزويجه المجنونة، فذكر بعضهم أنّه يزوّج المجنونة للحاجة، كما سيأتي في المجنون2، وذكر بعضهم أنَّ الأنثى بخلاف الذَّكر فلا يزوّجها إلاّ الأب أو الوصيّ كما تقدّم3.

_ 1انظر في مذهب المالكية كلاً من: الشرح الكبير والدسوقي (2/222-223) ، والخرشي (3/176-178) ، والحطّاب (3/427) ، ومنح الجليل (2/14) ، والشرح الصغير وبلغة السالك 1/355) ، والزرقاني مع حاشية البناني (3/172-173) . 2 انظر مثلاً: الخرشي ومنح الجليل والزرقاني والحطاب، نفس الأجزاء والصفحات السابقة. 3 انظر مثلاً: حاشية الدسوقي (2/245) ، والعدوي على الخرشي (3/203) ، وبلغة السالك (1/369) .

ثالثًا: مذهب الشافعية. وأمّا مذهب الشافعية فهو: أنّ المجنونة يزوّجها أبوها أو جدّها متى ظهر لها مصلحة في ذلك، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، بكرًا أم ثيّبًا، وسواء جُنّتْ قبل البلوغ أم بعده، بل يجب عليهما تزويج بالغة ظهرت حاجتها للنّكاح. وأمّا غير الأب والجدّ فلا يزوّج صغيرة على أي حال. وأمّا البالغة فإن لم يوجد لها أب ولا جدّ، فيزوّجها السلطان دون سائر الأولياء على الأصحّ، وإنّما يستحب له استشارة أقاربها تطييبًا لقلوبهم، وقيل: بل يزوّجها الوليُّ القريب بإذن السلطان واختاره بعضهم. وإنّما يزوّج غير الأب والجدّ البالغة للحاجة المنزَّلة منزلة الضرورة، كظهور حاجتها للنكاح، أو توقُّع شفائها به بقول عدلين من الأطباء- لا لمجرّد المصلحة- لأنَّ تزويجها يقع إجبارًا ولا إجبار لغير الأب والجدّ، وإذا أفاقت المجنونة فلا خيار لها؛ لأنّ التزويج كالحكم لها وعليها1. وهذا التقسيم إنّما هو خاصٌّ بمن أطبق جنونها، وأمّا من لها إفاقة فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها، وبلوغ الصغيرة وعقلها إذا لم يكن لوليّها جبرها، كما هو نصّ ما في الروضة في الثّيب البالغ2.

_ 1 انظر: مذهب الشافعية في تزويج المجنونة في كلٍّ من: المهذب (2/38) ، تكملة المجموع الثانية (16/172) ، المنهاج ومغني المحتاج (3/159- 160، 169) ، وتحفة المحتاج (7/286) ، ونهاية المحتاج (6/263) ، وروضة الطالبين (7/77، 95، 96) . 2 انظر: روضة الطالبين (3/96) ، ومغني المحتاج (3/159) .

رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة في تزويج المجنونة فإن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة جاز تزويجها لمن يملك إجبارها؛ لأنّه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها فمع عدمه أولى. وقد تقدّم أنّ الأب يجبر البكر البالغ على الصحيح من المذهب، ووصيّه يقوم مقامه على أحد القولين بولايته عندهم. وأمّا إن كانت ممن لا تجبر لو كانت عاقلة- كالثّيب البالغ، والبكر على الرواية الأخرى، بل حتى ابنة تسع، بكرًا أو ثيّبًا على ما تقدّم- فللأب تزويجها على الصحيح من المذهب أيضاً، وكذلك وصيّه، ومنع من هذا أبو بكر1 في الثّيّب البالغ. وأمّا إن لم يكن لها أبٌ ولا وصيٌّ فإنّها لا تزوّج إلاّ للحاجة، وقد اختلفوا فيمن يزوّجها أهو الحاكم أم بقيَّة الأولياء؟ على قولين: أوّلهما: أنّه يزوّجها سائر أوليائها متى ظهرت حاجتها للنكاح ونحوه كالخدمة. وثانيهما: أنّه لا يزوّجها إلاّ الحاكم، وبهذا قال القاضي2. هذا إذا وجد الحاكم والأولياء، أمّا إن لم يكن وليّ إلاّ الحاكم

_ 1 هو: عبد العزيز بن جعفر غلام الخلاّل، وتقدم التعريف به ص274. 2 هو: القاضي أبو يعلى، كما هو مشهور إطلاقهم.

فالصحيح من المذهب أنّ له تزويجها للحاجة1. والظَّاهر أنَّ هذا كلّه فيمن كان جنونها مطبقًا، أمّا من ترجى إفاقتها فينتظر إفاقة من يعتبر إذنها، كما يدلُّ على ذلك تفصيلهم في المجنون الذَّكر2. الرَّاجح: والذي يظهر لي مما تقدّم: أنَّ الرَّاجح هو: صحة تزويجها مطلقًا متى كان في تزويجها مصلحة لها، سواء كان وليّها أباها أم جدّها أم غيرهما، وسواء كانت صغيرة أم كبيرة، بكراً أم ثيّبًا، وسواء كان جنونها مطبقاً أم متقطعاً، ولا خيار لها إذا أفاقت؛ لأنّ تزويجها كالحكم لها وعليها. إلاّ أن تكون لها إفاقة معروفة عادة، فتنتظر إفاقة من يعتبر إذنها عاقلة لتزوّج بإذنها، لأنّ ذلك من أظهر مصالحها، ولأنّ جنونها والحالة هذه أشبه بالنوم والإغماء، فإن زوّجها وليّها في هذه الحال قبل إفاقتها فلها الخيار إذا أفاقت، سواء كان وليّها أباً أم جدًّا أم غيرهما، كالعاقلة التي زوّجها وليّها بدون إذنها، كما تقدّم3 تحقيقه واختياره، وذلك لما يلي:

_ 1 انظر مذهب الحنابلة هذا في كلٍّ من: المغني والشرح الكبير (7/389-390 والشرح 397-398) ، والإنصاف (8/55-56، 60-61) ، وكشاف القناع (5/45) ، وشرح منتهى الإرادات (3/14) ، والمبدع (7/25) . 2 انظر: المغني7/394) . 3 انظر ما تقدم (ص 359 وما بعدها) .

أوّلاً: أنّ هذا نكاح عقده وليّ، والأصل في عقود الأولياء الصِّحة، وتخصيص بعضها بالصِّحة دون بعض يحتاج إلى دليل، ولا دليل مع من خصّ بعضهم بذلك إلاّ اعتبار إذنها عاقلة مع بعضهم دون بعض، وقد قدّمنا أنّ الصحيح عدم الفرق بين الأولياء، سواء كانوا آباء أم غيرهم في اعتبار إذن من لها رأي في نفسها كالبالغة بكرًا أم تيّبًا، وعلى هذا فقد استوى جميع الأولياء في عدم الإجبار مع أنَّ الإجبار حقيقة إنّما يتصوّر في حقِّ من لها رأي في نفسها، ولا رأي لفاقد عقل كالمجانين والأطفال. ثانياً: إنّ إذن المجنونة متعذِّر حال جنونها، وإفاقتها غير معلومة في غير ما ذكر، وهو ما عرف عنها عادة. ثالثاً: إنّ النظر لمصلحتها واجب على وليّها، فمتى ظهرت له المصلحة في تزويجها لزمه تحصيلها ما أمكن، وأمّا الضرر فممنوع شرعًا في حقِّ المجانين والعقلاء على السواء، ونظر الوليّ في إدراك المصلحة أو دفع المفسدة مقدّم على نظر غيره، ما لم تظهر مخالفته للصّواب بيقين. والله أعلم. ب- تزويج الذكر المجنون. إنّ القول في تزويج المجنون كالقول في تزويج المجنونة تقريبًا؛ لاشتراكهما في أكثر المؤثِّرات التي توجب الولاية عليهما وتؤثِّر في اعتبار إذنهما، ولذلك فسنتبع في عرض أقوال الفقهاء في حكم تزويجه نفس الطريقة السابقة، وإليك بيانها:

أوّلاً: مذهب الحنفية في تزويج المجنون. إنّ مذهب الحنفية في تزويج المجنون كالقول في تزويج المجنونة، فيزوّج المجنون، كبيرًا أم صغيرًا، كما يزوّج الصّغير العاقل، ولا فرق في هذا عندهم بين ذكر وأنثى؛ إذ العلّة في الكبير الجنون، وفي الصغير الصغر والجنون، وسواء كان الجنون أصلياًّ- أي بلغ مجنونًا- أم طارئًا عليه بعد بلوغه عن الثلاثة - أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا - وخالفهم زفر في المجنون الطارئ بعد البلوغ فمنع تزويجه وقال: إنّه ببلوغه عاقلاً قد استقلَّ بنفسه، وزالت عنه ولاية غيره، فلا تعود إليه بعد ذلك بطريان الجنون، كما لو بلغ مغمى عليه ثم زال الإغماء، ولأنّ النّكاح يعقد للعمر، ولا تتجدّد الحاجة إليه في كلِّ وقت بخلاف المال. واحتجّ جمهور الحنفية عليه: بأنّه قد وجد سبب ثبوت الولاية - وهو القرابة – وشرطها - وهو عجز المَوْلِيِّ عليه عن النظر لنفسه، - ولا فرق بين أصليٍّ وطارئ في هذا، فقد تشتدُّ حاجته إلى النّكاح، وقد تموت زوجته أثناء جنونه، فتثبت عليه الولاية في النّكاح، كما تثبت عليه الولاية في المال. والله أعلم1

_ 1 انظر: المبسوط (4/228) ، وبدائع الصنائع (3/ 1360) ، وبقية المصادر السابقة في تزويج المجنونة.

ثانياً: مذهب المالكيَّة. وأمّا المالكيَّة فقالوا: إن كان جنونه غير مُطْبِق تنتظر إفاقته، ولا يزوّجه أحد حال جنونه، وأمّا إن كان جنونه مُطْبِقًا فلا يخلو من حالين وهما: إمّا أن يكون قد بلغ مجنوناً، وإمّا أن يكون قد بلغ عاقلاً ثم جُنَّ. فإن بلغ مجنونًا: فلأبيه ثم وصيّه ثم الحاكم تزويجه للحاجة إلى النّكاح؛ بأن خيف عليه الفساد، أو الوقوع في الزِّنى؛ لأنّه وإن سقط عنه الحدّ فلا يقرّ عليه، وكذلك لو اشتدّت ضرورته وتعيّن الزَّواج لإنقاذه منه، وكذلك قيل: لو تعيّن الزواج طريقًا لخدمته. وأمّا إن بلغ عاقلاً ثم جنّ: فلا يزوّجه إلاّ الحاكم، فلا ولاية عليه لأبيه ولا وصيِّه1. ثالثًا: مذهب الشافعية. وأمّا مذهب الشافعية فهو: إن كان المجنون صغيرًا فلا يزوّجه أبٌ ولا غيره؛ لأنّه لا حاجة إلى تزويجه في الحال، وبعد البلوغ لا يدري كيف

_ 1 انظر مذهب المالكية هذا في: الخرشي والعدوي (3/202) الشرح الكبير والدسوقي (2/244-245) ، الزرقاني والبناني (3/197) ، منح الجليل (2/39) ، الشرح الصغير وبلغة السالك (1/369) . (تنبيه) : وأمّا الصغير المجنون فالظاهر أنّ حكمه كالصغير العاقل، فيزوجه الأب، ووصيّه، والحاكم للمصلحة، كما يدل عليه إطلاقهم ذكر الصغير مع المجنون. والله أعلم.

يكون حاله، وذلك بخلاف الصغير العاقل- عندهم- فإنَّ ظاهر أمره حاجته إلى النّكاح1. وأمّا إن كان كبيرًا، فإن كان جنونه غير مطبق فلا يزوّج حتى يفيق ويأذن، ويشترط وقوع العقد حال الإفاقة، فلو جنّ قبله بطل إذنه. وهذا نحو مذهب المالكية السابق2. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا، فإمّا أن يكون قد بلغ مجنونًا، أو بلغ عاقلاً ثم جنّ. فإن بلغ مجنوناً فيزوّجه الأب ثم الجدّ ثم السلطان دون سائر الأولياء، للحاجة إلى النّكاح الحاصلة حالاً- كأن تظهر رغبته في النساء بدورانه حولهنّ وتعلقه بهنّ- أو مآلاً كتوقُّع شفائه باستفراغ مائه بعد شهادة عدلين من الأطباء بذلك، أو بأن يحتاج إلى من يخدمه ولا يوجد من محارمه من يقوم بذلك، وأن تكون مؤن نكاحه أقلَّ من ثمن جارية، ولا يزوّج لغير حاجة؛ لأنّ ذلك يغرمه المهر والنفقة بدون فائدة3.

_ 1 انظر: الأم (5/ 21) ، المنهاج ومغني المحتاج (3/168) وتحفة المحتاج (7/284-285) ، ونهاية المحتاج (6/ 262) . تنبيه: وقيل إنّ الصغير المجنون يزوّجه أبوه أو جدّه. انظر: روضة الطالبين (7/ 94) . 2 انظر: المنهاج ومغني المحتاج (3/169) ، وروضة الطالبين (7/ 96) ، ونهاية المحتاج (6/263) . 3 المنهاج ومغني المحتاج (3/168) ، وتحفة المحتاج (7/285) ، ونهاية المحتاج (6/262) ، وروضة الطالبين (7/77،94) .

وأمّا من بلغ عاقلاً ثم جنّ: فيزوّجه الأب، ثم الجدّ، ثم السلطان، كمن بلغ مجنونًا على الأصحّ. وقيل: لا يزوّجه إلاّ السلطان كمذهب المالكية السابق1. رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة فإن كان المجنون صغيرًا فلأبيه ووصيّه تزويجه، كالصغير العاقل؛ لأنَّه إذا ملك تزويج العاقل مع احتياجه إلى التزويج رأيًا ونظرًا، فلأن يجوز تزويج من لا يتوقّع منه ذلك أولى، وأمّا غير الأب فلا يملك تزويج العاقل الصغير، فكذلك المجنون، وأمّا الوصيّ فيقوم مقام الأب كوكيله على القول بولاية الوصيّ عندهم2. وأمّا إن كان كبيرًا فإن كان يفيق أحيانًا- أي غير مطبق- فلا يزوّجه أحد إلاّ بإذنه؛ لأنّ ذلك ممكن، ومن أمكن أن يتزوّج لنفسه لم

_ 1 انظر: مغني المحتاج (3/169) . (تنبيه) : وإذا زوّج المجنون فلا يزوج إلا واحدة؛ لاندفاع حاجته بذلك، وحاجته إلى أكثر من واحدة نادرة. وقيل: بل إن احتاج إلى ذلك زيد له بما يدفع حاجته، سواء كان إلى النكاح أم إلى الخدمة. انظر: المنهاج ومغني المحتاج (3/168-169) وتحفة المحتاج (7/285) ، ونهاية المحتاج (6/ 262) وروضة الطالبين (7/ 94) . 2 المغني والشرح الكبير (7/393 والشرح 383) ، والإنصاف (8/52) ، والمبدع (7/ 22) ، وشرح منتهى الإرادات (3/14) .

تثبت عليه الولاية كالعاقل، وكذلك لو زال عقله بمرض يرجى زواله فهو كالعاقل، فإنَّ ذلك لا يثبت عليه الولاية في المال فعلى نفسه أولى1. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا فللأب أو وصيّه تزويجه في ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها2. وقال القاضي: إنّما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة، باتباع النِّساء ونحوه، كمذهب الشافعية السابق3. وقال أبو بكر: ليس للأب تزويجه بحال؛ لأنّه رجل فلم يجز إجباره على النّكاح، كالعاقل4. هذا حاصل مذاهب الفقهاء رحمهم الله في تزويج المجنون وخلاصتها حسب ما مرّ كالتالي: أوّلاً: إن كان الجنون متقطِّعاً فلا يزوّج المجنون الكبير حتى يفيق، في ظاهر مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لإمكان أن يتزوّج بنفسه، ولأنّة لا ولاية عليه عاقلاً مطلقًا.

_ 1 المغني والشرح الكبير 7/394 والشرح 384) ، والإنصاف (8/53) ، والمبدع (7/ 22) ، وكشاف القناع (5/ 44) . 2 المغني والشرح الكبير (7/393 والشرح 383) ، وكشاف القناع (5/44) ، وشرح منتهى الإرادات (3/14) . 3 المغني (7/393) ، والإنصاف (8/53) . 4 المغني (7/393) ، الإنصاف (8/ 52) .

وأمّا الحنفية فلم أجد لهم نصًّا في التفريق بين الجنون المطبق والمتقطع، ولكن ظاهر قياسهم على الصغير العاقل أنّه يزوّجه سائر أوليائه، وله خيار الإفاقة إذا أفاق وقد زوّجه غير أبيه أو جدّه، كالصغير العاقل إذا بلغ، وقد زوّجه غير أبيه أو جدّه. ثانيًا: وأمّا إن كان الجنون مطبقًا، ففي تزويجه ثلاثة أقوال: أ- أكثر الفقهاء على تزويجه على تفصيل فيمن يزوّجه؟ ومتى يزوّج تبعًا للحاجة والمصلحة؟. ب- أنّه لا يزوّج الكبير مطلقًا، وهو قول أبي بكر من الحنابلة. ج- أنّه لا يزوّج من طرأ عليه الجنون بعد بلوغه. وهو قول زفر من الحنفية. وهذا إذا كان المجنون كبيرًا، أمّا الصغير فلم أجد من فرق بينه وبين الصغير العاقل سوى الشافعية الذين منعوا من تزويجه مطلقًا كما تقدّم. والله تعالى أعلم. الرَّاجح: والذي يظهر لي ممّا تقدّم: أنّ الراجح هو أن من كان جنونه متقطِّعاً فلا يزوّج البالغ حتى يفيق فيتزوّج بنفسه أو بإذنه، وهذا ظاهر مذهب الجمهور. وأمّا إن كان جنونه مطبقًا، أو كان صغيرًا، فيزوّج للمصلحة لا لغيرها، كما تقدّم في المجنونة لا فرق بين وليّ وآخر. والله أعلم.

الفصل السادس: الولاية في النكاح على السفيه

الفصل السادس: الولاية في النكاح على السفيه المبحث الأوّل: معنى السفه لغة واصطلاحًا أمّا معنى السَّفَه لغة: فهو ضد الحِلمْ، وقيل خفّته، وقيل الجهل، ولا منافاة بين ذلك؛ فإنّ أصل معنى السفه لغة: الخفّة، والسخافة، كما قاله ابن فارس، وغيره، ونصّ على أنّه قياس مطَّرد في هذا، فيقال: ثوب سفيه: أي رديء النسج، ويقال: تسفّهت الريح الشجر: أي أمالته. كما قال ذو الرُّمّة: مشين كما اهتزّت رياح تسفّهت ... أعاليها مرُّ الرياح النَّواسم ومن شعره في وصف زمام ناقته: وابيضَ1 مَوْشِيِّ القميص نصبْتُة ... على ظهر مقْلاتٍ سفيهٍ جَدِيلُها أي خفيف زمامها2.

_ 1 الأبيض هنا هو السيف. كما في اللسان وغيره. 2 كذا قيل في معنى "سفيه جديلها)) . والظاهر أنّ الشاعر يقصد أنه أرخى لناقته زمامها فيكون معنى ((سفيه جديلها)) : أي مرخًى زمامها غير مشدود، لتأخذ راحتها في خفّة سيرها، وهذا ينبئ عن أصالتها وحسن تدريبها وهو المناسب للمقام. والله أعلم. وانظر في معنى كلمة ((السفه)) وشواهدها مادة (سفه) في كلٍّ من: مقاييس اللغة لابن فارس (3/79) ، والصحاح للجوهري (6/ 2234) ، والقاموس (4/287) ، وتاج العروس (9/390) ، ولسان العرب (13/497) .

وأمّا معناه اصطلاحًا: فالسفه ضدّ الرُّشْد، إلاّ أنّ إطلاقهما في هذا المبحث عند الفقهاء خاصٌّ بمن اتصف بهما- أي بالرُّشْد أو السفه- من بني آدم، وهذا بعض مفردات المعنى اللغوي كما تقدّم. إلاّ أنّ الفقهاء قد اختلفوا في معنى الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله على ثلاثة أقوال هي: الأوّل: أنّ الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله هو الصلاح في المال، أي معرفة وجوه كسبه واستثماره وعدم تبذيره. وهذا هو المراد به عند جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية، والمالكية، والحنابلة1. وقد عرّفه صاحب (العناية) من الحنفية بقوله: "السّفه: خفّة تعتري الإنسان فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل، مع قيام العقل. وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع" اهـ. ونقل هذا التعريف صاحب تكملة (فتح القدير) وزاد عليه ما عزاه (للمبسوط والكافي) وهو: "أنَّ السفه: العمل بخلاف موجب الشرع، واتِّباع الهوى وترك ما يدلُّ عليه الحجا"2اهـ.

_ 1 انظر: الإفصاح لابن هبيرة (1/376) ، وبداية المجتهد لابن رشد (2/212) ، والمغني لابن قدامة 4/ 522) . 2 العناية مع تكملة فتح القدير (9/259) .

وقال ابن عبد البرِّ: "السَّفيه: أن يبذّر ماله في المعاصي أو الإسراف"1 اهـ. ونحوه ابن جزي المالكي حيث قال: أمّا السّفيه فهو المبذّر لماله، إمّا لإنفاقه باتباعه لشهوته، وإمّا لقلّة معرفته بمصالحه، وإن كان صالحًا في دينه. والرشيد هو: الضابط لماله، ولا يشترط صلاحه في دينه، خلافًا للشافعيِّ وابن الماجشون"2 اهـ. الثَّاني: أن الرُّشْد هو: الصلاح في الدِّين والمال جميعًا. وهذا مذهب الشافعي، والحسن البصري، وابن المنذر وغيرهم. فصلاح الدِّين ألاَّ يرتكب المرء من المعاصي ما يسقط عدالته. وصلاح المال: أن يكون حافظًا له غير مبذّر3. الثَّالث: أنَّ الرُّشْد: هو الصلاح في الدِّين خاصَّة. وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. فقد انتصر لمذهبه هذا، وردّ كلَّ ما خالفه قائلاً: "إنّه لا يعرف في كتاب ولا سنّة ولا في لغة العرب أنَّ الرُّشْد: الصلاح في المال". وقال: "أمّا قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ

_ 1 الكافي لابن عبد البر (2/162) . 2 قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 349) . 3 انظر: المهذب للشيرازي (1/338) ، والمنهاج ومغني المحتاج (2/168) ، والمغني لابن قدامة (4/522) .

رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} 1 ينبغي أن يعرف ما هو الرُّشْد الذي أمر الله تعالى من أونس منه بدفع ماله إليه، فنظرنا في القرآن الذي هو المبيّن لنا ما ألزمنا الله تعالى إيّاه فوجدناه كلّه ليس الرُّشْد فيه إلاّ الدِّين وخلاف الغيّ فقط، لا المعرفة بكسب المال أصلاً- ثم ذكر شواهد ما قاله من القرآن - وقال: فصحّ أنَّ الرُّشْد ليس هو كسب المال، ولا منعه من الحقوق ووجوه البر، بل هذا هو السفه، وإنّما الرُّشْد: طاعة الله تعالى، وكسب المال من الوجوه التي لا تثلم الدين ولا تخلق العرض، وإنفاقه في الواجبات، وفيما يتقرب به إلى الله تعالى للنّجاة من النار، وإبقاء ما يقوم بالنفس والعيال على التوسط والقناعة فهذا هو الرُّشْد. وكذلك لم نجد في شيء من لغة العرب: أنَّ الرُّشْد هو الكيِّس في جمع المال وضبطه، فبطل تأويلهم في الرُّشْد بالآية، وفي دفع المال بإناسه، وصحّ أنّها موافقة لقولنا وأنَّ مراد الله تعالى يقينًا بها إنّما هو أن من بلغ عاقلاً مميّزًا مسلمًا وجب دفع ماله إليه، وجاز فيه من جميع أفعاله ما يجوز من فعل سائر الناس كلِّهم، ويردّ من أفعاله ما يردّ من أفعال سائر الناس كلّهم، ولا فرق، وأنّ من بلغ غير عاقل ولا مميِّز للدِّين لم يدفع إليه ماله، ولو كان الَّذي قالوا في الرُّشْد وفي السّفه قولاً صحيحًا- ومعاذ الله من ذلك- لكان طوائف من اليهود

_ 1 سورة النساء آية رقم: 6.

والنّصارى وعبّاد الأوثان ذوي رُشْدٍ، ولكان طوائف من المسلمين سفهاء وحاش لله من هذا1. وسبب اختلافهم في معنى الرُّشْد هو: هل يطلق اسم الرُّشْد على غير الصالح في الدِّين كما قاله ابن رشد2. إلاّ أنّه لم يتعرّض لمذهب - ابن حزم هذا، ولكن لا يخفى أنّه لا يخرج عن هذا السبب؛ إذ هو صريح في أنَّ غير الصالح في دينه لا يسمَّى رشيدًا. والله أعلم.

_ 1 المحلى لابن حزم (8/286-287) ، وهو بحث مستفيض فليراجعه من شاء. 2 بداية المجتهد لابن رشد (2/212) .

المبحث الثاني: المقصود بالسفيه في هذا المبحث

المبحث الثَّاني: المقصود بالسفيه في هذا المبحث إنّ وصف السَّفَه يشمل من حيث اللغة كلَّ من اتصف بهذا الوصف، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، إلاّ أن المقصود به هنا في الولاية في النّكاح هو المقصود به في الولاية في المال، وهو: السّفيه المحجور عليه في ماله خاصّة، وهو الذي بلغ ولم يؤنس منه الرُّشْد فبقي محجورًا عليه في تصرُّفاته الماليَّة انتظارًا لإناس رشده، أو بلغ رشيدًا ولكن طرأ عليه السّفه بعد ذلك، فرفع أمره إلى الحاكم فحجر عليه، أي حكم عليه بالمنع من تصرّفاته الماليَّة، وعلى هذا: فلا يدخل معنا في هذا المبحث: الصغير ذكرًا كان أم أنثى، ففي وصف الصغر ما يغني عن تلمُّس أثر السفه في تصرفاته. ولا يدخل معنا السفيه المهمل، وهو السّفيه الذي لم يحجر عليه؛ لأنَّ تصرُّفاته قبل الحجر محمولة على الصحّة حتى عند القائلين بالحجر عليه في ماله1. وأمّا المرأة البالغ؛ فلقلّة مزاولتها للأعمال الماليَّة لم تكن مقصودة بهذا المبحث عند كثير من الفقهاء، مع أنَّ وصف السفه يشملها، كما يشمل

_ 1 انظر مثلاً: مغني المحتاج (3/169) ، وقوانين الأحكام لابن جزي (349- 350) .

الذَّكر، ويمكن أن يحجر عليها كما يحجر على الذكر أيضًا، وكلام الفقهاء في الحجر على الذكور شامل لها، بل قد خصّها1 بعض الفقهاء كالمالكيَّة بالحجر عليها في مالها قبل أن تزوّج وتدخل بيت زوجها، ومع هذا فإنَّ بحث الولاية على المرأة البالغ، في النّكاح بسبب وصف السفه بحث عديم الجدوى؛ لأنَّ وصف الأنوثة كافٍ في إثبات الولاية عليها في النّكاح في حال رشدها، بل إنّ وصف الأنوثة هو المقصود- أصلاً- ببحث الولاية في النّكاح، وقد أغنانا بحثها في أوّل هذه الرسالة عن إعادته هنا، مع أنّ عمدة الخلاف في المسألتين- أعني في إثبات الولاية بسبب الأنوثة، وإثبات الحجر بسبب السّفه- إنّما هو لأبي حنيفة رحمه الله2. وعلى هذا فالمقصود بالسّفيه في هذا المبحث: إنّما هو الحرُّ، الذَّكر، البالغ، المحجور عليه، بسبب السّفه.

_ 1 انظر: بداية المجتهد (2/211-212) ، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 348-351) . 2 أي أنّه لا يثبت الولاية في النكاح بسبب الأنوثة، ولا يثبت الحجر بسبب السّفه على المشهور عنه في المسألتين، وأمَّا الجمهور فأثبتوا الولاية في النكاح على الأنثى بسبب الأنوثة، ولا حاجة إلى سبب آخر كالسّفه.

المبحث الثالث: الولاية على السفيه في ماله

المبحث الثَّالث: الولاية على السّفيه في ماله إنّ ثبوت الولاية على السّفيه في النّكاح هي فرع عن ثبوتها عليه في ماله بالحجر عليه فيه. والحجر على السّفيه في ماله ليس من مقاصد بحثنا هذا، ولكن نشير هنا إلى ما لا غنى لنا عن الإشارة إليه من خلاف الفقهاء في الحجر على السفهاء؛ للتفريع عليه، فقد قال بالحجر على السفيه في ماله جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد من الحنفية، وممن لم يقل به أبو حنيفة وابن حزم الظاهري. فأمّا أبو حنيفة فقال: لا حجر على حرٍّ، بالغ، عاقل، إلاّ أنّه إذا بلغ سفيهًا، لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسة وعشرين عامًا؛ لأنَّه قد بلغ سنًّا- إذ ذاك- يمكن أن يكون فيه جدَّا. وأمّا ابن حزم الظاهري فقال: لا يجوز الحجر على أحد في ماله إلاّ على من لم يبلغ أو على مجنون حال جنونه، فهذان – خاصّة - لا ينفذ لهما أمرٌ في مالهما، فإذا بلغ الصغير وأفاق المجنون جاز أمرهما في مالهما كغيرهما ولا فرق، سواء في ذلك كلّه الحرّ والعبد، والذكر والأنثى، والبكر ذات الأب، وغير ذات الأب، وذات الزوج والتي لا زوج لها، فعلُ كلِّ من ذكرنا في أموالهم من عتق، أو هبة، أو بيع أو غير ذلك نافذ إذا وافق الحقَّ من الواجب أو المباح، ومردود فعل كلِّ أحد في ماله إذا خالف المباح أو الواجب، ولا فرق ولا اعتراض لأب ولا لزوج ولا

لحاكم في شيء من ذلك إلاّ ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود"1.

_ 1 انظر: المحلى لابن حزم (8/ 278وما بعدها فإنّه بحث جدير بالتأمل) . وانظر لبقية الفقهاء المصادر التالية في الحجر على السفهاء في أموالهم: للحنفية: المبسوط (24/257 وما بعدها) ، بدائع الصنائع (9/4463) ، تبيين الحقائق (5/192وما بعدها) الهداية والعناية وتكملة فتح القدير (9/259) . وللمالكية: الكافي لابن عبد البر (2/ 162) ، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 348- 351) ، وبداية المجتهد (2/211-212) . وللشافعية: المهذب (1/338-339) ، والمنهاج ومغني المحتاج (2/165وما بعدها) . وللحنابلة: المغني مع الشرح الكبير (4/ 524) ، والإفصاح لابن هبيرة (1/377) ، والإنصاف (5/318) وكشاف القناع (3/442) .

المبحث الرابع: الولاية في النكاح على السفيه

المبحث الرَّابع: الولاية في النّكاح على السفيه إنَّ الولاية في النِّكاح على السفيه خاصّة بالسّفيه المحجور عليه في ماله، وثبوتها عليه في النّكاح فرع عن ثبوتها عليه في ماله. فإن كان المحجور عليه في ماله أنثى فقد سبق في الولاية على الأنثى الحرة المكلّفة الرشيدة ما يغنينا عن إعادتها هنا. وأمَّا إن كان ذكرًا بالغًا فخلاصة القول في ثبوت الولاية عليه هنا في ثلاث نقاط: أوّلها: من هو وليّه في النكاح؟ وثانيها: حكم تزويجه نفسه بغير إذن وليّه. وثالثها: حكم تزويج وليّه له بغير إذنه. فأما من هو وليّه في النكاح؟ فهو في الجملة وليّه في المال عند من أثبت الحجر عليه فيه. ولا يخلو من أحد حالين هما: إما أن يكون قد بلغ سفيهًا، فهذا وليّه أبوه، ثم وصيّه، ثم الحاكم عند المالكية، والحنابلة، وعند الشافعية أبوه، ثم جده، ثم الحاكم1.

_ 1 انظر للمالكية: الخرشي (2/202) ، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (349-350) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/ 169) ، وروضة الطالبين (7/100) . وللحنابلة: المغني (4/526-527) ، وكشاف القناع (3/452) . (تنبيه) : جاء في الاختيارات الفقهية لابن تيمية، في باب الحجر ما نصّه: ((والولاية على الصبي، والمجنون، والسفيه تكون لسائر الأقارب، ومع الاستقامة لا يحتاج إلى الحاكم إلاّ إذا امتنع من طاعة الوليّ، وتكون الولاية لغير الأب، والجد، والحاكم على اليتيم، وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة ومنصوص أحمد في (الأم) . وأما تخصيص الولاية بالأب والجد والحاكم فضعيف جداً. والحاكم العاجز كالعدم)) . انتهى المقصود من كلامه (ص 137) . ومنه يتضح ضعف تخصيص بعض الأولياء بالولاية على من ذكرهم دون بعض وهو اختيار قوى. والله أعلم.

وأمّا إن كان قد بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه فوليّه الحاكم عندهم جميعًا؛ لأنَّه لا يثبت عليه الحجر هنا إلاّ بحكم الحاكم، ولا ينفكُّ عنه إلاّ بحكمه1. وأمَّا إنكاح السفيه لنفسه فلا يخلو من أحد أمرين وهما: أوّلاً: أن يكون بإذن وليّه، فهذا نكاح صحيح عند الفقهاء جميعًا. ثانيًا: ألاَّ يكون بإذن وليّه، ففي صحّته المذاهب الأربعة التالية: 1- صحّة ذلك مطلقًا. وهذا قول كلِّ من لا يرى حجرًا عليه في ماله كأبي حنيفة، وابن حزم الظاهري. وهو ظاهر قول أبي يوسف، ومحمد، كما في (الهداية2) ، بل نبّه صاحب تكملة (فتح القدير) على

_ 1 انظر المصادر السابقة نفسها. 2 انظر: الهداية مع العناية وفتح القدير (9/266) .

اتفاقهم عليه1، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله الإشارة إليه، ولكن حمله بعض أصحابه على ما إذا كان السفيه محتاجًا إلى النِّكاح وامتنع وليّه من ذلك2. 2- أنَّه باطل ويفرّق بينهما، وهذا مذهب الشافعية، وقيّده بعضهم بأنَّ محلّه إذا لم ينته إلى خوف العنت، وإلاّ فيصح نكاحه كالمرأة في المفازة لا تجد وليًّا3. 3- يصحُّ بإجازة الوليّ، فإن لم يجزه فسخ العقد، إلاّ أنه يتعيّن أن يكون الفسخ فيه للمصلحة، وهذا مذهب المالكية4. 4- إن كان السفيه محتاجًا إلى النكاح صحًّ تزويجه بدون إذن وليّه، وإن لم يكن محتاجًا إليه فلا يصحُّ إلاّ بإذن الوليّ. وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة كما نص عليه في (الإنصاف) 5. وقال ابن قدامة في (المغني) - في كتاب الحجر- في توجيه صحته مع الحاجة: "لأنَّه عقد غير ماليّ، فصحّ منه كخلعه وطلاقه وإن لزم منه المال،

_ 1 انظر: التكملة (9/259) . 2 انظر: المغني (7/397) . 3 انظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/169- 171) ، وتحفة المحتاج (7/286-291) ، ونهاية المحتاج (6/264، 266) ، وروضة الطالبين (7/99) . 4 انظر للمالكية: الخرشي (2/201) ، والشرح الكبير مع الدسوقي (2/243) ، ومنح الجليل (2/38) ، والكافي لابن عبد البر (1/450) . 5 الإنصاف (5/334) .

فحصوله بطريق الضمن، فلا يمنع من العقد كما لو لزم ذلك من الطلاق"1 اهـ. وقال في كتاب النِّكاح: "إذا احتاج إلى النِّكاح فحقّه متعيّن فيه، فصح استيفاؤه منه بنفسه، كما لو استوفى دينه الحالّ عند امتناع وليّه من استيفائه، فأمَّا إن تزوَّج من غير حاجة فلا يصحُّ"2 اهـ. هذه خلاصة مذاهب الفقهاء في تزويج السفهاء أنفسهم بغير إذن أوليائهم، وسيأتي بيان الرَّاجح بعد المسألة التَّالية وهي: ما إذا عقد الوليّ النكاح للسفيه بدون إذنه؟ ففي اشتراط إذن السفيه قولان عند كلٍّ من المالكية والشافعية والحنابلة. فعند المالكية: قولان مشهوران في الإجبار أو عدمه، وتوجيه عدم الإجبار عندهم للزوم طلاقه، والصداق، أو نصفه بدون فائدة، وقيّد بعضهم الخلاف في إجباره بما إذا لم يخف عليه الزنى ولم يترتَّب على تزويجه مفسدة، فإن خيف عليه الزِّنى أجبر قطعًا، وإن ترتّب على الزَّواج مفسدة لم يجبر قطعًا3.

_ 1 المغني مع الشرح الكبير (4/528) . 2 المغني مع الشرح الكبير (7/397) . 3 انظر للمالكية: الخرشي (2/ 202) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/245) ، ومنح الجليل (2/40) .

وعند الشافعية قولان أيضًا: أصحهما اشتراط إذنه؛ لأنَّه حرّ، مكلّف، صحيح العبارة، وإنَّما حجر عليه حفظًا لماله، وقد زال المانع بالإذن1. والثَّاني: لا يشترط إذن السفيه؛ لأنَّ النِّكاح من مصلحته، وعلى الوليّ رعايتها، فإذا عرف حاجته زوّجه، كما يكسوه ويطعمه2. وتزويج الوليّ للسفيه مقيّد عند أكثرهم بالحاجة، وإلاّ فهو إتلاف لماله بلا فائدة، وبنوا على هذا أنّه: لا يزوَّج إلاّ واحدة كالمجنون3. وأمّا الحنابلة فعندهم قولان أيضًا: أوّلهما: للوليّ تزويج السفيه بغير إذنه إذا كان محتاجًا إليه على الصحيح من المذهب، كما في (الإنصاف) 4.

_ 1 وانظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/169، 171) وتحفة المحتاج (7/ 291) ، ونهاية المحتاج (6/264، 266) وروضة الطالبين (7/98) . 2 وانظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/169، 171) وتحفة المحتاج (7/291) ، ونهاية المحتاج (6/264، 266) وروضة الطالبين (7/98) . 3 روضة الطالبين (7/99) ، ومغني المحتاج (3/ 169) ، وتحفة المحتاج (7/288) ، ونهاية المحتاج (6/264) . (تنبيه) : إنّ التقييد بواحدة في السفيه، والمجنون، والصغير، هو عند أكثرهم؛ لعدم احتياجهم - غالبًا- لأكثر من ذلك، وإلاّ فقد نصّ كثير منهم على أنه متى دعت الحاجة إلى أكثر من واحدة زيد عليها بحسب الحاجة في الصغير والمجنون، والسفيه من باب أولى؛ فإنّ حاجته لأكثر من واحدة أظهر منها في الصغير والمجنون. والله أعلم. 4 الإنصاف (5/ 334) ، (8/54) .

وقال ابن قدامة في المغني: "لأنَّه نصب لمصالحه، وهذا من مصالحه؛ لأنه يصون به دينه، وعرضه، ونفسه، فإنَّه ربّما تعرَّض بترك التزويج للإثم بالزِّنى والحدّ، وهتك العرض، وسواء علم بحاجته بقوله أم بغير قوله، وسواء كانت حاجته للاستمتاع، أو إلى الخدمة، فيزوّجه امرأة تحلُّ له، لأنَّه يحتاج إلى الخلوة بها، وإن لم يكن به حاجة إليه لم يجز تزويجه؛ لأنه يلزمه بالنكاح حقوقًا من المهر، والنفقة، والعشرة، والمبيت السكني، فيكون تضييعاً لماله، ونفسه في غير فائدة. فلم يجز كتبذيره ماله". اهـ1. وثانيهما: أنَّه ليس له ذلك. قال (صاحب الإنصاف) : اختاره المصنّف والشارح2. ولكن عبارة المصنّف والشارح التي أشار إليها ليست نصّاً في ذلك، بل هي محتملة ونصّها من المغني: "فإن زوجه بغير إذنه فقال أصحابنا: يصحُّ؛ لأنَّه عقد معاوضة فملكه الوليّ في حق المَوْلِيِّ عليه كالبيع، ولأنَّه محجور عليه أشبه الصغير والمجنون. ويحتمل: أن لا يملك تزويجه بغير إذنه، لأنَّه يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح كالرشيد والعبد الكبير، وذلك لأنَّ إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرَّد إضرار، لأنَّه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات النكاح، ولأنَّه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون

_ 1 المغني والشرح الكبير (7/396والشرح406) ، وانظر: كشاف القناع (5/ 24) . 2 الإنصاف (5/334- 335) .

له في أخرى، فإذا أجبر على من يكرهها لم تحصل له المصلحة منها، وفات عليه غرضه من الأخرى، فيحصل مجرَّد ضرر مستغنى عنه، وإنّما جاز ذلك في حقّ المجنون، والطفل، لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما، ولم يتعذّر ذلك ههنا، فوجب أن لا يفوت عليه كالرشيد". انتهى من المغني وتابعه الشارح نصًّا1. الرّاجح: بتأمل ما سبق ذكره من أقوال الفقهاء في الولاية على السفيه في النكاح، تبعًا للحجر عليه في ماله، يظهر لي- والله أعلم-: أنّه لا ولاية في النكاح على حرٍّ، بالغ، عاقل، وإن كان لا يحسن التصرُّف في ماله، سواء قيل بالحجر عليه في ماله أم لم يقل به، وذلك: أنَّ السفيه- وهو هنا المحجور عليه في ماله لعدم حسن تصرفه فيه- حرّ مكلّف، له عبارة صحيحة في النكاح، والنكاح من أجلّ مصالحه التي أباحها الله له، فلا يمنع من تحصيلها بنفسه ما لم يقم دليل على منعه منه، وأمّا الأصل المقيس عليه وهو الحجر في المال فمختلف فيه، وعلى القول به فالنكاح عقد غير ماليّ وما يلزم من المال بعقد النِّكاح فهو ليس مقصودًا لذاته، وإنما يلزم ضمناً، كما يلزم المهر، أو نصفه بطلاقه، وقد قالوا بصحة طلاقه مع ما يلزمه من المال، فوجب القول بصحة نكاحه، مع أنَّ الحجر عليه في ماله لا يرفع

_ 1 المغني (7/396-397) ، والشرح (7/406-407) .

أهليَّته حقيقة؛ بدليل الاتفاق على صحّة نكاحه قبل الحجر عليه، وعلى صحته بعد الحجر عليه بإذن وليّه، فأيّ أهليّة أزالها عنه الحجر عليه؟ وأيّ أهليّة استفادها بإذن وليّه مع قيام الحجر عليه؟ والله تعالى أعلم.

الفصل السابع: الولاية في النكاح على الأرقاء

المجلد الثاني الفصل السّابع: الولاية في النكاح على الأرقّاء المبحث الأول: ثبوت الولاية في النكاح عليهم. إنّ الرّق سبب لثبوت ولاية المالك على مملوكه إجماعًا، سواء أكان المملوك ذكرًا أم أنثى، صغيرًا أم كبيرًا، وقد دلّ على ثبوت الولاية في النِّكاح على الأرقّاء كلٌّ من الكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع. أ- فأمّا الدليل على ذلك من الكتاب فهو: أولاً: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 1. فقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم} خطاب للأسياد المالكين، لتزويج عبيدهم وإمائهم، كما أنَّ صدر الآية خطاب للأولياء بتزويج مولياتهم الحرائر2. ثانيًا: قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن} 3. فقد دلّت هذه الآية على أنَّ نكاح الإماء مشروط بإذن أهلهنَّ، أي أربابهنَّ المالكين لهنَّ، وهذه الآية وإن كانت في تزويج الإماء خاصّة إلاّ أن

_ 1 سورة النور آية رقم (32) . 2 انظر أحكام القرآن لابن العربي (3/1378) ، والقرطبي (12/240) . وأحكام القرآن للجصاص (3/321) . 3 سورة النساء آية رقم (25) .

حكمها شامل للعبيد الذكور أيضًا للآية السابقة، وللحديث الآتي مع وجود السبب، وهو الرّق فيهما1. ب- وأمَّا الدَّليل من السُّنَّة فهو: أوّلاً: ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل2 عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدرامي وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر بدل جابر وقيل صوابه: عن جابر كرواية غيره3. والله أعلم.

_ 1 انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/400) ، والقرطبي (5/141) ، والجصاص (2/165) ، وتفسير الفخر الرازي (10/61- 62) ، وروح المعا ني للآلوسي (5/9-10) . 2 هو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، المدني، صدوق في حديثه لين. ويقال تغير بآخره، روى له البخاري تعليقًا، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. اهـ. انظر التقريب (1/447-448) . وتهذيب التهذيب (6/13-15) . 3 تخريجه: 1- أحمد: (16/156) ترتيب المسند للساعاتي. نكاح. باب "لا نكاح إلا بوليّ، وما جاء في تزويج العبد بغير إذن سيده". 2- أبو داود: (6/92 عون المعبود) . نكاح، باب نكاح العبد بغير إذن مواليه. 3- الترمذي: (4/249- 250) تحفة) ، (من طريقين قال في أحدهما حديث حسن. وفي الآخر حسن صحيح) نكاح. باب ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده. 4- ابن ماجه (1/630) نكاح. باب تزويج العبد بغير إذن سيده. (عن ابن عمر بدل جابر ونقل محققه عن زوائده تحسينه) . وقال الترمذي وغيره: إنه لا يصحّ: أي ذكر ابن عمر في هذا الإسناد بل الصَّواب جابر. انظر الترمذي مع التحفة (4/250) وإرواء الغليل (6/352) . 5- الدارمي: (2/75 مع تخريجه) . نكاح. "باب في العبد يتزوج بغير إذن سيده". 6- عبد الرزاق (7/242) . طلاق. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. 7- الحاكم (2/194) نكاح/وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقرَّه الذهبي. 8- البيهقي (7/127) ، نكاح. باب نكاح العبد بغير إذن مالكه. 9- الطيالسي (2/308) . نكاح. باب ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده. وانظر كتب التخريج التاليه: نصب الراية (3/203-204) 0 التلخيص الحبير (3/189) . إرواء الغليل (6/351-353) .

قال الترمذي- رحمه الله: والعمل علي هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيده لا يجوز، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما" اهـ1. ثانياً: ما رواه نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل". رواه أبو داود، وابن ماجه.

_ 1 الترمذي مع تحفة الأحوذي (4/250) .

ورواه أيضًا الدارمي من طريق ابن ماجه، والبيهقي من طريق أبي داود. والصحيح وقفه على ابن عمر، كما قاله أبو داود وغيره، وأمَّا المرفوع فهو ضعيف1. ج- وأمَّا الدَّليل من الآثار المروية عن الصحابة: فمنها ما روى عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما: 1- فأمَّا عمر بن الخطاب فقد أخرج عبد الرزاق في مصنّفه عن الثوري، عن رجل كان أجيرًا لسالم بن عبد الله. عن سالم قال: قال عمر ابن الخطاب: إذا نكح العبد بغير إذن مواليه فنكاحه حرام، وإذا نكح بإذن مواليه فالطلاق بيد من يستحلُّ الفرج" أهـ2. ولكن في إسناد هذا الأثر الرجل المجهول، وهو أجير سالم. والله أعلم.

_ 1 تخريجه: 1- أبو داود: (6/92 عون المعبود) . نكاح. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. 2- ابن ماجه: (1/630) . نكاح. باب تزويج العبد بغير إذن سيده. 3- الدارمي: (2/75) . نكاح. باب في العبد يتزوج بغير إذن سيده. 4- البيهقي: (7/127) نكاح. باب نكاح العبد بغير إذن مالكه. وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (3/204) . والتلخيص الحبير (3/189) ، وإرواء الغليل (6/352-353) . 2 المصنف لعبد الرزاق (7/142) الطلاق. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. وقد تقدم (7/241منه) وأشار إليه كل من البيهقي (7/127) . وابن حزم (9/467المحلى) . والقرطبي في تفسيره (5/142) .

2- وأمَّا ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه فقد تقدّم قريبًا ما قيل في حديثه المرفوع من أنَّ الصحيح وقفه عليه. ومن ذلك أيضًا: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن عمر1 عن نافع "أنَّ ابن عمر ضرب غلامًا له الحدّ، تزوَّج بغير إذنه، وفرَّق بينهما"2. ومن طريق آخر: عن معمر3 عن أيوب4. عن نافع "أنَّ ابن عمر وجد عبدًا له نكح بغير إذنه، ففرَّق بينهما، وأبطل صداقه، وضربه حدًّا"5. وقال أيضًا: أخبرني موسى بن عقبه6 عن نافع "أنَّ ابن عمر كان

_ 1 هو: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. العمري، المدني، ضعيف. روى له مسلم والأربعة اهـ. انظر ترجمته في التقريب (1/434-435) ، وتهذيب التهذيب (5/326-328) . 2 مصنف عبد الرزاق (7/243) . طلاق. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. 3 هو معمر بن راشد. تقدمت ترجمته (1/ص 124) . 4 هو أيُّوب السَّخْتِياني كما صرَّح به ابن حزم بعد هذا بقليل. وتقدمت ترجمته ص (1/285) . 5مصنف عبد الرزاق (7/243) . طلاق. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. 6 هو: موسى بن عقبه بن أبي عيّاش- بتحتانية ومعجمة- الأسدي مولى آل الزبير. ثقة، فقيه، إمام في المغازي. روى له أصحاب الكتب الستة. انظر التقريب (2/286) . وتهذيب التهذيب (10/360-362) .

يرى نكاح العبد بغير إذن سيده زنى، ويرى الحدَّ عليه، وعلى التي نكح إذا أصابها، إذا علمت أنَّه عبد، ويعاقب الذين أنكحوه"1. وقد ذكر هذه الآثار ابن حزم في المحلَّى من طريق عبد الرزاق. وزاد عليها من طريق حماد بن سلمه2 عن أيوب السَّخْتِياني عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيِّده جلد الحدّ، وفرِّق بينهما، وردّ المهر إلى مولاه، وعزّر الشهود الذين زوَّجوه" ثم قال: وهذا مسند في غاية الصحة عن ابن عمر رضي الله عنهما" اهـ3. د- وأمّا دليله من المعقول: فإن كلاً من العبد والأمة مملوك رقبة ومنفعة لسيِّده، وللمالك التصرّف في ملكه بما يصلحه، والنِّكاح من جملة تلك المصالح. والله أعلم. هـ- وأمَّا الإجماع: فقد قال القرطبي: "أجمع علماء المسلمين على أنَّه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيِّده"4.

_ 1 مصنف عبد الرزاق (7/243) . طلاق. باب نكاح العبد بغير إذن سيده. 2 حماد بن سلمه تقدمت ترجمته (1/188) . 3 المحلى (9/267) . وانظر القرطبي (5/241) . 4 تفسير القرطبي (5/141) .

وحكاه ابن قدامة أيضًا في العبد والأمة على السَّواء1. وإن كان كلام القرطبي شاملاً للذَّكر والأنثى؛ لأنَّ العبد اسم جنس للملوك. والله أعلم. ومحلُّ الإجماع على عدم الجواز إنَّما هو إذا لم يأذن له سيِّده أو يجيز. أمَّا مع الإذن أو الإجازة فسيأتي قريبًا ما فيه من الخلاف. والله أعلم.

_ 1 المغني مع الشرح الكبير (7/399، 409-410) .

المبحث الثاني: تزويج الأسياد أرقاءهم

المبحث الثَّاني: تزويج الأسياد أرقّاءهم إنّ الولاية في النكاح على العبيد والإماء هي لمالكيهم إجماعًا كما سبق، وإنّما يختلف الفقهاء هنا في صحَّة مباشرة المالك لنكاح عبيده وإمائه باعتبار ذكورة المالك وأنوثته. فإن كان المالك رجلاً: فلا خلاف بينهم في صحَّة مباشرته إنكاح عبيده وإمائه بنفسه، كما يصحُّ له إنكاح نفسه، وإنكاح موليّاته الحرائر. وأمَّا إن كان المالك امرأة: فقد اختلف الفقهاء في مباشرتها إنكاح عبيدها وإمائها بنفسها على قولين مبنيّين على ما سبق من الخلاف في صحَّة إنكاح الحرة المكلّفة نفسها. وقد تقدَّم أنَّ مذهب الجمهور هو إثبات الولاية، في النِّكاح على النِّساء مطلقًا، وعلى هذا فلا عبارة للنِّساء في عقود الأنكحة لا لأنفسهنَّ، ولا لغيرهنَّ. وأمَّا المشهور من مذهب الحنفية فهو أنَّ للنِّساء عبارة صحيحة في النكاح، وإن كان تزويجها لنفسها هو خلاف الأولى، ويثبت للأولياء حقُّ الفسخ حينئذ إن لم يكن الزوج لها كفؤًا، على المشهور من مذهب أبي حنيفة، - رحمه الله، - وأنَّ محمد بن الحسن وأبا يوسف قالا: بصحَّته

موقوفًا على إجازة الوليّ، وأنَّ رواية الحسن عن أبى حنيفة صحته من الكفء لا من غيره، واختيرت للفتوى1. إلاّ أنَّ هذه الرِّوايات جميعها تتَّفق على صحَّة عبارة المرأة في النِّكاح، وعليه فالحرَّة المكلّفة لها أن تزوّج عبيدها وإماءها كالرَّجل. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله ما يوافق هذا، قال ابن قدامة: بعد أن ذكر الروايتين في المذهب وهما: أنَّه يزوّج أمة المرأة وليُّ سيِّدتها أو وكيلها- قال: ونقل عن أحمد كلام يحتمل رواية ثالثة: وهو: أنَّ سيدتها تزوّجها؛ فإنّه قيل له: تزوّج أمتها؟ قال: "قد قيل ذلك، هي مالها" وهذا يحتمل أنّه ذهب إليه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنّها مالكة لها وولايتها تامَّة عليها، فملكت تزويجها كالسيد، ولأنَّها تملك بيعها وإجارتها، فملكت تزويجها كسيِّدها، ولأنَّ الولاية إنّما تثبت على المرأة لتحصيل الكفاءة، وصيانة لحظ الأولياء في تحصيلها، فلا تثبت عليها الولاية في أمتها، لعدم اعتبار الكفاءة، وعدم الحقِّ للأولياء فيها. ويحتمل: أنَّ أحمد قال هذا حكاية لمذهب غيره، فإنَّه قال في سياقها: أحبّ إليّ أن تأمر زوجها؛ لأنَّ النِّساء لا يعقدن" اهـ2.

_ 1 انظر تفصيل مذهب الحنفية في فصل الولاية على الحرة المكلفة (ص 153 وما بعدها) . 2 المغني مع الشرح الكبير (7/359 والشرح 421) .

وقد استدلَّ الحنفية لمذهبهم هذا في هذه المسألة خاصّة بقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن} 1. فقال أبو بكر الجصاص: "قوله تعالى: {فانكحوهنَّ بإذن أهلهنّ} يدلّ على أنَّ للمرأة أن تزوّج أمتها؛ لأنَّ قوله {أهلهنّ} المراد به المولى إذا كان بالغاً عاقلاً جائز التصرف في ماله. وقال الشافعي: لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها وإنّما توكِّل2 غيرها بالتزويج، وهذا قول يردّه ظاهر الكتاب؛ لأنّ الله تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج، وبين عقد غيرها بإذنها، ويدلّ على أنّها إذا أذنت لامرأة أخرى في تزويجها أنّه جائز؛ لأنَّها تكون منكوحة بإذنها، وظاهر الآية مقتضٍ لجواز نكاحها بإذن مولاها، فإذا وكَّل مولاها أو مولاتها امرأة بتزويجها وجب أن يجوز ذلك؛ لأنَّ ظاهر الآية قد أجاز، ومن منع ذلك فإنّما خصَّ الآية بغير دلالة"3. وقد تعقّبه الفخر الرازي في تفسيره- بعد أن ذكر معنى كلام الجصاص السابق- فقال والجواب من وجوه:

_ 1 سورة النساء آية رقم (25) 2 يلاحظ أنَّ التوكيل ليس مذهب الشافعي، وإنَّما هو مذهب المالكيةُ، وقول في مذهب أحمد، وسيأتي تفصيله في هذا المبحث إن شاء الله تعالى. 3 أحكام القرآن للجصاص (2/166) .

الأوّل: أنَّ المراد بالإذن: الرضى، وعندنا أن رضى المولى لا بدَّ منه" فأمَّا أنّه كاف فليس في الآية دليل عليه. وثانيها: أنَّ أهلهنّ عبارة عمن يقدر على نكاحهنّ، وذلك إما المولى إن كان رجلاً، أو وليّ مولاها إن كان مولاها امرأة. ثالثها: هب أنّ "الأهل" عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أنَّ المرأة لا تنكح نفسها خاصة، قال عليه الصلاة والسلام "العاهر التي تنكح نفسها"1. فثبت بهذا الحديث أنّه لا عبارة لها في نكاحها، فوجب ألا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها ضرورة أنَّه لا قائل بالفرق. والله أعلم" اهـ2. وبهذا التعقيب من الفخر الرازي يظهر عدم نهوض استدلال الحنفية بالآية على إنكاح الحرة أمتها، وقد تقدَّم في فصل الولاية على الحرّة المكلّفة: أنَّه لم ينهض دليل على صحة إنكاحها نفسها، وهو الأصل المبني عليه هذا التفريع؛ ولهذا فالرَّاجح أنّه لا عبارة للمرأة في النكاح، حرّة أم أمة، لا لنفسها ولا لغيرها. والله أعلم.

_ 1 الراجح في هذا اللفظ أنّه من كلام أبي هريرة، رضى الله عنه. وأنَّ المرفوع هو قوله صلى الله عليه وسلم "لا تُنْكح المرأة المرأة، ولا تُنكِح المرأة نفسها" كما تقدم (1/ص 131. 2 التفسير الكبير للفخر الرازي (10/62) .

وأمَّا من يزوّج أمة المرأة؟ فقد اختلف فيه الجمهور على قولين: أولهما: أنَّه يزوّج أمة الحرّة وليُّ الحرَّة في النِّكاح دون غيره، وإنّما يزوّجها بإذن سيدتها. وهذا مذهب الشافعية، والظاهرية، والصحيح من مذهب الحنابلة1. وحجَّتهم في هذا: عموم أدلّة الولاية على المرأة في النِّكاح، ومنها قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} 2. فقد استدلَّ بها ابن حزم على أن المخاطبين بإنكاح الأيامى الحرائر والعبيد والإماء هم الرجال دون النساء، وثبت أنَّ أولياء المرأة في النكاح هم عصبتها، فكذلك هم أولياء أمتها، حيث قال: "فصح يقينًا أنَّ المأمورين بإنكاح العبيد والإماء هم المأمورون بإنكاح الأيامى؛ لأنَّ الخطاب واحد، ونصُّ الآية يوجب أنَّ المأمورين بذلك الرجال في إنكاح الأيامى والعبيد، فصحَّ بهذا أنَّ المرأة لا تكون وليًّا في نكاح أحد أصلاً،

_ 1 انظر للشافعية: مغني المحتاج (3/152، 174) . ونهاية المحتاج (6/233) . والمهذب (1/37) . وللحنا بلة: المغني: (7/358- 359) . والإنصاف (8/72) . والمبدع (7/33) . وللظاهرية المحلى (9/469) . 2 سورة النور آية رقم (32) .

لكن لا بدّ من إذنها، وإلاّ فلا يجوز؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً} إلى قوله: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن} اهـ1. وأيضاً فالأصل في ولاية الأمة في النّكاح لمالكها، فامتنعت في حقِّ المرأة لأنوثتها، فثبتت لأوليائها كولاية نفسها في النِّكاح2. وأيضًا فإنَّ أولياء سيِّدتها في النِّكاح هم أولياؤها بعد عتقها- إن لم يكن لها وليٌّ من النَّسب- ففي حال رقّها أولى3. وثانيهما: أنّه يزوّج أمة الحرّة من تفوِّض الحرّة إليه ذلك، سواء أكان له الولاية على الحرّة في النّكاح أم ليس له ذلك. وهذا مذهب المالكية والقول الآخر عند الحنابلة4. وحجَّتهم أنَّ سبب الولاية هنا الملك، وقد تحقّق في المرأة، وإنّما امتنعت المباشرة لنقص الأنوثة فملكت التوكيل كالمريض، والغائب5.

_ 1 المحلى نفس الجزء والصفحة. 2 انظر المغني والشرح الكبير (7/358والشرح 420) . 3 انظر المغني والشرح الكبير (7/358والشرح420) . 4 انظر للمالكية: الخرشي (3/187) 0 الشرح الكبير (2/230) . أحكام القرآن لابن العربي (1/400) والقرطبي (5/141) . وانظر للحنا بلة: المغني (7/359) . والإنصاف (8/72) 0 المبدع (7/34) . 5 انظر المغني (7/359) . والمبدع (7/34) .

والأظهر هو القول الأوّل: وهو أنه يزوّج الأمة من يزوّج سيِّدتها؛ وذلك لثلاثة أمور: 1- ما تقدَّم من أدلّة هذا القول. 2- أنَّ عقد وليِّ سيِّدتها صحيح بالإجماع، وهو أحوط للأنكحة، بخلاف القول بالتوكيل ففيه خلاف. 3- أنَّ الأصل في الوكيل أنَّه قائم مقام من وكَّله، فالقول بتوكيلها أجنبيًّا- بدون ضرورة- يخالف ما سبق من أنَّ الحرّة لا تملك تفويض نكاحها إلى غير وليّها. والله أعلم.

المبحث الثالث: تزويج الأرقاء أنفسهم

المبحث الثَّالث: تزويج الأرقّاء أنفسَهم إنّ إنكاح الأرقاء يختلف صحَّة وبطلانًا باعتبارين: أوّلهما: إذن المالك لمملوكه أو عدمه. ثانيهما: ذكورة المملوك أو أنوثته كما تقدَّم في المالك. وعلى هذا فالأمة لا تُنْكِح نفسها- عند الجمهور- مطلقًا، أذن لها وليُّها أم لم يأذن لها. فأمَّا مع الإذن؛ فلأنَّها امرأة؛ ولا ينعقد النكاح بعبارة المرأة، وأمَّا مع عدم الإذن؛ فلعموم أدلّة الولاية على المرأة في النّكاح مطلقًا. ولقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن} 1 فهذا شرط في صحَّة النِّكاح، وأيّ مملوك نكح بدون إذن وليّه فنكاحه باطل؛ لا تلحقه الإجازة. وقال الحنفية: إن أذن لها مالكها، فنكاحها صحيح2. وإن لم يأذن لها فهو موقوف على إجازة مالكها كعقد الفضولي3. وروى عن الإمام مالك نحو قول الحنفية هذا إن لم تباشره الأمة بنفسها أو عقدته لها امرأة4.

_ 1 سورة النساء آية رقم (25) . 2 انظر أحكام القرآن للجصاص (2/165) . وروح المعاني للآلوسي (5/9-10) . 3 انظر الكنز والبحر الرائق (3/147-148) . وتبيين الحقائق (2/132) . 4 انظر الكافي لابن عبد البر (1/448) .

فأمّا صحَّته عند الحنفية بإذن مالكها فالأنَّ للمرأة عندهم عبارة صحيحة في النِّكاح. ولقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن} . فإنَّ ظاهرها اشتراط إذن المالك، وإذا أذن المالك للأمة في إنكاحها نفسها، أو أذن لامرأة في إنكاح أمته فهو داخل في عموم الآية1. وقد ضعف الآلوسي وجهة الحنفية هذه فقال: "ادَّعى بعض الحنفية أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهنَّ؛ لأنّه اعتبر إذن الموالى لا عقدهم، واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم؛ فلعلَّ العاقد يكون هو المولى، أو الوكيل، فلا يلزم جواز عقدهنّ كما لا يخفى" اهـ2. وأمَّا صحَّة عقد الأمة بإجازة سيِّدها- عند الحنفية- فلأنَّه عقد صدر من أهله مضافًا إلى محلّه، ولا ضرر في انعقاده، فينعقد موقوفًا على إجازة المولى له أو ردّه3. هذا خلاصة وجهة كلا الفريقين، وظاهر أنّ سبب الخلاف يرجع إلى أمرين: الأوّل: انعقاد النّكاح بعبارة النِّساء، وقد اخترنا أنّه لا يصحُّ.

_ 1 انظر أحكام القرآن للجصاص (2/166) . 2 انظر روح المعاني للآلوسي (5/10) . 3 انظر الهداية وفتح القدير (3/307 وما بعدها) .

الثَّاني: صحة النكاح بالإجازة. وهذا مبنى على صحَّة عقد الفضولي إذا أجازه المولى أو المالك، وفيه خلاف للفقهاء، وليس هذا موضع بيانه. والذي يظهر لي - والله أعلم -: أنَّ النِّكاح إذا صدر من غير وليٍّ أو مالك أو من يقوم مقامهما فهو باطل؛ لا يكون بالإجازة صحيحاً؛ لأن غير أولئك لا حقَّ لهم في عقدة النكاح أصلاً، فتقع تصرفاتهم في حقِّ غيرهم لغوًا، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، وقد تقدَّم الفرق بين عقد الوليِّ وعقد الفضوليِّ، في مسألة إذا أنكح الوليُّ من يعتبر إذنها بغير إذنها1. والله أعلم. وأمَّا إنكاح العبد نفسه فقد أجمع العلماء على صحَّة إنكاحه نفسه بإذن سيِّده2. وعلى أنَّه لا ينفذ له نكاح بغير إذن سيِّده3 وذلك لما رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "أيُّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر"4. وكذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل" 5. فإنَّ مفهوم هذين الحديثين صحَّة نكاحه بنفسه إذا أذن له مولاه.

_ 1 راجع آخر فصل استئذان "الحرّة المكلّفة". 2 القرطبي 5/142 3 نفس المصدر (5/141) . 4 تقدم تخريجه (ص7) . 5 تقدم تخريجه (ص8) .

وأيضًا فإنَّ العبد مكلّف، يصحّ طلاقه، وله عبارة صحيحة في النِّكاح، وإنّما منع لحق سيِّده، فإذا أذن له سيِّده جاز له ذلك، كالحرِّ1. وأمَّا إن لم يأذن له مولاه فقد اختلف الفقهاء في صحَّة نكاحه على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده باطل، ولا يصح بإجازة السيِّد. وهذا مذهب الشافعية، وأظهر الروايتين عن الحنابلة، وبه قال ابن حزم الظاهري2. الثَّاني: أنَّه موقوف على إجازة السيِّد. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد3.

_ 1 انظر المغني لابن قدامة (7/402) . وانظر الأم (5/41-42) . وروضة الطالبين (7/101) والمنهاج ومغني المحتاج (3/172) . والموطأ مع شرح الزرقاني (3/155) . والكافي لابن عبد البر (1/448) . 2 انظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/171) . وروضة الطالبين (7/101) والأم (5/41-42) ، وللحنابلة: المغني (7/410) ولابن حزم المحلى (9/467-468) . 3 انظر للحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (3/) . وتبيين الحقائق (2/132) . والبحر الرائق (3/147-148) . وللمالكية: الموطأ مع الزرقاني (3/155) والمنتقى على الموطأ (3/337-338) . والكافي لابن عبد البر (1/447-448) . والشرح الكبير (242-243) . ولأحمد: المغني لابن قدامة (7/410) .

الثَّالث: أنَّه صحيح. وهذا القول قد عزاه بعض شراح الحديث لداود الظاهري1. الأدلّة: فأمّا من أبطل نكاح العبد بغير إذن سيِّده ولم ير جوازه بالإجازة فقد استدلّ بما يلي: 1- حديث جابر المتقدم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر"2. فقالوا: لقد حكم هذا الحديث على العبد إذا نكح بغير إذن سيِّده أنّه عاهر، والعاهر الزَّاني، والزِّنى باطل، وإذا وقع العقد باطلاً لم يكن بالإجازة صحيحاً3. وقد أجيب عنه: بأنّه يكون عاهرًا إذا لم تحصل الإجازة، كما أنَّ تسميته عاهرًا مجاز لا حقيقة؟ بدليل أنّه لا يرجم إذا زنى، ولا يكون عاهرًا بمجرَّد العقد4.

_ 1 انظر سبل السلام (3/123) . ونيل الأوطار (6/171) وعون المعبود (6/92. 2 تقدم تخريجه (ص7) . 3 انظر: سبل السلام (3/123- 124) ونيل الأوطار (6/171) وتحفة الأحوذي (4/249) . وعون المعبود (6/92) وبلوغ الأماني شرح المسند (16/156) . 4 انظر: أحكام القرآن للجصاص (2/166) . وسبل السلام (3/124) .

إلاّ أنَّ القول بالإجازة لا تلزم الشَّافعي ومن وافقه، ممن لا يقول بالإجازة أصلاً، مع أنَّ الإجازة خلاف ظاهر الحديث1. وأمّا أنّ العبد لا يرجم إذا زنى؛ فلدليل آخر، وأمَّا أنه لا يسمّى عاهرًا إذا لم يطأ، فذلك ليس دليلاً على صحَّة عقده، وأمّا إذا وطئ ففي تسميته زانيًا خلاف، وإسقاط الحدّ عنه - عند من قال إنّه زان - للشبهة، كالجهل بالحكم ونحوه، وممن قال بأنّ العبد إذا نكح بغير إذن سيِّده زان، ابن عمر رضي الله عنه، وقال به من الفقهاء أبو ثور، وابن حزم وغيرهما2. 2- حديث ابن عمر السابق "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل" فهذا الحديث- إنَّ صحّ رفعه فهو مفسِّر لحديث جابر رضي الله عنه، وصريح في إبطال نكاح العبد بغير إذن سيِّده. وأمّا إن كان موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنه- أي من قوله- فإنَّ له حكم الرَّفع؛ إذ إنَّ مثله لا يقال بالاجتهاد، وقد اشتهر عن ابن عمر رضي الله عنه أنّه يرى أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده زنى، وأنَّه يحدُّ فيه كما تقدَّم3.

_ 1 انظر سبل السلام (3/124) . 2 انظر تفسير القرطبي (5/141) . والمحلى (9/467) . ونيل الأوطار (6/171) . 3 تقدم (ص11 وما بعدها) .

وأمّا من جعل نكاح العبد بغير إذن سيِّده موقوفًا على إجازة السيِّد - وهم الحنفية والمالكية - فهذا بناء على صحَّة النِّكاح بالإجازة. وهذا ظاهر على أصل مذهب الحنفية في إجازة عقد الفضولي إذا كان للعقد مجيز، وحجَّتهم في ذلك: أنَّه عقد صدر من أهله مضافًا إلى محلّه، ولا ضرر في انعقاده، فينعقد موقوفاً حتى إذا رأى المجيز المصلحة فيه نفذه1، وقياسًا على صحَّة إجازة المرأة نكاحها إذا زوّجها وليّها بغير إذنها، كما جاء في حديث الفتاة التي زوّجها أبوها وهي كارهة، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم: أللنِّساء من الأمر شيء أم لا؟ 2. وقد تقدَّم تخريجه3 وأمّا المالكيَّة فقد قال الباجي في توجيه مذهبهم هذا: لأنّه عقد باشره من يصحُّ عقده، وإنّما فيه الخيار للسيِّد؛ لتعلُّق حقّه بمنافعه، والخيار إذا ثبت بالشرع دون الشرط لم يمنع صحَّة النِّكاح، كخيار الرَّد بالعُنّة والجذام، والبرص، والجنون"4. وقد أشار بعض الفقهاء إلى أنَّ هناك فرقًا بين مذهب الحنفية والمالكيَّة في هذه المسألة وهو: أنَّ عقد العبد بغير إذن مولاه غير نافذ عند

_ 1 انظر الهداية وفتح القدير والعناية (3/308) ، والبحر الرائق (3/148) وتبيين الحقائق (2/132) . 2 انظر تبيين الحقائق (2/132) . 3 تقدم (1/177) . 4 انظر المنتقى للباجي (3/338) .

الحنفية، ولكنَّه عقد نافذ عند المالكيَّة؛ ولذلك يحتاج إلى الفسخ بطلقة عند المالكيَّة دون الحنفية1. وهذا فرقٌ مهمٌّ ينبغي ملاحظته في كلِّ ما يشبه هذه المسألة؛ فإنَّ المالكيَّة يستعملون عبارة الخيار والفسخ كثيرًا في المسائل التي يستعمل فيها الحنفية عبارة الوقف والإجازة. والله أعلم. وأمّا ما نُسِب2 إلى داود الظاهري من أنَّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده صحيح. فقيل: هذا بناء على أصله وهو: أنَّ النِّكاح فرض عين - عنده- وفروض العين لا تفتقر إلى الإذن. قال الشَّوكاني: "وهو قياس في مقابلة النَّصِّ"3. واعتذر له الصنعاني في سبل السلام بأنَّه ربَّما لم يثبت لديه الحديث"4.

_ 1 انظر الكافي لابن عبد البر (1/448) . والمنتقى للباجي (3/338) . وتبيين الحقائق (2/132) ومغني المحتاج (3/171) ونيل الأوطار (6/171) . 2 يلاحظ أنَّ القرطبي قد عدّ داود الظاهري من جملة من قال بأنّ نكاح العبد بغير إذن سيّده باطل، وهذا يخالف ما عزاه إليه كثير من شراح هذا الحديث على أنّ ابن حزم، لم ينصَّ صراحة على مذهب داود في هذه المسألة على خلاف عادته. والله أعلم. انظر تفسير القرطبي (5/141) . 3 نيل الأوطار (6/171) . 4 سبل السلام (3/123) .

هذا خلاصة ما قيل في توجيه مذاهب الفقهاء في نكاح العبد بغير إذن سيِّده. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ أرجحها هو القول الأوّل: وهو أنََّّ نكاح العبد بغير إذن سيِّده باطل؛ لا تلحقه الإجازة. وأمّا قياسه على خيار الفسخ بالعيب، فهو قياس مع النَّصِّ، ومثله فاسد الاعتبار. وأمّا قياسه على عقد الفضولي، فالخلاف في صحَّته مشهور، وقد اخترنا أنَّ أيّ نكاح لم يعقده الوليّ أو المالك، أو من يقوم مقامهما فهو باطل، لا يكون بالإجازة صحيحاً. وأمّا قياسه على إجازة المرأة لنكاح عقده وليّها بدون إذنها، فهو قياس مع الفارق بين نكاح عقده من يملك عقدته وبين نكاح عقده من ليس له حقّ في عقده، كما تقدَّم بيان ذلك في مسألة "إذا أنكحت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها"1. والله أعلم.

_ 1 انظر آخر فصل استئذان الحرّة المكلفة (1/ص 359 وما بعدها) .

المبحث الرابع: إجبار الأرقاء على النكاح

المبحث الرّابع: إجبار الأرقّاء على النّكاح لقد تقدَّم أنَّ الولاية في النّكاح علي الأرقاء ثابتة عليهم لمالكيهم إجماعًا. ولكن هل للمالكين إجبار أرقّائهم على النِّكاح بدون رضاهم؟ إليك تفصيل ذلك: أمّا الأمة: ففي إجبارها قولان: الأوّل: صحَّة إجبارها على النكاح مطلقاً. وهذا مذهب جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها1. الثَّاني: عدم إجبارها. وهو مذهب ابن حزم الظاهري2، ورواية

_ 1 انظر للحنفية: المبسوط (5/133) ، الهداية وفتح القدير والعناية (3/397) ، بدائع الصنائع (3/1344-1345) ، الكنز وتبيين الحقائق (2/164) ، والبحر الرائق (3/212) . وللمالكية: الخرشي (3/174) ، الشرح الكبير (2/212) ، الحطّاب والموّاق (3/424) ، الزرقاني مع حاشية البناني (3/170) ، منح الجليل (2/12) ، بلغة السالك (1/354) ، تفسير القرطبي (12/240) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/172) ، وتحفة المحتاج (7/194) ، ونهاية المحتاج (6/269) ، وروضة الطالبين (7/103) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/399والشرح 391) ، والإنصاف (8/59- 60) . 2 انظر: المحلى (9/469) .

عن الإمام أحمد في الأمة العاقلة الكبيرة1. وأمّا إن كان المملوك عبدًا، فإمّا أن يكون كبيرًا، أو صغيرًا، عاقلاً أو مجنونًا. فأمّا إن كان صغيرًا أو مجنوناً ففي إجباره قولان للعلماء أيضًا: الأوّل: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الجمهور2. الثَّاني: عدم إجباره. وهو مذهب ابن حزم الظاهري، وقول لبعض الحنابلة في الصغير العاقل المميّز3. وأمّا إن كان العبد كبيرًا عاقلاً ففي إجباره قولان مشهوران للفقهاء أيضًا: أوّلهما: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ووجه للشافعية وقول للحنابلة4. ثانيهما: عدم إجباره مطلقًا. وهو أصحّ الوجهين عند الشافعية، ومذهب الحنابلة وابن حزم الظاهري، ورواية عن أبي حنيفة وأبي سف5.

_ 1 انظر: المراجع السابقة للحنابلة، والمبدع (7/24) . 2 انظر للحنفية والمالكية نفس المصادر السابقة، وكذلك للشافعية نفس المصادر والصفحات إلاّ روضة الطالبين ففي (7/102) . 3 المحلى (9/469) ، وللحنابلة: الشرح الكبير (7/393) . 4 انظر: المراجع السابقة في إجبار الأمة. 5 انظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (3/172) ، وتحفة المحتاج (7/393-394) ، ونهاية المحتاج (6/268-269) ، وروضة الطالبين (7/102) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/400 والشرح 393) الإنصاف (8/60) ، وشرح منتهى الإرادات (3/13) ، والمبدع (7/25) ، وكشاف القناع (5/45) ، والإفصاح لابن هبيرة (1/117) . ولابن حزم: المحلى (9/469) . ولأبي حنيفة وأبي يوسف: الهداية وفتح القدير (3/397) ، وتبيين الحقائق (2/164) . ولأبي حنيفة خاصة: البحر الرائق (3/212) .

فتلخَّص مما سبق أنَّ مذاهب الفقهاء في إجبار الأرقّاء ثلاثة مذاهب: الأوّل: إجبار العبد والأمة على السَّواء. الثَّاني: عدم إجبارهما على السَّواء. الثَّالث: التفصيل: إمّا باعتبار الذكورة والأنوثة في المملوك، أو باعتبار صغره وكبره، أو عقله وجنونه، وإليك وجهة نظر تلك الأقوال: أ- أدلّة من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء: استدلّ من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء بما يلي: أوّلاً: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 1. فهذا أمر للأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم، ولو لم يكن لهم ذلك لما أُمِروا به، مع وروده مطلقًا عن شرط الرِّضى2، مع أنَّ قرينة ذكر العبيد

_ 1 سورة النور- آية رقم: 32. 2 انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (3/338) ، وبدائع الصنائع للكاساني (3/1344) .

مع الإماء دليل على أنَّهما في الحكم سواء، فكلُّ من قال بإجبار الأمة لزمه القول بإجبار العبد أيضًا1. ولكن لا يخفى أنَّ هذا الاستدلال غير ناهض على ما ذكر؛ فإنَّ أمر الأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم مع وروده خال من شرط الرِّضى لا يلزم منه نفي الرِّضى وإثبات حقٍّ للأسياد في الإجبار، بل إنَّما تدلّ الآية على أنَّ للأسياد تزويج مماليكهم، ولا تلازم بين ثبوت أصل الولاية، وثبوت الإجبار، وإلاّ للزم أن يستدلَّ بالآية على إجبار الأيامى الحرائر مطلقًا ثيباتٍ أو أبكارًا، وسواء أكان أولياؤهنَّ آباءً أم غيرهم؛ لأنَّ الخطاب واحد فيهما، إلاّ أن يقال: إنَّ السنّة وردت بالنهي عن إنكاح الحرائر بدون إذنهنَّ بخلاف الأرقاء، ومع هذا فإنَّ ملك عقدة النكاح غير ملك الإجبار عليه. والله أعلم. ثانيًا: واستدلُّوا أيضًا على إجبار العبيد والإماء مطلقًا بأنَّهما ملك للسيِّد، وللمالك أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجهما تحصيل لمصلحتهما في النِّكاح، وإصلاح لملكه بإعفافهما عن الزِّنى الذي يتسبَّب في إقامة الحدّ عليهما ونقص قيمتهما2.

_ 1 انظر: المنتقى- نفس الجزء والصفحة. 2 انظر: بدائع الصنائع (3/1344-1345) ، وتبيين الحقائق (2/164) ، وأحكام القرآن لابن العربي (3/1378) .

ثالثاً: أنَّ للمالك بيعهما وإجارتهما بدون إذنهما، فجاز له تزويجهما كذلك بدون إذنهما1. ب- وأمَّا من قال بعدم إجبارهما مطلقاً: وهو ابن حزم الظاهري، فاستدلَّ بما يلي: أوّلاً: قوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا} 2. ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تُنْكَح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن" 3 بدون تفريق بين حرَّة وأمة4. ولكن لا يخفى أنّ عموم الآية بعيد كلَّ البعد عن شموله لمسألتنا هذه، فهي في كسب المعاصي والذنوب، فكلُّ نفس تؤاخذ بذنبها، ولا تؤاخذ بما يقترفه غيرها. والله أعلم. وأمّا الحديث فلو صحّ الاستدلال به لكان خاصَّا بالإماء دون العبيد، مع ما في شموله للإماء من بعد أيضًا، فإنَّ الظاهر أنّه خاصٌّ بالحرائر دون الإماء. وأمَّا ما روى عن الإمام أحمد من عدم إجبار الأمة الكبيرة العاقلة، فقد قيل في توجيه هذه الرواية: إنّه بناء على أنَّ البُضْع ليس بمال فيدخل

_ 1 انظر: المبسوط (5/113) ، وبدائع الصنائع (3/1344) . 2 آخر سورة الأنعام. 3 تقدم تخريجه (1/277) . 4 انظر: المحلى (9/469- 470) .

تحت ملك السيِّد1. ولكنَّ في هذا الاستدلال نظر سيأتي بحثه قريبًا إن شاء الله تعالى. ج- وأمَّا من قال بإجبار الأمة دون العبد: فذلك لأنَّ العبد يملك الطلاق، فلا فائدة في إجباره على النكاح حينئذ؛ إذ لا يؤمن أن يطلق من ساعته، ولأنَّ النكاح خالص حقّه، ونفعه راجع إليه مع إلزام ذمّته مالاً. وهذا بخلاف الأمة، فإنَّها لا تملك الطلاق، ويملك سيِّدها الاستمتاع بها، ويملِّكها غيره بالهبة، والبيع، ونحوه، كما أنَّ السيِّد ينتفع بتزويجها بما يحصل له من مهرها، وولدها، وسقوط نفقتها عنه، وهذا بخلاف العبد في جميع ما مرّ2. ونوقش هذا: بأنَّ ملك العبد طلاق زوجته مختلف فيه، فقد قيل: إنَّه بيد السيِّد3. مع أنَّ الظاهر أنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق4. وأمَّا أنَّ النكاح خالص حقِّ العبد ونفعه راجع إليه فغير مسلَّم أيضًا؛ فإنَّ للسيِّد أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجه عبده إعفاف وصيانة له عن أسباب الهلاك أو نقصان قيمته5.

_ 1 انظر: الإنصاف (8/59) ، والمبدع (7/24) . 2 المغني لابن قدامة (7/401) ، ومغني المحتاج للشربيني (3/172) . 3 انظر: المحلى لابن حزم (9/470) . 4 انظر: المبسوط (5/114) ، وفتح القدير (3/397) . 5 انظر: فتح القدير (3/397) .

أمَّا ما قيل من ملك السيِّد بُضْع أمته بخلاف العبد، ففيه: أنَّه لا تأثير لملك البُضْع أصلاً في تزويج الأرقاء، وإنَّما العبرة بملك الرَّقبة، فالسيِّد يزوّج أمته بملكه رقبتها لا بملكه بُضْعها، وكذلك العبد؛ بدليل أنَّ الرجل يملك بُضْع امرأته، ولا يملِّكه غيره، ولا يملك بُضْع ابنته، ويملِّكه غيره بالزَّواج، فليس لملك البُضْع تأثير في التزويج لا طرداً ولا عكسًا1. والله أعلم. وأمَّا من قال: بإجبار العبد المجنون، والصغير، دون العاقل الكبير، فقياساً على الحرّ الصغير، أو المجنون، بل هو أولى؛ لتمام ولايته عليه، وملكه له2. وأمَّا من استثنى الصغير العاقل المراهق فقال لا يجبر؛ فذلك لأنّه يملك- عندهم- الطلاق كالعبد العاقل الكبير، والحرّ، والمراهق3. والله أعلم. الرّاجح: والذي يظهر لي مما تقدَّم- والله أعلم-: أنّ للمالك في ملكه تصرُّفًا بالمصلحة غير موقوف على إذن غيره، وأنَّ ولاية المالك على مماليكه في النكاح وغيره تخالف ولاية الوليِّ على الحرائر، إلاّ أنَّنا رأينا أنَّ العبد ينكح

_ 1 انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/1378) وتبيين الحقائق للزيلعي (2/164) . 2 انظر: المغني لابن قدامة 7/400-401) . 3 انظر: الشرح الكبير مع المغني (7/393) .

فيطلق، ومن قال: إنَّ الذي يطلق سيِّده لا يعوّل عليه، والقول بأنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق غير ظاهر مع الإكراه، بل الظاهر خلافه. وعلى هذا فالقول بإجبار العبد الذي يملك الطلاق قول عديم الجدوى. وأمَّا الأمة: فقد رأينا أنَّ لسيِّدها أن يستمتع بها بدون إذنها، وأنَّ لمالكها أن يبيعها، أو يهبها بدون إذنها، فيستحلّ منها مالكها الجديد ما كان يستحلّه منها مالكها الأوّل من الاستمتاع الذي هو أهم مقاصد تزويجها، وعلى هذا فالقول بعدم إجبارها قول فيه ضعف، مع أنَّ الاستمتاع بها عن طريق النكاح أكرم لها منه بطريق البيع ونحوه، وعلى هذا فالقول بإجبار الأمة دون العبد هو الأولى بالرُّجحان إن شاء الله تعالى، لكن من الإحسان الذي كتبه الله على كلِّ شيء أن يحسن إلى إمائه في نكاحهنَّ وجميع أمورهنّ، وألاّ يضعهنّ موضعًا يُسْأل عنه، فإنَّه راع، وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته. والله أعلم.

المبحث الخامس: خيار الأمة إذا عتقت تحت زوج

المبحث الخامس: خيار الأمة إذا عَتَقَتْ تحت زوج إذا كان للأمة زوج فعتقت تحته فهو إمَّا أن يكون عبدًا أو حرّاً حينذاك. فإن كان عبدًا فقد أجمع أهل العلم على ثبوت حقِّها في الخيار؛ فإن شاءت فسخت نكاحها منه، وإن شاءت بقيت على ما كانت عليه، فإذا اختارت البقاء معه لم يكن لها بعد ذلك حقّ في الفسخ؛ لأنّها أسقطت حقّها بنفسها. والأصل في ثبوت الخيار للأمة حديث (بَرِيرَة) الصحيح، المشهور، حيث كانت أمة فأعتقت فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها فاختارت نفسها1. فقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان في بَرِيرَة2 ثلاث سنن: عتقت فخيّرت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق"، ودخل

_ 1 انظر: المغني لابن قدامة (7/591) . 2 بَرِيرَة- بفتح الموحدة وكسر الراء وإسكان التحتية، فراء ثانية، فهاء تأنيث، بزنة فعيلة، من البرير، وهو ثمر الأراك، قيل اسم أبيها: صفوان، وأنّ له صحبة، وقيل: كانت نبطيّة، وقيل: قبطية، وقيل: حبشية، مولاة عائشة، وكانت تخدمها قبل أن تشتريها. كذا في شرح الزرقاني للموطأ (3/180) ، وانظر ما ذكره أيضًا من الخلاف في مواليها قبل ذلك في نفس الصفحة. وانظر ترجمتها في: الإصابة (4/251-252) ، والاستيعاب (4/249- 250) ، وطبقات ابن سعد (8/256- 261) .

رسول الله صلى الله عليه وسلم وبُرْمَة على النَّار فقرّب إليه خبز وأُدْمٍ1 من أُدْمِ البيت فقال: ألم أر البُرْمَة2 على النَّار؟ فقيل: لحم تُصدِّق به على بَرِيرَة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: "هو عليها صدقة، ولنا هديّة". وهذا الحديث رواه الأئمة: ما لك، وأحمد، والستة، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم3 من طرق شتَّى وبألفاظ متقاربة تتَّفق

_ 1 الأُدْم: بضم الهمزة وإسكان الدال المهملة- هو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان. انظر: النهاية في غريب الحديث (1/31) . 2 البُرْمَة- بضم الموحدة وإسكان الراء- قال ابن الأثير: هي القدر مطلقًا. وجمعها: بِرام- (أي بكسر الباء) - وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن، وقد تكررت في الحديث اهـ. النهاية في غريب الحديث (1/121) . 3 تخريجه: 1- مالك: (3/180 مع شرح الزرقاني) طلاق، باب ما جاء في الخيار. 2- أحمد: (المسند 6/42، 46، 115، 170، 172، 175، 186، 209) . 3- البخاري: بهذا اللفظ في كتاب الطلاق من الصحيح، باب الحرَّة تحت العبد (9/138الفتح) وفي مواضع أخر كثيرة منها في كتاب الطلاق، باب (9/410 الفتح) ، وهنا أطال ابن حجر في شرحه وتعداد فوائده. 4- مسلم: (10/146-147 نووي) العتق، "باب بيان أنَّ الولاء لمن أعتق". 5- أبو داود: (6/315 عون المعبود) طلاق، باب في المملوكة تعتق تحت حرّ أو عبد، وباب من قال حرًّا (6/316) وباب متى يكون الخيار (6/318) . 6- الترمذي: (4/317-318 تحفة) الرضاع، باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج. 7- النسائي: (6/162) طلاق، باب خيار الأمة، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها حرٌّ (6/163منه) ، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك (6/164) . 8- ابن ماجه: (1/670- 671) طلاق، باب الأمة إذا أعتقت. 9- الدارمي: (2/91مع تخريجه) طلاق، باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق. 10- ابن الجارودي: (ص 247 مع تخريجه) طلاق. 11- الطحاوي: (3/82 شرح معاني الآثار) نكاح، باب الأمة تعتق وزوجها حرٌّ، هل لها الخيار؟. 12- الدارقطني: (3/288- 292) نكاح. 13 البيهقي: (7/220وما بعدها) ، باب الأمة تعتق وزوجها عبد، (7/223وما بعدها) باب من زعم أن زوج بَرِيرَة كان حرًّا يوم أعتقت. وانظر كتب التخريج التالية: نصب الراية (3/204-208) ، والتلخيص الحبير (3/202-203) ، وإرواء الغليل (6/272- 278، 320) .

جميعها على ثبوت خيار بَرِيرَة من زوجها، وتختلف في كون زوجها حرّاً أو عبدًا يوم أُعتقت، وبعضها أطول من بعض، وهو حديث له شأنه عند الفقهاء والمحدّثين حتى إن بعض المحدّثين قد أفرده بالتأليف وهو حقيق بذلك1. وأمّا إن كان زوج الأمة حرّاً حين عتقت: فقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار لها تحت زوجها الحرّ على قولين مشهورين:

_ 1 انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (3/180) ، وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة بَرِيرَة: قد جمع بعض الأئمة فوائد هذا الحديث فزادت على ثلاث مائة، ولخصتها في فتح الباري. انظر: الإصابة (4/252) ، وفتح الباري (9/411-416) .

القول الأوّل: أنّه لا خيار لها، وبه قال جمهور العلماء من المحدّثين والفقهاء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في القول المشهور عنه الذي عليه أصحابه1. والقول الثَّاني: أنّه لها الخيار، وهو مذهب الحنفية، وروى عن بعض التابعين، وهو أيضًا مذهب ابن حزم الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد2. سبب الخلاف: وسبب اختلاف العلماء في هذا يرجع إلى أمرين: أوّلهما: اختلاف الرِّوايات عن عائشة - رضي الله عنها - في زوج بَرِيرَة حين أُعتقت: أكان حرًّا أم عبدًا؟ وثانيهما: المعنى المعلَّل به ثبوت الخيار للأمة،،أي تنقيح المناط، أهو ملك الأمة نفسها بالعتق؟ أم عدم كفاءة زوجها العبد لها بعد أن أصبحت حرَّة؟ أم غير ذلك؟. وإليك بيان ذلك بالتفصيل:

_ 1 انظر: بداية المجتهد (2/40) ، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 241-242) ، والإفصاح لابن هبيرة (2/134) ، والمغني لابن قدامة (7/591) ، والمهذب للشيرازي - (2/51-52) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/210) . 2 انظر للحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (3/402-403) وتبيين الحقائق (2/166-167) ، والبحر الرائق (3/115) ولأحمد: المغني لابن قدامة (7/591) ، وزاد المعاد (5/169) . ولابن حزم: المحلى (10/152) .

السبب الأوّل: أمّا السبب الأوّل: وهو اختلاف الرِّوايات عن عائشة - رضي الله عنها - في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا يوم عتقت، فقد روى حديث عائشة هذا في تخيير بَرِيرَة حين عتقت ثلاثة نفر هم: القاسم بن محمد "ابن أخيها"، وعروة بن الزبير "ابن أختها"، والأسود بن يزيد1. فأمّا القاسم فعنه روايتان: إحداهما: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، رواها أحمد ومسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، والبيهقي، والدارقطني2. والثَّانية: رواية شعبة. عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وفي هذه الرواية شكَّ عبد الرحمن بن القاسم حيث قال: "وزوجها حرٌّ أو عبد؟ قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها؟ قال: لا أدري" هذا لفظ البخاري.

_ 1 هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، مخضرم، ثقة، مكثر، فقيه، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/77) ، وتهذيب التهذيب (1/342-343) . 2 انظر التخريج السابق: أحمد (المسند6/115، 180، 209) ومسلم (10/146 نووي) ، وأبو داود (6/316 عون المعبود) النسائي (6/165) ، ابن ماجه (1/671) ، الدارمي (2/91) ، الدارقطني (3/291- 292) ، البيهقي (7/220) .

وعند غير البخاري: "قال عبد الرحمن: كان زوجها حرًّا- أي بالجزم ثم قال شعبة: سألت عبد الرحمن عنها فقال: لا أدري". وهذه الرواية عن القاسم رواها: أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي1. وأمَّا عروة بن الزبير: فلم تختلف روايته عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، ولفظه: قالت: "وكان زوج بَرِيرَة عبداً فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي2. إلاّ أنَّ النسائي قال: "قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني في العلل: "لم يختلف على عروة أنّه كان عبدًا"3.

_ 1 انظر: التخريج السابق: أحمد: (المسند6/172) ، والبخاري (5/203الفتح) ، ومسلم (10/146 نووي) والنسائي (6/165) ، والبيهقي (7/220) . 2 انظر التخريج السابق: مسلم (10/146نووي) ، وأبو داود (6/315 عون المعبود) ، والترمذي (4/317 تحفة) والنسائي (6/165) ، وابن الجارودي (ص 247) ، والطحاوي (3/82) ، والدارقطني (3/289- 292) ، والبيهقي (7/221) . 3 فتح الباري (9/410) .

وأمّا ما رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ إلى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا1، فقال الحافظ ابن حجر: إنَّ هذا غلط، ونصُّ كلامه: "قلت: وقع لبعض الرُّواة غلط؛ فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه، وابن حزم من طريقه قال: أنبأنا أحمد ابن يزيد المعلم، حدثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا، هذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإنّ الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: كان عبدًا، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أسامة، عن هشام، وفيه أنَّه كان عبدًا" اهـ2. وأمَّا ما رواه الأسود بن يزيد: عن عائشة - رضي الله عنها-، فلم تختلف روايته عنها أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا". رواه أحمد والستة إلا مسلمًا، ورواه الدارمي، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي3.

_ 1 المحلى لابن حزم (10/154-155) . 2 فتح الباري (9/410) . 3 انظر التخريج السابق: أحمد (المسند 6/42، 170،175، 186) ، والبخاري (9/10 فتح) ، وأبو داود (6/316 عون المعبود) ، والترمذي (4/317 تحفة) ، والنسائي (6/163) ، وابن ما جه (1/670) ، والدارمي (2/91) ، والطحاوي (3/82) ، والدارقطني (3/290) ، والبيهقي (7/223-224) وقال: قد روينا عن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، كلهم عن عائشة رضي الله عنها أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا (7/224) .

وبناء على هذا الاختلاف في الرِّوايات عن عائشة - رضي الله عنها - في حال زوج بَرِيرَة يوم أعتقت أكان عبدًا أم حرّاً؟ فقد اختلف العلماء في تصحيح تلك الرِّوايات جميعها، أو ترجيح بعضها على بعض، فمنهم من حكم لها بالصِّحة جميعها وجمع بينها، ومنهم من رجَّح رواية أنّه كان عبدًا، ومنهم من رجّح رواية أنّه كان حرًّا. وقد انتصر كلُّ ذي وجهة لوجهته بكلام يطول ذكره، ويصعب حصره في مثل هذا المقام، وحسبنا من كلِّ ذلك خلاصته. فممَّن ذهب إلى طريقة الجمع بين تلك الرِّوايات: الطحاوي، وابن حزم الظاهري. وحجَّتهم أنَّ طريقة الجمع مقدّمة على طريقة الترجيح متى أمكن ذلك، والجمع هنا ممكن؛ وذلك بحمل رواية أنّه كان عبدًا على حاله قبل عتق زوجته، وحرًّا يوم عتقها، فمن قال: كان عبدًا حكى حاله السابقة، ومن قال كان حرّاً حكى حاله يوم عِتْق زوجته، وذلك أنَّ الرِّق تعقبه الحُرِّية بخلاف الحُرِّية فلا يعقبها رِقّ1. ونوقش هذا الجمع بأنَّ بعض الرِّوايات الصحيحة صريحة في أن زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أعتقت، وأنَّ القول بأنَّه كان حرًّا ليس من قول

_ 1 انظر: شرح معاني الآثار (3/83) ، والمحلى (10/156) ، وقد أطال في بحث هذه المسألة فليراجعها من شاء.

يشاهد الواقعة كما سيأتي1 وأمَّا من ذهب إلى ترجيح رواية أنَّه كان عبدًا، فهم جمهور المحدّثين ومنهم الإمام أحمد، والبخاري، وابن حجر. فأمّا الإمام أحمد فنقل عنه قوله: إنّما يصحُّ أنّه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحَّ عن ابن عباس وغيره أنَّه كان عبداً، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ، وإذا عتقت الأمة تحت الحرِّ فعقدها المتَّفق على صحَّته لا يفسخ بأمر مختلف فيه"2 اهـ. وأمَّا البخاري فقد أورده في صحيحه من قول الأسود حيث قال: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا أصحّ"3 اهـ. ومعنى قول البخاري: منقطع: أي مدرج من كلام الأسود، وليس من كلام عائشة - رضي الله عنها -كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره4.

_ 1 وانظر أيضاً: فتح الباري (9/410) ، (12/39-40) . 2 نيل الأوطار (6/173) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/181) . 3 انظر: فتح الباري (12/41) كتاب الفرائض، باب ميراث السائبة، وحديث ابن عباس المشار إليه في كلام البخاري وأحمد سيأتي تخريجه في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. 4 انظر البخاري مع فتح الباري (12/40) ، وانظر: إرواء الغليل (6/276) .

1. وذكره مرَّة من قول الحكم2، ولفظه: "قال الحكم: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الحكم مرسل3 اهـ. أي غير مسند إلى عائشة رضي الله عنها4. وأمّا الحافظ ابن حجر: فقد بسط القول في بيان طرق هذا الحديث ثم قال: فدلّت تلك الرِّوايات المتَّصلة التي قدَّمتها آنفًا على أنَّه من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو نادر؛ فإنَّ الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير: أنَّه كان موصولاً فترجَّح رواية من قال "عبدًا" بالكثرة، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنَّهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها، والله أعلم. ويترجّح أيضًا بأنَّ عائشة كانت تذهب إلى أنَّ الأمة إذا أعتقت تحت الحرّ لا خيار لها، وهذا بخلاف ما رواه العراقيون عنها،

_ 1 انظر البخاري مع فتح الباري (12/40) ، وانظر: إرواء الغليل (6/276) . 2 هو: راوي هذا الحديث عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها. (انظر: فتح الباري 12/39-40) . وهو الحكم بن عُتَيْبة- بالمثناة ثم الموحدة مصغَّرًا- أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلاّ أنه ربَّما دلس، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (1/192) ، وتهذيب التهذيب (2/432-434) . 3 انظر: البخاري مع فتح الباري (12/39) الفرائض، باب الولاء لمن أعتق. 4 انظر: فتح الباري (12/40) .

فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها، لا سيَّما وقد اختلف النقل عنها. اهـ1. ثم أجاب الحافظ عن قول من قال: إنه "عبدًا" باعتبار ما كان بقوله: "وادّعى بعضهم أنّه يمكن الجمع بين الرِّوايتين بحمل قول من قال "كان عبدًا" على اعتبار ما كان، ثم أعتق؛ فلذلك قال من قال "كان حرًّا" ويردّ هذا الجمع ما تقدَّم من قول عروة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم تخيَّر". وأخرجه الترمذي بلفظ "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا أسود يوم أعتقت"، فهذا يعارض الرِّواية المتقدِّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال "حرًّا" أراد ما آل إليه أمره وإذا تعارضا إسنادًا واحتمالاً احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجَّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلُّ ذلك موجود في جانب من قال "كان عبدًا"2 اهـ.

_ 1 فتح الباري (9/411، وانظر نحو هذا في: نيل الأوطار (6/173-174) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (4/181) ، وتحفة الأحوذي (4/317-320) ، وعون المعبود (6/315-317) . 2 فتح الباري (9/411) ، وانظر: نيل الأوطار (6/173-174) ، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/181) ، وتحفة الأحوذي (4/317-320) ، وعون المعبود (6/315- 317) .

وأمَّا من ذهب إلى ترجيح كونه حرًّا: فهو ابن الهمام الحنفي في فتح القدير حيث قال: "هذا الحديث رواه عن عائشة ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمّا عروة فعنه روايتان1 صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى "أنّه كان عبدًا"، وأمّا عبد الرحمن بن القاسم2 فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى: "الشك"3.

_ 1 كذا قال هنا، ومثله ابن القيم في زاد المعاد (5/168) . وقد تقدم قول الدارقطني: إنّه لم يختلف على عروة أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا اهـ (انظر ما تقدم ص42) ولم أقف على رواية أخرى عن عروة أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا إلاّ الرواية التي ذكرها ابن حزم من طريق ابن أصبغ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن زوج بَرِيرَة كان حرًّا. وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر: إنّها غلط؛ بسبب وهم بعض رواتها؛ لمخالفتها لروايات أصحاب هشام، وكذلك أصحاب جرير الراوي عن هشام، والله أعلم. (انظر ما تقدم ص43) . وقد نقل الشوكاني في نيل الأوطار هذه العبارة عن ابن القيم وقال: وقد عرفت مما سلف ما يخالف هذا. اهـ (6/173) . 2 كان المناسب هنا لكلامه السابق أن يقول: "وأمّا القاسم"، ولعلّه قد سبق ذهنه إلى من وقع منه الشك حقيقة وهو عبد الرحمن وليس أباه. 3 تقدَّم أن القاسم عنه روايتان: إحداهما: "أنه كان عبدًا" وهذه أصحّ وأشهر؛ لكثرة رواتها، والثانية: "أنّه كان حرًّا"، وهذه رواية شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وهذه هي التي فيها الشك، فمرة جزم بأنَّه حرٌّ، ومرَّة قال: لا أدري. ولا شك في إمامة شعبة، حتى وإن خالفه الأكثر، ولكن علَّة هذه الرواية شك عبد الرحمن بن القاسم، وهذا ما نص عليه شعبة نفسه. انظر ما تقدم (ص41) .

ثم قال: "والذي لا مردّ له من الترجيح أنَّ رواية "كان حرًّا" أنصّ من "كان عبدًا" لما قلنا، وتثبت زيادة، فهي أولى، وأيضًا فهي مثبتة، وتلك نافية للعلم، بأنّه كان حالته الأصلية الرّقّ، والنافي هو المبقيها، والمثبت هو المخرج عنها"1 اهـ. وتعقّبه صاحب (تحفة الأحوذي) بقوله: "اعلم أنَّ روايات كون زوج بَرِيرَة عبدًا لها ترجيحات عديدة على روايات كونه حرًّا، ذكرت بعضًا منها فيما تقدّم، والباقي مذكورٌ في فتح الباري والنيل، والإمام ابن الهمام قد عكس القضيَّة بوجوه عديدة كلّها مخدوشة، ولولا مخافة طول الكلام لبيّنت ما فيها من الخدشات"2 اهـ. وبهذا العرض المستفيض بالنِّسبة للمباحث الفقهية، والموجز بالنِّسبة لعلم الرِّجال والحديث، والذي أردت به بيان اختلاف الرواة عن عائشة رضي الله عنها في صفة زوج بَرِيرَة، أكان حرًّا أم عبدًا يوم أُعتقت، وبيان مواقف العلماء من تلك الروايات، فلا يخفى ما بين كلِّ وجهة وأخرى من تفاوت في تصحيح تلك الروايات وتوجيهها، ومحلُّ الحكم الشافي في ذلك كتب الرِّجال والحديث.

_ 1 انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/402) . 2 انظر: تحفة الأحوذي (4/320) ، ونيل الأوطار (6/173) .

وفيما تقدَّم من تخريجه والإحالة عليه كفاية بحمد الله. والمختار من هذه الأقوال: هو قول أئمة الحديث: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أُعتقت، فهم أهل الشأن والاختصاص، وحسبنا حكمهم في ذلك، وحسبنا أيضًا شهادة من رأى زوج بَرِيرَة يوم أعتقت رأي العين، ووصف لنا حاله وهو يبكي وراءها في سكك المدينة، وهو ابن عباس رضي الله عنهما ونصّ حديثه عند البخاري: "كان زوج بَرِيرَة عبدًا أسود يقال له "مُغِيث"1 عبدًا لبني فلان2، كأنّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة". وفي لفظ آخر للبخاريِّ أيضًا: "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يقال له مُغِيث كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته،

_ 1 مُغِيث- بضم أوله وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة ثم مثلثة-، وقيل: بفتح المهملة وتشديد التحتانية، وآخره موحدة، والأول أثبت، وبه جزم ابن ماكولا، كذا في فتح الباري (9/408) . وانظر: ابن ماكولا (7/276) . 2 قيل: كان عبدًا لبني المغيرة، وفي رواية لآل المغيرة من بني مخزوم، وقيل: مولى أحمد بن جحش، وفي رواية عبدًا لآل أبي أحمد. وقيل: مولى بني مطيع. قال الحافظ: والأول أثبت لصحة إسناده، ويبعد الجمع؛ لأنَّ بني مغيرة من آل مخزوم كما في رواية هشيم، وبني جحش من أسد بن خزيمة، وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدَّعى أنه كان مشتركاً بينهم على بعده، أو انتقل. انظر: فتح الباري (9/408) . وانظر ترجمته في الإصابة (3/451-452) ، والاستيعاب (3/453 مع الإصابة) .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو راجعتِه؟ " قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنّما أنا شافع"، قالت: لا حاجة لي به". ورواه أيضًا: أحمد، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، والد ارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي1. ورواه أيضًا ابن سعد في الطبقات ولفظه كما في (إرواء الغليل) : "كان زوج بَرِيرَة يوم خيرت مملوكًا لبني المغيرة يقال له مُغِيث…2". ثم

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (المسند1/215، 281، 361) . 2- البخاري: (9/406-408 الفتح) طلاق، باب خيار الأمة تحت العبد، وباب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بَرِيرَة. 3- أبو داود: (6/313-315 عون المعبود) طلاق، باب في المملوكة تعتق تحت حرٍّ أو عبدٍ. 4- الترمذي: (4/319 تحفة) الرضاع، باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج. 5- ابن ماجه: (1/671) طلاق، باب خيار الأمة إذا أعتقت. 6- الدارمي: (2/91) طلاق، باب تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق. 7- ابن الجارود: (ص 247) طلاق. 8- الطحاوي (3/82-83) الطلاق، باب الأمة تعتق وزوجها حرّ، هل لها الخيار أو لا؟. 9- الدارقطني: (3/293- 294) . 10- البيهقي: (7/221وما بعدها) نكاح، باب الأمة تعتق وزوجها عبد. 2 انظر: الطبقات لابن سعد (8/260) .

قال الألباني: وإسناده صحيح. وفيه حجّة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوي وتبعه ابن1 التركماني من تصحيح رواية كونه "حرًّا"، والجمع بينهما وبين الرِّوايات القائلة بأنّه كان عبدًا: بأنّه كان حرًّا آخر الأمر في وقت ما خُيِّرت به بَرِيرَة، عبدًا قبل ذلك؛ فإنَّ رواية ابن سعد هذه صريحة في أنّه كان عبدًا في الوقت المذكور، فبطل الجمع المزعوم، وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدّمة"2 اهـ. السَّبب الثَّاني: وأمّا السَّبب الثَّاني لاختلاف الفقهاء في ثبوت الخيار للأمة فهو تنقيح مناط إثبات الخيار لها، بقطع النَّظر عن زوج بَرِيرَة، أكان عبدًا أم حرًّا؟ وللعلماء فيه ثلاثة مذاهب: أوّلها: أنّه زوال الكفاءة بين العبد والحرّ؛ فإنَّ الأمة بعد أن عتقت قد كملت بالحرّيّة فهي تستنكف أن تبقى تحت عبد، بخلاف ما إذا عتقت

_ 1 انظر: الجوهر النقي لابن التركماني مع البيهقي (7/224) . 2 إرواء الغليل للألباني (6/277) . ورواية ابن سعد هذه لا تختلف عن لفظ الترمذي، إلاّ أن في رواية ابن سعد هذه "كان مملوكًا" بدل "كان عبدًا"، ونصّ رواية الترمذي إن زوج بَرِيرَة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يوم أعتقت بَرِيرَة، والله لكأنّي به في طرق المدينة ونواحيها، وإنّ دموعه لتسيل على لحيته. يترضاها لتختاره فلم تفعل" هذا حديث حسن صحيح. اهـ (4/319 تحفة) . وقد تقدم في كلام الحافظ معزواً إلى الترمذي (انظر ص47) .

تحت حرّ فقد تساوت معه في الحرّيّة، فهي كالكتابية تسلم تحت زوجها المسلم. وهذا مذهب الجمهور1. ونوقش هذا القول: بأنَّ الكفاءة إنّما تعتبر في الابتداء لا في الدَّوام2. ثانيها: أنّها ملكت نفسها بالعتق، فلا فرق في ثبوت الخيار بين أن يكون زوجها حرًّا أو عبدًا، وهذا أقوى حجّة لمن أثبت الخيار للأمة إذا أعتقت تحت حرٍّ. فقالوا: إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لبَرِيرَة: خيَّرتك لأنَّ زوجك عبد، وإنّما خيّرها فوافق أنّ زوجها كان عبدًا3. بدليل ما روى في بعض ألفاظ حديث بَرِيرَة هذا نحو: "قد ملكت نفسك فاختاري" 4. وفي لفظ: "قد ملكت بُضْعك فاختاري"، وفي لفظ: "قد عتق معك بُضْعك" وفي لفظ: "اذهبي فقد عتق معك بُضْعك"5. وقال ابن القيِّم رحمه الله: "إنَّ هذا التعليل هو أرجح المآخذ الثَّلاث

_ 1 انظر: المغني لابن قدامة (7/592) ، وزاد المعاد لابن القيم (6/169) . 2 انظر: زاد المعاد لابن القيم (6/169) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/402) . 3 انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (3/83) . 4 انظر: زاد المعاد لابن القيم (5/170) ، ونيل الأوطار (6/172) . 5 انظر هذه الألفاظ الثلاثة في فتح القدير لابن الهمام (3/403) .

وأقربها إلى أصول الشرع وأبعدها عن التناقض…1". وقد ذكر قبل هذا: أنَّ مبنى الرِّوايتين عن الإمام أحمد إنّما هو في تحقيق مناط ثبوت الخيار، لا في الاختلاف في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا"2. ثالثها: زيادة ملك الزوج عليها؛ فقد ملك عليها طلقة ثالثة لم يملكها بالعقد، وهذا تعليل لبعض الحنفيّة3. ونوقش هذا التعليل: بأنّه ضعيف جدًا؛ فإنَّ للزوج ألاَّ يفارقها البتَّة ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، إذ إنّه عقد للعمر، فلا أثر لملكه عليها طلقة واحدة، مع أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الطلاق معتبر بالنِّساء، والصحيح أنّه معتبر بمن يملك الطلاق وهو الزوج4. الرَّاجح: والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ ثبوت الخيار للمعتَقة تحت حرٍّ لا يخلو من نظر لما يلي:

_ 1 انظر: زاد المعاد (5/170) . 2 نفس المصدر (5/169) ، وانظر: الاختيارات لابن تيمية (ص223) ، وفتح القدير لابن الهمام (3/403) . 3 زاد المعاد (5/169) ، وفتح القدير (3/403) . 4 نفس المصدرين السابقين.

أوّلاً: أنَّ الحجّة في تخيير المعتقة هو حديث بَرِيرَة، وهو إنّما تقوم به الحجّة بعد ثبوت أنَّ زوجها كان حرًّا يوم أُعتقت، وقد عرفنا أنَّ الصحيح خلافه، وعلى هذا فقياس من عتقت تحت حرٍّ على من عتقت تحت عبد قياس مع الفارق بين الحرِّيَّة والرّقّ؛ فإنّه لا يخفى ما تشعر به الحرّة من النقص، والمذلّة تحت زوجها المملوك، بخلاف ما إذا كان زوجها حرًّا؛ فإنها تكون قد تساوت معه في الحرّيّة. ثانيًا: أنّه ليس في حديث بَرِيرَة عموم، أو علّة منصوصة، فيعمل بعموم نصِّه أو علّته، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إذا أعتقت الأمة فلها الخيار؛ ليشمل أزواج المعتَقات سواء أكانوا أحرارًا أم عبيدًا بقطع النظر عن واقعة الحال، بل كلُّ ما فيه أنّه صلى الله عليه وسلم خيّر بَرِيرَة، وكان زوجها عبدًا على الصحيح، وقال لها: "إن شئت أن تستقرِّى تحت هذا العبد، وإن شئت فارقْتِيه"1 رواه الدارقطني. وفي لفظ: "إن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد ... " رواه أحمد والدارقطني- وهذا لفظه- والبيهقي2. ودلالة هذا اللفظ على التعليل بعبودية زوجها أظهر من دلالة لفظ "ملكت نفسك فاختاري" أو: "ملكتِ بُضْعك فاختاري" على إثبات الخيار لها مطلقًا، ولو كان زوجها حرًّا لملّكها بُضْعها على فرض صحّة

_ 1 الدارقطني: (3/288) . 2 أحمد: (المسند6/180) ، والدارقطني: (3/289) ، والبيهقي: (7/220) .

رواية "ملكت بُضْعك فاختاري". مع أننا لا نشكُّ أنّ بَرِيرَة قد ملكت نفسها وبُضْعها حين عتقت تحت زوجها العبد، أمّا غيره فغير لازم. ثالثًا: أنَّ الأصل عدم الخيار، والرَّافع لهذا الأصل مختلف فيه، والتمسك بالأصل هنا هو الأحوط للنِّكاح المتَّفق على صحَّته، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: "العقد صحيح؛ فلا يفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه"1 اهـ والله أعلم.

_ 1 انظر: المغني (7/592) ، وقد تقدم (ص45)

الفصل الثامن: أسباب الولاية في النكاح

الفصل الثامن: أسباب الولاية في النكاح تمهيد: في بيان المقصود بأسباب الولاية في النِّكاح في هذا الفصل إنَّ الأسباب: جمع سبب، والسبب في اللغة: الحبل وكل، ُّ ما يتوصَّل به إلى غيره1. والمقصود به عند الفقهاء في هذا المبحث: العلاقة بين الولِّي والموليِّ عليه من عصبة نسب، أو ما يقوم مقامها، مما يتوصَّل به إلى ثبوت ولاية الوليّ على غيره وأحقِّيته بها. وللولاية في النِّكاح عدة أسباب: منها ما هو متَّفق عليه بين الفقهاء، ومنها ما هو محلّ خلاف، وهي بالتَّتَّبُع يمكن حصرها في ثمانية أسباب، كلُّ سبب منها قد قال به كلّ أو بعض الفقهاء، وهي كالتالي: أوّلها: القرابة النَّسبيَّة. ثانياً: الولاء. ثالثاً: الإمامة أو السلطنة. را بعاً: الكفالة. خا مساً: الإسلام. سادساً: الوكالة عن الوليّ.

_ 1 انظر: مادة (سبب) في كل من: الصحاح (1/ 145) ، القاموس وتاج العروس (1/293) ، لسان العرب (1/458) ، مقاييس اللغة لابن فارس (3/64) .

سابعاً: الوصيَّة من الوليّ. ثامناً الولاية بالملك، أي ولاية السيّد على عبيده وإمائه. وسنفرد- بعون الله- لكلّ سبب من هذه الأسباب مبحثاً خاصّاً لبيان ما يتعلّق به من أحكام. عدا السبب الأخير: وهو الولاية بالملك، فقد تقدّم في فصل الولاية على الأرِقَّاء ما يغني عن إعادته هنا، وإنِّما سنكتفي ببحث أسباب الولاية على الحرَّة صغير أم كبيرة، إذ هي الأصل في هذا الباب، وهي المقصودة- أصلأ- بهذا البحث، والله الموفِّق.

المبحث الأول: في الولاية في النكاح بسبب القرابة

المبحث الأوّل: في الولاية في النِّكاح بسبب القرابة 1- دليلها: إنَّ قرابة النَّسب هي أقوى أسباب الولاية في النِّكاح على الحرّة، صغيرة أم كبيرة، اتفافاً من حيث الجملة، فكلّ سبب غيرها إنما هو نيابة عنها، أو خلافة لها، وإنَّما قلت: إنَّه أقوى الأسباب بالاتفاق من حيث الجملة لما سيأتي من أنَّه: لا ولاية لذوي الأرحام- وهم القرابة من جهة الأم- عند الجمهور، بل الولاية في النِّكاح خاصّة بالعصبات، وهم القرابة من جهة الأب، وفي الذكور منهم خاصّة، ضرورة أنَّ المرأة مَوْلِيّ عليها في النكاح- عندهم- فلا تلي نكاح غيرها، فالولاية في هذا الباب معتبرة بجهة الآباء، لا بجهة الأمّهات. وبناء عليه اختلفوا في ولاية الابن على أمّه في النِّكاح، مع أنَّه أقوى العصبات في الميراث كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والأصل في تقديم أقرباء النَّسب في ولاية النِّكاح قوله تعالى: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 1.

_ 1 آخر سورة الأنفال.

وقوله تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} 1 فأولويَّة ذوي الأرحام ببعضهم في هاتين الآيتين شاملة لأحقِّيتهم بولاية النِّكاح والمال وغيره من الولايات الخاصّة، كما يشمل الأولوية بأحقِّية الإرث والانتساب ونحوهما. ويدلّ أيضاً على تقديم أقرباء النَّسب على غيرهم عموم أدلّة الولاية التي تقدم ذكرها في مبحث اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرة المكلفة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلابوليّ"، فإنَّ قريب النّسب هو أولى الأولياء هنا. والله أعلم. 2- نوع القرابة التى تثبت بها ولاية النِّكاح. اتفق الفقهاء على ثبوت ولاية النِّكاح للعصبات من أقرباء النسب إلا الابن- كما سيأتي. واتفقوا أيضًا على تقديمهم على غيرهم من ذوي الأرحام، بل حكى الإجماع على عدم ولاية ذوي الأرحام مع وجود العصبات2. واختلفوا في ثبوت ولاية النِّكاح لذوي الأرحام، كأب الأم، والأخ للأم، والعم للأم، والخال، ونحوهم من الأقارب من جهة الأم على قولين:

_ 1 سورة الأحزاب ـ الآية رقم: 6. 2 انظر: البحر الزخار في مذهب علماء الأمصار (4/56) .

القول الأول: أنَّه لا ولاية لذوي الأرحام، بل الولاية خاصة بالعصبات دونهم. وبهذا قال الجمهور، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة، عدا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله1 القول الثَّاني: أنَّ كلَّ من يرث بفرض أو تعصيب تثبت له الولاية في النِّكاح. وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة2 رحمه الله. سبب الخلاف: ويرجع سبب هذا الخلاف إلى اختلافهم في أصل ثبوت سبب الولاية هنا، أهو مطلق القرابة؟ أم هو نوع خاصّ من القرابة وهم العصبات؟. فعند الجمهور أنَّ شرط ثبوت الولاية للقريب في النِّكاح إنَّما هو العصوبة خاصَّة. وأمَّا على الرِّواية الثَّانية عن أبي حنيفة - رحمه الله - فهو أنَّ شرط ثبوت الولاية هو مطلق القرابة، أمَّا العصوبة فهي شرط للتقديم لا غير؛ فلا ولاية لذوي الأرحام مع العصبات، أمَّا عند عدم وجود العصبة نسبًا،

_ 1 انظر: المبسوط (4/223) ، والأم (5/14) ، والمغني (7/350) . 2 المبسوط (4/223) ، وبدائع الصنائع (3/1350 ـ 1351، 1370) ، والهداية وفتح القدير والعناية (3/285 ـ 286) .

أو ولاء، فتثبت الولاية لذوي الأرحام؛ لوجود أصل سببها وهو مطلق القرا بة1. دليل الجمهور. استدلَّ الجمهور لقَصْر الولاية في النِّكاح على العصبات دون ذوي الأرحام بما يلي: أولاً: ما روى عن عليّ - رضي الله عنه - موقوفًا عليه، ومرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "النِّكاح إلى العصبات". قال السَّرَخْسِي: "إدخال الألف واللام دليل على أنّ جميع الولاية في باب النِّكاح إنما تثبت لمن هو عصبة، دون من ليس بعصبة"2 اهـ وقال الكاساني: "فوّض كلّ نِكاح إلى كلِّ عصبة؛ لأنَّه قابل الجنس بالجنس، أو بالجمع، فيقتضى مقابلة الفرد بالفرد"3 أهـ. وهذا الخبر قد اشتهر ذكره في كتب الحنفية4 بهذا اللفظ عن عليّ رضي الله عنه موقوقاً عليه، ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية: "حديث النِّكاح

_ 1 انظر المبسوط (4/223) ، وبدائع الصنائع (3/1351، 1370) . 2 المبسوط (4/223) . 3 بدائع الصنائع للكاساني (3/ 1351) ، وانظر: فتح القدير والعناية (286/3) . 4 انظر المبسوط (4/219 ـ 223) ، وبدائع الصنائع (3/1351) ، والهداية وفتح القدير والعناية (3/277) ، وتبيين الحقائق (2/122) .

إلى العصبات لم أجده" اهـ1. وبيّض له الزيلعي في نصب الراية2. وقال أحمد شلبي في حاشيته على تبيين الحقائق: "لم يخرجه أحد من الجماعة ولا يثبت. اهـ غاية"3. وقد ذكر ابن قدامة في (المغني) ، وغيره من الحنابلة نحوه موقوقاً على عليّ رضي الله عنه بلفظ: "إذا بلغ النساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى إذا أدركن"4. وهذا الأثر قد أورده البيهقي بسنده إلى معاوية بن سويد (وهو ابن مقرِّن المزني) قال: وجدت في كتاب أبي، عن عليّ رضي الله عنه أنَّه قال: "إذا بلغ النِّساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى، ومن شهد فليشفع بخير" (5) . ثم روى بإسناده إلى أبي عبيد- وهو القاسم بن سلاَّم- قوله: "بعضهم يقول: الحقاق، وهو من المحاقّة، يعني المخاصمة، أن تحاقّ الأمّ العصبة فيهنّ، فنصُّ الحقاق إنّما هو الإدراك؛ لأنَّه منتهى الصغر، فإذا بلغ النِّساء فالعصبة أولى بالمرأة من أمّها إذا كانوا محرمًا وبتزوّجها6 أيضاً إن أرادوا، قال: وهذا يبيّن لك أنّ العصبة والأولياء غير الآباء ليس لهم أن

_ 1 الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر (2/62) . 2 نصب الراية للزيلعي (3/195) . 3 حاشية تبيين الحقائق (2/122) . 4 انظر المغني مع الشرح الكبير (7/350) . 5 البيهقي (7/121) نكاح، باب ما جاء في نكاح اليتيمة. 6 في نسخة "وبتزويجها". هـ محققه (7/121) .

يزوّجوا اليتيمة حتى تدرك، ولو كان لهم ذاك لم ينتظروا بها نصّ الحقاق، قال: ومن رواه نصّ الحقاق فإنّه أراد جمع حقيقة". اهـ1. وقال ابن الأثير في النهاية: أصل النصّ: أقصى الشيء وغايته، ثم سمِّي به ضرب من السير السريع، ومنه حديث عليّ "إذا بلغ النساء نصّ الحقاق فالعصبة أولى" أي إذا بلغت غاية البلوغ من سنّها الذي يصلح أن تحاقق وتخاصم عن نفسها فعصبتها أولى بها من أمّها) 2 اهـ. ثانياً: أنّ الأصل في الأولياء هم العصبات، فهم أهل الرأي والصيانة عمّا يلحق القبيلة من العار والشَّيْن، ولذلك كانوا مقدَّمين على ذوى الأرحام بالإجماع3. وأمَّا ذوو الأرحام فهم يُنْسبون إلى قبيلة أخرى فلا يلحقهم عار نسب غير نسبهم4. ثالثاً: أنَّ مولى العتاقة مقدّم عليهم، فلو كان لقرابتهم تأثير في استحقاق الولاية بها لكانوا مقدّمين على مولى العتاقة؛ إذ لا قرابة لمولى العتاقة5.

_ 1 البيهقي (7/121) نكاح، باب ما جاء في نكاح اليتيمة. وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (3/456 ـ 457) . 2 النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (5/64) ، وقد رمز للحديث وتفسيره بعزوه للهروي. 3 انظر: بدائع الصنائع (3/1351) ، والبحر الزخار (4/56) . 4 انظر: المبسوط (4/223) . 5 نفس المصدر السابق.

دليل أبى حنيفة- رحمه الله- فى إثبات ولاية النكاح لذوي الأرحام. لقد استُدلَّ لأبي حنيفة - رحمه الله - على إثبات الولاية لذوى الأرحام بعد العصبات بما يلي: أوَّلاً: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} 1 من غير فصل بين العصبات وغيرهم، فثبت ولاية النِّكاح على العموم إلاَّ من خُصّ بدليل2. ثانياً: ما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه أجاز تزويج امرأته ابنتها". وابنتها هذه لم تكن من ابن مسعود رضي الله عنه على الأصحّ، وإنّما جوّز نكاحها بولاية الأمومة3. ثالثاً: أنَّ للشفقة اعتبارها في ولاية النِّكاح، وهي كما توجد في قرابة الأب توجد كذلك في قرابة الأمّ؛ لوجود سببها وهو القرابة4. رابعاً: أنّ ولاية النِّكاح مرتَّبة على استحقاق الميراث؛ لاتّحاد سببهما وهو القرابة، فكلّ من استحقّ الميراث، استحقَّ الولاية؛ بدليل أنّه

_ 1 سورة النور ـ الآية رقم: 32. 2 انظر: بدائع الصنائع للكاساني (3/1351) . 3 انظرالمبسوط (4/223) ، وفتح القدير (3/287) ، ولم أقف له على تخريج، ولم يذكروا له إسناداً فينظر. 4 المبسوط (4/223) ، وبدائع الصنائع (3/1351) ، والهداية والعنهاية وفتح القدير (3/286 ـ 287) .

لا ولاية لعبد ولا لكافر على مسلمة، وإنّما يقدّم العصبات على ذوى الأرحام؛ لأنّ للميراث أسباباً هي: الفريضة، والعصوبة، والقرا بة، والعصوبة أقوى أسباب الإرث؛ لاستحقاق جميع المال بها عند الانفراد، فترتُّب أسباب الولاية على أقوى أسباب الإرث1. هذا خلاصة ما استُدِلَّ به لأبي حنيفة لإثبات الولاية في النِّكاح لذوى الأرحام، وقد نصَّ السَّرَخْسِي في (المبسوط) ، وتبعه صاحب (الهداية) 2، علي أنَّ دليل أبي حنيفة في إثبات ولاية ذوي الأرحام إنّما هو الاستحسان، فعلى هذا يكون ما سبق توجيه لهذا الاستحسان3. والله أعلم. موازنة بين القولين. ويبدو لي ممّا تقدّم أنّ في كلّ من القولين قُوَّة: أمَّا مذهب الجمهور؛ فلأنَّ هذه الولاية إنّما شرعت في حقّ المرأة نظراً لها، وصيانة لعرضها، ولنسب قومها عمَّا يلحقهم من العار بوضعها

_ 1 المبسوط (4/223) ، وبدائع الصنائع (3/1351) ، والعناية (3/287) . 2 انظر المبسوط (4/223) ، والهداية مع فتح القدير (3/285) . 3 يطلق الاستحسان عند فقهاء المذهب الحنفي بالاشتراك على معنيين: أولهما: قياس خفيت علَّته؛ لدقتها في مقابلة قياس آخر ظهرت علَّته؛ لتبادرها إلى الذهن أولاً. وثانيهما: النصوص التي جاءت على خلاف القياس؛ بطريق الاستثناء من القواعد الأصلية. انتهى نصّاً من علم أصول الفقه لأحمد إبراهيم بك (ص 100) ، وانظر أيضاً: أصول الفقه لمحمّد الخضري بك (ص333 ـ 335) .

في غير موضعها، والأنساب إنّما تعرف بالآباء لا بالأمَّهات، وهذا المعنى يكاد يكون إجماعاً- أعني أنّها شرعت لصيانة الأنساب. وأمَّا وجه القّوة فيما روي عن أبي حنيفة رحمه الله من إثبات الولاية لذوي الأرحام بعد العصبات؛ فلأن القرابة مهما بعدت فهي داعية إلى الشفقة والنظر، وإلى صيانة أعراض الأقرباء أيضاً، فإذا انقرضت القرابة من جهة الآباء، فمن أحقُّ الناس بالنظر بعدهم إن لم يكن أولئك الذين تربطهم أواصر القربى؟. وأمَّا أدلّة كلا الفريقين السابقة فلا يخلو أكثرها من نظر، وإنّما الحجَّة التي ينبغي أن يعوّل عليها هنا، هو تحقيق معنى "الوليّ" لغة، وشرعًا، وعرفاً، أيشمل قرابة الأمّهات أم هو قاصر على القرابة من جهة الآباء؟ وهذا محتمل، خاصّة بعد انقراض القرابة من جهة الآباء؛ وذلك: أنّ معنى الوليّ لغة يدور حول معنى القرب مطلقاً، سواء أكان قرباً حسّيّاً أم معنوياً، كما قاله ابن فارس وغيره1. وأما شرعاً فلم يرد نصٌّ- فيما أعلم- في بيان ترتيب الأولياء، أو في حصرهم في نوع معيّن، إلا ما روي من حديث "النِّكاح إلى العصبات" الذي تقدّم قريباً، ولكنَّ الشأن في ثبوته، وما أظنّه يثبت بهذا اللفظ، ولو

_ 1 انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (6/141 ـ 142) ، والصحاح (6/2528 وما بعدها) ، ولسان العرب (15/411 وما بعدها) .

ثبت لم يبقَ معنىً لقول من قال بصحة إنكاح النِّساء أنفسهنّ أو غيرهنّ، كما هو مذهب الحنفية، مع شهرته في كتبهم دون غيرهم، فالله المستعان. وأقرب حديث- فيما يظهر لي- يُستَدلُّ به في هذا المقام قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له"1، فإنّ هذا الحديث يدلّ على أن الأولياء محصورون في أناس معينين يمكن أن يختلفوا في أولويتهم بإنكاح المرأة أو منعها منه2. ومع هذا فإنّ الاحتمال ما زال قائماً. وأمّا عرفاً: فهو أقوى ما يمكن أن يتمسَّك به الجمهور على تخصيص العصبات دون ذوي الأرحام هنا؛ بدليل ما روي عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّها قالت لمّا خطبها النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد من أوليائي حاضراً"3، وقول عائشة - رضي الله عنها -: "يخطب الرجل إلى الرجل وليّته"4 فإنّ هذا وأمثاله يدلّ على أنَّ هناك عرفاً يميّز المقصود من الوليّ في النِّكاح5، وهم عصبة المرأة، ولكن لا يخفى أنّ محلّ الخلاف - هنا- فيما إذا لم توجد عصبة لا من النَّسب، ولا بالسَّبب أيضاً وهم عصبات الولاء بالعتق، فهل تنتقل الولاية حينئذٍ إلى السلطان أو إلى ذوي الأرحام؟ لا شك أنّ هذا محلّ نظر.

_ 1 تقدَّم تخريجه من حديث عائشة رضي الله عنها (1/112) . 2 انظر: نحو هذا في المحلى لابن حزم (9/456) . 3 تقدّم تخريجه (1/184-185) . 4 تقدَّم تخريجه (1/138-140) . 5 انظر نحو هذا في سبل السلام (3/121) .

ولصاحب (الروضة النديّة) كلام في هذا المعنى يحسن إيراده، فقد قال: "والذي ينبغي التعويل عليه – عندي - هو أن يقال: إنّ الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوّجت بغير كفء وكان المزوِّج غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات، بل قد يوجد في ذوي السّهام كالأخ لأمّ، وذوي الأرحام كابن البنت، وربّما كانت الغضاضة معهما أشدّ منها مع بني الأعمام ونحوهم، فلا وجه لتخصيص ولاية النِّكاح بالعصبات، كما أنّه لا وجه لتخصيصها بمن يرث، ومن زعم ذلك فعليه الدليل، أو النقل، بأنّ معنى الوليّ في النِّكاح شرعاً أو لغة هو هذا، وأمّا ولاية السلطان فثابتة بحديث: "إذا تشاجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له". انتهى المقصود من كلامه1. وله بقيّة لم أستحسن إيرادها؛ إذ سوّى فيها بين أبناء البنين وأبناء البنات وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات ونحوهم زاعماً أنّه لا مخصّص لذلك إلاّ أقاويل من سبق، ولا تعويل عليها عنده2. ولكنّني لا أعلم له موافقاً له على هذا القول، بل إنّ الإجماع - أو ما يشبهه - قائم على أنّه لا ولاية لأحد مع وجود العصبات بالنّسب. والله أعلم.

_ 1 انظر: الروضة النّديّة لصديق حسن خان شرح الدرر البهيّة للشوكاني (2/12 ـ 13) . 2 نفس المصدر السابق.

الرّ اجح: إنّ الترجيح الذي تطمئنّ إليه النفس هو ما يعتمد على دليل واضح، وكلّ الأدلّة السابقة محتملة، ومع هذا فالذي يبدو لي - في هذه اللحظة، والعلم عند الله تعالى -: أنّه لا مانع من ولاية ذوي الأرحام بعد انقراض العصبات من النّسب والولاء، ولكن في الذكور خاصّة دون الإناث، وعلى هذا فأولياء المرأة هم قرابتها من الذكور خاصّة، الأدنى فالأدنى الذين تلحقهم الغضاضة باستبدادها بإنكاح نفسها أو إنكاح الأجانب لها، وأنّ العصبة شرط للتقديم؛ لأنّهم الأقرب اتفاقاً كما في الميراث، وعليه فإذا انعدمت العصبة من النّسب والولاء كان أولياؤها بعد ذلك أقاربها الذكور من ذوي الأرحام، وإنّما قصرت ذلك على الذكور منهم دون الإناث؛ لقيام الدليل على بطلان إنكاح الأنثى نفسها، فغيرها من النساء من باب أولى. والله أعلم. 3ـ الترتيب بين العصبات فى ولاية النِّكاح. لقد عرفنا فيما تقدّم أنّ للعصبات بالنَّسب ولاية في النِّكاح إجماعاً، وأنَّهم مقدّمون على غيرهم باتفاق المذاهب الأربعة وغيرها. وأمّا الترتيب بينهم في ولاية النِّكاح، لتقديم أحقّهم بها، فهذا يختلف بين كلّ مذهب وآخر، بل وجد في المذهب الواحد اختلافات شتّى، أيُّ الأولياء أحقُّ بالتقديم؟ وذلك يرجع فيما يظهر لي من خلال هذا البحث إلى عدّة أسباب أهمّها ما يلي:

1- عدم وجود نصّ صريح من الكتاب أو السنّة في تبيان ترتيب الأولياء على التفصيل. 2- أنّ مفهوم الوليّ الذي ورد به النصّ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلاّ بوليّ" يقتضي تقديم الأقرب فالأقرب للمرأة. 3- أنّ أقرب أصل يرجع إليه في بيان الأقرب فالأقرب هو الترتيب بين العصبات في الميراث، ولمّا كان الترتيب بينهم في الميراث غير متفق عليه اتفاقاً كاملاً، فقد جرى هنا من الخلاف ما جرى هناك. 4- ونظراً لوجود بعض الفوارق بين أحقيّة الميراث وأهليّة الولاية في النِّكاح، لم يطّرد الترتيب بين العصبات في ولاية النِّكاح اطّراداً كاملاً حسب الترتيب في الميراث، فجرى هنا خلاف آخر؛ تبعاً لاختلاف الاجتهادات أيّ العصبات أحقّ بالتقديم؟ حتى وإن كان متفقاً عليه في باب الميراث، بل لقد وجد من العصبات في الميراث من قيل بعدم ولايته في النِّكاح "كالابن" رغم أصالته في باب الميراث، ونظراً لتشعّب الخلاف في هذه المسألة والتفريع عليها في كلّ مذهب أرى أنّ أسلم طريقة لبحث هذه المسألة هو تصديرها بالترتيب المشهور في كلّ مذهب من المذاهب الأربعة مع الإشارة إلى أهم مسائل الخلاف في نفس المذهب، ثم إتباع ذلك بمباحث تفصيليّة في كلّ مسألة للمقارنة بين مذاهب الخلاف فيها، وبيان وجهة كلّ منهم. والله الموفق.

مذاهب الفقهاء في ترتيب الأولياء من العصبات إجمالاً. أـ مذهب الحنفية: إنّ الترتيب بين العصبات في ولاية النِّكاح عند الحنفيّة كالترتيب في الإرث، والأبعد محجوب بالأقرب على النحو التالي: فأوّلهم: الابن، فابنه وإن سفل، ثم الأب، فأبوه وإن علا، ثم الأخُ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم أعمام الأب كذلك. فكلّ هؤلاء تثبت لهم ولاية الإجبار على الأنثى والذكر في حال صغرهما، وكذلك في حال كبرهما إذا جنّا، إلاّ الابن فلا يتصوّر في حقّه إلاّ ولايته على أمّه المعتوهة أو المجنونة، وكذلك تثبت لهم ولاية الاستحباب على المرأة المكلّفة كما تقدّم توضيحه في محلّه1. وقد خالف في هذا الترتيب محمد بن الحسن رحمه الله فقال: إنّ الأب مقدّم على الابن2. وكذلك خالف أبو يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في الجدّ والإخوة، فقال أبو حنيفة بتقديم الجدّ على الإخوة، وقال الصاحبان: باستوائهما في الولاية، تبعاً لاستوائهما في الميراث عندهما.

_ 1 انظر في هذا الترتيب: المبسوط (4/219) ، وفتح القدير (3/277) . 2 انظر: المبسوط (4/220) ، وبدائع الصنائع (3/1371) ، وفتح القدير (3/277) .

وصحح ابن الهمام تبعاً للسَّرَخْسِي أنّ القول بتقديم الجدّ على الإخوة قولهم جميعاً؛ لأنّ في الولاية معنى الشفقة معتبر، وشفقة الجدّ مقدّمة على شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لها الخيار في عقد الجدّ، كما لا يثبت في عقد الأب1. ب ـ مذهب المالكيّة: وأمّا الترتيب عند المالكيّة فيقدّم الأبناء فأبناؤهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة للأب والأمّ، ثم بنو الإخوة لأب، ثم الأجداد للأب وإن علوا، ثم العمومة وإن سفلوا2. إلاّ أنّ بعضهم نصّ على أنّ كلّ جدّ يقدّم على ابنه من العمومة، وعلى هذا فالذي يتقدّم العمومة مطلقا إنّما هو الجدّ الأدنى، ثم بعد ذلك كلّ أب منهم يتقدّم ابنه3. وقال المغيرة4: الجدّ وأبوه أولى من الأخ وابنه5.

_ 1 انظر: انظر المبسوط (4/219) ، وبدائع الصنائع (3/1371) ، وفتح القدير (3/277) . 2 انظر: بداية المجتهد (2/10) ، وقوانين الأحكام الشرعية لابن الجوزي (ص223) ، والكافي لابن عبد البر (1/429) ، وتفسير القرطبي (3/77) . 3 انظر: الخرشي والعدوي (3/180) ، والدسوقي مع الشرح الكبير (2/225) . 4 هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، فقيه المدينة بعد مالك. انظر ترجمته في: الأعلام (8/200) ، وشذرات الذهب (1/310) . 5 انظر: بداية المجتهد (2/10) ، وتفسير القرطبي (3/77) .

وتقدّم الأبناء على الأب مقيّد بما إذا لم تكن المرأة في حجر أبيها أو وصيّه1، وإلاّ فالمقدّم الأب أو وصيّه، وكذلك وصيّ الوصيّ2. جـ ـ مذهب الشافعية: وأمّا مذهب الشافعية فترتيب الأولياء عندهم كترتيبهم في أحقّيتهم بالميراث، إلاّ في بعض المسائل، فأحقّ النّاس بإنكاح المرأة الحرّة عندهم: أبوها، ثم أبوه وإن علا، ثم أخ لأبوين، ثمَّ لأب، ثم بنو الإخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم سائر العصبة على ترتيب الإرث بالتعصيب3. والمسائل التي يختلف فيها هذا الترتيب عن ترتيب الميراث- عندهم- هي: الأولى: الابن يقدّم في الميراث اتفاقاً، وهنا لا ولاية للابن بمحض البنوّة، وإنّما قد يلي بسبب آخر كمشاركتها في النَّسب، كأن يكون ابن

_ 1 يعبّر بعضهم بـ"التي في حجر أبيها أو وصيه"، وبعضهم بـ"المجبرة"، والمعنى واحد، والمرأة تكون مجبرة أو في حجر أبيها أو وصيه إذا كانت صغيرة مطلقاً- أي بكراً أم ثيّباً، عاقلة أم مجنونة - أو بكراً بالغة، وكذلك المجنونة البالغ بكراً أم ثيّباً. وهذه الأخيرة هي المقصودة هنا، لأنّها هي التي يتصور لها ولد، فيكون أبوها حينئذٍ مقدّماً على ابنها. 2 انظر: الحطَّاب (3/429) ، والشرح الكبير (2/225) . 3 انظر: الأمّ (5/13 ـ 14) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/151) ، وروضة الطالبين (7/59) ، وتكملة المجموع الثانية (16/155) .

ابن عم، أو مولى، أو حاكماً، أو تولّدت قرابة من المجوس، أو وطء شبهة كأن يكون ابن أخيها أو ابن عمها، فيلي نكاحها بذلك السبب لا بسبب محض البنوّة1. الثّانية: الجدّ يشارك الأخ في الميراث، وهنا يقدّم عليه اتفاقاً عندهم2. الثّالثة: الأخ الشقيق يقدّم على الأخ لأب في الميراث اتفاقاً - عندهم- وهنا فيه قولان: أظهرهما - وهو الجديد - يقدّم الأخ الشقيق على الأخ لأب، كالميراث. والقول القديم: يستويان في أحقّية الولاية، ويجرى هذان القولان في أبناء الإخوة والأعمام وبنيهم إذا كان أحدهم شقيقاً والآخر لأب3. د. مذهب الحنابلة. وأمّا ترتيبهم عند الحنابلة: فأحقّ الناس بإنكاح الحرّة هو: أبوها فأبوه وإن علا، ثم ابنها فابنه وإن نزل، ثم أخوها لأبوين، ثم لأب، ثم

_ 1 انظر: المنهاج ومغني المحتاج (3/151) ، وروضة الطالبين (7/60) . 2 انظر: مغني المحتاج (3/151) ، وروضة الطالبين (7/59) . 3 نفس المصدرين السابقين ونفس الصفحات.

بنوهما كذلك، ثم عمّها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم سائر الأولياء على ترتيب الإرث بالتعصيب1. هذا هو الترتيب المشهور في المذهب، وهناك روايات وأقوال أخر منها: 1- تقديم الابن وابنه على الأب والجدّ2. 2- تقديم الابن على الجدّ3. 3- تقديم الأخ علي الجدّ4. 4- استواء الأخ والجدّ5. 5- استواء الابن والأب6. 6- استواء الأخ الشقيق والأخ لأب في درجة واحدة، وهذا المذهب عند المتقدِّمين منهم، وكذلك الحكم في بني الإخوة، وفي الأعمام وبنيهم، ولكنّ الصحيح هو تقديم الشقيق7.

_ 1 انظر: المغني (7/346ـ 349) ، والإنصاف (8/69 ـ 70) ، وزاد المستنقع مع حاشيته السلسبيل (2/122) . 2 الإنصاف (8/69) . 3 المصدر السابق، والمغني (7/346) . 4 نفس المصدر والمغني (7/347) . 5 نفس المصدرين السابقين. 6 الإنصاف (8/69) . 7 الإنصاف (8/69 ـ 70) ، والمغني (7/348 ـ 349) .

ثانيًا: أهمُّ مسائل الخلاف فى هذا الترتيب: بعد هذا العرض لمذاهب الفقهاء في ترتيب الأوّلياء من العصبات يلاحظ أمران: أوّلهما: أنّ هذه المذاهب أو بعضها قد تتَّفق على الترتيب في جهة واحدة، أو درجة واحدة من درجات الأولياء، ولكن ليس هناك اتفاق كامل من أوّل سلسلة العصبات إلى آخرها. وثانيهما: أنّ هناك روايات وأقوالاً في نفس المذهب الواحد تختلف قوّة وضعفاً، ونظراً لقّوة تلك الأقوال أو شهرتها فلا بدّ من ذكرها وبيانها. ونظراً لتلك الملاحظتين السابقتين، فإنّه لا بدّ من كرّة أخرى تفصيليّة توضِّح أهمّ الأقوال في كلّ جهة وفي كلّ درجة؛ فإنّ الأولياء من العصبات إمّا أن يكونوا.

_ 1- أصولاً: وهم الآباء وآباؤهم وإن علوا. 2- أو فروعاً: وهم الأبناء وأبناؤهم وإن نزلوا. 3- أو فروعاً للأب: وهم الإخوة وبنوهم وإن نزلوا. 4- أو فروعاً للجدّ: وهم الأعمام وإن علوا، وبنوهم وإن نزلوا. وكلّ جهة من هذه الجهات الأربع تختلف درجاتهم فيها قرباً وبعداً. فأوّل درجات الأصول: هو الأب، ثم أبوه، فأبوه وإن علا. وأوّل درجات الفروع: هو الابن ثم ابنه فابنه وإن نزل. وأمّا فروع الأب والجدّ: وهم الإخوة والأعمام فيختلفون درجة وقوّة، فدرجة الأخ مقدّمة على ابنه، وكذلك العم مقدّم على ابنه،

ويختلفون قوّة أيضاً، فمن يدلي بجهتين أقوى ممّن يدلي بجهة واحدة، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، والعم الشقيق أقوى من العم لأب، وكذلك أبناؤهم فلنبدأ بهم على النحو التالي: أوّلاً: مرتبة الأب. ثانياً: مرتبة الجدّ. ثالثاً: مرتبة الابن. رابعاً: مرتبة الأخ وابنه. خامساً: مرتبة العم وابنه. وإليك تفصيلها: في المطلب الثّالث التالي: ثالثاً: مراتب العصبات وأدلّتها بالتفصيل. 1ـ مرتبة الأب. إنّ للأب في ولايته على ابنته ما ليس لغيره من الأولياء، بل إنّ الولاية له ولفروعه وأصوله دون غيرهم عند الشافعيّة ومن وافقهم. وليس هناك سبب آخر يشاركه إلاّ البنوة عند الجمهور. وعلى هذا فإذا اجتمع أب المرأة وابنها، فأيّهما أحقّ بإنكاحها؟ في هذا ثلاثة أقوال للفقهاء: الأوّل: أنّ الأب أحقّ بإنكاحها من الابن.

وهذا مذهب الشافعيّة، والحنابلة، ومحمد بن الحسن من الحنفيّة، وكذلك المالكيّة إذا كانت في حجر أبيها1. والثَّاني: أنّ الأب في المرتبة الثانيّة بعد الابن وأبنائه وإن نزلوا. وهذا مذهب الحنفيّة عدا محمد بن الحسن، ومذهب المالكيّة إن لم تكن في حجر أبيها2. الثّالث: استواء الأب والابن في درجة واحدة. وهو قول بعض الحنابلة كما تقدّم3. الأدلّة: أـ استدل من قدّم الأب على الابن بما يلي: 1 ـ أنّ الولد موهوب لأبيه، كما قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى4} ، وقول زكريَّا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة} 5، وقول

_ 1 راجع الترتيب في المذاهب السابقة. (ص73 وما بعدها) . 2 راجع الترتيب في المذاهب السابقة. (ص73 وما بعدها) . 3 راجع مذهب الحنابلة السابق. (ص 77) . 4 سورة الأنبياء ـ الآية رقم: 90. 5 سورة آل عمران ـ آية رقم: 38.

إبراهيم عليه السلام: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق1} وقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" 2. وولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس3. 2ـ أنّ الأب أكمل نظراً، وأشدّ شفقة على ابنته، ممّا يحمله على طلب الحظّ لها أكثر من غيره4. 3- أنّ الأب يلي ولده في صغره، وفي سفهه وجنونه، فيليه في سائر ما يثبت عليه من الولاية، ولذلك اختص بولاية المال، وجاز له أن يشتري لها من ماله، وله من مالها، إذا كانت صغيرة، بخلاف غيره5. 4ـ أنّ في الولاية نوعاً من الاحتكام، واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس؛ بخلاف الميراث؛ فإنّه لا يعتبر له نظر، ولهذا يرث الصغير

_ 1 سورة إبراهيم ـ آية رقم: 39. 2 هو حديث صحيح، وقد ورد من حديث جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً. كذا في إرواء الغليل (3/323 ـ 330) ، وانظر أيضاً: (6/65 منه) . 3 انظر: المغني (7/346) . 4 انظر: المغني (7/346) ، والمبسوط (4/220) ، والتكملة الثانية للمجموع (16/155) . 5 انظر: المغني (7/346) .

المجنون، وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث، بخلاف ولاية النِّكاح1. 5ـ أنّ كلّ الأولياء يدلون به عدا الأبناء2. 6ـ أنّ الأب من قومها، والابن ليس كذلك، فهو ينسب إلى أبيه، فاستحقّ الأب الولاية؛ لقوّة قرابته3. ب ـ وأمّا من قدّم الابن على الأب فى ولاية النِّكاح: فاستدلّ بأنّ الابن مقدّم على الأب في الميراث؛ فهو أقوى منه تعصيباً؛ ولذلك لا يستحقّ الأب معه إلاّ السدس من الميراث بالفريضة، ومبنى الولاية على العصوبة، فلمّا كان أقوى تعصيباً في الميراث، كان أحقّ بالتقديم من الأب في ولاية النِّكاح4. جـ ـ وأمّا من سوّى بين الابن والأب في درجة واحدة: فقد رأى أنّ كلاً منهما قد وجد فيه سبب التقديم، أمّا الأب فلأنّه من قومها وأشفق عليها، وأمّا الابن فلأنّه أقوى تعصيباً في الميراث، وكلّ واحد من هذين السببين داع للتقديم؛ فاستويا في القوّة؛ فاستحقّا الولاية معاً، وقال

_ 1 المغني لابن قدامة (7/346) . 2 مغني المحتاج (3/151) . 3 بدائع الصنائع (3/1371) . 4 انظر: المغني (7/346) ، والخرشي (2/180) ، والمبسوط (4/220) .

أبو يوسف - رحمه الله - إنّ الأولى أن يفوّض الابن – حينئذٍ - الأب في الإنكاح، إجلالاً واحتراماً واحترازاً عن موضع الخلاف1. 2ـ مرتبة الجد في ولاية النِّكاح: وأمّا مرتبة الجدّ- أب الأب- في أحقّيته بولاية النِّكاح، ففيها الأقوال التالية: 1ـ أنَّه أحقُّ بالولاية بعد أبيها وإن علت درجته، فيقدّم الأقرب فالأقرب منهم، سواء على قول من يقدّم جهة الأبوّة، مطلقاً كالشافعيّة والحنابلة، أم على قول من يقدّم جهة البنوّة على الأبوّة، كمذهب المالكيّة ومذهب أبي حنيفة وأبي يوسف2. 2- استواء الأخ والجدّ في مرتبة واحدة، وهذه رواية عن الإمام أحمد وقول أبي يوسف ومحمد كما تقدّم3. 3- تقديم الإخوّة وبنيهم على الجدّ الأدنى- وهو أب الأب- وهذا مذهب المالكيّة كما تقدّم4. ورواية عن الإمام أحمد بتقديم الأخ خاصّة على الجدّ5.

_ 1 انظر: بدائع الصنائع (3/1371) . 2 تراجع المذاهب السابقة في ترتيب العصبات (ص 73 وما بعدها) . 3 تراجع نفس الصفحات السابقة. 4 راجع مذهب المالكية (ص 74) . 5 راجع مذهب الحنابلة (ص 77) .

4- تقديم كلّ جدّ على ابنه من العمومة فقط، فيقدّم الجدّ الأدنى على العم الأدنى، كما يقدّم العمّ الأدنى على أب الجدّ، وهكذا كلّ أب يتقدّم ابنه، وهذا مذهب المالكيّة، وإن كان بعضهم يطلق القول بتقديم الأجداد على الأعمام، كابن رشد وابن جزي1. الأدلَّة: أـ وقد استدلَّ من قدّم الجدّ على الابن وأبنائه بنفس الأدلَّة على تقديم الأب على الابن، فينزّل الجدّ وإن علا منزلة أبيه- عند عدمه- كما ينزّل الابن وإن نزل منزلة أبيه، فالجدّ أب وإن علا، كما أن ابن الابن ابن وإن نزل2. كما استدلَّ أيضًا من قدّم الابن على الجدّ بنفس الأدلَّة على تقديم الابن على الأب وأولى. وأمّا من قدّم الجدّ على الإخوة أيضاً، فلأنّ الجدّ أقوى تعصيباً من الإخوة في الميراث، فالجدّ لا يسقط إلاّ بالأب، أمّا الأخ فيسقط بالأب وبالابن، وكذلك إذا ضاق المال وفي المسألة جدّ وأخ سقط الأخ دون الجدّ، فوجب تقديمه على الأخ في الولاية3.

_ 1 يراجع الترتيب السابق في مذهب المالكية (ص 74) . 2 انظر: المغني (7/346 ـ 347) . 3 انظر: المغني (7/247) ، والمبسوط (4/219) .

وأيضاً: فإنّ للجدّ ولاية على النفس والمال جميعاً، بخلاف الأخ فلا ولاية له في المال1. ب ـ وأمّا من سوّى بين الأخ والجدّ في أحقّيّة الولاية، فهذا فرع عن التسوية بينهما عنده في الإرث، ولكن لا يخفى أنّ هناك فرقاً بين استحقاق الولاية وبين استحقاق الميراث؛ فالميراث لا يعتبر له كمال النظر؛ ولهذا يرث الصبي والمجنون، والولاية نوع من الاحتكام بخلاف الميراث2. ثم إنّه يَرِدُ عليه ما تقدّم قريباً من أنّ الجدّ أقوى في الميراث من الإخوة. وقد ذكر ابن الهُمام تبعاً للسَّرَخْسِي قول أبي حنيفة بتقديم الجدّ على الإخوة، وقول الصاحبين بالتسوية بينهما، بناء على أصلهما في الميراث، ثم قال: والأصح أنّ الجدّ أولى بالتقديم اتفاقاً3. وقال ابن قدامة في توجيه ما روي عن الإمام أحمد من تقديم الأخ خاصة على الجدّ بأنّ: "الجدّ يدلي بأبوّة الأب، والأخ يدلي ببنوّة، والبنوّة مقدّمة"4. أي لأنّها أقوى تعصيباً.

_ 1 انظر: المبسوط (4/219) . 2 انظر: المغني (7/347) . 3 فتح القدير (3/277) ، والمبسوط (4/219) . 4 انظر: المغني (7/347) .

ولكن يَرِدُ على هذا ما سبق من الفرق بين الولاية والميراث، وبقوّة تعصيب الجدّ على تعصيب الأخ في الميراث أيضاً. ج ـ وأمّا من قدّم أبناء الإخوة على الجد‍ّ أيضاً فهذا تابع لتقديم الإخوة عليه. د ـ وأمّا من قدّم بعض العمومة على بعض الجدود، فقال بتقديم كلّ جدّ على ابنه فقط. فهذا نظر لقرب الدرجة فيما يظهر، والله أعلم. 3 ـ ولاية الابن في النِّكاح ومرتبته. وأمّا الابن فإنّ البحث في ولايته في النِّكاح ينقسم إلى قسمين: أوّلهما: في ثبوت ولايته في النِّكاح. ثانيهما: في مرتبة ولايته في سلّم العصبات، عند من يقول بولايته. فأمّا المسألة الأولى: وهي ثبوت ولاية الابن في النِّكاح ففيها قولان مشهوران: الأوّل: ثبوت ولايته. وهذا مذهب الجمهور ومنهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والمزني من الشافعية1.

_ 1 راجع الترتيب السابق للعصبات في مذهب الحنفيّة والمالكية والحنابلة (ص73 وما بعدها) . وانظر للمزني من الشافعيّة: مغني المحتاج (3/ 151) ، ونهاية المحتاج (6/232) ، وتحفة المحتاج (7/248) .

والثَّاني: أنَّه لا ولاية للابن على أمّه في النِّكاح بمحض البنوّة، ولكن قد يستحق الولاية عليها في النِّكاح بسبب، آخر غير البنوّة، كأن يكون ابن ابن عمّها، أو مولى لها، أو حاكماً، أو تولّدت بينه وبينها قرابة نسب بسبب نكاح شبهة، أو نكاح في حال الكفر، كأن يكون ابن أخيها أو ابن عمّها، فيلي عليها بذلك السبب، لا بسبب البنوّة المحضة. وهذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه1، وهو مذهب ابن حزم الظا هري أيضاً2. الأدلة: استدلَّ الجمهور على إثبات الولاية في النِّكاح للابن على أمّه بما يلي: 1 ـ بما رواه عمر بن أبي سلمة، عن أمّه أمّ سلمة رضي الله عنها - في حديثها المتقدّم - وفيه: أنّها قالت لابنها عمر هذا: قم فزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم3. 2- عموم قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} 4. فهذا خطاب للأقارب، وأقربهم الأبناء5.

_ 1 انظر ترتيب العصبات في مذهب الشافعيّة المتقدّم. (ص75) . 2 انظر: لابن حزم المحلى (9/451) . 3 تقدّم تخريجه والكلام على إسناده وعلّته فراجعه (1/ ص184 وما بعدها) . 4 سورة النور ـ آية رقم: 32. 5 انظر: نيل الأوطار (6/141) ، والمغني لابن قدامة (7/348) ، والمبسوط (4/ 220) .

3- وقياساً على الميراث، فإنّ الابن فيه عصبة اتفافاً، بل إنّه أقوى العصبات1. دليل مذهب الشافعيّة على عدم إثبات الولاية للابن على أمّه فى النِّكاح: واستدلَّ من لم يثبت للابن ولاية على أمّه في النِّكاح كالشافعيّة ومن وافقهم بما يلي: 1 ـ أنّ الولاية في النِّكاح تثبت للأولياء لدفع العار عن النَّسب، ولا نسب بين الابن وأمّه، فالقرابة بينهما لا ينسب أحدهما بسببها إلى الآخر، ولا ينسبان أيضاً إلى من هو أعلى منهما، فلم يكن له ولاية عليها، كابن الأخت والأخ للأمّ2 2- أنّ الولاية في النِّكاح إنّما شرعت طلباً لحظّ المرأة والإشفاق عليها، والابن يعتقد أنّ تزويجه أمّه عار عليه، فلا يطلب لها الحظّ؛ لأنّ طبعه ينفر من ذلك، فلا يستحقّ ولاية نكاحها3.

_ 1 انظر: المبسوط (4/220) . 2 انظر: الأمّ (5/14) ، وتكملة المجموع الثانية (16/156، 158) ، ومغني المحتاج (3/151) . 3 انظر: الأمّ (5/14) ، وتكملة المجموع الثانية (16/156، 158) ، ومغني المحتاج (3/151) .

هذا خلاصة ما قاله الشافعيّة في منع ولاية الابن. وقد أجاب الجمهور عن القول الأوّل - وهو أنّ الابن غير مناسب لها - بأنّه منتقض بما إذا كان الابن حاكماً أو مولى1. وكذلك القول بأنَّ طبعه ينفر من تزويجها يبطله ما إذا كان الابن ابن ابن عمّ2. وأجاب عنه الشافعيّة: بأنّ البنوّة غير مقتضية للولاية، وليست مانعة منها، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضى الولاية فإنّ وصف البنوّة لا يمنع من ذلك3. كما أجاب الشافعيّة عن حديث أمّ سلمة بما يلي: 1 ـ أنّ نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى وليّ، وإنّما قال له ذلك تطييباً لخاطره4. 2 ـ أنّ عمر بن أبي سلمة كان- حينذاك - طفلاً صغيراً، فكيف يصحّ تزويجه؟ 5.

_ 1 انظر: المغني لابن قدامة (7/347 ـ 348) . 2 انظر: المصدر السابق. 3 انظر: مغني المحتاج (3/151) . 4 انظر في هذا: مغني المحتاج (3/151) ، وكذلك نهاية المحتاج (6/232) . وراجع حديث أمّ سلمة هذا فيما تقدّم، فقد تمّ بسط القول فيه هناك (ص1/184 وما بعدها) . 5 انظر المراجع السابقة.

3 ـ وعلى فرض أنّه كان بالغاً فيكون تزويجه لها ببنوّة العمومة؛ فإنّه كان من بني أعمامها، ولم يكن لها وليّ أقرب منه، والابن إذا كان مشاركاً لأمّه في نسبها صحّ تزويجه لها اتفاقاً1. 4 ـ احتمال: أن يكون المخاطب في هذا الحديث هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس عمر ابنها؛ فإنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان السفير بينهما، وهو نسيب لها، فتكون لفظة "ابنها" وهم من الراوي2. والله أعلم. الرَّا جح: والذي يبدو لي- والله أعلم- أنّ القول بإثبات الولاية في النِّكاح للابن، كثبوتها للأب وعصبته لا يخلو من نظر - وإن كثر القائلون به - والذي أميل إليه في هذا هو مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله-، وهو أنّه لا ولاية للابن على أمّه بمحض البنوّة، وذلك لما يلي: أوّلاً: أنّ جهة الأمومة لا مدخل لها في إثبات ولاية النِّكاح عند الجمهور ومنهم المالكيّة والحنابلة، ولذلك منعوا ولاية الأخ لأمّ، والخال، وغيرهما، من قرابة الأمّ، والابن هنا غير مشارك لأمّه في النَّسب؛ فلا قرابة بينه وبينها – حينئذ - إلاّ بجهة الأمومة خاصّة.

_ 1 انظر في هذا: مغني المحتاج (3/ 151) ، وكذلك نهاية المحتاج (6/232) . وراجع حديث أمّ سلمة هذا فيما تقدّم (1/ ص 184 وما بعدها) . 2 انظر: مصادر التعليق السابق.

والقول بولايته له وجه من النظر على المشهور من مذهب الحنفيّة، وهو أنّ المرأة المكلّفة يصحّ لها تزويج نفسها بدون وليِّها؛ وعلى هذا فلها أن تفوّض نكاحها إلى من شاءت قريباً أم بعيداً، وهذا أقرب إلى الوكالة منه إلى الولاية، كما قرّره الحنفيّة أنفسهم أنّه إنّما يسمّى وليّاً- حينئذ- مراعاة لقرابته، وإلاّ فهو وكيل حقيقة. ويدلّ على هذا اتفاق أئمة الحنفيّة الثلاثة على أنّه لا ولاية لذوي الأرحام مع وجود العصبات في الولاية على الصغار والمجانين، وهي الولاية الحقيقيَّة عندهم في النِّكاح، ثم إنّ أبا يوسف ومحمدًا لم يجعلا لذوي الأرحام ولاية مطلقاً وإن لم يوجد عصبة أيضاً، فتنتقل الولاية بعد العصبات إلى الحاكم. بينما أثبتها لهم أبو حنيفة- رحمه الله- في رواية إن لم يوجد لها عصبة، وبهذا يتَّضح أنَّ الأئمة الأربعة وأصحابهم يتفقون على أنّ جهة الأمومة لا تُستحقّ بها الولاية في النِّكاح مطلقاً، أو مع وجود قرابة الآباء، أو العصبات مطلقاً، فكيف أثبتوا لابن المرأة الولاية عليها في النِّكاح؟. ثانياً: وأمّا تعليل من أثبت الولاية للابن بأنّه عصبة لها اتفافًا، ففي هذا إجمال وتناقض، فإن كان قصدهم بذلك أنّه عصبة لها اتفافاً في الميراث فنعم، ولكن ما الدليل على إجراء استحقاق ولاية النِّكاح مجرى استحقاق الإرث؟ فليس في هذا نصّ ولا إجماع، بل إنّ أقرب الأئمة إلى هذه القاعدة - وهو أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه وهي: أنّ كلّ من استحقّ الإرث استحقّ الولاية في النِّكاح -، إنّما قصد بها من تثبت لهم

نوع ولاية من حيث الجملة؛ بدليل أنّه إذا وجد أب الصغيرة فإنّه لا يشاركه في ولايتها في النِّكاح أحد، لا عند أبي حنيفة ولا غيره، وبدليل ما تقدّم عنه قريباً من أنّه لا ولاية للأمّ ولا لغيرها من ذوي الأرحام إذا وجد العصبة أيّاً كان نوعها نسباً أو ولاء. وأمّا إن كان مرادهم بالتعصيب: ما روي عن عليّ رضي الله عنه موقوفاً أو مرفوعًا بلفظ "النِّكاح إلى العصبات1" فهذا يحتاج إلى ثبوته أوّلاً، وما أظنُّه يثبت بهذا اللفظ، ثم إنّه لا يلزم منه أن يكون العصبات هنا هم عصبات الميراث، بل يحتمل أنّه قصد بذلك الرجال المشاركين لها في النَّسب. وأمّا ما روي عن عليّ رضي الله عنه موقوفاً عليه بلفظ "إذا بلغ النساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى"2. فهذا يدلّ صراحة على أنّ مراد عليّ- رضي الله عنه - بالعصبات هنا هم عصبات الصغيرة، والصغيرة لا ابن لها، فبطل القول بإدخال الابن ضمن العصبات فيما روي عن عليّ بلفظ "النِّكاح إلى العصبات"، ثم ما المقصود بالأولويّة هنا؟ أهي أولويّة الحضانة أم التزويج؟ والأوّل أظهر؛ بدليل مشاركة الأمّ للعصبات في هذا الحقّ، ولا مشاركة للأمّ مع العصبات على مذهب الجمهور مطلقاً، ولا على مذهب الحنفيّة إن كانت ابنتها صغيرة، أو مجنونة، أعني مع وجود

_ 1 تقدّم تخريجه (ص 63) . 2 تقدّم تخريجه (ص 64) .

العصبة، وأمّا إن كانت ابنتها كبيرة عاقلة فلا حقّ في تزويجها لأحد على المشهور من مذهب الحنفيّة، ومن الغريب أن يشتهر الاستدلال بهذه الرواية عن عليّ موقوفة، ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "النِّكاح إلى العصبات" في كتب الحنفيّة مع أنّها أقوى حجّة عليهم - لو صحّت - على اشتراط الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلّفة، لأنّ الحصر يفيد ذلك. والله أعلم. ثالثاً: وأمّا حديث أمّ سلمة رضي الله عنها فإنّه أقوى حجّة للجمهور- لو صحّ سنده، وسلمت وجهة دلالته - وقد تقدّم الكلام عليه إسنادًا ودلالة في مبحث احتجاج الحنفيّة به على إثبات إنكاح الحرّة المكلّفة نفسها. وذلك أنّهم قالوا: إنّ ابنها عمر بن أبي سلمة كان صغيراً ليس أهلاً لولاية النِّكاح، ففوّضت ذلك إليه فهو قائم مقامها. وحاصل ما تقدّم: أنّ في إسناد هذا الحديث: (ابن عمر بن أبي سلمة) وهو مجهول، ثم على فرض صحته واتصاله فمن هو الذي زوّج أمّ سلمة حقيقة؟ أهو ابنها عمر هذا كما ورد صريحاً في بعض ألفاظ هذا الحديث؟ أم هو ابنها الآخر: سلمة بن أبي سلمة؟ وكان أكبر من أخيه عمر؟: وهذا اختيار ابن كثير. أم أنّ الذي زوّجها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ فإنّه كان السفير بينهما، وهو نسيب لها، واسمه موافق لاسم ابنها الصغير، فوهم الراوي وظنّه عمر ابنها؟ أم أنّ وليّها حقيقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بولاية

السلطنة؟ لعدم وجود أحد من أوليائها كما هو صريح تلك الرواية؟ أم أنّه خصوصية له صلى الله عليه وسلم؟ لأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ 1. ولا يصح الاستدلال به حينئذٍ للجمهور إلاّ على القول بأنّ الذي زوّجها هو أحد ابنيها (عمر، أو سلمة) ومع هذا فيعكّر على هذا الاستدلال أمران: أوّلهما: أنّ ابنيها كانا صغيرين، وأحسن أحوالهما بلوغ سنّ التمييز فكيف يستدل به من يشترط بلوغ الوليّ؟ وهم أكثر المحتجّين بهذا الحديث، بل إنّني لا أعرف من قال بصحة ولاية الصبيّ المميّز في المذاهب الأربعة خاصّة إلاّ ما روي عن الإمام أحمد: أنّ الصبيّ إذا بلغ عشراً زوّج وتزوّج2. وثانيهما: أنّ ابنيها كانا مناسبين لها كما تقدّم3 ـ أي من بني أعمامها ـ وعلى هذا فلا يحتجّ به على ثبوت الولاية بالبنوّة المحضة. والله أعلم.

_ 1 انظرما تقدّم (1/ ص 184 وما بعدها) . 2 انظر: المغني والشرح الكبير (7/356 والشرح 426) . وراجع الولاية على الصغار (1/ 366 وما بعدها) . 3 تقدم قريباً في إجابة الشافعيّة (ص 89) . وراجع المبحث المتقدم في حديث أمّ سلمة هذا (1/ 184 وما بعدها) .

ترتيب الابن فى سلّم العصبات (عند من قال بولايته) . وأمّا المسألة الثانية: فهي ترتيب الابن في سلّم العصبات عند من قال بولايته في النِّكاح، وفيها الأقوال الثلاثة التي سبقت في مرتبة الأب وهي: 1ـ تقديم الأبوّة مطلقاً على البنوّة مطلقاً، وعلى هذا فيكون الأب، وأبوه وإن علا مقدّماً على الابن، وابنه وإن نزل. 2ـ تقديم البنوّة مطلقاً على الأبوّة مطلقاً، أي عكس الأولى. 3ـ استواء الابن والأب في درجة واحدة. وقد تقدّم بيان من قال بها ووجهة نظركلّ في ذلك1، فلا حاجة إلى إعادتها مرّة أخرى. وهنا زيادة روايتين عمّا سبق: كلتاهما عن الإمام أحمد رحمه الله وهي لا تخرج عن الأقوال السابقة وهما: 1ـ تقديم الابن على الجدّ خاصّة، وتوجيه هذه الرواية يتبع القول في تقديم الابن على الأب2. 2ـ استواء الجدّ وابن الابن في درجة واحدة، وهذه الرِّواية أيضاً تخريج على القول باستواء الأب والابن في درجة واحدة، وخرّجها بعض الحنابلة على رواية استواء الأخ والجدّ3.

_ 1 تقدّم (ص 80 وما بعدها) . 2 انظر: المغني (7/346) ، والإنصاف (8/69) . 3 انظر: الإنصاف (8/69) .

4ـ مرتبة ولاية الإخوة: المقصود بالإخوة في هذا المبحث هم: الإخوة الأشقاء، أو لأب، وأمّا الأخ لأمّ فليس هو من العصبات - التي هي محلّ بحثنا هذا ـ وإنّما قد يلي عند عدم العصبات بقرابة ذوي الأرحام كما في الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكذلك قد يلي بالولاية العامة التي تُستَحقّ بمجرَّد الإسلام، كما هوالمشهور عند المالكيّة. وترتيب الإخوة الأشقاء أو لأب في سلّم العصبات فيه الخلاف المشهور في الجدّ والإخوة، وقد سبق أهمّ ما قيل فيه في مبحث "مرتبة الجدّ في الولاية" وحاصله ثلاثة مذاهب. القول الأوّل: أنّ ترتيب الإخوة وبنيهم في ولاية النِّكاح يأتي بعد الأصول والفروع، فلا ولاية لأخ وابنه وإن نزل مع أب وأبيه وإن علا، ولا مع ابن وابنه وإن نزل عند من يقول بولاية الأبناء، وهم الجمهور. وهذا القول هو مذهب الحنفيّة، والحنابلة، وكذلك الشافعيّة القائلين بعدم ولاية الابن أصلاً1. وحجّة هذا القول: أنّ الإخوة أقرب العصبات بعد الأصول والفروع، وأقواهم تعصيباً، وأحقّهم بالميراث2. وأمّا ما يختص بتقديم الجدّ عليهم فقد تقدّم في مبحث الجدِّ3.

_ 1 راجع المذاهب السابقة في ترتيب العصبات إجمالاً. (ص73 وما بعدها) . 2 انظر: المغني (7/348) ، والمبسوط (4/219) . 3 انظر مبحث "مرتبة الجد في الولاية" (ص83) .

القول الثَّاني: أنّ الإخوة وبنيهم مقدّمون على الجدّ. وهذا هو المشهور من مذهب المالكيّة1، ولم أجد من نصّ على توجيه هذا القول إلاّ ما أشار إليه ابن رشد بقوله: "وسبب اختلافهم في الجدّ هو اختلافهم فيمن هو أقرب هل الجدّ أو الأخ"؟ 2 اهـ. وقد ذكر ابن قدامة رواية للإمام أحمد رحمه الله توافق مذهب المالكيّة هذا في تقديم الأخ على الجدّ، وقال في توجيهها: "لأنَّ الجدّ ـ يدلي بأبوّة الأب، والأخ يدلي ببنوّة، والبنوّة مقدّمة"3. اهـ. وهذا التوجيه يتفق مع مذهب المالكيّة؛ لقولهم بتقديم البنوّة مطلقاً على الأبوّة مطلقاً، فيكون من يدلي بالبنوّة - وهو الأخ - مقدّماً على من يدلي بالأبوّة وهو الجدّ. والله أعلم. القول الثَّالث: هو استواء الأخ والجدّ في درجة واحدة، وهي رواية عن الإمام أحمد، وقول أبي يوسف، ومحمد، وهذا بناء على استوائهما في الميراث بالتعصيب، فيستويان في الولاية كالأخوين، كما تقدّم4.

_ 1 راجع ترتيب العصبات عند المالكية. (ص74) . 2 بداية المجتهد (2/10) . 3 المغني (7/347) . 4 راجع ما تقدّم في مرتبة الجدّ في الولاية (ص83) .

استواء الإخوة فى الدّرجة واختلافهم في القوّة. وأمّا إذا اجتمع الإخوة في درجة واحدة واختلفت قوّة مراتبهم كالأخ الشقيق مع الأخ لأب، ففي استوائهما في أحقّية الولاية أو تقديم أحدهما على الآخر قولان مشهوران: القول الأوّل: أنّهما سواء في أحقّية الولاية. وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو المذهب عند المتقدِّمين من أصحابه، وبه قال أبو ثور، والشَّافعي في القديم، وزفر من الحنفيّة1. ووجهة هذا القول: أنّ الأخ لأبوين والأخ لأب قد استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية - وهي جهة الأب - فاستويا في استحقاق الولاية، والأخ الشقيق إنّما يترجّح في الميراث بجهة الأمومة، وقرابة الأمّ لا مدخل لها في ولاية النِّكاح، فلم يترجّح بها هنا، كالعمّين أحدهما خال، وابني العمّ أحدهما أخ لأمّ2. والقول الثَّاني: هو تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب: وهذا مذهب الأئمة أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد،

_ 1 انظر: المغني لابن قدامة (7/348) ، والإنصاف (8/69) ، والمبسوط (4/219) وروضة الطالبين (7/59) . 2 انظر المغني لابن قدامة (7/348) ، وروضة الطالبين (7/59) ، والمبسوط (4/219) .

وهي الرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد وعليها المذهب عند متأخري أصحابه1. ووجهة هذا القول ما يلي: 1ـ أنّ الولاية حقّ يستفاد بالتعصيب، فقدّم فيه الأخ لأبوين على الأخ لأب2. 2- وقياساً على استحقاق الميراث بالولاء، فإنَّة لا مدخل للنِّساء فيه، وقد قدّم فيه الأخ لأبوين 3. 3- ولأنّه وليّ القصاص، فقد قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا} 4، ولو قُتِل رجل وله أخ لأبوين، وأخ لأب، كان القصاص للأخ لأبوين، دون الأخ لأب، فدلّ على تقديمه5. والله أعلم.

_ 1 راجع الترتيب السابق للعصبات إجمالاً في المذاهب الأربعة (ص73) وانظر: أيضاً: المغني (7/348) ، والإنصاف (7/69) ، والخرشي والعدوي (2/180) ، ومغني المحتاج (3/151) . 2 انظر: المغني (7/349) ، والمبسوط (4/219) . 3 المغني (7/349) . 4 سورة الإسراء- آية رقم: 33. 5 التكملة الثانية للمجموع (16/155) .

والرّاجح: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب؛ فإنَّ جهة الأمومة وإن كان لا مدخل لها في أصل ثبوت الولاية، فإن ذلك لا يمنع الترجيح بها؛ فإنّها زيادة قرابة هي مظنَّة للشفقة والنظر، وذلك معتبر في الولاية، وعلى هذا فيقدّم الشقيق من الإخوة وأبنائهم وكذلك الأعمام وأبناؤهم على غير الشقيق. والله أعلم. 5- مرتبة ولاية الأ عمام في النِّكاح: يأتى ترتيب العمومة في أحقّية الولاية متأخِّرًا عن الأصول والفروع، وفروع الأب وهم الإخوة عدا ما تقدم ذكره عن بعض المالكية من القول بالتفصيل بين الأعمام والأجداد، وهو أنَّ كلَّ أب يتقدَّم ابنه فقط1. ولكنَّ الرَّاجح هو تقديم الجدّ مطلقًا وإن علا، على الأعمام والإخوة، بل وحتى على الأبناء كذلك، بناء على أنَّ الرَّاجح تقديم الأصول على الفروع مطلقاً. وأمّا الأعمام فيما بينهم: فإنَّ الشقيق يتقدَّم على العمِّ لأب، وكذلك ابن العم الشقيق يتقدَّم على ابن العمِّ لأب، وهكذا كما تقدَّم في الإخوة.

_ 1 راجع ترتيب العصبات السابقة على مذهب المالكية (ص74) .

ويتفرَّع على تقديم الشقيق على غيره مسائل يراعى فيها الأقوى عند الاستواء في درجة واحدة وهي كثيرة، وإنّما نكتفي بذكر ثلاث مسائل للتمثيل. المسألة الأولى: إذا اجتمع ابنا عم أحدهما أخ لأم فأيُّهما يقدم؟ قيل: هما سواء؛ لاستوائهما في التعصيب والإرث به. وقيل: فيهما الخلاف في الشقيق مع ولد الأب، وطرد هذا القول جمهور الشافعية في الجديد، والقاضي من الحنابلة1. فعلى هذا يقدّم ابن العم الذي هو أخ لأمِّ بجهة الأمومة؛ بناء على أنَّ الرَّاجح تقديم الشقيق على غيره. واختار ابن قدامة القول الأوّل، ووافقه بعض الحنابلة؛ وذلك لأنَّ جهة الأم في هذه المسألة يرث بها منفردة، وما ورث به منفردًا لم يرجّح به، ولذلك لم يرجّح بها في الميراث، ولا في غيره2.

_ 1 انظر: روضة الطالبين (7/59) وتكملة المجموع الثانية (16/156) . وللحنا بلة: المغني (7/ 349) ، والإنصاف (8/70) والمبدع (7/ 32) . 2 انظر: المغني (7/349) .

المسألة الثّانية: إذا اجتمع ابنا عمّ أحدهما لأبوين، والآخر لأب، ولكنّه أخوها من الأمّ فأيّهما يقدّم؟ اختار الشافعيّة تقديم ابن العمّ لأب الذي هو أخوها لأمّها؛ لإدلائه بالجدّ والأمّ، وولد الأبوين يدلي بالجدّ والجدّة1. واختار ابن قدامة تقديم ولد الأبوين؛ بناء على أنّ الرّاجح تقديم الشقيق، ولم يعتبر الترجيح هنا بجهة الأمومة؛ لأنّه يرث بها منفردة، كما في المسألة السابقة2. المسألة الثّالثة: ابنا عمّ أحدهما معتِق: على القولين في الأخ الشقيق والأخ لأب. المسألة الرّابعة: ابنا عمّ أحدهما خال: فهما سواء قولاً واحداً، نصّ على ذلك الشافعيّة في الصورتين3. وإلى هنا ينتهي ما أمكن بيانه من خلاف الفقهاء في ترتيب الأولياء من العصبات النسبيّة إجمالاً وتفصيلاً، وأولاها بالاختيار مذهب الشافعيّة وهو أنّ: وليّ الحرّة: أبوها، فأبوه وإن علا، ثمّ أخوها، فابنه وإن

_ 1 انظر: روضة الطالبين (7/59) ، ونهاية المحتاج (6/232) ، وتحفة المحتاج (7/ 347) ، ومغني المحتاج (3/151) . 2 انظر: المغني (7/348 ـ 349) ، وكشاف القناع (5/51) . 3 انظر: روضة الطالبين (7/60) ، والتكملة الثانية للمجموع (16/156) ، ومغني المحتاج (3/151) ونهاية المحتاج (6/232) .

نزل، ثمّ عمّها، فابنه وإن نزل، ويتقدّم الشقيق من الإخوة والأعمام وأبنائهم على غير الشقيق إذا استوت درجتهم. والله أعلم. رابعاً: أثر الترتيب بين الأولياء في ولاية النِّكاح: إنّ للترتيب بين الأولياء أثره في أحقيّة الوليّ بالولاية، وفي انتقالها عنه إلى غيره، وإن كان تام الأهليّة، وهذا الأثر يتجلّى في كثيرٍ من المسائل وأهمّها المسائل التالية: المسألة الأولى: إذا اجتمع الأولياء واستووا درجة وقوّة فمن يزوّج منهم؟ المسألة الثَّانيه: إذا أنكح الوليّ الأبعد مع حضور الأقرب فما الحكم؟ المسألة الثّالثة: إذا عضلها الوليّ الأقرب فمن يزوّجها؟ المسألة الرَّابعة: إذا غاب الولُّي الأقرب فمن يزوّجها؟ وإليك بيان ذلك بالتفصيل ما أمكن. والله الموفِّق والمعين. المسألة الأولى: إذا استوى الأولياء فمن يزوّج منهم؟ إذا اجتمع الأولياء واتّحد سبب الولاية، واستووا في الجهة والدّرجة والقوَّة، كالإخوة الأشقاء – مثلاً - فقد اتفق الفقهاء - رحمهم الله - على أنّ كلاً من أولئك أولياؤها، وأنّه إذا تقدّم أحدهم بإذن بقيّتهم فزوّج

المرأة كفؤاً بإذنها أنّ عقده صحيح، وأنّ المستحب أن يقدّموا أفضلهم وأكبرهم وأحسنهم نظراً في الولاية. واختلفوا فيما إذا انفرد أحدهم بدون إذن الآخرين، وإليك عرضاً لمذاهبهم في هذه المسألة: أولاً: مذ هب الحنفيّة: أنّه لا يشترط اجتماعهم، فأيّهم زوّجها جاز ذلك، وذلك لما يلي: 1 ـ ما رواه الحسن البصري، عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أنكح الوليّان فهو للأوّل". رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، والطيالسي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم1. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والعمل علي هذا عند

_ 1 تخريجه: 1- أحمد: (المسند 5/8، 11، 12، 18) . 2- أبوداود: (6/ 111 عون المعبود) نكاح، باب: "إذا أنكح الولياّن". 3- الترمذي: (4/248 تحفة) نكاح، باب: ما جاء في الوليين يزوِّجان. 4 ـ النسائي: (7/ 314) مع حاشيتي السيوطي والسندي) البيوع، الرجل يبيع السلعة فيستحقها مستحق. 5- الطيالسي: (2/305 منحة المعبود) نكاح، باب قوله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلاّ بولي" وما جاء في العضل. 6- الحاكم: (2/175) وصححه وأقرّة الذهبي. 7- البيهقي: (7/139، 141) . وانظر من كتب التخريج: التلخيص الحبير (3/ 188-189) ، وإرواء الغليل (6/254 ـ 255) . (تنبيه) : كثيراً ما يُعزى هذا الحديث لابن ماجه أيضاً، إلا أنَّ الذي وقفت عليه في سننه إنِّما هو الجزء الثاني من لفظ هذا الحديث المتعلّق بالبيوع بلفظ "أيّما رجل باع بيعاً من رجلين فهو للأول منهما"، وبلفظ "إذا باع المجيزان فهو للأول" (2/738) ، تجارات، باب إذا باع المجيزان فهو للأوّل، ولم أجد اللفظ الآخر المتعلق بالنكاح، فلعلّه في موضع آخر، أو أنّ المقصود بالعزو إليه أصل الحديث. والله أعلم.

أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً: إذا زوّج أحد الوليين قبل الآخر، فنكاح الأوّل جائز، ونكاح الآخر مفسوخ. وإذا زوّجا جميعاً فنكاحهما جميعاً مفسوخ، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق"1. اهـ وقد صحّحه الحاكم وغيره2، إلا أنّ في سماع الحسن البصري من سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه خلافاً مشهوراً، مع ما عرف عنه رحمه الله من التدليس أيضاً، فلا يكفي سماعه من سمرة مطلقاً، بل لابدّ من خصوص سماعه لهذا الحديث منه لثبوت صحته3. والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أيضاً الإمام أحمد بن حنبل، والبيهقي، عن الحسن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، إلاّ أنّ الصحيح رواية الحسن، عن سَمُرة، كما قاله البيهقي رحمه الله4.

_ 1 انظر: الترمذي (4/248) . 2 انظر: إرواء الغليل (6/254 ـ 255) . 3 نفس المصدر. 4 انظر قول البيهقي (7/ 141) . وانظر الرواية المذكورة في: 1- المسند (4/149) . 2- البيهقي (7/139) نكاح، باب الوكالة في النكاح و (7/141) باب نكاح الوليين. وهناك رواية ثالثة لهذا الحديث عند الدرامي (2/63 ـ 64) ، والبيهقي (7/140 ـ 141) ، (عن الحسن، عن سمرة أو عقبة) أي على الشكّ من الراوي، ولكن الاعتماد هنا على رواية الحسن البصري عن سمرة كما قاله البيهقي. والله أعلم.

وإذا ثبت هذا الحديث فهو ظاهر الدلالة على تصوّر انفراد بعض الأولياء بالتزويج بدون علم الآخر، وإلاّ لما كان هناك تصوّر لتكرار العقد من ولييّن؛ ولذلك قال السَّرْخَسِي في المبسوط: "وفي هذا تنصيص على أنّ كلّ واحد منهما ينفرد بالعقد"1. 2- أنّ سبب الولاية هنا القرابة، وهو غير محتمل للوصف بالتجزيء، والحكم الثابت أيضاً غير متجزيء وهو النِّكاح، فيجعل كلّ واحد من الأولياء كالمنفرد به؛ لثبوت صفة الكمال في حقّ كلّ واحد منهم بكمال السبب، وكونه غير محتمل للتجزيء كما في ولاية الأمان، فإنّها تثبت لكلّ واحد من المسلمين بهذا الطريق، وهذا بخلاف ما إذا كان سبب الولاية هو الملك أو الولاء، فالسبب هناك متجزيء في نفسه؛ فلم يتكامل في حقّ كلّ واحد منهم؛ بدليل أنّ أحد الموليين لا يرث جميع المال بالولاء، بخلاف ما إذا تفرّد به أحد الأخوين فإنّه يأخذ جميع المال2.

_ 1 المبسوط (4/218) . 2 انظر: المبسوط (4/218 ـ 219) ن وبدائع الصنائع (3/1374) ، وفتح القدير (3/289) ، والبحر الرائق (3/128) .

ثانياً: مذهب المالكيّة: وأمّا مذهب المالكيّة ففيه تفصيل، وهو: إن كان الوليّ مجبراً - كأبويّ من ألحقتها القافة بهما، وكالوصيّين - فلا يصحّ بدون إذن الآخر، كالشريكين في الأمة، ويفسخ إن وقع حتى ولو أجازه الوليّ المجبر بعد ذلك. وأمّا إن لم يكن الوليّ مجبراً، فيصحّ وإن لم يأذن الآخر. فإن تشاحّ الأولياء في تعيين الزوج، أو فيمن يتولّى العقد فحاصل المذهب كما قاله ابن عبد البرِّ: أن ينظر الحاكم في ذلك فما رآه سداداً ونظراً أنفذه، وعقده أو ردّه إلى من يعقده منهم، وقد قيل: يأمر أحدهم بالعقد، ولا يعقده هو مع وليّ حاضر مرشد، والأوّل تحصيل المذهب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الأولياء "فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له" 1، ولقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تُنْكَح المرأة إلاّ بإذن وليّها أو ذي الرأي من أهلها أوالسلطان"2. اهـ.

_ 1 تقدّم تخريجه (1/ 112) . 2 الكافي لابن عبد البر (1/429) ، وقول عمر بن الخطاب تقدّم تخريجه (1/ 145) . وانظر لتقرير مذهب المالكيّة هذا، كل من: المدوّنة (3/143) ، والحطاب والمواق (3/432، 439 ـ 444) ، والخرشي والعدوي (3/183، 191) ، والزرقاني والبناني (3/177، 185) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/227، 232) .

ثالثاً: مذهب الشافعيّة: وأمّا مذهب الشافعيّة ففيه تفصيل يرجع إلى اعتبار إذن المرأة لهم جميعاً أو لبعضهم، أو عدم إذنها مطلقاً، وكذلك إلى إذن الأولياء لبعضهم أو تشاحّهم على توليّ العقد. فأمّا ما يرجع إلى إذن المرأة فلا يخلو من ثلاثة أحوال هي: الأوّل: أن تعيّن المرأة أحدهم وتأذن له دون غيره، ففي هذه الحال لا يزوّجها غيره إلاّ بوكالة عنه، فإن زوّجها الآخر لم يصحّ قطعاً. والثَّاني: أن تأذن لكلٍّ منهما على انفراده، أو تعيّن الخاطب، فتقول أذنت في فلان، فمن شاء من أوليائي فليزوّجني به، ففي هذه الحال يستحب أن يزوّجها أفضلهم فقهاً، أو ورعاً، أو أكبرهم سنّاً، فإن تعارضت تلك الصفات قدّم الأفقه، فالأورع فالأكبر. أمّا الأفقه: فلانّه أعرف بشروط العقد، وقيّده بعضهم بأعلمهم في باب النِّكاح. وأمّا الأورع: فلأنّه أشفق وأحرص على طلب الحظّ لها، وأبعد عن التُّهمة.

وأمّا الأسنُّ: فلأنّه أكثر تجربة، وأخبر با لأكفاء، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سهل لمّا تقدّم للكلام بين يديه قال له: "كبّر كبّر" 1 أي قدّم الأكبر منك سنّاً، فتقدّم محيّصة فتكلَّم. فإن تقدّم ـ حينئذ ـ المفضول، أو الأصغر، فزوّجها في هذه الحال بكفء صحّ ولا اعتراض للباقين. والثالث: أنَّ تأذن لأوليائها إذناً مطلقاً- أي بدون تعيين أحد منهم ـ فتقول: زوّجوني، ففي هذه الحال يشترط اجتماعهم ـ على الأصحّ عندهم ـ فيأذن الأولياء لأحدهم، فيزوّج بالولاية عن نفسه، وبالوكالة عن بقيَّة الأولياء، فلو عيّنت المرأة بعد إطلاق الإذن واحداً منهم لم ينعزل الباقون، قطع بذلك البغوي وصححه النووي2. وأمّا إن تشاحّ الأولياء ولم يقدّموا واحداً منهم وقد أذنت المرأة لكلِّ واحدٍ منهم ففيه ما يلي: 1ـ إن بادر أحدهم فزوّجها برضاها صحّ قطعاً، بدون كراهة.

_ 1 الحديث رواه الستّة وغيرهم، انظر تخريج الدارمي للسيد عبد الله هاشم يماني (2/109) ، وانظر للبخاري: كتاب الجزيّة، باب الموادعة والمصالحة للمشركين. (6/275 الفتح) . وانظر لمسلم أوّل كتاب القسامة (11/143) وما بعدها مع شرح النووي) . 2 أي في الروضة (7/88) .

2ـ وإن لم يسبق أحدهما فلا يخلو: إمّا أن يكون الخاطب واحداً أو متعدّداً، فإن اتّحد الخاطب أُقْرِع بين الأولياء وجوباً قطعاً للنزاع، فمن خرجت قرعته زوّج، ولا تنتقل الولاية في هذه الحال إلى السلطان؛ لأنّ هذا لا يعدّ عضلاً منهم، وإنِّما العضل الامتناع من تزويجها، فإن زوّجها بعد القرعة غيرُ من خرجت قرعته صحّ أيضاً ـ على الأصحّ عندهم ـ لأنّه وليّ مأذون له، وقيل: لا يصحّ ليكون للقرعة فائدة، وأجاب من صحّحه بأنّ فائدة القرعة قطع النزاع بينهم، لا سلب الولاية عمّن خرجت له. وأمّا إن تعدّد الخاطب فالمعتبر رضى المرأة، فإن رضيت بالجميع أمر القاضي بتزويجها من أصلحهم بعد تعيينه1. رابعاً: مذهب الحنابلة. وأمّا مذهب الحنابلة ففيه تفصيل يرجع إلى إذن المرأة وإلى تشاحّ الأولياء. 1ـ فإن أذنت المرأة لواحد منهم بعينه تعيَّن، ولم يصحّ إنكاح غيره ممّن لم تأذن له؛ لعدم الإذن، وعن الإمام أحمد رواية: إن أجازه من عيّنته

_ 1 انظر للشافعية: روضة الطالبين (1/87 ـ 88) ، والتكملة الثانية للمجموع (16/156) ، والمنهاج ومغني المحتاج (3/160) ، ونهاية المحتاج (6/248 ـ 249) ، وتحفة المحتاج (7/268) .

صحّ وإلاّ فلا1. 2- وأمّا إن أذنت المرأة لكلِّ واحد منهم أن يزوّجها صحّ تزويج كلّ واحد منهم؛ لأنَّ سبب الولاية موجود في كلِّ واحد منهم، والأولى تقديم أفضلهم علماً، وديناً، وورعاً، وخبرة، ثم أسنَّهم2، ثم يقرع بينهم، واستدلوا لاستحباب تقديم الأكبر بقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سهل "كبّر كبّر" 3 أي قدّم الأكبر منك سنّاً، وذلك أنّه لما قدم محيّصة4 وحويّصة5 وعبد الرحمن6 بن سهل، وكان أصغرهم سنّاً، فبدأ بالكلام مخبراً النبي صلى الله عليه وسلم بقصة قتل اليهود لأخيه عبد الله بن سهل، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلَّم من هو أكبر منه سنّاً ممّن كان معه.

_ 1 انظر: الإنصاف (8/88) . 2 قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: "ظاهر كلام أحمد يقتضي أن لا أثر للسنِّ هناك وأصحابنا قد اعتبروه". (من الإنصاف 8/87) . 3 متفق عليه، البخاري (12/229 مع الفتح) ومسلم (3/1294) . 4 هو: محيّصة ـ بضم الميم وفتح الحاء ـ المهملة ـ وكسر الياء المشدّدة، ويقال بإسكان الياء، وهو ابن مسعود بن زيد بن كعب. انظر ترجمته فى: تهذيب الأسماء واللغات (2/85 من القسم الأول) . 5 حويّصة: هو أخو محيّصة: وهو بتشديد الياء ويجوز تخفيفها ساكنة، والأشهر التشديد. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 171 من القسم الأول) . 6 عبد الرحمن: هو عبد الرحمن بن سهل بن زيد بن كعب، وهو ابن عم حويّصة ومحيّصة. انظر ترجمته وترجمة أخيه (عبد الله القتيل في هذه القصة) في: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 271، 297 من القسم الأول) .

وأمّا إجراء القرعة بينهم: فلتساوي حقوقهم، ولما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا سافر أقرع بين نسائه، فأيّهما خرجت لها القرعة خرجت معه في سفره1؛ وذلك لتساوي حقوقهنّ. وأمّا إن تشاحّ الأولياء، وقد كانت المرأة قد أذنت لكلِّ واحد منهم، فإنَّه يقرع بينهم؛ لأنَّهم تشاحّوا في الحقّ وتعذّر الجمع؛ لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله من إجراء القرعة بين نسائه إذا أراد السفر بهنّ لتساوي حقوقهنّ فكذلك هنا. فإن بدر واحد من الأولياء فزوّج كفؤاً بإذنها صحّ، وإن كان أصغرهم أو المفضول، وكذلك إن كان من خرجت القرعة لغيره في أقوى الوجهين عندهم؛ لأنَّه تزويج صادر من وليّ كامل الولاية بإذن مولّيته فصحّ، كما لو انفرد، والقرعة إنِّما هي لإزالة المشاحّة، وذكر أبوالخطاب2 أنّه إن خرجت القرعة لغيره كان هو الأولى فلم يصحّ

_ 1 الحديث في هذا رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها انظر: البخاري (9/209 مع الفتح) نكاح، باب القرعة بين النِّساء اذا أراد سفراً. ومسلم (15/209 نووي) فضائل الصحابة، باب فضل عائشة رضي الله عنها. وانظر تخريج السيد عبد الله هاشم يماني على سنن الدارمي (2/68) نكاح، باب الرجل يكون عنده النسوة. 2 هو: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، إمام الحنابلة في عصره، المتوفي سنة 510 هـ. انظر ترجمته في: الأعلام (6/178) ، ومعجم المؤلفين (8/188) ، وطبقات الحنابلة (1/116 ـ 127) .

إنكاحه كالأبعد مع الأقرب1. وبعد هذا العرض للمذاهب الأربعة في بيان من هو أحقّ بالتقديم إذا اجتمع أولياء النَّسب واستوت درجتهم وقوّة قرابتهم، يمكن تلخيصها فيما يلي: أوّلاً: أن يكون للمرأة أكثر من أب، كمن ألحقتها القافة بأبوين فأكثر، كما نصّ على ذلك المالكيّة وبعض الحنابلة2. ففي هذه الصورة لا يزوّجها أحدهم إلاّ بإذن الآخر، ولا ينبغي ـ فيما يظهر لي ـ أن تكون محلَّ خلاف؛ إذ إنّ الأب الحقيقيّ لها واحد منهم، وإنّما لم ينصّ عليها بعض الفقهاء لندرتها. والله أعلم. ثانياً: اختلافهم في تعيين من عيّنته المرأة من الأولياء، والظاهر أنّه لا يتعيّن؛ وذلك لما سبق من أنّ حقّ الوليّ العقد، وحقّ المرأة الرضى، وعلى هذا فالحرّة المكلّفة لا تزوّج إلاّ برضاها، وأمّا إبطال حقّ ثابت للوليّ فليس لها ذلك؛ لأنّه ثبت شرعاً بغير رضاها، فلا تملك إسقاطه إلاّ أن يمتنع من تزويجها مطلقاً، أو يصرّ على إنكاحها بمن لا ترضاه من غير سبب شرعيّ، فحينئذ يكون عاضلاً لها ويسقط حقّه في الولاية.

_ 1 انظر: المغني والشرح الكبير (7/405 والشرح 442 ـ443) الإنصاف (8/87 ـ 88) ، وكشاف القناع (5/59) ، والمبدع (7/42) ، وشرح منتهى الإرادات (3/22) . 2 انظر للمالكيّة ما تقدّم (ص107) ، وللحنابلة: شرح منتهى الإرادات (3/23) .

ثالثاً: اشتراط اجتماع الأولياء لتقديم أحدهم: ومن تأمّل المذاهب السابقة وجدها تجمع على أنّه ليس بشرط، وإنّما الخلاف بينهم في الأولى بالتقديم، وفي تعيين من عيّنته المرأة رغم أنّ لاشتراطه وجهاً من النظر؛ لأنّ الولاية حقّ ثابت لهم جميعاً، وليس أحدهم أولى به من الآخر، إلاّ أنّ حديث سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه في تزويج الوليّين وهو: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما1 ". دالّ على صحّة تزويج أحد الوليّين دون علم الآخر؛ إذ لو أذن أحدهما للآخر لما وقع التزويج منهما جميعاً، وقد تقدّم قول الترمذي إنّ هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم. والله أعلم. مسألة تزويج الوليّين: إنّ مسألة تزويج الوليّين مسألة مشهورة عند الفقهاء والمحدّثين، وهي لا تخرج عن ثلاث حالات: الأولى: أن يعلم السابق منهما. الثّانية: أن يقع العقدان معاً ويعلما. الثّالثة: أن يجهل السابق منهما. فأمّا الحالة الأولى: وهي إذا سبق أحد النِّكاحين الآخر وعلم فلا يخلو من حالين:

_ 1 هذا لفظ أبي داود، وتقدّم تخريجه في أول هذا المبحث (ص104) .

أوّلهما: أن يعلم ذلك قبل دخول الثّاني، فنكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل اتفافاً. وثانيهما: أن يعلم ذلك بعد دخول الثّاني: ففي ذلك قولان مشهور ان: القول الأوّل: أنّ نكاح الأوّل هو الصحيح، ونكاح الثّاني باطل أيضاً، لا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده. وهذا مذهب الجمهور1. والقول الثّانى: أنّ الثّاني يصير بالدخول أولى بها من الأوّل. وهذا مذهب الإمام مالك وابن القاسم2. الأدلّة: أوّلاً: دليل الجمهور: استدل الجمهور على صحة عقد الأوّل بما يلي: 1ـ ما رواه الحسن البصري، عن سَمُرة بن جُنْدُب وعقبة بن

_ 1 انظر للحنفية: فتح القدير (3/289 ـ 290) . وللشافعية: روضة الطالبين (7/88) ، مغني المحتاج (3/ 61) ، تحفة المحتاج (7/269) ، نهاية المحتاج (6/249) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (7/404 والشرح 443 ـ 444) ، والمبدع (7/ 42) ، وكشاف القناع (5/59) . 2 انظر: بداية المجتهد (3/11) ، والحطاب والمواق (3/439 ـ 440) ، والخرشي والعدوي (3/191) ، والشرح الكبير والدسوقي (2/233) ، والزرقاني والبناني (3/185) .

عامر - رضي الله عنهما - أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيّما امرأة زوّجها وليّان فهي للأوّل منهما، ومن باع بيعاً من رجلين فهو للأوّل منهما". وهذا الحديث قد رواه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي والدارمي، والحاكم، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه1. ورواه أحمد والبيهقي عن الحسن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه2. وفي رواية للدارمي والبيهقي "عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب أو عقبة بن عامر" ـ أي على الشك من بعض رواته3. ورواية الحسن عن سمرة أصح4 كما قال البيهقي. وقد حسّنه الترمذي5، وقال الحاكم ـ بعد تخريجه ـ: هذا الطريق الواضح التي ذكرتها لهذا المتن كلّها صحيحة على شرط البخاري

_ 1 تقدّم تخريجه (ص104) . 2 تقدّم تخريجه (ص105) . 3 انظر: الدارمي (2/63 ـ 64) ، والبيهقي (7/140- 141) . والشك هنا من: سعيد بن أبي عروبة، الراوي عن قتادة، عن الحسن البصري، كما قاله البيهقي (7/140) ، والألباني في إرواء الغليل (6/254) . 4 انظر: البيهقي (7/141) ، وإرواء الغليل (6/254) . 5 الترمذي مع التحفة (4/248) .

ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي1. ونقل الحافظ في التلخيص تصحيحه عن أبي زرعة وأبي حاتم، وقال: "وصحته متوقّفة على سماع الحسن من سَمُرة، فإنّ رجاله ثقات، لكن اختلف فيه على الحسن"2 اهـ. وقال الألباني في (إرواء الغليل) ـ تعقيباً على قول الحافظ هذا: "بل صحته متوقّفه على تصريح الحسن بالتحديث؛ فإنّه كان يدلّس كما ذكره الحافظ نفسه في ترجمته في (التقريب) 3، فلا يكفي والحالة هذه ثبوت سماعه من سَمُرة في الجملة، بل لا بدّ من ثبوت خصوص سماعه في هذا الحديث كما هو ظاهر"4 اهـ. ومع هذا فقد قال الترمذي ـ رحمه الله ـ: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً: إذا زوّج أحد الوليّين قبل الآخر، فنكاح الأوّل جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا

_ 1 المستدرك (2/175) . 2 التلخيص الحبير (3/188) . 3 انظر ترجمته في: التقريب (1/165) ، وتهذيب التهذيب (2/263 ـ 270) ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ترجمته (1/144) واسمه الحسن بن أبي الحسن البصري، ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلّس. 4 إرواء الغليل (6/255) .

زوّجا جميعاً فنكاحهما جميعاً مفسوخ. وهذا قول الثوري وأحمد وإسحاق"1 اهـ. 2ـ ما روي عن عليّ - رضي الله عنه - أنّه قال: "إن دخل بها الثّاني وهو لا يعلم أنّها ذات زوج فرّق بينهما بغير طلاق، ولها عليه مهر مثلها"2. وهذا الأثر قد أخرجه البيهقي بإسناده إلى قتادة3، عن خِلاَس4: أنّ امرأة زوّجها أولياؤها بالجزيرة من عبيد الله بن الحرّ، وزوّجها أهلها بعد ذلك بالكوفة، فرفعوا ذلك إلى عليّ رضي الله ففرّق بينها وبين زوّجها الآخر، وردّها إلى زوّجها الأوّل، وجعل لها صداقها بما أصاب من فرجها، وأمر زوجها الأوّل أن لا يقربها حتى تنقضي عدتها"5.

_ 1 انظر: الترمذي مع تحفة الأحوذي (4/248) . 2 ذكره في المبدع (7/42) ، وأشار إليه صاحب المغني (7/404) . 3 هو: قتادة بن دِعامة ـ بكسر أوّله ـ ابن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع عشرة بعد المائة، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (2/123) ، وتهذيب التهذيب (8/351 ـ 356) . 4 هو: خِلاَس ـ بكسر أوّله وتخفيف اللام ـ ابن عمرو الهَجَري ـ بفتحتين ـ البصري، ثقة وكان يرسل وكان على شرطة عليّ رضي الله عنه، وقد صحّ أنّه سمع من عمار، كذا في التقريب (1/230) . ورمز له برواية أصحاب الكتب الستة. وانظر: تهذيب التهذيب (3/176 ـ 178) . 5 البيهقي: (7/141) نكاح، باب إنكاح الوليين.

قال الألباني: رجاله ثقات، لكنّه منقطع، خِلاَس لم يسمع من عليّ كما قاله أحمد وغيره1. 3 ـ ولأنّ نكاح الأوّل خلا من مبطل، والثَّاني تزوّج امرأة في عصمة غيره، فكان نكاحه باطلاً، كما لو علم أنّ لها زوجاً2. 4 ـ ولأنّ نكاح الثّاني باطل لو خلا من الدخول اتفافاً، فكان باطلاً وإن دخل بها كنكاح المعتدّة، وكما لو علم3. ثانياً: وأمّا دليل القول الثّانى وهو ما روي عن مالك ومن معه من أنّها للأوّل ما لم يدخل بها الثّاني، فهو: 1ـ ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: "إذا أنكح الوليّان فالأوّل أحقّ مالم يدخل الثّاني"4.

_ 1 إرواء الغليل (6/255) . 2 انظر: المغني لابن قدامة (7/404) . 3 انظر: المصدر نفسه. 4 لم أقف على تخريج هذا الأثر، وقد ذكره ابن قدامة في المغني (7/404) وقال الألباني في إرواء الغليل: "لم أقف عليه" اهـ (6/254) . وقد رأيت في الموطأ نحو هذا إلاّ أنّه في المرأة التي يطلقها زوجها وهو غائب ثم يراجعها فلا تبلغها رجعته ونصّها: "قال مالك: وبلغني أنّ عمر بن الخطاب قال في المرأة يطلقها زوجها وهو غائب عنها، ثم يراجعها فلا يبلغها رجعته، وقد بلغها طلاقه إيّاها، فتزوّجت أنّه إذا دخل بها زوجها الآخر أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأوّل الذي كان طلقها إليها، قال مالك: وهذا أحبّ ما سمعت إليّ في هذا وفي المفقود". اهـ. الموطأ مع شرح الزرقاني (3/200) طلاق، باب عدّة التي تفقد زوجها. ثم قال الزرقاني: "هذا مذهبه في الموطأ، ومذهبه في المدوّنة أنّها تفوت بدخول الثَّاني فيهما لا بعقده وهو المشهور في المذهب". (نفس الجزء والصفحة) .

2ـ ولأنّ الثّاني اتصل بعقده القبض فكان أحقّ1. وعقّب عليه ابن قدامة في (المغني) بعد توجيه هذا القول بقوله: "أمّا حديث عمر فلم يصححه أصحاب الحديث، وقد خالفه حديث عليّ رضي الله عنه، وجاء على خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذكروه من القبض لا معنى له؛ فإنّ النِّكاح يصحّ بغير قبض، على أنّ لا أصل له فيقاس عليه، ثم يبطل بسائر الأنكحة الفاسدة"2 اهـ. وقال ابن رشد: "سبب الخلاف في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس، وذلك أنّه قد روي أنّه عليه الصلاة والسلام قال: "أيّما امرأة أنكحها وليّان فهي للأوّل منهما"3، فعموم هذا الحديث أنّها للأوّل دخل بها الثّاني أو لم يدخل، ومن اعتبر الدخول فتشبيهاً بفوات السّلعة في البيع المكروه، وهو ضعيف"4 اهـ.

_ 1 انظر: المغني (7/404) . 2 انظر: المغني (7/404) . 3 تقدم تخريجه (ص104) وانظرص 116 وما بعدها. 4 بداية المجتهد (2/12) .

وأمّا الحالة الثَّانية: وهي أن يُعْلم وقوع النِّكاحين معاً بدون سبق لأحدهما فهما باطلان اتفاقاً1؛ لأنّ الجمع ممتنع، وليس أحدهما أولى به من الآخر2. وأمّا الحالة الثّالثة:- وهي أن لا يعلم السابق من النِّكاحين - ففي هذه الصورة خلاف وتفصيل للفقهاء، إليك بيانه: القول الأوّل: فسخ النِّكاحين جميعًا، لا فرق بين أن لا يعلم كيفيّة وقوعهما، أو علم أنّ أحدهما وقع قبل الآخر لا بعينه، أو علم بعينه ثم جهل، كأن يشتبه بالآخر أو ينسى، فالحكم في جميعها واحد وهو فسخ النِّكاحين جميعاً، وهذا مذهب الجمهور3، ومنهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على تفصيل فيمن يفسخ أهو الحاكم؟ أم الزوجان؟ ثمّ تتزوّج

_ 1 كذا قيل: ـ حتى إنّ ابن رشد المالكي قال: وأمّا إن أنكحاها معاً فلا خلاف في